الصليب فخرنا – للقديس كيرلس الأورشليمي ترجمة د جورج عوض

الصليب فخرنا – للقديس كيرلس الأورشليمي ترجمة د جورج عوض

العظة الثالثة عشر للمؤمنين حديثًا [1] “صُلِب وقُبر” للقديس كيرلس الأورشليمي ترجمة د جورج عوض

الصليب فخرنا – للقديس كيرلس الأورشليمي ترجمة د جورج عوض

الصليب فخرنا

 

1ـ صليب الرب هو فخرنا العظيم

إن كل عمل فعله المسيح هو بمثابة فخر للكنيسة الجامعة، لكن أكثر الأعمال فخرًا هو صليبه. وبولس الرسول يعرف هذا الأمر، لذا قال: ” وأما من جهتي فحاشا لي أن أفتخر إلاّ بصليب ربنا يسوع المسيح ” (غلا14:6).

لأنه كان أمرًا عجيبًا أن يرى المولود أعمى في بركة سلوام (انظر يو7:9)، لكن هذا الأمر العجيب والمدهش لم يحمل أى فائدة لعميان المسكونة كلها. وكان بالتأكيد أمرًا مدهشًا وعظيمًا وفوق طبيعي، أن يقوم لعازر بعد أربعة أيام من موته، لكن نعمة القيامة قد انحصرت فقط فيه.

وأتساءل ما هي نتيجة قيامته على الذين كانوا أمواتًا بالخطايا في كل المسكونة؟ أيضًا لهو أمر عجيب أن يُطعِم المسيح خمسة آلاف نفس من خمس خبزات (انظر مت21:14)، لكن ما نتيجة هذه المعجزة بالنسبة للذين يجوعون جهلاً ـ جهل معرفة الله ـ في كل المسكونة؟ (انظر عا11:8).

كذلك أمر عجيب أن تنحل المريضة المربوطة منذ ثمانية عشر عامًا من الشيطان وتنفك قيودها، لكن ما نتيجة ذلك بالنسبة لنا نحن المقيدون بشدة بحبال خطايانا؟ (انظر أم22:5).

 

2ـ مات المسيح لأجلنا على الصليب وفدَّى كل العالم

مات المسيح لأجلنا على الصليب وفدَّى كل العالم لأن الذي مات لأجل الجميع لم يكن مجرد إنسان بل ابن الله وحيد الجنس. إن كانت الخطية تمكنّت بإنسان واحد ـ آدم ـ أن تحمل الموت إلى العالم، أي بخطية الإنسان الواحد ـ آدم ـ ساَّد الموت على العالم، كيف لا تملك الحياة بالأكثر ببر الإنسان الواحد ـ المسيح؟ (انظر رو17:5).

وإن كان الأبوين الأولين طُردا من الفردوس بسبب أنهما أكلا من ثمار الشجرة (انظر تك24:3). فكم بالحري يدخل بسهولة كل الذين يؤمنون إلى الفردوس بفضل شجرة صليب يسوع؟ إن كان المخلوق الأول من الأرض جلبَّ الموت إلى كل المسكونة، كيف لخالقه الذي كوّنه من الأرض (راجع تك2) لا يُحضِر الحياة الأبدية، إذ أنه الحياة؟ (يو6:14).

إن كان فينحاس الذي قتل ـ من غيرته ـ الذي فعل أفعالاً قبيحة وأوقف غضب الله (راجع عد11:8)، أليس المسيح الذي لم يقتل أحدًا بل أعطى ذاته فدية (انظر 1تيمو6:2) لا يستطيع أن يُزيل الغضب المضاد للبشر؟

 

3ـ ذبيحة المسيح على الصليب أبطلت كل الذبائح ومنحت الخلاص

إذًا دعونا لا نخجل من صليب المخلّص بل بالحري نفتخر به. لأن الافتخار بالصليب هو عثرة لليهود وجهالة للأمم (انظر 1كو18:1ـ23)، لكن بالنسبة لنا هو خلاص إذ بالنسبة لأولئك الذين يتبعون طريق الهلاك هو جهالة، أما بالنسبة لنا نحن الذين خلصنا هو قوة الله (انظر 1كو18:1). لأنه لم يكن المسيح مجرد إنسان مات لأجل كل البشر بل هو ابن الله الذي تأنس.

إن كان في زمن موسى طَرد حمل الفصح الملاك الذي أراد أن يُهلك البشر ـ بعيدًا (انظر خر23:12)، ألا يُحرّر بالأكثر حمل الله، المسيح، الذي يرفع خطية العالم، من الخطايا؟ أيضًا إن كان دم الحمل غير العقلي منَّح نجاة، ألا يخلص بالحري جدًا دم ابن الله وحيد الجنس؟

إن كان أحد لا يؤمن بقوة المسيح الذي صُلِب، فليرى ما صار للشياطين. إن كان المرء لا يؤمن بالأقوال، فليؤمن من جراء الأمور التي ظهرت عيانًا. كثيرون في كل المسكونة صُلبوا، لكن ولا واحد من هؤلاء أخافوا الشياطين، بل بمجرد أن يروا علامة صليب المسيح الذي صُلِب لأجلنا يرتعدون خوفًا.

هذا صار لأن الآخرون ماتوا على الصليب بسبب خطاياهم، أما المسيح فمن أجل خطايا الآخرين. لأنه يقول: ” الذي لم يفعل خطية ولا وُجِد في فمه مكر ” (1بط22:2). وليس بطرس فقط يقول هذا، حتى لا يرتاب أحد ظانًا أنه يتفضل على معلّمه، إذ أن إشعياء النبي يقول هذا الأمر، إشعياء، الذي لم يكن حاضرًا جسديًا مع المسيح، قد رأى مقدمًا مجيء المسيح كإنسان (انظر إش9:53).

ولماذا أقدم الآن شهادة النبي؟ خُذ شهادة بيلاطس الذي حكم عليه، يقول: ” لم أجد في هذا الإنسان عِلة مما تشتكون به عليه ” (لو14:23). وبينما هو يُسلّمه ليُعاقب ـ بعد أن غسل يديه ـ قال: ” إني بريء من دم هذا البار ” (مت24:27).

يوجد شهادة أخرى من المسيح البار، الذي لم يفعل خطية، شهادة اللص الذي هو أول مَن دخل الفردوس، والذي وبّخ اللص الآخر، وقال له: ” أما نحن فبعدلٍ لأننا ننال استحقاق ما فعلنا. وأما هذا فلم يفعل شيئًا ليس في محله ” (لو41:23).

 

4ـ المسيح خلّصنا بالحقيقة وليس ظاهريًا لأن موته كان موتًا حقيقيًا:

لقد تألم المسيح بالحقيقة لأجل كل البشر، فالصليب لم يكن خياليًا، إذ يترتب على ذلك أن الفداء سيكون خياليًا. لن يكون الموت خيالي، لأنه سيكون الخلاص أيضًا أسطورة. لو كان الموت خياليًا، فأولئك، الذين قالوا ” قد تذكرنا أن ذلك المُضِل قال وهو حيّ إني بعد ثلاثة أيام أقوم ” (مت63:27) هم على حق.

إذًا الألم كان حقيقي لأنه حقًا صُلِب المسيح ولا نخجل من هذا الأمر. لقد صُلِب ولا أنكر المصلوب بل بالحري أفتخر وأنا أقول هذا. وإذا أنكرته الآن فإن الجلجثة، التي نحن مجتمعين بالقرب منها، تقنعني. أيضًا تقنعني خشبة الصليب التي وُزعت قطعة ـ قطعة على كل المسكونة. أعترف بالصليب لأني أؤمن بالقيامة.

لأنه لو ظل مصلوبًا ولم يقم لما كنت أعترف بها، وكنت سوف أخفيها مع سيدي. لكن لأن القيامة أعقبت الصليب لا أخجل من الإفصاح عنه.

 

 

5ـ المسيح الذي تألم على الصليب كان بلا خطية في كل شيء:

هكذا صُلِب كإنسان مثلنا لكن ليس بسبب خطايا اقترفها، لأنه لم ينقاد إلى الموت من جراء محبته للفضة، لأنه كان يُعلم بعدم التملك، ولا حُكم عليه بسبب شهوة جسدية لأنه هو الذي قال بكل وضوح: ” إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه ” (مت28:5).

ولا لأنه بوقاحة تشاجر أو ضرب أحد، إذ أنه أدار خده الآخر إلى الذي ضربه (انظر مت39:5، 7:26). ولا احتقر الناموس، إذ كان متممًا له. ولا استهزأ بأي نبي، لأن الأنبياء قد سبق وتنبأوا عنه. ولا أخذ أجرًا من أحد، إذ كان يشفي بدون أجرٍ أو مكافأة. لم يُخطئ بالأقوال ولا بالأعمال ولا بالأفكار ” الذي لم يفعل خطية ولا وُجد في فمه مكر.

الذي إذ شُتم لم يكن يُشتم عوضًا. وإذ تألم لم يكن يُهدد بل كان يُسلّم لمن يقضي بالعدل ” (1بط22:2ـ23). لقد تألم بإرادته. وحين توسّل إليه أحد وقال: ” حاشاك يا رب. لا يكون هذا ” (مت22:16)، قال له: ” اذهب عني يا شيطان ” (مت23:16).

 

6ـ المسيح مات بإرادته لذلك كان الصليب مجده:

وهل تريد أن تقتنع أنه أتى إلى الألم بإرادته؟ كل البشر الآخرين لا يعرفون تمامًا متى يموتون، لذا هم يموتون بدون إرادتهم. لكن المسيح قال مقدمًا: ” ابن الإنسان يُسلّم ليُصلب ” (مت2:26).

وهل أدركت لماذا لم يتجنب مُحب البشر الموت؟ لكيلا يهلك العالم في خطاياه. لقد قال: ” ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يُسلّم ” (مت18:20)، إذ مكتوب أيضًا: “ثبت وجهه لينطلق إلى أورشليم” (لو51:9).

 هل تريد أن تعرف جيدًا أن الصليب هو مجد يسوع؟ لقد سمعته يتحدث وليس أنا، حين خان يهوذا وأنكر عرفان سيده. لقد خرج من المائدة وبدلاً من أن يتبارك بشراب الخلاص شرّع في أن يسكب دم البار: ” الذي وثقت به آكل خبزي رفع عليَّ عقبه ” (مز9:41) وبينما هيأ نفسه ليخون المسيح لأجل المال، قال له المسيح: ” أنت قلت ” (مت25:26) أي أنت قلت إنك خائن، خرج بعدها لكي يخونه. ثم بعد ذلك قال المسيح: ” قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان ” (يو23:12).

وهذا لا يعني أنه قبل ذلك لم يكن له مجد، لأنه كان ممجدًا بالمجد الأبدي، وبكونه إله كان ممجدًا دائمًا، ولم يمت إذ ذبحوه عنوة، بل كل ما صار له حدث بإرادته. اسمع ماذا قال: ” لم يكن لك عليّ سلطان البتة ” (يو11:19) لأنني بإرادتي سوف أقدم ذاتي ذبيحة واغفر للأعداء لأنني إن كنت لا أريد أن يحدث هذا لما كان حدث شيئًا مما حدث.

إذًا لقد أتى مهيئًا ذاته ومستعدًا للأم، مسرورًا لتتميم هذا الحدث لابسًا تاج الشوك وهو مملوء بالسرور من أجل خلاص البشر، لم يخجل من عار الصليب لأن به خلّص المسكونة. هذا الذي تألم لم يكن مجرد إنسانًا مهمشًا بل كان الله الذي تأنس متسلحًا بالصبر من أجل الجهاد الموضوع أمامه.

 

7ـ رفض اليهود المصلوب إذ صار الصليب عثرة بالنسبة لهم، وهكذا أُعطيت النعمة إلى الأمم:

لقد اعترض اليهود، هؤلاء الذين هم دائمًا متأهبون للاعتراض وخاملون من جهة الإيمان، لدرجة أن النبي إشعياء قال: ” مَن صدّق خبرنا ” (إش1:53).

يا للعجب، الذين هم من أهل فارس يؤمنون، بينما اليهود لا يؤمنون ” الذين لم يخبروا به سيصبرون والذين لم يسمعوا سيفهمون ” (رو21:15)، اليهود الذين يدرسون الكتب المقدسة يناقضون ما يدرسونه هؤلاء يعترضون قائلين: بناء على ذلك هل تألم الرب؟

هل الأيدي البشرية هي أقوى كثيرًا من سلطانه؟ اقرأ مراثي إرميا ـ لأنه وهو يرثي لحالكم بسبب الأمور الجديرة بالرثاء، رأى دماركم وشاهد سقوطكم ورثى وقتذاك أورشليم لأن أورشليم الحالية لا تحتاج إلى رثاء. لقد صلبته أورشليم القديمة، أما الحالية فهي تعبد المسيح. لقد رثاها قائلاً: ” نفس أنوفنا مسيح الرب أخذ في حفرهم ” (مراثي إرميا 20:4).

هل أنا ابتدعت شيئًا من هذه الأقوال، ها هو النبي يشهد للمسيح الرب الذي قُبض عليه من البشر. وما هى النتيجة؟ أخبرني أيها النبي. يقول النبي: ” في ظله نعيش بين الأمم ” (مراثي إرميا 20:4). ليس بعد في إسرائيل. لقد أراد أن يقول من الآن فصاعدًا سوف لا تُعطى نعمة الله للشعب الإسرائيلي بل للأمم.

[1] ΒΕΠΕΣ 39, 152-171
 

الصليب فخرنا – للقديس كيرلس الأورشليمي ترجمة د جورج عوض

المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟ – إبن الله وإبن الإنسان

المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟ – إبن الله وإبن الإنسان

المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟ – إبن الله وإبن الإنسان

المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟

 

بعد أن تقابل يسوع مع يوحنا واعتمد منه، قضى معظم حياته كمعلم ديني. وكان من الطبيعي تماماً لمعلمي اليهود الدينيين، أو “الربيين” كما كانوا يسمونهم، أن يعيشوا حياة الترحال، حيث يتجولون بين مكان وآخر، وفي غالبية الأحيان يصحبون معهم تلاميذهم. ومن الواضح أن يسوع اتبع هذا النهج.

فقد كان له تلاميذه[1]، وكثيراً ما كان يخاطب بلقب “معلم”. ومثل غيره من المعلمين اليهود كان ينجز معظم عمله في المجمع، وهو المكان الذي كان اليهود يجتمعون فيه للعبادة كل يوم سبت. وكان أيضاً يتحدث إلى الناس أينما قابلهم. وقد دعا أول تلاميذه من قوارب صيدهم، وكثيراً ما كان يعلم في الخلاء حيث كانت الجماهير العريضة تستطيع أن تلتف حوله[2].

وتعليم يسوع هو الذي أسر في الواقع قلوب الشعب. لأنهم فيما كانوا يسمعونه، أدركوا أنهم ليسوا أمام معلم عادي. فلم يكن مجرد تلميذ لمعلم آخر، يقول للشعب ما سبق أن سمعه من آخرين. بل كان يتحدث عن أمور جديدة تماماً عن الرجال والنساء وعلاقتهم بالله. وكان يقول ذلك بطريقة لم يكن معها مفر بالنسبة لأي واحد من أن يتخذ قراره بشأنه.

وكان لا بد لمن يستمع إليه من أن يقبل حكم الكثيرين من الناس العاديين بأنه “كان يعلمهم كمن له سلطان”[3]، أو يقبل رأي الفريسيين بأنه كان مدعياً دينياً من أسوأ النوعيات.

والتعليم الذي تسبب في هذا الانقسام الحاد بينه وبين سامعيه، كان بخصوص موضوعين. فمن ناحية قال يسوع أشياء عظيمة وجسورة عن شخصه وأهميته. وكان يعتقد بكل وضوح أنه هو نفسه المخلص الموعود الذي كان اليهود ينتظرون أن يرسل لهم من قبل الله. فهو وحده المسيا الذي يستطيع أن يقيم المجتمع الجديد. ومن ناحية أخرى، فإلى جانب ما قاله يسوع عن مصيره وأهميته، نجد الأقوال التي تحدث بها عن الطبيعة الحقة للمجتمع الجديد ومعناه، ذلك المجتمع الذي اعتقد يسوع أنه جاء ليبدأه.

ولسوق نستعرض بعض أقوال يسوع عن المجتمع الجديد في الباب الثاني. ومن المهم أولاً وقبل كل شيء أن نتأمل فيما قاله يسوع عن نفسه. ذلك أن أفكاره عن مجتمع الله الجديد، ومكانه في حياة البشر لن تكون ذات معنى ما لم نفهم ما قاله يسوع عن أهميته الشخصية في خطة الله.

ابن الإنسان:

إلى هنا، رأينا كيف أن الشعب اليهودي كان يتطلع إلى الله لكي يرسل لهم المخلص الموعود، المسيا، الذي يبدأ المجتمع الجديد. ومن الطبيعي أن تعبير “المخلص الموعد به من الله” لم يستخدم في الأناجيل: ولقد استخدمته هنا لمحاولة أن أوصل للقارئ بلغة الحياة اليومية العادية شيئاً عن مفهوم الشعب اليهودي لكلمة المسيح (المسيا).

غير أنه مما يدعو للدهشة أن تطلع على الأناجيل وترى كيف أنه في مرات قليلة استخدمت فيها كلمة “المسيا” (أو ترجمتها اليونانية “المسيح”) لوصف يسوع. ولنأخذ على سبيل المثال إنجيل مرقص. وربما كان هذا أول ما كتب من الأناجيل، ولقد استخدمت فيه كلمة “المسيا” (المسيح) سبع مرات فقط. منها مرة في عنوان الإنجيل، ومن بين المرات الست الأخرى[4]، ثلاث مرات فقط يمكن أن تؤخذ على أنها تشير إلى يسوع على أنه المسيا أو المسيح.

وفي مرة واحدة فقط قال يسوع عن نفسه بصفة مباشرة إنه المسيح. وما يلفت النظر أيضاً أنه في الفقرة الوحيدة التي قال فيها يسوع عن نفسه صراحة إنه المسيح[5]، إذا به في الحال يستطرد ليتكلم عن شخص مختلف، ويعرف المسيح على أنه شخص يسميه “ابن الإنسان”[6].

إذاً، من هو ابن الإنسان؟ من غير الممكن أن تتأمل أياً من القصص التي تتناول حياة يسوع دون أن تدرك أن لقب “ابن الإنسان” هذا يشكل مفهوماً في غاية الأهمية عن يسوع. والتعبير الحالي استخدم أربع عشرة مرة في إنجيل مرقص، أما في قصة متى الأكثر طولاً فقد ورد ما لا يقل عن إحدى وثلاثين مرة. والواقع أن “ابن الإنسان” هو التعبير الذي كثيراً ما استخدمه يسوع ليصف به نفسه وعمله. إذاً ما معنى هذا التعبير؟

قد يقول البعض إنه حين كان يسوع يتحدث عن نفسه على أنه “ابن الإنسان”، فإنه كان يريد ببساطة أن يؤكد على أن جانباً من طبيعته كان إنساناً عادياً، في حين أن جانباً منه يمكن أن يوصف بتعبير “ابن الله”. غير أن عبارة “ابن الأنسان” لا بد وأنها تعني أكثر من هذا. فعلى سبيل المثال، تحدث يسوع عن “ابن الإنسان آتياً في سحاب بقوة كثيرة ومجد” (مر 13: 62)، أو “جالساً عن يمين قوة الله” (لو 22: 69). ومثل هذه الأقوال لا يمكن أن يقصد به التأكيد على طبيعة يسوع كإنسان بالمقابلة مع أقواله بأن له أهمية خاصة في خطط الله.

معنى “ابن الإنسان”

المعنى الدقيق لعبارة “ابن الإنسان” كان من أكثر الموضوعات التي أثير حولها جدل عنيف في الدراسات الحديثة للعهد الجديد. وما سنذكره هنا هو ملخص مختصر جداً لما يقوله أحد الباحثين.

 وهناك نقطة اتفق عليها جميع المفسرين وهو أن أفضل سؤال مفيد في هذا الموضوع هو: ما الذي فهمه أولئك الناس الذين كانوا يعرفون يسوع بالفعل حين سمعوه يستخدم تعبير “ابن الإنسان”. وبالنظر إلى أن أول مستمعيه كانوا من اليهود، فإنه من الأفضل أن نبحث في الديانة اليهودية عن الجواب. ومن المفيد دائماً أن نرجع أولاً إلى العهد القديم. وهنا نجد أن تعبير “ابن الإنسان” قد استخدم بطريقتين.

في أغلب الأحيان، يأتي هذا التعبير للتمييز بين الله والإنسان. وفي هذا السياق، فإنه يؤكد عادة ضعف البشر وفقرهم بالمقابلة مع قدرة الله وقوته (عدد 23: 19؛ أيوب 25: 6، مز 8: 4؛ 146: 3؛ إشعياء 51: 12). وهناك نبي أو اثنان من أنبياء العهد القديم خاطبهما الله بعبارة “ابن الإنسان”، (أي يا ابن آدم) وكان هذا في معرض التأكيد على الفرق بينهما وبين سيدهما (حزقيال 2: 1؛ دانيال 8: 17).

ولكن التعبير استخدم بطريقة مختلفة تماماً في دانيال 7: 13-14. وكان أبعد ما يكون عن الإشارة إلى ضعف الإنسان بالمقابلة مع عظمة الله، مثل عبارة “ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة”، “وسلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض”.

وبمقدورنا أيضاً أن نطلع على بعض الأسفار الرؤوية التي ربما كانت سائدة في زمن يسوع. ففي “2أسدارس”، و”تشبيهات أخنوخ” يظهر “ابن الإنسان” ثانية كشخص خارق للطبيعة أرسله الله على اعتبار أنه قاض البشرية مستقبلاً (2أسدارس 13، 1أخنوخ 37-71). وليس بمقدورنا التأكد من أن أياً من هذين السفرين الرؤويين كان مكتوباً بالفعل أيام يسوع. ولكن من المؤكد أنهما يعكسان بالفعل أفكاراً كان يعتنقها كثيرون من معاصريه.

ونحن في نفس الوقت في حاجة إلى أن نتذكر أنه لم يكن كل اليهود مهتمين بمثل هذه الأفكار. بل وما كانوا جميعهم على معرفة جيدة بالعهد القديم بحيث يستطيعون أن يربطوا بصفة آلية بين هذه الأفكار واستخدام يسوع لهذا التعبير. والواقع أن بعض الباحثين الآراميين المتمكنين قالوا إن الكلمات التي استخدمها يسوع بالفعل ربما لم يكن لها أي معنى محدد على وجه الإطلاق.

ولذلك، فنحن لدينا ثلاث حقائق يجب تأملها قبل أن نقرر ما الذي قصده يسوع حين أطلق على نفسه لقب ابن الإنسان:

  • الكلمات الآرامية التي استخدمت بالفعل في عبارة “ابن الإنسان” ربما كانت لا تعني إلا القليل، وربما كانت عبارة مطولة تعني “إنسان”.
  • استخدم تعبير “ابن آدم” (ابن الإنسان) في العهد القديم لوصف البشر واختلافهم عن الله.
  • في سفر دانيال، وغيره من الأسفار الرؤوية اليهودية استخدم التعبير للإشارة إلى شخصية سامية تشارك الله في سلطانه.

ومن المحتمل جداً أن هذه الحقائق كلها، لها مغزاها. وإذا لم يكن لتعبير “ابن الإنسان” أي معنى واضح محدد في اللغة الآرامية التي كان يتكلم بها يسوع، فلربما رأى استخدامه بكل بساطة، لأن هذا يعطيه حرية استخدامه بحيث يعني تماماً ما قصده من استخدامه. ولو كان قد استخدم لقب “المسيح” لما سهل عليه أن يفسر بدقة دوره حسبما فهمه هو، بالنظر إلى أن الكثيرين كانت لديهم تصورات عديدة مسبقة بالنسبة لهذا الموضوع. وإذا استخدم يسوع التعبير الغامض “ابن الإنسان”، فقد استطاع بذلك تجنب هذه المشاكل.

وفي ذات الوقت، فإنه بالنسبة لمن لهم القدرة على فهم هذا التعبير، فإن خلفيته تقدم بعض الإشارات المهمة للأشياء التي أراد يسوع قولها عن نفسه. ذلك أنه أراد أن يثبت أنه كان إنساناً عادياً فيما يختص بالجانب الإنسان، وأنه أرسل بصفة خاصة من الله نفسه.

وكل من هاتين الفكرتين يمكن أن نجدهما في استخدام العهد القديم لعبارة “ابن الإنسان”.

ولقد استخدم يسوع هذا الاسم في الواقع بثلاث طرق مختلفة توضح هذا.

  • غالباً ما كان يستخدم تعبير “ابن الإنسان” عوض أن يستخدم ضمير المتكلم للمفرد “أنا”، وما ذلك بكل بساطة إلا كوسيلة لوصف وجوده كإنسان عادي. وفي النقاط التي نجد أن الأناجيل المختلفة قد جاءت بنفس الأقوال، نجد أن أحد الأناجيل كثيراً ما يستخدم عبارة “ابن الإنسان”، في حين يستخدم آخر الضمير “أنا”. قارن على سبيل المثال مرقص 10: 45؛ لوقا 22: 27؛ أو مرقص 8: 27؛ متى 16: 13، أو متى 19: 28؛ لوقا 22: 30.
  • في أحيان أخرى كان يسوع يستخدم لقب “ابن الإنسان” في الإشارة إلى مجيئه الثاني على السحاب وإلى ارتفاعه إلى يمين الله. وهذا نفس الاستخدام الذي نجده في دانيال 7، والكتابات الرؤوية اليهودية.
  • غير أنه يستعمل في الغالبية بطريقة جديدة ومختلفة، مع بعض الإشارات إلى الآلام والموت اللذين كان يسوع يتوقعهما كجزء من حياته. وفي تسع مرات من أربع عشرة مرة استخدم فيها تعبير “ابن الإنسان” في إنجيل مرقص، كان يسوع يشير به إلى موته الذي كان وشيكاً. (مرقص 8: 31؛ 9: 9؛ 14: 21؛ ومتى 26: 2). وعند هذه النقطة أعطى معنى جديداً تماماً لفكرة لم تكن تعرف إلا قليلاً قبل أيامه. وكان من سماته أن يتعين عليه أن يتحدث عن نفسه في معظم الأحيان كابن الإنسان المتألم.

حياة يسوع المسجلة في الأناجيل المتشابهة

ليس من الممكن عمل جدول كامل من الأحداث التي تخللت حياة يسوع، ولكن هذا الجدول يحتوي على أهم هذه الأحداث بحسب ورودها في الأناجيل:

 

متى

مرقص

لوقا

ميلاده وطفولته

     

سلسلة أنساب يسوع

1: 1-17

 

3: 23-28

الوعد بولادة يسوع من مريم

   

1: 26-38

ولادة يسوع

1: 18-25

 

2: 1-20

زوار من الشرق

2: 1-12

   

ختان يسوع

   

2: 21-40

هروب والدي يسوع إلى مصر

2: 13-23

   

يسوع في الثانية عشرة من عمره

   

2: 41-52

في الجليل وما حولها

     

معمودية يسوع

3: 13-17

1: 9-11

3: 21-22

التجربة

4: 1-11

1: 12-13

4: 1-13

أول كرازة في الجليل

4: 12-17

1: 14-15

4: 14-15

رفض يسوع من أهل الناصرة

   

4: 16-30

دعوة التلاميذ الأوائل

4: 18-22

1: 16-20

 

تعليم وشفاء في كفر ناحوم

 

1: 21-38

4: 31-43

صيد السمك الوفير

   

5: 1-11

الموعظة على الجبل

5: 1 – 7: 29

   

يسوع يشفي الأبرص

8: 1-4

1: 40-45

5: 12-16

شفاء المرضى وإسكات الريح

8: 5-34

   

شفاء المفلوج

9: 1-8

2: 1-12

5: 17-26

دعوة متى ليكون تلميذاً ليسوع

9: 9-13

2: 13-17

5: 27-32

نقاش حول الصوم

9: 14-17

2: 18-22

5: 33-39

شفاء ابنه يايرس وامرأة عجوز

9: 18-26

5: 21-42

8: 40-56

شفاء أعميين وآخر مجنون

9: 27-34

   

إرسالية الاثني عشر

9: 35-10: 42

6: 6-13

9: 1-6

يسوع يتحدث عن يوحنا المعمدان

11: 1-19

 

7: 18-35

تعليم عن السبت

12: 1-14

   

الموعظة في السهل

   

6: 20-49

شفاء عبد وإعادة ابن إلى الحياة

   

7: 1-17

المرأة التي خدمت يسوع

   

7: 36-8: 3

مناقشة يسوع مع القادة الدينين

12: 22-50

3: 20-35

 

أمثال الملكوت

13: 1-58

4: 1-41

8: 4-25

مجنون كورة الجدريين

 

5: 1029

8: 26-39

معجزة إطعام 5000 شخص

14: 13-21

6: 30-44

9: 10-17

يسوع يمشي على الماء

14: 22-33

6: 45-52

 

تعليم بخصوص التقاليد الدينية

15: 1-20

7: 1-23

 

يسوع يشفي مرضى كثيرين

15: 21-31

7: 24-37

 

يسوع يشبع 4000 شخص

15: 32-16: 12

8: 1-21

 

تنبأ يسوع بموته

16: 13-28

8: 27-37

9: 18-27

التجلي

17: 1-27

9: 2-32

9: 28-45

إرسالية السبعين

   

10: 1-24

المحبة والصلاة ومحبة المال

   

10: 25-12: 59

شفاء وأمثال

   

13: 1-30

يسوع يغادر الجليل

   

13: 31-35

بعض الأمثال الشهيرة

   

14: 15-16: 31

شفاء البرص

   

17: 11-19

يسوع يتوجه إلى أورشليم

     

يسوع يتنبأ ثانية عن موته

20: 17-19

10: 32-24

18: 31-34

ابنا زبدى يطلبان ميزة

20: 20-28

10: 35-45

 

شفاء بارتيماوس الأعمى

20: 29-34

10: 46-52

18: 35-43

زكا يقابل يسوع

   

19: 1-10

يسوع يدخل أورشليم كملك

21: 1-9

11: 1-10

19: 28-44

يطرد التجار من الهيكل

21: 10-22

11: 11-26

19: 45-48

أمثلة أخرى

21: 28-22: 14

   

اتهام الفريسيين

23: 1-36

12: 37-40

20: 45-47

يسوع يتنبأ بخراب الهيكل

24: 1-3

13: 1-4

21: 5-7

يسوع يتحدث عن الرؤويات

24: 4-36

13: 5-37

21: 8-36

موت يسوع وقيامته

     

التآمر على يسوع

26: 1-5

14: 1-2

22: 1-2

يهوذا يخون يسوع

26: 14-16

14: 10-11

22: 3-6

التلاميذ يعدون الفصح

26: 17-19

14: 12-16

22: 7-13

العشاء الأخير

26: 20-29

14: 17-25

22: 15-38

القبض على يسوع

26: 30-56

14: 26-52

22: 39-53

محاكمة يسوع

26: 57-27: 26

14: 53-15:15

22: 54-23: 25

صلب يسوع

27: 27-44

15: 16-32

23: 26-43

موته

27: 45-56

15: 33-41

23: 44-49

دفنه

27: 57-66

15: 42-47

23: 50-56

القبر الفارغ

28: 1-10

16: 1-8

24: 1-12

يسوع يظهر لأتباعه بعد القيامة

28: 11-20

 

24: 13-53

 

المسيا

لسنا في حاجة لإضاعة كثير من الوقت في التفكير فيما قاله يسوع عن نفسه من أنه هو المسيح. وهذا لم يكن لقباً اتخذه يسوع لنفسه، وفي إنجيل مرقص[7]، وهو أول الأناجيل من ناحية الكتابة، لا نجد إلا مثالاً واحداً قال يسوع فيه إنه المسيح. ومع ذلك فتوجد أربع مناسبات هامة جداً قال أناس آخرون فيها عن يسوع أنه المسيح، ويبدو أنه قبل هذا اللقب.

  • حين أدرك بطرس أخيراً حقيقة ما قاله يسوع عن نفسه وقال له: “أنت المسيح”، أجاب يسوع بأن بطرس قد طُوب إذ حصل على هذا الإعلان الخاص[8].
  • ومناسبة أخرى كانت أثناء محاكمته أمام السلطات اليهودية حيث اعترف يسوع أمام رئيس الكهنة أنه هو المسيح[9].
  • هناك أيضاً القصة التي تتحدث عن كيفية شفاء يسوع لرجل به روح نجس. فهو لم يسمح لهذا الرجل أن يخاطبه على اعتبار أنه “ابن الله العلي” فحسب بل قال له أيضاً: “اذهب إلى بيتك وإلى أهلك وأخبرهم كم صنع الرب بك”[10].
  • في مناسبة أخرى كان يسوع سائراً في الطريق على مقربة من أريحا حين صرخ أحد المتسولين، وكان أعمى اسمه بارتيماوس، وخاطب يسوع بقوله: “يا ابن داود”. وعلى الرغم من أن الواضح أن آخرين ممن كانوا واقفين هناك طلبوا منه أن يصمت، إلا أن يسوع لم يفعل هذا، ومن هنا يبدو أنه وافق أن يطلق عليه هذا اللقب[11].

ويتضح من هذه الأمثلة الأربعة أنه لم يكن ليسوع نفس الموقف بالنسبة للقول بأنه المسيح “ابن داود” في كل مناسبة، وحين جاء الوقت الذي وقف فيه أمام رئيس الكهنة، كان من الواضح أنه سيدان بأي طريقة، وعلى ذلك لم يكن هناك ما يمنعه من الاعتراف بأنه المسيح. على الرغم من أنه حتى في هذا الموقف أخذ يعيد تحديد مفهوم “المسيح” في إطار لقبه المفضل “ابن الإنسان”. لكنه في مرحلة سابقة، حين اعترف بطرس أنه هو المسيح، طلب يسوع منه ومن التلاميذ الآخرين ألا يخبروا أحداً عن ذلك، بل عليهم أن يحتفظوا بالأمر سراً.

أما في المناسبتين الأخريين فيبدو أنه قبل لقب “المسياني” من أناس آخرين دون أن يعلق على ذلك بشيء. وفي حالة الرجل الذي كان به روح نجس طلب منه أن يشارك اختباره مع أصحابه وأهله. ومن الواضح أن موقف يسوع من ناحية السماح للناس أن يعرفوا أنه المسيح كان يختلف طبقاً للظروف، وكان الأمر يعتمد إلى حد ما على ما إذا كان يجب أن يخفى هذا الأمر أو يذاع. فما الذي نفهمه من كل هذا؟ يبدو أن هناك تفسيرين محتملين لهذا الموضوع:

لم يقل يسوع إطلاقاً إنه المسيح. وأحد طرق حل هذه المشكلة هو أن نقول بأن يسوع في الواقع لم يدع إطلاقاً أنه المسيح، وأن مرقص وكتبة الأناجيل الآخرين كتبوا قصصهم عن حياة يسوع وتعاليمه وذهنهم مشغول بالأكثر بما يؤمنون به عن يسوع وليس ما يدعيه هو عن نفسه. وكانوا يؤمنون بأنه المسيح، لأنهم كانوا على قيد الحياة بعد القيامة. ومن هذا المنظور الجديد أدركوا أنه من المناسب بالأكثر أخذ يسوع على أنه الشخص الذي حقق مواعيد الله المذكورة في العهد القديم.

ومع ذلك، فإنه حين جاء الوقت ليكتبوا الأناجيل أرادوا أن يوضحوا بكل جلاء أن يسوع هو في الواقع المسيح الموعود. ولذلك سدوا الثغرة بين معتقداتهم الخاصة، ولم يكونوا يعرفون أنه الحقيقة التاريخية، وذلك بأن ابتكروا فكرة “إبقاء مسيانية يسوع سراً”. وهذه عبارة صيغت لأول مرة بمعرفة أحد المفسرين الألمان وهو “ويلهلم ريد Wilhelm wrede”.

وذلك لتفسير السبب في أنه حين كان يجيء الحديث عن المسيح وهو يتكلم مع تلاميذه عن وضعه باعتباره المسيح، كان دائماً يطلب منهم إبقاء هذا الأمر سراً. وقد اعتقد “ريد Wrede” أن فكرة “السر المسياني” هذه كانت بجملتها من ابتكار مرقص كاتب أقدم إنجيل.

والصعوبة التي تكتنف هذا الاقتراح هي أنه على الرغم من أنه يتناغم مع جزء من الدليل، إلا أن هناك بعض المعلومات الأخرى التي لم تتفق معه. فعلى سبيل المثال هناك الأحداث التي تضمنت الرجل الذي كان به روح نجس في كورة الجدريين وبارتيماوس في أريحا. ثم أن هناك الحقيقة التي لا يمكن إنكارها وهي أن يسوع في واقع الأمر حكم عليه بالموت لأنه ادعى أنه “ملك اليهود” أي مسيحهم. ومن الصعوبة معرفة كيف ترك مرقص هذه القصص في إنجيله، وبهذه الصيغة إذا ما كان مصمماً على جعل فكرة “السر المسياني” مقنعة.

  • كان يسوع على قناعة بأنه المسيح، ولكنه لم يدع ذلك إطلاقاً. ويبدو أننا تركنا وعندنا الانطباع أن يسوع كان يعتقد أنه المسيح، غير أنه لم يقل ذلك صراحة. ولكن كيف لنا أن نفسر هذا الغموض؟

هناك ثلاثة أمور يمكن قولها في هذا الصدد:

أولاً: علينا أن نتذكر أن الأناجيل لم تكتب فقط لحفظ قصة حياة المسيح وتعليمه، بل لتكون سنداً بعد ذلك للمسيحيين في القرن الأول. والمسيحيون الذين قرأوا الأناجيل لأول مرة كانت لهم النظرة التي لدينا الآن. كانوا يعرفون قيامة المسيح ومجيء قوة الله في حياتهم. وعلى هذا الأساس، لم تكن أمامهم أية صعوبة في معرفة أن يسوع لا بد وأن يكون هو المسيح المخلص الموعود به من الله والذي أرسل ليبدأ المجتمع الجديد، فكيف تخامرهم أي شكوك وهو أنفسهم أعضاء في هذا المجتمع الجديد؟ وشيئاً فشيئاً بدأت كلمة “المسيا” أو “المسيح” تستعمل كاسم ثان ليسوع، ولا تزال تستعمل على هذا النحو حتى يومنا هذا.

وهذا يفسر لنا السبب في أن كلمة “المسيح” استعملت عدة مرات في إنجيل يوحنا، في حين أنها نادراً ما كانت تستعمل في الأناجيل الثلاثة الأخرى. وكان الاعتقاد بصفة عامة أن يوحنا كتب إنجيله في وقت متأخر عن الآخرين، وفي ذلك الحين أصبحت الكلمة تقريباً لقباً ليسوع.

ثانياً: الأناجيل نفسها أوضحت أنه كانت ليسوع ومعاصريه مقاصد متعارضة حين كانوا يتكلمون عن المسيح. فبالنسبة لليهود كان المسيا عندهم ملكاً من الناحية السياسية. أما بالنسبة ليسوع فالمسيا معناه عند متواضع مطيع لمشيئة الله. ولو كان يسوع قد تحدث عن نفسه صراحة بأنه المسيح لكان بذلك قد أخفى المعنى الحقيقي لمجيئه، ولتسبب ذلك في مواجهة قبل أوانها مع السلطات الرومانية.

فحتى التلاميذ، بما فيهم بطرس الذي أعلن أن يسوع هو المسيح، لم يعرفوا على وجه الدقة من هو يسوع إلا بعد القيامة. فعلى الرغم من علاقتهم الوثيقة بيسوع فقد أظهروا جهلهم بمقاصده في أكثر من مناسبة. ويمكن أن نكون متأكدين من أن هذه صورة تاريخية حقيقية، لأنه حين كتبت الأناجيل كان التلاميذ أبطال الكنيسة، وما من أحد كان له أن يكتب قصصاً تصورهم بمظهر سيء.

ثالثاً: يبدو من المؤكد أن موقف يسوع كان يختلف بالفعل، وأن حياته كلها وعمله كان مزيجاً من الإعلان والسرية، فقد تم تغطية هذا بالطريقة التي كان يحب أن يسمي نفسه “ابن الإنسان”، وهو لقب لم يكن له معنى واضح. وهو بالنسبة لأولئك الذين لم يكونوا مستعدين لأن يتأملوا هذا اللقب بعمق، كان اسماً بمقدوره أن يربكهم ويخفى ادعاءات المسيح لا أن يظهرها[12]. وفي نفس الوقت، فإن أحداثاً كثيرة في حياة يسوع بما فيها المعجزات[13]، بل وأيضاً مناسبات مثل عماده، والتجربة في البرية، ودخوله أورشليم سوف تفقد معناها لو لم يقل يسوع إنه المسيح[14]. فكثير من الأمور التي عملها وقالها كانت هي الأمور التي كان من المتوقع أن يعملها ويقولها المسيح حين يأتي.

وأفضل نتيجة نستخلصها من ذلك هي أن يسوع لم يستخدم كلمة المسيح عند الإشارة إلى نفسه لأنه كان يعرف أنها ستوحي لمستمعيه بملك أرضي ودولة سياسية جديدة. ومن المؤكد أنه لم يكن لدى المسيح أية نية لأن يكون “مسيحاً” من هذه النوعية. فلقد سبق ورفض هذه الفكرة بكل حسم حين جرب من إبليس. ولذلك صاغ خدمته كلها في قالب يخفي حقيقة أنه المسيح عن أولئك الذي لا يرغبون في فهم معنى هذه الكلمة بنفس مفهومه هو، ولكنها تكشف عن هويته الحقيقية لأولئك الذين يريدون بالفعل أن يعرفوا.

ابن الله

إيمان الكنيسة المسيحية منذ نشأتها هو الإقرار بأن يسوع هو “ابن الله”. وهذا تعبير مألوف لشعب يسوع في أيامنا هذه، والشعوب الناطقة باليونانية كثيراً ما يستخدمون هذه العبارة للإشارة بها إلى شخصية إنسان نبيل يوصف بالبطولة، وحين قال قائد المئة الروماني عند الصليب “حقاً كان هذا ابن الله”[15]. فلربما كان كل ما يعنيه بهذا هو أن يسوع كان رجلاً عظيماً حقاً، وقصة لوقا تشير إلى هذا بكل وضوح، حيث أن قائد المئة قال “بالحقيقة كان هذا الإنسان باراً”[16].

وعلى مثال تعبيري “ابن الإنسان” و”المسيح” استخدم أيضاً تعبير “ابن الله” في العهد القديم[17]، فأمة إسرائيل كثيراً ما كان يشار إليها بعبارة “ابن الله”. وملوك إسرائيل ولا سيما أولئك الذين كانوا من نسل داود كانوا أيضاً يحملون هذا اللقب. وثمة مزامير كثيرة تشير إلى الملك على أنه “ابن الله” على الرغم من أنه سرعان ما نظر اليهود إلى هذه الفقرات باعتبارها تشير إلى المسيح الآتي.

إلا انه ليس من شك أن عبارة “ابن الله” في الأناجيل قد استعملت للإشارة إلى أن يسوع يقول إنه في علاقة خاصة مع الله نفسه. وكان يسوع مدركاً تماماً بعلاقته الروحية الوثيقة بالله باعتبار أنه أبوه. بل إنه وهو في مقتبل عمره، حين كان في الثانية عشرة[18]، كان يعتبر هيكل أورشليم بين أبيه “فيما لأبي”[19]. وفي قصة مستأجري الكرم الأشرار أوضح بجلاء أنه نفسه ابن المالك الذي أرسله ليضع الأمور في نصابها.

والادعاءات التي لُمّح إليها في هذه القصص وضحها يسوع بشكل تام. لتأخذ على سبيل المثال هذا القول الذي سجله كل من متى ولوقا “كل شيء قد دفع إلي من أبي. وليس أحد يعرف الابن إلا الآب. ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له”[20]. ومن الواضح أن يسوع كان يشير هنا إلى علاقة فريدة مع الله، وأنه فعل ذلك دون أن يترك أي فرصة ولو ضئيلة لسوء الفهم.

ومن المؤكد أنه لا يوجد مجال للقول – كما يفعل كثيرون من غير المسيحيين – أن يسوع كان رجلاً صالحاً، ادعى في الواقع أنه ذو طبيعة أسمى من طبيعة البشر. وإذا كان ما قاله يسوع عن نفسه ليس صحيحاً فإما أنه دجال شرير، وإما أنه أبله مخدوع – وليس هناك دليل في الأناجيل أو الآراء التاريخية العامة تتصوره على أي من هاتين الصورتين.

إذاً ما الذي كان يعنيه يسوع حين قال إنه “ابن الله” ومن الطبيعي أن هذا يوضح أهم الأسئلة التي فكر اللاهوتيون وتحدثوا عنها لعدة قرون. وعلى ذلك ليس هناك ما نستطيع قوله هنا مما يحتمل أن يكون الإجابة الشافية والحاسمة لهذا السؤال، غير أنه توجد على الأقل ثلاث حقائق جوهرية يجب مراعاتها إذا كنا نريد أن نفهم – وبوعي – ما كان يقوله يسوع والمسيحيون الأوائل حين استخدموا هذا التعبير:

علينا ألا ننسى إطلاقاً حين نصف يسوع بأنه “ابن الله” أننا نستخدم لغة تصويرية لوصف أمر هو في حقيقته فوق أي وصف. فقد كان يسوع يستخدم صيغة تشبيهية. وقد أخذ العلاقة البشرية بين الابن وأبيه وقال “علاقتي بالله تشبه هذه العلاقة”. ولا يجب أن نأخذ هذا التشبيه بمعناه الحرفي. بل وما كان يشير إلى أن كل ناحية من نواحي علاقتنا بآبائنا تماثل تماماً العلاقة بين يسوع والله. وليس كل واحد في علاقة سعيدة مع أبويه.

على الرغم من أن هناك كثيرين ممن يستطيعون القول بإخلاص “الذي يكرهني يكره أبي أيضاً”[21]، إلا أنه ما من إنسان بمقدوره أن يقول: “أنا والآب واحد”[22]. والواقع أن تعليم يسوع كله، ولا سيما في إنجيل يوحنا، يوضح أن هذه العلاقة بين الآب والابن هي علاقة فريدة، وكانت موجودة قبل أن يولد يسوع في بيت لحم بزمن طويل. فيسوع “كان في البدء عند الله”[23].

ومثل كل الألقاب التي استعرضناها هنا، فإن هذا اللقب أيضاً استخدم في العهد القديم. وتعبير “ابن … ” كان تعبيراً شائعاً في اللغة العبرية. فنجد في العهد القديم – على سبيل المثال – أن الإسرائيليين كانوا يدعون دائماً “بنو إسرائيل”[24]، على الرغم من أن الترجمات الحديثة تجاهلت هذا التعبير وكثيراً ما يطلق على الأشرار عبارة “بنو لئيم” أو “بني بليعال”[25]. وبالنسبة لعبارة “الجنس البشري” فإن اللغة العبرية تترجمها “بنو البشر”[26].

ولذلك فإننا إذا وصفنا أنفسنا بأننا “بنو بشر”، فمعنى هذا أننا نقول إننا نشارك كل الجنس البشري الذي كان قبلنا في نفس سماته وطبيعته. ولذلك فإنه عندما يقول العهد الجديد أن يسوع هو “ابن الله” فهو يقرر هنا أن يسوع يشارك في طبيعة وصفات الله نفسه. وكان يقول إنه حقاً وبالفعل له طبيعة إلهية. وهناك أناس، مثل شهود يهوه – على سبيل المثال – لم يستطيعوا أن يفهموا هذا، لأنهم نسوا أن يسوع كان يستخدم تشبيهاً حين وصف نفسه بأنه “ابن الله” ثم إنهم تجاهلوا أيضاً تعبير “ابن….” في اللغة التي كان يسوع يتكلم بها.

في الأصحاح الأول من إنجيل يوحنا، وفي سفر الرؤيا، تم التعبير عن هذه العلاقة بين يسوع والله بطريقة أخرى[27]. فهناك سُمي يسوع “الكلمة” أو كلمة الله (اللوغوس)[28]. وكلمة الله بالطبع هي الطريقة التي يتصل بها الله بنا، ولكن عندما يقول العهد الجديد عن يسوع إنه “الكلمة” فهو يقصد شيئاً أكثر من ذلك. لأن يوحنا يقول “وكان الكلمة الله”[29]. أي أن رسالة الله للبشرية لم تكن مكتوبة في كتاب فحسب، بل أظهرت في شكل الله نفسه كما قال أيضاً “والكلمة صار جسداً”[30] أي أن الله نفسه تجسد في “الكلمة” في يسوع.

وعلى هذا فإنه حين قال يسوع إنه “ابن الله”، وحين يصف كتبة العهد الجديد هذا بعبارة “كلمة الله” فجميعهم كانوا يقولون هذا لأنه في المسيح نستطيع بحق أن نعرف الله. ولقد قال يسوع نفسه “الذي رآني فقد رأى الآب”[31]. وكلنا لدينا أفكارنا عن الله. وهي أفكار تشكلت طبقاً لتحليلاتنا وأفكارنا المسبقة، ولكن إذا كان ما يقوله يسوع عن نفسه صحيحاً، يصبح بمقدورنا الآن أن نضع الصورة الصحيحة عن الله بدلاً من الصورة الخيالية التي اختلقناها عنه. وهذا هو السبب في أنه من المهم لنا جداً أن نعود إلى ما كان يسوع يقوله ويعلمه فعلاً، لأننا من خلال حياته وتعاليمه نستطيع حقاً أن نرى الله ونسمعه.

العبد

ولعلنا نكتشف شبه الله بشكل أوفى في هذا اللقب الأخير “العبد” الذي يبدو أن يسوع طبقه على نفسه وعلى عمله. حتى أننا لا نجد في أي موضع في الأناجيل أن يسوع استخدم لقب “عبد الله” في مجال الحديث عن نفسه. ومع ذلك فلقد سبق لنا أن رأينا أنه نتيجة أنه عاش ومات بالطريقة التي تم التنبؤ بها عن العبد المتألم في إشعياء[32]، فإن مفهومه عن معنى أن يكون المسيح كان مختلفاً للغاية عن نوعية المسيح الذي كان يتوقعه اليهود في أيامه. كذلك نجد إشارات عديدة لقناعة يسوع أنه سيكون من نصيبه أن يتألم وكما سبق ولاحظنا، فإن أبرز استخدامات تعبير “ابن الإنسان” كانت في إطار أقوال يسوع عن آلامه وموته.

ومنذ أن تعمد، وربما قبل ذلك، رأي يسوع أن مجرى حياته سيكون عبر الآلام[33]، والصوت الذي سمعه عند عماده، والذي يردد كلمات من إحدى الفقرات في سفر إشعياء عن العبد المتألم[34]، أوضح أمامه أن عمل حياته يتركز على التواضع وإنكار الذات، وهذه القناعة كانت تتردد بشكل قوي في تصرفه إزاء اختبار تجربته في البرية. وطبقاً لما جاء في إنجيل مرقص، فقد حذر يسوع تلاميذه في مرحلة مبكرة جداً من خدمته أنه قد اقترب اليوم الذي سوف يرفع هو “العريس”[35] فيه، عن أصحابه. وفور أن أعلن بطرس إيمانه أن يسوع هو المسيح، أخذ يسوع يكرر “أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً”[36]. وثمة غرض عظيم سوف ينجز من خلال خدمته وآلامه:

“لأن ابن الإنسان أيضاً لم يأت ليُخدم بل ليخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين”[37].

لقد صرفنا وقتاً كثيراً نتأمل فيه الألقاب المختلفة التي وصف بها يسوع نفسه. ومعظمها من الصعب فهمه على وجه التفصيل. غير أن لها كلها مضموناً واحداً واضحاً جداً. فلا ريب أن يسوع باستخدامه هذه الألقاب كان يشير إلى علاقته الفريدة بالله وإلى سلطانه الفريد، ونجد أن سلطانه هذا يتم التعبير عنه في قوله إن بمقدوره غفران خطايا الناس.

ولقد رأي علماء الدين اليهودي – وكانوا محقين في ذلك تماماً – أن يسوع يدعي بهذا أنه يمارس سلطاناً يختص به الله وحده. كما أنه طلب من تلاميذه ولاءً وإخلاصاً بشكل لا يمكن أن يكون لأي إنسان عادي الحق في ادعائه على الإطلاق. ولقد قال لكل من سيؤمنون به مستقبلاً: “ومن لا يحمل صليبه ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً”[38].

وقول المسيح إن له علاقة فريدة مع الله تم التعبير عنه في إنجيل يوحنا بالتساوي التام بين يسوع والله “أنا والآب واحد”[39] ونجد نفس هذه الأقوال في إنجيلي متى ولوقا[40].

وعلى الرغم من هذا فكثيراً ما يقول لنا المؤرخون غير الدينيين إن يسوع عاش كمعلم متجول، بل إنه لم يدع أنه نبي، وإن الكنيسة الأولى وبولس بصفة خاصة، هو الذي خلع الألوهية عليه. لكن ما قاله يسوع عن نفسه تم التعبير عنه في نفس المصادر الأولى التي سجلت عنه، وعلينا ألا ننسى أنه بمقارنة الأناجيل بالكتابات التاريخية الأخرى للعصر ذاته نجد أنها كتبت بعد الأحداث التي وصفوها بفترة قصيرة جداً.

وأكثر من ذلك فإن عمل الباحثين الذين فحصوا الطريقة التي تمت بها فعلاً كتابة الأناجيل ومهم “نقاد الصيغ” قد أوضحوا أنه لا توجد أية إشارة في أي موضع في العهد الجديد إلى وجود يسوع لم ينسب إلى نفسه قوى خارقة للطبيعة.

والواقع أنه يستحيل حقاً الفصل بين شخص يسوع كإنسان “يسوع التاريخي” وبين المسيح الرب المقام المساوي لله وذلك في الفكر اللاهوتي للكنيسة الأولى.

وإذا كانت ادعاءات يسوع زائفة، نكون والحالة هذه بصدد معلم يهودي تقي كما يحلو لبعض المؤرخين أن يتخيلوا أحياناً، أو نكون بصدد رجل مريض بالوهم، أو مخادع يعرف أنه كذلك. وفي كلتا الحالتين، لا يصنف يسوع إلا مع المسحاء الآخرين الذين كانوا يظهرون على فترات متقطعة في القرن الأول، والذين لم يعش تأثيرهم إلا لفترات وجيزة، والذين قد أصبحوا الآن تقريباً في عالم النسيان، غير أن يسوع لم ينس. وإذا كان تلاميذه قد ادعوا في وقت لاحق ادعاءات جديدة عن أهميته، فإن هذه الادعاءات راسخة تماماً في تعاليمه عن نفسه وعن مكانه في خطط الله.

 

[1] يوحنا 1: 38؛ 3: 2؛ 9: 12.

[2] مرقص 1: 16-21؛ لوقا 4: 16؛ 6: 6.

[3] متى 7: 29؛ مرقص 2: 7.

[4] مرقص 1: 1.

[5] مرقص 8: 29؛ 9: 41؛ 14: 61-62.

[6] مرقص 14: 62.

[7] مرقص 9: 41.

[8] متى 16: 16-17.

[9] مرقص 14: 61-62.

[10] مرقص 5: 1-20.

[11] مرقص 10: 46-52.

[12] مرقص 1: 9-11.

[13] لوقا 4: 1-13.

[14] مرقص 11: 1-11.

[15] متى 27: 54.

[16] لوقا 23: 47.

[17] هوشع 11: 1.

[18] لوقا 2: 49.

[19] مرقص 12: 1-11.

[20] متى 11: 27؛ لوقا 10: 22.

[21] يوحنا 15: 23.

[22] يوحنا 10: 30.

[23] يوحنا 1: 2.

[24] قضاة 1: 1.

[25] تثنية 13: 13.

[26] صموئيل الأول 2: 12.

[27] يوحنا 1: 1-18.

[28] رؤيا 19: 13.

[29] يو 1: 1.

[30] يو 1: 14.

[31] يوحنا 14: 9.

[32] إشعياء 52: 13؛ 53: 12.

[33] مرقص 1: 11.

[34] إشعياء 42: 1.

[35] مرقص 2: 20.

[36] مرقص 8: 31.

[37] مرقص 10: 45.

[38] لوقا 14: 27.

[39] يوحنا 10: 30.

[40] لوقا 10: 22.

المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟ – إبن الله وإبن الإنسان

المخلص الموعود به من الله : عالم يسوع – جون ديرين

المخلص الموعود به من الله : عالم يسوع – جون ديرين

المخلص الموعود به من الله : عالم يسوع – جون ديرين

المخلص الموعود به من الله : عالم يسوع

 

كيف كانت تبدو ملامح يسوع؟ لا بد وأن هذا السؤال خطر على بال كل واحد منا. ومن المحتمل أنه كانت في ذهن الغالبية منا صورة للشبه الذي كان عليه يسوع. وإذا كان لقاؤنا الوحيد بالمسيحية يأتي عن طريق زيادة لإحدى الكاتدرائيات العظيمة، أو حتى لكنيسة على زاوية الشارع، فلسوف نتخيله كشخص تحيطه هالة من القداسة في زجاج ملون لإحدى النوافذ. أو قد يبدو لنا كنوع من الأوهام التي تعيش في عالم الخيال. وهذا أمر له أهميته بالنسبة لمعتقدات المسيحيين، ولكنه لا يمثل شيئاً بالنسبة لاهتمامات الحياة اليومية.

ولكننا – من ناحية أخرى – إذا ما فتحنا العهد الجديد بدافع من الفضول وقرأنا فيه أن يسوع كان نجاراً، فلسوف يتكون لدينا انطباع مختلف تماماً عن يسوع. ذلك أنه طبقاً لما جاء في الأناجيل فقد قضى يسوع معظم حياته كعامل عادي. وربما أكثر من مجرد عامل يشتغل بالخشب[1]. ذلك أن القصص التي كتبت عنه رواها أناس يتكلمون اليونانية، والكلمة التي استخدموها لوصف مهنته يمكن أن يفهم منها بسهولة أنه كان عام بناء، يستخدم الحجارة أيضاً في عمله.

وثمة صورة تختلف اختلافاً طفيفاً تبرز لنا إذا ما أعدنا التأمل في القصص التي تضمنها العهد الجديد عن حياة يسوع، ذلك أننا على سبيل المثال سنكتشف أنه كان يكره العنف بجميع صوره وأشكاله، بل أنه قال لأتباعه: “لا تقاوموا الشر. بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً”[2]. ومع ذلك، كان يسوع رجلاً ذا شجاعة فائقة، ولقد تحمل في جَلَد أبشع نوعيات التعذيب والإعدام التي وصل إليها تفكير الإنسان.

والحقيقة أنه إذا ما كنا نفكر في المظهر الذي كان يبدو عليه يسوع من الناحية البدنية، فإننا لا نعرف شيئاً عنه على الإطلاق من هذه الناحية. أما إذا كنا نفكر في سماته الشخصية، فإن هذا يعتمد إلى حد كبير جداً على الجزء الذي نتناوله من حياة يسوع، وكذلك على نوعية شخصيته. غير أنه هناك أمراً واحداً بمقدورنا أن نكون على يقين منه. وهو أن خلفيته وأسلوب حياته لا يمكن أن يختلفا إلى حد كبير عن خلفية وأسلوب حياة أي شخص آخر كان موجوداً في ذلك الحين في هذا الجزء من العالم الذي نطلق عليه الآن “الشرق الأوسط”. وعلى هذا، وقبل أن ننتقل إلى أية نقطة أخرى في موضوعنا، ترانا في حاجة إلى أن نسأل بعض الأسئلة القليلة عن نوعية العالم الذي عاش فيه يسوع بالجسد. وحيث أن بعض بلدان الشرق الأوسط كانت لها – على أيام يسوع – أسماء تختلف عن تلك التي نعرفها بها اليوم، فإنه يجب علينا أن ننظر أولاً إلى خريطة ثم نقارنها بخريطة أخرى حديثة.

لقد تغيرت الأسماء، إلا أن غالبيتنا يشعر بألفة مع العالم في أيام يسوع. فالعنف والاضطهاد، والتفرقة العنصرية، والاستبداد والاستغلال والديكتاتورية، والظلم الاجتماعي، كل هذه المشاكل كانت مألوفة لشعوب الإمبراطورية الرومانية منذ ألفي عام مضت تماماً على النحو الذي نعرفها به في أيامنا هذه، فيما عدا أن الغالبية منا لا يعرفون عن هذه الأمور سوى أنها مثل ومفاهيم نتحدث عنها إلا أننا لم نختبرها بأنفسنا. أما في فلسطين، وفي أيام يسوع، فكانت تمثل الحقائق الرئيسية للحياة اليومية.

هيرودس الكبير:

حين ولد يسوع، كان هيرودس الكبير حاكماً لفلسطين، وهي دولة تقع على الحدود الشرقية للإمبراطورية الرومانية، وكانت – على الرغم من صغرها – تتمتع بأهمية استراتيجية. وقد عينه الرومانيون ملكاً على اليهودية سنة 37 ق.م. وقصة وصوله إلى السلطة، بل والواقع قصة بقية حكمه، هي قصة تقليدية للخيانة والقسوة. فهو كملك، جمع بين خليط غريب من الذكاء الدبلوماسي، مع غباء لا يكاد يصدق. ثم أن القصة التي تتحدث عن كيفية اغتياله لأطفال بيت لحم بعد ميلاد يسوع[3]– على الرغم من أننا لا نجدها في أية مصادر أخرى – إلا أننا نراها تنسجم تماماً مع شخصيته وخلقه وسلوكه. فكل من كان يعارض سياسته ما كان له أن يتوقع سوى أن يلقى ميتة رهيبة. ومثل كثيرين من الطغاة الذين هم على شاكلته، لم يكن يتردد إطلاقاً عن قتل حتى أقرب أفراد عائلته. فإحدى زوجاته وهي “مريمنة” تم إعدامها بناء على أوامره، كما أنه اشترك في قتل اثنين من أبنائه هما: إسكندر وارستبولس. وقبل موته بخمسة أيام فقط، في عام 4 ق.م.، أمر بقتل واحد آخر من أولاده، وهو أنتيباتر، والذي كان من المتوقع أن يخلفه.

ومع ذلك فإن هيردوس الكبير، لم يدع “الكبير” اعتباطاً. فعلى النقيض من الحكام السابقين تمكن هيرودس من حفظ السلام والنظام في مقاطعته. كما كان مسؤولاً أيضاً عن برنامج ضخم للبناء والتشييد. فهيروس الكبير هو الذي بدأ بناء الهيكل في أورشليم، والذي من يكن قد تم الانتهاء من بنائه أيام حياة يسوع. كما أنه شيد الكثير من المباني الفخمة الأخرى في أورشليم وقيصرية، وفي مدن رومانية أخرى خارج مقاطعته.

ثلاثة باسم هيرودس:

حين مات هيرودس الكبير سنة 4 ق.م. قسم الرومانيون مملكته بين أولاده الثلاثة المتبقين، وكان هناك استثناء واحد، وهو أنه لم يكن أي منهم أفضل من أبيه.

ç اليهودية: وهي ذلك الجزء من فلسطين الذي كان يتضمن أورشليم. قد أعطى لابنه أرخيلاوس. ولم يسمح له بأن يطلق على نفسه لقب “ملك” اليهودية، وهو اللقب الذي كان يطلق على أبيه، ولذلك أطلق عليه لقب “حاكم”. ولم يستمر في الحكم سوى عشر سنوات فقط، ثم خلعه الرومان من وظيفته. وفي سنة 6م، أصبحت اليهودية مقاطعة من الدرجة الثالثة تابعة للإمبراطورية الرومانية، يحكمها موظف من طبقة الفرسان، كان هو نفسه تحت إمرة حاكم سورية الرومانية. وحكام اليهودية الرومانيون هؤلاء أطلق عليهم فيما بعد لقب “ولاة”. وأكثره معرفة لدينا هو بيلاطس البنطي، الذي حكم اليهودية من سنة 26 إلى سنة 36م.

ç الجزء الشمالي من فلسطين أعطي لأنتيباس، وهو من أبناء هيرودس. وكان يعرف بلقب “حاكم” (أو رئيس ربع) على الجليل وبيرية. وكانت منطقته تتضمن قرية الناصرة التي تربى فيها يسوع. وكان أنتيباس يشبه أباه تماماً. وكان بارعاً يهوى عيشة الترف. وبغيته أن يخلد لنفسه اسماً فاهتم بتشييد المباني العامة. ومن بين مشروعاته إعادة بناء سيفوريس، وهي مدينة لا تبعد عن الناصر سوى أربعة أميال فقط. كما أنه بنى مدينة طبرية على بحر الجليل[4]، وقد أطلق عليها هذا الاسم تكريماً للإمبراطور الروماني طيباريوس. وهيرودس أنتيباس هو الذي أمر بقطع رأس يوحنا المعمدان[5]، كما اشترك في محاكمات يسوع.

ç وأخ ثالث، وهو فيلبس، أخذ بعض الأراضي الواقعة شمال شرقي فلسطين إثر موت والده. وقد أسس مدينة قيصرية فيلبس عن سفح جبل حرمون. ودون جميع أبناء هيرودس الكبير، كان فيلبس هو الوحيد الذي أثبت أنه حاكم متزن ويعرف الرحمة. وقد ظل في وظيفته “رئيس ربع” على أيطورية وتراخونيتس حتى عام 34م.

وبعد أن استبدل أرخيلاوس بحاكم روماني، قامت ثورات كثيرة ضد الرومان في اليهودية: فقد زاد إحباط اليهود لعدم تمكنهم من القيام بإدارة شئونهم. أما الرومان فقد أصبحوا أقل اهتماماً من ناحية محاولة فهم المشاكل الخاصة بالشعب اليهودي. ونتيجة لأعمال القمع والفساد من جانب كثيرين من الحكام الرومانيين، وزيادة تيار القومية اليهودية فقد انتهى الأمر بقيام انتفاضة عامة سنة 66م. قد تم إخماد هذه الانتفاضة في النهاية حين تم تدمير أورشليم إلى حد كبير على يد القائد الروماني تيطس سنة 70م.

اليهود والرومان

كان من الطبيعي أن يستاء يهود فلسطين من سيطرة الرومان عليهم. فمن سبق أن ذاق الحرية يجد أنه من الصعب أن يتقبل وضعاً تسوده الدكتاتورية المستبدة. إلا أن الأمر بالنسبة للشعب اليهودي يتضمن أكثر من ذلك بكثير. فقناعة هذا الشعب كانت تقوم على أساس دينهم، الذي كانت له سمة خاصة. ذلك أن الديانة اليهودية، على النقيض من كثير من الديانات الأخرى، لم تكن تقتصر فحسب على الاهتمام بالفرد كعابد لله وعلاقته به، بل إن اليهودية كانت ديانة أمة. فكون الشخص يهودياً كان أمراً له أهميته السياسية والدينية أيضاً.

وفيما كان اليهود يقرأون كتاباتهم المقدسة (التي يسميها المسيحيون العهد القديم) كانوا يؤمنون بأنهم اختيروا على وجه الخصوص من الله. ولسوف يأتي يوم يحكمون فيه العالم تحت قيادة المخلص الموعود به من الله، والذي يطلقون عليه اسم “المسيا”. وجاء وقت توقعوا فيه أن ذلك سيتحقق في المجرى الطبيعي للتاريخ.

ذلك أنهم على عهد الملك داود والملك سليمان، وكان ذلك قبل ميلاد يسوع بألف سنة تقريباً، كانوا قد أصبحوا من بين القوى العظمى في العالم. بل وفي عهود أحدث من ذلك بكثير كانوا يشكلون قوة يعمل لها ألف حساب. إلا أنه كان من الواضح لمعظم اليهود الذين كانوا يعيشون في فلسطين أيام يسوع أن أمراً خارقاً للطبيعة لا بد أن يحدث إذا كان لهم أن يتحرروا يوماً من قبضة الرومان الحديدية.

وفي الوقت ذاته لم يكن جميع اليهود يريدون التحرر من حكم الرومان ذلك أنه كانت هناك بعض قطاعات المجتمع في فلسطين ممن كانوا يرون أنه من الأفضل لهم أن يكونوا على علاقة صداقة مع الرومان، بل إنه حتى بين أولئك الذين كانوا يرون أن الحرية أمر مرغوب فيه، كان هناك كثيرون منهم ممن لم يبذلوا أي شيء في سبيل الحصول على هذه الحرية.

ومن المهم أيضاً أن نتذكر أنه ليس جميع اليهود كانوا يعيشون في فلسطين نفسها. والواقع أن اليهود الذين كانوا يعيشون في المدن الكبرى في الإمبراطورية الرومانية كان عددهم يفوق كثيراً عدد من كانوا يعيشون في الوطن. فاليهود الذين كانوا يعيشون في فلسطين لم يكن عددهم يتجاوز خمس عدد اليهود على مستوى الإمبراطورية كلها، بل إن عدد اليهود في أورشليم نفسها ربما كان أقل من عدد اليهود الذين يعيشون في مدينة الإسكندرية في مصر.

ولا بد أن معظم الشعب اليهودي كان قد اعتاد تماماً جميع النواحي المتعلقة بحياة الرومانيين ومجتمعهم. من المؤكد أن معظم من كان منهم يعيش خارج فلسطين في الشتات (السبي)، نسقوا أسلوب حياتهم ليتناغم مع الظروف التي كانوا يعيشون فيها. ومن المؤكد أنهم كانوا دائماً يدركون حقيقة أنهم يهود، ومن ثم حاولوا المحافظة على تلك السمات الخاصة بثقافتهم القومية التي تميزهم بكل وضوح عن جيرانهم من غير اليهود. فالختان، وحفظ السبت، وشرائع العهد القديم المتعلقة بالطعام، هذه وأشياء كثيرة أخرى، كانت تكشف للعالم الروماني أن اليهود مختلفون عن غيرهم من الشعوب. ولكن على الرغم من هذا الاختلاف فهناك كثيرون منهم لم يكونوا يريدون حقاً أن يستبدلوا الحياة المريحة التي كانوا ينعمون بها كطبقة محترمة في مدينة رومانية، بحياة في فلسطين نفسها أقل رخاءً حتى لو كانت أكثر إثارة.

وعلى هذا، فإننا حين نتحدث عن يهود فلسطين فإننا في واقع الحال نتحدث عن نسبة صغيرة من الشعب اليهودي ككل. ومع ذلك فإن حتى بين هذه النسبة الصغيرة نجد مواقف كثيرة متباينة فيما يتعلق بالأمور التي لها تأثير على ديانتهم وعلاقتهم بالرومان الذين كانوا يحتلون بلادهم.

فلسطين وشعبها:

يخبرنا المؤرخ اليهودي يوسيفوس، الذي عاش في أواخر القرن الأول الميلادي، والذي كان صديقاً للرومان، بأنه كانت هناك ثلاثة آراء رئيسية شائعة بين اليهود في فلسطين: “الفلسفة اليهودية” تأخذ ثلاثة مدراس. أما أتباع المدرسة الأولى فهم “الفريسيون”، والثانية “الصدوقيون”، أما الثالثة، والتي اشتهرت بأنها أكثرهم انضباطاً فهي جماعة الأسينين. كما أنه يذكر مجموعة رابعة هي “الغيورون”. ولكن، بالنظر إلى أنه لا يذكر هؤلاء دائماً بين الجماعات الفلسفية، فلا بد وأنهم شكلوا رابطة أقل تماسكاً. ومن الواضح أنه لم يكن جميع اليهود أعضاء في جماعة أو أخرى من هذه الجماعات، تماماً مثلما أنه ليس كل واحد في مجتمعنا عضواً في حزب سياسي. وربما كان لكل جماعة من هذه الجماعات الأربع عضوية صغيرة تماماً، على الرغم من أن رجل الشارع العادي كان يتطلع إلى أن تتولى إحداها القيادة. ونحن نقرأ عن ثلاث من هذه الجماعات في القصص التي تتناول حياة المسيح، وهم الصدوقيون والفريسيون والغيورون.

 الصدوقيون: كثيراً ما يأتي ذكر الصدوقيين في العهد الجديد جنباً إلى جنب مع الفريسين، إلا أنهما في الواقع جماعتان منفصلتان تماماً وتتناقض آراء كل منهما مع الآراء الأخرى في كل شيء تقريباً. ولم يكن الصدوقيون سوى جماعة صغيرة، إلا أنه كان لهم نفوذ كبير. فقط كانت جماعتهم تتشكل أساساً من أكثر الكهنة في هيكل أورشليم نفوذاً، ولم يكن من بين أعضائها إلا الطبقات الغنية من المجتمع اليهودي. وكانوا محافظين متشددين في كل شيء، وكانوا يمقتون التغيير في جميع أشكاله ولا سيما التغييرات التي قد تؤثر في وضعهم البارز في المجتمع. وحتى إذا كانوا من الوجهة النظرية يؤمنون بمجيء “مسيا”، إلا أنه بصفة عامة لم تكن لهم أية علاقة بالمجادلات السياسية لأنهم كانوا لا يرون فيها فائدة سوى أنها ستسبب المتاعب للرومان.

والاسم “صدوقي” ريما يعني “ابن صادوق”، على الرغم من أنه من المؤكد أن الصدوقيين لم يكونوا من أحفاد صادوق الذي ورد ذكره في العهد القديم[6]. وقد اقترحت معان أخرى للاسم: إما أنه مأخوذ من كلمة عبرية معناها “الاستقامة الأخلاقية” أو “البر”، أو مأخوذ من الكلمة اليونانية “SYNDICIO”، والتي قد تعني “أعضاء المجلس”، ومن المؤكد أن مجلس السبعين اليهودي (السنهدريم) كان يضم من بين أعضائه كثيرين في الصدوقيين.

وإذا ما اعتُبر الصدوقيون كسياسيين محافظين، فإن فهمهم للديانة اليهودية لا يمكن أن يوصف إلا بأنه جاء في إطار رجعي. وكانوا يقولون إن التعليم الديني الوحيد الذي له سلطان، هو الناموس الذي أُعطي بيد موسى والذي جاء في الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم (أي التوراة). ولم يكن لديهم أي وقت بالنسبة لبقية العهد القديم، أو لأي شخص يحاول إعادة تفسيره أو تطبيقه بطريقة مباشرة على موقفهم. وهذا يعني أنهم لا يشاركون اليهود الآخرين بعض معتقداتهم اليهودية والتي ليست واضحة تماماً في التوراة. فالصدوقيون لا يؤمنون بأن لله قصداً من وراء أحداث التاريخ، وكذلك بموضوعات أخرى مثل الاعتقاد بحياة مستقبلية، أو القيامة، أو الدينونة الأخيرة.

الفريسيون: وكانوا يشكلون طائفة أكبر بكثير، وربما كان عددهم أيام يسوع يزيد على ستة آلاف شخص. وكثيرون منهم كانوا يحترفون دراسة العهد القديم، غير أن آخرين منهم كانوا يقومون بأعمال إدارية. وكانوا يشكلون منظمة قومية، لها عدد كبير من المجموعات المحلية. وكان لكل مجموعة رؤساؤها وقوانينها، وكان يتم تشكيل مجموعات في معظم المدن والقرى باتساع فلسطين. ومن الناحية الدينية، ربما كانوا يشكلون أكثر الناس أهمية في الديانة اليهودية أثناء حياة يسوع. وكان الصدوقيون يكرهون الفريسيين لأنهم كانوا يؤمنون ويعملون أشياء لا تتفق في الواقع مع الفهم الحرفي لناموس موسى. غير أن الناس العاديين جداً كانوا يكنون لهم احتراماً كبيراً.

وأهم ما يأخذه الصدوقيون على الفريسيين، هو أنهم كوموا كمية كبيرة جداً من الأحكام والقواعد لكي يشرحوا من خلالها ناموس العهد القديم. وعلى الرغم من أن الفريسيين كانوا يعتبرون العهد القديم هو الدستور الأعلى لحياتهم وإيمانهم، إلا أنهم أدركوا أيضاً أنه لا ينطق بصفة مباشرة على نوعية المجتمع الذي يعيشون فيه. ولكي توجد هذه العلاقة كان يجب تفسيره بطرق جديدة. فالوصايا العشر على سبيل المثال تعلم الناس حفظ السبت وتقديسه.

ولكن ماذا يعني هذا في الواقع بالنسبة للحياة اليومية؟ ما الذي يجب على اليهودي التقي أن يعمله وما الذي لا يتعين عليه أن يعمله في السبت؟ وكان لدى الفريسيين قائمة بالقواعد التي يردون بها على هذا السؤال بطريقة عملية.

وإحدى كتاباتهم “Pirke Aboth” تستهل بالقول: “أقم سياجاً للناموس”. وهذا معناه “احموه بأن تحفظوه بقواعد تحذيرية كإنذار لإيقاف الناس قبل الوصول إلى الحالة التي يكسرون عندنا نفس الناموس المعطى من الله. وهذا قصد جدير بالثناء. غير أنه ليس هناك شك في أن هذا سوف يؤدي في النهاية إلى أن يضع الفريسيون كثيراً من القواعد التي يصبح معها الناموس عبئاً أخلاقياً بالنسبة للأتقياء، وليس هبة من الله. أما بالنسبة لغير المؤمنين فالكثير منه كان في عرفهم مجرد هراء. فعلى سبيل المثال، لم يكن يسمح للخياط بالخروج حاملاً إبرته في وقت متأخر من النهار قبل حلول السبت لئلا تظل في جيبه حين يبدأ السبت. ولكنه – كأي شخص آخر – بوسعه أن يتنزه يوم السبت على ألا تزيد المسافة على ألفي ذراع، أي ثلثي ميل[7]، وهي المسافة التي كانت بين بين إسرائيل وتابوت عهدهم المقدس حين دخلوا كنعان لأول مرة. وهذا ما أصبح يعرف برحلة السبت وقد ذكرت في الأناجيل.

وعلى الرغم من سخافة بعض معاييرهم، إلا أنه ليس هناك شك أن كثيرين من الفريسين كانوا يحفظون بالفعل هذه القواعد[8]. ويقول يوسيفوس: “إن الشعب في المدن كان يكنّ لهم احتراماً عظيماً، لأنهم يعظون ويمارسون هذه الأفكار الأخلاقية العالية”. ولكن يسوع شجبهم على اعتبار أنهم مراؤون، لأنه أدرك أن حفظهم للوصايا والتعاليم المتعصبة التي وضعوها هم أنفسهم، أصبحت لها أهمية أكثر من اللازم عندهم.

وشأنهم في ذلك شأن كثيرين غيرهم، بدأوا يساوون بين معرفة الله، والعضوية في جماعتهم، أي أن يكون الشخص فريسياً، وأن يكون الإنسان عضواً في شيعتهم كان يشكل في النهاية أهمية أكبر من معرفة وصية الله وفهمها[9]. وعلى الرغم من أنهم كثيراً ما يدعون أنهم يحفظون شريعة الله، إلا أنهم كانوا في واقع الحال لا يعملون إلا إلى لفت الانتباه إلى إنجازاتهم الأخلاقية. وهذا أمر يميل إليه جميع المنادين بالأخلاقيات.

أما من وجهة نظر يسوع فإن خطأ الفريسيين الحقيقي يتمثل في أنهم كانوا يعتقدون إن الله لا يهتم إلى بمطالب الناموس. والفكر اللاهوتي للفريسين ليس فيه مكان للإله الذي يعرّفه يسوع بأنه أبوه. إله عطوف ومحب، ويهتم بالزناة والمتسولين بأكثر مما يهتم بالمتدينين الذين يتمسكون بالتقليد[10]. فما من فريسي يستطيع القول مع يسوع: “لم آت لأدعو أبراراً بل خطاة”.

والفريسيون بالطبع لهم آراؤهم الخاصة بهم بالنسبة لموضوعات أخرى. ولقد قبلوا سلطة العهد القديم بأكمله، وليس ناموس موسى فقط. وهم على النقيض من الصدوقيين، لم يجدوا صعوبة في الإيمان بأنه توجد حياة أخرى بعد الموت. وربما توقعوا أيضاً مجيء “مسيا” ليصحح أخطاء شعبهم. وعلى الرغم من أنهم لم يشتركوا إطلاقاً في أية ثورة ضد الرومان إلا أنه من المحتمل أنهم كانوا يعجبون بمن يقومون بها.

الغيورون: كانوا انهماكاً في مقاومة الرومان بصفة مباشرة. وربما كانوا يشاركون في كثير من معتقدات الفريسيين الدينية، إلا أن اعتقادهم هو أنهم لا يقبلون سيداً سوى الله، ومن ثم يجب طرد الرومان مهما كان السبب. وطبقاً لما يقوله يوسيفوس، فإن مؤسس شيعتهم هو رجل يدعى يهوذا[11]، وهو رجل جليلي قاد ثورة عام 6م، في ذات الوقت تقريباً الذي خلع فيه الرومان أرخيلاوس من الحكم. كما يقول لنا أيضاً إن هؤلاء الرجال يتفقون في كل شيء مع آراء الفريسيين، إلا أنهم كانوا في شغف ونهم للحرية لا يشبعون منها، وهم على قناعة من أن الله وحده هو الذي يجب أن يكون سيدهم وربهم[12]…. ولا يوجد ما يخيفهم ويجبرهم على خلع هذا اللقب على أحد سواه.

وقد استمر الغيورون كحركة فدائية حتى حصار أورشليم سنة 70م، وربما حتى إلى ما بعد ذلك. وواحد على الأٌقل من تلاميذ المسيح ويدعى سمعان[13]، كان من الغيورين، وكثيراً ما كان يسود الاعتقاد بأن يهوذا الإسخريوطي كان أيضاً واحداً منهم. غير أن الغيورين الأكثر حماسة يبدو أنهم رجال من طراز باراباس[14]، الذي اختارته الجماهير لأن يطلقوا سراحه حيث فضلوه على يسوع، وذلك المشاغب الذي خلط مرة عن طريق الخطأ بينه وبين بولس[15].

الأسينيون: وقد ذكرهم كتبة عديدون. فنجد أن فيلو (وهو يهودي من الإسكندرية في مصر، وكان يكتب باللغة اليونانية)، والكتاب اللاتيني بليني، ويوسيفوس، كل هؤلاء تحدثوا عن الأسينيين. ولكن ذكرهم لم يأت بواسطة أي واحد من كتبة العهد الجديد.

هناك كثيرون يعتقدون أن إحدى فرق الأسينيين، هي التي كتبت الوثائق المعروفة باسم “لفائف البحر الأحمر”. وكان المقر الرئيس لهذه الجماعة في قمران، على مقربة من الركن الشمالي الغربي للبحر الميت. ولقد انسحب أهل قمران من الحياة العادية وعاشوا في شركة معاً في الصحراء، محاولين الحفاظ على تقاليد النقاء الديني والأخلاقي التي اعتقدوا أن بوسعهم أن يجدوها في العهد القديم.

إلا أنه ليس جميع الأسينيين يعيشون على هذا النهج، لأن يوسيفوس يقول: “إنهم لم يكونوا متمركزين في مدينة واحدة، بل استقروا بأعداد كبيرة في كل مدينة”. ثم أنه يتحدث عن آخرين الذين – على النقيض من المجموعات التي تتكون من الرهبان – كانوا متزوجين مع أنه بذل جهداً ليوضح أنهم نظروا إلى الزواج على أنه مجرد وسيلة لاستمرارية العنصر البشري، كما يوجد دليل مكتوب على أن مجموعة أخرى عاشت في البرية على مقربة من دمشق، وأن منظمتهم تختلف بشكل طفيف عن تلك الموجودة في قمران.

والواقع أنه ما من أحد يعرف العلاقة بين هذه الجماعات ولا كيفية انتسابهم إلى الأسينيين المبعثرين في جميع أنحاء فلسطين. ونحن نعرف الكثير عن جماعة قمران نتيجة اكتشاف كتاباتهم، التي تدعم معظم نقاط القصة التي ذكرها يوسيفوس.

ومن مخطوطات البحر الميت نعرف أن أهل هذه الجماعة كانوا يعتبرون أنفسهم كأقلية في إسرائيل أنهم أمناء لعهد الله. وكانوا ينظرون إلى الأمة اليهودية ككل، بل وحتى إلى الهيكل والكهنة في أورشليم، على اعتبار أنهم غير أمناء. وأن قائدهم فقط “معلم البر” وأتباعه الأمناء هو الذين بوسعهم أن يعرفوا أسرار العهد القديم.

وعلى مثال بعض الجماعات الأخرى، كان الأسينيون يتطلعون إلى يوم تحل فيه كارثة في التاريخ. وهنا سيؤكد الله سيادته على العالم، وذلك عندما يقهر الهراطقة الوطنيين والغرباء من الأعداء الغازين مثل الرومان. وهنا فإن أعضاء الشيعة – وليس الأمة اليهودية كلها – وسوف تعرف بأنها شعب الله المختار. ولسوف يتولون الأمور ويصححون أوضاع عبادة الله في هيكل أورشليم. وتوقع الأسينيون ظهور ثلاثة قادة: النبي الآتي الذي تنبأ عنه موسى، والمسيا الملك الذي سيكون من نسل داود والمسيا الكاهن، والذي سيكون له الأولوية الكبرى.

وعلى هذا يجب أن يكونوا في حالة استعداد دائم لهذه الأحداث، وطائفة الأسينيبن في قمران يمارسون الكثير من الغسلات الطقسية. وكل شيء كانوا يعملونه كان له مغزى ديني. وحتى وجباتهم اليومية كانت تشكل تطلعاً للوليمة السماوية والتي كانوا يعتقدون أنها ستكون في نهاية الدهر.

ومع إمكانية استثناء الصدوقيين، فإن كل الجماعات الدنية البارزة في فلسطين أيام يسوع كانت تأمل وتتضرع أن يقوم الله بعمل شيء ما في حياة شعبهم. وقد كانت لهم جميعاً أفكارهم الخاصة عما سيعمله، ومتى وكيف سيعمل ذلك. وبعضها مثل جماعة الغيورين، كان أعضاؤها على استعداد على معاونة الله حين يرون أن هذا ضروري.

وآخرون، كالفريسيين والأسينيين، كانوا يعتقدون أن الله لديه خطة سبق فأعدها، وهي خطة لا يمكن أن تتغير أو تدعم نتيجة أي تدخل من جانب البشر. غير أنه بمقدورنا أن نكون على ثقة من أنه كان هناك أناس عاديون كثيرون لم تكن لهم أية اهتمامات بالمناورات السياسية أو المنازعات اللاهوتية. ذلك أنهم بكل بساطة كانوا يعرفون أنهم في حاجة إلى أن يعمل الله شيئاً من أجلهم. ورغبتهم الوحيدة هي أن يكونوا في المكان الصحيح وفي حالة ذهنية سليمة حين يصل المخلص الموعود به من الله.

الرؤويون: تم التعبير عن التوقعات المستقبلية للشعب اليهودي تماماً في كتابات (الرؤويون)، هي كلمة تعني حرفياً أناس يكشفون عن أشياء سرية. والكتب التي يكتبونها ما هي إلا إعلانات لأسرار ما “رؤوية”. لا نعرف أهمية هؤلاء الناس على وجه التحديد، بالنظر إلى أننا لا نعرفهم إلا من خلال كتاباتهم. وليس من الواضح ما إذا كانوا يشكلون أي نوع من الجماعات ضيقة الأفق، وما إذا كانوا ينتمون إلى أي من الشيع الدينية المختلفة، من غير المحتمل أن يكون أي من الرؤويين من طائفة الصدوقيين بالنظر إلى أنهم ادعوا أنهم تسلموا إعلانات جديدة من الله (ولا يمكن للصدوقيين التسليم بأنه قد أعطي لهم أي إعلان إلهي منذ عهد موسى). وتماثل معتقداتهم من بعض النواحي معتقدات الفريسيين، لأنهم شددوا بشكل كبير على القول بأن الله لديه خطة سبق وأعدها من أجل تاريخ العالم.

وأياً كانت حقيقة الرؤويين، فإن لكتاباتهم سمات غير عادية تجعل إدراكها سهلاً.

ç لديهم تأكيد قوي على حياة السماء وليس على مجال الحياة اليومية الذي اختبره البشر. وعلى الرغم من أن أحداثاً في هذا العالم قد جاء ذكرها. إلا أن أهميتها قاصرة على أنها تكشف لنا شيئاً عن أحداث وقعت في العالم الروحي. وقد قال أحد الكتاب الرؤويين أن “العلي لم يخلق عالماً واحداً بل اثنين” (2اسدراس 7: 50)، ووجهة النظر هذه يشارك فيها كثيرون من الرؤويين، فقد كانت مهمتهم الكشف عما كان يحدث في عالم الله، وأن يؤكدوا لقرائهم أن لهم موقعاً أساسياً في أنشطة الله.

ç وهذا يعني أيضاً أن الكتابات الرؤوية تؤكد الأحلام والرؤى، والاتصالات بواسطة الملائكة. وبالنظر إلى أن الله بعيد في عالمه الخاص به (السماء) فثمة حاجة إلى استخدام وسطاء في معاملاته مع البشر. والرؤيا النموذجية تأخذ شكل تقرير مطول يبين كيف أن كتابتها قد تسلم رؤى ورسائل تكتشف عما يحدث في السماء.

ç ويصحب ذلك صيغة أدبية غير معتادة. لأن الرؤى لا توصف بعبارات صريحة، بل تستخدم نوعية من اللغة الرمزية. وكثيراً ما نجد إشارات عديدة إلى كتب الأنبياء في العهد القديم. وإلى الوحوش الأسطورية، كما تستخدم الأعداد الرمزية لتشير إلى أمم أو أشخاص.

ç والكتابات الرؤوية عادة ما تصدر باسم شخصية عظيمة عاشت في الماضي. فأخنوح، ونوح، وآدم، وموسى، وعزرا وعدد آخر من شخصيات العهد القديم، هؤلاء جميعاً نسبت لهم كتابات رؤوية. ولعل ذلك كان أمراً ضرورياً لأنه كان ثمة اعتقاد واسع الطيف لدى اليهود، بأن زمن النبوة الحقيقية قد ولى. وكان على أي راء معاصر يريد أن تُسمع رسالته، كان عليه أن ينسب ما كتبه إلى شخص يكون قد عاش بالفعل في زمن العهد القديم. وسفر الرؤيا هو السفر الوحيد في العهد الجديد الذي يستخدم لغة مجازية رؤوية موسعة. لكنه جاء مختلفاً تماماً من هذه الناحية. ذلك أن سفر الرؤيا لم ينسب إلى شخصية من العهد القديم، بل إن كاتبه عُرف بأنه يوحنا، وكان صديقاً ومعاصراً لقرائه[16].

أما لماذا أصبحت هذه النوعية من الكتابة شائعة للغاية في القرون التي كانت قبل ميلاد المسيح مباشرة؟ فإن هناك رداً رائعاً على هذا السؤال، وهو أن الكتابة الرؤوية كانت تعطي إجابة لحقائق الحياة الصعبة في فلسكين في ذلك الحين. فكثيراً ما اقترح أنبياء العهد القديم أن مجرى تاريخ إسرائيل يعتمد بطريقة ما على موقفهم من الله. فإذا ما أطاعوه ازدهروا، وإذا لم يطيعوه عليهم أن يتوقعوا أزمنة صعبة.

وهذه الأزمنة الصعبة توجت بسقوط أورشليم على يد نبوخذ نصر سنة 586ق.م، وسبي سكانها إلى بابل. وبعد قضاء فترة وجيزة في السبي سمح لليهود بالعودة إلى وطنهم، والذين عادوا قرروا ألا يرتكبوا نفس الأخطاء التي ارتكبها أسلافهم. وعلى ذلك رجعوا عن طرقهم، وحاولوا تطبيق ناموس العهد القديم بحذافيره.

ومع ذلك، وطبقاً لما حدث فعلاً، فإنهم لم يحققوا نجاحاً. وبمرور الوقت بدا لهم أن الطريق إلى الازدهار إنما هو بالتعاون مع القوى الخارجية مثل الرومان وليس في بقائهم أمناء لدينهم. والذين حاولوا المحافظة على إيمان العهد القديم وجدوا أنفسهم أقلية تتناقص باستمرار، والذين حققوا نجاحاً كثيراً ما كانوا يحصلون على هذا النجاح عندما يتساهلون في إيمان آبائهم، بل وحتى من خلال التخلي عنه تماماً.

ربما بدأت الكتابات الرؤوية كرد على هذه المشكلة. لماذا لم تؤد الأمانة إلى الازدهار؟ ولماذا يعاني الأبرار؟ لماذا لم يضع الله نهاية لقوى الشر؟ وقد أجاب الرؤويون على هذه الأسئلة بقولهم إن المصاعب الراهنة هي متاعب نسبية. وإذا نظرنا إلى الأمور على ضوء عمل الله في التاريخ، فإن الأبرار في النهاية هم المنتصرون، والسيادة الظالمة للأشرار سوف تنهار. وكثيراً ما كان يطرح السؤال حول ما إذا كان ليسوع أية علاقة بهؤلاء الرؤويين ورؤاهم الخاصة بالعالم السماوي. ومن المؤكد أن ألبرت شويتزر Albert Sxhweitzer كان لديه هذا الاعتقاد، كما سيتضح لنا في الباب الثاني من هذا الكتاب.

كما توجد أيضاً أدلة كثيرة تبين أن يسوع كان على علم بالأفكار التي كان يطرحها الرؤويون. فهناك قدر كبير من التشبيهات المجازية والمفردات اللغوية التي استخدمها يسوع في تعليمه عن الأمور المستقبلية تماثل تلك التي استخدمها الرؤويون (مرقص 13، متى 24-25، لوقا 21). إلا أنه كانت هناك بعض الاختلافات الهامة.

ç الكتابات الرؤوية هي دائماً إخبار عن رؤى وأفكار أخرى تتعمق بالسماويات، أعطيت للناس من خلال وسائل خاصة. إلا أن يسوع لم يقم تعليمه على رؤى وإعلانات لم يقم تعليمه على رؤى وإعلانات إلهية من هذا القبيل. فقد كان يتكلم على أساس سلطانه، ولم يكن اهتمامه الأساسي موجهاً لأمور عالم آخر سمائي، بل بالحياة في هذا العالم. ولم يكشف عن أسرار، بل جعل له تلاميذاً وذكرهم بمسئولياتهم من قِبل الله.

ç كان الرؤويون دائماً مهتمين بتشجيع قرائهم وتعزيتهم، وذلك بأن يبينوا لهم أهم على صواب، وأنه سيتم القضاء على أعدائهم سريعاً. غير أن تعليم يسوع حتى بالنسبة لما أطلق عليه “الأقوال الرؤوية” لم يقصد به إطلاقاً تعزية تلاميذه. ولم يلمح إلى أنهم سينتصرون بطريقة تلقائية على أعدائهم، لأن ما قاله كان على النقيض من ذلك تماماً. ذلك أن يسوع اتخذ من تعليم الخاص بالأمور الأخروية مناسبة لتحفيز تلاميذه بالنسبة لسلوكهم في هذه الحياة، وأوضح أنه حينما يتدخل الله في شئون البشر فلسوف يكون ذلك وقت الدينونة سواء بالنسبة لتلاميذه أو بالنسبة لأي شخص آخر.

ç لا توجد مجموعة منظمة دقيقة من أقوال يسوع تتناول موضوع الأخرويات. ذلك أن ما قاله يسوع في هذا الشأن يختلف تماماً عن نظرة الرؤويين، الذين ذكروا كل ما يتعلق بهذا الموضوع على نحو من التفصيل. ذلك أن هذه الأمور كلها تتضمنها خطة الله السابق تحديدها. وأولئك الذين لديهم مفتاح هذه اللغة المشفرة بمقدورهم أن يعرفوا على وجه التحديد ما يخبئه لهم المستقبل. وبالطبع حاول بعض مفسري العهد الجديد أن يجدوا مثل هذا النظام في تعاليم يسوع. إلا أن النظم المتباينة العديدة التي توصلوا إليها توضح إخفاقهم. بل وما كان بوسعنا أن نتوقع لهم النجاح، لأن يسوع نفسه قال: “وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد ولا ملائكة السماوات… ولا الابن إلا الآب” (مت 24: 36؛ مر 13: 32). وما كان بوسع أي راءٍ على الإطلاق أن يقول هذا.

ç وعلى أساس الاختلافات الجوهرية بين يسوع والرؤويين، فمن الواضح أنه لا يمكن تصنيفه كواحد منهم. فلم تكن له نظرة رؤوية بالنسبة للحياة. ولا شك أنه كان أحياناً يقدم تعليمه مستخدماً لغة الرؤويين اليهود وتشبيهاتهم، مثلما فعل حين أشار إلى القاعدة الذهبية لمعلمي اليهود في (متى 7: 12). وكمعلم صالح، أدرك أنه في حاجة إلى أن يتكلم باللغة التي يفهمها سامعوه، ومن المؤكد أن كثيرين من الناس العاديين في فلسطين كانوا على معرفة باللغة الرؤوية. إلا أن ما يميز يسوع أنه أخذ هذه المفاهيم المألوفة وأضفى عليها معنى جديداً. ولم ترد على لسانه كمجرد تفاهات يمتدح بها الإنسان التقي، بل كانت تمثل تحد خطير لالتزام ينطبق على التلاميذ وعلى الخطاة على حد سواء.

 

[1]  مرقص 6: 3.

[2]  متى 5: 39.

[3]  متى 2: 16.

[4]  مرقص 6: 17-29.

[5]  لوقا 23: 12.

[6]  (صم 15: 24-29.

[7]  يشوع 3: 4.

[8]  متى 23: 13، 15.

[9]  عادات اليهود في العصور القديمة.

[10]  مرقص 2: 17.

[11]  حروب اليهود.

[12] عادات اليهود 18، 1، 6.

[13] مرقص 3: 18.

[14] مرقص 15: 6-15.

[15] أعمال 21: 37-39.

[16] (رؤيا 1: 1-9).

صفات الفادي المخلص – الشروط الواجب توافرها في الفادي المخلص

صفات الفادي – الشروط الواجب توافرها في الفادي المخلص

صفات الفادي – الشروط الواجب توافرها في الفادي المخلص

صفات الفادي – الشروط الواجب توافرها في الفادي المخلص

نناقش في هذا الفصل مدى صلاحية صفات الفادي الذي سيخلص الطبيعة البشرية ومدى توافر الشروط المطلوبة مجتمعة فيه معاٌ.

1- إن الذي أخطأ هو الإنسان ولذلك فالفادي يجب أن تكون له الصفات الذاتية للإنسان أي تكون فيه عناصر الطبيعة البشرية من روح ونفس وجسد، أي صفات الفادي الذاتية الإنسانية التي تميزه كإنسان كما سبق وأشرنا.

2- إن خطية اَدم صدرت تجاه الله غير المحدود، وبالتالي أصبحت خطية اَدم تستوجب كفارة غير محدودة أيضاً.

3- يجب أن يكون الفادي طاهراً نقياً بلا عيب ولا خطية، لأنه كيف سيُطهّر ويُخلّص اٌدم من خطيته خاطئ مثله؟… لا يصلح لأن الخاطئ لا يُطهّر خاطئ. لأن كل البشرية أصبحت ذات طبيعة خاطئة فاسدة فيها الموت الأبدي. ولذلك وَجَبَ أن يكون الفادي طاهراً بلا خطية وبلا عيب ولا يحمل في طبيعته الخطية الجدية أو الفعلية- أي لم يفعل خطية.

4- وحيث أن طبيعة اَدم البشرية كما أشرنا قد فسدت بخطيته وعصيانه على الله، وأصبحت غير قابلة للخلود في معية الرب، فلقد حُكم عليها بالموت، فدخلها وبدأ يعمل فيها، وبذلك فهي تحتاج إلى من يعيد لها الحياة والخلود من جديد، ولذلك وَجَبَ في الفادي أن يكون خالقاً ويعطي حياة ويعيد لاَدم الخلود.

5- إن الإنسان حكم عليه بالموت، ومن الطبيعي أن الفادي الذي سيخلص الإنسان عليه أن يدفع الحساب والثمن ويتحمل العقاب نيابة عنه، حتى يتم حكم الله العادل المطلق دون خلل، فلابد أن يتحمل النفس القصاص الواقع على الطبيعة البشرية وهو الموت، ولذلك وَجَبَ على الفادي والمخلص أن يموت.

6- ولكن هذا الفادي الذي سيعطي حياة يجب أن ينتصر كليًا على الموت، ولذلك وَجَبّ على الفادي أن يقوم من الموت بعد موته كاسراً شوكة الموت.

7- نعرف أن السماء قد حجبت وجهها عن الإنسان – أي فارق الله الإنسان كما سبق وأشرنا- ولم يعد هناك علاقة حية بين الله والإنسان، لذلك وَجَبَ على الفادي أن يفتح السماء للإنسان الساقط، وهكذا وَحَبَ عليه أن يدخل السماء بالطبيعة البشرية النقية لكي ما يُعِدُّ طريقاً من الأرض إلى السماء لكل المؤمنين الذين يتبعونه.

8- وهكذا حق لهذا الفادي الذي دفع كل هذا الثمن، أن يحكم ويدين كل من لا يسلك في طريقه الذي رتبه هو بنفسه، وحق له أن يطرح الأشرار إلى الظلمة الخارجية والأبرار إلى ملكوته الأبدي.

تلك هي الشروط التي يجب أن تتوفر في الفادي المخلص للطبيعة البشرية:

أن يكون: إنساناً، غير محدود، بلا خطية، خالقاً، يموت، يقو من بعد الموت، يصعد إلى السماء، يدين ويحاسب كل العالم.

ولو بحثنا عن هذا الفادي المخلص الذي تنطبق عليه هذه الشروط بين البشر جميعاً فلن نجده. لأن كل إنسان محدود، وكل إنسان خاطئ بطبيعته التي ورثها عن اَدم وحواء اللذين سقطا في العصيان، وهكذا قال الوحي المقدس عن فساد الطبيعة البشرية كلها ” إذا الجميع أخطئوا وأعوزهم مجد الله” { رومية 23:3 }.

كذلك فإن الإنسان الطبيعي لا يقدر أن يخلق وإن مات لا يقوم إلا في القيامة، ولا يصعد إلى السماء إلا بعد القيامة لو كان بارا حيث القيامة بأجساد نورانية ممجدة. كذلك ليس له الحق في محاسبة العالم وإدانته في يوم القيامة لأنه واحد منهم وخاطئ مثلهم. فواضح إذن أن البشرية بطبيعتها الخاطئة لا يوجد فيها هذا المخلص، فالجميع في الموازين إلى فوق { مزمور 9:12 } لا يصلح أحد.

وكما أن هذه الشروط لا يمكن أن تنطبق على أي إنسان؛ كذلك هي لا تنطبق على عال الملائكة؛ فإذا بحثنا عن هذا الملخص بين الملائكة لن نجده أيضاً لأن الملاك ليس بإنسان وهذا هو الشرط الأول، كذلك فإن الملاك محدود في قوته وفي تأثيره وفي كل إمكانياته مهما كانت. والملاك ليس بخالق، كما أنه لا يموت. لأن الملاك روح، والروح لا تموت حتى البشرية لا تموت، بل بانفصالها عن الجسد تعود إلى ربها والذي يموت هو الجسد، وكذلك ليس للملاك أن يدين العالم.

هكذا؛ فالفادي لا يصلح أن يكون مجرد إنسان كما لا يصلح أن يكون ملاكاً… فيا تُرى ماذا يكون؟؟؟

من ضمن صفات الفادي، هناك صفات من هذه الشروط تنطبق على الله وحده وكذلك هناك صفات المخلص والتي منها تنطبق على الإنسان وحده. والجدول التالي يوضح ذلك.

الله

الإنسان

2- غير محدود

3- بلا خطية

4- خالق

 

 

 

7- يصعد إلى السماء

8- يدين العالم

1- إنسان

—-

—-

—-

5- يموت.

6- يقوم من بعد الموت {سنشرح هذه الإمكانية لاحقاَ. وكيف أن اللاهوت الذي لا يموت والمتحد به، هو الذي أقام الجسد الميت وأعاد له الحياة، وصعد به إلى السماء

—-

—-

هذه هي الشروط الواجب توافرها في الفادي الذي سيخلص الطبيعة البشرية الساقطة والمحكوم عليها بالموت… فالفادي لابد أن تكون له صفات الإله وصفات الإنسان في ذات الوقت؛ وهو الأمر الذي لم يحدث إلا في طبيعة السيد المسيح؛ ولن يتكرر إلى الأبد… والآن لننتقل إلى الفصل التالي لنكمل حديثنا.

صفات الفادي – الشروط الواجب توافرها في الفادي المخلص

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

يسوع المسيح له أسماء الله وألقابه، فهل تؤمن بلاهوته؟

يسوع المسيح له أسماء الله وألقابه، فهل تؤمن بلاهوته؟

يسوع المسيح له أسماء الله وألقابه، فهل تؤمن بلاهوته؟

 

إن اقوى دليل على ألوهية المسيح هو ما أثار سخط معاصريه أنفسهم. فقد اتخذ لنفسه كل الأسماء والألقاب التي ينسبها العهد القديم لله، وسمح للآخرين ايضاً أن يدعوه بنفس الأسماء والألقاب. وعندما أطلق يسوع على نفسه الأسماء الخاصة بالذات الإلهية، غضب رؤساء اليهود لدرجة أنهم حاولوا قتله بتهمة التجديف. ولم يكن للسلطات اليهودية أي شك فيما رمى إليه المسيح؛ فقد فهموا أن هذا المعلِّم الجليلي يدّعي أنه الله العلي. ويمكن للمرء أن يعترض هنا قائلاً بأن اتخاذ يسوع لهذه الألقاب الإلهية لم يجعله واحداً مع الله او الله نفسه. 

كفقد يكون لعدة أشخاص نفس الاسم أو اللقب.  وقد يكون ((فوزي)) مثلاً رجلاً وزوجاً وصديقاً ومساعداً لمدير المبيعات في نفس الوقت، غير أن بعض الأسماء والألقاب مقصورة على شخص واحد فقط. فمثلاً لا يمكن أن يكون هناك في نفس الوقت إلا رئيس واحد للولايات المتحدة الأمريكية. وهناك كثير من الأسماء والألقاب التي يطلقها الكتاب المقدس على يسوع من النوع الذي لا يحق إلا لشخص واحد ان يدعيه لنفسه-وهو الله.

 

يهوه

اتخذ يسوع لنفسه اسماً من أسماء الله يوفِّره اليهود أكثر من غيره، ويعتبرونه مقدساً لدرجة لا يجرؤ معها اليهودي على النطق به. ألا وهو يهوه. والاسم “أهيه” ليس نفس الاسم “يهوه” غير أنه مشتق من صيغة الفعل “يكون” الذي يشتق منه ايضاً اسم “يهوه” في خروج 3: 15، وهكذا فإن لقب “أهيه” الذي أهيه الذي كشفه الله لموسى تعبير أشمل عن كينونته الأبدية، اختُّصِر في العدد 15 إلى الاسم الإلهي “يهوه”. وفي الترجمة السبعينية، وهي الترجمة اليونانية للعهد القديم العبري.  تُرجم أول استخدام لتعبير أتيه في خروج 3: 14 إلى ego eimi. كانت اللغة اليونانية هي لغة الحديث في زمن يسوع وهي اللغة التي كُتب بها العهد الجديد.

وقد كشف الله لشعبه معنى هذا الاسم في الأصحاح الثالث من الخروج؛ فعندما سأل موسى الله بأي اسم يدعوه أجاب الرب “أهيه الذي أهيه”. وقال: “هكذا تقول لبني إسرائيل أهيه الذي ارسلني اليكم” (خروج 3 :13، 14). وهكذا فقد كانت الصيغة التوكيدية لأهيه ego eimi في اللغة اليونانية في زمن يسوع معادلة لكلمة يهوه العبرية.  واعتماداً على السياق فإنها يمكن أن تكون طريقة توكيدية لقول” أنا هو”(كما في يوحنا 9: 9). او يمكن أن تكون أسم لله نفسه. أهيه الأبدي.

استخدم يسوع تعبير ego eimi عدة مرات عن نفسه بطريقة لا تليق إلا بالله. وأوضح مثال لذلك هو عندما قال اليهود ليسوع “ليس لك خمسون سنة بعد. أفرأيت إبراهيم؟ ” قال يسوع لهم” الحق الحق اقول لكم.  قبل أن يكون إبراهيم “انا كائن” ego eimi. فرفعوا حجارة ليرجموه (يوحنا 8: 57، 59).

لقد سعى اليهود إلى قتله لأنهم فهموا ادعاءه الألوهية، فالعهد القديم كان واضحاً في هذا الأمر.  إذ كان عقاب التجديف هو الرجم حتى الموت (لاويين 24: 16).

 

أتخذ يسوع لنفسه هذا اللقب في مواضع أخرى، فقد صرّح في موضع سابق من نفس الأصحاح “إن لم تؤمنوا أني أنا هو ego eimi تموتون في خطاياكم” (يوحنا 8: 24). ولا تظهر كلمة هو في النص اليوناني، حيث جاءت كالتالي؛ “إن لم تؤمنوا أني انا تموتون في خطاياكم”. كما قال لليهود: “متى رفعتم أبن الإنسان. فحينئذ تفهمون أني أنا هو ego eimi” ومرة أخرى فإن النص اليوناني الأصلي لا يحتوي على كلمة هو.

لقد أكد يسوع باستمرار ألوهيته.  فعندما جاء حراس الهيكل مع الجنود الرومانيين ليقبضوا عليه في الليلة السابقة لصلبه سألهم يسوع “من تطلبون؟ أجابوه يسوع الناصري.  فقال لهم يسوع أنا هو ego eimi…  فلما قال لهم إني أنا هو رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض” (يوحنا 18: 14، 16). إذ لم يتمكنوا من الصمود أمام قوة تصريحه عن نفسه. وقوة شخصه.

 

لم يجد كُتّاب العهد الجديد الذين اقتنعوا بأن يسوع المسيح هو الله أية مشكلة في أن ينسبوا ليسوع كل فقرات العهد القديم التي تشير إلى يهوه.

ففي بداية أنجيله يستشهد مرقس بإشارة إشعياء إلى الله “صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب (يهوه) قوّموا في القفر سبيلاً لإلهنا” (اشعياء 40: 3). ولقد فسر مرقس هذه الفقرة على أنها نبوءة تحققت في يوحنا المعمذان الذي يُعّد الطريق ليسوع (مرقس1: 2-4: قارن مع يوحنا1: 23).

 

كما استشهد بولس بيوئيل 2: 32 “ويكون أن كل مَنْ يدعو بإسم الرب ينجو.” وطبّق بولس هذا القول على الرب يسوع عندما قال “لأن كل مَنْ يدعو باسم الرب يخلص” (رومية 10: 13).

كذلك استشهد بطرس بنفس العدد في أعمال 2: 21 “ويكون كل مَنْ يدعو باسم الرب يخلُص”. ثم عندما سأله الناس ماذا ينبغي أن يفعلوا حتى يخلُصوا وأجابهم: “توبوا وليعتمد كل واحد منكم على أسم يسوع المسيح” (أعمال 2: 38). فبعد أن ذكر بطرس أن الدعوة باسم الرب (أي الاعتماد عليه) شرط لازم تُسبق للخلاص.  قال لهم إنه عليهم أن يعتمدوا باسم يسوع المسيح. ولو لن يكن بطرس يعتبر أن يسوع المسيح هو الله.  لتوقعنا منه أن يعتمدوا بأسم يهوه.  وهو الأمر الذي يتمشى مع الإيمان اليهودي. والممارسات اليهودية.

 

 

وما يفوق حقيقة إعطاء التلاميذ هذه الصفة ليسوع أهمية هو أن أعداءه أدركوا أنه يقول إنه الله. ومن المعروف أن شاهد الإدعاء هو دائماً دليل قوي في آية محكمة. فمثلاً قال يسوع:

 

“أنا والآب واحد. فتناول اليهود أيضاً حجارة ليرجموه. أجابهم يسوع: أعمالاً كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي. بسبب أي منها ترجمونني؟ أجابه اليهود قائلين: لسنا نرجمك لأجل عمل حسن بل لأجل تجديف، فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً (الله)” (يوحنا ١٠: ٣٠-٣٣)

 

لم يساور قادة اليهود أي شك في أن يسوع جعل نفسه الله. ولم يجعل نفسه أقل من ذلك. وهكذا فإن الاتهام الرئيسي الذي ركّز عليه أعداؤه لم يكن حول هُويته التي ادعاها لنفسه، أي الوهيته.

 

الله

 

الكلمة اليونانية المستخدمة مئات المرات في العهد الجديد للدلالة على الله هي كلمة” ثيوس” (وهي تقابل إلوهيم العبرية في العهد القديم). ويدعى يسوع بهذا الاسم تمييزاً له عن الآلهة الزائفة في عدة مواضع.

 

وتناقض النظرة الكتابية اليهودية / المسيحية لله الواحد النظرة الهندوسية والبوذية. فالهندوسية تنظر إلى ذات الإنسان الحقيقية على أنها واحدة مع الحقيقة المطلقة. وليست هناك مشكلة بالنسبة لمعظم رجال الدين الهندوسي في أن يقولوا” أنا الله”، وفي تعليم الآلاف من تابعيهم يقولون نفس الشيء. ومن الواضح أن الإنسان الذي يعتقد أنه داخلياً الله بالفعل، لا يحتاج إلى أن يطلب الله بالمعنى المسيحي لهذه الكلمة، ولا إلى قبول مخلِّص شخصي. وهذا لا ينطبق على العهد الجديد قي إطاره اليهودي التوحيدي الذي يرسم خطوطاً واضحة فاصلة بين الله وخليقته. فمن الناحية الحضارية الثقافية، ما كان يمكن أن يُدعى يسوع باسم الله ما لم يكن معتبراً” الله الوحيد”(تثنية ٦: ٤)؛ لأنه لا توجد آلهة أخرى بحسب الاعتقاد اليهودي.

 

كتب سي. إس. لويس:

” تقول إحدى محاولات إنكار لاهوت المسيح بأن يسوع لم يقل في حقيقة الأمر كل هذه الأشياء عن نفسه، لكن أتباعه بالغوا في القصة، وهكذا تطورت الأسطورة بأنه أطلق هذه التصريحات. ويصعب علينا تصديق هذا التفسير لأن كل أتباعه كانوا يهوداً، أي إنهم انتموا للأمة التي تؤمن إيماناً مطلقاً -أكثر من أية أمة أخرى -بأنه ليس هناك إلا إله واحد وبأنه لا يمكن أن يوجد إله آخر. ومن الغريب جداً أن تظهر مثل هذه البدعة الشنيعة بين آخر شعب من بين كل الشعوب يُحتمل فيه ارتكاب مثل هذا الخطأ. بل على العكس من ذلك، فإنه يتكون لدينا الانطباع، ونحن نقرأ الإنجيل، أنه لم يكن من أتباعه المباشرين أو حتى كُتّاب العهد الجديد من اعتنق هذه العقيدة بسهولة مطلقة. “

الله يقف دائماً منفصلاً عن خليقته فليس البشر امتداداً لله. وفيما يلي أحد عشرة مثالاً لمواضع في العهد الجديد يُدعى فيها يسوع” الله”.

 

(١) في الإصحاح الأول من الرسالة إلى العبرانيين عدد ٨ الذي يُظهر تفوق المسيح على الملائكة والأنبياء، تقول كلمة الله:” وأما عن الابن (يقول الله) كرسيك يا الله (ثيوس) إلى دهر الدهور”. إن هذا الشاهد الكتابي يستشهد استشهاداً مباشراً بمزمور ٤٥: ٦-٧ حيث يخاطب الله” الآب “الله” الابن”، وهي ترجمة صحيحة للنص اليوناني.

 

(٢) دعا بطرس المسيح” الله”(ثيوس)، حيث كتب” سمعان بطرس عبد يسوع المسيح ورسوله إلى الذين نالوا معنا إيماناً ثميناً مساوياً لنا ببر إلهنا (ثيوس) والمخلص (الذي هو مخلصنا) يسوع المسيح” (٢بطرس ١: ١). واسم يسوع المسيح مُستخدم هنا لغوياً كبدل من الله والمخلص حسب النص اليوناني (ويمكن استخدام البدل في اللغة اليونانية كشرح لاسم سابق أو كمساوٍ له). وذلك بحسب قاعدة Granville Sharpe في اليونانية. أما حرف العطف” و”(Kai في اليونانية) فيربط الاسمين بدون أي أنفصام؛ وهذا يعني أن البدل (الكلمة التي تعطي اسماً جديداً للأسم السابق) يسوع المسيح يعود بالضرورة على كل من “الله”و”المخلص” أي إن يسوع المسيح هو إلهنا ومخلّصنا.

ويؤكد المتخصصون في قواعد اللغة اليونانية أن شخصاً واحداً فقط هو المقصود يقوله إلهنا و”المخلص” لا شخصين.  يقول “واينر شميدل”في كتابه قواعد اللغة اليونانية (ص 158): تفرض القواعد فرضاً أن المقصود هو شخص واحد فقط. ويصرّح “أي. تي. روبرستون” في مؤلفه “صورة لفظية في العهد الجديد” (المجلد السادس ص 147) “شخص واحد لا شخصان.” (قارن هذا مع ما يقوله “مولتون” في مؤلفه “قواعد العهد الجديد” المجلد الثالث ص 181. و”دانا وماني”في كتابهما “دليل قواعد اللغة اليونانية” ص 147). فهم يتفقون جميعاً بأن يسوع المسيح هو الله والمخّلص. أي الله المخلصّ.

 

(3) أستخدم بولس نفس قاعدة Granville Sharpe عندما طلب من تيطس أن ينتظر ظهور مجد الله العظيم ومُخلّصنا يسوع المسيح (تيطس 2: 13).

 

(4) قال توما الذي شك في قيامة يسوع “إن لم أبصر في يديه أثر المسامير… وأضع يدي في جنبه، لا أومن” (يوحنا 20: 25). وعندما ظهر يسوع لتوما قال له: “هات اصبعك إلى هنا وأبصر يدّي، وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً”. أجاب توما وقال له: “ربي وإلهي”(يوحنا 20: 27 ،28). ليس هناك شك في أن كلمات توما كانت موجهة إلى يسوع. وقد استخدم توما كلا اللقبين للعبير عن فهمه لألوهية المسيح وربوبيته. لم يوّبخ يسوع توما على تجديف قام به. وإنما قبِل اللقبين الدالين على ألوهيته. (عدد 29)

 

(5) يقول أعمال 2: 36 “الله جعل يسوع… رباً ومسيحاً” ويعَزّز العدد 39 عن الله على أنه الرب إلهنا. ويتتي أعمال 10: 36 هذه النقطة فيقول إن “يسوع المسيح هذا هو رب الكل”.

 

(٦) يشير أعمال ١٦: ٣١، ٣٤ إلى الإيمان بالرب يسوع والإيمان بالله.

 

(٧) تقول رؤيا ٧: ١٠-١٢، ١٧” وهم يصرخون بصوت عظيم قائلين”: الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللخروف، وجميع الملائكة كانوا واقفين حول العرش، والشيوخ والحيوانات الأربعة وخروا أمام العرش على وجوههم وسجدوا لله قائلين: آمين! البركة والمجد والحكمة والشكر والكرامة والقدرة والقوة لإلهنا إلى أبد الآبدين. آمين… لأن الخروف الذي في وسط العرش يرعاهم ويقتادهم إلى ينابيع ماء حية (ماء الحياة) ويمسح الله كل دمعة من عيونهم”. لاحظ في العدد العاشر أن الله هو الذي يجلس على العرش، وأن الخروف يسوع هو الذي يجلس وسط العرش في العدد ١٧. فمٓن هو الذي في وسط العرش؟ فإذا قلنا إن يسوع يجلس في وسط العرش مع إنكارنا لألوهيته فإن معنى هذا إننا نُجرد الله من مكانه الأبدي في السماء، وهو ادعاء لا يمكن الدفاع عنه.

 

(٨) يتحدث أعمال الرسل ١٨: ٢٥ عن طريق الرب، وهو نفس الطريق الموجود في العدد ٢٦ الذي يليه. غير أن الكلمة المستخدمة في العدد ٢٦ في الأصل اليوناني هي” الله”.

 

(٩) هناك اسم آخر للمسيح المنتظر وهو عمانوئيل (إشعياء ٧: ١٤)، المترجم حرفياً إلى” الله معنا”. وينسب هذا اللقب بكل وضوح في متى ١: ٢٣ إلى يسوع” هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً، ويُدعى اسمه عمانوئيل الذي تفسيره:” الله معنا”.

 

(١٠) يقول إشعياء ٩: ٦” لأنه يولد لنا ونعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيباً مشيراً، إلهاً قديراً (الله القدير)، أباً أبدياٌ، رئيس السلام”. تشير هذه النبوءة المختصة بيسوع -المسيّا-إلى أن أحد أسمائه سوف يكون (الله القدير)، وفي العبرية El Gibbor وهو نفس التعبير المستخدم عن يهوه في إشعياء ١٠: ٢١. ما نقصده هو أن الروح القدس ميّز يسوع بمثل هذه الأسماء؛ ولو لم يكن مقصوداً لهذه الأسماء أن تعبّر عن طبيعة الطفل المولود لكان ذلك خداعاً. وتعبير” يدعى اسمه”معناه أن هذه هي طبيعته وهذا هو شخصه، لأن هذا ما يعنيه اسمه دون أن يكون للطفل المولود الطبيعة التي يدل عليها هذا الاسم.

 

يقول” هيربيرت سي. ليوبولد”: هذه هي الطبيعة التي سوف يتمتع بها الطفل المولود، فهو يُدعى بهذه الأسماء لأنه في حقيقة الأمر يتمتع بنفس الطبيعة التي يدل عليها اسمه. ” فلو لم يكن يسوع هو الله القدير، لن يكون هو” مشيراً عجيباً “أو ” رئيس السلام”، ولو لم تكن هذه كلها تنطبق عليه فلماذا يُدعى بها أصلاً؟ لماذا يخبرنا عن معنى الاسم لو لم تكن له علاقة به؟ لكن المسيا المنتظر، كما توضح بقية نصوص سفر إشعياء والعهد الجديد،” مشير عجيب ورئيس السلام”(إشعياء ٤٢، ٤٩؛ قارن زكريا ٩: ٩، ١٠؛ ميخا ٥: ٤). وهو أيضاً الله القدير كما يبرهن العهد الجديد (يوحنا ١: ١، تيطس ٢: ١٣).

 

(١١) يقول يوحنا ١: ١، ١٤ “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله (ثيوس) والكلمة صار جسداً وحل بيننا”. لا توجد فقرة أكثر شيوعاً في الإستخدام، أو أكثر إثارة للجدل حول ألوهية المسيح من يوحنا ١: ١، ولا شك في أن الكلمة تشير إلى يسوع؛ لأن العدد ١٤ يقول ” والكلمة صار جسداً وحل بيننا”. لذلك إذا أخذنا العددين ١، ١٤ كما هما، فإنهما يعلّمان ألوهية المسيح ويصرّحان بأن الكلمة كان عند الله، وأن الله صار جسداً.

 

إذا أنكر المرء لاهوت المسيح بعد قراءتنا لهذين العددين فسوف يكون مضطراً لترجمة يوحنا ١:١ ترجمة خاطئة أو محاولة إعادة تفسيرها. وإحدى هذه الطرق الخاطئة في ترجمتها هي القول، وكان الكلمة” إلهاً” بدلاً من” وكان الكلمة الله”. ومشكلة هذه الترجمة أن النص اليوناني لا يجيز هنا مطلقاً استخدام الله كنكرة في هذا السياق.

 

يشير” بروس ميتسجر”. أحد دارسي اللغة اليونانية، إلى بحث علمي كتبه الدكتور” إيرنست كادمن كولويل”من جامعة شيكاغو. كتب كولويل يقول:

” الخبر المرفوع يأخذ “الـ” التعريف في اليونانية عندما يتبع الفعل، ولا يأخذ “ال” التعريف عندما يسبق الفعل (في الأصل اليوناني تستخدم الكلمة مبتدأ وتسبق الفعل ثم يأتي لفظ الله خبراً) “والكلمة الله” بدلاً من الترجمة العربية “وكان الكلمة الله”. والعدد الأول من انجيل يوحنا هو أحد الأعداد الكثيرة التي تنطبق عليها تلك القاعدة، وتدل على أن الخبر (الله) اسم مُعرّف حتى بدون استخدام ال التعريف، وغياب ال التعريف قبل كلمة “ثيوس” لا يجعل الخبر نكرة أو صفة عندما يسبق الفعل، وهو لا يكون نكرة إلا عندما يحتم السياق ذلك. لكن السياق هنا لا يدع مجالاً لذلك في الإنجيل بحسب يوحنا، لأن مثل هذا التصريح عن لاهوت المسيح لا يمكن أن يُعتبر غريباً عن روح إنجيل يوحنا الذي يصل إلى قمته باعتراف توما بألوهية المسيح وربوبيته. “

 

ويقول ” ف. ف. بروس” وهو خبير في لغات الكتاب المقدس، إن ترجمة عبارة” وكان الكلمة الله “في الإنجليزية مثلا باستخدام The خطأ مخيف في الترجمة لأن حذف ال التعريف أمر شائع مع الأسماء التي تأتي في تركيب خبري.

 

وهكذا فإن يوحنا ١: ١ من أوضح الأعداد في العهد الجديد التي تُعبّر عن لاهوت المسيح المطلق، ولقد ناقش هذا التركيب عدد كبير من عظام علماء اللغة اليونانية والكتاب المقدس. ويمكننا إعادة صياغة هذا العدد كما يلي:” قبل أن يوجد أي شيء كان الكلمة موجوداً أصلاً، وكان يتمتع بعلاقة وثيقة مع الله (الآب)، كان الكلمة كل ما كأنه الله. “

 

يقول” ف. ف. بروس “إن التركيز ينصب على أن الكلمة” كان الله نفسه”.

 

يسأل بعض الناس أحياناً كيف يمكن أن يكون يسوع هو ” الله” و” عند الله “في نفس الوقت. والجواب موجود في مفهوم الثالوث: إله واحد في ثلاثة أقانيم أبدية. لقد كان” الكلمة “المذكور في يوحنا ١: ١ مع الأقنومين الآخرين من أقانيم الثالوث، وهو الله نفسه بطبيعته.

 

هناك مجموعة كبيرة تُعرف باسم ” الطريق الدولي” تقول بأن يسوع هو الكلمة بمعنى أنه كان تعبيراً عن الله، كما تُعبر كلماتنا عن أنفسنا. ولا تؤمن هذه المجموعة بأن يسوع الكلمة بمعنى أنه الله. ودعماً لوجهة نظرهن قالوا بأن يوحنا ١: ١-١٨ تتكلم أساساً عن الله وليس عن يسوع؛ لأنها إن كانت تتكلم عن يسوع، فسوف تنسب له صفات لا يجوز أن تكون إلا لله. وهكذا، وبقدر الإمكان فإنهم يحاولون إخراج يسوع من دائرة الضوء زاعمين أن الاصحاح الأول من يوحنا هو عن الله.

 

غير أن هناك نقائص ومشاكل كثيرة في تفسيرهم هذا. أولاً: لو كان المُتحدث عنه بضمير الغائب “هو” في الأصحاح الأول من يوحنا هو الله وليس يسوع، يصبح كل الأصحاح الأول بلا معنى؛ لأن هدف إنجيل يوحنا هو أن يؤمن البشر بيسوع.

يقول يوحنا في العدد الرئيسي من أنجيله: “وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح أبن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه” (يوحنا 20: 31). ولهذا يبدو منطقياً أن ترتبط مقدمة إنجيل يوحنا بالهدف الذي قصد إليه.

ثانياً: كل ما تتحدث عنه الأعداد الثمانية عشر الأولى من إنجيل يوحنا ينسب ليسوع في أماكن أخرى من الإنجيل أو في فقرات العهد الجديد. فيما يلي بعض الأمثلة:

الأصحاح الأول

فقرات موازية

العددان 3، 10: خلق يسوع العالم

كان له دور رئيسي في خلق العالم (عبرانيين 1:1، 2، 8-13؛ كولوسي 1: 16-18

العدد 4:

قال يسوع إنه هو؛” القيامة والحياة” “الطريق والحق والحياة” (يوحنا 6: 35، 48، 51؛ 11: 25؛ 14: 16). ويقول يوحنا 20: 31 إنه يمكن للبشر أن يحصلوا على الحياة بالإيمان بيسوع.

 

 

الأصحاح الأول

فقرات موازية

العدد 12:” وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه”

ضح يوحنا في إنجيله أنه على الناس أن يؤمنوا بيسوع (يوحنا 3: 16-18؛ 5: 24؛ 12: 44؛ 20: 31 … إلخ)

ويسوع يمنح الحياة الأبدية (يوحنا 10: 28)

العددان 4، 9 كان هو” نور الناس”و” النور الحقيقي”

قال يسوع إنه” نور العالم” (يوحنا 8: 12 ؛ 9: 5)

العدد 10″ كان في العالم”

مَنْ؟ من المنطقي أن يشير هذا العدد إلى يسوع. فالتوكيد يتركز على مجيء يسوع إلى العالم. (يوحنا 3: 17؛ 6: 23… الخ)

العدد 11″ إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله”

رفض اليهود يسوع، لا الله كما فهموا الله (يوحنا 3: 32).

لقد إعتقدوا أنهم برفضهم ليسوع يحققون إرادة الله.

 

الألف والياء .. الأول والآخر

 

هذان التعبيران” الألف والياء” يقدمان وصفاً جميلاً لله يبعث على الخشوع. فالله كان موجوداً قبل وقت طويل جداً من وجود النجوم في السماء ووجود عالمنا، وهو أزلي أبدي. يقول تكوين ١: ١” في البدء … الله”. والله وحده يستحق لقبي الألف (الأول) والياء (الآخر).

 

وهكذا فإن هذين الإسمين يعبِّران عن طبيعة الله الأبدية، إنه مصدر كل الخليقة وهدفها، ولا يستطيع إي كائن مخلوق أن يدّعي أنه الأول وأنه الآخر وأنه سابق كل ما هو موجود. لذلك يُدعى كل من يسوع والله “الألف والياء، الأول والآخر” في الكتاب المقدس.

الله

يسوع

إشعياء 41: 4″ أنا الرب (يهوه) الأول ومع الآخِرين أنا هو”.

رؤيا 1: 17، 18″ أنا هو الأول (بروتوس) والآخر (إسكاتوس)، والحي وكنت ميتاً، وها أنا حي إلى أبد الآبدين”.

إشعياء 48: 12″ أنا هو. أنا الأول والآخر”.

رؤيا 2: 8″ وإلى ملاك كنيسة سميرنا. هذا يقوله الأول والآخر، الذي كان ميتاً فعاش”.

رؤيا 1: 8″ أنا الألف والياء، البداية والنهاية يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي، القادر على كل شيء”.

رؤيا 22: 12-16″ وها أنا آتي سريعاً …انا الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر … أنا يسوع، أرسلت ملاكي لأشهد لكم بهذه الأمور. ..”.

لا يمكن التقليل من أهمية الفقرات السابقة من سفر الرؤيا ودلالاتها. فهي بعض من أقوى الأمثلة وأوضحها لتصريحات المسيح بألوهيته. إذ لا يمكن أن يكون هناك أوّلان وآخران أو بدايتان ونهايتان.

 

الرب

 

يستخدم الكتاب المقدس بعديه القديم والجديد لقب” الرب”بحرية للإشارة لله وليسوع المسيح. والكلمة التي يستخدمها العهد القديم لتشير إلى الرب هي أدوناي، بينما تستخدم الترجمة السبعينية والعهد الجديد كلمة” أدوناي”و” كيريوس”للإشارة إلى الله.

 

استخدم العهد الجديد كلمة” كيريوس”بمعنيين .. معنى شائع عام، وآخر مقدَّس. كان الاستخدام الشائع تحية إحترام تعني” سيدي” أو” سيد”، أما المعنى المقدس فكان يفيد الألوهية. ومن الواضح أن بعض فقرات العهد الجديد تستخدم كلمة” رب”كتعبير يدل على تبجيل يسوع، كما في يوحنا ٤: ١١” قالت له المرأة: يا سيد، لا دلو لك والبئر عميقة، فمن أين لك الماء الحي؟ “. ولأن المسيحيين الأوائل كانوا يؤمنون بإله واحد (كاليهود)، كان استخدامهم لكلمة” رب”بالمعنى المقدس في مخاطبة يسوع دليلاً قوياً على إعتقادهم بأن المسيح هو الله. يقول” هوج”و” فاين”في كتابتهما حول رسالتي بولس إلى أهل تسالونيكي:

” نرى الدلالة الكاملة لربط يسوع مع الله بلقب واحد هو” الرب”عندما ندرك أن هؤلاء الرجال كانوا ينتمون إلى الأمة الوحيدة الموحدة في العالم. وكان ربط اليهودي للخالق بشخص مخلوق مهما بلغ تعظيمه له، أمراً مستحيلاً على الرغم من أنه كان أمراً ممكناً بالنسبة لشخص وثني. “

 

وكان الرومانيون الذين عبدوا الإمبراطور كإله يُحيّون بعضهم بعضاً بقولهم:” قيصر رب”. لذلك كان أحد أسباب اضطهاد الرومان للمسيحيين الأوائل واليهود هو رفضهم تقديم هذا النوع من الإجلال للإمبراطور. وتوضح هذه الممارسة الدلالة او الأهمية التي ينطوي عليها استخدام المسيحية لتعبير” يسوع رب”أي رب بمعنى” الله”.

 

هناك عدة أمثلة واضحة يُشار فيها إلى يسوع بكلمة” رب”بالمعنى المقدَّس. كتب بولس قائلاً:” وليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس” (١كورنثوس ١٢: ٣). قد يعترض البعض فيقولون:” أنا أؤمن أن يسوع هو ربي، ولكني بالتأكيد لا أعتقد أنه الله.” والسؤال المهم هو ما المقصود بكلمة رب؟ ويستطيع أي شخص أن يتفوه بعبارة “يسوع رب”، كما يقولها بعضهم بمعنى أن يسوع “سيد”، لكن ليس هذا هو ما قصده بولس! فهناك عدة دلائل تشير إلى أن بولس يتحدث عن ألوهية يسوع.

 

(١) بدأ بولس الإصحاح الثاني عشر بالتحدث عن المواهب الروحية، وحقيقة أن أهل كورنثوس كانوا منقادين سابقاً إلى عبادة الأوثان كآلهة. ويظهر بولس الفرق الشاسع بين هذه الآلهة الزائفة (العددان ١، ٢). وبين يسوع عندما يقول إنه لا يمكن لمن يتكلم بالروح القدس أن يقول أنا يسوع أناثيما (أي ملعون) ولا يستطيع أحد أن يعترف بأن يسوع رب إلا بالروح القدس، وهو بذلك يقصد أن يسوع الرب هو الله الحقيقي المستحق العبادة.

 

(٢) تعامل بولس في العدد ٣ مع الروح القدس ويسوع والله على أسس متساوية. كما تُظهر الأعداد ٤-٦ الأمور التالية:

 

العدد ٤: فأنواع مواهب، ولكن الروح واحد.

العدد ٥: وأنواع خِدم موجودة، ولكن الرب واحد (أي يسوع كما في العدد الأول)؛

العدد ٦: وأنواع أعمال موجودة، ولكن الله واحد. فإذا لم يكن المسيح هو الله، فلماذا يُعامل على قدم المساواة معه في العدد الخامس؟ كما يتحدث العددان الحادي عشر والثامن عشر عن الروح القدس والله على أنهما متساويان.

 

لو أننا سألنا شخصاً ينكر ألوهية المسيح عما إذا كان” يصلي إلى الرب” أم لا، فإنه سيسأل” مَنْ الذي تقصده؟ “وهذا هو محور الموضوع. فنحن نجد في الكتاب المقدس أن الله ويسوع يُدعيان الرب. والجواب الذي يحتمل أن نحصل عليه هو” أنا أصلي إلى الله، لكني لا أؤمن بالصلاة ليسوع”. وجواباً على مثل هذا القول، فإن هناك خمسة أمثلة في العهد الجديد تُقدَّم فيها الصلاة ليسوع في السماء كالرب (أو ابن الله).

 

(١) في أعمال ٧: ٥٩، ٦٠ دعا استفانوس يسوع رباً. صلّى أثناء رجمه فقال ” أيها الرب يسوع، اقبل روحي. “وهذا يشير إلى إيمانه بأن يسوع أكثر من مجرد إنسان، وأنه قادر إلى درجة تكفي لقبول روحه، ثم جثا على ركبتيه وصرخ بصوت عظيم قائلاً:” يارب، لا تُقِم لهم هذه الخطية”ومن المعروف أنه لا يمكن ليهودي يوناني تقي أن يصلي لأي شخص أقل من الله.

 

(٢) كتب بولس الرسول في ١كورنثوس ١: ٢ إلى” المقدَّسين… الذين يَدْعون باسم ربنا يسوع المسيح في كل مكان، لهم ولنا (أي ربهم وربنا) “.

 

(٣) وتحدث بولس الرسول في ٢كورنثوس ١٢: ٨، ٩ عن شوكة في الجسد فقال” من جهة هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني. فقال لي” تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تُكمَل، فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل عليّ قوة المسيح”.

 

(٤) ونقرأ في رسالة يوحنا الأولى ٥: ١٣-١٥” كتبت هذا إليكم، أنتم المؤمنين باسم ابن الله، لكي تعلموا أن لكم حياة أبدية، ولكي تؤمنوا باسم ابن الله. وهذه هي الثقة التي لنا عنده: أنه إن طلبنا شيئاً حسب مشيئته يسمع لنا. وإن كنا نعلم أنه مهما طلبنا يسمع لنا، نعلم أن لنا الطلبات التي طلبناها منه”. إن كل الضمائر الموصوله والمستترة (وهي ضمائر غير مستترة باللغة اليونانية الإصلية) تشير إلى ابن الله (عدد ١٣).

 

(٥) قال سيمون في أعمال ٨: ٢٤ ” اطلبا (صليا) إلى الرب…”  (يذكر العدد ١٦ أن يسوع هو “الرب”).

 

لقد أكد بطرس وبولس أن يسوع هو” رب الكل”(أعمال ١٠: ٣٦؛ رومية ١٠: ١٢)، كما قال بولس: “لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد” (١كورنثوس ٢: ٨). مَنْ هو رب المجد؟ يخبرنا مزمور ٢٤: ١٠” رب الجنود هو ملك المجد”(انظر أيضاً مزمور ٩٦: ٧، ٨).

 

كما دعا بولس يسوع رباً في ٢كورنثوس ٤: ٤، ٥ فقال” إله هذا الدهر (الشيطان) قد أعمى أذهان غير المؤمنين، لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله. فإننا لسنا نكرز بأنفسنا، بل بالمسيح يسوع رباً، ولكن بأنفسنا عبداً لكم من أجل يسوع”. وهكذا فإن المسيح الذي هو صورة الله، رب.

 

وقد استخدم بولس نفس اللغة والمجاز الذين استخدمهما إشعياء في العهد القديم عن يهوه ليُطبقهما على المسيح.

 

الله

يسوع

” … أنا الله وليس آخر … لي تجثو كل ركبة، يحلف كل لسان” (إشعياء ٤٥: ٢٢-٢٤)

” لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممَن في السماء ومَن على الأرض ومَن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب المجد الله الآب” (فيليبي ٢: ١٠، ١١)

 

ولم يكن بولس الفريسي والعالِم بالعهد القديم ليستخدم هذا التماثل أو التطابق صدفة. أشار يسوع إلى نفسهِ على أنه” رب السبت”وهي إشارة إلى نفسه كخالق للسبت. قال الله في خروج ٣١: ١٣، ١٧ “سبوتي تحفظونها. لأنه علامة بيني وبينكم… بيني وبين بني إسرائيل علامة إلى الأبد”. لقد نظر اليهودي إلى يهوه على أنه بادئ السبت (خالقه) وربه. وعندما وبّخ بعض الفريسيين يسوع لأنه سمح لتلاميذه بأن يقطفوا السنابل في السبت-كاسرين بذلك الناموس لأنهم عملوا في هذا اليوم المقدس-قال لهم يسوع إنه لا بأس بذلك لأنه” رب السبت” (متى ١٢: ٨). يقول “سي. إس. لويس. “:

” نجد هنا ملاحظة أخرى غريبة: توجد في كل ديانة شعائر غير مريحة مثل الصيام. فيأتي هذا الإنسان يوماً ما ليقول:” ليس مم الضروري أن يصوم أحد ما دمت هنا. “فمَنْ هو هذا الإنسان الذي يقول إن مجرد حضورة يعلّق كل القوانين العادية؟ مَن هو الشخص الذي يستطيع فجأة أن يُعلن للمدرسة أنَّ بإمكان الهيئة التدريسية والطلاب أن يأخذوا عطلة لنصف يوم؟ “

 

لقد اعتبر اليهود الذين سمعوا كلامه هذا تجديفاً، ثم دخل يسوع في نفس يوم السبت إلى مجمعهم مؤكداً مرة أخرى نقطة العمل يوم السبت والذي تمثل في شفائه لرجل ذي يد يابسة، مما زاد من حنقهم عليه. لأن هذا العمل كان بمثابة كسر للسبت حسب فهمهم له. كذلك عندما صرّح بأن له سلطاناً لا يمكن أن يكون إلا لله، زاد سخطهم عليه وحاولوا قتله (متى ١٢: ١٤).

نعود فنقول بأنه لا يمكن أن يوجد إلا إله واحد حسب تثنية ٦: ٤، ومرقس ١٢: ٢٩.

 

المخلّص

 

لقد صرح إله العهد القديم بشكل حاسم بأنه وحدة المخلّص” أنا أنا الرب (يهوه) وليس غيري مخلّص”(إشعياء ٤٣: ١١)، غير أن الكتاب المقدس يوضح أن يسوع هو أيضاً مخلّص.

 

يسوع

 

متى ١: ٢١” وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم”.

يوحنا 1: 29 ” وفي الغد نظر يسوع… فقال، هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم”.

 

 

يوحنا ٤: ٤٢” هذا هو بالحقيقة المسيح مخلّص العالم”.

عبرانيين ٥: ٩” صار لجميع الذين يُطيعونه سبب خلاص أبدي”.

 

لوقا ٢: ١١” إنه وُلد لكم اليوم في مدينة داود مخلص. هو المسيح الرب”.

طلب بولس من تيطس أن ينتظر” الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومُخلصنا يسوع المسيح”(تيطس ٢: ١٣). والسياق العام لهذا العدد هام، لأنه كان قد ذُكر قبل ثلاثة أعداد أن الله هو المُخلّص” مخلصنا الله”(عدد ١٠). ويقول في تيطس ٣: ٤” مخلصنا الله”وفي العدد ٦ “يسوع المسيح مُخلصنا”. فهو يستخدم في اثني عشر عدداً كلمتي المسيح والله بشكل تبادلي بحيث يمكن أن تحل الأولى محل الثانية.

 

الملك

 

” الملك”لقب يُعبر عن جلالة الله. كتب داود صاحب المزامير” لأن الرب إله عظيم”ملك كبير على كل الآلهة”(مزمور ٩٥: ٣). وقال الله” أنا الرب قدوسكم… ملككم”(إشعياء ٤٣: ١٥). يتحدث الكتاب المقدس أكثر من ثلاثين مرة في أسفار المزامير، وإشعياء، وأرميا، ودانيال، وزكريا، وملاخي عن الله بوصفة الملك أو ” الملك العظيم” أو” ملك إسرائيل”.

 

وعلى الرغم من أن مصطلح الملك لقب بشري غالباً، فإن العهد الجديد لا يتحدث عن المسيح كملك بنفس المعنى الذي يتحدث فيه العهد القديم عن الله فحسب، لكن يسوع يُدعى أيضاً” ملك الملوك”. إذ نقرأ في رؤيا ١٧: ١٤” …والخروف يغلبهم، لأنه رب الأرباب وملك الملوك”. وستكون الكلمات التالية مكتوبة علو فخذ يسوع عند مجيئه الثاني” ملك الملوك ورب الأرباب”(رؤيا ١٩: ١٦). ويُشار إلى الرب يهوه في العهد القديم على أنه” إله الآلهة ورب الأرباب”(تثنية ١٠: ١٧).

 

كذلك هناك أهمية خاصة لتيموثاوس الأولى ٦: ١٤-١٦ تقول” …إلى ظهور ربنا يسوع المسيح، الذي سيُبينه في أوقاته المبارك العزيز الوحيد؛ ملك الملوك ورب الأرباب، الذي وحده له عدم الموت (الأبدية) ساكناً في نور لا يُدنى منه، الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه، الذي له الكرامة والقدرة الأبدية، آمين. “

يمكن أن يشير” ملك الملوك ورب الأرباب”إلى المسيح أو الله. فإذا كانت تتحدث عن المسيح في حالته الممجدة (رؤيا ١: ١٢-١٨)، فقوله” العزيز (صاحب السيادة) الوحيد وملك الملوك ورب الأرباب، والذي له وحده عدم الموت (الأبدية) وساكناً في نور لا يدنى منه” يصبح كله القاباً تدل على ألوهيته. وإن كانت هذه الفقرة تتحدث عن الله فمعنى ذلك أن كلاً من المسيح والله يشتركان في اللقبين المتطابقان” ملك الملوك ورب الأرباب”كما تبين الفقرات الأخرى التي أشرنا إليها (رؤيا ١٧: ١٤ مثلاً) وفي كلتا الحالتين فهي تقدم دليلاً على ألوهية المسيح.

 

الديّان

 

لم يترك العهد القديم مجالاً للشك بأن الله هو ديّان كل نفوس الناس. ” يدعو السماوات من فوق و الأرض إلى مداينة شعبه… لأن الله هو الديّان”(مزمور ٥٠: ٤، ٦). وهناك إشارات كثيرة إلى يهوه كديّان (تكوين ١٨: ٢٥؛ مزمور ٩٦: ١٣؛ عبرانيين ١٢: ٢٣، ٢٤؛ بطرس ١: ١٧). غير أننا نجد في العهد الجديد أن الله الآب أعطى” كل الدينونة للابن”(يوحنا ٥: ٢٢). ويوضح لنا العدد ٢٣ سبب إعطاء الله كل الدينونة للابن” لكي يُكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب، من لا يُكرم الابن لا يُكرم الآب الذي ارسله”. هل الآب مُكرم بوصفه الله؟ بالطبع. إذاً يجب أن يُكرم الابن بنفس الطريقة.

 

يوحنا ٥: ٧-٣٠ واحدة من أقوى الفقرات في كل الكتاب المقدس التي تؤكد ألوهية المسيح. ويسوع هو” العتيد أن يدين الأحياء والأموات ” (٢تيموثاوس ٤: ١). وسوف يمثُل كل المؤمنين أمام” كرسي المسيح ” (٢كورنثوس ٥: ١٠). وتتحدث رومية ١٤: ١٠ عن أن الوقوف أمام كرسي المسيح هو إعطاء حساب عن أنفسنا لله نفسه. كما أن يهوه والمسيح كليهما يفحصان قلوب المؤمنين” أنا هو الفاحص الكلى والقلوب ” (رؤيا ٢: ٢٣؛ إرميا ١٧: ١٠). وهكذا يتضح لنا أن يسوع ويهوه ديان واحد.

 

النور

 

يستخدم تعبير” النور” غالباً للإشارة بشكل مجازي لله وحضوره أو إعلانه .. فالله هو” النور”، و”النور الأبدي”، “ونور الأمم”، والسراج”، وهو الذي يُضيء الظلمة (مزمور ٢٧: ١؛ إشعياء ٤٢: ٦؛ ٦٠: ١٩، ٢٠؛ صموئيل ٢٢: ٢٩).

 

قدم يسوع تصريحاً قوياً عن نفسه بأنه النور، لا مجرد شخص يشير إلى النور. إذ قال:” أنا هو (ego eimi) نور العالم. من يتبعني فلا يمشي في الظلمة، بل يكون له نور الحياة”( يوحنا ٨: ١٢). وقال أيضاً مُشيراً إلى نفسه:” وهذه هي الدينونة، أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور”. (يوحنا ٩: ٥). كما وصفه الرسول يوحنا بأنه” نور الناس”و” النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان ” (يوحنا ١: ٤، ٩)، فكما أن الله هو النور الأبدي فيسوع هو أيضاً كذلك (إشعياء ٦٠: ١٩، ٢٠؛ رؤيا ٢١: ٢٣؛ ٢٢: ٥).

 

الصخرة

 

كلمة ” الصخرة ”  يمكن أن تعني أشياء كثيرة. لكن عندما تصبح اسماً لله فإنها ترمز إلى تعزية الله لنا، وثباته وصلابته وقوته. لقد ترك موسى قبيل موته لأبناء أمته ترنيمة تذكرهم بطبيعة الله وبما فعله من أجلهم. استخدم في هذه الترنيمة اسمين لله هما: يهوه والصخرة ” إني باسم الرب أنادي. أعطوا عظمة لالهنا. هو الصخر الكامل صنيعته !” (تثنية ٣٢: ٣، ٤؛ انظر تثنية ٣٢: ١٥، ١٨، ٣٠، ٣١). وقد دعا داود صاحب المزامير الله إلهي و ” صخرة خلاصي” (مزمور ٨٩: ٢٦؛ ٩٥: ١)، كما قدَّم داود له العبادة كصخرة له “الرب صخرتي” و “صخرة اسرائيل” (٢صموئيل ٢٢: ٢، ٣، ٤٧؛ ٢٣: ٣). ونجد في ٢صموئيل ٢٢: ٣٢ سؤالاً استنكارياً:” لأنه مَن هو إلى آله غير الرب ومَن هو صخرة غير إلهنا ؟”

 

وفي العهد الجديد يعطى يسوع لقب ” الصخرة”. فقد أشار بولس إلى بني إسرائيل في البرية مع موسى فقال ” وجميعهم أكلوا طعاماً واحداً روحياً، وجميعهم شربوا شراباً واحداً روحياً. لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم، والصخرة كانت المسيح “(١كورنثوس ١٠: ٣، ٤؛ انظر خروج ١٧: ٦؛ نحميا ٩: ١٥). كان بولس يشير رمزياً هنا إلى بني إسرائيل الذين يقوتهم الله -فكان يهوه يعطيهم المَن من السماء (العدد ٣)، وكان المسيح يعطيهم الشراب (العدد ٤). فمن الواضح إذاً أن بولس كان يؤمن بأن المسيح هو يهوه.

كما تحدّث بولس عن يسوع بوصفه” صخرة عثرة”( رومية ٩: ٣٣). وأشار له بطرس على أنه” حجر حي”، و” حجر صدمة”، و” صخرة عثرة”، و ” حجر مختار”، و”حجر زاوية كريم”، و”الحجر الذي رفضه البناؤون”.

 

الفادي

 

تعني كلمة الفادي الشخص الذي يُعيد شراء شيء. وعندما كان الجنس البشري مفلساً روحياً وعاجزاً عن تخليص نفسه، بذل الله عن طيب خاطر حسب علمه السابق (أعمال ٢٣: ٢) ابنه من أجل فداء الجميع، فاتحاً الباب لأي شخص للمصالحة مع الله. تقول كلمة الله ” عنده فديً كثير”  ( مزمور ١٣٠: ٧، ٨)، وإنه “الفادي” (إشعياء ٤٨: ١٧؛ ٥٤: ٥؛ ٦٣: ٩)، وهو الذي يفدي من “الحفرة” حياتنا (مزمور ١٠٣: ٤)، ولا يمكن أن يأتي الفداء النهائي من الخطية إلا من الله.

 

يسوع المسيح هو فادينا من الخطية” لنا فيه الفداء بدمه غفران الخطايا”(أفسس ١: ٧). فيسوع هو الذي اشترى لنا فداءاً أبدياً (عبرانيين ٩: ١٢). كما طلب بولس من شيوخ أفسس أن يرعوا” كنيسة الله التي اقتناها “(اشتراها وافتداها) بدمه” (أعمال ٢٠: ٢٨). ولا يمكن أن يشير هذا إلا إلى موت المسيح على الصليب. فيسوع هو الله الابن فادينا.

 

الرب برنا

 

تنبأ العهد القديم، نظراً لحاجة البشرية للبر وعجزنا عن الوصول إلى مستوى القداسة الذي يطالبنا الله به (رومية ٣: ٢٣)، بأن يهوه سوف يقيم يوماً” غصن بر “من أصل داود يكون اسمه” الرب برنا “( إرميا ٢٣: ٦؛ ٣٣: ١٥، ١٦). وهذا الغصن حسب تعليم العهد القديم هو المسيا المنتظر أو المسيح (قارن مع لوقا ١: ٣٢). وهكذا فإن أحد أسماء يسوع هو الرب (يهوه) برنا. ويقول لنا إشعياء ٤٥: ٢٤ إنه ليس أي بر إلا في يهوه الرب” إنما بالرب البر”.

 

الزوج العريس

أحد الجوانب الجميلة للقب” الزوج “عندما يستخدم للدلالة على الله. هو أنه يذكرنا بأن الله يحبنا ويشتاق إلى أن يملأ الفراغ والوحدة الموجودين في قلوب الناس -كما يفعل الزوج المحب ليسدد احتياجات زوجته (والعكس صحيح أيضاً). ذكر إشعياء بنو إسرائيل بقوله:” لأن بعلك (زوجك) هو صانعك”( إشعياء ٥٤: ٥). وفي سفر هوشع نجد أن الله يقارن محبته لإسرائيل بمحبة زوج أمين لزوجة غير مخلصة. لقد أعطى الله وعداً بأنه على الرغم من أن الدينونة قادمة. فإن إسرائيل سوف يدعو الله مرة أخرى” رَجُلي ” ( هوشع ٢: ١٦)- أي زوجي أو عريسي.

 

وكما ينظر العهد القديم إلى الله كزوج لإسرائيل، فإن العهد الجديد يرى في يسوع زوج (عريس) الكنيسة. قال يسوع إن تلاميذه كانوا محقّون في عدم الصوم لأن” العريس “معهم (مرقس ٢: ١٨؛ ١٩). ويطلب المسيح في متى ٢٥: ١ من العذارى (الكنيسة) أن ينتظروا العريس أي المسيح نفسه. ويقول بولس في ٢كورنثوس ١١: ٢ إن الكنيسة مخطوبة للزواج من المسيح. ويشير يوحنا في رؤيا ٢١: ٢، ٩ إلى الكنيسة بوصفها عروس مهيأة لرجلها والعروس امرأة الخروف. والعروس الجديدة هي أورشليم السماوية. وهكذا فإن المسيح، مثل الله، هو الزوج الإلهي.

 

الراعي

 

” الراعي “مصطلح جميل يشير إلى الله في رعايته للبشر. ولقد رنم داود قائلاً: ” الرب راعيّ فلا يعوزني شيء ”  ( مزمور ٢٣: ١)، ويقول في مزمور ٨٠: ١: “يا راعي إسرائيل، اصغ الي يا قائد يوسف كالضأن”. ويشير تكوين ٤٩: ٢٤ إلى الله” الراعي صخر إسرائيل”، كما خصص حزقيال اصحاحاً كاملاً للتحدث عن الله كراعٍ لبيت اسرائيل الضال ” غنم مرعاه “(حزقيال ٣٤).

 

وعلى الرغم من أن استخدام كلمة الراعي لا يبرهن على الوهية المسيح، فقد دعي بطرس وبولس المسيح” رئيس الرعاة “” وراعي الخراف العظيم “” وراعي نفوسكم وأسقفها ” (١بطرس ٥: ٤؛ عبرانيين ١٣: ٢٠؛ ١بطرس ٢: ٢٥). كما أن يسوع دعا نفسه راعياً مؤكداً أنه ” لراعي الصالح ” ( يوحنا ١٠: ١١)، وأنه الراعي “الوحيد” (يوحنا ١٠: ١٦).

 

الخالق

 

يقول أول عدد في الكتاب المقدس: ” في البدء خلق الله السموات والأرض” (تكوين ١: ١)؛ فالله يُعرف بوضوح على أنه الخالق. وقول أي شيء آخر مختلف عن هذا كان يعتبر تجديفاً بالنسبة لليهود. يقول الكتاب المقدس مرة تلو الأخرى على أن الله هو الذي خلق العالم (أيوب ٣٣: ٤؛ مزمور ٩٥: ٥، ٦؛ ١.٢: ٢٥، ٢٦؛ الجامعة ١٢: ١؛ إشعياء ٤٠: ٢٨). يؤكد العهد الجديد ألوهية المسيح بالتحدث عنه كخالق:

” هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان، وبغيرة لم يكن شيء مما كان… كان في العالم وكُوَّن العالم به. ولم يعرفه العالم ” (  يوحنا ١: ٢، ٣، ١٠).

ومن الواضح أن هذه الفقرة تتحدث عن يسوع، ولقد عبّر بولس عن نفس الفكرة:

” فأنه فيه خُلق الكل، ما في السموات وما على الأرض، ما يُرى وما لا يُرى، سواء كان عروشاً أم سياداتً أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خُلق. الذي هو قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل” ( كولوسي ١: ١٦-١٨).

 

يشير النص إلى أن بولس يتحدث عن يسوع، والضمائر المستخدمة تشير إلى شخص واحد. وتتحدث الفقرة عن شخص واحد به خُلقت كل الأشياء. إنه رأس الكنيسة، وهو ” البداءة” (موجود منذ البدء وبادئ كل شيء) و”بكر من الأموات”. ولقد جمع يسوع كل هذه الأمور، وذلك بحسب أفسس ٥: ٢٣؛ يوحنا ١: ١؛ كورنثوس ١٥: ٢٠.

 

ولقد أكد كاتب الرسالة إلى العبرانيين على نفس النقطة بقوله” الله… كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه. الذي جعله وارثاً لكل شيء. الذي به أيضاً عمل العالمين ” (عبرانيين ١: ١، ٢). وفي نفس الاصحاح الذي يخاطب الابن في العدد الثامن يقول:” وانت يا رب (يسوع) في البدء أسست الأرض. والسموات هي عمل يديك ” (عبرانيين ١: ١٠).

يقول لويس سبيري شيفر:

” عملية الخلق في حد ذاتها أمر لا يمكن مقارنته بأي شيء آخر، فعندما خلق الله الأشياء المادية، دعاها إلى الوجود من العدم. وهذا التصريح لهو بعيد كل البعد عن فكرة إن لا شيء أنتج شيئاً. فمن الواضح أنه لا يمكن أن ينتج أي شيء من العدم واللاشيء”.

فالكتاب المقدس يقول بأن كل شيء قد ظهر الى الوجود من موارد الله اللانهائية. فالله هو مصدر كل ما هو موجود. لقد تسببت إرادة الله الذاتية الحرة في خلق العالم المادي، كما هو مذكور في رومية ١٠: ٢٦ ” لأن منه وبه كل الأشياء، له المجد إلى الأبد آمين”. يقول هذا العدد بأن الخلق عمل الله، فلا يعزى إلى غيره، لكن في كولوسي ١: ١٦، ١٧ يؤكد -مستخدماً نفس التعبيرات العامة- أن كل الأشياء قد خُلقت بالمسيح وله، وأنه موجود قبل كل الأشياء، وبه خُلقت كل الأشياء.”

 

مُعطي الحياة

 

لقد كانت أروع لحظات الخلق تلك التي خلق فيها الله الإنسان، إذ يقول الكتاب” ونفخ في أنفه نسمة حياة “(  تكوين ٢: ٧). ويقول الله في تثنية ٣٢: ٣٩، بعد تصريحه” أنا هو وليس إله معي”، بإنه هو الذي يعطي الحياة ” أُحيي ” ( قارن مع مزمور ٣٦: ٩).

 

قال يسوع: ” لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك الابن أيضاً يُحيي مَن يشاء ” (يوحنا ٥: ٢١). قال يسوع قبيل إحيائه لعازر من بين الأموات: “أنا هو القيامة والحياة” (يوحنا ١١: ٢٥). كما أنه ذهب إلى حد قال معه إنه مُعطي الحياة الأبدية. ” أنا والآب واحد ” (يوحنا ١٠: ٢٨-٣٠). قال يسوع بأن الكتب (مشيراً إلى العهد القديم) تشهد له: “… تشهد لي، ولا تريدون أن تأتوا إليّ لتكون لكم حياة” (يوحنا ٥: ٣٩، ٤٠).

 

غافر الخطايا

 

الله هو غافر الإثم والمعصية والخطية (خروج ٣٤: ٧، انظر أيضاً نحميا ٩: ١٧؛ مزمور ٨٦: ٥؛ ١٣٠: ٤؛ إشعياء ٥٥: ٧؛ إرميا ٣١: ٣٤؛ دانيال ٩: ٩؛ يونان ٤: ٢)، ويسوع ابن الله يستطيع أن يغفر الخطية. يقول الرسول بولس في رسالته إلى أهل كولوسي ٢: ١٣؛ ٣: ١٣ إن يسوع هو الذي يغفر الخطايا. وقال يسوع لبولس إنه يجب عليه أن يؤمن به لينال غفران الخطايا (أعمال ٢٦: ١٨).

كذلك جاء إليه بعض الأشخاص طالبين الشفاء لصديق مفلوج لهم (مرقس ٢: ١-١٢). ولما لم يستطيعوا الدخول إلى البيت الذي كان يسوع يُعلّم فيه، ثقبوا السقف ودلّوا صديقهم المفلوج. قدّر يسوع إيمانهم وتأثر به، لذلك قال للمفلوج: ” يا بني مغفورة لك خطاياك”.

كان تفكير بعض الأشخاص الموجودين: شيئاً مثل: ” يا للغطرسة ووقاحة الافتراض! “كيف يمكن ليسوع أن يعرف خطايا الرجل المفلوج؟ وكيف يمكن أن يقدم الغفران كما لو كانت الخطايا التي ارتكبها هذا الشخص موجهة ضده كما هي ضد الله؟ كيف يغفرها وكأن لديه سلطاناً على هذا، كان جواب يسوع واضحاً. فهو لم يكن متغطرساً، وانما كان يقول الصدق، وها هو الدليل: ” لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا… قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك”. وهذا ما حصل. فدهشوا جميعاً ومجدوا الله!

 

كتب” أ. ت. روبرتسون “عالم اللغة اليونانية، معلقاً على (مرقس ٢: ٧): ” لقد اعتقد هؤلاء أن افتراض يسوع لهذا الامتياز أو الحق المقصور على الله وحده هو تجديف، وكان منطقهم صحيحاً. لكن العيب الوحيد هو استبعادهم إمكانية أن يكون ليسوع علاقة معينة مع الله تبرر تصريحه، وهكذا فإن الصراع هنا يدور حول قدرة يسوع على إثبات ألوهيته. لقد أدرك يسوع أنه مارس امتيازاً مقصوراً على الله بغفرانه خطايا الرجل المفلوج، فقام بشفائه مُقدماً تبريراً كافياً لادعائه. “

 

يقول ” روبرت ألان كول ” في تعليقه على هذه الفقرة من إنجيل مرقس، بأنه يمكن النظر إليها من عدة زوايا، لكنها تلتقي جميعاً لتعطي معنى واحداً وهو في شرحه للفقرة يعيد صياغتها:

” هناك طريقتان للنظر إلى هذه الفقرة، وأسلوبا التفسير مثمران (لهما معنى) لأننا إذا تابعناهما إلى مداهما فسيتداخلان ويصبحان خطأ واحداً. يقول الخط الأول: هل تقولون إن الله وحده هو القادر على غفران الخطايا؟ لكني أريد أن أثبت لكم أن أمامكم إنسانا يملك نفس القوة. وبهذا المنطق يقود الكتبة المفكرين إلى المعادلة والربط بين يسوع الإنسان والله. “

يؤكد ” جوش ماكدويل” أحد مؤلفي هذا الكتاب، في محاضرة له حول الغفران:

” لقد أزعجني مفهوم الغفران مدة طويلة من الزمن، لأنني لم أفهمه.  كنت يوماً أعطي محاضرة لطلاب الفلسفة، ووجّه إليَّ أحد الطلبة سؤالاً حول لاهوت المسيح، فاستشهدت بالأعداد السابقة من الأصحاح الثاني من مرقس. عندما شكك أحد الطلبة في صحة الاستنتاج الذي توصلت إليه بأن غفران المسيح للرجل يُثبت ألوهيته، وذلك بأن قال إنه في إمكانه أن يسامح شخصاً دون أن يكون ذلك إثباتاً أنه يدّعي الألوهية.

عندما فكرت فيها قاله الطالب الجامعي، عرفت السبب الذي جعل القادة الدينيين يثورون بهذه الحدة على يسوع. أجل، يستطيع المرء أن يقول: “اسامحك”، ولكن لا يمكن أن يقول ذلك إلا الشخص الذي وُجهت إليه الإساءة. فإذا أخطأت ضدي، بإمكاني أن اقول لك: “أسامحك”، لكن هذا لم يكن ينطبق على يسوع. فلقد أخطأ المفلوج ضد الله الآب، ثم جاء يسوع بسلطانه الخاص ليقول له مغفورة لك خطاياك.  من المؤكد أننا نستطيع أن نغفر الإساءات الموجهة ضدنا، لكن لا يستطيع أحد بأي حال من الأحوال أن يغفر الخطايا المرتكبة ضد الله إلا الله وحده، وهذا ما قاله يسوع. “

لقد كان سلطان يسوع على مغفرة الخطايا مثالاً مذهلاً لممارسة امتياز يخص الله وحده.

 

الرب شافيك

 

يقول الرب يهوه في خروج ١٥: ٢٦: ” أنا الرب شافيك”. على الرغم من أن الله أعطى موهبة الشفاء لعدة أشخاص عبر العصور، فإن أحداً لم يدع قط أنه يشفي بسلطانه الشخصي كما فعل يسوع. وقد آمن التلاميذ الأوائل بذلك السلطان، وشفوا أشخاصاً وأخرجوا شياطين باسم يسوع (متى ١٠: ١؛ مرقس ٩: ٣٨؛ لوقا ١٠: ١٧). أصاب هذا الأمر أعداءه بالذعر (يوحنا ٩: ٢٤). فمَن هو الشخص العاقل الذي يمكن أن يقول إنه كان يشفي ويخرج الشياطين باسمه (سلطانه) الخاص؟ فهذا يكون بمثابة نزع المجد الذي يخص الله وحده.

قال يسوع إن له سلطاناً على القوى الشيطانية لأن هذا جزء من قدرته الشفائية (متى ١٢: ٢٢-٢٩)، وهي حقيقة أقرت بها الشياطين المهزومة معترفة بأنه ” قدوس الله “و” ابن الله”(مرقس ١: ٢٤؛ ٥: ٧؛ لوقا ٤: ٣٤). وقد اتفقت الكنيسة الأولى وعلّمت بأن كل الملائكة والرياسات والقوات خاضعة له (١بطرس ٣: ٢٢). وعندما تقابل بطرس في أعمال ٩: ٣٤ مع رجل مفلوج، دعا الرجل باسمه وقال له: ” يا اينياس، يشفيك يسوع المسيح “فشفاه فعلاً. وهنا نجد أن يسوع الموجود في السماء يعمل عمل الشفاء-تماماً مثل الله.

وهكذا يتكلم الكتاب المقدس بصوت قوي ونبرة عالية. لقد اتخذ يسوع لنفسه أسماءً وألقاباً لا يمكن أن تنطبق بحق إلا على الله، وبهذه الأسماء والألقاب دعاه آخرون: يهوه والله، والألف والياء، والأول والآخر، والرب، والُخلص، والملك، والديّان، والفادي، والرب برنا. يشترك يسوع مع الله في ألقاب مثل” النور”، و ” الصخرة “، و ” الزوج “(العريس)، و ” الراعي”، و ” الخالق”، و ” معطي الحياة”، و “غافر الخطايا”، و “الشافي”.

طالما يسوع هو الله، فهو يحمل -بالإضافة إلى ألقاب الله وأسمائه -صفاتاً لا يمكن أن تكون إلا لله وحده. فهل حَمَل هذه الصفات؟ وهل يُعلِّم الكتاب المقدس ذلك؟

يسوع المسيح له أسماء الله وألقابه، فهل تؤمن بلاهوته؟

فريق اللاهوت الدفاعي | كتب مسيحية | دراسات مسيحية

ضياع الامل المسياني في التلمود – اين الحقيقة؟

ضياع الامل المسياني في التلمود – اين الحقيقة؟

ضياع الامل المسياني في التلمود – اين الحقيقة؟

ضياع الامل المسياني في التلمود ، اين الحقيقة !؟

التلمود البابلي (תלמוד בבלי) ، سدر نيزكين נזיקין ، في مسخط سنهدرين סנהדרין 97b 
[ قال راب : كل الازمنة الاخيرة مرّت ، والامر (الآن) يعتمد على التوبة والاعمال الجيدة ..]
تكررت تلك العبارة كثيرا في التفاسير اليهودية التراثية ، ايضا وردت في يلقوط شمعوني (مزمور 139 : 16-17).

الازمنة الاخيرة (هقصين) هو اللفظ الكتابي لمجئ المسيح المُنتظر ، وهذا الوقت حددته كثير من النبوات بدقة . فبحسب التوقيت الذي حددته النبوات فإن هذا الوقت قد ذهب ومرّ .

ونحن نسألهم!؟ ، اين المسيح الذي تنتظرونه !؟ لماذا لم يجئ بعد !؟ . هل اخطأت النبوات ام انتم اخطأتم ولم تتعرفوا عليه !؟

الستم ابناء ابائكم الذين لم يتعرفوا على موسى النبي (المخلص الاول) قائلين (خروج 2: 14) “«مَنْ جَعَلَكَ رَئِيسًا وَقَاضِيًا عَلَيْنَا؟” وفقط في مجيئه الثاني لهم بعدما تغرب في مديان ورجع (خروج 4: 27-31)،عرفوا حينها انه المخلص جالب الخلاص الذي سبق وتكلم عنه الله لابراهيم (تكوين 15: 13-14) .

اليس ربواتكم هم من قالوا انه كالمخلص الاول هكذا يكون المخلص الاخير ساردين عشرات التشابهات بين موسى القديم والمسيح المُنتظر !؟
الا يمكن ان تكونوا تعاميتم عن حقيقته وعن خلاصه ، مثلما فعلتم مع موسى.

– مدراش رباه للجامعة (מדרש קהלת רבה) (1: 9)
[ قال الرباى براخيا بأسم الرباى اسحاق: كما كان المخلص الاول (موسى) هكذا يكون المخلص الأخر (المسيح) ،ماذا قيل عن المخلص الاول؟ – (خروج 4: 20) “فأخذ موسى امرأته امرأته وبنيه وأركبهم على الحمير” ، وهكذا قيل عن المخلص الأخر (زكريا 9: 9) “وديع وراكب على حمار” ،كما ان المخلص الاول انزل المن كما قيل (خروج 16: 4)

“ها أنا امطر لكم خبزا من السماء” وكذلك المخلص الأخر يُنزِل المن كما قيل (مزمور 72: 16) “تكون حفنة بر فى الأرض” كما ان المخلص الاول أخرج بئر (عدد 20: 8) هكذا المخلص الاخر يُخرِج الماء كما قيل (يوئيل 3: 18) “ومن بيت الرب يخرج ينبوع ويسقى وادى شطيم “]

لمسيحنا يشوع الناصري -الذي لم تتعرفوا عليه- مجئ اخر على الابواب وعندما ترونه ستعرفونه وستسجدون له وتدركون انه هو جالب الخلاص الاعظم الذي ليس بعده خلاص.

 

ضياع الامل المسياني في التلمود – اين الحقيقة؟

يسوع المسيح هو الله والمخلص

يسوع المسيح الهنا والمخلص
 
يقول العظيم فى الرسل القديس ” بطرس الرسول ” فى مستهل رسالته الثانية ” سمعان بطرس عبد يسوع المسيح ورسوله الى الذين نالوا معنا ايمانا ثمينا مساويا لنا ببر الهنا والمخلص يسوع المسيح. “[1]
لعل هذة الكلمات تكون قد مرت على بعض القراء دون ان يلتفتوا لاهمية الجملة لاهوتيا
فى من الاعداد الكتابية الفريدة التى اطلق فيها على يسوع GOD المسيح لقب الله
ولنستعرض اراء العلماء انفسهم
العالم توم كونستبل
This is one of the verses in the New Testament that explicitly calls Jesus God. Jesus’ role as Savior was one that Peter emphasized in this letter because of his readers’ need of deliverance [2]
هذة من الاعداد فى العهد الجديد الذى اطلق على يسوع فيها لقب الله
Esv لدراسة الكتاب
God and Savior Jesus Christ. “Righteousness” refers here to God’s saving righteousness, showing that faith is a gift from Jesus.Jesus is called “God and Savior,” making this one of the clearest NT declarations of the divinity of Christ.[3]
يسوع دعى بالله والمخلص وهذة واحدة من اوضح اعلانات العهد الجديد عن لاهوت المسيح
نفس الكلام اكده تعليقات ان اى تى بايبل
The terms “God and Savior” both refer to the same person, Jesus Christ. This is one of the clearest statements in the NT concerning the deity of Christ[4]
ولغويا كلمتى الهنا والمخلص يعودان على شخصية واحدة ” يسوع المسيح “
وهذا ما اكده كتاب التحليل اللغوى للعهد الجديد للعالم ماكس زرويك
ῆρος ὁsaviourτοῦ θεοῦ κ. σ. Ἰ. Χρ. under one art.prob. indicating one and the same Person[5]
وهذا ايضا ما اكده العالم جون ماك ارثر
It is noteworthy that Peter does not refer to God our Father here but to our God and Savior, Jesus Christ. Righteousness here does proceed from the Father, but it reaches every believer through the Son, Jesus Christ (cf. Gal. 3:8–11; Phil. 3:8–9). The Greek construction places just one article before the phrase God and Savior, which makes both terms refer to the same person.[6]
الرسول بطرس هنا لا يشير لله الاب ولكن لالهنا ومخلصنا يسوع المسيح التركيب اللغوى يضع اداة تعريف واحدة قبل العبارة الله والملخص جاعلا اللفظين يشيران لنفس الشخص
وهذا ما اكده كلارك فى تعليقه على النص
Of God and our Saviour Jesus Christ] This is not a proper translation of the original του θεου ημων και σωτηρος ιησου χριστου, which is literally, Of our God and Saviour Jesus Christ; and this reading, which is indicated in the margin, should have been received into the text; and it is an absolute proof that St. Peter calls Jesus Christ God[7]
هناك برهان مطلق ان القديس بطرس دعى يسوع الله
وللتأكيد ايضا اعالمين الان بلاك ومارك بلاك
The phrase “our God and Savior Jesus Christ” is unusual in that it seems to call Jesus “our God and Savior.” The wording in Greek makes it all but certain that this is one of those rare passages in the New Testament where Jesus is explicitly called “God[8]
انها من العبارات النادرة فى العهد الجديد الذى يدعى فيها يسوع ” الله “
ونختم بالتحليل الكامل للعدد من العالم دانيال اريشيا
Arguments for understanding the expression as referring only to Jesus Christ include the following:
1. The Greek text itself favors this position. A word-for-word translation looks like this: “…of the God our and of Savior Jesus Christ.” That the text favors the understanding that the whole expression refers to Christ is shown by the presence of only one definite article, which is placed before God. If the expression were intended to refer to both God and Jesus Christ, a definite article would have been placed before “Savior.”
2. Elsewhere in the letter the same grammatical construction is used, and it is clear that in those other contexts the whole phrase refers to Jesus Christ (for example, 1.11; 3.18, except of course that in these expressions “Lord” is used instead of “God”).
3. The term “God” is used of Christ elsewhere in the New Testament (see John 1.1; 2 Thes 1.12; and possibly Titus 2.13; 1 John 5.20) and in extra-biblical writings by the beginning of the second century (as in Ignatius’ letter to the Ephesians 1.1; 7.2; 18.2; 19.3; and so on).
Considering all the arguments, it is probably best to understand the expression as referring to one person, namely, Jesus Christ, rather than to both God and Christ
الحجج بفهم التعبير انه يشير فقط ليسوع المسيح هى كالاتى
النص اليونانى نفسه يؤكد الموقف انظر لترجمة كلمة مقابل كلمة ” لالهنا والمخلص يسوع المسيح ” النص يؤيد فهم ان النص يشير لشخص يسوع المسيح بوضع اداة تعريف واحدة قبل كلمة الله اما لو كان كلمتى الله والمخلص يشيران لشخصيتين الله الاب ويسوع كان وضع اداة تعريف قبل كلمة المخلص
علمنا العظيم بين رسل المسيح بطرس ان يسوع المسيح هو الله والمخلص
انت بطرس وعلى هذة الصخرة بايمانك بالمخلص والاله يسوع بنى يسوع الكنيسة
[1] Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. 2 Pe 1:1
[2]Tom Constable: Tom Constable’s Expository Notes on the Bible. Galaxie Software, 2003; 2003, S. 2 Pe 1:1
[3]Crossway Bibles: The ESV Study Bible. Wheaton, IL : Crossway Bibles, 2008, S. 2418
[4]Biblical Studies Press: The NET Bible First Edition Notes. Biblical Studies Press, 2006; 2006, S. 2 Pe 1:1
[5]Zerwick, Max ; Grosvenor, Mary: A Grammatical Analysis of the Greek New Testament. Rome : Biblical Institute Press, 1974, S. 717
cf. confer (Lat.), compare
[6]MacArthur, John: 2 Peter and Jude. Chicago : Moody Publishers, 2005, S. 23
[7]Clarke, Adam: Clarke’s Commentary: Second Peter. electronic ed. Albany, OR : Ages Software, 1999 (Logos Library System; Clarke’s Commentaries), S. 2 Pe 1:1
[8]Black, Allen ; Black, Mark C.: 1 & 2 Peter. Joplin, Mo. : College Press Pub., 1998 (The College Press NIV Commentary), S. 2 Pe 1:1
[9]Arichea, Daniel C. ; Hatton, Howard: A Handbook on the Letter from Jude and the Second Letter from Peter. New York : United Bible Societies, 1993 (UBS Handbook Series; Helps for Translators), S. 67
Exit mobile version