تفسير الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى (3) تفسير العهد القديم بواسطة العهد الجديد

تفسير الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى (3) تفسير العهد القديم بواسطة العهد الجديد

تفسير الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى (3) تفسير العهد القديم بواسطة العهد الجديد

تفسير الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى (3) تفسير العهد القديم بواسطة العهد الجديد  [1] د. جورج عوض إبراهيم

موقف المسيح من العهد القديم:

لقد نظر المسيح إلى العهد القديم على أنه نص صادق وموحى به من الله. إن الكتاب أو العهد القديم يحتوي على شهادات عن شخص المسيح كمسيا وعن أعماله سواء المباشرة أو غير المباشرة. والفروق بين المسيح والمفسرين الرابيين في نظرتهم للعهد القديم هي:

 

أ ـ أن المسيح كان يملك وعيًا وإدراكًا وفهمًا للتطلع الاسخاتولوجي (الأخروي) للعهد القديم الذي بدأ يتحقق في شخصه بحياته وأعماله، وقد ركز بكل ثقل على الجانب الديني وليس على طقس العهد القديم. لقد نادى بالحقيقة أن المحبة لله والقريب بالمعنى الشامل لمفهوم “القريب” هي كل الناموس والأنبياء. وفسّر ـ ماسيانيًا ـ الكتب المقدسة، بينما ركز الرابيون انتباههم على الناموس وعلى التفاصيل المتنوعة لحفظة.

 

ب ـ المسيح كشارح للناموس قدم نفسه “كمن له سلطان وليس كالكتبة”، بينما شروحات الرابيين قد أُخذت من “تقليد الشيوخ”. لقد أعاد المسيح تفسير الناموس بروح ملكوت الله الذي أشرق بحضوره الشخصي. ولا يوجد تناقض بين تقدير المسيح للعهد القديم وشرحه للناموس بروح ملكوت الله، وبين ما فعله بعد ذلك بولس الرسول فمرة يدعو الناموس أنه روحي ومقدس، بينما في سياق آخر يدعوه ” لعنة “.

 

ج ـ من المعروف أنه في عصر العهد الجديد لم يكن قانون العهد القديم قد شُكِّل بعد وبصورة نهائية، لذلك كان المسيح يتحدث دائمًا بطريقة عامة عن الكتاب مثلاً في (يو10: 35، لو4: 21) بمصطلح “كتاب” يقصد الكتب الخمس الأولى للعهد القديم (الناموس)، وفي (مت5: 17) كتب الأنبياء وفي (لو24: 45) المزامير. ولقد قَبِلَ المسيح “الكتاب” مثلما قَبِله التقليد الرابوني كنص مُوحى بالروح القدس انظر مثلاً (مر12: 36) وأن هدفه التعبير عن إرادة الله وأنه لا يمكن أن ينقض المكتوب (مت5: 18، يو10: 35).

 

د ـ إن المسيح استخدم بكثرة العهد القديم في تعاليمه ومرات كثيرة بنفس الطريقة التي كان يستخدمها الرابيون في عصره. فباستخدام التعبير الرابوني “مكتوب” يقر المسيح بسريان وصايا الكتب الخمس الأولى (الناموس) (انظر لو10: 26). كما أنه استخدم محتوى العهد القديم في صد الكتبة (انظر متى3:12 وفيما بعده)، وفي إثبات حقيقة قيامة الموتى ضد الصدوقيين (انظر لو20: 37). وذكر أيضًا حوادث تاريخية كثيرة (خلق الإنسان، قتل هابيل، الطوفان، العليقة المشتعلة، الحية في البرية، المن…الخ).

وكذلك ذكر بعض شخصيات العهد القديم (أمثال البطاركة، موسى، داود، سليمان، إيليا، يونان، زكريا .. الخ). كذلك استخدم صور وأمثال كثيرة (الكرمة، الرعية، ..) وفي عظاته توجد تحذيرات لا تحصى (مثل القلب القاسي، الإنباء بالعقاب…). وقد نادى بوصية المحبة (انظر مر30:12)، وأيضًا بعض الأوامر الناموسية للناموس مثل ” اذهب أرِ نفسك للكاهن ” في (مر10:7)، وعدم انحلال الزواج (انظر مر1: 6).

 

هـ المسيح لم يستخدم العهد القديم كنص للناموس، ولا كان يهدف عندما يذكر الناموس إلى مجرد التأكيد على السلطة المقدسة للوصايا. بل على العكس كان يهدف في هذه الحالات إمّا إلى وقف التفسير الخاطئ للوصايا من قِبَل الفريسيين وإمّا أن يقلل من قيمة وصايا معينة بإعطاء ملاحظة على سبيل المثال أن هذه قد أُعطيت بسبب قساوة قلب اليهود (انظر مر22:4). فبتعليم المسيح أن كل الأوامر الناموسية والتعبدية تصبح نسبية (مر33:12) أمام وصية المحبة لله والقريب والتي تلخص كل الناموس والأنبياء (مت40:22).

 

وـ بالرغم من قبول المسيح الإيجابي للكتاب إلاّ أنه لم يتقيد بالمفهوم الحرفي لوصاياه. على العكس شعر أمامه بارتباط روحي، وقال عن أصغر حرف منه: أنه لا يُنقض (مت5: 18). والكلام هنا بالتأكيد ليس عن تمسك فريسى بحرف الناموس، لكن عن اعتراف بالثقل الأبدي لإرادة الله حتى في أصغر تفصيلات الناموس.

 

ز ـ إن تفسير المسيح للعهد القديم يكشف المزايدات الكثيرة التي أضافها الرابيون من عادات وتقاليد شعبية، التي وضعوها في مرتبة مساوية للتوراة. ولقد عبّر المسيح بوضوح في (مت15: 6) بأنهم أبطلوا وصية الله بسبب تقليدهم، لقد استبدلوا وصية الله بتقاليد البشر وأغلقوا ملكوت الله أمام الناس (انظر مت23: 13، مر7: 8). لأجل هذا السبب لم يتردد المسيح في توجيه “الويل” ـ تلك الكلمة الرهيبة ـ إلى الكتبة والفريسيين.

لقد أدان المسيح المعلمين اليهود في عصره ذاكرًا نبوة العهد القديم من إشعياء ” هذا الشعب يكرمني بشفتيه وأما قلبه فمبتعد عنى بعيدًا ” (مر7: 6). لأنهم بسبب الحرص على حفظ الوصايا هم مستعدون بأن يضحوا بالإنسان (مر13: 16). وبينما هم يفتخرون بمعرفتهم للناموس أمام الناس، في الواقع هم نجسون أمام الله (انظر مت16: 15).

إذًا فموقف المسيح الناقد للتفسير الرابوني ليس موجهًا بالطبع للملمح الإلهي للعهد القديم، لكن يخص تقاليد الشيوخ اليهود فيما يتعلق بأمور طقسية ومبالغات لحفظ الوصايا: ” ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تعشرون النعنع والشبت والكمون وتركتم أثقل الناموس الحق والرحمة والإيمان كان ينبغي أن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك ” (مت23:23). هكذا صار واضحًا جدًا أنه بالتمييز الذي صنعه المسيح بين تقاليد الشيوخ وبين ناموس الله، أنه يرفض المناهج التفسيرية للرابونيين.

لذا بحسب المسيح، التفسير الصحيح للناموس يقاس ليس بمقياس طرق تطبيقه التي وضعها الشيوخ اليهود لكن بمقياس مدى العلاقة الحية والعميقة بين الله والناس.

 

ح ـ إن العهد القديم، كمُوحى به من الروح القدس وشهادة حية أزلية لإرادة الله، له قيمة خاصة للمسيح كنص نبوي. فيه يرى المسيح الإنباء المسبق عن شخصه وأعماله. وفيه أيضًا يقبل بأن الكتب في مجموعها تشهد عنه (انظر مثلاً لو24: 27،44) و(يو5: 39) ويعترف في مواضع معينة بإنباء عن مراحل معينة من حياته [مثل العماد (مت3: 15)، عصيان يهوذا (يو13: 18)، الخيانة والقبض عليه (مت26: 24،54، 56)، قيامته (لو24: 46، يو20: 9)، المجيء الثاني (مر13: 26، 14: 26)].

لأن يسوع المسيح هو أول مَن فسر العهد القديم بالتطلع ” المسياني” وبهذه الطريقة قد حدد وضع ووظيفة العهد القديم في حياة الكنيسة. لقد كان في إدراك المسيح بأنه “اليوم” (s»meron) تحققت في شخصه نبوة إشعياء (لو4: 17 وما بعده)، وأن العمل الذي يتممه هو تحقيق للنبوات الماسيانية للأنبياء (مت11: 5). إذ يعترف ويقول للسامرية إنه هو المسيا المنتظر (يو4: 25)، وأمام المجمع يظهر أنه “المنتظر”، “فوق السحاب” ابن الإنسان (دانيال7: 13= مت24: 30). ويشير أيضًا إلى شخصه في أقوال المزامير عن الملوك مثل (مز109: 1 = مت22: 41، مز117: 26=مت23: 39) أيضًا آلامه يقدمها دائمًا على أساس تقليد “عبد يهوه” لإشعياء53.

 

بهذا الفهم المسياني للعهد القديم لم يعترف المسيح بالعهد القديم كمجرد نص نبوي، بل قد أكد أن حتى الأنبياء أنفسهم والملوك المذكورون في العهد القديم اشتهوا أن يروا أيامه ولم يروا (مت17:8). إبراهيم البطريرك (أبو الآباء) رأى يومي وفرح (لو56:8). نفس الأمر إشعياء رأى مجد المسيح وتحدث عنه (يو41:12). كل ما يخص الحوادث التاريخية في العهد القديم يجد فيها المسيح إشارات جوهرية إليه. هكذا يكشف المسيح هدف تاريخ العهد القديم بطريقة مختلفة تمامًا عن المنهج الرابوني للتفسير. ففي قصة يونان والحادثة المشهورة مع الحوت إشارات عن رسالته (يو30:11)، ودفنه ثلاث أيام (مت40:12).

وفي طوفان نوح وظروف عصر لوط (سدوم وعمورة) صورة للمجيء الثاني والدينونة الأخيرة (لو17: 26،28، مت24: 37). ورفع الحية في البرية بواسطة موسى له علاقة برفعه على الصليب (يو3: 14). وأن المن هو صورة الخبز الحي، الذي يقدمه المسيح نفسه (يو31:6،49). هذا التجاوب لهذه الحوادث التي لها تطلع نبوي وأخروي تستلزم بالتأكيد الاستمرارية التاريخية ووحدة الخطة الإلهية.

وبناء على ذلك، من يقبل الناموس والأنبياء سيؤمن بالمسيح، طالما “أن (موسى) كتب عنى” (انظر يو5: 46). هذا المنهج التفسيري يعرف بالمنهج المثالي أو النماذجي (Tupologik»). ولقد اُستخدم هذا المنهج في سياق الوعي والتقييم المسياني للعهد القديم.

بالتأكيد إن العهد الجديد الذي دشنه المسيح يختلف جذريًا عن العهد القديم. والمسيح هو نفسه المسيا، غاية كل نبوات العهد القديم، وبناء على ذلك فبحضوره التاريخي بدأ عصر الإنجيل: ” كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا ومن ذلك الوقت يبشر بملكوت الله وكل واحد يغتصب نفسه إليه” (لو16:16).

في عصر العهد القديم، كان الدخول في قلب شعب الله يتطلب حفظ صارم للناموس، الآن في العهد الجديد أُدين هذا المبدأ وكل واحد يستطيع أن “يغتصب” الملكوت، فقط بحسب النعمة وبدون عمل الناموس. لم يُنقَض الناموس القديم بل على العكس وَجَد العهد القديم في شخص المسيح تحقيقه وكماله.

إن موقف المسيح العام أمام العهد القديم يبلوره نص (مت5: 17ـ20) في الموعظة على الجبل، والتي تبدأ بالتعبير المشهور ” لا تظنوا أنى جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل. فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا يدعى أصغر في ملكوت السموات. وأما من عمل وعلم فهذا يدعى عظيمًا في ملكوت السماوات. فإني أقول لكم إنكم إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات “.

 

مباديء تفسير أساسية

في هذا النص نتعرف على أربع مباديء تفسيرية:

1ـ في عدد17: المسيح لا يدين التوراة الناموسية أو العظة النبوية للعهد القديم، مثلما أدانها معاصروه من الفريسيين، بل على العكس كان يهدف إلى تتميم وتكميل الناموس والأنبياء. بالطبع هنا لدى المسيح أدراك بأنه هو “مسيا” هذا العصر، الذي يحقق أو يتمم التطلع الداخلي للناموس والأنبياء، ونتيجة لذلك يظهر العهد القديم أنه غير كامل ويحتاج للتحقيق بمجيء المسيا.

2 ـ في عدد18: الناموس له سريان مطلق ومصداقية ولا يمكن الاستهانة بأصغر وصاياه. وسلطة الناموس وقيمته اكتسبها بواسطة شخص يسوع المسيح.

3 ـ في عدد 19: الطريقة التي يحقق ويفسر بها المسيح الناموس هي طريقة مقيدة تقييدًا مطلقًا، حتى أنه مع التطبيق الآمن له يتحقق خلاص الإنسان. بهذه الطريقة يضع المسيح الناموس في وظيفته الحقيقية.

4 ـ في عدد 20: قبول وتطبيق الناموس بهذا المفهوم السابق يدين تقليد الرابونيين.. الناموس أو العهد القديم في مجموعة يتمم رسالته الصحيحة فقط في شخص يسوع المسيح. هو بالضبط المبدأ والأساس التفسيري الجديد لقبول وفهم وتفسير العهد القديم.

 

طـ إن موقف المسيح أمام العهد القديم وخاصة “الناموس” لا ينحصر بالتأكيد في موضوع التفسير الصحيح للعهد القديم. إن يسوع المسيح لم يكن مجرد نموذج لمعلم جديد. لقد علّم حقًا بطريقة جديدة تمامًا، ليس كالكتبة والفريسيين، وكان في تعليمه “كمن له سلطان” ولذا أثار غرابة ودهشة الجموع (مر22:1، متى28:7 وما بعده) ورؤساء اليهود (مت21:23).

إن المسيح حدد علاقته بالناموس على أساس قناعته الداخلية بأنه في وحِدة مع الله الآب. إنه المرسل “من السماء” لكى “يخبر” ليس عن الناموس والعهد القديم ولكن عن الآب نفسه، ويتمم النعمة والحق ” لأن الناموس بموسى أعطى أما النعمة والحق فبيسوع المسيح قد صارا “، ” الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبّر” (يو1: 17ـ18).

ونتيجة لذلك فإن المسيح، من جهة، حقق في شخصه إرادة الله القديمة كما شهد لها العهد القديم، ومن جهة أخرى، أعلن الإنجيل الجديد إلى الإنسان والعالم والذي بمقتضاه صنع علاقة شخصية معه. بهذا الوعي والإدراك حدد المسيح، من جديد، طبيعة وتطلع العهد القديم بالتضاد مع الرابونيين. إذ بينما يقر بالقيمة الإلهية والأزلية للعهد القديم، فإنه من جهة أخرى يعلن أنه في شخصه دخلت البشرية في عالم جديد يتخطى ذاك الذي للعهد القديم.

ى ـ إن يسوع المسيح هو أعظم وأسمى من عظة العهد القديم النبوية “هوذا أعظم من يونان ههنا” (مت41:12)، وأيضًا أعظم من النظام التعبدي لإسرائيل القديم ” إن ههنا أعظم من الهيكل ” (مت12: 6) ـ لذلك أبطل التقليد الرابوني من ناحية مفهوم راحة السبت: ” فإن ابن الإنسان هو رب السبت أيضًا ” (مت12: 8)، والذي كان يرمى فقط إلى الامتثال الظاهري والشكلي، أيضًا أدان تقاليد الشيوخ عن التطهيرات (انظر مر7: 3ـ13)، وعن الأصوام والصلوات (انظر يو33:5)، والتي اعتبرها أحمالاً ثقيلة (مت4:23) تعوق إقامة علاقة حية مع الله. إن الأمور القانونية والمظهرية لا تحدد العلاقة مع الله بل الاستعداد الداخلي للإنسان وطهارة قلبه (مت15: 20).

إن التفسير الجديد للناموس الذي قام به المسيح صار واضحًا من المقارنات المعروفة في العظة على الجبل (مت5: 27- 28): ” سمعتم أنه قيل للقدماء… وأما أنا فأقول لكم… “. والعبارة الأخيرة ” وأما أنا فأقول لكم.. “، تظهره على أنه هو المشرع الجديد الذي لا يستهزئ بترتيب الناموس القديم، لكن يُظهِر بمصداقية إلهية عدم اكتمال الناموس القديم. بالتحديد إن المسيح يستنكر ويرفض رفضًا جذريًا التطبيق الشكلي والآلي لحرف الناموس وأيضًا التكرار الرتيب المبالغ فيه للسلوك الأخلاقي والذي يخلق رضاءً وغرورًا واكتفاءً ذاتيًا.

إن العمل الخارجي في حد ذاته لا يحدد النوعية الأخلاقية للإنسان، بقدر استعداده الداخلي ودوافعه الحقيقية، وذلك عندما يتحددان من الرحمة والنعمة والإعلان الإلهي. بهذا المفهوم يُعيِد المسيح تفسير الوصايا الخاصة بالقتل، والزنا، والطلاق، والقسم، ورد الدين، والمحبة للقريب، والإحسان، والصلاة والصوم. في تفسير المسيح الجديد لا ينفصل العمل عن النية أو القصد أو الاستعداد، لذلك لا توجد مقاييس محددة للسلوك العملي.

وبخصوص هذه الوصايا فإن المسيح لا يعيد تفسير الناموس القديم ولكنه يُشرّع من جديد العلاقة بين الإنسان والله، على إنها علاقة نعمة وحرية علاقة تبطل محدودية الحرف وتلد الإنسان ثانية ليكون ابنًا حرًا للآب. لأجل هذا السبب، فإن كل الناموس يمكن أن يلخص في وصية واحدة: ” تحب الرب إلهك… وتحب قريبك كنفسك ” (مت22: 37، 39). ولذلك فإن مقياس تقدير الوصايا القانونية هو التشبه الكامل بالله: ” كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل ” (مت5: 48).

إن علاقة الكمال بالله ليست لها حدود ولا يمكن أن تتم بحفظ وصايا خارجية ناموسية. إن هجران الشكل التقوى والسلوكيات الفريسية من جهة العبادة والأخلاق هو الشرط الجديد للدخول إلى ملكوت الله ” فإني أقول لكم إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السماوات ” (مت5: 20).

بناء على ما سبق، فإن المسيح لم يشرح ببساطة ناموس العهد القديم وكَيّفه على المتطلبات التاريخية المعاصرة كما فعل الرابيون، لكن حقق وأعلن ناموس الله الجديد الذي ينضم إليه القديم أيضًا. المسيح لا يقدم تفسير جديد للناموس لكن يحدد من جديد علاقة الإنسان مع الله، علاقة تستند على أفضلية أو أولوية النقاوة والتواضع الداخلي. الناموس الجديد لم يعطَ في شكل وصية ناموسية.

لكن حُقِقَ في شخص وعمل المسيح كنعمة وحرية، كمحبة وإيمان، كرحمة وذبيحة. بهذه الطريقة وحّد المسيح في شخصه الناموس والإنجيل، النبوة والتحقيق، الوصية والنعمة. لذلك كل الناموس لا يكفي للكمال، إن لم يتبع الإنسان المسيح في علاقة حرة وشخصية معه: ” إن أردت أن تكون كاملاً فأذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني” (مت21:19). مطلب الناموس ينبغي أن يتمم على أساس الاستعداد الداخلي للإنسان، الذي يُشَّكل فقط في العلاقة الحية مع الله.

هذه العلاقة تبطل أي سلوك أخلاقي يستند على التحقيق الشكلي للوصايا وأيضًا على الأداء التعبدي الشكلي.. إن جدية الإنجيل تتطلب التجديد الجذري للناموس القديم، والولاء الكامل لنعمة ورحمة الله، لأنه لا أحد يضع خمرًا جديدة في زقاق قديمة (مت9: 16). كما أن التلمذة في ملكوت السماوات تتطلب من الإنسان ” أن يخرج من كنزه جددًا وعتقاء ” (مت13: 25).

 

هذا المطلب ليس هو مجرد مبدأ تفسيري، لكن هو دعوة للحياة أو للموت أمام أزمة الأوقات وحتمية الملكوت الجديد. إن إعلان يسوع المسيح لا يتقولب في شكل وصايا ناموسية وأوامر طقسية وتعبدية عقيمة سواء مكتوبة أو شفهية. إنه على العكس شركة روحية مع المسيح الذي يمنح لنا حياة جديدة. وفي النهاية نلخص كل ما سبق ونقول إن موقف المسيح من العهد القديم وبالطبع من طريقة تفسيره لم يعتمد في أي حالة على التقليد اليهودي أو هويته اليهودية لكن فقط على وعيه وإدراكه لشخصه وعمله أي على وعيه بهويته ورسالته أنه المسيا.

 

هذا هو السبب الرئيسي الذي جعل تفسير يسوع للعهد القديم مختلف اختلافا جذريًا وغير مفهوم لدى معاصريه من اليهود. وليس السبب هو مجرد اختلاف في المنهج التفسيري. ووفق المقاييس التفسيرية التي طبقها اليهود على الناموس، أُتهِمَ المسيح من قِبل خصومه اليهود كخائن للناموس ومجدف على الله، لذلك كان يجب أن يموت (يو9: 7، اقتباس من اللاويين24: 16).

إن أسفار العهد القديم قد فُهِمت عند المسيح كإنجيل أول للخلاص، بينما فهمها اليهود كمبرر لموته!! في حالة اليهود نرى مدى مأساوية طريقتهم في التفسير التي تَصِّر على فهم الكتاب حرفيًا. أما المسيح فبإدراكه أنه المسيا وابن الله شعر بأنه مرتبط بالعهد القديم وأيضًا بأنه في حرية تامة أمام العهد القديم. لذا لجأ المسيح بلا تردد إلى التقليد المسياني للعهد القديم أي إلى الأسفار التي تتنبأ عنه “كمسيا”  ” عبد يهوه ” (إش53)، لكي يشرح عمله الماسياني (على سبيل المثال انظر مت8: 17).

ومن الناحية الأخرى كان المسيح يدرك أن العمل الذي يتممه هو في الواقع عمل أخروي كان مُنتظرًا أن يُتمم في العصر المسياني من المسيح نفسه. هذا يعنى أن المسيح يعمل ويتحدث باسم يهوه نفسه وبسلطانه. على سبيل المثال، يرسل الله ملاكه لكي يهيئ الطريق قدامه (مت11: 10)، يغفر خطايا (مر2: 5)، يتمم عمل يهوه في العصر المسياني (لو7: 22)، كلامه لا يزول (مت24:35) مثل كلام يهوه في وصايا الناموس.

يضع تشريع خاص بدلاً من، ” سمعتم أنه قيل للقدماء “.. فيقول ” أما أنا فأقول لكم “. إن المسيح في الإنجيل الرابع يعلن أو يكشف عن علاقته الفريدة بالآب، يشدد على ألوهيته ويتحدث بنفس سلطان الآب عن نفسه ” أنا هو”.

إن العهد القديم يُفَسر كنص للإعلان الإلهي، وله تطلع مسياني فقط داخل ملء المسيح وليس العكس، وهذه الحقيقة استند عليها الرسول بولس في (2كو3: 6ـ18) والآباء المفسرين عندما نادوا بأنه قبل المسيح لا يمكن لأحد أن يفهم العهد القديم. لذا مارست الكنيسة تفسيرها الكتابي على أساس الإيمان الصحيح والمستقيم عن شخص وعمل المسيح وهذا المبدأ يرجع بلا شك إلى المسيح نفسه والتقليد الإنجيلي والرسولي الأول.

 

[1] هذه سلسلة من المحاضرات أُعطيت في كورس الدراسات الآبائية الذي ينظمه المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية منذ عام 2002م في مادة الآباء والكتاب المقدس.

تفسير الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى (3) تفسير العهد القديم بواسطة العهد الجديد

تفسير الكتاب المقدس عند الآباء

تفسير الكتاب المقدس عند الآباء

تفسير الكتاب المقدس عند الآباء

الكتاب المقدس هو حياة الكنيسة ودستورها يُفسَّر من خلال عظات آبائها وسيرهم، فنتعرف من خلالهم على السيد المسيح الذي هو رأس الكنيسة، فالآباء هم الذين أُعطوا أن يفسّروا لنا الكتاب المقدس بنعمة الروح القدس العامل فيهم، فآبؤنا هم الذين اقتنوا روح الرب القدّوس، الذي منحهم الاستنارة لكي يفسّروا كلمة الحق باستقامةٍ، يساعدنا على تحويل الكلام الإلهيّ إلى غذاء قابل للهضم يتغذى به كل واحد منا على قدر قامته.

فكما يقول القديس أُغسطينوس نحن لم نعرف الكتاب المقدس إلاَّ من خلال الكنيسة والآباء هم الكنيسة، فهم الذين جعلوا الكتب في متناول أيدينا، وأن الكلمة الإلهيّة لا تنفصل عن كلمة الآباء الذين يفسّرونها .. أن يقولوا: هذا حق وذلك باطل، صار بإمكانهم أن يَفصلوا، باستقامةٍ كلمة الحق.

الكتاب المقدّس هو كلمة الله، فمَن يستطيع أن يفسّره لنا غيره؟ فلما كان لا يعرف الله إلاَّ روح الله القدوس العامل في الآباء القديسين، لذا منحهم الاستنارة لتفسير الكتاب المقدس.

إن ما يُميّز الكنيسة الأرثوذكسية – سِرّ وحدتها – يرجع أن تفسيرها للكتاب المقدس مبنيُّ على أُسس آبائية، فلولا تفسيرات الآباء لكان لكل واحد تفسيره حسب رؤيته الشخصية كما يدعو البروتستانت إلى ذلك، وهذا هو سبب انقسامهم لطوائف عدة، لكن لكي نحافظ على “الإيمان الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (يه3)، لابد أن يكون فهمنا للكتاب المقدّس مبنياً على تسليم آبائيّ فيكون لنا سقف فوق رؤوسنا لا نعلو عنه، وإطار نلتزم به حتى يكون لنا سياجاً واقياً.

فمع تعدد التأملات، هناك في الوقت نفسه وَحْدَة في الروح، وحدة في الكلمة، وحدة في عمل الله، وهذا ليس بغريب طالما الروح واحد، وهذا ما يرفضه بعض الدارسين اليوم، مما يقودهم إلى الضلال الذي إذا تمادوا فيه يؤدي بهم إلى سلسلة لا تنتهي من الهرطقات.

كتابنا لا ينفصل عن خبرات الآباء القديسين وتعاليمهم، وسيرهم لا تنفصل عن الكتاب المقدس معاشاً ومُشخَّصاً في حياتهم، إذاً نحن نقرأ ونفهم ونتعلم في إطار التعليم الآبائيّ الأصيل.

يقول القديس أثناسيوس الرسوليّ: [“الذين يبعثون بالهرطقات الباطلة فيستخدمون كلمات الكتاب المقدس، لكنهم لا يتمسكون بما تسلمناه من القديسين، ناظرين إلى أن ما يتسلموه من القديسين هو من تقاليد الناس، هذا خطأ إذ هم لا يعرفون مَن هم القديسين ولا ما هي قوتهم؟! لذلك مدح معلمنا القديس بولس الرسول أهل كورنثوس، لأن أفكارهم كانت متفقة مع التقاليد التي سلمهم إياها.

وقد وبخ الرب اليهود قائلاً لهم: “وأنتم أيضاً لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقليدكم؟!” وذلك لأنهم غيَّروا الوصايا التي استلموها من الله بحسب فهمهم مفضلين اتباع تقاليد الناس.

أما القديس بولس الرسول فقد أصدر توجيهاته إلى أهل غلاطية الذين كانوا في خطر من هذا، كاتباً لهم يقول: “إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»[1]].

معنى كلمة تفسير

كلمة تفسير مصطلح يونانيّ αίϵѵημρϵ҅، يعني: ترجمة من لغة أجنبية إلى لغة معروفة عند القاريء، أو عَرض جوهر الأمور بطريقة سهلة وواضحة.

ويرتبط هذا المصطلح بالأمور الدينية لدى اليونانيين، فهو مرتبط باسم الأله “هرمس ςημρϵ҅ ” إله المعرفة والكلام عند اليونايين القدماء، لذا نجد أهل لسترة يدعون بولس بـــ “هرمس”، “إِذْ كَانَ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ فِي الْكَلاَمِ” (أع 12:1)، وهرمس عند الغنوسيين هو الحامل للكلام الشفهيّ، والمكتوب أيضاً المساعد للبشر على المعرفة الصحيحة وفهم الأمور المعقدة، لذا كان هرمس المفسر لإرادة ومشيئة الإلهة[2].

هذا وقد كان اليونانيون في حاجة إلى التفسير الرمزيّ، لمساعدتهم في فهم الأعمال الدينية والأدبيّة للشعراء والكُتَّاب القُدامَى، أمثال هوميروس الذي كتب روايتين هامتين هما الإلياذة والأوديسيّة، وقد كان لهما تأثير على الفلسفة الهيلينية[3]، لقد كان هذا المنهج التفسيريّ لأعمال الأدباء وليد الاعتقاد بأن هناك حكمة سِريّة تختفي وراء النص اللغويّ، والكلمات ما هي إلاَّ ستار أو حجاب يُغطي الحقيقة المخفية والتي مصدرها إلهام إلهيّ[4].

في المدرسة الرواقية[5] قُسِّم المنهج التفسيريّ إلى نظامين وهما:

الرمزيّة الطبيعية: وهي التي تختص بالإلهة والعالم.

الرمزيّة الإخلاقيّة: وهي التي تختص بواجبات الإنسان.

 

انتقال أسلوب التفسير الرمزيّ من اليونانية إلى اليهودية والمسيحية

انتقل المنهج التفسيريّ من اليونانية إلى اليهودية والمسيحية، ولكننا نجد أن هناك فروقاً بينهما[6] كالآتي:-

1- الرمزيّة اليونانية ليس لها قواعد او قوانين تحدها إطلاقاً، بل للكاتب حرية مطلقة في تطبيق التفسير، بينما في اليهودية والمسيحية الرمزيّة لها إطار محدَّد تتحرك في داخله، وخليفية تاريخيّة، واتجاه محدد وهو خطة الله للخلاص.

2- التفسير في البيئة اليونانية عملية ثانوية قليلة الأهمية تُوضّحِ حقيقة فقط، بينما في اليهودية والمسيحية ليس فقط إعلان حقيقة مَعرفية، بل تمتد إلى أن تملأ الحياة والفكر من واقع الكتاب المقدس “اَلْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ روُحٌ وَحَيَاةُ” (يو 63:6).

التفسير في اليهودية

في البيئة اليهودية كان الناموسيون والكتبة هم المفسرون للكتاب المقدس، فيما يختص بالناموس وتطبيقاته والحيَاة اليومية مستعيناً بتقليد الشيوخ، وتُعُد أهم كتب التفسير والتقليد في اليهودية هي:-

  1. المدراش[7]:-

وهو يوضح التفسير والنتيجة، كما يتم تفسير الأدب المدراشيّ عن طريق قواعد تفسير محددة مثل السبعة قواعد التي صاغها الرّابي هليل (حوالي 30 ق.م)، وقد اتسعت بعد ذلك لتصل إلى 32 قاعدة تفسيرية في القرن الثاني الميلاديّ[8].

ويتناول المدراش تفسير الكتاب المقدس على النحو التالي:

1- التفسير الحرفيّ للنص أو (Peshat).

2- التفسير الرمزيّ للنص القانونيّ أو (Remez) وهو الأسلوب المتبع في الشروحات التي تتناول الشريعة أو الهَلَكا.

3- التفسير الرمزيّ للنصوص التاريخيّة والشعرية والنبوية (Darush)، وهو الأسلوب المتبع في الهَجَدة.

4- التفسير الصوفيّ للنص أو(Sod)، وقد انتشر بصورة خاصة بعد سقوط أورشليم في أيدي الرومان عام (71م)، عندما أسس الرابي “هلّيل Hillel مدرسة “الكابالا  Cabalaخارج أسوار أورشليم، وقد وصلتنا هذه التفاسير الصوفية من خلال كتابات الآباء في القرون الأربعة الأولى.

5- علم التفسير الأرقام Gematria.

6- علم تفسير الألفاظ Notarikon، وهو يُبسط معاني بعض الألفاظ التي استخدمت في المدراش لتُلخص عبارة ما أو جملة بكاملها: والعبارة إخثيس ΥΣϴΧІ مثلاً، التي اُستخدمتْ في الكنيسة الأولى تلخيصاً للجملة: يسوع المسيح ابن الله المخلِّص،ρ ́ηԏωΣ σόʼɩΥ ϵόςϴ ςόԏσɩΧρ ς ̂ѵοσηІ وهذا مثال على اقتباس الآباء الأولين أسلوب النوتاريكون (علم تفسير الألفاظ).

7- علم تفسير الألفاظ الذي يقوم على استخدام كلمة واحدة ليضع الكلمة ذاتها في لفظة جديدة، (وهذا الأسلوب اُستخدم في زمن الاضطهاد منعاً لوقوع النصوص الكتابيّة وخاصة النبوية منها – كسفر الرؤيا – في أيدي غير المؤمنين، ومن ثمَّ إساءة تفسيرها واستغلالها سياسياً)، وهذا العلم يُسمَّى “التيمورا Temoorsh، ومثال ذلك نجد سفر الرؤيا (رؤ 16:16) عدة ألفاظ، مثلاً: “فجمعهم إلى الموضع الذي يُدعَى بالعبرانية هرمجدون”، وهرمجدون= روما هجدول أي روما الكبيرة.

مثال على التفاسير اليهودية للربان هليل:

لو جاء الفصح اليهوديّ يوم سبت، فهل من تعارض بين الاحتفال بالفصح وعمل ما يستلزم لذلك، مع الاحتفاظ بوصية الراحة في السبت!!

هنا تُفسَّر على أساس تطبيق مبدأ من الأصغر إلى الأكبر، فراحة السبت وصية مقدسة، والفصح أمر مقدس أيضاً، حيث إن التقدمة الصباحية والمسائية تُقدم في الهيكل يوم السبت، ولا يمكن أن تُبطل تقدمة المساء والصباح بحجة احترام راحة يوم السبت، فكم بالأحرى يسري هذا الأمر على تقدمة حمل الفصح.

كذلك استخدم السيد المسيح القواعد التفسيرية للرابونيين، فمثلاً عندما كان يسير مع تلاميذه بين الزروع، يوم السبت، وكان التلاميذ يقطفون السنابل، قال له الفريسيون: “انْظُرْ لِمَاذَا يَفْعَلُونَ فِي السَّبْتِ مَا لاَ يَحِلُّ؟” (مر 24:2)

أجابهم السيد المسيح مطبقاً قاعدة التفسير من الأصغر للأكبر “فَقَالَ لَهُمْ أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ احْتَاجَ وَجَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ مَعَهُ” (مر 25:2)، فقد طبق هذا القانون الذي فعله داود حين جاء إلى أخيمالك الكاهن، هو والذين معه وكانوا جياع، ولم يكن هناك أكل، فأكلوا خبز التقدمة الذي لا يحل أكله إلاَّ للكهنة (1صم21: 1-6)، على ما فعله التلاميذ يوم السبت[9].

  1. التلمود תּלּמּךּךּ[10]

التلمود هو مجموعة تفاسير الناموس والتوراة. يحتلّ التلمود مكانةً هامة داخل الديانة اليهودية، فهو يُعَدُّ من أهم الكتب الدينية عند اليهود، وهو الثمرة الأساسيّة للشريعة الشفوية، أي تفسير الحاخامات للشريعة المكتوبة (التوراة)، والتلمود مُصنَّف للأحكام الشرعية أي مجموعة القوانين الفقهية اليهودية، وسِجل للمناقشات التي دارت في الحلقات التلمودية الفقهية اليهودية حول المواضيع القانونية والوعظية.

وقد أصبح التلمود مرادفاً للتعليم القائم على أساس الشريعة الشفوية السماعية، وقبلت إلى جانب الشرائع المدوّنة في أسفار موسى الخمسة،[11] وقد اُستخدمت الموسيقى كطريقة فعّالة في حفظ التلمود قاموا بتلحينه[12]. توجد نسحتان من التلمود وهما: التلمود الفلسطينيّ والتلمود البابليّ، وقد كتبتا في أوقات متباعدة، واختلفتا في المضمون وأسلوب العرض واللغة[13]:-

التلمود الفلسطينيّ :-

وينسبه اليهود خطأ إلى أورشليم (القدس) فيقولون “الأورشليميّ، مع أن القدس كانت قد خلت من المدارس الدينيّة بعد هدم الهيكل الثاني، وهكذا فقد تمّ تجميعه في بلدة إريز Erez في إسرائيل وليس في أورشليم، وقد كانت لغته هي الأرامية الغربية[14]، وعمل الحاخامات على إنشاء مدارسهم في يفنه وصفورية وطبرية، كما أطلق يهود العراق على التلمود الفلسطينيّ اسم “تلمود أرض يسرائيل”، وأطلقوا عليه أحياناً اسم “تلمود أهل الغرب” نظراً لوقوع فلسطين إلى الغرب من العراق.

يرجع تاريخ التلمود الفلسطينيّ إلى منتصف القرن الرابع للميلاد، وكُتب على يد الربان يوحنان بن نبحة مؤسس أكاديمية طبرية، وهو يكتفي بالشرح أو التحاليل لنص المشنا مع سرد مناقشة غير مطوّلة بين الأحبار، ويعتبر المرجع الفصل في كلِّ نظرية فقهية ومعاملة تشريعية، وهو يتميّز بالاقتضاب.

التلمود البابليّ:-

وهو نتاج الأكاديميات اليهودية في العراق، وتبلغ حجم مادته ثلاثة أضعاف التلمود الفلسطينيّ، مما جعله يحتل منزلةً رفيعةً ويغدو مرجعاً هاماً لا غنى عنه، ومن صفاته انه يفتح باب النقاش واسعاً، فلا تنتهي إلى قول مرجّح، لذا قال عنه الرابي ‘سحق “إن التلمود البابلي هو التلمود القانوني، لأنه اُستُكمِل بعد تلمود أورشليم بمائة وخمسين سنة”[15].

أقسام التلمود[16] :-

يُقسَّم التلمود إلى قسمين رئيسيين وهما: المشنا والجمارا.

المشنا Mishnah :-

وهي مجموعة قوانين اليهود السياسية والحقوقية والمدنية والدينية (التفاسير التشريعية للناموس)، التي تتضمّن القواعد والأحكام بغير نقاش غالباً، والمشنا أشبه ما تكون بالكتاب القانونيّ أو مصَّنف الأحكام الشرعية والفقهية التي تدعى “هالاغا” أي المذهب أو المسلك أو الطريق الذي يذكّر بالأحكام والفرائض والتشريعات الواردة في أسفار “الخروج واللاويين والتثنية والاشتراع”، ويوضح الحلال والحرام والطهارة والنجاسة وغيرها ممّا ورد ذكره في التوراة وفسّره الفقهاء اليهود، ووضعوا له حدوداً وقيوداً تلائم حاجة العصر الذي كانوا يعيشون فيه.

الجمارا Gemara :-

الجمارا – أو الإضافات – مجموعة أخرى ضُمَتْ إلى المشنا واستقلتْ بهذا الاسم، وأصلها من عمل المعلّمين الذين كانوا في عصر الربانيّ يهوذا ولم يكونوا أعضاء في مجلسه، فقد عملوا من جانبهم على جمع روايات أقل شهرة، كما جمعوا الروايات التي استبعدها يهوذا من مشناه، ولكن هذه لم تكن قليلة الأهمية، ولم يمكن التخلي عنها، ومنها أقوال وروايات نَتَجَتْ عن مدرسة عقيبا وإسماعيل، ونُسِجَتْ حولها شروح وتفاسير في أقوال المعلمين Amoraim

فرأى الدارسون أن يجمعوا ذلك كله مع بعض الأحكام الشرعية Halachath، والإجابات عن المشاكل التي عرضت، كل ذلك جُمع أخيراً وكون الجمارا، وهي بمعنى الإنهاء والإنجاز، وهي، كما هو واضح، وسعت المشنا، أنها تحوي أحكاماً ومواداً ليست في المشنا، منها القديم الذي لم يأخذه يهوذا، ومنها المُستحدَث.

لم تُجمع الجمارا إلاَّ بعد 300 عام من اكتمال المشنا، وقد ثار جِدال طويل بين المفسرين حول المواد التي تكوّنت منها الجمارا، وبالرغم من كونها مُجمّعة من الروايات الشفوية والمشنا، كان يراد لها أن تكون معتمدة على نصوص التوراة، وقد كُتبت باللغة الآرامية.

من المشنا والجمارا معاً يتألف التلمود الذي هو نتيجة تفاعل الشريعة المكتوبة مع أوضاع الحيَاة المتغيرة والحاجات الطارئة، فهو يُعتبَر بمثابة سجل حافل يُبيِّن خلال المناقشات والشروحات والأمثلة والردود والروايات، كيف كان اليهود يحاولون تطبيق الوصايا والفرائض التوراتية في حياتهم اليومية، وحين يصطدم التطبيق العمليّ بالنصوص المقدسة تبدأ المشكلة بالظهور وتكثر الاجتهادات، بينما يتصاعد البحث عن الحلول والمخارج.

التفسير في المسيحية

استخدم الآباء في الكنيسة الأولى التفسير بمعنى شرح، يهتم بتوضيح نص أو صياغته بالنسبة لمشاكل عصرهم اللاهوتيّة أو السلوكيّة.

التفسير موهبة يذكرها معلمنا القديس بولس الرسول في موهبة ترجمة الألسنة “لآخر ترجمة السنة” (1كو 1″12)، “أَلَعَلَّ لِلْجَمِيعِ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ؟ أَلّعَلَّ الْجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يُتَرْجِمُونَ؟ ɩσѵοѵ́ϵѵμηρϵɩδ” (1كو 30:12).

وتتضح أهمية التفسير من خلال حديث فيلبس مع الخصيّ الحبشيّ “فَبَادَرَ إِلَيْهِ فِيلُبُّسُ يَقْرَأُ النبيّ إِشَعْيَاءَ فَسَأَلَهُ: «أَلَعَلَّكَ تَفْهَمُ مَا أَنْتَ تَقْرَأُ؟» فَأَجَابَ: «كَيْفَ يُمْكِنُنِي إِنْ لَمْ يُرشِدْنِي أَحَدٌ؟». وَطَلَبَ إِلَى فِيلُبُّسَ أَنْ يَصْعَدَ وَيَجْلِسَ مَعَهُ” (أع8 :30، 31)، والرب يسوع نفسه فسّر لتلاميذه بعض الأمثلة، وفسَّر لتلميذي عمواس “الأُمُورَ الْمُخْتصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” (لو 27:24).

دور الآباء في تفسير الكتاب المقدس:-

نحن لا نعرف الكتاب المقدس إلاَّ من خلال الكنيسة، لذلك يقول القديس أغسطينوس: “لو لم يحركني سلطان الكنيسة الجامعة لما آمنت بالإنجيل”[17]، كذلك يقول القديس باسيليوس: “إن الكنيسة هي صوت الإنجيل الحيّ”، فمن خلال الكنيسة نستلم الأسفار القانونية ونميّزها عن الأصفار المنحولة.

التعليم حُفظ لطريقة حية في الكنيسة، لأن الروح أعطى ذلك للآباء، والكنيسة كانت تُعلِّم “مشافهة” وأودعت كلمة الله ووطدتها في النفوس “فصوت الإنجيل الحيّ” لم يكن مجرد تلاوة لكلمات الكتاب، بل كان إعلاناً لكلمة الله كما سُمعت وحُفظت في الكنيسة بقوة الروح الذي يفعل فيها دائماً ويحييها، فيرى القديس إيريناؤس أن الرسل هم الذين حملوا ملء الحقيقة إلى الكنيسة: “فكل ما يتصل بالحقيقة أودع في أيديهم بأكثر وفرة”[18]

فالكنيسة والكتاب لا ينفصلان ولا يتنقضان. فالكتاب، أي فهمه الصحيح موجود في الكنيسة فقط، لأن الروح يوجهها ويرشدها، ولذلك أكد العلاَّمة أوريجانوس وحدة الكنيسة والكتاب، وكانت مهمة المفسّر عنده هي الإعلان عن كلمة الروح فيقول: “يجب أن ننتبه عندما نُعلم لئلاّ نقدم تفسيرنا الخاص بدلاً من تفسير الروح القدس”[19]، هذا الأمر يبقى مستحيلاً خارج التقليد الرسوليّ المحفوظ في الكنيسة. فالعلاَّمة أوريجانوس شدّد على التفسير “الجامع” للكتاب، كما هو مقدّم في الكنيسة: “لنصغ في الكنيسة إلى كلمة الله التي تُقدَّم على نحو جامع”[20]، أما الهراطقة فيتجاهلون “قصد” الكتاب الحقيقيّ، ويقول أيضاً: “فالذين يقدمون كلام الله من دون أن يُقرنوه بقصد الكتاب وبحقيقة الإيمان ويزرعون قمحاً يحصدون شوكاً”[21].

يقول القديس كيرلس عمود الدين: “إنه من الصعب جداً أن نشرح الأسرارالإلهيّة، حيث إنها تنتمي إلى العالم الروحيّ، بينما الطبيعة البشرية الفاسدة والذهن المريض لا يسمحان بمعاينة المجد الإلهيّ معاينة كاملة”[22]، كما يؤكد على أن يكون المفسّر على وعي بالأساسيّات التي ستساعده على فهم الأسرار الإلهيّة، هذه الأساسيّات تتعلق بإيمان الكنيسة.

يرى القديس إيريناؤس أن تفسير الكتاب المقدس ينبغي أن يُشرَح على أساس الكتاب نفسه، حيث يقول في كتابه ضد الهرطقات: “تفسيرات نصوص الكتب المقدسة لا يمكن شرحها إلاَّ من الكتب المقدسة نفسها”[23]، وهذا يعني أننا لا يمكن أن نأخذ آية ونشرحها منفصلة عن الكتاب المقدس، فالكتاب المقدس بعهديه وَحْدَة واحدة لا تتجزأ.

كما يوضح القديس إيريناؤس ذلك في المثل الآتي: صورة جميلة لملك من الفسيفساء صنعها فنان ماهر ورصعها بأحجار كريمة، قام الهراطقة بتقطيع هذه الصورة الجميلة إلى قطع، ثم حاولوا إعادة تجميعها ولكن ليس إلى صورة الملك، بل إلى صورة كلب أو ثعبان، ثم زعموا أن هذه هي الصورة التي رسمها الفنان الأول، ويعللون ذلك بأن الحجارة المستخدمة، هي الحجارة عينها التي استخدمها الفنان الأول”[24]، حيث إنهم يبررون هرطقتهم بآيات كتابية، لكن ليس في المعنى السليم الذي اُستخدمت فيه بل يبترون عبارات تخدم هرطقتهم.

يقول القديس إيريناؤس أيضاً “هذه هي طريقتهم (أي الهراطقة) التي لم يتنبأ بها الأنبياء، ولا الرّب علّم بها، ولا الرسل سلّموها لنا، فهم يفتخرون بصوت عالٍ أنهم يعرفون أكثر من الآخَرين، وهم يستندون في هذا إلى مصادر خارج الكتاب المقدس”[25]، “أنهم يحاولون أن يجعلوا أمثال الرّب أو أقوال الأنبياء أو كلمات الرسل، تتوافق مع أقوالهم بطريقة تجعل الناس يصدقونهم حتى لا يبدو تلفيقهم أنه بدون مرجع، فهم يتجاهلون نظام الكتب المقدسة وترابطها مع بعضها، وبتجاهلهم لهذا الترابط الذي يكمن فيه أساس الحق، فإنهم يفككون أعضاء الحق”[26].

هذا هو عمل الهراطقة في الكتاب المقدس، يأخذون آية ويهملون باقي النصوص، أو يأخذون جملة من موضوع ما بما يخدم بدعتهم ويتفق مع رغباتهم الدنيئة، فالتقليد يهاجمونه تماماً لأنه يجمع النموذج “أي الوسيلة التي توصلنا إلى الهدف، أي الخلاص غاية إيمانكم هو خلاص نفوسكم”.

مدارس تفسير الكتاب المقدس:

هناك منهجان لتفسير الكتاب المقدس …

1- منهج مدرسة الإسكندرية اللاهوتيّة:

اشتهرت مدرسة الإسكندرية – التي كانت معقل العالم المسيحيّ الأول – بالتفسير الرمزيّ Allegorical، استخدم القديس أكْلِمَنْضُس هذا النوع من التفسير؛ إذ نرى أن التفسير الرمزيّ للكتاب المقدس يشبه بتولية العذراء، حتى بعد أن ولدت المسيح، كذلك الكتاب المقدس يلد لنا الحق الذي نأخذ منه التأملات ولا يزال بتولاً[27].

نَظَّمَ أوريجانوس قواعد هذا التفسير، ومن القواعد التي وضعها أوريجانوس أننا نفهم الكتاب المقدس بثلاث طرق[28]:-

التفسير الحرفيّ أو المعنى السطحي وهو يناسب البسطاء من المسيحيّين.

التفسير السلوكيّ “الأخلاقيّ” وهو للتهذيب ودرجة أعلى من التفسير الحرفيّ.

التفسير الروحيّ Typology  ويتهذّب به الكاملون.

كما يقول العلاَّمة أوريجانوس: “إن هناك علاقة بين المستويات الثلاثة وبين خلق الله للإنسان نفساً وجسداً وروحاً، فالمعنى الحرفيّ يقابل مستوى الجسد Body وهو يناسب البسطاء من المسيحيّين، والتفسير السلوكيّ أو الأخلاقيّ يقابل مستوى النفس Soul  ونستشفه من الأحداث ونعيش به، والتفسير الروحيّ يقابل مستوى الروح Spirit، وهو خاص بالكاملين الذين يكتشفون فيه المفاهيم الروحيّة العميقة ويتلاقون مع المسيح”[29].

التفسير الروحيّ يشير إلى الطبيعة الإلهيّة، بينما الحرفيّ والتاريخيّ إلى الطبيعة البشرية للكلمة المتجسد، وكل منهما يعملان بغير اختلاط ولا انفصال، وكل منهما يشير إلى الآخَر، فالتفسير الروحيّ يشير إلى اللاهوت، والتفسير الحرفيّ يشير إلى الناسوت الذي يقودنا إلى ألوهيته، ويُعطي مصداقية تاريخية لحقيقة التجسد.

كما يرى العلاَّمة أوريجانوس أن التفسير أحياناً يكون على مرحلتين فقط وليس ثلاثة، فقد يخلو النص من التفسير الحرفيّ الذي يقابل الجسم، ويكون ذلك عندما يكون الكلام مجازياً، ويعتمد في ذلك على الستة أجاجين المستخدمة في التطهير كانت تسع لمطرين أو ثلاثة: “سِتَّةُ أَجْرَانٍ مِنْ حِجَارَةً مَوْضُوعَةً هُنَاكَ حَسَبَ تَطْهِيرِ الْيَهُودِ يَسَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِطْرَينِ أَوْ ثلاَثَةً” (يو 6:2) فيقول “الذين يدعوهم الرسول (يقصد معلّمنا القديس بولس الرسول) يهوداً في الباطن (راجع رو 29:2) أنهم تطهّروا بكلام الأسفار، لأنهم يسعون تارة مطرين أي يتقبلون فهم النفس والروح، وأحياناً ثلاثة حينما يمكن أن يحتمل النص … فالاجاجين الستة الذين تطهروا وهم في العالم، أننا نقرأ أن العالم وكلّ ما فيه قد اكتمل في ستة أيام”[30].

التفسير الرمزي:-

يرى القديس أكْلِمَنْضُس السكندريّ أن الثوب الملون الذي أعطاه يعقوب أبو الآباء ليسوف الصديق إشارة إلى المعرفة المتنوعة[31]، كما يفسر قول السيد المسيح “وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتاً أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَباً أَوْ أُمَاً أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَداً أَوْ حُقُولاً مِنْ أَجْلِ اسْمِي يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ الحَيَاة الأَبَدِيَّةَ” (مت 29:19)، بأن الأب يعني ترك الحق المدنيّ، وترك الأم يشير إلى الموطن أو القوت[32].

ويفسّر عدد عبيد إبراهيم الذين أُسروا، وكان عددهم “318 عبداً”، بأنهم إشارة إلى صليب السيد المسيح فعدد 300 يُكتب T، وال 18 تكتب IH، ال318 تُكتب [IHT] صليب يسوعَ المسيح.

كذلك العلاَّمة أوريجانوس يرى أن ابنة فرعون التي انتشلت موسى بعد أن وضعتْه أمه في سفط مطليّ بالقار، تشير إلى كنيسة الأمم التي جاءت إلى النهر لتغتسل من خطاياها، فالنهر يشير إلى المعمودية، وموسى الموضوع في سفط مطلي بالقار، يشير إلى الناموس الذي وقع أسيراً في يد الأمة اليهودية، حتى تحرّر وجاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله فيقول إن ابنة فرعون: “بحضورها إلى مياه المعمودية تأخذ الكنيسة الناموس “موسى” الذي كان مختبئاً في صفط من البرديّ ومطليّ بالحمرة والقار”[33].

كما يفسرّ قول السيد المسيح عندما سأله تلميذه يوحنا: “رَبِّي أَيْنَ تَمْكُثُ؟ فَقَالَ لَهُمَا تَعَالَيَا وَانْظُرَا. فَأَتَيَا وَنَظَرَا أَيْنَ كَانَ يَمْكُثُ وَمَكَثَا عِنْدَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ. وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ (يو1 38 ،39)، فيقول العلاَّمة أوريجانوس (تعاليا) دعوة للعمل، (انظرا) دعوة للتأمل؛ فالسيد المسيح يدعو البشريّة للحياتين معاً العملّية والتأملية[34].

كذلك فسَّر قول يوحنا المعمدان عن السيد المسيح “هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي الَّذِي صَارَ قُدَّامِي الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقِّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ” (يو 27:1)، يقول أوريجانوس: “إن هذا الحذاء هو سر التجسد؛ حيث ظهر الله في اللحم والدم بإنسانية كاملة، وأن يوحنا المعمدان حسب نفسه غير أهلٍ لإدراك هذا السر”.

في تفسير أوريجانوس لقول موسى النبيّ لفرعون “فنذهب ثلاثة أيام في البرية نذبح للرب إلهنا” (خر 3:5)، إن الطريق الذي يقطعونه في مسيرة ثلاثة أيام هو طريق الرب الذي قال عن نفسه “أنا هو الطريق والحق والحّيّاة”، فهذه الثلاثة أيام كما جاءت في رومية “لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبَّ يَسُوعَ وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ خَلَصْتَ” (رو 9:10)، لذلك يرى أن فرعون الذي قال لموسى لا تذهبوا بعيداً؛ كان كالشيطان يريد أن يعطل المؤمنين عن طريق الخلاص، وعلى نفس المنوال سار إبراهيم ثلاثة أيام لكي يقدّم ابنه إسحق[35].

كما يرى في قضيب اللوز مثال قويّ لنظريته، فالغلاف الخارجيّ المر الذي يسقط عند نضوج اللوزة، يمثل المستوى الحرفيّ الذي عاق اليهود عن بلوغ المعرفة الحقيقية، والغلاف الداخليّ السميك الذي لابد أن نكسره لكي نصل إلى الثمرة الحقيقية، يشير هذا الغلاف إلى التفسير الأخلاقيّ أو السلوكيّ، الثمرة الداخلية التي تؤكل، تشير إلى التفسير الروحيّ الذي هو غذاء الحيَاة الأبدية[36].

كما فسّر معجزة شفاء ابنة خادم الملك (يو4 : 36-53)، فخادم الملك هو إبراهيم الذي تضرّع إلى السيد المسيح، لكي يشفي ابنه إسرائيل المريض بمرض عضال.

كذلك فسّر إقامة لعازر من الأموات، بأن لعازر هو المسيحيّ الذي يريد أن يرجع إلى الحيَاة الأممية، والذي يُشار إليها في المعجزة بالقبر، بينما الأقمطة واللفائف التي رُبط بهما يشيران إلى الخطايا، وبالتوبة يمكن للإنسان أن يخرج من القبر، أما مسألة بقائه مربوطاً حتى بعد أن يخرج من القبر تشير إلى مهمة الكنيسة في أن تحل المربوطين.

التفسير الرمزي وخطورته:-

اعتمدت مدرسة التفسير الرمزيّ للكتاب المقدس على آية “لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلَكِنَّ الرُّوحَ يُحْيي” (2كو 6:3)، لهذا بَاَلَغَ أوريجانوس في التفسير الرمزيّ للكتاب المقدس على أساس أن حرّفية الناموس قاتلة بسبب عصيان الكلّ له، أما روح الإنجيل فهو واهب الحيّاة.

كما كان أوريجانوس مغالياً في استخدام المعنى الرمزيّ للأسماء والأعداد لدرجة أنه أهمل التفسير الحرفيّ بعد ذلك حيث قال: (أن التفسير الحرفيّ يقابل الجسد وأن الكتاب المقدس ليس له جسد)، وصل لدرجة أنه أنكر بعض الحقائق مثل وجود حروب دموية، أو فلك نوح، أو كذب إبراهيم بقوله عن ساراي أنها أخته؛ مظهراً أن هذه الحقائق لها تدابير باطنية تحمل رموزاً روحية، لم تقبل الكنيسة هذه الطريقة الرمزيّة بهذا الشكل المتطرف، ومع ذلك ينبغي الإقرار بالتأثير القويّ لــ “فيلو اليهودي” على كل المقالات في القرون الأولى.

وأيضاً التلاميذ بسبب رغبتهم في أن يعرفوا وقت حدوث ما قاله الرب، توسلوا إليه قائلين “قل لنا متى ستكون هذه الأمور، وما هي علامة مجيئك؟” (مت 3:24)، أرادوا أيضاً أن يعرفوا زمنها (مت 36:24)، وذلك لكي لا يضلوا، وأيضاً لكي يتمكنوا من تعليم الآخَرين، فإنهم بعد أن عرفوا، فقد صححوا أفكار الذين كانوا على وشك الضلال من أهل تسالونيكي[37]”.

والقديس كيراس عمود الدين من بين الذين أشادوا بهذه المدرسة، كذلك القديس ديديموس الضرير الذي له ثلاث طرق متلازمة في تفاسير الكتاب المقدس، ألا وهي التفسير الحرفيّ ويعقبه التفسير التاريخيّ ثم التفسير الرمزيّ، فكان يقرأ فقرة ثم يفسرها تفسيراً حرفياً ثم تاريخياً ثم روحياً، وفي أغلب الأحيان كان يتحاشى التفسير التاريخيّ فهو لا يرى أن يعمل عمل مؤرخ.

كذلك خارج الإسكندرية نجد أن كلّ من القديس باسيليوس الكبير، والقديس غريغوريوس النزينزيّ قد اتخذا العلاَّمة أوريجانوس مُعلماً لهما[38]، وسارا على مدرسته التفسيرية، كما كان هيسيخيوس الأورشليميّ أيضاً يتبع نفس المدرسة.

2- منهج مدرسة انطاكية:

تبنّت مدرسة التفسير الحرفيّ Literalist Interpretation ، وقد قام به لوكيانوس في النصف الثاني من القرن الثالث، كرد فعل للمبالغة في التفسير الرمزيّ.

وقد كانت مدرسة أنطاكية مشابهة لمدرسة الإسكندرية، إذ كانت تقوم على الجهود الفردية للمعلمين، ولم يكن لها منهج أو تخطيط علميّ، ولكنها لم تكن مستديمة يتعاقب عليها المدرسون على التوالي كمدرسة الإسكندرية، لكنها كانت تتبنى اتجاهاً لاهوتياً، وبالأخص تتميز بنمط مُعَّين في تفسير الكتاب المقدس[39].

قاومتِ المدرسة الأنطاكية التفسير الرمزيّ لمدرسة الإسكندرية، معتمدة فقط على التفسير الحرفيّ (حقيقيّ أو مجازيّ) وهو المنهج اللغويّ أو الحرفيّ، التاريخيّ. يقوم هذا المنهج على التفسير البسيط حسبما تشرحه اللغة، لذا دعي “المنهج اللغوي أو الحرفيّ”. كما قام على تأكيد الحقائق التاريخيّة كما وردتْ في الكتاب المقدس كحقائق واقعية وليست أعمالاً مجازية رمزية، لذا سمى أيضاً بالمنهج التاريخيّ، مستبعدة تماماً المعنى الروحيّ الذي استبدلوه بالتعليم الأخلاقيّ.

ومن مشاهير المدرسة، نسطور الهرطوقيّ الذي أُدين في مجمع أفسس سنة (431م)، وديؤدور أسقف طرسوس، وثيؤدور أسقف موبسويست، وأهم عظماء هذه المدرسة مارِ أفرام السريانيّ، القديس يوحنا ذهبيّ الفم، العلاّمة ترتليانوس.. ويقول المستشرق الفرنسيّ L.Le Camus: إنَّ تيودور ويوحنا فم الذهب وتيودوريت ساروا على طريقة مار أفرام في شرح الكتاب، وهو يأخذ الحقائق الواردة في الكتاب المقدس خاصة العهد القديم كحقائق واقعية فهي ترفض الرمزيّة .Allegorism

ومع ذلك ظهر لدى آباء أنطاكية ما يُعرَف بالثيؤريا Theoria، وهو نوع من الرمزيّة والتأمل، يقوم على أساس ما يُسمى بالنمطية Tipology بشرط ألاَّ تكون الرمزيّة اجتهاداً شخصياً، ويتضح ذلك من الأمثلة الآتية:-

يفسر مارِ افرام السريانيّ ما جاء في نبوءة إشعياء “لأُنشِدَنَّ عَنْ حَبِيبِي نَشِيدَ مُحِبِّي لِكَرْمِهِ. كَانَ لِحَبِيبِي كَرْمٌ عَلَى أَكَمَةٍ خَصِبَةٍ. فَنَقَبَهُ وَنَقَّى حِجَارَتَهُ وَغَرَسَهُ كَرْمَ سَوْرَقَ وَبَنَى بُرْجاً فِي وَسَطِهِ وَنَقَرَ فِيهِ أَيْضاً مِعْصَرَةً فَانْتَظَرَ أَنْ يَصْنَعَ عِنَباً فَصَنَعَ عِنَباً رَدِيئاً. وَالآنَ يَا سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ وَرِجَالَ يَهُوذَا احْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرْمِي. مَاذَا يُصْنَعُ أَيْضاً لِكَرْمِي” (إش5 :1-4)، حيث يشبّه إشعياء إسرائيل بكرم نصبه الله وسيَّجه وبنى في وسطه برجاً وحفر فيه معصرة، ولكن عوض أن يُعطي الكرم أعطى حصرماً، فرذله صاحب الكرم،

يقول مارِ أفرام: “كان لله حبيبي كرم في رابية خصبة، حرثه بالخيرات والآداب، وحوَّطه بسياج شريعته وغرس فيه أغصان كرمه وهم الصدّيقون والنسّاك، وبنى برجاً في وسطه أعني مملكة ومحكمة، وحفر فيه معصرة أعني كهنوتاً وذبيحةً، وانتظر أن يُثمر عنباً أعني أعمالاً صالحة، فأثمر حصرماً برياً وخرنوباً أعني أعمالاً رديئةً… ولهذا يقول الرّب إنّي أقوّض برجه فيكون معرضّاً للنهب والسلب.. وأخرق جدار شريعته فيصبح مدوساً تطأه الشهوات التي كلف بها..”.

كما يُفسِّر هذه الآية “وَأَجْعَلُهُ خَرَاباً لاَ يُقْضَبُ وَلاَ يُنْقَبُ” (إش 6:5) بهذه العبارة: “فمعناه أنّه تعالى يتخلّى عن الاهتمام به. وقوله اوصي السحاب لا يمطر عليه مطراً معناه أنَّه يمنع الأنبياء عن أن يتنّبؤا له…”[40].

في هذا النموذج نرى جليّاً طريقة مارِ أفرام في التقيّد بالنصّ الكتابيّ، وتفسيره بالمعنى الحرفيّ الذي ينسجم أكثر مع الواقع والحقيقة.

فسَّر القديس مارِ أفرام السريانيّ معجزة تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل، بقوله “إن في الخمر دخول عجيب للطبيعة البشرية في رحم العذراء (دون زرع بشر)”، كما يرى أن مريض بركة بيت حسدا لم يُشفَ لعدم الكفاية الخلاصية للناموس، وأن المولود أعمى الذي اغتسل في بركة سلوام إشارة إلى المعمودية المقدسة التي نحصل منها على الخلاص[41].

يعتمد منهج الثيؤريا على أن معاني عبارات الكتاب المقدس لها معنى حرفيّ؛ وتقبل التفسير بالثيؤريا دون أن يكون لها معنى رمزيّ فقط، وجود ثاؤريا لحدث أو بعض آيات الكتاب المقدس يكون فيه شيء من التطابق وليس اجتهادياً، مثل وجود نص صريح عن الحيّة النحاسية “وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الحيّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ. هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإنسان” (يو 14:3)، ومن الأمثلة على ذلك منهج القديس يوحنا ذهبيّ الفم …

منهج القديس يوحنا ذهبيّ الفم:-

على الرغم من أن القديس يوحنا ذهبيّ الفم يتبع مدرسة أنطاكية، حيث لم يستخدم الرمزيّة خاصة في العهد القديم، وفي نفس الوقت لم يهاجم مدرسة الإسكندرية، إلاَّ أنه يرى[42]:-

1- توجد عبارات في الكتاب المقدس لا تُفسَّر إلاَّ بتفسير رمزيّ مثل سفر نشيد الأناشيد، أو عبارات مثل يد الرب، عينا الرب، يمين الرب، نزل الرب …

2- عبارات تقبل الاثنين معاً الحرفيّ والثاؤريا، فيؤكد ذهبيّ الفم على أن ذبح إسحق حقيقة تاريخية، وفي نفس الوقت فيه رمز للصليب[43]، كما أن نهر الأردن يُشير إلى المعمودية؛ ولكنه في نفس الوقت حقيقة، وعبور شعب بني إسرائيل فيه، قصة واقعية وليست رمزية فقط.

في تفسير القديس يوحنا ذهبيّ الفم للمزمور 150 “سبحوا الله بالطبل والمزمار”، يشرحها بطريقة روحية، فيشير إلى إماتة الجسد، حيث إن الطُّبول تُصنَع من جلود الحيّوانات الميّتة، والمزمار إلى التأمل في السماء، ولكنه لا يتغاضى عن التفسير الحرفيّ فيرجع ويقول: “أما أنا فأعتقد أن النص يعني تنازل الله لقبولنا بضعفنا البشريّ فيجب أن نُسبح مجده بفرح مستخدمين هاتين الآلتين”[44].

3- عبارات آخرى لا تقبل إلاَّ التفسير الحرفيّ فقط، مثل عبارة “خبزنا كفافنا أعطنا اليوم”، إذ يرى القديس يوحنا ذهبيّ الفم أنها لا تُفسَّر إلاَّ حرفياً، فالله يقدّم وصية لأُناس لهم جسد، وهذا الجسد له احتياجات[45]، وهو بذلك على العكس مِن العلاَّمة أوريجانوس الذي يرى أن الخبز هو خبز الطعام الباقي وليس الماديّ.

في تفسير ذهبيّ الفم لقول السيد المسيح في الموعظة على الجبل “طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ” (مت 5:5)، نجد أن القديس يوحنا ذهبيّ الفم يرفض أيَّ تفسير رمزيّ لها، ولا يقبل إلاَّ التفسير الحرفيّ، فيقول: “أخبروني عن إيِّ أرض يتكلّم الرّب؟

يقول البعض إنها أرض رمزية، كلا ليس الأمر كذلك، لأننا لا نجد في الكتاب المقدس كله أيَّ ذكر لأرض رمزية، فما معنى القول إذن؟ إن الرب يعد لنا مكافأة حسيّة، مثلما يقول معلّمنا القديس بولس الرسول أيضاً “أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِي أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ” (أف 2:6)، ويُضيف: “لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَار عَلَى الأَرْضِ” (أف 3:6)، والرّب نفسه يقول للص اليمين “الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ” (لو 43:23)، فهو لا يعدنا بالبركات العتيدة فقط، بل وبالحاضرة أيضاً، لأجل الذين يسعون إليها من سامعيه ذوي الطبيعة الأرضية جداً”[46].

كذلك قول السيد المسيح أيضاً: “كُنْ مُرَاضِياً لِخَصْمِكَ سَرِيعاً مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي الطَّرِيق لِئَلاَّ يُسَلِّمَكَ الْخَصْمُ إِلَى الْقَاضِي وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الشُّرَطِيِّ فَتُلْقَى فِي السِّجْنِ” (مت 25:5)، يفسرها القديس يوحنا ذهبيّ الفم قائلاً: “يبدو لي أنه يتحدّث عن قضاة هذا العالم، والطريق إلى محكمة العدل، وعن هذا السجن”[47].

الآباء والربط بين العهدين:

يقول السيد المسيح في حديثه في الموعظة على الجبل “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْيِيَاءَ مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأَكَمِّلَ” (مت 17:5) والكنيسة تقرأ العهد القديم بجانب العهد الجديد: “كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحي بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ والتَّوْبِيخِ لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ” (2تي 16:3).

لقد شهد السيد المسيح للعهد القديم بقوله “لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ” (يو 35:10)، وقال للفريسيين “وَأَنْتُمْ أَيْضاً لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصِيَّةَ اللَّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ؟” (مت 3:15)، يقصد بوصية الله الناموس، كما قال أيضاً “فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَو نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ” (مت 18:5)، لقد ربط المسيح بين ضلال اليهود وابتعادهم عن كلمة الله – العهد القديم في ذلك الوقت

حين قال “تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللَّهِ… أَفَمَا قَرَأْتُمْ مَا قِيلَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ” (مت22 :29 ،31)، “فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّنونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي” (يو 39:5)، كما استشهد به السيد المسيح في التجربة على الجبل “مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإنسان بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللَّهِ” (مت 4:4)، “مَكْتُوبٌ أَيْضاً: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ” (مت 7:4)، مَكْتُوبٌ: لِلرَّبَّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ” (مت 10:4).

السيد المسيح طبّق الناموس في حياته على الأرض، فاُختتن في اليوم الثامن، وقدّموا عنه زوجي يمام أو فرخي حمام بعد أربعين يوماً من ميلاده تتميماً لشريعة التطهير، كذلك كان يدخل المجامع اليهودية، وقال للأبرص بعد شفائه بأن يذهب “أّرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ وَقَدِّمْ عَنْ تَطْهِيرِكَ مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى شَهِادَةً لَهُمْ” (مر 44:1).

† العهد القديم يحوي رموزاً ونبوات عن المخلِّص؛ ولهذا يخلُص معلّمنا القديس بولس الرسول إلى الحقيقة العظيمة “إِذاً قَدْ كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ، لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالإيمان” (غل 24:3)، كذلك حديث السيد المسيح مع تلميذي عمواس “ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” (لو 27:24)، وفي حديثه مع التلاميذ في العلية بعد القيامة “قَاَلَ لَهُمْ: هَذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وِأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ أُنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَاَلأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ” (لو 44:24)، “حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ” (لو24 : 44 ،45).

ويتحدّث السيد المسيح عن ألوهيته وموته وقيامته على أنها أمور مذكورة في الكتب، أي العهد القديم، وقد أشار إلى ذلك السيد المسيح مرّات عديدة، منها نبؤة معلمنا داود النبيّ في (مز 1:110) بأنه ربه، قال “كَيْفَ يَقُولُ الْكَتَبَةُ إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟ لأَنَّ دَاوُدَ نَفْسَهُ قَالَ بِالروُّحِ الْقُدُسِ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مِوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ فَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَدْعُوهُ رَبّاً. فَمِنْ أَيْنَ هُوَ ابْنُهُ؟” (مر12 :35-37)،

خاصة في (مز22) و(إش53) “وَأَخَذَ الاِثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ: هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَسَيَتِمُّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِالأَنْبِيَاءِ عَنِ ابْنِ الإنسان لأَنَّهُ يُسَلَّمُ إِلَى الأُمَمِ وَيُسْتَهْزَأُ بِهِ وَيُشْتَمُ وَيُتْفَلُ عَلَيْهِ وَيَجْلِدُنَهُ وَيَقْتُلُونَهُ وَفِي الثَّالِثِ يَقُومُ” (لو18: 31-33).

ولكننا في نفس الوقت نجد أن السيد المسيح صَحَّحَ مفاهيم اليهود حول الناموس:

اليهود فهموا الناموس فهماً حرفياً، مثال ذلك الختان، الذي لم يُفهَم سوى على أنه مجرّد عمليّة ظاهرية، تمس الجسد فقط دون الروح، عاشوا حرف الوصية بدون روحها “لأَنَّ الْيَهُودِيَّ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ هُوَ يَهُودِيّاً وَلاَ الْخِتَانُ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ فِي اللَّحْمِ خِتَاناً بَلِ الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ وَخِتانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْخِتَانُ الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنَ اللهِ” (رو 2: 28 ،29)،

فماذا ينفعك الختان في حالة عدم عملك بالناموس: “فَإِنَّ الْخِتَانَ يَنْفَعُ إِنْ عَمِلْتَ بِالنَّامُوسِ. وَلَكِنْ إِنْ كُنْتَ مُتَعَدِّياً النَّامُوسَ فَقَدْ صَارَ خِتَانُكَ غُرْلَةً!” (رو 25:2)، فحين أن الأمميّ الذي يعمل بالناموس الطبيعيّ، غرلته تصبح ختاناً “إِذاً إِنْ كَانَ الأَغْرَلُ يَحْفَظُ أَحْكَامَ النَّامُوسِ أَفَمَا اُحْسَبُ غُرْلَتُهُ خِتَاناً؟” (رو 26:2).

السيد المسيح صحّح مفهوم الوصيّة، أوضح لهم أهميّة الروح لا الحرف، حيث اقتصرت معرفة اليهوديّ بالناموس على العلم والمعرفة الحرفيّة به، والافتخار بأن لهم ناموس وأنهم أولاد إبراهيم “أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: لِوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمِ!” (يو39:8)،

فمثلاً السيد المسيح أوضح في كلامه عن السبت المفهوم الصحيح للوصية “ثُمَّ قَالَ لَهُمُ: السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإنسان لاَ الإنسان لأَجْلِ السَّبْتَ إِذاً ابْنُ الإنسان هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضاً” (مر2: 27 ،28)، “وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ تَحَرَّرْنَا مِنَ النَّامُوسِ إِذْ مَاتَ الَّذِي كُنَّا مُمْسَكِينَ فِيهِ حَتَّى نَعْبُدَ بِجِدَّةِ الرُّوحِ لاَ بِعِتْقِ الْحَرْفِ” (رو 6:7)، تحرّرنا ليس من الناموس، بل من الفهم الخاطيء للناموس.

السيد المسيح لم ينقض وصايا العهد القديم بل عمق الوصية، نقل حدودها، كانت الوصية في العهد القديم تُناسب حالة الشعب اليهوديّ الذي أفرّزه الرب من وسط أمم تعبد الأوثان…

“قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عِلِى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ” (مت5 :21 ،22).

“قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرِأةٍ لِيَشْتَهِيهَا فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ” (مت5 : 27 ،28).

“وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَقِ. وَأمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنّى يَجْعَلُهَا تَزْنِي وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي” (مت5 :31 ،32)

“أَيْضاً سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَتَحْنَثُ بَلْ لأَوْفِ لِلرَّبَّ أَقْسَامَكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ لاَ بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللَّهِ. وَلاَ بِالأَرْضِ لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ وَلاَ بِأُورُشَلِيمَ لأَنَّهَا مَدِينَةُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ. وَلاَ تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ. بَلْ لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ لاَ لاَ. وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّيرِ” (مت5 :33-37).

“سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌ بِسِنً. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضاً” (مت5 :38 ،39).

“سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْل الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُنَكُمْ” (مت5 :43 ،44).

منذ وقت مبكر استشهد الآباء بنصوص من العهد القديم ومن أمثلة ذلك:

† يُورد القدّيس أكْلِمَنْضُس الرومانيّ في رسالته إلى كورنثوس الكثير من الاستشهادات الكتابيّة من العهدين القديم والجديد[48]، كذلك في الرسالة الثانية إلى المتبتلين: (المنسوبة إليه) يقول: “… لنبحث ونختبر ذلك الناموس (العهد القديم) والعهد الجديد” (7:2)، فهُنا كاتب الرسالة يحثنا على قراءة الكتب المقدسة العهدين معاً.

† يقتبس القديس بوليكاربوس من الأسفار القانونية: “لا تتأخروا عن عمل الرحمة لأن الصدقة تخلّص من الموت” (الرسالة إلى فيلبي10) الواردة في (طوبيا 11:4).

† الرسالة المنسوبة لبرناباس (القرن الثاني) توضح أن المسيحيّين هم الورثة الحقيقيون للعهد القديم؛ لأن اليهود لم يفهموه، كما أنهم فسروه حرفياً لا روحياً، واهتموا بشكليته فقط، أما المسيحيّون فهم الذين فهموه فهماً روحياً، كما أنه يَذكرُ عن العهد القديم “إنه كتاَبنا، أما هم ففقدوه إلى الأبد” (6:4 ،7)

كما يقول أيضاً: “لم يكن الناموس لليهود، فقد تلقاه موسى ولكنهم لم يستحقوه وإنما أُعد للمسيحيين منذ البدء، وإذا كان موسى قد تلقاه فإنه لم يكن إلاَّ خادماً، أما نحن فتسلَّمناه من السيد نفسه أننا أهل الميراث ولأن السيد تألم لأجلنا” (4:14).

† العلاَّمة القديس بنتينوس، يذكر عنه تلميذه القديس أكْلِمَنْضُس الإسكندريّ “كان كالنحلة الحقيقية التي تجمع رحيق الأزهار، من المروج النبوية والرسوليّة (أي أسفار العهد القديم والجديد) ليغرس في نفوس سامعيه ذخيرة معرفة غير فاسدة”[49].

† القديس أكْلِمَنْضُس السكندريَ يتناول في كتاب (المتفرقات الكتاب السادس ف 125:25) الاتفاق بين شريعة العهد القديم وشريعة العهد الجديد.

† ذكر بلاديوس في كتاب مشاهير الرجال عن القديس ديديموس الضرير: “لقد فهم ديديموس كل نصوص العهد القديم والجديد، وكان راسخاً بدرجة كبيرة في شرح الإيمان، وأنه بالبراهين القاطعة وبالدراسة العميقة تجاوز السابقين عليه جميعاً.

† محاولة الماركيونيين قطع العهد الجديد عن جذوره في القديم، فقُوبلتْ هذه المحاولة بمقاومة نشيطة وأٌدينت من الكنيسة العظمى.

† يروي يوستين الشهيد في دفاعه أنه انجذب للمسيحية بقراءة العهد القديم، وقد حاول في حواره مع تريفو أن يُثبت حقيقة المسيحية من العهد القديم، كما يرفض الاقتراح بأن العهد القديم هو فقط صلة ربط بين الكنيسة والهيكل اليهوديّ، بالنسبة له العكس صحيح تماماً، حيث إنه لم يعد العهد القديم ينتمي لليهود بل هو يخص الكنيسة وحدها.

وبالتالي كنيسة المسيح هي إسرائيل الجديدة الحقيقية الوحيدة، لم تكن إسرائيل القديمة سوى كنيسة غير نامية، بحسب استعمالها في كنيسة الفترة الأولى، كلمة “الكتب” ذاتها عنَت قبل كل شيء العهد القديم، وبهذا المعنى تُستعمَل بشكل جليّ في قانون الإيمان “كما في الكتب

أي بحسب نبوءات الشريعة القديمة ووعودها، كما يذكر لنا أيضاً قراءة العهد القديم في الليتورجيات فيقول “إنه في اليوم الذي يُدعى يوم الرب ( ̑ηκαɩρѵK) يجتمع الشعب كله وتُقرأ أسفار العهد القديم، والرسل (كتابات العهد الجديد)، بحسب ما يسمح الوقت، وحينمت ينتهي المعلِّم من الكلام يُعطى رئيس الاجتماع (رئيس الكهنة) الإفخاريستيّ عظة يحثنا فيها على الاقتداء بسير أولئك القديسين”[50].

† يُوصي آباء الكنيسة بضرورة قراءة العهد القديم، فيقول ذهبيّ الفم “كل الكتاب يهب تعزية للذين يُصغون إليه، كما يرى أن مسيحياً بغير معرفة الكتب المقدسة (العهدين) كعامل بغير أدوات”[51]، كما يقول “العهدان مرتبطان معاً، ومتضافران كل منهما مع الآخر”[52]، كما يقول “نستطيع أن ننال تعزية وفيرة ليست في العهد الجديد وحده، إنما في العهد القديم أيضاً”[53].

كذلك يرى أن الذي ليس على دراية بالكتب المقدسة يشبه “مَن يعمل في منجم بغير خبرة في هذا الفن، فإنه يخلط بين الأشياء النفيس والتراب، بل ويضيع عمله هباءاً …هكذا الذين لا يفهمون الكتاب المقدس، ولا يراعون خصوصياته وقوانينه، بل يسيرون في كل نقطة من محتوياته بإهمال من غير حكمةـ يمزجون الذهب مع التراب، ولا يكتشفون الكنز المخفى داخله”[54].

وفي رده على المانويين يعارض إدّعائهم في وجود فرق شاسع بين العهد القديم والعهد الجديد، حيث أنهم يقولون أن إله التدبير (العهد) القديم صارم وعادل، في حين أن إله العهد الجديد هو إله الحُب. فيؤكد القديس يوحنا على إن المُشرع في الاثنين (العهدين) هو مُشرع واحد، فالعهد القديم هو ممهد ومسبق للعهد الجديد، فوصايا السيد المسيح تُكمل الشريعة اليهودية[55].

† يُعبِر القديس أُغسطينوس عن موقف الآباء من العهد القديم بقوله “العهد الجديد هو إتمام العهد القديم”، يسوع المسيح هو المسيّا الذي تكلَم عنه الأنبياء، فيه تحققت كل الوعود والنبوات. فالناموس والإنجيل متلائمان، فمن هنا نرى أن الكتاب المقدس بعهديه وَحْدَة واحدة، فالسيد المسيح هو محور نبوات العهد القديم.

ويقول أيضاً “إن العهدين القديم والجديد يمثلان وحدة لا انفصال فيها، إذ يُعبِّران عن خطة العناية الإلهيّة، ويقودان إلى المسيح“، وكان في تفسيره لأحداث الكتاب المقدس يربط بين العهدين، فيبرهن على سمو العهد الجديد في علاقته بالعهد القديم، فعندما فسّر معجزة تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل، أظهر أن النبوة في العهد القديم لها طعم المياه لو فُهمت مستقلة، ولها طعم الخمر لو فُهمت ونُسبت إلى المسيح.

كذلك عندما فسّر معجزة شفاء مريض بركة بيت حسدا، فسرها على أن البركة تُشير إلى الشعب اليهوديّ، والأعمدة الخمسة هم أسفار موسى الخمسة التي ليست لها إمكانية لشفاء البشر، “لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه، لأن بالناموس معرفة الخطية” (رو 20:3)، ولكن الخلاص والتبرير تم بالسيد المسيح الذي جاء وشفى المريض بدون الناموس دون الماء والبركة.

كما يُفسِّر معجزة إقامة لعازر من الأموات بأن لعازر الميت هو الإنسان الخاطيء، وأن الحجر الذي كان على القبر هو الناموس، وقول السيد المسيح “ارفعوا الحجر” (يو 39:11) تعني “أكرزوا بالنعمة”، كما أن قول السيد المسيح لتلاميذه “حلوه ودعوه يذهب” (يو 39:11)، هو منح لسلطان حل الخطايا على الأرض[56].

يقول القديس كيرلس الأورشليميّ “الكتب المقدسة الإلهيّة المُوحى بها: كل العهد القديم والعهد الجديد، هي التي تُعلّمنا، فإن إله العهدين هو واحد، فقد أُخبرنا في العهد القديم عن المسيح الذي يظهر في العهد الجديد، والذي قادنا من خلال الشريعة وأنبياء إلى مدرسة المسيح، إذ “كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ” (غل 24:3)، إذا سمعتَ أحد الهراطقة ينطق بشر على الناموس والأنبياء أجبْه بكلمات المخلِّص، إذ جاء يسوع لا لينقض الناموس بَلْ ليكمله (مت 17:5)”[57].

تفسير الكتاب المقدس والكنيسة الأولى

 

 

[1]  – القديس أثناسيوس الرسوليّ الرسالة الفصحية الثانية. N & P .N . F .ser. 2,vol. 4 – Festal Letters:2.

[2]  – د. جوزيف موريس فلتس – الآباء والكتاب المقدس – مقدمة كتاب شرح وتفسير آباء الكنيسة لأناجيل وأحاد السنة التوتية – مؤسسة القديس باسيليوس – ص 20.

[3]  – رشدي حنا عبد السيد – الفلسفة اليونانية القديمة – مقدمة عامة ص 5.

[4]  – جورج عوض ابراهيم – تفسيرات الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى – دورية مركز دراسات الآباء – السنة التاسعة العدد17، يناير 2007، ص81.

[5]  – الفيلسوف زينو Zeno  مؤسس المدرسة الرواقية في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الثالث قبل الميلاد.

[6]  – جورج عوض ابراهيم – نفس المرجع السابق ص 82.

[7]  – Midrash  اسم عبريّ من الفعل العبريّ “دَرَش” ويعني “درس وبحث وفحص بدقة تامة”، وكان شائعاً في القرن الأول الميلاديّ، وهو شرح للمنهج التفسيري المتبع في التليمود، ويختص فيه بالنصوص التفسيرية العقائدية، وهي تتناول شرحِ الأحداث التاريخية والنبوات والكتب الشعرية في العهد القديم، ولم يكن للمدراش شكل تفسيريّ يشرح النصّ الكتابيّ آية آية، إلا أنه في أغلب الأحيان توسيع وإسهاب لهذا النصّ في طريقة تقويّة تبني المومنين.

[8]  – القاموس الموسوعيّ للعهد الجديد – فيرلين د. فيربروج – الناشر دار الكلمة 2006 ص 241.

[9]  – جورج عوض ابراهيم – تفسير الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى 2 – دورية مركز الدراسات الآباء – يوليو 2006 – ص73.

[10]  – التلمود كلمة مشتقة من الجذر العبريّ الذي يعني الدراسة والتعلّم، كما في عبارة«دراسة الشريعة»، وتعود كل من كلمة «تلمود» العبرية وكلمة «تلميذ» العربية إلى أصل سامي واحد.

[11]  – روجيه غارودي “فلسطين أرض الرسالات السماوية” – ترجمة قصي أتاسي – ميشيل واكيم – الطبعة الأولى 1988 دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر.

[12]  – راهب من دير البراموس – التلمود نشأته وتاريخه – الطبعة الثانية 2002 – ص18.

[13]  – قصة الحضارة – و.ل.دبوراتت – 1975، ج3، المجلد الرابع، ص 10-39.

[14]  – راهب من دير البراموس – التلمود – مرجع السابق – ص 70.

[15]  – راهب من دير البراموس – التلمود – مرجع السابق – ص 62.

[16]  – راهب من دير البراموس – التلمود – مرجع السابق – ص36-38، التلمود كتاب اليهود المقدس، دار قتيبة، دمشق 2006.

[17] – V.f.epistolum fundaminti 6.

[18]  – ضد الهراطقة 3، 4، 1

[19]  – تفسير رومية 1، 3، 1.

[20]  – في تفسير اللاويين، العظة 4، 5

[21]  – في تفسير إرميا العظة 7، 3

[22]  – شرح إنجيل يوحنا11 – ترجمة مركز دراسات الآباء PG74. 646AB   

[23]  – ضد الهرطقات 12:9:AH3  

[24]  – ضد الهرطقات 9:1: AH1

[25]  – على نفس هذا المنوال مَن يترجمون كتابات غريبة دون إفراز أو من يتأثرون بفكر فلسفي غريب أو تعاليم هرطوقية داخل ثوب مزيف

[26]  – ضد الهرطقات 1:8: AH1

[27] – Strom. 7:16.

[28] – العلاَّمة أوريجانوس – في المباديء 4-2-4 – ترجمة الاب جورج خوام البوليسي – منشورات المكتبة البوليسية – 2002 –ص 387.

[29] – العلاَّمة أوريجانوس – نفس المرجع السابق – ص 387.

[30]  – العلاَّمة أوريجانوس – نفس المرجع السابق – ص 389.

[31] – Strom. 4.5

[32] – Strom. 4.4

[33] – In Exod. Hom, 2.4.

[34] – In Joan. t2, c29.

[35] – In Exod. Hom, 3.3.

[36]  – القمص تادرس يعقوب ملطي – آباء مدرسة الإسكندرية الأولون 2001 – ص 153.

[37] – ضد الأريوسيين 54:1.

[38] – دياكون مجدي وهبة – آباء الكنيسة والكتاب المقدس – دورية مركز دراسات الآباء – يناير 1998 .ص 55.

[39] – P Schaff , History of chrision church,1910, vol. 2,p.816.

[40] – مُعرَّباً من مخطوطة في مكتبة دير الشرفة ترجع إلى القرن الثاني عشر.

[41]  – تفسير المعجزات في إنجيل يوحنا عند آباء الكنيسة ومعلميها 2 – الكتاب الشهريّ – بيت التكريس مارس 2006 – ص26

[42]  – عن القمص تادرس يعقوب ملطي – القديس يوحنا ذهبيّ الفم 1980 – ص 141 .. In Ps. , hom 9:4

[43] – In Psalm . PG55 :209.

[44] – In thes. , hom3. عن القمص تادرس يعقوب ملطي- القديس يوحنا ذهبيّ الفم 1980 – ص 138.

[45] – In Mat. , hom 19:8.

[46] – In Mat. , hom 15:5.

[47] – In Mat. , hom 16:13.

[48]  مشكاة الطلاب في حل مكشلات الكتاب – طبعة 1929 ص168.

[49] – Clem. Stromata 1:1.

[50]  – الدفاع 67:1.

[51]  – القمص تادرس يعقوب ملطي – القديس يوحنا ذهبيّ الفم – 1980 – ص

[52] – In Mat, home 47:7.

[53]  – De Paralyt.  عن القمص تادرس يعقوب ملطي – القديس يوحنا ذهبيّ الفم – 1980 – ص 135.

[54] – In Jon, hom 40:1.

[55] – J. Quasten.Patrology. Vol. 3, P.437.

[56]  – تفسير المعجزات في إنجيل يوحنا عند آباء الكنيسة ومعلميها 2 – الكتاب الشهريّ – بيت التكريس مارس 2006 – ص24

[57]  – القديس كيرلس الأورشليميّ – مقالات لطالبي العماد 33:4 – عن القس تادرس يعقوب ملطي – كيرلس الأورشليميّ 1970 – ص 123،124.

تفسير الكتاب المقدس عند الآباء

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

الأساليب الأرثوذكسية في التفسير الكتابي

الأساليب الأرثوذكسية في التفسير الكتابي

الأساليب الأرثوذكسية في التفسير الكتابي

ما هي الأساليب الأرثوذكسية في التفسير الكتابي؟ هل يمكن أن تقدم لنا أمثلة عن كل أسلوب؟

يمكن ويجب عل المسيحيين الأرثوذكس أن يستعملوا نتائج دراسات علماء الكتاب المقدس القادمين من خلفيات أخرى، طالما هذه النتائج على اتفاق مع التقليد الأرثوذكسي. فقد درس اللاهوتيون الكاثوليك والبروتستانت الكتاب المقدس بعمقٍ. وقد أعطونا النصوص الكتابية العبرية واليونانية والتي قريبة جداً من المخطوطات الأصلية بمقدار ما هو ممكن. لقد تعلّموا الكثير عن الظروف التاريخية التي سادت في إسرائيل القديمة والكنيسة الأولى، مستعملين الاكتشافات العلمية في مجالات علم الآثار، وعلم الاجتماع، والتحليل الأدبي وما شابه.

من هذه المصادر طوّروا ما ندعوه الاقتراب “التاريخي – النقدي” للكتاب المقدس. لا يعني هذا النقد بالمعنى الدارج. إن اللفظة اليونانية krisis تدل على “التمييز” و “المحاكمة”. أسلوبهم العلمي مكنهم من اتخاذ قرارات حول أسئلة مثل مصدر الكتابات الكتابية: كيف ومتى ولماذا وأين ولمَن كُتبت. قدّموا أيضاً معلومات مهمّة حول معنى تلك الكتابات، وحول أهميتها اللاهوتية والروحية.

علينا كأرثوذكس أن نأخذ هذه الموجودات بعين الاعتبار عندما نحاول أن نفسّر الكتاب المقدس بأنفسنا، سواء كنّا مفسّرين مهنيين، أو كهنة أو أشخاصاً آخرين مدعوين للتبشير والتعليم، أو علمانيين يقرأون لاستنارتهم الذاتية أو لنقل جوهر الرسالة الكتابية إلى الآخرين. على كل حال يوجد تمييز مهمٌ يجب أن نمارسه بهذا الخصوص. فالأساليب العلمية، مثل الأسلوب التاريخي – النقدي والتحليل القصصي، يمكن أن تقدّم لنا معلومات خام. فعلى كلِ تلميذ للكتاب المقدس أن يفسّر تلك المعلومات بحسب افتراضات معينة تعكس توجها لاهوتياً نوعياً.

غالباً ما تكون هذه الافتراضات متضاربة مع التقليد الأرثوذكسي وبالتالي يجب أن تُصحّح أو تُهمل. وحيثما تكون تفسيرات الآخرين منسجمة مع وجهة النظر اللاهوتية الأرثوذكسية، يمكننا عندئذ أن نستعملها ونستفيد منها. إن أكثر طريقة ضماناً لتقرير هذا هي أن نكتسب “ذهن الآباء”: أي أن نفترض افتراضات مشتركة بين اللاهوتيين الأرثوذكس في الكنيسة الأول. هذه الافتراضات تشمل ما يلي:

أولاً: إن “كلمة الله” غير محصورة بالكتاب المقدس أو بالتبشير، هذا التعبير يشير بالمقام الأول إلى اللوغوس الإلهي، ابن الله الأزلي، أحد أقانيم الثالوث القدوس.

ثانياً: إن تفسير الكتاب النقدي ممكنٌ فقط من خلال حضور وعمل الثالوث القدوس (من الآب، عبر الابن، في الروح القدس)، فالروح القدس “يُلهم” كلاً من مؤلّف السفر الإلهي وتفسيره الصحيح.

ثالثاً: إن المكان الصحيح للتفسير هو الكنيسة: عالم الحياة والفعل الإلهيين، والذي يقدم لنا وجهة نظر لاهوتية أساسية ضرورية للتفسير.

رابعاً: إن الكتاب المقدس بكليته هو شهادة لشخص الله في المسيح ولعمله الخلاصي. لهذا فإن العهد القديم يجب أن يُقرأ كـ”كتاب مسيحي”، ويجب النظر إلى العلاقة بين العهدين على أنهما عهد الوعد إلى عهد التحقيق (التفسير يعتمد بالتالي وبصورة كبيرة على التيبولوجيا لكشف العلاقة بين الشريعة والأنبياء من جهة، وبين المسيح والكنيسة من جهة أخرى).

خامساً: إن الأسفار القانونية قد نشأت في التقليد الشفوي لإسرائيل والكنيسة الأولى. وبكلمات أخرى فإن التقليد قد سبق كتابة النصوص الكتابية، لقد ولّد تلك النصوص وأعطى الإطار الذي فيه حملت تلك النصوص شهادتها. لهذا يجب ألا نضع الكتاب المقدس ضد التقليد كعنصرين مختلفين أو متعارضين.

الكتاب المقدس هو “القانون” أو “مقياس الحق”، جسد الكتابات المُوحي بها بالروح والذي له السلطان الفريد ضمن الكنيسة بسبب شهادته الأمينة للحقيقة التي كشفت الله. فبينما يقرّر التقليد حدود القانون، فإن الكتابات القانونية تكشف لنا الحدود الأصلية للتقليد ومحتواه: فالاثنان يتواجدان في علاقة تبادلية.

سادساً: لكي نفسّر الكتاب المقدس بصورة صحيحة يجب علينا أن “نحيا” الكتاب المقدس. فبينما يمكن للتفسير “الموضوعي” أن يقدم لنا معلومات تاريخية أو معلومات تتعلق بتقليد النص، فإنه عاجز أن يعطينا الجوهر الداخلي للكتاب المقدس. لا يستطيع التفسير “الموضوعي” أن يقودنا إلى فهم كامل للحياة والرسالة التي يسعى الروح القدس أن يكشفها لنا عبر الكتابات الكتابية.

لكي نفسّر الكتاب المقدس بصورة كاملة ودقيقة علينا أن نفعل هذا “من الداخل”. علينا أن نقبل بالإيمان الشهادة التي يقدمها الكتاب المقدس، بينما نجاهد أن نكون مخلصين للواحد الذي هو موضوع الكتاب، والذي يكشف نفسه ويجعلها قيد المنال من خلال الكتاب.

إثر سعيهم نحو فهمٍ كامل وعميق و”روحي” للنصوص الكتابية استعمل الآباءُ أساليبَ عديدة، إنما معلّق بعضها بالبعض الآخر بحيث يمكننا أن نستخدمها بصورة مفيدة في يومنا الحالي. إن أكثر هذه الأساليب أهمية هي الأسلوب بحسب النموذج Typology والأسلوب بحسب المجاز Allegory. حتى وقتنا المعاصر فإن علماء الكتاب المقدس اعتادوا على إقامة تمييزٍ جذري بين هذين الأسلوبين.

يعتقدون أن الأسلوب بحسب المجاز يشير إلى قراءة رمزية لكلمات نصٍ، لكي تكتشف المعنى ما وراء معناه الحرفي التاريخي (أي: ماذا قصد الكاتب الرسولي من هذه الكلمات أن تنقل لقرائه الأصليين). ففي أيدي المفسّرين اليهود والمسيحيين الأوائل من الإسكندرية في مصر، كثيراً ما أدّى الأسلوب بحسب المجاز إلى تفاسير غريبة لا علاقة لها بالمعنى الحرفي أو التاريخي الذي قصده المؤلّف الكتابي.

الأسلوب بحسب النموذج (والذي تطوّر بصورة خاصة في القرن الرابع في مدرسة أنطاكية التفسيرية) يشير، كما يعتقد هؤلاء العلماء أنفسهم، إلى استعمال أشخاص أو صورٍ من العهد القديم وصور مماثلة في العهد الجديد بحيث تكون بصورة أساسية تاريخية ومتعلقة ببعضها البعض من حيث الوعد والتحقيق.

إن “النموذج Type” في العهد القديم قد تمّت رؤيته متحقّقاً في “الأصل Antitype” في العهد الجديد، خاصة في شخص يسوع وفي الحياة الأسرارية للكنيسة. الأسلوب المجازي إذاً قد أُعتبر منفصلاً عن التاريخ، إذ يركز على الحقائق “الأبدية” والمعنى المتعالي. الأسلوب بحسب النموذج من جهة أخرى يجد المعني بالضبط في الحوادث والحقائق الأخرى (أشخاص، مؤسسات، وطقوس) المتأصّلة بثبات في التاريخ.

على كل حال، إن علماء الكتاب المقدس اليوم يُدركون أكثر فأكثر أن “التفسير بحسب المجاز” يُشير بالضبط إلى قراءة رمزية للنص بصورة إجمالية، وهي قراءة يمكن أن تشمل الأسلوب بحسب النموذج. إن الأسلوب بحسب النموذج كما استعمله الآباء هو أسلوب خاص بحيث يسعى، مثل الأسلوب المجازي بصورة عامة، إلى التنقيب في نص كتابي معين على رؤية أو معنى مُلهَم يتجاوز المعنى الحرفي الصرف.

خلال العصور الوسطى وخاصة في الغرب اللاتيني ميّز علماء الكتاب بين “معان” مختلفة عديدة يمكن أن تُدرك في النصوص الكتابية. فقد ميّزوا المعنى “الحرفي” على أّنه المعنى الذي قصده المؤلّف الكتابي: ماذا كان يحاول أن ينقل إلى قرّائه الأصليين فيما يتعلق بعمل الله الخلاصي. إلا أن هؤلاء الآباء، على كلٍ، قد تجاوزوا المعنى الحرفي وميّزوا معنى “خريستولوجيا”، مُدركاً بالأسلوب بحسب النموذج، وميّزوا معنى أخلاقياً Tropological يشير إلى سلوك أخلاقي لائق، وأخيراً ميّزوا معنى أخروياً أو Anagogical يشير إلى “الأمور الأخيرة” مثل القيامة العامة، والدينونة الأخيرة، والحياة في ملكوت السماوات.

تتداخل هذه المعاني المتنوعة فيما بينها، والتمييز الذي بينها هو نوعاً ما مصطنعٌ. مع ذلك، يمكن أن يكون مفيداً لنا في قراءتنا التمييز بأن أي نص كتابي معين يمكن أن يكون له بالنسبة لنا معنى يتجاوز المعني الحرفي للنص. يمكن للإدراك الأكمل والأعلى والأكثر روحانية للمعنى أو للمعاني الكتابية أن يقودنا إلى فهمٍ أعمق للمسيح، وإلى علاقة معه أكثر حميمية وإخلاصٍ، ويمكن أن يقوّي رجاءنا في النصر الأخير للمسيح على الخطيئة والموت والفساد.

إن التفسير بحسب المجاز يساعدنا على التقاط المعنى الحقيقي للكثير من نصوص العهد القديم والعهد الجديد، خاصة الأمثال التي قدّمها يسوع. فهذه (الأمثال) لا يُمكن أن تُقرأ بصورة “حرفية”، وإلا سيُساء فهمها. فمثلاً، إن “الابن الضال” (الخليع) لا يقصّ مغامرات شخصٍ فعلي، إنه صورة لكل واحد ينال من “أب” (الله) وفرة من البركات، ويُهدرها بالسلوك الخاطئ، ومع ذلك يعود إلى الأب بعملٍ متواضع من التوبة. الابن الأكبر هو صورة الذين، مثل الفريسيين، يبقون ظاهرياً أمنين للأب، ومع ذلك يخونون احتياجات البّر الحقيقي باقتصاريتهم وغيرتهم وكبريائهم.

وعلى مستوى آخر، يمكن أن يُرى الابن الضال (الخليع) كصورة للأمميين الذين يدخلون، كوثنيين سابقين، إلى الجماعة المسيحية الأولى، بينما يمثّل الابن الأكبر اليهود “المُخلصين” الذين، رغم ذلك، يستثنون أنفسهم من احتفالات بيت الأب (الملكوت) بسبب رفضهم الترحيب بأخوتهم المهتدين. من الممكن أن الرب يسوع (بواسطة الإنجيلي لوقا) قد قصد كلا هذين المعنيين، وكلا المعنيان يعتمد على تفسير للتقليد بحسب المجاز.

على كل حال، يمكن لأسلوب بحسب المجاز أن يشطّ مثل التفسير الذي له علاقة ضعيفة جداً أو لا علاقة له البتة بالقصد الأصلي للمؤلّف. فمثلاً، إن أوريجنس في القرن الثالث وحتى القديس كيرلس الإسكندري في القرن الخامس انهمكا أحياناً فرأيا في الصليب المسيح صورة أخلاقية لـ “صلبٍ” على كل مسيحي أن يخضع له في جهاده ضد الأهواء والخطيئة، أكثر من رؤيتهما لصليب المسيح على أنه نقطة انعطاف حاسمة في التاريخ يؤلّف عمل الله خلاصي الأقصى. هذه تأويل مجازي اعتسافي ولا مكان له في التفسير الكتابي الأصيل.

إن العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد مرة أخرى هي علاقة “وعد” بـ “إتمام” و”تحقيق”. تُرى هذه العلاقة بصورة ملموسة في الصور (التي بحسب النموذج) والتي توحّد العهدين معاً. إذ نستطيع أن نرى في قصة الخلق في تكوين 1 صورة نبوية للخليقة الجديدة النهائية للإصحاحات الأخيرة من سفر الرؤيا. ونستطيع أن نرى في موسى والأنبياء أشخاصاً يُعلنون ويُنذرون بمجيء المسيح مانح الناموس الحقيقي والعبد المتألّم الحقيقي. يمكننا أن نرى في الخشبة التي طرحها موسى في المياه المرّة لتحلّيها وتجعلها طيبة المذاق صورة نبوية لصليب المسيح المانح الحياة.

إن أوضح مثال من العهد الجديد عن هذا النوع من القراءة التي بحسب النموذج هو ربما الذي أعطاه القديس بولس في 1 كرونثوس 4:10. يتكلم هنا عن الصخرة التي ضربها موسى في البرية، والتي انبثقت منها المياه لتُطفئ عطش الإسرائيليين الهائمين. يوضح بولس أن تلك الصخرة “كانت المسيح”! فالصخرة هي الصورة التي بحسب النموذج للمسيح الآتي، مصدر “الماء الحي” (يوحنا 4). على كل حال إنه لأمر أساسي لأسلوب بحسب النموذج الاقتناع بأن الأصل Antitype يشترك فعلياً في النموذج وأنه حاضرٌ بمعني ما وفاعلٌ في تلك الصورة النبوية ومن خلالها.

فالمسيح، ابن الله الأزلي، يُرى حاضراً وفاعلاً في الخليقة وفي التاريخ. إنه الكلمة الذي به أحضر اللهُ كلَّ شيء إلى الوجود (“الله تكلّم”، تك 1). إنه أيضاً المصدر الأبدي “للمياه الحية”، والذي سيكون حاضراً مع شعبه في كل تاريخ إسرائيل القديم و”إسرائيل الجديد” أي الكنيسة. وبولس يوضح بأكثر المعاني حرفية: “والصخرة كانت المسيح”.

يمكن إذاً لأسلوب بحسب النموذج أن يكون مفيداً جداً في محاولاتنا لفهم معنى العهد القديم من حيث علاقته بالعهد الجديد، كما يمكن أن يساعدنا لجني فهمٍ أعمق ولتقدير عمل ابن الله في التاريخ.

يمكن لقراءات أخرى للكتاب المقدس أن تساعدنا على التقاط “معانٍ” أخرى، أخلاقية وأخروية. فيمكننا أن نرى في العلاقات بين الأشخاص المتنوعين في العهد القديم أمثلة عن سلوك يدعونا الله لتبنّيه، لكي نتغلب على حالتنا الخاطئة ونحمل الشهادة الأمينة له. فمثلاً حالة إبراهيم وإسحق: الدافع هو الطاعة الأمينة أمام تحدٍ مستحيل ظاهرياً، أو يعقوب وعيسو: الصراع لاكتساب الورثة، مما يدلّ بالنهاية على ميراثنا كـ “أبناء الله”.

ثم هناك شخص أشعياء، الكاهن والنبي المطيع، الذي دُعي ليدخل في عالم قداسة الله كمل كُشف في شخص يسوع المسيح والقديسين، والرسول بولس، الذي احتمل الاضطهادات وأخيراً الشهادة في خضم سعيه أن يحيا “الحياة في المسيح”، حيث لا يحيا هو بعد بل المسيح يحيا فيه (غلاطية 2).

أخيراً، إن القراءة الأخلاقية والأخروية للكتاب المقدس تمكننا من سماع وعود الله المتعلقة بتحقيق عمله الخلّاق، عندما يُحدث خلق الكنيسة الجديد، وهو بحد ذاته سبق تذوق للحياة في ملكوت السماوات. هذا مصوّر بصورة درامية جداً في “الرؤيا الصغيرة” في مرقس 13 (وما يوازيه)، وفي سفر الرؤيا. مع ذلك فإن تعاليم يسوع تشير دائماً إلى الحياة ما بعد هذا العالم، وتجذب انتباهنا إلى الغاية الحقيقية لوجودنا، والتي هي الشركة الأبدية مع الله في ملكوت الثالوث القدوس.

في قراءتنا للكتاب المقدس وخلال محاولاتنا لتفسير تلك النصوص لأجلنا ولأجل الآخرين، فإنه يمكننا الاعتماد على مصادر متنوعة من المعلومات والإلهام. يجب أن نتآلف مع الظروف والأوضاع التاريخية المتعلقة بالنص المعني وذلك عن طريق استعمال شروحات كتابية واستعمال نسخات للكتاب المقدس ذات حواشي تفسيرية. يمكننا أيضاً أن نختار مؤلّفين معينين، أرثوذكس أو سواهم، من الذين يستحقون الثقة والاحترام بسبب طريقة تفسيرهم للكتاب المقدس من حيث علاقة هذا التفسير باللاهوت الأرثوذكسي.

أخيراً، علينا أن نتحرك ما وراء حدود النقد التاريخي والأشكال المتنوعة من “التحليل القصصي”. وحتى نتغلغل في أعماق الكتاب المقدس نحتاج مرة أخرى أن نكتسب “ذهن الآباء”. لا يعني هذا أن نكرر ببساطة استنتاجاتهم المعلقة بمعنى نص معين (لأنه قد يختلف بعضهم مع البعض الآخر).

إنه يعني أن نحاول كما فعلوا، تحت توجيه وإلهام الروح القدس، أن “نسمع” كلمة الله وهي تخاطبنا، في أعماق ذهننا وفي أعماق قلبنا. بدون هذا المنظور – أن نحيا الإنجيل بإيمان، ورجاء، ومحبة – لن تكون النصوص الكتابية أكثر من مجرد حروف ميتة. وبمقدار ما نقرأها بوحي الروح القدس ومن منظور الآباء القديسين، فسنجدها في الحقيقة مصدراً لا مثيل له ولا يمكن الاستغناء عنه للحقيقة والحياة. (الأب جان بريك)

“سُئل مرة شيخ: كيف يمكنني أن أجد الله؟ فقال: في الصوم، في السهر، في الأتعاب، في التكرّس، وقبل كل شيء في التمييز. إني أُخبرك، لربما أذيَت جسدك بدون تمييز وغادرتنا دون أن تحقق شيئاً. أفواهنا ذات رائحة كريهة بسبب الصوم، ونحن نعرف الكتاب المقدس عن ظهر قلب، ونتلو كل مزامير داود، لكننا لا نملك ما يريده الله: المحبة والتواضع” (آباء البرية)
“اغفر يا رب للذين يغضوننا والذين يظلموننا” (صلاة النوم الكبرى)

الأساليب الأرثوذكسية في التفسير الكتابي

ما هي أفضل طريقة لدراسة الكتاب المقدس في الكنيسة الأرثوذكسية؟ ما هي معاير التفسير التي يجب أن نتبعها؟

ما هي أفضل طريقة لدراسة الكتاب المقدس في الكنيسة الأرثوذكسية؟ ما هي معاير التفسير التي يجب أن نتبعها؟

ما هي أفضل طريقة لدراسة الكتاب المقدس في الكنيسة الأرثوذكسية؟ ما هي معاير التفسير التي يجب أن نتبعها؟

خارج الولايات المتحدة نادراً ما ينخرط المسيحيون الأرثوذكس في مجموعات لدراسة الكتاب المقدس. بالطبع توجد استثناءات، مثلاً في حلقات الدراسة التي قادها مرة الأب ألكسندر مين في روسيا، أو في مجموعات دراسية صغيرة في بعض رعايا رومانية معينة. بصورة نموذجية، إن الأرثوذكس يتعلّمون عن الكتاب المقدس بواسطة طريقتين: إما من خلال القراءة الشخصية، أو في إطار الخدم الليتورجية. على كل حال، تبدو القراءة الشخصية للكتاب المقدس اليوم أنها موضع إهمال متزايد من قبل المؤمنين.

والنتيجة هي أن المؤمنين قد يكونون على إطلاع على قصص الإنجيل المقروءة في القداس الإلهي يوم الأحد أو خلال أسبوع الآلام. مع ذلك، إن جزءاً كبيراً من الإنجيل، وجزءً أكبر من الرسائل لا يُقرأ ولا يُسمع. (على سبيل المثال: إن نص بأهمية 1كورنثوس 13 لا يُسمع قط في خبرة المرء في الكنيسة؛ وعندما تُقرأ منتخبات من الرسائل في الكنيسة، فإنها كثيراً ما تكون غير مفهومة للذين ليس لديهم فكرة عن سياق الكلام).

هذا يدل على أهمية إقامة حلقات دراسة الكتاب المقدس في كنائسنا بصورة جدية وذكية وشاملة. السؤال هو كيف يمكن لهذه الحلقات أن تُشكَّل بطريقة تثقّف وتهذّب المشتركين بها، وتخدم لتعمّق وتقوّي حياتهم الروحية؟

على عكس أخوتنا الكاثوليك والبروتستانت فإنه لدينا في التقليد الأرثوذكسي مصادر قليلة نسبياً يمكن أن تساعدنا لتحقيق هذه الغاية. بالحري توجد أعمال تقنية يمكن أن تُستعمل من قبل الكهنة وسواهم من الأشخاص المدرَّبين لإدخالهم إلى علم التفسير الكتابي الأرثوذكسي (مثلاً دراسات الأب ثيودور ستيليانوبولوس، ودراسات الأب جان بريك، ومقدمات العهد الجديد للبروفسور فيسيلين كيسيتش وكتابات البروفسور يوحنا كارافيدوبولوس، والأب V. Mihoc والأب توفانا بالرومانية).

ما يفيد دراسة الكتاب المقدس بصورة مباشرة أكثر هي سلسلة الأعمال المنشورة بالفرنسية من قبل الأرثوذكس مثل: Dieu est Vivant (الله الحي) في جزأين والمكتوبة للبالغين لمساعدتهم في تعليم عناصر الأيمان الكتابي للأطفال(15)، سوية مع أعمال قريبة منها على الليتورجيا، وكلها منشورة من قبل معهد سانت فلاديمير (نيويورك).

يمكن لكاهن الرعية (أو المرشد العلماني) المزوَّد بهذه المصادر أن يشكل حلقة ضمن الرعية مفتوحة للجميع، بهدف تقديم المشاركين بها إلى محتوى الأسفار المقدسة وإلى أهميتها في خبرتهم اليومية وفي العبادة. في البدء، يمكن للحلقة أن تجتمع في مساء يوم واحد كل أسبوع أو كل أسبوعين، مع الانتباه إلى أن المشاركين يدركون أن عليهم أن يقرأوا الكتاب المقدس والتفاسير به في البيوت وذلك للتهيئة للاجتماعات.

لا يوجد “أسلوب” ثابت لدراسة الكتاب المقدس يمكن أن ننصح به. فالحلقة نفسها عليها أن تقرر أية مقاطع من الكتاب المقدس تختار وأية مصادر أو أعمال أخرى ثانوية يمكن أن تكمّل القراءة الكتابية الرئيسية. يمكن للحلقة أن تبدأ بإنجيل مرقس لتُمسك بمسار عمل يسوع البشاري وبأهم عناصر تعليمه. إن “مختصر” الأناجيل مساعد بصورة خاصة لعقد مقارنات بين تلك الكتابات لفهم كيف اختار كل إنجيلي وعدّل التقليد المستّلم في تقديمه لحياة يسوع ولعمله.

من المهم أن نتذكر أن أقدم الكتابات في العهد الجديد هي رسائل الرسول بولس، بدءاً بالرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي (حوالي 50 م). حالما تستعرض الحلقة الخط العام لبشارة يسوع كما تقدّمها الأناجيل، فمن اللائق أن تدرس رسالة أو أكثر من رسائل القديس بولس الرسول. يمكن أن نجد مقدمات بسيطة مع حواشي مفيدة للنصوص الكتابية في مصادر مثل طبعات الكتاب المقدس الإنكليزية مثل:

 Oxford Annotated Revised (or .New Revised) & Orthodox Study Bible.

يجب أن نتذكر أيضاً أن دراسة الكتاب المقدس تتطلب أن تُعقد في جو من الصلاة. يمكن لقراءة الكتاب المقدس أن تكون (ويجب أن تكون) شكلاً من العبادة، وأن تبقى يقظة لحضور الله ولحركة الروح القدس بين أعضاء الحلقة. من المهم أذاً أن نبدأ وأن نُنهي بالصلاة، لا بالصلاة الروتينية الشكلية، بل بالتضرع الهادئ المتعبد، كما يحضّ القديس أفرام السوري رهبانه قائلاً: “كلما أمسكتم بالكتاب المقدس، صلّوا والتمسوا إلى الله لكي يكشف نفسه لكم”.

ما هي أفضل طريقة لدراسة الكتاب المقدس في الكنيسة الأرثوذكسية؟ ما هي معاير التفسير التي يجب أن نتبعها؟

يجب أن نكون حذرين بخصوص المصادر الثانوية التي نستعملها كأدوات لمساعدتنا في قرأتنا. لا يوجد حتى بين اللاهوتيين الأرثوذكس اتفاقٌ دائمٌ حول معنى نص معين من الكتاب المقدس. لهذا فإن القيادة الخبيرة ضمن الحلقة الدراسية هي أمر أساسي لا مفر منه: مثل شخص أو أشخاص ذوي تدريب راسخ في اللاهوت الأرثوذكسي، والذين يستطيعون أن ينقّبوا بين التفاسير المتنوعة والاقترابات العامة للكتاب المقدس ليستخرجوا تلك التي تطابق بصورة قريبة جداً الرؤية أو المعاينة الروحية للشهادة الكتابية.

إن أفضل مرشد يُقدَّم لنا هو الآباء القديسين (ولو أنهم يختلفون فيما بين أنفسهم حول نقاط معينة). إنهم يساعدوننا نحو ما هو أساسي: أن نكتسب “ذهناً كتابياً”، موقفاً من الاحترام نحو كلمة الله كمصدر أساسي للوحي الإلهي. ليس أهم جانب من الدراسة الكتابية الوصول إلى تفسير مقبول لنصوص معينة.

أهم جانب هو الدخول في سرّ حضور الله وعمله الخلاصي ضمن التاريخ البشري وفي حياتنا الشخصية، لكي نفهم مشيئة الله ولنشارك في الفداء الذي صنعه بمقدار ما نستطيع، وأن نحمل الشهادة على محبته في يسوع المسيح، وأن نسمح لأنفسنا أن نكون “مخلوقين مجدداً” بقوة الروح القدس الساكنة داخلاً. هذا ممكن فقط بمقدار ما ننغمس في الأسفار الإلهية ليس كتأمّل بشري في الله، بل كمخاطبة شخصية من الله لنا، بهدف تغذيتنا وتحولنا بقوة كلمته. (الأب جان بريك)

“إذا كتب ملكٌ أرضي – قيصرنا – رسالةً لك، ألا تقرأها بفرح؟ بالتأكيد، بابتهاح عظيم وانتباه فائق. إن ملك السماء قد أرسل لك رسالةً، أنت الإنسان الأرضي المائت: مع ذلك فأنت تقريباً تستخف بعطية كهذه، بكنزٍ لا يُقدَّر بثمن. كلما تقرأ الإنجيل، يكون الله نفسه هو المتكلّم معك. وبينما تقرأ، فأنت تصلّي وتتحادث معه” (القديس تيخون)

“في بهاء قديسيك كيف أدخلُ أنا غير المستحق، لأنني إن اجترأتُ على الدخول معهم إلى الخد يُبكّتني لباسي، لأنه ليس هو لباس العرس، ويُقدَف بي من الملائكة مغلولاً. فطهّرْ يا رب أوساخ نفس وخلّصني، بما أنك مُحبٌّ للبشر” (صلاة الختن، أسبوع الآلام العظيم)

(15) تُرجم إلى العربية ونُشر من قبل دير مار الياس شويا البطريركي. يوجد في النسخة العربية (على الأقل) خطأ لاهوتي فاحش يُرجى تداركه في الطبعات اللاحقة. ففي الصفحة 296 يقول الكتاب: “والحال أنه عندما قصد يسوع يوحنا ليعتمد، ظهر الروح الذي يحلّ على “الابن” منذ الأزل، على هيئة حمامة، دالاً بذلك على تقديس الطبيعة البشرية التي كان ابن الله قد اتخذها، وعن تأليهها وتطهيرها بتغطيسها في الأردن…” هذا كفر.

إذ كيف تتقدّس طبيعة يسوع البشرية وتتألّه بتغطيسها في الأردن؟! طبيعة يسوع البشرية تقدّست وتألهت باتحادها بالطبيعة الإلهية، فصارت هي مصدر قداسة ونعمة، وهي التي تقدّس نهر الأردن، لا العكس!!!! (المحرر)

ما هي أفضل طريقة لدراسة الكتاب المقدس في الكنيسة الأرثوذكسية؟ ما هي معاير التفسير التي يجب أن نتبعها؟

Exit mobile version