[حينئذ خاطب يسوع الجموع وتلاميذه قائلا: على كرسي (كاثدراس- καθεδρας) موسى جلس الكتبة والفريسيون. فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فأحفظوه وأفعلوه. ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا لأنهم يقولون ولا يفعلون]
✤ ما هو كرسي موسى الذي تكلم عنه المسيح؟ – لنقرأ من المدراش
مدراش رباه للخروج (43: 4) [1]
[قال الرابي دروساي: صنع لنفسه (موسى) كرسي (קתדרא- كتدرا) ككرسي العلماء [2]، والذين في ساعة دخولهم أمام السلطان يظهروا وكأنهم واقفين وهم ليسوا إلا جالسين هكذا كان الأمر (موسى) كان جالساً وهو ظاهر وكأنه واقف لهذا قيل “.. وجلست في الجبل.. ” (تث 9: 9)]
امتداداً لهذا التقليد وُجِد في المجمع اليهودي ما يُسمى بــكُرسي موسى (كتدرا دموشيه – קתדרא דמשה) وكان عليه يجلس رؤساء المجمع والذين في نظر الحاضرين هم امتداد لموسى النبي (بسيكتا درف كهنا 1: 7). مرفق صورة له.
____________________________________
[1] מדרש רבה שמות פרשה מג פסקה ד [אמר ר’ דרוסאי קתדרא עשה לו כקתדרא של אסטליסטקין הללו בשעה שהן נכנסין לפני השלטון והן נראין עומדין ואינן אלא יושבין ואף כאן כך ישיבה שהיא נראה עמידה הוי ואשב בהר]
[2] الكلمة آرامية جاءت (استلستكين-אסטליסטקין) وفي قراءة أخرى (اسكولتكين-אסכולטקין) ومن الممكن أن تُترجم علماء أو محاميين أو شفعاء.
الكتاب المقدس هو حياة الكنيسة ودستورها يُفسَّر من خلال عظات آبائها وسيرهم، فنتعرف من خلالهم على السيد المسيح الذي هو رأس الكنيسة، فالآباء هم الذين أُعطوا أن يفسّروا لنا الكتاب المقدس بنعمة الروح القدس العامل فيهم، فآبؤنا هم الذين اقتنوا روح الرب القدّوس، الذي منحهم الاستنارة لكي يفسّروا كلمة الحق باستقامةٍ، يساعدنا على تحويل الكلام الإلهيّ إلى غذاء قابل للهضم يتغذى به كل واحد منا على قدر قامته.
فكما يقول القديس أُغسطينوس نحن لم نعرف الكتاب المقدس إلاَّ من خلال الكنيسة والآباء هم الكنيسة، فهم الذين جعلوا الكتب في متناول أيدينا، وأن الكلمة الإلهيّة لا تنفصل عن كلمة الآباء الذين يفسّرونها .. أن يقولوا: هذا حق وذلك باطل، صار بإمكانهم أن يَفصلوا، باستقامةٍ كلمة الحق.
الكتاب المقدّس هو كلمة الله، فمَن يستطيع أن يفسّره لنا غيره؟ فلما كان لا يعرف الله إلاَّ روح الله القدوس العامل في الآباء القديسين، لذا منحهم الاستنارة لتفسير الكتاب المقدس.
إن ما يُميّز الكنيسة الأرثوذكسية – سِرّ وحدتها – يرجع أن تفسيرها للكتاب المقدس مبنيُّ على أُسس آبائية، فلولا تفسيرات الآباء لكان لكل واحد تفسيره حسب رؤيته الشخصية كما يدعو البروتستانت إلى ذلك، وهذا هو سبب انقسامهم لطوائف عدة، لكن لكي نحافظ على “الإيمان الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (يه3)، لابد أن يكون فهمنا للكتاب المقدّس مبنياً على تسليم آبائيّ فيكون لنا سقف فوق رؤوسنا لا نعلو عنه، وإطار نلتزم به حتى يكون لنا سياجاً واقياً.
فمع تعدد التأملات، هناك في الوقت نفسه وَحْدَة في الروح، وحدة في الكلمة، وحدة في عمل الله، وهذا ليس بغريب طالما الروح واحد، وهذا ما يرفضه بعض الدارسين اليوم، مما يقودهم إلى الضلال الذي إذا تمادوا فيه يؤدي بهم إلى سلسلة لا تنتهي من الهرطقات.
كتابنا لا ينفصل عن خبرات الآباء القديسين وتعاليمهم، وسيرهم لا تنفصل عن الكتاب المقدس معاشاً ومُشخَّصاً في حياتهم، إذاً نحن نقرأ ونفهم ونتعلم في إطار التعليم الآبائيّ الأصيل.
يقول القديس أثناسيوس الرسوليّ: [“الذين يبعثون بالهرطقات الباطلة فيستخدمون كلمات الكتاب المقدس، لكنهم لا يتمسكون بما تسلمناه من القديسين، ناظرين إلى أن ما يتسلموه من القديسين هو من تقاليد الناس، هذا خطأ إذ هم لا يعرفون مَن هم القديسين ولا ما هي قوتهم؟! لذلك مدح معلمنا القديس بولس الرسول أهل كورنثوس، لأن أفكارهم كانت متفقة مع التقاليد التي سلمهم إياها.
وقد وبخ الرب اليهود قائلاً لهم: “وأنتم أيضاً لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقليدكم؟!” وذلك لأنهم غيَّروا الوصايا التي استلموها من الله بحسب فهمهم مفضلين اتباع تقاليد الناس.
أما القديس بولس الرسول فقد أصدر توجيهاته إلى أهل غلاطية الذين كانوا في خطر من هذا، كاتباً لهم يقول: “إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»[1]].
معنى كلمة تفسير
كلمة تفسير مصطلح يونانيّ αίϵѵημρϵ҅، يعني: ترجمة من لغة أجنبية إلى لغة معروفة عند القاريء، أو عَرض جوهر الأمور بطريقة سهلة وواضحة.
ويرتبط هذا المصطلح بالأمور الدينية لدى اليونانيين، فهو مرتبط باسم الأله “هرمس ςημρϵ҅ ” إله المعرفة والكلام عند اليونايين القدماء، لذا نجد أهل لسترة يدعون بولس بـــ “هرمس”، “إِذْ كَانَ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ فِي الْكَلاَمِ” (أع 12:1)، وهرمس عند الغنوسيين هو الحامل للكلام الشفهيّ، والمكتوب أيضاً المساعد للبشر على المعرفة الصحيحة وفهم الأمور المعقدة، لذا كان هرمس المفسر لإرادة ومشيئة الإلهة[2].
هذا وقد كان اليونانيون في حاجة إلى التفسير الرمزيّ، لمساعدتهم في فهم الأعمال الدينية والأدبيّة للشعراء والكُتَّاب القُدامَى، أمثال هوميروس الذي كتب روايتين هامتين هما الإلياذة والأوديسيّة، وقد كان لهما تأثير على الفلسفة الهيلينية[3]، لقد كان هذا المنهج التفسيريّ لأعمال الأدباء وليد الاعتقاد بأن هناك حكمة سِريّة تختفي وراء النص اللغويّ، والكلمات ما هي إلاَّ ستار أو حجاب يُغطي الحقيقة المخفية والتي مصدرها إلهام إلهيّ[4].
في المدرسة الرواقية[5] قُسِّم المنهج التفسيريّ إلى نظامين وهما:
الرمزيّة الطبيعية: وهي التي تختص بالإلهة والعالم.
الرمزيّة الإخلاقيّة: وهي التي تختص بواجبات الإنسان.
انتقال أسلوب التفسير الرمزيّ من اليونانية إلى اليهودية والمسيحية
انتقل المنهج التفسيريّ من اليونانية إلى اليهودية والمسيحية، ولكننا نجد أن هناك فروقاً بينهما[6] كالآتي:-
1- الرمزيّة اليونانية ليس لها قواعد او قوانين تحدها إطلاقاً، بل للكاتب حرية مطلقة في تطبيق التفسير، بينما في اليهودية والمسيحية الرمزيّة لها إطار محدَّد تتحرك في داخله، وخليفية تاريخيّة، واتجاه محدد وهو خطة الله للخلاص.
2- التفسير في البيئة اليونانية عملية ثانوية قليلة الأهمية تُوضّحِ حقيقة فقط، بينما في اليهودية والمسيحية ليس فقط إعلان حقيقة مَعرفية، بل تمتد إلى أن تملأ الحياة والفكر من واقع الكتاب المقدس “اَلْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ روُحٌ وَحَيَاةُ” (يو 63:6).
التفسير في اليهودية
في البيئة اليهودية كان الناموسيون والكتبة هم المفسرون للكتاب المقدس، فيما يختص بالناموس وتطبيقاته والحيَاة اليومية مستعيناً بتقليد الشيوخ، وتُعُد أهم كتب التفسير والتقليد في اليهودية هي:-
المدراش[7]:-
وهو يوضح التفسير والنتيجة، كما يتم تفسير الأدب المدراشيّ عن طريق قواعد تفسير محددة مثل السبعة قواعد التي صاغها الرّابي هليل (حوالي 30 ق.م)، وقد اتسعت بعد ذلك لتصل إلى 32 قاعدة تفسيرية في القرن الثاني الميلاديّ[8].
ويتناول المدراش تفسير الكتاب المقدس على النحو التالي:
1- التفسير الحرفيّ للنص أو (Peshat).
2- التفسير الرمزيّ للنص القانونيّ أو (Remez) وهو الأسلوب المتبع في الشروحات التي تتناول الشريعة أو الهَلَكا.
3- التفسير الرمزيّ للنصوص التاريخيّة والشعرية والنبوية (Darush)، وهو الأسلوب المتبع في الهَجَدة.
4- التفسير الصوفيّ للنص أو(Sod)، وقد انتشر بصورة خاصة بعد سقوط أورشليم في أيدي الرومان عام (71م)، عندما أسس الرابي “هلّيل Hillel ” مدرسة “الكابالا Cabala” خارج أسوار أورشليم، وقد وصلتنا هذه التفاسير الصوفية من خلال كتابات الآباء في القرون الأربعة الأولى.
5- علم التفسير الأرقام Gematria.
6- علم تفسير الألفاظ Notarikon، وهو يُبسط معاني بعض الألفاظ التي استخدمت في المدراش لتُلخص عبارة ما أو جملة بكاملها: والعبارة إخثيس ΥΣϴΧІ مثلاً، التي اُستخدمتْ في الكنيسة الأولى تلخيصاً للجملة: يسوع المسيح ابن الله المخلِّص،ρ ́ηԏωΣ σόʼɩΥ ϵόςϴ ςόԏσɩΧρ ς ̂ѵοσηІ وهذا مثال على اقتباس الآباء الأولين أسلوب النوتاريكون (علم تفسير الألفاظ).
7- علم تفسير الألفاظ الذي يقوم على استخدام كلمة واحدة ليضع الكلمة ذاتها في لفظة جديدة، (وهذا الأسلوب اُستخدم في زمن الاضطهاد منعاً لوقوع النصوص الكتابيّة وخاصة النبوية منها – كسفر الرؤيا – في أيدي غير المؤمنين، ومن ثمَّ إساءة تفسيرها واستغلالها سياسياً)، وهذا العلم يُسمَّى “التيمورا Temoorsh“، ومثال ذلك نجد سفر الرؤيا (رؤ 16:16) عدة ألفاظ، مثلاً: “فجمعهم إلى الموضع الذي يُدعَى بالعبرانية هرمجدون”، وهرمجدون= روما هجدول أي روما الكبيرة.
مثال على التفاسير اليهودية للربان هليل:
لو جاء الفصح اليهوديّ يوم سبت، فهل من تعارض بين الاحتفال بالفصح وعمل ما يستلزم لذلك، مع الاحتفاظ بوصية الراحة في السبت!!
هنا تُفسَّر على أساس تطبيق مبدأ من الأصغر إلى الأكبر، فراحة السبت وصية مقدسة، والفصح أمر مقدس أيضاً، حيث إن التقدمة الصباحية والمسائية تُقدم في الهيكل يوم السبت، ولا يمكن أن تُبطل تقدمة المساء والصباح بحجة احترام راحة يوم السبت، فكم بالأحرى يسري هذا الأمر على تقدمة حمل الفصح.
كذلك استخدم السيد المسيح القواعد التفسيرية للرابونيين، فمثلاً عندما كان يسير مع تلاميذه بين الزروع، يوم السبت، وكان التلاميذ يقطفون السنابل، قال له الفريسيون: “انْظُرْ لِمَاذَا يَفْعَلُونَ فِي السَّبْتِ مَا لاَ يَحِلُّ؟” (مر 24:2)
أجابهم السيد المسيح مطبقاً قاعدة التفسير من الأصغر للأكبر “فَقَالَ لَهُمْ أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ احْتَاجَ وَجَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ مَعَهُ” (مر 25:2)، فقد طبق هذا القانون الذي فعله داود حين جاء إلى أخيمالك الكاهن، هو والذين معه وكانوا جياع، ولم يكن هناك أكل، فأكلوا خبز التقدمة الذي لا يحل أكله إلاَّ للكهنة (1صم21: 1-6)، على ما فعله التلاميذ يوم السبت[9].
التلمود תּלּמּךּךּ[10]
التلمود هو مجموعة تفاسير الناموس والتوراة. يحتلّ التلمود مكانةً هامة داخل الديانة اليهودية، فهو يُعَدُّ من أهم الكتب الدينية عند اليهود، وهو الثمرة الأساسيّة للشريعة الشفوية، أي تفسير الحاخامات للشريعة المكتوبة (التوراة)، والتلمود مُصنَّف للأحكام الشرعية أي مجموعة القوانين الفقهية اليهودية، وسِجل للمناقشات التي دارت في الحلقات التلمودية الفقهية اليهودية حول المواضيع القانونية والوعظية.
وقد أصبح التلمود مرادفاً للتعليم القائم على أساس الشريعة الشفوية السماعية، وقبلت إلى جانب الشرائع المدوّنة في أسفار موسى الخمسة،[11] وقد اُستخدمت الموسيقى كطريقة فعّالة في حفظ التلمود قاموا بتلحينه[12]. توجد نسحتان من التلمود وهما: التلمود الفلسطينيّ والتلمود البابليّ، وقد كتبتا في أوقات متباعدة، واختلفتا في المضمون وأسلوب العرض واللغة[13]:-
† التلمود الفلسطينيّ :-
وينسبه اليهود خطأ إلى أورشليم (القدس) فيقولون “الأورشليميّ، مع أن القدس كانت قد خلت من المدارس الدينيّة بعد هدم الهيكل الثاني، وهكذا فقد تمّ تجميعه في بلدة إريز Erez في إسرائيل وليس في أورشليم، وقد كانت لغته هي الأرامية الغربية[14]، وعمل الحاخامات على إنشاء مدارسهم في يفنه وصفورية وطبرية، كما أطلق يهود العراق على التلمود الفلسطينيّ اسم “تلمود أرض يسرائيل”، وأطلقوا عليه أحياناً اسم “تلمود أهل الغرب” نظراً لوقوع فلسطين إلى الغرب من العراق.
يرجع تاريخ التلمود الفلسطينيّ إلى منتصف القرن الرابع للميلاد، وكُتب على يد الربان يوحنان بن نبحة مؤسس أكاديمية طبرية، وهو يكتفي بالشرح أو التحاليل لنص المشنا مع سرد مناقشة غير مطوّلة بين الأحبار، ويعتبر المرجع الفصل في كلِّ نظرية فقهية ومعاملة تشريعية، وهو يتميّز بالاقتضاب.
† التلمود البابليّ:-
وهو نتاج الأكاديميات اليهودية في العراق، وتبلغ حجم مادته ثلاثة أضعاف التلمود الفلسطينيّ، مما جعله يحتل منزلةً رفيعةً ويغدو مرجعاً هاماً لا غنى عنه، ومن صفاته انه يفتح باب النقاش واسعاً، فلا تنتهي إلى قول مرجّح، لذا قال عنه الرابي ‘سحق “إن التلمود البابلي هو التلمود القانوني، لأنه اُستُكمِل بعد تلمود أورشليم بمائة وخمسين سنة”[15].
† أقسام التلمود[16] :-
يُقسَّم التلمود إلى قسمين رئيسيين وهما: المشنا والجمارا.
† المشنا Mishnah :-
وهي مجموعة قوانين اليهود السياسية والحقوقية والمدنية والدينية (التفاسير التشريعية للناموس)، التي تتضمّن القواعد والأحكام بغير نقاش غالباً، والمشنا أشبه ما تكون بالكتاب القانونيّ أو مصَّنف الأحكام الشرعية والفقهية التي تدعى “هالاغا” أي المذهب أو المسلك أو الطريق الذي يذكّر بالأحكام والفرائض والتشريعات الواردة في أسفار “الخروج واللاويين والتثنية والاشتراع”، ويوضح الحلال والحرام والطهارة والنجاسة وغيرها ممّا ورد ذكره في التوراة وفسّره الفقهاء اليهود، ووضعوا له حدوداً وقيوداً تلائم حاجة العصر الذي كانوا يعيشون فيه.
† الجمارا Gemara :-
الجمارا – أو الإضافات – مجموعة أخرى ضُمَتْ إلى المشنا واستقلتْ بهذا الاسم، وأصلها من عمل المعلّمين الذين كانوا في عصر الربانيّ يهوذا ولم يكونوا أعضاء في مجلسه، فقد عملوا من جانبهم على جمع روايات أقل شهرة، كما جمعوا الروايات التي استبعدها يهوذا من مشناه، ولكن هذه لم تكن قليلة الأهمية، ولم يمكن التخلي عنها، ومنها أقوال وروايات نَتَجَتْ عن مدرسة عقيبا وإسماعيل، ونُسِجَتْ حولها شروح وتفاسير في أقوال المعلمين Amoraim
فرأى الدارسون أن يجمعوا ذلك كله مع بعض الأحكام الشرعية Halachath، والإجابات عن المشاكل التي عرضت، كل ذلك جُمع أخيراً وكون الجمارا، وهي بمعنى الإنهاء والإنجاز، وهي، كما هو واضح، وسعت المشنا، أنها تحوي أحكاماً ومواداً ليست في المشنا، منها القديم الذي لم يأخذه يهوذا، ومنها المُستحدَث.
لم تُجمع الجمارا إلاَّ بعد 300 عام من اكتمال المشنا، وقد ثار جِدال طويل بين المفسرين حول المواد التي تكوّنت منها الجمارا، وبالرغم من كونها مُجمّعة من الروايات الشفوية والمشنا، كان يراد لها أن تكون معتمدة على نصوص التوراة، وقد كُتبت باللغة الآرامية.
من المشنا والجمارا معاً يتألف التلمود الذي هو نتيجة تفاعل الشريعة المكتوبة مع أوضاع الحيَاة المتغيرة والحاجات الطارئة، فهو يُعتبَر بمثابة سجل حافل يُبيِّن خلال المناقشات والشروحات والأمثلة والردود والروايات، كيف كان اليهود يحاولون تطبيق الوصايا والفرائض التوراتية في حياتهم اليومية، وحين يصطدم التطبيق العمليّ بالنصوص المقدسة تبدأ المشكلة بالظهور وتكثر الاجتهادات، بينما يتصاعد البحث عن الحلول والمخارج.
التفسير في المسيحية
استخدم الآباء في الكنيسة الأولى التفسير بمعنى شرح، يهتم بتوضيح نص أو صياغته بالنسبة لمشاكل عصرهم اللاهوتيّة أو السلوكيّة.
التفسير موهبة يذكرها معلمنا القديس بولس الرسول في موهبة ترجمة الألسنة “لآخر ترجمة السنة” (1كو 1″12)، “أَلَعَلَّ لِلْجَمِيعِ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ؟ أَلّعَلَّ الْجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يُتَرْجِمُونَ؟ ɩσѵοѵ́ϵѵμηρϵɩδ” (1كو 30:12).
وتتضح أهمية التفسير من خلال حديث فيلبس مع الخصيّ الحبشيّ “فَبَادَرَ إِلَيْهِ فِيلُبُّسُ يَقْرَأُ النبيّ إِشَعْيَاءَ فَسَأَلَهُ: «أَلَعَلَّكَ تَفْهَمُ مَا أَنْتَ تَقْرَأُ؟» فَأَجَابَ: «كَيْفَ يُمْكِنُنِي إِنْ لَمْ يُرشِدْنِي أَحَدٌ؟». وَطَلَبَ إِلَى فِيلُبُّسَ أَنْ يَصْعَدَ وَيَجْلِسَ مَعَهُ” (أع8 :30، 31)، والرب يسوع نفسه فسّر لتلاميذه بعض الأمثلة، وفسَّر لتلميذي عمواس “الأُمُورَ الْمُخْتصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” (لو 27:24).
† دور الآباء في تفسير الكتاب المقدس:-
نحن لا نعرف الكتاب المقدس إلاَّ من خلال الكنيسة، لذلك يقول القديس أغسطينوس: “لو لم يحركني سلطان الكنيسة الجامعة لما آمنت بالإنجيل”[17]، كذلك يقول القديس باسيليوس: “إن الكنيسة هي صوت الإنجيل الحيّ”، فمن خلال الكنيسة نستلم الأسفار القانونية ونميّزها عن الأصفار المنحولة.
التعليم حُفظ لطريقة حية في الكنيسة، لأن الروح أعطى ذلك للآباء، والكنيسة كانت تُعلِّم “مشافهة” وأودعت كلمة الله ووطدتها في النفوس “فصوت الإنجيل الحيّ” لم يكن مجرد تلاوة لكلمات الكتاب، بل كان إعلاناً لكلمة الله كما سُمعت وحُفظت في الكنيسة بقوة الروح الذي يفعل فيها دائماً ويحييها، فيرى القديس إيريناؤس أن الرسل هم الذين حملوا ملء الحقيقة إلى الكنيسة: “فكل ما يتصل بالحقيقة أودع في أيديهم بأكثر وفرة”[18]
فالكنيسة والكتاب لا ينفصلان ولا يتنقضان. فالكتاب، أي فهمه الصحيح موجود في الكنيسة فقط، لأن الروح يوجهها ويرشدها، ولذلك أكد العلاَّمة أوريجانوس وحدة الكنيسة والكتاب، وكانت مهمة المفسّر عنده هي الإعلان عن كلمة الروح فيقول: “يجب أن ننتبه عندما نُعلم لئلاّ نقدم تفسيرنا الخاص بدلاً من تفسير الروح القدس”[19]، هذا الأمر يبقى مستحيلاً خارج التقليد الرسوليّ المحفوظ في الكنيسة. فالعلاَّمة أوريجانوس شدّد على التفسير “الجامع” للكتاب، كما هو مقدّم في الكنيسة: “لنصغ في الكنيسة إلى كلمة الله التي تُقدَّم على نحو جامع”[20]، أما الهراطقة فيتجاهلون “قصد” الكتاب الحقيقيّ، ويقول أيضاً: “فالذين يقدمون كلام الله من دون أن يُقرنوه بقصد الكتاب وبحقيقة الإيمان ويزرعون قمحاً يحصدون شوكاً”[21].
يقول القديس كيرلس عمود الدين: “إنه من الصعب جداً أن نشرح الأسرارالإلهيّة، حيث إنها تنتمي إلى العالم الروحيّ، بينما الطبيعة البشرية الفاسدة والذهن المريض لا يسمحان بمعاينة المجد الإلهيّ معاينة كاملة”[22]، كما يؤكد على أن يكون المفسّر على وعي بالأساسيّات التي ستساعده على فهم الأسرار الإلهيّة، هذه الأساسيّات تتعلق بإيمان الكنيسة.
يرى القديس إيريناؤس أن تفسير الكتاب المقدس ينبغي أن يُشرَح على أساس الكتاب نفسه، حيث يقول في كتابه ضد الهرطقات: “تفسيرات نصوص الكتب المقدسة لا يمكن شرحها إلاَّ من الكتب المقدسة نفسها”[23]، وهذا يعني أننا لا يمكن أن نأخذ آية ونشرحها منفصلة عن الكتاب المقدس، فالكتاب المقدس بعهديه وَحْدَة واحدة لا تتجزأ.
كما يوضح القديس إيريناؤس ذلك في المثل الآتي: صورة جميلة لملك من الفسيفساء صنعها فنان ماهر ورصعها بأحجار كريمة، قام الهراطقة بتقطيع هذه الصورة الجميلة إلى قطع، ثم حاولوا إعادة تجميعها ولكن ليس إلى صورة الملك، بل إلى صورة كلب أو ثعبان، ثم زعموا أن هذه هي الصورة التي رسمها الفنان الأول، ويعللون ذلك بأن الحجارة المستخدمة، هي الحجارة عينها التي استخدمها الفنان الأول”[24]، حيث إنهم يبررون هرطقتهم بآيات كتابية، لكن ليس في المعنى السليم الذي اُستخدمت فيه بل يبترون عبارات تخدم هرطقتهم.
يقول القديس إيريناؤس أيضاً “هذه هي طريقتهم (أي الهراطقة) التي لم يتنبأ بها الأنبياء، ولا الرّب علّم بها، ولا الرسل سلّموها لنا، فهم يفتخرون بصوت عالٍ أنهم يعرفون أكثر من الآخَرين، وهم يستندون في هذا إلى مصادر خارج الكتاب المقدس”[25]، “أنهم يحاولون أن يجعلوا أمثال الرّب أو أقوال الأنبياء أو كلمات الرسل، تتوافق مع أقوالهم بطريقة تجعل الناس يصدقونهم حتى لا يبدو تلفيقهم أنه بدون مرجع، فهم يتجاهلون نظام الكتب المقدسة وترابطها مع بعضها، وبتجاهلهم لهذا الترابط الذي يكمن فيه أساس الحق، فإنهم يفككون أعضاء الحق”[26].
هذا هو عمل الهراطقة في الكتاب المقدس، يأخذون آية ويهملون باقي النصوص، أو يأخذون جملة من موضوع ما بما يخدم بدعتهم ويتفق مع رغباتهم الدنيئة، فالتقليد يهاجمونه تماماً لأنه يجمع النموذج “أي الوسيلة التي توصلنا إلى الهدف، أي الخلاص غاية إيمانكم هو خلاص نفوسكم”.
مدارس تفسير الكتاب المقدس:
هناك منهجان لتفسير الكتاب المقدس …
1- منهج مدرسة الإسكندرية اللاهوتيّة:
اشتهرت مدرسة الإسكندرية – التي كانت معقل العالم المسيحيّ الأول – بالتفسير الرمزيّ Allegorical، استخدم القديس أكْلِمَنْضُس هذا النوع من التفسير؛ إذ نرى أن التفسير الرمزيّ للكتاب المقدس يشبه بتولية العذراء، حتى بعد أن ولدت المسيح، كذلك الكتاب المقدس يلد لنا الحق الذي نأخذ منه التأملات ولا يزال بتولاً[27].
نَظَّمَ أوريجانوس قواعد هذا التفسير، ومن القواعد التي وضعها أوريجانوس أننا نفهم الكتاب المقدس بثلاث طرق[28]:-
† التفسير الحرفيّ أو المعنى السطحي وهو يناسب البسطاء من المسيحيّين.
† التفسير السلوكيّ “الأخلاقيّ” وهو للتهذيب ودرجة أعلى من التفسير الحرفيّ.
† التفسير الروحيّ Typologyويتهذّب به الكاملون.
كما يقول العلاَّمة أوريجانوس: “إن هناك علاقة بين المستويات الثلاثة وبين خلق الله للإنسان نفساً وجسداً وروحاً، فالمعنى الحرفيّ يقابل مستوى الجسد Body وهو يناسب البسطاء من المسيحيّين، والتفسير السلوكيّ أو الأخلاقيّ يقابل مستوى النفس Soul ونستشفه من الأحداث ونعيش به، والتفسير الروحيّ يقابل مستوى الروح Spirit، وهو خاص بالكاملين الذين يكتشفون فيه المفاهيم الروحيّة العميقة ويتلاقون مع المسيح”[29].
التفسير الروحيّ يشير إلى الطبيعة الإلهيّة، بينما الحرفيّ والتاريخيّ إلى الطبيعة البشرية للكلمة المتجسد، وكل منهما يعملان بغير اختلاط ولا انفصال، وكل منهما يشير إلى الآخَر، فالتفسير الروحيّ يشير إلى اللاهوت، والتفسير الحرفيّ يشير إلى الناسوت الذي يقودنا إلى ألوهيته، ويُعطي مصداقية تاريخية لحقيقة التجسد.
كما يرى العلاَّمة أوريجانوس أن التفسير أحياناً يكون على مرحلتين فقط وليس ثلاثة، فقد يخلو النص من التفسير الحرفيّ الذي يقابل الجسم، ويكون ذلك عندما يكون الكلام مجازياً، ويعتمد في ذلك على الستة أجاجين المستخدمة في التطهير كانت تسع لمطرين أو ثلاثة: “سِتَّةُ أَجْرَانٍ مِنْ حِجَارَةً مَوْضُوعَةً هُنَاكَ حَسَبَ تَطْهِيرِ الْيَهُودِ يَسَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِطْرَينِ أَوْ ثلاَثَةً” (يو 6:2) فيقول “الذين يدعوهم الرسول (يقصد معلّمنا القديس بولس الرسول) يهوداً في الباطن (راجع رو 29:2) أنهم تطهّروا بكلام الأسفار، لأنهم يسعون تارة مطرين أي يتقبلون فهم النفس والروح، وأحياناً ثلاثة حينما يمكن أن يحتمل النص … فالاجاجين الستة الذين تطهروا وهم في العالم، أننا نقرأ أن العالم وكلّ ما فيه قد اكتمل في ستة أيام”[30].
† التفسير الرمزي:-
يرى القديس أكْلِمَنْضُس السكندريّ أن الثوب الملون الذي أعطاه يعقوب أبو الآباء ليسوف الصديق إشارة إلى المعرفة المتنوعة[31]، كما يفسر قول السيد المسيح “وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتاً أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَباً أَوْ أُمَاً أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَداً أَوْ حُقُولاً مِنْ أَجْلِ اسْمِي يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ الحَيَاة الأَبَدِيَّةَ” (مت 29:19)، بأن الأب يعني ترك الحق المدنيّ، وترك الأم يشير إلى الموطن أو القوت[32].
ويفسّر عدد عبيد إبراهيم الذين أُسروا، وكان عددهم “318 عبداً”، بأنهم إشارة إلى صليب السيد المسيح فعدد 300 يُكتب T، وال 18 تكتب IH، ال318 تُكتب [IHT] صليب يسوعَ المسيح.
كذلك العلاَّمة أوريجانوس يرى أن ابنة فرعون التي انتشلت موسى بعد أن وضعتْه أمه في سفط مطليّ بالقار، تشير إلى كنيسة الأمم التي جاءت إلى النهر لتغتسل من خطاياها، فالنهر يشير إلى المعمودية، وموسى الموضوع في سفط مطلي بالقار، يشير إلى الناموس الذي وقع أسيراً في يد الأمة اليهودية، حتى تحرّر وجاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله فيقول إن ابنة فرعون: “بحضورها إلى مياه المعمودية تأخذ الكنيسة الناموس “موسى” الذي كان مختبئاً في صفط من البرديّ ومطليّ بالحمرة والقار”[33].
كما يفسرّ قول السيد المسيح عندما سأله تلميذه يوحنا: “رَبِّي أَيْنَ تَمْكُثُ؟ فَقَالَ لَهُمَا تَعَالَيَا وَانْظُرَا. فَأَتَيَا وَنَظَرَا أَيْنَ كَانَ يَمْكُثُ وَمَكَثَا عِنْدَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ. وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ (يو1 38 ،39)، فيقول العلاَّمة أوريجانوس (تعاليا) دعوة للعمل، (انظرا) دعوة للتأمل؛ فالسيد المسيح يدعو البشريّة للحياتين معاً العملّية والتأملية[34].
كذلك فسَّر قول يوحنا المعمدان عن السيد المسيح “هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي الَّذِي صَارَ قُدَّامِي الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقِّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَحِذَائِهِ” (يو 27:1)، يقول أوريجانوس: “إن هذا الحذاء هو سر التجسد؛ حيث ظهر الله في اللحم والدم بإنسانية كاملة، وأن يوحنا المعمدان حسب نفسه غير أهلٍ لإدراك هذا السر”.
في تفسير أوريجانوس لقول موسى النبيّ لفرعون “فنذهب ثلاثة أيام في البرية نذبح للرب إلهنا” (خر 3:5)، إن الطريق الذي يقطعونه في مسيرة ثلاثة أيام هو طريق الرب الذي قال عن نفسه “أنا هو الطريق والحق والحّيّاة”، فهذه الثلاثة أيام كما جاءت في رومية “لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبَّ يَسُوعَ وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ خَلَصْتَ” (رو 9:10)، لذلك يرى أن فرعون الذي قال لموسى لا تذهبوا بعيداً؛ كان كالشيطان يريد أن يعطل المؤمنين عن طريق الخلاص، وعلى نفس المنوال سار إبراهيم ثلاثة أيام لكي يقدّم ابنه إسحق[35].
كما يرى في قضيب اللوز مثال قويّ لنظريته، فالغلاف الخارجيّ المر الذي يسقط عند نضوج اللوزة، يمثل المستوى الحرفيّ الذي عاق اليهود عن بلوغ المعرفة الحقيقية، والغلاف الداخليّ السميك الذي لابد أن نكسره لكي نصل إلى الثمرة الحقيقية، يشير هذا الغلاف إلى التفسير الأخلاقيّ أو السلوكيّ، الثمرة الداخلية التي تؤكل، تشير إلى التفسير الروحيّ الذي هو غذاء الحيَاة الأبدية[36].
كما فسّر معجزة شفاء ابنة خادم الملك (يو4 : 36-53)، فخادم الملك هو إبراهيم الذي تضرّع إلى السيد المسيح، لكي يشفي ابنه إسرائيل المريض بمرض عضال.
كذلك فسّر إقامة لعازر من الأموات، بأن لعازر هو المسيحيّ الذي يريد أن يرجع إلى الحيَاة الأممية، والذي يُشار إليها في المعجزة بالقبر، بينما الأقمطة واللفائف التي رُبط بهما يشيران إلى الخطايا، وبالتوبة يمكن للإنسان أن يخرج من القبر، أما مسألة بقائه مربوطاً حتى بعد أن يخرج من القبر تشير إلى مهمة الكنيسة في أن تحل المربوطين.
† التفسير الرمزي وخطورته:-
اعتمدت مدرسة التفسير الرمزيّ للكتاب المقدس على آية “لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلَكِنَّ الرُّوحَ يُحْيي” (2كو 6:3)، لهذا بَاَلَغَ أوريجانوس في التفسير الرمزيّ للكتاب المقدس على أساس أن حرّفية الناموس قاتلة بسبب عصيان الكلّ له، أما روح الإنجيل فهو واهب الحيّاة.
كما كان أوريجانوس مغالياً في استخدام المعنى الرمزيّ للأسماء والأعداد لدرجة أنه أهمل التفسير الحرفيّ بعد ذلك حيث قال: (أن التفسير الحرفيّ يقابل الجسد وأن الكتاب المقدس ليس له جسد)، وصل لدرجة أنه أنكر بعض الحقائق مثل وجود حروب دموية، أو فلك نوح، أو كذب إبراهيم بقوله عن ساراي أنها أخته؛ مظهراً أن هذه الحقائق لها تدابير باطنية تحمل رموزاً روحية، لم تقبل الكنيسة هذه الطريقة الرمزيّة بهذا الشكل المتطرف، ومع ذلك ينبغي الإقرار بالتأثير القويّ لــ “فيلو اليهودي” على كل المقالات في القرون الأولى.
وأيضاً التلاميذ بسبب رغبتهم في أن يعرفوا وقت حدوث ما قاله الرب، توسلوا إليه قائلين “قل لنا متى ستكون هذه الأمور، وما هي علامة مجيئك؟” (مت 3:24)، أرادوا أيضاً أن يعرفوا زمنها (مت 36:24)، وذلك لكي لا يضلوا، وأيضاً لكي يتمكنوا من تعليم الآخَرين، فإنهم بعد أن عرفوا، فقد صححوا أفكار الذين كانوا على وشك الضلال من أهل تسالونيكي[37]”.
والقديس كيراس عمود الدين من بين الذين أشادوا بهذه المدرسة، كذلك القديس ديديموس الضرير الذي له ثلاث طرق متلازمة في تفاسير الكتاب المقدس، ألا وهي التفسير الحرفيّ ويعقبه التفسير التاريخيّ ثم التفسير الرمزيّ، فكان يقرأ فقرة ثم يفسرها تفسيراً حرفياً ثم تاريخياً ثم روحياً، وفي أغلب الأحيان كان يتحاشى التفسير التاريخيّ فهو لا يرى أن يعمل عمل مؤرخ.
كذلك خارج الإسكندرية نجد أن كلّ من القديس باسيليوس الكبير، والقديس غريغوريوس النزينزيّ قد اتخذا العلاَّمة أوريجانوس مُعلماً لهما[38]، وسارا على مدرسته التفسيرية، كما كان هيسيخيوس الأورشليميّ أيضاً يتبع نفس المدرسة.
2- منهج مدرسة انطاكية:
تبنّت مدرسة التفسير الحرفيّ Literalist Interpretation ، وقد قام به لوكيانوس في النصف الثاني من القرن الثالث، كرد فعل للمبالغة في التفسير الرمزيّ.
وقد كانت مدرسة أنطاكية مشابهة لمدرسة الإسكندرية، إذ كانت تقوم على الجهود الفردية للمعلمين، ولم يكن لها منهج أو تخطيط علميّ، ولكنها لم تكن مستديمة يتعاقب عليها المدرسون على التوالي كمدرسة الإسكندرية، لكنها كانت تتبنى اتجاهاً لاهوتياً، وبالأخص تتميز بنمط مُعَّين في تفسير الكتاب المقدس[39].
قاومتِ المدرسة الأنطاكية التفسير الرمزيّ لمدرسة الإسكندرية، معتمدة فقط على التفسير الحرفيّ (حقيقيّ أو مجازيّ) وهو المنهج اللغويّ أو الحرفيّ، التاريخيّ. يقوم هذا المنهج على التفسير البسيط حسبما تشرحه اللغة، لذا دعي “المنهج اللغوي أو الحرفيّ”. كما قام على تأكيد الحقائق التاريخيّة كما وردتْ في الكتاب المقدس كحقائق واقعية وليست أعمالاً مجازية رمزية، لذا سمى أيضاً بالمنهج التاريخيّ، مستبعدة تماماً المعنى الروحيّ الذي استبدلوه بالتعليم الأخلاقيّ.
ومن مشاهير المدرسة، نسطور الهرطوقيّ الذي أُدين في مجمع أفسس سنة (431م)، وديؤدور أسقف طرسوس، وثيؤدور أسقف موبسويست، وأهم عظماء هذه المدرسة مارِ أفرام السريانيّ، القديس يوحنا ذهبيّ الفم، العلاّمة ترتليانوس.. ويقول المستشرق الفرنسيّ L.Le Camus: إنَّ تيودور ويوحنا فم الذهب وتيودوريت ساروا على طريقة مار أفرام في شرح الكتاب، وهو يأخذ الحقائق الواردة في الكتاب المقدس خاصة العهد القديم كحقائق واقعية فهي ترفض الرمزيّة .Allegorism
ومع ذلك ظهر لدى آباء أنطاكية ما يُعرَف بالثيؤريا Theoria، وهو نوع من الرمزيّة والتأمل، يقوم على أساس ما يُسمى بالنمطية Tipology بشرط ألاَّ تكون الرمزيّة اجتهاداً شخصياً، ويتضح ذلك من الأمثلة الآتية:-
يفسر مارِ افرام السريانيّ ما جاء في نبوءة إشعياء “لأُنشِدَنَّ عَنْ حَبِيبِي نَشِيدَ مُحِبِّي لِكَرْمِهِ. كَانَ لِحَبِيبِي كَرْمٌ عَلَى أَكَمَةٍ خَصِبَةٍ. فَنَقَبَهُ وَنَقَّى حِجَارَتَهُ وَغَرَسَهُ كَرْمَ سَوْرَقَ وَبَنَى بُرْجاً فِي وَسَطِهِ وَنَقَرَ فِيهِ أَيْضاً مِعْصَرَةً فَانْتَظَرَ أَنْ يَصْنَعَ عِنَباً فَصَنَعَ عِنَباً رَدِيئاً. وَالآنَ يَا سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ وَرِجَالَ يَهُوذَا احْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرْمِي. مَاذَا يُصْنَعُ أَيْضاً لِكَرْمِي” (إش5 :1-4)، حيث يشبّه إشعياء إسرائيل بكرم نصبه الله وسيَّجه وبنى في وسطه برجاً وحفر فيه معصرة، ولكن عوض أن يُعطي الكرم أعطى حصرماً، فرذله صاحب الكرم،
يقول مارِ أفرام: “كان لله حبيبي كرم في رابية خصبة، حرثه بالخيرات والآداب، وحوَّطه بسياج شريعته وغرس فيه أغصان كرمه وهم الصدّيقون والنسّاك، وبنى برجاً في وسطه أعني مملكة ومحكمة، وحفر فيه معصرة أعني كهنوتاً وذبيحةً، وانتظر أن يُثمر عنباً أعني أعمالاً صالحة، فأثمر حصرماً برياً وخرنوباً أعني أعمالاً رديئةً… ولهذا يقول الرّب إنّي أقوّض برجه فيكون معرضّاً للنهب والسلب.. وأخرق جدار شريعته فيصبح مدوساً تطأه الشهوات التي كلف بها..”.
كما يُفسِّر هذه الآية “وَأَجْعَلُهُ خَرَاباً لاَ يُقْضَبُ وَلاَ يُنْقَبُ” (إش 6:5) بهذه العبارة: “فمعناه أنّه تعالى يتخلّى عن الاهتمام به. وقوله اوصي السحاب لا يمطر عليه مطراً معناه أنَّه يمنع الأنبياء عن أن يتنّبؤا له…”[40].
في هذا النموذج نرى جليّاً طريقة مارِ أفرام في التقيّد بالنصّ الكتابيّ، وتفسيره بالمعنى الحرفيّ الذي ينسجم أكثر مع الواقع والحقيقة.
فسَّر القديس مارِ أفرام السريانيّ معجزة تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل، بقوله “إن في الخمر دخول عجيب للطبيعة البشرية في رحم العذراء (دون زرع بشر)”، كما يرى أن مريض بركة بيت حسدا لم يُشفَ لعدم الكفاية الخلاصية للناموس، وأن المولود أعمى الذي اغتسل في بركة سلوام إشارة إلى المعمودية المقدسة التي نحصل منها على الخلاص[41].
يعتمد منهج الثيؤريا على أن معاني عبارات الكتاب المقدس لها معنى حرفيّ؛ وتقبل التفسير بالثيؤريا دون أن يكون لها معنى رمزيّ فقط، وجود ثاؤريا لحدث أو بعض آيات الكتاب المقدس يكون فيه شيء من التطابق وليس اجتهادياً، مثل وجود نص صريح عن الحيّة النحاسية “وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الحيّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ. هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإنسان” (يو 14:3)، ومن الأمثلة على ذلك منهج القديس يوحنا ذهبيّ الفم …
† منهج القديس يوحنا ذهبيّ الفم:-
على الرغم من أن القديس يوحنا ذهبيّ الفم يتبع مدرسة أنطاكية، حيث لم يستخدم الرمزيّة خاصة في العهد القديم، وفي نفس الوقت لم يهاجم مدرسة الإسكندرية، إلاَّ أنه يرى[42]:-
1- توجد عبارات في الكتاب المقدس لا تُفسَّر إلاَّ بتفسير رمزيّ مثل سفر نشيد الأناشيد، أو عبارات مثل يد الرب، عينا الرب، يمين الرب، نزل الرب …
2- عبارات تقبل الاثنين معاً الحرفيّ والثاؤريا، فيؤكد ذهبيّ الفم على أن ذبح إسحق حقيقة تاريخية، وفي نفس الوقت فيه رمز للصليب[43]، كما أن نهر الأردن يُشير إلى المعمودية؛ ولكنه في نفس الوقت حقيقة، وعبور شعب بني إسرائيل فيه، قصة واقعية وليست رمزية فقط.
في تفسير القديس يوحنا ذهبيّ الفم للمزمور 150 “سبحوا الله بالطبل والمزمار”، يشرحها بطريقة روحية، فيشير إلى إماتة الجسد، حيث إن الطُّبول تُصنَع من جلود الحيّوانات الميّتة، والمزمار إلى التأمل في السماء، ولكنه لا يتغاضى عن التفسير الحرفيّ فيرجع ويقول: “أما أنا فأعتقد أن النص يعني تنازل الله لقبولنا بضعفنا البشريّ فيجب أن نُسبح مجده بفرح مستخدمين هاتين الآلتين”[44].
3- عبارات آخرى لا تقبل إلاَّ التفسير الحرفيّ فقط، مثل عبارة “خبزنا كفافنا أعطنا اليوم”، إذ يرى القديس يوحنا ذهبيّ الفم أنها لا تُفسَّر إلاَّ حرفياً، فالله يقدّم وصية لأُناس لهم جسد، وهذا الجسد له احتياجات[45]، وهو بذلك على العكس مِن العلاَّمة أوريجانوس الذي يرى أن الخبز هو خبز الطعام الباقي وليس الماديّ.
في تفسير ذهبيّ الفم لقول السيد المسيح في الموعظة على الجبل “طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ” (مت 5:5)، نجد أن القديس يوحنا ذهبيّ الفم يرفض أيَّ تفسير رمزيّ لها، ولا يقبل إلاَّ التفسير الحرفيّ، فيقول: “أخبروني عن إيِّ أرض يتكلّم الرّب؟
يقول البعض إنها أرض رمزية، كلا ليس الأمر كذلك، لأننا لا نجد في الكتاب المقدس كله أيَّ ذكر لأرض رمزية، فما معنى القول إذن؟ إن الرب يعد لنا مكافأة حسيّة، مثلما يقول معلّمنا القديس بولس الرسول أيضاً “أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِي أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ” (أف 2:6)، ويُضيف: “لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَار عَلَى الأَرْضِ” (أف 3:6)، والرّب نفسه يقول للص اليمين “الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ” (لو 43:23)، فهو لا يعدنا بالبركات العتيدة فقط، بل وبالحاضرة أيضاً، لأجل الذين يسعون إليها من سامعيه ذوي الطبيعة الأرضية جداً”[46].
كذلك قول السيد المسيح أيضاً: “كُنْ مُرَاضِياً لِخَصْمِكَ سَرِيعاً مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي الطَّرِيق لِئَلاَّ يُسَلِّمَكَ الْخَصْمُ إِلَى الْقَاضِي وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الشُّرَطِيِّ فَتُلْقَى فِي السِّجْنِ” (مت 25:5)، يفسرها القديس يوحنا ذهبيّ الفم قائلاً: “يبدو لي أنه يتحدّث عن قضاة هذا العالم، والطريق إلى محكمة العدل، وعن هذا السجن”[47].
الآباء والربط بين العهدين:
يقول السيد المسيح في حديثه في الموعظة على الجبل “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْيِيَاءَ مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأَكَمِّلَ” (مت 17:5) والكنيسة تقرأ العهد القديم بجانب العهد الجديد: “كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحي بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ والتَّوْبِيخِ لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ” (2تي 16:3).
لقد شهد السيد المسيح للعهد القديم بقوله “لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ” (يو 35:10)، وقال للفريسيين “وَأَنْتُمْ أَيْضاً لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصِيَّةَ اللَّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ؟” (مت 3:15)، يقصد بوصية الله الناموس، كما قال أيضاً “فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَو نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ” (مت 18:5)، لقد ربط المسيح بين ضلال اليهود وابتعادهم عن كلمة الله – العهد القديم في ذلك الوقت
حين قال “تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللَّهِ… أَفَمَا قَرَأْتُمْ مَا قِيلَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ” (مت22 :29 ،31)، “فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّنونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي” (يو 39:5)، كما استشهد به السيد المسيح في التجربة على الجبل “مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإنسان بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللَّهِ” (مت 4:4)، “مَكْتُوبٌ أَيْضاً: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ” (مت 7:4)، مَكْتُوبٌ: لِلرَّبَّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ” (مت 10:4).
السيد المسيح طبّق الناموس في حياته على الأرض، فاُختتن في اليوم الثامن، وقدّموا عنه زوجي يمام أو فرخي حمام بعد أربعين يوماً من ميلاده تتميماً لشريعة التطهير، كذلك كان يدخل المجامع اليهودية، وقال للأبرص بعد شفائه بأن يذهب “أّرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ وَقَدِّمْ عَنْ تَطْهِيرِكَ مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى شَهِادَةً لَهُمْ” (مر 44:1).
† العهد القديم يحوي رموزاً ونبوات عن المخلِّص؛ ولهذا يخلُص معلّمنا القديس بولس الرسول إلى الحقيقة العظيمة “إِذاً قَدْ كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ، لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالإيمان” (غل 24:3)، كذلك حديث السيد المسيح مع تلميذي عمواس “ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” (لو 27:24)، وفي حديثه مع التلاميذ في العلية بعد القيامة “قَاَلَ لَهُمْ: هَذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وِأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ أُنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَاَلأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ” (لو 44:24)، “حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ” (لو24 : 44 ،45).
ويتحدّث السيد المسيح عن ألوهيته وموته وقيامته على أنها أمور مذكورة في الكتب، أي العهد القديم، وقد أشار إلى ذلك السيد المسيح مرّات عديدة، منها نبؤة معلمنا داود النبيّ في (مز 1:110) بأنه ربه، قال “كَيْفَ يَقُولُ الْكَتَبَةُ إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟ لأَنَّ دَاوُدَ نَفْسَهُ قَالَ بِالروُّحِ الْقُدُسِ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مِوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ فَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَدْعُوهُ رَبّاً. فَمِنْ أَيْنَ هُوَ ابْنُهُ؟” (مر12 :35-37)،
† ولكننا في نفس الوقت نجد أن السيد المسيح صَحَّحَ مفاهيم اليهود حول الناموس:
اليهود فهموا الناموس فهماً حرفياً، مثال ذلك الختان، الذي لم يُفهَم سوى على أنه مجرّد عمليّة ظاهرية، تمس الجسد فقط دون الروح، عاشوا حرف الوصية بدون روحها “لأَنَّ الْيَهُودِيَّ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ هُوَ يَهُودِيّاً وَلاَ الْخِتَانُ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ فِي اللَّحْمِ خِتَاناً بَلِ الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ وَخِتانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْخِتَانُ الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنَ اللهِ” (رو 2: 28 ،29)،
فماذا ينفعك الختان في حالة عدم عملك بالناموس: “فَإِنَّ الْخِتَانَ يَنْفَعُ إِنْ عَمِلْتَ بِالنَّامُوسِ. وَلَكِنْ إِنْ كُنْتَ مُتَعَدِّياً النَّامُوسَ فَقَدْ صَارَ خِتَانُكَ غُرْلَةً!” (رو 25:2)، فحين أن الأمميّ الذي يعمل بالناموس الطبيعيّ، غرلته تصبح ختاناً “إِذاً إِنْ كَانَ الأَغْرَلُ يَحْفَظُ أَحْكَامَ النَّامُوسِ أَفَمَا اُحْسَبُ غُرْلَتُهُ خِتَاناً؟” (رو 26:2).
السيد المسيح صحّح مفهوم الوصيّة، أوضح لهم أهميّة الروح لا الحرف، حيث اقتصرت معرفة اليهوديّ بالناموس على العلم والمعرفة الحرفيّة به، والافتخار بأن لهم ناموس وأنهم أولاد إبراهيم “أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: لِوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمِ!” (يو39:8)،
فمثلاً السيد المسيح أوضح في كلامه عن السبت المفهوم الصحيح للوصية “ثُمَّ قَالَ لَهُمُ: السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإنسان لاَ الإنسان لأَجْلِ السَّبْتَ إِذاً ابْنُ الإنسان هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضاً” (مر2: 27 ،28)، “وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ تَحَرَّرْنَا مِنَ النَّامُوسِ إِذْ مَاتَ الَّذِي كُنَّا مُمْسَكِينَ فِيهِ حَتَّى نَعْبُدَ بِجِدَّةِ الرُّوحِ لاَ بِعِتْقِ الْحَرْفِ” (رو 6:7)، تحرّرنا ليس من الناموس، بل من الفهم الخاطيء للناموس.
السيد المسيح لم ينقض وصايا العهد القديم بل عمق الوصية، نقل حدودها، كانت الوصية في العهد القديم تُناسب حالة الشعب اليهوديّ الذي أفرّزه الرب من وسط أمم تعبد الأوثان…
† منذ وقت مبكر استشهد الآباء بنصوص من العهد القديم ومن أمثلة ذلك:
† يُورد القدّيس أكْلِمَنْضُس الرومانيّ في رسالته إلى كورنثوس الكثير من الاستشهادات الكتابيّة من العهدين القديم والجديد[48]، كذلك في الرسالة الثانية إلى المتبتلين: (المنسوبة إليه) يقول: “… لنبحث ونختبر ذلك الناموس (العهد القديم) والعهد الجديد” (7:2)، فهُنا كاتب الرسالة يحثنا على قراءة الكتب المقدسة العهدين معاً.
† يقتبس القديس بوليكاربوس من الأسفار القانونية: “لا تتأخروا عن عمل الرحمة لأن الصدقة تخلّص من الموت” (الرسالة إلى فيلبي10) الواردة في (طوبيا 11:4).
† الرسالة المنسوبة لبرناباس (القرن الثاني) توضح أن المسيحيّين هم الورثة الحقيقيون للعهد القديم؛ لأن اليهود لم يفهموه، كما أنهم فسروه حرفياً لا روحياً، واهتموا بشكليته فقط، أما المسيحيّون فهم الذين فهموه فهماً روحياً، كما أنه يَذكرُ عن العهد القديم “إنه كتاَبنا، أما هم ففقدوه إلى الأبد” (6:4 ،7)
كما يقول أيضاً: “لم يكن الناموس لليهود، فقد تلقاه موسى ولكنهم لم يستحقوه وإنما أُعد للمسيحيين منذ البدء، وإذا كان موسى قد تلقاه فإنه لم يكن إلاَّ خادماً، أما نحن فتسلَّمناه من السيد نفسه أننا أهل الميراث ولأن السيد تألم لأجلنا” (4:14).
† العلاَّمة القديس بنتينوس، يذكر عنه تلميذه القديس أكْلِمَنْضُس الإسكندريّ “كان كالنحلة الحقيقية التي تجمع رحيق الأزهار، من المروج النبوية والرسوليّة (أي أسفار العهد القديم والجديد) ليغرس في نفوس سامعيه ذخيرة معرفة غير فاسدة”[49].
† القديس أكْلِمَنْضُس السكندريَ يتناول في كتاب (المتفرقات الكتاب السادس ف 125:25) الاتفاق بين شريعة العهد القديم وشريعة العهد الجديد.
† ذكر بلاديوس في كتاب مشاهير الرجال عن القديس ديديموس الضرير: “لقد فهم ديديموس كل نصوص العهد القديم والجديد، وكان راسخاً بدرجة كبيرة في شرح الإيمان، وأنه بالبراهين القاطعة وبالدراسة العميقة تجاوز السابقين عليه جميعاً.
† محاولة الماركيونيين قطع العهد الجديد عن جذوره في القديم، فقُوبلتْ هذه المحاولة بمقاومة نشيطة وأٌدينت من الكنيسة العظمى.
† يروي يوستين الشهيد في دفاعه أنه انجذب للمسيحية بقراءة العهد القديم، وقد حاول في حواره مع تريفو أن يُثبت حقيقة المسيحية من العهد القديم، كما يرفض الاقتراح بأن العهد القديم هو فقط صلة ربط بين الكنيسة والهيكل اليهوديّ، بالنسبة له العكس صحيح تماماً، حيث إنه لم يعد العهد القديم ينتمي لليهود بل هو يخص الكنيسة وحدها.
وبالتالي كنيسة المسيح هي إسرائيل الجديدة الحقيقية الوحيدة، لم تكن إسرائيل القديمة سوى كنيسة غير نامية، بحسب استعمالها في كنيسة الفترة الأولى، كلمة “الكتب” ذاتها عنَت قبل كل شيء العهد القديم، وبهذا المعنى تُستعمَل بشكل جليّ في قانون الإيمان “كما في الكتب“
أي بحسب نبوءات الشريعة القديمة ووعودها، كما يذكر لنا أيضاً قراءة العهد القديم في الليتورجيات فيقول “إنه في اليوم الذي يُدعى يوم الرب ( ̑ηκαɩρѵK) يجتمع الشعب كله وتُقرأ أسفار العهد القديم، والرسل (كتابات العهد الجديد)، بحسب ما يسمح الوقت، وحينمت ينتهي المعلِّم من الكلام يُعطى رئيس الاجتماع (رئيس الكهنة) الإفخاريستيّ عظة يحثنا فيها على الاقتداء بسير أولئك القديسين”[50].
† يُوصي آباء الكنيسة بضرورة قراءة العهد القديم، فيقول ذهبيّ الفم “كل الكتاب يهب تعزية للذين يُصغون إليه، كما يرى أن مسيحياً بغير معرفة الكتب المقدسة (العهدين) كعامل بغير أدوات”[51]، كما يقول “العهدان مرتبطان معاً، ومتضافران كل منهما مع الآخر”[52]، كما يقول “نستطيع أن ننال تعزية وفيرة ليست في العهد الجديد وحده، إنما في العهد القديم أيضاً”[53].
كذلك يرى أن الذي ليس على دراية بالكتب المقدسة يشبه “مَن يعمل في منجم بغير خبرة في هذا الفن، فإنه يخلط بين الأشياء النفيس والتراب، بل ويضيع عمله هباءاً …هكذا الذين لا يفهمون الكتاب المقدس، ولا يراعون خصوصياته وقوانينه، بل يسيرون في كل نقطة من محتوياته بإهمال من غير حكمةـ يمزجون الذهب مع التراب، ولا يكتشفون الكنز المخفى داخله”[54].
وفي رده على المانويين يعارض إدّعائهم في وجود فرق شاسع بين العهد القديم والعهد الجديد، حيث أنهم يقولون أن إله التدبير (العهد) القديم صارم وعادل، في حين أن إله العهد الجديد هو إله الحُب. فيؤكد القديس يوحنا على إن المُشرع في الاثنين (العهدين) هو مُشرع واحد، فالعهد القديم هو ممهد ومسبق للعهد الجديد، فوصايا السيد المسيح تُكمل الشريعة اليهودية[55].
† يُعبِر القديس أُغسطينوس عن موقف الآباء من العهد القديم بقوله “العهد الجديد هو إتمام العهد القديم”، يسوع المسيح هو المسيّا الذي تكلَم عنه الأنبياء، فيه تحققت كل الوعود والنبوات. فالناموس والإنجيل متلائمان، فمن هنا نرى أن الكتاب المقدس بعهديه وَحْدَة واحدة، فالسيد المسيح هو محور نبوات العهد القديم.
ويقول أيضاً “إن العهدين القديم والجديد يمثلان وحدة لا انفصال فيها، إذ يُعبِّران عن خطة العناية الإلهيّة، ويقودان إلى المسيح“، وكان في تفسيره لأحداث الكتاب المقدس يربط بين العهدين، فيبرهن على سمو العهد الجديد في علاقته بالعهد القديم، فعندما فسّر معجزة تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل، أظهر أن النبوة في العهد القديم لها طعم المياه لو فُهمت مستقلة، ولها طعم الخمر لو فُهمت ونُسبت إلى المسيح.
كذلك عندما فسّر معجزة شفاء مريض بركة بيت حسدا، فسرها على أن البركة تُشير إلى الشعب اليهوديّ، والأعمدة الخمسة هم أسفار موسى الخمسة التي ليست لها إمكانية لشفاء البشر، “لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه، لأن بالناموس معرفة الخطية” (رو 20:3)، ولكن الخلاص والتبرير تم بالسيد المسيح الذي جاء وشفى المريض بدون الناموس دون الماء والبركة.
كما يُفسِّر معجزة إقامة لعازر من الأموات بأن لعازر الميت هو الإنسان الخاطيء، وأن الحجر الذي كان على القبر هو الناموس، وقول السيد المسيح “ارفعوا الحجر” (يو 39:11) تعني “أكرزوا بالنعمة”، كما أن قول السيد المسيح لتلاميذه “حلوه ودعوه يذهب” (يو 39:11)، هو منح لسلطان حل الخطايا على الأرض[56].
يقول القديس كيرلس الأورشليميّ “الكتب المقدسة الإلهيّة المُوحى بها: كل العهد القديم والعهد الجديد، هي التي تُعلّمنا، فإن إله العهدين هو واحد، فقد أُخبرنا في العهد القديم عن المسيح الذي يظهر في العهد الجديد، والذي قادنا من خلال الشريعة وأنبياء إلى مدرسة المسيح، إذ “كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ” (غل 24:3)، إذا سمعتَ أحد الهراطقة ينطق بشر على الناموس والأنبياء أجبْه بكلمات المخلِّص، إذ جاء يسوع لا لينقض الناموس بَلْ ليكمله (مت 17:5)”[57].
[1] – القديس أثناسيوس الرسوليّ الرسالة الفصحية الثانية. N & P .N . F .ser. 2,vol. 4 – Festal Letters:2.
[2] – د. جوزيف موريس فلتس – الآباء والكتاب المقدس – مقدمة كتاب شرح وتفسير آباء الكنيسة لأناجيل وأحاد السنة التوتية – مؤسسة القديس باسيليوس – ص 20.
[3] – رشدي حنا عبد السيد – الفلسفة اليونانية القديمة – مقدمة عامة ص 5.
[4] – جورج عوض ابراهيم – تفسيرات الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى – دورية مركز دراسات الآباء – السنة التاسعة العدد17، يناير 2007، ص81.
[5] – الفيلسوف زينو Zeno مؤسس المدرسة الرواقية في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الثالث قبل الميلاد.
[6] – جورج عوض ابراهيم – نفس المرجع السابق ص 82.
[7] – Midrash اسم عبريّ من الفعل العبريّ “دَرَش” ويعني “درس وبحث وفحص بدقة تامة”، وكان شائعاً في القرن الأول الميلاديّ، وهو شرح للمنهج التفسيري المتبع في التليمود، ويختص فيه بالنصوص التفسيرية العقائدية، وهي تتناول شرحِ الأحداث التاريخية والنبوات والكتب الشعرية في العهد القديم، ولم يكن للمدراش شكل تفسيريّ يشرح النصّ الكتابيّ آية آية، إلا أنه في أغلب الأحيان توسيع وإسهاب لهذا النصّ في طريقة تقويّة تبني المومنين.
[8] – القاموس الموسوعيّ للعهد الجديد – فيرلين د. فيربروج – الناشر دار الكلمة 2006 ص 241.
[9] – جورج عوض ابراهيم – تفسير الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى 2 – دورية مركز الدراسات الآباء – يوليو 2006 – ص73.
[10] – التلمود كلمة مشتقة من الجذر العبريّ الذي يعني الدراسة والتعلّم، كما في عبارة«دراسة الشريعة»، وتعود كل من كلمة «تلمود» العبرية وكلمة «تلميذ» العربية إلى أصل سامي واحد.
[11] – روجيه غارودي “فلسطين أرض الرسالات السماوية” – ترجمة قصي أتاسي – ميشيل واكيم – الطبعة الأولى 1988 دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر.
[12] – راهب من دير البراموس – التلمود نشأته وتاريخه – الطبعة الثانية 2002 – ص18.
[13] – قصة الحضارة – و.ل.دبوراتت – 1975، ج3، المجلد الرابع، ص 10-39.
[14] – راهب من دير البراموس – التلمود – مرجع السابق – ص 70.
[15] – راهب من دير البراموس – التلمود – مرجع السابق – ص 62.
[16] – راهب من دير البراموس – التلمود – مرجع السابق – ص36-38، التلمود كتاب اليهود المقدس، دار قتيبة، دمشق 2006.
[17] – V.f.epistolum fundaminti 6.
[18] – ضد الهراطقة 3، 4، 1
[19] – تفسير رومية 1، 3، 1.
[20] – في تفسير اللاويين، العظة 4، 5
[21] – في تفسير إرميا العظة 7، 3
[22] – شرح إنجيل يوحنا11 – ترجمة مركز دراسات الآباء PG74. 646AB
[23] – ضد الهرطقات 12:9:AH3
[24] – ضد الهرطقات 9:1: AH1
[25] – على نفس هذا المنوال مَن يترجمون كتابات غريبة دون إفراز أو من يتأثرون بفكر فلسفي غريب أو تعاليم هرطوقية داخل ثوب مزيف
[26] – ضد الهرطقات 1:8: AH1
[27] – Strom. 7:16.
[28] – العلاَّمة أوريجانوس – في المباديء 4-2-4 – ترجمة الاب جورج خوام البوليسي – منشورات المكتبة البوليسية – 2002 –ص 387.
[29] – العلاَّمة أوريجانوس – نفس المرجع السابق – ص 387.
[30] – العلاَّمة أوريجانوس – نفس المرجع السابق – ص 389.
[31] – Strom. 4.5
[32] – Strom. 4.4
[33] – In Exod. Hom, 2.4.
[34] – In Joan. t2, c29.
[35] – In Exod. Hom, 3.3.
[36] – القمص تادرس يعقوب ملطي – آباء مدرسة الإسكندرية الأولون 2001 – ص 153.
[37] – ضد الأريوسيين 54:1.
[38] – دياكون مجدي وهبة – آباء الكنيسة والكتاب المقدس – دورية مركز دراسات الآباء – يناير 1998 .ص 55.
[39] – P Schaff , History of chrision church,1910, vol. 2,p.816.
[40] – مُعرَّباً من مخطوطة في مكتبة دير الشرفة ترجع إلى القرن الثاني عشر.
[41] – تفسير المعجزات في إنجيل يوحنا عند آباء الكنيسة ومعلميها 2 – الكتاب الشهريّ – بيت التكريس مارس 2006 – ص26
[42] – عن القمص تادرس يعقوب ملطي – القديس يوحنا ذهبيّ الفم 1980 – ص 141 .. In Ps. , hom 9:4
[43] – In Psalm . PG55 :209.
[44] – In thes. , hom3. عن القمص تادرس يعقوب ملطي- القديس يوحنا ذهبيّ الفم 1980 – ص 138.
[45] – In Mat. , hom 19:8.
[46] – In Mat. , hom 15:5.
[47] – In Mat. , hom 16:13.
[48] مشكاة الطلاب في حل مكشلات الكتاب – طبعة 1929 ص168.
[49] – Clem. Stromata 1:1.
[50] – الدفاع 67:1.
[51] – القمص تادرس يعقوب ملطي – القديس يوحنا ذهبيّ الفم – 1980 – ص
[52] – In Mat, home 47:7.
[53] – De Paralyt. عن القمص تادرس يعقوب ملطي – القديس يوحنا ذهبيّ الفم – 1980 – ص 135.
“واضع عداوة بينك وبين المراة وبين نسلك ونسلها. هو يسحق راسك وانت تسحقين عقبه. “
ليست مفاجأة أن أولى النبوءات المسيانيّة، تظهر ضمن سياق الحديث عن السقوط، فلو لم تدخل الخطيّة الى العالم، فلا حاجة إذاً الى مسيّا مُخلّص. فبعد السقوط لعن الله الحيّة التي احتالت على الجنس البشري، وكشف عن العداوة بين الحيّة والمرأة، وأنّ هذه العداوة امتدّت بين نسل المرأة ونسل الحيّة … نسل المرأة، يُشير الى المسيح – المسيّا – وأمّا نسل الحيّة فيُشير الى الشيطان ضد المسيح ومن يستخدمهم لمقاومة المسيح.
في هذه النّبوّة الأولى، نفهم أنّ أصل المسيّا ونسبه، يُنسب الى المرأة وليس الى الرّجُل … رغم أنّ هذا يتعارض مع ما هو مُتّبع في العهد القديم. ففي أسعار العهد القديم، توجد سلسلة أنساب عديدة: تبدأ من سفر التكوين الإصحاح الخامس والإصحاح العاشر، ثم الإصحاحات التسعة الأولى من سفر اخبار الأيام الأولى، علاوة عن باقي الأسفار المطوّلة سواء من كُتُب موسى او الأنبياء، نجد العديد من سجلاّت الأنساب … يُدرج فيها أسماء الرّجال فقط دون النساء. فالعادة المتّبعة أنّ النسب الشرعي والقومي وتماثل السبط، يُؤخذ عن طريق الأب وليس عن طريق الأم (الاستثناء الوحيد لذلك، هو ما ورد في عزرا 61:2، ونحميا 63:7).
فمن النادر جدّاً إدراج إسماء نساء في سلسلة الأنساب ما لم تكن ذات شأنٍ خاص وبارز في التاريخ اليهودي … وحتّى في هذه الحالة يُشار اليها بطريقة عابرة.
وحقيقة الأمر أنّ موسى النبي – في سفر التكوين – يعزو نسب المسيّا الى “نسل المرأة، ليُخبرنا بأنّ شيئاً ما يحدث بخصوص المسيّا … شيئاً يُحتّم أن يُنسب المسيّا من خلال أمّه وليس من خلال أبيه. وهنا لا يُعطينا موسى النبيّ سبباً واضحاً لذلك، ولا أحد طوال قرونٍ عديدةٍ فسّر ذلك، حتّى جاء إشعياء النّبيّ، وتنبّأ في الإصحاح السابع، عن ميلاد المسيّا من عذراء بلا أبٍ جسدي.
وفي هذه النبوءة أيضاً، نرى المسيّا يسحق رأس الحيّة “الشيطان”، الذي بدأ بموت المسيح وقيامته، والذي يُشير اليه معلّمنا بولس الرسول قائلا “فاذ قد تشارك الاولاد في اللحم والدم اشترك هو ايضا كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت اي ابليس” (عب 14:2). ويوحنا الحبيب يؤكد على ذلك بقوله “طرح التنين العظيم الحية القديمة المدعو ابليس والشيطان الذي يضل العالم كله طرح الى الارض وطرحت معه ملائكته.” (رؤ 9:12)، “فقبض على التنين الحية القديمة الذي هو ابليس والشيطان وقيده ألف سنة” (رؤ 2:20).
أمّا التلميح بالميلاد العذراوي، بقوله “نسل المرأة”، فهذا إشارة الى طبيعة المسيح الناسوتيّة. وفي هذا تمهيد للجنس البشري، بأن المسيّا سيكون في صورة إنسان.
الترجوم المنسوب ليوناثان TPsJ، يسترعي الانتباه في تفسيره لهذه النبوءة: فهو يربط بين الكلمة “عقب Aqev עקב” والكلمة “نهاية Iqvah עיקבא”، لذا يقول في تفسيره الآية “سينعم إسرائيل بالسلام في النهاية، في نهاية الأيام، في أيام المسيّا الملك” Bereshith Rabbah 23 – בראשית רבה כ”ג.
أما ترجوم يوناثان، فيربط بين الكلمة الآراميّة “يصنع سلاماً Shefiyuta שפיותא” والكلمة العبريّة “يسحق Yeshufach ישופך”، لأنّ جذر كل من الكلمتين واحد، ولذا يترجمون هذه الآية هكذا “في النهاية، في أيام المسيّا الملك، سيُجرح في قدمه، كي ينعم شعب إسرائيل بالسلام والرّاحة، كما كُتب عنه في مزمور 16:22 “لأنه قد احاطت بي كلاب. جماعة من الاشرار اكتنفتني. ثقبوا يدي ورجلي”.
وأغلب العُلماء من الرابيين شرحوا هذه الآية، بنفس أسلوب ترجوم يوناثان وقالوا: إن شعب إسرائيل في نهاية الأيام، في أيام الملك الممسوح، سيشفون من عضّة الحيّة وينعمون بالسلام والرّاحة. أما رابي دافيد كمحي רד”ק Rabbi David Qimhi فيقول في تفسيره لهذه الآية (إنّ المسيّا في نهاية الأيّام سيأتي ليسحق رأس الحيّة. وبدون المسيّا لا يوجد تفسير صحيح للأسفار المُقدّسة).
2- تكوين 1:4
“وعرف ادم حواء امراته فحبلت وولدت قايين. وقالت اقتنيت رجلا من عند الرب.”
نقرأ في الترجمة العربيّة الموجودة لدينا المقطع (رجلاً من عند الرّب)، أمّا الأصل العبري، يُترجم حرفيّاً، … اقتنيت رجل: يهوه، وتُكتب بالعبرية: איש את-יהוה. قليلون من مُترجمي الأسفار المُقدّسة، فهموا حقيقة ما قالته حوّاء في هذه الآية، وللأسف، الترجمة العربيّة لا تُعبّر بدقّة عن النّص في العبريّة. لقد فَهمَت حوّاء جيّداً وبوضوح من كلمات الله في تكوين 15:3، إن الحيّة ستُسحق بواسطة “الله-الإنسان”.
على نحوٍ بيَّن اعتقدت حوّاء أنّ قايين هو “يهوه”، وبحسب مفهومها “الله – الإنسان”. اعتقادها من ناحية المبدأ اللاهوتي، صحيح – اذ أنّ المسيّا سيكون الهاً وإنساناً معاً – لكن خطأها الذي وقعت فيه، هو من جهة التطبيق فقط. لقد افترضت أنّ قايين، مولودها الأول، هو الموعود به “الله – الإنسان”، ولقد أدركت بسرعة خطأها، وهذا يتّضح عند ولادة أخٍ لقايين ودعت اسمه هابيل، الذي معناه بخّار أو نسمة.
ولقد قام العديد من الباحثين، في مختلف الأزمنة بوضع ترجمة لتكون أقرب ما يكون للنصّ العبري، فمثلا “اقتنيت رجلاً من عند الرّب” – “اقتنيت رجلاً بمعونة الرّب” …. حيث أُضيفت الكلمات: “من عند – من قبل – بمعونة”، لتفادي القراءة غير المقبولة لهم او القراءة المبهمة لديهم (نفس هذا الشيء في الترجمات الإنجليزية والألمانيّة). غالبيّة الترجمات الموجودة لدينا من عربيّة انجليزية – المانية …. الخ، لم تعتمد على النص الأصلي العبري، بل على الترجمة السبعينيّة اليونانيّة، التي ترجمت الآية “من عند”. ونفس الشيء إتُّبِعَ في الترجمة اللاتينّية (الفولجاتا Vulgate)، والتي تقول “من قِبل”.
الترجوم المنسوب ليوناثان TPsJ، وهو ترجمة آراميّة للنصّ العبري، يقول “اقتنيت رجلا: ملاك يهوه”. وهنا الرابيون يعطون ترجمة هي أقرب ما يكون للنّص العبري. أمّا ترجوم يوناثان “Targum Pseudo – Janathan”، يترجمها “اقتنيت الرجل ملاك الربّ”. في ترجمة آراميّة أخرى هو ترجوم أونكيلوس Targum Onqelos يقول “اقتنيت رجلاً من أمام يهوه” هذه الترجمات الآراميّة والصّيغ تُظهر أنّ الأصل العبري يتضمّن مفهوماً يفوق العقل البشري، تعجز الترجمة عن نقله حرفيّاً، هذا من جهة … من جهة أخرى كل المترجمين الذين أخذوا من النصّ العبريّ، لم يتخيلوا أنّ حوّاء ستقتني الربّ نفسه.
على أنّ “ملاك الربّ” أو “ملاك يهوه”، حسب اللاهوت المسيحي هو الأقنوم الثاني في الثالوث القدّوس … لكن بالطبع، ليست هذه هي نظرة مُترجمي التراجيم اليهوديّة. (سنناقش هذا الموضوع فيما بعد).
وفي تعليق مدراش رباه Midrash Rabbah מדרש רבה، على تكوين 1:4 “من عند الرب”. يقول (رابي يشماعيل רבי ישמעאל Rabbi Ismael سأل رابي عكيڤا רבי עקיבא Rabbi Akiba، قائلا: حيث أنّك خدمت رابي ناحوم الجمزو Nahum of Gimzo لمُدّة 22 سنة. وما هو سبب وضع أداة النصب، “את – ات” في هذه الآية “את-יהוה”.
فأجاب لو قال “اقتنيت رجل: الله، سيكون هذا صعب الفهم او التفسير، لهذا تطلب الحاجة الى استعمال את وهي أداة نصب تتقدّم المفعول به إذا كان الاسم معروفاً إذا كان الاسم معروفاً. فتكون الترجمة لأي لغة أخرى هي “من قِبل” او “من عند” وبالتالي تكون الآية “اقتنيت رجلاً من قبل يهوه”. وفي الهامش المُدوّن صفحة 181 من هذا المدراش، يقول: ⌡الى حدّ بعيد تدل الآية على أنّها (حوّاء) ستقتني الرّب نفسه⌠. والرابيون فهموا مضمون معنى الآية، ولهذا عملوا بقدر طاقتهم أن تكون ترجماتهم دقيقة.
3- تكوين 21:5-31
“وعاش اخنوخ خمسا وستين سنة وولد متوشالح. وسار اخنوخ مع الله بعدما ولد متوشالح ثلث مئة سنة وولد بنين وبنات. فكانت كل ايام اخنوخ ثلث مئة وخمسا وستين سنة. وسار اخنوخ مع الله ولم يوجد لان الله اخذه وعاش متوشالح مئة وسبعا وثمانين سنة وولد لامك. وعاش متوشالح بعدما ولد لامك سبع مئة واثنتين وثمانين سنة وولد بنين وبنات. فكانت كل ايام متوشالح تسع مئة وتسعا وستين سنة ومات وعاش لامك مئة واثنتين وثمانين سنة وولد ابنا.
ودعا اسمه نوحا. قائلا هذا يعزينا عن عملنا وتعب ايدينا من قبل الارض التي لعنها الرب. وعاش لامك بعدما ولد نوحا خمس مئة وخمسا وتسعين سنة وولد بنين وبنات. فكانت كل ايام لامك سبع مئة وسبعا وسبعين سنة ومات”
في هذا المقطع نقرأ عن أخنوخ البار، الذي قيل عنه (ولم يوجد لأن الله أخذه). وفي رسالة يهوذا نقرأ عن أخنوخ. أيضا أنه كان مُبشِراً بالبِرّ ونبيّاً “وتنبأ عن هؤلاء ايضا اخنوخ السابع من ادم قائلا هوذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه ليصنع دينونة على الجميع ويعاقب جميع فجارهم على جميع اعمال فجورهم التي فجروا بها وعلى جميع الكلمات الصعبة التي تكلم بها عليه خطاه فجار.” (يه 14-15). والاسم الذي أعطاه أخنوخ لابنه متوشالح، يُضيف إشارة نبويّة قويّة.
فالاسم (متوشالح) اسم عبري معناه حرفيّاً (عندما يموت سيأتي). فهذه النبوءة تُشير الى مجيء الطوفان. ولقد فهم لامك أن اسم أبيه متوشالح يحمل نبوءة، ولكنّه أخطأ حين ظنّ في أنّ الاسم يُشير الى زمن ولادة ابنه نوح. حقّاً إنّ نوح سيكون رجلاً ذو أهمّيّة قصوى في التاريخ البشري، لكن ليس بالطريقة التي فكّر بها لامك.
واضح أنّ لامك كان يأمل أنّ نوحاً، والذي معناه [الرّاحة] او [المُعزّي]، سيكون الى حدٍّ بعيد هو المسيّا. ويتّضح من الأعمار والسنين المدوّنة في تكوين 5، أنّ لامك كان عمره 56 سنة حين مات آدم. بناء على ذلك، فإنّه من المؤكد أنّ لامك عرف وتسلّم بدقة ما حدث في جنّة عدن، وكل الكلمات التي نطق بها الله، لذا، فمن المشوق جدا أن نرى في الآية (تك 29:5)، كيف عبّر لامك عن رجائه المسياني بأن سمّى ابنه (نوحاً).
قائلاً (هذا يُعزّينا عن عملنا وتعب أيدينا من قبل الأرض التي لعنها الرب). فقد رأى لامك، المسيّا كمخلّص ينزع ويمحو لعنة سقوط آدم وحوّاء، وكلّ نتائجها …. تماماً، كما ظنّت حواء في قايين، أنّه المسيّا هكذا لامك من ناحية المبدأ اللاهوتي كان صائباً، لكن أخطأ التطبيق. كان في ذهن لامك، أنه في يوم ما، تتحقق فيه الوعود التي وردت في تكوين 15:3، يسحق رأس الحية، لكن لم يكن نوحاً هذا الإنسان.
أما عن الاسم (متوشالح) وما فيه من نبوة، فهي تخص مجيء الطوفان فالاسم معناه (عندما يموت سيأتي) أي عندما يموت متوشالح سيجيئ الطوفان. فبطريقة حسابية بسيطة، بحسب التواريخ الواردة في سفر التكوين 3:5-32 / 6:7-11 / 28:9-29، نرى أن الطوفان جاء سنة 1656 لخلقة الإنسان، وهي نفس السنة التي مات فيها متوشالح، أنظر الجدول التالي:
سلسلة أنساب نوح
كان عمره حين ولد
ثم عاش
العمر بالكامل
سنة خلقه الإنسان حين مات
1) آدم
130
800
930
930
2) شيث
105
807
912
1042
3) آنوش
90
815
905
1140
4) قيدان
70
5) مهلليئل
65
6) يارد
162
7) أخنوخ
65
8) متوشالح
178
9) لامك
182
10) نوح
500
عندما كان نوح في عمر 500 سنة ولد مما وجاما وثافث.
الطوفان
+
100
عندما كان نوح ابن 600 سنة صار الطوفان
=
1656 خلق الإنسان
4- تكوين 1:6-4
“وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الارض وولد لهم بنات ان ابناء الله راوا بنات الناس انهن حسنات. فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا فقال الرب لا يدين روحي في الانسان الى الابد. لزيغانه هو بشر وتكون ايامه مئة وعشرين سنة كان في الارض طغاة في تلك الايام. وبعد ذلك ايضا اذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم اولادا. هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم”
ليست الخليقة البشريّة وحدها، هي التي فهمت معنى ومعزى كلمات الله في سفر التكوين 15:3. أيضا، الشيطان الذي وجّه له الرب هذه الكلمات “واضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها. هو يسحق راسك وانت تسحقين عقبه.”…… وقد فهمها جيّداً. ولذا، ففي تكوين 1:6-4، نرى بوضوح المحاولة الأولى للشيطان في مقاومة خطّة الله بخصوص المسيّا. وبما أنّ المسيّا سيكون من نسل المرأة، إذاً يكون هدف الشيطان: كيف يُفسد هذا الخط من النسل.
طبقاً لمُحاولة إفساد نسل المرأة، قاد الشيكان وملائكته الأشرار الساقطين، أولاد الله كي يتزوجوا من بنات الناس …. كانت نتيجة هذا التزاوج أن نشأ الجبابرة 1 Nephilim ….. هذا النسل الوحشي الشرير كان سبباً في جلب [1] دينونة الله بالطوفان، إذ محا الله كلّ الجبابرة، وأبقى له بقيّة والتي سيأتي منها المسيّا. هذه البقيّة تمثلت في نوح البار. أبو البشريّة الجديدة بعد الطوفان.
ثانيا: نسل إبراهيم
تكوين 18:22
“ويتبارك في نسلك جميع امم الارض. من اجل أنك سمعت لقولي.”
يحوي الإصحاح 22 من سفر التكوين على العديد من الآيات التي تخبرنا عن العهد مع إبراهيم، وهو أحد العهود الثمانية المذكورة في أسفار العهد القديم والمصطلح العبري لكلمة (نسل) يستعمل عادة للدلالة على المفرد… على أنه يستعمل بطريقتين مختلفتين: يمكن أن يستخدم بالمفرد على الإطلاق بمعنى شخص واحد متميّز – أو يستعمل بالمفرد الدال على الجمع، بمعنى جماعة واحدة.
ففي سياق الحديث عن العهد مع إبراهيم، استُعمِلت كلمة (نسل) في صيغة المفرد الدال على الجمع، ليعبِّر عن جماعة بني إسرائيل ” ثم اخرجه الى خارج وقال انظر الى السماء وعد النجوم ان استطعت ان تعدها. وقال له هكذا يكون نسلك.” (تكوين 5:15) “اباركك مباركة وأكثر نسلك تكثيرا كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر. ويرث نسلك باب اعدائه” (تكوين 17:22).
أمّا حين تُستعمل كلمة (نسل) كمُفرد على الإطلاق، كما في النبوّة التي ندرسها الآن، فهي تُشير الى شخص واحد محدّد هو المسيّا “ويتبارك في نسلك جميع امم الارض. من اجل أنك سمعت لقولي” (تكوين 18:22).
في مدراش رباه Bereshith Rabbah 23 בראשית רבה כ”ג، في تعليقه على هذه النبوة يقول <“النسل” هو المسيّا الملك، الذي سيأتي من المرأة. وقد جاءت في صيغة المفرد، حيث أنّ المقصود هو وحده. تماماً كما جاء عنه في تكوين 15:3 “واضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها. هو הוא يسحق راسك وانت تسحقين عقبه.” فالضمير الشخصي هنا مفرد hû הוא، ولذلك استعمل معه ايضاً الصيغة بالمفرد في قوله “نسل” المرأة، لتُشير الى المسيّا (الملك).
هذا ولقد كشف معلّمنا يولس الرسول عن هذه الحقيقة، في تعليقه على الآية ” واما المواعيد فقيلت في ابراهيم وفي نسله. لا يقول: «وفي الانسال» كأنه عن كثيرين، بل كأنه عن واحد: «وفي نسلك» الذي هو المسيح.” (غلاطية 16:3). وعليه، ففي تكوين 15:3، عرفنا أن المسيّا سيكون من نسل المرأة، أي سيأخذ طبيعة بشريّة كاملة. ومن خلال العهد مع إبراهيم في تكوين 18:22، قد حصر المسيّا بأنّه سيكون من نسل واحد خاص، ألا وهو نسل إبراهيم.
أمّا النقطة الأخرى في هذه النبوة، فهي تخص الأمم أي الشعوب الوثنيّة. فهذه الأمم الوثنيّة ستتبارك من خلال نسل إبراهيم، أي أنّه سيكون لها نصيباً في هذا المسيّا. وبالتالي، فإنّ المسيح قد جاء من أجل اليهود والأمم على حدٍّ سواء “لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الابدية. ” (يوحنا 16:3). وهذا يتفق مع “ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض”.
ثالثا: نسل يهوذا
1- تكوين 27:38-29
” وفي وقت ولادتها إذا في بطنها توأمان، وكان في ولادتها أن أحدهما أخرج يدا فأخذت القابلة وربطت على يده قرمزا، قائلة: هذا خرج أولا، ولكن حين رد يده، إذا أخوه قد خرج. فقالت: لماذا اقتحمت؟ عليك اقتحام. فدعي اسمه فارص”
مرّة أخرى نعود الى نسل المرأة.. فالمرأة هنا هي (ثامار)، أمّا النسل الذي يأتي منها فهو (فارص)، الذي يأتي من يهوذا. ومن الأسماء عُرف بها المسيّا في التراجيم والتلمود هو “المسيّا بن فارص”.
ونُلخّص شرح هذه النبوة في ثلاث نقاط:
أوّلاً: في مدراش راعوث Midrash Rauth מדרש רות، يربط بين مفهوم (النسل)، (المسيّا) حين يتحدّث عن الولي. ففي اللغة العبريّة كلمة (وليّ) تُعطي نفس معنى (فادي او مُخلّص). فيقول هذا الميدراش في تعليقه على راعوث 12:4-14 “وليكن بيتك كبيت (يقصد بوعز) فارص الذي ولدته ثامار ليهوذا من النسل الذي يعطيك الرب من هذه الفتاة (راغوث) 13 فاخذ بوعز راعوث امرأة ودخل عليها فأعطاها الرب حبلا فولدت ابنا.
14 فقالت النساء لنعمي مبارك الرب الذي لم يعدمك وليا اليوم لكي يدعى اسمه في اسرائيل. “هذا هو فارص نسل المسيّا الملك. هذا هو فارص الذي قيل عنه: الله اعدّ نسلاً آخر، من مكان آخر، يأتي منه المسيّا بن فارص Rauth Rabbah 8 רות רבה ח.
ماذا يقصد المدراش السابق بقوله (الله أعدّ نسلاً آخر، من مكان آخر).
هذا القول جاء في مدراش قديم على سفر التكوين لشرح الآية التي تقول “وعرف ادم امراته ايضا. فولدت ابنا ودعت اسمه شيثا. قائلة لان الله قد وضع لي نسلا اخر عوضا عن هابيل.لان قايين كان قد قتله.” (تكوين 25:4). ويسأل هذا المدراش قائلاً: (إنّه يتكلّم عن نسل آخر، من مكانٍ آخر. من يكون هو؟؟؟ هو المسيّا الملك) Bereshith Rabbah 23 בראשית רבה כ”ג.
ثانيا: فارص هذا هو الذي ورد اسمه في سلسلة أنساب السيد المسيح، بحسب إنجيل متى “ويهوذا ولد فارص وزارح من ثامار. وفارص ولد حصرون. وحصرون ولد ارام.” (متى 3:1). ليُنبّه ذهن القارئ أنّ الربّ يسوع، هو المسيّا الذي جاء من نسل فارص بن يهوذا، وهذا هو نسل المرأة، حيث يذكر الإنجيل متعمّداً القول “……… من ثامار”.
وبدقّة متناهية، يرصد مدراش فارص Midrash Perez، عمل المسيّا بن فارص، بقوله (إنّ المسيّا بن فارص سيعالج آثار الدمار الناتج عن السقوط). ومدراش رباه Midrash Rabbah מדרש רבה، يصف السابق بأسلوب جديد، بدأه بفارص، قائلاً (هذا هو تاريخ فارص، الذي له مغزى عميق…. فعندما خلق القدوس عالمه، لم يكن الى ذلك الحين، يوجد ملاك الموت بعد. لكن بعدما سقطا آدم وحوّاء في العصيان، كل الأجيال فسدت.
وعندما ظهر فارص، بدأ التاريخ أن يتحقق من خلاله، لأن منه سيظهر المسيّا. وفي أيّامه سينزع القُدّوس لعنه الموت، كما هو مكتوب “يبلع الموت الى الابد ويمسح السيد الرب الدموع عن كل الوجوه وينزع عار شعبه عن كل الارض لان الرب قد تكلم” (إشعياء 8:25) Shemoth Rabbah שמות רבה (مدراش رباه لسفر الخروج).
من الصعب الحصول على مصدر يهودي، يلتقي نصّه مع ما قدّمه بولس الرسول في رسالة روميّة، عن المسيح الغالب الموت، مثل النص السابق. يقول بولس الرسول “من اجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية الى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت الى جميع الناس، اذ أخطأ الجميع. ” (روميّة 12:5) أيضاً في كورنثوس الأولى، يقول “لأنه كما في ادم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع. ” كورنثوس الأولى 22:15.
إذاً، جذور سرّ تاريخ الخلاص هذا، يرجع الى بداية سقوط الجنس البشري. ولقد كتب البروفيسور Gottleib Klein في بداية القرن العشرين، معلقاً على ذلك بقوله (بمفهوم النظام الذي يُعرف بـ }التوقيع بالأحرف الأولى{، وهو مظهر يتعلّق باحترام كلّ حرف موجود في الكلمة. إذ كل حرف في الكلمة يُشير الى حرف أوّل لكلمة أخرى. فالحروف العبريّة الثلاثة لكلمة آدم هي אדם، التوقيع هو:
א ◄ אדם ד ◄ דוד ם ◄ משיח ا ◄ ادم د ◄ دود (دڤيد – داود) م ◄ م ش ي ح (مسيح)
بهذه الكيفيّة سيُعالج المسيّا – المسيح – نسل داود، سقوط آدم. ومما هو جدير بالذّكر أنّ Dr. Gottleib Klein، يعتبر من أكبر علماء الكتاب المقدّس في العصر الحديث، آمين بالسيد المسيح، وكان قبلاً يهوديّاً.
كذلك أشهر الأعمال التي يقوم بها المسيّا – حسب الترجوم – إنّه سيصنع سلاماً حيث كانت العداوة. ويُشير بولس الرسول الى ذلك قائلاً “لانه هو سلامنا، الذي جعل الاثنين واحدا، ونقض حائط السياج المتوسط 15 اي العداوة. مبطلا بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه انسانا واحدا جديدا، صانعا سلاما،” (أفسس 14:2-16).
ثالثا: المسيّا ينقض حاجز الناموس: نقرأ في سفر التكوين عن فارص بن يهوذا وثامار “ولكن حين رد يده، اذ اخوه قد خرج. فقالت: لماذا اقتحمت؟ عليك اقتحام. فدعي اسمه فارص.” (تكوين 29:38). كُنّا قد تكلّمنا سابقاً عن اسم فارص وعلاقته بالمسيّا كغالب الموت. أمّا عن علاقة فارص بالمسيّا فيما يتعلق بإرجاع العلاقة مع الله، فنقرأ في المشناه (يُدعى المسيّا بن فارص، الذي يُرجع ما فقدته البشريّة بسقطة آدم) Megillath ha – Shabath 113.
وفي ميدراش آخر، يتحدث رابي تنحوما Rabbi Tanhuma bar Abba רבי תנחומא בר אבא مرّات عديدة عن المسيّا وارتباطه بفارص، فيقول (هناك خطأة يتكبّدون بسبب سقوطهم خسارة عظيمة، وهناك من يستفيدون من أخطائهم. هكذا، استفدنا نحن من يهوذا، حيث جاء منه فارص، ومنه ينحدر داود والمسيّا الملك الذي سينقذ إسرائيل.
أنظروا كم هي عظيمة المتاعب التي يتكبدها القدّوس، حتّى يظهر المسيّا الملك من يهوذا، والذي كُتب عنه “روح السيد الرب علي لان الرب مسحني لأبشر المساكين ارسلني لأعصب منكسري القلب لأنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق. لأنادي بسنة مقبولة للرب وبيوم انتقام لإلهنا لأعزي كل النائحين لأجعل لنائحي صهيون لأعطيهم جمالا عوضا عن الرماد ودهن فرح عوضا عن النوح ورداء تسبيح عوضا عن الروح اليائسة فيدعون اشجار البر غرس الرب للتمجيد ” (إشعياء 1:61-3) Midrash Tanhuma, Bereshith מדרש תנחומא, בראשית.
أمّا مدراش رباه Midrash Rabbah מדרש רבה, فيناقش هذه النبوّة، فيقول (المخلّص الأخير هو المسيّا الملك ابن داود الذي من نسل فارص بن يهوذا ….. هذا هو المسيّا الملك الذي كُتب عنه “يرسل الرب قضيب عزك من صهيون. تسلط في وسط اعدائك” (مزمور 2:110).
وتضيف شروحات الرابيين، الآتي – هذا هو المسيّا الذي ظهوره أصبح قريباً، لأنّه قد كُتب عنه “قد صعد الفاتك امامهم. يقتحمون ويعبرون من الباب ويخرجون منه ويجتاز ملكهم امامهم والرب في راسهم” (ميخا 13:2) -.
رمبان Nahmanides רמב”ן (رمبان: هو اختصار لرابي موشي بن نحمان)، عاش في نهاية القرن الثالث عشر، يصف ميلاد فارص كالتالي (…. فارص أحاط به سياج وحوصر داخله، لكن اقتحم هذا السياج قبل أخيه فخرج اوّلاً وصار بِكراً. لهذا قيل عنه – لماذا اقتحمت -، أي كيف نقضت الحاجز وخرجت منه … فارص هو الابن البكر بقوّة العليّ، كما هو مكتوب – سأعطيه إبناً يكون هو الابن البكر-. الحكماء فقط هم سيفهمون) Mikraoth Gedoloth מקראות גדולות (Corresponding Section). ما هو الذي سيفهمه الحكماء؟؟!! وماذا يقصد بـ (كيف نقضت الحاجز وخرجت منه)؟؟!!. نُجيب على هذه الأسئلة، نقول:
(أ) <كيف نقضت الحاجز وخرجت منه>، تاريخيّاً هذا وصف لما حدث بالفعل حين حطّمت المسيحية القالب اليهودي والسياج الحديدي لحرفيّة الناموس وطقوسه، وخرجت منه …. كما يخرج الجنين الحيّ من بين فلقتيّ الحبوب البقوليّة، محطماً القشرة الخارجيّة الصلبة، او كما يطلع نور الفجر ويشق سياج الظلمة القاتم. هذا من جهة …. من جهة اخرى: أمّا فيما يتعلق بتمزيق هذا الحاجز، فنقول، يوجد حسب تعاليم الرابيين، رسميّاً 613 أمر ونهي …. هذه الأوامر والنواهي بدأت مبكراً، ففي سفر إشعياء (كتب حوالي سنة 700 ق.م)، يقول “لأنه امر على امر.
امر على امر. فرض على فرض. فرض على فرض. هنا قليل هناك قليل” (إشعياء 10:28). ويبدو أنّ هذه الأوامر والنواهي، تنامت مع مرور الوقت حتى أصبحت 613 أمر ونهي. قد حوّلها قادة اليهود الدينيين من كلمة <عزاء وراحة> الى ديانة تُطالب وتحاكم، وخوف الله لم يعد إلاّ قوانين تعلم للناس، من ينفذ هذه القوانين يعتبر نفسه بارّاً ومن يهملها يصير مجرما ويعاقب. من أجل هذا، يلومهم الرب، بعد قوله السابق مباشرة، قائلاً “فقال السيد لان هذا الشعب قد اقترب الي بفمه وأكرمني بشفتيه واما قلبه فابعده عني وصارت مخافتهم مني وصية الناس معلمة ” (إشعياء 13:29).
فترجوم يوناثان Targum Jonathan תרגום יונתן, يقول {خلق الله للإنسان 248 عظمة، 365 وتراً – على عدد أيّام السنة -، فيكون جملة عدد النواهي والأوامر هي 613 أمراً ونهياً: وهي عبارة عن 248 أمراً + 365 نهياً}. من هذا نتبيّن أنّهم أي الرابيين أضافوا من عندهم وصايا وأوامر ونواهي، إلى وصايا الرب، أي أقاموا سياجاً حول الناموس، وبداخل هذا السياج، يعيش اليهودي الورع.
ولذا، فالرب يسوع نفسه، في تعاليمه وبّخهم بشدة على هذا الفهم السيئ للناموس، مُستشهداً بكلمات إشعياء النبي، قائلاً “فقد أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم (هذه الترجمة خاطئة، ولكن الأصح) بسبب تعاليمكم، كما هي في اليونانيّة”، “فقد ابطلتم وصية الله بسبب تقليدكم! يا مراؤون! حسنا تنبا عنكم إشعياء قائلا: يقترب الي هذا الشعب بفمه ويكرمني بشفتيه واما قلبه فمبتعد عني بعيدا. وباطلا يعبدونني وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس.” (متى 6:15-9).
هنا – بالفعل – الرب يسوع ينقض ويُزيل السياج الذي وضعه علماء الدين اليهود، حول الناموس. وموسى نفسه عندما استلم الوصايا والشريعة من الله، حذّر الشعب قائلاً “فالان يا اسرائيل اسمع الفرائض والاحكام التي انا اعلمكم لتعملوها لكي تحيوا وتدخلوا وتمتلكوا الارض التي الرب إله ابائكم يعطيكم. 2 لا تزيدوا على الكلام الذي انا اوصيكم به ولا تنقصوا منه لكي تحفظوا وصايا الرب الهكم التي انا اوصيكم بها.” (تثنية 1:4-2).
ومما هو جدير بالذكر، أنّ هذا السياج من القوانين والأحكام التي وضعها علماء اليهود من الرابيين، ولم يرد ذكرها مباشرة في الأسفار المقدّسة، جُمعت في كتاب يسمّى هلخا Halakha הלכה, وهو جزء من التلمود. هذه القوانين تُمثّل مُشكلة شديدة الصعوبة لغالبيّة اليهود في عدم قدرتهم في الإيفاء بتنفيذ هذه القوانين، بالإضافة الى انّها جعلتهم ينصرفون عن روحانيّة الناموس، والغاية منه، بسبب انشغالهم بحرفيّته. فالمتأمّل في هذه القوانين التي حوتها كتبهم يُصاب باليأس والإحباط.
أمّا الاقتحام الأخير الذي قام به السيد المسيح، لهذا السياج الحديدي حول الناموس، فتمّ على الصليب “وإذا حجاب الهيكل قد انشق الى اثنين من فوق الى أسفل. والارض تزلزلت والصخور تشققت” (متى 51:27). وفي تعبير جميل ورائع لبولس الرسول، يُشير الى نقض وإزالة هذا السياج، يقول “لأنه هو سلامنا، الذي جعل الاثنين واحدا، ونقض حائط السياج المتوسط 15 اي العداوة.
مبطلا بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه انسانا واحدا جديدا، صانعا سلاما، 16 ويصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب، قاتلا العداوة به.” (أفسس 14:2-16). هذا هو فارص الجديد، المسيح الذي اقتحم اقتحاماً، وأزال لعنة الناموس في فرائض. “ليفتدي الذين تحت الناموس، لننال التبني. ” (غلاطية 5:4)
– “فاثبتوا إذا في الحرية التي قد حررنا المسيح بها، ولا ترتبكوا ايضا بنير عبودية. ها انا بولس اقول لكم: انه ان اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئا! 3 لكن اشهد ايضا لكل انسان مختتن انه ملتزم ان يعمل بكل الناموس. قد تبطلتم عن المسيح ايها الذين تتبررون بالناموس. سقطتم من النعمة. 5 فإننا بالروح من الايمان نتوقع رجاء بر. لأنه في المسيح يسوع لا الختان ينفع شيئا ولا الغرلة، بل الايمان العامل بالمحبة. كنتم تسعون حسنا.
فمن صدكم حتى لا تطاوعوا للحق؟ هذه المطاوعة ليست من الذي دعاكم. «خميرة صغيرة تخمر العجين كله». ولكنني اثق بكم في الرب انكم لا تفتكرون شيئا اخر. ولكن الذي يزعجكم سيحمل الدينونة اي من كان. واما انا ايها الاخوة فان كنت بعد اكرز بالختان، فلماذا اضطهد بعد؟ إذا عثرة الصليب قد بطلت. يا ليت الذين يقلقونكم يقطعون ايضا! فأنكم انما دعيتم للحرية ايها الاخوة.
غير انه لا تصيروا الحرية فرصة للجسد، بل بالمحبة اخدموا بعضكم بعضا. لان كل الناموس في كلمة واحدة يكمل: «تحب قريبك كنفسك». فاذا كنتم تنهشون وتأكلون بعضكم بعضا، فانظروا لئلا تفنوا بعضكم بعضا.
وانما اقول: اسلكوا بالروح فلا تكملوا شهوة الجسد. لان الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد، وهذان يقاوم أحدهما الاخر، حتى تفعلون ما لا تريدون. ولكن إذا انقدتم بالروح فلستم تحت الناموس. ” (غلاطية 1:5-18). هنا فقط نستطيع أن نقول: الحكماء سيفهمون!! كما طالب الرامبان.
(ب) عندما اقتحم فارص السياج، وخرج قبل أخيه زارح، حُسب فارص هو الابن البكر ليهوذا. تماماً قد حدث هذا بالفعل، فعندما عجز إسرائيل وفشل في ان يكون الابن البكر لله “فتقول لفرعون هكذا يقول الرب. اسرائيل ابني البكر.” (خروج 22:4) فالمسيح اقتحم وصار هو الابن البكر بين إخوة كثيرين، بالصليب والقيامة “ولكن الان قد قام المسيح من الاموات وصار باكورة الراقدين. فانه اذ الموت بإنسان بإنسان ايضا قيامة الاموات.
لأنه كما في ادم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع. ولكن كل واحد في رتبته. المسيح باكورة ثم الذين للمسيح في مجيئه. ” (كورنثوس الأولى 20:15-23) – “لان الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه، ليكون هو بكرا بين اخوة كثيرين.” (رومية 29:8) – ” وهو راس الجسد: الكنيسة. الذي هو البداءة، بكر من الاموات، لكي يكون هو متقدما في كل شيء.” (كولوسي 18:1)
– “وايضا متى ادخل البكر الى العالم يقول ولتسجد له كل ملائكة الله.” (عبرانيين 6:1) – “ومن يسوع المسيح الشاهد الامين البكر من الاموات ورئيس ملوك الارض. الذي احبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه” (رؤيا 5:1). ولوقا الرسول، لا يغفل المسيح كونه بكراً فيقول عن ميلاده “وبينما هما هناك تمت ايامها لتلد. فولدت ابنها البكر وقمطته واضجعته في المذود اذ لم يكن لهما موضع في المنزل.” (لوقا 6:2-7).
والشيء العجيب، أن الرمبان רמב”ן، كما ذكرنا سابقاً، قال {…. هذا هو فارص، قد صالا الإبن البكر بقوّة العليّ ……} لأنّه قد خرج، قبل أخيه زارح الذي ربطت القابلة خيطاً قرمزياً في يده، ودون أن تمسك به القابلة، وهو ما يقصده رامبان من قوله (بقوة العليّ). هذا يُذكرنا ببشارة الملاك جبرائيل “فاجاب الملاك: «الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك ايضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله.” (لوقا 35:1).
وفي مدراش رباه Midrash Rabbah מדרש רבה، يربط بين المسيّا بن فارص، ونبوّة (ميخا 13:2) فيقول فالمسيّا بن فارص هو الملك، الذي جاء ليقتحم، كما قيل عنه “قد صعد الفاتك امامهم. يقتحمون ويعبرون من الباب ويخرجون منه ويجتاز ملكهم امامهم والرب في راسهم”. فالكلمات يقتحمون – يجتاز أمامهم، كلها تُشير الى <المسيّا بن فارص>. فكما قيل عن فارص ” ولكن حين رد يده اذ اخوه قد خرج. فقالت: لماذا اقتحمت؟ .عليك اقتحام. فدعي اسمه فارص. ” (تكوين 29:38)، هكذا المسيّا قبل عنه “اجتاز أمامهم”. فعندما أرادوا أن يقتحموا، اقتحم هو. أمّا قوله “إنّ روح الله يقودهم” Mikraoth Gedoloth 24:13 מקראות גדולות.
أمّا راشي Rashi רש”י (وهو اختصار لـRabbi Sholomo Yitshak)، الذي عاش من سنة 1040 حتى 1105 ميلادية، يُقلّق لي نفس نبوءة (ميخا 13:2) ” قد صعد الفاتك امامهم. يقتحمون ويعبرون من الباب ويخرجون منه ويجتاز ملكهم امامهم والرب في راسهم “. أمّا رابي دافيد كمحي Rabbi David Qimhi רד”ק، يقول <إنّ الشخص الذي سيفتح الطريق هو إيليا، أمّا الملك الذي سيجتاز أمامهم هو المسيّا الملك، ابن داود. وفي نبوة ميخا هذه، نرى أن الكلمة العبريّة Porets פֹּרֵץ ومعناها الفاتك، لها نفس جذور الاسم العبري Parets פָּֽרֶץ أي فارص ومعناها المقتحم>. بناء على ذلك نقول، حتى مجرد الاسم فارص يساعدنا على فهم النبوة.
2- تكوين 49: 10
” لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب.”
هذه النبوّة نطق بها أبينا يعقوب، فيما يتعلق بابنه يهوذا. والمعنى الرئيسي لهذه النبوّة، يتمثّل في أنّ سِبط يهوذا لا يزول وسوف يلعب دوراً هاماً في الحكم، دون بقيّة الأسباط، حتى يأتي شخص ما.
تنوّعت شروحات هذه النبوّة، تِبعاً لتنوّع الترجمات التي قُدِّمت … لكن للأسف، أغلب الترجمات قدّمت صورة باهتة للمعنى الحقيقي، خاصّة فيما يتعلّق بالكلمة العِبريّة “شيلوه שילה” ش ي ل ه / او שִׁיל֔וֹ وكاسم خاص للمسيّا. وفي الحقيقة، هذه الكلمة – حسب تفسير كبار علماء اليهود – تُستعمل للدلالة على ضمير المُلكيّة، لذا، فأفضل ترجمة لها هي “حتّى يأتي الذي له”.
وتوجد ترجمة أخرى – حرفية – لهذه الآية وردت في كتابات الرابيين هي “لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتّى يأتي الذي هو بحق يكون له. ويخضع جميع الشعوب له”. بمعنى: هويّة سبط يهوذا، ودوره الهامّ في الحكم، سوف لا يزول حتّى يأتي صاحب الحق الكامل في هذا السبط او كامل الحق للحكم (جاء هذا في حاشية الترجمة السبعيّة والترجمة الآراميّة). هذه القراءة للآية يُعزّزها ما يُضاهيه في (سفر حزقيال 25:21-27) ” وَأَنْتَ أَيُّهَا النَّجِسُ الشِّرِّيرُ، رَئِيسُ إِسْرَائِيلَ، الَّذِي قَدْ جَاءَ يَوْمُهُ فِي زَمَانِ إِثْمِ النِّهَايَةِ، هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: انْزِعِ الْعَمَامَةَ. ارْفَعِ التَّاجَ. هذِهِ لاَ تِلْكَ. ارْفَعِ الْوَضِيعَ، وَضَعِ الرَّفِيعَ. مُنْقَلِبًا، مُنْقَلِبًا، مُنْقَلِبًا أَجْعَلُهُ! هذَا أَيْضًا لاَ يَكُونُ حَتَّى يَأْتِيَ الَّذِي لَهُ الْحُكْمُ فَأُعْطِيَهُ إِيَّاهُ. ”
ففي آيات سفر حزقيال السابقة، نرى أنّه يتكلم عن: مجيء المسيّا – وفي الآية 25 يُشير الى الرئيس الشرير الذي يحكم على إسرائيل أي الأمّة الوثنيّة التي تحكُم إسرائيل في ذلك الزمان – في الآية 26 يتحدّث عن العمامة والتاج: فالعمامة هي عمامة الكاهن (راجع خروج 4:28-39 / 6:29 / 28:39-31 / لاويين 9:8 / 4:16)، أمّا التاج فهو تاج الملوكيّة والحكم. وإذا رجعنا مرّة أخرى الى تكوين 10:49 (آية النبوّة)، نجد استعمال لفظ (قضيب الملك او الصولجان) ليُعبّر عن نفس الشيء.
إذاً، استعمال نفس التعبير “حتّى يأتي الذي له” فكلٍّ من الكهنوت والملوكيّة سيسقطان عندما يأتي الذي هو بحق له، أي يُقيم ملوكيّة أخرى وكهنوت آخر. ونُلاحظ في الآيات التي أوردها حزقيال، إنّه يتكلّم عن عمامة الكهنوت، ليُدلّل على أنّ المسيّا سيكون كاهناً، وإكليل أو تاج الملوكيّة، ليدلّل على أنّ المسيّا سيكون ملكاً.
نفس هذا الشيء – الكهنوت والملوكيّة – تحدّث عنهما داود النبي في مزمور واحد، وجمعهما في شخص واحد ” يرسل الرب قضيب عزك من صهيون. تسلط في وسط اعدائك. شعبك منتدب في يوم قوتك في زينة مقدسة من رحم الفجر لك طل حداثتك، اقسم الرب ولن يندم. انت كاهن الى الابد على رتبة ملكي صادق. ” (مزمور 2:110-4) فالكهنوت والملوكيّة سيزولان من إسرائيل، حينما يأتي المسيّا، ومن ثم فالكهنوت والملوكيّة سيعطيان له. فهو الملك الحقيقي – ملك الملوك – وهو رئيس الكهنة الى الأبد.
من هذه النبوّة نخلص بنتيجة مفادها: أنّ المسيّا سيكون من نسل يهوذا – سيكون ملكاً – المسيّا سيأتي قبل أن يزول سبط يهوذا مباشرة. وبهذا، يمكننا بسهولة تعيين زمن مجيء المسيّا، بحسب ما جاء بالنبوّة. فكلّ السجلات الخاصة بهويّة كل سبط كانت تُحفظ بعناية شديدة في سجلات وتُوضع في الهيكل. فكما نعرف من التاريخ أن اليهود اتسموا بتمسكهم في تسجيل الأجيال المتعاقبة بعناية ودقّة، ويبدو هذا واضحاً في أخبار الأيام الأول 9:1 سفر عزرا 2، سفر نحميا5:7-67، فعلى سبيل المثال “فالهمني إلهي ان اجمع العظماء والولاة والشعب لأجل الانتساب.
فوجدت سفر انتساب الذين صعدوا اولا ووجدت مكتوبا فيه ” (نحميا 5:7) وكان على كل يهودي أن يعرف نسبه ” وانتسب كل اسرائيل وها هم مكتوبون في سفر ملوك اسرائيل. وسبي يهوذا الى بابل لأجل خيانتهم. ” (أخبار الأيام الأول 1:9). وكانت تُحفظ هذه القوائم في الهيكل اليهودي كمُلكيّة عامّة. وكان سجلّ كل إسرائيلي يشتمل على اسمه وسبطه وعنوان منزله ومزرعته. وظلت هذه السجلات القوميّة محفوظة في الهيكل حتى دمار مدينة أورشليم والهيكل وذبح اليهود في عام 70 ميلاديّة، وحُرقت كل سجلات النسب مع الهيكل.
وبعد سنة 70 ميلادية، لم يستطع أحد أن يُثبت الى أي سبط ينتمي لعدم وجود سجلات، وفي خلال عقود قليلة، كل أسباط إسرائيل فقدوا هويتهم. وقد حاول بعض القادة اليهود من الرابيين الحفاظ على هويّة سبط لاوي الكهنوتي او سبط يهوذا الملوكي، لكن باءت كل محاولاتهم بالفشل. وحيث إن سبط يهوذا فقد امتيازه وهويّته في سنة 70 ميلاديّة، يكون من الضروري حسب النبّوة أن يأتي المسيّا قبل سنة 70 ميلاديّة مباشرة …. ولا يمكن باي حال من الأحوال أن يأتي بعد سنة 70 ميلادية، فحسب النبوّة “لا يزول قضيب من يهوذا …. حتى يأتي الذي له”.
من جهة أخرى، أثناء الرب يسوع على الأرض لم يحتج أحد على أنّه، ابن داود الملك، من نسل يهوذا، لوجود سجلات في ذلك الوقت تثبت ذلك. وبالتأكيد بعد الشهرة الواسعة للرب يسوع في أورشليم وكل المدن المجاورة، قد رجع القادة اليهود الى سجلات الأنساب.
وقد اعترفوا هم أنفسهم بذلك:
“وفيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع: «ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟» قالوا له: «ابن داود».” متى (41:22-42) –
” كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن ابراهيم ” (متى 1:1)
” عن ابنه. الذي صار من نسل داود من جهة الجسد، ” (رومية 3:1)
” فانه واضح ان ربنا قد طلع من سبط يهوذا الذي لم يتكلم عنه موسى شيئا من جهة الكهنوت. ” (عبرانيين 14:7)
” فقال لي واحد من الشيوخ لا تبك. هوذا قد غلب الاسد الذي من سبط يهوذا أصل داود ليفتح السفر ويفك ختومه السبعة ” (رؤيا 5:5)
وكان الناس ينادونه، يا ابن داود ” وفيما يسوع مجتاز من هناك تبعه اعميان يصرخان ويقولان: «ارحمنا يا ابن داود». ” (متى 27:9).
إذاً، من المحتم أن يكون مجيء المسيّا في الفترة ما قبل سنة 30 ميلادية وحتى سنة 70 ميلادية (حيث أن الرب يسوع ظهر للجموع في سنة 30 ميلادية، حينما بدأ خدمته الجهارية).
ماذا قال الرابيون عن هذه النبوة؟:
هذه النبوة اخذت اهتمام كبير من الرابيين، كونها نبوة مسيانية. فعلى سبيل المثال:
+ ترجوم اونكيلوس Targum Onqelos، الذي هو عبارة عن ترجمة آراميّة للأسفار المقدّسة (وهي ترجمة تفسيريّة الى حدّ ما)، قد ترجمها كالآتي <انتقال الملوكيّة والسيادة لا ينقطع من بيت يهوذا، ولا يُخدش من جيل الى جيل والى الأبد، حتى يأتي المسيّا، الذي ستكون له المملكة، وكل الشعوب ستخضع له>.
+ فسّر الرابيّونهذه الآية، على أنّ كلمة Shiloh שילו، هي أحد أسماء المسيّا، فقالوا <إنّ المسيّا سيُدعى Shiloh שילו، دلالة على أنه سيُولد من إمرأة، ولهذا فهو لا يحمل صفة لاهوتيّة. فالكيسي الأمينوسي الذي يتشكّل بداخله الجنين يُسمّى بالعبريُة שִׁלְיָה Shilyah، وهي تُماثل Sheloh שילו، المقاربة للكلمة العبريّة שילו Shiloh>. هذه واحدة من الحجج التي يُقدّمها الرابيون، لنفي عن المسيّا أيّة صفة لاهوتيّة. فبحسب اعتقادهم، كون أنّ المسيّا سيُدعى Shiloh שילו، فهذا دليل واضح أنّه سيولد من رحم إمرأة Shilyah שִׁלְיָה، فهو مجرّد إنسان.
+ أمّا راشي רש”י RaSHi، فيقول <الى أن يأتي الملك المسيّا، الذي سيُعطى له كل المُلكْ، فإنّ كل الشعوب ستترجى قدومه>.
+ مدراش رباه Midrash Rabbah 97 מדרש רבה צ”ז، في تعليقه على هذه النبوّة يقول <المسيّا الملك سيأتي من سبط يهوذا كما هو مكتوب في أشعياء (10:11) “ويكون في ذلك اليوم ان أصل يسى القائم راية للشعوب اياه تطلب الامم ويكون محله مجدا”. وكما جاء سليمان من سبط يهوذا، الذي بنى الهيكل الأوّل، وزربابل الذي بنى الهيكل الثاني، هكذا سيجيئ المسيّا الملك من سبط يهوذا ليُعيد بناء الهيكل، هذا المسيّا كُتب عنه في (المزمور 34:89-37) “لا انقض عهدي ولا اغير ما خرج من شفتي. 35 مرة حلفت بقدسي اني لا اكذب لداود. 36 نسله الى الدهر يكون وكرسيه كالشمس امامي. 37 مثل القمر يثبت الى الدهر. والشاهد في السماء امين. سلاه”.
+ رابي حوما بن رابي حنينا רבי חמא בר רבי חנינא Rabbi Humah ben R. Hanina، يقول {هذه تلميحات عن المسيّا بن داود، الذي ينحدر من سبطين: أبوه من سبط يهوذا وأمه من سبط دان ….. والذي يربط بينهما الأسد. كما هو مكتوب عن سبط يهوذا “هوذا جرو اسد. من فريسة صعدت يا ابني. جثا وربض كاسد وكلبوة. من ينهضه.” (تكوين 9:49)، وعن دان يقول “ولدان قال. دان شبل اسد يثب من باشان.” (تثنية 22:33).
امّا عن قضيب الملك، فهذه إشارات بأنّ المسيّا بن داود، هو الذي سيؤدب الأمم بقضيب سلطانه، ليتم قول المزمور عنه “تحطمهم بقضيب من حديد. مثل اناء خزاف تكسرهم” (مزمور 9:2). أمّا عن قوله {حتّى يأتي شيلوه Shiloh} فهذه دلالة على أنّ كل الشعوب والأمم سيقدّمون هدايا للمسيّا الملك ابن داود، كما قيل عنه في (إشعياء 7:18) “في ذلك اليوم تقدم هدية لرب الجنود من شعب طويل واجرد ومن شعب مخوف منذ كان فصاعدا من امة ذات قوة وشدة ودوس قد خرقت الانهار ارضها الى موضع اسم رب الجنود جبل صهيون”.
+ في تعليق على هذه النبوّة نقرأ في Mikraoth Gedoloth מקראות גדולות، {هو المسيّا الملك، وإسمه شيلوه Shiloh، كونه سيحكم على جميع الشعوب. كما أنّ الكلمة مُكوّنة من مقطعين (Shai) وتعني (شيء)، (loh) تعني (له)، أي تُقدّم له هدية كما هو مكتوب في (المزمور 12:76) “يقطف روح الرؤساء. هو مهوب لملوك الارض”}.
+ ميدراش راباه Midrash Rabbah 98 מדרש רבה צ”ח، يقول الآتي {التلميح بالمسيّا الملك، في قوله “وستخضع الشعوب له”. فالمسيّا سيأتي ويجلس ليُحاكم شعوب العالم}.
+ ميدراش رباه Midrash Rabbah 99 מדרש רבה צ”ט، يقول {الذي له الملك أي المسيّا الملك، ويستخدم ضمير المُلكيّة “Shil-loh”، التي تعود الى المسيّا}.
1 الجبابرة Nephilim: يقول عنهم مار أفرام السرياني (أبناء الله هم أبناء شيث، وبنات الناس هنّ بنات قايين …. وكان أبناء شيث رجالاً أشدّاء فاشتهوا جمال بنات قايين … فلمّا اجتمعت القوّة بالرذيلة تكوّن شعب الجبابرة، وامتلأت الأرض فساداً أ.هـ
المسيح في أسفار الناموس جـ1- القمص روفائيل البرموسي
التلمود البابلي (תלמוד בבלי) ، سدر نيزكين נזיקין ، في مسخط سنهدرين סנהדרין 97b [ قال راب : كل الازمنة الاخيرة مرّت ، والامر (الآن) يعتمد على التوبة والاعمال الجيدة ..] تكررت تلك العبارة كثيرا في التفاسير اليهودية التراثية ، ايضا وردت في يلقوط شمعوني (مزمور 139 : 16-17).
الازمنة الاخيرة (هقصين) هو اللفظ الكتابي لمجئ المسيح المُنتظر ، وهذا الوقت حددته كثير من النبوات بدقة . فبحسب التوقيت الذي حددته النبوات فإن هذا الوقت قد ذهب ومرّ .
ونحن نسألهم!؟ ، اين المسيح الذي تنتظرونه !؟ لماذا لم يجئ بعد !؟ . هل اخطأت النبوات ام انتم اخطأتم ولم تتعرفوا عليه !؟
الستم ابناء ابائكم الذين لم يتعرفوا على موسى النبي (المخلص الاول) قائلين (خروج 2: 14) “«مَنْ جَعَلَكَ رَئِيسًا وَقَاضِيًا عَلَيْنَا؟” وفقط في مجيئه الثاني لهم بعدما تغرب في مديان ورجع (خروج 4: 27-31)،عرفوا حينها انه المخلص جالب الخلاص الذي سبق وتكلم عنه الله لابراهيم (تكوين 15: 13-14) .
اليس ربواتكم هم من قالوا انه كالمخلص الاول هكذا يكون المخلص الاخير ساردين عشرات التشابهات بين موسى القديم والمسيح المُنتظر !؟ الا يمكن ان تكونوا تعاميتم عن حقيقته وعن خلاصه ، مثلما فعلتم مع موسى.
– مدراش رباه للجامعة (מדרש קהלת רבה) (1: 9) [ قال الرباى براخيا بأسم الرباى اسحاق: كما كان المخلص الاول (موسى) هكذا يكون المخلص الأخر (المسيح) ،ماذا قيل عن المخلص الاول؟ – (خروج 4: 20) “فأخذ موسى امرأته امرأته وبنيه وأركبهم على الحمير” ، وهكذا قيل عن المخلص الأخر (زكريا 9: 9) “وديع وراكب على حمار” ،كما ان المخلص الاول انزل المن كما قيل (خروج 16: 4)
“ها أنا امطر لكم خبزا من السماء” وكذلك المخلص الأخر يُنزِل المن كما قيل (مزمور 72: 16) “تكون حفنة بر فى الأرض” كما ان المخلص الاول أخرج بئر (عدد 20: 8) هكذا المخلص الاخر يُخرِج الماء كما قيل (يوئيل 3: 18) “ومن بيت الرب يخرج ينبوع ويسقى وادى شطيم “]
لمسيحنا يشوع الناصري -الذي لم تتعرفوا عليه- مجئ اخر على الابواب وعندما ترونه ستعرفونه وستسجدون له وتدركون انه هو جالب الخلاص الاعظم الذي ليس بعده خلاص.
عظمة المسيح وخلاصه لكل أمم العالم ويرد على المسلمين – الرابي ليفي بن جرشون
عظمة المسيح وخلاصه لكل أمم العالم ويرد على المسلمين – الرابي ليفي بن جرشون
الرابي ليفي بن جرشون يتحدث عن من هو النبي ومن هو العبد المتألم
“خلاص المسيح الشامل لكل امم العالم”
– الرابي ليفي ابن جرشون (לוי בן גרשון)
في تفسيره لنبوة بلعام لسفر العدد.
[ولم يقم نبي بعد كموسى (تثنية 34: 10) الذي كان نبي لاسرائيل وحدها، ولكن سيكون هناك نبي من هذا الشعب لأمم العالم وهذا هو الملك المسيح ،كما قيل في المدراش “هوذا عبدي يعقل”(اشعياء 52: 13) ويكون اعظم من موسى وشُرِح ان المعجزات التي سيفعلها ستكون اعظم من معجزات موسى . موسى جعل اسرائيل وحدها تعبد يهوه ، بينما بالمعجزات الجديدة فهو (المسيح) سيجلب كل الأمم لعبادة يهوه]
ملحوظة : يهوه العبرية ، تعني الرب باللغة العربية
هذة الفقرة ترد على الاخوة اليهود الذين يقولوا ان اليهودية ليست تبشيرية وليست للامم. فالمسيح بحسب العبارة سيجلب الكل له. وترد على من يقول ان نبوة اشعياء 52، واشعياء 53 لا تتكلم عن المسيح وانما اسرائيل ككل . فالرابي يقول انها تتكلم عن المسيح وبالتالي فالآلام والموت الكفاري للعبد المذكور في اشعياء 53 هي خاصة فقط بالمسيح .
هذة الفقرة ترد على الاخوة المسلمين الذين يقولوا ان النبي مثل موسى هو نبيهم ، فهذا الاعتراف اليهودي يؤكد ان نبوة التثنية 18: 15، 18 هي عن المسيح وهو اعظم من كل انبياء القديم. لانه ببساطة الله الظاهر في الجسد.
في هذة الفقرة طبق الرابي ليفي نبوة التثنية 18: 18 الخاصة بالنبي -التي يسئ فهمها المسلمين- ، واشعياء 53 الخاصة بالمسيا المتألم -التي يسئ فهمها اليهود المحدثين- في المسيح القادم .
عظمة المسيح وخلاصه لكل أمم العالم ويرد على المسلمين – الرابي ليفي بن جرشون