العلماء يتمكنون من قراءة أقدم مخطوطة توراتية دون فتحها تعود إلى 15 قرنًا
العلماء يتمكنون من قراءة أقدم مخطوطة توراتية دون فتحها تعود إلى 15 قرنًا
العلماء يتمكنون من قراءة أقدم مخطوطة توراتية دون فتحها تعود إلى 15 قرنًا
تمكن فريق من الباحثين الأمريكيين والإسرائيليين من قراءة أقدم مخطوطة معروفة حتى الآن من التوراة، حيث تعود إلى 15 قرنا، وكان من المستحيل فتحها دون إتلافها.
استخدم الباحثون تقنية جديدة للتصوير بالأبعاد الثلاثة للكشف عن مضمون هذه المخطوطة المكتوبة على جلد حيوان، وهي أقدم نص معروف حتى الآن من سفر اللاويين، أحد اسفار موسى الخمسة التي تشكل التوراة.
ونشرت خلاصات هذا الانجاز الاثري في العدد الاخير من مجلة “ساينس ادفانسز” الأميركية، وتمكن الباحثون من اعداد نسخة مصورة عن المخطوطة الملفوفة، يظهر فيها نص من 35 خطا في كل عمود، منها 18 خطا محفوظا و17 تمكن العلماء من اعادة تشكيلها.
كان من المستحيل فتح المخطوطة، لأنها في حالة سيئة جدا، وقد اكتشفت لمرة الاولى في العام 1970 على الضفة الغربية للبحر الميت. وللتمكن من قراءة ما في داخل المخطوطة، استخدم العلماء جهازا للمسح الضوئي بالأبعاد الثلاثة يمكنه ان يلتقط أثر المعدن الذي يحتوي عليه الحبر، فيعيد تشكيل المخطوطة في نسخة جديدة.
وقال مايكل سيغل مدير قسم الفلسفة والاديان في الجامعة العبرية في القدس “اصبنا بالدهشة حين لاحظنا ان بعض المقاطع مشابهة تماما لما ورد في النسخ الماسورتية” للعهد القديم اي التي جمعت واعتمدت رسميا بعد ذلك قرون، لكن هذه المخطوطة ليست ذات دلالة اكيدة على ما كان عليه النص الاصلي لسفر اللاويين، وفقا لسيغل.
العلماء يتمكنون من قراءة أقدم مخطوطة توراتية دون فتحها تعود إلى 15 قرنًا
■ دير الأنبا أنطونيوس أول دير قبطي أنشئ في العالم يحتوي على 13 كنيسة أثرية
■ دير الأنبا بولا يحتوي على 4 كنائس أثرية.. ومكتبته تضم 764 مخطوطا
تعد منطقة البحر الأحمر منبع الرهبنة القبطية الأرثوذكسية فى مصر بل فى العالم، حيث تضم دير الأنبا أنطونيوس الذي يعد أول دير ينشأ في العالم، فضلا عن دير الأنبا بولا أحد أقدم الأديرة القبطية.
دير الأنبا أنطونيوس
أول دير أنشئ في العالم وينسب إسمه إلي الأنبا أنطونيوس أول الرهبان في العالم وأب جميع الرهبان.
يقع دير الأنبا أنطونيوس علي سفح جبل الجلالة القبلي بصحراء العرب بمصر، كما تمثل مساحة الدير الأصلية 18 فدانًا أضيفت لها 350 فدانا آخرين ضمن ملكية الدير بعد حل مشكلة كان متنازع عليها مع المحافظة مؤخرا والتي قضت بشراء الدير لـ 350 فدانا وجعل 150 فدانا آخرين غابة شجرية.
ويرجع تاريخ الدير إلي إقامة الأنبا أنطونيوس فى مغارته و التفاف عدد كبير من الرهبان حوله ما دعا الى بناء كنيسة يجتمع فيها مع الرهبان و بعد انتقاله بدأ الرهبان فى بناء مخزن للطعام ومطبخ وقلالى وذلك على مساحه لا تزيد عن 3 افدنه يضمها سور من الحجر وذلك كان اثناء حكم الامبراطور يوليانوس الملك الكافر 360 -363 م وفى ايام حكم الامبراطور جستنيان ضاعف الامبراطور مساحته فبعد ان كانت ثلاثه افدنه اصبحت ستة افدنه وذلك سنة 537م استمر ذلك حتى ايام البابا كيرلس الرابع.
كما بنى حصنا لحماية الدير من الاعتداءات الخارجية علية/ وقد تعرض الدير لاعتداء الفرس سنة 610م فى عصر البابا انسطاسيوس البابا الـ36 ما بين 605-616 م، كما تعرض للنهب من جهة البدو اثناء تولى البابا خائيل الاول ما بين 743-767م، وما بين سنة 1004 -1032م تعرض الدير للدمار الشامل واستشهاد الرهبان فى ايام البابا زخارياس الاول وقد دمر البدو الذين عاشوا فى الدير لخدمه الرهبان المكتبة العظيمة بالدير واحرقو كل المخطوطات الموجوده وظل الدير خربا خالى من الرهبان ما يقرب من 65 سنة.
تم تعمير الدير بعد رسامه الراهب روفائيل السريانى بطريركا فى اكتوبر سنة 1525م باسم البابا غبريال السابع الـ95من بطاركه الاسكندرية فارسل 20 راهبا من دير السريان الذى كان يسكنه فى ذلك الوقت 63 راهبًا الى دير الانبا انطونيوس بعد ان زودهم بالكتب واوانى المذبح و كل ما يلزم لتعمير الدير من غذاء وكساء وقد سجل رهبان الدير نياحه الانبا غبريال السابع البابا الــ 95 على جدران كنيسة الانبا انطونيوس الاثرية فى الجهه القبلية الشرقية من الخورس الثانى يوم الثلاثاء الموافق 29 بابهسنة 1285 للشهداء.
وفى أواخر القرن الثامن عشر تمت بالدير كثير من التغيرات، وفى عام 1766م قام حسب الله البياضى باعاده بناء كنيسة القديس مرقس الانطونى و فى عام 1772 م اعاد المعلم لطف الله شاكر بناء كنيسة الرسل و فى عام 1783م قام المعلم ابراهيم الجوهرى بتوسيع الدير فضم اليه رقعه واسعه من الارض و شيد السورين الغربى و القبلى و الساقية مع السور البحرى.
يعتبر دير الانبا انطونيوس اغنى الاديرة فى عدد الكنائس حيث يضم 13 كنيسة ، وهم: كنيسة الاربعه حيوانات غير المتجسدين ، كنيسة الانبا انطونيوس الاثرية، كنيسة رئيس الملائكه ميخائيل، كنيسة القديسين بطرس و بولس الرسولين ، كنيسة الانبا مرقس الانطونى ، كنيسة الانبا بولا و الانبا انطونيوس الجديده ، كنيسة السده العذراء، كنيسة الشهيد مارجرجس، كنيسة الشهيد ابانوب و الست رفقه ، كنيسة القديس بولس البسيط ، كنيسة الصخرة ، كنيسة فى وسط الجبل تظهر من الباب الكبير للدير ، مذبح الانبا انطونيوس.
دير الأنبا بولا
يعد دير القديس الأنبا بولا التابع للكنيسة القبطية الأرثوذوكسية واحدًا من أقدم الأديرة في العالم، و يعود تاريخه إلى أوائل القرن الخامس الميلادي، حيث يقع في أعماق جبال البحر الأحمر في الصحراء الشرقية لمصر.
وقد كشفت المخطوطات القديمة الكثير عن تاريخ دير القديس الأنبا بولا حيث كان أول ذكر لمغارة هذا الناسك سنة 400 م، بيد العالم المسيحي القس سلبيسيوس سفيروس.
عرف الدير بصورة أكبر في القرن السادس الميلادي عن طريق الرحالة أنطونينس، الذي جاب بقاعًا كثيرة في أسفاره بما في ذلك المدينة المقدسة أورشليم، ليعبر عبر الصحراء إلى المكان الذي سماه “مغارة المبارك بولا..” بالقرب من ينبوع ماء يروي كل المكان حتى هذا الوقت.
تشير بعض المخطوطات من القرن ال13 وما بعده إلى أن السريان كانوا يسكنون الدير في وقت من الأوقات، في 1395، سجل الرحالة الفرنسيون وجود ستين راهبًا بالدير.
خلال العصور الوسطى، حدث نهب للدير من قبل البدو وترك خربًا على الأقل مرتين. تولى البابا يوأنس السادس عشر زمام المبادرة لتعمير الدير في عام 1701 بعد أن كان مهجورًا لمدة 119 عامًا.
ويحتوي دير الأنبا بولا بالبحر الأحمر على أربع كنائس أثرية هى: –
– الكنيسة الأثرية: سكنها الأنبا بولا لمدة 70 سنة لم يره أحد. نصف الكنيسة منحوت فى الصخر غطيت حوائطها برسومات. – كنيسة ابو سفين : أعاد بناءها المعلم الجوهرى فى أواخر القرى الثامن الميلادى – كنيسة الملاك: وبها الكثير من القبب يبلغ عددها الاثنى عشر قبة كعدد تلاميذ السيد المسيح يرجع تاريخها الى سنة 1777م .
كما تشتمل مكتبة الدير على 764 مخطوطًا يرجع أقدمها إلى القرن 14.
نص العهد الجديد – هل ما لدينا الآن هو ما كتبه الرسل في ذلك الوقت؟ كيف يتأكد المسيحي من نص العهد الجديد؟
نص العهد الجديد – هل ما لدينا الآن هو ما كتبه الرسل في ذلك الوقت؟ كيف يتأكد المسيحي من نص العهد الجديد؟
تنشر الثقافات الشعبية أساطير وخرافات غريبة عن الكتاب المقدس. ثم تقوم هذه الأساطير الحضرية بتدعيم سلطاتها التي ادعتها لنفسها على الإنترنت أو في الروايات التي تجعلها على مقدمة قائمة أفضل مبيعاتها. في الوقت الحالي، يميل علماء الكتاب المقدس إلى تجاهل هذه الأساطير الطفولية الغريبة، حيث أنهم يعرفون أنه لا يوجد بها أي مضمون.
لكن هذا يترك الشخص العلماني العادي بدون معلومات موثقة بشأن كل ما يحدث حوله.
كمثال توضيحي لنوع الأساطير التي ليس لها أساس، تحضرني تعليقات السير لي تيبينج، وهو أحد شخصيات كتاب دان براون «شفرة دافنشي». فهو يتحدث بمثل سلطان الأساقفة قائلاً: «إن الكتاب المقدس هو نتاج البشر، يا عزيزي، وليس من الله. فالكتاب المقدس لم يسقط بصورة سحرية من السحاب، بل إن البشر قد ألّفوه كسجل تاريخي في الأزمنة المضطربة، وقد تطور عبر عدد لا حصر له من الترجمات والإضافات والتنقيحات. فالتاريخ لم يكن لديه مطلقاً نسخة محددة من هذا الكتاب.»(1)
يوجد بالطبع ذرة من الحقيقة في كل هذا الكلام. فالكتاب المقدس لم يسقط بصورة سحرية من السحاب، كما أن الكتاب المقدس قد أّلفه بشر. ولكن القول بأن الكتاب المقدس قد تطوّر عبر الترجمات والإضافات والتنقيحات، بما يوحي بأن الأصل لم يعد من الممكن التوصل إليه، فهذا سخف واضح. فقد ناقشنا هذه القضايا في فصلنا الأول حول النقد النصي، مشيرين إلى أن هذا النوع من الأساطير يتضمن افتراضات ليس لها ما يبررها، ومن السهل إثبات بطلانها بواسطة المخطوطات نفسها.
إنه يلعب على تجارب الناس الذين قاموا بنقل معلومات بدون اللجوء إلى مصادر أقدم (كما يحدث في لعبة الهاتف). ولكن في حالة العهد الجديد، هذا الأمر غير صحيح. فبمرور الزمن، نقترب أكثر فأكثر لصياغة النص الأصلي بسبب الكم الهائل من المخطوطات — العديد منها من زمن مبكر للغاية — ومازال العلماء مستمرين في اكتشافه.
لكن ماذا عن الادعاء بأن ألوهية يسوع لم تظهر في مخطوطات العهد الجديد — وأن قسطنطين هو الذي اخترع هذه العقيدة من الأساس؟ سنقوم بمواجهة هذه القضية المحددة قرب نهاية هذا الفصل بدلائل وبراهين ملموسة، تظهر مرة أخرى بجلاء كيف أن هذا النوع من اللغة باطل ومضلل.
والآن ما هي مواضع المخاطرة عندما نأتي لمناقشة موضوع دقة نسخ نص العهد الجديد؟ لقد أشرنا بالفعل إلى أربعة أنواع من المشاكل النصية المتصلة بهذا الأمر:
إن أكبر عدد من الاختلافات النصية (التي تزيد على النصف) تتضمن اختلافات في الهجاء وقراءات ليس لها معنى ومن السهل تعقبها. وهذه لا تؤثر على أي شئ ذي أهمية في النص.
الاختلافات التالية من ناحية الكمية لا تؤثر على الترجمة، أو إذا أثرت، فهي تتضمن مترادفات. فاختلافات مثل «يسوع المسيح» مقابل «المسيح يسوع» قد تتضمن اختلافاً طفيفاً في التركيز، ولكن لا يترتب عليها شئ ذو نتائج مهمة.
الاختلافات الأخرى التي تتضمن أموراً ذات مغزى وغير قابلة للتطبيق، هي ببساطة ليست معقولة عند تمثيلها لصياغة الأصل، لأن المخطوطات التي توجد فيها هذه الاختلافات، تاريخها وأصالتها ضعيفة. تتطلب هذه الحالة تقصّ تاريخي حريص وتتطلب من العالم أن يأخذ موضوع نقل ونسخ النص بجدية. فقد رأينا أن محاولة روبرت برايس أن يقصي (لوقا 1: 43) من الكتاب المقدس كانت تنتمي إلى قطاع “الاختلافات ذات المغزى ولكنها غير قابلة للتطبيق”. وفي قضيته، لم يكن هناك على الإطلاق أية شهادة لمخطوطة إلى جانبه، بل كان هناك فقط اعتقاده الذي يتمنى تحقيقه.
أما أصغر قطاع، الذي يحوى حوالي واحد بالمائة من المشاكل النصية، فهو يتضمن تلك الاختلافات التي هي ذات معنى والقابلة للتطبيق. ويمكن لمعظم علماء العهد الجديد أن يقولوا إن هناك نسبة من المشاكل النصية في هذا القطاع أقل بكثير حتى من 1% من إجمالي الاختلافات. لكن حتى لو افترضنا النسبة الأكثر سخاء (عن طريق تمديد مجال كل من “الاختلافات التي لها معنى” و “القابلة للتطبيق”)، فلن نجد الكثير قد تأثر من الناحية اللاهوتية.
إن هدفنا في هذا الفصل هو أن نناقش هذا النوع الرابع من الاختلافات بمزيد من التفصيل، لكن نرى ما إذا كانت ألوهية المسيح (وغيرها من المعتقدات الأساسية) قد تأثرت بواسطة هذه الاختلافات أم لا. سوف نناقش في البداية احتمالات «التصحيحات الحدسية» — أي الاختلافات التي ليست إلى جانبها ما يؤيدها من المخطوطات. كم عددها، وكيف يتعامل معها العلماء؟ بعد ذلك سنناقش أية معتقدات قد تأثرت بهذه الاختلافات. وأخيرا، سنقوم بفحص بعض المخطوطات القديمة لكي نرى ماذا تقول عن ألوهية يسوع المسيح.
التصحيحات الحدسية (التخمينية)
لاحظنا طوال هذا القسم أن النقد النصي للعهد الجديد يعاني من «وفرة هائلة»، لا يوازيها أو يماثلها أي عمل أدبي قديم. فنسخ مخطوطات العهد الجديد هو أكثر وفرة وغزارة وأكثر قدماً من أية نصوص يونانية أو لاتينية أخرى.
وفيما يختص ببيانات المخطوطات، فإن أي شك بشأن يسوع كما تتحدث عنه الأناجيل يجب أن يتضاعف عدة مرات بالنسبة لأية شخصية تاريخية أخرى. وهكذا فإن لدينا براهين من المخطوطات بشأن شخص يسوع المسيح أكثر وأقدم مما لدينا عن أي شخص آخر في العالم القديم — بما فيهم شخصيات مثل يوليوس قيصر والإسكندر الأكبر.
لكن دعونا نقيس هذا بتحديد أكثر. كم فجوة لدينا في العهد الجديد تحتاج أن تملأ — أي أماكن لا توجد بها مخطوطات ويكون على العلماء ببساطة أن يخمنوا بشأن ما قد كتب في الأصل؟
قد يكون من الجيد أن نقوم بعمل إطار مرجعي. هل هناك احتياج للتصحيحات الحدسية بالنسبة للأعمال الأدبية القديمة الأخرى، وإن كان كذلك، ما مدى عظم هذا الاحتياج؟ بالنسبة للكثير من المؤلفين المهمين، لدينا فقط أجزاء من أعمالهم الأدبية. ولذلك، فإنه بالنسبة لعمل المؤرخ القديم «ليفي» المكون من 142 مجلداً عن تاريخ روما، يصل عدد النسخ الباقية إلى خمسة وثلاثين مجلداً فقط. ومن العمل الأدبي لتاكيتس «قصص تاريخية»، هناك أقل من خمسة من أصل أربعة عشر كتاباً يمكن أن نجدها في أية نسخ.(2)
كما أن هناك مئات الكتب القديمة المعروفة لنا بالاسم فقط؛ فلا توجد مخطوطات باقية منها. بل حتى في بعض الكتابات التي حفظت جيداً، يوجد الكثير من الفجوات المهمة. فمثلاً، يشكو ميروسلاف ماركوفيتش في كتابه «النقد النصي لآباء الكنيسة»، من أن النسخ الباقية من بعض من الكتّاب من آباء الكنيسة الأولين «مليئة بالفجوات، وفاسدة ومحذوف منها ومحرّفة.»(3)
ثم يستكمل بعد ذلك لكي يضع مبادئ التصحيح الحدسي التي يجب عليه اتباعها لكي يعيد بناء وتركيب الصياغة الأصلية.(4)
لكن الوضع بالنسبة للنقد النصي للعهد الجديد مختلف تماماً: فليس هناك احتياج تقريباً للتصحيح الحدسي بسبب الوفرة العظيمة والتنوع وعمر المواد التي لدينا.(5) فمعظم علماء العهد الجديد سيقولون إنه لا يوجد مكان على الإطلاق يتحتم فيه التصحيح الحدسي.
ومرة أخرى، السبب في ذلك هو أن المخطوطات شديدة الوفرة وشديدة القدم حتى أنها في أغلب الحالات يمكن إعادة ترتيب وبنية العهد الجديد الأصلي عن طريق البراهين والشهادات المتوفرة لدينا.
فمثلاً، قام كل من كيرت وباربارا آلاند، أول مديرين لمؤسسة البحث النصي للعهد الجديد في مونستر، ألمانيا (INTF)، بتأليف كتاب دراسي قياسي عن النقد النصي للعهد الجديد. وفي تلك المؤسسة (INTF)، يوجد أكثر من 90% من جميع مخطوطات العهد الجديد اليونانية محفوظة عن ميكروفيلم. وعلى مدى الخمس والأربعين عاماً الماضية كانت تلك المؤسسة أكثر تأثيراً من أي فردأو معهد أو مجموعة من العلماء في أي مكان آخر في العالم في تحديد الصياغة المضبوطة للعهد الجديد الأصلي.
باختصار، إنهم في هذه المؤسسة يعرفون المادة التي لديهم. “فكل قراءة قد وجدت في التعليم النصي للعهد الجديد قد تم حفظها بصرامة، حتى لو كانت النتيجة غير ذات معنى. وأية قراءة قد وجدت في التعليم النصي للعهد الجديد، منذ القراءة الأصلية وفيما بعد، قد تم حفظها في التعليم وتحتاج فقط أن يتم تعريفها.‘‘(6)
بل أن كيرت وباربارا ذهبا إلى أبعد من ذلك لكي يقولا إنه إذا وجدت قراءة في مخطوطة واحدة فقط، فإنها تكون في الأغلب غير أصيلة: «إن المبدأ القائل بأن القراءة الأصلية يمكن أن توجد في أية مخطوطة أو ترجمة وحيدة عندما تقف بمفردها، أو تقريباً بمفردها، يعبّر فقط عن مجرد إمكانية نظرية.»(7) وأكثر من ذلك، «إن الصعوبات النصية يجب ألا يتم حلها بواسطة الحدس،أو التفسيرات الافتراضية الخاطئة، أو التحريفات أو الإقحام، إلخ.
فحيث لا يظهر التعليم النصي نفسه أي كسر، فإن مثل هذه المحاولات تعادل الاستسلام أمام الصعوبات، وهي نفسها تكون تعديات على النص.»(8) وهكذا فإن رأيهما في هذه الأمور يجب الأخذ به واعتباره ضمن آراء الشهود الخبراء، كما أن معظم المشاركين في هذا النظام يشاركونهما الرأي.
إن «عدم الحاجة» للتخمين أو الحدس بشأن الصياغة الأصيلة للعهد الجديد تعني أنه تقريباً في كل حالة سنجد القراءة الأصلية موجودة في كل مكان ما في المخطوطات. وهذا «المكان» يمكن تحديده بواسطة الوسائل التي ناقشناها في الفصل السابق. علاوة على ذلك، وحيث أن القراءة الأصلية لا تحتاج لأن نخمّنها، فإن لدينا قاعدة بيانات فعلية — وهي بحيرة الاختلافات الموجودة في المخطوطات — التي يمكن فحصها فيما يتعلق بالانحرافات اللاهوتية.
هناك مثال توضيحي لهذه النقطة. لنفترض أن كان هناك احتياج لتصحيح حدسي لخطاب ابراهام لينكولن في جيتيسبرج. ففي العبارة الافتتاحية، يمكن أن تظهر مقارنة المخطوطات أمراً كهذا:(10)
المخطوطة (أ): سبعة وثمانون —- مضت ولد —– على هذه القارة، أمة جديدة، ولدت ——- رية، وأخلصت لفرضية أن جميع —- قد خلقوا متساويين.»
المخطوطة (ب): —— وثمانون —– مضت ولد —– على هذه القارة، أمة جديدة، —– في حر —، وأخلصت لفرضية أن جميع —- قد خلقوا ———–.»
بمقارنة هاتين المخطوطتين، نلاحظ أن هناك فجوات. فربما كان هناك ثقب صغير في إحدى المخطوطات وتلف سببه الماء للأخرى، ولكن ليس كلها. وعندما نضع المعلومات معاً من كلتا المخطوطتين، يمكننا أن نحصل على القراءة التالية:
سبعة وثمانون —– مضت ولد — — على هذه القارة، أمة جديدة، ولدت في (حر —- ية؟)، وأخلصت لفرضية أن جميع — قد خلقوا متساوين.»
في مثل هذه الحالة، هل يكون لدى العلماء الدارسين للنكولن الحق في أن يضعوا أي شئ يريدونه في هذه الفجوات؟ بالطبع لا. فهناك عدد محدود من الاختيارات. فمثلاً، حيث أننا نعرف تاريخ خطاب جيتيسبيرج، فإن «سبعة وثمانون» لا يمكن أن تشير إلى أيام أو إلى شهور، فلابد أنها تشير إلى سنين. وأيضاً، إذا كان في إحدى الاختلافات «حر..» بينما في الأخرى يوجد «…ية»، فقد يخمن العلماء أن الكلمة المفقودة هي «حرية»، لكن ليس لديهم الحق في أن يفكروا مثلاً «حريق»، أو كلمة مثل «أثرية» على أنها الكلمة المناسبة.
فالفطرة السليمة والحس العام يجب أن يسودا عندما يقوم المرء بالتصحيح الحدسي. أما بالنسبة لمن الذي ولد الأمة الجديدة، فيمكن للعلماء أن يخمنوا أن كلمة مثل «الآباء»، أو «الأجداد» أو القادة، ستكون مناسبة. بالطبع، لا يوجد هنا شئ موضع خطورة، إلا الصياغة المضبوطة تماماً. ولكن مرة أخرى، هناك فقط عدد محدود من الاختيارات هو الممكن وضعه في الفجوات.
وأخيراً، فإن العبارة الأخيرة — أن «جميع — قد خلقوا متساوين» — يمكن أن تحتمل كلمة مثل «الشعوب» أو «البشر»، ولكن كلمة «الشعوب» كان من الصعب استخدامها في عام 1863، حيث كانت كلمة «البشر» هي السائدة في ذلك الوقت للإشارة إلى جميع الناس.
وأخيراً، لكي يثبت علماء لينكولن جدلهم، عليهم أن يجدوا خطباً أخرى للرئيس، وكتابات له أيضاً، لكي يكون لديهم حس بما يمكن أن يكون قد قاله، فيكون عليهم فحص الأساليب والعادات السائدة في تلك الأيام، ويجب أن يكون للحدس والتخمينات ممعنى فحتى في نص مثل هذا، سيكون هناك عدد محدود من الاختيارات، ولا يوجد شخص عاقل سيعتبر أن جميع الاختيارات الممكن تصورها قابلة للتطبيق بدرجة متساوية.
لكن وضع العهد الجديد لا يصل إلى مثل هذه الصورة القائمة! فمن ضمن 138000 كلمة في النص الأصلي، ربما يوجد فقط كلمة واحدة أو اثنتان ليس لهما سند مخطوطي. وفي الأماكن التي قد يكون فيها الحدس ضرورياً، فإن هذا لا يعني أنه ليست لدينا أية فكرة عما قاله النص الأصلي. بل على العكس، فبالتحديد حيث أن جميع الاختلافات الممكنة موجودة تقريباً في المخطوطات، يكون لدى العلماء عدد أكثر محدودية من الاختيارات ليسيطروا عليها.
والآن لنفترض أنه عندما تواجهنا اختلافات، أن نقّاد النصوص يقومون ببساطة باختيار القراءات بصورة عشوائية، دون اللجوء إلى أية وسائل علمية أصلية، مثل الشمبانزي الذي يقوم باجتياز اختبار يعتمد على الاختيار من إجابات متعددة. فإنه حتى لو كانت هذه هي الحالة، فإن جميع الإجابات تقريباً سيكون لها معنى، وسيكون معظمها شديد القرب لصياغة القراءات الأخرى.
بل وأكثر من ذلك، فلن يوجد أبداً اختيار يقول «ولا واحد من الاختيارات السابقة». بالطبع، كما رأينا في الفصل السابق، إن النقد النصي للعهد الجديد هو نظام شديد الدقة، وبه العديد من الاختبارات والمقارنات. فهو ليس عبارة عن مجموعة من حيوانات الشمبانزي التي تقوم باختيار عشوائي من مجموعة من الاختيارات.
صراحة، عندما يحاول المشككون أن يدَّعوا ببساطة عدم وجود أي دليل على ما كان يقوله النص الأصلي للعهد الجديد، فإن المرء يجب أن يتعجب ويتساءل عما دفع بهم إلى هذا الشك العقائدي، لأنه بالتأكيد لا يمكن أن تكون البراهين هي السبب.(11)
نص العهد الجديد – هل ما لدينا الآن هو ما كتبه الرسل في ذلك الوقت؟ كيف يتأكد المسيحي من نص العهد الجديد؟
ما هي الحقائق اللاهوتية موضوع المخاطرة؟
إن الإجابة المختصرة على السؤال عن الحقائق اللاهوتية موضوع المخاطرة في هذه الاختلافات هي — لا توجد. فمعظم علماء العهد الجديد يتفقون في الرأي بأنه لا يوجد مبدأ أو عقيدة لاهوتية أو تعليم في العهد الجديد تعرّض للخطر بسبب الاختلافات النصية.
يرجع هذا الرأي إلى چي إيه بينجل (1678 — 1752)، الذي توصل إلى هذه النتيجة بعد فحصه ثلاثين ألف اختلاف.(12) ومنذ أيامه، برهن الكثيرون غيره على نفس الأمر — إنه لا يوجد مبدأ أو عقيدة كتابية قد تعرضت للخطر بسبب الاختلافات النصية.(13)
لكن بعض العلماء، جادلوا في أن العقائد — حتى الرئيسية والتأسيسية المؤكدة — قد تأثرت بسبب هذه الاختلافات. فقد حاول مثلاً كينيث دبليو كلارك أن يظهر أن هناك تعليماً معيناً في العهد الجديد قد تم قمعه في بعض المخطوطات.(14) لكن بالطبع، حتى لو كان هذا صحيحاً، فإن هذا لا يشير إلى أن تلك العقيدة قد تم القضاء عليها أو أنها تعرضت للخطر. فلا تزال الصياغة في (أعمال 1: 11)، مثلاً، تختلف بين المخطوطات.
فهناك مجموعة من المخطوطات المعروفة باسم النص الغربي لا توجد بها «إلى السماء» في الجملة التي تقول: «إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء…». وهكذا فإن البعض يدّعون أن النص الغربي يقوّض تأكيد العهد الجديد على صعود المسيح بسبب هذه الآية. ومع ذلك، لكي يتم تبني ذلك الرأي فلابد أن يحذف النص الغربي جميع الإشارات إلى صعوده.
ولكن (أعمال 1: 11) يقول: «أيها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء. إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء.» فنجد أن تعبير «إلى السماء» قد تكرر مرتين أخريين ولم يحذفه النص الغربي، كما أن معظم نصوص الصعود الأخرى لم تتغير كذلك. ربما أن الكتّاب الغربيين كانوا يحاولون أن يشذبوا الكلمات لأغراض أسلوبية، ولكن من المشكوك فيه جداً أنهم كانوا يحاولون أن يقضوا على أية إشارة لصعود المسيح، لإنه إن كانت هذه هي دوافعهم، لكانوا بمفردهم غير أكفاء في محاولتهم.(15)
حديثاً، قام بارت إيرمان، وهو ناقد نصي رائد، بكتابة كتاب للقراءة الشعبية بعنوان «إساءة اقتباس كلمات يسوع». وإيرمان معروف جيداً بعلمه الذي لا يعرف الكلل وآرائه المثيرة التحريضية.(16) وهذا الكتاب، على حد قول بارت إيرمان، هو أول كتاب يكتب عن النقد النصي للعهد الجديد للقارئ العلماني،(17) وفيه يخلص إلى الآتي:
سيكون من الخطأ أن نقول — كما يقول الناس في بعض الأحيان — إن التغييرات في نصنا ليس لها صلة أو تأثير على ما تعنيه النصوص أو على النتائج اللاهوتية التي يستخلصها المرء منها. فقد رأينا في الحقيقة أن العكس هو الصحيح.(18)
لكن بعضاً من الأمثلة الرئيسة للاختلافات اللاهوتية بين القراءات، التي يناقشها إيرمان هي عبارة عن مقطع يقال فيه إن يسوع غضب (مر 1: 41)، وعبارة صريحة عن اللاهوت (1 يو 5: 7-8)، والنص الذي يقول «وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السموات، ولا للابن، إلا أبي وحده.» (مت 24: 36). (19) ولكن جدل إيرمان مبالغ فيه في كل من هذه الحالات.
فمثلاً، بالرغم من أن بعض المخطوطات القديمة تتحدث عن أن يسوع غضب في (مرقس 1: 41) بينما تقول بعض الترجمات الأخرى أنه تحنن، فإن الحقيقة هي أنه في (مرقس 3: 5) يقال عن يسوع أنه غضب — وهي صياغة لا خلاف عليها في النص الأصلي لمرقس. لذلك فلا يوجد تقريباً شئ قد تغير في تفسير أو لاهوت إنجيل مرقس إذا رأينا أن يسوع كان غاضباً في (مرقس 1: 41). أما فيما يخص المقطع الذي يتحدث عن الثالوث، فسنرى معاً تعليله في المقطع التالي.
بخصوص (متى 24: 36)، تسجّل كثير من المخطوطات أن يسوع يتحدث عن جهله النبوي الشخصي «وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السموات، ولا الابن، إلا أبي وحده»، ولكن العديد من المخطوطات الأخرى لا يوجد بها الكلمات «ولا الابن».(20)
فما إذا كانت «ولا الابن» هي كلمات أصيلة أم لا، هذا موضوع خلاف، ولكن ما ليس عليه أي خلاف هو الصياغة الموازية في (مر 13: 32) «وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب.» لذلك لا يمكن أن يكون هناك شك في أن يسوع كان يتحدث عن جهله النبوي الشخصي في الحديث على جبل الزيتون. وبالتالي، فما هي القضية العقائدية موضع الخطر في (متى 24: 36)؟
مما يثير العجب، أنه في مناقشاته الستة ل(متى 24: 36)، لم يذكر إيرمان ولو لمرة واحدة هذا المقطع الموازي. بل بدلاً من ذلك، فهو يصر على أن الكتّاب قد تصارعوا واختلفوا بشأن الصياغة، بل إنهم قاموا بتغيير النص بسبب معتقداتهم اللاهوتية. (كما أنه لم يذكر أيضاً أنه حتى لو أن الكلمات «ولا الابن» لم يتم ذكرها بوضوح في متى، فإن فكرة جهل الابن ترى بوضوح في الجزء الأخير من العدد 36 «إلا أبي وحده»).
فلماذا إذاً قام نفس هؤلاء الكتّاب ببساطة بتخطي (مرقس 13: 32)، تاركين الصياغة دون أن يغيروها؟ إن فكرة أن يسوع قد اعترف بجهله النبوي تشهد لها الكتب المقدسة بقوة، فلا يوجد إعلان أو كشف جديد في هذا الأمر. بل إن القضية الوحيدة هي ما إذا كان متى قد عبّر عن كلمات يسوع بنفس الطريقة التي قام بها مرقس. ولكن حيث أن الكنيسة الأولى كانت تعلم بوجود مثل هذا النص في مرقس وتركته دون تغيير، فإن هذا معناه أن اللاهوت الذي علّمه (مرقس 13: 32)
لم يكن له تأثير تقريباً (21) (إذ إن حفنة قليلة من المخطوطات الحديثة هي التي قامت بحذف الكلمات)، وهكذا فإن أسباب حذفها أو إضافتها في (مت 24: 36) يجب أن تعزى لأسباب أخرى.(22) فلا يمكن لإنسان، ببساطة، أن يدَّعي أن صياغة عدد 36 تغير معتقداته اللاهوتية الأساسية عن يسوع وذلك لأن نفس العبارة متضمنة بالفعل في متى ومذكورة بوضوح في مرقس.
وهكذا فإن فكرة كون الاختلافات الموجودة في مخطوطات العهد الجديد تغيّر من الفكر اللاهوتي فيه هي فكرة مبالغ فيها، في أفضل الظروف.(23) يتطلب الأمر أن ننظر إلى المزيد من الفروق الدقيقة لكي نرى مواضع الاضطرابات الحقيقية. لكن للأسف، فإن عالماً مدققاً مثل إيرمان، يميل تعامله مع التغيرات اللاهوتية الرئيسية في نص العهد الجديد إلى أن يعرّضه لانتقاد من اثنين.
فإما أن قراراته بشأن النصوص مشكوك فيها، أو أن تفسيراته هي المشكوك فيها. وهذان الانتقادان قد تعرّض لهما عمله الرئيسي السابق، «الفساد القويم للكتب المقدسة»، الذي استقى منه «إساءة اقتباس كلمات يسوع» على نطاق واسع. ومع ذلك فإن النتائج التي قدمها هناك لا تزال تذكر هنا دون إدراك أن بعض الانتقادات الحادة لعمله الأول تعود مرة أخرى.(24)
فبالنسبة لكتاب موجّه للقارئ العلماني، كان المعتقد أنه يريد أن يوضّح مناقشته الفروق الدقيقة أكثر قليلاً، خاصة بكل الثقل اللاهوتي الذي يقول إنه على المحك. فالاختلافات النصية المهمة التي تغيّر جوهر العقائد الأساسية في العهد الجديد لم تحدث بعد.
هناك منظور صغير نحتاج أن نوضّحه هنا. هناك مجموعتان من الناس الذين يميلون للادعاء بأن المخطوطات القديمة للعهد الجديد قد فسدت بدرجة كبيرة، وهما الليبراليون المتطرفون، وأنصار «ترجمة كينج چيمس الإنجليزية فقط» (وأنصار العهد الجديد اليوناني الذي ترجمت عنه ترجمت عنه ترجمة كينج چيمس، TR).
وهكذا فإن مؤلفي الكتابات التي تنادي بصحة «ترجمة كينج چيمس فقط «يشنون حرباً مقدسة على كل من يستخدم أية ترجمة حديثة للعهد الجديد، أو أي نص يوناني مبني على المخطوطات الأقدم القليلة أكثر منه على المخطوطات الكثيرة الحديثة.(25) ويعتبر جاسبر چيمس رأى ممثل شديد التأثير لهذه النظرة.(26) ففي كتابه، «كتب الله كتاباً مقدساً واحداً»
يقول رأى إنه لا توجد نسخة حديثة تصلح أن يطلق عليها الكتاب المقدس بطريقة ملائمة، وإن الخلاص والنمو الروحي يمكن فقط أن يحدثا عن طريق نسخ اعتمدت على ترجمة TR، وأن الشيطان هو المحرك الأول وراء جميع الترجمات المبنية على المخطوطات الأكثر قدماً.(28) كما يطلق ديڤيد أوتيس فوللر على الترجمات الحديثة “الكتب المقدسة غير الشرعية”(29)، ويجادل بأن أي شخص يستخدمها قد خدعه الشيطان.(30)
لكن عندما يتعلق الأمر بالتفاصيل، فإن أنصار «ترجمة كينج چيمس فقط» يصابون بنوع من الارتباك وعدم الوضوح. يحكي د. جريج هيريك، عالم العهد الجديد، قصة حوار دار بينه وبين شخص من أنصار «ترجمة كينج چيمس فقط» مؤخراً، قائلاً:
عندما أخبرني هذا الشخص أن جميع الترجمات الحديثة معتمدة على مخطوطات فاسدة، وأنها مملوءة بالهرطقات، بدأت أطرح عليه بعض الأسئلة:
سألته: «أتؤمن بألوهية المسيح؟»
فأجابني: «نعم بالتأكيد!»
وسألته: «أتؤمن بالميلاد العذراوي للمسيح؟»
فأجاب: «نعم أؤمن به.»
ثم سألته مرة أخرى: «وماذا عن قيامة المسيح بالجسد، والثالوث، والخلاص بالنعمة؟»
فقال: «نعم، بالتأكيد إني أؤمن بجميع هذه الأمور.»
فقلت له: «آه، لقد استرحت كثيراً عندما سمعت منك ذلك، لأن لديّ جميع هذه العقائد في ترجمتي الحديثة!»(31)
لكن ليس فقط أنصار «ترجمة كينج چيمس فقط» هم من يعتقدون أن المخطوطات القديمة قد فسدت بشدة، ففرانك زيندلر، وهو ملحد صريح ومن نقّاد المسيحية، يناقش مقطعاً شهيراً في رسالة يوحنا الأولى الإصحاح الخامس في ترجمة كينج چيمس ولكنه غير موجود في الترجمات الحديثة. ويقول هذا النص: «فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد.» (1 يو 5: 7).
فيشير زيندلر على حق أن هذه الآية قد تمت إضافتها إلى طبعة قديمة للعهد الجديد باليونانية، وصدرت عام 1522، بسبب ضغط السلطات الكهنوتية الكنسية. كما يشير أيضاً إلى أن هذه الصياغة لم تكن موجودة في أية مخطوطات يونانية سابقة على القرن الخامس عشر. لكنه يخطئ بعد ذلك بالقول:
إن اكتشاف كون الكتب المقدسة القديمة قد حذفت (1 يو 5: 7) يترك المسيحيين دون «سند كتابي للثالوث». فبينما لا تزال توجد آيات أخرى تتفق مع عقيدة التثليث، فليست واحدة منها تثبتها. وإن لم يعتبر المدافعون عن المسيحية أن عقيدة الثالوث تافهة، فإنهم لابد وأن يعترفوا بأن الاختلافات في المخطوطات كبيرة ومهمة!(32)
فهل عقيدة الثالوث في الحقيقة عقيدة تافهة؟ وهل هي شئ لا يمكننا أن نثبته من أقدم المخطوطات؟ إن كان كذلك، فكيف كان في إمكان مجمع قسطنطينية عام 381 أن يؤكد بوضوح تام عقيدة الثالوث؟ كيف استطاعوا القيام بذلك دون مساعدة آية لم تأت في العهد الجديد اليوناني إلا في ألفية أخرى؟ وأكثر من ذلك فإن قرار القسطنطينية لم يكتب من فراغ، بل لقد وضعت وجمعت الكنيسة الأولى في صياغة لاهوتية ما رأته مكتوباً في العهد الجديد.
كما أن زيندلر لم يجب على السؤال التاريخي، بل على العكس، أراد فقط أن يلقي بظلال الشك على استقامة المخطوطات القديمة. ولكن منطقة معيب لأنه لا يتفق مع التاريخ. فكما قلنا من قبل، إن أوقية من البراهين تساوي رطلاً من الافتراضات.
لكن هناك تمييزاً مهماً نحتاج أن نركز عليه هنا، وهو أنه إذا كانت آية معينة لا تعلم عن ألوهية المسيح في بعض المخطوطات، فهل هذا يعني أن هذه العقيدة مشكوك فيها؟
في الحقيقة ستكون محل شك فقط لو أن جميع الآيات التي تؤكد ألوهية المسيح مشكوك فيها نصياً. وحتى في هذه الحالة يجب أن تكون الاختلافات معقولة. من المعروف جيداً أن المخطوطات اللاحقة قد أضافت كلمات هنا وهناك تتفق مع التعليم المستقيم.(33) ولكن هذا لا يعني أن جميع الآيات التي تؤكد عقيدة معينة قد تأثرت بذلك.
فلو أن التعاليم الأساسية للعهد الجديد لم تتأثر بالاختلافات القابلة للتطبيق، فماذا عن العقائد الثانوية؟ ونعني بالعقائد الثانوية نوعاً من المعتقدات أو الممارسات غير المحورية. نعم، البعض منها يبدو أنه قد تأثر، ولكن هذا الأمر شديد الندرة.(34) لذلك فمن الأفضل أن نقول إنه لا توجد اختلافات قابلة للتطبيق قد أثرت على أي حق أساسي في العهد الجديد. الكلمات المحورية هنا هي «القابلة للتطبيق» و «الأساسية». لكن العديد من علماء العهد الجديد سيقولون إن هذه العبارة شديدة الحذر.(35)
المخطوطات القديمة وألوهية المسيح
في أفضل كتبهم مبيعاً عام 1982، «دم مقدس، كأس مقدسة»، يفترض المؤلفون مايكل بايجنت، وريتشارد لي، وهنري لينكولن أن قسطنطين قد قام بتغيير نص العهد الجديد في القرن الرابع، فيقولون:
قبل نحو ربع قرن من عام 303م، قام الامبراطور الوثني ديوكليشن بتدمير جميع الكتابات المسيحية التي أمكن العثور عليها. ونتيجة لذلك فإن الوثائق المسيحية — خاصة في روما — قد اختفت كلها. لكن عندما قام قسطنطين بالتكليف بكتابة نسخ جديدة من هذه الوثائق، فقد مكّن هذا الأوصياء على التعاليم التقليدية من أن ينقحوا ويراجعوا ويعيدوا كتابة مادتهم كما رأوا ذلك مناسباً، وبما يتفق مع مبادئهم ومعتقداتهم.
عند هذه النقطة، ربما حدثت معظم التغيرات الجوهرية في العهد الجديد، وتم افتراض المكانة المتفردة ليسوع. وهكذا فإننا يجب ألا نقلل من أهمية تكليف قسطنطين. فمن ضمن الخمسة الآلاف نسخة الباقية من المخطوطات القديمة للعهد الجديد، لا توجد واحدة يسبق تاريخها القرن الرابع. وهكذا فإن العهد الجديد كما هو موجود اليوم هو في الأساس منتج لمحرري وكتّاب القرن الرابع — أوصياء وحماة التعليم التقليدي، «أتباع الرسالة»، مع المصالح الخاصة التي يحمونها.(36)
لكننا كما برهنا عبر هذا القسم، فإن الأخطاء الوقائعية في هذا النوع من العبارات كثيرة للغاية. فقد قام المؤلفون بإعداد القارئ لتأكيدهم المروّع بادعائهم أنه توجد «خمسة آلاف نسخة باقية من المخطوطات القديمة للعهد الجديد.» ورغم أنه لا يوجد في الأعمال الأدبية القديمة اليونانية أو اللاتينية ما يضاهي العهد الجديد من ناحية الوثائق الباقية، فإنه من غير الدقيق أن نقول إن هناك خمسة آلاف مخطوطة قديمة للعهد الجديد.
فهناك عدة مئات من الألفية الأولى، والباقي هو منذ عام 1000 أو ما بعده. كما أن ما يوحي به «دم مقدس، كأس مقدسة» هو أنه مع الآلاف من المخطوطات القديمة، وعدم وجود أي منها قبل القرن الرابع، تكون هناك مؤامرة تسير على قدم وساق، ويكون قسطنطين هو المذنب فيها. هذا بالطبع يصلح للقراءة التي تستهدف الإثارة، ولكنه لاعلاقة له بالحقيقة التاريخية.
سوف نركز هنا على نقطة واحدة (انظر القسم اللاحق «ألوهية يسوع: هل هي تعليم قديم أم خرافة حديثة؟» للتدليل على الإيمان بألوهية المسيح قبل قسطنطين). والآن هل حقيقي أنه لا توجد مخطوطات للعهد الجديد تسبق القرن الرابع، مما يسمح بإمكانية أن يكون قسطنطين قد ابتدع عقيدة ألوهية المسيح؟ بالطبع لا.
فالحقيقة هي أنه يوجد على الأقل ثمانية وأربعون مخطوطة يونانية للعهد الجديد يسبق تاريخها القرن الرابع.(37) إن جميع هذه المخطوطات عبارة عن أجزاء، ولكن الكثير منها يحوى أجزاء كبيرة للغاية (مثل معظم رسائل بولس أو حوالي إنجيلين كاملين)، وهي معاً مجتمعة تغطي حوالي نصف العهد الجديد.
دعونا الآن ننظر إلى بعض الآيات في المخطوطات التي تسبق القرن الرابع وتتحدث صراحة عن ألوهية المسيح. وسوف نحصر نقاشنا في تلك الآيات التي دعى فيها يسوع «الله». وخلف هذه الآيات توجد العشرات من المقاطع الأخرى التي تؤكد على ألوهيته ضمنياً (البعض منها سوف نناقشها في قسم «ألوهية يسوع»). ولكننا نرغب هنا في أن نوضح أنه كان من المستحيل للغاية بالنسبة لقسطنطين أن يكون قد ابتدع عقيدة ألوهية المسيح إن لم تكن هذه العقيدة موجودة بالفعل في المخطوطات التي سبقت زمنه هو شخصياً بنحو قرن أو أكثر.
P46 (200م)
P66 (175-225م)
P75 (بداية القرن الثالث م
عبرانيين 1: 8
رومية 9: 5
يوحنا 20: 28
يوحنا 1: 1
X
X
—
—
—
—
X
X
—
—
—
X
من المهم أن نلاحظ أن هذه البرديات الثلاثة هي من ضمن أهم مخطوطاتنا للعهد الجديد. فمخطوطة [P46] تشمل ثمانية من رسائل بولس والرسالة إلى العبرانيين، ومخطوطة [P66] تغطي معظم إنجيل يوحنا، أما مخطوطة [P75] فتشمل معظم إنجيل لوقا وجزء من إنجيل يوحنا. أما بالنسبة للمخطوطات اللاحقة من القرن الرابع — وهي المخطوطات التي يزعم أن قسطنطين قد أفسدها — فهي تتفق كثيراً مع هذه المخطوطات.
والحقيقة إن المخطوطة التي تعتمد عليها الترجمات الحديثة مثلما تعتمد على أي مخطوطات أخرى هي مخطوطة الڤاتيكان Vaticanus ، وهي مخطوطة من القرن الرابع وبها نحو ثلاثة أرباع العهد الجديد. إن الاتفاق بين مخطوطة الڤاتيكان ” Vaticanus ” ومخطوطة [P75] هو اتفاق عظيم مثل الموجود بين أية مخطوطتين قديمتين.(38) وليس ذلك فقط، ولكن في جميع المقاطع التي ذكرناها أعلاه، لا توجد أختلافات مهمة عن أية مخطوطات من أي عصر.(39) فجميعها تحكي نفس القصة: إن يسوع هو إله حقيقي.
لقد برهنّا على نقطتين أساسيتين في هذا الفصل. الأولى، لا يوجد تقريباً أي احتياج للحدس أو التخمين بشأن الصياغة الأصيلة. أي أن صياغة النص الأصلي غالباً ما توجد دائماً في النسخ الباقية. ثانياً، إن أي شك بشأن صياغة النص الأصلي للعهد الجديد ليس له تأثير على التعاليم الأساسية للعهد الجديد. كما أن ألوهية المسيح، بالتأكيد، لم تتأثر بهذا الأمر.
ببساطة، لا يوجد مكان للشك أو عدم اليقين بشأن ما علّمه العهد الجديد في الأصل. أما بخصوص اختيار المرء أن يؤمن بذلك، فهذا أمر مختلف، وهو ما سنتناوله في فصول أخرى. إن ما يهمنا هنا ببساطة هو أن نوضّح أن التعاليم الأساسية للعهد الجديد لم تفسد بواسطة الاختلافات النصية القابلة للتطبيق.
نص العهد الجديد – هل ما لدينا الآن هو ما كتبه الرسل في ذلك الوقت؟ كيف يتأكد المسيحي من نص العهد الجديد؟
أساليب النقد النصي – استرداد صياغة النص الأصلي للعهد الجديد
أساليب النقد النصي – استرداد صياغة النص الأصلي للعهد الجديد
أساليب النقد النصي – استرداد صياغة النص الأصلي للعهد الجديد
كيف يمكن لنقّاد النصوص أن يحددوا الصياغة الأصلية للعهد الجديد، بوجود هذا الكم الهائل من المواد تحت تصرفهم، فإن المخطوطات تختلف مع بعضها البعض بصورة كبيرة، مما يعني أنه يجب استخدام بعض الوسائل للفصل فيها. باختصار، كيف يمكن للعلماء أن يعرفوا أياً من النصوص المختلفة هو النص الأصلي.
بالنسبة للغالبية العظمى من الاختلافات النصية، لا توجد ببساطة أية مشكلة في تحديد الصياغة الأصلية، ولكن فيما يختص بنسبة ضئيلة من الاختلافات لا بد من وجود مجموعة من الوسائل مجتمعة لتكون هي المفتاح في تحديد الصياغة الأصلية.
أولاً، يقوم العلماء بفحص البرهان الخارجي -المخطوطات، والترجمات، والاقتباسات الكتابية التي استخدمها آباء الكنيسة. وهناك طرق يمكننا بها أن نعرف من البيانات الخارجية مدى قدم نص معين.
ثانياً، يقوم العلماء بفحص البرهان الداخلي -أي العادات وأساليب كتابة المؤلفين، وأيضاً عادات وحتى أخطاء الكتّاب.
وهاتان الوسيلتان يتم التعامل مع كل منهما بصورة مستقلة عن الأخرى، ثم تتم مقارنة النتائج. لكن العامل الفصل في كل هذا المجهود المضني هو هذا: النص الذي ينشأ عنه نصوص أخرى يكون في الأرجح هو النص الأصلي. وعندما يشير البرهان الخارجي والداخلي إلى نفس الاتجاه، يكون لدى نقاد النص ثقة كبيرة في أن لديهم الصياغة الأصلية. وسوف نشرح باختصار هذه العملية ثم نختم بمثال أو اثنين لكي نوضح بصوة عملية كيف تتم هذه العملية.
البرهان الخارجي
توجد ثلاثة معاير خارجية تستخدم للحكم على الاختلافات وإظهار أي منها هو الأرجح أن يكون الصياغة الأصلية: تاريخ المخطوطة وسماتها؛ واتصال النسب؛ والتوزيع الجغرافي.
تاريخ المخطوطة وسماتها
عادة ما يكون الاختلاف أو النص المفضّل هو ذلك الموجود في أقدم المخطوطات. فقصر الوقت الذي يمر بين تلك المخطوطات وبين الأصل، والعدد الأقل من النسخ الداخلة بينهما يقلل من الأخطاء. وكلما كان الخط الواصل بين المخطوطة والأصل مباشراً كلما كانت فرصتها أفضل في أن تكون لها الصياغة الصحيحة.
كما أن المخطوطات التي تثبت أنها أكثر مصداقية في موضع آخر، يكون لها الأفضلية. وهكذا فإن الكاتب المدقق الذي يعمل على كتابة مخطوطة في القرن الخامس قد ينتج نصاً أكثر مصداقية من كاتب من القرن الثالث يكون اهتمامه الأكثر هو إنهاء مهمته وعمله بسرعة.
أما بالنسبة للسمات، فعادة ما يعتبر الأكثر أهمية هو أن نرى ما إذا كان المخطوطة التي لدينا شاهدة جيدة لصياغة نصها أكثر منها للنص الأصلي، وهذا لأن الطريق لصياغة النص الأصلي يمر عبر أساليب مختلفة للنص. يعتبر هذا تمييزاً مهماً، ولكن لابد من الوصول إليه في عملية النقد النصي.
وهكذا فإن تاريخ المخطوطات هو عامل مهم في تحديد قيمة نص معين، كما أن السمات العامة لإحدى المخطوطات، على الأقل في علاقتها بصياغة نصها، هي أيضاً عامل مهم.
اتصال النسب
تمت كتابة معظم المخطوطات في أماكن كان يتم فيها نسخ بعض الاختلافات التعليمية بصورة متكررة. هذا معناه أن معظم المخطوطات تجد أصولها في سلف محلي (أو ما يمكننا أن نطلق عليه أصل إقليمي) له تأثيره على ما تلاه في تلك المنطقة. وهكذا تظهر الأنماط الجغرافية للنصوص، معطية كل منطقة أسلوباً مميزاً للنص. وعندما تتفق جميع أو معظم المخطوطات المعروفة بانتمائها لأسلوب نص معين على قراءة نص ما، يمكن للمرء أن يستنتج أن السلف المحلي لأسلوب النص هذا ربما كان يحوي تلك القراءة النصية.
لكن ما هو بالضبط أسلوب النص؟ تقدم الثقافة المسيحية الإنجليزية قياساً حديثاً. فكثيراً، عندما يسمع الناس في الكنيسة واعظاً يقرأ من الكتاب المقدس، يمكنهم أن يميزوا أي من التراجم المتعدد بالإنجليزية يستخدمها -حتى عندما تكون هذه الترجمة غير موجودة أمامهم. وهذا لأن كل ترجمة تأخذ نمطاً ذا أسلوب معين في استخدام اللغة. ولذلك فإن ترجمة “كينج جيمس” تبدو للسامع قديمة ولكنها أنيقة؛ أما “النسخة الدولية الجديدة NIV” فتبدو أكثر كأسلوب محادثة؛ بينما تبدو ترجمة “الرسالة Message” مفعمة بالحياة.
والآن، لنفترض أن آلة الطباعة لم تخترع، وأن كل قسيس كان عليه أن يقضي العام الأول من خدمته في التدرب على كتابة نسخته الخاصة من الكتاب المقدس. وقتها يوجد في كل كلية لاهوت نسخة مختلفة من الكتاب المقدس تستخدم فيها، ويكون من المتوقع أن يعرف الطلاب هذه النسخة جيداً.
عندها يمكن للطلاب في مكان ما أن يكتبوا نسخة من الترجمة المتاحة؛ والطلاب في مكان آخر يكتبون نسختهم من ترجمة أخرى، وهكذا. ستكون النتيجة أنه لن تكون هناك نسخة واحدة مكتوبة بخط اليد من الترجمات المختلفة تماثل تماماً “الأصل المتاح”، ولكنها ستكون قريبة منه، ومقارنة بعضها بالبعض الآخر ستساعد الشخص على أن يرى ماذا كان شكل الأصل المتاح في المكان أو الإقليم.
ثم لنفترض الآن أن مئات السنين قد مرت وأن كل ما تبقى من نسخ بعض الترجمات، هو عبارة عن دستة من النسخ أو ما نحو ذلك من كل “أسلوب نصي”. ولكن واحدة من نسخ إحدى الترجمات تم العثور عليها في مكان ما، وكان بها العديد من النصوص المشابهة لنسخة ترجمة أخرى. في تلك الحالة سيقول المرء إن تلك المخطوطة بها خلط، وحتى لو كانت قديمة، فإن الخلط سيجعلها أقل أهمية من نسخة الترجمة الأخرى الأصلية أو المطابقة للأصل تماماً التي جاءت بعدها.
وسوف تكون أقل أهمية لأنها لن تكون شاهدة ذات مصداقية لأسلوب نصها. هذه هي الطريقة التي يتم بها تقييم “سمات” المخطوطة: هل هي قريبة من صياغة أصلها المحلي، أم أن بها مزيج من أكثر من أسلوب نصي آخر؟ الاختيار الأول أفضل من الثاني لأنه يساعد في محاولة العودة إلى صياغة الأصل المحلي.
يشبه نص العهد الجديد هذا الأمر، فهناك ثلاثة أساليب نصية رئيسية، وهي، الإسكندري، والغربي، والبيزنطي. فالأسلوب الإسكندري تم إنتاجه بوجه خاص في مصر، والغربي تم إنتاجه في روما وفي الغرب (رغم أنه أنتج في أماكن أخرى كذلك)، والبيزنطي أنتج معظمه في الشرق. ويتفق معظم العلماء على أن أسلوب النص الإسكندري بدأ في القرن الثاني، مثل الأسلوب الغربي، بينما النص البيزنطي في تطور لاحق، مبني بصورة كبيرة على المخطوطات الغربية والإسكندرية.
1 على أن أفضل المخطوطات الإسكندرية هي تلك التي ليس بها خليط من القراءات النصية الغربية أو البيزنطية. وعندما ينظر المرء إلى جميع المخطوطات الإسكندرية، فإنه يرى نمطاً ما من القراءة النصية. وعندما يكون للمخطوطات الإسكندرية الأفضل نفس القراءة النصية، يستطيع عندها العلماء أن يتأكدوا نسبياً من أن الأصل المحلي الإسكندري كانت له تلك القراءة النصية. وهذا الأمر صحيح حتى لو لم يعد ذلك الأصل المحلي موجوداً. هذا استنتاج بسيط من البراهين المتوفرة.
وهكذا فإننا بواسطة اتصال النسب، يمكننا أن نرجع بتاريخ القراءة النصية داخل إطار أسلوب النص إلى أصلها المحلي. يشبه هذا الأمر الاستنتاج الذي يمكن أن يتوصل إليه المرء إذا استطاع أن يلتقي مع عائلة ممتدة مكونة من خمسين من السويديين ذوي العيون الزرقاء، إذ كان لأجدادهم في الأغلب عيون زرقاء أيضاً.
وحيث أن النصوص الإسكندرية والغربية لها جذور يرجع تاريخها إلى القرن الثاني (الأمر الذي يمكن تأكيده بواسطة اقتباسات آباء الكنيسة من مناطق معينة في القرن الثاني)، فإنه عندما يكون لكل من هذه الأساليب النصية اتصال نسبي، فقد يقال إن قراءاتهم النصية يرجع تاريخها إلى القرن الثاني.
فكّر مثلاً في عائلتين هاجر أجدادهما إلى الولايات المتحدة الأمريكية في بدايات القرن التاسع عشر. بالنسبة لعائلة “دود” هناك اتفاق تاريخي على المكان الذي جاءوا منه. والعام الذين وصلوا فيه، والمكان الذي استقروا فيه، أي أنهم جاءوا من ويلز، عام 1833، واستقروا في نيويورك. وتتفق في ذلك جميع المصادر تقريباً سواء كانت مصادر حية أو عبارة عن مذكرات ورسائل من الأجيال السابقة. مع العلم بأن بعض المصادر اللاحقة لديها معلومات مختلفة، ولكن هناك اختلاف بسيط للغاية فيها.
ففي إحدى الرسائل التي كتبتها طفلة في الثانية عشرة من العمر، تقولت إن اجدادها وصلوا عام 1883، بينما في مذكرات أحد الأشخاص الذين تزوجوا داخل هذه العائلة مذكور أنهم جاءوا من إنجلترا. وهكذا فبالرغم من أنه ليست جميع السجلات تتفق معاً بالكامل، إلا أن أفضل الشهادات تتفق، والشهادات المنحرفة عن ذلك لا تبتعد كثيراً.
وأكثر من ذلك، يمكن تفسير الانحرافات. ففي إحدى الحالات، يرجع الاختلاف إلى المصادفة أو الزلل (1883 مقابل 1833)، بينما في حالة أخرى قد يرجع الاختلاف إلى الاتجاه باستبدال ما هو غير مألوف بما هو مألوف ومعروف.
أما عائلة “والاس” فتاريخها أقل دقة. فيقول البعض أن الأجداد قد جاءوا إلى الولايات المتحدة عام 1819، بينما يقول آخرون أنهم جاءوا عام 1847. ويقول البعض أن الأجداد قد أتوا من اسكتلندا، بينما يقول آخرون أنهم جاءوا من ألمانيا؛ 2كما يقول البعض أن الأجداد قد استقروا في بوسطن، ولكن هناك آخرون يقولون إنهم استقروا في رود أيلاند. فعندما تكون هناك تناقضات من هذا النوع، لا يكون هناك اتصال نسبي، وتحتاج الحقيقة أن تتحدد بواسطة وسائل أخرى.
لكن بالنسبة لعائلة “دود” فإن لديها تاريخ ثابت ومتسق، والاتصال النسبي يفترض أن هذا التاريخ يرجع إلى عام 1833. ومع ذلك فإن الاتصال النسبي في حد ذاته لا يعتبر كافياً لإثبات أن قراءة نصية معينة هو القراءة الأصلية، ولكنه يظهر بالفعل أنها أقدم من أي من المخطوطات الأخرى الباقية من نفس هذا الأسلوب.
وحتى عندما تكون مخطوطات أسلوب النص الإسكندري ليست قوية تماماً، يمكن للمرء في أغلب الأحيان أن يفترض تاريخاً لتيارين من التعليم الذين سبقا تاريخ الشهادات الباقية. وهذا لأن النص الإسكندري كان له على الأرجح فرعان -الإسكندري الأولي، الإسكندري الثانوي. وكل من هذين الفرعين هو تيار قديم في النقل، ولكن التيار الإسكندري الأولي تم إنتاجه بعناية أكثر.
ولذلك فحتى لو كانت النسخ الأصلية لمختلف الأصول الاقليمية قد اختفت، فمن الممكن افتراض تاريخ لإحدى الاختلافات التي يسبق تاريخها أياً من المخطوطات التي وجد فيها هذا الاختلاف.
التوزيع الجغرافي
إن الاختلاف الذي يوجد في مناطق جغرافية منتشرة في القرون القليلة الأولى للحقبة المسيحية من الأرجح أن يكون اصلياً أكثر مما نكون الاختلاف الذي يوجد في منطقة واحدة فقط. فتواطؤ الشهود يقل احتماله بأكثر ما يمكن عندما يكون الشهود موزعين في روما والإسكندرية وقيصرية أكثر مما يقل عندما يكونون جميعهم في أورشليم أو أنطاكية.
ولذلك، إذا كانت هناك مخطوطة من القرن الثالث في مصر، وترجمة من القرن الثالث في روما، وأحد آباء الكنيسة من القرن الثالث في فرنسا، اتفقوا جميعاُ على صياغة مقطع ما، فإن الفرص المتاحة هي أن يكونوا جميعهم نسخاً من مصدر أقدم. فالانتشار الجغرافي للمصادر التي تتفق مع بعضها البعض هو عامل شديد الأهمية في تحديد صياغة النص الأصلي.
لكن هذا لا يوضح فقط أن قراءة معينة للنص لم يتم إنتاجها بواسطة نوع من التعاون، ولكنه يوضح أيضاً أن القراءة النصية هي أكثر قدماً من أي من المصادر الموجودة. بواسطة هذه الوسيلة، يمكن للعلماء شرعياً أن “يرجعوا” بتاريخ قراءة نصية إلى زمن يسبق تاريخ المصادر التي تشهد لها.
لنفكر ثانية في القياس الذي قمنا به في عائلتي “دود” و”والاس”. إذا أكدت عائلة أخرى، لا تمت بقرابة لأي من هاتين العائلتين، بعض المعلومات الموجودة في سجلات عائلة “دود” أو “والاس”، فسيكون هذا مشابهاً لتأثير التوزيع الجغرافي. فلا توجد علاقة بين هذه العائلة الأخرى وعائلة دود أو عائلة والاس، ومع ذلك، فإنها تقدم شهادة مستقلة تؤكد حقيقة الأحداث المدونة في سجلات عائلة دود أو عائلة والاس. وهذا النوع من “الشهادة المتعددة” يقوي احتمالية أن تكون تلك الأحداث قد وقعت بالفعل.
لكن هذا البرهان ليس دليلاً في حد ذاته، إذ أنه يمكن أن تكون هناك أسباب مستقلة لكل مجموعة من السجلات تجعلها تقول نفس الشيء، كما سنرى فيما بعد. لكن رغم أن التوزيع الجغرافي ليس معصوماً من الخطأ، إلا أنه عامل مهم في تحديد صياغة العهد الجديد الأصلية.
يجب الإشارة إلى أنه بعد الأربعة القرون الأولى، لم يعد التوزيع الجغرافي بنفس الفائدة تقريباً حيث أنه بحلول هذا الوقت كان هناك مزج على نطاق واسع بين المخطوطات، بسبب حرية تبادل المعلومات التي انتشرت بمجرد أن أصبحت المسيحية ديانة شرعية.
كما يمكن أن يتم تمثيل عامل التوزيع الجغرافي بصورة غير كاملة بالاختلافات التي تحدث في “لعبة الهاتف”. ففي هذه اللعبة يتم وقوف صف من الناس، ثم يقوم أول فرد فيهم بالهمس بكلام ما في أذن الشخص الذي يليه، وبتكرار الرسالة المنقولة من شخص إلى آخر عبر الصف فإنها تصل في النهاية مشوهة. الهدف من لعبة الهاتف هذه في الحقيقة هو أن نرى كيف يمكن أن تتشوه الرسالة الأصلية. فليس هناك دافع “للوصول بالرسالة صحيحة”.
ولكن لنفترض أنه بدلاً من استخدام صف واحد من الناس، فإننا سنستخدم ثلاثة صفوف، ولن يكون الشخص الأخير في الصف هو الشخص الوحيد الذي يقول ما الذي أصبحت عليه الرسالة، بل يكون في إمكاننا أن نعرف كيف تم فهم الرسالة في نقاط مختلفة عبر الطريق. عندها ربما يتمكن المرء جيداً من إعادة بناء الكثير مما نطق به في الأصل بمقارنة الصفوف الثلاثة والعثور على الأشياء المشتركة بينها. هذا هو تأثير التوزيع الجغرافي.
وبأخذ خطوة أبعد، لنفترض أنه تم تحديد أن واحداً من هذه الصفوف كان أكثر دقة من الصفين الآخرين في نقل القول الأصلي. ويمكن اختبار هذا الأمر بسماع ما يقوله شخص “في بداية الصف” بالمقارنة بما يقوله شخص آخر في نهايته، فإن كان هناك تغيير بسيط للغاية من هذا الشخص للآخر، فإن هذا الصف يعتبر متفوقاً على الصفين الآخرين. لكن لكي نحل هذا اللغز، يجب استحضار البرهان الداخلي.
فتاريخ وسمات المخطوطة، والاتصال النسبي فيها، والتوزيع الجغرافي لها، هم ثلاثة أدلة في المعلومات الخارجية التي تساعدنا على تحديد أية قراءة نصية هي الأقدم -وهي القراءة التي نشأت منها بقية القراءات. ولكن البرهان الخارجي ليس هو المنهاج الكامل. فمثلاً، في الأماكن التي تختلف فيها المخطوطات القديمة عن بعضها البعض، أو التي يكون فيها التوزيع الجغرافي ضئيلاً، أو التي تكون فيها القراءة النصية مجرد نوع الصياغة التي يحتمل أن يكون الكاتب قد ألفها، هنا، قد يكون البرهان الداخلي هو الأكثر أهمية.
البرهان الداخلي
البرهان الداخلي هو اختبار صياغة الاختلافات من أجل تحديد أية قراء نصية هي التي تسببت في نشأة قراءة ما أو قراءات أخرى، وربما تكون بالتالي هي الأصلي.
قواعد البراهين الداخلي
إن الدليل الإرشادي الأساسي في النقد الداخلي هو هذا: اختر القراءة النصية التي تشرح بأفضل صورة نشأة القراءة أو القراءات النصية الأخرى. وهذا هو نفس القانون الذي ينطبق على كل نقد نصي، سواء خارجي أو داخلي. فهو نفس المبدأ، رغم اختلاف الوسائل (التي تكون مكملة لبعضها البعض). إن الحكم في البرهان الداخلي هو أمر شديد الذاتية، ولكنه أحياناً يكون شديد الموضوعية. فكل شخص يمارس هذا النوع من النقد النصي كل يوم. يوضّح ديفيد باركر هذا الأمر بإبداع في كتابه، “النص الحي للأناجيل”، قائلاً:
إن كل شخص يقوم بقراءة الصحف اليومية هو خبير في النقد النصي، في تكيفه مع تلك الأخطاء الواضحة للحزف، واستبدال أسطر بأخرى، والخلط بين الحروف. هذه العملية المتطورة في إدراك الكلمات التي لا تحمل معنى والتعرف على المعنى المقصود هي عملية طبيعية للغاية بالنسبة لنا، نحن العلماء الكلاسيكيين للإسكندرية القديمة أو الرهبان البينيدكتيين، حتى إننا نقوم بها بدون تفكير، وبدون وعي بقرابتنا لسانت مور. فالنقد النصي ليس علماً غامضاً، ولكنه يخص جمع الصلات البشرية.3
بالرغم من أن بعض الأخطاء التي وردت في المقطع السابق قد تستغرق منا بعض الوقت لتمييزها، فإن لا بد وأن تكون قد تمكنت من اكتشافها تماماً. لذلك فأنت لا تحتاج إلى مخطوطة أخرى لكي تقارن بها ذلك المقطع؛ إذ أنك تستطيع أن تحدد ما قد المؤلف أن يقوله ببساطة بواسطة فحص الصياغة وإزالة الأخطاء المعروفة. هذا هو البرهان الداخلي.
وبالرغم من وجود إرشادات متعددة تحت المظلة الواسعة لاختيار القراءة النصية التي تشرح بأفضل ما يمكن نشأة قراءة ما أو قراءات نصية أخرى، فإن هناك اثنين من هذه الإرشادات بارزان بصورة خاصة، وهما: القراءة النصية الأصعب هي الأفضل، والقراءة النصية الأقصر هي الأفضل.4
القراءة الأصعب هي الأفضل
إن القراءة النصية الأصعب هي تلك الأكثر إرباكاً، والأكثر غموضاً، والأكثر إرهاقاً. كما أن القراءات الأصعب تستخدم أيضاً كلمات أكثر ندرة أو تتضمن صياغة يمكن فهمها على أنها متناقضة. هذه القاعدة مهمة لأن الكتّاب كانوا يميلون إلى تيسير الصعوبات الموجودة في النصوص، أكثر مما يميلون إلى خلق صعوبات.
في الفصل الرابع، أشرنا إلى أن مرقس وصف يسوع فقط باستخدام الضمائر عبر تسعة وثمانين آية متتالية. (وفي الحقيقة إن الضمائر نفسها كانت غائبة في كثير من الأحيان، حيث أن اللغة اليونانية تستخدم نهايات الأفعال للإشارة إلى الشخص وإلى العدد بالنسبة للفاعل) فكان الكتّاب بالطبيعة يريدون إضافة اسم يسوع لتوضيح الشخص الذي يتحدث عنه النص. في مثل هذه الحالات، تكون القراءة النصية الأصلية هي الأقصر والأصعب معاً.
أو لنفكر مثلاً في مشكلة نصية في إنجيل يوحنا 4. وهي تكمن في رواية لقاء يسوع مع المرأة السامرية عند البئر. فبعد حوار قصير، يأمر يسوع المرأة أن تذهب إلى بيتها وتستدعي زوجها، قائلاً: «اذْهَبِي وَادْعِي زَوْجَكِ وَتَعَالَيْ إِلَى ههُنَا» (ع16). فتجيب المرأة: «لَيْسَ لِي زَوْجٌ» (ع17). فيجيب يسوع على هذا الكلام بقوله: «حَسَنًا قُلْتِ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ» (ع17). الآن عند هذه المرحلة كان لدى النساخ مشكلة. إذ أن يسوع قد اقتبس نفس كلمات المرأة لكنه عكس الترتيب (كما يظهر في الترجمة الإنجيلزية).
فبالنسبة لبعض هؤلاء الكتّاب يبدو وكأن يسوع قد أخطأ في اقتباس كلماتها، أو أنها هي قد قالتها بصورة خاطئة في المقام الأول. ولذلك فإنهم يقومون بتوفيق ترتيب كلماتها ليكون مثل ترتيب كلماته التي اقتبسها منها. هناك عدد قليل فقط (رغم أنه قديم) من المخطوطات هي التي تقوم بذلك، ولكنها من الواضح أنها تخلق قراءة نصية أسهل.
كثيراً ما تحدث مثل هذه الأمور في الأشياء المتشابهة في الأناجيل. فيتم تقديم قراءة أسهل لكي تتوافق صياغة إحدى الأناجيل مع إنجيل آخر. كما قام النساخ بتسهيل النحو والأسلوب بل وحتى الفكر اللاهوتي -نعم الفكر اللاهوتي. فعبر الزمن، كان الكتّاب يغيرون في صياغة النص لكي يجعلوه متسقاً بوضوح أكثر مع معتقداتهم اللاهوتية. لكن هذا لا يعني أن النص الأصلي لم يكن مستقيماً؛ ولكنه لم يكن دائماً بمثل الاستقامة الواضحة كما كان يرغب النساخ في ذلك، أو أن استقامته كانت مختلفة قليلاً عما كان يعتقده الكتّاب.
ربما وجب إيجاد تشبيه نفهم به طبيعة النص الأصلي. فبالنسبة لأولئك الذين يعرفون جيداً رواية جي آر تولكين “ملك الخواتم”، يكون لهذا المعيار معنى جيداً. فعندما تلتقي الأقزام المحاصرة بالغريب الأسود، سترايدر، عند فندق المهر الراقص، فإنها تستريح عندما تعلم أنه في جانبها. فيعلن أنه آراجورن، وأنه لو كان عدوهم لكان في إمكانه أن يقتلهم بسهولة.
وساد صمت طويل، وفي النهاية تحدث فرودو بتردد قائلاً: “كنت أعتقد أنك صديق قبل أن تأتي الرسالة، أو على الأقل كنت أتمنى ذلك. لقد أخفتني عدة مرات هذه الليلة، ولكن ليس بالطريقة التي يمكن أن يخيف بها خدام الأعداء، أو هكذا أتخيل. أعتقد أن واحداً من جواسيسه تراه يبدو جميلاً ولكنك تشعر أنه أكثر قذارة.”5
وبالمثل، فإن النص الأصلي أسلوبه صعب ويضايق المسيحيين، ولكنه في النهاية نص يمكننا أن نميزه ونثق فيه.
ولتوضيح عملية تحويل النص لكي يتوافق مع المعتقد التقليدي القويم، نجد هذا الأمر في (1تيموثاوس 3: 16)، وهي آية قد ناقشناها في الفصل السادس (أنظر ملحوظة 9). فإن صياغة “الله ظهر في الجسد” هي تأكيد واضح لألوهية المسيح، بينما صياغة “الذي ظهر في الجسد” فيها معنى ضمني لذلك فقط.6 وبالرغم من وجود كم كبير من النصوص التي تؤكد ألوهية المسيح، فإن الكتّاب التقليديين قاموا من حين إلى آخر بتغيير نصوص أخرى لكي يجعلوها تقول هذا الأمر أيضاً. وهكذا فإن القراءة الأصعب في هذه الحالة هي “الذي”.
القراءة النصية الأقصر هي الأفضل
كان لدى الكتّاب اتجاه قوي لإضافة كلمات أو جمل أكثر من أن يحذفوا. وهكذا كان النص يميل إلى الطول مع مرور الوقت، بدلاً من أن يتقلص أو يقصر -رغم أنه قد زاد بنسبة 2 في المائة فقط عبر ألف وأربعمائة عام. لم يكن الكتّاب في الأغلب يحذفون أي شيء عن عمد.7 وهكذا، وحيث أن الحذف غير المتعمد بعيد الاحتمال، تكون القراءة النصية الأقصر عادة هي الأفضل. لقد ناقشنا بالفعل من قبل إضافة اسم يسوع في العديد من الأماكن في الأناجيل حيث لم يكن مستخدماً في الأصل.
كما أنه في نهاية كل سفر من أسفار العهد الجديد، تظهر كلمة آمين، على الأقل في بعض المخطوطات. لكن مثل هذه النهاية كانت تضاف بواسطة الكتّاب بصورة روتينية إلى أسفار العهد الجديد لأن عدداً قليلاً من هذه الأسفار كان بها مثل هذه النهاية في الأصل (رو 16: 27؛ غلا 6: 18؛ يهو 25).
فمعظم الشهادات اليونانية تنهي كل سفر من أسفار العهد الجديد بكلمة آمين. فيما عدا أسفار أعمال الرسل ورسالة يعقوب ورسالة يوحنا الثالثة (وحتى في هذه الأسفار، نجد كلمة آمين موجودة في بعض المخطوطات). وهكذا فإنه اختلاف متوقع وقراءة نصية أطول.
على أن الكتّاب قاموا أيضاً بمزيد من الإضافات الأساسية. فمثلاً، في (رومية 8: 1)، يشير البرهان الخارجي بالكامل إلى صياغة، “ِإِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ”. لكن هناك اختلافان يتنافسان مع تلك الصياغة، فبعض المخطوطات تضيف “السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ”، وأيضاً مخطوطات لاحقة تضيف “بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ”.
وهكذا قد كان لدى الكتّاب الاتجاه بأن يضيفوا إلى النعمة، لكي يعدّلوا أو يقيّدوا العبارات المطلقة. في هذه الحالة يكون من الواضح أن القراءة الثالثة قد نشأت من الثانية، لأنها إن كان قد نشأت بدون القراءة الثانية لكانت الآية بلا معنى على الإطلاق، إذ تكون: “ِإذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ َبلْ حَسَبَ الرُّوحِ”. وفي هذه الحالة تكون أقصر قراءة هي التي تسببت في نشأة القراءتين الأخريين، وهكذا نشأت القراءة الأطول.
هاتان القاعدتان شديدتا الأهمية والنفع في تحديد صياغة النص الأصلي. وفي نفس الوقت، يجب ألا يتم تطبيقهما بمعزل عن الاعتبارات الأخرى. فبعض المخطوطات، خاصة في النص الغربي، كانت معرضة لأن تحذف آيات بأكملها. وعلى الرغم من أن النص الغربي كان قديماً، إلا أنه في نفس الوقت غير متقن إلى حد ما. هنا تكمن أهمية البرهان الخارجي، إذ إنه يمارس نوعاً من الرقابة على جودة البرهان الداخلي.
أقسام البرهان الداخلي
احتمالات النسخ
إن احتماليات النسخ لها علاقة بما يحتمل أن يقوم به الكاتب (الناسخ). وهناك نوعان من التغييرات التي حدثت وقام بها الكتّاب، هما التغييرات المتعمّدة وتلك غير المتعمّدة.
في كثير من الأحيان قام الكتّاب عن عمد بتغيير النص لأسباب نحوية ولاهوتية وتفسيرية، كما أوضحنا من قبل. وهنا على وجه الخصوص نجد قاعدتي القراءة الأقصر والقراءة الأصعب مفيدتان للغاية. (انظر المناقشة التي قمنا بها من قبل للتوضيح).
على أن الكثير من التغيرات النسخية لم تكن متعمدة، فبسبب مشاكل ضعف البصر والسمع والإجهاد أو سوء الحكم، كان الكتّاب كثيراً ما يقومون بتغيير النص عن غير عمد. وقد تمت مناقشة بعض هذه الحالات في فصل سابق. لكن يمكننا هنا أن نضيف أنه كان هناك خطأ شائع لدى الكتّاب هو أنهم كانوا يكتبون مرة واحدة ما كان يجب عليهم أن يكتبوه مرتين.
ويطلق على هذا الأمر الكتابة المفردة، كان هذا يحدث خاصة عندما كانت عين الكاتب تتخطى الكلمة الثانية التي تنتهي بنفس طريقة كتابة الكلمة التي قبلها. ولكنها كانت تحدث أيضاً عندما كان سطران ينتهيان بنفس الكلمات.
فمثلاً في (1يو 2: 23)، نقرأ “كُلُّ مَنْ يُنْكِرُ الابْنَ لَيْسَ لَهُ الآبُ أَيْضًا، وَمَنْ يَعْتَرِفُ بِالابْنِ فَلَهُ الآبُ أَيْضًا.”، ففي اليونانية تنتهي كل من الجملتين “لَهُ الآبُ أَيْضًا”. فإذا تم الاختلاط بين السطرين سنحصل على قراءة مروّعة: “كل من ينكر الابن له الآب أيضاً ومن يعترف بالابن ليس له الآب أيضاً”.
إن أسلوب النص البيزنطي ليس به هذا الجزء الثاني من العدد. لكن على الرغم من أن القراءة الأقصر هي المفضّلة عادة، فإن هذا القانون لا يطبق إذا كان من المحتمل حدوث خطأ غير مقصود. وهذا مثل تقليدي للحذف غير المتعمد: فتعبير “له الآب أيضاً” في الجملة السابقة حدث به كتابة مفردة.
احتمالات الأصالة
وهذا يختبر ما كان يحتمل أن يكون كاتب السفر الأصلي قد كتبه. على الرغم من وجود أشياء أخرى، إلا أن هناك أمران أساسيان يتضمنها هذا الاحتمال، وهما -السياق أي اختلاف يلائم السياق أفضل من الآخر؟ فمثلاً، في (يوحنا 14)، يتحدث يسوع لتلاميذه في الليلة التي سبقت صلبه، وفي عدد 17 يخبرهم عن الروح القدس، فيقول: “وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ.” يوجد اختلاف نصي هنا: فبدلاً من “ويكون فيكم” تقول بعض المخطوطات القديمة والموثوق فيها بصورة كبيرة “وهو فيكم”.
فالفارق هنا هو بين زمن المستقبل وبين المضارع. لكن عندما يفكر المرء فيما كان المؤلف قد كتبه، يكون زمن المستقبل هو الأرجح أكثر في الاستخدام. فالسياق المباشر في (يو 14: 16) وفي الأصحاح ككل يشير إلى زمن المستقبل، وإنجيل يوحنا عامة ينظر إلى حلول الروح القدس على أنه بالتأكيد حدث مستقبلي. وهكذا يكون للزمن المستقبل مصداقية أفضل فيما يختص بسياق النص.8
أي اختلاف يلائم أسلوب المؤلف أكثر من الآخر؟ هنا يعني السؤال بما يفعله المؤلف عادة، وكيف يعبّر عن نفسه، وما هي دافعه واللغة التي يستخدمها عادة. فمثلاً، واحد من الأسباب التي لأجلها لا يعتبر معظم العلماء أن (مرقس 16: 9-20) جزء أصيل هو أن المفردات والنحو في هذه الآيات لا تشبه على الإطلاق ما يوجد في بقية إنجيل مرقس.
وعندما يضاف إلى هذه الملحوظة الاحتمال القوي بأن الكتّاب كانوا يرغبون في إنهاء إنجيل مرقس بأكثر من القول بأنهن “كن خائفات”، وبالإضافة إلى حقيقة أن أقدم وأفضل المخطوطات لا توجد بها تلك الآيات الاثنا عشر، يكون البرهان المربك هو أن (مرقس 16: 9-20) تمت إضافته فيما بعد.
بل أن الاعتبارات النصية يكون لها أهميتها حتى عندما يتضمن الاختلاف كلمة واحدة فقط. وهكذا، ففي (يوحنا 4: 1)، تختلف المخطوطات بين القراءة “1فَلَمَّا عَلِمَ يَسُوعَ أَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ سَمِعُوا أَنَّه يُصَيِّرُ وَيُعَمِّدُ تَلاَمِيذَ أَكْثَرَ مِنْ يُوحَنَّا”، وبين “فَلَمَّا عَلِمَ الرَّبُّ أَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ سَمِعُوا أَنَّ يَسُوعَ يُصَيِّرُ وَيُعَمِّدُ تَلاَمِيذَ أَكْثَرَ مِنْ يُوحَنَّا”….
ففي الحقيقة إن الكثير من المخطوطات الأقدم والأفضل كانت تقول “الرب” هنا بدلاً من “يسوع”. ومع ذلك، فإن رواية يوحنا تدعو يسوع “رباً” مرتين على الأقل قبل القيامة (6: 23؛ 11: 2). ومن ناحية أخرى، تستخدم كلمة “يسوع” عشرات المرات. وهكذا فإن الاعتبار النصي هنا هو في جانب كلمة “يسوع” بدلاً من “الرب”.
الملخص
عندما تتم مقارنة البرهان الخارجي بالبرهان الداخلي، يتوصل العلماء إلى نتيجة بشان أية قراءة نصية هي الأصلية, فيكون الاختلاف النصي الذي يقترب أكثر من الأصالة هو الذي يوجد في أقدم وأفضل وأكثر الشهادات المنتشرة جغرافياً. كما أنه يكون متفقاً مع السياق وأسلوب المؤلف، ويكون هو المنشئ الواضح للقراءات المنافسة له على المستوى الأدبي.
إن تسعة وتسعون بالمائة من كل المشاكل النصية يتم حلها بسهولة عن طريق مقارنة البراهين الخارجية والداخلية. بل إن حتى نسبة جيدة من الواحد في المائة المتبقية التي يكون لها معنى وتكون قابلة للتطبيق، يمكن حلها بقدر كبير من الثقة عن طريق المقارنة بعناية بين البراهين الخارجية والداخلية.
لكن هناك العديد من المناسبات التي يبدو فيها أن البرهان الخارجي يشير إلى طريق ما، بينما يشير البرهان الداخلي إلى طريق آخر. فكيف يمكن للعلماء أن يقرروا في مثل هذه الحالات؟ هذا هو نوع من الألغاز الذي يملأ المجلات اللاهوتية! في الفصل التالي سوف نصارع على وجه التحديد مع الأمور موضع الخطر في مثل هذه المواقف.
ولكننا هنا نحتاج أن نشدد على أمر واحد مهم: أنه إذا وجد اختلاف معين في المخطوطات غير اليونانية فقط، أو إذا وجد فقط في بعض المخطوطات القليلة الحديثة، حتى لو كانت مصداقيتها الداخلية ممتازة، فلابد من رفضه.
فإننا عندما نتعامل مع عدد من المخطوطات يصل إلى الآلاف، فإن الحوادث غير المتوقعة والدوافع غير المعروفة قد تكون هي الأسباب وراء قراءة نصية شاردة هنا أو هناك والتي يكون لها داخلياً مصداقية قوية. ومن ناحية أخرى، في أحيان نادرة يكون البرهان الخارجي إلى جانب إحدى القراءة بصورة شديدة القوة، ولكن يكون هناك عدد كبير بما يكفي من المخطوطات المهمة بجانب قراءة مختلفة، ويكون البرهان الداخلي إلى جانب القراءة الثانية بالكامل. في مثل هذه الحالات، تكون القراءة الثانية في الأغلب هي الأصلية.
ففي (فيلبي 1: 14)، تقول ترجمة فان دايك: “وَأَكْثَرُ الإِخْوَةِ، وَهُمْ وَاثِقُونَ فِي الرَّبِّ بِوُثُقِي، يَجْتَرِئُونَ أَكْثَرَ عَلَى التَّكَلُّمِ بِالْكَلِمَةِ بِلاَ خَوْفٍ”. لكن، ماهي تلك “الكلمة” التي يتكلمون بها بلا خوف؟ هذا النوع من الغموض ترك الكتّاب في مأزق، إذ يحتاج الأمر إلى نوع من التوضيح. وهنا نشأ اختلاف متوقع وهو إضافة كلمة “الله” أي “كلمة الله”.
كما جاءت في ترجمة الحياة. هذا الاختلاف المحدد موجود في بعض من أفضل وأقدم المخطوطات، وخاصة في المخطوطات من أسلوب النص الإسكندري. بعض مخطوطات النص الغربي تضيف “الرب”.
ليس من السهل أن نعرف لماذا سقطت كلمة “الله” أو “الرب” من النص. فلا يمكن تمييز سبب متعمد أو غير متعمد لذلك من جانب الكتّاب. هذا بالإضافة إلى حقيقة أن بولس كثيراً ما كان عنده بعض الغموض، يعني أن البرهان الداخلي -أي كل من احتمالات النسخ واحتمالات الأصالة -هما إلى جانب القراءة الأقصر والأصعب. داخلياً، يبدو من الواضح أن بولس كتب “التكلم بالكلمة بلا خوف”. وأن الكتّاب أضافوا كلمة تفسيرية لكي يجعلوا المعنى أكثر وضوحاً.
وبالاتجاه إلى البرهان الخارجي، فإن القراءة الأقصر تؤيدها معظم المخطوطات اللاحقة (تلك التي تنتمي إلى أسلوب النص البيزنطي). ولكنها مؤيدة أيضاً بأقدم شهادة للفيلبيين، 46 P (التي يرجع تاريخها إلى حوالي عام 200). بالإضافة لذلك، فإن هناك مخطوطات أخرى غير بيزنطية لها القراءة الأقصر (وأبرزها مخطوطات 1729، التي ناقشناها في الفصل السادس).
فبالرغم من أن البرهان الخارجي غير ملزم بالقراءة الأقصر، يمكن للمرء بسهولة أن يرى كيف أن القراءة الأصلية يمكن أن توجد في هذه المخطوطات بدون تأييد بقية الشهادات القديمة.
في هذه الحالة قامت معظم المخطوطات الجيدة بإضافة اختلاف متوقع، وهو اختلاف كان يمكن أن ينشأ في أماكن متعددة بصورة مستقلة عن المخطوطات الأخرى. على أن الأمر الجوهري الذي نحتاج أن نفهمه هو أنه إذا كان أحد العلماء يعتقد أن القراءة الأصلية موجودة في مخطوطات أدنى، فإنه يجب أن يكون لديه تفسير معقول لكيفية الانتهاء إلى أن هذه المخطوطات لها القراءة السليمة بينما لا تكون تلك القراءة السليمة لدى مخطوطات أخرى جيدة، فيكون عليه أن يفسر تاريخها.
وفي هذه الحالة، تكون حقيقة أن صياغة بولس مبهمة في كثير من الأحيان، وحقيقة إن كلاً من كلمتي “الله” و”الرب” هما اختلافان أضافتهما بعض المخطوطات، وحقيقة أن القراءة الأقصر لها على الأقل بعض التميز، وأن المخطوطات القديمة في جانبه، تكون أسساً كافية لرؤية نص “التكلم بالكلمة بلا خوف” على أنه هو القراءة الأصلية. إن البرهان الخارجي على القراءة الأقصر ليس قوياً، ولكنه مناسب، والبرهان الداخلي في صالحها كثير ووفير. وعندما يدمج هذان معاً فإنهما يشيران إلى أن “التكلم بالكلمة بلا خوف” هو بالفعل النص الذي كتبه بولس.
والآن لنفكر في مشكلة نصية أخرى، وهي التي بدأنا بها هذا الفصل، المشكلة النصية الموجودة في (لوقا 1: 34). ولنستمع مرة أخرى إلى ما كتبه روبرت برايس عن هذه الآية: توجد مخطوطة شاردة (مخطوطة لاتينية قيمة b) تحذف سؤال مريم في (لوقا 1: 34)، “كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلاً؟”
لاحظ أنه بدون هذه الآية لا يوجد في إنجيل لوقا ما يوحي بوجود حبل أو ميلاد فوق طبيعي. إن له معنى كبيراً (أن نرى هذه الآية على أنه تم إضافتها بواسطة كتّاب لاحقين)، ولكن البرهان شديد الضعف بالنسبة لنا لكي نتمكن من إدراج هذا السؤال. 9
كان روبرت برايس أحد أعضاء جماعة “مدرسة يسوع”، وهو عالم في العهد الجديد. ولكن، هل يتعامل مع الدلائل والبراهين بعدل؟ دعونا نختبر برهانه في ضوء المبادئ القياسية للنقد النصي.
سوف نتعامل مع البرهان الداخلي أولاً. يحاول برايس أن يبرهن على قضيته أكثر عن طريق البرهان الداخلي: “فالآية 34 تجعل مريم تواجه الملاك باعتراض متشكك يماثل تماماً اعتراض زكريا (1: 18): «كَيْفَ أَعْلَمُ هذَا، لأَنِّي أَنَا شَيْخٌ وَامْرَأَتِي مُتَقَدِّمَةٌ فِي أَيَّامِهَا؟»، وعندها ضرب الملاك جبرائيل زكريا بالخرس حتى يوم ولادة الطفل يوحنا، كعقاب له لاجترائه على الشك في كلامه. فهل سهل على لوقا أن ينسب نفس التشكك إلى مريم. وإن كان كذلك، فهل كان سيتركها بدون عقاب من الملاك؟”10
يفترض برايس أن البرهان الداخلي هو كله في جانب حذف هذه الآية، وهذا على الأكثر لأن التشابه بين استجابتي مريم وزكريا للملاك أن كلاً منهما أدت إلى استجابة مختلفة من الملاك جبرائيل. لكن، هل كانت استجابتي زكريا ومريم “متماثلتين تماماً” كما يزعم برايس؟ إن زكريا يسأل: “كيف أعلم هذا؟” فهو بذلك يسأل عن علامة على أن الملاك يخبره بالحقيقة.
ولكن استجابة مريم هي: “كيف يكون هذا؟” وكما يعلّق داريل بوك: إنها لم تشك في الإعلان، لأنها لم تطلب علامة كما فعل زكريا. ولكنها كانت متحيرة بشأن كيفية حدوث هذا الميلاد، وهو سؤال جعل الملاك يوضّح لها الأمر (1: 35)”11. هكذا يكون البرهان الداخلي إلى جانب إدراج هذه الآية بقوة.
وليس ذلك فقط، ولكن السمة المميزة للوقا هي أنه يستخدم أمرين متماثلين لتطوير حجته. وفي هذه الحالة، فإنه يظهر باستجابة مريم المختلفة أنها أكثر براً من زكريا. كما أنه يظهر أيضاً بواسطة الروايتين المتماثلتين أن ميلاد يسوع هو أكثر معجزية من ميلاد يوحنا المعمدان.
بل وأكثر من ذلك، أنه لو كان حبلها قد تم بوسيلة طبيعية، فلماذا يقول لها الملاك: “اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ.” (ع35)؟ كانت هذه هي استجابة الملاك لتساؤل مريم؛ ويكون من الغريب للغاية أن يجيب الملاك على سؤال لم يطرح. وهكذا فإن برهان الأصالة (أسلوب لوقا وأيضاً سياق النص) هو بالكامل إلى جانب إدراج الآية 34.
ربما يكون البرهان الخارجي أكثر قوة إلى جانب الحذف، وإن كان كذلك، فإنه لابد وأن يكون مجمعاً عليه تقريباً لكي يتغلب على مثل هذا الاعتراض القوي من جانب البرهان الداخلي. ولكن برايس يعترف بأن البرهان الخارجي ضعيف للغاية -وهو عبارة عن مخطوطة لاتينية واحدة! فأساساً لا يوجد برهان خارجي يؤيد زعمه.
فمخطوطة واحدة لاتينية من القرن الخامس لا يدخل فيها عامل التوزيع الجغرافي، ولا عامل اتصال النسب، بل فقط الحد الأدنى من مصداقية التاريخ والسمات. فبقية المخطوطات اللاتينية بها هذه الآية، كما توجد أيضاً بجميع المخطوطات اليونانية. بل إن آباء الكنيسة أيضاً قد علقوا على هذه الآية منذ الأزمنة القديمة.
إن برايس شديد السخاء في تقييمه للحذف عندما يعطيه مرتبة مساوية مع الإدراج. ولذلك فإن استنتاجه بأن: “البرهان أضعف مما يسمح لنا بإدراج هذا السؤال.”12 يبدو وكأننا نحتاج لأن نعلّق الحكم لأن البراهين شديدة التوازن والتعادل، رغم أن برهان الحذف شديد الضعف ولا يجعلنا نأخذ افتراض برايس على محمل الجد.
إن ما يلفت النظر هو أنه في موضع سابق في كتابه يقوم بالاستشهاد باسم إف سي بور على أنه نموذج للعالم الجيد في علوم الكتاب المقدس: لابد أن نضع في الاعتبار دائماً القول المأثور لفرديناند كريستيان بور، إن أي شيء ممكن، ولكننا يجب أن نسأل ما هو المحتمل. وهذا أمر مهم لأنه اتجاه شديد الانتشار بين دارسي الكتاب المقدس التقليديين، بل وحتى العلماء المتطورين، أن يقوموا بترجيح براهين للمواقف الحرجة، ثم يقوموا بعد ذلك بطرحها جانباً على أنها “غير مثبتة”.
ولكن الأحكام العلمية لا يمكن أن تكون مجرد مسألة “الرغبة في الإيمان”، بل إن مبدأ المؤرخ لا بد دائماً أن يكون هو الحكمة القائلة: “لتكن لديك الجرأة لأن تعرف.” 13
لكن يبدو أن برايس لم يتبع النصيحة التي قدمها هو نفسه في اتباع حكمة بور (الذي هو أيضاً لم يكن دائماً يتبع نصيحته هو الشخصية!)، وأكثر من ذلك، يمكننا أيضاً أن نعكس هذا قائلين: إن الأحكام العلمية لا يمكن أن تكون مجرد مسألة “الرغبة في عدم الإيمان”. فالدليل على عدم وجود (لوقا 1: 34) لهو من الضعف الشديد بحيث أنه لم يقبله أي عالم جاد من علماء العهد الجديد.
فكيف يمكن لمخطوطة وحيدة باللاتينية أن يكون لها الصياغة الصحيحة بينما الآلاف الأخرى من المخطوطات -التي الكثير منها أقدم بصورة ملحوظة ولديها مصداقية أكثر من تلك المخطوطة الواحدة – قد جعلتها تنزلق من شباكها؟ كما لم يقدم برايس أية وسيلة معقولة كان يمكن بها أن يحدث نقل للنص بحيث أن النص الصحيح قد فقد بصورة ما عبر أكثر من أربعمائة عام من النسخ، ولكن تم ضبطه بواسطة تلك المخطوطة الوحيدة.
فالمؤرخ الجيد يجب على الأقل أن يقدم تفسيراً معقولاً لمثل هذا الشذوذ المتفرد. كما يجب عليه أيضاً أن يقدم الدليل على أنه، في مكان آخر في النص، يمكن أن تحوي مخطوطة منسوخة -أو حتى مجموعة من المخطوطات المنسوخة – الصياغة الأصلية، حيث أنتجت جميع المخطوطات الأخرى هذا الخطأ.
إنه لجديد بالذكر أن “برايس” قد أدرج “بور” و”إيمانويل كانت” للدفاع عن نظرته المدمرة للنص. فقط طبّق بور وسيلة تعلمها من الفلسفة (الجدلية الهيجلية) على العهد الجديد. ورغم أن آراءه كانت كلها ثائرة في منتصف القرن التاسع عشر، فإنه قد ثبت بطلانها منذ ذلك الوقت بواسطة البرهان التاريخي. لقد كان “كانت” بالطبع فيلسوفاً، ولكن أن يضع برايس مصطلح “مؤرخ” مع “كانت” في نفس العبارة، فإن هذا يعطي انطباعاً بأن “كانت” كان مؤرخاً في الأساس.
ولكن الافتراضات الفلسفية والبراهين التاريخية لا تكون دائماً على وفاق، فقد كان يقال كثيراً، بخصوص الأفكار الجديدة في علوم الكتاب المقدس، إن “الألمان هو الذين ابتكروها، والإنجليز أصلحوها، والأمريكان أفسدوها”. وهكذا فقد سعى “برايس” لكي يجد أية فضلات من الأدلة لكي تؤيده. وهذه هي الوسيلة التي تسوقها النتائح التي يرغب المرء في العثور عليها.
ومع ذلك، إذا كان ممكناً على الإطلاق، فسيكون من المفيد ان نفسّر كيف أن تلك المخطوطة اللاتينية الوحيدة -المخطوطة اللاتينية القديمة b- أسقطت استجابة مريم في (لوقا 1: 34). إن أقرب تفسير هو أن الكاتب قد قام بخطأ يعرف باسم الكتابة المفردة -وهي كتابة مرة واحدة ما كان يجب أن يكتب مرتين. فكل من الآيتين في ع 34و38 يبدأ تماماً بنفس الطريقة: “فقالت مريم”. ففي اللاتينية، تكتب هذه الجملة: dixit auteu Maria وهكذا فإن عين الكاتب تخطت هذا العدد وكتب العدد 38 الذي يبدأ بنفس الكلمات: dixit auteu Maria.
وبعد أن كتب الرد من عدد 38، عادت عينه مرة أخرى إلى العدد 35. (إن أي إنسان قام بنسخ نصوص من قبل يعرف كم من السهل أن يحدث مثل هذا الخطأ). ثم عندما وصل إلى العدد 38، أدرك أنه قد كتب هذا النص بالفعل، ولذلك قام بحذف الإجابة بأكملها في هذا المكان فقراءة نص المخطوطة اللاتينية القديمة b في عدد 38 هي ببساطة: “فمضى من عندها الملاك.” هكذا تم حذف إجابة مريم في عدد 38 ووضعها في عدد 34.
لكن لو كان برايس على حق، لما كان المخطوطة اللاتينية الوحيدة قد تضمنت الصياغة الصحيحة في عدد 34 فقط، ولكنها كانت ستتضمن الصياغة الصحيحة في عدد 38، ولكانت جميع الشهادات الأخرى -اليونانية واللاتينية والقبطية والسريانية، وغيرها -قد تضمنت الصياغة الخاطئة في كلا الموضعين. إن احتمال أن يكون تقييم برايس للبيانات صحيحاً هو احتمال متناهي الصغر إلى أبعد الحدود.14
بمعنى آخر، إن الشهادات غير اليونانية تعتبر ثانوية في الأهمية، وحتى النسخ الكاملة (وليس مجرد مخطوطات منفصلة داخل النسخة) في حد ذاتها، لا تستطيع أن تشير إلى صياغة نص أصلي.
لذلك فإن أساس برايس شديد الهشاشة، ويبدو أن افتراضاته الفلسفية هي التي تسوق قراراته. فكيف يمكنه إذاً أن يقول: “البرهان أضعف مما يجعلنا نتمكن من إدراج هذا السؤال؟” فالبرهان، على العكس، قوي تماماً على أن إنجيل لوقا لم يحذف أبداً العدد 34. وكما يعشق ويليام لين القول: “إن أوقية من البراهين لأفضل من رطل من الافتراضات”.
لكننا، في هذه الحالة، لدينا رطلاً من البراهين مقابل أوقية من الافتراضات. فحتى العلماء الذين ينكرون الميلاد العذراوي، يعرفون أن النصوص التي تتحدث عنه ليست موضع شك. إنه مجرد قبض الريح أن يتبنى المرء بجدية إمكانية غير ذلك، كما أنه يكشف عن قناع المخطط الكامل لتدمي الإيمان المسيحي بواسطة التلاعب والتحايل على البيانات التاريخية.
أساليب النقد النصي – استرداد صياغة النص الأصلي للعهد الجديد
كيف يمكننا التأكد من أن ما كتبه الرسل هو ما وصلنا حقا؟
كيف يمكننا التأكد من أن ما كتبه الرسل هو ما وصلنا حقا؟
كيف يمكننا التأكد من أن ما كتبه الرسل هو ما وصلنا حقًا؟
رأينا أن معظم الاختلافات بين مخطوطات العهد الجديد تتضمن مجرد اختلافات في الهجاء (إقرأ: هنا وهنا). فالجزء الأصغر (1%) من تلك الاختلافات يتعامل مع صياغة ذات معنى وبدائل قابلة للتطبيق. ولكننا حتى في هذه الحالة، فإن الكمية العظمى من الاختلافات لا تؤثر إلا في أمور ثانية صغيرة متعلقة بالمعنى.
وكما هو متوقع فإن بعض المشككين بشدة في المخطوطات القديمة يعودون إلى النص الأصلي وينتهي بهم الأمر إلى أن يصنعوا من كومة التراب جبالاً ضخمة. وينقسم هؤلاء المشككون إلى مجموعتين، وهما: الليبراليون المتطرفون، والأصوليون من أنصار “ترجمة كينج جيمس فقط”. يريدنا الليبراليون المتطرفون أن نؤمن أننا لا يمكن أن نتأكد من أي شيء فيما يختص بصياغة النص الأصلي، فلا يوجد شيء محتمل، بل كل شيء ممكن فقط، ولا يمكن تأكيد أي شيء.
أما أنصار “ترجمة كينج جيمس فقط” فيريدون منا أن نؤمن أن المخطوطات القديمة قد فسدت جميعها وأننا يجب أن نثق في الأحداث، وفي الأغلبية الأكثر اتفاقاً. لكن ما يدعو للسخرية أن كلا النظرتين تبدأ بالنتيجة التي تسعى لإثباتها، ثم تتعامل فقط مع الدليل الذي يؤيدها، وهكذا فإن النتائج تدفع إلى الوسيلة، بدلاً من أن يحدث العكس. ولا يمكن أن يصبح هذا سعياً أميناً نحو الحق.
لذلك فإن مهمتنا في هذا الفصل هي أن نناقش ما يجب أن يقوم به نقاد النص لكي يتوصلوا إلى تعيين صياغة النص الأصلي للعهد الجديد. أحياناً يتم الزعم بأنه حيث أن المخطوطات يمكن تقسيمها إلى مجموعات متشابهة. فإنه ليست لدينا فكرة عن كيفية العودة مرة أخرى للصياغة الأصلية. لكن الحقيقة أن تلك المجموعات تساعدنا على تجديد الصياغة الأصلية. فإن كانت المخطوطات غير مرتبطة ببعضها البعض، لكان لدينا القليل من الدلائل حول أيها والذي يمثل الأصل بأمانة.
ولكن بوجود مجموعات من المخطوطات، أصبح في إمكاننا بناء شجرة النسب لتوضيح أيه مجموعة من المخطوطات هي المشتقة من المجموعة الأخرى. وليس ذلك فقط، ولكن المجموعة تفترض وجود سلف مشترك. ورغم أن هذا السلف يجب إعادة بنيته وتجميعه، فإن نقاد النصوص لديهم الكثير من الأدوات المتوفرة التي تساعدهم في العثور على زمن بل وحتى مكان وجود مثل هذا السلف المشترك.
وسوف نناقش هذه العلاقات الخاصة بالنسب أكثر في الفصل التالي لكي نوضح أننا بدلاً من أن نقوض محاولاتنا لاسترداد الصياغة الأصلية. فإن مجموعات المخطوطات تسهل لنا هذه المحاولات.
إن المشكلة الأساسية للنقد النص للعهد الجديد هي هذه، حيث أن الأصول لم تعد موجودة، وحيث أن هناك اختلافات بين جميع النسخ الباقية، فكيف لنا أن نحدد صياغة النص الأصلي؟ وهناك أمران يجب مناقشتهما، وهما المواد والوسائل، وسوف نقوم في هذا الفصل بالبحث في الأمر الأول.
إننا نهوّن من الأمر عندما نقول إن المواد المستخدمة في تحديد صياغة العهد الجديد اليوناني هي كثيرة ومربكة. فما هي الصفات التي يمكن بها أن نصف فعلاً هذا الأمر؟ بينما يعاني العلماء الذين يدرسون الأدب القديم من نقص في المعلومات، فإن أولئك الذين يتعاملون مع مخطوطات العهد الجديد يعانون من وفرة هائلة في البيانات، وتتدرج هذه الوفرة تحت ثلاثة أقسام فرعية: المخطوطات اليونانية، والترجمات القديمة للعهد الجديد، المكتوبة بلغات أخرى، والاقتباسات المأخوذة من العهد الجديد في كتابات آباء الكنيسة.
المخطوطات اليونانية
تعتبر المخطوطات اليونانية هي الوثائق الأساسية المستخدمة في تحديد نصوص العهد الجديد. ويمكن تقسيمها إلى مجموعات: مخطوطات ورق بردي، ومخطوطات الحرف الإنشي أو البوصي، ومخطوطات الأحرف الصغيرة، ومخطوطات كتب الفصول التي تتلى في القداس. المجموعة الأولى – ورق البردي – تتكون من المخطوطات التي عرفت باسم المادة التي صنعت منها.
أما المجموعتان الثانية والثالثة – الحرف الإنشي والأحرف الصغيرة – فتشيران إلى أسلوب الكتابة (سواء كان بالأحرف الكبيرة أو بالكتابة اليدوية بالأحرف المتصلة) التي كتبت بها المخطوطات. أما بالنسبة للمجموعة الأخيرة – وهي كتب الفصول – فهي المخطوطات التي لا تحتوي نصوصاً متصلة من الأناجيل، أو الرسائل، ولكنها عبارة عن نصوص منظمة للدراسة والتأمل اليومي.
وتدون مخطوطات العهد الجديد أساساً في مجلد أو كتاب أو مخطوطات رقية، باستثناء ورق البردي وبعض المخطوطات الحديثة التي كتبت على الورق. وعامة فإن ورق البردي هو أقدم هذه المجموعات من المخطوطات. وبالتأكيد هو أكثرها ندرة (بسبب رقة مادة الكتابة وهشاشتها)، بينما مخطوطات الحرف الإنشي تأتي تالية لها، ويتبعها المخطوطات المكتوبة يدوياً المتصلة الصغيرة وكتب الفصول.
بحسب إحصاءات يناير 2006، فإن عدد المخطوطات اليونانية للعهد الجديد هي كما يلي:
الإجمالي
كتب الفصول
الأحرف الصغيرة المتصلة
الأحرف الكبيرة
ورق البردي
5745
2433
2877
317
118
يرجع تاريخ معظم هذه المخطوطات إلى الفترة من القرن الثاني إلى القرن السادس عشر. وأول جزء يرجع تاريخه في الأغلب إلى النصف الأول من القرن الثاني (100-150م)، الذي يعرف باسم برديات 52 أو 4.P 52 وفي السنوات الأخيرة تم اكتشاف مخبأ يحوي عدداً من مخطوطات البردي في جامعة أكسفورد، ما بين عشرة إلى خمسة عشرة مخطوطة، يرجع تاريخها إلى القرن الثاني. اثنان من هذه البرديات كبيرة وأساسية. وبداية من القرن الثالث، كان هناك تيار ثابت من الشهود على نصوص العهد الجديد.
بحلول القرن الرابع، تم إنتاج المخطوطات العظيمة ذات الأحرف الكبيرة، التي تشمل ما يعتبر الآن أقدم عهد جديد كامل، وربما يرجع تاريخ المخطوطة السينائية Sinmaiticus ومخطوطة الفاتيكان Vaticanus إلى بداية القرن الرابع. وكلا المخطوطتين، السينائية (التي يشار إليها بالحرف العبري “ألف”) ومخطوطة Vaticanus (التي يشار إليها بحرف B) تنتميان إلى ما يطلق عليه أسلوب “النص الإسكندري”. (سوف نقوم بمناقشة أساليب النصوص في الفصل التالي).
وهاتان المخطوطات ترتبطان ببعضهما البعض ارتباطاً وثيقاً، ومع ذلك فإنهما ليستا بالقرب الشديد الذي يفكر فيه البعض، فهنالك آلاف الاختلافات بينهما، ولكن كلاً منهما يرجع إلى القرن الرابع. ويعتقد كثيرون من العلماء أنه حيث أن كلا المخطوطتين تنتميان إلى نفس أسلوب النص مع وجود اختلافات كثيرة بينهما، فإن سلفهما المشترك لابد وأنه قد تم نسخه منذ عدة أجيال سبقتهما. هذا يشبه، إلى درجة ما، الأقرباء في إعادة تجمع شمل العائلة، فقد يكون البعض من أعضائها طوال القامة ونحفاء وذوي عيون زرقاء وشعر أصفر، بينما يكون هناك آخرون قصار القامة وبدناء وذوي عيون بنية وشعر أسود، كما يوجد البعض الآخر بين الاثنين.
وهكذا فإن الذين يشبهون بعضهم البعض في نقاط أساسية يمكن أن يكونوا ذوي قرابة أكثر لبعضهم البعض. وتبعاً لهذه المعايير، فإن مخطوطتي (א) و(B) هما ابنتا عمومة بعيدتان عن سلفهما المشترك القديم، الذي لابد وأنه يعود إلى عدة أجيال سابقة. وفي الحقيقة إنهما عندما تتفقان، عادة ما تعود نصوصهما المشتركة إلى بداية القرن الثاني.
على أن بعض المخطوطات اللاحقة بها دلائل على انها قد نسخت من مصدر أقدم كثيراً. فمثلاً، مخطوطة 1739، وهي مخطوطة ترجع إلى القرن العاشر ذات الأحرف الصغيرة المتصلة، الاحتمال الأكبر أنها قد نسخت مباشرة من مخطوطة أخري يرجع تاريخها إلى أواخر القرن الرابع. بل إن بعض المخطوطات القديمة تظهر دلائل أكيدة على أنها قد نسخت من مصدر أقدم منها كثيراً. فكّر مرة أخرى في مخطوطة الفاتيكان Vaticanus، التي تشبه نصها كثيراً نص برديات P75 (مخطوطتا B وP75 قريبتان من بعضهما البعض أكثر من قرب B مع א). ومع ذلك فإن مخطوطات البردي هي أقدم بقرن على الأقل من مخطوطة الفاتيكان Vaticanus.
وعندما اكتشفت مخطوطة P75 في الخمسينات من القرن العشرين. فكّر البعض في إمكانية أن تكون مخطوطة الفاتيكان Vaticanus نسخة من مخطوطة P75، ولكن هذا الرأي لم يعد مقبولاً حيث أن صياغة مخطوطة الفاتيكان Vaticanus بالتأكيد أكثر بدائية من صياغة P75 في عدة أجزاء. لكن لابد أن كلاً منها يرجع إلى سلف مشترك أقدم، قد يكون واحداً يرجع تاريخه إلى بداية القرن الثاني. وهاتان باجتماعهما مع (א) يشكلون شهادة قوية لأقدم صياغة للنص.
كثير من الأمثلة الأخرى يمكن تقديمها للمخطوطات القديمة التي يكون لها نفس أسلوب النص. وما يعنيه اتفاقها في ذلك بالنسبة لتاريخ النص. وسوف نقوم بمناقشة هذه القضايا في الفصل القادم.
الترجمات
ثاني أهم الشهود لنصوص العهد الجديد تعرف باسم الترجمات. وتعتمد قيمة الترجمة على تاريخها، وعلى أسلوب الترجمة ودقتها، ونوعية النص الذي ترجمت منه. ولكن الأساس النصي والأسلوب لا يكون من السهل دائماً تحديدهما، مما يعوق تقييم العلماء للترجمات المختلفة. مثلاً، لا يوجد في اللاتينية أداة تعريف، بينما يوجد في اليونانية درجة عالية من التطور في استخدام أداة التعريف. فاللاتينية لا تستطيع ببساطة أن تمثّل اليونانية بصورة سليمة في الأماكن التي تتضمن فيها المشكلة النصية أداة التعريف. ومع ذلك فإن الاختلافات الرئيسية في النص يمكن بسهولة تحديدها (مثل إضافة أو حذف جمل كاملة).
وأيضاً عن طريق مقارنة صياغات النصوص في الترجمات المختلفة مع الاقتباسات التي قام بها آباء الكنيسة، يكون في الإمكان تحديد وقت مجيء الترجمات المختلفة إلى الوجود. باستثناء بعض الحالات النادرة والمحكومة، بمجرد أن تتم الترجمة فإنها لم تكن تتفاعل أو تتداخل مع المخطوطات اليونانية مرة أخرى. وهذا يعني أنه عندما يكون لترجمة معينة نص واحد ثابت في نسخها الباقية، فإن المرء عادة ما يعتبر ذلك النص يرجع إلى أصل هذه الترجمة. وأهم ثلاث ترجمات هي اللاتينية والقبطية والسريانية. أما بالنسبة للترجمات الأخرى التي لها قيمة مقاربة فهي القوطية والأرمينية، ثم يتبعها الترجمات الجورجية والأثيوبية.
الترجمة اللاتينية
عبر تاريخ غني ومركب، تمكنت المخطوطات اللاتينية للعهد الجديد من السيادة على هذا المجال – في الكمية، فعدد المخطوطات اللاتينية للعهد الجديد يبلغ حوالي ضعف عددها في اليونانية، أي أكثر من عشرة آلاف، بالمقارنة بحوالي خمسة آلاف وسبعمائة في اليونانية. ويرجع تاريخ هذه المخطوطات إلى الفترة من القرن الثالث إلى القرن السادس عشر، ولكن أصولها قد تصل إلى القرن الثاني. ويمكن تأكيد هذا الأمر بفحص صياغة النص المستخدمة بواسطة بعض آباء الكنيسة مثل: إيرينيوس، وترتوليان، وجاستين مارتر، وغيرهم ممن يبدو أنهم قد استخدموا جميعاً صياغة النص (المعروفة باسم أسلوب النص الغربي) الموجودة في أقدم المخطوطات اللاتينية.
الترجمة القبطية
اللغة القبطية مبنية على اللغة الهيروغليفية المصرية القديمة، فاللغة القبطية أساساً هي الهيروغليفية في ثوب يوناني (مع إضافة عدد قليل من الحروف الجديدة). وأهم لهجاتها هي السهيدية والبحرية، هذا ويمتد أصل العهد الجديد بالسهيدية إلى بداية القرن الثالث. وتوجد بها مئات، بل آلاف من المخطوطات، ولكن بضعة مئات فقط هي التي تم فهرستها. وربما يوجد على الأقل ألف مخطوطة قبطية، تمثل أسلوب النص الإسكندري.
الترجمة السريانية
ترجع أصول الكنيسة السريانية إلى القرن الثاني، وبالرغم من أنه لا توجد مخطوطات سريانية باقية للعهد الجديد منذ ذلك الوقت البعيد، فإنه من المؤكد أن العهد الجديد قد ترجم إلى اللغة السريانية ليس بعد أوائل القرن الثالث. وأقدم صياغة، بالسريانية القديمة، تمثل النص الغربي. وتعد عدد النسخ الباقية من مخطوطات العهد الجديد بالسريانية بالمئات، أو ربما بالآلاف.
ترجمات أخرى
بجانب الترجمة السريانية، واللاتينية، والقبطية، يجدر الإشارة إلى بعض الترجمات القديمة الأخرى. فالترجمة القوطية تمت أصلاً في القرن الرابع، كما حدث في الإثيوبية، وربما كانت الأرمينية من القرن الخامس. وهناك ما يزيد عن الألفي مخطوطة تمثل هذه الترجمات اليوم.
بعد أن ذكرنا كل ذلك، ربما يوجد ما بين خمسة عشر إلى عشرين ألف نص من الترجمات القديمة للعهد الجديد لا تزال باقية، فلا توجد أرقام محددة لأن ليس جميع المخطوطات قد تمت فهرستها بعناية.
آباء الكنيسة
“بجانب البرهان النصي المأخوذ من المخطوطات اليونانية للعهد الجديد ومن الترجمات القديمة، يقوم الناقد النصي بمقارنة عدد كبير من الاقتباسات الكتابية المستخدمة في التفاسير، والعظات، والرسائل الأخرى المكتوبة بواسطة آباء الكنيسة الأولين. ففي الحقيقة إن هذه الاستشهادات شديدة الامتداد بحيث أنه لو أن جميع المصادر الأخرى الخاصة بمعرفتنا لنص العهد الجديد قد دمرت، فإنها ستكون وحدها كافية عملياً لإعادة بناء العهد الجديد بأكمله”
إن الاقتباسات التي قام بها آباء الكنيسة من العهد الجديد يفوق عددها المليون استشهاد – وهي ذات مصداقية! فالآباء يرجع تريخهم إلى أواخر القرن الأول، ويمتدون بثبات حتى القرن الثالث عشر، مما يجعل قيمة تحديدهم لصياغة نص العهد الجديد رائعة فوق العادة.
ومع ذلك فإن هناك مشاكل في الاستشهاد بالآباء. أولاً، لأن كتاباتهم موجودة في نسخ فقط، وليس في أصول، وبالتالي، تحتاج نصوص الآباء إلى إعادة بنائها وتنظيمها. ثانياً، البعض منها قد يفتقر إلى المصداقية لأن نفس المقطع قد يقتبس بطرق مختلفة. وعادة ما ترجع هذه الاختلافات إلى فقد الذاكرة، أو دمج الكتابات المقدسة ببنية جمل الآباء المشوهة للنسيج، أو باستخدام مخطوطات كتابية مختلفة.
في كثير من الحالات، توجد طرق لتحديد شكل الصياغة المحددة لنص العهد الجديد الذي اقتبسه أحد الآباء بقدر كبير من اليقين. وبالتحديد، عندما يقوم أحد الآباء بالاقتباس من مقطع طويل، فالأرجح أنه لا يكتبه من الذاكرة بل يكتبه من مخطوطة. وهناك طرق أخرى للتأكد من النص الذي اقتبسه أحد الآباء من العهد الجديد. بالإضافة لذلك، في بعض الأحيان يقوم أحد الآباء بمناقشة الاختلافات النصية، مشيراً إلى مخطوطة ذات صياغة معينة. “عندما برهان آباء الكنيسة بصورة سليمة، نجده ذا أهمية عظمى: فبعكس المخطوطات اليونانية القديمة، فإن لدى الآباء الإمكانية لتقديم برهان زمني وجغرافي أكيد.”
الملخص
إن ثروة المواد المتوفرة لتحديد صياغة العهد الجديد الأصلية مذهلة: فيوجد أكثر من خمسة آلاف وسبعمائة مخطوطة يونانية للعهد الجديد، كما يوجد حوالي عشرين ألف ترجمة، وأكثر من مليون استشهاد قام به آباء الكنيسة. فبالمقارنة بمتوسط مخطوطات المؤلف اليوناني القديم، تزيد نسخ العهد الجديد عنها بما يقدّر بألف مرة. وإذا كان سمك المخطوطة المتوسطة الحجم هو من بوصة ونص إلى بوصتين، تكون جميع نسخ الأعمال للكاتب اليوناني المتوسط سوف تعلو لارتفاع أربعة أقدام، بينما ستعلو نسخ العهد الجديد إلى ما يزيد عن ميل! إنها بالحقيقة وفرة هائلة.
كما رأينا في فصل سابق، فإن هذه الآلاف من المخطوطات والترجمات واقتباسات آباء الكنيسة قد أنتجت مئات الآلاف من الاختلافات النصية. وقد أشرنا أيضاً إلى أن نص العهد الجديد هو ثابت بصورة ملحوظة عبر العديد من القرون أثناء نقله، وأنه يوجد فقط حوالي 1% من الاختلافات ذات المعنى والقابلة للتطبيق، هذان الاعتباران – أي عدد المخطوطات وعدد الاختلافات – يقودانا إلى قضيتنا التالية: كيف يقوم العلماء بفحص كل هذه المواد؟ وما الوسائل التي يستخدمونها لتحديد الصياغة الأصلية للعهد الجديد؟
أساطير حول مخطوطات العهد الجديد ومناقشتها والرد عليها
أساطير حول مخطوطات العهد الجديد ومناقشتها والرد عليها
أساطير حول مخطوطات العهد الجديد ومناقشتها والرد عليها
مهمتها في هذا الفصل هي أن نناقش اثنين من الاتجاهات التي يعتنقها بعض الناس اليوم. فمن ناحية، يجعل بعض المشككين الموقف يبدو أكثر سوءاً مما هو عليه في الحقيقة. فرغم أنه صحيح أننا لا نعرف تماماً ماذا كانت صياغة العهد الجديد الأصلية في كل جزء منه، فإن هذا لا يعني أننا يجب أن نفقد كل أمل في فهم المحتويات الأساسية للعهد الجديد. فلا يزال هناك الكثير مما يمكن أن يقال، وأكثر منه أيضاً في الفصل التالي. ومن ناحية أخرى، استبدل بعض المسيحين طلب الحق بطلب التيقّن، وبفعلهم هذا تكون أية ملامح للشك أمراً بغيضاً بالنسبة لهم، ولكن هذا أيضاً موقف غير عقلاني.
الأساطير والاتجاهات
يوجد اتجاهان يجب تجنبهما عندما يتعلق الأمر بنص العهد الجديد، وهما: اليقين المطلق واليأس المطبق. ففي الأساس، يدّعي أتباع أحد الاتجاهين أن لديهم اليقين المطلق، وهم جماعة “كينج جيمس فقط”. فبالنسبة لهم، يعتبر التيقّن من النص هو “شرط لا غنى عنه” للإيمان المسيحي. إننا لن نصرف وقتاً طويلاً في بحث هذا الرأي، ولكننا بالتأكيد نرغب في التعرض له. أما بالنسبة لليأس المطبق، فيعتنقه فقط أكثر الليبراليين تطرفاً وبمتعة! فإن تكون متشككاً بشأن نصوص العهد الجديد هو أمر أساسي بالنسبة لجدول أعمالهم، الذي فيه يكون كل شيء ممكناً، ولا شيء احتمالي، فاليقين الوحيد في عصر ما بعد الحداثة هو عدم اليقين نفسه. يصاحب هذا الأمر فخر فكري، فخر بأن الإنسان “يعرف” ما يكفي لأن يكون متشككاً بشأن كل الأوضاع.
أسطورة اليقين المطلق
توجد أسطورة شائعة تقول إننا نبتعد أكثر عن النص الأصلي للعهد الجديد بمرور الزمن. فحيث أن ترجمة كينج جيمس الإنجليزية قد صدرت منذ أربعمائة عام مضت، يجادل أصحاب هذا الرأي أنها لابد وأن تكون هي أقرب للنص الأصلي من الترجمات الحديثة، وفي الحقيقة لابد وأن تكون أقرب منها بأربعمائة عام. ولكن لكي تكون وجهة النظر هذه صحيحة، يجب شرح ثلاثة افتراضات:
إننا فقدنا كل البيانات عن المخطوطات التي استخدمت في عمل ترجمة كينج جيمس للعهد الجديد
أنه لم تكتشف مخطوطات أقدم من الأربعمائة عام الأخيرة
أن جميع الترجمات الحديثة استخدمت ترجمات أقدم منها ولم يتم دراسة المخطوطات المتوفرة
إن كلاً من تلك الافتراضات الثلاثة باطل.
فأولاً: لا تزال لدينا تقريباً جميع المخطوطات التي استخدمت في ترجمة كينج جيمس الإنجليزية، ومن تلك المخطوطات توجد نسخة لم يعد من المعروف أنها موجودة، وهي التي تتضمن في نسخة العهد الجديد اليونانية المطبوعة في بداية القرن السادس عشر. كما أن طبعة إيرازمس الثالثة من “Novum Instrumentum” (عام 1522) تقف بقوة وراء ترجمة كينج جيمس، رغم أنها مأخوذة من العديد من الطبعات اليونانية الأخرى للعهد الجديد. فقد استخدم إيرازمس حوالي نصف دستة من المخطوطات في معظم أعماله، التي يعود أقدمها إلى القرن العاشر. وهكذا فإن ترجمة كينج جيمس اعتمدت على مخطوطات أقدم منها بحوالي ستمائة إلى سبعمائة عام فقط.
ثانياً: إن عدد المخطوطات اليونانية المعروفة اليوم أكبر بحوالي مائة مرة من العدد المستخدم في ترجمة كينج جيمس. وليس هذا فقط، ولكن المخطوطات الأساسية التي تعتمد عليها الترجمات الحديثة هي أقدم بكثير من تلك التي اعتمدت عليها ترجمة كينج جيمس. فأقدم مخطوطاتنا يرجع تاريخها إلى القرن الثاني الميلادي، والمخطوطات الرئيسية يرجع تاريخها إلى القرنين الرابع والخامس، وبالتالي، يكون هناك ما يزيد عن الأربعمائة مخطوطة معروفة لنا اليوم، ويسبق تاريخها أقدم المخطوطات التي استخدمها إيرازمس.1
ثالثاً: رغم أن الترجمات الحديثة للعهد الجديد قد تم إنتاجها بمقارنتها بترجمات سابقة (والبعض منها مستخدم بصورة واعية في تقليد الأعمال الأقدم 2)، إلا أن الترجمات الأحدث تعتمد أيضاّ على فحص تفصيلي لأفضل الدراسات النقدية للمخطوطات اليونانية.
وأخيراً: حيث أن الترجمات الحديثة تتبع المبدأ المعقول لكونها تعتمد على أقدم المخطوطات، إلا إذا كانت هناك أسباب وجيهة لتفضيل الترجمات التالية، إلا أننا لابد أن نسمح ببعض الشك في الصياغة الأصلية. وبمرور القرون كان هناك في الحقيقة اتفاق أعظم بين المخطوطات اليونانية للعهد الجديد.3
تعتمد الترجمات الحديثة على مخطوطات أقدم وأكثر من تلك التي اعتمدت عليها ترجمة كينج جيمس الإنجليزية. وبالطبع لا يمكن نسيان المخطوطات التي اعتمدت عليها ترجمة كينج جيمس، ولكن هناك مخطوطات أقدم وأفضل قد حلت محلها.
المخطوطات التي اعتمدت عليها الترجمات الحديثة
أسطورة اليأس المطبق
في رد إيرك دوهرتي على كتاب لي ستروبل “The case for Chist قضية المسيح”4، يقيم دوهرتي مشهداً تخيلياً لقاعة محكمة. ففي فصلة الثالث ” المخطوطات والأسفار القانونية”، يقوم باستجوات بروس ميتزجر، الناقد النصي الشهير للعهد الجديد، من كلية اللاهوت في برنستون، فيحاول في البداية أن يرفض وثائق ميتزجر بالسؤال عما إذا كان اعتناق ستروبل رأي ميتزجر على أنه “يقف على أحدث علوم العهد الجديد” يترك مساحة للمتطرفين الحقيقيين مثل جون دومينيك كروسان وبورتون ماك، أو الليبراليين المعتدلين مثل هيملت كوستر”5. لكن هذا النوع من الوسائل يخلط بين الأمور. فكروسان وما وكوستر هم علماء العهد الجديد وهم ليبراليون معروفون، ولكن ولا واحد منها ناقد نصي، ومع ذلك فإن دوهرتي يستخدم حيله الساحرة لكي يطعن في وثائق ميتزجر.
ثم يجادل بعد ذلك في أن ثروة مخطوطات العهد الجديد التي لدينا اليوم لا تعطينا دلالة لما كان عليه شكل نص العهد الجديد الأصلي، فيقول:
حتى لو كانت لدينا نسخ أكثر انتشاراً من الأناجيل خلال جيلين من كتابتها، فإن هذا لن يثبت حالة الأصول، أو كمية التطور الذي قد تعرضت له خلال هذين الجيلين أو الثلاثة الأولى. فإنه في أول مرحلة بالتحديد من تطور أي حزب أو جماعة يحدث أكبر تحوّر للأفكار، ومعه يحدث تغيير في حالة الكتابات التي تعكس هذا التحور. لكن ليس لدينا في الأناجيل ما يلقي ضوءاً واضحاً على هذا التطور المبكر أو يعطينا ضماناً على أن النصوص الباقية هي صورة يعتمد عليها عن بدايات الإيمان.6
ليس لهذا النوع من الشك ما يبرره. ورغم أنه من الصحيح أن النقل النصي في الحقب الأولى بعد كتابة العهد الجديد يعتريه الغموض، إلا أننا لا يمكن أن نعتبر أن المخطوطات، والترجمات القديمة، واقتباسات آباء الكنيسة التي ظهرت بعد ذلك بوقت قصير، كانت جميعها خاطئة.
وبالمثل، فإن النص الوارد في “الأناجيل الخمسة” بقلم فانك وهوفر وجماعة “مدرسة يسوع” هو أيضاً ليس له ما يبرره: “إن الفجوة الزمنية التي تفصل يسوع عن النسخ الأولى الباقية من الأناجيل، حوالي مائة وخمسة وسبعين عاماً، تماثل الفترة الزمنية منذ عام 1776 (كتاب إعلان الاستقلال) إلى عام 1950. فماذا لو أن أقدم نسخ من الوثيقة الأساسية كان يرجع تاريخها فقط إلى عام 195؟”7 ما الخطأ في هذا النص؟
أولاً: إن الحقائق المذكورة فيه خاطئة. فبعد ثلاث صفحات، يقول كتاب “الأناجيل الخمسة” إن أقدم جزء من الإنجيل “يمكن أن يرجع تاريخه إلى حوالي عام 125 أو قبل ذلك”. وهذا يعني أن هذا الجزء قد جاء بعد حوالي مائة عام من حياة يسوع على الأرض. ورغم أنه مجرد جزء صغير، إلا أنه يتفق تقريباً مع أقدم نسخ الإنجيل.
ثانياً: إذا طبقنا هذا القياس على الأعمال الأدبية القديمة الأخرى فسنعرف أنه كان علينا أن ننتظر لمئات من السنين قبل أن تظهر لنا أية نصوص من كتابات هيرودوتس أو ليفي أو هومر! لكن لم يفكر أحد أن نسخة من هذه الوثائق التي أتت إلينا بعد مئات السنين قد وجدت من فراغ. وبالتأكيد، فإنها قد لا تكون تماماً كالأصل، ولكن الزيادة في المخطوطات القديمة والمتنوعة من جميع أنحاء العالم المحيط بالبحر المتوسط تضمن لنا أن العلماء لديهم الأدوات التي يعيدون بها بنية ما كان يقوله النص الأصلي فعلياً بصورة جوهرية.
ثالثاً: لكي نناقش طريقة جماعة “مدرسة يسوع” -بدون الرجوع لنسخ الأعمال الأدبية القديمة الأخرى – معناه أن نتجاهل البيانات المقارنة المتصلة بالموضوع. ومما يدعو للسخرية أن هذا يضاد تماماً الروح الليبرالية الحقيقية للبحث الفكري الذي يسعى للتوصل إلى الحق بأي ثمن.
وإننا إذ نبحث مواد ووسائل النقد النصي في الفصول التالية، سنرى أن هناك أسباباً قوية لاعتبار مخطوطات العهد الجديد صحيحة بصورة جوهرية في تمثيل النص الأصلي. أما بقية هذا الفصل فسوف يوضح سبب كون اليأس المطبق خاطئاً تماماً. ولكننا نرغب في أن نبدأ بمقارنة مخطوطات العهد الجديد بمخطوطات الكتابات القديمة الأخرى.
كثيراً ما يسمع المرء هذه الكلمات: “في الحقيقة إننا لا نعرف ما قاله العهد الجديد في الأصل، حيث أننا لم نعد نملك الأصول، وحيث أنه يمكن أن يكون هناك عبث هائل قد حدث في النص قبل إنتاج النصوص الموجودة لدينا حالياً”. لكن هل هذا حكم دقيق على المعلومات؟ هل هذا النوع من التشكك صادق فيما يتعلق بالحقائق؟ ليس تماماً.
إذا كان هذا الافتراض حقيقياً، يجب في هذه الحالة أن ننكر أن معظم حقائق التاريخ القديم يمكن استردادها، لأن أية شكوك نلقيها على نصوص العهد الجديد يجب أن نلقى مثلها بمائة مرة على أية نصوص قديمة أخرى تقريباً. هذا لأن مخطوطات العهد الجديد تقترب كثيراً من الأصل، وهي أكثر عدداً ووفرة من مخطوطات أية نصوص قديمة أخرى. فإن العهد الجديد هو أكثر الأعمال الأدبية اليونانية أو اللاتينية المشهود لها على الإطلاق في العالم القديم.
مقارنة بين الوثائق التاريخية الباقية 8
المؤلفات التاريخية أقدم المخطوطات عدد المخطوطات الباقية
ليفي 59 ق.م -17م القرن الرابع 27
تاكيتاس 56-120م القرن التاسع 3
سوتونيوس69-140م القرن التاسع 200+
ثوسيديداس 460-400ق.م القرن الأول الميلادي9 20
هيرودوتس 484-425ق.م القرن الأول الميلادي 75
العهد الجديد 100-150م 5700 (عدد المخطوطات اليونانية فقط) (بالإضافة إلى أكثر من 10000 مخطوطة باللاتينية، وأكثر من مليون اقتباس من آباء الكنيسة، الخ.)
كما سوف نناقش أدلة مخطوطات العهد الجديد في الفصل التالي بأكثر تفصيل. ولكن بالنسبة للوقت الحالي، فإننا نرغب في القيام بالمزيد من المقارنات مع الكتابات الأدبية القديمة الأخرى.
كما أشرنا من قبل، يوجد ما يقرب من خمسة آلاف وسبعمائة مخطوطة كاملة أو أجزاء من مخطوطات للعهد الجديد الموجود معروفة وموجودة حالياً، (المخطوطات اليونانية فقط) كما يتزايد عدد مصادرها، ففي كل حقبة، بل تقريباً في كل عام يتم اكتشاف مخطوطات جديدة له. في نفس الوقت، توجد الكتابات الكلاسيكية العادية في حوالي عشرين مخطوطة باقية.10 بينما مخطوطات العهد الجديد اليونانية وحدها تفوق هذا العدد بحوالي ثلاثمائة مرة. وبجانب المخطوطات اليونانية، توجد طبعات لاتينية وقبطية وسريانية وأرمنية وقوطية وجورجية وغيرها من الترجمات الأخرى للعهد الجديد. يصل عدد المخطوطات اللاتينية إلى أكثر من عشرة آلاف مخطوطة.
وهكذا فكما قلنا من قبل، يتم تمثيل العهد الجديد بما يزيد ألف مرة عن المخطوطات الكلاسيكية العادية. بل إنه حتى كتابات المؤلفين المشاهير – مثل هوميروس أو هيرودوتس – لا يمكن ببساطة مقارنتها بكميات النسخ التي يتمتع بها العهد الجديد. فهوميروس في الحقيقة هو في المرتبة الثانية بفارق كبير من ناحية المخطوطات، ومع ذلك فإنه أقل من ألفين وخمسمائة نسخة من هوميروس باقية إلى اليوم.11
والآن، ما رد فعل المتشككين تجاه هذا النوع من المعلومات؟ يجادل دوهرتي قائلاً:
إذا اعتبرنا أن بقاء المخطوطات القديمة كان يعتمد على الناسخين المسيحيين، وأن الكثير من الأعمال القديمة تم حرقها عن عمد بواسطة المسيحيين، فإن هذا التفاوت بالكاد يثبت شيئاً. فإنه لا يثير الدهشة أن الشهادة النصية للكثير من الأعمال الأدبية القديمة تبقى بأقل درجة، ولكني سأفترض أنه ليست الكثرة هي العامل المهم هنا، أو حتى أية مقارنات بالكتابات القديمة الأخرى؛ بل المهم هنا مدى القرب الذي يمكننا به أن نصل إلى النص الأصلي لهذه الوثائق المسيحية.12
مرة أخرى، يقوم دوهرتي بخلط الأوراق. إنه أمر صحيح أن “الكثير من الأعمال القديمة تم حرقها عن عمد بواسطة المسيحين”، ولكن هذه الأعمال كانت كتابات هرطقية. على أن هذا لا يبرر قيام المسيحين الأوائل بهذا الأمر، ,لكنه يشير إلى أن لا أحد من هذه الكتب هي الكتب موضع المقارنة التي قمنا بها، فهي لم تكن كتابات هؤلاء المؤلفين الكلاسيكيين.
كما فشل دوهرتي أيضاً في أن يذكر أن المسيحية كانت محظورة حتى القرن الرابع. وأكثر من ذلك، فإن أسوأ مجزرة بشرية ضد هذه الديانة قادها دقلديانوس في الأعوام 303-311 “آخر حرب إبادة شنتها الوثنية ضد المسيحية”.13 وقد تضمن اضطهاد المسيحيين دمار شامل لكتبهم المقدسة.14 وقد كانت هذه الحملة شديدة النجاح حتى أنه بعد تحويل مرسوم دقلديانوس وتشريع المسيحية، شعر قسطنطين بالحاجة عام 331 إلى الأمر بإنتاج خمسين كتاباً مقدساً.15
وهكذا فعندما يأتي الأمر إلى موضوع إنتاج المخطوطة وبقائها عبر الثلاثة القرون الأولى، تكون الوثائق المسيحية في موضع الأذى المحقق لأن الأوضاع السياسية كانت ضدها.16 ومع ذلك، فإن ما يسترعي الانتباه بصورة ملحوظة، أن مخطوطات العهد الجديد كانت أكثر عدداً خلال هذه الحقبة من نسخ أي كتابات أدبية قديمة أخرى.
وأخيراً، فإنه في نفس العبارة يعترف دوهرتي بأن: “بقاء المخطوطات القديمة كان يعتمد على الناسخين المسيحيين”. فأية مخطوطات قديمة هي التي يتحدث عنها الآن؟ لابد أنها تحول الأعمال الأدبية الكلاسيكية اليونانية واللاتينية – بما فيها الأعمال المذكورة في الجدول السابق.17 وهكذا فإن الجدل بأن العدد الوفير والبرهان المبكر لمخطوطات العهد الجديد هو في الحقيقة ليس دليلاً على الإطلاق، هو جدل بالكاد يدعو للاعتبار. وإذ نعرف الاضطهاد المبكر للمسيحيين والحفظ الذي قام به الكتّاب المسيحيين للكتابات الكلاسيكية المتماثلة، يسقط ويثبت بطلان هذا الادعاء بالكامل.18
الأساطير والاتجاهات المختلفة والمنطق
رأينا أن اتجاهي اليقين المطلق، واليأس المطبق، غير سليمين كنقطة بداية لفحص نصوص العهد الجديد. فبالرغم من أننا لا بمكن أن نتيقن بشأن كل التفاصيل في النص، إلا أننا يمكن أن نتيقن من الأكثر. فمن الساذج أن نعتقد أن ترجمة كينج جيمس الإنجليزية تمثل النص الأصلي أكثر مما تمثله معظم الترجمات الحديثة. ومع ذلك فإنه من المبالغة أن نقول إننا حيث لا يمكننا أن نتأكد من كل شيء فإننا لا يمكن أن نتأكد من أي شيء. فكما رأينا في الفصل السابق، توجد نسبة قليلة للغاية من نصوص العهد الجديد موضع شك، ولكن ما هو موضع المخاطرة في هذه النسبة الضئيلة من النصوص، هذا ما سوف نناقشه فيما بعد.
أساطير حول مخطوطات العهد الجديد ومناقشتها والرد عليها
موثوقية نص العهد الجديد والإختلافات النصية في مخطوطاته
موثوقية نص العهد الجديد والإختلافات النصية في مخطوطاته
تتبعنا التعليم الشفهي وراء الأناجيل حتى وصل إلى النصوص المكتوبة، ورأينا أن الأناجيل موثوق بها بصفة عامة، على الأقل كشهادة لشخص وعمل يسوع المسيح. ولكن ماذا لو أن نسخ هذه الأناجيل قد حُرّفت؟
وماذا لو أن أسفار العهد الجديد قد نسخت على نحو رديء بحيث أننا لا يمكن أن نستعيد النص الأصلي؟
أفلم يطبع الكتاب المقدس وينسخ ويترجم مرات كثيرة بحيث أن الكلمات الأصلية لابد وأن تكون قد فقدت منذ زمن طويل؟ باختصار، هل ما لدينا الآن هو ما كتبوه في الاصل؟
في هذا الجزء سوف نلقي نظرة عامة على الموضوعات المختصة بنقل وتدوين العهد الجديد عبر القرون.
إن هناك كم هائل من الكتابات الخاصة بهذا الموضوع، ولكن هدفنا هنا هو أن نعرّف القارئ بالنظام العام المعروف باسم النقد النصي. ورغم أن الأساطير والمفاهيم الغريبة عادة ما تكثر عندما يتعلق الأمر بهذا الموضوع، إلا أننا بنهاية هذا الجزء يجب أن نكون قد فهمنا الحقائق الأساسية عن نصوص العهد الجديد.
هدف النقد النصي للعهد الجديد
النقد النصي عامة هو دراسة نسخ أية وثائق مكتوبة لا يكون أصلها معروفاً أو يكون غير موجود لكي يتم تحديد التعبير اللفظي أو الصياغة اللغوية المحددة تماماً للأصل. مثل هذه المهمة تكون ضرورية إذا ما كانت كمية المادة الأدبية كبيرة، خاصة تلك التي تكون قد كتبت قبل اختراع آلة الطباعة المتنقّلة في منتصف القرن الخامس عشر. ولا يستثني العهد الجديد من هذا القانون،١ فإننا نحتاج للنقد النصي للعهد الجديد لسببين:
(١) إن الوثائق الأصلية (والمعروفة باسم المخطوطات) لم تعد موجودة، و(٢) لا توجد نسختان تتفقان بالكامل، ففي الحقيقة أنه بين أكثر النسخ المتشابهة من الألفية الميلادية الأولي يوجد ما يقرب من عشرة اختلافات في كل أصحاح. فلو أن الأصول مازالت موجودة معنا، بالطبع لما كان هناك حاجة لمثل هذا النظام. وحيث أن النسخ الباقية (أو الموجودة) تختلف عن بعضها البعض، فلابد من وجود بعض المعايير لتحديد كيف كانت تتم صياغة المخطوطات.
كمية وكيفية الاختلافات النصية
إن العهد الجديد باليونانية، كما نعرفه اليوم، به ما يقرب من مائة وثمانية وثلاثين ألف كلمة، وهكذا فإنه يوجد آلاف من الاختلافات النصية. والاختلاف النصي هو عبارة عن أي مكان في مخطوطات العهد الجديد لا تتماثل فيها الصياغة أو التعبيرات اللفظية. وعلى أفضل تقدير، هناك ما بين ثلاثمائة ألف وأربعمائة ألف اختلاف نصي بين المخطوطات. وهذا يعني أنه، في المتوسط، لكل كلمة في العهد الجديد باليونانية يوجد على الأقل اختلافان. لكن لو كانت هذه فقط هي المعلومات التي لدينا، لأحبط أي إنسان عند محاولة استرداد التعبيرات والصياغة الأصلية.
إحدى طرق قياس أثر هذه الاختلافات هي مقارنة نص العهد الجديد باليونانية الذي استخدمه مترجمو نسخة كينج جيمس الإنجليزية (١٦١١) بنص العهد الجديد المكتوب باليونانية الذي يستخدمه معظم العلماء اليوم.
فالنص اليوناني الذي استخدم في ترجمة كينج جيمس الإنجليزية كان مبنياً أساساً على ما يقرب من نصف دستة من المخطوطات، التي لا يرجع عمر أي منها إلى ما قبل القرن العاشر الميلادي. أما نص العهد الجديد اليوناني المستخدم اليوم فهو عبارة عن آلاف المخطوطات، التي يرجع تاريخ بعضها إلى القرن الثاني الميلادي. وسوف نناقش هذه النقطة فيما بعد، ولكن ما يجب الإشارة إليه هنا هو أن معظم العلماء المحدثين يرون المخطوطات اليونانية التي استخدمت في ترجمة كينج جيمس على أنها أقل في الأهمية، جزئياً، لأن الناسخين قد أضافوا كلمات للكتب المقدسة، ولكن كمية ما أضافوه يمكن المبالغة فيها.
فعلي مدي فترة تقدّر بعدة قرون، أضيف ما يقرب من ألفين وخمسمائة كلمة للنص الأصلي. وهكذا زاد حجم العهد الجديد من النسخ الأولي إلى النسخ الأخيرة – بعد ألف وأربعمائة عام – بنسبة حوالي ٢% وتعتبر هذه عملية نقل ثابتة بدرجة ملحوظة.
ومع ذلك، فرغم أن العهد الجديد قد زاد حجمه على مدار الزمن، إلا زاد بنسبة ضئيلة للغاية. وحيث أن النصوص الأولي التي لدينا تتفق بصورة أساسية مع النصوص المتأخرة، فلو استطعنا أن نعود بنظرنا إلى الوراء، إلى الأصل، لوجدنا أن الاختلافات بين النص الأصلي والنسخ الأولي ستكون قليلة جداً. لذلك يمكننا أن نلتمس العذر لمن يعتقدون أن هذا النقل الثابت بصورة ملحوظة يدل على عناية الله في حفظه للكتب المقدسة. ٢
ومع ذلك، فحتي الألفين والخمسمائة كلمة لا تعتبر كمية قليلة. وأكثر من ذلك، فإن هذه تمثل فقط الإضافات، إذ يوجد أيضاً مئات من الإستبدالات التي لا تضيف إلى طول العهد الجديد ولكنها تعتبر اختلافات بين النصوص الأولي وتلك المتأخرة. وماذا حدث يا ترى لكل هذه المئات والآلاف من الاختلافات؟ ربما لا تظهر في ترجمة كينج جيمس، ولكن يجب أن يحسب لها حساب.
لكننا لا يمكن أن نفكر في كمية الاختلافات دون النظر أيضاً إلى كيفيتها. كم منها يؤثر في معنى النص؟ وكم منها قابل “للتطبيق” -بمعني آخر، إنها موجودة في مخطوطات بنسبة كافية من الأصالة بحيث أنه يحتمل أن تعكس الصياغة الأصلية؟ وهكذا يمكن أن تقسم الاختلافات وتصنف كما يلي:
اختلافات في الهجاء والأخطاء التي ليس لها معنى.
اختلافات ثانوية لا تؤثر في الترجمة أو التي تتضمن مرادفات.
اختلافات تؤثر في معنى النص ولكنها غير قابلة للتطبيق.
اختلافات تؤثر في معنى النص كما أنها قابلة للتطبيق.
اختلافات في الهجاء والأخطاء التي ليس لها معنى
معظم المئات والآلاف من الاختلافات النصية هي عبارة عن اختلافات في الهجاء وليس لها تأثير على” معنى النص. فمثلاً، يتم هجاء اسم يوحنا بطريقتين مختلفتين في اليونانية، فهو يكتب أحياناً Iōannēs وأحيان أخري يكتب Iōanēs ولكن الطريقتين في الهجاء تعبران عن نفس الشخص؛ فالاختلاف الوحيد هو ما إذا كان الاسم به حرف n واحد أو اثنان. كما أن واحدة من أكثر الاختلافات النصية شيوعاً تتضمن ما يطلق علية nu متحركة.
فالحرف اليوناني(n)nu يمكن أن يوجد في نهاية كلمات معينة عندما تقع قبل كلمة تبدأ بحرف متحرك، وهذا يشبه أداتي تعريف النكرة في اللغة الانجليزية (a) و(an). ولكن سواء ظهر حرف (nu) في هذه الكلمات أم لا، فلا يوجد مطلقاً أي اختلاف في المعني. فهو أمر لا أهمية له على الإطلاق حتى إن معظم نقاد النصوص يتجاهلون ببساطة الاختلافات التي تتضمن حرف (nu) عندما يقومون بنسخ كلمات إحدى المخطوطات، ٣ فهي لا تؤثر على أي شيء.
كما أن بعض الاختلافات الهجائية هي اختلافات ليس لها” معنى في النصوص، وهي تحدث عندما يكون الكاتب متعباً، أو غير يقظ، أو ربما لا يعرف اليونانية معرفة تامة. والآن ربما تفكر أن الكتّاب الذين قاموا بمثل هذه الأخطاء كان يمكن أن يحدثوا تأثيرات خطيرة على نسخ النص. لكن في الواقع إن النصوص ذات الأخطاء البسيطة هذه غالباً ما لا تتكرر بواسطة الكاتب التالي.
وأكثر من ذلك، إن تلك الأخطاء التي لا” معنى لها تخبر العلماء بقدر كبير عن كيفية قيام الكاتب بعمله. فمثلاً، إحدى المخطوطات المبكرة لإنجيلي لوقا ويوحنا، والمعروفة باسم مخطوطات البردي ٧٥، أو P75، بها بعض الأخطاء التي تثير الاهتمام ولا يكون لها” معنى في النص. فكل نص يحوي واحداً أو اثنين من الحروف، مما يفترض أن الكاتب كان ينسخ النص حرفاً حرفاً أو حرفين في المرة الواحدة.4 وبالطبع كان هذا الكاتب شديد الحذر، فقد كان ٥ شخصاً مدققاً!
هناك مخطوطة أخرى مبكرة، وهي مخطوطة واشنطنيانوس، أو مخطوطة (W) (وقد أطلق عليها كذلك لأنها موجودة في معهد سميثسونيان في واشنطن دي سي)، تحوي الأربعة الأناجيل كاملين، وفيها، في أحد الأماكن، كتب الكاتب كلمة and عندما كان عليه أن يكتب كلمة Lord.
ففي اليونانية تتشابه كتابة الكلمتين كثيراً. (Kurios وKai) وهي بذلك تتيح الفرصة للاختلاط في الذهن. ولكن استخدام كلمة and لا يكون له” معنى في ذلك النص، وهناك دليل على أن الخطأ جاء في نهاية فترة عمل الكاتب، عندما تملّكه التعب.٦ في مثل هذه الأحوال، يكون من السهل إعادة كتابة الكلمة الصحيحة التي أخطأ فيها الكاتب.
الاختلافات التي لا تؤثر في الترجمة أو التي تتضمن مترادفات
أما أكبر ثاني قسم فيحوي اختلافات في النصوص لا تؤثر في الترجمة أو تتضمن مترادفات. وهذه تعتبر اختلافات غير الأخطاء الهجائية والأخطاء البسيطة التي لا” معنى لها، ولكنها مع ذلك لا تغير في طريقة ترجمة النص – أو على الأقل في فهمه.
وسوف نبدأ بتلك الاختلافات التي لا تؤثر في الترجمة فمثلاً، تستخدم اليونانية في بعض الأحيان أداة التعريف مع أسماء الأعلام، بينما لا تستخدم أداة التعريف في الانجليزية بهذه الطريقة. فنجد العهد الجديد باليونانية يتحدث عن Mary أوthe Mary، أو عن Jesus وthe Jesus.
وهكذا “Paul” أو”the Paul”. وهنا يناقش العلماء أهمية استخدام أداة التعريف مع أسماء الأعلام، ولكن لم يتم التوصل إلى مبادئ محددة بهذا الشأن. ٧ وأحد الأسباب التي لأجلها لا يري العلماء أهمية كبيرة في ذلك هو ببساطة أن المخطوطات تختلف في كتابتها للأداة. ولكن في اللغة الانجليزية لا تحدث اختلافات في الترجمة بسبب ذلك. ولذلك، ففي لوقا ٢: ١٦ نقرأ مثلاً: “فجاءوا مسرعين ووجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعاً في المذود”، بينما نقرؤها في اليونانية بوضع أداة التعريف أمام اسم مريم واسم يوسف.
يوجد أيضاً اختلاف متكرر آخر من هذا النوع الذي يعرف باسم “تغيير موضع الكلمة”. فبخلاف الإنجليزية، يعتمد” معنى الجملة في اليونانية على تصريف الكلمة أكثر مما على ترتيب أو موقع الكلمة في الجملة، وهذا لأن اليونانية لغة تعتمد على التصريف بدرجة عالية – فهي لغة بها ما لا يحصي في النهايات في الأسماء والأفعال، وأيضاً بادئات وواسطات الأفعال. وهكذا تتغير صيغ الكلمات لكي تلائم بنية وتركيب الجملة. فالجملة التي تتكون في الانجليزية من ثلاث كلمات مثل Paul. Loves.God مثلاً، يمكن أن تعني معنيين مختلفين تماماً بحسب ترتيب الكلمات في الجملة.
لكن في اليونانية، حيث أن هناك صيغة واحدة لكلمة God عندما تكون هي فاعل الفعل وصيغة أخري لها عندما تكون المفعول به المباشر، فإن ترتيب الجملة يكون أكثر مرونة. وحيث أن تركيب العبارة يمكن في الصوغ أكثر منه في الترتيب، فيمكن في اليونانية استخدام تركيبة تعني الانجليزية “God Loves Paul”، بأي من الطرق التالية حتى باستخدام الترتيب “Paul Loves God”، إذا كانت نهايات الكلمات تعني أن “الله يحب بولس”، “God Loves Paul”، كالآتي:
God Loves Paul
Paul Loves God
Loves God Paul
Loves Paul God
God Paul Loves
Paul God Loves
فطالما أن لفظ ” الله” هو في حالة الرفع، “وبولس” هو في حالة النصب، تكون كل الجمل السابقة بمعني “الله يحب بولس” وهكذا فإن اختلاف ترتيب الكلمات يدل على التركيز وليس على المعني الأساسي.
لكن كيف يرتبط هذا بالنقد النصي؟ كثيراً ما يحدث اختلاف في ترتيب الكلمات في المخطوطات، ولكن هذه الاختلافات لا تؤثر في البنية الأساسية للجملة ولا في معنى ما يقال. ٨ ثم هناك أيضاً الاختلافات التي تحوي المترادفات. يمكن للترجمة أن تتأثر بواسطة هذه الاختلافات، ولكن المعني لا يتأثر. ويمكننا أن نفهم كيف نشأت هذه الاختلافات إذا فكرنا في كيفية “تنامي” العهد الجديد عبر الزمن. واحد من الأسباب الرئيسية لتنامي العهد الجديد عبر القرون يرجع إلى استخدامه الطقسي. فالمخطوطات التي تعرف باسم “كتاب الفصول” التي تستخدم للتلاوة في القداس هي التي يعزي إليها على وجه الخصوص تمديد واتساع العهد الجديد.
فكتاب الفصول عبارة عن مخطوطات قامت بتحديد نصوص من الكتاب المقدس لمختلف أيام الأسبوع. والنص المحدد ليوم معين لا يصلح أن يبدأ بقول مثل “وبينما كان يعلّم على الشاطئ…” فإلى من يرجع الضمير الغائب “هو”؟ وهكذا كان يضاف إلى هذه النصوص توضيح للضمير، بالتحديد لأن كتاب الفصول كان يأخذ مقاطع من سياقها الأوسع – وهي مقاطع كانت كثيراً ما تستخدم الضمائر فقط لتحديد الشخصيات الأساسية.
وقد كان الكتّاب يعرفون الكتب المقدسة جيداّ، خاصة بسبب استخدامها بصورة مستمرة وحفظها أثناء تلاوتها في القداس في كتاب الفصول. فكانوا كثيراً ما يقومون بتوريد الكلمات التي أضافوها في كتاب الفصول إلى النص الكتابي. فمثلاً، في قلب إنجيل مرقس، وعلى مدى حوالي تسع وثمانين آية (مرقس 6: 31 – 8: 26)، لم يتم تعريف يسوع على الإطلاق باسمه أو بلقبه، فلم يذكر اسم “يسوع” أو “الرب”، أو “المعلم”، أو “ربي”، فالضمائر ٩ هي المشير الوحيد لمن يتحدث عنه النص. وبسبب التأثر باستخدام كتاب الفصول، قامت معظم المخطوطات بإضافة الأسماء هنا وهناك للتعريف بالشخص الذي يعنيه النص.
ففي هذه الآيات التسع والثمانين في إنجيل مرقس مثلاً، تضيف معظم المخطوطات اللاحقة كلمة “يسوع” في ٦:٣٤؛ ٧:٢٧؛ ١:٨ و١٧. هذه الاختلافات تؤثر بالتأكيد على الترجمة، ولكن يظل من تشير إليه هو (يسوع) في الحالتين
اختلافات لها معنى ولكنها غير قابلة للتطبيق
أما ثالث أكبر قطاع فيتكون من الاختلافات التي تؤثر في معنى النص ولكنها غير قابلة للتطبيق. فهي عبارة عن اختلافات موجودة في مخطوطة واحدة أو مجموعة من المخطوطات التي، في حد ذاتها، يكون احتمال أن صياغتها قد أخذت من النص الأصلي احتمالاً ضئيلاً. فمثلاً، في ١ (تسالونيكي ٢:9)، بدلاً من القراءة “إنجيل الله” (الموجودة في جميع المخطوطات تقريباً)، فإنها تكتب في إحدى المخطوطات اللاحقة من العصور الوسطي “إنجيل المسيح.”
وهذا اختلاف له معني، ولكنه غير قابل للتطبيق، إذ إن هناك فرصة ضئيلة أن تحتوي إحدى المخطوطات المتأخرة الصياغة الأصلية، بينما التعليم النصي يقف إلى جانب نص آخر ويتفق معه.
إن الاتفاقات الكثيرة في نصوص الإنجيل تقدم أمثلة للاختلافات ذات المعني الغير القابلة للتطبيق. فقد كان لدي الكتّاب اتجاه لتنسيق المقاطع المتشابهة في أناجيل مرقس ومتي ولوقا. وهناك مجموعتان من المخطوطات، المعروفة باسم النص الغربي والنص البيزنطي، قامتا على وجه خاص بهذا الأمر. لكن الحقيقة هي أن واحدة من الطرق التي يمكن بها للعلماء أن يعرفوا ما إذا كان اختلاف معين أصلياً أم لا هي أن يروا ما إذا كان يتسق مع غيره.
وحيث أنها ممارسة معروفة لدي الكتّاب أن ينسقوا الصياغة بين الإنجيلين، ١٠ فإن النص الذي لا يتفق يعتبر بالفعل هو النص الأصلي، خاصة عندما يكون عدم الاتساق هذا موجوداً في مخطوطات أقدم. فالدليل على أنه لا يوجد اتساق هو دليل مقنع على أن هذه النصوص أصيلة. هذا وتوجد أمثلة للاتساق في مخطوطات الأناجيل في أية صفحة من صفحات الأناجيل، وواحد منها فقط يمكن أن يكفي لتوضيح غرضنا.
ففي إنجيل متي٩، كان يسوع يأكل مع بعض الناس المتدنين أخلاقياً. (هذه القصة موجودة أيضاً في إنجيل مرقس ٢ وإنجيل لوقا ٥) وقد أهان هذا الأمر الفريسيين، لذلك فإنهم في عدد ١١ يسألون تلاميذ يسوع: “لماذا يأكل معلمكم مع العشارين والخطاة؟” وهنا نجد حفنة من المخطوطات اليونانية وبعض النسخ المبكرة تضيف ” ويشرب” بعد كلمة “يأكل” لكي تتفق مع الصياغة الموجودة في (لو ٥:30).
وفيما بعد في (مرقس ٢:16)، تتشابه الصياغة مع نص متي، ولكن هنا نجد أن معظم المخطوطات اللاحقة تضيف كلمة “ويشرب”. فبالنسبة إلى (لوقا ٥:30)، توجد مخطوطة واحدة فقط معروفة هي التي تحذف “وتشربون”، وهكذا فإنها تتفق مع الصياغة في متي ومرقس.
توضح هذه المشكلة النصية أمرين. الأول، أن الكتّاب كانوا معرضين لأن يوفّقوا روايات الإنجيل، حتى عندما لم يكن هناك تعارض حقيقي واضح بينها. ثانياً، عندما يتعلًق الأمر بالاتساق والتوافق، كان الكتّاب يميلون إلى إضافة كلمة إلى أحد الأناجيل بدلاً من حذف كلمة أو كلمات من إنجيل آخر.
اختلافات التي لها” معنى كما أنها قابلة للتطبيق
أما بالنسبة لآخر وأصغر قسم، فهو يتكون من الاختلافات التي تؤثر في المعني كما أنها تكون قابلة للتطبيق. ولا يقع ضمن هذا القسم إلا حوالي ١% من جميع الاختلافات النصية. ولكن حتى في هذا القسم، يمكن أن تكون هناك مبالغات. ونعني بتعبير “لها معني” هنا أن الاختلاف يغير في” معنى النص بدرجة ما. وقد لا يكون هذا التغيير كبير الأهمية، ولكن إذا أثّر الاختلاف في فهمنا للمقطع، يكون له” معنى ومغزي.
لكن أن نجادل بنسبة كبيرة من الشك لأننا لا يمكن أن نفهم بدقة جزءً ضئيل جداً من النص يعتبر مبالغة طائشة غير مدروسة، ولكن هذا فقط هو الانطباع الذي يعطيه فانك، وهوفر وجماعة “مدرسة يسوع”. ١١ فقد رأينا أن الجزء الأعظم من الاختلافات النصية غير مهم. فمن دون ريب، ما إذا كان اسم يوحنا يكتب باليونانية بحرف nu واحد أو اثنين، قد يظل هذا الأمر سراً ولغزاً، ولكن المهم هنا هو أن اسم يوحنا لا يكتب على أنه مريم. فالقضايا التي يواجها نقاد النص، صراحة، لهي ذات أهمية ضئيلة بالنسبة لمعظم علماء العهد الجديد حتى أن العلماء كثيراً ما يفترضون أنه لا يتبقى شيء يمكن القيام به في هذا النظام.
فالحقيقة هي أنه، رغم أن معظم نصوص العهد الجديد غير متضاربة، إلا أن بعض المقاطع متضاربة بالفعل. وسوف نناقش في فصل لاحق موضوع المخاطرة، ولكن بالنسبة للوقت الحالي، نرغب ببساطة في شرح هذا القسم الأخير من الاستخدام، أي الاختلافات التي لها” معنى وقابلة للتطبيق. ١٢
توجد مشكلة نصية تشكك في النص الموجود في رومية ١:5، وهي، هل يقول بولس: “لنا سلام” (echomen)، أم: “ليكن لنا سلام” (echōmen)؟ فالفارق بين الصيغة الدلالية بوصفها حقيقة موضوعية، وبين الصيغة الطلبية هو عبارة عن حرف واحد. فالأصوات المتشابهة للحرفية(o) و(w) كانت تنطق في الأغلب بنفس الطريقة في اليونانية القديمة (كما هما في اليونانية اللاحقة)، مما يجعل قرار تحديد أي منهما المقصودة أكثر صعوبة.
وفي الحقيقة انقسم العلماء حول هذه المشكلة النصية. ١٣ ولكن الهدف هنا هو الآتي: هل أي من الاختلافين يعتبر مناقضاً لتعاليم الكتاب المقدس؟ يندر أن يحدث ذلك. فإن كان بولس يقول إن المسيحين لديهم سلام (الصيغة الدلالية)، فإنه يتكلم بذلك عن مقامهم ووضعهم مع الله الآب؛ أما إذا كان بولس يحث المسيحين أن يكون لهم سلام مع الله (صيغة الطلب)، فإنه بذلك يحثهم على التمسّك “بحقائق الإيمان الموضوعية” – أو الحقائق الأساسية التي ترتكز عليها الحياة المسيحية – وأن يعيشوا بمقتضاها في حياتهم اليومية.
وفي (رسالة تسالونيكي الأولي ٧:2)، يصف بولس نفسه وزملاءه إما بأنهم ” مترفقون” أو بأنهم “أطفال صغار”. والفارق أيضاً بين الاختلافين في اليونانية هو حرف واحد فقط –ēpioi في مقابلة nēpioi. فإن كان ” أطفال صغار” هو النص الصحيح، يكون بولس قد خلط استعاراته (رغم أنه يكون قد يقوم بهذا الأمر من وقت لآخر ١٤)، لأنه يتبع ذلك بإعلان أنه قد أحب المسيحين في تسالونيكي “مثلا الأم المرضعة.” ١٥
وواحد من أكثر الاختلافات شيوعاً يتضمن استخدام ضمير المتكلمين وضمير المخاطبين. وهناك حرف واحد فقط هو الذي يصنع الفارق بين الكلمتين في اليونانية. وأحد الأماكن المهمة التي تحدث فيها مثل هذه المشكلة النصية نجدها في (١ يوحنا ١: ٤). فإما أن الآية تقول: ” ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحنا كاملاً” أو “ونكتب إليكم لكي يكون فرحكم كاملا”. فالمعني هنا يتأثر، وكلا النصين له مصداقية وشهادة قديمة، لكن في نفس الوقت، ليس بالضرورة أن يلغي أحد من الاختلافين الآخر.
فسواء كان الكاتب يتحدث عن فرحه هو أو عن فرح قرّائه، فإن الهدف الواضح من هذه الآية هو أن كتابة هذه الرسالة تبعث على الفرح. ١٦ ولن يكون تمديداً زائداً للمعني أن نري أحد الطرفين وقد أصبح سبباً لفرح الطرف الآخر.
ينظر العلماء إلى عدد من العوامل المجتمعة في تعيين صياغة النص الأصلي والفصل فيها. وإحدى هذه العوامل بالطبع هي المخطوطات والنسخ القديمة – التي تعرف معاً باسم البراهين الخارجية. لكن يوجد عامل آخر، مساو في الأهمية، هو البرهان الداخلي. وسوف نناقش كلاً من هذين الموضوعين في الفصل السابع. لكن يكفي القول هنا أن ما كان يحتمل أن يقوم به الكتّاب (مثل توفيق المقاطع)، وما كان يحتمل أن يقوم الكاتب الأصلي بعمله، وهو الذي يشكّل البرهان الداخلي.
والبرهان الخارجي والبرهان الداخلي هما عادة في نفس الجانب – أي أنهما عادة ما يشيران معاً إلى نفس النص على أنه أصلي، وهكذا فهما عبارة عن رابطة من شقين وهي رابطة ليس من السهل كسرها في أحيان نادرة، يكون البرهان الخارجي مختلفاً عن البرهان الداخلي، فمثلاً، يقول: (فيلبي 1: 14) “وأكثر الإخوة وهم واثقون في الرب بوثقي يجترئون أكثر على التكلم بالكلمة بلا خوف.” ومن الطبيعي أن يطرح السؤال، أية كلمة؟ لا يقول بولس بوضوح، ولكن الكتّاب يضيفون بتوقع “الله”، أي “كلمة الله” لتوضيح الكلمة المقصودة.
لكن ما يثير الدهشة أن المخطوطات المبكرة والأفضل هي التي تضيف “الله”، بينما لم تضف شيئاً معظم المخطوطات اللاحقة. ويعتبر هذا نموذجاً تقليدياً للبرهان الداخلي والبرهان الخارجي اللذين يختلفان عن بعضهما البعض. في مثل هذه الحالات، يكون على العلماء أن يختاروا النص الذي يبدو أنه يكون مسبباً للنص الآخر، وفي حالتنا هذه، تم تعيين النص الأقصر بواسطة الأغلبية على أنه النص الأصلي. ومع ذلك، فليس هناك مخاطرة بمبدأ ما أو جدل تاريخي عظيم يحدث بتعيين أي من الاختلافين.
وكمثال أخير للاختلافات ذات المعني والقابلة للتطبيق، سوف ندرس معاً أكبر اختلاف نصي في العهد الجديد، وهو يتضمن أكثر من عشر آيات. ١٧ ففي الأصحاح الأخير من إنجيل مرقس (أصحاح ١٦)، تنهي أقدم وأفضل المخطوطات هذا السفر بالعدد ٨: “فخرجن سريعاً وهربن من القبر لأن الرعدة والحيرة أخذتاهن ولم يقلن لأحد شيئاً لأنهن كن خائفات.” وتعتبر هذه نهاية مفاجئة بصورة مروّعة لإنجيل مرقس، فالنساء اللاتي كن خائفات، قال لهن الملاك إن يسوع المسيح قد قام من الأموات وأن عليهن أن يعلمن التلاميذ بهذا. إن الأغلبية العظمي من المخطوطات بها اثنا عشر عدداً تالياً لذلك، ولكن أقدم وأفضل المخطوطات تتوقف عند الآية٨.
ويجادل العلماء فيما إذا كان مرقس قد قصد أن ينهي إنجيله عند هذه النقطة، أو كان قد كتب أكثر من ذلك، ولكن نهايته الحقيقية قد فقدت، أم أن الأعداد الاثني عشر الموجودة في معظم المخطوطات هي النهاية الأصلية أم لا، فإنه لا يوجد حق أساسي يمنح أو يفقد بها. فبالتأكيد إن تعيين النص سوف يؤثر على كيفية رؤية المرء لإنجيل مرقس ككل، ولكنه لن يؤثر على أي مبدأ أساسي. على أننا سنعود مرة أخري لقضية التعاليم التي تأثرت بالاختلافات النصية القابلة للتطبيق في الفصل الثامن. أما الآن، فإننا نحتاج فقط أن نشير إلى أن هذا الاختلاف النصي لا يؤثر في أي مبدأ أساسي.
لكن على الرغم من أن كمية الاختلافات النصية في مخطوطات العهد الجديد تعد بمئات الآلاف، إلا أن نوعية هذه الاختلافات التي تمثل تغييرات في المعني تعتبر ضعيفة وقليلة نسبياً. فحوالي ١% فقط من الاختلافات تكون ذات” معنى وقابلة للتطبيق. وكما سنري في فصلنا الأخير في هذا الجزء، فهذه الاختلافات لا تؤثر في معتقدات أساسية. ويمكننا هنا أن نمثل نواع الاختلافات التي لدينا في العهد الجديد تمثيلاً بيانياً دائرياً. لاحظ مرة أخري كيف أن كماً قليلاً للغاية هو الذي يعتبر مهماً فعلياً.
نوعية الاختلافات بين مخطوطات العهد الجديد:
أخطاء هجاء
اختلافات لا تؤثر في الترجمة
اختلافات لها” معنى ولكنها غير قابلة للتطبيق
اختلافات لها” معنى وقابلة للتطبيق
موثوقية نص العهد الجديد والإختلافات النصية في مخطوطاته
الأسس العلمية لتحديد أقوال الرب يسوع في الكتاب المقدس
الأسس العلمية لتحديد أقوال الرب يسوع في الكتاب المقدس – دفاعيات
الأسس العلمية لتحديد أقوال الرب يسوع في الكتاب المقدس – دفاعيات
إنهم يستخدمون ما يطلق عليه ’معايير الصحة والأصالة‘. ورغم أنه توجد العديد من تلك المعايير، إلا أننا سوف نناقش بالتحديد أربعة من أهمها.
معيار الإختلاف (التباين)
أول هذه المعايير هي معيار التباين والإختلاف. يقول هذا المعيار اساسا، إنه إذا وجد قول ينسب إلى يسوع ولكنه يختلف عن تعاليم اليهودية في أيامه، وعما علمته الكنيسة الأولى فيما بعد، فلا بد أن يكون ذلك صحيحاً. والسبب في هذا يسهل فهمه: فإن كان مثل هذا القول لا يمكن أن يكون قد وجد في اليهودية قبل يسوع، فهنالك إذا سببا وجيه للتفكير في انه يرجع حقيقة له وليس لشخص قبله.
وإن كانت الكنيسة الأولى لم تتبنى هذا القول، فعندئذ يكون من الواضح أنهم لم يخترعوا هذا القول ويضعوه على لسان يسوع. تذكر ’مدرسة يسوع‘ ما يلي على أنه حقيقة، فتقول ’’إننا نعرف أن البشيؤين كثيراً ما نسبوا كلمات مسيحية ليسوع – فجعلوه يتحدث كمسيحي.‘‘ 1 ما إذا كان هذا الجزم غير الممحص له ما يبرره أم لا، فهذا هو ما لن نتناوله هنا، إذ أننا نود أن نشير ببساطة إلى أن قول يسوع أشياء تفرد بها هو معيار مهم.
لكن عادة ما يقتصر تطبيق هذا المعيار على إختلاف يسوع عن اليهودية أكثر منه عن المسيحية. فمثلاً، تشير ’’مدرسة يسوع‘‘ إلى أن ما جاء في (مرقس 7:15) ’’ليس شيء من خارج الإنسان إذا دخل فيه يقدر أن ينجسه. لكن الأشياء التي تخرج منه هي التي تنجس الإنسان.‘‘ لايد بالتأكيد أن يكون صحيحاً وأصيلاً لأنه يعتبر’’ضد تقاليد وتعاليم ديانته تماماً‘‘2، ولكن هذا المبدأ قد علّمه المسيحيون الأوائل (مثلاً في (1تيمو 4:4) ’’ لأن كل خليقة الله جيدة ولا يرفض شيء إذا أخذ مع الشكر لأنه يقدس بكلمة الله والصلاة.‘‘ وهكذا فإنه يقتصر فقط على يسوع.
على أن هنالك مشكلة رئيسية تختص بمعيار الإختلاف، وهي أنه إذا تم مراعاته بصرامة وجمود، فإن يسوع الذي يتبقى لدينا سيكون يسوع غريباً – شخصاً ليس لديه أي شيء مشترك مع اليهودية في عصره، وليس لديه أي تاثير على أتباعه! وكما يعلق داريل بوك: ’’إذا تأكد كلا جانبي التباين، بحيث يختلف يسوع عن كل من اليهودية والكنيسة الأولى، فسيصبح يسوع عندها شخصاً غريباً وشاذاً، منفصلاً تماماً عم تراثه الثقافي ومنعزلاً فكرياً عن الحركة التي كان مسئولاً عن تأسيسها. بل إن المرء ليتعجب كيف استطعنا أن نتعامل معه كشخصية حقيقية.‘‘3
المشكلة الثانية المتعلقة بهذا المعيار هي أن العلماء كثيراً ما يستخدمونه لكي يقدموا تقييماً سلبياً لمسألة ما إذا كان يسوع قد قال شيئاً على الإطلاق. ولكن في ضوء ضعفه الأصلي الأول، فإن هذا المعيار في الحقيقة يمكن شرعياً استخدامه فقط لتقديم تقييم ايجابي، أي أنه يجب الا يستخدم لإنكار أن يسوع قد قال شيئاً ما (حيث أن ما قاله يمكن حقاً أن يشبه اليهودية في عصره، أو الكنيسة الأولى). هذا الأمر حقيقي بالنسبة لجميع معايير الأصالة تقريباً: قلا يجب أن تستخدم هذه المعايير لإنكار ما يمكن أن يكون يسوع قد قاله، ةلكن فقط لتأكيده.
لكن للأسف، فإن علم النقد يطبق على هذه المعايير بطرق لم تصمم لأجلها. فإذا حاولنا أن نطبق هذا المعيار على عمل ’’مدرسة يسوع‘‘، فالمرء يتساءل عما يمكن أن يتبقى من عملهم – إذ إن ما يقولونه هم قد قاله كثيرون غيرهم، قبلهم وبعدهم.
المشكلة الثالثة هي ان ’’مدرسة يسوع‘‘ وغيرهم كثيراً ما طبقوا هذا المعيار في غير الإطار المناسب له،اذ انه حتى عندما يجتاز قول ما اكثر اختبارات التباين صلابة، فإن أصالته رغم ذلك يمكن رفضها. فمثلاً، يبدو أن يسوع هو الشخص الوحيد في اليهودية القديمة الذي قام بوضع كلمة’’آمين‘‘(أو الحق) في بداية عباراته هو الخاصة. ففي اليهودية، كانت كلمة ’’آمين‘‘ تستخدم فقط لتأكيد مشيئة الله او للاتفاق مع العبارات التي تختص بشخص الله.4
لكن في الاناجيل، استخدم يسوع كلمة ’’آمين‘‘ (الحق) في بداية عبارات قالها هو شخصياً — كما لو أنه يقول إن ما هو مزمع أن يعلنه هو مشيئته وكلمته. وفي الخامس والعشرين مرة التي تكررت فيها كلمة (الحق) في إنجيل يوحنا، كانت دائما تقال مزدوجة (مثل، ’’الحق الحق، أقول لكم…‘‘). كما أن استخدام هذه الكلمة في الأناجيل المتشابهة وفي إنجيل يوحنا يختلف عن أي استخدام لها في اليهودية أو المسيحية الأولى. وبطريقة مشابهة تقريباً، كان استخدام يسوع كلمة ’’الحق‘‘ يشير إلى عبارة مقدسة عن ’’تاريخ ملكوت الله المرتبط بشخصه‘‘.
وهكذا فإن لدينا في كلمة ’’آمين‘‘ أو كلمة ’’الحق‘‘، التي تسبق جملة ’’أقول لكم‘‘التي قالها يسوع، التعليل اللاهوتي لشخص المسيح وعمله كله في ايجاز تام‘‘.‘‘5 وهذه العبارات يتفرد بها يسوع، كما أن لها محتوى متماسك ومتسق – وهو محتوى يخاطب ما يعتقده في نفسه عن علاقته بملكوت الله.
لكن قبل ان نناقش ما تفعله ’’مدرسة يسوع‘‘ بتلك الاقوال المتفردة ليسوع، يجب أن نقول كلمة ما عن ’’خرزاتهم الملونة‘‘. فقد قامت ’’مدرسة يسوع‘‘ بعمل اعلانات دولية لاستخدام هذه الخرزات، وفي الاغلب لأن جمهور العامة استطاع أن يستوعب الفكرة بسهولة، فيقوم كل عضو من ’’مدرسة يسوع‘‘ بالتصويت عن طريق إلقاء خرزة في صندوق. وكل خرزة سواء كانت حمراء أو وردية أو رمادية أو سوداء كان لها معنى من المعاني التالية:
الحمراء: لقد قال هذا يسوع بالتأكيد أو شيء مشابه له تماماً.
الوردية: ربما قال يسوع شيئاً كهذا.
الرمادية: لم يقل يسوع هذا، ولكن الأفكار المحتواة في هذا القول هي قريبة من أفكاره.
السوداء: لم يقل يسوع هذا القول؛ فهو يمثل نظرة أو محتوى تعليم لاحق مختلف.6
فكيف تتعامل ’’مدرسة يسوع‘‘ مع هذا القول المتفرد؟ من ضمن الخمس والسبعين ’’آمين‘‘ (الحق) التي قالها يسوع في بداية عباراته، هناك اربعة مرات فقط اعتبرت أنها من المحتمل أن تنسب إلى يسوع بصورة ما (وجميعها تأخذ اللون الرمادي). بالإضافة إلى ذلك، يوجد عشرون قولاً باللون ’’الرمادي‘‘. أما البقية (واحد وخمسون) فهي سوداء.7 فما الذي جعل ’’مدرسة يسوع‘‘ يرفضون معظم أقوال يسوع التي سبقتها كلمة ’’الحق‘‘؟ لابد أن هناك معياراً آخر تفَوق على معيار الاختلاف، وسوف ننظر إلى مثال آخر لكي نرى ما هو هذا المعيار.
بحسب الاناجيل الاربعة، كان ’’إبن الانسان‘‘ تعبير يسوع المفضَل عن نفسه. ولكن الأمر غير المعتاد بشأن هذا التعبير هو أنه غير موجود تقريباَ ولا في الأدب اليهودي القديم ولا في تقاليد المسيحية الأولى – فيما عدا أن يسوع نطق به. ومن هذا يستنتج العالم الأنكليزي سي غف دي مول ما يلي:
إن أبسط تفسير للاتساق الكامل الذي يقتصر فيه المفرد المعَرف على الأقوال المسيحية هو أن نفترض أن يسوع كان يشير إلى دانيال 7، الذي يتحدث عن ’’إبن الانسان (الذي تعرفوه من تلك الرؤية).‘‘… فإن نسب التعبير ليسوع نفسه ليس معناه إنكاره أن بعض مرات ورود عبارة ’’إبن الانسان‘‘ في الأناجيل ربما أضيفت إلى الأقوال الأصلية؛ ولكني لا يوجد سبب يمنع من وجود أصل رباني لكل من النوعين الرئيسين للاقوال.8
على الأقل، يجادل مول من معيار التباين على أصالة اقوال مثل ’’إبن الانسان‘‘ في الأناجيل.
فماذا تفعل ’’مدرسة يسوع‘‘ في مثل هذه الأقوال؟ يشير بوك إلى أنها ’’تستثنى من كونها أصلية، إلا عندما تصف البشر على انهم ابن الإنسان، وهو استخدام يعترض عليه في اليهودية من خلال استخدامه في المزامير وفي سفر حزقيال! لكن السبب في استثناء لقب ’’مدرسة يسوع‘‘ هو حقيقة أنه يعبر عن نظرة متفوقة لاهوتية ليسوع على أنه المسيح.‘‘9
أما بخصوص التطبيق غير الملائم ’’مدرسة يسوع‘‘ لهذا المعيار، فيلاحظ بوك الآتي:
إن ما يكشف عنه مثال ’’إبن الانسان‘‘ ربما يكون معياراَ خفياَ (مقياساَ للاهوت المسيح) في تقييم الحلقة الدراسة للاقوال، أي أنه إن كان هناك رأي ينادي بأن يسوع هو أكثر من مجرد حكيم وراو للأمثال، يكون غير أصيل وغير صحيح. ولكن وجهة النظر هذه تستحق الانتباه. فإنه، من ناحية أخرى، إذا كانت معايير النقد لا يتم تطبيقها بصورة ملائمة بواسطة علماء مدرسة يسوع، فإنه بالتأكيد يمكن تبرير الادعاء بالتحيز.
ومن ناحية أخرى، إن كان يسوع مجرد حكيم وراو للامثال، فلماذا إذاَ كل هذه الجلبة بشأنه؟ من أين إذاَ قد أتت كل هذه العداوة الشديدة التي تحيط به؟ وكيف يمكن لهذه الأمثال أن تفسر الرفض الذي تعرض له، وكيف يمكن إعطاء اقل قدر من الأصالة لموضوعات تختص بالحكم والأمثال فحسب؟10
يثير بوك هنا العديد من النقاط المهمة. فليس فقط أن ’’مدرسة يسوع‘‘ متناقضة في تطبيق مبادئها الشخصية بسب تحيزها الشديد ضد رؤيتها ليسوع على أنه أكثر من مجرد إنسان، ولكن هذا التحيز ايضاَ يتركهم مع يسوع يعتبر موته كمجرم سراَ ضخماَ. فجميع المؤرخين يعرفون أن نتيجة النتيجد لابد وأن يكون لها سبب كاف. ولكن لا يكون لدى ’’مدرسة يسوع‘‘ التي قامت بإعادة إختراع وتوليف شخصية يسوع، سبب كاف لنتيجة الصلب.
يمكننا هنا إضافة شيئاَ آخر ايضاَ، سنناقشه بصورة أكثر شمولية في بقية هذا الكتاب. ففي القرن الأول الميلادي، كانت حالة اليهود المؤمنين بعقيدة التوحيد قوية للغاية. ولكن الأناجيل تقدم يسوع على أنه اكثر من مجرد نبي، وأكثر من مجرد حكيم، وأكثر من مجرد راو أمثال. فإن أفعاله وكلماته تظهره على أنه يكاج يدَعي الألوهية.
وبالتأكيد فإن اليهودية في عصر يسوع كانت ستعارض هذا الأمر – وقد عارضته بالفعل! ولكن هل قبل المسيحيون الأوائل هذا الإدعاء بسهولة؟ ومن حيث أن المسيحين الاوائل كانو في الأصل يهوداَ، فقد كانت لديهم هم ايضاَ نفس المشاكل المتعلقة في هذه الفكرة، مثل بقية الناس في ثقافتهم اليهودية. فإلى الحد المتعلق بأن الأناجيل قد تأصلت في التربة الفلسطينية، يكشف معيار التباين أن يسوع هو أكثر من مجرد إنسان. ولكن إذا كان المرء ببساطة غير منفتح لهذا الإحتمال، عند ذلك فقط سيتم رفض هذا المعيار – وبالتالي، رفض لاهوت يسوع.
معيار البراهين المتعددة
المعيار الثاني هو معيار البراهين المتعددة. يقول هذا المعيار ’’عندما يبدو إن قولاَ ما يأتي من مصادر متعددة (م، ل، ك، مرقس) أو في صيغ متعددة (مثلاَ، في إطار معجزة، أو مثل، أو رؤية)‘‘، فإنه بذلك يكون متعدد البراهين.11 ولكي نتذكر ما قلناه في بداية هذا الفصل، فإن، ’’م، ل، ك، مرقس‘‘ تشير إلى المصادر الأربعة التي استخدمها متى ولوقا. فحرف ’’م‘‘ يشير ببساطة إلى المادة التي تفرد بها متى، فحرف ’’ل‘‘ يشير ببساطة إلى المادة التي تفرد بها لوقا، و’’مرقس‘‘ هو إنجيل مرقس، أما ’’ك‘‘ فإنه يشير إلى المادة المشتركة بين لوقا ومتى، التي ربما قد كتبت أو كانت مصدراَ شفهياَ أو مزيجاَ من الاثنين معاَ.
وكما فعلنا بالنسبة لمعيار التباين والاختلاف، فإن التطبيق الصارم لهذا المعيار سيقدم لنا مفهوماَ مشَوهاَ عن يسوع، إذ يقبل فقط تلك الأقوال التي رددها يسوع في سياقات مختلفة وبطرق مختلفة، ولكنه سيترك الكثير من الأقوال التي نطق بها يسوع في مواقف متفردة أو قالها مرة واحدة فقط. لكن، مثل معيار التباين، يعتبر هذا معياراَ محدوداَ في أنه يجب استخدامه فقط للتوكيد الايجابي لما قاله يسوع.
إذ إنه لو كان أحد أقوال يسوع قد تم تسجيله مرة واحدة، فهل هذا يعني أنه لم يقله حقاَ؟ في هذه الحالة لو أننا طبقنا مثل هذا المعيار على معظم الشخصيات التاريخية القديمة الأخرى، سيكون علينا أن نلقي بمعظم ما نعرفه عن التاريخ القديم في سلة المهملات! وكما يشير بوك: ’’هذا المعيار مفيد فيما يحويه، إلا أنه على الإنسان أن يحذر لئلا يفترض أن الفشل في البرهنة على قول يأتي من مصادر متعددة يكون سبباَ كافياَ لرفضه.‘‘12
لكن للأسف تستخدم ’’مدرسة يسوع‘‘ وآخرون غيرهم هذا المعيار بكل من الطريقة الأيجابية والسلبية. ومع ذلك، فإن كنا سنطبق هذا المعيار على الكتابات المنسوبة إلى روبرت فانك – التي تعتبر أكثر كثيراَ من كلمات يسوع في الاناجيل – فكيف ستنجح في الاختبار؟ فالبعض من كتبه كانت على طليعة التعليم الالكتابي، بينما وصفت كتب أخرى له بأنها استفزازية على أقل تقدير. وما قاله في تلك الكتب لم يتردد في اعمال أخرى له.
كان كثيراَ ما يتعامل مع موضوع واحد في الكتاب الواحد، ويتجاهل الموضوع تماماَ في كتبه التالية. فهل هذا يعني أنه لم يكتب بالفعل تلك الكتب أو لم يقل ما قاله؟
بالغضافة إلى ذلك، فإنه مثل معيار التباين، يتم تطبيق معيار البراهين المتعددة بصورة متناقضة بواسطة ’’مدرسة يسوع‘‘. فكَر مثلاَ في تعبير ’’قد أتيت‘‘، أو ’’إن ابن الإنسان قد أتى‘‘، وهو واحد من التعبيرات المفضلة ليسوع التي كان يقدم بها لإرساليته. يرد هذا التعبير في العديد من المصادر، بل إنه في الحقيقة موجود في الاربعة المصادر المتشابهة – م، مرقس، ك، ل (انظر متى 5 :17؛ 11 :19 (م)؛ مرقس 2 :17؛ 10 :45 (مرقس)؛ متى 10 :34-35/ لوقا 12: 49-51 (س)؛ ولوقا 19: 10 (ل).
13 فكونه يتكلم عن إرساليته (التي يتضمنها تعبير ’’قد اتيت‘‘) فإن هذا يظهر بوضوح أنه أكثر من مجرد حكيم، او شاعر، أو فيلسوف قروي. ويدخل ضمن هذا الخليط من الأقوال ايضاَ (مرقس 10: 45) ’’لأن ابن الأنسان ايضاَ لم يأت ليُخدم بل ليَخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين.‘‘ وقد لاحظ داريل بوك، وهو واحد من أفضل العلماء في إنجيل لوقا في عصرنا الحاضر، مما يدعو للسخرية في قوله:
تعتبر ’’مدرسة يسوع‘‘ أن الكثير من هذه الأقوال المشهورة ’’من صنع مرقس‘‘. فلماذا يرفضون هذا القول؟ إن القول الأصلي بحسب رأيهم، لم يكن عن الخدمة، وليس عن الفداء. وهكذا فإن مفهوم الخدمة يخص يسوع، ولكن فكرة الفداء ليست من عنده. وهم يجادلون على أن نسخة إنجيل لوقا المختصرة تشير إلى أن مرقس قد صنع تغييراً وقدم صورة أكثر لاهوتية لما كان في الأصل مجرد مثل، رغم أن إنجيل مرقس، في هذه الحالة، يرى الجميع أنه أول الأناجيل! 14
ثم يختم بوك بالإشارة إلى التناقض في أساليب ’’مدرسة يسوع‘‘، قائلاً:
مرة أخرى، فإن المعيار الحقيقي الذي يطبّق على هذا القول ليس معيار البراهين المتعدد، ولكنه معيار مقياس ألوهية المسيح الخفية للمدرسة، التي تطبق حتى عندما يسير برهان المصدر في إتجاه معاكس. في الحقيقة، يمكن للمرء أن يفترض أن لاهوت المسيح هو الموضوع الحقيقي للجدل حول الكثير من الأقوال، أكثر منه هو التاريخ أو التطبيق الموضوعي لمعايير مجردة.
وبنوع من الطريق الملتوي، فإن القول عندهم يتم قبوله لأنه يعكس نوعاً معيناً من لاهوت المسيح المقيد المصوغ بحسب انطباع لم يتم خلقه بواسطة التطبيق المتسق للمعايير، ولكن بواسطة لاهوت مسبق مقيد ومحدود. وقد تم تأييد هذا اللاهوت المحدود لأن يسوع كان من وجهة نظرهم مجرد حكيم وراو للأمثال، على أساس الأقوال المقبولة منهم.15
معيار الاتساق
المعيار الثالث هو معيار التساق والاتفاق. ويناقش هذا المعيار أن كل ما يكتشفه العلماء عن يسوع في الأناجيل، يجب أن يكون متفقاً أو متسقاً مع بقية الصور التي رسمها العلماء ليسوع الحقيقي او التاريخي. وبالطبع، فإنهم بقدر ما قد رسموا صورة غير دقيقة عن يسوع الحقيقي، فإن هذا المعيار لن يكون صحيحاً.
والآن تقوم ’’مدرسة يسوع‘‘ بتأكيد 18% فقط من كلمات يسوع على أنها صحيحة وأصيلة وأنها تنسب إلى يسوع سواء شفهياً أم من ناحية المفهوم. 16 وحيث أن تلك البيانات الأساسية قليلة للغاية، فإن يسوع في نظرهم شديد الصغر كذلك. إن تناقضهم في تطبيق المعيارين الآخرين قد أعطاهم صورة منحرفة عن يسوع. وهكذا فإن معيار الاتساق لا يصبح صحيحاً وملائماً إلا إذا تم تطبيق المعيارين الأولين بطريقة سليمة.
معيار الحرج
المعيار الرابع هو معيار الحرج، وهو يتعلق بالأمور الموجودة في الأناجيل، التي يمكن رؤيتها على أنها كانت محرجة بالنسبة للمسيحيين الأوائل، أو للتلاميذ، أو حتى ليسوع. فالسبب الوحيد الذي لأجله تم وضع مثل هذه الأمور المربكة والمحرجة في الأناجيل هو أنها قد قيلت بالفعل. فمن الصعب تصّور أن المسيحيين الأوائل قد اختلقوا أموراً محرجة لهم عندما كانت لديهم بالفعل مشاكل كافية من الأضطهادات! ورغم أن هذا المعيار شديد الأهمية، إلا أنه مثل بقية المعايير، لم تستخدمه ’’مدرسة يسوع‘‘ بصورة سليمة.
فمثلاً، يعلن يسوع في (مرقس 13: 32)، ’’وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب.‘‘ فقد إعتادت الكنيسة الأولى أن تنظر إلى يسوع على أنه أكثر من مجرد إنسان – بل إله في هيكل إنسان. ولذلك فإن هذه العبارة تسبب لهم بالتأكيد نوعاً من الحرج. 17 فحيث أن يسوع قد عرّف نفسه على أنه ’’الابن‘‘ فإن هذا يتفق تماماً مع بقية ما وصف به نفسه.
ولكن ’’مدرسة يسوع‘‘ تنظر إلى هذا القول على أنه غير أصيل، فلماذا؟ كانت ’’مدرسة يسوع‘‘ على اتفاق عام على أن يسوع لم يتنبأ بنبوءات مرتبة زمنياً عن نهاية العالم على الإطلاق.‘‘ 18، وهنا نرى بوضوح معياراً ضد النظرة المتسامية ليسوع. لكن إن كانت ’’مدرسة يسوع‘‘ هي ضد رؤية يسوع على أنه أكثر من مجرد إنسان كافتراض مسبق، ألا يعابر ذلك انحيازاً لا مبرر له في تقييهم لشخصية يسوع الحقيقية؟ فكيف يمكنهم أن يقوموا بأمانة واستقامة بتقييم البيانات، إن كان من غير الممكن بالنسبة ليسوع أن يتنبأ بالمستقبل؟
هنالك ايضاً نواحٍ أخرى لمعيار الحرج في الأناجيل، مثال على ذلك، يوجد الكثير من العبارات السلبية في غنجيل مرقس عن أبطال المسيحية الأوائل – الرسل – تصلح لهذا المعيار. فمثلاً توبيخات يسوع المتكررة للتلاميذ لعدم إيمانهم، ولعدم فهمهم الواضح لكلامه، ولصراعاتهم على مركز القيادة، تشير جميعها إلى الأصالة.
فمن الصعب أن تقرأ غنجيل مرقس دون ان تأخذ إنطباعاً سلبياً عن الرسل، ومع أن هذا يعتبر أول الأناجيل التي كتبت بحسب راي معظم العلماء، حيث ان شهود العيان مازالوا على قيد الحياة في ذلك الوقت، بما فيهم بعض الرسل أنفسهم. إلا أن العبارات السلبية هي إشارات قوية على أن تلك الأقوال كانت حقيقية. ’’إن حقيقة حفظ وبقاء المواد المربكة والمهينة ووصولها إلى مرقس تروي الكثير عن المصداقية العامة للمصادر التي استخدمها.‘‘19
هناك شرح آخر لمعيار الحرج وهو الشهود الأوائل على قيامة يسوع. فالأناجيل الأربعة كلها تقول إن النسوة كنّ أول من ذهبن إلى القبر، وأول من علمن أن يسوع حي (مت 28: 1-10؛ مر16: 1-8؛ لو 24: 1-11؛ يو 20: 1-14). لكن لماذا يسبب هذا حرجاً؟ لأن النساء في المجتمع اليهودي لم تعتبرن شهوداً يعتد بمصداقيتهن. 20 فلا عجب إذاً إن كان رد فعل التلاميذ هو ما جاء في (إنجيل لوقا 24: 11): ’’فتراءى كلامهن لهم كالهذيان ولم يصدقوهن.‘‘
ولكن معيار الحرج، اتفقت عليه ’’مدرسة يسوع‘‘ تماماً في أمر معمودية يسوع كما جائت في إنجيل يوحنا على أنها حقيقة اصيلة (خاصة وأن معمودية يوحنا كانت معمودية التوبة).21 فلماذا إذاً قد رفضوا القول المكتوب في إنجيل (مرقس 13: 32) أو الشهادة بأن يسوع قد قام من الأموات؟
كما أشار بوك، أن ’’مدرسة يسوع‘‘ كانت متناقضة في استخدامها لمعاييرها الشخصية، وذلك بسبب خطة خفية. لكن ما يثير السخرية أن جماعة ’’مدرسة يسوع‘‘ قد حذرت القراء من ’’إغراء أن يختلقوا شخصية ليسوع تشبههم تماماً، أو على حسب ذوقهم الشخصي، لحشد الحقائق لتأكيد اقتناعات مسبقة لديهم.‘‘22 لكنهم لخّصوا جميع المعايير في قانون عام واحد وهو: ’’احذر من أن تجد شخصية ليسوع تتفق تماماً مع مزاجك الشخصي.‘‘23، ونحن نتفق معهم في ذلك.
اعتبارات أخرى
أحد الأشياء المفقودة في جميع هذه المعايير هي تلاقيها واتفاقها مع أجزاء اخرى في العهد الجديد. فبقية العهد الجديد مثلاً، تعطى قيمة كبيرة لحفظ التعليم، وللحفاظ على الحقائق الأساسية عن يسوع سليمة وصحيحة.
ففي غلاطية 2 مثلاً، يعبّر بولس عن اهتمامه بطهارة ونقاء إنجيله. كان بولس يبشر بالإنجيل الذي عرفه لمدة أربعة عشر عاماً، ثم جاء إلى أورشليم لكي يتأكد من أن إنجيله كان هو بالضبط نفس إنجيل بقية الرسل – الذين عرفوا يسوع في الجسد.
فيقول، ’’وعرضت عليهم الغنجيل الذي اكرز به بين الامم ولكن بالانفراد على المعتبرين لئلا أكون أسعى أو قد سعيت باطلاً.‘‘(ع 2). ثم يقول إن ’’هؤلاء المعتبرين لم يشيروا عليّ بشيء ‘‘(ع 6). وهنا نرى في رسالة لا خلاف عليها من الرسول بولس، أن الإنجيل الذي كان الرسول بولس يبشر به على مدى سنوات كان هو نفس الإنجيل الذي بشّر به بقية الرسل.
وفي غلاطية1، يقول بولس إنه بعد حوالي ثلاث سنوات من إيمانه، سمعت الكنيسة في أورشليم أنه كان يبشر ’’بالإيمان الذي كان قبلاً يتلفه‘‘ (ع 23). الأمر المهم هنا هو الاستمرارية والتواصل بين إنجيل الرسل قبل تجديد بولس وبين إنجيل بولس بعد ذلك بقليل. فلا توجد اية إشارة للتواطؤ، أو أي شعور بأن الإنجيل قد تغير عبر السنين. فمنذ البداية، كانت الأخبار السارة عن يسوع المسيح دائماً لها نفس العناصر الأساسية.
ولذلك تحدث فجوة كبيرة في استخدام العلماء لمعايير الأصالة عندما يفشلون في التفكير في التأكيد المستقل من بولس بأن الإنجيل ظل كما هو منذ البداية. ورغم أن هذا التأكيد لم يتعامل مع أية أمور محددة في حياة يسوع، 24 أو عن اسباب موته، أو الاعتقلد بقيامته، إلا أن لقب ’’المسيح‘‘، وما يتضمنه من قيامه بالمعجزات، هو كله جزء من هذا التأكيد المستقل. وهكذا فإن التقليل من منزلة يسوع وجعله مجرد حكيم، كما يريد بعض المشككين أن يفعلوا، لا يقوم بالتعامل مع البيانات التاريخية بصورة سليمة.
وبغض النظر عن حقيقة أن تلك النظرة المتدنية ليسوع لا يمكنها أن تفسر سبب موته على صليب كمجرم، فإننا عندما ننكر أن يسوع أطلق عليه المسيا بواسطة تلاميذه أو أنه قد أجرى المعجزات، فهذا معناه أننا نتجاهل المعلومات المؤكدة المتوفرة لدينا.
ملخص
برهنّا في هذا الجزء على أن الفترة ما بين قيامة يسوع وكتابة الأناجيل يمكن أن توصف بأي شيء إلا بأنها كانت سباتاً. فقد انتشر الإنجيل وتكررت الروايات عن حياة يسوع وتعاليمه مئات بل آلاف المرات بواسطة شهود عيان من اهل الثقة. كما لاحظنا أيضاً ان الثقافة اليهودية في القرن الأول الميلادي كانت ثقافة حفظ وتلقين. وهذا الأمر، بالإضافة إلى شهادة شهود العيان وتأكيد الذاكرة في الجماعة وليس فقط في مجرد الافراد، يبرعن بقوة على أن التعليم الشفهي الذي يقف وراء الأناجيل المكتوبة كان مصدر معلومات ثابت ويعتمد عليه.
كما لاحظنا أيضاً أن تقدم تقييماً إيجابياً لا سلبياً، ةإلا لكان يسوع الذي يتم تصويره غريباً لم يتعلّم شيئاً من ثقافته كما لم يؤثر في أتباعه.
وبعد أن قمنا بنقد مختلف المحاولات النقدية لإعادة اختلاق حياة يسوع، يتحدث سكوت ماكنايت عن السبب والنتيجة التاريخية فيقول: ’’إن خلافي الاساسي مع أي منها هو أنه لو كان يسوع مثل ما يحاولون اختلاقه لما صلب، ولما أشعل الجذوة التي أشعلها، ولما كان فد أوصى بالتبعية التي طلبها، ولما أوجد حركة لا تزال تهز العالم.‘‘25
باختصار، فإنه من الصعب أن نتجنب النتيجة التي توصّل إليها جيمس دي جي دن بشأن التعليم الشفهي: ’’إن ما نواجهه اليوم في الاناجيل ليس هو الطبقة العليا (الطبقة الأخيرة) لسلسلة من الطبقات التي لا يمكن اختراقها، ولكنه التعليم الحي للمحفل المسيحي الذي يأخذنا بسرعة مدهشة إلى قلب الذكريات الأولى عن يسوع.‘‘26
1- كتاب روبرت دبليو فانك، وروي دبليو هوفر، وجماعة “الدارسين لشخصية يسوع”،
The Five Gospels: The Search for the Authentic Words of Jesus
(New York: Macmillan, 1993، 29)
2- نفس المرجع، 31.
3- داريل إل بوك، The Words of Jesus in the Gospels: Live, Jive, or
Memores?
في كتابه: Jesus Under Fire
Modern Scholarship Reinvents the Historical Jesus، مايكل جي ويلكينز
وجي بر مورلاند (Grand Rapids: Zondervan,1995)، 91.
4- كذلك هنريك سكلير،#، في كتابTheologica; Dictionary of the New Testament تحرير، جيرهارد كيتل، ترجمة جيوفري دبليو بروميلي (Grand Rapids: Eerdmans, 1964) 335: 1، رغم أن سكلير قد قسمه إلى ثلاثة أقسام.
5- نفس المرجع، 338.
6- كتاب فانك وهوفر وجماعة “الدارسين لشخصية يسوع”، The Five Gospels، 36. يتم استخدام ثلاثة تعريفات مختلفة في كتاب The Five Gospels، 36-37. فكانت جماعة “الدارسين لشخصية يسوع” تدلي بصوتها في إطار أقسام غير واضحة وغير منظمة إلى الحد الذي كانت فيه التعريفات تعني أشياء مختلفة. التعريفات الثلاثة للون الرمادي هي كالآتي: (1) “إنني لم أدرج هذا العنصر في البيانات الأساسية، ولكني يمكن أن أستفيد ببعض المحتوى في تحديد من كان يسوع”؛ (2) “إن يسوع لم يقل هذا، ولكن الأفكار المتضمنة فيه هي قريبة من أفكاره”؛ (3)”حسناً، ربما”. يبدو أن هذه ثلاثة تعريفات مختلفة للون “الرمادي”.
7- بخصوص نظام التصويت، تشير جماعة “الدارسين لشخصية يسوع” إلى أن “التصويت على اللون الأسود بالتحديد كان يمكن بسهولة أن يحبط نسبة متوسطة. ومع ذلك فإن هذا العيب يبدو متفقاً مع التشكك المنهجي الذي كان هو مبدأ عمل لجماعة “الدارسين لشخصية يسوع”: فعندما يكون هناك شك كاف، تخلّ عن الأمر كله” (كتاب فانك وهوفر وجماعة “الدارسين لشخصية يسوع” ،The Five Gospels ، 37).
بالإضافة إلى العيب المعترف به هنا، يمكن أن نشير إلى أن واحداً على الأقل من جماعة “الدارسين لشخصية يسوع”، روبرت رايس، لم يكن يؤمن حتى بأن يسوع كان موجوداً على الإطلاق! وعلى الرغم من أنه لم يرد ذكره في قائمة العلماء الذين قاموا بالعمل في كتاب The Five Gospels في مجال أقوال وكلمات يسوع، إلا أن اسمه ذكر في مجلد لاحق، وهو:The Act of Jesus
The Search for the Authentic Deeds of Jesus بقلم روبرت دبليو فانك وجماعة “الدارسين لشخصية يسوع(1998 ، San Francisco: HarperSanFrancisci)، 540. إن المعاير، ونظام الألوان، والمنطق، مشابهة تماماً لذلك الموجود في المجلد الأول، فيما عدا اختلاف ملحوظ واحد: وهو أنه بدلاً من تعبير “هذا العيب”، يكتب “هذه السمة” (كتاب فانك وجماعة “الدارسين لشخصية يسوع”، Acts of Jesus، 37). فهل هذا يعني أنه ليس عيباً أن يكون هناك عضواً تمتلئ جيوبه فقط بالخرزات السوداء؟
8- سي إف دي مول، The Son of Man: Some of the Facts ,New Testament Studies, 41 (1995): 278.
9- of Jesus in the Gospels، 91.
10- نفس المرجع.
11- نفس المرجع، 92. يميّز البعض المصادر المتعددة من الصياغات المتعددة، فيتعاملون مع كل منها على أنها مقياس منفصل (كذلك روبرت إتش ستين، “معايير الأصالة”، في Gospel Perspectives: Studies of History and Tradition in the Four Gospels أر تي فرانس وديفيد وينهام (Sheffield, England: JSOT 1980، 229: 1-33).
12- بوك، Words of Jesus in the Gospels، 92.
13- انظر النقاش في كتاب سكوت ماكنايت، ?Who Is Jisus
An Introduction to Jesus Studies في 66 Jesus Under Fire (انطر المقالة كلها على الصفحات 51-72)
14- كتاب بوك Words of Jesus in the Gospels، 92.
15- نفس المرجع، 92-93.
16- كتاب فانك وهوفر وجماعة “الدارسين لشخصية يسوع” ،The Five Gospels
17- كدليل على هذا، يمكن للمرء أن يلجأ إلى العديد من التعليقات على هذا النص في كتابات آباء الكنيسة. فقد جاهدوا لكي يفهموا كيف يمكن للشخص الذي هو “إله – إنسان”، أن تكون له معرفة محدودة بالمستقبل.
18- كتاب فانك وهوفر وجماعة “الدارسين لشخصية يسوع” ،The Five Gospels 114.
19- كتاب إي سي بي كرانفيلد، The Gospel According to Saint Mark 1959)، Cambridge: Canbridge University Press)، 17.
20- تقول جوزيفاس في (219# 15، 8 ،4 Antiquites) أن النساء كنّ غير مؤهلات بسبب طبيعتهن الفكرية “الباطلة والمندفعة”. فيقال في 9-6، 1 mKet؛ سفر التثنية 190؛ 21a ,4, 6 ySot أن شهادة مائة امرأة لم تكن تساوي أكثر من شهادة رجل واحد. وكتاب تاليلان، Jewish Women in Greco-Roman Palestine:
An Inquiry into Image and Status (1995 Tubinge: Mohr)، 163-166 يلخص بحثها بخصوص هذا الأمر: “يمكننا أن نستنتج أن القانون المحدد الذي كان يعتبر النساء غير مؤهلات كشاهدات تمت صياغته كمبدأ halakhic عام، تماماً كما في الأمور الأخرى مثل العقوبات، إلا أن العديد من الاستثناءات نشأت من التقليد و الممارسة الفعلية.
فأثناء المحاكمات العادية في المحكمة، لم تكن تطلب شهادة النساء، وكانت في الحقيقة يتم تجنبها كلما أمكن لأنه “لم يكن هناك رجل يريد من زوجته أن تقلل من شأن نفسها في المحكمة” (bKet. 74b)، ولكن الشهادة التي لم يكن من الممكن الحصول عليها إلا بشهادة النساء، كان يتم قبلها على أية حال”. (نفس المرجع، 165).
21- تضع جماعة “الدارسين لشخصية يسوع” “Jesus Seminar” التصريحات الخاصة بمعمودية يسوع بأحرف حمراء في كتاب The Acts of Jesus.
22- كتاب فانك وهوفر وجماعة “الدارسين لشخصية يسوع”،The Five Gospels 5.
23- نفس المرجع.
24- لكن انظر كتاب بول بارنيت The Birth of Chrisitianity: The First Twenty Years (Grand Rapids: Eerdmans, 2005)، 57. فهو يشير إلى التداخلات بين شخصية بولس وشخصية يسوع.
25- كتاب ماكنايت ?Who Is Jisus 61.
26- كتاب جيمس دي جي دن Jesus Remembered (Grand Rapids: Eerdmans, 2003) ، 254.
الأسس العلمية لتحديد أقوال الرب يسوع في الكتاب المقدس – دفاعيات
القضية باختصار أنه في سفر التكوين نقرأ ” فَدَعَتِ اسْمَ الرَّبِّ الَّذِي تَكَلَّمَ مَعَهَا: «انْتَ ايلُ رُئِي». لانَّهَا قَالَتْ: «اهَهُنَا ايْضا رَايْتُ بَعْدَ رُؤْيَةٍ؟» (تكوين 16: 13)، الجزء الاخير من النص القائل “أههنا ايضا رأيت بعد رؤية؟” هو تعبير يراه البعض غامضًا وصعب، لذلك لجأت بعد الترجمات لإعادة تفسيره بإدخال كلمات ليست في أصل النص الماسوري العبري (النص التقليدي) لمحاولة إسترجاع المعنى الأصلي أو لشرح النص الصعب ليسهل فهمه.
في علم “النقد النصي” توجد قاعدة هامة تسمى “التخمين الحدسي”، وهي عبارة عن محاولة تخمين كلمات ليست في أصل النص، وإفتراض أنها كانت موجودة قبلاً بحيث أن عدم وجودها الآن هو سبب هذا الغموض، فيقوم المترجم أو الناقد النصي بإضافتها ليسهل فهم النص الآن، وهذه الكلمات لا يجدها المترجم أو الناقد في أي مخطوط قديم فيلجأ لإفتراضها ووضعها في النص[1].
ماذا قالت اللجنة المسؤولة عن إستعادة النص الأصلي للعهد القديم؟ يذكر Wolters أن هدف اللجنة هو إستعادة المرحلة الثانية للنص أي النص ما قبل الماسوري، بإتقان كبير ناقش Barthélemy المئات من التنقيحات للنص الماسوري والمقبولة في التفاسير والترجمات الحديثة ووجد أن معظم التنقيحات منقوصة. في الجزء الثاني، من أصل 800 تنقيح تم فحصهم فقط 78 وجدوا أنهم محتملين، ومعظمهم لا يؤثرون في المعنى[2].
وهذا رأي اللجنة أن معظم التنقيحات اللي قُبلت في الترجمات والتفاسير الحديثة معيوب وعدد محدود منهم يمكن أن يكون محتملاً أي معقولية، ومعظم هذه الحالات لا تؤثر في المعنى. فليس معنى أن هناك ترجمات أدخلت تنقيح على النص العبري لصعوبته في المعنى أننا نقبل التنقيح الحدسي بلا جدال.
وسنرى في هذا الموضوع أن النص لا يحتاج اصلاً إلى تنقيح بل يحتاج إلى إعادة تفسير لمفهوم النص.
يرى العالمان Booij وKoenen أن التنقيح غير ضروري واقترحا ترجمة تجعل الجزء الاخير مُرضي للرواية. التنقيح المقبول بشكل عامل “هل رأيتُ الله ولا أزال أراه؟!” يعبر عن الدهشة. ترجمة Booij لا تُعّبِر فقط عن الدهشة ولكن أيضًا عن عناية الله لهاجر حتى في أكثر المواقف البغيضة[3].
بمعنى أن هناك من قَدَّم ترجمة أخرى للنص جعلته مفهومًا دون إضافة كلمات، أي دون حاجة للتنقيح الحدثي. فالنص المنقح في ترجمات حديثة يقول إن هاجر تتعجب كيف رأت الله وتعيش؟ ولكن ترجمة Booij لا تُقدم فقط تلك الدهشة ولكن تقدم أيضا إعتناء الله بهاجر. Booij أخذ السؤال في المقطع الثاني كبلاغ أو بيان فترجم النص: “بالحقيقة قد رأيت هذا الذي يراني”[4]. فالترجمة البديلة قدمت النص وكأن هاجر تندهش من عناية الله لها وأنها ترى هنا من يراها.
وذات الكلام نقرأه ان Booij دافع عن النص الماسوري وأخذ في الاعتبار المعاني المزدوجة الكامنة في اسم ايل رئي אֵ֣ל רֳאִ֑י فى العدد 13وفهم كلمة הֲלֹם hălōm بمعنى هنا اشارة للبرية ومعنى يرى بمعنى البحث عن فالمعنى الكلِّي: “هل ضائعة أن هنا (في البردية) أبحث عن من نظر لي” فعقد مقارنة بين الله “الرائي” وبين إهتمام الله لها “الله الذى يراني”[5]. فيمكن ترجمة النص حرفيا كما قال Koenen “هل انا بالفعل نظرت هنا لمن يراني؟”[6].
بالرغم من صعوبة النص الا انه يبدو واضح منه أن المعنى هو الدهشة بانها بقت على قيد الحياة بعد مقابلة الله وهذا المعنى يمكن ان يعبر عنه بأكثر من طريقة، فعلى سبيل المثال أن هاجر قالت لنفسها “انا رأيت الله ولم أمت ولا أزال هنا أتكلم عن هذا الحدث”[7].
فمع افتراض جدلي، أن النص هنا مُشكل فقد إقترح فولهوزن Wellhausen التنقيح: “هل رأيت الله ولا أزال أحيا بعد رؤيتي له؟” أي بإضافة كلمتي “الله” و”أحيا”. فهذا يعطي معنى جيد، ولكن التعديل مشكوك فيه بتعديل كلمة غير مألوفة [8]halôm.
فيمكن أن يكون التنقيح الذي قام به المفسرون من جانب المعنى أوضح لكنه تنقيح مشكوك في صحته ولا يعتمد على أساس نصي فلا حاجة لنا بتعديل النص العبري بإدخال أي تنقيح لان ما يعبر عنه النص المنقح هو ذاته الذي عبر عنه النص المستلم (الماسوري) [9].
فالتنقيح الحدسي أو محاولات بعض المعلقين أو الترجمات بإدخال ما ليس في الشواهد النصية لمحاولة إعادة الكلمات الأصلية لنص لا يبدو مفهوما أو صعبا لا يقوم على أساس نصي حقيقي بل هو تخميني واغلبية التخمينات الحدسية غير حقيقة ومعيوبة كما قالت اللجنة في فحصها لتلك الحالات.
لا حاجة لنا بتنقيح لأن فِهم النص الذي يبدو عثر الفهم يتطابق مع النص المنقح الذي ينقحه البعض، فما جدوى التنقيح إذن إذا كان سيؤدي لذات المفهوم؟ فكلا التعبيرين يعبران عن دهشة هاجر سواء بإدخال زيادة للنص او الحفاظ على القراءة التقليدية. وسأختم بما قالهRobert Hanhart عن طريقة لجنة HOTTP في أفضلية القراءة الاصعب (التي لا يفهمها البعض) عن اللجوء للتنقيحات حدثية، فيقول:
مع الاحترام للدليل الداخلي، اللجنة بينت إهتمام عظيم بالقاعدة القديمة “القراءة الاصعب هي أكثر إحتمالاً في أصوليتها من القراءة الاسهل” ولديها ايضا تقدير عالي للطرق النحوية للتحليل والتفسير المستخدمة بواسطة المفسرين اليهود والمسيحيين الاكثر قدما عن طريق التفسير الحديثة … التنقيح لابد وألا يكون نوعا من الكسل، ولكن في مرات نجد أنه من المنطقي أن نصنع تنقيح جزئ معين على ضوء الدليل المجمع من مقارنة مُعتنية بالأشكال التقليدية للنص[10].
الخلاصة: أي، في النهاية، ترى اللجنة أنه لا حاجة هنا لإستخدام أي تنقيح حدثي لا يقوم على أي أدلة وشواهد نصية تاريخية قديمة، لاسيما وأن النص الناتج عن التنقيح لا يقدم مفهوما غير موجود في النص قبل التنقيح، فسواء قبلت أو لم تقبل التنقيح، ستخلص إلى نتيجة واحدة في فهمك للنص ألا وهي تعجب هاجر من أنها رأت الله ولم تمت وأنها تُقَدر الله الذي يراها، وترفض لجنة HOTTP التنقيح الحدثي الذي ينتج عن كسل في فهم النص، وهذا نتعرف عليه من أن العلماء، دون إستخدام أيّة تنقيحات، قد توصلوا لذات المعنى الذي توصل إليه أولئك الذين فضلوا تنقيح النص العبري.
[1]Wegner, P. D. (2006). A student’s guide to textual criticism of the Bible : Its history, methods & results (303). Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press.
[2]Wegner, P. D. (2006). A student’s guide to textual criticism of the Bible : Its history, methods & results (103). Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press.
[3]Wenham, G. J. (2002). Vol. 2: Word Biblical Commentary : Genesis 16-50. Word Biblical Commentary (11). Dallas: Word, Incorporated.
[4]Wenham, G. J. (2002). Vol. 2: Word Biblical Commentary : Genesis 16-50. Word Biblical Commentary (3). Dallas: Word, Incorporated.
[5]Mathews, K. A. (2007, c2005). Vol. 1B: Genesis 11:27-50:26 (electronic ed.). Logos Library System; The New American Commentary (191). Nashville: Broadman & Holman Publishers.
[6]Wenham, G. J. (2002). Vol. 2: Word Biblical Commentary : Genesis 16-50. Word Biblical Commentary (3). Dallas: Word, Incorporated.
[7]Reyburn, W. D., & Fry, E. M. (1997). A handbook on Genesis. UBS handbook series (360). New York: United Bible Societies.
[8]Ryle, H. E. (1921). The Book of Genesis with Introduction and Notes (195). Cambridge: Cambridge University Press.
[9]Kidner, D. (1967). Vol. 1: Genesis: An Introduction and Commentary. Originally published: London : Tyndale P., 1967. Tyndale Old Testament Commentaries (138). Downers Grove, IL: InterVarsity Press.
[10]Scanlin, H. P. (1993). The Dead Sea scrolls and modern translations of the Old Testament. Wheaton, Ill.: Tyndale House Publishers.
تكوين 13:16 والتخمين الحدسي – هل رأيت الذي يراني ولم أمت؟ دراسة نصية
التوراة السامرية ، ما هيّ؟ وما قيمة نصّها مقارنة بالنص الماسوري؟ – اليس بروتزمان
التوراة السامرية ، ما هيّ؟ وما قيمة نصّها مقارنة بالنص الماسوري؟ – اليس بروتزمان
التوراة السامرية ، ما هيّ؟ وما قيمة نصّها مقارنة بالنص الماسوري؟ – اليس بروتزمان
تحتوي التوراة السامرية على الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم، وهيّ النسخة المُعتمدة عند طائفة السامريين، السامريون هم أجناس مختلطة من المسبيين في حروب الامبراطورية الآشورية ويرجع أصلهم إلى المملكة الشمالية التي دمرها الاشوريون، آمن السامريون بالأسفار الخمسة الأولى فقط ورفضوا بقية الأسفار التي تم تدوينها لاحقًا (1)
كتب التوراة السامرية بحروف فينيقة – العبرية القديمة (2) التي كانت معتمدَة في الكتابة عند اليهود قبل السبي البابلي، المخطوطات القديمة من التوراة السامرية غير مشاكله، لكن المخطوطات التي تعود الى بدايات القرن الثاني عشر تم تشكيلها بأسلوب قريب جدًا من أسلوب الحركات (التشكيل) اليهودي (3).
اشتهرت التوراة السامرية لأول مرة في الغرب في عام 1616 بعدما وجد Pietro della Valle نسخة منها في دمشق، في سنة 1631 ادعى John Morinus بأن نص التوراة السامرية أفضل من النص الماسوري (التقليدي)، ولاحقًا تم نشر نص المخطوطة المكتشفة في دوريات علمية في باريس ولندن (4).
في سنة 1815 نشر Wilhelm Gesenius دراسة كلاسيكية عن تاريخ ونوعية النص الذي تمثله التوراة السامرية، وتوصل في بحثه الى أن نص هذه التوراة غير مهم ولا يُعتمد عليه في إسترجاع النص الاصلي للعهد القديم، ظل الجميع الدارسين مقتنعين بكلامه طيلة القرن التاسع عشر (5).
في سنة 1915 نشر Paul Kahle دراسة جديدة عن التوراة السامرية وكان تقييمه لها أفضل تقييم من الدارسين الذين سبقوه، وقال بأنَّ لها أهمية في النقد النصي للعهد القديم خاصَةً لتوافق بعض القراءات الموجودة فيها مع قراءات السبعينية وبعض النصوص الموجودة في العهد الجديد (6).
بعد اكتشاف مخطوطات البحر الميت (مخطوطات قمران) ظهر للجميع الأهمية التي يُمثلها نص التوراة السامرية، فبعض القصاصات التي اكتشفت في قمران فيها اقتباسات قريبة جداً من نص التوراة السامرية، وبإمكان الجميع مطالعة ودراسة نص التوراة السامرية والذي تم نشره في الكثير من الدوريات المتخصصة.
تم كتابة بعض النسخ من التوراة السامرية بالحروف العبرية، ثم لاحقًا تم ترجمتها الى اليونانية والآرامية والعربية، قد تم ذكر النص اليوناني للتوراة السامرية من قبل العلامة اوريجانوس في عمله الضخم السداسية (هيكسابالا)، بخصوص الترجمة الآرامية، فمن المستحيل استعمالها لأنها مترجمة الى لهجة آرامية محلية بالإضافة الى جهل الناسخ باللغة الآرامية.
في القرن الحادي عشر، استعمل السامريين الترجمة العربية للتوراة التي كتبها الرابي سعديا الفيومي وقاموا لاحقا بتعديل هذه الترجمة للتتوافق مع نص نسختهم من التوراة، في منتصف القرن الثالث عشر قام شخص سامري اسمه ابو سعيد بترجمة التوراة السامرية الى العربية وبهذا اصبحت هذه الترجمة المعتمدة عندهم (7).
للتوراة السامرية بعض الأهمية في دراسة نص العهد الجديد نظراً لنوعية النص التي تحويه، فقد كان يظن أنها أفضل من النص الماسوري، إلا أن أغلب الدارسين اليوم لا يؤمنون بهذا الكلام لأربعة أسباب:
النص الموجود في التوراة السامرية هو نص متحرر عكس النص الماسوري الذي تم انتقاله بدقة.
يجب ان يتمم التدقيق في النص السامري جيدا نظرا لاحتوائه على اخطاء املائية ولغوية كثيرة ولاعتمادها في اماكن كثيرة على النص الماسوري.
التوراة السامرية تحوي الاسفار الخمسة الاولى فقط، وتعتبر هذه الاسفار اقل اهمية من الاسفار الاخرى في ابحاث النقد النصي لاختيار القراءة الصحيحة.
أقدم نسخة للتوراة السامرية تعود الى القرن العاشر الميلادي. (8)