لقب ابن الانسان هل يدل على ان المسيح انسان فقط؟ القمص عبد المسيح بسيط PDF

لقب ابن الانسان هل يدل على ان المسيح انسان فقط؟ القمص عبد المسيح بسيط PDF

لقب ابن الانسان هل يدل على ان المسيح انسان فقط؟ القمص عبد المسيح بسيط PDF

لقب ابن الانسان هل يدل على ان المسيح انسان فقط؟ القمص عبد المسيح بسيط PDF

تحميل الكتاب PDF

المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟ – إبن الله وإبن الإنسان

المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟ – إبن الله وإبن الإنسان

المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟ – إبن الله وإبن الإنسان

المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟

 

بعد أن تقابل يسوع مع يوحنا واعتمد منه، قضى معظم حياته كمعلم ديني. وكان من الطبيعي تماماً لمعلمي اليهود الدينيين، أو “الربيين” كما كانوا يسمونهم، أن يعيشوا حياة الترحال، حيث يتجولون بين مكان وآخر، وفي غالبية الأحيان يصحبون معهم تلاميذهم. ومن الواضح أن يسوع اتبع هذا النهج.

فقد كان له تلاميذه[1]، وكثيراً ما كان يخاطب بلقب “معلم”. ومثل غيره من المعلمين اليهود كان ينجز معظم عمله في المجمع، وهو المكان الذي كان اليهود يجتمعون فيه للعبادة كل يوم سبت. وكان أيضاً يتحدث إلى الناس أينما قابلهم. وقد دعا أول تلاميذه من قوارب صيدهم، وكثيراً ما كان يعلم في الخلاء حيث كانت الجماهير العريضة تستطيع أن تلتف حوله[2].

وتعليم يسوع هو الذي أسر في الواقع قلوب الشعب. لأنهم فيما كانوا يسمعونه، أدركوا أنهم ليسوا أمام معلم عادي. فلم يكن مجرد تلميذ لمعلم آخر، يقول للشعب ما سبق أن سمعه من آخرين. بل كان يتحدث عن أمور جديدة تماماً عن الرجال والنساء وعلاقتهم بالله. وكان يقول ذلك بطريقة لم يكن معها مفر بالنسبة لأي واحد من أن يتخذ قراره بشأنه.

وكان لا بد لمن يستمع إليه من أن يقبل حكم الكثيرين من الناس العاديين بأنه “كان يعلمهم كمن له سلطان”[3]، أو يقبل رأي الفريسيين بأنه كان مدعياً دينياً من أسوأ النوعيات.

والتعليم الذي تسبب في هذا الانقسام الحاد بينه وبين سامعيه، كان بخصوص موضوعين. فمن ناحية قال يسوع أشياء عظيمة وجسورة عن شخصه وأهميته. وكان يعتقد بكل وضوح أنه هو نفسه المخلص الموعود الذي كان اليهود ينتظرون أن يرسل لهم من قبل الله. فهو وحده المسيا الذي يستطيع أن يقيم المجتمع الجديد. ومن ناحية أخرى، فإلى جانب ما قاله يسوع عن مصيره وأهميته، نجد الأقوال التي تحدث بها عن الطبيعة الحقة للمجتمع الجديد ومعناه، ذلك المجتمع الذي اعتقد يسوع أنه جاء ليبدأه.

ولسوق نستعرض بعض أقوال يسوع عن المجتمع الجديد في الباب الثاني. ومن المهم أولاً وقبل كل شيء أن نتأمل فيما قاله يسوع عن نفسه. ذلك أن أفكاره عن مجتمع الله الجديد، ومكانه في حياة البشر لن تكون ذات معنى ما لم نفهم ما قاله يسوع عن أهميته الشخصية في خطة الله.

ابن الإنسان:

إلى هنا، رأينا كيف أن الشعب اليهودي كان يتطلع إلى الله لكي يرسل لهم المخلص الموعود، المسيا، الذي يبدأ المجتمع الجديد. ومن الطبيعي أن تعبير “المخلص الموعد به من الله” لم يستخدم في الأناجيل: ولقد استخدمته هنا لمحاولة أن أوصل للقارئ بلغة الحياة اليومية العادية شيئاً عن مفهوم الشعب اليهودي لكلمة المسيح (المسيا).

غير أنه مما يدعو للدهشة أن تطلع على الأناجيل وترى كيف أنه في مرات قليلة استخدمت فيها كلمة “المسيا” (أو ترجمتها اليونانية “المسيح”) لوصف يسوع. ولنأخذ على سبيل المثال إنجيل مرقص. وربما كان هذا أول ما كتب من الأناجيل، ولقد استخدمت فيه كلمة “المسيا” (المسيح) سبع مرات فقط. منها مرة في عنوان الإنجيل، ومن بين المرات الست الأخرى[4]، ثلاث مرات فقط يمكن أن تؤخذ على أنها تشير إلى يسوع على أنه المسيا أو المسيح.

وفي مرة واحدة فقط قال يسوع عن نفسه بصفة مباشرة إنه المسيح. وما يلفت النظر أيضاً أنه في الفقرة الوحيدة التي قال فيها يسوع عن نفسه صراحة إنه المسيح[5]، إذا به في الحال يستطرد ليتكلم عن شخص مختلف، ويعرف المسيح على أنه شخص يسميه “ابن الإنسان”[6].

إذاً، من هو ابن الإنسان؟ من غير الممكن أن تتأمل أياً من القصص التي تتناول حياة يسوع دون أن تدرك أن لقب “ابن الإنسان” هذا يشكل مفهوماً في غاية الأهمية عن يسوع. والتعبير الحالي استخدم أربع عشرة مرة في إنجيل مرقص، أما في قصة متى الأكثر طولاً فقد ورد ما لا يقل عن إحدى وثلاثين مرة. والواقع أن “ابن الإنسان” هو التعبير الذي كثيراً ما استخدمه يسوع ليصف به نفسه وعمله. إذاً ما معنى هذا التعبير؟

قد يقول البعض إنه حين كان يسوع يتحدث عن نفسه على أنه “ابن الإنسان”، فإنه كان يريد ببساطة أن يؤكد على أن جانباً من طبيعته كان إنساناً عادياً، في حين أن جانباً منه يمكن أن يوصف بتعبير “ابن الله”. غير أن عبارة “ابن الأنسان” لا بد وأنها تعني أكثر من هذا. فعلى سبيل المثال، تحدث يسوع عن “ابن الإنسان آتياً في سحاب بقوة كثيرة ومجد” (مر 13: 62)، أو “جالساً عن يمين قوة الله” (لو 22: 69). ومثل هذه الأقوال لا يمكن أن يقصد به التأكيد على طبيعة يسوع كإنسان بالمقابلة مع أقواله بأن له أهمية خاصة في خطط الله.

معنى “ابن الإنسان”

المعنى الدقيق لعبارة “ابن الإنسان” كان من أكثر الموضوعات التي أثير حولها جدل عنيف في الدراسات الحديثة للعهد الجديد. وما سنذكره هنا هو ملخص مختصر جداً لما يقوله أحد الباحثين.

 وهناك نقطة اتفق عليها جميع المفسرين وهو أن أفضل سؤال مفيد في هذا الموضوع هو: ما الذي فهمه أولئك الناس الذين كانوا يعرفون يسوع بالفعل حين سمعوه يستخدم تعبير “ابن الإنسان”. وبالنظر إلى أن أول مستمعيه كانوا من اليهود، فإنه من الأفضل أن نبحث في الديانة اليهودية عن الجواب. ومن المفيد دائماً أن نرجع أولاً إلى العهد القديم. وهنا نجد أن تعبير “ابن الإنسان” قد استخدم بطريقتين.

في أغلب الأحيان، يأتي هذا التعبير للتمييز بين الله والإنسان. وفي هذا السياق، فإنه يؤكد عادة ضعف البشر وفقرهم بالمقابلة مع قدرة الله وقوته (عدد 23: 19؛ أيوب 25: 6، مز 8: 4؛ 146: 3؛ إشعياء 51: 12). وهناك نبي أو اثنان من أنبياء العهد القديم خاطبهما الله بعبارة “ابن الإنسان”، (أي يا ابن آدم) وكان هذا في معرض التأكيد على الفرق بينهما وبين سيدهما (حزقيال 2: 1؛ دانيال 8: 17).

ولكن التعبير استخدم بطريقة مختلفة تماماً في دانيال 7: 13-14. وكان أبعد ما يكون عن الإشارة إلى ضعف الإنسان بالمقابلة مع عظمة الله، مثل عبارة “ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة”، “وسلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض”.

وبمقدورنا أيضاً أن نطلع على بعض الأسفار الرؤوية التي ربما كانت سائدة في زمن يسوع. ففي “2أسدارس”، و”تشبيهات أخنوخ” يظهر “ابن الإنسان” ثانية كشخص خارق للطبيعة أرسله الله على اعتبار أنه قاض البشرية مستقبلاً (2أسدارس 13، 1أخنوخ 37-71). وليس بمقدورنا التأكد من أن أياً من هذين السفرين الرؤويين كان مكتوباً بالفعل أيام يسوع. ولكن من المؤكد أنهما يعكسان بالفعل أفكاراً كان يعتنقها كثيرون من معاصريه.

ونحن في نفس الوقت في حاجة إلى أن نتذكر أنه لم يكن كل اليهود مهتمين بمثل هذه الأفكار. بل وما كانوا جميعهم على معرفة جيدة بالعهد القديم بحيث يستطيعون أن يربطوا بصفة آلية بين هذه الأفكار واستخدام يسوع لهذا التعبير. والواقع أن بعض الباحثين الآراميين المتمكنين قالوا إن الكلمات التي استخدمها يسوع بالفعل ربما لم يكن لها أي معنى محدد على وجه الإطلاق.

ولذلك، فنحن لدينا ثلاث حقائق يجب تأملها قبل أن نقرر ما الذي قصده يسوع حين أطلق على نفسه لقب ابن الإنسان:

  • الكلمات الآرامية التي استخدمت بالفعل في عبارة “ابن الإنسان” ربما كانت لا تعني إلا القليل، وربما كانت عبارة مطولة تعني “إنسان”.
  • استخدم تعبير “ابن آدم” (ابن الإنسان) في العهد القديم لوصف البشر واختلافهم عن الله.
  • في سفر دانيال، وغيره من الأسفار الرؤوية اليهودية استخدم التعبير للإشارة إلى شخصية سامية تشارك الله في سلطانه.

ومن المحتمل جداً أن هذه الحقائق كلها، لها مغزاها. وإذا لم يكن لتعبير “ابن الإنسان” أي معنى واضح محدد في اللغة الآرامية التي كان يتكلم بها يسوع، فلربما رأى استخدامه بكل بساطة، لأن هذا يعطيه حرية استخدامه بحيث يعني تماماً ما قصده من استخدامه. ولو كان قد استخدم لقب “المسيح” لما سهل عليه أن يفسر بدقة دوره حسبما فهمه هو، بالنظر إلى أن الكثيرين كانت لديهم تصورات عديدة مسبقة بالنسبة لهذا الموضوع. وإذا استخدم يسوع التعبير الغامض “ابن الإنسان”، فقد استطاع بذلك تجنب هذه المشاكل.

وفي ذات الوقت، فإنه بالنسبة لمن لهم القدرة على فهم هذا التعبير، فإن خلفيته تقدم بعض الإشارات المهمة للأشياء التي أراد يسوع قولها عن نفسه. ذلك أنه أراد أن يثبت أنه كان إنساناً عادياً فيما يختص بالجانب الإنسان، وأنه أرسل بصفة خاصة من الله نفسه.

وكل من هاتين الفكرتين يمكن أن نجدهما في استخدام العهد القديم لعبارة “ابن الإنسان”.

ولقد استخدم يسوع هذا الاسم في الواقع بثلاث طرق مختلفة توضح هذا.

  • غالباً ما كان يستخدم تعبير “ابن الإنسان” عوض أن يستخدم ضمير المتكلم للمفرد “أنا”، وما ذلك بكل بساطة إلا كوسيلة لوصف وجوده كإنسان عادي. وفي النقاط التي نجد أن الأناجيل المختلفة قد جاءت بنفس الأقوال، نجد أن أحد الأناجيل كثيراً ما يستخدم عبارة “ابن الإنسان”، في حين يستخدم آخر الضمير “أنا”. قارن على سبيل المثال مرقص 10: 45؛ لوقا 22: 27؛ أو مرقص 8: 27؛ متى 16: 13، أو متى 19: 28؛ لوقا 22: 30.
  • في أحيان أخرى كان يسوع يستخدم لقب “ابن الإنسان” في الإشارة إلى مجيئه الثاني على السحاب وإلى ارتفاعه إلى يمين الله. وهذا نفس الاستخدام الذي نجده في دانيال 7، والكتابات الرؤوية اليهودية.
  • غير أنه يستعمل في الغالبية بطريقة جديدة ومختلفة، مع بعض الإشارات إلى الآلام والموت اللذين كان يسوع يتوقعهما كجزء من حياته. وفي تسع مرات من أربع عشرة مرة استخدم فيها تعبير “ابن الإنسان” في إنجيل مرقص، كان يسوع يشير به إلى موته الذي كان وشيكاً. (مرقص 8: 31؛ 9: 9؛ 14: 21؛ ومتى 26: 2). وعند هذه النقطة أعطى معنى جديداً تماماً لفكرة لم تكن تعرف إلا قليلاً قبل أيامه. وكان من سماته أن يتعين عليه أن يتحدث عن نفسه في معظم الأحيان كابن الإنسان المتألم.

حياة يسوع المسجلة في الأناجيل المتشابهة

ليس من الممكن عمل جدول كامل من الأحداث التي تخللت حياة يسوع، ولكن هذا الجدول يحتوي على أهم هذه الأحداث بحسب ورودها في الأناجيل:

 

متى

مرقص

لوقا

ميلاده وطفولته

     

سلسلة أنساب يسوع

1: 1-17

 

3: 23-28

الوعد بولادة يسوع من مريم

   

1: 26-38

ولادة يسوع

1: 18-25

 

2: 1-20

زوار من الشرق

2: 1-12

   

ختان يسوع

   

2: 21-40

هروب والدي يسوع إلى مصر

2: 13-23

   

يسوع في الثانية عشرة من عمره

   

2: 41-52

في الجليل وما حولها

     

معمودية يسوع

3: 13-17

1: 9-11

3: 21-22

التجربة

4: 1-11

1: 12-13

4: 1-13

أول كرازة في الجليل

4: 12-17

1: 14-15

4: 14-15

رفض يسوع من أهل الناصرة

   

4: 16-30

دعوة التلاميذ الأوائل

4: 18-22

1: 16-20

 

تعليم وشفاء في كفر ناحوم

 

1: 21-38

4: 31-43

صيد السمك الوفير

   

5: 1-11

الموعظة على الجبل

5: 1 – 7: 29

   

يسوع يشفي الأبرص

8: 1-4

1: 40-45

5: 12-16

شفاء المرضى وإسكات الريح

8: 5-34

   

شفاء المفلوج

9: 1-8

2: 1-12

5: 17-26

دعوة متى ليكون تلميذاً ليسوع

9: 9-13

2: 13-17

5: 27-32

نقاش حول الصوم

9: 14-17

2: 18-22

5: 33-39

شفاء ابنه يايرس وامرأة عجوز

9: 18-26

5: 21-42

8: 40-56

شفاء أعميين وآخر مجنون

9: 27-34

   

إرسالية الاثني عشر

9: 35-10: 42

6: 6-13

9: 1-6

يسوع يتحدث عن يوحنا المعمدان

11: 1-19

 

7: 18-35

تعليم عن السبت

12: 1-14

   

الموعظة في السهل

   

6: 20-49

شفاء عبد وإعادة ابن إلى الحياة

   

7: 1-17

المرأة التي خدمت يسوع

   

7: 36-8: 3

مناقشة يسوع مع القادة الدينين

12: 22-50

3: 20-35

 

أمثال الملكوت

13: 1-58

4: 1-41

8: 4-25

مجنون كورة الجدريين

 

5: 1029

8: 26-39

معجزة إطعام 5000 شخص

14: 13-21

6: 30-44

9: 10-17

يسوع يمشي على الماء

14: 22-33

6: 45-52

 

تعليم بخصوص التقاليد الدينية

15: 1-20

7: 1-23

 

يسوع يشفي مرضى كثيرين

15: 21-31

7: 24-37

 

يسوع يشبع 4000 شخص

15: 32-16: 12

8: 1-21

 

تنبأ يسوع بموته

16: 13-28

8: 27-37

9: 18-27

التجلي

17: 1-27

9: 2-32

9: 28-45

إرسالية السبعين

   

10: 1-24

المحبة والصلاة ومحبة المال

   

10: 25-12: 59

شفاء وأمثال

   

13: 1-30

يسوع يغادر الجليل

   

13: 31-35

بعض الأمثال الشهيرة

   

14: 15-16: 31

شفاء البرص

   

17: 11-19

يسوع يتوجه إلى أورشليم

     

يسوع يتنبأ ثانية عن موته

20: 17-19

10: 32-24

18: 31-34

ابنا زبدى يطلبان ميزة

20: 20-28

10: 35-45

 

شفاء بارتيماوس الأعمى

20: 29-34

10: 46-52

18: 35-43

زكا يقابل يسوع

   

19: 1-10

يسوع يدخل أورشليم كملك

21: 1-9

11: 1-10

19: 28-44

يطرد التجار من الهيكل

21: 10-22

11: 11-26

19: 45-48

أمثلة أخرى

21: 28-22: 14

   

اتهام الفريسيين

23: 1-36

12: 37-40

20: 45-47

يسوع يتنبأ بخراب الهيكل

24: 1-3

13: 1-4

21: 5-7

يسوع يتحدث عن الرؤويات

24: 4-36

13: 5-37

21: 8-36

موت يسوع وقيامته

     

التآمر على يسوع

26: 1-5

14: 1-2

22: 1-2

يهوذا يخون يسوع

26: 14-16

14: 10-11

22: 3-6

التلاميذ يعدون الفصح

26: 17-19

14: 12-16

22: 7-13

العشاء الأخير

26: 20-29

14: 17-25

22: 15-38

القبض على يسوع

26: 30-56

14: 26-52

22: 39-53

محاكمة يسوع

26: 57-27: 26

14: 53-15:15

22: 54-23: 25

صلب يسوع

27: 27-44

15: 16-32

23: 26-43

موته

27: 45-56

15: 33-41

23: 44-49

دفنه

27: 57-66

15: 42-47

23: 50-56

القبر الفارغ

28: 1-10

16: 1-8

24: 1-12

يسوع يظهر لأتباعه بعد القيامة

28: 11-20

 

24: 13-53

 

المسيا

لسنا في حاجة لإضاعة كثير من الوقت في التفكير فيما قاله يسوع عن نفسه من أنه هو المسيح. وهذا لم يكن لقباً اتخذه يسوع لنفسه، وفي إنجيل مرقص[7]، وهو أول الأناجيل من ناحية الكتابة، لا نجد إلا مثالاً واحداً قال يسوع فيه إنه المسيح. ومع ذلك فتوجد أربع مناسبات هامة جداً قال أناس آخرون فيها عن يسوع أنه المسيح، ويبدو أنه قبل هذا اللقب.

  • حين أدرك بطرس أخيراً حقيقة ما قاله يسوع عن نفسه وقال له: “أنت المسيح”، أجاب يسوع بأن بطرس قد طُوب إذ حصل على هذا الإعلان الخاص[8].
  • ومناسبة أخرى كانت أثناء محاكمته أمام السلطات اليهودية حيث اعترف يسوع أمام رئيس الكهنة أنه هو المسيح[9].
  • هناك أيضاً القصة التي تتحدث عن كيفية شفاء يسوع لرجل به روح نجس. فهو لم يسمح لهذا الرجل أن يخاطبه على اعتبار أنه “ابن الله العلي” فحسب بل قال له أيضاً: “اذهب إلى بيتك وإلى أهلك وأخبرهم كم صنع الرب بك”[10].
  • في مناسبة أخرى كان يسوع سائراً في الطريق على مقربة من أريحا حين صرخ أحد المتسولين، وكان أعمى اسمه بارتيماوس، وخاطب يسوع بقوله: “يا ابن داود”. وعلى الرغم من أن الواضح أن آخرين ممن كانوا واقفين هناك طلبوا منه أن يصمت، إلا أن يسوع لم يفعل هذا، ومن هنا يبدو أنه وافق أن يطلق عليه هذا اللقب[11].

ويتضح من هذه الأمثلة الأربعة أنه لم يكن ليسوع نفس الموقف بالنسبة للقول بأنه المسيح “ابن داود” في كل مناسبة، وحين جاء الوقت الذي وقف فيه أمام رئيس الكهنة، كان من الواضح أنه سيدان بأي طريقة، وعلى ذلك لم يكن هناك ما يمنعه من الاعتراف بأنه المسيح. على الرغم من أنه حتى في هذا الموقف أخذ يعيد تحديد مفهوم “المسيح” في إطار لقبه المفضل “ابن الإنسان”. لكنه في مرحلة سابقة، حين اعترف بطرس أنه هو المسيح، طلب يسوع منه ومن التلاميذ الآخرين ألا يخبروا أحداً عن ذلك، بل عليهم أن يحتفظوا بالأمر سراً.

أما في المناسبتين الأخريين فيبدو أنه قبل لقب “المسياني” من أناس آخرين دون أن يعلق على ذلك بشيء. وفي حالة الرجل الذي كان به روح نجس طلب منه أن يشارك اختباره مع أصحابه وأهله. ومن الواضح أن موقف يسوع من ناحية السماح للناس أن يعرفوا أنه المسيح كان يختلف طبقاً للظروف، وكان الأمر يعتمد إلى حد ما على ما إذا كان يجب أن يخفى هذا الأمر أو يذاع. فما الذي نفهمه من كل هذا؟ يبدو أن هناك تفسيرين محتملين لهذا الموضوع:

لم يقل يسوع إطلاقاً إنه المسيح. وأحد طرق حل هذه المشكلة هو أن نقول بأن يسوع في الواقع لم يدع إطلاقاً أنه المسيح، وأن مرقص وكتبة الأناجيل الآخرين كتبوا قصصهم عن حياة يسوع وتعاليمه وذهنهم مشغول بالأكثر بما يؤمنون به عن يسوع وليس ما يدعيه هو عن نفسه. وكانوا يؤمنون بأنه المسيح، لأنهم كانوا على قيد الحياة بعد القيامة. ومن هذا المنظور الجديد أدركوا أنه من المناسب بالأكثر أخذ يسوع على أنه الشخص الذي حقق مواعيد الله المذكورة في العهد القديم.

ومع ذلك، فإنه حين جاء الوقت ليكتبوا الأناجيل أرادوا أن يوضحوا بكل جلاء أن يسوع هو في الواقع المسيح الموعود. ولذلك سدوا الثغرة بين معتقداتهم الخاصة، ولم يكونوا يعرفون أنه الحقيقة التاريخية، وذلك بأن ابتكروا فكرة “إبقاء مسيانية يسوع سراً”. وهذه عبارة صيغت لأول مرة بمعرفة أحد المفسرين الألمان وهو “ويلهلم ريد Wilhelm wrede”.

وذلك لتفسير السبب في أنه حين كان يجيء الحديث عن المسيح وهو يتكلم مع تلاميذه عن وضعه باعتباره المسيح، كان دائماً يطلب منهم إبقاء هذا الأمر سراً. وقد اعتقد “ريد Wrede” أن فكرة “السر المسياني” هذه كانت بجملتها من ابتكار مرقص كاتب أقدم إنجيل.

والصعوبة التي تكتنف هذا الاقتراح هي أنه على الرغم من أنه يتناغم مع جزء من الدليل، إلا أن هناك بعض المعلومات الأخرى التي لم تتفق معه. فعلى سبيل المثال هناك الأحداث التي تضمنت الرجل الذي كان به روح نجس في كورة الجدريين وبارتيماوس في أريحا. ثم أن هناك الحقيقة التي لا يمكن إنكارها وهي أن يسوع في واقع الأمر حكم عليه بالموت لأنه ادعى أنه “ملك اليهود” أي مسيحهم. ومن الصعوبة معرفة كيف ترك مرقص هذه القصص في إنجيله، وبهذه الصيغة إذا ما كان مصمماً على جعل فكرة “السر المسياني” مقنعة.

  • كان يسوع على قناعة بأنه المسيح، ولكنه لم يدع ذلك إطلاقاً. ويبدو أننا تركنا وعندنا الانطباع أن يسوع كان يعتقد أنه المسيح، غير أنه لم يقل ذلك صراحة. ولكن كيف لنا أن نفسر هذا الغموض؟

هناك ثلاثة أمور يمكن قولها في هذا الصدد:

أولاً: علينا أن نتذكر أن الأناجيل لم تكتب فقط لحفظ قصة حياة المسيح وتعليمه، بل لتكون سنداً بعد ذلك للمسيحيين في القرن الأول. والمسيحيون الذين قرأوا الأناجيل لأول مرة كانت لهم النظرة التي لدينا الآن. كانوا يعرفون قيامة المسيح ومجيء قوة الله في حياتهم. وعلى هذا الأساس، لم تكن أمامهم أية صعوبة في معرفة أن يسوع لا بد وأن يكون هو المسيح المخلص الموعود به من الله والذي أرسل ليبدأ المجتمع الجديد، فكيف تخامرهم أي شكوك وهو أنفسهم أعضاء في هذا المجتمع الجديد؟ وشيئاً فشيئاً بدأت كلمة “المسيا” أو “المسيح” تستعمل كاسم ثان ليسوع، ولا تزال تستعمل على هذا النحو حتى يومنا هذا.

وهذا يفسر لنا السبب في أن كلمة “المسيح” استعملت عدة مرات في إنجيل يوحنا، في حين أنها نادراً ما كانت تستعمل في الأناجيل الثلاثة الأخرى. وكان الاعتقاد بصفة عامة أن يوحنا كتب إنجيله في وقت متأخر عن الآخرين، وفي ذلك الحين أصبحت الكلمة تقريباً لقباً ليسوع.

ثانياً: الأناجيل نفسها أوضحت أنه كانت ليسوع ومعاصريه مقاصد متعارضة حين كانوا يتكلمون عن المسيح. فبالنسبة لليهود كان المسيا عندهم ملكاً من الناحية السياسية. أما بالنسبة ليسوع فالمسيا معناه عند متواضع مطيع لمشيئة الله. ولو كان يسوع قد تحدث عن نفسه صراحة بأنه المسيح لكان بذلك قد أخفى المعنى الحقيقي لمجيئه، ولتسبب ذلك في مواجهة قبل أوانها مع السلطات الرومانية.

فحتى التلاميذ، بما فيهم بطرس الذي أعلن أن يسوع هو المسيح، لم يعرفوا على وجه الدقة من هو يسوع إلا بعد القيامة. فعلى الرغم من علاقتهم الوثيقة بيسوع فقد أظهروا جهلهم بمقاصده في أكثر من مناسبة. ويمكن أن نكون متأكدين من أن هذه صورة تاريخية حقيقية، لأنه حين كتبت الأناجيل كان التلاميذ أبطال الكنيسة، وما من أحد كان له أن يكتب قصصاً تصورهم بمظهر سيء.

ثالثاً: يبدو من المؤكد أن موقف يسوع كان يختلف بالفعل، وأن حياته كلها وعمله كان مزيجاً من الإعلان والسرية، فقد تم تغطية هذا بالطريقة التي كان يحب أن يسمي نفسه “ابن الإنسان”، وهو لقب لم يكن له معنى واضح. وهو بالنسبة لأولئك الذين لم يكونوا مستعدين لأن يتأملوا هذا اللقب بعمق، كان اسماً بمقدوره أن يربكهم ويخفى ادعاءات المسيح لا أن يظهرها[12]. وفي نفس الوقت، فإن أحداثاً كثيرة في حياة يسوع بما فيها المعجزات[13]، بل وأيضاً مناسبات مثل عماده، والتجربة في البرية، ودخوله أورشليم سوف تفقد معناها لو لم يقل يسوع إنه المسيح[14]. فكثير من الأمور التي عملها وقالها كانت هي الأمور التي كان من المتوقع أن يعملها ويقولها المسيح حين يأتي.

وأفضل نتيجة نستخلصها من ذلك هي أن يسوع لم يستخدم كلمة المسيح عند الإشارة إلى نفسه لأنه كان يعرف أنها ستوحي لمستمعيه بملك أرضي ودولة سياسية جديدة. ومن المؤكد أنه لم يكن لدى المسيح أية نية لأن يكون “مسيحاً” من هذه النوعية. فلقد سبق ورفض هذه الفكرة بكل حسم حين جرب من إبليس. ولذلك صاغ خدمته كلها في قالب يخفي حقيقة أنه المسيح عن أولئك الذي لا يرغبون في فهم معنى هذه الكلمة بنفس مفهومه هو، ولكنها تكشف عن هويته الحقيقية لأولئك الذين يريدون بالفعل أن يعرفوا.

ابن الله

إيمان الكنيسة المسيحية منذ نشأتها هو الإقرار بأن يسوع هو “ابن الله”. وهذا تعبير مألوف لشعب يسوع في أيامنا هذه، والشعوب الناطقة باليونانية كثيراً ما يستخدمون هذه العبارة للإشارة بها إلى شخصية إنسان نبيل يوصف بالبطولة، وحين قال قائد المئة الروماني عند الصليب “حقاً كان هذا ابن الله”[15]. فلربما كان كل ما يعنيه بهذا هو أن يسوع كان رجلاً عظيماً حقاً، وقصة لوقا تشير إلى هذا بكل وضوح، حيث أن قائد المئة قال “بالحقيقة كان هذا الإنسان باراً”[16].

وعلى مثال تعبيري “ابن الإنسان” و”المسيح” استخدم أيضاً تعبير “ابن الله” في العهد القديم[17]، فأمة إسرائيل كثيراً ما كان يشار إليها بعبارة “ابن الله”. وملوك إسرائيل ولا سيما أولئك الذين كانوا من نسل داود كانوا أيضاً يحملون هذا اللقب. وثمة مزامير كثيرة تشير إلى الملك على أنه “ابن الله” على الرغم من أنه سرعان ما نظر اليهود إلى هذه الفقرات باعتبارها تشير إلى المسيح الآتي.

إلا انه ليس من شك أن عبارة “ابن الله” في الأناجيل قد استعملت للإشارة إلى أن يسوع يقول إنه في علاقة خاصة مع الله نفسه. وكان يسوع مدركاً تماماً بعلاقته الروحية الوثيقة بالله باعتبار أنه أبوه. بل إنه وهو في مقتبل عمره، حين كان في الثانية عشرة[18]، كان يعتبر هيكل أورشليم بين أبيه “فيما لأبي”[19]. وفي قصة مستأجري الكرم الأشرار أوضح بجلاء أنه نفسه ابن المالك الذي أرسله ليضع الأمور في نصابها.

والادعاءات التي لُمّح إليها في هذه القصص وضحها يسوع بشكل تام. لتأخذ على سبيل المثال هذا القول الذي سجله كل من متى ولوقا “كل شيء قد دفع إلي من أبي. وليس أحد يعرف الابن إلا الآب. ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له”[20]. ومن الواضح أن يسوع كان يشير هنا إلى علاقة فريدة مع الله، وأنه فعل ذلك دون أن يترك أي فرصة ولو ضئيلة لسوء الفهم.

ومن المؤكد أنه لا يوجد مجال للقول – كما يفعل كثيرون من غير المسيحيين – أن يسوع كان رجلاً صالحاً، ادعى في الواقع أنه ذو طبيعة أسمى من طبيعة البشر. وإذا كان ما قاله يسوع عن نفسه ليس صحيحاً فإما أنه دجال شرير، وإما أنه أبله مخدوع – وليس هناك دليل في الأناجيل أو الآراء التاريخية العامة تتصوره على أي من هاتين الصورتين.

إذاً ما الذي كان يعنيه يسوع حين قال إنه “ابن الله” ومن الطبيعي أن هذا يوضح أهم الأسئلة التي فكر اللاهوتيون وتحدثوا عنها لعدة قرون. وعلى ذلك ليس هناك ما نستطيع قوله هنا مما يحتمل أن يكون الإجابة الشافية والحاسمة لهذا السؤال، غير أنه توجد على الأقل ثلاث حقائق جوهرية يجب مراعاتها إذا كنا نريد أن نفهم – وبوعي – ما كان يقوله يسوع والمسيحيون الأوائل حين استخدموا هذا التعبير:

علينا ألا ننسى إطلاقاً حين نصف يسوع بأنه “ابن الله” أننا نستخدم لغة تصويرية لوصف أمر هو في حقيقته فوق أي وصف. فقد كان يسوع يستخدم صيغة تشبيهية. وقد أخذ العلاقة البشرية بين الابن وأبيه وقال “علاقتي بالله تشبه هذه العلاقة”. ولا يجب أن نأخذ هذا التشبيه بمعناه الحرفي. بل وما كان يشير إلى أن كل ناحية من نواحي علاقتنا بآبائنا تماثل تماماً العلاقة بين يسوع والله. وليس كل واحد في علاقة سعيدة مع أبويه.

على الرغم من أن هناك كثيرين ممن يستطيعون القول بإخلاص “الذي يكرهني يكره أبي أيضاً”[21]، إلا أنه ما من إنسان بمقدوره أن يقول: “أنا والآب واحد”[22]. والواقع أن تعليم يسوع كله، ولا سيما في إنجيل يوحنا، يوضح أن هذه العلاقة بين الآب والابن هي علاقة فريدة، وكانت موجودة قبل أن يولد يسوع في بيت لحم بزمن طويل. فيسوع “كان في البدء عند الله”[23].

ومثل كل الألقاب التي استعرضناها هنا، فإن هذا اللقب أيضاً استخدم في العهد القديم. وتعبير “ابن … ” كان تعبيراً شائعاً في اللغة العبرية. فنجد في العهد القديم – على سبيل المثال – أن الإسرائيليين كانوا يدعون دائماً “بنو إسرائيل”[24]، على الرغم من أن الترجمات الحديثة تجاهلت هذا التعبير وكثيراً ما يطلق على الأشرار عبارة “بنو لئيم” أو “بني بليعال”[25]. وبالنسبة لعبارة “الجنس البشري” فإن اللغة العبرية تترجمها “بنو البشر”[26].

ولذلك فإننا إذا وصفنا أنفسنا بأننا “بنو بشر”، فمعنى هذا أننا نقول إننا نشارك كل الجنس البشري الذي كان قبلنا في نفس سماته وطبيعته. ولذلك فإنه عندما يقول العهد الجديد أن يسوع هو “ابن الله” فهو يقرر هنا أن يسوع يشارك في طبيعة وصفات الله نفسه. وكان يقول إنه حقاً وبالفعل له طبيعة إلهية. وهناك أناس، مثل شهود يهوه – على سبيل المثال – لم يستطيعوا أن يفهموا هذا، لأنهم نسوا أن يسوع كان يستخدم تشبيهاً حين وصف نفسه بأنه “ابن الله” ثم إنهم تجاهلوا أيضاً تعبير “ابن….” في اللغة التي كان يسوع يتكلم بها.

في الأصحاح الأول من إنجيل يوحنا، وفي سفر الرؤيا، تم التعبير عن هذه العلاقة بين يسوع والله بطريقة أخرى[27]. فهناك سُمي يسوع “الكلمة” أو كلمة الله (اللوغوس)[28]. وكلمة الله بالطبع هي الطريقة التي يتصل بها الله بنا، ولكن عندما يقول العهد الجديد عن يسوع إنه “الكلمة” فهو يقصد شيئاً أكثر من ذلك. لأن يوحنا يقول “وكان الكلمة الله”[29]. أي أن رسالة الله للبشرية لم تكن مكتوبة في كتاب فحسب، بل أظهرت في شكل الله نفسه كما قال أيضاً “والكلمة صار جسداً”[30] أي أن الله نفسه تجسد في “الكلمة” في يسوع.

وعلى هذا فإنه حين قال يسوع إنه “ابن الله”، وحين يصف كتبة العهد الجديد هذا بعبارة “كلمة الله” فجميعهم كانوا يقولون هذا لأنه في المسيح نستطيع بحق أن نعرف الله. ولقد قال يسوع نفسه “الذي رآني فقد رأى الآب”[31]. وكلنا لدينا أفكارنا عن الله. وهي أفكار تشكلت طبقاً لتحليلاتنا وأفكارنا المسبقة، ولكن إذا كان ما يقوله يسوع عن نفسه صحيحاً، يصبح بمقدورنا الآن أن نضع الصورة الصحيحة عن الله بدلاً من الصورة الخيالية التي اختلقناها عنه. وهذا هو السبب في أنه من المهم لنا جداً أن نعود إلى ما كان يسوع يقوله ويعلمه فعلاً، لأننا من خلال حياته وتعاليمه نستطيع حقاً أن نرى الله ونسمعه.

العبد

ولعلنا نكتشف شبه الله بشكل أوفى في هذا اللقب الأخير “العبد” الذي يبدو أن يسوع طبقه على نفسه وعلى عمله. حتى أننا لا نجد في أي موضع في الأناجيل أن يسوع استخدم لقب “عبد الله” في مجال الحديث عن نفسه. ومع ذلك فلقد سبق لنا أن رأينا أنه نتيجة أنه عاش ومات بالطريقة التي تم التنبؤ بها عن العبد المتألم في إشعياء[32]، فإن مفهومه عن معنى أن يكون المسيح كان مختلفاً للغاية عن نوعية المسيح الذي كان يتوقعه اليهود في أيامه. كذلك نجد إشارات عديدة لقناعة يسوع أنه سيكون من نصيبه أن يتألم وكما سبق ولاحظنا، فإن أبرز استخدامات تعبير “ابن الإنسان” كانت في إطار أقوال يسوع عن آلامه وموته.

ومنذ أن تعمد، وربما قبل ذلك، رأي يسوع أن مجرى حياته سيكون عبر الآلام[33]، والصوت الذي سمعه عند عماده، والذي يردد كلمات من إحدى الفقرات في سفر إشعياء عن العبد المتألم[34]، أوضح أمامه أن عمل حياته يتركز على التواضع وإنكار الذات، وهذه القناعة كانت تتردد بشكل قوي في تصرفه إزاء اختبار تجربته في البرية. وطبقاً لما جاء في إنجيل مرقص، فقد حذر يسوع تلاميذه في مرحلة مبكرة جداً من خدمته أنه قد اقترب اليوم الذي سوف يرفع هو “العريس”[35] فيه، عن أصحابه. وفور أن أعلن بطرس إيمانه أن يسوع هو المسيح، أخذ يسوع يكرر “أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً”[36]. وثمة غرض عظيم سوف ينجز من خلال خدمته وآلامه:

“لأن ابن الإنسان أيضاً لم يأت ليُخدم بل ليخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين”[37].

لقد صرفنا وقتاً كثيراً نتأمل فيه الألقاب المختلفة التي وصف بها يسوع نفسه. ومعظمها من الصعب فهمه على وجه التفصيل. غير أن لها كلها مضموناً واحداً واضحاً جداً. فلا ريب أن يسوع باستخدامه هذه الألقاب كان يشير إلى علاقته الفريدة بالله وإلى سلطانه الفريد، ونجد أن سلطانه هذا يتم التعبير عنه في قوله إن بمقدوره غفران خطايا الناس.

ولقد رأي علماء الدين اليهودي – وكانوا محقين في ذلك تماماً – أن يسوع يدعي بهذا أنه يمارس سلطاناً يختص به الله وحده. كما أنه طلب من تلاميذه ولاءً وإخلاصاً بشكل لا يمكن أن يكون لأي إنسان عادي الحق في ادعائه على الإطلاق. ولقد قال لكل من سيؤمنون به مستقبلاً: “ومن لا يحمل صليبه ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً”[38].

وقول المسيح إن له علاقة فريدة مع الله تم التعبير عنه في إنجيل يوحنا بالتساوي التام بين يسوع والله “أنا والآب واحد”[39] ونجد نفس هذه الأقوال في إنجيلي متى ولوقا[40].

وعلى الرغم من هذا فكثيراً ما يقول لنا المؤرخون غير الدينيين إن يسوع عاش كمعلم متجول، بل إنه لم يدع أنه نبي، وإن الكنيسة الأولى وبولس بصفة خاصة، هو الذي خلع الألوهية عليه. لكن ما قاله يسوع عن نفسه تم التعبير عنه في نفس المصادر الأولى التي سجلت عنه، وعلينا ألا ننسى أنه بمقارنة الأناجيل بالكتابات التاريخية الأخرى للعصر ذاته نجد أنها كتبت بعد الأحداث التي وصفوها بفترة قصيرة جداً.

وأكثر من ذلك فإن عمل الباحثين الذين فحصوا الطريقة التي تمت بها فعلاً كتابة الأناجيل ومهم “نقاد الصيغ” قد أوضحوا أنه لا توجد أية إشارة في أي موضع في العهد الجديد إلى وجود يسوع لم ينسب إلى نفسه قوى خارقة للطبيعة.

والواقع أنه يستحيل حقاً الفصل بين شخص يسوع كإنسان “يسوع التاريخي” وبين المسيح الرب المقام المساوي لله وذلك في الفكر اللاهوتي للكنيسة الأولى.

وإذا كانت ادعاءات يسوع زائفة، نكون والحالة هذه بصدد معلم يهودي تقي كما يحلو لبعض المؤرخين أن يتخيلوا أحياناً، أو نكون بصدد رجل مريض بالوهم، أو مخادع يعرف أنه كذلك. وفي كلتا الحالتين، لا يصنف يسوع إلا مع المسحاء الآخرين الذين كانوا يظهرون على فترات متقطعة في القرن الأول، والذين لم يعش تأثيرهم إلا لفترات وجيزة، والذين قد أصبحوا الآن تقريباً في عالم النسيان، غير أن يسوع لم ينس. وإذا كان تلاميذه قد ادعوا في وقت لاحق ادعاءات جديدة عن أهميته، فإن هذه الادعاءات راسخة تماماً في تعاليمه عن نفسه وعن مكانه في خطط الله.

 

[1] يوحنا 1: 38؛ 3: 2؛ 9: 12.

[2] مرقص 1: 16-21؛ لوقا 4: 16؛ 6: 6.

[3] متى 7: 29؛ مرقص 2: 7.

[4] مرقص 1: 1.

[5] مرقص 8: 29؛ 9: 41؛ 14: 61-62.

[6] مرقص 14: 62.

[7] مرقص 9: 41.

[8] متى 16: 16-17.

[9] مرقص 14: 61-62.

[10] مرقص 5: 1-20.

[11] مرقص 10: 46-52.

[12] مرقص 1: 9-11.

[13] لوقا 4: 1-13.

[14] مرقص 11: 1-11.

[15] متى 27: 54.

[16] لوقا 23: 47.

[17] هوشع 11: 1.

[18] لوقا 2: 49.

[19] مرقص 12: 1-11.

[20] متى 11: 27؛ لوقا 10: 22.

[21] يوحنا 15: 23.

[22] يوحنا 10: 30.

[23] يوحنا 1: 2.

[24] قضاة 1: 1.

[25] تثنية 13: 13.

[26] صموئيل الأول 2: 12.

[27] يوحنا 1: 1-18.

[28] رؤيا 19: 13.

[29] يو 1: 1.

[30] يو 1: 14.

[31] يوحنا 14: 9.

[32] إشعياء 52: 13؛ 53: 12.

[33] مرقص 1: 11.

[34] إشعياء 42: 1.

[35] مرقص 2: 20.

[36] مرقص 8: 31.

[37] مرقص 10: 45.

[38] لوقا 14: 27.

[39] يوحنا 10: 30.

[40] لوقا 10: 22.

المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟ – إبن الله وإبن الإنسان

يوميات إرهابي هارب 39 : ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، إبن الإنسان .. هل يدل هذا على لاهوت المسيح؟

يوميات إرهابي هارب 39 : ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، إبن الإنسان .. هل يدل هذا على لاهوت المسيح؟ 

يوميات إرهابي هارب 39 : ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، إبن الإنسان .. هل يدل هذا على لاهوت المسيح؟ 

 

فما من أحد يصعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء وهو ابن الإنسان. (يوحنا 3: 13 – اليسوعية)

 

قبل الرد على ما قاله ميمو، دعونا نعرف ما هي إعتراضات ميمو ومحاولاته لنقد شهادة النص كشاهد لألوهية الرب يسوع المسيح أولاً، ثم سنتبعها بالرد على هذه الإعتراضات تفصيلياً.

 

المحاولة الأولى: إبن الإنسان، هو الذي يأكل ويشرب ويتألم وقُتل، وعليه فلا يمكن أن تكون هذه صفات الإله، فمن المؤكد أنها صفات إنسان، وعليه يكون ميمو قد نقض إدعاء المسيحي بأن هذا النص إشارة للاهوت لأن ميمو أثبت صفات ناسوتية لإبن الإنسان!

المحاولة الثانية: النص يقول “صعد” و”نزل”، وهذه الصفات لا يمكن أن تُنسب للاهوت، بل للناسوت، وطالما لا يمكن نسبتها للّاهوت، فلا يجوز إستخدام هذا النص كشهادة للاهوت المسيح بل لناسوته! ومن هنا يكون ميمو قد نقض إدعاء المسيح بأن هذا النص إشارة للاهوت المسيح!

المحاولة الثالثة: هذا النص مكذوب، لأن النص يحصر الصعود والنزول في إبن الإنسان، بينما يوجد آخرين قد صعدوا إلى السماء ونزلوا منها، فيكون هذا النص يخبرنا بمعلومة خاطئة.

المحاولة الرابعة: هذا النص مخالف لإعتقاد المسيحيين في المسيح، لماذا؟ لأن المسيحيون يقولون أن يسوع قد وُلِدَ ثم مات وصعد، ثم سينزل في نهاية الأزمان مرة أخرى! بينما النص يقول “ليس احد صعد إلا الذي نزل” أي أنه يضع النزول أولاً ثم الصعود، وهذا مخالف للترتيب المعروف لدى المسيحيين، ومن ثَم، فهذا النص خاطيء ولا يصح للإستدلال به.

المحاولة الخامسة: إستشهد ميمو بالنص الوارد في سفر الأمثال (30: 4) الذي يقول “من الذي صعد إلى السماء ونزل ومن الذي جمع الريح في راحتيه؟ ومن الذي صر المياه في ثوب ومن الذي أقام جميع أقاصي الأرض؟ ما اسمه واسم ابنه إن علمت؟”، ويحاول ميمو أن يرد على إدعاء المسيحيين بأن هذا النص شاهد على النص محل البحث (يوحنا 3: 13)، ويطرح ميمو ثلاث إحتمالات، الأول: أن النص يتحدث عن المسيح، فيقول، من صعد إلى المساء ونزل؟ فيرد ميمو على لسان المسيحي ويقول: يسوع، ويكمل فيقول: من جمع الريح في حفنتيه؟ ويرد أيضاً: يسوع، ويكمل: من صرّ المياه في ثوب؟ ويرد: يسوع، ويكمل: من ثبت جميع اطراف الارض؟ ويرد: يسوع، ويكمل: ما إسمه؟، ويرد: يسوع، ويكمل: ما إسم إبنه؟ وهنا لا يستطيع ميمو الرد واصفاً حال المسيحي تجاهل هذا السؤال، فأن كانت الإجابة على كل ما فات هو: يسوع، فكيف للمسيحي أن يرد على سؤال يسأله عن إبن يسوع؟!!، ثم يضع ميمو فرضية أخرى، وهي أن يجيب على كل هذه الأسئلة بـ: الله، لكي يأتي في نهاية الأسئلة ويجيب على: ما إسم إبنه؟ فيقول: يسوع، لكنه يعترض على هذه الإجابة ويقول أن الله ليس من خواصه (كلاهوت) أن يصعد وينزل!، وبالتالي، فهذا الجواب مرفوض لدى ميمو لهذا السبب!، ثم يقرر أن يدمج الإجابتين، فيجيب على بعض الأسئلة بـ:الله، وبعضها الآخر بـ: يسوع! وبهذا يكون قد حل مشكلة الرد على هذه الأسئلة الموجودة في النص، ولكن سرعان ما يقول أن هذا مخالف للنص!، لماذا؟ لأن النص يتكلم عن شخص واحد، بدليل أنه يقول “ما إسمه؟” وليس “ما إسمهما؟”! وبهذا لا يكون أمام المسيحي، وفقاً لما يعقله ميمو، أي فرصة للرد على هذه الأسئلة الموجودة في النص! ويظل المسيحي حائرًا كما يصوره ميمو!

 

وبعد أن تعرفنا على إعتراضاته الخمس الرئيسية، دعونا نرد عليها تفصيلاً.

 

المحاولة الأولى: إبن الإنسان، هو الذي يأكل ويشرب ويتألم وقُتل، وعليه فلا يمكن أن تكون هذه صفات الإله، فمن المؤكد أنها صفات إنسان، وعليه يكون ميمو قد نقض إدعاء المسيحي بأن هذا النص إشارة للاهوت لأن ميمو أثبت صفات ناسوتية لإبن الإنسان!

 

أولاً: من الواضح أن محمود لديه مشكلة في التذكر، فهو ينسى كثيراً ما كان يهلل به ويكرره منذ قليل، فقد نسى ميمو فجأة أن للمسيح طبيعة واحدة من طبيعتين، ناسوت ولاهوت، وهاتين الطبيعتين متحدتين دون إنفصال أو إمتزاج أو إستحالة أحدهما إلى الطبيعة الأخرى، فللمسيح خواص الطبيعتين، فله أن يغفر ويقيم الموتى ويخلق .. إلخ، حسب طبيعته اللاهوتية المتحدة بالطبيعة الناسوتية، وله أن يجوع ويعطش ويبكي ويجوع ويحزن ويكتئب حسب طبيعته الناسوتية المتحدة بالطبيعة اللاهوتية، فهو قد حوى صفات الطبيعتان بدون أن تتداخل الطبيعتين أو تتحول إحداهما إلى الأخرى فيصبحا طبيعة وحيدة، إما لاهوتية أو ناسوتية.

ثانياً: قد أثبتنا سابقاً إستخدام الكتاب المقدس مصطلحات مثل “إبن الإنسان” و “إبن الله” بالتبادل في نقيض ما يمكن أن تشير إليه القراءة السطحية لهذين المصطلحين، بمعنى، أن مصطلح مثل “إبن الإنسان” كما يشير عندما يقرأه شخص مجرد قراءة سطحية فإنه سيفهم منه أن يشير إلى الطبيعة الناسوتية، بينما لو تفحصنا العهد الجديد سنجد أنه يستخدم هذا المصطلح مع صفات لاهوتية فيقول العهد الجديد أن “إبن الإنسان” له سلطان أن يغفر الخطايا (متى 9: 6)، وهو رب السبت (متى 12: 8)، وهو الذي يرسل الملائكة (متى 13: 41)، ويأتي في مجد أبيه ويجازي كل واحد حسبما يكون عمله (16: 27)، فعلى الرغم من أن لقب “إبن الإنسان” كما يظهر منه يشير إلى الطبيعة الإنسانية، إلا أنه إستخدم للأشارة لأمور لاهوتية كالدينونة وغفران الخطايا وإرسال الملائكة، وهذا كله كما قلنا سابقاً للتأكيد على إتحاد الطبيعتين في المسيح.

ثالثاً: ووفقاً لما جاء في أولاً وثانياً، فهذا الإعتراض ساذج وينم عن جهل لاهوتي كبير، ولا يصلح لأن يكون نقض لهذا النص كشاهد لألوهية المسيح، لأنه كما رأينا أن هناك نصوصاً كثيرة تتكلم عن شق لاهوتي للمسيح وفي ذات الوقت تضع لقب “إبن الإنسان”.

 

 

المحاولة الثانية: النص يقول “صعد” و”نزل”، وهذه الصفات لا يمكن أن تُنسب للاهوت، بل للناسوت، وطالما لا يمكن نسبتها للّاهوت، فلا يجوز إستخدام هذا النص كشهادة للاهوت المسيح بل لناسوته! ومن هنا يكون ميمو قد نقض إدعاء المسيح بأن هذا النص إشارة للاهوت المسيح!

 

أولاً: بالطبع اللاهوت لا يصعد ولا ينزل كتحرك مكانيكاً من مكان كان فيه لمكان لم يكن فيه، فلا وجود لمكان أو غير مكان يحد الله ألا يوجد فيه، لكن، هل مجرد ذكر تعبيرات مثل “يصعد” و”ينزل” تعني التحريك الميكانيكي؟ كان رد ميمو هنا أن تعبيرات مثل “يصعد” و”ينزل” تعني حتماً التحرك الميكانيكي وقد لجأ لقداسة البابا شنودة لنفي المعنى الذي وصل إليه ميمو وهو أن اللاهوت لا يتحرك من مكان لمكان، وعليه، إستخدم ميمو إقتباس البابا شنودة في نفي أن الكلام هنا عن اللاهوت، بل الناسوت!، وهنا حق أراد به ميمو باطل، فاللاهوت لا يمكن ان يتحرك من مكان إلى مكان آخر فعلاً، وهذا نتفق فيه جميعاً، لكن الباطل هو أن يعتبر ميمو تعبيرات مثل “يصعد” أو “ينزل” ليس لها تفسير أدبي معين بل تفسير ميكانيكي فقط! فهذا ما كان يرد عليه البابا شنودة ولم ينفِ شهادة النص لألوهية المسيح، حيث أنه قد إستشهد به غير مرة في كتابه “لاهوت المسيح”

ثانياً: هل جاء عن الرب في العهد القديم، بدون “الناسوت” الذي يتحجج به ميمو لرفض النص، أنه يصعد وينزل؟ لنقرأ:

Gen 11:5  فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو ادم يبنونهما.

Gen 11:7  هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض».

Exo 19:11  ويكونوا مستعدين لليوم الثالث. لانه في اليوم الثالث ينزل الرب امام عيون جميع الشعب على جبل سيناء.

Exo 19:20  ونزل الرب على جبل سيناء الى راس الجبل ودعا الله موسى الى راس الجبل. فصعد موسى.

Exo 34:5  فنزل الرب في السحاب فوقف عنده هناك ونادى باسم الرب.

Num 11:25  فنزل الرب في سحابة وتكلم معه وأخذ من الروح الذي عليه وجعل على السبعين رجلا الشيوخ. فلما حلت عليهم الروح تنبأوا ولكنهم لم يزيدوا.

 

وبالطبع، من ينزل، بمفهوم معين، سيصعد بذات المفهوم، فها هو العهد القديم يقول عن الرب، يهوه، صراحة أنه ينزل! وحسب معتقد المسلمين أن يهوه لم يتجسد ولا يتجسد ولا هو إنسان إلى آخر ما يقولوه دائماً، فما هو تفسير المسيحيون لهذه الألفاظ؟! في الحقيقة أن مصطلحات مثل “النزول” و”الصعود” عندما تُنسب لله، فمن الخطأ معاملتها بمفهومنا عنها في نسبتها للبشر، بمعنى أن المعنى الذي نفهمه منها عندما تُنسب لبشر، يختلف عن المعنى الذي يجب أن نفهمه منها عندما تُنسب للرب، فمصطلح النزول لا يعني دائماً التحرك من مكان إلى مكان آخر، بل يعني -في هذه الحالة- ظهور الرب أو حضوره بشكل ما في الحدث المشار إليه، فليس معنى أن الرب نزل لينظر المدينة أنه تحرك من مكان لمكان لينظرها، ولا يعني أنه نزل ليبلبل ألسنتهم أن تحرك من مكان إلى مكان آخر، وهكذا بقية النصوص، فالنزول هنا يعني الحلول في الحدث أو في القصة بحسب تعبيرات الإنسان التي سمح له الله أن يستخدمها لكي يعبر معصوماً عنه، ولربما أفضت أكثر لكن في موضع آخر حيث أن هذا ليس هو موضوع حديثنا.

بالعودة إلى موضوع حديثنا وهو “ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السما”، رأينا، أنه وبدون التجسد والناسوت وكل هذه الحجج الواهية التي حاول ميمو عن طريقها إبطال شهادة النص لألوهية المسيح، فإن الكتاب المقدس قد أثبتها للرب في العهد القديم الذي يقول ميمو عنه أنه لم ولن ولا يتجسد، فما هو مفهوم هذا النص إذن طالما الرب لم يتجسد في العهد القديم؟ وماذا يعني الصعود والنزول هنا في حق المسيح؟!! للأسف وكعادته لم يفهم ميمو مقصد كلام المسيح، فالرب يسوع عندما قال “ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء” كان يقصد نزوله بالتجسد، أي تجسده، وظهوره لنا، فليس المقصود أن المسيح تحرك من السماء وهبط إلى الأرض كما تهبط الطائرات! بل المقصود أن الذي هو في حضن الآب، الذي هو الإله الوحيد، ظهر لنا في ملء الزمان في صورة إنسان لكونه كائن في صورة الله، فالكتاب يقول عنه حرفياً [الكلمة كان عند الله] (يو 1: 1) ويقول [كان في البدء عند الله] (يو 1: 2) ويقول [الإنسان الثاني، الربُ من السماء] (1 كو 15: 47) ويقول [الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع] (يوحنا 3: 31) ويقول أيضاً [لأني قد نزلت من السماء] (يو 6: 42) ويقول [فإذا رأيتم إبن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولاً] (يوحنا 6: 62) ونصوص أخرى كثيرة، فالمسيح لا يتكلم هم هبوط كالطائرات من الأعلى للأسفل ميكانيكياً، بل يتكلم عن ظهوره كإله لنا في ملء الزمان، ويمكن أن نلخص النزول الذي يقصده المسيح بأنه “الكلمة صار جسدا وحل بيننا” (يوحنا 1: 14) وأيضاً [الإله الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر]، لكن كيف لمثل ميمو أن يعرف مثل هذا! أما عن الصعود، فالجسد قد صعد أمام أعينهم، لكن اللاهوت المتحد بهذا الجسد لا يصعد كما أسلفنا، لكن هذا ليس غاية مقصد المسيح بهذا اللفظ، فالمقصد هو أن المسيح جلس عن يميين الآب، أي أصبح في وضع عظيم بعدما أخلى نفسه وأخذ صورة عبد، ولهذا يقول الكتاب عنه [9 لذلك رفعه الله ايضا واعطاه اسما فوق كل اسم 10 لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الارض ومن تحت الأرض 11 ويعترف كل لسان ان يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب] (فيلبي 2) وأيضاً [3 الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الاشياء بكلمة قدرته بعدما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا جلس في يمين العظمة في الاعالي 4 صائرا اعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسما افضل منهم] (عبرانيين 1) وسيظل هكذا إلى أن يسلمنا لله الآب لأنه هو الذي ذُبح وإشترانا (رؤ 5: 9) وهذا هو دور المسيح كرئيس كهنة (عب 9: 10) الذي دخل مرة واحدة إلى الأقداس كذبيحة مقبولة أمام الآب وإفتدانا أبديا (عب 9: 12)، وهذا هو معنى خضوع الإبن للآب، فالخضوع ليس خضوع كرامة أو عظمة أو قدرة أو ذُل، بل خضوع وظيفي لأن المسيح هو الوسيط الوحيد المقبول بين الله الآب والبشر لكونه هو الحمل الذي بلا عيب أمام الآب والذي إشترانا له كوسيط عهد جديد أي كنائب عنا نحن لكونه فيه إتحدت الطبيعة البشرية واللاهوتية فيه، ففي المسيح إجتمعت الصفتان، فهو الكاهن والذبيح في آن.

ثالثاً: ماذا كان رأي الآباء الأوائل في هذا النص محل البحث؟

يقول القديس أمبروسيوس:

إذن، فعندما نقرأ أن رب المجد قد صُلِبَ، فعلينا ألاّ نفترض أنه قد صُلِبَ كما فى مجده[1]، ولكن لأن الذى هو الله هو أيضًا إنسان، إله بحسب لاهوته، وباتخاذه الجسد لنفسه هو: الإنسان يسوع المسيح؛ لذلك يُقال إن رب المجد قد صُلِبَ، لأنه بامتلاكه الطبيعتين البشرية والإلهية، فإنه احتمل الآلام فى بشريته، حتى يمكننا القول إن الذى تألم يُدعى رب المجد وابن الإنسان معًا فى نفس الوقت بغير تمييز بينهما، كما هو مكتوب: “الذى نزل من السماء” (يو13:3).[2]

 

يقول القديس أغسطينوس:

Some people, certainly, find very surprising what the Lord said in the Gospel, “Nobody has ascended into heaven, except the one who came down from heaven, the Son of man who is in heaven.” How, they ask, can the Son of man be said to have come down from heaven, when it was here that he was taken on in the Virgin’s womb? People who say this are not to be rejected but instructed. I think, you see, that they are raising this question out of piety but are not yet able to understand what they are inquiring about. They do not realize, I mean, that the divinity took on the humanity in such a way as to become one person, God and man; and that the humanity was attached to the divinity in such a way that Word, soul and flesh were the one Christ. And that is why it could be said, “No one has ascended into heaven, except the one who came down from heaven, the Son of man who is in heaven.”[3]

 

ويقول القديس هيلاري:

“Descended from heaven” refers to his origin from the Spirit. For though Mary contributed to his growth in the womb and birth all that is natural to her sex, his body did not owe to her its origin. The “Son of man” refers to the birth of the flesh conceived in the Virgin; “who is in heaven” implies the power of his eternal nature—an infinite nature, which could not restrict itself to the limits of the body—of which it was itself the source and base. By the virtue of the Spirit and the power of God the Word, though he sojourned in the form of a servant, he was ever present as Lord of all within and beyond the circle of heaven and earth. So he descended from heaven and is the Son of man, yet is in heaven. For the Word made flesh did not cease to be the Word. As the Word, he is in heaven, as flesh he is the Son of man. As Word made flesh, he is at once from heaven, and Son of man and in heaven. For the power of the Word, abiding eternally without body, was present still in the heaven he had left. The flesh owed its origin to him and to no one else. So the Word made flesh, though he was flesh, nonetheless never ceased to be the Word.[4]

ويقول أيضاً:

The Lord says, “What if you should behold the Son of man ascending to where he was before?”8 The Son of man ascends where he was before. Can sense apprehend this? The Son of man—who is in heaven—descends from heaven. Can reason cope with this? The Word was made flesh—can words express this? The Word becomes flesh, that is, God becomes man. The man is in heaven: the God is from heaven. He ascends who descended, but he descends and yet does not descend. He is as he ever was, yet he was not ever what he is. We pass in review of the causes, but we cannot explain the manner. We perceive the manner but cannot understand the causes. Yet, if we understand Christ Jesus even in this way, we shall know him. If we seek to understand him further, we shall not know him at all.[5]

 

المحاولة الثالثة: هذا النص مكذوب، لأن النص يحصر الصعود والنزول في إبن الإنسان، بينما يوجد آخرين قد صعدوا إلى السماء ونزلوا منها، فيكون هذا النص يخبرنا بمعلومة خاطئة.

 

أولاً: بالطبع هذه الفكرة مبنية أساساً على أن المسيح صعد ونزل بمفهوم ميمو، أي أنه صعد متحركاً هبوطاً وصعوداً ميكانيكياً، وقد تم الرد في عجالة على هذه الفكرة، وفكرته أيضا تنبني على أن المكان الذي صعد إليه المسيح صعد إليه آخرون، والذي نزل منه المسيح نزل منه آخرون، وهذا ما سنناقشه في التالي.

ثانياً: على فرض خطأ ما قلناه أعلاه بخصوص معنى الصعود والنزول، فيقول ميمو أن المسيح لم يتفرد بالنزول من السماء والصعود إليها، لأن هناك كثيرين صعدوا ونزلوا، ويضرب مثلا بإيليا وأخنوخ والشيطان، ولست هنا في معرض تحليل أمثلته بل تحليل فكرته العامة وبيان فسادها، فمن الذي أخبر ميمو أن حتى هؤلاء، صعدوا للسماء التي كان يقصدها المسيح؟! وهنا لنا حجتين أساسيتين:

الأولى: أن الكتاب المقدس يخبرنا بوجود أكثر من سماء، فيقول في سفر الملوك الأول (8: 27) [لانه هل يسكن الله حقا على الارض. هوذا السموات وسماء السموات لا تسعك فكم بالاقل هذا البيت الذي بنيت] فقد فرق الكتاب بين “السموات” وبين “سماء السماوات”؛ وفي رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس (12: 2) يقول [اعرف انسانا في المسيح قبل اربع عشرة سنة أفي الجسد لست اعلم ام خارج الجسد لست اعلم. الله يعلم. اختطف هذا الى السماء الثالثة] فهناك “السماء الثالثة” فإذن لكي ينقد ميمو هذه الفكرة عليه أن يثبت أن المسيح كان يقصد سماء محددة، وأن الآخرين صعدوا إلى ذات السماء، وهذا مما لا طاقة له به، فالمسيح له كل المجد، هو في حضن الآب (يوحنا 1: 18) وهو عند الله في البدء قبل كون العالم (يوحنا 1: 1)، فهل هؤلاء الذين تحاول بهم نقد الآية المقدسة، في حضن الآب قبل كون العالم!؟، إذا ما إعتبرنا النص الوارد في 1تي 6: 16 [الذي وحده له عدم الموت ساكنا في نور لا يدنى منه الذي لم يره احد من الناس ولا يقدر ان يراه الذي له الكرامة والقدرة الابدية. آمين] يتكلم عن الآب (لأنه لو إعتقد ميمو أنه يتكلم عن الإبن لكانت دورته كلها إنتهت لأنه يثبت ألوهية الإبن في هذه الحالة) فإن الآب، الذي في حضنه الله الإبن الوحيد (يوحنا 1: 18) لا يدنى منه، أي لا يُقترب إليه، وبالتالي فإيليا وأخنوخ والشيطان لم يقتربا منه، وعليه لا يكونا قد صعدا إلى سماءه أو نزلوا منها! وبالتالي تكون حجة ميمو قد تم الرد عليها.

الثانية: المسيح له كل المجد كان يكلم يهوداً (وهنا كان يكلم نقوديموس الذي وصفه المسيح بأنه رئيساً لليهود، وأنه معلم إسرائيل)، وقال لهم هذا الكلام، فمن المؤكد أنهم يعرفان ما حدث لإيليا وأخنوخ حيث أن هذا مذكور في كتابهم فضلا عن أنه كان في هذا التوقيت لغط حول إيليا كما يظهر هذا من حوارهم مع يوحنا وسؤالهم إياه، هذا فضلاً عن أننا وهم نرى جميعا كل يوم طيور في السماء تطير، وتصعد وتهبط، فمن غير المنطقي ولا المعقول أن يكون مقصد المسيح أنه لم يصعد أحد لهذه السماء التي هم يعرفون أن إيليا أُصعِد إليها فضلاً عن الطيور التي تصعد وتهبط كل يوم ويرونها بأعينهم! فلو كانوا قد فهمهوا هذا الفهم، لكانوا إعترضوا كما كانوا يعترضون دائماً عليه، هذا فضلا عن ألا يعترض عليه “معلم إسرائيل”، وعليه يكون قصد المسيح منطقياً ونصياً خلاف ما فهمه ميمو بعقله هذا.

 

المحاولة الرابعة: هذا النص مخالف لإعتقاد المسيحيين في المسيح، لماذا؟ لأن المسيحيون يقولون أن يسوع قد وُلِدَ ثم مات وصعد، ثم سينزل في نهاية الأزمان مرة أخرى! بينما النص يقول “ليس احد صعد إلا الذي نزل” أي أنه يضع النزول أولاً ثم الصعود، وهذا مخالف للترتيب المعروف لدى المسيحيين، ومن ثَم، فهذا النص خاطيء ولا يصح للإستدلال به.

 

بالطبع هذا الإعتراض مضحك، فالمسيحيون يقولون أن المسيح نزل إلينا (بالمعنى السابق شرحه، أي: تجسد) ثم صعد بعد قيامته، ثم سيأتي ليدين الأحياء والاموات في اليوم الذي رسمه لهذا! فعندما يقول المسيحيون أن المسيح قد “وُلِدَ” فهم بذلك قد عنوا أنه “نزل” أي تجسد! فأي دليل في هذا الإعتراض الساذج؟!، ولكن لأننا نتعامل مع أشخاص يريدون فقط النصوص فنضع لهم هذا النص:

Joh_6:62  فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولا!

فها هو الرب يسوع المسيح له كل المجد يقول بنفسه أنه سيصعد إلى حيث كان أولاً، وطالما أنه كان أولاً “صاعداً” إذن فيكون قد “نزل” ثم “صعد” بعد قيامته، ثم سينزل مرة أخرى، إذن فعندما يقول النص “ليس أحد صعد إلا الذي نزل” فهو يتحدث عن الصعود بعد الموت، الذي حدث بعد نزوله من المكان الذي كان فيه أولاً.

 

المحاولة الخامسة: إستشهد ميمو بالنص الوارد في سفر الأمثال (30: 4) الذي يقول “من الذي صعد إلى السماء ونزل ومن الذي جمع الريح في  راحتيه؟ ومن الذي صر المياه في ثوب ومن الذي أقام جميع أقاصي الأرض؟ ما اسمه واسم ابنه إن علمت؟”، ويحاول ميمو أن يرد على إدعاء المسيحيين بأن هذا النص شاهد على النص محل البحث (يوحنا 3: 13)، ويطرح ميمو ثلاث إحتمالات، الأول: أن النص يتحدث عن المسيح، فيقول، من صعد إلى المساء ونزل؟ فيرد ميمو على لسان المسيحي ويقول: يسوع، ويكمل فيقول: من جمع الريح في حفنتيه؟ ويرد أيضاً: يسوع، ويكمل: من صرّ المياه في ثوب؟ ويرد: يسوع، ويكمل: من ثبت جميع اطراف الارض؟ ويرد: يسوع، ويكمل: ما إسمه؟، ويرد: يسوع، ويكمل: ما إسم إبنه؟ وهنا لا يستطيع ميمو الرد واصفاً حال المسيحي تجاهل هذا السؤال، فأن كانت الإجابة على كل ما فات هو: يسوع، فكيف للمسيحي أن يرد على سؤال يسأله عن إبن يسوع؟!!، ثم يضع ميمو فرضية أخرى، وهي أن يجيب على كل هذه الأسئلة بـ: الله، لكي يأتي في نهاية الأسئلة ويجيب على: ما إسم إبنه؟ فيقول: يسوع، لكنه يعترض على هذه الإجابة ويقول أن الله ليس من خواصه (كلاهوت) أن يصعد وينزل!، وبالتالي، فهذا الجواب مرفوض لدى ميمو لهذا السبب!، ثم يقرر أن يدمج الإجابتين، فيجيب على بعض الأسئلة بـ:الله، وبعضها الآخر بـ: يسوع! وبهذا يكون قد حل مشكلة الرد على هذه الأسئلة الموجودة في النص، ولكن سرعان ما يقول أن هذا مخالف للنص!، لماذا؟ لأن النص يتكلم عن شخص واحد، بدليل أنه يقول “ما إسمه؟” وليس “ما إسمهما؟”! وبهذا لا يكون أمام المسيحي، وفقاً لما يعقله ميمو، أي فرصة للرد على هذه الأسئلة الموجودة في النص! ويظل المسيحي حائرًا كما يصوره ميمو!

ليس غرضنا هنا تفسير النص، لكن غرضي هنا إيضاح خطأ إستشهاد ميمو لكي يرد عليه كل من يعرض عليه حججه الساقطة، وعلى هذا، فسأرد بإستخدام الثلاث إجابات التي وضعها ميمو وحاول نقدها ليخرج لنا في الأخير وكان النص لن يعرف أحد الرد عليه من المسيحيين!

 

أولاً: لو قلنا أن الإجابة على كل الأسئلة هي “الإبن” إلا السؤال الأخير ” ومن الذي أقام جميع أقاصي الأرض؟” فسنقول “الآب” وعليه يكون الرد: ما إسمه؟ جـ: الآب، وما إسم إبنه؟ الإبن! فهل لدى ميمو مشكلة؟!

ثانياً: لو قلنا أن الإجابة على كل الأسئلة هي “الآب” فكان إعتراض ميمو أن الآب لا يصعد ولا ينزل لأنه لاهوت، واللاهوت لا يصعد وينزل، فنرد عليه ونقول: من قال لك أن “النزول” هنا يعني “التحرك” من مكان إلى مكان؟! كما قلنا سابقاً بالنصوص:

Gen 11:5 فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو ادم يبنونهما.

Gen 11:7 هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض».

Exo 19:11 ويكونوا مستعدين لليوم الثالث. لانه في اليوم الثالث ينزل الرب امام عيون جميع الشعب على جبل سيناء.

Exo 19:20 ونزل الرب على جبل سيناء الى راس الجبل ودعا الله موسى الى راس الجبل. فصعد موسى.

Exo 34:5 فنزل الرب في السحاب فوقف عنده هناك ونادى باسم الرب.

Num 11:25 فنزل الرب في سحابة وتكلم معه وأخذ من الروح الذي عليه وجعل على السبعين رجلا الشيوخ. فلما حلت عليهم الروح تنبأوا ولكنهم لم يزيدوا.

 

فحسب فكر ميمو أن العهد القديم لا يعلن عن الثالوث، ولا يعلن عن تجسد الرب الإله يهوه، فعليه أن يخبرنا هو –طالما يستشهد بالعهد القديم- كيف يقول ذات العهد القديم أن الرب ينزل؟ فالمسيحيون لا يقولون عن الله أنه يتحرك بالحركة المادية التي فيها ينتقل مادياً من مكان كان فيه إلى مكان لم يكن فيه، فما علاقتنا بفكر ميمو الهزيل الذي يعتقد أن النص يقول بالنزول المادي؟! وعليه، ووفقاً لتفسير المسيحيون الذي ربما لا يعرفه ميمو، فنجيب على أسئلة النص: ما إسمه؟: الآب، وما إسم إبنه؟: الإبن! فهل لدى ميمو مشكلة؟!

ثالثاً: سنقول أن النص يتكلم عن إثنان وليس واحد، فالنص يقول “ما إسمه” ويقول أيضاً “ما إسم إبنه” فالنص يتحدث عن إثنان وليس واحد، فلو كان يتحدث عن واحد فقط، فما علاقة “إبنه” الذي يسأل عن إسمه في هذا النص؟! وعليه يمكن أن نجيب بأي إجابة من الإثنين، سواء أكانت “الآب” أو “الإبن” بشرط أن نجيب عن السؤالان الأخيرات بـ: الآب، الإبن، بالترتيب! فهل لدى ميمو مشكلة؟!

[1] انظر 1كو8:2.

[2] شرح الإيمان المسيحي للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، المركز الأرثوذوكسي للدراسات الأبائية بالقاهرة، ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد، 2005  صـ109.

[3]J. E. Rotelle, ed. Works of St. Augustine: A Translation for the Twenty-First Century, 37:249.

[4]On the Trinity 10.16

8 Jn 6:62.

[5]On the Trinity 10.54

إبن الإنسان – داريل بوك

إبن الإنسان – داريل بوك

إبن الإنسان – داريل بوك

إبن الإنسان – داريل بوك

يعتبر هذا اللقب، وهو المفضل عند يسوع بحسب الأناجيل، أحد أكثر العناصر التي يبحثها الدراسون لخدمة يسوع في العهد الجديد. أمّا إستخدام اللقب في العهد القديم فهو محدود نوعا ما، إذ إنّ شبه الجملة تعني ببساطة “كائن بشري”؛ و”إبن  الإنسان” عبارة مثلها مثل “إبن  آدم” التي تعني ببساطة واحداً من نسل آدم. وهكذا فإن “إبن  الإنسان” تعني إبناً لكائن بشري. وقد إستخدمت  غالباً للإشارة إلى حزقيال كإنسان (راجع حز ٢׃١).

والعبارة مذكورة في حزقيال 94 مرّة، فيما توضَح نصوص أخرى معناها. فالله ليس إنساناً (عدد ٢٣׃١٩) فيكذب، وصورة الخادم المتألّم كانت مشوّهة لدرجة أنّه لم يعد يشابه الإنسان (إش ٥٢׃١٤). كما أنّ المزمور الثامن يستخدم هذه العبارة أيضاً. لكنّ أشهر إستخدام لها موجود في الآرامية لا في العبرية. ففي الآراميّة نجد شخصاً مثل “إبن  إنسان” يأتي إلى القديم الأيام ليتسلّم منه سلطاناً (دا ٧׃١٣). وتستخدم عبارة “إبن  الإنسان”  في هذا السياق لا كلقب بل للإشارة إلى شخص ما. فالمُشَار إليه يتناقض مع ما سبق من وَصْفٍ للأمَمِ الوثنيّة المختلفة المرموز إليها بصور حيوانيّة في دانيال ٧.  فالذي يمثّل الله هو في صورة الله وبالتالي يأخذ سلطان المُلْك منه.

نشير هنا إلى عنصر آخر يتعلّق بالخلفيّات وهو أنّ العبارة موضوع الدرس هي مصطلح في اللغة الآراميّة. فمن الممكن أن تعني “أحدهم” أو “أحد البشر.” ومن غير المتفق عليه ما إذا كان المصطلح مستخدم للإشارة إلى المتكلم، فإستخدام كهذا غير وارد في شواهد القرن الأول التاريخيّة.

وقد إستخدمت العبارة في الديانة اليهودية للإشارة إلى شخصيّة خلاصيّة، بمعنى شخصيّة خلاصية خارقة كما يظهر بتكرار في سفر أخنوخ الأول. لكن لا يمكن تأريخ هذا الإستخدام بشكل دقيق في زمن ما قبل المسيح. ومع ذلك فإنه يظهر أن بعض اليهود قد جعلوا من شخصيّة دانيال لقباً.

وتظهرالعبارة التي نحن في صددها ٨٢ مرّة في العهد الجديد. وهي بإستمرار منسوبة إلى يسوع في الأناجيل. ويظهر “شبه إبن  إنسان” في رؤيا ١׃١٣ وفي رؤيا ١٤׃١٤. كما يرى استفانوس في أعمال ٧׃٥٦ إبن  الإنسان واقفاً. ما سوى ذلك من الإستخدامات للعبارة جميعها مستعملة من قبل يسوع.

وقد صنّف الدارسون هذه العبارة بطرق متنوّعة. فإحدى الطرق المتبعة هي بالنظر إلى امكانية كون اللقب إستخداماً واضحاً لدانيال ٧، أو كونه إستخداماً غير مباشر له أو أن لا علاقة له بالمرة به؛ إذ إنّ دانيال ٧ هو مقطع العهد القديم الوحيد الذي يتعلّق باللقب المستخدم في العهد الجديد. ومعظم الإستخدامات للّقب لا تشير بشكل صريح إلى دانيال ٧.

ففي الواقع، إنّ الإستخدامات الصريحة له تظهرفي مكانين: (١) في عظة يسوع الأخروية التي يبحث فيها موضوع مجيء إبن  الإنسان؛ ثم (٢) لدى محاكمة يسوع من قبل قادة اليهود حين يتحدث عن إبن  الإنسان الجالس عن يمين الله والآتي على السحاب، وهي ملاحظة تجمع ما بين دانيال ٧ ومزمور ١١٠׃١. وهذا يعني أنّ يسوع في معظم إستخداماته للعبارة في العهد الأناجيل إنّما يستعمل اللقب بدون ربطه بمرجع ما أو إعطائه تفسيراً  له. ويأتي الإستخدامان الصريحان للقب من دانيال ٧ في كلاهما في مرحلة متأخرة من خدمة المسيح الأرضيّة.

وأما الطريقة الأخرى لمعالجة هذه الأقوال فهي بالنظر إلى ما يقوم به إبن  الإنسان في هذه النصوص. وقد أدّى ذلك إلى ترتيب للأقوال مثلث الوجوه: (١) الأقوال المتعلّقة بالخدمة الحاليّة، (٢) الأقوال المتعلّقة بآلام إبن  الإنسان، (٣) والأقوال المتعلّقة بالمجيء المستقبلي أو الأقوال الرؤيويّة.

وتنقسم الإستخدامات في كلّ من الأناجيل الإزائيّة (المتشابهة) على الشكل التالي: إنجيل متّى: ٣٠ مرّة مقسّمة إلى ٧ أرضية و١٠ في الآلام و١٣ رؤيويّة؛ إنجيل مرقس: ١٤ مرّة مقسمة إلى ٢ أرضيّة و ٩ في الآلام و ٣ رؤيوية؛ إنجيل لوقا: ٢٥ مرة، منها ٧ أرضيّة و ٨ في الآلام و ١٠ رؤيوية. أمّا في إنجيل يوحنا فلا وجود لتلك التقسيمات لكن ترد العبارة في الإنجيل بشكل عام ١٢ مرّة. هذا وتنحصر الارتباطات بدانيال ٧ بالأقوال الرؤيوية فقط.

ما معنى كل هذا من حيث إستخدام اللقب؟ يبدو أنّ يسوع تعمّد إختيار عبارة غامضة ومصطلحاً من هذا النوع، وإستخدم هذا المصطلح لوصف خدمته كممثّل للجنس البشري. إلاّ أنّه عندما اقترب من نهاية خدمته وضّح أنّ العبارة ، نظراً إلى ما تبيّن من إستخدامها الأسبق، تشير إلى شخص معيّن يمثّل السلطان الإلهي الخلاصي كما يظهر في دانيال ٧ لدى رجوع المسيح للدينونة.

ولدينا في قصة شفاء المفلوج (مت ٩׃٦؛ مر ٢׃١٠؛ لو ٥׃٢٤) مثال عن مثل ذلك الإستخدام. فيسوع هنا يتحدث عن سلطان إبن  الإنسان أن يغفر الخطيّة ويستخدم عمليّة شفاء المفلوج ليظهر أنّ له هذا السلطان الشخصي، السلطان الذي كان في نظر اليهود محصوراً بالله فقط. أمّا يسوع فقال أنّ عمليّة الشفاء إنّما يقوم بها ليعلم جميعهم أنّ لإبن  الإنسان سلطان على الأرض أن يغفر خطايا.

وبكلام آخر، إستخدم يسوع ما يمكن للمرء أن يراه بالعيان (أي الشفاء) ليوضح بأنّ الله أعطى شخصاً معيّنا سلطانا يختص بمغفرة الخطايا، الذي هو أمر لا يمكن رؤيته بالعيان. ومن الجدير بالملاحظة أن جميع إستخدامات يسوع للّقب ما عدا واحدة تحتوي في اليونانية الأصليّة على أل التعريف بغية جعل العبارة إشارة إلى إستخدام خاص.

أمّا مغزى هذا الإختيار فهو أنّ مزايا إبن  الإنسان كما تظهر في دانيال ٧ هي مزيج من العناصر الإلهية والبشرية على السواء. فصورة إبن  الإنسان في ذلك النص تتحدّث عن كائن بشري، لكنّ ركوبه على سحاب السماء يشير إلى أمر محصور في العهد القديم بالله أو بالآلهة (خروج ١٤׃٢٠؛ عدد ١٠׃٣٤؛ مزمور ١٠٤׃٣؛ إشعياء ١٩׃١). وهكذا فإنّ العبارة تمزج النشاط البشري والإلهي وتسترق النظر إلى إعطاء السلطان لتلك الشخصيّة في ساعة التمجيد.

ويجعل هذا الاتحاد العبارة أساسيّة ليسوع إذ إنّها تمزج العناصر المختلفة التي تظهر شخصيّته وخدمته. وإستخدام المسيح لها في سياقات مختلفة تغطي مدى خدمته يسمح له بأن يبرز الشخصيّة القديمة المرموز لها. ولعلّ التلاميذ بشكل خاص، وهم الذين سمعوا منه العبارة مرّة تلو الأخرى، استطاعوا الإلمام بمعناها. ويظهر أنّهم حافظوا على إستخدامه الخاص لها إذا حصروا إستعمالها  به وحده فقط.

هكذا فإنّ “إبن  الإنسان” لقب إستخدمه يسوع للدلالة على شخصه وسلطانه. وقد أظهر مغزى هذا اللقب بشكل كامل قبيل إنتهاء  خدمته الأرضيّة. لكن اللقب إشارة إلى يسوع كالممثّل عن البشريّة الذي ينخرط في العمل الإلهي. وكأنّه يقول من خلال ذلك، أنا هو المرسل من الله والمؤيّد بالسلطان الإلهي لتمثيل البشرية أيضاً. وتندرج خدمة يسوع وأعماله جميعها ضمن هذا السياق بما في ذلك آلامه على الصليب من أجل الخطيّة.

داريل بوك هو أستاذ أبحاث في دراسات العهد الجديد بكليّة دالاس للاّهوت.

إبن الإنسان – داريل بوك

Exit mobile version