القديس يوستينوس Saint Justin Martyr

القديس يوستينوس Saint Justin Martyr

القديس يوستينوس Saint Justin Martyr

القديس يوستينوس Saint Justin Martyr

يوستينوس الشهيد هو أهم مدافع يوناني في القرن الثاني الميلادي[1]، وواحد من أنبل شخصيات الأدب المسيحي المبكر. ولد يوستينوس في مدينة “فلافيا نيابوليس” (Flavia Neapolis)، والتي كانت تعرف قبلاً باسم “شكيم” (Sichem)، بفلسطين. وكان والداه وثنيين، وهو نفسه يخبرنا، في (Dialog 2 -8)، أنه قد جرب أولاً أن يلتحق بمدرسة فيلسوف رواقي (Stoic)، ثم بمدرسة فيلسوف مشائي[2] (Peripatetic)، لكن، ولا واحد من هؤلاء الفلاسفة قد أقنعه أو أشبع نهمه.

لقد فشل الرواقي لأنه لم يشرح له أي شيء يتعلق بشخص الله، وأكثر ما كان يهتم به المشائي هو أن يدفع له يوستينوس أجرة الدرس فوراً، الأمر الذي قابله يوستينوس بأن تجنب حضور محاضراته؛ والفيثاغوري طلب منه أن يدرس أولاً الموسيقا، والفلك، والهندسة كضرورة، ولم يكن لدى يوستينوس الرغبة في ذلك.

ومن ناحية أخرى، راقت له الفلسفة الأفلاطونية لفترة من الوقت، وقد كان ذلك إلى أن أقنعه رجل، عندما كان يتمشى على شاطئ البحر، بأن الفلسفة الأفلاطونية لا يمكنها أن تُشبع قلب الإنسان، ولفت نظره إلى “الأنبياء الذين وحدهم قد أعلنوا الحق”. ثم يحكي يوستينوس قائلاً: “وعندما تكلم بهذا وأشياء أخرى كثيرة لا وقت لذكرها الآن، ذهب طالباً مني أن أفكر فيما تكلم به إليّ؛ ولم أره من حينها.

لكن للفور اشتعل في روحي لهيب، وتملكني محبة للأنبياء ولهؤلاء الرجال الذين هم أصدقاء للمسيح. وبينما كنت أقلب كلماته في رأسي، وجدت أن هذه الفلسفة هي الوحيدة الآمنة والمفيدة. هكذا، ولهذا السبب، أصبحت فيلسوفاً، وأتمنى أن يكون كل البشر لهم نفس فكري، ولا يتحولوا عن تعاليم المخلص”. (Dial. 8)

لقد قاده طلبه للحق إلى اعتناق المسيحية. كما يخبرنا يوستينوس أيضاً أن هذه الاستهانة البطولية التي كان المسيحيون يقابلون بها الموت قد لعبت دوراً ليس بصغير في تحوله للمسيحية: “أنا نفسي كنت أستمتع بتعاليم أفلاطون وأستمع إلى كلام شرير عن المسيحيين، لكن لما رأيت أنهم لا يظهرون أي خوف في مواجهة الموت وكل الأمور الأخرى التي تبعث على الخوف، فكرت في أنه لا يمكنهم أن يكونوا متوحشين وشهوانيين”. (Apol. 2: 12).

وقد أدى به البحث الأمين عن الحق والصلاة المتضعة إلى اعتناق المسيحية في آخر الأمر: “عندما اكتشف الخداع الشرير الذي ألقته الأرواح الشريرة حول عقائد المسيحيين الإلهية لتصرف الآخرين عن الانضمام إليهم، وأعترف إني صليت وجاهدت بكل قوتي لأصبح مسيحياً”.

وبعد اهتدائه، الذي حدث على الأرجح في مدينة أفسس، كرس يوستينوس حياته كلها ليدافع عن الإيمان المسيحي. لقد سافر متنقلاً وهو يرتدي “الباليم” (Pallium) – وهي عباءة كان يرتديها الفلاسفة اليونانيون – باعتبار مُعلماً متجولاً. ووصل يوستينوس إلى روما في عهد الإمبراطور “أنطونينوس بيوس” (138-161م)، وأسس مدرسة هناك، وكان من تلاميذه “تاتيان” الذي قدر له لاحقاً أن يصبح مدافعاً.

وهناك أيضاً لقي مقاومة شديدة تمثلت في شخص الفيلسوف الكلبي[3] “كريسكنس” (Crescens)، الذي اتهمه يوستينوس بالجهل. ولدينا رواية موثقة عن استشهاد يوستينوس مذكورة في (Martyrium S. Justini et Sociorum)، وهي معتمدة على محضر المحاكمة الرسمي. ووفقاً لهذه الوثيقة، قطعت رأس القديس يوستينوس ومعه ستة آخرون عام 165م على أرجح الأقوال، ذلك في حين كان الحاكم “يونيوس روستيكوس” (Junius Rusticus) (163-167م) لا يزال في منصبه.

كتابات القديس يوستينوس

كان يوستينوس كاتباً غزير الإنتاج، ولم تصلنا من كتاباته التي كان يعرفها يوسابيوس (Hist. 4: 18) إلا ثلاثة أعمال فقط موجودة في مخطوطة وحيدة حالتها متدهورة نسخت عام 1364م (Paris. No. 450). وهذه الأعمال الثلاثة هي دفاعاه ضد الوثنيين وحواره مع تريفيون اليهودي.

أما أسلوب هذه الأعمال فهو أبعد ما يكون عن الجاذبية، لأنه يتبع ما تمليه عليه اللحظة كونه غير معتاد على اتباع خطة محددة. إنه ينحرف عن الموضوع، وأفكاره غير مترابطة، كما أنه ضعيف في صياغة الجمل الطويلة. يفتقد أسلوب يوستينوس التعبيري برمته إلى القوة، كما أنه نادراً ما يصل إلى البلاغة أو دفء المشاعر.

لكن، بالرغم من كل ما تنطوي عليه كتابات يوستينوس من عيوب، إلا أنها بالنسبة لنا ذات جاذبية لا تحد، فهي تكشف لنا عن شخصية متفتحة وأمينة تحاول أن تصل إلى مساحة مشتركة مع الخص.  كان يوستينوس مقتنعاً بأن “كل شخص يستطيع أن يتكلم بالحق ولا يفعل سوف يدينه الله” (Dial. 82)، وهو أول كاتب كنسي يحاول أن يقيم جسراً بين المسيحية والفلسفة الوثنية.

أولاً: دفاعا القديس يوستينوس

إن أهم كتابات يوستينوس الباقية هما دفاعاه، ويعلق يوسابيوس عليهما في (Hist. Eccles. 4: 18) قائلاً: “ترك لنا يوستينوس مقالات ذات فكر مُثقف متمرس لاهوتياً، ومليئة بكل ما هو نافع. وسنحيل الدارسين إليها، مشيرين إلى ما قد وصلنا منها بشكل نافع. هناك مقالة كتبها دفاعاً عن عقيدتنا موجهاً إياها إلى أنطونينوس الملقب بـ “بيوس” وأولاده، ومقالة أخرى كتبها إلى مجلس الشيوخ الروماني تحوي دفاعاً ثانياً عنا، وجهه إلى خليفة الإمبراطور السابق الذكر وسميه المدعو أنطونينوس فيروس”.

ونحن بالتأكيد لدينا دفاعان بقلم القديس يوستينوس، أطولهما الدفاع المكون من ثمانية وستين فصلاً، موجه إلى أنطونينوس بيوس، وأقصرهما، المكون من خمسة عشر فصلاً، موجه إلى مجلس الشيوخ الروماني. لكن (E. Schwartz) يعتبر الأخير مجرد خاتمة للأول، ففي الغالب، كان كلام يوسابيوس عن دفاعين هو السبب الذي لأجله قسم العمل الكامل في المخطوطة إلى قسمين، ثم وضعت الخاتمة في المقدمة كما لو كانت عملاً مستقلاً بذاته.

أما اليوم فيوافق معظم الدارسين على أن العمل المعروف بالدفاع الثاني كان يشكل في الأصل ملحقاً للأول أو إضافة لاحقة عليه. وعلى أرجح الأقوال، كانت الأحداث التي وقعت في عهد الحاكم أوربيكوس (Urbicus) هي الدافع الذي يقف وراء كتابة هذا العمل، وهو يبدأ بوصف لأحداثها.

والدفاعان موجهان إلى الإمبراطور أنطونينوس بيوس (138-161م). ويبدو أن القديس يوستينوس قد كتبهما في الفترة ما بين عامي 148م و161م، لأنه يقول في (Apology I: 46): “لقد ولد المسيح من مائة وخمسين عاماً في عهد كيرينيوس (Quirinius)”، وقد كُتبا هذا الدفاعان في مدينة روما.

الدفاع الأول ليوستينوس

  1. في المقدمة (الفصول 1-3)، يطلب يوستينوس من الإمبراطور باسم المسيحيين، أن يتناول قضيتهم باهتمام، وأن يكوّن قراره بدون أن تُضلله تحيزات الجماهير أو كراهيتهم.
  2. يتكون الجزء الرئيسي في الدفاع من قسمين:

1) القسم الأول (الفصول من 4-12) هو نقد لموقف الدولة الرسمي من المسيحيين. وهنا ينتقد الكاتب الإجراءات القضائية التي تتبعها الدولة بشكل منظم ضد شركائه في الإيمان، والاتهامات الباطلة الموجهة إليهم. إنه يحتج على تصرفات السلطات الحمقاء في إنزال العقاب لمجرد اعتراف الشخص باعتناق المسيحية؛ فاسم “مسيحي” مثله مثل اسم “فيلسوف” لا يثبت إدانة شخص ما أو براءته. يمكن إنزال العقوبات على جرائم أدين بها متهم، لكن الجرائم التي اتُّهم المسيحيون بها ما هي إلا محض افتراءات. إنهم ليسوا بملحدين، فإذا رفضوا أن يعبدوا الآلهة، فهم يفعلون ذلك لأن تقديم العبادة لهذه الآلهة حماقة. إن معتقداتهم الأخروية وخوفهم من العقاب الأبدي تحفظهم من السلوك الخاطئ، وتجعل منهم أفضل أعوان للدولة.

2) يتحول القسم الثاني (الفصول من 13-67) إلى شرح الديانة المسيحية، معطياُ وصفاً تفصيلياً بوجه خاص لتعاليمها وعباداتها وأساسها في التاريخ، وأسبابها لاعتناقها.

أولاً: تعاليم المسيحيين العقائدية والأخلاقية:

 من النبواءت الإلهية يمكن إثبات أن يسوع المسيح هو ابن الله ومؤسس الديانة المسيحية، ولقد أسسها بحسب إرادة الله حتى يحول الجنس البشري ويصلحه. ولقد حاكت الشياطين نبوات العهد القديم وقلدتها في الأديان الوثنية السرية، وذلك يفسر سبب الكثير من التشابهات والتماثلات بين الديانة المسيحية وأشكال العبادة الوثنية. وبالمثل، اقتبس الفلاسفة، مثل أفلاطون، من العهد القديم، ولهذا السبب، لا يمكننا أن نتعجب من وجود بعض الأفكار المسيحية في الفلسفة الأفلاطونية.

ثانياً: العبادة المسيحية:

يعطي الكاتب هنا وصفاً لسر المعمودية، وخدمة الإفخارستيا وحياة المسيحيين الاجتماعية.

  1. الخاتمة (فصل 68) عبارة عن تحذير جاد للإمبراطور. ثم أضاف يوستينوس في نهاية الدفاع الأول المرسوم الذي أرسله الإمبراطور هادريان، حوالي عام 125م، إلى “مينوكيوس فوندانوس” (Minucius Fundanus) حاكم آسيا. وهذه الوثيقة ذات أهمية كبرى بالنسبة لتاريخ الكنيسة، فهي تنص على أربعة قوانين وضعت من أجل إجراءات قضائية أعدل وأصح في المحاكمات المقامة ضد المسيحيين، وهذه القوانين هي:

1) الحكم على المسيحيين يجب أن يتم من خلال إجراء قانوني أمام محكمة جنائية.

2) يمكن أن يدان المتهمون فقط إذا كان هناك دليل على أنهم قد ارتكبوا جريمة ضد القانون الروماني.

3) يجب أن تتناسب العقوبات مع طبيعة الجرائم ودرجتها.

4) يجب أن يعاقب كل اتهام كاذب بشدة.

وبحسب يوسابيوس في (Hist. Eccles. 4: 8: 8) ضم يوستينوس هذه الوثيقة في نصها اللاتيني الأصلي إلى دفاعه، ولقد ترجمها يوسابيوس إلى اليونانية، ثم أدرجها في كتابه “تاريخ الكنيسة” (4: 9).

الدفاع الثاني للقديس يوستينوس

يبدأ هذا العمل بذكر الأحداث التي كانت قد وقعت مؤخراً، فأوربيكوس، حاكم مدينة روما، كان قد قطع رأس ثلاثة من المسيحين لأنهم اعترفوا بكونهم مسيحيين. ويلجأ يوستينوس مباشرة إلى الرأي العام الروماني محتجاً مرة أخرى ضد المعاملة الخشنة غير العادلة التي يتعرض لها المسيحيون ومجيباً على انتقادات عدة. فهو، على سبيل المثال، يجيب عن السؤال الساخر الذي كان يسأله الوثنيون، وهو: لماذا لا ينتحر المسيحيون حتى يصلوا إلى إلههم بأقصى سرعة؟

فيجيب يوستينوس قائلاً: “لأننا، إن فعلنا هذا، سوف نسلك نحن أنفسنا ضد إرادة الله. لكن عند استجوابنا لا ننكر، لأننا لم نقصد أي شر، بل أننا نعد عدم قولنا الحق في كل الأشياء أمراً شريراً” (Apol. 2: 4). لقد أثارت كراهية الشياطين للحق والفضيلة الاضطهادات ضد المسيحيين، وتلك القوى الشيطانية نفسها هي التي أتعبت “أتقياء العهد القديم والعالم الوثني.

لكن، لن يكون لهذه القوى سلطان على المسيحيين إذا لم يكن الله يريد أن يقود أتباعه عبر التجارب والقلاقل إلى الفضيلة والمكافأة، وعبر الموت والخراب إلى الحياة الأبدية والسعادة. وفي الوقت نفسه، يعطي الاضطهاد المسيحيين فرصة ليظهروا سمو ديانتهم على الوثنية بطريقة مؤثرة. وختاماً، يطلب يوستينوس من الإمبراطور أن يتبع، في محاكمته للمسيحيين، العدل والصلاح ومحبة الحق.

ثانياً: الحوار مع تريفون

هو أقدم دفاع مسيحي ضد اليهود لا يزال في حوزتنا. لكننا، للأسف، لا نملك نصه الكامل، فلقد فُقدت منه المقدمة وجزء كبير من الفصل (74). ولا بد من أن الحوار قد كُتب بعد كتابة الدفاعين، لأن هناك إشارة إلى الدفاع الأول في الفصل 120. ويحتوي الحوار على نقاش دار على يومين مع شخص يهودي متعلم، وهو على الأرجح الرابي “تارفون” المذكور في المشناه[4].

ويعتقد يوسابيوس (Hist, Eccles. 4: 18: 6) أن مدينة أفسس هي المكان الذي أقيم فيه هذا الحوار. وقد أهدى القديس يوستينوس عمله هذا لشخص يدعى “ماركوس بومبيوس” (Marcus Pompeius)، وهو عمل طويل، يبلغ طوله مئة واثنين وأربعين فصلاً. وتحتوي المقدمة (الفصول من 2-8) على قصة مفصلة يرويها يوستينوس عن نموه الفكري واعتناقه المسيحية.

ويشرح القسم الأول من الجزء الرئيس (الفصول من 9-47) وجهة النظر المسيحية بخصوص العهد القديم. لقد كان الناموس الموسوي ذا سلطة قانونية مؤقتة، فالمسيحية هي الناموس الجديد والأبدي لكل جنس البشر. ثم يُفسر القسم الثاني من الجزء الرئيس (الفصول من 48-108) سبب عبادة المسيح كإله، أما القسم الثالث من الجزء الرئيس (الفصول 109-142) فيبرهن على أن الأمم التي آمنت بالمسيح وتبعت ناموسه هي إسرائيل الجديد وشعب الله المختار الحقيقي.

ويختلف النهج الدفاعي المتبع في الحوار عن ذاك المتبع في الدفاعين لأنه موجه إلى نوع مختلف تماماً من القراء، فالقديس يوستينوس، في حواره مع تريفون، يركز على العهد القديم، ويقتبس من أقوال الأنبياء كبرهان على أن الحق المسيحي كان موجوداً حتى من قبل المسيح. وبالفحص الدقيق لاقتباسه من العهد القديم، يكشف المرء أن يوستينوس يفضل الفقرات التي تتكلم عن رفض الله لإسرائيل واختياره الأمم الوثنية.

ومن الواضح أن هذا الحوار ليس بأي حال من الأحوال إعادة إنتاج لتقرير اختزالي خاص بمناظرة حقيقية. لكن من ناحية أخرى، نجد أن صيغة الحوار ليست بكاملها مجرد أسلوب أدبي؛ إذ يبدو أن كتابة هذا العمل قد سبقته حوارات ونقاشات حقيقية. ومن الممكن أن تكون هذه المناقشات قد حدثت في أفسس في زمن حرب “باركوخبا” المذكورة في الفصل الأول والتاسع.

ثالثاً: أعمال يوستينوس المفقودة

بالإضافة إلى الدفاعين والحوار مع تريفون، كتب يوستينوس عدداً من الكتابات الأخرى التي فقدت، ولم تبق من هذه الأخيرة سوى عناوين أو بعض الشذرات الصغيرة. أحد هذه الأعمال ذكرها يوستينوس بنفسه، وآخر اقتبس منه إيرينيوس، وكثير منها جاء ذكره في قائمة يوسابيوس. كما لا تزال هناك أعمال أخر اقتبس منها الكتاب الكنسيون اللاحقون، وفيما يلي قائمة كتابات يوستينوس المعروفة لنا اليوم:

  1. مقال ضد كل الهرطقات: ذلك العمل الذي يشير إليه يوستينوس بنفسه في الدفاع الأول: فصل 26.
  2. ضد ماركيون: وهو العمل الذي استخدمه إيرينيوس في (ضد الهرطقات 4: 6: 2)، ويذكره يوسابيوس في (Hist. Eccl. 4: 11: 8ff).
  3. مقالة ضد اليونانيين: وهو الذي يقول يوسابيوس بشأنه: “بعد مناقشة طويلة وموسعة تدور حول الكثير من الأشياء التي يتباحث فيها كل من المسيحيين والفلاسفة، يتحدث القديس يوستينوس عن طبيعة الشياطين”.
  4. النُصح: وهو مقالة أخرى كانت بحسب يوسابيوس في (4: 18: 4)، موجهة إلى اليونانيين.
  5. عن سلطان الله: ذلك العمل الذي بناه يوستينوس ليس فقط على كتبنا المقدسة، بل على كتب اليونانيين أيضاً.
  6. عن النفس: ويصف يوسابيوس محتوى هذا العمل في (4: 18: 5) هكذا: “يعرض يوستينوس فيه عدة أسئلة حول المشكلة محل النقاش، ويورد آراء الفلاسفة اليونانيين التي يعد بتفنيدها والإدلاء برأيه الخاص في كتاب آخر.
  7. كتاب بعنوان “المُرتل”.
  8. في كتاب يوحنا الدمشقي “Sacra Parallela” ثلاث شذرات كبيرة من مقالة يوستينوس “عن قيامة الأموات”، ولكن أصالتها محل شك.

وفي الوقت الذي كانت فيه هذه الكتابات كلها قد فُقدت، احتوت المخطوطات على عدد من الكتابات المنحولة تحت اسم يوستينوس. غير أنه من الجدير بالملاحظة أن ثلاثة من هذه الأعمال المنحولة لها عناوين تشبه عناوين أعمال يوستينوس الأصلية المفقودة:

  1. يحاول كتاب “نصح اليونانيين” (Cohortatio ad Graecos) أن يقنع اليونانيين بالدين الحق في صورة خطبة، فالأفكار التي كانت لدى الشعراء اليونانيين بخصوص الآلهة مستهجنة، كما أن تعاليم الفلاسفة فيما يتعلق بالقضايا الدينية مليئة بالتناقضات. ويجد المرء الحق مع موسى والأنبياء، هؤلاء الذين عاشوا قبل الفلاسفة اليونانيين. لكن، يمكن للمرء أن يجد آثاراً من معرفة الله الحقيقية حتى في أعمال الشعراء والفلاسفة اليونانيين، إلا أن القدر القليل من الصلاح الذي تحتويه تلك الأعمال مأخوذ من كُتب اليهود. ويختلف موقف كاتب “نصح اليونانيين” من الفلسفة اليونانية عن موقف القديس يوستينوس بشكل لافت للنظر، حتى إنه لهذا السبب وحده لا يمكن أن تنسب كتابة هذا العمل إليه. لكن إلى جانب هذا، فإن أسلوبه الأدبي يفوق أسلوب يوستينوس، كما أنه يستخدم مفردات لغوية مميزة. كل هذه الأسباب معاً كافية لتثبت أن العمل ليس أصيلاً. وقد كتب “نصح اليونانيين” على الأرجح في القرن الثالث الميلادي، ويتكون من 38 فصلاً، وهو أطول الكتابات المنسوبة إلى يوستينوس.
  2. أما العمل الأقصر كثيراً فهو المعروف باسم “خطاب إلى اليونانيين” (Oratio ad Graecos)، والذي يبلغ عدد فصوله خمسة فقط. والعمل زاه ومفعم بالحياة من حيث الأسلوب الأدبي، ومكثف وجذاب من حيث الترتيب. ومثلما هو واضح من محتواه، هو عبارة عن دفاع مهتد يوناني عن نفسه، إنه “دفاع عن حياته” (Apologia pro vita sua). يهاجم الكاتب استباحة الآلهة الوثنية كما يصورها هوميروس (Homer) وهيزيود (Hesiod)، ثم يختم خطابه بدعوة حماسية لاعتناق المسيحية. ويدل كل من الأسلوب البلاغي الرفيع والمعرفة الممتازة بالأساطير اليونانية على أن القديس يوستينوس ليس بكاتب هذا العمل. ويرجع كتابة “الخطاب” على الأرجح إلى النصف الأول من القرن الثالث الميلادي، ونحن نملك نصين له: النص الأقصر موجود باللغة اليونانية، أما الأطول، والذي حرره شخص اسمه أمبروسيوس (Ambrosius)، فموجود فقط في ترجمة سريانية.
  3. أما العمل المعروف باسم “عن الرئاسة الواحدة” (De Monarchia) (6 فصول) هو مقال يسعى لإثبات وحدانية الله من خلال الاستشهاد بأشهر شعراء اليونان. ويشهد اختلاف الأسلوب الأدبي لهذا العمل عن أسلوب يوستينوس بأن يوستينوس ليس بكاتبه، علاوة على ذلك، يعطي يوسابيوس وصفاً لمحتوى عمل يوستينوس الأصيل (De Monarchia)، وهو لا يتطابق مع محتوى هذا المقال.

وإلى جانب هذه الأعمال الثلاثة، هناك عدد من الأعمال الأخرى التي تنسبها المخطوطة إلى يوستينوس. وتتشابه أربعة من هذه الأعمال بشدة من حيث اللغة والتعاليم اللاهوتية حتى إنه لا بد من أن يكون كاتبها شخصاً واحداً، ويبدو أن هذا الأخير قد عاش حوالي عام 400م وكان له علاقة ما بسوريا. وهذه المقالات هي:

  1. أسئلة وأجوبة عن الأرثوذكس: عمل يحتوي على مائة وواحد وستين سؤالاً وإجابة تتعلق بمسائل تاريخية، وعقائدية، وأخلاقية، وتفسيرية.
  2. أسئلة المسيحيين للأمم: تشتمل هذه المقالة على خمسة أسئلة عقائدية يوجهها المسيحيون إلى الوثنيين ثم يجيب الوثنيون عليها، لكن يتم تفنيد هذه الإجابات لكونها تعج بالتناقضات.
  3. أسئلة اليونانيين للمسيحيين: تشتمل هذه المقالة على خمسة عشر سؤالاً يسألها الوثنيون، والعدد نفسه من أجوبة المسيحيين، وذلك فيما يتعلق بجوهر الله، وقيامة الأموات، وعقائد مسيحية أخرى.
  4. تفنيد بعض العقائد الأرسطوطالية: ويفند هذا العمل، في خمس وستين فقرة، تعاليم أرسطو فيما يتعلق بالله والعالم.

ولقد تعذرت معرفة هوية الكاتب الحقيقية لهذه المقالات حتى اليوم، فينسبها (A. Harnack) إلى “ديودوروس الطرسوسي” (Diodorus of Tarsus)، في حين فكر آخرون في ثيودوريت الكورشي” (Theodoret of Cyrus) الذي تنسب إليه مخطوطة القسطنطينية كتابة “أسئلة وأجوبة عن الأرثوذكس”، لكن لا يمكننا أن نضمن بأي حال من الأحوال أن أياً منها هو الكاتب.

وإلى جانب هذه المقالات الأربع، تنسب المخطوطات المقالات التالية ليوستينوس:

  1. شرح الإيمان أو عن الثالوث (Expostitio Fedei seu de Trinitte)، وهو شرح لعقيدة الثالوث، وكاتب هذا العمل غير معروف، لكن يبدو أنه لا يعود إلى ما قبل القرن الخامس الميلادي.
  2. رسالة إلى زينا وسيرينوس (Epistola ad Zenam et Serenum)، وهي دليل مفصل للسلوك النسكي المسيحي، مع وصايا تتعلق بفضيلتي التواضع والهدوء وهي تذكرنا بالتعاليم الأخلاقية التي للفلسفة الرواقية. ويعتقد (P. Batiffol) أن “سيسينيوس القسطنطيني” هو كاتب الرسالة، وأنها قد كتبت حوالي عام 400م.

فكر القديس يوستينوس اللاهوتي

ينبغي أن نتذكر عند تحليل الفكر اللاهوتي للقديس يوستينوس، أننا لا نملك وصفاً كاملاً ومفصلاً للإيمان المسيحي بقلمه، كذلك يجب علينا أن نأخذ في الاعتبار أن أعماله اللاهوتية الأصلية، مثل “عن سلطان الله” و”عن النفس” و”عن قيامة الأموات” و”تفنيد جميع الهرطقات” و”ضد ماركيون”، قد فُقدت. ولا يمدنا “الدفاعان” و”الحوار مع تريفون” بصورة شاملة عن يوستينوس الشهيد كمعلم لاهوتي.

لقد كانت لدي يوستينوس، في الأعمال المضادة للهرطقات، فرصة أكبر بكثير ليبحث ويتعمق في المسائل الخاصة بالعقيدة، في حين أنه، عند دفاعه عن الإيمان ضد غير المؤمنين، يركز بالأكثر على احتكام الإيمان إلى العقل. ويسعى يوستينوس ليشير إلى التشابهات الحاصلة بين تعاليم الكنيسة وتعاليم المفكرين والشعراء اليونانيين، وذلك لكي يبين أن المسيحية هي الفلسفة الوحيدة الآمنة والمفيدة.

ولهذا السبب، ليس من المفاجئ أن يكشف التعليم اللاهوتي للقديس يوستينوس عن تأثير أفلاطوني؛ فمن بين كل النسق الفلسفية الوثنية، كان يوستينوس يُجل النسق الأفلاطوني بالأكثر.

1 – مفهوم الله

هناك بالفعل، في مفهوم يوستينوس عن الله، ميل واضح للفلسفة الأفلاطونية. الله لا بداية له، ومن هذه الحقيقة يجب علينا أن نستنتج أنه لا اسم له: “لا ينبغي أن نطلق اسماً على أبي الكل، غير المولود. لأن كل من يُدعى باسم يكون من سماه أكبر منه. أما الكلمات مثل “الآب” و”الله” و”الخالق” و”السيد” فليست أسماء، لكنها ألقاب مشتقة من أعماله ووظائفه الصالحة. إن لقب “الله” ليس اسماً، لكنه فكرة مزروعة في طبيعة البشر بخصوص الشيء الذي لا يمكن تفسيره”. (2: 6).

وأفضل اسم له هو “الآب”، لأنه بما أنه هو الخالق، فهو حقاً أبو كل الأشياء. وينكر يوستينوس الحضور الجوهري لله في كل مكان، فبحسبه، يسكن الله الآب في المناطق التي تعلو السماء، ولا يمكنه أن يغادر مكانه، ولهذا السبب لا يمكنه أن يظهر في العالم:

“إن من يملك أقل قدر من الذكاء لن يجرؤ أن يقول إن الخالق وأبا كل الأشياء قد ظهر في بقعة صغيرة من الأرض تاركاً كل الأمور فوق السمائية” (Dial. 60) “لأن الآب الذي لا ينطق به، ورب كل الأشياء، لا يأتي إلى أي مكان، ولا يسير، ولا ينام، ولا يقوم، بل يبقى في مكانه أيا كان هذا المكان، ينظر بسرعة ويسمع بسرعة، بلا عيون له ولا آذان، إلا أنه ذو قوة لا توصف؛ يعرف كل الأشياء، ولا يفلت واحد من ناظريه.

إنه لا يتحرك لأي بقعة من العالم كله ولا يتقيد بها، لأنه كان موجوداً قبل أن يخلق العالم. كيف إذن يمكنه أن يتكلم لأي شخص، أو أن يراه أي شخص، أو أن يظهر على أصغر بقعة من الأرض في حين كان الشعب في سيناء غير قادرين حتى على النظر إلى مجده الذي أرسله؟” (Dial. 127)

ولكن بما أن الله مُتعال وسام فوق كل البشر، من اللازم إذن أن يُقام جسر فوق الهوة التي تفصل بين الله والإنسان، وهذا ما فعله اللوغوس “الكلمة”، فاللوغوس هو الوسيط بين الله الآب والعالم. فالله يتواصل مع العالم من خلال اللوغوس فقط، ويظهر نفسه من خلاله بشكل حصري. إذاً، يكون اللوغوس هو الدليل إلى الله ومعلم الإنسان، وهو في الأصل كان يسكن كقوة بداخل الله، لكن قبل خلق العالم بوقت قصير، خرج وصدر منه ثم خلق العالم بنفسه.

ويوستينوس في حواره مع تريفون يشرح ولادة اللوغوس بصورتين مختلفتين: “إنها تشبه بالضبط ما نراه يحدث في حالة النار، تلك التي لا ينقص منها شيء عندما تُشعل منها نار أخرى لكن تبقى على حالها كما هي، كذلك تظهر النار التي أشعلت كما لو كانت موجودة من تلقاء نفسها بدون أن تنقص من وهج تلك التي أُشعلت منها”. (Dial. 61). أو بالضبط مثل العمل الذي يخرج من الإنسان بدون أن ينقص من جوهره. هكذا لا بد أن تفهم ولادة اللوغوس، الكلمة الإلهي، باعتبار عملية تحدث داخل الله.

أما عند الحديث عن العلاقة بين الآب والابن، فيبدو أن يوستينوس يميل إلى “الخضوعية” أو “التبعية التراتبية” (Subordinationism)، وهذا يتضح من كلامه في (Apology 2: 6): “ابنه الوحيد الذي يليق به وحده أن يسمى “الابن” و”الكلمة”، الوحيد الذي كان معه وولد منه قبل المخلوقات.

وعندما خلق الآب به في البدء كل شيء ودبره، سماه “المسيح” في إشارة إلى أنه قد مسح، وأن الله به دبر كل شيء”. ومن ثم، يبدو أن يوستينوس يفترض أن اللوغوس قد استقل خارجياً بغرض خلق العالم وتدبيره فقط[5]. لقد منحه الوظيف الشخصية وجوداً شخصياًن فأصبح شخصاً إلهياً، لكنه خاضع للآب[6]. (Cf. Dial. 61)

وتعاليم يوستينوس عن اللوغوس هي أهم تعاليمه، لأنها تشكل جسراً بين الفلسفة اليونانية والمسيحية، ذلك لأن يوستينوس يعلم أنه بالرغم من أن اللوغوس الإلهي قد ظهر بملئه في المسيح، إلا أن “بذرة اللوغوس” كانت قد انتشرت بين الجنس البشري برمته قبل المسيح بوقت طويل، لأن كل إنسان يمتلك بذرة من اللوغوس. ومن ثم، ليس فقط أنبياء العهد القديم، بل حتى الفلاسفة اليونانيون، قد حملوا بذرة خصبة من اللوغوس في نفوسهم، فعلى سبيل المثال، كان “هيراقليطس” (Heraclitus).

و”سقراط”، والفيلسوف الرواقي “ميسونيوس” (Musonius) هؤلاء الذين عاشوا بحسب توجيهات اللوغوس الكلمة الإلهي – مسيحيين حقاً: “لقد تعلمنا أن المسيح هو بكر الله، وقد أوضحنا أنه هو اللوغوس الذي يشترك فيه كل البشر، وأن هؤلاء الذين عاشوا بحسب اللوغوس هم مسيحيون، حتى لو اُعتبروا ملحدين، مثل هؤلاء الذين كانوا بين اليونانيين، سقراط، وهيراقليطس، وأناس مثلهم” (Apology 1: 46).

هكذا، لا يمكن أن يكون هناك تعارض بين المسيحية والفلسفة، لأن: “كل حق نطق به البشر مهما كان هو ملك لنا نحن المسيحيين. لأننا، إلى جانب الله، نعبد ونحب اللوغوس الذي هو من الله غير المولود وغير الموصوف. لأنه من أجلنا صار إنساناً، حتى يشترك في آلامنا ويجلب لنا الشفاء. فكل الكُتاب، من خلال بذرة اللوغوس التي طعمت فيهم، كان لهم قبس من الحقيقة، لأن بذرة الشيء وتقليده الذي يعطى بحسب قدرة ذاك الذي يناله هو أمر، والشيء نفسه الذي يشترك فيه بحسب نعمة الله هو أمر مختلف تماماً” (Apology 2: 13)

ويقول أيضاً: “لأنه مهما كان الشيء الحسن الذي نطق به المشرعون أو الفلاسفة، فقد توصلوا إليه بعثورهم على جزء من اللوغوس والتأمل فيه. لكن بما أنهم لم يكن لديهم معرفة باللوغوس كاملاً، الذي هو المسيح، كانوا كثيراً ما يناقضون أنفسهم. كذلك هؤلاء الذين كانوا من جهة الولادة أقدم من المسيح، عندما كانوا يحاولون أن يفكروا في الأشياء ويثبتونها بالمنطق، كانوا يمثلون أمام المحاكم باعتبارهم أشراراً وفضوليين.

ولقد أُتُهم سقراط، الذي كان في هذا الاتجاه أكثر اجتهاداً من جميعهم، بنفس الجرائم التي نُتهم بها نحن. لأنهم قالوا إنه قدم آلهة جديدة، ولم يعتقد بهذه الآلهة التي اعترفت بها الدولة… لكن مسيحنا قد فعل هذه الأشياء بقوته الخاصة، لأنه لم يحدث أن أحداً آمن بسقراط إلى درجة أن يموت في سبيل هذه التعاليم، لكن المسيح، ذاك الذي كان معروفاً لسقراط جزئياً، لأنه كان ولا يزال اللوغوس الذي يسكن في كل إنسان.” (Apology 2: 10).

هكذا يعطي يوستينوس إثباتاً ميتافيزيقياً لوجود عناصر الحق في الفلسفة الوثنية، لكنه بالإضافة إلى هذا، لديه أيضاً إثبات تاريخي. فالفلاسفة الوثنيون قد نطقوا بالكثير من الأقوال الصحيحة لأنهم كانوا قد استعاروها من أدب اليهود، من العهد القديم:

“إن موسى أقدم من جميع الكُتاب اليونانيين، كما أنه مهما كانت أقوال كل من الفلاسفة والشعراء عن خلود النفس او العقاب ما بعد الموت، أو التأمل في الأمور السماوية، أو ما يشبه هذا من تعاليم، فقد حصلوا على مثل هذه التلميحات من الأنبياء، لأنها قد مكنتهم من أن يفهموا هذه الأمور ويفسروها. ومن ثم، يبدو أن هناك بذاراً للحق منتشرة بين جميع الناس”. (Apology 1: 44).

لكن المسيحيين وحدهم هم الذين يمتلكون الحق الكامل، لأنه في المسيح يتجلى الحق بذاته.

2 – مريم وحواء

كان يوستينوس هو أول كاتب مسيحي يضيف نظيراً للمقارنة التي كتبها القديس بولس الرسول بين آدم والمسيح، وذلك بمقارنة مريم بحواء، فهو يقول التالي في حواره مع تريفون (فصل 100) “لكن المسيح صار إنساناً بواسطة العذراء حتى يدمر العصيان الذي خرج من الحية نفس الطريقة التي بدأ بها.

لأن حواء التي كانت عذراء لم تدنس، بعدما حبلت بكلمة الحية، ولدت عصياناً وموتاً. لكن العذراء مريم نالت إيماناً وفرحاً عندما بشرها الملاك جبرائيل بالأخبار السارة، وهي أن روح الرب سيحل عليها، وقوة العلي ستظللها؛ لأن القدوس المولود منها هو ابن الله. وأجابته قائلة: “ليكن لي كقولك”. ومنها قد ولد ذاك الذي قد ثبت أن الكثير من نبوات الكتب المقدس تشير إليه، والذي به يدمر الله كلا من الحية وهؤلاء الملائكة، ومن مثلهم من البشر”.

3 – الملائكة والشياطين

يوستينوس هو أحد الكُتاب الأوائل الذين يشهدون لإكرام الملائكة: “الطغمات الأخرى من الملائكة الصالحين الذين يتبعونه ويتشبهون به، والروح النبوي الذي نعبده ونكرمه”. (Apology 1: 6).

والملائكة يعتنون بالبشر جميعاً من السماء: “إنه قد أسند مهمة العناية ببني البشر وكل الأشياء التي تحت السماء إلى ملائكة عينها عليهم” (Apology 2: 5).

ويوستينوس ينسب إلى الملائكة أجساماً تشبه الأجسام البشرية بالرغم من طبيعتها الروحانية: “مما هو واضح بالنسبة لنا هو أنهم يأكلون في السماء، هذا بالرغم من أنهم لا يتغذون على طعام يشبه طعام البشر؛ لأنه بالنسبة للمن الذي اغتذى عليه آباؤكم في الصحراء تقول الكتب المقدسة إنهم أكلوا “طعام الملائكة” (Dial. 57)

أما حقيقة كون القديس يوستينوس ينسب الجسد للملائكة فتظهر في رأيه بشأن سقوط الملائكة، فلقد كانت خطيئة الملائكة الساقطين تتمثل في اتصالهم الجنسي بنسوة بشريات: “لقد تعدت الملائكة هذه الوظيفة، وفتنت بحب النساء، وولدت أولاداً هم هؤلاء الذين نسميهم بالشياطين”. (Apol 2: 5).

والشياطين عقابهم في النار الأبدية بعد عودة المسيح (Apol. 1: 28). ولهذا، ما زالت لديهم القدرة حتى الآن ليضلوا البشر ويغووهم، فبعد مجيء المسيح أصبح كل مسعاهم هو أن يمنعوا الإنسان من الاهتداء إلى الله واللوغوس (Apol. 1: 26, 54, 57, 62). وهذا قد أثبته الهراطقة الذين هم أدوات الشياطين، لأنهم يبشرون بإله غير الآب وابنه.

لقد أعمت الشياطين اليهود وأثارتهم ليسببوا كل تلك الآلام للوغوس الذي ظهر في يسوع، لكن ولأنهم يعرفون أن المسح سوف يضم أغلب أتباعه من بين الأمم، لذلك كانوا متلهفين على نحو خاص ليفسدوا فرصته بينهم. ومن اللافت للنظر في هذا الخصوص ما يقوله يوستينوس عن تأثير اسم يسوع على الشياطين: “نحن نسميه المعين والمخلص، والقوة التي باسمها ترتعد الشياطين.

واليوم، عندما تُطرد الشياطين باسم يسوع المسيح، الذي صلب في عهد بيلاطس البنطي حاكم اليهودية، تتم هزيمتهم. وهكذا يظهر للجميع أن أباه قد منحه قوة عظيمة جداً بها تخضع الشياطين لاسمه” (Dial. 30).

4 – الخطية الأصلية[7] والتأله

كان يوستينوس مقتنعاً بأن كل إنسان له إمكانية التأله وكان هذا على الأقل هو الحال في بداية الخليقة، لكن الأبوين الأولين قد وقعها في الخطية وجلبا الموت على نفسيهما. ولكن الآن، استعاد كل إنسان القدرة على أن يصبح إلهاً: “لقد خلقوا على مثال الله، متحررين من الآلام والموت، بشرط أن يحفظوا وصاياه، وحسبوا مستحقين أن يحملوا اسم أبنائه.

لكنهم – مثل آدم وحواء – جلبوا الموت على أنفسهم: ليكن تفسير المزمور (81) كما تريدونه أن يكون، لكن هكذا يظهر أن كل البشر قد حسبوا مستحقين أن يصبحوا آلهة وأن يكون لهم القدرة على أن يصبحوا أبناء للعلي. إلا أنهم سقطوا تحت الحكم والدينونة كآدم وحواء”. (Dial. 124).

5 – المعمودية والإفخارستيا

إن وصف ليتورجية المعمودية وليتورجية الإفخارستيا الذي يعطيه يوستينوس في نهاية الدفاع الأول هو ذو قيمة استثنائية، فهو يقول بشأن المعمودية: “ولسوف أحكي أيضاً عن الطريقة التي بها نكرس أنفسنا لله حينما نُجدد من خلال المسيح، مخافة من أن نبدو غير منفصلين في الشرح الذي نقوم به إذا لم نذكرها. بما أن هناك كثيرين مقتنعون ومؤمنون بأن ما نعلم به ونقوله حقيقي آخذين على عاتقهم أن يعيشوا بحسبه، يتم إرشادهم ليصلوا ويتضرعوا إلى الله بالصوم من أجل غفران خطاياهم السابقة، ونصلي ونصوم معهم.

ثم نحضرهم إلى حيث يوجد ماء، فيجددون بنفس الطريقة التي تجددنا بها. لأنهم حينئذ ينالون الغسل بالماء باسم الله الآب سيد الكون، ومخلصنا يسوع المسيح والروح القدس… وقد تعلمنا من الرسل السبب في هذا – الطقس – لأننا في ميلادنا الأول قد ولدنا من اجتماع أبوينا بدون معرفتنا وبلا اختيار منا ثم كبرنا في عادات سيئة وتدريب شرير، وحتى لا نظل أولاداً للجبر والجهل بل نصبح أولاداً للاختيار والمعرفة، وحتى نحصل على غفران الخطايا التي ارتكبناها في السابق.

وهناك، يدعى ذاك الذي اختار أن يولد من جديد وتاب عن خطاياه باسم الله الآب سيد الكون، فذاك الذي يقود الشخص المزمع أن يغتسل إلى حيث الجرن يدعوه بذلك الاسم وحده. ويسمى هذا الغسل بـ “الاستنارة”، لأن هؤلاء الذين يتعلمون هذه الأمور يستنيرون روحياً. لكنه يدعوه أيضاً باسم يسوع المسيح الذي صلب في عهد بيلاطس البنطي، وباسم الروح القدس الذي بواسطة الأنبياء سبق وأخبر بكل الأمور المتعلقة بيسوع المسيح”. (Apol. 1, 61).

وهناك وصفان لخدمة الإفخارستيا في دفاعي يوستينوس. يصف يوستينوس في الأول (فصل 65) الليتورجية الإفخارستية الخاصة بالمعمدين حديثاً، ويعطي في الثاني (فصل 67) تفاصيل خدمة الأحد المعتادة. وتبدأ خدمة الآحاد بقراءة من الأناجيل القانونية التي يسميها يوستينوس صراحة بـ “مذكرات الرسل”، أو قد جاء في القراءات. بعد هذا تصلي الجماعة من أجل المسيحيين وجميع البشر في العالم كله، وفي ختام الصلاة يتبادل الأعضاء جميعهم قُبلة السلام.

حينئذ، يقدم إلى الرئيس الخبز والخمر والماء، فيتلو صلاة التقديس عليها. ويوزع الشمامسة التقدمات التي تم تقديسها على الحاضرين ويوصلونها إلى الغائبين. غير أن يوستينوس يضيف صراحة أن هذا الخبز ليس خبزاً عادياً، وأن هذا الخمر ليس خمراً عادياً، لكنهما جسد ودم يسوع المتجسد، وهو يستشهد بكلمات التأسيس كدليل على هذا.

وقد تُرك أمر صياغة كلمات الصلاة الإفخارستيا للرئيس المحتفل، لكن يوستينوس يذكر أن الإفخارستيا تُقدس بصلاة تحتوي على كلمات المسيح نفسه. إذاً، يبدو أنه ليس فقط كلمات التأسيس هي التي كانت جزءً من الصلاة، بل على الأرجح كانت رواية التأسيس برمتها جزءً من الصلاة، بل على الأرجح كانت رواية التأسيس برمتها جزءً ثابتاً من صلاة التقديس. لهذا السبب، يمكن للمرء هنا أن يتكلم عن ليتورجية نصف ثابتة (semirigid)، لأن بها عناصر ثابتة ولكن مع ذلك يبقى فيها مكان أيضاً للارتجال الشخصي الذي يقوم به الكاهن المُقدِس.

ومن الملفت للنظر أن يوستينوس، في وصفه لخدمة الإفخارستيا التي تتبع نوال سر المعمودية، لا يذكر القراءات التي تتلى من الكتب المقدسة ولا العظة التي يلقيها الرئيس، ويبدو أنهما قد حذفتا بسبب مراسم المعمودية التي سبقتهما.

أما وصفه للقداس الخاص بالمعمدين حديثاً فهو كالتالي: “لكننا، بعد أن نغسل ذاك الذي قد آمن ورضي، نحضره إلى هؤلاء المدعوين إخوة في مكان اجتماعهم، حتى نرفع معاً بكل قلوبنا صلاة لأجل أنفسنا، ولأجل الشخص الذي نال الاستنارة، ولأجل الآخرين الذين في كل مكان، حتى نُحسب مستحقين. والآن بعد أن عرفنا الحق، يجب أن نكون مواطنين صالحين وحافظين للوصية، وذلك حتى ننال الخلاص الأبدي. وبعد أن نفرغ من الصلاة، نسلم على بعضنا بعضاً بقبلة.

حينئذ يُقدم إلى رئيس الإخوة خبزاً وكأساً من الماء والخمر، فيستلمهما، ثم يأخذهما معطياً التسبيح والمجد لأبي كل شيء باسم ابنه والروح القدس؛ ثم يقدم شكراً طويلاً لكوننا قد حُسبنا مستحقين أن ننال هذه الأمور على يديه. وبعد أن يختم الصلوات والتشكرات، يبدي جميع الحاضرين موافقتهم بقولهم “آمين”، وهذه الكلمة “آمين” باللغة الآرامية تعني “ليكن كذلك”.

وبعد أن يحتفل الرئيس بالإفخارستيا، ويبدي الجميع موافقتهم، يقوم هؤلاء الذين ندعوهم شمامسة بإعطاء كل واحد من الحضور جزءً من خبز الإفخارستيا والخمر والماء، ثم يبقون على جزء للغائبين. ونحن نسمي هذا الطعام “الإفخارستيا”، ولا يسمح لأحد أن يشترك فيه إلا من يؤمن أن الأمور التي نُعلم بها صحيحة واغتسل في الحوض من أجل غفران الخطايا والولادة الجديدة، ومن ثم يعيش وفقاً لما أمر به المسيح.

نحن لا نتناول الخبز والخمر كأنهما خبز وخمر عاديان، لكن كما أن كلمة الله يسوع المسيح مخلصنا قد صار جسداً وصار له لحم ودم من أجل خلاصنا، هكذا أيضاً الطعام الذي يبارك بكلمة الصلاة التي خرجت منه والذي تغتذي عليه أجسادنا ودماؤنا بالاستحالة، هو أيضاً – كما تعلمنا – جسد ودم يسوع المسيح نفسه الذي صار جسداً؛ لأن الرسل في المذكرات التي كتبوها والمدعوة أناجيل قد أوضحوا أنهم قد أُمروا أن يفعلوا كالتالي: أن يسوع قد أخذ خبزاً وشكر وقال: “اصنعوا هذا لذكري، هذا هو جسدي”، وبطريقة مماثلة، شكر وقال: “هذا هو دمي”، ثم ناولهما لهم وحدهم”. (Apology 1: 62).

ويعطي القديس يوستينوس وصفاً لقداس الأحد العادي في الفصل رقم (67). وهو يفسر حقيقة كون هذا اليوم قد أُختير ليصبح يوم الاجتماع الليتورجي للجماعة المسيحية بقوله إنه فيه خلق الله العالم وقام المسيح من بين الأموات: “وفي ذلك اليوم الذي يُدعى الأحد، يجتمع كل من يعيش في القرى أو المدينة في مكان واحد، ثم تُقرأ مذكرات الرسل أو كتابات الأنبياء بحسب ما يسمح الوقت. ثم يختم القارئ، فيرشدنا الرئيس ويعظنا لنتمثل بهذه الأمور الرائعة، ثم ننهض جميعاً ونقدم صلواتنا.

وكما قلت قبلاً، بعد أن نختم صلواتنا يؤتى بخبز وخمر وماء، ثم يقوم الرئيس على نحو مماثل برفع صلوات وتشكرات بقدر ما يستطيع، فيوافق الناس قائلين: “آمين”، وتوزع الإفخارسيتا ويشترك الجميع فيها، وترسل أجزاء للغائبين بواسطة الشمامسة. ثم يتبرع الأغنياء إذا ما أرادوا، بالذي يريدون أن يتبرعوا به، كل بحسب ما يقدمه.

وتترك التبرعات في عهدة الرئيس الذي يساعد بها الأيتام، والأرامل، والمحتاجين بسبب المرض أو أي سبب آخر، وهؤلاء الذين في السجون والغرباء الذين في سفر، وباختصار، كل من في حاجة. لكن يوم الأحد هو اليوم الذي نقيم فيه اجتماعنا العام لأنه هو اليوم الأول الذي خلق فيه العالم عندما حول الظلام والمادة. وقد قام يسوع المسيح مخلصنا من بين الأموات في اليوم نفسه”. (Apology 1: 67).

وقد ثار نقاش حاد لا يزال مستمراً حول ما إذا كان يوستينوس قد اعتبر الإفخارستيا ذبيحة أم لا. لكن، يمكننا أن نجد الفقرة الحاسمة بخصوص هذا الأمر في حواره مع تريفون اليهودي (الفصل 41): “لا مسرة لي بكم يقول الرب؛ ولا أقبل ذبائحكم من أيديكم. لأنه من مشرق الشمس إلى مغاربها قد تعظم اسمي بين الأمم، وفي كل مكان يقدم لاسمي بخور وذبيحة طاهرة.

لأن اسمي عظيم بين الأمم يقول الرب، أما أنتم فنجستموه”. ثم يتكلم عن هؤلاء الأمم، يقصدنا نحن، الذين في كل مكان يقدمون له الذبائح. أي خبز الإفخارستيا وأيضاً كأس الإفخارستيا، مؤكداً على أننا نعظم اسمه وأنتم تنجسونه”. ولا شك أن يوستينوس هنا يساوي بوضوح بين الإفخارستيا والذبيحة التي تنبأ عنها ملاخي.

غير أنه ثمة فقرات أخرى يرفض فيها يوستينوس الذبائح بشكل واضح، وهكذا يقول في حواره (فصل 117): “اعترف أنه الآن عندما تُقدم هذه الصلوات والتشكرات – ذبيحة الشكر (الإفخارستيا) بواسطة رجال يستحقون، تكون هي الذبائح الوحيدة المرضية عند الله”.

كما أن لديه فكرة مشابهة تظهر في الفصل (13) من دفاعه الأول: “إن الإكرام الوحيد اللائق به هو ألا نحرف بالنار ما قد خلقه لإعالتنا، لكن أن نستخدمه لفائدتنا ولفائدة المحتاجين، وأن نقدم له الشكر بامتنان بالتسابيح والتراتيل، لأنه قد خلقنا”.

وقد استنتج البعض من هذه التعليقات أن يوستينونس يرفض الذبائح كلها ويقبل الصلاة فقط، خاصة الصلاة الإفخارستيا. لكن هذا التفسير لا يفي فكره حقه، فلا يمكن لأحد أن يدرك مفهوم يوستينوس عن الذبيحة إن لم يأخذ في حسبانه تعاليمه فيما يخص اللوغوس. إن ما يرفضه يوستينوس حقاً عن الذبائح المادية الحيوانية كما مارسها كل من اليهود والوثنين.

وهو يحاول بمفهومه عن الذبيحة أن يصنع جسراً يعبر الفجوة التي تفصل بين الفلسفة الوثنية والمسيحية بالضبط كما يستخدم مفهومه عن اللوغوس لنفس الغرض. إن مفهومه المثالي عن الذبيحة هو أو الذبيحة العقلية التي أعلن الفلاسفة اليونانيين أنها هي العبادة الوحيدة اللائقة بالله. في هذه الحالة، كما في حالة اللوغوس تعتبر المسيحية بمثابة التحقيق الكامل للمُثُل الفلسفية لأن بها مثل هذه الذبيحة.

لهذا السبب، يتفق يوستينوس مع كل من الفلاسفة اليونانيين وأنبياء العهد القديم في أن الذبائح الخارجية لا بد أن تبطل، فلم يعد هناك مكان للذبائح الدموية المادية. إن الإفخارستيا هي الذبيحة العقلية التي طال انتظارها، إنها هي الـ، وذلك لأن اللوغوس نفسه يسوع المسيح هو الذبيحة. وتعريف يوستينوس لـ باعتبار هي نفسها الإفخارستيا قد ثبت أنه صحيح.

كما أنه بإدخال يوستينوس هذه الفكرة الى التعليم المسيحي، استأثر للمسيحية بأرفع إنجازات الفلسفة اليونانية، وشدد في الوقت نفسه على الطابع الجديد والمميز للعبادة المسيحية. لقد أبقى يوستينوس على الذبيحة المدركة بالحواس، لكنه من ناحية أخرى شدد على الطابع الروحاني للعبادة المسيحية، الذي بسببه تفوقت على الذبائح الوثنية واليهودية جميعها. وهكذا يُعبر مصطلح “الذبيحة العقلية” (Oblatio rationabilis) الوارد في ليتورجية القداس الروماني، عن مفهوم يوستينوس للذبيحة أفضل من أي كلمة أخرى.

6 – الأفكار الأخروية

أما فيما يتعلق بأفكار يوستينوس الأخروية، فهو يشارك المؤمنين بالملك الألفي اعتقادهم بهذا الملك: “لكن أنا وغيري من المسيحيين ذوي الآراء السليمة في كل شيء متأكدون من أنه سيكون هناك قيامة للموتى ثم ألف سنة في أورشليم التي سوف تُبنى وتُزين وتوسع”. لكنه يشعر أنه ملزم بأن يعترف بأنه ليس كل المسيحيين لهم نفس وجهة النظر الألفية تلك: “إني أقول لك إن كثيراً من هؤلاء الذين ينتمون إلى الإيمان النقي والصالح هم مسيحيون حقيقيون لكنهم يفكرون بطريقة مختلفة”. (Dialogye 80).

وبحسب يوستينوس، تدخل أرواح المنتقلين إلى الهاوية أولاً ثم تبقى هناك إلى أن ينتهي العالم. والاستثناء الوحيد هم الشهداء، فأرواحهم تذهب مباشرة إلى السماء. لكن حتى في الهاوية، تنفصل أرواح الصالحين عن أرواح الأشرار، فأرواح الصالحين تبتهج متوقعة خلاصها الأبدي، بينما أرواح الأشرار تعسة بسبب عقوبتها وشيكة الوقوع. (Dialouge 5; 80).

 

[1] لمزيد من المعلومات عن حياة وكتابات فكر القديس يوستينوس، انظر “القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد، مركز باناريون للتراث الآبائي، الطبعة الأولى، 2012.

[2] هي مدرسة فلسفية في اليونان القديمة، استمدوا أفكارهم من مؤسس تلك المدرسة الفيلسوف اليوناني أرسطو، الذي سماه تلاميذه المشّاء. (المراجع)

[3] الفلسفة الكلبية (Cynicism) مذهب فلسفي أسسه في القرن الرابع قبل الميلاد الفيلسوف أنتيسثينيز، أحد أتباع الفيلسوف اليوناني سقراط. وكانت نقطة البداية لهذا الفيلسوف هي مذهب معلمه، الذي يرى الفضيلة وليس المتعة – الهدف الأساسي للحياة، وأنها تمثل السعادة الحقيقية. (المراجع)

[4] هو كتاب يحوي الشريعة الشفوية، ويشمل التشريعات والشروحات اليهودية، وقد جمعه يهوذا هاتاسي حوالي عام (200-220م) (المراجع).

[5] إن تعبير “ولد منه قبل المخلوقات” لا يعني أن الولادة قد حدثت قبل خلق المخلوقات بفترة وجيزة أو قد حدثت فقط من أجل خلق المخلوقات، ولكن هذا التعبير قد يعني التفريق بين ولادة الابن الأزلي والتي بالتأكيد هي قبل خلق المخلوقات في الزمن. (المراجع)

[6] يقول ق. يوستينوس في حوار: 61 عن الابن “يصنع إرادة الآب وولد بإرادة الآب” ومن الواضح أنه لم يكن يفرق بين الولادة بالطبيعة من جوهر الآب والولادة بإرادة الآب وهو ما يبدو واضحاً من كلامه التالي، فعلى الرغم من أنه يقول عن الابن إنه ولد بإرادة الآب إلا أنه يصفه بأنه كلمة الآب وحكمته وقدرته ومجده وهذا في الحقيقة يتماشى مع التعليم بأن الابن مولود بالطبيعة وليس بالإرادة من جوهر الآب. وهذا الأمر قد حسمه الآباء في مجمع نيقية فيما بعد حيث أكدوا أن الابن مولود بالطبيعة من جوهر الآب وليس بإرادة الآب. (المراجع)

[7] المقصود هنا هو الخطية الأولى التي دخل بها الموت إلى العالم.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

 

القديس يوستينوس Saint Justin Martyr

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

يمكن تشبيه الدفاعيات بإزاحة الستار حتى يتمكن الناس من رؤية لمحة لما يختبئ وراءها، أو يرفع ماسة مقابل النور فتتلألأ وجوهها وتبرق عند سقوط أشعة الشمس عليها. فالدفاعيات تهتم بتأسيس مداخل للإيمان، سواءً تخيلنا هذه المداخل فتح أبواب، أو إزاحة ستار، أو إضاءة مصباح حتى يرى الناس بمزيد من الوضوح، أو استخدام عدسة تضع الأشياء في البؤرة.

والموضوعات الرئيسية في الدفاعيات هي تلك التي تتيح للناس رؤية الأشياء بوضوح، وربما للمرة الأولى، تساعدهم على اكتشاف الأفكار المضللة، فيدركون فجأة سر ما يتمتع به الإيمان المسيحي من قدرة على الإقناع على المستوى الفكري وجاذبية على المستوى التخيلي.

فالدفاعيات تقوم بمد الجسور التي يعبر عليها الناس من العالم الذي يعرفونه إلى العالم الذي يودون اكتشافه، وتساعدهم في العثور على أبواب ربما لم يسمعوا بها من قبل، فيرَون عالماً يفوقُ كل تخيلاتهم ويدخلون فيه. والدفاعيات تفتح العيون وتفتح الأبواب بتأسيس مداخل للإيمان المسيحي. فما هي المداخل التي نقصدها؟

حتى عهد قريب، كان الاتجاه السائد في الدفاعيات يعتمد على استخدام الحجج للدفاع عن الإيمان المسيحي بشكل عقلاني. إلا أن هذا الاتجاه كان يمثل إلى حد كبير استجابة لثقافة عقلانية اتخذت من التوافق مع العقل معيارًا للحق. وسنرى أن استخدام الحجة ما زال يمثل جزءًا لا يتجزأ من الدفاعيات المسيحية ولا يجب تهميشه أبدًا. إلا أن تراجع المذهب العقلاني في الثقافة الغربية أدى إلى الإقلال من أهميتها. وخلَق جوًا يتطلب إدراكَ جوانب أخرى في الإيمان المسيحي، وعلى رأسها ما يتمتع به من جاذبية عظمى على مستوى الخيال، والأخلاق.

والكُتاب المسيحيون القدامى، وخاصةً كُتاب العصور الوسطى وعصر النهضة، علقوا أهمية كبرى على الصور التشبيهية والقصص الكتابية في تعليم الأشخاص المخلصين، إلا أن صعود تيار الحداثة أدى إلى الحط من قيمة هذين العنصرين، بقدر ما أدى ظهور تيار ما بعد الحداثة إلى إعادة اكتشاف قوة تأثيرهما.

وقد أدى نمو تيار ما بعد الحداثة مؤخرًا إلى تأكيد أهمية القصة والصورة من جديد لأن كلاً منهما يجذب الخيال البشري بشكل خاص. وكل من له دراية بتاريخ الدفاعيات المسيحية لا يصعب عليه أن يدرك أن المدافعين القدامى كانوا يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على هذين العنصرين باعتبارهما مداخل للإيمان، وخاصةً في عصر النهضة. ولذلك، فنحن بحاجة لاستعادة هذه الأساليب القديمة في الدفاعيات لخلق منهج متوازن يدافع عن الإيمان المسيحي ويبرز جماله في ظل ما تشهده ثقافتنا من تحولات.

وعلينا أن نكيف دفاعياتنا بم يتلاءم مع مستمعينا، مع الانتباه لوجود عدة نقاط للتلاقي بين الإنجيل والنفس البشرية. ويتضح أن العهد الجديد نفسه يُعنى بربط الإنجيل مع مفاهيم وخبرات المتلقين على اختلاف نزعاتهم. فإن كانت النفس تَعطش لله “كَأَرضٍ يَابِسَةٍ” (مز143: 6)، فكيف ترتوي؟ إن مهمتنا تحديد القنوات المتاحة التي تتدفق فيها مياه الإنجيل الحية فتنعش النفس البشرية وتغيرها، ثم استخدام هذه القنوات بأمانة وفاعلية. وفي هذا الفصل سأستخدم صورة المدخل لتساعدنا على فهم هذه المنهجيات المختلفة.

المداخل والدفاعيات: بعض الأفكار:

تُعتبر صورة الشمس والنافذة من أهم الصور التي استخدمها اللاهوتيون في العصور الوسطى لشرح ما تجريه نعمة الله من تغيير في النفس البشرية. وتُعَد كتابات “ألن الذي من لِيل” Alan of Lille (المتوفى سنة 1203) مثالاً جيدًا على هذا حيث يشَبه النفس البشرية بحجرة باردة مظلمة. ولكن عندما تُفتح النافذة على مصراعيها، يندفع نور الشمس إلى الحجرة فيشيع فيها النور والدفء.

إلا أن فتح النافذة لا يدفئ الغرفة ولا ينيرها، ولكنه يزيل حاجزاً من أمام القوة التي يمكنها أن تفعل ذلك، فسبب التغيير الحقيقي هو الشمس. وكل ما نفعله نحن أننا نزيل الحاجز الذي يمنع نور الشمس وحرارتها من دخول الحجرة.

وهذه الصورة تساعدنا على إدراك هذه الفكرة اللاهوتية، وهي أننا لا نتسبب في تغيير الناس وقبولهم للإيمان. ويؤكد “ألن” أننا نحن الذين لا بد أن نفتح نافذة عقولنا على مصراعيها، فتتمكن نعمة الله من العمل في حياتنا، وهكذا ينحصر دورنا في إزالة العوائق من أمام نعمة الله، أما تجديد نفوسنا فهو مهمة هذه النعمة الإلهية. إلا أن الصورة مهمة في مجال الدفاعيات أيضًا، فهي تُذكرنا أن الله هو من يغير النفوس، وتؤكد في الوقت نفسه أننا قادرون على تيسير هذه العملية بالمساهمة في إزالة الحواجز والعوائق التي تقف أمام نعمة الله.

والمدخل وسيلة تنفتح بها عيوننا على حقيقة حالتنا، وقدرة الإنجيل على تغييرها. ولكي نفهم هذه النقطة المهمة، تخيل أنك مصاب بتسمم في الدم، وحياتك ستنتهي في غضون ساعات لو لم تحصل على الأدوية اللازمة، ولكنك لا تعرف ما أصابك على وجه التحديد، ولا تعرف بوجود علاج لهذه الحالة. حاول أن تتخيل نفسك في ذلك الموقف. والآن فكِّر في الطرق التالية التي يمثل كلٌّ منها مدخلاً يؤدي إلى تغيير وضعك:

  1. يخبرك طبيب من أصدقائك أن ما تعانيه هو تسمم في الدم، ويشرح لك أن هذه الحالة إن لم تعالج تؤدي إلى الوفاة، ويعطيك أسماء عدة أدوية ويخبرك بالمكان الذي تحصل عليها منه وبكيفية استخدامها.
  2. يخبرك صديق آخر أنه أصيب بهذه الأعراض عينها، إلا أن شخصًا أخبره بدواء معين أنقذ حياته. يقترح عليك أن تجرب هذا الدواء. أي أنه يحكي لك قصته الشخصية التي تتقابل مع قصتك في هذه النقطة الحرجة.

الطريقة الأولى تمثل حجة تستند إلى أدلة، أما الثانية قصة تستند إلى خبرة شخصية يرى صاحبها أنها مطابقة للموقف الذي تمر به. ورغم أن كل أسلوب يختلف تمامًا عن الآخر، فكلٌّ منهما يمثل مدخلاً. كيف؟

أولاً، كلٌّ منهما يساعدك على رؤية الأمور على حقيقتها. ثانياً، كلٌّ منهما يتيح لك أن تدرك ما يجب فعله لتغيير الأوضاع. ثالثًا، كلٌّ منهما يشجعك على اتخاذ تلك الخطوة الحاسمة بالحصول على الدواء، وتناوله حتى تتحسن حالتك.

إن الدواء هو سبب شفائك، ولكنك لو لم تدرك حقيقة حالتك، وأنك تحتاج للدواء، لكان شفاؤك مستحيلاً. ونعمة الله هي الدواء، وبعد أن تُشفى بهذه النعمة يمكنك أن تساعد الآخرين على إدراك حاجتهم لها، ويمكنك أن تشهد عن قوتها. والله هو من يغير الناس ويأتي بهم للإيمان. أنت جزء صغير (ولكنه حقيقي) في عملية الشفاء هذه. ومن ثم، فما تقوله يمكن أن يمثل مدخلاً يسمح للناس برؤية الأمور من منظور مختلف، مما يساعدهم على تخيل طريقة جديدة للتفكير والعيش.

فما هذه المداخل المتاحة للدفاعيات المسيحية؟ سوف نبحث في هذا الفصل بعض الإمكانات المتوفرة للدفاعيات. وسنبدأ بأبسط الأساليب الدفاعية، ألا وهي شرح ماهية المسيحية.

المدخل الأول: الشرح:

أفضل دفاع عن المسيحية هو شرحها. أي أنك إن أردت أن تدافع عن المسيحية أو تبرز جمالها، فأفضل السبل لذلك أن تبدأ بتعريف الناس بماهية المسيحية، لأن الكثيرين لديهم مفاهيم خاطئة عن المسيحية تعيق قبولهم للإيمان.

ومن أروع الأمثلة على ذلك مثال يقدمه اللاهوتي العظيم القديس أغسطينوس الذي قبِل الإيمان بعد جولة طويلة في أراضي الفلسفة المجدبة.[1] كان أغسطينوس شابًا موهوبًا في الخطابة من شمال أفريقيا، وقد صاحب المانويين، وهي طائفة كانت شديدة الانتقاد للمسيحية، هكذا استقى جُل معرفته بالمسيحية من نقادها، لم تكن بالمعرفة الدقيقة. ورفض أغسطينوس المسيحية باعتبارها لا تستحق اهتمام شخص في ثقافته وذكائه.

وكان أغسطينوس طموحًا، فقرر أن يكون رجلاً ناجحًا في عاصمة الإمبراطورية، فغادر شمال أفريقيا متجهًا إلى روما. وبعد فترة وجيزة من وصوله، عُرِضَت عليه وظيفة خطيب عام في ميلانو، وهي المدينة الرئيسية في شمال إيطاليا. ونظرًا لإدراكه بأن هذه الوظيفة يمكن أن تمثل بداية لحياة مهنية ذات شأن في العمل المدني بالإمبراطورية، رحب أغسطينوس بالعرض. إلا أنه كان يعلم أيضًا أن تقدمه في المجال السياسي يعتمد على قدراته البلاغية. فمن يستطيع أن يساعده في تطوير هذه المهارات؟

اكتشف أغسطينوس بعد وصوله إلى ميلانو أن أمبروز Ambrose أسقف المدينة المسيحي مشهور ببراعته في الخطابة، فقرر أن يكتشف بنفسه ما إذا كان يستحق هذه الشهرة. فكان كل يوم أحد يتسلل إلى الكاتدرائية الكبيرة في المدينة ويستمع لعظات الأسقف. وفي البداية لم يكن اهتمامه بالعظات سوى اهتمام الشخص المتخصص الذي ينظر للعظة باعتبارها خطبة فخمة. ولكن محتوى العظات بداً يستحوذ عليه تدريجيًا.

اعتدت أن أسمع عظاته متحمسًا، ولكني لم أكن مدفوعاً لذلك بالدافع الصحيح، بل كنتُ أريد أن أختبر مهارته في الخطابة لأرى ما إذا كانت طلاقته أفضل مما قيل لي عنه أم أدنى… ولكني لم أكن مهتمًا بما يقول، وكانت أذناي لا تتجه سوى نحو أسلوبه في الخطابة… إلا أنه كما دخلت الكلمات التي أمتعتني إلى عقلي، هكذا دخلت المادة التي لم أكن أعبأ بها في بادئ الأمر، حتى إني لم أتمكن من الفصل بينهما. فبينما كنت أفتح قلبي لفصاحته، دخل معها أيضًا الحق الذي كان يعلنه.[2]

وكما يتضح من رحلة أغسطينوس الطويلة إلى الإيمان، نجح أمبروز (الذي أصبح أغسطينوس يعتبره واحدًا من أبطال اللاهوت) في إزالة عائق ضخم من طريق الإيمان. فقد أبطل مفعول الصورة المغلوطة التي روجتها المانوية عن المسيحية. وبعد أن استمع أغسطينوس لأمبروز بدأ يدرك أن المسيحية أكثر جاذبية وإقناعًا مما كان يظن بكثير. وهكذا أزيل عائق يقف أمام الإيمان. وبالرغم من أن أغسطينوس لم يؤمن بالمسيحية إلا بعد فترة، فقد كان لقاؤه مع أمبروز علامة بارزة على طريق البحث.

ولابد أن البعض ممن نلتقي بهم في خدمتنا الدفاعية يحمل أفكارًا مضللة ومشوهة تمامًا عن المسيحية. وهذه المفاهيم الخاطئة التي يلتقطها البعض دون وعي، والبعض الآخر ينشرها عن قصد، لابد من تحديدها وإبطال مفعولها بخطة مُحكمة مدروسة.

ننتقل الآن لنبحث ما قد يُعتبر أكثر مداخل الإيمان شيوعًا، ألا وهو استخدام الحجة المنطقية.

المدخل الثاني: الحجة:

تؤكد المنهجيات الكلاسيكية في الدفاعيات أهمية العقل في كلٍّ من بناء حجة فكرية تؤيد فكرة وجود الله، ونقد الأفكار المغايرة. وقد بحثنا فيما سبق دور الحجج في الدفاع عن وجود الله، ومنها:

  1. الحجة المبنية على التصميم argument from design: وهي تَعتبر أن ملاحظة التصميم الموجود في العالم، مثل ما يميزه من “ضبط دقيق”، أو بنية معقدة يشير إلى أن الله هو المصمم (ص 99، 100).
  2. الحجة المبنية على الإنشاء argument from origination: إن كانت للكون بداية، فهذا يعني أن له مسببًا أنشأه، وقد يكون هذا المسبب شخصًا أو شيئًا، وهو ما يشير تلقائيًا إلى فكرة الله في المسيحية باعتباره خالقَ كل شيء (ص 96- 98).
  3. الحجة المبنية على الترابط argument from coherence: وهنا نركز على قدرة الإيمان المسيحي أن يقدم تفسيرًا لما نلاحظه في العالم المحيط ولما نختبره داخلنا (ص79- 86، 101- 103).
  4. الحجة المبنية على الأخلاق argument from morality: تقول هذه الحجة باستحالة وجود قواعد ثابته وموثوق بها للقيم الأخلاقية إلا إذا كان لها أساس يتجاوز هذا العالم المادي، كإله بار مثلاً (ص 104-109).

وقائمة الحجج تطول، ولكن لابد أن نأخذ في اعتبارنا أن هذه الحجج لا يجب أن تُفهم على أنها “براهين” بالمعنى المنطقي الدقيق للكلمة. ولكن ما توضحه هذه الحجج بكل جلاء أن الإيمان بالله له أسباب وجيهة، أو أن الإيمان بالله له مبرراته، حتى وإن كان لا يمكن البرهنة عليه بشكل مطلق.

وكلمة “برهان” بمعناها الدقيق لا تنطبق إلا على المنطق والرياضيات، فكما يمكننا أن نبرهن على أن الكل أكبر من الجزء، يمكننا أن نبرهن أن 2+2 =4. إلا أنه يجب أن نحترس من الخلط بين “قابلية البرهنة” و”الحق”. ففي مطلع القرن العشرين أثبت عالم الرياضيات العظيم “كرت جودل” Kurt Gödel أنه بالرغم من كثرة ما نصوغه من قواعد الاستدلال، ستظل هناك بعض الاستدلالات التي لا تخضع لهذه القواعد، ومع ذلك فهي مقبولة.

أي أن هناك عددًا من الأفكار الصحيحة التي قد لا يمكننا إثبات صحتها،[3] وهذه الحقيقة تنطوي على معانٍ غاية في الأهمية من الناحية الفلسفية.[4]

ويمكن استخدام الحجج أيضًا في نقد بدائل الإيمان المسيحي وتقييمها، وذلك بإظهار عدم ترابطها على المستوى الفكري أو افتقارها لأساس من الأدلة يمكن الوثوق به. فقد أبرزنا مثلاً عبر صفحات هذا الكتاب قدرة الإنجيل على خلق معنى للأشياء.

ونحن بذلك لا نحصر جاذبية المسيحية في أبعادها العقلانية فحسب، لأنها غنية بالجوانب الوجدانية، والأخلاقية، والتخيلية، والوجودية. ويجب على المدافع الذي يتحلى بروح المسئولية أن يستفيد منها استفادة كاملة. ولا شك أن الكثيرين ينجذبون إلى الإيمان المسيحي بسبب قدرته على خلق معنى للأشياء.

ولكن ماذا عن بدائل المسيحية؟ ما مدى قدرة النظم المنافسة على خلق معنى للأشياء؟ هل تصمد أمام اختبار الاتساق التجريبي، أي هل تنجح نظرياتها في خلق معنى للملاحظة وللخبرة؟ وقد أكدنا في فصل سابق أهمية إظهار ما يميز الإيمان المسيحي من قدرة على خلق معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ولا يكفي هنا أن يقتصر المدافع على إظهار تفوق المسيحية في هذا الصدد، ولكنه لا بد أن يبين قصور البدائل الأخرى.

ويرجع الفضل في تصميم هذا الأسلوب لواحد من أهم المدافعيين الكتابيين في أمريكا الشمالية أثناء القرن العشرين، وهو “فرانسيس شِفَر” (1912- 1984). ويُبرز أسلوب “شِفَر” في الدفاعيات الكثير من النقاط التي تناولناها في هذا الكتاب.[5]

فهو يلفت النظر مثلاً لأهمية أخذ الجمهور في الاعتبار، والابتعاد عن استخدام منهج موحد للجميع: “إن أردنا أن نتواصل مع مستمعينا، لابد أن نصرف الوقت والجهد لنفهم لغتهم، حتى نوصل لهم الرسالة باللغة التي يفهمونها.”[6] أي أن المدافع لابد أن يستمع لجمهوره حتى يتعلم لغتهم ليتمكن من التواصل معهم بهذه اللغة.

ويبدو أن “شِفَر” اكتشف بنفسه أهمية الإصغاء لأفكار جمهوره ومخاوفهم وتطلعاتهم أثناء عمله المرسلي في المنطقة الناطقة بالفرنسية في سويسرا في أواخر الخمسينات وفي الستينات من القرن العشرين. ونظرًا لأنه كان يقيم في كوخ سويسري (اسمه “لابري” L’Abri وهو مشتق من الكلمة الفرنسية التي تعنى “مأوى” أو “ملجأ”) في قرية بجبال الألب تدعى “إيموز” Huemoz، فقد كان يستضيف الكثير من الطلاب الذين يتجولون في أنحاء أوروبا، ولاسيما الشباب الأمريكيين الذين كانون يتجولون في مختلف البلدان الأوروبية بحقيبة ظهر.

فكان يسمع آرائهم في الأفلام والروايات المعاصرة أو في الفلسفات الجديدة التي ظهرت آنذاك. وكان يتساءل كيف يمكن تقديم الكتاب المقدس بشكل يناسب الأفكار الوجودية العنيدة التي روجها الفلاسفة المؤثرون في تلك الحقبة مثل “جان بول سارتر”  Jean Paul Sartreوكذلك “سورن كيركجارد”. وإذ استمع “شِفَر” لهؤلاء الطلاب وهم يُعبرون عن أفكارهم، اكتشف أنه يمكنه التفاعل معهم في مستواهم وبلغتهم، مستخدمًا صورًا توضيحية من عالمهم ليساعدهم على إدراك معقولية الإيمان المسيحي.

إلا أن أعظم إساهم قدمه “شِفَر” للدفاعيات يكمن في الأهمية التي يعلقها على تحديد مَواطن الصراع في الفلسفات غير المسيحية واكتشاف ما تنطوي عليه من معانٍ أشمل. والمقصود أن أي فلسفة حياتية ترتكز على افتراضات مسبقة معينة، فإن كانت هذه الافتراضات المسبقة من صنع الإنسان ولا تتضمن تفويضًا أو تخويلاً إلهيًّا، فلن تتمكن من التوافق مع بِنَى الكون الذي خلقه الله.

كلما كان مَن يؤمن بفكر غير مسيحي منسجمًا مع افتراضاته المسبقة، ابتعد عن العالم الحقيقي، وكلما اقترب من العالم الحقيقي، تَبدد انسجامه مع افتراضاته المسبقة.[7]

ويقول “شِفَر” إن كل شخص يعيش بإحدى قدميه في أحد العالمَين ويضع الأخرى في العالم الآخر: العالم الحقيقي الخارجي الذي يتميز بعمقه وتعقيده، وعالم داخلي من الأفكار يشكله الاشتياق للتفهم، والحب، والقيمة. فإن وُجِد صراع بين هذين العالمين، يستحيل على الفرد أن يحيا حياة لها معنى.

فلابد من وجود توافق بين خبرتنا في العالم الخارجي وعالمنا الداخلي.[8] ولذلك، يرجح “شِفَر” أن المدافع لابد أن يستخدم الحجة المنطقية لتحديد وكشف التناقضات والصراعات الداخلية التي تحويها الفلسفات الحياتية غير المسيحية. وهو يبين أنها تقوم على فرضيات أو افتراضات مسبقة لا تتسق مع الوجود الإنساني الحقيقي ولا تتوافق معه.

كل مَن نتحدث إليه، سواءً أكان بائعًا في متجر أم كان طالبًا جامعيًا، يحتفظ بمجموعة من الافتراضات المسبقة، سواء قام بتحليلها أم لم يقم… ويستحيل على أي شخص غير مسيحي أو جماعة غير مسيحية أن تتوافق مع النظام الذي تتبعه سواء على مستوى المنطق أو على مستوى الممارسة.

وعندما يحاول الشخص إخفاء الصراع، عليك أن تساعده على كشفه، وفي نقطة معينة سيكتشف عدم الاتساق. وعندئذٍ سيجد نفسه غير قادر على الاستمرار، وهذا الصراع ليس صراعًا فكريًا فحسب، ولكنه يقع في صميم الكيان الإنساني ككل.[9]

ومن ثم، على المدافع أن يساعد الفرد على إدراك هذا “الصراع” والشعور بقوته الفكرية والوجودية، وهو ما يتضمن مساعدته على اكتشافه أولاً، وتقدير أهميته ثانيًا. ويرى “شِفَر” أن البشر يَقُون أنفسهم من هذا الصراع بحمايتها داخل شرنقة فكرية تمنعهم من مواجهة ذلك الاكتشاف المزعج بأن أفكارهم لا تتفق مع الواقع. ويستخدم “شِفَر” صورة يقتبسها من شتاء سويسرا لوصف هذه الحالة، فهو يشبه هذه الشرنقة الفكرية بأسقف أكواخ جبال الألب التي تعمل كمصدات تحمي المسافرين من الانهيارات الثلجية:

فهو يشبه المصدات الكبيرة التي تبنى على بعض الممرات الجبلية لحماية العربات من انهيارات الصخور والحجارة التي تهوي من فوق الجبل من آن لآخر. وهذه الانهيارات الثلجية في حالة غير المسيحي هي العالم الحقيقي الساقط المشوه الذي يحيط بهم. وعلى المسيحي أن يزيل المصدة بحب ويسمح لحقيقة العالم الخارجي وحقيقة الإنسان بأن تصدمه.[10]

ومن ثم يمكن النظر إلى الدفاعيات باعتبارها نزعًا لسقف هذا الكوخ لإجبار الشخص على إدراك أن طريقة تفكيره عاجزة عن الصمود في مواجهة العالم الحقيقي الخارجي.

فكيف يمكن تطبيق هذا المنهج؟ يعطينا “شِفَر” مثالاً يوضح هذا الأسلوب جيدًا. فقد كان يتحدث إلى مجموعة من الطلاب في غرفة بإحدى الكليات في جامعة كامبردج. وبينما كان الماء يغلي لتحضير الشاي، ابتدره أحد الطلاب الهنود قائلاً إن المسيحية لا معنى لها. فسأله “شِفَر” عن عقيدته قائلاً: “ألستُ على صواب إن قلت إن القسوة وعدم القسوة متساويات في عقيدتك، وليس بينهما أي فارق أصيل؟” فوافقه الطالب. ثم يروي “شِفَر” ما حدث بعد ذلك:

الطالب الذي اجتمعنا في غرفته فهم جيدًا ما يعنيه اعتراف الطالب السيخي، فتناول الغلاية الممتلئة بالماء الساخن الذي كان سيعمل به الشاي، ووضعها أعلى رأس الشاب الهندي والبخار يتصاعد منها. فنظر الشاب لأعلى وسأله: ماذا تفعل؟ فأجابه بنبرة حاسمة باردة ولكنها مهذبة: “لا فرق بين القسوة وعدم القسوة.” وعندئذ خرج الهندي صامتًا واختفى في ظلام الليل البهيم.[11]

وأسلوب “شِفَر” يتسم بقوته وبقدرته على الوفاء بالعديد من الأغراض، مما يجعله صالحًا لعدد من المواقف المختلفة. خذ مثلاً الوضعية المنطقية Logical Positivism، وهي حركة فلسفية حققت نجاحًا كاسحًا في العالم الناطق بالإنجليزية في ستينات القرن العشرين. وقد أعلنت هذه الحركة أن كل العبارات الميتافيزيقية*، بما فيها ما يتعلق بالله، عديمة المعنى.

وكان الأساس الذي اعتمدت عليه هذه الفلسفة في ذلك هو “مبدأ التحقق” الذي قصر العبارات ذات المعنى على القضايا الصحيحة في حد ذاتها (مثل “كل العزاب غير متزوجين”) أو التي تتأكد بالخبرة (مثل “كان في الحديقة الأمامية لقصر “باكينجهام” ست إوزات الساعة 5:23 صباحًا يوم 1 ديسمبر 1968″). وتطبيق منهج “شِفَر” يتيح لنا أن نؤكد أن مبدأ التحقق نفسه عديم المعنى لأنه لا يتماشى مع المعيار الذي اعتمدته الوضعية المنطقية لقياس المعنى.

أو خذ مثالاً أبسط للهجمة الشرسة التي غالبًا ما نواجهها في جامعات أمريكا الشمالية: “لا يمكن أن تتأكد من أي شيء”. وهذه النظرة تهدف إلى الإطاحة برؤية “الصورة الكبرى” للواقع، كتلك التي يقدمها الإيمان المسيحي لأنها تعني أننا لابد أن نتشكك حتى في كل العبارات المؤكدة المختصة بالحياة.

ولكن من الواضح أن هذا التصريح ذاتي المرجعية يعتمد في صدقه أو كذبه على ذاته self-referential، ويمكن تقويضه والقضاء عليه بطرح سؤال بسيط ردًا عليه: “هل أنت متأكد من ذلك؟” وهكذا فإن المنطق الذي يقوم عليه الادعاء هو نفسه الذي يُسقطه.

إلا أن هذا لا يعنى أن مهمتنا هي مجرد الفوز بالمجادلات أو تقديم المؤهلات العقلانية للإيمان. فمما يؤسف له أن تأثير حركة التنوير على الثقافة الغربية لم يختفِ، ولا سيما في الإصرار على تقديم براهين تثبت صحة العقائد، مما نتج عنه تقديم الدفاعيات المسيحية باعتبارها مجرد بناء حجج فعالة تهدف لإقناع الناس بصحة الإيمان المسيحي. إلا أن الخطورة في ذلك أنه قد يؤدي إلى إظهار المسيحية على أنها مجموعة من الحقائق الجامدة والأفكار المجردة. ولذلك، فإن هذا المنهج ينطوي على ثلاث صعوبات.

أولها، أنه ليس  مؤسسًا على الكتاب المقدس كما يجب. فالحق، ولاسيما في العهد القديم، يركز في المقام الأول على المصداقية والثقة. والقضية الأساسية في الدفاعيات تتلخص في أن الله هو قاعدة أمان، وأنه أساس آمن تُبنى عليه حياة الإيمان. أي أن “الإله الحقيقي” ليس مجرد إله موجود، بل إله يمكن الاعتماد عليه. والنظرة العقلانية التي تعتبر الحق هو كل افتراض تَثبت صحته تستبعد النظرة الكتابية التي تعتبر الحق مفهومًا علاقاتيًا.

والمشكلة الثانية أن جاذبية الإيمان المسيحي لا يمكن أن تقتصر على منطقية عقائده. ولكن المسيحية تستند بقوة على الخيال أيضًا. كما توضح كتابات “سي. إس. لويس.” وعندما كان “لويس” شابًا وجد نفسه يتوق إلى عالم له معنى، يشتعل حبًا، ويفيض جمالاً، ولكنه اقتنع أن هذا العالم لم ولن يوجد: “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وَهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[12]

لقد أخبره خياله بوجود عالم أفضل، ولكن عقله أخبره أنه كلام فارغ. فلم يجد أمامه خيارًا سوى مواجهة عالم مجدب مجرد من المشاعر، ومواجهة وجوده الخالي من أي معنى.

وأخيرًا اكتشف “لويس” عقلانية الإيمان المسيحي، إلا أن انجذابه للإيمان كان سببه أن الإنجيل يقدم معنى، وليس لأنه يُعبر عن افتراضات صحيحة. وقد علق “لويس” على هذا قائلاً: “إن العقل هو الأداة الطبيعية للحق، ولكن الخيال هو أداة المعنى.”[13] وجاذبية الإيمان المسيحي عند البعض تتمثل في جمال عبادته، أو في قدرته على التلامس مع المشاعر الإنسانية، أو في نتائجه الأخلاقية.

أما ثالث هذه المشكلات فهي أن المنهج العقلاني يقوم على نظرة حداثية. إلا أنه في معظم أنحاء العالم الغربي اليوم، حل اتجاه ما بعد الحداثة مكان الحداثة، مما يقلب الكثير من المعتقدات المحورية للحداثة رأسًا على عقب. فالاستناد إلى الصفة العقلانية الأصيلة في الإيمان ينجح في إطار حداثي، ولكن في أطر ثقافية أخرى، قد يفشل هذا المنهج نفسه الذي يقوم على الحجة والمنطق فشلاً ذريعًا في التلامس مع التطلعات والأفكار الثقافية المسبقة.

وكما سنرى في قسم لاحق من هذا الفصل، أن ميل ما بعد الحداثة للقَصص أكثر منه للحجة يتيح فرصًا عظيمة للدفاعيات الكتابية نظرًا لأن الأشكال القصصية تملأ صفحات الوحي.

ولكننا مع ذلك، ما زلنا نؤكد منطقية الإيمان ونشدد عليها، دون أن نحصره فيما يمكن للمنطق أن يبرهن عليه بشكل قاطع. فأسئلة الحياة الجوهرية تتجاوز حدود العقل بكثير، ومن هذه الأسئلة: من أنا؟ هل أنا مهم فعلاً؟ لماذا أنا هنا؟ هل يمكنني أن أُحدث اختلافًا؟[14] وهي أسئلة لا يمكن للعلم ولا للمنطق البشري الإجابة عنها.

ومع ذلك، إن لم يجد المرء إجابات لهذه الأسئلة، تصبح حياته بلا معنى. وعلينا نحن المدافعين أن نبين أن الإيمان المسيحي يقدم إجابات لأسئلة الحياة الجوهرية، وهي إجابات منطقية من ناحية، وناجحة على المستوى العملي من ناحية أخرى. فكما هو مهم أن نُظهر أن المسيحية صحيحة، مهم أحيانًا أن نُظهر أنها حقيقية.

المدخل الثالث: القصص:

إن تركيز تيار ما بعد الحداثة على القصص يمثل أهمية خاصة في الدفاعيات. فقد كانت الحداثة تنظر بعين الريبة للقصة في التعامل مع الواقع. ومن ثم، سعت لإجهاضها أو التخلص منها بالاستناد إلى التحليل أو الحجة العقلانية، بحيث تتحرر تمامًا من قيود عشوائية التاريخ الأليمة. وقد انعكس ذلك بكل وضوح في تفسير الكتاب المقدس. وكما أشار “هانس فري” Hans Frei  (1922- 1988) أستاذ اللاهوت في “جامعة ييل” Yale University، مختزلاً ما به من روايات تاريخية وأشكال قصصية (كأمثال المسيح) إلى أفكار مجردة من الزمن.[15] وكان يُنظر إلى القصة كأنها قشرة مزعجة غير مستحبة تغطي على الجوهر الفكري والأخلاقي للكتاب المقدس.

إلا أن تيار ما بعد الحداثة شهد استعادة للاهتمام بالقصة الكتابية بما فيها الأشكال القصصية الخاصة كالأمثال التي رواها يسوع ليُعَلم الجموع عن ملكوت الله. ولم يعد إثبات الحق يتوقف على الحجة، ولكن بدأ يُنظر للقصص على أنها قادرة على تكوين هوية مميزة من الناحية الأخلاقية والمفاهيمية.

فالمسيحية تعلن عن عالم يتشكل بالقصص وهي تسكن في هذا العالم، والأساس الذي يشكل أفكار هذا العالم وقيمه هو قصة تعاملات الله مع شعبه التي تبلغ ذروتها في قصة يسوع الناصري. وهكذا فالمسيحية في أساسها ليست مجرد مجموعة أفكار.

منذ حوالي سبعينات القرن العشرين، تزايد الاهتمام بدراسة دور القصة في كلٍّ من اللاهوت والفلسفة، وعلى صعيد الفلسفة الإنجليزية والأمريكية، ظهر بعض الكُتاب البارزين أمثال “بول ريكور” Paul Ricoeur وكذلك “ألاسدير ماكينتاير” وأيضًا “تشارلز تيلور” الذين تصدوا لتقديم معالجات جادة لما ينطوي عليه القَصَص من موضوعات أساسية. فقد درس “ريكور” القصة بوصفها أساسًا لكل صور فهمنا للعالم وبوصفها إطارًا يعيش فيه البشر. ويقول “ماكينتاير” بأن قرارات حياتنا تتشكل وتترتب بناءً على فهمنا لها باعتبارها تشكل جزءًا في “قصة” (أو تقليد) أكبر.

وهو يقول “لا يمكنني أن أجيب عن سؤال “ماذا يجب أن أفعل؟” إلا بعد أن أجيب عن سؤال أسبق، وهو “ما هي القصة التي أشكل جزءًا منها؟”[16] وكما سنرى، يمكن أن تمثل هذه المنهجيات قيمة عظمى للدفاعيات المسيحية.

والكثيرون اليوم يؤيدون الرأي الذي يقول بأن القصص هي المنظار الأساسي الذي يرى البشر الواقع من خلاله. فنحن نرى العالم باعتباره قصة تجيب عن الأسئلة المحورية المختصة بالوجود، والهوية، والمستقبل.

وهذه القصص يمكن أن تجيب عما يسميه الفيلسوف “كارل بوبَر” Karl Popper “الأسئلة العليا” “ultimate questions” وهو بذلك يريدنا أن نفهم المسائل الكبرى التي تتناول “معنى الحياة”، ومنها تلك التي يطرحها “روي بوميستر” Roy [17]Baumeister، وهي التي تتعلق بالهوية، والغرض، والتكليف، والقيمة وتتخذ شكل أسئلة مثل: “من أنا؟” “ما هدف الحياة؟” ” ماذا أفعل لأُحدث فرقًا؟”

وقد أدرك البشر من قديم الزمان الأهمية الثقافية والفكرية لوجود قصة تفسيرية شاملة. وغالبًا ما يستخدم مصطلح “الأسطورة” في المجال الأكاديمي للإشارة إلى هذه القصص التفسيرية التي تشرح الواقع والهوية الشخصية والاجتماعية. (عادةً ما يساء فهم مصطلح “الأسطورة” على أنه “قصة غير حقيقية”، إلا أن هذا المعنى ليس هو المقصود هنا). ولكن كما أشار “لويس” وآخرون، كلمة “أسطورة” تشير أساسًا إلى قصة عن العالم تُمكن الأفراد من فهمه والعيش فيه.

وهذه “الأساطير” تمثل العدسات التي ينظر بها أي مجتمع للعالم، فهي تقدم إطارًا يسهم في حل التناقض بين الخبرات العديدة ويعمل على خلق رابطة بينها.

والقصة المسيحية عند “لويس” التي يعتبرها المنحة الإلهية التي تكمل وتتوج المحاولات البشرية الأخرى في صنع الأسطورة، تمثل أعلى وأسمى قمة نرى منها الحقيقة ونفهمها. فالقصة المسيحية عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تعطي معنى لكل القصص الأخرى التي نرويها عن هويتنا وغاياتنا الحقيقية. إنها القصة الأم، الرواية العليا التي تضع سائر الروايات المختصة بأصل الإنسان ومصيره في مكانها الصحيح.

ويؤكد هذه النقطة أستاذ العهد الجديد والمدافع البريطاني ” ن. ت. رايت” N.T. Wright الذي يقول إننا عندما نروي قصة الكتاب المقدس كاملةً فنحن بذلك نعلن النظرة المسيحية للواقع وفي الوقت نفسه نتحدى البدائل العلمانية الأخرى. فبروايتنا لقصة الكتاب المقدس

مؤكد أننا نتحدى جوانب عديدة في نظرة العالم للأمور (أي نظرته للسلطة والقوة). ونقوض نظرته لماهية العالم ولغرضه بالكامل، ونقدم نظرة جديدة للعالم بأفضل طريقة ممكنة.[18]

والكتاب المقدس عند “رايت” يتحدى طرق التفكير الأخرى ويبرز جمال طريقته ويجسدها بوضوح. وهو يروي قصة تجيب عن أربعة أسئلة أساسية:

  1. من نحن؟ الكتاب المقدس يخبرنا أننا بشر مصنوعون على صورة خالقنا، ولا نكتسب هويتنا الجوهرية من العنصر الذي ننتمي إليه، ولا النوع، ولا الطبقة الاجتماعية، ولا الموقع الجغرافي.
  2. أين نحن؟ نتعلم من الكتاب المقدس أننا نحيا في عالم حسن وجميل، ولكنه مؤقت. وقد خلقه الله الذي نحمل صورته.
  3. ما المشكلة؟ نفهم من الكتاب المقدس أن البشرية تمردت على خالقها، وبالتالي انحرف العالم عن القصد المخلوق له.
  4. ما الحل؟ يطمئننا الكتاب المقدس أن الله عمل، ويعمل، وسوف يعمل في الخليقة من خلال المسيح يسوع والروح القدس ليتعامل مع الشر الذي نتج عن تمرد البشرية، وليصل بعالمه إلى الغاية التي صنعه من أجلها، ألا وهي أن يكون في توافق تام مع حضوره ومجده.[19]

وتطالعنا أعمال الروائي “ج. ر. ر. تولكين” بنظرة مشابهة. وقد عُرف “تولكين” بدفاعه المستميت عن الدور المحوري الذي تلعبه الأسطورة في خلق معنى للواقع وبمحاولته أن يطبق هذا الفكر في ثلاثيته الملحمية “ملك الخواتم” The Lord of the Rings.[20] ووفقًا لهذا النهج، تظهر قدرة القصة المسيحية الكبرى على تفسير الأمور في تَمَكُّنها من وضع غيرها من القصص الكبرى في موقعها الصحيح، وتفسيرها، وشرحها. والقصة المسيحية، مثل سائر القصص، لا يمكن “البرهنة عليها” بالوسائل الموضوعية منطقية كانت أم علمية.

بل يجب تقييمها بناءً على قدرتها أن تخلق للأشياء معنى أعمق من منافساتها الحالية أو التي قد تظهر فيما بعد، وذلك ببساطتها، وأناقتها، وسهولة فهمها، وقدرتها على خلق معنى يتجاوز حدودها.

فكيف نستفيد من عودة الاهتمام بالقصة في محاولتنا لفهم كيفية تقديم الإيمان المسيحي لثقافتنا؟ سأطرحُ هنا بعض الأفكار الشخصية. عندما كنت أصغر سنًا كنت أعتقد أن أفضل طريقة لمساعدة الآخرين على اكتشاف حق المسيحية المدهش هو مناقشتهم بالحجة. أي إقناعهم بأن المسيحية صحيحة وحق. وباختصار، كونت ما يطلق عليه الكثيرون اليوم منهجًا “حداثيًا”. ولكني اليوم أوصل حق الإنجيل بطريقة مختلفة. فأنا أحكي قصة قبولي للإيمان.

لماذا؟ لأن القصة أكثر تشويقًا من أي حجة، ولكن السبب الأهم أن قصتي تبين أن المسيحية حقيقية، أي أنها قادرة على تغيير حياة البشر، وإعطائهم أسباب جديدة للحياة ورجاء أكيد للمستقبل. فالقصة تدور حول فلسفة حياتية أصبحت تمثل نظرة شخصية في حياة صاحبها، وهي قادرة على التجديد والتغيير والاستثارة. وروايتي لهذه القصة الشخصية تؤكد أن الإنجيل حقيقي في حياتي.

إننا نعيش في عالم تشكله القصص. بالإضافة إلى أن “القصص الكبرى” قادرة على إضفاء معنى على العالم وعلى خلق علاقة مفيدة بين من يلاحظ الأحداث والأحداث نفسها. وهذه القصص عبارة عن شباك من المعاني نحكيها لنجمع فيها خبراتنا الشخصية ونحتفظ بها، ولنختزن فيها المعنى الذي نرى أنها تنقله أو تنطوي عليه.

والمسيحية تروي واحدة من هذه القصص، والإلحاد الجديد يروي قصة أخرى، وهناك قصص لا تحصى يرويها أولئك ممن لديهم أغراض يريدون تنفيذها، ورؤى ينشرونها، ومصالح أو أغراض شخصية يروجونها. إن القصص تحدد أماكن الحقائق بوضعها في إطار قصصي.

والآن بعد أن وضعنا أساسًا نظريًا لتأكيد أهمية القصص في الدفاعيات، سنتناول كيفية استخدامها. وسنبدأ بعد قليل بقصتين تُستخدمان في تدعيم الدعاوى التي يقيمها بعض الكُتاب ضد المسيحية، وسنرى كيف يمكن نقدهما.

على الدفاعيات المسيحية أن تنقد وتُقَيم غيرها من القصص الكبرى، مثل القصص العلمانية التي تعمل على تقويض المسيحية أو تهميشها. ولكنها لابد أن تُقدر في الوقت نفسه ما تتضمنه المسيحية من قصص خاصة بها. فالقصة المسيحية الكبرى عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تساعدنا أن نفهم معنى العالم، كما أشار “لويس” وغيره. ولكن هذه كلها “قصص كبرى” فماذا عن القصص العادية؟ وكيف يمكن استخدامها في الدفاعيات المسيحية؟

أَوضَحُ نموذج يمكننا البدء به هو أمثال المسيح. فاستخدام الرب يسوع للقصص حتى يتفاعل مع مستمعيه لم يكن من قبيل الصدفة، ولكن هذه القصص كان لها غالبًا أساس في الحياة اليومية للمجتمعات الريفية والزراعية التي سادت فلسطين في القرن الأول. وقد كانت قصصًا غاية في السهولة تجذب انتباه المستمعين وتثير خيالهم. وكلُّ من هذه الأمثال يحمل داخله قدرة دفاعية هائلة يجب اكتشافها وفهمها، بل استخدامها. وإذا استُخدمَت هذه الأمثال بحكمة فإنها تتمتع اليوم بذات التأثير الذي كانت تتمتع بها عندما قيلت لأول مرة.

والمدافع الحكيم هو من يدرس الأمثال الرئيسية ويسأل هذه الأسئلة المحورية: كيف تساعدني هذه القصة في توصيل الإنجيل؟ كيف تساعدني على التواصل مع هذه الفئة؟ فالقضية هنا ليست دراسة ما في المثل من صور ومفردات في ضوء الديانة اليهودية إبان القرن الأول، بل اكتشاف وسائل لاستخدامه دفاعيًا اليوم.

ولنأخذ مثالاُ لوضيح هذه النقطة، وليكن تلك القصة المعروفة التي عادةً ما يشار إليها باسم “مثل اللؤلؤة كثيرة الثمن.”

أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا تَاجِرًا يَطْلُبُ لآلِئَ حَسَنَةً، فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ، مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَاهَا. (مت 13: 45، 46)

بالرغم من صياغة القصة بأقل عدد ممكن من الكلمات (خمس وعشرون كلمة فقط في الأصل اليوناني)، فالخيال البشري يمكنه بسهولة معالجتها وتذوق تأثيرها. والخبرة البشرية تؤكد صحتها. بالإضافة إلى أنه من السهل البناء عليها وتطبيقها. فكيف نستخدمها في الدفاعيات؟ سأعرض لك كيف أستخدمها، وأترك لك الحرية في تطويرها:

إننا جميعًا نبحث عن شيء له قيمة في الحياة. إلا أننا غالبًا ما نكتشف أن الأشياء التي كنا نظن أنها ستسعدنا وتفرحنا لا تفعل ذلك، فنشعر أنه ما من شيء يمكنه أن يمنحنا الفرح والسلام. ولكن يسوع روى قصة عن هذا الموضوع. فقد قال إن تاجرًا وجد لؤلؤة ثمينة كانت معروضة للبيع، فقرر أن يبيع كل شيء ليحصل عليها. لماذا؟ عندما رأي التاجر تلك اللؤلؤة المميزة أدرك أن كل ممتلكاته باهتة وتافهة مقارنةً بها. وكما يغطي لمعان الشمس على لمعان النجوم، فلا يُرى إلا ليلاً، هكذا أتاحت هذه اللؤلؤة الثمينة للتاجر أن يرى ممتلكاته من منظور مختلف.

فما كان يظن أنه سيشبعه ثبت أنه يكشف عدم شبعه، ويثير اشتياقه لشيء لم يكن في متناوله. ولكنه رأى تلك اللؤلؤة المتميزة، فأصر أن يحصل عليها، لأنها شيء عظيم القيمة، شيء يستحق الامتلاك، حتى إن كل مقتنياته الأخرى تبدو قليلة القيمة مقارنةً بها. هذا هو الإنجيل عندما تكتشفه لأول مرة. إنه شيء في غاية الروعة حتى إنه يتفوق على كل ما عداه.

وهنا نرى مثالاً لاستخدام قصة كتابية لتوضيح نقطة دفاعية مهمة. إلا أن القصص الكتابية يمكن أن تُستخدم أيضاً لتكوين أطر تقدم معاني أو تفسيرات يمكن استخدامها لإضفاء معنى على الحياة. وعندما نستخدم القصص ندعو المستمع للدخول في القصة ونسأله عما إذا كانت تعطي معنى لخبراته وملاحظاته.

ولكن ليست كل القصص الكتابية تلقي الضوء على نقاط محددة بهذا الشكل. فبعض القصص تتيح لنا أن نرى خبراتنا الحياتية وملاحظاتنا من منظور مختلف. ولتوضيح هذه الفكرة سنأخذ قصة من أعظم قصص العهد القديم، وهي قصة السبي البابلي وَرَدّ مسبيي أورشليم إلى أرضهم بعد سقوط الإمبرطورية البابلية.

وتُعتبر قصة السبي البابلي سنة 586 ق. م من أهم قصص العهد القديم. ففي سنة 605 ق.م هزم الإمبرطور البابلي نبوخذ نصر الجيوش المصرية التي تجمعت في كركميش، وهكذا أسس بابل باعتبارها أعلى قوة عسكرية وسياسية في المنطقة. إلا أن يهوياقيم ملك يهوذا تمرد على الحكم البابلي، فقامت القوات البابلية بغزو يهوذا، وهو ما فسره الكُتاب آنذاك بكل وضوح باعتباره تنفيذًا للقضاء الذي أخبر به الرب على شعبه الخائن وملكهم.

وفي مطلع سنة 597 ق.م استسلم كلٌّ من الملك، والعائلة المالكة، ومستشارو البلاط الملكي لقوات الحصار. وتم ترحيلهم إلى بابل مع عدة آلاف من المسبيين غيرهم. ثم حدثت موجة أخرى من الترحيلات سنة 586 ق.م ولم يحصل اليهود على حريتهم في العودة إلى أرضهم إلا بعد سقوط بابل أمام الفرس سنة 539 ق.م.

وغالبًا ما تستخدم هذه القصة التاريخية المؤثرة لخلق معنى للوضع البشري. فمن منظور مسيحي، يرمز وضع اليهود أثناء سبيهم في بابل لحالة البشر. وذلك لأن اليهود لم يكونوا ينتمون لبابل، ولكنهم كانوا مسبيين يتوقون للعودة إلى أرضهم. ومزمور 137 يرسم صورة تنبض باشتياقهم للعودة وتعبر عن ذكرياتهم المرتبطة بأرضهم: “عَلَى أَنْهَارِ بَابِلَ هُنَاكَ جَلَسْنَا، بَكَيْنَا أَيْضًا عِنْدَمَا تَذَكَّرْنَا صِهْيَوْنَ.” (ع1).

إن هذا الإطار يعطي الحياة الإنسانية معنى. فليس المفترض أن نكون هنا، وهذه الأرض ليست وطننا، ولكننا ننتمي لوطن آخر. ومازلنا نحمل في أعماقنا ذكرى هذا الوطن التي لا تستطيع قوة في الوجود أن تمحوها. إننا نتحرق شوقًا للعودة إلى وطننا، ونحيا على رجاء أننا يومًا ما سنكون في الوطن الذي ننتمي إليه بالفعل. إن هذا الإطار يشير إلى مصدرنا الحقيقي ومآلنا، ويعطي معنى للشوق والتوق العميق الذي تتناوله “الحجة المبنية على الرغبة.”

ولكن ماذا عن القصص التي تتحدى المسيحية؟ سنستعرض قصتين تهدفان لهدم المصداقية التاريخية لأهمية يسوع الناصري كما يصورها التقليد المسيحي. أولهما “شفرة دافينشي” The Da Vinci Code (2003) لكاتبها “دان براون” Dan Brown، والثانية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ    (2010) لمؤلفها “فيليب بولمان” Philip Pullman. ما المنهجيات التي يتبعها كلٌّ منهما؟ وكيف نرد عليهما؟

إن القصص تدعونا لنتخيل عوالم بديلة ونقارنها بعالمنا: أيهما أكثر معقولية؟ وأكثر جاذبية؟ وتجدر الإشارة إلى أن إعادة قراءة التاريخ بشكل مختلف عادةً ما يكون وراءها دوافع هجومية أو أخلاقية، ومنها على سبيل المثال تصوير شخصية تاريخية خبيثة بشكل أفضل، أو شخصية محبوبة بشكل أسوأ. فرواية “أنا كلوديوس” I, Claudius (1934) مثلاً لكاتبها “روبرت جرفز” Robert Graves تتعاطف مع الإمبرطور الروماني كلوديوس (10ق.م – 54 م) وترسم له صورة إيجابية، وهو شخص كان يُنظر إليه في التاريخ على أنه رجل أحمق لا يضر ولا ينفع.

إلا أن “جرفز” يبرز كلوديوس على أنه يروج هذه الصورة عمدًا حتى يخدع الآخرين فيضمن بقاءه في زمن ملئ بالمخاطر السياسية.

وقد تَمكَّن كتاب “دان براون” الذي صدر سنة 2003 من تحقيق نجاح باهر واستحوذ على انتباه قرائه بفضل حبكته المتقنة التي تروي بداية تاريخ المسيحية بدرجة عالية من المعقولية حتى إن القارئ لا يلحظ التحريفات الجذرية المدسوسة في الكتاب ببراعة. (والطبعات الأولى من الكتاب كانت بحمل على غلافها كلمة “رواية” تحت العنوان. ولكنها حُذفَت فيما بعد). والقصة المحورية في هذا الكتاب تتلخص في أن الكنيسة اخترعت صورة خاصة بها ليسوع وجعلت منه إلهًا وفرضت هذه الصورة بالمؤامرة السياسية والتهديد بالعنف. ويصور “براون” الإمبراطور قسطنطين على أنه شخص مكيافلي انتهازي يغير طبيعة المسيحية لتخدم أغراضه السياسية.

ويروي “براون” قصة خداع وقمع تنتهي بكشف “الحق” وتحرير الناس. ويركز جزء كبير من القصة على بداية تاريخ المسيحية، فيروي أن الإمبراطور قسطنطين أراد للمسيحية أن تكون الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، ولكنه أدرك أنها تحتاج لنوع من إعادة الصياغة حتى تفي بهذا الغرض. ومن ثم، كان لابد من رفع رتبة يسوع الناصري بحيث لا يظل ذلك المعلم الريفي الفلاح، فأعلن فسطنطين أن يسوع هو الله. وقد استلزم ذلك الحصول على عدد مناسب من الأصوات والتلاعب في النصوص.

ويتم إطلاع القارئ على هذه الأسرار في شخصية السير “لي تيبينج” Sir Leigh Teabing الذي يعلم بهذه الخفايا التاريخية، فيصرح بأنه لم يكن أحد يعتقد أن يسوع هو الله حتى مجمع نيقية سنة 325 عندما طُرحَت المسألة للتصويت، وحصلت على غالبية الأصوت بفارق ضئيل. وتُصدم “صوفي نفو” Sophie Neveu المتخصصة في فك الشفرات عندما تسمع هذا الكلام وتقول في حالة من الذهول: ” لست أفهم ما تقول. هل تتحدث عن ألوهيته؟”

صرح لها “تيبينج”: “عزيزتي، حتى تلك اللحظة، كان أتباع يسوع يتعتبرونه نبيًا فانيًا مثل كل البشر… رجل عظيم مؤثر، ولكنه إنسان، فانٍ”.

[قالت “صوفي”]: “ليس ابن الله؟”

أجاب “تيبينج”: “بلى. فكرة أن يسوع “ابن الله” طُرحَت رسميًا للتصويت في مجمع نيقية.”

“مهلاً. تقول إن لاهوت يسوع جاء نتيجة تصويت؟”

أضاف “تيبينج”: “بفارق ضئيل بين الطرفين.”[21]

ويشرح “تيبينج” كيف حظر قسطنطين الأناجيل التي تحدثت عن يسوع بلغة إنسانية بحتة، ولم يسمح إلا بالأناجيل التي تشير إلى ألوهيته.[22]

ويتم تعريف القارئ بالحقائق المحظورة الخطيرة التي تتعلق بتاريخ الكنيسة ويركز الكاتب بشكل خاص على جماعة يلفها الغموض تعرف باسم “جمعية سيون” Priory of Sion ويقدمها باعتبارها حارسة لأحد الأسرار الخطيرة. ويخبر “براون” قراءه بأن هذه “الجمعية” هي جماعة سرية تكونت سنة 1099 ومازالت موجودة حتى اليوم ويؤكد لهم أن هذه حقائق ثابتة.

والحقيقة أن هذا كلام خاطئ بكل المقاييس، لأن “جمعية سيون” عبارة عن منظمة اخترعها “بيير بلانتار”  Pierre Plsntard (1920- 2000) سنة 1956، وقد كان “بلانتار ” بارعًا في تأليف القصص الخيالية، فنسج قصصًا غاية في الإتقان عن هذه الجماعة التي اخترعها وربط بينها وبين أحداث من العصور الوسطى والأرض المقدسة.[23] أي أن الموضوع لا يمت بصلة لأي نوع من الحقائق.

ولست أعرف أي سند تاريخي ذا قيمة يؤيد أيًا من الأفكار الرئيسية التي تقوم عليها “شفرة دافينشي” التي يمكن تفنيدها جميعًا بمنتهى السهولة. ولكن مربط الفرس أن “براون” يروي قصة يتمنى الكثيرون أن تكون صحيحة ويدعوهم أن يصدقوها. وقصة “براون” تقوض الفكر المسيحي التقليدي في أذهان عموم القراء بتصويره لهذا الفكر على أنه نشأ من إساءة ممارسة السلطة والرغبة في قمع العناصر الأنثوية للإيمان.

والقصة “تُعرفنا” بأن الحقيقة هي أن يسوع تزوج مريم المجدلية وأن ابنتهما أنجبت نسلاً ملكيًا في فرنسا. وقد قال “براون” ردًا على الانتقادات الكثيرة التي تناولت الأخطاء التاريخية الفادحة في روايته إن كل ما فعله أنه وضع الكلمات في أفواه شخصيات الرواية وترك القارئ يفهم منها ما يفهمه.

وتكمن جاذبية منهج “براون” في المقام الأول في قدرته على الهدم. فالقصة مكتوبة بأسلوب ركيك يبدو أن معظم القراء يتقبلونه خاصةً مع سرعة توالي الأحداث. وهي من حيث الأسلوب على النقيض تمامًا من “يسوع الصالح والمسيح الشرير” لكاتبها “فيليب بولمان” التي صدرت سنة 2010.[24] فأسلوب “بولمان” يتبع نوعًا ما أسلوب ترجمة الملك جيمز King James للكتاب المقدس، وهو يتميز بفصاحة لا نجد لها أثرًا في أسلوب “براون” الممل الركيك.

وكتاب “بولمان” يعيد سرد قصة الإنجيل في قالب تخيلي يحتفظ بالأسلوب الأصلي للأناجيل ولكنه يغير المحتوى تغييرًا جذريًا. وتنطوي إعادة صياغة القصة بهذا الشكل على تقديم فرضية محورية يبني عليها “بولمان” أطروحته. فهو يصور مريم على أنها فتاة تعاني من ضعف قدراتها العقلية وصعوبات في التعلم، يخدعها أحد الرجال لتنام معه مؤكدًا لها أنه ملاك، فتلد توأمين، يسوع والمسيح، ولكن العلاقة بينهما تسوء منذ سن مبكرة.

كان يسوع رجلاً تقيًا، وواعظًا متجولاً يكرز بملكوت الله وينتظر من أتباعه أن يتغيروا أخلاقيًا. ويخبرنا “بولمان” أن يسوع، كأي كارز بروتستانتي ليبرالي من القرن التاسع عشر، لم يصنع معجزات بالمعنى المفهوم. ولكنه كان يجعل الأمور تحدث بشكل طبيعي. فما الذي حدث في إشباع الخمسة الآلاف؟ كل ما في الأمر أنهم تقاسموا ما كان معهم من طعام.

وهكذا يتضح أن يسوع شخص صالح ينتمي إلى عالم مثالي غير عالمنا ولا يحتك بواقع السلطة السياسية. إلا أن المسيح مختلف. فهو يلتقي بشخصية غامضة اسمها “الغريب” The Stranger تزرع في عقله فكرةَ أن يعيد كتابة قصة يسوع وتعاليمه على نحو يجعلها أكثر جاذبية وأطول عمرًا.

والنتيجة إنجيل أسطوري كُتِب أصلاً لأسباب تافهة بقلم توأم يسوع المزعوم. وما يريد “بولمان” أن يشير إليه من طرف خفي أن إنجيل المسيح “المحسَّن” والمزوَّر هو السبب الأساسي في ظهور كتابات بولس في العهد الجديد.

وهكذا تصبح الكنيسة مؤسسة على إنجيل المسيح الوهمي، وليس على حقيقة يسوع التاريخية المفقودة. فالمسيح يدرك بدهائه ضرورة خلق قصة كبرى، فلسفة حياتية مغرية لتضمن استمرار الكنيسة على مر التاريخ.

ونظرًا لفشل يسوع في تقديم هذه القصة، يقوم المسيح بتعويض هذا العجز بنفسه بتأليف قصة قادرة على إنشاء مؤسسة قوية والحفاظ عليها. والقوة المؤسسية تعتمد على الأمر الإلهي الذي يُفرض دون هوادة ويصبح أيديولوجية راسخة تضمن استمراريته. ويظهر بكل وضوح من هذه الرواية ومن ثلاثية “مواده السوداء” His Dark Materials أن “بولمان” يستهدف مؤسسة الكنيسة.

وأخيرًا يحرض “الغريب” المسيح على خيانة أخيه، خيانة تؤدي إلى موت الشقيق (نعم، يتضح في النهاية أن المسيح هو يهوذا الإسخريوطي). ثم تصبح القيامة مسرحية يحاول فيها المسيح الحي أن يُظهر نفسه على أنه يسوع الميت، وهو ما يعني طبعًا أن القيامة تمثيلية اخترعها المسيح ليعوض عن موت يسوع ميتة مؤسفة عادية. والموضوع مألوف لدى قراء الأعمال العقلانية التي أعادت تأليف حياة يسوع في القرن الثامن عشر، ولكن “بولمان” أدخل عليها تعديلات تاريخية جديدة ولكنها مستحيلة الحدوث.

وهذه هي المشكلة، فهذه القصة الهجومية غير معقولة على الإطلاق لدرجة أنها لا تطابق أدنى المعايير المستخدمة لتحديد صحة الأحداث من الناحية التاريخية. والقصة معقدة ومتداخلة حتى إنها لا يمكن أن بؤخذ على محمل الجد من الناحية التاريخية. ورغم أن الكاتب قَصَّاص من الطراز الأول عندما يؤلف قصصًا خاصة به، فعندما يعيد إنتاجَ قصص غيره، وخاصةً إذا كانت قصة مألوفة كقصة يسوع الناصري يتعثر كثيرًا. فالحبكة مفتعلة بشكل مفرط حتى إن براعة “بولمان” الأسلوبية تعجز عن التعامل مع هذا الخط القصصي المعقد اللازم لتحقيق أغراضه في مهاجمة التقليد.

وقد أقحم “بولمان” نفسه في القصة الكتابية على نحو سافر، فلم يكن دوره فيها سلبيًا ولا صامتًا. وأكثر المواقف التي يظهر فيها هذا الإقحام بشكل صريح هو صلاة يسوع في جثسيماني التي يفاجئنا بأن يسوع يختمها قائلاً أنه لا يوجد إله. ويأتي صوت المؤلف مملاً رتيبًا في مواقف كهذه، ولا سيما عندما يعظ يأخذ مكان يسوع ويعظ قراءه بنبرة حادة مزعجة.

وهو ما يختلف عن أسلوبه في ثلاثية “مواده السوداء”. وهو في رواية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” يفتعل حالة من التقوى المفرطة بشكل يثير الاشمئزاز. علاوة على أنه يَسهل على القارئ التنبؤ بما سيحدث قبل قراءته.

ومن الواضح أن القصة مستحيلة الحدوث التي نطالعها في هذه الرواية تهدف إلى هدم مؤسسة السلطة الدينية. ويتضح هذا الهدف بجلاء في سؤال طرحه أثناء لقاء أجري معه عقب نشر كتابه بفترة وجيزة: “إن استطعت أن ترجع بالزمن وتنقذ ذلك الرجل من الصَلب وأنت تعلم أن هذا يعني عدم ظهور الكنيسة لحيز الوجود، هل ستنقذه أم لا؟” وترتكز هذه الحجة على افتراض مسبق مفاده أن القارئ يشارك “بولمان” في كراهيته الشديدة للمؤسسة الكنسية، وهو ما يظهر بكل وضوح في أعماله الأسبق.

ولكن هل الأمور حقًا بهذه البساطة؟ وهل الحق التاريخي يتوقف على ما نحب؟ وهل الإنجيل يتمحور فعلاً حول الكنيسة باعتبارها مؤسسة؟

معروف أن “بولمان” يريد أن يزعزع أساس الإيمان المسيحي. ولكن كيف يدعم هذا الكتاب حجته؟ إن ما حصل عليه هذا الكتاب من ردود أفعال فاترة على المواقع الإلكترونية الإلحادية يؤكد مدى غموضه. وقد سألني أحد زملائي من الأساتذة الملحدين مؤخرًا: “ولكن ما الفائدة منه؟ ومن سيلتفت لهذا الهراء؟” وقد راودتني هذه الأسئلة الوجيهة الواضحة وأنا أقرأ هذا الكتاب. ورغم استمتاعي بأسلوبه، لم أتمكن من تصديق حبكته الركيكة. ولابد أن أعترف أني لم أجد إجابة مقنعة حتى الآن.

المدخل الرابع: الصور:

تُعتبر الصور، لا الكلمات، أعلى أشكال التواصل عند كُتاب ما بعد الحداثة. وشركات الدعاية والإعلان تنفق أموالاً طائلة لتحصل على أفضل صورة للشركة المعلِنة، وتصمم إعلانات تليفزيونية تعرض صورًا تجعلنا نريد أن نشتري منتجات معينة دون غيرها. إلا أن الكثير من المسيحيين، مثلي، يفضلون استخدام الكلمة (ولا سيما الكلمة المكتوبة، في حالتي) لتوصيل الإيمان وإبراز جماله. ولكن علينا أن نعي أن الصور يُنظر إليها في إطار ما بعد الحداثة على أنها تتمتع بمصداقية وقوة من نوع خاص وتتجاوز الحدود المفروضة على الكلمات.

والعقل البشري يعمل عن طريق توليد صور تساعدنا على “تصوير” العالم المحيط بنا وفهم معناه. ويمكن تشبيه الصور بالخرائط الذهنية التي تساعدنا على رسم أرض الواقع وتحديد مكاننا في الإقليم المحيط بنا. وهذه الصور مفيدة جدًا للمدافع، لأن الصور التي تُعبر عن الفكر المسيحي يمكن تقديمها بأشكال تجذب الخيال البشري. وعمومًا نحن نتعلم أن نسكن في صورة نستخدمها ونكتشف مدى ملاءمتها لواقع عالمنا.

وسنفحص في هذا الجزء عددًا من هذه الصور ونبحث كيفية استخدامها لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله. وبعضها مأخوذ من الكتاب المقدس، والبعض الآخر من الثقافة العلمانية. وأولى هذه الصور مأخوذ من أحد كلاسيكيات الفلسفة اليونانية القديمة، ألا وهو كتاب “الجمهورية” Republic لأفلاطون. (إن كنت قد قرأت رواية “الكرسي الفضي” The Silver Chair، وهي إحدى روايات سلسلة “نارنيا” لكاتبها “لويس”، ستكون الصورة مألوفة لك، حتى وإن لم تكن تعرف أصلها التاريخي[25]).

يدعونا أفلاطون لأن نتخيل كهفًا مظلمًا عاشت فيه مجموعة من الناس منذ مولدهم. وقد ظلوا محبوسين في هذا الكهف طيلة حياتهم حتى إنهم لم يعرفوا عالمًا آخر سواه. وفي أحد أطراف الكهف تشتعل نيران متوهجة بالدفء والضوء. اللهُّب المتصاعدة تلقي ظلالاً على جدران الكهف، فيشاهد الناس هذه الظلال التي تسقط أمامهم على الحائط، ويفكرون فيما تعنيه، فهذه الظلال المرتعشة هي كل ما يعرفه سكان الكهف عن العالم. وإدراكهم للواقع منحصر فيما يرونه ويختبرونه في هذا السجن المظلم.

فإن كان هناك عالم خارج الكهف، فإنه شيء لا يعرفونه ولا يمكنهم أن يتخيلوه، وكل آفاقهم محدودة ومحددة بالظلال وبما ينالونه من ضوء خافت. ولكنهم لا يعرفون أن الكهف سجن ولا أنهم محبوسون فيه، وليس لهم أن يصلوا إلى هذا الاكتشاف إلا إذا عرفوا بوجود عالم آخر.

ويزين أفلاطون هذه الصورة بالعديد من التفاصيل، منها أن سكان الكهف مقيدون بأغلال تمنعهم من الحركة في أنحاء الكهف. ولا يمكنهم أن يروا إلا الجدار المقابل لهم. ويمتد خلفهم ممر يعبر فيه أشخاص يحملون أشياء متنوعة على رؤوسهم، والنار تلقي هذه الظلال المتحركة على جدران الكهف.

والناس الذين يعبرون الممر يتحدثون بعضهم مع بعض فتُرَجِّع أصواتهم صداها في جنبات الكهف، ولكنها تأتي مشوهة بفعل الجدران. وهكذا يرى السجناء ظلالاً متحركة ويسمعون أصداء أصوات. فهم لا يرون ولا يسمعون أي شيء بشكل مباشر، ولكن خبرتهم بكل شيء تأتي على نحو غير مباشر وغير واضح المعالم.[26]

ولا يعنينا هنا البناء الفلسفي لهذا التشبيه كما وضعه أفلاطون، ولكن ما يعنينا هو إمكانية استخدامه في الدفاعيات. فكيف نستخدم هذه الصورة لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله في عالم اليوم؟ تخيل نفسك الآن تسكن في هذه الصورة بضع دقائق، ولاحظ أنك لابد أن تنسى كل شيء عن العالم الذي نعرفه جميعًا حيث الشمس الساطعة، والهواء العليل، والورود، والبحيرات، والأشجار. وتَذَكر أن العالم الوحيد الذي تعرفه هو ذلك الكهف المظلم الذي يمثل لك الواقع كله.

وأنت لا ترى إلا ظلالاً ولا تسمع إلا أصداء. وما يظهر من هذه الأشياء يصبح واقعًا لك.

احترس من مقارنة عالم الكهف بأي واقع آخر، ففكرة التشبيه كلها تقوم على أساس أنك لا تعرف أي شيء غير هذا الكهف الذي يمثل لك تعريف الواقع. وعندما تشعر بأنك اعتدت على الصورة، سنبدأ في فحصها ودراسة كيفية تطبيقها في الدفاعيات.

اسأل نفسك هذا السؤال: كيف يتأتى لسكان الكهف أن يدركوا أن هناك عالمًا أفضل خارج جدران الكهف المظلمة المدخنة؟ فكر قليلاً في السؤال ثم واصل القراءة بعد أن تصل إلى بعض الإجابات.

ثلاث وسائل تُمكن سكان الكهف من اكتشاف وضعهم الحقيقي:

  1. يدخل شخص من العالم الحقيقي الخارجي إلى داخل الكهف ويخبر سكانه بالعالم الحقيقي. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة فكرة الإعلان الإلهي.
  2. بنية الكهف نفسه تحتوي على دلائل تشير إلى وجود عالم خارج جدرانه. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بناءً على المؤشرات التي نراها في بنية العالم.
  3. عند هؤلاء المساجين معرفة حدسية تقول لهم إن هناك عالمًا أفضل من الكهف المظلم المدخن. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بالاستناد على المشاعر الإنسانية، ومنها الحجة المبنية على الرغبة.

وسوف نبحث فيما يلي ما تتضمنه كل وسيلة من إمكانية دفاعية مع الاحتفاظ بصورة الكهف.

أولاً، قد يقتحم الكهف شخص من عالم آخر، ويخبرنا عن ذلك العالم الآخر مستخدمًا تشبيهات مستمدة من الكهف. بل إنه قد يفعل ما هو أفضل من هذا فيعرض علينا أن يرشدنا لطريق الخروج. وقد يفعل ما هو أفضل من هذا وذاك، فيعرض علينا أن يُخرجنا بنفسه.

وهذا الأسلوب هو الذي ينعكس في عقيدة التجسد المسيحية التي ترى يسوع المسيح باعتباره الشخص الذي يدخل إلى عالم التاريخ والخبرة البشرية، ليُظهر لنا الأمور على حقيقتها وليعطينا القدرة أن نتحرر من ربط العالم وقيوده. وبالرغم من أن هذا الموضوع يملأ صفحات العهد الجديد، فهو يَبرز بشكل خاص في إنجيل يوحنا، كما يتضح من الآيتين التاليتين:

وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْدًا (يو 1: 14)

أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. (يو 6: 51)

والوسيلة الثانية تقول بأن عالم الكهف نفسه مرصع بمؤشرات ومفاتيح تشير إلى أنه ليس العالم الوحيد. فقد يكون على جدران الكهف علامات تشير إلى أصله أو إلى مصيره الحقيقي، مثل العلامات التي لاحظها أريستبوس على شاطئ جزيرة رودس (ص 122). فربما الكهف يكشف عن أدلة تشير إلى وجود تصميم أو بنية معقدة تثير أسئلة جوهرية عن نشأته. وقد تكون جدرانه مزينة بالرسوم أو غيرها من الدلائل التي تشير إلى أصله وتاريخه.

أما الحل الثالث هو أن من يلاحظون الكهف أنفسهم يملكون في أعماقهم حسًا فطريًا أصيلاً بوجود عالم آخر. وقد يتخذ هذا الحس شكل قناعة عميقة أن الحياة أكثر من مجرد ظلمة هذا الكهف المدخن، أو معرفة حدسية قوية بأن مصيرهم يجب أن يكون في مكان آخر، أو رغبة في شيء يشعر صاحبها أنها لن تُشبع أبدًا، وهو شعور يشير إلى أن عالمنا ليس العالم الوحيد، وأن إشباعنا الحقيقي لن يتحقق فيه.

فنار الشوق التي تشتعل داخلنا ولا تطفئها خبراتنا في هذا العالم تمثل مفتاحًا جوهريًا يشير إلى وضعنا الحقيقي ويدعونا لاكتشاف الواقع الأعظم الذي تشير إليه.

هكذا قمنا ببحث الأساليب الثلاثة وشرحها بسهولة مستخدمين صورة كهف أفلاطون. وكل وسيلة منها تتيح للدافع أن يبحث أحد جوانب الإيمان المسيحي ويكتشف تلامسه مع خبرتنا بالعالم المحيط ومع معرفتنا الحدسية وأشواقنا العميقة وقدرته على خلق معنى لكل هذه الأمور.

ويمكن إدماج هذه الصورة المعبرة بسهولة في الأحاديث، والعظات، والمحاضرات، ويمكن تطويرها بالعديد من الطرق المبتكرة. ويسهل كذلك إضافة طرق أخرى للثلاثة المذكورة أعلاه.

فما الصور الأخرى التي يمكن استخدامها في الدفاعيات؟ يستخدم بولس مجموعة من الصور القوية في رسائله ليساعدنا على فهم ما فعله المسح لأجلنا بصلبه وقيامته. ومن هذه الصور صورة التبني. وفيها يؤكد لنا بولس أننا أصبحنا أبناء الله بالتبني في المسيح (رو 8: 23، غل 4: 5). ويرى بولس أن هذه الصورة المستمدة من قانون الأسرة الروماني تلقي الضوء على امتيازات المؤمن ومكانته في علاقته بالله.[27] وهي صورة تتطلب منا أن ندركها في عقولنا ونقدرها في قلوبنا.

وصورة التبني سهلة الفهم نسبيًا، فهي تُعبر عن أسرة تقرر أن تمنح طفلاً لم يولد في أحضانها الامتيازات القانونية نفسها التي يحصل عليها الطفل المولود في الأسرة. وهو ما يستتبع أن الطفل المتبنى يتمتع بحقوق الميراث التي يتمتع بها الطفل الطبيعي.

وهكذا يمكن أن يرى المؤمن نفسه باعتبار أنه أُدخِل في عائلة الله ومُنح ذات الامتيازات القانونية التي يتمتع بها أي ابن طبيعي. ومن هو الابن الطبيعي لله؟ إنه المسيح نفسه. وبذلك، يشرح بولس هذه الفكرة القوية، ألا وهي أن كل ما منحه الله للمسيح باعتباره ابنه سيؤول إلينا في النهاية باعتبارنا أولاد الله:

أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ. فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ. (رو 8: 16، 17)

ولذلك فالسمات الأسرية التي تميز أولاد الله هي الألم في هذه الحياة والوعد بالمجد في الحياة الآتية. وهو ما يعني أن المجد يكمن وراء الألم، ولابد أن نتعلم أن نرى الألم باعتباره امتيازًا نحتمله مسرورين بوصفه نتيجة لمركزنا الجديد بصفتنا ورثة الله.

ولكن صورة التبني لا تخاطب العقل فحسب، بل تستحوذ على الخيال والقلب أيضًا. وهي بذلك تدعونا أن نترجمها بشكل تخيلي، ولا نكتفي بفهمها. فالتبني معناه أن الطفل مرغوب فيه، وهو يتضمن أيضًا معنى الانتماء. وهذه قضايا وجدانية عميقة تتلامس مع اهتمامات الكثيرين ومخاوفهم في مجتمعات تزداد انكسارًا يومًا بعد يوم.

فالتبني يعني دعوة الشخص ليدخل في بيئة مُحبة حانية. وهي تعني الترحيب بالشخص والرغبة في وجوده وتقديره . والتبني يقدر امتياز الدعوة التي يتم بمقتضاها الترحيب بشخص من خارج الأسرة وإدخاله في كنف الإيمان والحب.

والصورة التي يرسمها بولس للتبني تتوافق بشدة مع اشتياق الإنسان العميق للانتماء إلى مكان ما. فنحن نحتاج أن نشعر أننا مقبولون ومرغوبون. وتؤكد “سيمون فيّ” كثيرًا في كتاباتها أهمية هذه النقطة.

فهي تشير في كتابها “البحث عن الجذور” The Need for Roots إلى أهمية المجتمعات في تكوين الهوية الشخصية وحمايتها: “قد تمثل الحاجة للجذور أهم احتياجات النفس البشرية ولكنها الأقل حظًا من حيث إدراكها والاعتراف بها.”[28] ويتناول “ولتر بروجمَن” Walter Brueggemann أستاذ العهد القديم المعروف هذه الفكرة بمزيد من العمق عندما يشير إلى أن

الشعور بالضياع والتشرد وفقدان المأوى يسود ثقافتنا المعاصرة. وتوق الإنسان لأن ينتمي لمكان، ويكون له بيت، يحتمي في موضع آمن هو سعي عميق يثير في النفس لهيبًا من المشاعر المتأججة.[29]

ونجاح المسلسل التليفزيوني الأميريكي “في صحتك” Cheers يعكس هذه النقطة على أكمل وجه. وقد بدأ عرض المسلسل الذي تجري أحداثه في حانة في بوسطن سنة 1982 واستمر على مدى 271 حلقة حتى سنة 1993. ويرجع نجاحه الباهر إلى ما خلقه من شعور قوي بالانتماء لجماعة.[30]

فقد كانت الحانة مكانًا للأحاديث الخفيفة والأحاديث الجادة، وكانت ملجأ يرحب بكل من يأتيه، والجميع هناك يعرفك. أما خارج الحانة هناك جموع مجهولة من بشر لا يعرفهم أحد ولا يعرفون بعضهم البعض. ولكن داخل الحانة، أنت شخص مميز، ومهم عند الآخرين، أنت تنتمي لمكان. وقد عبَّرت أغنية المسلسل عن هذا المعنى أوضح تعبير: أنت تريد أن تكون في مكان “كل من فيه يعرف اسمك.”

ويمكن للمدافع أن يستخدم صورة التبني التي يرسمها بولس مشيرًا إلى ما تحمله من معانٍ على مستويات مختلفة. فهي لا تلقي الضوء على ما يعود علينا من موت المسيح وقيامته فحسب، ولكنها تخاطب اشتياق القلب البشري العميق للانتماء.

وهناك صور كتابية أخرى يسهل الاستفادة منها في الدفاعيات، مثل صورة الله الراعي، أو المسيح خبز الحياة. فالدفاعيات تتمتع بصندوق زاخر بالكنوز التي يمكننا الاستفادة منها، وهي تستخدم الخيال باعتباره مدخلاً للنفس البشرية. وينبغي على المدافع الناجح أن يجدد هذا الصندوق باستمرار مضيفًا إليه قصصًا وصورًا جديدة.

خطوة للأمام:

المداخل الأربعة التي تناولناها في هذا الفصل كلها مهمة ويمكن تطبيقها بسهولة في الدفاعيات. إلا أنها مجرد أمثلة توضيحية لا تشمل كل المداخل التي يمكن الاستفادة منها، بل يمكن إضافة مداخل أخرى لها. ومنها على سبيل المثال تجسيد المؤمن لإيمانه في حياته العملية، وهو مدخل يؤدي وظيفة دفاعية مهمة.

فالكثيرون يسألون عن الإيمان عندما يرون أن أصدقائهم يتميزون بشيء غير متوفر لهم، كالشعور بالسلام أو بوجود غرض للحياة، أو الشعور العميق بالحنان والحب للبشر، وهو ما يثير لديهم السؤال: “من أين لهم هذا؟” ويتمنون في أعماقهم أن يتمتعوا بما يتمتع به هؤلاء. ومحبة الله تتجسد وتعلَن عندما يخدم المسيحي الحقيقي العالم المحيط به.

والطريقة التي يتعامل بها المؤمن مع الموت تقدم شهادة مهمة لرجاء القيامة المغير الذي يمثل ركيزة أساسية في الإنجيل. فممارسة الحق في حياتنا العملية هي “دفاعيات متجسدة” تمثل في حد ذاتها شهاد قوية لذلك الحق. أي أننا نحتاج لما هو أكثر من الحجج، نحتاج أن نظهر أن الإيمان المسيحي يغير الحياة ويمنحها قوة، كما أشار المدافع “فيليب د. كنِسون” Philip D. Kenneson في ملاحظة حكيمة قائلاً:

إن ما ينتظره عالمنا، وما تبدو الكنيسة متقاعسة عن تقديمه، ليس الاستمرار في تقديم مزيد من الأحاديث عن الحق الموضوعي، بل شهادة متجسدة تعطي الآخرين سبباً للالتفات لهذا الحق.[31]

علاوة على ذلك، تقدم الحياة المسيحية شهادة مهمة لقدرة الإنجيل على تغيير حياة البشر، فعندما نشهد عن قصتنا الشخصية، نقدم شهادة غير مباشرة على أن الإنجيل حقيقي، وليس صحيحًا فحسب.

ومن السهل إضافة المزيد من الأساليب أو تطويرها حسب القضايا التي يواجهها المدافع أو الاتجاهات الثقافية التي يشعر أنه يجب التعامل معها. ومن الأمثلة الواضحة التي يمكن استخدامها في الدفاعيات من بعض المجالات الفنية والأدبية الأخرى:

  1. الأفلام: ربما يعتبر الفيلم، لما يميزه من المزج بين القصة والصورة، أفضل وسيلة للتواصل مع جيل يطَلِّع على الواقع بطريقة بصرية أكثر منها نَصية. والكثير من الأفلام الحديثة تثير قضايا لاهوتية ودفاعية كبرى، مما يتيح الفرصة لفتح مناقشات دفاعية.
  2. الشعِر: تُعبر الكثير من القصائد عن شعور بالقلق الشديد تجاه الوضع الحالي للعالم، وعن تطلع نحو الهدف الأسمى للبشرية. وليس من الصعب على المدافع أن يحدد بعض القصائد، وكلمات بعض الأغاني المشهورة، التي تتيح الفرصة لإثارة أسئلة أو فتح مداخل للدفاعيات.

  3. اللوحات الفنية: الكثير من الأعمال الفنية الكلاسيكية، ناهيك عن الصور المشهورة، يمكن أن تمثل مداخل دفاعية. فإذا أجريت بحثًا سريعًا على الإنترنت مثلاً ستجد لوحة مشهورة للفنان “إدفارد مونك” Edvard Munch اسمها “الصرخة” The Scream  (1893) يظهر فيها شخص في حالة من اليأس الوجودي المريع لعجزه عن التعامل مع العالم. فكيف نستفيد من هذه اللوحة؟ إنها مدخل ممتاز للدفاعيات، ويمكنك أن تجد الكثير غيرها بسهولة.

الآن وقد اطلعنا على أساليب تساعدنا في إبراز جمال الإيمان المسيحي وربطه بحياة الناس العاديين، لابد أن ننتقل للعثرات والشكوك التي يواجهها الناس في الإيمان وكيفية التعامل معها .

لمزيد من الاطلاع:

Garson, D.A.The God Who Is There: Finding Your Place in God’s Story. Grand Rapids: Baker, 2010.

Johnston, Robert K.Reel Spirituality: Theology and Film in Dialogue، 2nd ed. Grand Rapids: Baker Academic, 2006.

Keller, Timothy J. The Reason for God: Belief in an Age of Skepticism. New York: Dutton, 2008.

Marsh, Clive. Theology Goes to the Movies: An Introduction to Critical Christian Thinking. New York: Routledge, 2007.

McGrath, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville: Westminster john Knox, 2011.

Nash, Ronald H. Faith and Reason: Searching for a Rational Faith. Grand Rapids: Academie Books, 1988.

Peters, James R. The Logic of the Heart: Augustine, Pascal, and the Rationality of Faith. Grand Rapids: Baker Academic, 2009.

Piper, John. Think: The Life of the Mind and the Love of God. Wheaton: Grossway, 2010.

Sire, James W. Naming the Elephant: Worldview as a Concpt. Downers Grove, IL: Inter Varsity, 2004.

Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: HarperSanFrancisco, 2006.

[1] Peter Brown, Augustine of Hippo (London: Faber & Faber, 1967).

[2] Augustine, Confessions V.xiii.23-xiv.25.

[3] James Robert Brown, Philosophy of Mathematics: An Introduction to the World of Proofs and Pictures (London: Routledge, 1999, 71-78); George Bools, “Gödel’s Second Incompleteness Theorem Explained in Words of One Syllable,”, Mind 103 (1994): 1-3.

[4] For a highly influential discussion, see John Lucas, “Minds, Machines and Gödel,” Philosophy 36 (1961): 112-27.

[5] For two good assessments of Schaeffer’s approach, see Thomas V. Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics: A Critique (Grand Rapids: Baker, 1987); Bryan A. Follis, Truth with Love: Apologetics of Francis Schaeffer (Wheaton: Crossway, 2006).

[6] Francis Schaeffer, The God Who Is There, Complete Works of Francis Schaeffer, vol. 1 (Westchester, IL: Crossway, 1982), 130.

[7] Ibid., 134.

[8] For a good analysis, see Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics, 21-22.

[9] Schaeffer, The God Who Is There, 132.

[10] Ibid., 140.

[11] Ibid., 110.

* metaphysical وتترجم أحياناً إلى “ما وراء الطبيعة” والمقصود كل ما يختص بالبحث الفسلفي في المبادئ أو العلل الأولى للكينونة والمعرفة. (المترجمة)

[12] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 138.

[13] C. S. Lewis, Rehabilitations and Other Essays (London: Oxford University Press, 1939), 158.

[14] See Roy Baumeister, Meanings of Life (New York: Guilford Press, 1991). Baumeister’s analysis of the importance of questions of identity, value, purpose, and agency is of major importance to Christian apologetics.

[15] Hans Frei, The Eclipse of Biblical Narrative: A Study in Eighteenth and Nineteenth Century Biblical Hermeneutics (New Haven: Yale University Press, 1977).

[16] Alasdair MacIntyre, After Virtue (London: Duckworth, 1985), 216.

[17] Baumeister, Meanings of Life.

[18] N. T. Wright, “How Can the Bible Be Authoritative?” Vox Evangelica 21 (1991): 7-32.

[19] N. T. Wright, The New Testament and the People of God (Minneapolis: Fortress, 1992), 132.

[20] See Verlyn Flieger, Splintered Light: Logos and Language in Tolkien’s World (Kent, OH: Kent State University, 2002); Jeffrey L. Morrow, “J. R. R. Tolkien as a Christian for Our Times,” Evangelical Review of Theology 29 (2005), 164-77.

[21] Dan Brown, The Da Vinci Code: A Novel (New York: Doubleday, 2003), 233.

[22] Brown is totally wrong on all these points. See, for example, Bart D. Ehrman, Truth and Fiction in The Da Vinci Code: A Historian Reveals What We Really Know About Jesus, Mary Magdalene, and Constantine (Oxford: Oxford University Press, 2004), 23-24.

[23] The best account of the fabrication of this myth is Massimo Introvigne, Gli Illuminatie il Priorate di Sion (Milan: Piemme, 2005). An English summary of this work is available at http://www.cesnur.org/2005/pa_introvigne.htm.

[24] Philip Pullman, The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ (Edinburgh: Canongate, 2010).

[25] You might enjoy reading the interesting study of William G. Johnson and Marcia K. Houtman, “Platonic Shadows in C. S. Lewis’ Narnia Chronicles,” Modern Fiction Studies 32 (1986), 75-87.

[26] For a detailed discussion, see Gail Fine, Plato on Knowledge and Forms: Selected Essays (Oxford: Oxford University Press, 2003).

[27] James C. Walters, “Paul, Adoption, and Inheritance,” Paul in the Greco-Roman World, ed. J. Paul Sampley (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2003), 42-76.

[28] Simone Weil, The Need for Roots (London: Routledge, 2002), 43.

[29] Walter Brueggemann, The Land: Place as Gift, Promise, and Challenge in Biblical Faith, 2nd ed. (Philadelphia: Fortress Press, 2002), 1.

[30] Bill Carter, “Why ‘Cheers’ Proved So Intoxicating,” New York Times, Sunday, May 9, 1993.

[31] Philip D. Kenneson, “There’s No Such Thing as Objective Truth, and It’s a Good Thing, Too.” Christian Apologetics in the Postmodern World, ed. Timothy R. Phillips and Dennis L. Okholm (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1995), 155-70.

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

لماذا يختبئ الله ولا يتكلم معي؟ James Bishop

لماذا يختبئ الله ولا يتكلم معي؟ James Bishop

لماذا يختبئ الله ولا يتكلم معي

يطرح الناس هذا السؤال لان الله لم يظهر لهم بالطريقة التي تناسب فكرهم .او بالمعني الصحيح التي يجب عليه ان يُظهر ذاته لهم بناءاً علي متطلباتهم .فلا يتساءل هؤلاء هذا السؤال لماذا ” ؟لماذا يتوجب علي الله الظهور لاي شخص بالطريقة التي يريدها الشخص نفسه؟ فهل الامر هو حقاً واجب علي الله ظهوره للناس بحسب الطلب والهوي؟ وهل الله لم يضع الكون ليشهد عن وجوده بشكل كافي .فكما يذكر الكتاب المقدس وضع العالم ليشهد عن الله ؟ فالاجابة علي هذا السؤال نقول نعم .فالامر ايضاً يتطلب ايمان ولا ينبغي ان نتجنب الناحية الايمانية ونتجاهلها .يوضح الكاتب والمبشر رافي زكرياس الاتي .

” جعل الرب العالم بشكل كافي لندركه ولنؤمن به وهو الشئ الاكثر منطقية . و تَرَك منه ما يجعل الحياة بالمنطق المُجرّد أو المُلاحظة وحدها مُستحيلاً.” (1)

فيسوع نفسه تكلم عن الشق الايماني في مرقس 10 : 52 , متي 17 : 20 . وكان يحزن حينما يجد القلوب الفاتره لديها نقص ايماني كما جاء في مرقس 6 : 5 . ويتكلم بولس الرسول ايضاً عن الايمان ويؤكد عليه رومية 1 : 17 . وايضاً يتكلم في موضع اخر بما قام به الله لنا من خلال يسوع .في رومية 10 : 10 .ففي الواقع لا يمكن فصل الايمان في الاعتقاد بالله . فبدون ايمان لا يمكن ارضاؤه كما جاء في عبرانين 11 : 6 .هذا هو السبب في لماذا الله لا يظهر ذاته لأولئك الذين يرغبون في ذلك . فالايمان هو السعي الي الله والدخول في علاقة حقيقية معه .

ثانياً الله غير مختفي بالفعل .هو يبدوا انه مخفي في الطريق الذي نتوقع منه وجوده .وعلينا ان نتذكر اننا نطرح هذا السؤال لان الانسان انفصل عن الله كما يخبرنا التكوين 3 : 17 وهذا نتيجة السقوط ومع ذلك كشف الله لنا عن نفسه من خلال يسوع الناصري .فيسوع يقف في قلب التاريخ ليراه الجميع .ففي الواقع خدمة يسوع تخضع للاستكشاف التاريخي والحقيق وهي لب ومنبع حقيقة المسيحية .يفسر لنا المؤرخ Jaroslav Pelikan هذا قائلاً :-

“بغض النظر عن أي شخص قد نعتقد او نفكر فيه .كان يسوع الشخصية الاكثر بروزاً في تاريخ الثقافة الغربية لما يقرب من عشرين قرناً .وايضاً التقويم وبجوار اسمة يلعنه كثيرين وبجواء اسمة يصلي ايضاً كثيرين “

وانا لا اعتقد ان هذا الامر ليس صدفة .فالله بالفعل وضع بصمته في التاريخ لنراه .واعتقد ان المرء قبل ان يذهب الي انكار الله ان يذهب ليري بصمت الله في التاريخ من خلال يسوع المسيح .

فالله منظور لنا في العالم المادي .كما جاء في رومية 1 : 20 لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات، قدرته السرمدية ولاهوته، حتى إنهم بلا عذر. كتب Fred Hoyle عالم الفلك الانجليزي الشهير ذات مره “

“A common sense interpretation of the facts suggests that a superintellect has monkeyed with physics, as well as with chemistry and biology, and that there are no blind forces worth speaking about in nature. The numbers one calculates from the facts seem to me so overwhelming as to put this conclusion almost beyond question”

“الحس السليم في شرح الوقائع يشير الي ان superintellect عله تتحكم بقوانين بالفيزياء بالتوازي مع الكمياء بالتوازي مع الاحياء.وانه لا توجد قوي عمياء تستحق ان نتحدث عنها في الطبيعة.الارقام والحسابات من ضمن الحقائق الهائله التي تجعل هذا الاستنتاج غير قابل للشك ” (2)أأيسيسييسي

 

فلم يكن هناك قوه عمياء تتحكم في الطبيعة واسفرت عن وجود هذا التصميم .ولا يوجد بديل لله ليفعل ..!َ

وبولس يخبرنا ان الله كشف لنا عن ذاته من خلال ضمائرنا كما جاء في رومية 2 : 15 الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبا في قلوبهم، شاهدا أيضا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة،ونحن نعلم جميعاً ان الضمير هو الاحساس الاخلاقي تجاه ما هو شر وما هو خير لذلك يعرف ب moral realism الواقعية الاخلاقية .علي الرغم ان بعض الناس تحاول ان تقتل ضمائرهم لانه في وجهة نظرهم يضعفهم في العالم.لكن ايضاً صورة الله انطبعت داخلنا لاننا علي صورته كما جاء في تكوين 1 : 17 ويوضح الفيلسوف ويليام كريج . ” انه في حاله عدم وجود الله لم يكون هناك معايير موضوعية للحق والباطل (3)

وتكلم الرب مع انبياءه بشكل واضح فلم تكن الصوره المادية هي المرجوه فقد تعامل الله مع شعب بني اسرائيل بما هو مادي فما ان تاخر موسي صنعوا العجل ليعبدوه ..! فليس المقياس الصوره المادية .

فيتسائل البعض لماذا لا يتكلم الله بصوت مسموع اليوم ؟

ذلك لان الله تحدث بالفعل عن طريق الوحي الكتابي فلدينا كلمات الله .والوحي قد اكتمل الآن ووصل الي ما وصل اليه .لكن هل لا يزال الله يتكلم ايضاً بعيداً عن الكتاب المقدس ؟ بالطبع يستطيع ان يحدث الينا من خلال روحة القدوس . واشهد انا علي هذه الحقيقة وساكتب عليها فيما بعد .وعلي اي الاحوال متي اراد الله واين اراد الله ان يتكلم هو امر يخص مشيئته.وايضاً الخطية لها دور مهم في هذا الموضوع فالشخص الغير تائب الواقع في الخطية لا يري الله فتكرار الخطايا تصيبة بالصمم وتبعد الانسان عن علاقة حقيقية مع الله .

وفي الختام نقول

ان الله تحدث من خلال وسائط متعدده الي البشرية في ملئها .” الكون المادي , الكتاب المقدس , الضمير الاخلاقي ” واكثر هذه الوسائل حسماً هو يسوع التاريخي .فعندما نشعر انه غير موجود وانه لا يهتم حينما نصلي بصدق له هذا استنتاج .لكن هو قريب فكما جاء في ارميا 29 : 13 وتطلبونني فتجدونني إذ تطلبونني بكل قلبكم .فالرب يتمم ما هو صالح حسب مشيئته. فالانسان يري الظلمة ولا يري النور في اوقات الاحتياج

واختم بمقوله فرانسوا فاريون

“اثنان يتميزان بالخساسة عندما يعطي الله فنمدحه وعندما يحجب الله فنسخط عليه “

المراجع

  1. Ravi Zacharias. 2004. The True Face of Atheism. p. 115.

  2. Hoyle, F. 1981. ‘The Universe: Past and Present Reflections’ in Engineering and Science. p. 8–12,
  3. Craig, W. Can We Be Good Without God
  4. Pelikan, J. Jesus through the Centuries.

الكون والتطور والله والخلق، هل يتعارض العلم حقاً مع الإيمان بوجود خالق؟

الكون والتطور والله والخلق، هل يتعارض العلم حقاً مع الإيمان بوجود خالق؟

الكون والتطور والله والخلق، هل يتعارض العلم حقاً مع الإيمان بوجود خالق؟

الكون والتطور والله والخلق، هل يتعارض العلم حقاً مع الإيمان بوجود خالق؟

للتحميل

الفصل الاول، مقدمة:

من الشائع في عصرنا إستخدام نظرية تطور الكون كحجة ضد الايمان بالله والخلق. هذا هو موقف الإلحاد الماركسي مثلاً، فقد صرح ماركس بأن فكرة الخلق طلقت ضربة قاضية من إكتشاف التطور. ولكن إذا تبصرنا في الأمر نرى بالعكس ان نظرية التطور، فضلاً عن كونها لا تبطل الخلق، تستدعي وتدعم الإيمان بالله وبعمله في الكون. هذا ما سنحاول بيانه فيما يلي، مستعرضين أولاً مراحل التطور ثم متسائلين عن ماهية مقتضيات هذا الخط التطوري.

الفصل الثاني، مراحل التطور:

لقد أثبت العلم الحديث أن التطور لم يشمل الكائنات الحية فحسب إنما شمل الكون كله. فالكون الذي ننتمي إليه كون متطور وقد بدأ تطوره على مستوى الطبيعة الجامدة وأدى إلى ظهور الحياة التي تطورت بدورها حتى أبرزت ذلك الحيوان المفكر، الإنسان.

ففي البدء (لان النظريات العلمية الحديثة في علم الفلك والفيزياء تميل بالعلماء إلى الاعتقاد بأن للكون بدءاً، على الاقل لكوننا الحالي)، منذ ما يقارب العشر مليارات أو الخمسة عشر ملياراً من السنين، كان الكون على الأرجح مكوناً من ذرات خفيفة من الهيدروجين والهيليوم. ثم برزت ذرات أثقل من الأولى. ثم تجمعت الذرات لتكون الجزيئات.

 وكان هذا السير من الذرات إلى الجزيئات سيراً نحو تركيباً أكثر كثافة وتعقيداً، فالذرة عالم صغير شبية إلى حد ما بنظام شمسي تدور فيه الإلكترونات حول النواة المركزية، ولكن الجزئية تجمع تلك العوالم الصغيرة لتشملها في بنية جديدة. ومنذ ثلاث مليارات من السنين على وجه التقريب، بدأت تظهر بُنْيَات تفوق الجزيئات كثافة، وقد دعيت بالجزيئات الكبرى macromolculesè. من هذه الجزيئات فلنأخذ على سبيل المثال البروتيد Protides.

فاذا قابلنا جزئية من بياض البيض (وهي جزئية كبري من فصيلة البروتيد) مع جزئية ماء (وهي جزئية عادية) وجدنا أن وزن الاولى يساوي 1916 مرة وزن الثانية (34500 لقاء ١٨). وهناك جزيئات كبرى يفوق وزنها المليون[1]. ولكن هذا النمو الكمي يرافقه تركيب بديع في بنية الجزئية الكبرى: فجزيئات البروتيد مؤلفة كل منها من مئات أو آلاف او عشرات آلاف من جزئيات[2] أبسط من حموض تدعي الحموض الأمينية ACIDS AMINÈS، وهذه الجزئيات بدورها ليست مصفوفة كيفما جرى ضمن جزئية البروتيد، إنما هي مرتبطة ارتباطاً محدداً يختلف بإختلاف أنواع البروتيد.

ولكن ظهور الجزيئات الكبرى لم يكن سوى تمهيد للقفزة الكبرى التي تمت منذ ملياري عام على وجه التقريب فغيرت وجه الكون، ألا وهي بروز الخلايا الحية الاولى. الخلية الحية رغم حجمها الميكروسكوبي عالم أكثر تعقيداً بما لا يقاس من الشمس وأضخم الكواكب، المؤلفة من مجرد تجمعات من الذرات الخفيفة. ذلك لان الخلية الحية تجمع في تركيب متناسق، فضلاً عن العديد من جزيئات البروتيد الضخمة، جزيئات ضخمة عديدة أخرى من الشحميات والسكريات والفيتامينات وغيرها، كل ذلك في وحدة متماسكة، مركزة.

لكن الامر الجديد بالكلية هو ان حركة التكثيف والتركيز التي رأيناها تدفع بالمادة قدماً من الذرة الي الجزئية الضخمة، بلغت هنا درجة تمكنت المادة معها من اتمام قفزة هائلة جعلت من الخلية الحية كياناً يتمتع بميزات مختلفة بالكلية عن ميزات الجوامد وباستقلال ذاتي تجاه البيئة.

تلك الميزات الجديدة بالكلية هي ان الخلية تحوّل الي ذاتها المواد التي تستمدها من الخارج، وتنمو من الداخل، وتجدد باستمرار المواد التي تتألف منها مع محافظة على بنيتها، وتصلح ذاتها إذا جُرحت وتحوّل ذاتها للتكيف مع البيئة، وتنتج كياناً جديداً شبيهاً بها يحيا حياة مستقلة بعد انفصاله عنها.لقد شُبهت الخلية الحية بمختبر كيماوي، ولكنها مختبر كيماوي يجدد ويصلح ذاته بدون انقطاع، مختبر يصنع ذاته باستمرار ويوجد مختبرات على شاكلته. تلك هي قفزة الحياة الكبرى.

من ذلك العالم الصغير في حجمه، الهائل في تعقيده وتركيزه، عالم الخلية، انطلقت الحياة لنرقي سلماً طويلة كان الانسان قمتها. وقد كان هذا الارتقاء شبيهاً من حيث خطة بذاك الذي رأيناه في المادة الجامدة، اي انه كان سيراً نحو تكثيف وتركيز متزايدين. فبعد الكائنات الحية الاولي ذات الخلية الواحدة ظهرت كائنات أخرى متعددة الخلايا، وكما كانت الخلية الواحدة تجمع عناصرها المختلفة، العديدة، في بنية منظمة، مركزة، هكذا جمعت الكائنات المتعددة الخلايا خلاياها في وحدة منسجمة تعمل فيها العناصر كلها لصالح الكل.

وقد ازداد التعقيد ايضاً عندما اخذت الخلايا في الكائن الواحد تتخصص فئات في وظيفة معينة، فتكونت الاجهزة (كالجهاز الدموي والهضمي والتنفسي…) التي بقيت، رغم اختلافها وتميزها المتزايدين، مرتبطة ارتباطاً متيناً أحدها بالآخر، عاملة معاً بانسجام لصالح المجموعة.وكان لابد، لربط تلك الوظائف ببعضها من جهة وبالعالم الخارجي من جهة أخرى، من بروز جهاز خاص هو جهاز التركيز والوحدة، فكان الجهاز العصبي الشبيه بآلة الكترونية بديعة الاتقان.

وقد سار هذا الجهاز هو ايضاً في طريق التكثيف والتركيز المتكاثرين، مما ادي إلى نمو الدماغ. مركز الجهاز العصبي. والي تزايد الارتباط بين خلايا من جهة وبينها وبين اعضاء الجسم كله من جهة أخرى. نتج من هذا النمو العصبي استقلال متزايد عند الكائن الحي تجاه العالم الخارجي، فقد أصبح هذا الكائن يعي أكثر فأكثر البيئة المحيطة به وازدادت سيطرته عليها تدريجياً.

فظهرت أولاً الغرائز التي تمكن الحيوان من تحويل بيئته واستغلالها بشكل بديع في إتقانه، ولكن هذه الغرائز عمياء روتينية الي حد بعيد. أما عن الحيوانات الاكثر تطوراً فقد ظهر، بالإضافة اليها، الذكاء الذي يقوّم الغريزة ويكمل نقصها ويعطي الحيوان امكانية أكبر للسيطرة على بيئته. وقد ازداد هذا الذكاء حدة مع نمو الجهاز العصبي حتى بلغ اوجه في اعلي مراتب القردة، كالشمبانزي مثلاً.

عملية نمو الدماغ، التي أصبحت المحور الاساسي للتطور، بلغت أوجها في الانسان الذي يتألف دماغه من اربعة عشر ملياراً من الخلايا (اربعة اضعاف عدد خلايا الشمبانزي تقريباً)[3]، مرتبطة بعضها ببعض على صورة شبكه الكترونية هائلة التعقيد.

هنا بلغت عملية التكثيف والتركيز، تلك العملية التي دعاها تيار دي شاردان Complexification، والتي رأيناها فاعلة منذ بدء التطور، لقد بلغت تلك العملية هنا أشدها، فأمّنت الشروط اللازمة لقفزة لا تقل أهمية عن القفزة التي أوجدت الحياة، الا وهي قفزة الانسان، وجود كائن هو مركز بكل معني الكلمة ويحوّله بعمل خلاّق، كائن يدرك ذلك التطور الذي آل اليه ويتعهده ويتابعه بعقله وإرادته وحريته وحبه.

الفصل الثالث، مقتضيات التطور:

تلك هي اللوحة الرائعة لتطور الكون كما يمكننا ان نتصورها على ضوء معطيات العلم الحديث. فلننتقل الآن من الصعيد الوصفي الي صعيد التساؤل حول مقتضيات التطور.

عندما يدّعي ماركس ان اكتشاف التطور يلغي فكرة الخلق، فأنه يرتكب مغالطة لان واقع التطور شيء، واعتبار التطور امراً مكتفياً بذاته لا يحتاج الي تعليل خارج عنه شيء اخر. ان ماركس ينزلق من تأكيد واقع التطور، وهو تأكيد علمي، الي تأكيد اكتفاءيه التطور، وهو تأكيد من نوع آخر، ما ورائي، والمؤسف انه يقدّم هذا التأكيد الثاني على أنه تأكيد علمي، مع انه يخرج بالكلية عن نطاق العلم.[4]

عندما يقول العلم بالتطور، فأنه يصف خطاً تصاعدياً ويظهر كيف ان مادة الكون سلكت هذا الخط، ولكنه لا يبدي، وليس من شأنه كعلم ان يبدي، لماذا كان هناك خط تصاعدي. العلم يكتشف ويصف حلقات ارتقاء الكون ولكنه لا يبدي لماذا انتظمت هذه الحلقات في خط ارتقاء. هكذا فعندما يقرر العلم التطور، فأنه يترك الباب مفتوحاً انام التساؤل الصميمي الا وهو: لماذا اتخذ ارتباط حلقات هذا التطور شكلاً تصاعدياً؟

الجواب الاول الذي يمكن ان يعطي لهذا النمط من التفسير عريق في القدم، لأنه يعود الي فلاسفة اغريقيين قدامي كديموقريطس كانوا يفسرون حوادث الكون كلها بلقاءات تنشئها الصدفة بين الذرات التي يتألف منها الكون. ولكن هؤلاء الفلاسفة لم يكونوا يعرفون مدي تعقيد خلية واحدة لا بل جزئية واحدة من الجزئيات الضخمة. اما اليوم فقد أصبح هذا التعقيد معلوماً لدي العلماء، فكان ذلك ضربة قاضية لنظرية الصدفة.

لقد قام الفيزيائي السويسري شارل اوجين غي حوالي سنة ” 1920 ” بحسابات رياضية دقيقة حول ترجيح نشوء إحدى الجزئيات التي تتألف منها جزئية البروتيد، الا وهي الحمض المدعو الحمض الاميني، بداعي الصدفة وحدها، فوجد ان هذا الترجيح معدوم علمياً، هذا علماً بأن جزئية واحدة من البروتيد تتألف من العديد من الجزئيات المذكورة اعلاه، فيكون حظها بالنشوء بداعي الصدفة اقل بكثير، وكم بالحري ايضاً حظ خلية حية تتألف ليس فقط من جزئيات بروتيد بل من جزئيات ضخمة أخرى كلها متناسقة فيما بينها.

لذا نري العالم السوفياتي المعاصر الكبير اوبارين يصرح بأن ” التقدم الهائل الذي حققته العلوم الطبيعية مكن ننسى الاقتناع بان ظهور الحياة على الارض لم تكن (صدفة موفقة) كما كانوا يعتقدون سابقاً[5] …”، ويدحض محاولة تفسير ظهور ولو كائن حي واحد بفعل الصدفة، بقوله: ” ان هذا الافتراض شبيه بموقف امرئ يخلط أحرف طباعة تمثل ثمانية وعشرين حرفاً ابجدياً ويحركها، راجياً ان تجتمع بالصدفة لتؤلف هذه أو تلك من القصائد التي نعرفها”.

فاذا كان ظهور خلية واحدة بداعي الصدفة امراً مستحيلاً، فكيف نفسر ظهور ليس فقط خلية واحدة بل مليارات من الخلايا في البدء؟[6] وكيف نفسر بالأحرى، بمجرد فعل الصدفة، تدرج الحياة المتواصل نحو اشكال ارقي فأرقي. إذا اعتبر هذا التدرج تتابع صدف موفقة، فمن اين الصدفة هذا الاستمرار والترتيب في فعلها؟

فكأننا نقول -بالعودة الي الصورة التي اعتمدها اوبارين -ان الصدفة أوجدت اولاً حروفاً، ثم بمجرد الصدفة اصطفت تلك الاحرف فكونت مقاطع، ثم تجمعت تلك المقاطع صدفة لتوجد صفحات، ثم ارتبطت تلك الصفحات صدفة لتوجد فصولاً، واخيراً اجتمعت تلك الفصول بفعل الصدفة وحدها لتؤلف بحثاً علمياً أو فلسفياً او تحفة أدبية. اننا نفترض هكذا ان الصدفة تسير بموجب خطة منسقة تتنافي مع طبيعتها.

فالصدفة هي تحديداً عمياء، غير مرتبة، تهدم ما قد تكون بنته اتفاقاً كما تفصل هبّة ريح ورقتين اتفق ان جمعتهما على الارض هبّة ريح سابقة. لذا نري ان نظرية الصدفة قد نخلي عنها معظم علماء اليوم، حتى الماديين منهم.[7] لقد ذكرنا اعلاه موقف البيولوجي السوفياتي الكبير اوبارين ويمكننا ان نذكر على سبيل المثال ايضاً موقف بيولوجي كبير اخر لاأدري، وهو جان روستان، الذي بعد ان تبني تفسير التطور بالصدفة، نبذه.[8]

فاذا كانت نظرية الصدفة لم تثبت أمام المعطيات الذي كشفها العلم الحديث، بماذا يمكن الاستعاضة عنها؟ ان بعض العلماء الماركسيين كأوبارين الروسي وكاهان الفرنسي.[9] يقولون بأن ما يفسر التطور هو “الناموس الطبيعي”، اي بعبارة أخرى ان طبيعة المادة كانت تحتّم عليها ان تسلك الطريق التصاعدية التي سلكتها. هذا الرأي يستلهم صراحة النظرية الماركسية الاساسية، الا وهي ان المادة “ديالكتيكية”، اي انها بطبيعتها تتجاوز ذاتها باستمرار.

هذا الرأي مُغرٍ لأول وهلة لأنه يبدو علمياً بحتاً ولكن الحقيقة ليس ذلك تماماً.نعم ان التطور قد تم بفعل نواميس الطبيعة وبفعلها وحدها. الماركسيون محقون في ذلك، ومحقون عندما يقولون اننا سوف نكتشف ما لم نكتشفه بعد من تلك النواميس، وعند ذاك ستسد ثغرات معرفتنا للتطور ويصبح التطور مفهوماً بالكلية.

ولكن المسألة التي نحن بصددها ليست هنا، انما تطرح على صعيد آخر. السؤال الصميمي هو هذا: التطور يتم بفعل النواميس الطبيعية، ولكن كيف يفسر كون تلك النواميس مرتبة بشكل انها تعطي ذلك النمط التصاعدي الذي نراه في التطور؟ ما هو سر ترتيبها على هذا الخط؟

يبدو جلياً ان سؤالاً كهذا يتعدى صعيد العلم، سؤال ما ورائي اي انه متعلق بجذور الاشياء، بأصولها العميقة وليس فقط بمظاهرها التي هي من خصائص العلم. بعبارة أخرى، السؤال هو الآتي: ما الذي يفسّر كون المادة تسلك في فعل نواميسها ذلك الخط التصاعدي الذي نراه في التطور؟ ما الذي يفسّر عقلانية مسيرتها نحو اشكال أرقى فأرقى؟ تلك العقلانية تفترض فكراً.

فما هو هذا الفكر؟ هل هو فكر المادة؟ هل نظمت المادة ذاتها لتسير عبر مليارات من السنين في خط تطوري تصاعدي؟ ولكن ان تُنَظيَّم المادة ذاتها يعني انها ذات، ولكن المادة «ليست شخصاً حتى يمكن ان تنظم ذاتها. المادة كثرة. فكيف تنظم ذاتها بذاتها؟».[10] لكي تنظم المادة تلك الكثرة من الذرات، من حبات الطاقة التي تتألف منها، يجب ان يكون فيها ما يعلو على تلك الكثرة، يجب ان تكون المادة ذاتاً، شخصاً، وهذا في وارد.[11]

ثم لو افترضنا ان المادة نظمت ذاتها بهذا الشكل المذهل نكون قد نسبنا لها فكراً يعلو على الفكر البشري لأننا حتى الآن، رغم تقدم علمنا، لم نستطع بعد ان ندرك تماماً النظم التي تم بموجبها التطور.[12] بعبارة أخرى نكون قد نسبنا للمادة فكراً الهياً. ولكن مادة مؤهلة كهذه لم تعد المادة التي يعرفها العلم ويسخرها لخدمة الانسان، تلك المجموعة من الذرات والطاقات التي لا فكر لها. تأليه المادة هذا نكوص الي فكر الأقدمين الذين كانوا كلهم، خارج الخط اليهودي المسيحي، يؤلهون الكون.

فأرسطو مثلاً كان يعتبر الافلاك كائنات إلهية، وقد نُفي أحد فلاسفة الاغريق اناكساغوراس قديماً لأنه تجاسر على ان يعتبر القمر مجرد حجر.[13] لقد بدد الاعلان اليهودي المسيحي تلك الاوهام، وبذلك مهد السبيل للعلم إذ فتح امامه مجال الدراسة الموضوعية للكائنات المادية والسيطرة عليها بعد ان جُرّدت من صفاتها الالهية. [14] اما ان ننسب للمادة قدرة إلهية على تنظيم ذاتها، فهذا تقهقر يضرب عرض الحائط بمكاسب العلم[15] ومكاسب الإعلان المسيحي بآن.

هذا عودة الب الوثنية التي وصفها ارميا النبي بقوله: «يقولون للخشب انت ابي وللحجر انت ولدتني» (ارميا 27:2).[16]  هذا فضلاً عن ان الدفاع عن الوهة الكون كان أسهل في القديم مما هو الآن، لأننا نعرف اليوم ان الكون ابتدأ من لا شيء تقريباً. فاذا تذكرنا ان المادة بدأت بغيوم من الهيدروجين والهيليوم، وجب ان ننسب فكراً منظماً خلاقاً لتلك السحب التي منها خرج كل شيء. تلك هي الاصنام الجديدة كما كتب كلود تريمونتان: «هذا هو، يا اسرائيل، إلهك الذي اخرجك من مصر والذي خلقك: ليس هو عجلاً صهر بذهب الاساور والعقود.

كلا، انه سحابة مؤلفة خاصة من الهيدروجين والهيليوم. فلنبنِ له هيكلاً ولنتعبد لذلك الاله الجديد الذي كشفته لنا فيزياء الفلك».[17]

أما المؤمن، فانه لا يتعبد للمادة ولكنه ينسب الفكر النظم الخلاق العامل فيها لكائن متعال عن المادة، لكائن شخصي يمكنه وحده ان يرسم لتلك الكثرة الغاشمة التي هي المادة ذلك الخط التصاعدي الذي تسير بموجبه.أن ذلك الموقف الإيماني، وان كان تحديداً يفوق معطيات العقل والعلم، الا انه منسجم كلياً، كما اتضح مما سبق، مع متطلبات المنطق ومع المفهوم العلمي للمادة.

ولكن فعل الله هذا في المادة يجب ان يفهم على حقيقته. ليس هو، كما يتصوره العديد من المؤمنين وغير المؤمنين، فعلاً يضاف الي فعل النواميس الطبيعية فيسد الثغرات التي تبدو لنا في سياق التطور. هذا المفهوم مهين للعلم ولتعالي الله في بآن. انه مهين للعلم ان يحدّ من مجاله، كأن هناك ثغرات في سير التطور لابد للعلم ان يستقيل أمامها لأنها مجال حرام، مجال الله. ولكنه مهين ايضاً للتعالي الالهي لأنه يحدر الله الي مستوي العوامل الطبيعية.

اما الرأي الصحيح فهو ان الله لا يضاف الي نواميس الطبيعة لأنه يعمل على مستوي آخر، مختلف بالكلية عن المستوي الذي تعمل فيه تلك النواميس. الله لا يضاف الي نواميس الطبيعة ولكنه ذلك الكائن الذي تستمد منه بلا انقطاع تلك النواميس وجودها وعقلانيتها. هذا يفترض فهماً صحيحاً. لعقيدة الخلق[18]، فالخلق ليست عملية تمت مرة واحدة في بدء الزمن ثم ترك الله الكون يسير بموجب نواميسه وأخذ يتدخل من وقت الي آخر، من الخارج، لكي يوجه تلك النواميس ويعد نقصها ويتمم عجزها.

كلا فالخلق عملية مستمرة لان الله لم يزل عاملاً في الكون في ومن خلال تلك النواميس التي تستمد منه باستمرار كيانها وتخطيطها. هذا الخلق المستمر الذي اشار اليه الرب يسوع عندما قال: “ابي يعمل الي الآن وانا أعمل” (يوحنا 17:5).[19] لذا فالعلم يستطيع ان يفتش الي ما لا نهاية في الطبيعة، والطبيعة وحذها، عن كل حلقات التطور، أنه لن يصطدم بالله ولن يتعدى على حقوقه لان الله الذي يقول عنه الرب يسوع انه «في الخفاء» (متى 6:6) قد ارتضي ان يحتجب وراء عناصر الكون التي به وبه وحده توجد.

شيمة الله في معطائيته ان يحتجب أمام الكائنات التي يدعوها إلى الوجود. ولكن كلما اتضح لنا، بفعل الاكتشافات العلمية، تسلسل العوامل الطبيعة في ذلك الخط التصاعدي الذي سلكه الكون وكلما بدت لنا حلقات التطور منسقة، محكمة، احتجنا لنبرر ذلك كله تبربراً صميماً، ان نتجه نحو ذلك الذي سماه اوليفيه كليمان «شاعر الكون»، ذاك الذي يغمر مجده وبهاؤه الكائنات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن كتاب: السبل إلي الله، لدكتور/ كوستي بندلي

[1] Remy COLLIN: L’Evolution, hypothèses et problèmes, Fayard 1961 p. 27.

[2] Tavlitzki : Le code génétique, Paris 1964, cité par Claude Tresmontant : Comment se pose aujourd’hui le probléme de l’existence de Dieu, Seuil 1966, p. 209.

[3] DR. PAUL CHAUCHARD: LE CERVEAU ET LA CONSCIENCE, SEUIL 1960, P. 38.

[4] Claude Tresmontant: Comment se pose aujourd’hui le probléme de l’existence de Dieu, Seuil 1966, p. 97-98.

[5] A.I. OPARIN: L’ORIGINE DE LA VIE SUR LA TERRE, TRAD. FR., PARIS 1965, P.XV, CITÉ PAR CLAUDE TRESMONTANT: OP. CIT. P. 209.

[6] CF LECOMTE DU NOÜY: L’HOMME DEVANT LA SCIENCE, PARIS, 1946, P.142, CITÉ PAR CLAUDE TRESMONTANT: OP. CIT. P. 211.

[7] CF CLAUDE TRESMONTANT: OP. CIT. P. 197, 209, 216, 217, ETC…

[8] CF JEAN ROSTAND : CE QUE JE CORIS, ED. B. GRASSET P. 46, CITÉ PAR I. LEPP : PSYCHANALYSE DE L’ATHÉISME MODERNE P. 168.

[9] CF CLAUDE TRESMONTANT: OP. CIT. P. 217 À 223.

[10] Claude TRESMONTANT: op. cit. p. 228.

[11]  op. cit. p. 228-229.

[12] op. cit. p. 221.

[13] cf Etienne BORNE: Dieu n’est pas mort, Fayard 1963, p. 112.

[14] cf Pierre DUHEM: Le Système du Monde. II, p. 453, cité par Cl. TRESMONTANT: op. cit. p. 420.

Etienne BORNE: Dieu n’est pas mort, Fayard 1963, p. 79-80.

Pierre ANTOINE: L’église est-elle un lieu SACRÉ? in « Etudes », mars 1967, p. 435-436.

[15] cf Etienne BORNE: op. cit. p. 79-80.

[16] cf TRESMONTANT: op. cit. p. 318.

[17] op. cit. p. 126.

[18] راجع «مدخل الي العقيدة المسيحية» للمؤلف، منشورات النور، 1974.

[19] cf Clande Tresmontant : op. cit. p. 273-280 et p’ Schoonenberg : Le Monde de Dieu en devenir, p. 44, 45, 48-49, 51, 65, 70, 88, 207, 208, 215. Ed. du Centurion 1967.

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

صلب المسيح – إزاي بعد 600 سنة المسلمين يقولوا “شبه لهم”؟ – الجزء الأول

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

Is Jesus advocating pacifism and denouncing capital punishment in this passage? MATTHEW 26:52

MATTHEW 26:52—Is Jesus advocating pacifism and denouncing capital punishment in this passage?

PROBLEM: When the soldiers came to arrest Jesus, Peter took out his sword and cut off the ear of the high priest’s servant. Jesus told Peter to put back the sword because those who take up the sword will die by the sword. Some use this verse to support pacifism and to oppose capital punishment, which the Bible affirms elsewhere (Gen. 9:6).

SOLUTION: Total pacifism is not taught in this Scripture. Indeed, Abraham was blessed by the Most High God (Gen 14:19) after engaging in a war against the unjust aggression of the kings who had captured his nephew Lot. In Luke 3:14, soldiers come to inquire of John the Baptist about what they should do. John never told them to leave the army. Likewise, Cornelius, in Acts 10, was a centurion. He was called a devout man (v. 2), and the Scriptures say that the Lord heard the prayers of Cornelius (v. 4). When Cornelius becomes a Christian, Peter does not tell him to leave the army. Also, in Luke 22:36–38, Christ says that the one who has no sword should sell his robe and buy one. The apostles responded saying that they had two swords. Jesus responded saying that “it was enough.” In other words, they did not need to get rid of their swords. The Apostle Paul accepted the protection of the Roman army to save his life from unjust aggressors (Acts 23). Indeed, he reminded the Roman Christians that God had given the sword to the king who did not bear it in vain (Rom. 13:1–4). When Jesus returns to earth, He will come with the armies of heaven and will war against the kings of the earth (Rev. 19:11–19). So, from the beginning to the end, the Bible is filled with examples of the justification of war against evil aggressors.

What, then, did Jesus mean when He commanded Peter to put away his sword? Peter was making two mistakes in using his sword. First, while the Bible permits the sword by the government for civil purposes (Rom. 13:1–4), it does not endorse its use for spiritual ends. It is to be used by the state, not by the church. Second, Peter’s use was aggressive, not purely defensive. His life was not being unjustly threatened. That is, it was not clearly an act of self-defense (Ex. 22:2). Jesus appears to have endorsed the use of the sword in civil self-defense (Luke 22:36), as did the Apostle Paul (Acts 23).

Likewise, capital punishment is not forbidden in Scripture, but rather was established by God. Genesis 9:6 affirms that whoever sheds man’s blood, the blood of the killer will also be shed. Numbers 35:31 makes a similar statement. In the NT, Jesus recognized that Rome had capital authority and submitted to it (John 19:11). The Apostle Paul informed the Romans that governing authorities are ministers of God and that they still possessed the God-given sword of capital authority (13:1, 4). So Jesus in no way did away with the just use of the sword by civil authorities. He simply noted that those who live lives of aggression often die by the same means.

[1]

 

[1]Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (360). Wheaton, Ill.: Victor Books.

Was Jesus always present with His disciples? MATTHEW 26:11

MATTHEW 26:11—Was Jesus always present with His disciples?

PROBLEM: According to Jesus’ statement here, He would not always be with the disciples, for He said: “but Me you do not have always” with you. On the other hand, in Matthew 28:20 Jesus said, “Lo, I am with you always, even to the end of the age.”

SOLUTION: In the first passage, Jesus was speaking of His physical presence (which would not be with them between His ascension and second coming), and, in the later text, He is referring to His spiritual presence with them as they preached the Gospel in all the world. There is no contradiction here whatsoever.

Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (359). Wheaton, Ill.: Victor Books.

Did Jesus err by affirming that the signs of the end time would be fulfilled in His era? MATTHEW 24:34

MATTHEW 24:34—Did Jesus err by affirming that the signs of the end time would be fulfilled in His era?

PROBLEM: Jesus spoke of signs and wonders regarding His second coming. But Jesus said “this generation” would not end before all these events took place. Did this mean that these events would occur in the lifetime of His hearers?

SOLUTION: These events (e.g., the Great Tribulation, the sign of Christ’s return, and the end of the age) did not occur in the lifetime of Christ’s hearers. Therefore, it is reasonable to understand their fulfillment as something yet to come. This calls for a closer examination of the meaning of “generation” for meanings other than that of Jesus’ contemporaries.

First, “generation” in Greek (genea) can mean “race.” In this particular instance, Jesus’ statement could mean that the Jewish race would not pass away until all things are fulfilled. Since there were many promises to Israel, including the eternal inheritance of the land of Palestine (Gen. 12; 14–15; 17) and the Davidic kingdom (2 Sam. 7), then Jesus could be referring to God’s preservation of the nation of Israel in order to fulfill His promises to them. Indeed, Paul speaks of a future of the nation of Israel when they will be reinstated in God’s covenantal promises (Rom. 11:11–26). And Jesus’ response to His disciples’ last question implied there would yet be a future kingdom for Israel, when they asked: “Lord, will You at this time restore the kingdom to Israel?” Rather than rebuking them for their misunderstanding, He replied that “It is not for you to know times or seasons which the Father has put in His own authority” (Acts 1:6–7). Indeed, Paul in Romans 11 speaks of the nation of Israel being restored to God’s promised blessings (cf. vv. 25–26).

Second, “generation” could also refer to a generation in its commonly understood sense of the people alive at the time indicated. In this case, “generation” would refer to the group of people who are alive when these things come to pass in the future. In other words, the generation alive when these things (the abomination of desolation [v.15], the great tribulation such as has never been seen before [v. 21], the sign of the Son of Man in heaven [v. 30], etc.) begin to come to pass will still be alive when these judgments are completed. Since it is commonly believed that the tribulation is a period of some seven years (Dan. 9:27; cf. Rev. 11:2) at the end of the age, then Jesus would be saying that “this generation” alive at the beginning of the tribulation will still be alive at the end of it. In any event, there is no reason to assume that Jesus made the obviously false assertion that the world would come to an end within the lifetime of His contemporaries.

[1]

 

[1]Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (358). Wheaton, Ill.: Victor Books.

Did Christ come to earth immediately following the Tribulation or sometime later? MATTHEW 24:29

MATTHEW 24:29—Did Christ come to earth immediately following the Tribulation or sometime later?

PROBLEM: In Matthew, Jesus represents His coming as “immediately after” (24:29) the Great Tribulation. But Luke seems to separate it by the “times of the Gentiles” (Luke 21:24, 27).

SOLUTION: The interval referred to by Luke is the time between the destruction of Jerusalem (a.d. 70), which began God’s judgment on Jerusalem (cf. Matt. 24:2), and the return of Christ to earth “with power and great glory” (Matt. 24:30). So, when Matthew affirms that Christ’s coming is “immediately after the tribulation of those days” (24:29), he is referring to the end of the “times of the Gentiles” mentioned by Luke (21:24). Hence, there is no irresolvable conflict between the two accounts.

Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (358). Wheaton, Ill.: Victor Books.

Why did Jesus call people fools and yet condemn others for doing the same thing? MATTHEW 23:17

MATTHEW 23:17—Why did Jesus call people fools and yet condemn others for doing the same thing?

PROBLEM: Jesus said, “whoever says [to his brother], `You fool!’ shall be in danger of hell fire” (Matt. 5:22). Yet He Himself said to the scribes and Pharisees, “Fools and blind!” (Matt. 23:17) The Apostle Paul, following suit, said, “O foolish Galatians” (Gal. 3:1; cf. 1 Cor. 15:36).

SOLUTION: There are good reasons why there is a strong difference between the two uses of the term “fool.” First, this is another example of the principle that the same word can be used with different meanings in different contexts (see Introduction). For instance, the word “dog” can be used of a canine animal or a detested person.

Second, in Matthew 5, it is used in the context of someone who is “angry” with his brother, indicating a hatred. Neither Jesus nor Paul harbored hatred toward those to whom they applied the term. Thus, their use of the term “fool” does not violate Jesus’ prohibition against calling others a fool.

Third, technically speaking, Jesus only commanded that a “brother” (Matt. 5:22) not be called a “fool,” not an unbeliever. In fact the scriptural description of a fool is one who “has said in his heart, `There is no God’ ” (Ps. 14:1). In view of this, one can see the seriousness of calling a brother a fool; it is tantamount to calling him an unbeliever. Hence, when He who “knew what was in man” (cf. John 2:25) called unbelievers “fools,” it was a most appropriate description of what they really were.

[1]

 

[1]Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (357). Wheaton, Ill.: Victor Books.

Does Jesus want us to love ourself first or others? MATTHEW 22:39

MATTHEW 22:39—Does Jesus want us to love ourself first or others?

 

PROBLEM: Jesus says in Matthew that we are to love our neighbor as ourselves. But, if we love ourselves first, before we love our neighbor, then this would be putting self before neighbor. Is Jesus teaching that we should be selfish?

SOLUTION: Loving others as we love ourselves can be understood in different ways, but in no way is Jesus implying that we should be selfish. The Bible condemns “lovers of themselves” (2 Tim. 3:2). It exhorts us not to consider only our own interests, but also the interest of others (Phil. 2:4). There are three ways to understand the phrase, “love others as yourself.”

First, some believe that Jesus is saying that we ought to love others as we ought to love ourselves, namely, unselfishly. This, however, seems far too subtle and dialectical for Jesus’ normally straight-forward moral assertions. It would have been more forthright to simply say do not be selfish than the tangled command of loving oneself unselfishly.

Second, Jesus could have meant that we should love others as we ought to love ourselves, namely, properly. There is a legitimate self-respect or self-love. Ephesians tells us to care for our own bodies, “for no one ever hated his own flesh, but nourishes and cherishes it” (5:28–29). There is nothing wrong with a legitimate self-care and self-respect. The Bible condemns someone for “thinking of himself more highly than he ought,” but urges him to think “soberly” (Rom. 12:3). In this sense, Jesus may be saying love others as you ought to love yourselves.

Third, Jesus could have meant that we should love others as much as we do love ourselves. That is, He might have been saying that we should measure how we ought to love others by how we actually do love ourselves without implying that the way we love ourselves is correct. Rather, God may be simply pointing to love for self as the standard by which we should judge how much to love others. In this way, there would be an automatic check on our selfish love, since we would have to love others this much too.

Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (355). Wheaton, Ill.: Victor Books.

Exit mobile version