علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

 

تحميل الكتاب PDF

 

لتحميل الجزء الأول إضغط هنا: علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

أيقونات الغلاف [1]

هي عبارة عن ثلاثة رسوم جدارية (فريسكات)؛ في الأعلى القديس ثيؤفيلوس السكندري وفي الأسفل القديسان باسيليوس الكبير وأثناسيوس الرسولي. وهذه الفريسكات هي ضمن المجموعة التي تزين الكنيسة الأثرية بالدير الأحمر بسوهاج والموزعة ما بين الحائط البحري والحائط القبلي.

وتتنوع الرسوم الجدارية بالدير في الموضوعات التي تصورها ما بين الملائكة والإنجيليين وشخصيات توراتية بالإضافة إلى آباء الجيل الرهباني الأول والأساقفة البارزين في الكنيسة في القرون الأولى للمسيحية. وتغطي اللوحات حوالي ثمانين بالمئة من الجدران تقريبا.

أما عن كنيسة الدير الأحمر الأثرية، فهي بازليكا كانت تمثل قلب المجتمع الرهباني في مركز من أهم مراكز النسك والتي تتمثل في ثلاثة أديرة: ديران منها للرجال وآخر للنساء. وقد تأسس الدير الأحمر علي يد الأنبا بيشاي في منتصف القرن الرابع، وأصبح فيما بعد تابعا للدير الأبيض تحت قيادة الأنبا بيجول مؤسس الدير الأبيض، وفي الخطوة الأخيرة قاد الأنبا شنودة هذه الأديرة الثلاثة ما يقرب من ثمانين عاما.

ومن الجدير بالذكر أن تاريخ هذه الجداريات لاحق على بناء الكنيسة، ولم تتم في مرحلة زمنية واحدة بل استمر تصميمها من القرن السادس الميلادي إلى القرن الثامن الميلادي. وقد تم حجبها لقرون عديدة (من القرون الوسطى إلى نهاية القرن العشرين) حيث كانت مغطاة بطبقة متراكمة من الأدخنة والغبار.

 

مقدمة الأنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمین

لماذا الآباء؟ ألا يكفي الكتاب المقدس وحده؟ ماذا يمكن أن يقدم فكر آباء القرون الأولى لكنيسة القرن الحادي والعشرين؟ كيف تتلاقى الأفكار مع بعد المسافات الزمنية والبيئية؟

قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة لا بد أن نقرر أن الكنيسة واحدة في كل زمان ومكان، تحمل سمات المسيح المتألم والمصلوب والقائم من بين الأموات لأنه هو حمل الله الذي رفع خطيئة العالم، وأرسلنا لنحمل نور الإنجيل للخليقة كلها.

وهذه هي رسالة الكنيسة، أن تكون نورا للعالم تدعو الكل للخلاص باسم الفادي القدوس، تدعو الكل للتوبة وغفران الخطايا، تدعو الكل للمحبة التي هي رباط الكمال. وهذه هي مسئولية كل إنسان في كل مكان وزمان، بدأت منذ الرسل في سفر الأعمال، وهو السفر الذي لم ينته حتى الآن، بل هو مستمر مسجلا أعمال الكنيسة حتى المجيء الثاني. وهكذا تتلاحم الأجيال وتتلاقى الأفكار وتتشابه الآلام، فالكنيسة المتألمة في كل زمان تتمثل بعريسها الذي حمل الصليب، ولبس إكليل الشوك، وقام ليقيمنا معه ويجلسنا معه في السماويات.

هنا نرى الآباء الذين ساروا خلف الرسل ككواكب مضيئة تنير لنا مسيرتنا في دروب هذا العالم ومشاكله. قد تختلف البيئات ولكن فكر الإنسان مازال يحمل عطشه الدائم إلى الله خالقه وهذا ما يقدمه لنا الآباء: حياتهم مع الله، خبرتهم ومعرفتهم وعشرتهم الحية التي هي أثمن من الذهب وكل كنوز الأرض. ويقدم لنا الآباء لنا ثلاثة أمور هامة: حياة ليتورجية، وتعاليم كتابية وسلوكيات مسيحية.

  1. الحياة الليتورجية

لقد ترك لنا الآباء تراثا ثمينا من صلوات للمعمودية والإفخارستيا كما كانت تمارس منذ الرسل، وكيف كانت توضع الأيادي للكهنوت وإرساليات الخدمة وعمل الروح في الكنيسة وتنظيماتها.

  1. التعاليم الكتابية

إن الآباء هم الذين فسروا الكتاب المقدس، كل كلمة وكل آية، وشرحوا لنا المسيحية وإيمانها الثمين الذي سلم مرة للقديسين، وعقيدتها الناصعة التي حفظوها بدمائهم.

  1. السلوكيات المسيحية

الآباء أيضا هم الذين شرحوا لنا كيف يكون سلوك الإنسان المسيحي نورا في وسط ظلمة هذا العالم، كيف عاشوا الإنجيل في زمانهم وكيف نعيشه الآن، نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور.

الرب يبارك هذا العمل ويكمل كل نقص فيه ويعوض كل من له تعب في إعداده وإخراجه بهذه الصورة المشرفة، بصلوات أبينا البابا أنبا تواضروس الثاني وشريكه في الخدمة الرسولية أبينا الأسقف أنبا إيسيذوروس أسقف ورئيس دير البرموس، ولفادينا وربنا يسوع المسيح كل المجد والكرامة مع أبيه الصالح والروح القدس أمين.

 

مقدمة الناشر

يقول القديس أثناسيوس الرسولي في رسالته الأولى إلى سيرابيون (۱: ۲۸): “دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي هو من البداية، والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة، ومن يسقط منه فلن يكون مسيحيا ولا ينبغي أن يدعى كذلك فيما بعد: إذن الإيمان هو واحد، وهو الذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وسلم للآباء.

وهذا الإيمان هو الأساس الذي قام الآباء بحفظه وصياغته وشرحه ليسلموه لمن بعدهم نقيا كما تسلموه. واعتمادا على نفس هذا الأساس الصحيح تم تفسير الكتاب المقدس ووضع الصلوات الليتورجية بل وكل خبرة الحياة الجديدة في المسيح، لأن سلامة الإيمان (الأساس) هي التي تؤدي إلى حياة تقوية صحيحة (البناء)، وصحة الحياة التقوية هي التي تحفظ سلامة الإيمان.

ونحن لا نحتاج إلى وضع أو تحديد أساس جديد في كل جيل، لأن الأساس واحد وهو المسلم مرة للقديسين. والله لا يتعامل مع الكنيسة كأفراد منفصلين فيبدأ مع كل واحد منهم من نقطة البداية من جديد، ولكنه يتعامل مع الكنيسة كجسد واحد متصل، ويحملنا مسئولية تسليم ما قد وهبه لنا من جيل إلى جيل.

وهذا ما عبر عنه القديس بولس بقوله: “وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناسًا أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا” (٢ تي ٢: ٢). ولهذا فإن أرثوذكسية الكنيسة تتجلي في التمسك الدائم بالتسليم الآبائي، لكي يكون للكنيسة إيمان واحد متواصل عبر العصور. فكتابات الآباء لها أهمية عظمى في تأصيل معرفتنا لشرح العقيدة وتفسير الكتاب المقدس والنصوص الليتورجية، وخبرة الحياة الروحية كلها.

ولكن تمسكنا بالفكر الآبائي الأصيل، لا يعني أن نجنح نحو الجمود وعدم الإبداع، لأن التسليم هو كيان حي متنام ومتجدد، وهو مزيج من الأصالة والإبداع في آن واحد. أصالة مبدعة وإبداع أصيل. فنحن مطالبون بأن نكون أمناء نحو أساسنا الواحد الصحيح الذي حفظه وشرحه لنا الآباء، ولكننا وفي نفس الوقت مطالبون بأن نكون مبدعين في التطبيق ومجددين في تقديم ذلك الأساس نفسه للجيل المعاصر.

وهذا بالتحديد هو ما كان الآباء أنفسهم يقومون به، فهم لم يكونوا جامدين مكررين لما سبقوهم وحسب، ولكنهم كانوا بالفعل مواكبين لعصرهم رغم أمانتهم الثابتة للأساس الحي الذي استلموه ممن قبلهم. ويسمى العلم الذي يهتم بدراسة تاريخ الكتاب المسيحيين في العصور الأولى وكتاباتهم ب “علم الآبائيات” أو “علم آباء الكنيسة” (باترولوجي).

ونظرًا لأهمية هذا التخصص في مجال نشر الفكر الآبائي، حرص مركز باناريون للتراث الآبائي أن يقدم للقارئ سلسلته الثالثة وهي:

دراسات عن آباء الكنيسة في العصور الأولى

السلسلة التي تتناول سير الآباء والأحداث التاريخية والكنسية في عصرهم، كما تتناول أيضا كتاباتهم، وتعاليمهم اللاهوتية. والمجلد الذي بين يديك أيها القارئ الحبيب، هو المجلد الأول من مجموعة “علم الآبائيات باترولوجي” لمؤلفها جوهانس كواستن.

وتقع هذه المجموعة تحت تصنيف الكتب المسمى “ينبغي اقتناؤها”. فبرغم صدور كتب أخرى متنوعة ولاحقة عن “علم الآبائيات” إلا أن مجموعة كواستن تظل هي اللبنة الأولى والضرورية لكل باحث ومهتم بهذا الفرع من المعرفة.

وبينما تأتي الكتب الأخرى التي تعالج نفس الموضوع في شكل مجلد واحد بسبب منهجها الانتقائي في العرض، جاءت مجموعة كواستن في أربع مجلدات لما تميزت به من شرح واف لكتابات الآباء ومنهجهم اللاهوتي، حتى قيل عنها إنها “المرجع الأشمل لمن يريد البدء في دراسة الأدب المسيحي المبكر”.

وهكذا لن يتمكن فريقان من القراء على الأقل من أن يستغنيا عن مجموعة كواستن: الفريق الأول وهو الذي يريد أن يحصل على معرفة أساسية شاملة عن الآبائيات أكثر من مجرد المقدمات التي تعرضها الكتب الأخرى، والفريق الثاني هو الذي يريد أن ينال معرفة أولية عن الآبائيات تؤهله للدخول إلى دراسات أكثر تقدما.

وقد تفضل مشكورا نيافة أنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان بترجمة هذا المجلد الأول قبل سيامته أسقفا، وقد تمت مراجعة الترجمة على النسخة الإنجليزية، وإضافة الحواشي والفهرس الموضوعي في نهاية الكتاب لتعظم فائدة القارئ.

وسنوالي ترجمة ونشر بقية مجلدات مجموعة كواستن “علم الآبائيات. باترولوجي” في المستقبل القريب بمشيئة الرب.

نسأل الله أن يبارك في هذا العمل وللثالوث القدوس المجد والإكرام والسجود الآن وإلى الأبد آمين.

 

[1] شرح أيقونات الغلاف من إعداد الأستاذ مايكل حلمي راغب الباحث في القبطيات.

علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

تحميل الكتاب PDF

لتحميل الجزء الثاني إضغط هنا: علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

 

أيقونات الغلاف [1]

هي عبارة عن ثلاثة رسوم جدارية (فريسكات)؛ في الأعلى القديس ثيؤفيلوس السكندري وفي الأسفل القديسان باسيليوس الكبير وأثناسيوس الرسولي. وهذه الفريسكات هي ضمن المجموعة التي تزين الكنيسة الأثرية بالدير الأحمر بسوهاج والموزعة ما بين الحائط البحري والحائط القبلي.

وتتنوع الرسوم الجدارية بالدير في الموضوعات التي تصورها ما بين الملائكة والإنجيليين وشخصيات توراتية بالإضافة إلى آباء الجيل الرهباني الأول والأساقفة البارزين في الكنيسة في القرون الأولى للمسيحية. وتغطي اللوحات حوالي ثمانين بالمئة من الجدران تقريبا.

أما عن كنيسة الدير الأحمر الأثرية، فهي بازليكا كانت تمثل قلب المجتمع الرهباني في مركز من أهم مراكز النسك والتي تتمثل في ثلاثة أديرة: ديران منها للرجال وآخر للنساء. وقد تأسس الدير الأحمر علي يد الأنبا بيشاي في منتصف القرن الرابع، وأصبح فيما بعد تابعا للدير الأبيض تحت قيادة الأنبا بيجول مؤسس الدير الأبيض، وفي الخطوة الأخيرة قاد الأنبا شنودة هذه الأديرة الثلاثة ما يقرب من ثمانين عاما.

ومن الجدير بالذكر أن تاريخ هذه الجداريات لاحق على بناء الكنيسة، ولم تتم في مرحلة زمنية واحدة بل استمر تصميمها من القرن السادس الميلادي إلى القرن الثامن الميلادي. وقد تم حجبها لقرون عديدة (من القرون الوسطى إلى نهاية القرن العشرين) حيث كانت مغطاة بطبقة متراكمة من الأدخنة والغبار.

 

مقدمة الأنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمین

لماذا الآباء؟ ألا يكفي الكتاب المقدس وحده؟ ماذا يمكن أن يقدم فكر آباء القرون الأولى لكنيسة القرن الحادي والعشرين؟ كيف تتلاقى الأفكار مع بعد المسافات الزمنية والبيئية؟

قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة لا بد أن نقرر أن الكنيسة واحدة في كل زمان ومكان، تحمل سمات المسيح المتألم والمصلوب والقائم من بين الأموات لأنه هو حمل الله الذي رفع خطيئة العالم، وأرسلنا لنحمل نور الإنجيل للخليقة كلها.

وهذه هي رسالة الكنيسة، أن تكون نورا للعالم تدعو الكل للخلاص باسم الفادي القدوس، تدعو الكل للتوبة وغفران الخطايا، تدعو الكل للمحبة التي هي رباط الكمال. وهذه هي مسئولية كل إنسان في كل مكان وزمان، بدأت منذ الرسل في سفر الأعمال، وهو السفر الذي لم ينته حتى الآن، بل هو مستمر مسجلا أعمال الكنيسة حتى المجيء الثاني. وهكذا تتلاحم الأجيال وتتلاقى الأفكار وتتشابه الآلام، فالكنيسة المتألمة في كل زمان تتمثل بعريسها الذي حمل الصليب، ولبس إكليل الشوك، وقام ليقيمنا معه ويجلسنا معه في السماويات.

هنا نرى الآباء الذين ساروا خلف الرسل ككواكب مضيئة تنير لنا مسيرتنا في دروب هذا العالم ومشاكله. قد تختلف البيئات ولكن فكر الإنسان مازال يحمل عطشه الدائم إلى الله خالقه وهذا ما يقدمه لنا الآباء: حياتهم مع الله، خبرتهم ومعرفتهم وعشرتهم الحية التي هي أثمن من الذهب وكل كنوز الأرض. ويقدم لنا الآباء لنا ثلاثة أمور هامة: حياة ليتورجية، وتعاليم كتابية وسلوكيات مسيحية.

  1. الحياة الليتورجية

لقد ترك لنا الآباء تراثا ثمينا من صلوات للمعمودية والإفخارستيا كما كانت تمارس منذ الرسل، وكيف كانت توضع الأيادي للكهنوت وإرساليات الخدمة وعمل الروح في الكنيسة وتنظيماتها.

  1. التعاليم الكتابية

إن الآباء هم الذين فسروا الكتاب المقدس، كل كلمة وكل آية، وشرحوا لنا المسيحية وإيمانها الثمين الذي سلم مرة للقديسين، وعقيدتها الناصعة التي حفظوها بدمائهم.

  1. السلوكيات المسيحية

الآباء أيضا هم الذين شرحوا لنا كيف يكون سلوك الإنسان المسيحي نورا في وسط ظلمة هذا العالم، كيف عاشوا الإنجيل في زمانهم وكيف نعيشه الآن، نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور.

الرب يبارك هذا العمل ويكمل كل نقص فيه ويعوض كل من له تعب في إعداده وإخراجه بهذه الصورة المشرفة، بصلوات أبينا البابا أنبا تواضروس الثاني وشريكه في الخدمة الرسولية أبينا الأسقف أنبا إيسيذوروس أسقف ورئيس دير البرموس، ولفادينا وربنا يسوع المسيح كل المجد والكرامة مع أبيه الصالح والروح القدس أمين.

 

مقدمة الناشر

يقول القديس أثناسيوس الرسولي في رسالته الأولى إلى سيرابيون (۱: ۲۸): “دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي هو من البداية، والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة، ومن يسقط منه فلن يكون مسيحيا ولا ينبغي أن يدعى كذلك فيما بعد: إذن الإيمان هو واحد، وهو الذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وسلم للآباء.

وهذا الإيمان هو الأساس الذي قام الآباء بحفظه وصياغته وشرحه ليسلموه لمن بعدهم نقيا كما تسلموه. واعتمادا على نفس هذا الأساس الصحيح تم تفسير الكتاب المقدس ووضع الصلوات الليتورجية بل وكل خبرة الحياة الجديدة في المسيح، لأن سلامة الإيمان (الأساس) هي التي تؤدي إلى حياة تقوية صحيحة (البناء)، وصحة الحياة التقوية هي التي تحفظ سلامة الإيمان.

ونحن لا نحتاج إلى وضع أو تحديد أساس جديد في كل جيل، لأن الأساس واحد وهو المسلم مرة للقديسين. والله لا يتعامل مع الكنيسة كأفراد منفصلين فيبدأ مع كل واحد منهم من نقطة البداية من جديد، ولكنه يتعامل مع الكنيسة كجسد واحد متصل، ويحملنا مسئولية تسليم ما قد وهبه لنا من جيل إلى جيل.

وهذا ما عبر عنه القديس بولس بقوله: “وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناسًا أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا” (٢ تي ٢: ٢). ولهذا فإن أرثوذكسية الكنيسة تتجلي في التمسك الدائم بالتسليم الآبائي، لكي يكون للكنيسة إيمان واحد متواصل عبر العصور. فكتابات الآباء لها أهمية عظمى في تأصيل معرفتنا لشرح العقيدة وتفسير الكتاب المقدس والنصوص الليتورجية، وخبرة الحياة الروحية كلها.

ولكن تمسكنا بالفكر الآبائي الأصيل، لا يعني أن نجنح نحو الجمود وعدم الإبداع، لأن التسليم هو كيان حي متنام ومتجدد، وهو مزيج من الأصالة والإبداع في آن واحد. أصالة مبدعة وإبداع أصيل. فنحن مطالبون بأن نكون أمناء نحو أساسنا الواحد الصحيح الذي حفظه وشرحه لنا الآباء، ولكننا وفي نفس الوقت مطالبون بأن نكون مبدعين في التطبيق ومجددين في تقديم ذلك الأساس نفسه للجيل المعاصر.

وهذا بالتحديد هو ما كان الآباء أنفسهم يقومون به، فهم لم يكونوا جامدين مكررين لما سبقوهم وحسب، ولكنهم كانوا بالفعل مواكبين لعصرهم رغم أمانتهم الثابتة للأساس الحي الذي استلموه ممن قبلهم. ويسمى العلم الذي يهتم بدراسة تاريخ الكتاب المسيحيين في العصور الأولى وكتاباتهم ب “علم الآبائيات” أو “علم آباء الكنيسة” (باترولوجي).

ونظرًا لأهمية هذا التخصص في مجال نشر الفكر الآبائي، حرص مركز باناريون للتراث الآبائي أن يقدم للقارئ سلسلته الثالثة وهي:

دراسات عن آباء الكنيسة في العصور الأولى

السلسلة التي تتناول سير الآباء والأحداث التاريخية والكنسية في عصرهم، كما تتناول أيضا كتاباتهم، وتعاليمهم اللاهوتية. والمجلد الذي بين يديك أيها القارئ الحبيب، هو المجلد الأول من مجموعة “علم الآبائيات باترولوجي” لمؤلفها جوهانس كواستن.

وتقع هذه المجموعة تحت تصنيف الكتب المسمى “ينبغي اقتناؤها”. فبرغم صدور كتب أخرى متنوعة ولاحقة عن “علم الآبائيات” إلا أن مجموعة كواستن تظل هي اللبنة الأولى والضرورية لكل باحث ومهتم بهذا الفرع من المعرفة.

وبينما تأتي الكتب الأخرى التي تعالج نفس الموضوع في شكل مجلد واحد بسبب منهجها الانتقائي في العرض، جاءت مجموعة كواستن في أربع مجلدات لما تميزت به من شرح واف لكتابات الآباء ومنهجهم اللاهوتي، حتى قيل عنها إنها “المرجع الأشمل لمن يريد البدء في دراسة الأدب المسيحي المبكر”.

وهكذا لن يتمكن فريقان من القراء على الأقل من أن يستغنيا عن مجموعة كواستن: الفريق الأول وهو الذي يريد أن يحصل على معرفة أساسية شاملة عن الآبائيات أكثر من مجرد المقدمات التي تعرضها الكتب الأخرى، والفريق الثاني هو الذي يريد أن ينال معرفة أولية عن الآبائيات تؤهله للدخول إلى دراسات أكثر تقدما.

وقد تفضل مشكورا نيافة أنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان بترجمة هذا المجلد الأول قبل سيامته أسقفا، وقد تمت مراجعة الترجمة على النسخة الإنجليزية، وإضافة الحواشي والفهرس الموضوعي في نهاية الكتاب لتعظم فائدة القارئ.

وسنوالي ترجمة ونشر بقية مجلدات مجموعة كواستن “علم الآبائيات. باترولوجي” في المستقبل القريب بمشيئة الرب.

نسأل الله أن يبارك في هذا العمل وللثالوث القدوس المجد والإكرام والسجود الآن وإلى الأبد آمين.

 

[1] شرح أيقونات الغلاف من إعداد الأستاذ مايكل حلمي راغب الباحث في القبطيات.

كنيسة المسيح نشأتها وإنتشارها وتفاعلها مع العالم الوثني جـ1

كنيسة المسيح نشأتها وإنتشارها وتفاعلها مع العالم الوثني جـ1

كنيسة المسيح نشأتها وإنتشارها وتفاعلها مع العالم الوثني جـ1

كنيسة المسيح نشأتها وإنتشارها وتفاعلها مع العالم الوثني جـ1

1- الكنيسة الأولى

بالرغم من ان السيد المسيح كان قد نبه تلاميذه، بعد اعلان البشارة السماوية، على أنه سيتألم وسيموت وسيقوم من القبر في اليوم الثالث حسب ما جاء في كتب الأنبياء، فان الرسل بقوا مضطربين وخائفين لغاية عيد العنصرة حيث حل عليهم الروح القدس فى العلية الصهيونية، مع العذراء مريم وباقي الذين تبعوا المعلم وعايشوه خلال سنوات ثلاث كان يتنقل فيها مبشراً بملكوت السموات، وابتدأت رسالتهم بكل مجدها لأن روح الله قد أعطاهم القوة وأطلقهم مبشرين باسم المسيح فى العالم أجمع. يومها ابتدأت كنيسة الرب ترى النور، وابتدأ الايمان يترسخ فعلا فى قلوب المؤمنين، وابتدأت الشهادة الحقيقية للمسيح بين الأمم.

فالفترة التاريخية الواقعة بين عيد العنصرة حوالي السنة الثلاثين واحتلال “طيطوس” لأورشليم السنة السبعين تعتبر الفترة الاهم لتأسيس الكنيسة بحيث انها تشكل وحدة متكامله لأن الرسل كانوا يسهرون عليها، وبالوقت نفسه كانت (أعنى الكنيسة) تتوسع فى الوسط اليهودي دون الانطلاق بعد الى الأمم. والوثيقة المهمة التى بين ايدينا عن هذه الفترة هى كناب “أعمال الرسل” الذي يحدثنا عن جماعة اورشليم الاولى وعن اسفار القديس بولس فى آسيا الصغرى واليونان وروما لغاية السنة الستين. أما بالنسبة الى أنتشار الكنيسة فى البلاد العربية وسوريا الشرقية فان المعلومات المتوافرة هي ضئيلة جدا وتستند الى كتابات مشكوك بصحتها. وانه لمن الواضح أن الاناجيل المقدسة ابتدأت توضح خلال تلك الفترة الطويله من السنوات، وكذلك ابتدأت ايضاً تتوضح معالم الايمان المسيحي وتراتيبة السلطة في الكنيسة، ومقومات الحياة المسيحية.

ولكن المشكلة التي أستعصت أولاً، والتي حلت مع الزمن، هي التاليه: ماذا يجب أن يكون موقف رسل المسيح من الشريعة اليهودية المعطاه من الله؟ الجواب في انتشار الكنيسة فى أورشليم وبين الأمم.

أ- كنيسة أورشليم

كلمة “كنيسة” تعنى، في العهد القديم، شعب الله الخارج من مصر بأتجاه أرض الميعاد، وفي العهد الجديد، المؤمنين بالمسيح الى أى شعب أنتموا. وهذه الكنيسة كانت نواتها مجموعة الرجال والنساء الذين عاشوا مع المسيح طوال السنوات الثلاث من حياتة العلنية، كما ذكرنا سابقاً، والذين كانوا شهوداً على الآمه وموته وقيامته وصعوده الى السماء. وبين هؤلاء الاحد عشر رسولاً، الذى أنضم اليهم “ماتيا”، بدلاً عن يوضاص، والذين كانوا يرأسهم القديس بطرس. وقد وعوا مسئوليتهم المثلثة ، التى كلفهم بها المسيح، وهى: الشهادة للقيامه، وأنتشار الايمان بين الناس بتعميدهم وضمهم الى جماعة المؤمنين، والسهر على الجماعة فى شؤنها الروحية والزمنية.

هذه الجماعه، التى سميت بالـ “المسيحيين” فيما بعد، في أنطاكية، كانت نواتها البعض من اليهود الذين آمنوا بان يسوع هو المسيح الذى تنبأ عنه الأنبياء فى العهد القديم. وبذلك أنفصلوا عن باقي اليهود الذين لم يؤمنوا بيسوع، رغم انهم ثابروا على التقيد بالشريعة الموسوية القديمة، متعاطفين مع بعض الجماعات اليهودية الأخرى مثل “الأسينيين” وفئة قليله من الفريسيين. ولكن الوقت لم يطل حتى أبتدا الصدام المميت بينهم وبين كبار الكهنة والصدوقيين أذ أن هؤلاء الكهنة كانوا يغادرون من تأثير الرسل على الشعب، والصدوقيين كانوا ضد أى تجديد على الصعيد الديني.

ولقد ذكر كتاب “أعمال الرسل” ثلاثة اضطهادات قام بها الكهنة والصدوقيون ضد الرسل وجماعة المؤمنين، وبنوع خاص أضطهاد سنة 43 مسيحية الذي ذهب ضحيتة القديس يعقوب، أخ يوحنا الرسول الأنجيلي، وتوقيف القديس بطرس وحبسة. والمسيحيون أنقسموا، بادئ ذى بدء الى فئتين. الفئة الاولى ضمت المسيحيين الذين بقوا متعلقين بالشرسعة الموسوية وتبعوا يعقوب، أحد أقرباء السيد المسيح ودعوا – “فئة العبرانيين”، وكان لهم تأثير كبير فى أورشليم، مدعومين من الفريسيين. ولقد أنضم اليهم أقرباء الرب، وكانوا يختارون أساقفة المدينة من بينهم، الأمر الذى دفع بالمؤرخ “شتوفر” (Stauffer) لتسمية كل اسقف ب (الخليفة) حسب التقليد الشرقي.

ومن خلال هؤلاء المسيحيين، أقرباء الرب، تعرف المسيحيون الأول على حياة المسيح فى طفولتة قبل أن يجمع ذلك الانجيليان متى ولوقا فى أنجيليهما وهكذا بقى هؤلاء المسيحيون متعلقين بالشعب اليهودي حضارياً وسياسياً، لا يفرقهم عن اليهود الآخرين سوى أيمانهم بيسوع المسيح. أما الفئة الثانية فلقد ضمت المسيحيين من الشعوب الأخرى، الذين دعوا بـ “فئة الهلينيين” والذين مثلهم خير تمثيل القديس أسطفانوس الشهيد. هذة الفئه كانت فئة اليهود الذين كانوا يتكلمون اللغة اليونانية، أما من سكان فلسطين أو من الذين كانوا في “الشتات” فالقديس برنابا مثلاً. والذي كان يميز هؤلاء المسيحيين هو أنفصالهم عن الجماعات اليهودية، الأمر الذى جعل اليهود عموماً، وبنوع خاص الفريسيين، يقفون تجاههم موقف عنف حتى أنهم طردوا من فلسطين سنة 37 مسيحيه بعد أستشهاد القديس أسطفانوس.

ولكن طردهم، فى الواقع، كان خيراً للجماعة المسيحية أذ أن المسيحية نفسها أبتدأت تمتد وتنتشر خارج اليهودية والجليل. وبواسطة هؤلاء المسيحيين الهلينيين أنتقل الأنجيل الى أنطاكية حيث التقى اليهودى واليوناني والوري وبشروا بالبشارة الجديدة بين الوثنيين أنفسهم. والخلاف الذي حصل بين القديسين بطرس وبولس سنة 49 مسيحية بخصوص العلاقة مع الوثنيين يبرهن على أن الجماعة الأولى كانت منقسمة الى فئتين، الفئة الأولى هما المسيحيون من اصل يهودي، والفئة الثانية هما المسيحيون من اصل وثني.

ولقد ذكر ذلك القديس بولس فى رسالتة الى أهل غلاطية حيث قال: “ولكن، ولما قدم بطرس الى أنطاكية قاومتة وجهاً لوجه لأنه كان يستحق اللوم: ذلك أنه، قبل أن يقدم قوم من عند يعقوب، كان يؤاكل الوثنيون. فلما قدموا أخذ يتوارى ويتنحى خوفاً من أهل الختان، فجاراه سائل اليهود في ريائه، حتى أن برنابا أنقاد هو أيضاً الى ريائهم. فلما رأت أنهم لايسيرون سير قويمة كما تقضي حقيقة البشارة، قلت لبطرس أمام جميع الأخوة: “أذا كنت أنت اليهودي تعيش عيشة الوثنيين لا عيشة اليهود، فكيف تلزم الوثنيين أن يسيروا سيرة اليهود؟ نحن يهود الولادة ولسنا من الوثنيين الخطاءين، ومع ذلك فنحن نعلم أن الأنسان لا يبرر بالعمل بأحكام الشريعة، بل بالايمان بيسوع المسيح” (رسالة بولس الى أهل غلاطية، 2، 11- 16 )  

ب-انتشار الكنيسة فى العالم الوثني

بقيت الكنيسة محصورة ضمن الوسط اليهودي لمدة عشرين سنة، كانت النزاعات فيها بين اليهود المؤمنين بالمسيح من الأمم على أشدها. فمنهم من اراد ان يحافظ على الشريعة الموسوية، كما ذكرنا، ومنهم من أراد انطلاقتها الى الأمم واخراجها من تحت السيطرة اليهودية. غير ان ارتداد القديس بولس، الذى كان فريسياً متعصباً، من يهود “الشتات”، كان له الفضل في انتشارها داخل العالم الوثني. لقد جاء من طرسوس الى اورشليم ليتتلمذ على يد “جملائيل”، أحد علماء الشريعة، وكان متمسكاً بالشريعة الموسوية الى اقصى الحدود، وهذا ما دفعه الى اضطهاد المسيحيين، خصوصاً استشهاد القديس اسطفانوس: “وكان شاول موافقاً على قتل اسطفانوس” (اعمال الرسل، 8،1).

وسنة 38 مسيحية، وهو في طريقة الى دمشق لملاحقة المسيحيين هناك بأمر من رؤساء الكهنة، ظهر له المسيح وقلب حياته رأساً على عقب. فدخل المدينة وتعمد وبقى فيها ثلاث سنوات، متنقلاً بينها وبين مدينة طرسوس، الى أن جاءه صديقة برنابا سنة 41 مسيحية وابتدأ رسالتة معه في آسيا الصغرى.

إن الأسفار الرسولية والتبشيرية التى قام بها القديس بولس تنبئنا عن حقيقة وضع الكنيسة الأولى، لاسيما وإن هذه الاسفار قد أخبرنا عنها القديس لوقا في “أعمال الرسل”، وكذلك القديس بولس نفسه فى رسائله العديدة. ففي سنة 45 مسيحية كانت السفرة الأولى للقديسين بولس وبرنابا الى “بنفيليا” و”إيقونيا” حيث أهديا الى الايمان عدداً كبيراً من اليهود، ومن المهتودين العابدين، ومن الوثنيين (أعمال الرسل، 13، 43، 14، 1، 13، 48) كذلك سنة 50 مسيحية كانت السفرة الثانية التى حملت بولس ولوقا الى آسيا الصغرى والى فيليبي والى أثينا والى قورنثية حيث أسسا جماعات مسيحية فى كل منها. وفي سنة 53 مسيحية قام بسفرة ثالثة حملتة الى أفسس حيث أمضى ثلاث سنوات كتب فيها رسالتة الى الغلاطيين والرسالة الأولى الى القورنثيين، ثم انتقل الى قورنثية في شتاء سنة 57- 58 حيث كتب رسالتة الى الرومانيين.

ولكن أسفار القديس بولس لم تكن مهمة بالنسبة الى انتشار الكنيسة وحسب، بل كانت منعطفاً مهماً بالنسبة الى المسيحية الاولى. فالمسيحية الاولى كانت ملتزمة كلياً بالشريعة اليهودية، وحتى تبشير القديس بولس نفسه كان موجهاً الى اليهود فى بادئ الأمر. ولكن تجربتة الواقعية فى قلب العالم الوثني جعلتة يفكر جدياً بوضع الوثنيين المرتدين الى الأيمان المسيحي. وكان السؤال الاساسي الذي طرحة على نفسه هو التالى: هل من الضرورى إلزام الوثنيين بالمحافظة على الشريعة اليهودية والتقيد بها؟ وخلال اقامتة فى أنطاكية سنة 48 مسيحية توضحت له الصورة النهائية، وانتقل الى أورشليم سنة 49 حيث عقد مجمع بحضور الرسل والمتقدمين في الجماعة تدارس فية المجتمعون طرح بولس وقرروا فى النهاية التقيد بالتعاليم الموحاة الى نوح والتى تفرض الامتناع عن أكل اللحم الفطيس والتقيد بالتطهير.

غير ان هذا القرار دفع بالمسيحيين من أصل يهودي لمعاداة بولس وملاحقتة، وهذا ما نقرأه فى رسالته حيث لاقى معارضة فى غلاطية وأفسس وقورنثية، ليس وحسب على الصعيد الديني، بل أيضاً على الصعيد السياسي. وبالفعل، فان الفترة التاريخية التى تزامنت مع فترة التبشير الاولى بالمسيحية فى فلسطين كانت فترة صراع سياسي بين اليهود والمحتل الروماني. فحزب الثوريين من اليهود (Les Zelotes) الذى كان يدعو الى الكفاح المسلح لتحرير فلسطين تنامت قوته وأيده الكثيرون فى اورشليم واليهودية، وهذا ما دفع بالكثيرين من اليهود فى فلسطين للثورة ما بين سنة 69 و 70 مسيحية الأمر الذي انتهى بسقوط اورشليم نفسها. كذلك يهود “الشتات” كانوا معنيين بالأمر مباشرة وهذا ما دفعهم لمساندة اخوانهم في فلسطين، لكن بولس الذي أوضح للمسيحيين أنهم ليسوا على علاقة اجتماعية باليهود، والأمر لا يعنيهم مباشرة، كان يعتبر كخائن، وهذا ما جعلة الهدف الاساسي لحقد اليهود أنفسهم.

إذن بامكاننا ان نعتبر ان السنوات الواقعة، بين سنة 58 و 70 مسيحية كانت سنوات صراع وأزمة بالنسبة للكنيسة الاولى. ففي سنة 58، عندما عاد بولس من سفرتة الثالثة الى أورشليم، أتهمة اليهود بأنه دنس الهيكل بادخاله مسيحياً غير مختن، ولقد أوقفه الجنود الرومان وأرسلوه الى روما. ثم أخلي أمره وبقى تحت المراقبة من سنة 61 الى سنة 63 مسيحية. ولكن الاضهاد الذي أعلنة “نيرون” ضد المسيحيين، سنة 64 مسيحية، وكان بداية الصراع بين المسيحيين والوثنيين، وكان وراءه اليهود أنفيهم كما المسيحيون المتهودون. فبطرس استشهد، وبولس حبس من جديد الى ان استشهد سنة 67 مسيحية بقطع الرأس. وعند سقوط أورشليم سنة 70 مسيحية ابتدأ العد العكسى الذي جعل المسيحية تنطلق فى ما بعد رغم الاضطهادات التي توالت عبر العصور.

ج- حياة الجماعة المسيحية الاولى

اذن الصراعات التي ظهرت تنبئنا على أن حياة الجماعة المسيحية الاولى فى اورشليم لم تكن حياة مثالية، كما يصورها القديس لوقا، إلا في المرحلة الاولى التى تبعت عيد العنصرة. فالسنوات التى تلت كانت شنوات الصراع اللاهوتي والسياسي، وهذا ما جعل الرسل يطرحون بعمق أسس الايمان ويشددون عليها، وبالتالي ينظمون الكنيسة تنظيماً حقيقياً بقي لغاية اليوم لا غبار عليه. وفي هذه المرحلة بالذات ابتدأت الاناجبل التى تبعت التقليد الشفوي بعد ان عاش المسيحيون تعاليم المسيح فى حياتهم اليومية.

المسيح كان قد أعطى بشارتة شفوياً للبشر وليس في كتب، والتلامذة تلقوا منه التعليم السماوي وتمنطقوا بالقوة التي ثبتهم فيها. وحتى عندما وضعوا تعليم السيد كتابة فان الرسالة كانت هى الأساس لايصال البشارة الى البشر. من هنا، فان تعليم الرسل كان يرتكز على ثلاثة أمور: الشهادة للمسيح من شهود عيان، والشهادة للوحي، والشهادة على آلامه وصلبه وقيامته وصعوده الى السماء، اما بالنسبة الى الحبل به (أعني بالمسيح) من زرع الروح القدس، فان شهادة اقاربه كانت واضحة جداً، وكانوا يشددون عليها لكي لا ينالها غش وتشكيك.

كذلك نرى ان بعض نصوص ظهرت متفرقة من الاناجيل كان قد كتبها البعض من الرسل، ولكن لم تأخذ الطابع النهائي إلا في الاناجيل الأربعة التي وضعت بعدئذ. وهذه العناصر التي بقيت مدة طويلة شفوية كانت تنصب، بنوع خاص، على حياة المسيح للتذكير بما قام به يوم كان بينهم، ولقد كانت سلطة الرسل هي التي تؤكد على كل ذلك. اما بداية كتابة الانجيل فابتدأت مع القديس مرقس الذي نقل تعليم القديس بطرس في روما، والتي يعود تاريخها الي سنة 60 مسيحية. وتبعة انجيل متى الذي كان موجهاً الى اليهود باللغة الارامية.

ثم انجيل القديس لوقا الذي كان موجهاً هو الآخر الى اليونانيين. اما انجيل القديس يوحنا، الذي يعود كتابته الى ما بعد سنة 70 مسيحية، فهو يمثل التقليد الحقيقي الاول، وتعليم الرسل بكل وضوح. وبامكاننا القول إن الفترة التاريخية الواقعة مابين سنة 30 وسنة 70 مسيحية كانت فترة تنظيم الكنيسة. وهذا التنظيم كان منصباً بنوع خاص على تراتبية السلطة. والسيد المسيح نفسه كان قد وضع العناصر الاساسية باختياره الرسل وباعطاء بطرس السلطة الاولى عليهم. وبهذا المعنى فان مجمعية الرسل تعود الى السيد المسيح نفسه.

ولكن المشكلة التى طرحت خلال السنوات ما بين 30 و 70 مسيحية كانت مشكلة انتقال السلطة من الرسل الى خلفائهم. لذلك نرى الرسل أنفسهم يكلفون البعض من المتقدمين مشاركتهم هذه السلطة وبقطع النظر عن وضع القديس بولس الذي أعتبره الرسل وضعاً خاصاً نظراً الى ظهور السيد المسيح له وارتداده على طريق دمشق، الأمر الذي جعلهم يعتبرونه مساوياً لهم فى الرسالة، فان يعقوب اصبح رئيس جماعة أورشليم، خليفة لبطرس، وبرنابا خليفة للقديس بولس. كذلك طيطوس وتيموتاوس كأساقفة ورعاة الكنيسة التي أسسها بولس نفسه. وهكذا فلقد اصبحت الاسقفية والخلافة الحقيقية للرسالة التي قام بها تلامذة المسيح في التعليم، والتقديس، والتوجيه، وشرح كتب الوحي، والرسالة، وخدمة الشعب المسيحي.

والملحوظ ايضاً ان المسيحيين الأول، رغم كونهم حافظوا على التقيد. بالشعائر الدينية اليهودية مثل الصلاة في الهيكل والالتزام بفرائض يوم السبت، فانهم، في الوقت نفسه، كانوا يحتفلون بشعائرهم الدينية الخاصة. فالعماد مثلاً، الذي يعطي نعمة الروح القدس، كان مفروضاً على الجماعة المسيحية الاولى، وذلك كاعلان ومجاهرة بالايمان بالآب والابن والروح القدس.

كذلك رتبة وضع الأيدي بعد العماد وإلباس المعمد الوشاح الأبيض برهاناً على تطهيره وتقديسه. وايضاً مسحه (أعني المعمد) بالزيت المقدس تكريساً له في قلب جماعة المسيح. وكذلك بالنسبة الى الافخارستيا، ففي صباح نهار الأحد، بعد تمضية ليلة كاملة في الصلاة، يجتمع المسيحيون للاحتفال بذبيحة الرب، تذكيراً بيوم قيامتة. اما أعياد اليهود التي كان يشترك فيها المسيحيون مثل عيد الفصح وعيد العنصرة وعيد المظال فلم يقوموا بذلك إلا للتذكير بعودة المسيح الثانية وبما جاء في الانبياء والوحي عنه.

من هنا نرى الكثيرين من المسيحيين، المتأثرين بالشريعة اليهودية والانبياء، كانوا يعيشون بانتظار عودة الرب المباشرة. وهذا ما تذكر به رسائل القديس بولس الى التسالونيكيين. ومنهم من اعتبر ان ملك المسيح على الأرض سيدوم الف سنة، بينما آخرون متأثرون بالتعاليم الغنوصية كانوا يعتبرون أن العماد والتوبة قد حققا القيامة. كذلك البعض من المسيحيين اعتبر ان الالترزام الكامل بالانجيل يفرض الامتناع عن الزواج. من هنا نرى كثيرين من المتصوفين في قلب الجماعة المسيحية في ذلك الزمن. وباختصار فان المرحلة التاريخية مابين سنة 30 و70 مسيحية كانت مرحلة مهمة جداَ، اختمرت فيها بشارة المسيح بعيش المسيحيين لها، وبانطلاقها في العالم أجمع.

إقرأ أيضًا: كنيسة المسيح نشأتها وإنتشارها وتفاعلها مع العالم الوثني جـ2

كنيسة المسيح نشأتها وإنتشارها وتفاعلها مع العالم الوثني جـ1

Exit mobile version