مسألة التأويل في الكنيسة قديما

مسألة التأويل في الكنيسة قديما

مسألة التأويل في الكنيسة قديما

لقد أحاط الإنجيليّون (أي: الذين كتبوا في العهد الجديد) بشكل لا مفرّ منه بالقوى المحركة للتأويل، لكنّهم نادراً ما أثاروا مشكلة هذا العلم بشكل واعٍ، وتالياً فقد أثاروها بشكل غير مباشر عند تعاطيهم مع الاختلافات فقط. على سبيل المثال، تمييز الرسول بولس بين الحرف والروح (2كورنثوس 3: 6)، في قراءة العهد القديم هو تأمّل تفسيريّ بدائي. مع أنّه يرث هذا التمييز من خلفيّته اليهوديّة، إلا أنّه يطبّقه على طريقته. لكنّه لا يُدخل أي اعتبار نظريّ حول الأسس اللاهوتيّة والطرائق التفسيريّة.

أنه يعلن ببساطة أن غشاءً حاجباً للنظر يعيق اليهود غير المؤمنين عن الفهم الصحيح للتوراة، عائق ممكن إزاحته فقط بالإيمان بيسوع وبقوة الروح القدس (2كورنثوس 3: 14-18).  في الدعوة إلى إنهاء الناموس الموسويّ وبأنه لم يعد هناك لا يهوديّ ولا يونانيّ (غلاطية 3: 23-28)، يعرف بولس أيضاً أنّ عدداً من اليهود والمسيحيّين المعاصرين هم على اختلاف شديد (غلاطية 2: 4-5، 11-14، وأعمال 15: 1-2). يسعى بولس إلى إظهار ما يدعو إليه عبر التحليل والتفسير الكتابيّ (غلاطية 3: 6-29).

ولكن مفتاح تفسيره العشوائيّ يقوم إلى حدّ بعيد على خبرته الإيمانيّة مع المسيح (غلاطية 1: 11-17) كما أنّ أرضيّة تفسير دعوته تقوم على حقيقة جماعات الأمميّة. المعنى الرئيس في التفسير للحقيقة الكنسيّة أكثر ما يظهر بوضوح في مجمع الرسل (أعمال 15: 1-29). للحفاظ على الوحدة بين المسيحيّين من اليهود والأمم، أخذ الاجتماع في أورشليم ما يمكن مساواته بموقف تفسيريّ آنيّ من الناموس الموسويّ، مزيلاً حمل الالتزام عن المسيحيّين الذين من الأمم، وبّرر قراره بالقول “لقد ظهر حسناً للروح القدس ولنا” (أعمال 15: 28)[1].

تدريجيّاً، اكتسبت مسألة التأويل مستوى التأمّل الواعي في التقليد الآبائيّ. بسبب المجادلات العقائدية المستمرّة، التي تضمّن أغلبها تفسيراً كتابيّاً، طوّر آباء الكنيسة تمييزات معقدة في التأويل تتعلق بطبيعة الكتاب ودوره وتفسيره في الكنيسة، كما طوّروا طرائق ومبادئ تفسيريّة مناسبة[2].

في المجادلات مع اليهود والماركيونيّين حول العهد القديم كشاهد للمسيح، صاغ القدّيس يوستينوس الشهيد أوّل تقويم منهجيّ لوحدة الكتاب المقدّس، أي تصنيفه الثلاثيّ للعهد القديم كنبوءة وكناموس أخلاقيّ وكنظام تاريخي مؤقت لليهود[3]. يمثّل الأخير من هذه العناصر الثلاثة أوّل نسبة معلنة لسلطة الكتاب الموروثة من اليهود[4].

القديس إيريناوس، بعد قرن من يوستينوس، الذي يحمل شهادة واضحة لكنيسة مسيحيّة عالميّة وإنجيل مسيحيّ مؤلّف من العهدين القديم والجديد، وضع مبادئ لاهوتيّة مهمّة حول وحدة الكتاب المقدّس وتفسيره[5]. بالنسبة إلى إيريناوس، المسيح هو مبدأ التأويل المركزيّ في كلّ الكتاب. هذا المبدأ يثّبت وحدة الكتاب كما قابليّة الحياة لتفسير العهد القديم رمزيّاً. على المستوى عينه من الأهميّة، هو اللجوء إلى قانون الإيمان كمنظار تفسيريّ.

وهو أساساً لجوء إلى معنى الكنيسة العقائدي كأساس في التأويل جوهريّ جداً في التاريخ المسيحيّ. إنّ إنجازه الثابت هو الربط الواقعي بين الكتاب والكنيسة التي تشكل الإطار الموافق لتفسير الكتاب ككتاب مقدّس.

بلغ التفكير في التأويل إحدى ذراه في القرن الثالث مع أوريجنس العظيم الذي كان عالم لغة ومفسّراً وواعظاً ولاهوتياّ وفيلسوفاً[6]. كرجل كتاب وكنيسة، تأثر أوريجنس كثيراً بغنى المسيحيّة الكتابيّ ونجاحها التبشيريّ. وقد أنشأ رؤية منهجيّة للتربية المسيحيّة المتمحورة حول المسيح في استعماله أدوات زمانه الفكريّة وتوجهه إلى كلّ المفكرين. وقد رأى أوريجنس في المسيح مركز الكتاب المقدّس ومفتاح تفسيره.

ومع أنّه قد غالى في المجازيّة وبعض التأملات الوهميّة مما سمح لمفسّرين، قدامى وجدد، بالحطّ من قدره، وغالباً بطرائق غير عادلة وتنطوي على مفارقات تاريخيّة، إلا أن الكلّ مدينون له بشيء ما. لم ينجز أحد ما يوازي ما أنجزه في الدراسات النصيّة وتحقيق الشهادة الكتابيّة التفسيريّة.

قيمته في التأويل لا تكمن في مجرّد صياغته نظريّة مميّزة قائمة على الجسد والنفس والروح، كما يعتقد الكثير من المفكرّين، وهو لم يتبع هذه النظرية بشكل ثابت، إنّما بالتحديد في تجانس رؤيته التفسيريّة واللاهوتيّة التي دمجت طرائق الدراسة في ذلك العصر بسلطة الكتاب والكنيسة وتحدّيات زمانه. في إطار هذه الرؤية، أثبتت رؤية الأساس التاريخيّ للإعلان أنّه أداة فعّالة في تقديم الشهادة الكتابيّة بين المؤمنين والوثنيّين.

يرى يوحنّا باناغوبولوس أن أوريجنس هو مفكّر مخلص ولامع في تعاطيه مع تيارات التأويل المتفاعلة في اليهوديّة والمسيحيّة والهلينيّة. وهو يكتب هذه الكلمات المميّزة عن هذا الإسكندري العظيم: “كان أوريجنس ويبقى مؤسس التأويل الكتابيّ ورائده، النبع الذي لا ينضب للتفسير الكتابيّ الصحيح[7].

بعد أوريجنس، استمرّ تعقيد التأويل، شرقاً وغرباً، بالتطور وقد أربك آباء الكنيسة والهراطقة معاً حول صحّة التفسير الكتابيّ المناسب لفحواه. الآباء والمفسّرون أمثال ذيوذوروس الطرسوسيّ وثيوذودوس المبسويستيّ في التقليد الشرقيّ، وأوغسطين وإيرونيموس في التقليد الغربيّ، انشغلوا في شؤون محدّدة من المنهجية التفسيريّة والعبارات التقنيّة والترجمة وقوانين التفسير[8]. إحدى ثمار التأويل كانت صياغة معنى الكتاب الرباعيّ: الأدبيّ والمجازيّ والأخلاقيّ والأخرويّ، التي ظهرت أولاً عند يوحنا كاسيانوس [9]الذي كان شرقياً وغربياً.

نجد عند الآباء الكبادوكيّين سعياً فلسفياً واعياً في التأويل للحفاظ على توازن نقديّ بين الإيمان والعقل، وبين البعدين الاختباريّ والمنطقيّ للاهوت، بما فيها “الجهد للتسوية بين المعلومات اللاهوتيّة والفكر العلميّ في عصرهم[10]. من سمات التراث الآبائي التنوع الغنيّ في المنهجية والتفسير، لكنه تنوّع في إطار الوحدة الواسعة للعقيدة والحياة في الكنيسة.

من ناحية التأويل، الموضوع كان، ولم يزل، لا المنهجيّة أو تعدد التفاسير، إنّما العلاقة بين سلطة الكتاب وسلطة الكنيسة أي حسّ الكنيسة العقائدي فيما يتعلق بأمور التفسير المثيرة للانقسامات. كما أشرنا سابقاً، في الفترة المسيحيّة الكلاسيكيّة، كان الكتاب المقدّس والتقليد متوقفين أحدهما على الآخر ومؤيّدين أحدهما الآخر[11]. بحسب R. Geer، كان للكتاب المقدس المسيحي السلطة فقط حين قُرئ على ضوء قانون أيمان الكنيسة[12].

لكن النظرة إلى قانون الإيمان ورسالة الكتاب المركزيّة كانت على أنهما مترابطان صميمياً ومتماهيان. في العصور المسيحيّة الأولى، لم تكن هناك خطوط عريضة محدّدة للكتاب أو لقانون الإيمان. يلوح التقليد الرسوليّ، الشفويّ والمكتوب، حقلاً واسعاً. وكما يشير Geer، بمعنى ما كان لقانون الإيمان السلطة لأنه كان متجانساً مع رسالة الكتاب المركزيّة، وبمعنى آخر، قانون الإيمان الذي كان في مرحلة التطور هو من حدّد بشكل أساس مقبوليّة الكتابات المقدّسة، وهكذا خلق الإنجيل المسيحيّ.

ينبغي أن نشير بشكل أكثر وضوحاً من Geer على أن، عملياً، العامل الأساس في التأويل، في كلا الحالتين، كان تقليد الكنيسة الكبرى الحيّ والمستمر والقابل للامتداد وتمييزها العقائدي. هذا التقليد كان حتميّة تاريخيّة ولاهوتيّة بقدر ما كان تقليداً رسولياً، مع منحه أهميّته الأساسية، لم يكن ممكناً للتقليد من ذاته أن يُنقل ويحدّد بمعزل عن هويّة الجماعة المؤمنة الذاتية وقراراتها التفسيرية. على هذا الضوء، يمكننا أن نوافق مع نقطتي Geer العامتين والثابتتين في مناقشة التأويل الناشئة من تراث الآباء التفسيريّ. بكلمات Geer:

أولاً، لم تفتكر الكنيسة لغاية القرن الخامس بسلطة الكتاب المقدّس بمعزل عن علاقته بالتقليد اللاهوتي المعبّر عنه في دستور الإيمان أو بمعزل عن استعماله في العبادة المسيحيّة. لقد كان سلطة الكتاب المقدس مرتبطة بحياة الكنيسة. لم يكن التعامل مع الكتاب المقدّس والتقليد والعبادة يتم وكأنها اختياريّة للانطلاق إلى صياغة معنى الإيمان، ولا كان يُنظر إليها كسلطات اختيارية ممكن وضعها الواحدة إزاء الأخرى. ثانياً، معنى هذه المقاييس المتعلٌّقة بالسلطة في الإيمان والممارسة، كان يُنوى منه تثبيت وحدة الكنيسة وحدة لا تماثل فيها[13].

 

[1] According to the sketchy account in Acts, which no doubt omits a full exchange of views for and against the obligation of Law observance by Gentile Christians. The hermeneutical question is indirectly raised again and again in the Fourth Gospel Where the correct understanding of Christ and his ministry is frequently at the forefront, (e.g., Jn 6: 44-45; 7: 16-17; 12: 37-40; 16: 12-15).

Interestingly, the declarative mod of divine revelation in the Fourth Gospel is accompanied by references to the role of the Holy Spirit as hermeneutical stance of the Johannine community.

[2] انظر الفصل الرابع لنظرة الآباء للكتاب ومنهجيتهم التفسيرية والمراجع

[3] Dial, 44.2.

[4] Justin’s concern was to maintain the authority of the Old Testament as a Christian book, while allowing for partial relativization of its authority through acknowledgment that the ritual Law was temporary and no longer binding on Christians. What was implicit in St. Paul’s thought (Gal 3) becomes explicit in Justin’s.

See further Hans von Campenhausen, The Formation of the Christian Bible, Crans, bu J. A. Baker (Philadelphia. Fortress, 1972). Pp. 88-102, and Theodore Stylianopoulos, Justion Martyr and the Mosaic Law, (Missoula: Society of Biblical Literature, 1975), pp. 51-68 and 153-163.

[5] See J. L. Kugel and R. A. Greer, Early Biblical Interpretation, pp. 109-113; F. Sadowski, The Church Fathers on the Bible, pp. 27-44, and B. de Margerie, The Greek Fathers, pp. 51-77.

[6] A Recent Brief evaluation of this great but controversial figure is provided bu B.de Margerie, The Greek Fathers, pp. 95-116. For Origen’s texts in English translation see K. Frochlich, Biblical Interpretation in the Early Church, pp. 48-78; J. W. Trigg, Biblical Interpretation, pp. 71-115; and F. Sadowdki, The Church Fathers on the Bible, pp. 89-125.

[7] John Panagopoulos, ‘H ‘## Vol. 1, p. 280.

[8] K. Frochlich, Biblical Interpretation in the Early Church, pp. 82-132; J. W. Trigg, Biblical Interpretation. Pp. 163-295; and F. Sadowski, The Church Fathers on the Bible, 143-243.

[9] K. Froehlich, Biblical Interpretation in the Early Church, p. 28. The standard example was Jerusalem which literally is the Jewish city, allegorically die Church tropologically die soul, and anagogically the heavenly Jerusalem of die Kingdom, according to Cassian’s Conferences 14.8. SE&John Gwian: Confirmees, trans. Colm Luihheid (Mahwah: Paulics, 1985), p. 160.

[10] The Quoted statement is by J. Danielou, cited by B. de Margerie, The Greek Fathers, p.219. See further the extensive discussion by J. Pelikan, Christianity and Classical Culture, pp. 215-230. Entitled “Faith as the Fulfillment of Reason, “and more Recently J. A. McGuckin, “Perceiving Light from Light in Light” (Oration 31: 3): The Trinitarian Theology of Saint Gregory the Theologian,” (7077? 39 (1-2, 1994), pp. 32.

Philip Rousseau Basil of Caesarea, pp. 106-111 and 322-323, undersores Basil’s sensitivity toward clever dialectics against which the Cappadocian guarded by relying on a literal interpretation of authoritative Scripture and then accommodating all other Knowledge.

[11] See the discussion under “Scripture and Tradition” in Chapter two.

[12] Rowan A. Greer, “Biblical Authority in the Early Church,” ABD, Vol. 5.p. 1027.

[13] Ibid., pp. 1026-1027. Historical scholarship has gradually compelled many Protestants conservatives as well as liberals, to acknowledge the role of tradition in the canonization of Scripture, a rather significant issue in hermeneutics and ecclesiology.

For example. Gordon D. Fee, Gospel and Spirit, p. 17, writes: “What most evangelicals tend conveniently to ignore is that it was tradition in this sense that was responsible, under the guidance of the Spirit, for the canonization of the [scriptural] tradition”.

مسألة التأويل في الكنيسة قديما

مسألة التأويل: عرض نقدي – مشكلة أو مشكلات؟

مسألة التأويل: عرض نقدي – مشكلة أو مشكلات؟

 

مسألة التأويل: عرض نقدي – مشكلة أو مشكلات؟

تحمل مسألة التأويل بشكل عامّ تناقضاً ظاهرياً في وقت هي مشكلة قائمة. من جهة أخرى، يتعلق التأويل الكتابي بالإبيستيمولوجيا أي بطبيعة دراسة الكتاب المقدس وتفسيره. فيما يوصَف التأويل بفنّ الفهم[1]، يسعى هذا العلم إلى إيضاح كيف ولماذا نفعل ما نفعل بالكتاب المقدس.

فهو يسعى إلى خلق نظرية متماسكة من التواصل (كيفيّة استخراج المعنى والقيمة من الكتاب وتطبيقها في الحياة)[2] عبر التفكير المنظّم حول طرائق الدارسة الكتابيّة وأسسها ومحركاتها. إلى هذا، فإنّ التأويل مكتَنَف ظاهرياً بأسئلة غير محلولة واقتراحات متضاربة. تكشف عن قراءة أدب هذا العلم تنوّعاً من العروضات والمقاربات التي تجعل حتى من تحددي مشكلة التأويل مهمّة محيّرة. النظريات المثيرة للاهتمام التي قدمّها مفكّرون لامعون من سلايرماخر إلى غادامر أتت ومضت.

في عصرنا، قدّمت اقتراحات بول ريكور Ricoeur، دايفيد ترايسي، وغيرهما من منظّري النقد الأدبيّ الجديد، ولكن من دون إجماع منظور عليها. يستنتج W. Randolph Tate أنّ مهمّة التأويل [3]… غير مكتملة… ولكنها متغيّرة بشكل دائم وغير منتهية، ويرافقها ذعر دائم لا يمكن تلافيه. وفي مطالعة الوضع الحاليّ، يشبّه رايموند براون السعي إلى طريقة لتفسير الكتاب بالسعي إلى الكأس المقدّس، أي أنّه سعي لا يموت لكنّه يبدو وكأنه بلا جدوى[4]. إنها بالواقع لمفارقة أن ينشأ كل هذا التشويش عن حقل يهدف أصلاً إلى الإيضاح.

إلى هذا، ينبغي شرح هذا الإرباك المسيطر في التأويل عبر العوامل المعقّدة والمتحركة الي تتعلّق بالكتاب وقرّائه والإطار الحياتي الذي يُقرأ فيه ويطبّق. وفيما يتعلّق بالكتاب المقدّس، هناك استفهامات عديدة حول أصوله التاريخيّة والأدبيّة، تنوّع تعاليمه ومؤسساته، وجهيه البشريّ والإلهيّ، دوره وسلطته في الكنيسة وفي الحضارة عبر الأجيال.

كيف يتمّ الوصول إلى إرادة الله في إطار تنوّع الشهادات الكتابيّة وتعدّد طرائق التفسير في التاريخ؟ فيما يتعلّق بالقرّاء، هناك العدد ذاته من الاستفهامات حول اهتماماتهم الشخصيّة وانحيازاتهم، خلفيّاتهم الكنسيّة والحضاريّة، رؤاهم للوحي والإعلان، كما لمبادئهم الضمنّية أو المُعلّنَة من التفسير. على أساس أيّة محرّكات وأسس يسعى القارئ إلى فهم الكتاب وتفسيره وتطبيقه؟ أمّا بخصوص الإطار الحياتيّ، فمن المسلّم به أنّ عدداً من القضايا الملحّة ينشأ في أوقات مختلفة.

بالنسبة إلى الرسول بولس والكنيسة في القرون الأولى، ودور الناموس الموسويّ والعلاقة بين اليهود واليهود المسيحيّين والمسيحيّين من الأمم. في القرن الرابع، انشغل الجميع بالمناظرات حول الثالوث. في نهاية القرن العشرين، نوقشت المسائل السياسيّة – الاجتماعية حول الدولة والدين والجنس والعلاقات الجنسيّة والأخلاق الطبيّة وحقوق الإنسان. كيف تؤثّر قراءة الكتاب المقدس على أمور حساسة يوميّة وكيف تؤثّر هذه الأمور بدورها على نوعية تفسير الكتاب ودوره؟

تشير هذه الاعتبارات إلى أنّ مشكلة التأويل ليست واحدة بل مشكلات عدّة في آن واحد. كما تؤدي عوامل معقّدة وقوى مختلفة دوراً في تحديد طبيعة السعي المحيّرة في التأويل. ما يمكن أن يشكّل مشكلة كبيرة لدى قارئ ما أو جماعة دينيّة أو جيل، قد لا يشكل أيّة مشكلة لغيره. قد يتمتّع أحد القراء في ادّعاء الكتاب أنّ الله أظهر نفسه شخصياً لأشخاص محدّدين مثل إبراهيم والرسول بولس، فيما يشكّك غيره بالأمر.

قد يبني أحد المفسّرين نموذجاً للتأويل على سلطة الكتاب والكنيسة، فيما يبني آخر نموذجاً يقوم على رفض السلطتين. تستند استعمالات مختلفة للكتاب، كنسيّة وأكاديميّة، إلى علوم تفسير مختلفة سواء ضمنياً أو علنياً، فيما تنشأ أمور ملموسة وتنمو المجادلات في عصر ما، تصبح العمليّة التفسيريّة أكثر تحديداً وصقلاً. قد يصنّف المنظّرون عناصر توافق أو اختلاف، لكن مناقشة التأويل مؤهلة لأن تكون ضيّقة أيضاً وتقنية ومجرّدة إلى درجة تصبح فيها معزولة عن النصّ الكتابيّ كما عن اهتمام أغلب القرّاء.

إذاً، التحدي هو في تحديد المسعى التفسيريّ أي تحددي الأبعاد الأساسيّة والنقاط الرئيسة للتلاقي والتباعد بهدف تأسيس بعض التجانس والوضوح في البحث التفسيريّ.[5]

 

 

[1] Bernard C. Lacegan, “Hermeneutics,” ABD, Vol, 3, p. 149.

[2] Gordon D. Fee, Gospel and Spirit, correctly stresses and provides numerous illustrations of the connection between hermeneutics and the actual use of Scripture, Which is very often selective on all sides.

According to Fee, hermeneutics significantly involves both “the meaning and application of Scripture,” a matter of daily challenge, Since all Christian life and ministry necessarily presuppose  hermeneutics, or as Fee puts it, “thinking about and reflecting on Scripture in such a way that one brings it to bear on all aspects of human life,” p. 24, Hermeneutics, Whether implicit or explicit, is inescapable and must be articulated with utmost care, responsibility, and consistency.

Unfortunately, many hermeneutics thinkers seem to deal with the subject in terms of abstractions, as if building casdes in the sky, with no tangible connections to the biblical texts and the reality of everyday life.

[3] W. Randolph Tare, Biblical Interpretation, p. 212.

[4] R. Brown, “Hermeneutics,” NJBC, p. 1158.

[5] See also the preliminary discussion of hermeneutics in Chapter Three.

مسألة التأويل: عرض نقدي – مشكلة أو مشكلات؟

البحث الكتابي المعاصر

 البحث الكتابيّ المعاصر

البحث الكتابي المعاصر

قراءة الكتاب المقدّس قراءة عالمة ومسؤولة لا تستطيع أن تتجاهل تحديّ البحث العلميّ. منذ وُجدت الحضَارة، كان هذا البحث عمليّة مثمرة جداً ومستحقّةً الثناء عندما يكون مركّزاً ودراساً نظامياً. لقد كان للمصريّين القدامى والبابليّين معلّمو حكمة. اليهود، الإغريق والرومان أعطوا أيضاً قيمة كبيراً جداً للتعلُّم والتربيّة[1]. الكتاب المقدّس هو نتيجة بحث ويعطي إثباتاً لنشاطات عمليّة فيه. مثلاً، يحدّد كتاب سيراخ علناً أحد معلّمي إسرائيل الذي عيّن مدير مدرسة وألّف كتابه الذي تُرجِم لاحقاً إلى اليونانيّة على يد ابن أخيه[2].

إنجيل متّى الذي كتبه معلّم مسيحيّ أخرج من كنزه “ما هو قديم وما هو جديد” (متى 52:13)، يعطي إثباتاً حول العمل الفكريّ الدؤوب الذي يقف خلف تجميعه تعاليم يسوع في عظات طويلة كتلك التي على الجبل (متّى 5-7)[3]. الرسول بولس، كان فرّيسيّاً سابقاً خبيراً في البحث المتعدّد اللغات في القانون، كان قادراً على الحاججات الطويلة في أمور مثيرة للجدل بين اليهود والمسيحيّين، كما يتّضح من رسائله إلى الرومانيّين والكورنثّيين والغلاطيّين.

شجّع آباء الكنيسة البحث العلميّ على أساس الكتاب المقدس والتراث الكلاسيكيّ معاً. رغم سؤال ترتليان التشكيكيّ الشهير: “ما لأثينا مع أورشليم؟”، فقد احترم الآباء التقليد الكلاسيكيّ وعزّزوا التربية بحسب وسائل زمانهم وحاجته.

تستمرّ الدراسات الكتابيّة الحديثة في الجامعات والكلّيات في هذا التقليد الواسع. يعمل الباحثون الكتابيّون المعاصرون في ظروف عصريّة ومنهجيّات حديثة. تكمن أهدافهم الأساسيّة في صقل المعرفة، كلّ في حقله، وتحسين مسيرة الحضارة. ليس مفاجئاً أنّهم يستعملون، كما فعل الآباء في زمانهم، القوى العقليّة واللغة والمنهجيّات بالإضافة إلى أمور عصورهم الاجتماعيّة والسياسيّة.

ومع هذا، يجب الاعتراف بأنّه، مع وجود النتائج اللامعة والثابتة، سبّبت أوجه البحث الكتابي الحديث، بشكل مباشر أو غير مباشر، تشويشاً كبيراً وعلى القدر عينه بين الطلاّب والرعاة والمؤمنين العاديّين. لقد أثار علماء الكتاب أنفسهم مسائل حول طبيعة النقد الكتابيّ الحديث وروحه[4].

فالنقطة الحاسمة في المسألة ذات وجهين. من جهة، يقترح النقد الكتابيّ اكتشاف الكتاب المقدّس وتفسيره في كلّ غناه وتنوّعه بهدف تسليط الضوء على قيمته كتراث أدبيّ ودينيّ وحضاريّ. لكن من الجهة الأخرى، غالباً ما يعطى النقد الكتابيّ الانطباع بأنّه نقد سلبيّ يفكّك الكتاب المقدّس ويرفض جذرياً عناصر الشهادة الأساسيّة.

فبدل أن يظهر البحث العلميّ تقديراً عادلاً للكتاب المقدّس وتعاطفاً معه، غالباً ما يقدّم صورة مشوّشة لمنهجيّات متفرّقة ونتائج متضاربة، شديدة التأثّر بافتراضات فلسفيّة ومواقف أيديولوجيّة غريبة في الكتاب. من هنا، نظرة متوازنة إلى نقاط القوّة والضعف في الدراسة الأكاديميّة السائدة هي أمر حاسم متعلّق بحريّة البحث العلميّ وطبيعة الحقيقة كما بأهميّة الكتاب المقدّس بالنسبة إلى الكنيسة.

ما يحدّد خُلُق النقد الكتابيّ الحديث وروحه، إيجابيّاً وسلبيّاً في آن معاً، هو تراث أصوله ومنهجيّاته. تاريخ النقد الكتابيّ طويل ولا فائدة هنا من محاولة سرد تاريخ وصفيّ للبحث الكتابيّ[5]. عموماً، هذا الحقل متنوّع جداً ومطبوع بالتحليل النقديّ الموضوعيّ كما بالانحراف، بالإنجازات الحقيقيّة كما بالتوجّهات الخاطئة، وبالنتائج المثبتة كما بالمشكلات التي لا سبيل إلى فهمها ظاهريّاً. فيما حقّقت الدراسة الكتابيّة مساهمات قيّمة في فهمنا الأدبيّ والتاريخيّ للكتاب المقدّس، فقد كانت في أزمة مستمرّة في ما يتعلّق بمقاربات التأويل والإجماع اللاهوتيّ. في هذا الفصل، ننوي تقديم تقويم واسع للبحث العلميّ من طريق تسليط الضوء على بعض المميّزات الأساسيّة في ثلاثة مجالات:

ا) المصادر التاريخية في البحث الكتابي المعاصر

ب) منهجيات البحث الكتابي المعاصر

ج) نقاط القوة والضعف في البحث الكتابي المعاصر

[1] H. I. Marrou, A History of education in Antiquity, trans. G. Lamb (New York: Sheed and ward, 1964) and William Barclay, Educational Ideals in the Ancient World (Grand Rapids: Baker Book, 1974).

[2] See the interesting prologue of Sirach and Sir 39:1-11; 50:27; and 51:23.

[3] The other discourses are in Mathew, chaps. 10,13,18m23, and 24-25.

[4] For example, Walter Wink, The Bible in Human Transformation; Stuhlmacher, Historical Criticism and Theological Interpertation of Scripture; Martin Hengel, “Historical Methods and the Theological Interpretation of the New Testament,” in his Acts and the History of Earliest Christianity, pp.127-136; and Eta Linnemann, Historical Criticism of the Bible: Methodology or Ideology? The last carries the subtitle “Reflections of a Bultmannian turned evangelical.”

[5] For such accounts, see the relevant articles on biblical criticism in The Anchor Bible Dictionary and The New Jerome Biblical Commentary. For the New Testament, see further S. Neil and T. Wright, The Interpretation of the New Testament 1881-1986; E.J. Epp and G. W MacRae, eds., The New Testament and Its Modern Interpreters; and W. G. Kummel, The New Testament: The History of the Investigation of its Problems, trans. S. Maclean Gilmour and H. C. Kee (New York: Abingdon, 1970).

البحث الكتابي المعاصر نقاط القوة والضعف

البحث الكتابي المعاصر نقاط القوة والضعف

البحث الكتابي المعاصر نقاط القوة والضعف

تقويم البحث الكتابي تقويماً عادلاً يجب أن يأخذ في الاعتبار نقاط الضعف ونقاط القوة في هذا الحقل. نقاط القوة في هذا الحقل. نقاط القوة في الدراسات الكتابية الحديثة بديهية ومتعددة. تضع اللائحة التالية نصب عينيها إنجازات الدراسات الكتابية من وجهة نظر المقاربة التاريخية – النقدية التي سادت منذ القرن التاسع عشر.

1) إحدى أهم نقاط القوة عند البحث الكتابي هي مثاله في البحث الصادق النقدي عن الحقيقة عبر معايير موضوعية وتاريخية ولغوية. هناك شيء خلاق ومنعش في المقاربة التاريخية – النقدية للنصوص القديمة وطبقات التقليد المتراكم. تنطبق هذه المقاربة، من حيث المبدأ، على كل حقول اللاهوت بشكلٍ متساوٍ، بما فيها الدراسات الكتابية، الآبائيات، التاريخ الكنسي، العقائد والليتورجيا. مع أن الموضوعية المطلقة مستحيلة، فإن النتائج العلمية الإيجابية في هذه الحقول تُثبت أنها في الواقع ممكنة.

فيما يمكن جود عنصر سلبي أو مؤٍذ في الروح النقدية، قد أثبتت هذه الروح أن لها أيضاً تأثيرا تطهيرياً على التقاليد الدينية ينير رؤاها الأكثر عمقاً ويلطف ميولها الصلبة والأصولية. ما ينبغي تأكيده هو أن الدور الإيجابي لملكة الإنسان النقدية في اكتشاف الحقيقة قد رفعه آباء الكنيسة العظماء كالكبادوكيين[1]. الوظيفة النقدية هي وجه أساس من اللاهوت كنظام بصير، وليس فقط مكرر، يسعى إلى التمييز بين الحق والباطل. فيما قام النقد الكتابي بادعاءات جنونية وأخطاء جسيمة، فإن المقاربة النقدية أثبتت أيضاً قدرةً مميزة في النقد الذاتي وتصحيح الذات وهما عنصران داخليان وثابتان في البحث العلمي الصحيح.

2) نجاح النقد الكتابي في الدراسات اللغوية والنصية لا يقبل الجدل. لقد كرس الباحثون انتباهاً غير محدود للغات أسفار الكتاب الأصلية للتحليل المقارن لآلاف الوثائق الكتابية[2]. فأنتجوا نصاً نقدياً من الكتاب بحسب الأصل. هذا ما يخدم كأساس لكل الترجمات المعاصرة المفَتَرضة على يد خبراء كتابيين[3]. ثمار هذا العمل البحثي اللغوي تتضمن أيضاً مجموعة مذهلة من القواعد، المعاجم، الفهارس، وغيرها من الأمور التي تساعد على الدراسة النظامية للكتاب المقدس.

3) لقد أدت الدراسة الكتابية إجمالاً إلى كم هائل من المعرفة حول الكتاب ومحتوياته وأصول اليهودية والمسيحية وتطورها، كما حول الثقافات والأديان المحيطة بهما. يوجد اليوم عدد من المعاجم والموسوعات والتعليقات والكتب والمجلات التي تعالج دراسة الكتاب[4].

4) أوضحت الدراسات الكتابية النقدية عدداً من المؤسسات والمفاهيم والأفكار الكتابية، كالاختيار والعهد والنبوءة وملكوت الله والآخرة. نحن الآن نعرف عن هذه المواضيع أكثر من أي وقت مضي. إلى هذا، فالدراسات الكتابية ألقت ضوءً غير متوقع على أمور رئيسة قسمت المسيحيين تقليدياً، على سبيل المثال: الكتاب المقدس والتقليد، الناموس والإنجيل، الكلمة والسر، والإيمان والأعمال.

بفضل الدراسة التاريخية النقدية، يتمكن المنقبون، بطريقة منفتحة وصادقة، من أن يحققوا مستوى مفاجئاً من الإجماع اليوم[5]. هذا الوجه المسكوني من الدراسة الكتابية سهل الحوار، ليس فقط بين الكنائس، إنما أيضاً مع اليهودية والأديان الأخرى.

5) برفع النقاب عن التعقيدات التاريخية الكامنة وراء الكتاب المقدس، كشفت الدراسة الكتابية، تنوع المؤسسات وتطورها في التقاليد المعلَنَة اليهودية والمسيحية. حقيقة النمو والتنوع التي لا تُنكَر في الكتاب المقدس رفعت معرفتنا بالأوجه التجسدية والبشرية في الكتاب معززَة النظرة الديناميكية للوحي والإعلان. إن نوعاً من التواضع المعرفي تجاه الدعاءات المبنية على الكتاب كان نتيجة جانبية صحية، اعترافاً بإمكانية حسن استعمال الكتاب أو الإساءة في التطبيق.

مثلاً، باستعمال نصوص مختلفة، يمكن الدفاع عن حرية المضطهدين وتحريرهم، تماماً كما يمكن الدفاع عن إخضاع الآخرين والسيطرة عليهم، وحتى عن الحرب المقدسة، استناداً إلى ادعاءات دينية. بالطبع، هذا يصور استعمالاً شريراً للكتاب المقدس. إن الاعتدال العلمي نحو تعقيد تاريخ الكتاب وعمق موضوعه المطلَق، أي سر الإله الحي، يقود كثيرين من العلماء إلى أن يدركوا أن أحداً لا يملك كل الأجوبة، حتى خبراء الكتاب أنفسهم.

أيضاً، يحب أن يُقاس البحث الكتابي المعاصر بنقاط ضعفه الجلية تماماً كنقاط قوته. يمكن الإشارة إلى عدد من مواطن الضعف، مع خطر التعميم، في وسط تنوع البحاثين الذين لا يظهرون جميعاً خطر هذه الضعفات بالطريقة ذاتها أو على الدرجة عينها، حتى إن البعض لا يظهرها أبداً. ومع هذا، عند مراقبة هذا الحقل، تظهر ثلاث دوائر من الضعف تحدد الأوجه السلبية في الدراسات الكتابية الحديثة في التقليد الليبرالي السائد. تتضمن دوائر الضعف هذه عناصر مهمة من لاهوت الكتاب وروحانيته وحقيقته.

 

1) التحليل التاريخي – النقدي

قوة عظيمة في العلم وقد تحول أيضاً إلى دين ثقيل. لقد نحا التحليل النقدي إلى التركيز على التفاصيل التاريخية والأدبية في النصوص وخلفيتها حتى بدون تحليل مناسب وعلى الأغلب بعجز عن تقديم تحليل مناسب للكتاب. فقد البحث الكتابي رؤية الشهادة الخلاصية في الكتاب أي جوهر اللاهوت. يمكن اتهام البحث الكتابي بالتسويق للخلاص ليس بالنعمة بل بأعمال التحليل النقدي مع أن الظاهر هو أنه لم يجد الخلاص قط. لقد تحول فرع لاهوتي، بتناقض ظاهري، إلى فرع تاريخي. وتغير الكتاب من مصدر للغذاء الرعائي إلى متحف معقد، من المعلومات الأدبية والتاريخية والدينية.

الاعتراض على أن الباحثين الكتابيين يجب أن يحللوا في حين يلتقط الآخرون الأجزاء وينهمكوا في لاهوت الكتاب، هو موقف يصعب الدفاع عنه، كما يراه الاختصاصيون الآخرون والإكليروس والطلاب والعلمانيون العاديون. منذ أكثر من عقد، كتب جورج فلوروفسكي بحثه “الفكر الكتابي المفقود”، وفيه، على عكس آباء الكنيسة، يبدو الباحثون المعاصرون وكأنهم يتعاملون مع خرائط أكثر من الأمور الحقيقية الرئيسة في الكتاب المقدس[6].

إنه يحض على التركيز على كامل حقيقة الإنجيل، وعلى المسيح ودساتير الإيمان الكلاسيكية والكنيسة. مهما كانت نقاط القوة في الدراسة الكتابية، فالحقل موسوم بالفوضى عند مقاربة قيمة الكتاب المقدس الدينية واللاهوتية. حيث كان آباء الكنيسة الأقوى، أي ما نسميه لاهوت الكتاب المتمحوِر حول المسيح، يكون البحث العلمي الأضعف. إن الدراسات الكتابية الحديثة بحاجة ملحة إلى تصحيح الانطباع بأنها أصبحت لاهوتياً غير مناسبة ومفلسة، وهي في الظاهر تبدو كأنها تغرف في بحر من الأمواج التاريخية والأدبية التي صنعها هذا الحقل بذاته.

2) موطن الضعف الثاني والشديد الخطورة في الدراسة الكتابية هو ذاك النوع من الاختصاص الذي يعجز عن إنصاف روحانية الكتاب. هناك احترافية صحية تستند إلى إجراءات مؤسساتية ومعايير ذرائعية عبرها يتابع الخبراء عملهم ويحققون قيمة حقلهم. الاحتراف غير الصحي يبدأ عندما يصبح الخبراء كثيري الانغلاق على أنفسهم ومستحوَذين بمهاراتهم ومنهجياتهم وكثيري العمى أو قليلي الاهتمام بالدقة النهائية وبقيمة عملهم بالمقارنة مع فحوى موضوع دراستهم.

الإنجيل هو ثمرة خبرة الله وهو يحملها. إنه مصدر الفرح الواثق والوعد المتأمل في الحياة في وسط ألم هذا العالم وفساده. أين تسمع أغنية الكتاب في أعمال الخبراء؟ ألا يصح توقع أن يؤدي الموسيقيون روائع الألحان كما يحللونها؟ أليس مطلوباً الشيء ذاته من هؤلاء العلماء، إذا أردنا العدل، نحو الأبعاد الروحية في الكتاب؟

اعتبر القديس باسيليوس بعض مفسري عصره الذين تمسكوا بالحرف ولم يتوصلوا إلى الروح أنهم “تقنيون” أكثر منهم لاهوتيين [7]. بالنسبة إليه كما لغيره من الآباء، دراسة الكتاب تصحبها الصلاة والحياة المسيحية في إطار حياة الكنيسة. الملتزمون بهذا الارتباط هم أصحاب دعوة إلى الخدمة وتالياً يبرزون كزعماء للكنيسة. بالواقع، أغلب مفسري الكنيسة العظماء في القديم كانوا من الأساقفة. لقد كان اللاهوت مسألة إيمان شخصي عميق مكرس لتغذية حياة الكنيسة.

على العكس، الدراسات اللاهوتية المعاصرة تجد بيتها في الصفوف ومؤسسات التعليم العالي، حيث التركيز أقل على الصلاة والحياة المسيحية وأكثر على إتمام البرامج الأكاديمية ومنح الدراسات العليا. نحن نبدو، أساتذة وطلاباً معاً، محتَجَزين في احتراف أو اختصاص لا مفر منه رغم تذمر الكثيرين المتكرر. الجوع الشخصي للتعابير عن الإيمان وللروحانية لا يُشبَع حتى في المعاهد. في احتفالات التخرج، نصفق للإنجازات الأكاديمية ونادراً ما يسأل أحد ما إذا كان خريج المدرسة اللاهوتية قد تعلم الصلاة.

مرة أخرى، الاحتجاج بأن الإيمان أو الروحانية الشخصية لا يفترض بهما أن يشعا عبر أعمال الفرد في مؤسسات المجتمع التعددي بخاصة الكليات العلمانية وجامعات الدولة، يمثل حجة ضعيفة عند الاحتراف السيئ. أليس مسموحاً لمنظر سياسي ماركسي أن يدافع عن الماركسية وأن يعلن قناعاته الشخصية، بشكل مباشر أو غير مباشر، في هذه المؤسسات؟

أليس ممكناً للفيلسوف أن ينشد المدائح لرؤية أفلاطون للحياة الجيدة في صفوف الكلية؟ طبعاً، إن دراسة مادة عن اليهودية على يد أستاذ يهودي عالم وملتزم، أو مادة عن الإسلام على يد أستاذ مسلم مطِلع ومخلِص، هو أمر أكثَر تحدياً فكرياً وأكثر تطلباً من الالتزام الشخصي مما لو كانت المادة مع عالم حيادي أو غير متعاطف. أيس من الإيجابي تعريف طلاب جامعاتنا بروحانية الكتاب وغيره من النصوص المقدسة معاً إلى جانب دراستها الأكاديمية؟

إلى هذا، هناك معايير مهنية مؤسساتية قادرة على أن تؤمن الصف من المفسرين غير الجديرين أو المقتنصين أو المتعصبين، في حال أُعطيت ليونة معقولة. إن إطار مؤسسات التعليم العالي الأكاديمي يؤمن منتدى ممتازاً للتبادل الحر للأفكار والقناعات التي تُناقش منطقياً.

في هذه الأجواء الأكاديمية، كل حقيقة جوهرية لكل موضوع لها الحظ في أن تحقق مكاناً في قلوب الناس المفكرين في ممارستهم حقهم في حريتهم الشخصية في مجتمع متعدد. من هذا المنظار، لقد أُفقد الكتاب من قيمته، حتى في المداس اللاهوتية، على يد علماء الكتاب الذين غالباً ما لم يرتفعوا إلى مستوى مهمة الإمساك بكنوز الكتاب الروحية.

في الواقع، يشوب الاحتراف في الدراسات الكتابية نوع من السلبية والسخرية التي تفسر بمكر العمل العلمي والصف، وهذا تيار يكشفه الطلاب بسهولة ويبدو أن الخبراء يهملونه غافلين. هذه السلبية تتخطى التحفظ العرضي الذي قد يظهره أحياناً أحد الاختصاصيين في تشديده على اختصاصه أو على مواقفه أكثر مما يبدو مناسباً.

هذه السلبية تتخطى حتى الحياد المهني، الرطانة، والتخمينات المفرطة والتأملات الفارغة والمقاربة المتمحورة حول المسألة والعبارات الاستفزازية مثل “المسيح الخرافة”، “عدم وحدة العهد الجديد” و”تشريح” هذا أو ذاك من الكتاب المقدس. هذه كلها، بدون شك، تربك الطلاب وتصيبهم بالخيبة وهم قد انضموا إلى الصفوف الكتابية مفكرين بإيجاد بعض الاكتفاء الذاتي والقيمة الحياتية في هذه الصفوف التي يعلمها خبراء، لكن بدون طائل.

علاوة على هذه العوائق المهنية كلها، يكتشف المرء أحياناً بين بعض العلماء عداءً لصلب الموضوع عينه أي الإنجيل ودعواته. ممكن أن نرى هذا في اللذة الفاسدة، سواء المخبأة أو العلنية، في هز إيمان الطلاب الضعيف أو القليل المعرفة[8]. وراء هذه المواقف، تقف شؤون الباحث الشخصية غير المحلولة في الإيمان الديني والأشمال المختلفة من عقدة النقص في وجه المذهب العقلي السائد، وحتى نوع من مقت النفس بسبب حقل لا يحبه العالم ولا يؤمن بأنه مفيد لأي كان.

فالطالب الذي انضوي في هذا الحقل بحماس معتبراً انضواءه تلبية لنداء، قد يفقد في جو علمي من هذا النوع إيمانه الشخصي وتالياً يصبح “ابنا لجهنم مضاعفا” (متى 15:23). هذا بالحقيقة هو اختصاص مؤذٍ ومدمر يسيء بشكل عظيم إلى الإنجيل ولكل الذين يدرسونه أكاديميا.

3) وجه الضعف الثالث في الدراسات الكتابية المعاصرة مرتبط بالوجه الثاني وهو مصدر أكبر المشكلات. هنا نتعاطى مع افتراضات التنوير الفلسفية المسبقة التي كان لها زمام استعبادي على أغلبية ممارسي النقد الكتابي الليبرالي منذ Herman Samuel Reimarus (1694-1768) إلى المشاركين الحاليين في منتدى يسوع (Jesus Seminary).

ما هو في صلب الموضوع ليس أقل من السؤال الجوهري حول حقيقة يسوع والإنجيل والكنيسة والمسيحية ككل. في تنصيب العقل المستقل كحَكَم على الحقيقة ككل، أصبحت نظرة التنوير على العالم كثيرة الانحراف نحو التجريبية (empiricism) والوضعية المنطقية (logical positivism). لا تكتفي هاتان الفلسفتان بمجرد التساؤل حول حقيقة الأحداث الكتابية والعجائب، إنما تعتبر أيضاً بشكل بديهي حقيقة تدخل إله حي في التاريخ وفي حياة البشر مستحيلة.

بهذه الطريقة، وبعشوائية فلسفية، يجعل الفلاسفة الكتاب غير مناسب ليكون مصدراً للحقيقة الخلاصية ويضربون قلب إيمان الجماعات الدينية المستند إلى تقاليد إعلانية كاليهودية والمسيحية.

بالتأكيد، في علم اللاهوت الحديث، غالباً ما يختبئ تراث التنوير بمكر خلف الدعوات إلى العقلانية والموضوعية والتجرد في البحث. كما أنه مدموج بسهولة مع استعمال اللغة التقليدية التي تُفهَم مجازياً وإنسانيا. الكلام على “قصص” أو “روايات” لكتاب هي عبارة مفضلة عند بعض الباحثين الكتابيين. فيما هذه طريقة مناسبة ومفيدة لتفسير الكتاب للقارئ المعاصر، إلا أن العلمية كلها تصبح جوفاء إن لم يكن هناك أساس من الوحي خلف قصص الكتاب ورواياته.

أنها مسألة ذات خطورة إذا كانت القصة الإنجيلية مؤسسة على أحداث من الوحي أو هي مجرد خلاصة للأوضاع الدينية البدائية للشعوب القديمة. بطريقة مماثلة، يتحدث الباحثون عن “التصنيف المنهجي” أي التحليل العلمي للنصوص وتفسير القصص بدون طرح سؤال الصحة. أيضاً، فيما هذه الوسيلة المنهجية قد تؤدي إلى فهم دقيق للنصوص القديمة، يصبح كل المجهود سطحياً بدون الإشارة إلى الحقيقة الخلاصية اللاهوتية أي مسألة اللقاء مع الإله الحي وهي الأكثر أهمية.

مهما يكن الوضع، يجب كشف موقف التنوير العقلاني لما هو عليه في عمقه المظلم: نوع من النزوة الشيطانية اعتباطي وعَرَضي مصمم على محو الإيمان بالله عن الأرض وعلى تدمير حتى أدنى أثر للحقيقة الموحى بها التي تطالب بها البشرية. هذا العنصر الذي يخرب ما يسمى بالفكر المعاصر، هو بالحقيقة الاتكال الإنساني على العقل المستقل كمفتاح للحقيقة المفهومة، كنظام مغلق، قد أضعفت الفلسفة والفيزياء الثقة به.

لقد فشل أيضاً في تحقيق أهدافه الطنانة كما تثبت أزمة الحضارة المعاصرة. كما في انبعاث الروح الدينية المقموعة “ما بعد الحداثة” التي غالباً ما تجد التعبير في أِكال شاذة. مع هذا، ما تزال افتراضات التنوير تشود على فكر الكثيرين من المفكرين في الأكاديميات مستمرة في نشر التشوش والظلمة في الصفوف والحضارة المعاصرة. للأسف، الشيء ذاته يصح في الدراسة الكتابية الليبرالية التي رغم مساهماتها الإيجابية سببت أزمة عميقة في البروتستانتية من طريق تقليلها من دور الإيمان وسلطة الكتاب.

يجب عدم تأويل تعليقات السابقة على أنها دعوة للاستغناء عن الدراسة النقدية المعاصر لأنها عديمة الفائدة وذات خطورة. الدراسة الكتابية موسومة بنقاط قوة لا تُنكَر كما بنقاط ضعف فاضحة. نقاط قوتها مؤسسة على الملاحظات المحققة موضوعياً والمعايير التي تشحذ بصيرتنا وتُغني معرفتنا بالعالم الكتابي. نقاط ضعفها هي مبالغات ممكن تصحيحها أو اتجاهات خاطئة ممكن التراجع عنها أو تصويبها.

كما هي الحال في كل الحقول، ليس هناك من مسألة التخلي عن الدراسات النقدية لصالح قراءة الكتاب غير النقدية لا بالنسبة إلى القارئ غير الملم ولا بالنسبة إلى الكنيسة. التحدي الحقيقي هو تحدي الدراسة الإيجابية السليمة التي بدون أن تعيق الاختلافات الصادقة تسعى إلى توازن مناسب بين مهمات التحليل النقدي والشهادة اللاهوتية لنصوص الكتاب من جهة، والادعاءات الأصلية للجماعات الدينية التي تشكل النصوص بالنسبة إليها الكتاب المقدس من جهة أخرى. هذا التوازن ممكن تحقيقه بأخذ مسألة التأويل في الاعتبار بشكل وافٍ.

 

[1] The speculative, critical, and world-surveying faculty of the soul is its peculiar property by virtue of its very nature, and thereby the soul preserves within itself the image of divine grace.” So states Gregory of Nyssa reporting a dialogue with his sister Macrina and cited by J. Pelikan, Christianity and Classical Culture, p. 128. Pelikan, ibid., pp. 215-230, provides an excellent account of the relationship between faith and reason according to the Cappadocian fathers.

[2] For a fascinating account of the comparative study of New Testament manuscripts, see Bruce M. Merzeger, The Text of the New Testament (New York: Oxford University Press, 1992).

[3] In the case of the New Testament, the scientific critical text, which has had a long history, is currently edited by Kurt Aland and others. The Greek New Testament (United Bible Societies, 1993, 4th revised edition) and the same text is also published under the title Novum Testamentum Graece (Stuttgart, 1993, Nestic Aland 27th edition). This text is based primarily on two fourth-century manuscripts, Vaticanus and Sinaiticus. A number of conservative Protestant scholars support an alternative critical text based on the majority of extant, later manuscripts of the new Testament, which derive from the Byzantine tradition.

See Maurice A. Robinson and William G. Pierpont. The New Testament in the Original  Greek According to the Byzantine/Majority Text/arm (Atlanta: The Original Word Publishers, 1991) and Zane C. Hodges and Arthur. Farstad, The Greek New Testament According to the Majority Text (Nashville: Thomas Nelson, 1982). A critical text based on a limited number of Byzantine manuscripts had been previously prepared by the Orthodox biblical scholar Vasilios Amoniadis and published by the Ecumenical Patriarchate of Constantinople in 1912.

[4] Two recent monumental achievements of biblical scholarship are The Anchor Bible Dictionary in six volumes and The New Interpreter’s Bible, which will appear complete in more than a dozen volumes.

[5] For bibliography on several topics of ecumenical discussion, see Chapter Three, note 12.

[6] G. Florovsky, “The Lost Scriptural Mind,” in his Bible, Church, Tradition: As Eastern Orthodox View, pp. 9-16, originally published under the title “As the Truth Is in Jesus” in The Christian Century, December 19, 1951. See:

الأب جورج فلوروفسكي، الفكر الكتابي المفقود، الفصل الأول من “الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد، وجهة نظر أرثوذكسية نقله إلى العربية الأب ميشال نجم، (بيروت: منشورات النور، 1984)، ص. 9-18.

[7] St. Basil, Letter 90, Loeb Classical Library: St. Basil, Letters, Vol. 2, crans. R. J. Deferrari (Cambridge: Harvard University Press, 1962), p. 124. So also St. Gregory of Nyssa in his SecondBook Against Eunomius.

[8] For example, C. Jack Einchhorst, a Lutheran pastor, bitterly laments “all the efforts in Lutheran colleges and seminaries to knock the stuffings of pietistic or fundamentalistic views of the Scripture out of students… [a] critical overkill that has produced… skepticism, cynicism and rank unbelief about the Bible… I now find myself to be part pf a church where ultimately the Bible is trashed more than trusted, pious rhetoric notwithstanding, and belittled more than believed,” in “There Is a Deep Spiritual Sickness”, LF28 (3, 1994), pp. 25-26.

البحث الكتابي المعاصر نقاط القوة والضعف

منهجيات البحث الكتابي المعاصر

منهجيات البحث الكتابي المعاصر

منهجيات البحث الكتابي المعاصر


طوّر البحث الكتابي في الفترة الأخيرة مقاربات عدّة للكتاب المقدّس. وهو يدخل فيها الدراسة المقارنة للغات والمخطوطات القديمة، التحليل النقديّ لأدب العَالم الكتابيّ وتاريخه، كما الطرائق التفسيريّة التي بها يستخرج معنى مناسباً من الكتاب. ليس مفاجئاً أنّه، كما في أيّ حقل علميّ آخر، الدراسات الكتابيّة تحدّد بتعابير تقنّية وأوجه معقّدة ونظريّات مختلفة. طرائق هذه الدراسات ونتائجها يجب أن تقوّم بشكل مطلق على أساس افتراضاتها المسبقة وملاءمتها صلب الموضوع اللاهوتيّ في الكتاب.

في أيّ حال، وصف المنهجيّات العلميّة المعاصرة هو، افتراضياً، مستحيل بسبب طبيعة هذه المنهجيّات وأهدافها المتباعدة إلى حد التعارض أحياناً. العرض التالي للطرائق والمقاربات التي يستعملها البحث الكتابي المنتشر اليوم، يتبع ثلاث فئات كلّ منها أقلّ تماسكاً من التي قبلها.

الفئة الرئيسة الأولى هي الطريقة التاريخيّة – النقديّة. هيمنت هذه المقاربة على الدراسات الكتابيّة في القرنين الأخيرين كدراسة “علميّة” للكتاب المقدّس. إنّها نقديّة بمعنى البحث المتأنّي عن كلّ الدلائل الموجودة وتقويمها. كما أنّها تاريخيّة بمعنى السعي إلى إنارة حقيقة الدليل عبر الفحوى والخلفيّة التاريخيّتين. إنّها عمليّة لا على طريقة العلوم الحتة الضيقة، إنّما بمعنى العمل منهجيّاً وعبر معايير محدّدة وقابلة للتغيّر دائماً. لا تمثّل هذه الطريقة التاريخيّة – النقديّة طريقة متماسكة واحدة إنّما هي مقاربة واسعة مؤلّفة من عتقود مَرن من الطرائق المترابطة.

يأتي القد النصّيّ (textual) في المستوى الأدنى ويُدعى أحياناً “النقد الأدنى” ويقوم على الدراسة المقارنة وتصنيف آلاف مخطوطات الكتاب المقدّس. بما أنّ أيّاً من أسفار الكتاب المقدّس ليس موجوداً في مخطوطات أصليّة (autographs)، فهدف النقد النصّيّ هو استعادة، بأكثر دقّة ممكنة، تركيبة الكلمات الأصليّة في كلّ كتاب من طريق درس المخطوطات الباقيّة درساً مقارناً، وعادةً بالاتكال على الأكثر قدماً. النتيجة هي “نصّ نقديّ عمليّ” للأصلين العبريّ واليونانيّ، مفتوح دائماً للمراجعة التي عليها تُوضَع أكثر الترجمات الحديثة، مثل The Revised English Bible, The New American Bible, New Revised Version.

النقد الأعلى أو ما هو معروف بالنقد التاريخيّ هو أكثر إثارة للجدل. إنّه يستلزم مساحة أوسع في البحث سعياً لتأكيد أصور كلّ من أسفار الكتاب، كاتبه، مراجعه، شكله التاريخيّ، خلفيّته الثقافيّة، محتواه الفكريّ وعلاقته بالحقيقة التاريخيّة. مثلاً، لماذا تتشابه الأناجيل الأربعة في بعض الأوجه وتختلف في غيرها؟

مَن كتبها، ومتى، وفي أيّة ظروف؟ ما هي المصادر المستعملة؟ كيف تترابط الأناجيل؟ ما هي دّقة عرضها رسالة يسوع؟ كيف تُفسّر فروقاتها في التسلسل الزمنيّ واختلافاتها في إظهار يسوع؟ ومن الممكن أن ندرك سوء الفهم الذي قد يسبّبه البحث الحرّ في أسئلة من هذا النوع للمؤمنين الذين يوقّرون الكتاب المقّدس. لهذا السبب، البحاثون والدارسون مسؤولون عن وضع الأمور في نصابها عند ممارستهم مهمّتهم بهدف تلافي أذى لا حاجة إليه.

يتضمّن بُعد فُقه اللغة (Literary Criticism) من النقد التاريخيّ مجالات عدّة من البحث. فهو يتضمّن أوّلاً البحث عن المصادر الممكنة، المكتوبة عادة، التي تكمن وراء وثيقة كتابيّة ما. يسمّى هذا النطاق، بشكل أكثر دقّة وبساطة، نقد الأصول (source criticism) بهدف تلافي الخلط مع دراسات ما بعد الحداثة post-modern المذكورة لاحقاً. في القرن العشرين، تطوّر نقد الأصول إلى مهمّات أكثر تهذيباً من البحث اللغويّ، سوف نناقشها في الفصل المتعلّق بالأناجيل في الجزء الثاني من هذا العمل.

هنا سوف نذكرها بشكل مبسّط. يحدّد نقد الشكل (form criticism) الأشكال الصغيرة أو الوحدات في أسفر الكتاب، كالقوانين والصلوات وأقوال الحكمة والتفوّهات النبويّة والأمثال وغيرها، التي تعود إلى التقليد الشفويّ واستعمالها في حياة الجماعة الدينيّة المستمرّة. يفحص النقد التنقيحيّ (redaction criticism)، المسمّى أيضاً نقد أسلوب التأليف (composition criticism)، شكل الكتاب النهائيّ بهدف استنتاج كيف أنّ كاتباً ما استعمل المصادر الشفويّة والمكتوبة الموجودة وما كانت اهتماماته في ذلك.

نقد التقليد (tradition criticism) هو مجهود أكثر دقّة مرتكز على الحدس كثيراً لفحص المراحل المتوسّطة لرؤية كيف شكّل التقليدُ الأمثال وقصص العجائب والصلوات وغيرها، قبل أن يعطيها الكاتب شكلها النهائيّ. يهتّم نقد النوع الأدبيّ (genre criticism) بدراسة الشكل الشموليّ أو النوع الأدبيّ لكتاب كامل كإنجيل أو رسالة أو الأعمال أو الرؤيا. كلّ ما سبق ذكره هو جزء من مقاربة الكتاب التاريخيّة – النقديّة الواسعة والتي هيمنت على الدراسات الكتابيّة الحديثة وأدّت إلى نتائج غنيّة لفهم أصول الأناجيل وغيرها من الأسفار وتيركيبها.

الفئة الثانية إلى حدّ ما وتتمثّل بالنقد الأدبيّ الحديث[1]. تتبع هذه المنهجيّات، كما في حالة النقد التاريخيّ السابقة، سوابق وتقنيّات طوّرت في الدراسات الأكاديميّة العلمانيّة. وفي تطبيقها صدرت جزئياً كنتيجة لعدم الاكتفاء من المقاربة التاريخيّة – النقديّة ومن جهة أخرى كتطوير لها وإغناء. مع أنّ لهذه المنهجيّات الجديدة جذوراً في الدراسات الفقهيّة السابقة، إلا أنّها تشير إلى النقد ما بعد الحداثة بسبب تشديدها على غرار الاهتمام التاريخيّ – النقديّ بالحقيقة الموضوعيّة للطريقة التاريخيّة – النقديّة. من بين هذه المنهجيّات عدد من المقاربات المتنوّعة كالإنشائيّة (structuralism) أو التحليل الأعراضيّ (semiotic analysis) أو النقد القصصيّ (narrative) أو التحليل الموجّه إلى القارئ، التحليل البلاغيّ (rhetorical) والتقاطع (chiasmus)[2].

على العموم، تضع هذه المجموعة الواسعة موضوع الصحة التاريخيّة جانباً تاركةً إيّاه للمقاربة التاريخيّة – النقديّة. هدف النقد الأدبيّ الجديد هو إغناء فهم الكتاب المقدّس من طريق تحليل النصوص الكتابيّة بحسب النظريّات والمنهجيّات الأدبيّة المعاصرة، لما فيها من اهتمام حيويّ بالعالم القرينيّ واهتمامات القرّاء المعاصرين أنفسهم الذين يطلبون معنى مناسباً من الإنجيل. الافتراض هو بأن للعمل الأدبيّ الذي قد كُتب حياة بذاته خلف نوايا كاتبه وقرّائه الأوائل وبيئتهم التاريخيّة.

التدقيق اللغويّ في عمل ما يمكن أن يُظهر بنى عميقة من التواصل البشريّ ونماذج أدبيّة معقّدة وتأثيرات مختلفة على القراء اللاحقين. تساهم هذه البُنى في فهم هذا العمل بشكل كبير. ما زال النقد الأدبيّ الحديث بتعبيراته المختلفة في مراحله الأولى. إنّ تقديراً أكثر كمالاً وتقويماً أكثر عدلاً لهذه المقاربات الأدبيّة المتنوعة يتوقّفان على قيمة النتائج في المستقبل وديمومتها.

أخيراً، هناك فئة ثالثة من المنهجيّات التي يترابط بعضها ببعض وينفصل بعضها الآخر كلياً. ما تتقاسمه شكليّاً هو أنّها موجّهة باهتمامات محدّدة تتخطّى الدراسة التاريخيّة والأدبيّة. من وجهة نظر التقليد، يركّز النقد القانونيّ (canonical criticism) على دراسة علميّة تشكّل الأسفار الكتابيّة وشكلها النهائيّ كما تظهر في القانون[3]. الاهتمام هنا هو التأكيد على موثوقيّة الكتاب في شهادته اللاهوتيّة من طريق برهان العلاقات الداخليّة بين الأسفار الكتابيّة والجماعة الدينيّة التي أنتجتها وجعلتها قانونيّة كجماعة ساعيّة إلى التعبير عن إيمانها وهويّتها.

مارس الباحث اللامع الراحل رودولف بولتمان التفسير الوجوديّ (existentialist)مقروناً ببرنامج نزع الخرافة (demytheologization) من منظار فلسفيّ[4]. سعت هذه المقاربة الاختزاليّة (reductionist) إلى عصرنة الكتاب المقدّس من طريق تفسير “الخرافات” التي فيه، مثل قيامة يسوع وعطيّة الروح، على أنها تعابير عن فهم الجماعة المسيحيّة الجديدة لنفسها، وإن كان هذا الفهم يتحقّق بنعمة الله.

يختار التفسير التحرريّ (liberationist)، من منظار اجتماعيّ وسياسيّ، التشديد بشكل مميّز على الفقير والمضطَهَد سعياً إلى استثمار العناصر والأفكار التي في الكتاب المقدّس والتي تعطي الراحة للفقراء والدعم لاهتماماتهم الاجتماعيّة – السياسيّة والاقتصاديّة، بخاصّة في العالم الثالث[5]. بشكل موازٍ، ينشأ التفسير الأنثويّ (feminist) ويخدم الكفاح النسائيّ في المجتمع المعاصر وهو يظهر بأشكال مختلفة[6].

من وجهة نظر العلوم الاجتماعيّة، لقد حقّقت أيضاً المقاربات الاجتماعيّة والنفسيّة مساهمات في الدراسات الكتابيّة[7]. هذه المقاربات الاجتماعيّة – النفسيّة، بما فيها التفسير الأنثويّ، تتعلّق بالقوى الاجتماعيّة والشخصيّة التي تحرّك القرّاء عند تفسيرهم الكتاب وتطبيقه. يجب تمييز هذه الدراسات عن الأعمال التاريخيّة التي تعالج عالم الكتاب الاجتماعي استناداً إلى الطريقة التاريخيّة – النقديّة[8].

يلخّص هذا العرض السابق المقاربات والطرائق المختلفة في الدراسة الأكاديميّة السائدة للكتاب المقدّس. تفسير العصمة الحرفيّة (fundamentalist)  هو ردّ فعل متشدّدة على هذا التقليد الليبراليّ الأكاديميّ، وله تعابير تتراوح بين التبسيط والتعقيد[9]. مع أنّ التفسير المتشدّد تطّور في معارضة مدروسة للدراسات الكتابيّة الليبراليّة، بخاصّة النقد التاريخيّ، فقد أُرغم على تقليد بعض وسائل العدو المدركة. فاستناداً إلى اهتماماته الإيديولوجيّة الخاصّة، ميزته النهائيّة هي استعمال المذهب العقليّ حتى ولو اصطناعياً للدفاع عن مواقف مثل خلق العالم وعصمة الكتاب المقدّس.

لقد انتشرت هذه الظاهرة في مختلف أنحاء العالم مع يقظة الإرساليّات البروتستانتيّة المحافظة، مع أنّها بدأت كظاهرة أمريكيّة خاصّة في أواخر القرن التاسع عشر. المقاربة المتشددّة أيديولوجيّة في أنها تنحو إلى الدفاع عن موقف مطلق للوحي التام والإعلان الافتراضيّ والعصمة التامّة للكتاب المقدّس في ما يتعلّق بكلّ الحقائق، العلميّة والتاريخيّة واللاهوتيّة، بشكل يتجاوز ادّعاءات الكتاب ذاته ودلالاته. فيما الرغبة بدعم الكتاب بموثوقيّة هي رغبة جديرة بالإطراء، لا يمكن الدفاع عن المواقف المتطرّفة التي أدّت إليها هذه المقاربة، بما فيها المغالطة الفكريّة والتعصب.

الأصوليّة المسيحيّة، سواء بين البروتستانت أو الكاثوليك أو الأرثوذكس، هي بالإجمال ردّة فعل ظلاميّة، ولو مفهومة، على الإفراط المربك في العصرانيّة (modernism). وغالباً ما ترتكز على خوف غير واعٍ من خسارة الأسس الموضوعيّة للحفاظ على الإيمان الشخصيّ في وجه اكتشافات البحث العلميّ والتاريخيّ الجديدة. في أيّ حال، كما أشار كثيرون، رفض مواجهة الوقائع المنطقيّة في العلم والتاريخ ليس برهاناً على الإيمان الصحيح بل على الافتقار إليه.

أبعد من الأصوليّة، في تقويم المنهجيّات المختلفة التي يستعملها علماء الكتاب، يجب التأكيد أنّ لها جميعاً منافعها ويمكن لها أن تُغني بعضها بعضاً مع أخذ أهدافها ومحدوديّاتها في الاعتبار. منهجيّات مثل هذه، وبخاصّة تلك المتعلّقة بالمقاربة التاريخيّة – النقديّة والنقد الأدبيّ الحديث، هي مقاربات مجرّدة تساعد على الكشف سعياً إلى توضيح معنى النصّ الكتابيّ الكامل من وجهات نظر مختلفة وعلى مستويات عدّة.

في تفسير الكتاب بما في ذلك خلفيّته، معناه التفسيريّ، تاريخ تفسيره كما المعاني المتعدّدة والتطبيقات التي يراها القرّاء المعاصرون، يمكن تسليط الضوء على نفاذ البصيرة التاريخيّ والأدبيّ من دون الحاجة إلى إهماله، إذا افتراضنا بعض التنظيم الشخصيّ المقبول في البحث. تنشأ المشاكل في الاستخدام هذه المنهجيّات بسبب الاّدعاءات الحصريّة أو الافتراضات الفلسفيّة التي يتمسّك بها الممارسون بخاصّة في ما يتعلّق بمسألة المعنى النهائيّ أو المعياريّ للنص. هذا الأمر كثير البديهيّة في حالات التفسيرات الإيديولوجيّة. ويمكن للمقاربتين التاريخيّة – النقديّة والأدبيّة أن تصبحا إيديولوجيّتين إما بسبب افتراضات فلسفيّة مخبّأة أو بالتخلّي عن مسألة المعنى المعياريّ للكتاب المقدس.

في كلّ حال، مسألة المعنى المعياريّ هي في مستوى آخر وتتعلّق بالتأويل أكثر من أيّ منهجيّة تفسيريّة محدّدة. ما قد يعتبره المرء المعنى المعياريّ للكتاب يتوقّف على اختيار المبادئ المطلقة والقيم التي على أساسها اختيَرت محتويات الكتاب وقُبلَت والتزامها. هنا يتقدّم المرء، عن وعي أو لا، خطوة حاسمة أبعد من المنهجيّات المحدّدة وربما أبعد من التأويل كتأملّ مجرّد في عالم وجود الإنسان الشخصيّ والجماعة التي يُثبت المرء انتماءه إليها، سواء كانت دينيّة أو اجتماعيّة – سياسيّة أو أكاديميّة.

هذه الأرضيّة الشخصيّة والاجتماعيّة لكلّ القَيم تشكّل الأساسَ الرئيس للسعي البشريّ إلى المعنى. قصور كلّ المنهجيات، منفردةً أو في تركيبات، كما كلَ النظريات في التأويل عن حلّ مشكلة المعنى المعياريّ أو النهائيّ للكتاب المقدّس، تشكّل عجزاً في الدراسات الكتابيّة بالنسبة إلى الكنيسة.

 

[1] See T. J. Keegan, Interpreting the Bible: A Popular Introduction to Biblical Hermeneutics: E. V. McKnight, Post-Modern Use of the Bible; and S. L. McKenzie; and S. R, Haynes, To Each Its Own Meaning: An Introduction to Biblical Criticisms and Their Application (Louisville: Westminster, 1993).

[2] Daniel Patte, What is Structural Exegesis? (Philadelphia: Fortress, 1983); M. A.Powell, What is Narrative Criticism: From Formalism to Post-Structuralism (Baltimore: John Rhetorical Criticism (Chapel Hill: University of North Carolina, 1984). The Orthodox biblical scholar John Breck has contributed the major work The Shape of Biblical Language: Chiasmus in the Scriptures and Beyond (Crestwood: St. Vladimir’s Seminary Press, 1994).

[3] The main exponents, with important differences between them, are Brevard S. Childs in his Introduction to the Old Testament as Scripture, The New Testament as Canon: An Introduction, and Biblical Theology of the Old and New Testaments: Theological Reflection on the Christian Bible, and J. A. Sanders, Torah and Canon (Philadelphia: Westminster, 1972), Canon and Community, and From Sacred Story to Scared Text.

Childs prefers to speak of a “canonical approach,” not canonical criticism, because historical criticism still remains in force, albeit significantly tempered by attention to the authoritative theological witness of Scripture. In contrast, Sanders insists on the complexity and diversity of the canonical process itself within the ongoing community, rather than on the authoritative witness of the final form of the canon, and thus advocates a pluralistic approach to the contemporary interpretation of Scripture. For more nuanced distinctions and further developments, see Gerald T. Sheppard, “Canonical Criticism,” ABD, Vol. pp.861-866.

[4] R. Bultman, Jesus Christ and Mythology (New York: Scibner’s 1958); Kerygma and Myth, ed. H. W. Bartsch and trans. R. H. Fuller (New York: Harper, 1961), and Ian Henderson, Rudolf Bultman (Richmond: John Knox, 1966).

[5] For example, R. S. Sungirtharajah, ed., Voices from the Margins: Interperting the  Bible in the Third World (Maryknoll: Orbis, 1991).

[6] Numerous works have been written, including M.Lefty, ed.. Feminist Interpretation of the Bible (Philadelphia: Westminster, 1985); Elizabeth Schussier, Bread Not Stone: The Challenge of Feminist Biblical Interpretation (Boston: Beacon, 1984); and by the same, Searching the Scriptures. Vol. I. A Feminist Introduction (New York: Crossroad, 1993) and Vol. 2. A Feminist Commentary (New York: Crossroad, 1994).

[7] For example, W. Wink, The Bible in Human Transformation and W. G. Rollins, Jung and the Bible (Atlanta: John Knox, 1983).

[8] See Carolyn Osiek, R.S.C.J. What are they saying about the social setting of the New Testament? (New York: Paulist, 1984); J. E. Stambaugh and D. L. Balch, The New Testament in Its Social Environment (Philadelphia: Westminster, 1993).

[9] For a critique of the Gospels: A Catholic Response to Fundamentalism, and two works by J. Barr, Fundamentalism (Philadelphia: Westminster, 1978) and Beyond Fundamentalism (Philadelphia: Westminster, 1984).

منهجيات البحث الكتابي المعاصر

المصادر التاريخية – البحث الكتابي المعاصر

المصادر التاريخية – البحث الكتابي المعاصر

المصادر التاريخية – البحث الكتابي المعاصر


تعود أصول النقد الكتابيّ إلى قرون، وجذوره هي في خمسة تيّارات متفاعلة في التقليد:

تراث آباء الكنيسة التفسيريّ. يمكننا أن نجد عند أوريجنس بدء الدراسة النظاميّة للكتاب المقدّس عبر دراسة اللغات الأصليّة ومقابلة المخطوطات واستعمال المنهجيّات المتوفّرة كما التأمّل في مبادئ التأويل النظرية. يدين أوريجنس بهذه الأمور لعلماء اللغة والمفسّرين الإغريق واليهود. فيما انحسرت دراسة العبرانّية والمقابلة النقديّة للمخطوطات، ترك آباء الكنيسة تراثاً تفسيريّاً لافتاً.

أحد أكثر ثمار هذا التقليد قيمةً هو التركيز على المبدأ اللغويّ-القرينيّ في التفسير الذي مارسه أثناسيوس، وباسيليوس وجيروم وثيودور الموبسويتيّ وكيرلس الإسكندريّ وآخرون. لقد كان هذا المبدأ، مطبّقاً بشكل أكثر نظاميّة وتحليلاً، القوّة الموجّهة الرئيسة خلف نجاح الدراسات الكتابيّة الحديثة.

مُثُل الحركة الإنسانيّة في العصور الوسطى. نشوء الجامعات والسعي وراء المعرفة للمعرفة بحد ذاتها، وحافز النهضة (Renaissance) لإعادة إحياء الدراسات الكلاسيكيّة عوامل أسّست أطراً احترافيّة وسابقات أثّرت في التعليم والتربية ككلّ.

وقد أدّت هذه العوامل، في القرون الأخيرة، وبشكل لا مناص منه، إلى الاختصاص وتقسيم فروع الدراسة. كما جعلت هذه العوامل الصفّ والنقابة أسس العمليّات. في الدراسة الكتابيّة، أبعد الكتاب المقدّس تدريجيّاً عن حياة الكنيسة، وحوّل من نبع حيّ للتنشئة الرعائيّة إِلى موضوع تحليل أكاديميّ.

الإصلاح.  ركّز الإصلاح على سلطة الكتاب المقدّس المطلقة والحقّ في التفسير الشخصيّ بمقابل الكنيسة والتقليد، إضافةً إلى نتائجه البالغة التأثير كنسيّاً واجتماعيّاً وسياسياً. لم يطوّر لوثر، ولا غيره من المصلحين، أيّ منهجيّات جديدة.

ولكن قوّة هذين العاملين – سلطة الكتاب المطلقة وحريّة الأفراد في التفسير – أدّت، من جهة، إلى تركيز فكريّ هائل على الكتاب، ومن جهة أخرى، إلى تنّوع في التفسير كثير المشاكل. إذاً، أصبح التشويش وإعادة اكتشاف الكتاب المقدّس من السمات المميّزة للدراسة الكتابيّة الحديثة التي أكثر ما تكرّست في البروتستانتيّة.

التنوير. عنى شعار التنوير: “تجرأ أن تفكّر”، لصاحبه الفيلسوف الألمانيّ عمانوئيل كانط، رفض كلّ سلطة في البحث عن الحقيقة “الموضوعيّة” وتوّج العقل المستقلّ كمعيار أولّ في كلّ الأمور. فقّوى هذا التأكيد فرديّة الإصلاح. إلى جانب تطوّر الطريقة العلميّة التجريبيّة، تمّ التوصل إلى إنجازات مذهلة في الحضارات الغربيّة، من بينها توسيع حقول الدراسة في مختلف أنواع العلوم والآداب. الجانب الآخر من هذا النجاح الاستثنائيّ كان مجمل المشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة والبيئيّة التي تحدق بالعالم المعاصر.

إلى هذا، حملت روح التنوير المستقلّة الخلاّقة عداءً للتقليد والدين والوحي وحتّى لله: أيّ لكلّ أشكال السلطة. وما زالت هذه الروح تفسد “موضوعيّة” الكثير من المفكّرين المعاصرين. أكثر الأمور إثارة للمشاكل والجدل في الدراسة اللاهوتيّة والكتابيّة هو إرث التنوير الفكريّ الذي يشدّد على تفوّق العقل ويجتثّ مفهوم الإعلان الإلهيّ وبهذا يكون مصدراً لكثير من التشويش في المنهجيّة ونتائج البحث.

ثورة الدراسات التاريخيّة. فكّ مغاليق الهيروغليفيّة (1827) والحروف المسماريّة (1846) فتح باب دراسات المدوّنات المصريّة والبابليّة وساهم في تسريع تكديس المعرفة التاريخيّة حول الحضارات القديمة. في دراسات القرن التاسع عشر التاريخيّة، ساد افتراض بأنّ المؤرّخين، هم مثل العلماء الذين يدرسون الطبيعة، قادرون على إعادة إنتاج قصّة موضوعيّة حول الماضي تماماً كما حدثت (التاريخانيّة Historicism).

وقد تتابعت الاكتشافات التاريخيّة والأثريّة بشكل جيّد إلى القرن العشرين، بما فيه اكتشاف أوراق البردي الإغريقيّة في مصر (القرن التاسع عشر)، لوحات أوغاريت في راس شمرا (سوريا، 1929)، الوثائق الغنوصيّة ونَجْع حمادي (مصر، 1945)، والأدراج الغنوصيّة في قمران قرب البحر الميت (1947-1956).

الحصاد الغني في المعرفة التاريخيّة سلّط ضوءً جديداً على خلفيّة تطوّر اليهوديّة وأصول المسيحيّة. فضلاً عن ذلك، لقد أشعف العلمُ، ولفترة زمنيّة طويلة، الإيمان المتعلّق بنظرة الكتاب إلى خلق العالم وعمر الكون والعجائب ولم يعد يُنظَر إلى الكتاب المقدّس كإعلان منفصل عن التاريخ والحضارة القديمين. لقد نشأ وعي تاريخيّ حول التطوّر والتنوّع في العمليّة التاريخيّة المعقّدة التي تستوعب كلّ الأمور البشريّة.

توصّل الباحثون، بشكل أوسع، إلى استيعاب إمكانيّة حدوث الأحداث التاريخيّة أو نسبيّة الحقيقة التاريخيّة وهما أمران لا يزالان من الشؤون الأساسيّة في التأويل الكتابيّ.

المصادر التاريخية – البحث الكتابي المعاصر

التأويل Hermeneutics: الإيمان والعقل والكنيسة

التأويل Hermeneutics: الإيمان والعقل والكنيسة

التأويل Hermeneutics: الإيمان والعقل والكنيسة

تحديد العبارات:

كيف يُقرأ الكتاب المقدّس ويُفسَّر؟ كيف يتأكّد القارئ أنّه يستوعب المعنى الصحيح مع اعتبار الوجهين الإلهيّ والبشريّ والطرائق المختلفة التي بها تمّ تلقّي الكتاب واستعماله؟

عندما يتكلّم واعظ ما او معلّم او كاهن على نصّ او موضوع كتابيّ، كيف لنا أن نعرف أنّ التعليم أو العظة يستندان إلى تفسير مقبول؟ ما هو الدور الذي لعلماء الكتاب أن يقوموا به في استعمال الكتاب المقدّس كنسيّاً؟ كيف تتمّ مواجهة تعدّدية آرائهم؟ ألا يستطيع المسيحيّ العاديّ أن يقرأ الإنجيل ببساطة ويطبقّه في حياته كما يفعل الكثير من المسيحيّين؟ أليس ممكناً إضافةً إلى هذا يكون للإنجيل أكثر من معنى عند أشخاص مختلفين؟

عندما تُطرَح أسئلة مثل هذه، يدخل المرء في حقل التأويل Hermeneutics وهو فرع له مستلزماته من العوامل المعقّدة. مهمّة التأويل هي بالتفسير الكتابيّ وضرورته وطريقته. هذه المهمة ممكن أن تصبح بسرعة مجرّدة كونها تتضمّن أبعاداً كثيرة، بما فيها النظريّات الفلسفيّة في المعرفة والألسنيّة[1]. التعبير التقنيّ مشتقّ من الكلمة اليونانيّة α’ɩεѵημρέ التي يمكن ترجمتها بالتفسير أو الشرح أو الترجمة.

من وجهة نظر إيتيمولوجيّةـ تشتقّ هذه الكلمة من اسم ςήμρΕ (هرماس) رسول الآلهة والمتحدّث باسمهم في الميثولوجيا اليونانيّة القديمة. وكما كان هرماس، هكذا α’ɩεѵημρέ هي عمليّة استيعاب المعنى ونقله. مفهوم الكاتب التفسيريّ، وعلى درجات مختلفة من الوضوح والكمال، مُدَّخَر في ما يكتبه.

بعد هذا يأتي القرّاء إلى النصّ، وأيضاً على درجات مختلفة من الوضوح والكمال، يسعون إلى استيعاب معنى النصّ وتفصيله لأنفسهم وللآخرين، وليس بالضرورة بالمعنى الذي أراده الكاتب. يستطيع المرء أن يتخيّل التعقيدات التي تنشأ من مجمل العمليّة لجهة اللغة والتاريخ وعلم النفس والفلسفة واللاهوت والروحانيّة! يتحدّث الباحثون عن “المسألة التفسيريّة” أو “المشكلة التفسيريّة” وغالباً ما يشيرون إلى الموضوع بالجمع “hermeneutics” أو بالمفرد “hermeneutic”.

ما يلي هو تقديم مبسَّط للتفسير الكتابيّ استناداً إلى المنظار الأرثوذكسيّ الآبائيّ (أنظر الفصل الرابع) ومتضمّناً الأبعاد الرئيسة للإيمان والمنطق والكنيسة[2]. كلّ موقفنا التفسيريّ يمكن وصفه بالمحافظة الديناميكيّة المرتكزة على الافتراضات المسبقة:

أ) احترم سلطة الكتاب المقدّس والكنيسة والعقيدة المسيحيّة التقليديّة احتراماً بالغاً،

ب) أهميّة الصلاة والعبادة والحياة الروحيّة في دراسة الكتاب المقدّس،

ج) السعي الصادق والمسؤول نحو الحقيقة استناداً إلى مبدأ أنّ المعنى الأساس في نصّ الكتاب هو الذي يُبَلَّغ بالتفسير النقديّ والنحويّ والتاريخيّ،

د) الهدف النهائيّ للتفسير الكتابيّ هو إنارة الحقائق اللاهوتيّة والمعاني الأخلاقيّة في الكتاب المقدّس. في البدء تساعدنا بعض التمييزات. رغم أنّ الصفات تفسيريّ (interpretive) وشرحيّ (exegetical) أو تأويليّ (hermeneutical) تُستَعمَل غالباً من غير تمييز أو بطرائق متداخلة، فإنّ نقاشاً أكثر دقّة يتطلّب تحديدات أكثر وضوحاً. الشرح Exegesis (من الفعل ωέϫηξέ في اليونانيّة الذي يعني حرفيّاً “يستخرج من” أو “يقود خارجاً”) يتعلّق أوَلاً بالمعنى الأصيل للنصّ، أي، ما يبثّه الكاتب في اللغة الأصليّة بأسلوب محدّد وبنية نحويّة محدّدة وإطار تاريخيّ محدّد.

الموضوعيّة المطلقة في التفسير exegesis وهي وهم، بينما الموضوعيّة النسبيّة ممكنة كما هو مبرهَن في عدد من مجالات الإجماع بين الباحثين على المستوى الشرحيّ الوصفيّ. تقدّم الأطرالنحويّة والتاريخيّة بعض المعطيات الموضوعيّة لفهم بعض المقاطع الكتابيّة بشكل دقيق إلى حدّ ما[3]. إنّ الروايات الوصفيّة لمجمل فكر الأسفار المقدّسة والكتّاب، رغم تضمنّه متغيّرات أكثر وتالياً أقل أماناً، هي أيضاً ممكنة.

فيما يستطيع أيّ قارئ متأنٍ أن يخرج برؤى تفسيريّة، إلا أنّ الباحثين المتدربين هم الأكثر تجهيزاً ليعطوا تفسيراً نظاميّاً على مستوى واعٍ وبأدوات مناسبة. مثاليّاً، التفسير هو مهمة وصفيّة، والتركيز فيها هو على النصّ طالما أنّ المفسّر يتعقّب المعنى الرئيس، فكلّ الطرائق الأدبيّة والتاريخيّة المستعملة مُرَحَّب بها على أنّها بالمبدأ مشجعّة للكشف وحياديّة.

تنشأ التعقيدات الأساسيّة في التفسير من : أ) دلائل غير كافيّة، ب) تخمينات اعتباطيّة للمفسّرين، ج) الإفراط في تحليل الخلفيّة و د) انحرافات غير مضبوطة للمترجمين، وفي هذه الحالة يصبح الشرح (exegesis) تجسيداً لأفكار المفسّر في النصّ (eisegesis). أفضل طريقة لمعالجة هذه الصعوبات هي أن يراجع المفسّرون أحدهم الآخر ليتأكّدوا أنّهم يقومون بتفسير وصفيّ ساعين إلى المعنى الأصليّ والكامل كما يُعبَّر عنه قرينيّاً بكلمات الكاتب.

التفسير(interpretation) هو بالمبدأ مستوى آخر من معالجة الكتاب المقدّس حيث يُنظَر إلى النصّ، عن وعي أو عن غير وعي، من حيث قيمته بالنسبة إلى القارئ. إنّه تقدير أكثر حريّة وتطبيق مدَرك في نصّ، عادةً استناداً إلى أسئلة القارئ واختياره واهتماماته وقيمه، مفسَّراً كما قد يفسّر أيّ شخص أيَّ حدث أو بيان أو عمل فنّي. التفسيرات الأكثر معنى هي تلك المرتكزة بشكل أصيل على المعنى الأصليّ الشرحيّ للنصّ.

في أيّ حال، إنً المفسّرين انتقائيّون بشكل لا يمكن تفاديه وغالباً ما يتحرّكون خارج إطار الكاتب بالإشارة إلى معانٍ أخرى ممكنة وتطبيقات مغيّبة للنصّ وقد تكون متقاربة. التفسير (interpretation) هو بالدرجة الأولى مهمّة وصفيّة ولكن تقويميّة تسعى إلى استخراج الحقيقة النافعة أو الثابية من الكتاب المقدّس. بدون أن نميّز بشكل مطلق، ما هو مستحيل، الشرح الوصفيّ (descriptive exegesis) يسعى إلى ما “عنى” الكتاب، والشرح التقويميّ (evaluation exegesis) يسعى إلى ما “يعني” الكتاب[4].

بالطبع، بالنسبة إلى الكثير من المؤمنين، ما عناه الكتاب وما يعنيه هما الشيء ذاته بالكامل، بخاصّة في ما يتعلّق بأحداث الخلاص وحقائقه.

في أيّ حال، من الغموض بمكان التأكيد حرفياً على قصة الخلق في ستّة أيام أو على أن المياه مخبّأة فوق قبّة سماويّة جامدة، لأنّ الكتاب يصف الكون بهذه الطريقة. في هذه المعرفة، طرحت العلوم فهمنا بشكل عميق. قد لا يعطي الكثير معنى إعلانيّاً للنصيحة بشرب بعض الخمر (1 تيموثاوس 23:5)، ولكن قد يفعل البعض هذا بالنسبة إلى ستر رأس المرأة (1 كورنثوس 11: 5-10)[5].

ماذا عن العبوديّة ومرتبة النساء الدنيا في عالم الكتاب؟ ماذا عن تملّك الشياطين والعجائب؟ ماذا عن التعاليم كمثال أنّ طاعة الربّ تجلب الرغد الذي لا ينضب وعدم الطاعة يجلب العذاب، ما يضحده كتاب أيوب وسيرته؟ هذه الأمور تجعل مهمّة التفسير التقويميّ ضروريّة ولا مناص منها. واضح أيضاً أنّ التفسير قد يكون مثيراً للجدل ومسبّباً للانقسامات بسبب تضارب الافتراضات المسبقة والقيم وخيارات المفسّرين.

يعالج التأويل (Hermeneutics) انعكاس الطرائق والأسس وافتراضات كلّ من الشرح (Exegesis) والتفسير(Interpretation) أي مجمل نظريّة الدراسة الكتابيّة وشرحها كلّها. ما سبق قوله عن الشرح والتفسير يشكّل الاعتبارات المتعلّقة بالتأويل. هذا العلم يضمّ كلّ العمليّة من الملاحظة النحويّة الأكثر بساطة حول نصّ ما إلى التأمّل الأكثر عمقاً في خبرة الله الموصوفة في هذا النصّ. على المستوى الشرحيّ تنحو مهمة التأويل إلى أن تكون شكليّة وحياديّة بشكل مقبول لأدوات المنهجيّة الأدبيّة والتاريخيّة وعمليّاتها[6].

على المستوى التفسيريّ الكنسيّ، مهمّة التأويل (Hermeneutical)، أي مهمة شرح الفهم التقويميّ، تصبح لاهوتيّاً أكثر تطلّباً. على مستوى تخاطب النظريّات اللغويّة والفلسفيّة، تكون مهمّة تحليل كيفيّة نقل المعنى الأساس على مستوى المفهوم أكثر روعة، وقد تكون فلسفيّاً مستحيلة[7].

المسألة الأكثر سخونة في التأويل هي العلاقة بين الإيمان والعقل في تفحّص محتويات الكتاب وفي تحديد أيّ من عناصر هذه المحتويات هي ذات معنى. تصبح مهمّة التأويل أكثر وضوحاً، مع أنّها ليست أكثر سهولة، عندما يكون الشرح والتفسير متميّزين منهجيّاً، أكثر منهما متميّزين بشكل مطلق، وعندما تكون افتراضات المفسّر الخاصة معلّنة للمناقشة والتوضيح.

رؤيّة حياتيّة:

مسألة التأويل هي أبعد من قراءة الكتاب ودراسته. في الحياة، كلّ إنسان وكلّ شيء هو بلا مناص في عمليّة تفسيريّة، عن وعي وغالباً من دون وعي. إنسان يقرأ الكتاب المقدّس أو الصحيفة اليوميّة، مؤرّخ يتفحّص بياناً قديماً أو نقشاً، عالم يبحث عن جرثومة أو عن مجرّة، عاشق يتحدّث مع محبوبته: كلّ هؤلاء متورّطون في التفسير. لكلّ من الحياة الشخصيّة، التاريخ، العلم، الأدب، الفن، إلخ…مظاهره التفسيريّة الخاصّة. كيفيّة التفكير بهذه المجالات وربطها هي جزء من المسألة التفسيريّة الأوسع وذات الحدود المشتركة مع الحياة نفسها.

وبقدرما يتضمّن هذا السعي بحثاً عن الحقيقة لتركيز قرارات الحياة عليها، فهو يستلزم فرضاً أخلاقيّاً ضمنيّاً، ألا وهو القيام به تكامليّاً. الجهد لمعالجة الدلائل، أو كلّ خداع آخر في البحث، يجعل السعي تافهاً ويضرّ بالحقيقة. بما أنّ الحياة سرّعظيم والفهم البشريّ محدود، البحث عن الحقيقة يتمّ بأفضل أشكال البحث من الانفتاح المتلقّي والتواضع الإبستيمولوجيّ على أمل أنّ جمال الحقيقة الداخليّ وقوتّها، أينما وجدت، ينتصر ويشدّ القلوب البشريّة.

تتطلّب العمليّة معرفة افتراضات الادعاءات وحدودها، كما تتطلّب رغبة في حمل هذه الادّعاءات إلى مناقشتها في النّور. هذه العناصر تقدّم أسساً لمعاملة محترمة للآخرين من أجل كرامة بشريّة عالميّة وتفادي الجدليّة.

بالنسبة إلى قراءة الكتاب المناسبة والفهم الصحيح، يجب تذكّر أنّ الكتّاب الإنجيليّين عالجوا العلاقات بين الله والشعب على مقياس الحياة نفسها. فهم لم يكتبوا للمفسّر التقنيّ، اللاهوتيّ أو الواعظ، إنّما كتبوا للجميع[8]. لقد اعتبروا أنّ كلّ قارئ أو سامع سوف يفهم جوهر رسالتهم عن الله وعمله الخلاصيّ ومتطلّباته الأخلاقيّة. رسالتهم ونظرتهم تركّزتا ليس على تفسير النصوص التقنيّ ولكن على تفسير الحياة بشكل أوسع مؤسَّس في خبراتهم عن الله وقيم الجماعة المؤمنة التي عاشوا في كنفها.

مثلاً، في التعاطي مع العهد القديم، كان كتّاب العهد الجديد أقلّ اهتماماً بالشرح وبالأكثر اهتمّوا بالتفسير على أساس ما اختبروه مع المسيح وكيف فهمت الكنيسة الأولى عمله الخلاصيّ. البحث عن الشرح القرينيّ بالمعنى الحديث بين المفسّرين الأوائل اليهود أو المسيحيّين، هو مفارقة تاريخيّة  فادحة. على مستوى التفسير، وبحثاً عن قيمة الكتاب ووثاقة صلته بالجماعة المؤمنة، يستطيع الإنسان تقرير ملاءمة التفسيرات المجازيّة والرمزيّة الموجودة أصلاً في العهد الجديد نفسه (متّى 13: 18-23 ، 36-43 ؛ غلاطيّة 4: 21-31 ؛ 1 كورنثوس 10: 1-11).

آباء الكنيسة أصلاً، في طرائق وعظيّة وتعليميّة مختلفة، استغلّوا نجاح هذا النوع من “الشرح التفسيريّ interpretive exegesis” للغذاء الرعائيّ لشعب الله. لقد ظهر الشرح اللغويّ والمجازيّ الأكثر بروزاً بين آباء الكنيسة، مثلاً أثناسيوس وباسيليوس، بخاصّة في المناظرات العقائديّة حيث كانت دقّة المعالجة حاسمة[9].

يستمرّ أغلب المفسّرين المعاصرين من بروتستانت وكاثوليك وأرثوذكس، باستعمال الكتاب المقدّس على هذا المستوى الواسع من التفسير. إنّهم أقلّ اعتماداً على شرح الباحثين التقنيّ ويعتمدون أكثر على التقاليد التفسيريّة لكنائسهم، هذه التقاليد التي تُحمَل عبر العبادة والعظات والتعليم[10].

يعمل أغلبيّة الواعظين والمعلمين على هذا المستوى من التفسير. بما أنّ رسالة الكتاب الخلاصيّة موجهّة إلى الجميع، يتمتّع الجميع بحقّ المقاربة المباشرة للكتاب أي أن تتحدّاهم كلمة الله مباشرة من دون الحاجة إلى باحث أو وسيط بين القارئ والله.

إلى هذا، مع أنّ هناك درجات ومستويات من الفهم العقليّ، يستطيع الكلّ فهم إعلانات الكتاب الأساسيّة الدينيّة والأخلاقيّة. الإيمان بإله حيّ، الخبر السارّ عن محبّته ومسامحته في المسيح، وطلباته للقداسة والبرّ بالمبدأ يفهمها الجميع بطرائق مختلفة.

بالنسبة إلى الكنيسة والمؤمن، لا يمكن لحياة الإيمان أبداً أن تقوم بشكل أساس على البحث العلميّ. تفعيل رسالة الكتاب الجوهريّة أي الإيمان بما صنع الله للبشريّة والعيش في بركاته وحضوره، هو أمر شخصيّ يتخطّى المعرفة اللاهوتيّة الاحترافيّة ونظريّات التأويل المعقّدة.

بالواقع، كما ذكرنا سابقاً، قد يحدث أنّ ما يستخرجه مؤمن على بساطة في الإيمان وتقبّل صلاتيّ في قراءته غير النقديّة للإنجيل، هو روحيّاً أكثر نفعاً مّما يستطيع استخراجه مفسّر خبير أو لاهوتيّ متدرّب بكلّ معرفته ومهاراته النقديّة. أن نفتكر عكس ذلك، هو تفكير باطل لاهوتيّاً وخاطئ تاريخيّاً وجريء مهنيّاً.

على أيّ حال ما تحتاج إليه الكنيسة والبحث العلميّ، أي المؤمن والباحث، هو أن يكونا في تعاون الواحد مع الآخر وليس مواجهة. فقد وجد الباحثون والبحث العلميّ في اليهوديّة والمسيحيّة منذ القرون الأولى وعملوا داخل الإطار بطرائق زمانهم. يعمل الباحثون المعاصرون بطرائق التفسير والتأويل العصريّة[11]. مساهماتهم لا تُقدَّر في التحليل الأدبيّ والتاريخيّ واللاهوتيّ للكتب المقدّسة ومواضيعها ومفاهيمها ومؤسساتها وبالطبع تفاصيلها التفسيريّة.

الدراسة الكتابيّة، عندما تكون إيجابيّة ومتجانسة مع موضوعها، تقدّم إيضاحات أساسيّة لأمور وصعوبات مثل التبرير بالإيمان وأدوار بطرس ومريم في العهد الجديد والكلمة والسرّ وإلخ..وأمور أخرى ذات مضامين شخصيّة وكنسيّة ومسكونيّة[12]. يجب على العمل العلميّ أن يعرف جيّداً دراسة الكتاب واستعماله وتطبيقه من الكنيسة والمؤمن حتّى ولو تخطّاها.

يمكن للنتائج العلميّة أن تكون نافعة للجميع، للعلمانيّين والمعلميّن والوعّاظ واللاهوتيّين كما للكنيسة. وهكذا سوف يتعاطى كلّ من هؤلاء الدراسة الكتابيّة إلى الدرجة النافعة والملائمة لمستواه من العمل والمسؤوليّة[13]. ينتعش الإنسان العاديّ ببساطة من شربة ماء، بينما يحلّل العالم الماء بحسب ذراتها من الهيدروجين والأوكسجين.

على الشكل ذاته، يستطيع فتى أن يشرب الماء الروحيّ في قصّة كتابيّة، بينما يحلّلها الشارح إلى تفاصيل صغيرة. الأوّل يتعلق أوّلاً بالمعرفة الروحيّة أي المعرفة الاختباريّة على أساس الإيمان بالله ونعمته. الأخير يتعلق بشكل أساس بالمعرفة المفاهيميّة المكتّسبَة بالعقل والتحليل النقديّ.

القوى التي تحرّك الإيمان والعقل والكنيسة:

في النهايّة، يكمن التحديّ التفسيريّ الأكبر في تحديد العلاقة المناسبة بين الإيمان والعقل كما تطبّق على التفسير والشرح الكتابيّين، كلّ هذه بالمطلَق غير منفصلة. إذا كان الشرح مثاليّاً يسعى إلى استخراج ما في النص، يجب التحوّل إلى جوهر النصّ، أي ادّعاءاته اللاهوتيّة بشأن عمل الله الخلاصيّ الظاهر في خبرات أشخاص محّددين[14]. لا تُقدّر قيمة الشرح في توضيح الخلفيّة التاريخيّة والفوارق الدقيقة الفعليّة لهذه الادعاءات اللاهوتيّة.

في أيّ حال، لا يستطيع الشرح بذاته، بدون معونة الإيمان، أن يرتقي إلى حقيقة النصّ اللاهوتيّة. الشرح كإنجاز بشريّ أي كنشاط  فكريّ مطوَّر قليل القدرة على الوصول إلى فهم قيّم فكريّاً لحقيقة النصّ اللاهوتيّة ودخول خبرة الله الخلاصيّة الفعليّة المرموز إليها بتلك الحقيقة اللاهوتيّة. إذاً، المضمون الأساس الخلاصيّ للنصّ الكتابيّ لا يمكن الوصول إليه بالشرح الصرف بمعزل عن القوى المحرَّكة بالإيمان والنعمة.

بشكل مماثل، على مستوى التفسير التقويميّ، النماذج الفكريّة المتعلّقة بالتأويل التي يقترحها المنظّرون اللامعون، من شلايرماخر إلى أحدث النقاد الأدبيّين، قد تكون فكريّاً كافية كنظريات في المعرفة أي كنماذج لشرح الظروف التي يتمّ فيها الفهم البشريّ وحمل المعنى. لكنّ هذه النماذج النظريّة لا تستطيع من ذاتها أن تجلب المعنى الأعمق للنصّ الكتابيّ في قيمته اللاهوتيّة ولا أن تطلق قدرتَه الروحيّة في الحاضر.

الصَدَع الأكبر في النظريّات التفسيريّة المعاصرة هو في الواقع تركيزها الأحاديّ الجانب على العالَم (الجزء) الساقط من الوعي البشريّ والمعرفة إلى درجة إهمال التركيز الكلاسيكيّ الآبائيّ على دور الإيمان وتطهّر القلب والروح القدس في الدراسة الكتابيّة والتفسير.

موقفنا هو أنّ معنى النصّ الكتابيّ الكامل وتفعيله يمكن أن يتمّ فقط عبر عمل الإيمان الذي يرتفع إلى ادّعاء الحقيقة في النصّ ويختبر قدرة تلك الحقيقة التي تغيِّر بعمل الروح القدس. من هذا المنظار، الطريقة الأساسيّة لقراءة ما تقدّمه شهادة الكتاب وفهمه والعيش بحسبه، ليست عبر الجدليّات المجرّدة إنّما عبر الإيمان الُمخَتَبر. ما يسميّه آباء الكنيسة الرؤيّة الروحيّة (ثاوريا α’ɩρωεϴ)[15] هو أفق الإيمان الجيّاش وهو ما يؤمّن الوصول إلى المعرفة الروحيّة، أيّ كعطيّة من الروح.

هذا يشكّل المعرفة الحقيقيّة بالمعنى الكتابيّ المميّز، المعرفة ذات العمق الشخصيّ الوجوديّ، التي تنطوي على إلفة حميمة وحساسيّات روحيّة مناسبة للحقيقة الإلهيّة الُمختَبَرَة في النصّ. يصف القدّيس كيرلّس الإسكندريّ هذه المعرفة على أنّها “تتضمّن في داخلها كلّ قوّة السرّ والمشاركة في البركة السريّة حيث نتّحد بالكلمة الحيّة والمعطية الحياة”[16]. بحسب هذا، دراسة الكتاب المقدّس من أجل الاستيلاء على قيمته الروحيّة نشاط مواهبي محدّد نوعيّاً بحياة الإنسان[17].

مثلاً، عندما يكتب القدّيس بولس أنّ في ملء الزمان أرسَل الله ابنَه ليخلّص البشريّة وأيضاً أرسَل روح ابِنه إلى قلوب المؤمنين التي بها يعرفون اختباريّاً ويؤكّدون موقفهم البَنَويّ أمام الله (غلاطيّة 4: 4-6)، فهو يعلن حقائق لاهوتيّة عن عمل الله الخلاصيّ وحضوره.

لا توجد طريقة قاطعة لفهم هذه الحقائق وعيشها غير النعمة بالإيمان. بشكل مماثل، عندما يعلن المسيح أنّه الكرمة الحقيقيّة وتلاميذه هم الأغصان، وأنّه مع تلاميذه يجب أن يحيوا في شركة حميميّة من المحبّة الُمتَبادَلَة (يوحنا 5: 1-11)، ليس هناك من طريقة لفهم هذه الحقيقة الروحيّة بعمق واختبارِها إلاً بالنعمة بالإيمان. وهكذا أيضاً دعوة الكتاب إلى القداسة، عبرعيشٍ مخلِصٍ بشكل أكثر شمولاً من المعرفة المفاهيميّة الصحيحة لهذه العبارات المحَقَّقة بعمل اختصاصيّي التفسير المدرَّبين.

بحسب القدّيس باسيليوس، تقصِّر الكلمات والمفاهيم في الشؤون الروحيّة واللاهوتيّة. يذهب تفسير الكتاب إلى أبعد من تعقيدات المنطق إلى شؤون أساسيّة في الكنيسة والحياة الدينيّة. بما أنّ العقل مظلمٌ بعالم الشهوات الداخليّ الساقط، يجب أن يكون الاتّكال على معرفة الله الصحيحة، على أعمال البرّ، أي العيش المسيحيّ الأصيل الُموَجَّه بوقائع وحقائق التقليد المسيحيّ الأَساسيّة[18].

ومع هذا، أليس للعقل دورٌ في قراءة الكتاب ودراسته؟ العقل هبة من الله ويجب استعماله إلى أبعد مدى طالَما أنّه يعرف دوره وحدوده المناسبين. بالنسبة إلى القدّيس غريغوريوس النيصصيّ، العقل هو “أعلى قُدُرات (مواهب)” الكائن البشريّ، وعلامة صورة الله[19]. يمكن للعقل أن يبحث ويُغني معرفتَنا في أمور كثيرة كالمعنى الكامل لمفهوم القدّيس بولس “ابن الله” أو “الكرمة الحقيقيّة” كصورة للمسيح عند الإنجيليّ الرابع، أو العلاقة الداخليّة بين وصايا الكتاب الروحيّةً والأخلاقيّة.

يمكن للعقل أن يسعى إلى الهذف الرئيس (ςόποκσ) لشهادة الكتاب التي هي، كما ذكرنا، إعلان عمل الله الخلاصيّ في التاريخ والحقائق الألهيّة عن الحياة والخلاص والخبرة الإلهيّة الخلاصيّة التي يشهد لها الكتاب ويدعو إليها.

يمكن للعقل أيضاً أن يسعى إلى حلّ الفروقات في الكتاب أو شرحها. هل نحن مُخلَّصون بالإيمان وليس بالأعمال بحسب بولس في روما 28:3 وغلاطيّة 16:2، أم بالأعمال وليس بالإيمان بحسب يعقوب 24:2؟ ماذا نفعل بالتفاصيل المتضاربة في ما يُروى حول تعليمات المسيح التبشيريّة (مرقس 6: 8-9، متى 10:10)؟ وتحوّل بولس (أعمال 7:9)؟

ماذا عن المسائل الأخلاقيّة كالقبول البديهيّ الحضاريّ للعبوديّة وبأن على العبيد أن يُطيعوا الخشونة كما للرؤساء الوثنيّين (1 بطرس 18:2)؟ يمكن للعقل أن يعالج هذه الأمور والمسائل، ليس على عكس الإيمان ولكن بالتعاون معه. إلى هذا، يمكن للعقل أن يمنع من الانزلاق في الحرفيّة التبسيطيّة كاقتلاع عين المرء عندما يُخطئ بواسطتها، أو فكرة أنّ الله عنده يدان فعليّتان لأنّه خلق السماوات بيديه (عبرانيين 10:1)، أو حتّى فكرة أنّ الله هو ذكر لأنّه غالباً ما يشير إليه الكتاب كأب.

يمكن للعقل أن يقودنا إلى تذوّق الأوجه البشريّة لكلمة الله وإلى قراءة الكتاب المقدّس ككتاب إيمان ودين وليس مجرّد كتاب للتاريخ او العلم.

ثم ماذا يحدث إذا، على أساس عقلانيّ، طرِحَت أسئلة حول ما إذا كان علينا قبول صحة قول القدّيس بولس عن ابن الله، أو إعلان المسيح عن نفسه، وهو لم يكتب أيّ إنجيل، بأنّه الكرمة الحقيقية؟ الجواب يمكن أن يكون فقط أنّ على المرء أن يصدّق شهادات بولس والأنجيل الرابع الذي يحمل شهادة لحياة الجماعة المؤمنة وقيَمها، وهي الجماعة الأوسع التي تلقّت هذه الشهادات على أنّها صحيحة وأَدَجَتْتها في الكتاب المقدّس.

هنا نجد الأهميّة المقرِّرة لشهادة القدّيسين والأنبياء والرسل والقدّيسين وفوق الجميع السيّد نفسه[20]. بكلمات أخرى، يربض إيمان القارئ أو المفسّر بشكل كبير على الإيمان الرسوليّ بالعهد الجديد وحقيقة الكنيسة التي تجمع هذا العهد. بالطبع، يستطيع المرء أن يبحث عن أساس أخلاقيّ وأن يقتنع بالمحتوى اللأخلاقيّ في حياة وتعاليم يسوع وبولس والكنيسة. مثلاً، الإدّعاء بخبرة الله والتعليم عن المحبّة هما أمر، وادّعاء الشيء ذاته والتعليم عن الحرب هما أمر مختلف.

في النهاية، يستطيع القارئ، أن يعتمد على الإيمان الرسوليّ والكنيسة في ما يتعلّق بالادّعاءات المتعالية عن المسيح إلى الوقت الذي، بالنعمة عبر الإيمان، يكون للقارئ ذاته خبرة حضور المسيح المخلِّص والاقتناع الشخصيّ. ومع هذا، حتّى هذه الخبرات العميقة والحاسمة لا تمنع استعمال العقل بل بالأحرى تنيره وتقوده.

إذاً، فيما يستطيع العقل أن يحلّل الكثير من وجود الإنجيل ويشرحها، لا يستطيع بنفسه أن يلج حضور ادعاءات الإيمان وقدرتها الرفيعة في الكتاب ولا يستطيع تالياً أن يتجرّأ على تقويمها. من المدهش أنّ المنظّرين التأويليّين، في جهودهم لشرح عمليّة التأويل في الاتصال بين الكتاب والقارئ المعاصر، حلّلوا عناصر لا تُحصى لغويّة وتاريخيّة وفلسفيّة لكنّهم أهملوا قيمة الإيمان والصلاة والعيش المسيحيّ المشترك كأمور أساسيّة لفهم القيمة الدينيّة الرئيسة التي لشهادة الكتاب وتقبُّلها.

من وجهة نظر أرثوذكسيّة، بحسب القدّيس سمعان اللاهوتيّ الحديث، الحقيقة الروحيّة التي لتعاليم الكتاب، وليس مجرّد أبعادها الفكريّة، هي تماماً ما يشكّل كنوز الكتابات التي تُكشَف كمعرفة روحيّة للمؤمنين بالمسيح بالروح[21].

في النهاية، بما أنّ حقائق الله وبركاته غير مفصولة عنه كنوع من “الحقيقة الأبديّة” أو الحقائق الكائنة بذاتها بالمعنى الأفلاطونيّ[22]، المفهوم الوجوديّ لكنوز الكتاب يتضمّن، بحسب القدّيس سمعان، لا شيء أقلّ من الاشتراك في الحياة الإلهيّة أي المعرفة الشخصيّة للشركة السريّة مع المسيح بالروح القدس. في هذا السياق يستحضر م. ملهولند المجاز الأرثوذكسيّ في طبيعة الكتاب الأيقونيّة.

بالنسبة إليه، الكتاب نافذة كلاميّة على حقيقة متعالية، حقيقة حضور الله المقدّس الذي يحدث التغيير والذي يتمّ اختباره في اللقاء مع النصّ الكتابيّ[23]. لوقا ت. جونسون يشرح الموضوع بهذه الطريقة:

“تقاربنا كتابات العهد الجديد كشهادات وتفسيرات لادّعاءات دينيّة خاصّة تتعلّق بخبرة الله كما يتوسّط لنا بها المسيح. كما نلاحظ، لإنّها لا تدّعي أبداً لنفسها التوسّط مع هذه الخبرة. ما يجب ذكره هو إذاً أنّ القارئ المعاصر لا يستطيع التوصّل إلى هذه الخبرة باستعمال وسائل الأنثروبولوجيا والنقد الأدبيّ. إنّما يستطيع أن يَعي، باستعماله وسائل النقد، أنّه يتوصّل إلى الاحتكاك بالشهادة والتفسير[24].

ولكن إذا أصرّ العقل بعناد على درح أسئلة راديكاليّة مشكّكة، وإذا تجرّأ العقل على اعتبار نفسه قادراً على وضع عمل الله الخلاصيّ وحضوره موضوع تفحّص عقليّ، عندئذ يكون قد تخطّى حدوده بعمل جنونيّ من العمل الفلسفيّ. فهو يصبح أداة مدمرِّة أكثر منها بنّاءة في معالجة الكتاب. عندما يستعمل البحث العلميّ العقلَ بهذه الطريقة، يخلق، علنيّاً أو ضمنيّاً، جوّاً من الشكّ في قضايا الكتاب الأساسيّة بهذا يُضعف سلطته ككلمة الله.

النتيجة الفلسفيّة هي أنّ عدم قدرة العقلانيّة على التعاطي مع الحقيقة الُمطلَقة، وفوق كلّ شيء مع سرّ الله، تظهر كضعف في الحقائق المسيحيّة. في هذه الحالة، بحسب القدّيس غريغوريوس اللاهوتيّ، يُساء تفسير حدود العقل كضعف في الحقيقة المسيحيّة، وهو يعبّر عن هذا بهذه الكلمات القاطعة:

“وهكذا فعندما نقدّم سلطان التحليل العقليّ ونهمل الإيمان، عندما نبطل سلطان الروح بتحرّياتنا ويكون التحليل العقليّ من دون عظمة الموضوع – وسيكون كذلك على كلّ حال لأنّه ثمرة أداة ضعيفة هي عقلنا البشريّ – فماذا يجري والحالة هذه؟ إنّ الاستدلال يبدو كالسرّ ضعيفاً. وهكذا فإنّ دقّة التحليل العقليّ تظهر، بطلان الصليب، على حدّ ما يرى بولس”[25].

مأساة الأوجه الراديكاليّة للنقد الكتابيّ هي أنّه فيما يصبو الناقد إلى توضيح الشهادة الكتابيّة، فهو أو هي ينتهي “إلى رمي الطفل مع الوعاء”. ميل المرء نحو التشكيك والإلحاد هو على درجة التزامه منطق الإعلان الفلسفيّ، أيّ ما يدّعيه الإيمان حول إظهار الله نفسه للشخصيات الكتابيّة والمؤمنين عبر الأجيال.

بدون أفق الإيمان الأساس، يأخذ التفسير والشرح الكتابيّان كما التفكير بحسب التأويل، شكل لعبة شطرنج فكريّة ضخمة، قد تستحوذ على المتورّطين فيها، ولكنّها مربكة وبلا جدوى لأولئك المهتمّين بتحدّيات الحياة الحقيقيّة.

لكن أليست هذه أمور على علاقة بتكامل البحث والمناقشة العلميّة الحرّة التي قد تطرح، عن نيّة طيبة، أسئلة معثّرة حول الكتاب؟ أليس ممكناً أن يتبنّى أصحاب المعرفة والإيمان الصادق آراء متنوعة ويختلفون بحدّة حول عدد من الأمور المهمّة المتعلّقة بالكتاب؟ أليس هناك مؤمنون غيورون قد يدّعون، عن معرفة أو عن جهل، خبرات دينيّة فيسيئون استعمال الكتاب المقدّس بطرائق مختلفة؟ هل نحن نتخلّى عن حريتنا في الصعود نحو حاكميّة سلطويّة، كنسيّة أو علميّة، لصالح تفسير نهائيّ ومفروض من الخارج؟ هذه كلّها أسئلة صحيحة وجديّة.

ما هي الطريقة التي يمكن معها طرح هذه الأسئلة من منظار التأويل؟

أوّلاً، يجب أن يكون واضحاً أنّ للبحث التاريخيّ ملء الحريّة بحسب المعايير المهنيّة استناداً إلى أفضل المنهجيّات النقديّة المتوفّرة. النقد الكتابيّ، في كلّ منهجيّاته الأدبيّة والتاريخيّة الملحقة، هو حرّ في التعاطي بحكمة مع المادة الكتابيّة. فمن جهة، ثمّة ترحيب بهذه الدرجة من الليونة في التعاطي مع القصص الكتابيّة. سبب هذا الترحيب هو ندرة الأثبات كما طبيعة الكتاب الخاصّة ككتاب إلهيّ وبشريّ.

مثلاً، ما اختبرته كنيسة القرون الأولى من تدّفق الروح في العنصرة هو أكثر أهميّة إذا كانت عطيّة العنصرة قد تمّت بحسب تفاصيل أعمال 2: 1-13 أو يوحنّا 20: 19-23. من جهة أخرى، إذا أرادت جماعة الاختصاصيّين أن تحافظ على مصداقيّتها، فهي تتحمّل مسؤوليّة تصحيح المغالاة في الحكم التاريخيّ المشكّك والتي تصل أحياناً إلى أبعاد منافيّة للعقل بسبب الحساسيّات والنزعات الشخصيّة الأخرى[26].

بشكل اعتراضيّ، غالباً ما ظهر علماء مشهورون تردّدوا في انتقاد مغالاة زملاء معروفين لهم، تالياً سمحوا بشكل غير ضروريّ بانتشار الشكّ في حقل التفسير وبفضيحة في الكنيسة. ورغم ذلك، الإيمان والحقيقة، اللذان لا يستطيعان احتمال تدقيق التفحّص التاريخيّ الجديّ، لا يستحقّان الكتاب المقدّس، الذي يعرض بصدق سقطات أبطاله العظماء، ومع هذا يدعو إلى الإيمان غير المتزعزع بحضور الله وعمله الخلاصيّين.

ثانياً، تختلف الأمور على مستوى التقويم الجوهريّ لمحتوى الإنجيل اللاهوتيّ والأخلاقيّ. على المستوى الوصفيّ التفسيريّ (exegetical)، للعلماء حريّة أن يكتشفوا بحسن نيّة ويناقشوا، على سبيل المثال، كلّ تفاصيل أفكار الرسول بولس اللاهوتيّة والأخلاقيّة. أمّا ما يتعلّق بالحقيقة الأساسيّة في خبرة بولس وتعليمه، فالقرار ليس حكماً تاريخيّاً بل هو حكم فلسفيّ، لا علاقة له ببرهان قناعات بولس أو ضحدها وهي التي كوّنها عن الله وحياة البِرّ بالاختبار.

إنً الخلط بين الأحكام التاريخيّة والفلسفيّة لمؤذٍ ومخادع. فيما لكلّ إنسان الحق بموقف فلسفيّ وفي المضيّ على طريقته في الحياة، لا يجدر بالمفسّر الكتابيّ أن يتّخذ وضعيّة فيلسوف متخفِّ، أو فيلسوف مشكّك، في تفسيره وشرحه.

ثالثاً، إذا حُفظ الخطّ بين الأحكام التاريخيّة والفلسفيّة بشكل واضح، يكون الباحث الكتابيّ حرّاً في التفسير بنيّة صالحة وحتّى في درس التعاليم الأكثر حساسيّة عقائديّاً كمفهوم بولس ليسوع كابن لله وربّ[27] مثلاً. قد يقترح باحث ما أنّ لغة بولس الخريستولوجيّة تستلزم مسحة إخضاعيّة متميّزة لأنّ مصدر العمل الإلهيّ ومركزه عند بولس، كما هو معروف جيّداً، هو الآب.

وقد يوافق باحث آخر إنّما يضيف أنّ المعجزة الكبرى في خريستولوجيا بولس ليست المسحة الإخضاعيّة جزئيّاً بل تطورها الذي يبرز بشكل مدهش في الجيل المسيحيّ الأوّل. بالنسبة إلى الأخير، قد تكون خريستولوجيا بولس مجرّد خطوة قصيرة بعيداً عن تركيبات الكنيسة العقائديّة متجانسة كليّاً مع مفهوم بولس الخريستولوجيّ.

وقد يتابع الباحثون مناقشة هذه الأسئلة وهم على علم كامل بالفرق في الأطر التاريخيّة لمناقشتهم وتضميناتها. إحدى التضمينات هي أنّ هناك تطوراً في صياغة العقيدة، وأخرى هي أنّ الصياغات الكنسيّة الثالوثيّة والخريستولوجيّة متجانسة مع شهادة العهد الجديد. أمّا تضمين آخر فهو أن لا تكون هذه الصياغات متجانسة وفي هذه الحالة يستطيع الباحث أن يثبت للكنيسة بشكل مقنع أنّه على حقّ (ما هي البدائل المطروحة لخريستولوجيا بولس أو تفسيراتها؟) أو أن يخاطر بقراءة نفسه خارج الكنيسة بحسب ما يمليه ضميره.

ولكن رابعاً، ما لا يستطيع الباحث فعله هو تحديد الإيمان المعياريّ للكنيسة. على هذا المستوى العميق من الحياة، نصل إلى أرضيّة التأويل الشركويّة، أيّ حقيقة أنّ الجماعة المؤمنة هي تنقل المعنى وتجعله شرعياً بشكل مطلق. نحن نعيش جميعاً في جماعات إيمان، سواء دينيّة أو علمانيّة. يتبادل الناس درجات من التنوّع والوحدة في الأفكار والمعتقدات ويتمتّعون بها في إطار جماعيّ. حتّى منتدى يسوع (Jesus Seminary) يرتكز على مجموعة من الباحثين، يشكلّون جماعة إيمانيّة، مع افتراضاتهم المسبقة وقيمهم وبرامجهم المعادية للمسيحيّة التقليديّة.

كلّ المسيحيّين يعيشون في إطار كنائسهم وتقليداتهم، ولكن تتشابك بينهم بعض التشابهات والاختلافات. نحن نقرأ الكتاب المقدّس ونعمل من منظار شركويّ واسع. بغضّ النظر عن جهودنا الصادقة كي نكون موضوعيّين قدر الإمكان، فهذه الجهود يجب ألاّ تتوقّف. بالمقابل، الأشخاص الذين يتجرّأون على تغيير إطار الشركة هذا أسباب لاهوتيّة هم نادرون ويستحقّون الاحترام. فيما لا يمكن تلافي أساسنا القائم على الشركة، من الُملزِم أن نتابع حواراً علنيّاً باستقامة واحترام متبادَل على أمل أن تكون الحقيقة الجوهريّة ذاتها المقياس الأوّل للإقناع والسلوك.

على هذا الأساس، هناك بعد كنسيّ حاسم التأويل. إلى جانب التأويل بالإيمان والتأويل بالعقل والبحث العلميّ، لدينا التأويل بحسب الكنيسة. مثاليّاً، هذه الأبعاد تعمل معاً، مصحّحةً باستمرار بعضها البعض. يدخل الإيمان الشخصيّ جو خبرة الله المباشرة التي يشهد لها الكتاب. تلتزم الكنيسة بالسلطة القانونيّة للكتاب، كتابها، وبالشهادة التي هي مسؤولة عنها ومطلوب منها تفسيرها في ما يخصّ التعليم اللاهوتيّ والأخلاقيّ.

ثلاثيّة التفسير بكاملها مترابطة داخليّاً وتعمل على أفضل وجه كوِحدة متكاملة حيث القدّيسون والباحثون والمسؤولون يعملون معاً ويدمجون هذه الأبعاد. الإيمان الحارّ، بدون البحث العلميّ، قد يقود المؤمنَ إلى التقوى الأنانيّة والنزعة إلى إعاقة التقدّم وحتّى التعصّب. البحث العلميّ التحليليّ، بدون الإيمان والكنيسة، يقود الباحث إلى أكاديميّات غير ملائمة ومراجعات عشوائيّة للمسيحيّة. الكنيسة كمؤسّسة، بدون الإيمان الحارّ والبحث العلميّ، قد تنحو نحو الشكليّة وإساءة استعمال السلطة.

ينطبق نموذج نظريّة التفسير المذكور أعلاه على كلّ المسيحيّين وكنائسهم. للكلّ الحقّ وعلى الكلّ مسؤوليّة تقويم موقفهم التفسيريّ من الكتاب، ليس فقط عبر العقيدة بل أيضاً عبر الحياة. إنّ الكنائس المنفصلة بحاجة إلى متابعة مناقشة اختلافتها على ضوء البحث العلميّ. الوعد الذي يحمله هذا البحث كبير، طالما أنّه يؤخّذ جدّيّاً على ضوء التقليد الرسوليّ. من المنظار الأرثوذكسيّ، لن تكون هناك وحدة كنسيّة بمعزل عن المسيحيّة التقليديّة الرسوليّة التي ترسو على الكتاب.

ليس للكنيسة الأرثوذكسيّة حاكم magisterium، لكون سلطتها العليا هي المجامع التي يجب أن يقبل قراراتها كلّ شعب الله[28]. الأساس الجوهريّ للحقيقة هي حياة الكنيسة حيث كلّ الأعضاء، من المؤمنين العاديّين إلى الأساقفة، هم شهود ويحملون مسؤوليّة. فللجميع امتيازات وهم مسؤلون عن اتّباع الأنبياء والرسل وآباء الكنيسة في مقاربتهم سر الله والكلمة الكتابيّة.

ركّز توماس ف. تورانس، في مقال مميّز، على وجهين مقرِّرين في التقليد الأرثوذكسيّ: الأمانة الحقيقيّة واحترام السرّ[29]. هذان الوجهان ممكن رؤيتهما كحالتين أو منظارَين أرثوذكسيّين متعلقيّن بنظريّة التفسير. يشير تورانس إلى أنّ صفة “أرثوذكسيّ” في الأرثوذكسيّة الكلاسيكيّة لا تعني إخضاع فكر الكنيسة لنظام موحّد تُفرَض الحقيقة عليها من الداخل، بل بالأحرى تشير إلى توجيه أوّليّ للكنيسة إلى حقيقة الكتاب المقدّس بحسب التقليد الرسوليّ[30].

“أرثوذكسيّ” تعني “مرتبط بالحقيقة بشكل صحيح” (الأمانة للحقيقة)، حقيقة إنجيل عمل الله الخلاصيّ عبر المسيح بالروح القدس، مُعاشاً ومُحتَفَلاً به في حياة الكنيسة. لكن هناك أيضاً “احترام السرّ” حيث إنّ الصياغات العقائديّة، رغم أهمّيّتها، تأتي من دون سرّ الله المتعالي[31]. يقول تورانس عن عقائد الكنيسة: “لا يمكن اعتبار أنّها تحتوي الحقيقة في نفسها لكنّها بالأحرى طرائق لتوجيهنا نحو سرّ المسيح وسرّ الثالوث”[32].

الأرثوذكسيّة بالمبدأ لا تمنع الصياغات الجديدة في إعلان الإنجيل وتعليمه كما لو أنّ حقيقة الله مختوم عليها فقط في العقائد والكتاب المقدّس. الباحثون والمعلّمون والوعّاظ أحرار في استعمال قدرتهم الإبداعيّة إلى أقصى الحدود طالما أنّ الكتاب ملئه الرسوليّ محفوظ بأمانة للحقيقة واحترام السرّ. أعمالهم وأقوالهم يجب أن تكون بشكل يعبّر عنه تورانس: “بدل أن تأتي بين المسيح وفهمنا، تسمح للمسيح في كلّ حقيقته الرائعة وسرّه بأن يكشف نفسه لنا عبر هذه الأقوال والأعمال بشكل دائم”[33].

[1]  يقدم B.C. Lategan  عرضاً للتأويل

“Hermeneutic”, ABD, Vol. 3, pp. 194-155; by R.E. Brown and S.M. Scneiders, “Hermeneutics”, NJBC, pp. 1146-1165; and by the Pontifical Biblical Commission’s “The Interpretation of the Bible in the Church” in Originus as noted above.

في الأدب ممكن تمييز ما لا يقلّ عن 5 مراكز تركيز:

أ) شرح منهجيّات النقد الكتابيّ الحاليّة المختلفة كما في:

Reading in the New Testament: Methods of Interpretation by C. Tuckett.

ب) تاريخ الطرائق التفسيريّة منذ القديم إلى اليوم كما في:

The Study and Use of the Bible by J. Togerson and others (Grand Rapids: Eerdmans, 1988).

ج) مناقشة لاهوتيّة للوحي والإلهام والمقارنة بين سلطة الكتاب والكنيسة كما في:

  1. G. Bloesch, Holy Scripture: Revelation, Inspiration & Interpretation.

د) مناقشة لغويّة-فلسفيّة لنظريّات الفهم كما في:

R.E. Palmer, Hermeneutics: Interpretation Theory in Schleiermacher, Dilthey, Heidegger, and Gadamar (Evanston: Northwestern University Press, 1969). وتبلغ أوجها في أعمال Paul Ricoeur و David Tracy،

هـ) معالجة لمقاربات النقد الأدبيّ الجديد كما في:

Interpreting the Bible: A popular Introduction to Hermeneutics by T.J. Keegan, O.P. (New York: Paulist, 1985).

يجد القارئ تركيبات مختلفة من هذه المقاربات.  

[2]  كَتَب باحثون أرثوذكس عدداً من الكتب حول الأوجه الشكليّة والتاريخيّة واللاهوتيّة للتأويل بدءاً بـِ ف. أنطونياديس (1921) انتهاءً بـِ س. أغوريديس (1979). بالمعنى الفلسفيّ الضيّق، هناك عمل ممتاز لـ

  1. Andripoulos, Τό πρόβλημα ԏοѵ’ < Iσԏορɩκѵ’Iησοѵ’ > έѵ ԏή σѵυϫӽρόѵω ‘Ερμѵԑѵԏɩкή (Athens, 1975).

See Also A. Ugolink, “An Orthodox Hermeneutic in the West” SVTQ 27, (2, 1983), pp. 93-118; J. Breck, “Exegesis and Interpreation: Orthodox Reflections on the “Herneutical Problem” Ibid., pp. 75-92 and his book The Power of the Word; as well as M. Ford, “Seeing, But Not Receiving: Crisis and Context in Biblical Studies” SVTQ 35 (2-3, 1991), pp. 107-125.

يعبّر يوحنّا باناغوبولوس بقوّة عن البعد الآبائيّ في أعماله بما فيها مؤخراً المدخل إلى العهد الجديد (1994). لا يمكن القول إنّ الأرثوذكس قد حدّدوا لأنفسهم بوضوح كافٍ مسألة التأويل. يجب رسم الأوجه والعوامل الكثيرة في هذا العلم بدقة ووضعها في رؤيّة شموليّة. إنّ طريقة فعّالة لهذا العمل تتضمّن: التمييز بوضوح أكثر بين التفسير (exegesis) والتفسير(interpretation) ، العلاقة بين الإيمان والعقل، دور البحث العلمي وطرائقه النقديّة، كما حياة الكنيسة العمليّة وسلطتها، ومن ثم ربط هذه الأمور ببعضها البعض.   

[3] Raymond Brown, “Hermeneutics,” in NJBC, p. 1152.

[4]  نجد أقوى حالة للتمييز بين “ما عنى” وما “يعني” النصّ، أي بين التفسير التقويميّ والتفسير التأويليّ في دراسة الكتاب في:

Krister Stendhal, “method in the Study of Biblical Theology,” The Bible in Modern Scholarship, ed. J. Philip Hyatt, pp. 196209, and “Biblical theology, Contemporary,” IDB, Vol. 1, ed. George A. Buttrick (New York: Abingdon, 1962), pp. 418-432.

لا يصح اعتبار هذا التمييز المنهجيّ تافهاً كنوع من وسائل تحايل التأويل، وهو ما يكرّر Stendhal رفضه. إنّه تمييز أساس مساعد على الكشف (وليس فصلاً مطلقاً) لتوضيح أن العمليّتين المترابطتين الواجب مواجهتهما بشكل متعادل تكمنان في عمليّة التفسير الكتابيّة التقويميّة أو المعياريّة. بحسب Stendhal، المقاربة الوصفيّة لا تكفل الموضوعيّة إنّما فقط تدعو إلى تفحص الموضوعيّة بشكل ثابت بمقابل الميل الثابت نحو إخضاع التحيّزات والميول الشخصيّة من أجل الفهم الأكثر وضوحاً للنصّ الأصليّ وطبقات التقاليد التفسيريّة في الكتاب والأدب الآبائيّ. بقدر ما تكون الفوارق بالمعنى دقيقة على المستوى الوصفيّ، يصبح تحديّ المهمة التقويميّة أكثر وضوحاً (وليس بالضرورة أكثر سهولة).

[5]  هذه الأمثلة مأخوذة من:

Gordon D. Fee, Gospel and Spirit: Issues in New Testament Hermeneutics, pp. 2-3, 5.

[6]  For example, O. Kaiser and W.G. Kϋmmel, Exegetical Method: A student’s Handbook, trans. E.V.N. Goetchius (New Yor: Seabury, 1963); J.H. Hayes, Biblical Exegesis: A beginner’s Nadbook (Atlanta: John Knox, 1983); and G.D. Fee, New Testament Exegesis: A Handbook for Students and pastors (Philadelphia: Westminster, 1983).

في أيّ حال، قد يحتوي جزئياً عرض المبادئ والطرائق افتراضات تقويميّة ثقيلة، مثلاً في ما يتعلّق بدور النقد وتطبيقه كما في:

  1. Conzelmann and A. Lindermann, Interpreting the New Testament: An Introduction to the Principles and Methods of N.T. Exegesis, trans S.S. Schartzmann (Peobody: Hendrickson, 1988).

[7]  أنظر:

R.E. Palmer, Hermeneutics: Interpertation Theory in Schleiermacher, Dilthey, Heidegger, and Gadame

لسرد أهم النظريّات التفسيريّة في العصر الحديث والتي تقدّمت وتحسّنت بأعمال:

 Paul Ricoeur.و David Tracy

[8] R. Brown, “hermeneutics,” in NJBC, p. 1151.

[9]  في حالة أثناسيوس ضدّ الأريوسيّين وحالة باسيليوس ضدّ الإفنوميّين، أنظر:

  1. Stylianopoulos, The Biblical Background of the Article on the Holy Spirit in the Constinopolitan Creed’, Études theeologiques 2: le lie Concile Oeucume’nique (Chambe’sy: Centre Orthodoxe, 1982), pp. 153-173,reprinted in T. Stylianopoulos, The Good News of Christ: Essay on the Gospel, Sacraments and spirit (Brookline: Holy Cross Orthodox Press, 1991), pp. 168-195.

[10] R. Brown, “Hermeneutics,” in NJBC, p. 1163.

[11]  أنظر الفصل الخامس.

[12] See “English Roman Catholic-Methodist Dialogue: Justification – A Consensus Statement, “OC 24(3, 1988), pp. 270-273 J. Reumann, ‘Righteousness’ in the New Testament: ‘Justification’ in the United States Lutheran-Roman Catholic Dialogue (Philadelphia: Fortress, 1982): R.E. Brown and others, eds., Peter in the New Testament; R.E. Brown and others, eds., Mary in the New testament; E.R. Carroll, “Mary in the Apostolic Church: Work in Progress,” OC 25(4, 1989), pp. 369-380: and G. Wainwright, “Word and Sacrament in the Church’s Responses to the Lima Tex, “OC 24(4, 1988), pp. 304-327.

[13]  يلاحظ R. Brown  بحكمة أنّ “الفطرة السليمة تعلّم أن تقاس كلّ تربيّة على قدرة السامعين، من دون أن يعني هذا أنّه ينبغي للتعليم الكتابيّ التمهيديّ أن يكون غير نقديّ. يعني أنّ التعليم الكتابيّ التمهيديّ يجب أن يكون نقديّاً بشكل أساس”NJBC, p. 1164. ‘Hermeneutics’   

[14]  يشير Schlier إلى هذه النقطة المهمّة على أنّ “هدف التفسير يجب أن يكون مناسباً لدعوة الله التي وجهّها عبر الكتاب وبه. إذ إنّ هذه الدعوة من دون شيء سواها هي حقيقة الكتاب المقدّس”. يتطابق هذا الموقف مع التركيز الآبائيّ على ςόποκσ أي الهدف الرئيس أو غاية الكتاب المقدّس، كجوهر للتفسير.

(F. Hahh, Historical Investigation and New Testament Faith: Two Essays, p. 22).

[15]  حول مفهوم الثاوريا أنظر الفصل الرابع تحت عنوان “منهجيّة الشرح” عند آباء الكنيسة.

[16]  اقتباس من:

Maurice F. Wiles, The Spiritual Gospel: The interpretation of the Fourth Gospel in the Early Church (Cambridge: Cambridge University Press, 1960), p. 86.

يشير Wiles  في الصفحات 84-86 إلى النظرة المشتركة بين آباء الكنيسة والكتاب المقدّس حول معرفة الله الاختباريّة عبر المشاركة في الحياة الإلهيّة.

[17]  يعبّر الأب جورج فلوروفسكي عن هذه النظرة الآبائيّة في “خُلُق الكنيسة الأرثوذكسيّة The Ethos of the orthodox Church”، ص. 41، كما يلي: بمعزَل عن الحياة في المسيح، لا يحمل اللاهوت أي قناعة، ومفصولاً عن حياة الإيمان، يستطيع اللاهوت أن ينحلّ إلى مجادلات فارغة…اللاهوت الآبائي كان متأصلاً في الالتزام القاطع بالإيمان…”اللاهوت” ليس غايّة بحدّ ذاته. إنّه دائماً طريق. لا يمثّل اللاهوت أكثر من إطار فكريّ للحقيقة المعلَنة، شهادة “نوسية” (نسبةً إلى النوس) لهذه الحقيقة.

لا يمتلئ هذا الإطار بالفحوى الحيّة إلاّ بممارسة الإيمان. (لفهم وافٍ عن النوس أنظر: “الفكر الكنسي الأرثوذكسي” للميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس، ترجمة الأب أنطوان ملكي، تعلونيّة النورالأرثوذكسيّة للنشر والتوزيع، 2002، ص. 27. (المترجم))

[18] So ohilip Rousseau, Basil of Caeseres, pp. 106-112, 117f.

[19]  كان الآباء الكبادوكيّون المدافعين عن العقلانيّة بقدر ما كانوا ضدّ الاستفاضة فيها.

So Jaroslav Pelikan, Christianity and classical Culture (New Haven: Yale University press, 1993), p. 128).

[20]  بحسب فلوروفسكي في “خُلُق الكنيسة الأرثوذكسية”، ص. 40، دعوة “اتّباع الآباء القديّسين”، ليست “إشارة إلى تقليد مجرّد، إلى صياغات وعبارات. إنّها بالدرجة الأولى دعوة إلى أشخاص، إلى شهود قدّيسين”. بالنسبة إلى فلوروفسكي، هذا ينطبق أيضاً على الرسل لأن الكنيسة، كونها رسوليّة وآبائيّة، هي على الدرجة ذاتها من الالتزام بالإنجيل الرسولي كما بالعقيدة الآبائيّة.

[21]  أنطر الملحق رقم 2.

[22] John Panagopoulos, Εɩ’σαϫωϫή σԏήѵ καɩѵη Δɩαθηκη (Athens: Akritas, 1994), pp. 433-434.

 يشدّد باناغوبولس في هذا العمل على نقطة مهمّة مفادها أنّ الكتاب المقدّس ليس وديعة من صياغات نهائيّة لحقائق أزليّة إنّما هو شهادة لسرّ الله في عمله الخلاصيّ، وهو سرّ فائق الوصف.

[23] M. R. Mulholland, Jr. Shaped by the Word: The Power of Scripture in Spiritual Formation, p. 64.

[24] Luke T. Johnson, The Writings of the New testament: An Appreciation (Philadelphia: Fortress, 1986), 99. 7-8.

[25]  الترجمة العربيّة من غريغوريوس النزينزي: الخطب 27-31 اللاهوتيّة. سلسلة النصوص اللاهوتيّة. نقلها من اليونانيّة إلى العربيّة الأب يوحنّا الفاخوري. (بيروت: منشورات المكتبة البولسيّة، 1993)، ص. 104-105.

[26]  يعرض N. T. Wright  تطرف أشخاص أمثال A. N. Wilson, J, Spongو   B. Thiering  في كتابه (Grand Rapids: Eerdmans, 1992) Who Was Jesus? فيذكر أن تطرفهم هو بلا أساس. فالبعض من هؤلاء المتطرفين هو من أعداء المسيحيّة اللدودين والبعض الآخر هو من زعماء الأصوليّين الذين يسيئون استعمال البحث العلميّ ويقدّمون استنتاجات مفاجئة تشوّش غير العالم. إنّ تعهد البحث الصحيح يشكّل الطريقة الأكثر فعاليّة في ضحدهم.

[27]  هذا يتوافق مع موقف R. Brown  في كتبه العديدة وفي عمله “التأويل” في NJBC، ص. 1163-1164.

[28] K. Ware “The Ecumenical Councils and the Conscience of the Church,” in Kanon: Jahrbuch der Gesellschaft fϋr das Recht der Ȍstkirchen (Wien: Herder, 1974), pp. 217-233.

 يقدّم كاليستوس وير في هذا المقال وصفاً ممتازاً لطبيعة الكنيسة المجمعيّة في سعيها للحياة بسلطة الحقيقية المطلقة، حقيقة الله. لشرح عن التفسير السلطويّ للكتاب المقدّس في الكنيسة الكاثوليكيّة بما فيها سلطة البابا المطلقة، أنظر R. Brown  في المرجع المذكور سابقاً.

[29] Thomas F. Torrance, The Relevance of Orthodoxy (Stirling: Drummond Press, n.d.), pp. 9-19.

[30] Ibid, p. 10.

[31] Ibid, p. 10-11.

[32] Ibid, p. 11.

[33] Ibid, p. 10-12.

التأويل Hermeneutics: الإيمان والعقل والكنيسة

معجزات المسيح هل المعجزات دليل صدق أم لا؟ ردا على أحمد ديدات

معجزات المسيح هل المعجزات دليل صدق أم لا؟ ردا على أحمد ديدات

معجزات المسيح هل المعجزات دليل صدق أم لا؟ ردا على أحمد ديدات

معجزات المسيح هل المعجزات دليل صدق أم لا؟ ردا على أحمد ديدات

إن معجزات المسيح جعلت ديدات يدور حول نفسه، لا يعرف كيف يتعامل معها؟ فتارة تجده يُحرف وتارة يدفن آية هنا وأخرى هناك، حتى وصل بها الأمر مرات عديدة، لتأليف وفبركة نصوص غير موجودة أصلاً بالكتاب المقدس ولا حتى في التاريخ. وإنني حقاً أشفقت على ديدات وأنا أراه يصارع الحق الإلهي، ويحرق حياته. لأنه لم ينتبه أنها حقائق إلهية يصعب طمس حقها الكوني الحي المعلن بقوة سمائية لا يمكن الوقوف أمامها، وإن دُفنت فهي لا تدفن طويلاً. فهي مثل قائلها الذي حينما أماته الجاحدون ودفنوه قام من الموت في اليوم الثالث، ناقضاً سلطان الموت الأبدي عنه، وعن تابعيه. تاركاً القبر فارغاً إلى اليوم، حتى يكون الجميع بلا عذر.

تحت عنوان (المعجزات – عَلامَ تُبرّهن المعجزات؟) في ص 91 و92 كتب ديدات (إن المعجزات تثبت مجرة النبوة، وهي لا تثبت ما إذا كان رجل ما صادقاً فيما يدعي أو كاذباً فيما يفتري، ولقد قال المسيح “لأنه سيقوم مسحاء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضاً”. (متى 24: 24) فإذا كان الأنبياء الكذابون والمسحاء الزائفون يستطيعون الإتيان بأعمال معجزة، تكون تلك العجائب التي تبدون كمعجزات غير دالة على تميز وصدق من الأنبياء).

أولاً: هل المعجزات علامة على صدق النبي أم لا؟

لقد جانب ديدات الصواب كثيراً، وأنا أعرف جيداً ما الذي يرمي إليه، ولماذا يقلل ديدات من شأن المعجزات بالنسبة لفاعلها، وفيما إذا كانت تثبت صدقه أم لا؟!

أقول: إن النبي الصادق المُرسل من الله، لابد أن تكون له معجزات، تشهد أنه مرسل من الله، لو احتاج الأمر إلى برهنة صدق إرساليته، يؤيده الرب بأعمال فوق الطبيعة. تتناسب منع من أرسله، لتكون رسالته حجة على سامعيه.

أما ديدات فهو يتعامل مع معادلة المعجزة بالطريقة المقلوبة، فيقدم هنا كلام المسيح بأنه مادام سيوجد أنبياء كذبة لهم معجزات زائفة، فبالتالي لم تعد المعجزات مقياساً على صدق هذا النبي أو ذاك، ذلك لأن حتى للكاذبين منهم معجزات. وهنا أقول:

  1. أهمية المعجزة: سؤال، لماذا يهتم الأنبياء الكذبة بالمعجزات التي يمدهم بها الشيطان؟ أو التي هي مجرد خدع بصرية؟ ما قيمتها بالنسبة للنبي الكاذب، إذا كانت المعجزات لم تعد مقياساً لصدق النبي ونبوته؟

الإجابة: الأمر واضح تماماً، فالنبي الكذاب يستخدمها ليخدع بها الناس، أقول: إذن فالمعجزات من أهم الأدلة، لإثبات صدق النبي والتأكيد على سماوية مصدر رسالته أمام الناس، فيقدم لهم ما يثبت أنه ينتمي إلى الله وأنبيائه الصادقين. ولهذا، يعمل الله مع الأنبياء الحقيقيين أعمالاً خارقة ليثبت للبشر، بأن هذا النبي أو ذاك تابعاً له، وحجته معجزاته التي تتقدمه. إذن تبرير ديدات خاطئ.

  1. التمسح بالمعجزة: ما اقتبسه ديدات من كلام المسيح القائل (لأنه سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضاً). هذه الآية تشهد ضده وليست معه، لأنها تثبت إصرار الأنبياء الكذبة على التمسح بالمعجزات، لأنها العلامة الأكيدة أمام الناس – من الله – على أنهم أنبياء صادقين وغير كاذبين.
  2. معجزات المسيح تصدق رسالته: لقد تجاهل ديدات كلام المسيح مرة تلو الأخرى، عن طبيعة أعماله المعجزية التي يقوم بها المسيح بقوة ذاتية، ويقدمها حجة وبرهان على طبيعته اللاهوتية.

فقد قال (وإلا فصدقوني لسبب الأعمال نفسها) (يوحنا 14: 11). وقال (أني قلت لكم ولستم تؤمنون، الأعمال التي أنا أعملها باسم أبي، هي تشهد لي) (يوحنا 10: 25). وقال (ولكن إن كنت أعمل، فإن لم تؤمنوا بي، فآمنوا بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب في وأنا فيه) (يوحنا 10: 38). وقال لتلميذه فيلبس (ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب في؟ الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي، لكن الآب الحال في هو يعمل الأعمال) (يوحنا 14: 10). ونلاحظ هنا: تشديد المسيح على ربط معجزاته بطبيعته اللاهوتية، ذلك لأنها بسلطان إلهي وليس مثل معجزات باقي الأنبياء، يصلون ويطلبون مراحم الله، ولهذا ربط المسيح معجزاته بطبيعته اللاهوتية فقال (الآب الحال في، هو يعمل الأعمال). ولهذا اعتبر المسيح أن معجزاته اللاهوتية، هي أعظم من شهادة يوحنا المعمدان له (يوحنا 5: 36)

كل هذه الآيات وغيرها تجاهلها ديدات، لأنها تميت خرافاته في رحمها، في هذا الآيات نجد المسيح – على عكس ما أراد ديدات قوله – يؤكد على أهمية المعجزات، بالنسبة للنبي الصادق، لأن من خلالها يتأكد الناس أنه نبي صادق ومن الله. وفي حالة المسيح الخاص، أكد أن معجزاته بسلطان ألوهي ذاتي، ففي المسيح، حل كل ملء اللاهوت (كولوسي 2: 9)

  1. سهولة اكتشاف النبي الكاذب: ربما يقول البعض إذن النبي الكاذب يستطيع أيضاً أن يخدع الناس بالمعجزات الكاذبة، التي تعتبر أمام الناس المخدوعين، مقياساً له على صدقه.

أقول لا. وتسألني كيف؟ أقول: إن النبي الصادق ليس مجرد معجزة، بل هو تعليم وصلاة وقدوة وسلوك وحياة بين الناس ورسالة تتفق مع الله الطاهر القدوس العادل، فبعد أن يتمم هذه الأشياء ويراها الناس فيه. ففيما هو يدعوهم للتوبة معلناً لهم طبيعة الله وقداسته، يجب أن يروا فيه ثمار التوبة أولاً، أما المسيح فهو متفرد في هذا الاتجاه، فهو القدوس الذي بلا خطية، ووقف وتحدى معاصريه أن يبكتوه على خطية واحدة (يوحنا 8: 46)، ولم يجدوا.

وأيضاً فيما هو يقدم رسالته، وحياته قدوة، يؤيده الرب بالمعجزات في وقت الضرورة التي يراها الرب، وفي هذه الحالة تكون المعجزات هنا، كوسيلة تقود الناس ليؤمنوا بالله، وليس كهدف في حد ذاتها. أما لو أن هذا النبي سلك بحريته وأشبع رغباته، ولم تكن له معجزة تشهد لنبوته وصدق إرساليته الإلهية، فسيفهم الناس عندها حقيقته. ولهذا فإذا قدم النبي الزائف معجزة زائفة، فإنه قد يفشل في تقديم غيرها، كما أنه سيفشل في تقديم حياة صالحة أمام الله والناس، كقدوة تثبت صدق رسالته، وسيفشل في دعم التوبة بسلوكه وسيفشل في تقديم صورة نبي الله أو رجل السماء.

ثانياً: يوحنا المعمدان

تحت عنوان (المعجزات – علام تبرهن المعجزات؟) ص 92 كتب ديدات (كان يوحنا المعمدان باعتراف عيسى عليه السلام، أعظم أنبياء بني إسرائيل، كان أعظم من موسى وداود وسليمان وأشعياء، كان أعظم منهم جميعاً، فيما يقرره الإنجيل إذ يقول: “الحق أقول لكم لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان” (متى 11: 11) ودونما استثناء لعيسى عليه السلام باعتبار أنه أيضاً ولدته أمه، كان “المعمدان” أعظم الجميع، ومع ذلك لم تجر على يديه أية معجزة).

عجرفة ديدات وافتراءاته قادته للهلاك. فهو يسرق النصوص دون خجل. وفي كل مرة يتم القبض عليه متلبساً؟! يا للعار فديدات يدعي أنه يكتب في مجال الدين الذي يخص الله، على كل الأحوال: أعدك عزيزي القارئ، وكما عودتك، بأنني سأبين سرقة ديدات للنصوص، ومحاولاته الفاشلة المتكررة.

  1. علامات معجزية ارتبطت بالمعمدان: يوحنا المعمدان أعظم الأنبياء من مواليد النساء، له الكثير من العلامات التي تشير إلى صدق إرساليته من الله. فمع أنه لم يقم موتى، ولم يشفي مرضى، ولم يفتح أعين العميان، لكن ارتبطت به علامات معجزية كبيرة. منها:
  2. نبوات قبل الحبل بالمعمدان: في القرن الخامس قبل الميلاد، وردت إحدى النبوات الهامة عن إرسالية يوحنا المعمدان، فقال الوحي المقدس عنه (هأنذا أرسل ملاكي فيهيئ الطريق أمامي) (ملاخي 3: 1). إذن فقبل ولادة يوحنا المعمدان بأكثر من أربعة قرون، يعطي الوحي المقدس علامة خاصة له ومواصفات شخصيته فهو ملاك، أما رسالته، فالمتكلم هو الله يهوه القدوس، فرسالة يوحنا إذن: هو مهيئ الطريق أمام يهوه المتجسد، السيد الرب يسوع المسيح.
  3. قبل الحبل به مباشرة: قبل أن تحبل به أمه أليصابات مباشرة، جاء ملاكاً خاصاً من الله وهو الملاك جبرائيل ليعلن بأنه سيتم الحبل بهذا النبي العظيم، الذي هو أعظم مواليد النساء. فورد بالوحي المقدس (فقال له الملاك: لا تخف يا زكريا، لأن طلبتك قد سُمعت، وامرأتك أليصابات ستلد لك ابناً وتسميه يوحنا) (لوقا 1: 13). فهذه المعجزة وهي ظهور ملاك قبل الحبل به، يؤكد سماوية إرسالية المعمدان، وهذه المعجزة تُحسب لصالحه كعلامة أكيدة على صدق إرساليته.
  4. عظمته في تكريسه للرب: أيضاً قبل الحبل به، يذكر الملاك جبرائيل أبرز صفات المعمدان: عظيم ومكرس. فيقول الوحي المقدس عنه (لأنه يكون عظيماً أمام الرب وخمراً ومسكراً لا يشرب…) (لوقا 1: 15). لا شك أنه من العظمة لدرجة جعلت الوحي يؤكد على هذه الصفة فيقول عنه (لأنه يكون عظيماً أمام الرب).
  5. وهو في بطن أمه: أي قبل أن يولد وهو في بطن أمه، يقول عنه الوحي المقدس، هذه المعجزة العظيمة التي تفرد بها المعمدان (ومن بطن أمه، يمتلئ من الروح القدس) (لوقا 1: 15). ما هذه العظمة، أن يمتلئ من روح الله، وهو في بطن أمه؟! فهذه أيضاً معجزة تضاف إلى المعمدان. وقد تحققت هذه المعجزة النبوية عندما سمعت أليصابات صوت سلام السيدة العذراء وهي تحمل رب الحياة المسيح في بطنها، فقد كان المعمدان أمام خالقه المسيح. (لوقا 1: 41 و44).
  6. نبوات عن رسالته: لقد وصف الوحي المقدس رسالته بدقة فقال (ويرد كثيرين من بني إسرائيل إلى الرب إلههم، ويتقدم أمامه – أي أمام المسيح الله يهوه المتجسد – بروح إيليا وقوته ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء، والعصاة إلى فكر الأبرار، لكي يهيئ للرب شعباً مستعداً) (لوقا 1: 16 و17).
  7. الصامت يتنبأ: بعد ولادة المعمدان بأيام قليلة، حدثت معجزة جديدة لفتت أنظار المجتمع اليهودي على مستقبل الطفل يوحنا المعمدان. فقد انفتح فم أبيه زكريا الصامت، فتكلم بل وتنبأ بعد صمت طويل، دام أكثر من تسعة أشهر تقريباً (لوقا 1: 64)، وتنبأ عن ابنه المعمدان، بأنه نبي العلي (لوقا 1: 76). وحينما تكلم زكريا الصامت كل هذا الزمن، ركز المجتمع اليهودي أنظاره على يوحنا المعمدان ومستقبله، فقال الوحي المقدس (فوقع خوف على كل جيرانهم، وتحدّث بهذه الأمور جميعها، في كل جبال اليهودية، فأودعها جميع السامعين في قلوبهم قائلين: أترى ماذا يكون هذا الصبي؟ وكانت يد الرب معه) (لوقا 1: 65 و66).
  8. في خدمة المعمدان وتبشيره: هو الذي عندما عمّد المسيح، حدثت معجزة، حيث انفتحت السماء، ونزل الروح القدس على هيئة حمامة، واستقر على المسيح (لوقا 3: 21 و22؛ مرقص 1: 10 و11؛ متى 3: 13-17). وذكرها يوحنا المعمدان نفسه (يوحنا 1: 33).

كل هذه المعجزات رافقت يوحنا المعمدان قبل الحبل به وأثناء ولادته، وفي إرساليته. كل هذه المعجزات هي علامة قوية باهرة، لا تترك المعمدان أعظم مواليد النساء، دون أن تدشنه بمسحة إلهية تؤكد صدق شهادته، وتنير البصائر والأبصار على سماوية رسالة المعمدان. وهكذا يخرج المعمدان وبقوة كما ترى من دائرة تزيف ديدات. ويتركه خائرً خائباً في مستنقعه الذي أحبه فخلد به.

ثالثاً: المسيح أعظم الجميع

لقد وعدتك عزيزي القارئ، بأنني سأعود لأكشف لك تلك الآيات التي سرقها ديدات. فقد كتب في النص السابق (كان يوحنا المعمدان باعتراف عيسى عليه السلام، أعظم أنبياء بني إسرائيل، كان أعظم من موسى وداود وسليمان وأشعياء، كان أعظم منهم جميعاً. فيما يقرره الإنجيل إذ يقول: “الحق أقول لكم لم يقم بين المولودين من النساء، أعظم من يوحنا المعمدان” (متى 11: 11) ودونما استثناء لعيسى عليه السلام باعتبار أنه أيضاً ولدته أمه، كان “المعمدان” أعظم الجميع، ومع ذلك لم تجر على يديه أية معجزة).

لاحظ عزيزي القارئ ما تحته خط، فديدات لا يحتمل تفرد المسيح، وها هو يسرق آيات الإنجيل ويضيف إلى عاره عاراً، فيفسر النصوص التي فبركها على مزاجه. هنا قبضنا عليه متلبساً بجريمته، فالوحي المقدس لا يجامل ولا يتجمل.

  1. ما سرقه ديدات: قصد ديدات مما وضعت لك خطاً تحته، أنه يريد أن يقول إن المعمدان أعظم من المسيح، لأن المسيح ولدته أمه أيضاً. وأنا أقول: إن الآية التي قدمها ديدات، هي آية مبتورة وغير كاملة، لأنه لو وضعها كاملة ستنسف كل سذاجته وستكشف هرجه وتجارته الفاسدة.

فالآية الكاملة التي قالها المسيح هي (الحق أقول لكم: لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان. ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه) (متى 11:11).

جريمة ديدات: سرقته لما تحته خط، سرقه لأنه ببساطة يحبط محاولته تفسير ما يريد. هذا هو عار ديدات. فالرجل لا يتأخر أن يمارس كل أنواع البلطجة مع آيات الكتاب المقدس التي تهدد تجارته. فهذا الجزء يسقط خرافات الرجل الحائر من رحمها.

فالآيات هنا تشهد بأنه بالرغم من عظمة المعمدان على كل مواليد النساء، فهي تشهد أيضاً، بل وتبدأ بكلمة (لكن) أي أن هناك استدراك لما سبق. فتقول (ولكن: الأصغر في ملكوت السموات هو أعظم من يوحنا المعمدان).

ولكلام المسيح بُعدين. الأول: أن أصغر مؤمن مسيحي، في مملكة المسيح الروحية، هو أعظم من أعظم مواليد النساء. فيوحنا المعمدان لم يتقدم أكثر من أن يكون أعظم مواليد النساء، بينما أصغر مؤمن مسيحي، هو ابناً لله (يوحنا 1: 12). والفرق كبير، فالمقارنة هنا ليست بين شخصية المعمدان، وإنما بين الامتيازات. فالمعمدان هو ابن الناموس، بينما المؤمن المسيحي له امتيازات النعمة. ولهذا هرب ديدات من هذه الآيات. فمجرد وجودها أرق مضجعه، فسرقها. أما البعد الثاني: فإن المؤمن المسيحي سيدخل السماء، وسيكون في حالة من المجد والكمال الفائقين، بحيث أن أصغر مؤمن فيهم، تكون امتيازاته وهو في السماء، أعظم من امتيازات يوحنا المعمدان وهو على الأرض. ولكن المعمدان أيضاً. عندما ينتقل إلى السماء، ستكون له مكانته العظيمة والخاصة في المجد.

لأجل هذا وغيره، قام ديدات بممارسة هوايته، فسرق هذا الجزء الذي ينسف كل خرافاته وسذاجته. لأنه لو أن هذا حال المؤمن بالمسيح، فكم يكون المسيح ربهم ورب المساء وديان كل الناس. لو أن هذه حال المؤمن بالمسيح، أنه صار ابناً لله، فكيف يكون المسيح كلمة الله النازل الواهب حياة للعالم (يوحنا 6: 33)، فهو النازل من السماء والصاعد إلى السماء، الذي هو في السماء (يوحنا 13: 3)؟!

فلا شك أنه أعظم من المعمدان وأعظم من الكل. ولهذا سرق ديدات الآية وقطعها، وقدم الجزء الذي توهم أنه سينال به من المسيح.  ولكن، ها هو الوحي المقدس، كلمات الله الصادقة، تكشف السرقة، وتحبط المحاولة[1].

  1. ما تجاهله ديدات: في محاولة أخرى، يائسة وبائسة، لجعل يوحنا المعمدان أعظم من المسيح، حاول أن يتجاهل آيات كثيرة ويطمسها، ولكن الحق الإلهي لا يمكن طمسه. وهنا أود أن أشير لتلك الآيات التي تكلم فيها يوحنا المعمدان عن السيد المسيح. لنبرز معرفة يوحنا وإدراكه للفرق الكبير الذي بينه وبين مخلصه المسيح، وهو – أي المعمدان – يبرز هنا هذا الفرق، كالفرق بين السماء والأرض، كالفرق بين الخالق والمخلوق والإله والعبد.

لنرى ما شهد به المعمدان عن المسيح، قال المعمدان:

  • هو ذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم.
  • أنتم أنفسكم تشهدون لي أني قلت لست أنا المسيح، بل أني مرسل أمامه.
  • من له العروس، فهو العريس، أما صديق العريس الذي يقف ويسمعه فيفرح فرحاً من أجل صوت العريس، إذاً فرحي هذا قد كمل، ينبغي أن ذلك – أي السيد المسيح – يزيد وأنا أنقص.
  • الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع.
  • الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية، والذي لا يؤمن بالابن، لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله.
  • أنا أعمد بماء ولكن في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه، هو الذي يأتي بعدي الذي صار قدامي، الذي لست بمستحق أن أحل سيور حذائه، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار.
  • هذا هو الذي قلت عنه يأتي بعدي الذي صار قدامي لأنه كان قبلي، وأنا لم أكن أعرفه، لكن ليظهر لإسرائيل، لذلك جئت لأعمد بالماء.
  • إني قد رأيت الروح نازلاً مثل حمامة من السماء فاستقر عليه، وأنا لم أكن أعرفه لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي: الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه، فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس، وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله.
  • أنا أعمدكم بماء للتوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني الذي لست أهلاً أن أحمل حذائه، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار، الذي رفشه في يده وسينقي بيدره، ويجمع قمحه إلى المخزن وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ.
  • حينئذ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه، ولكن يوحنا منعه قائلاً: أنا محتاج أن أعتمد منك وأنت تأتي إليَّ؟ فأجاب يسوع وقال له: اسمح الآن لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر، حينئذ سمح له.

هذه هي الآيات التي نطق بها المعمدان بنفسه، وهو يؤكد من خلالها بأنه خادم المسيح وعبده، وهي آيات واضحة ولا تحتاج إلى تفسير. وهذا قليل مما شهد به المعمدان عن سيده وإلهه المسيح، وكان دقيقاً في إبراز مفهوم أنه ابن الناس وابن الأرض، وإنما سيده المسيح، هو المسيح من السماء ابن الله الكلمة. هذه الآيات ولقوتها، تجاهلها ديدات، وكأنه لا يراها، فسحقته بقوتها وتركته كما أراد.

رابعاً: المسيحي والمنطق العاقل

كتب ديدات تحت عنوان (المعجزات – علام تبرهن المعجزات؟) ص 92-94 (ولكن المسيحي بمنطق الأطفال يصر على أن عيسى إله، لأنه أعاد الحياة إلى ميت. هل إعادة الموتى تجعل الناس آلهة؟ إن مثل هذا السؤال يربك المسيحي لأنه قد انغلق ذهنياً بحيث لا يستطيع أن يرى معجزات لأنبياء آخرين يفوقون بمعجزاتهم معجزات عيسى عليه السلام، حتى ولو كانت معجزات الأنبياء الآخرين مثبته في إنجيله. وعلى سبيل المثال، ووفقاً للمعيار المسيحي الزائف:

أ . كان موسى أعظم من عيسى لأن موسى وهب الحياة لعصا ميتة “إنها جماد” وحوّلها من مملكة النبات إلى مملكة الحيوان بإحالتها حية تسعى” خروج 7: 10″.

ب. كان “أليشع” أعظم من عيسى لأن عظامه البالية ردت الحياة لرجل ميت بمجرد أن لامست العظام جسده “2ملوك 13”. هل يحتاج الأمر منا الأمر أن أضع بين أيديكم “كتالوجاً” بالمعجرات؟ إن سخف بعض العقول لا يزال ملحاً)

الأمر لا يحتاج “لكتالوج” وإنما لضمير حي صادق في البحث، ولا يتخذ من الكذب والتدليس أساساً وهدفاً لما يكتب.

  1. العنوان السابق: لقد بدأ ديدات خرافته السابقة بعبارة (ولكن المسيحي بمنطق الأطفال). فأقول: ليت ديدات كان طفلاً في الشر. لوفر على نفسه شقاء الأبدية. ولقد أخذت من عبارته العنوان السابق (المسيحي والمنطق العاقل). وسأفند كالعادة بنعمة الرب القدير أكاذيب ديدات وتدليسه واحدة تلو الأخرى. فالرجل متهالك وقد جرَّ أذيال الخيبة في كل مرة، اتهم فيها أنه سينال من المسيح.
  2. الأسلوب المخادع: اسمح لي عزيزي القارئ أن أقدم لك المنهج المخادع الذي سلكه ديدات في الفقرة السابقة محرفاً ومزوراً حقائقها الجوهرية لخدعة القارئ. وهذا المنهج الديداتي التدليس السابق. ألخصه في:
  3. ديدات يختلق إيماناً للمسيحيين: كتب ديدات (ولكن المسيحي بمنطق الأطفال يصر على أن عيسى إله، لأنه أعاد الحياة إلى ميت). ثم لكي يوهم نفسه بأنه يقدم سؤالاً يصعب الإجابة عليه، يتساءل في استغراب فيقول (هل إعادة الموتى تجعل الناس آلهة؟ إن مثل هذا السؤال يربك المسيحي لأنه قد انغلق ذهنياً بحيث لا يستطيع أن يرى معجزات لأنبياء آخرين يفوقون بمعجزاتهم معجزات عيسى عليه السلام، حتى ولو كانت معجزات الأنبياء الآخرين مثبته في إنجيله).

ثم يبدأ في سرد معجزات بعض الأنبياء الذين أقاموا موتى. ليوحي للقارئ بأن المسيحيين سُذج وبمنطق الأطفال. لأنهم يجعلون هؤلاء الأنبياء بشراً مع أنهم أقاموا موتى مثلما فعل المسيح، بينما يجعلون المسيح إلهاً، وهو لم يفعل أكثر منهم، فقد أقام موتى مثلهم!

ما هذه العبقرية التي يتمتع بها ديدات؟ إنه عبقري في محاولات فاشلة ساذجة، لا تصل حتى لسذاجة الأطفال. فهل ما كتبه ديدات له أي علاقة بإيماننا المسيحي؟ كلا البتة، لا من قريب ولا من بعيد. إنه كاذب مخادع، يخدر نفسه بأوهام خرافية، ويعتقد أنه يستطيع أن يصدرها للآخرين، أو أنها تمر على المسيحيين، ولكن مصائر اللصوص معروفة، ووقتهم دائماً أقصر مما يتخيلون. ولعبة ديدات هنا مكشوفة لنا تماماً. وهي لعبة لا يقترب منها الشرفاء.

وأنا أسأل الآن: مَن هو المسيحي الذي يقول: (المسيح إله لأنه أقام موتى)؟ أين أجد هذا المسيحي؟ فالمسيحي يقرأ في كتابه أن: بطرس رسول المسيح أقام موتى (أعمال 9: 40). ولم يقل أي مسيحي أن بطرس إله! والمسيحي يقرأ أيضاً أن بولس رسول المسيح، أقام موتى (أعمال 20: 9-12). ولم يقل أي مسيحي أن بولس إله؟ فما الذي يجري مع ديدات؟ ولماذا يكذب؟ ولماذا لا يحترم القارئ؟ ولماذا يُقولنا كلاماً لم نقله، ويختلق لنا إيماناً لا نعرفه؟ إنها تجارة ديداتية رابحة. ولكن المسيح قال (لأنه ماذا ينتفع الإنسان، لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟) (متى 16: 26؛ مرقص 8: 36؛ لوقا 9: 25).

  1. الإجابة التي تربك ديدات وغيره: لقد تساءل ديدات في نشوة مفتعلة، فقال (هل إعادة الموتى تجعل الناس آلهة؟!) وقبل أن يسمع إجابتنا، التي يعرفها جيداً، علق في هروب مقصود من الإجابة، فقال (إن مثل هذا السؤال يربك المسيحي لأنه قد انغلق ذهنياً بحيث لا يستطيع أن يرى معجزات أنبياء آخرين يفوقون بمعجزاتهم معجزات عيسى عليه السلام، حتى ولو كانت معجزات الأنبياء الآخرين مثبته في إنجيله)

أي مسيحي هذا؟ وأي ارتباك. وديدات يرتعب من إجابتنا؟ لأنه يعرفها جيداً

الإجابة بكل بساطة: لا وعلى الإطلاق، فمعجزة إقامة الموتى، لا تجعل من فاعلها إلهاً.

يسأل: إذن، كيف تقولون إن المسيح إله، لأنه أقام الموتى؟

الإجابة بكل بساطة: هذه أكاذيب ديدات، ولم تمثل في يوم من الأيام إيماننا، ولا أحد يضع هذا المقياس للألوهة! فقد وضعه ديدات من نفسه، ليسأل الأسئلة التي يريدها، ويلصقها بنا.

فلن تجد أي كاتب مسيحي يقول: أن المسيح هو الله. لأنه أقام الموتى. ومن الواضح، لسنا نحن من ينغلق ذهنياً.

إذن، فالقارئ غير المسيحي، الآن يقول: أنا مرتبك وفي حيرة، ولا أفهم أبعاد الموضوع. وأريد أن أفهم. هذه الأدوار يلعبها ديدات دائماً. فهو يوهم القارئ أو المستمع، بمعلومات خاطئة ولا علاقة لها بالمسيحية، ثم يبني عليها أسئلته الساذجة.

  1. ليفهم القارئ: عزيزي القارئ، هل لو أنني قلت: هذا الكائن هو إنسان لأنه يتنفس، فهل هذه المعلومة سليمة؟

بالتأكيد لا، لن النبات يتنفس والحيوان يتنفس أيضاً. إذن، فقد وضعت أنا مقياساً خاطئاً لمعرفة الإنسان، وهو التنفس.

ولكن لو قلبت المعادلة، فقلت: طالما هذا الكائن هو إنسان، فلابد أن يتنفس. هنا تكون المعلومة سليمة في المطلق، لأنه لا يوجد إنسان لا يتنفس.

هذا ما يفعله ديدات: يقلب المعادلة، ليخدع القارئ. فقد وضع المعجزة كدليل على الألوهية، فلو أقمت أنت ميتاً، فهذا يعني أنك إلهاً، مع أن الكتاب المقدس يؤكد، أن الأتقياء منحهم الله هذه الموهبة، فأقاموا موتى ولم يدعي أحد أنهم آلهة.

إذن لسنا من يقول: أن المسيح إلهاً لأنه أقام موتى. وإنما نقول: لأنه الله، فمن الطبيعي أن يقيم الموتى.

وعلى الفور يظهر سؤالاً في ذهنك عزيزي القارئ: إذن، ما الفرق بين المسيح وباقي الأتقياء الذين أقاموا موتى، إن لم تكن هذه المعجزة، هي المقياس؟

من يقرأ الإنجيل المقدس ليفهم، سيعرف الفرق الكبير والواضح، والذي أكد عليه المسيح مرات كثيرة. إذن سأضع هنا حجة المسيح وبرهان طبيعته اللاهوتية، التي قدمها، ثم أشرح المعنى. فقد قال المسيح له كل المجد (وإلا فصدقوني لسبب الأعمال نفسها) أي المعجزات (يوحنا 14: 11). وقال (أني قلت لكن ولستم تؤمنون، الأعمال التي أنا أعملها باسم أبي، هي تشهد لي) (يوحنا 10: 25). وقال (ولكن إن كنُت أعمل، فإن لم تؤمنوا بي، فآمنوا بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب في وأنا فيه) (يوحنا 10: 38). وقال لتلميذه فيلبيس (ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب في؟ الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفس، لكن الآب الحال في هو يعمل الأعمال). (يوحنا 14: 10)

السؤال: لماذا لم يعترض ولا يهودي واحد ويقدم للمسيح عبقرية ديدات الساذجة، ويقول له: (عندنا موسى حول النبات إلى كائن حي. وعندنا عظام أليشع أقامت ميت. فما هي أعمالك بالمقارنة مع هؤلاء؟) وإن كنت سأفرد لهذه السذاجة الديداتية مساحة لاحقاً، إلا أنني أضعها هنا، لأنبه ذهن القارئ. إن معاصري المسيح، وهم يهود يعرفون كتابهم جيداً، أذهلتهم معجزات المسيح، والتي قدمها لهم كحجة وبرهان على ألوهيته، ليس لأنها مجرد معجزات، وإنما لأنها معجزات عُمِلت أمامهم بسلطان ألوهي، أي سلطان الكلمة (كن) فتكون الأشياء التي يريدها المسيح، فيقول للميت “قم” فيقوم الميت، وللبحر الهائج “إبكم” فيتوقف عن هياجه، ويصير هدوء عظيم… إلخ. هنا معجزات المسيح، تؤكد طبيعته اللاهوتية، ذلك لأنها أعماله بسلطان الإله، وليس مثل معجزات باقي الأنبياء، يصلون ويطلبون مراحم الله. ولهذا ربط المسيح معجزاته بطبيعته اللاهوتية فقال (الأعمال التي أنا أعملها باسم أبي، هي تشهد لي) تشهد له بماذا؟ هل تشهد بأنه مجرد نبي؟ وهل هذا سياق كلام المسيح؟ هل حينما يقول لليهود (ولكن إن كنت أعمل، فإن لم تؤمنوا بي، فآمنوا بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب في وأنا فيه). فهل الأنبياء يكون الله فيهم بذاته وجوهره؟ بالتأكيد لا، ألم يبكتهم# المسيح حينما قال (الآب الحال في هو يعمل الأعمال). فهنا المسيح، لا يلفت النظر إلا لطبيعته اللاهوتية، فهو واحد مع الآب في الجوهر الألوهي. ولهذا كما أسلفنا، فقد اعتبر المسيح أن معجزاته اللاهوتية، التي يعملها بسلطان الألوهي، هي أعظم من شهادة يوحنا المعمدان له (يوحنا 5: 36).

أما الأتقياء الذين يمنحهم الله، عمل معجزات، فليس لديهم هذا السلطان الإلهي، وإنما يتضرعون ويصلون ويطلبون من الله. الذي قد يمنح العطية الآن أو لا يمنحها في هذا الموقف، كما يرى بحكمته المطلقة. هذا هو الفرق الذي يعرفه ديدات جيداً، ويهرب منه ويدلس ليخدع بعض القراء.

خامساً: موسى وأليشع وغيرهم.

أعود لأكمل الرد على عبقرية ديدات وسذاجته الفجة. وأضع كلامه هنا مرة أخرى للتذكير، فقد كتب تحت عنوان (المعجزات – علام تبرهن المعجزات؟) ص92-94 (ولكن المسيحي بمنطق الأطفال يصر على أن عيسى إله، لأنه أعاد الحياة إلى ميت. هل إعادة الموتى تجعل الناس آلهة؟ إن مثل هذا السؤال يربك المسيحي لأنه قد انغلق ذهنياً بحيث لا يستطيع أن يرى معجزات لأنبياء آخرين يفوقون بمعجزاتهم معجزات عيسى عليه السلام، حتى ولو كانت معجزات الأنبياء الآخرين مثبته في إنجيله. وعلى سبيل المثال، ووفقاً للمعيار المسيحي الزائف:

أ . كان موسى أعظم من عيسى لأن موسى وهب الحياة لعصا ميتة “إنها جماد” وحوّلها من مملكة النبات إلى مملكة الحيوان بإحالتها حية تسعى” خروج 7: 10″.

ب. كان “أليشع” أعظم من عيسى لأن عظامه البالية ردت الحياة لرجل ميت بمجرد أن لامست العظام جسده “2ملوك 13”. هل يحتاج الأمر منا الأمر أن أضع بين أيديكم “كتالوجاً” بالمعجرات؟ إن سخف بعض العقول لا يزال ملحاً)

  1. موسى النبي: لم يتجاسر ديدات هنا ليقدم الآيات الكتابية للقارئ، فهو يعرف، أنه لو اعتمد تقديم الآيات، فلن يطول كذبه كثيراً. إنه يهرب من الآيات الحاسمة الناسفة لكذبته، ويترك كلام الله مع موسى من البداية، لأنه لا يخدمه، ويذهب إلى (خروج 1: 10)، فهل سينقذه هذا الشاهد، أم سيورطه أكثر؟ لنبدأ إذن بالآيات التي هرب منها ديدات، الآيات التي دمرته وأرعبته فتركها. وعلينا الآن أن نضعها هنا لنكتشف بسياقها حقيقة الموقف. وما يعانيه ديدات، فقد اكتفى فكتب (كان موسى أعظم من عيسى لأن موسى وهب الحياة لعصا ميتة “إنها جماد” وحوّلها من مملكة النبات إلى مملكة الحيوان بإحالتها حية تسعى “خروج 7: 10”)

أما الآيات الكتابية التي تحوي كل السياق، فهي (فأجاب موسى وقال: ولكن ها هم لا يصدقونني ولا يسمعون لقولي، بل يقولون لم يظهر لك الرب: فقال له الرب: ما هذه في يدك؟ فقال عصا. فقال: اطرحها على الأرض، فصارت حية، فهرب موسى منها. ثم قال الرب لموسى: مد يدك وأمسك بذنبها، فمد يده وأمسك به، فصارت عصا في يده) (خروج 4: 1-4)

والآن لنرى كذب ديدات: أين العصا التي وهب لها موسى الحياة؟ فهل قال موسى للعصا: كوني حيّة فكانت حيّة؟ بالطبع لا. إذن لماذا يكذب ديدات ويدلس على القارئ؟

إن المعجزة هنا ليست من عمل موسى النبي، وإنما بقوة خارجة عنه، فقد حول الله العصا لحية. وأكبر دليل على أن موسى ليس له علاقة بالأمر كله، بل حتى لا يعرف ما الذي كان سيحدث للعصا حينما ألقاها. إن العصا حينما صارت حيّة، هرب موسى منها! وماذا يعنى هذا؟! يعني هذا أن موسى لم يكن لديه أي فكرة عن كيف ستبدأ المعجزة أو تنتهي؟ ولا أن العصا ستصير حيّة، بعد أن صارت حيّة تفاجأ وهرب منها. فهل يهرب النبي من معجزته؟ لأنها ليست معجزته، فلا غرابة في عدم فهم موسى للمعجزة ولا كيف صارت العصا حيّة. خاصة أنه هو مّن كتب هذه التوراة وهو يشهد عن نفسه، بأنه لم يكن يعلم ما الذي سيحدث للعصا، والدليل: أنه هرب منها. وهذا يعني أن إرادة موسى النبي هنا، كانت غائبة عن أن تؤثر في العصا، فهو حتى لم يطلب من الله هذا الأمر، ولم يصلي حتى لتصير العصا حية. ببساطة لأنه لم يكن يعرف أي شيء. فإن لم يكن ديدات ساذجاً فيما يكتب، فكيف يقدم مقارنة مهلهلة من هذا النوع، بين موسى الذي لم يكن يعلم أي شيء عن المعجزة فيهرب منها، وبين المسيح له كل المجد، من يأمر بنفسه الأشياء، فيقول لها “كوني فتكون”؟ لا تستغرب عزيزي القارئ، ومن الجيد أن تهيئ نفسك لك شيء وأنت تقرأ لهذا الرجل. ولكن الأمر لم ينتهي بعد، فأريد أن أكشف لك ما تبقى.

(أ) خداع ديدات (خروج 7: 10): لاحظ عزيزي ما كتبه ديدات سابقاً (كان موسى أعظم من عيسى لأن موسى وهب الحياة لعصا ميتة “إنها جماد” وحوّلها من مملكة النبات إلى مملكة الحيوان بإحالتها حية تسعى” خروج 7: 10″).

هل لاحظت الشاهد الكتابي الذي يضعه هنا؟ إنه يكتب هذا الشاهد (خروج 7: 10). إذن لنعود لهذا الشاهد في الكتاب المقدس ونضعه هنا (فدخل موسى وهرون إلى فرعون، وفعلا هكذا كما أمر الرب، طرح هرون عصاه أمام فرعون وأمام عبيده، فصارت ثعباناً) (خروج 7: 10).

هل عرفت الآن لماذا لم يضع ديدات هذه الآية؟ فكما هرب من الآيات السابقة، لأنها تكشف أن فاعل المعجزة هو الله لا موسى، هرب أيضاً من هذه الآية، ولم يكتبها لأمرين. الأول: لأن الآمر فيها أيضاً هو الله لا موسى. والثاني: لأن الذي ألقى العصا هنا هو هارون لا موسى. إنه ديدات فلا تنزعج، عليك فقط وفي كل مرة، أن تقبض عليه متلبساً، وهذا مما يغمرني ببهجة فأفتخر بكلمة الله الحية، التي ترعب المدلسين، وتجعلهم كالفئران المذعورة الهاربة، من قط جبلي مرعب. ولم ينتهي الموقف خزلاناً للرجل بعد. فخداعه وعدم كتابته للآية السابقة والآيات التي قبلها، يتماشى تماماً مع:

(ب) ما سرقه ديدات: ما يحذفه ديدات، يمثل غالباً الضربة القاضية لخرافته. فقد قدم لنا (خروج 7: 10)، فماذا عن الآيات التي قبلها؟ فلنكتبها هنا أيضاً (وكلم الرب موسى وهرون قائلاً: إذا كلمكما فرعون قائلاً: هاتيا عجيبة، تقول لهرون: خذ عصاك واطرحها أمام فرعون فتصير ثعباناً) (خروج 7: 8 و9)

هذه الآية توضح أن الأمر بجملته في يد الله، وليس لموسى أو هارون أي قدرة ولا أي إرادة، لإتمام أي شيء، كل ما عليهما أن ينفذا أمر الرب، فهو الفاعل لهذه المعجزة. ولهذا لم يتجاسر ديدات على كتابة أي آية في هذا الموضوع، لأنه يعرف تماماً أنها ستنهي خرافته الميتة أصلاً.

  1. أليشع النبي: لن يختلف الموضوع كثيراً، فالفكرة واحدة في المعجزتين، ففي خرافة جديدة أراد تصديرها، كتب (كان “أليشع” أعظم من عيسى لأن عظامه البالية رديت الحياة لرجل ميت بمجرد أن لامست العظام جسده “2ملوك 13”)

لن أطيل كثيراً في هذه المعجزة، خاصة أن ديدات يعترف بأن أليشع النبي لم يكن حيًا وإنما ميتًا، وأن عظامه عندما وقعت عليها جثة الرجل الميت، كانت سببًا في قيامته من الموت

وماذا يعني أن اليشع كان ميتًا وليس حيًا؟! يعني أنه كان بلا إرادة وبلا روح وبلا عقل! وماذا يعني هذا؟ يعني أن قوة المعجزة لم تكن نابعة من جسد اليشع الميت في ذاته. وإنما من قوة خارجية منحت الحياة للميت فقام.. فواضح وبصورة جلية، أن الله هو الفاعل والمؤثر من خلال استخدامه لجسد أليشع النبي غير الحاضر هنا في هذا الموقف تمامًا .. والأمر لا يحتاج لكثير من التعليق فالفكرة في الموضوعين واحدة ساذجة في ذات الوقت.. ولا تعطي مجالًا أصلًا للمقارنة بينها، وبين معجزات المسيح التي هو المريد والفاعل والمؤثر فيها، لسلطانه الألوهي وحده، وبقوته الذاتية، التي هي قوة لاهوته الخالق المبدع الرائع الكامل.

[1] راجع الشواهد التالية، وهي التي قالها يوحنا المعمدان وشهد فيها عن عظمة المسيح وامتيازاه عن الجميع (متى 3: 11-15 ويوحنا 1: 26، 27؛ 1: 29-35 ؛ 3: 28-36)

معجزات المسيح بقوة ذاتية أم بقوة مكتسبة؟ ردا على أحمد ديدات (الأخ وحيد)

معجزات المسيح بقوة ذاتية أم بقوة مكتسبة؟ ردا على أحمد ديدات (الأخ وحيد)

معجزات المسيح بقوة ذاتية أم بقوة مكتسبة؟ ردا على أحمد ديدات (الأخ وحيد)

معجزات المسيح بقوة ذاتية أم بقوة مكتسبة؟ ردا على أحمد ديدات (الأخ وحيد)

نتوقف الآن في محطة ليست جديدة، ولكنها إكمال لما سبق، وإنما بعمق أكثر.. لقد كان ديدات مدركًا تماما للنقطة الفاصلة، وهي أسلوب المعجزة وليست مجرد المعجزة، فأسرع مهرولًا لتغطيتها… لاحظ معي عزيزي القارئ; فديدات بدأ بتصنيفنا أطفالًا، فلمجرد أن المسيح أقام بعض الموتى، اعتبرناه إلهًا.. ولعلمه بأنه يكذب، تحول لوحده الآن ليتكلم عن أسلوب المعجزة وليست المعجزة.. فأسرع في هذا الفصل الذي أناقشه الآن، ليقول عن قدرة المسيح: لا إنها قوة مكتسبة وليست قوته الذاتية.. فلماذا إذن، وهو يعرف أننا لا نؤمن بألوهية المسيح لمجرد أنه أقام موتى، يكذب علينا؟ ويتحول الآن ليناقش إيماننا الصحيح بأسلوب المعجزة وليست مجرد المعجزة؟ هل هو يهذي بما لا يعرف؟ لا إنه يكذب وفي كل مرة يفضح نفسه ويكشف كذبه علانية..
ثم، لماذا وهو يعرف أن هذا ليس إيماننا، يقدم عصا موسى، وعظام أليشع؟ إنها إذن أمثلة لا قيمة لها، بعد اعتراف ديدات الفاضح هنا، أن أسلوب المعجزة، هو النقطة الفاصلة وليست مجرد المعجزة..
والرائع فيما هو يحاول الآن مجدد أن ينال من المسيح، إذ به يعترف بألوهية المسيح رغم أنفه.

أولاً: أسلوب المعجزة

إذن فالتركيز ليس على مجرد المعجزة وإنما على أسلوب المعجزة. ولأن ديدات يعرف أن إيماننا في أسلوب معجزات المسيح . وأنه أسلوب مختلق تماماً، وبقوته الذاتية. كتب إيماننا هذا وفضحه نفسه في ص 93 فقال (إن الله يعمل المعجزات من خلال أنبيائه، أما المسيح فإنه ينجز المعجزات بقدرته الذاتية. من أين أخذ المسيح كل قوته هذه؟ نسأل المسيح، وهو سيجيبنا)[1]

إذن فديدات يعرف تميز معجزات المسيح ، وبالتالي هذا اعتراف صريح بكل تدليسه السابق. والآن فقد ادعى ديدات، أنه سيسأل المسيح عن قوته التي يصنع بها المعجزات، ويسمع إجابته: هل هي قوة ذاتية أم مكتسبة. ونحن نرحب بهذا الاتجاه الجدي\ في بحث هذه النقطة. لأنه الاتجاه الصحيح. فلنتقدم ونرى، ولكن لا تثق كثيراً عزيزي القارئ في ديدات.

  1. قدرة المسيح الذاتية: اختار ديدات بعض كلام المسيح واقتطعه من سياقه، واعتبره الإجابة على سؤاله. فتحت عنوان (ألم تكن القدرة – على إتيان المعجزات – قدرته؟) في ص 94 كتب (جاء بإنجيل متى: “دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض. متى 28: 18” وجاء به أيضاً “ولكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله. متى 12: 28” وجاء بإنجيل يوحنا “أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً. يوحنا 5: 30″ وجاء بإنجيل لوقا: ” إن كنت بإصبع الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله. لوقا 11: 20″. القوة إذن مستعارة مستمدة من الله: إن القوة على إتيان المعجزة على وجه الخصوص هنا “ليست قدرته”. “إنها ممنوحة لي” على حد قوله. ممنوحة ممن؟ من الله طبعاً! وهو – عليه السلام – يعزوا كل فعل وكل كلمة إلى الله سبحانه وتعالى).

لقد نبهت على عدم الثقة بديدات، لأنه ببساطة يريد أن يشوه المسيح، لا أن يفهم كلامه. والدليل اقتطاع كلام المسيح وسرقته ما لا يوافق هدف ديدات. وللأسف أخذ الفرصة ليدرك الحياة، ولكنه رفضها.

ففي كل ما قدمه ديدات، لا توجد ولا آية واحدة، تشير إلى أن قوة المسيح ليست ذاتية، بل على العكس، فقد قدم ديدات الآيات التي تؤكد ألوهية المسيح، وقدرته الذاتية. وعلى كل الأحوال سنناقش كل جزئية على حدة ونقبض عليه متلبساً، فلنتقدم ونرى.

  1. السلطان المطلق في السماء وعلى الأرض: كتب ديدات سابقاً (جاء بإنجيل متى: “دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض. متى 28: 18”)

وبناء على كلمة “دُفع” بنى ديدات سذاجته. بأن قدرة المسيح إذن هي خارجية. وبالتالي هو مثل كل الأنبياء. ولكن: لنرى الكثير الذي فات ديدات.

(أ) كل السلطان في السماء والأرض للمسيح: هل هذه الآية تشير إلى ألوهية المسيح، أم أنه مجرد نبي؟ فللمسيح (كل سلطان في السماء وعلى الأرض). إن مجرد نظرة سريعة لما تحته خط، تدرك ما كان يعانيه ديدات. فهل يتجرأ أي نبي ويدعي أنه يمتلك كل سلطان في السماء وعلى الأرض؟ لقد اعتقد ديدات أنه يستطيع أن يناور بكلمة “دُفع” ولم ينتبه أنه ورّط نفسه في اعلان المسيح هنا، بأن له (كل سلطان في السماء وعلى الأرض).

إذن بداية، لا يمكن أبداً، لأي إنسان مجرد بشر، أن يكون له حتى مجرد كل السلطان على الأرض، ناهيك عن كل السلطان في السماء وعلى الأرض. كما أكد المسيح نفسه هذا الحق وهذه القدرة. إذن فديدات يقود الآيات التي ضده دون أن يدري.

أما ما لا يعرفه ديدات، هو الشرح اللاهوتي الذي أسوقه في نقطتين كالتالي:

(ب) طبيعة التجسد الإلهي: من يريد أن يناقشنا. عليه أولاً أن يفهم عقيدتنا جيداً، فعليه أن يفهم ما معنى التجسد وكيف صار؟ فالوحي الإلهي يوضح كي شيء، فهو الذي قال (والكلمة صار جسداً وحل بيننا) (يوحنا 1: 14). وقال أيضاً (فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضاً، الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد، صائراً في شبه الناس، وإذ وجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب) (فيلبي 2: 5-8). إذن فهنا، يؤكد الوحي أن كلمة الله الأزلي، أخلى ذاته، لأنه صار في الطبيعة البشرية واتحد بها، وصار ممثلاً لنا نحن عبيد الله، والعبد يأخذ، ولا يُعطي. وهكذا فالمسيح بالطبيعة البشرية وكممثل لنا، أخذ وهو في طبيعتنا (كل سلطان في السماء وعلى الأرض). وكما يقول الوحي هنا: (لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله)، فهو الأزلي عقل الله الناطق ونطقه العاقل، المعادل لذات الله لأنه كلمته وعقله، فهذا مقامه الطبيعي في الجوهر الألوهي، وهو لا يختلس شيئاً ليس له، لكنه بإرادته جاء إلى دائرتنا كبشر، وأخذ طبيعتنا البشرية، وحيث أننا عبيد، وقد أخذ طبعتنا، فقد قال عنه الوحي هنا، أنه (أخلى نفسه آخذ صورة عبد).

ولأنه في طبيعتنا البشرية، ويمثلنا وينوبنا في كل شيء، وهو في هذه الطبيعة البشرية، قال (دُفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض). فمع أنه الأزلي صاحب كل سلطان، إلا أنه في تجسده كان في حالة الإخلاء، أي في طبيعتنا البشرية، يستخدم كلمات طبيعتنا أيضاً. ولكن في ذات الوقت، هو يشير إلى طبيعته اللاهوتية ويؤكد عليها. فبطبيعته البشرية يقول “دُفع إليَّ”، وبطبيعته اللاهوتية يقول (كل سلطان في السماء وعلى الأرض). وهذا يؤكد إيماننا بطبيعة المسيح: إنه الله المتجسد. الله الظاهر في طبيعتنا البشرية.

أين ديدات من هذا الإيمان؟ أعتقد جازماً – في هذا الشرح اللاهوتي خاصة – أن ديات لا يعرف عنه شيئاً، حتى يمارس هواية التحريف فيه. أما النقطة اللاهوتية الثانية فهي:

(ج) طبيعة الأخذ والعطاء في الذات الألوهي: أسأل، لو بمنطق ديدات، إن المسيح – مجرد نبي كما يدعي – فهل أصبح الله بلا سلطان في السماء وعلى الأرض، لأنه دفع كل هذا السلطان للمسيح؟ هذا السؤال اللاهوتي، لا أعتقد أن له أي معرفة سابقة في قاموس ديدات.

فإن الله حينما يعطي، لايفقد شيئاً، حاشاه تبارك اسمه، وكذلك حينما نقدم نحن له، فهو لا يزيد شيئاً أيضاً. إنه الله، وإنما يعبر بهذه الكلمات لنفهم نحن طبيعة التعامل معه. والمسيح له كل المجد حينما يقول: (دُفع إليَّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض). لا يقصد أنه كان ناقصاً في سلطانه اللاهوتي، ثم أخذ هذا السلطان من الآب. فكما أن الآب لا يفقد عندما يُعطي فإن الابن لا يزيد حينما يأخذ، وإنما كما سبق وأشرنا، فهو يؤكد أنه، وبالرغم من تجسده في طبيعتنا البشرية، إلا أنه يملك كل السلطان في السماء وعلى الأرض، وأن تجسده لم يبطل هذا الحق الأزلي له.

أختم هذه الجزئية فأقولك إنه وبمنطق ديدات، فقد أصبح السلطان الأول والأخير في السماء وعلى الأرض هو المسيح وليس الله! هذا بمنطق ديدات.

بينما المنطق العاقل يقول: إن لم يكن المسيح هو الله ذاته. فليس من حقه هذا السلطان الإلهي المطلق، في السماء وكذلك على الأرض!

ثانياً: الآيات المسروقة

هل لاحظت عزيزي القارئ، أنني في كل مرة أرد فيها على ديدات، فإن القاسم المشترك الذي تجده، هو “الآيات المسروقة”. كان يجب أن أضع علامة تعجب، ولكنها لا تعمل مع هذا الرجل.

بما أنك يا سيد ديدات تعتمد أسلوب سرقة الآيات الإنجيلية، اعتمد أنا أسلوب إبراز وإظهار هذه الآيات التي تسرقها. أمانة البحث أولاً، واحتراماً للقارئ الكريم ثانياً، وثالثاً إنصافاً للتاريخ الذي لن يتهاون معنا. وهذه هي الآيات المسروقة: (وأما الأحد عشر تلميذاً فانطلقوا إلى الجليل إلى الجبل حيث أمرهم يسوع. ولما رأوه سجدوا له. ولكن بعضهم شكوا. فتقدم يسوع وكلمهم قائلاً: دُفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم: باسم الآب والابن والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، وها أنا معكم كل الأيام على انقضاء الدهر) (متى 28: 16-20).

  1. قطع سياق الأحدث: هذا هو سياق الآيات، فقد أخذ ديدات الآية من الوسط، مع أنها في سياق لاهوتي رائع جداً، يؤكد ألوهية المسيح، ومما لم يعجب ديدات في هذا السياق فقطعه، هو:
  2. سجود العبادة: لقد سجد التلاميذ للمسيح، سجود العبادة، خاصة أن هذا اللقاء كان بعد قيامته من الموت، والمسيح قبل منهم هذه العبادة وهذا السجود، ولا يرفضه.
  3. شك التلاميذ وإعلان ألوهيته: الوحي المقدس، لم يجامل تلاميذ المسيح، بالرغم من أنهم مَن كتبوا هذه عن أنفسهم، فقد كشفوا نقاط ضعفهم. فقد قال الوحي (وأما الأحد عشر تلميذاً فانطلقوا إلى الجليل، إلى الجبل حيث أمرهم يسوع، ولما رأوه سجدوا له، ولكن بعضهم شكوا، فتقدم يسوع وكلمهم قائلاً: دُفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض) ولأن حدث القيامة الذاتي أمراً جديداً على البشرية، لم يستوعبه بعض التلاميذ جيداً، إلا بعد حلول الروح القدس عليهم، ولكن يجب أن نعرف أن (اليقين القوي، يبدأ بالشك). وهنا يأتي إعلان المسيح لهم، بسلطانه الكامل في السماء وعلى الأرض. ليعلن حقيقة قيامته من الموت بلاهوته المتحد به، فهو صاحب السلطان المطلق في السماء وعلى الأرض. لقد جاءت هذه الكلمات قوية، ويكشف سياقها ومناسبتها قوتها بكل جلاء. ولكن ديدات لا يحترم أي سياق، بل يقطع ويقص ويمارس هواياته الصبيانية، في أمور لا تحتمل الهرج، فهي حياة بشر مات المسيح لأجلهم.
  4. الإرسالية العظمى العالمية: لم يقف المسيح عند هذا الحد، وإنما قال لهم (فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس). وهذ ضمن الآيات التي سرقها ديدات، وذلك لثلاثة أمور. الأول أن الله هو مرسل الرسل، وهنا نجد المسيح يرسل الرسل، وهذا يعني أنه الله المتجسد. الثاني: يضايق دايدت أيضاً، بأن رسالة المسيح هي للعالم أجمع، فها هو يرسل تلاميذه لك أمم الأرض. فأتباع المسيح من كل شعوب العالم، من كل أمة وشعب وقبيلة ولسان، والثالث: أن هذه الآيات تحمل في طياتها عقيدة الوحدانية الجامعة (باسم الآب والابن والروح القدس)، ولن ## الثالوث هنا، ولكن أشير إلى أن المسيح وبعناية يضع ذاته في جوهر الطبيعة الإلهية فهو الابن الكلمة عقل الله، والبسملة الإلهية هو في قلبها، (باسم الآب والابن والروح القدس)، فباسم الابن تعادل وتساوي باسم الآب، وباسم الروح القدس، فهو الله الواحد. فلأنها تثبت طبيعة المسيح وألوهيته، لم ترق لديدات فحذفها.
  5. نبع الشريعة وربها: كذلك لا بد لديدات أن يحذف السياق، لأن منه التأكيد أن المسيح له كل المجد هو نبع الشريعة وربها، حيث قال لتلاميذه (وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر، آمين) والحذف هنا لأكثر من سبب. الأول: أن المسيح يؤكد هنا أنه المشرع الأعظم للوصية، (ما أوصيتكم به) فهو رب الشريعة والوصية وسيدها ونبعها. اما السبب الثاني: فالمسيح يعلن عن طبيعته أنه: المسيح الكوني، فها هو يعلن عن ألوهيته بكل جلاء فيقول لهم (وها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر). وأنا أعرف أن هذه الآية كارثية على مشروع ديدات الذي يبنيه هنا، في لن ترحم حجر على حجر، بل ستهدم الجميع، لأن المسيح هنا، ينسب لنفسه الصفة الكونية المطلقة، صفة الإله الذي فوق الزمن وفوق المكان. فلا عامل الزمن يعيقه، ولا عامل المكان يحده. فهو الكائن بذاته في كل مكان وفي ذات الوقت. وهذه الصفة لاهوتية لله فقط، فكيف سيكون المسيح مع تلاميذه كما قال لهم: كل الأيام، وقد أرسلهم في بقاع الأرض المختلفة لجميع الأمم؟ وهنا هو يفهمهم بأن الكاسر لعامل المكان، فيؤكد أنه خارج قوانين المكان وهي لا تحده. ثم كيف سيكون معهم كما قال لهم: إلى انقضاء الدهر، وهو سيصعد للسماء؟ وهنا هو يؤكد لهم، أنه الكاسر أيضاً لعامل الزمن، فيؤكد أنه خارج قوانين الزمان أيضاً. واضح إذن، إنه لا يمكن للإنسان أن يكون مع كل الناس في وقت واحد، بالرغم من تفرقهم وذهاب هذا يميناً وذلك يساراً، ومع ذلك سيظل معهم جميعاً في نفس اللحظة رغم تعدد الأماكن والأزمنة، إن لم يكن هو الله المتكلم؟
  6. المسيح السرمدي: أيضاً لا أنسى هنا، فقد نسب المسيح لذاته كل الدهور، أي كل وقت وزمان، وليس أحد فوق الزمان غير الله السرمدي، وهنا يؤكد المسيح سرمديته وألوهيته. فسيكون مع تلاميذه -وليس فقط تلاميذ عصره – بل مع تلاميذه في كل وقت وكل زمان، سيكون معهم كل الأيام وحتى نهاية الدهور. فهل يتجاسر بشر على الأرض، أو ملاك في السماء ويتهور وينتحل لنفسه هذه الصفات الإلهية؟ بالتأكيد المسيح هو الله المتجسد.

فهل انتظر من ديدات ألا يحذف مثل هذه الآيات، وهو يخطط لهذا المشروع الإجرامي الساذج؟ لقد قرأت عزيزي كل شيء، ولك أن تقييم الأمور ولكن لا تستهن بحياتك الأبدية.

ثالثاً: أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً

للمرة الثانية، على حد قول ديدات، يأخذ الفرصة ويسأل المسيح، ولكن ديدات هذه المرة أيضاً، لم يكن أميناً في اغتنام الفرصة، وسماع صوت الحياة في المسيح.

وللأسف سرق الآيات التي تضايقه، ليقدم ما يروق له وبالطريقة التي يرغبها، ضارباً عرض الحائط بكل القيم الروحية والإنسانية. ولكن في هذه أيضاً ضبطناه متلبساً، ونصف الآية مطمور في جيب خداعه. فقد اكتفى ديدات أن يقدم جزء من الآية هكذا (وجاء بإنجيل يوحنا “أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئا) (يوحنا 5: 30). وأنا أقول يا للعار، لأن الآية هكذا (أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً، كما أسمع أدين ودينونتي عادلة، لأني لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني) (يوحنا 5: 30).

  1. أهمية الرجوع للآيات: العجيب أن ديدات يختار آيات في غاية القوة، في شهادتها لألوهية المسيح، ولأنه يعتمد على أسلوب الحذف والقص، يعتقد أن القارئ قد لا يرجع للأصل في الإنجيل المقدس. وهذه الآية هي من الآيات القوية التي تثبت لاهوت المسيح. ولا أتعجب لحذف ديدات لنصفها الذي يضايقه، وأنصح كل قارئ لأي موضوع ديني، أن يرجع إلى سياق الآية التي يتم الكلام فيها. وهي (لا تتعجبوا من هذا فإنه تأتي ساعة، فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة. أنا لا أقد أن أفعل من نفسي شيئاً، كما أسمع أدين، ودينونتي عادلة، لأني لا أطلب مشيئتي، بل مشيئة الآب الذي أرسلني) (يوحنا 5: 28-30). هذه الآيات تنقلنا مباشرة إلى:
  2. المسيح الديان: في هذه الآية يقول المسيح (أنا لا أقد أن أفعل من نفسي شيئاً، كما أسمع أدين، ودينونتي عادلة، لأني لا أطلب مشيئتي، بل مشيئة الآب الذي أرسلني) هل هذه الآية تؤكد ألوهية المسيح، أم تنفيها؟ فهل النبي يدين الناس؟ وهل النبي يأمر الأموات يوم القيامة، فيقومون من الموت؟

الأمر هنا يختص بإعلان المسيح عن الإرادة الواحدة في الطبيعة الإلهية، فالدينونة في اليوم الأخير. هي بأمر غير منظور من الآب، وبفعل منظور من الابن كلمته الأزلي. فالمسيح هنا يشير إلى أن وحدة الإرادة والمشيئة، فإرادته ليست مختلفة عن إرادة الآب، فالآب لم نسمع أمره بالدينونة، بينما سيرى العالم كله، تنفيذ المسيح لهذه الدينونة، فالله الواحد، قررها بذاته – الآب – وسينفذها بكلمته – الابن – وهذا ما قصده المسيح هنا، وليس كما يفبرك ديدات دائماً، ومراجعنا تشهد بذلك. خاصة أن المسيح ينسب الدينونة لنفسه فيقول (دينونتي)، ولم يقل دينونة الله، ثم يصفها (عادلة). (دينونتي عادلة)، وذلك لأنه هو الله العادل.

رابعاً: بروح وأصبع الله

يواصل ديدات محاولاً عن طريق حذف الآيات وتشويه تفسيرها، الوصول إلى أن قوة المسح، هي قوة مكتسبة وليست ذاتية، محاولاً الوصول إلى مجرد إنسان وليس ابن الله. فكتب (ولكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين، فقد أقبل عليكم ملكوت الله) (لوقا 11: 20).

وردت هذه الآية في سياق معين، أضعه هنا لنفهم معنى كلام المسيح. حيث يقول الوحي المقدس (أما الفريسيون فلما سمعوا قالوا: هذا لا يخرج الشياطين إلا بعلزبول رئيس الشياطين. فعلم يسوع أفكارهم، وقال لهم كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب وكل مدينة أو بيت منقسم على ذاته لا يثبت فإن كان الشيطان يخرج الشيطان انقسم على ذاته، فكيف تثبت مملكته؟ وإن كنت أنا ببعلزبول أخرج الشياطين فأبناؤكم بمن يخرجون؟ لذلك هم يكونون قضاتكم، ولكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين، فقد أقبل عليكم ملكوت الله) (متى 12: 24-28). وأيضاً (ولكن إن كنت بأصبع الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله).

سأضع بعض الآيات التي تنير الطريق لمن يبحث عن الحق بحق. قال المسيح (خرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها فتتبعني، وأنا أعطيها حياة أبدية، ولن تهلك إلى الأبد، ولا يخطفها أحد من يدي، أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل، ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي. أنا والآب واحد. فتناول اليهود أيضاً حجارة ليرجموه) (يوحنا 10: 27-31). فقط راجع ما تحته خط.

مرة يقول المسيح: أن الخراف في يده. ومرة يقول أنها: في يد أبيه. فيده هي يد أبيه. فالمسيح يتكلم لاهوتياً وليس جسدياً. وهكذا حينما يقول أصبع الله وروح الله. ولا ننسى هنا الفهم اليهودي في أشعياء، حيث يقول يهوه الله لليهود في رمز صهيون (هو ذا على كفي نقشتك) (أشعياء 49: 16)، فكيف يقول المسيح. أن خرافه في كفه؟! أن لم يكن هو يهوه الله المتجسد؟ ثم يختم ويقول “أنا والآب واحد“. مما أصاب اليهود بالجنون، فأرادوا رجمه. فالمسيح يستخدم أصبع الله وروح الله، لأنه من ذات طبيعة وجوهر الله. فلا يستخدم أصبع الله غير الله. فإن كان المسيح يستخدمه استخداماً ذاتياً. فهو إذن الله المتجسد. كذلك روح الله هو الروح القدس روح المسيح. والمسيح يتعامل مع روحه القدوس، ليس كما يتعامل معنا نحن الروح القدس، فتعامله معنا من باب العمل فينا، أما في المسيح فالتعامل على المستوى اللاهوتي، لأن الروح القدس هو روح المسيح ذاته، أتكلم لاهوتياً. فديدات يفس آيات ليس فقط على هواه، وإنما لا يفهم طبعتها اللاهوتية أيضاً.

[1] عزيزي القارئ: هذا الجزء من كلام ديدات عن إيماننا، طمسه المترجم إلى العربية ولم يترجمه، وذلك ببساطة لأنه اكتشف أن ديدات يكذب وينافق ويفضح نفسه، فأراد أن يغطي على أستاذه، ولكننا هنا نكشف تورطهما معاً في الاتجار بالدين. وياله من سيناريو غريب وبعيد عن البحث والأمانة، ذلك الذي يستخدمه ديدات والمترجم علي الجوهري. والسؤال: لماذا؟

يوسيفوس ، لماذا لم يذكر حادثة قتل اطفال بيت لحم؟

يوسيفوس ، لماذا لم يذكر حادثة قتل اطفال بيت لحم ؟

لماذا لم يذكر يوسيفوس حادثة قتل اطفال بيت لحم

يذكر لنا انجيل متي 2 : 16 حينئذ لما رأى هيرودس أن المجوس سخروا به غضب جدا. فأرسل وقتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم وفي كل تخومها، من ابن سنتين فما دون، بحسب الزمان الذي تحققه من المجوس. وعلي العلم ان المؤرخ الحقيقي يعتبر الاناجيل كمصادر مستقلة لتأريخ السيره الذاتية ليسوع كمثل تأريخ بوليتارخ السيره الذاتية للاسكندر .بل هي افضل بمراحل من تأريخ بوليتارخ في الناحية الزمنية .لكن البعض يعتقد ان الامر يتوقف فقط علي المصادر الخارجية .ويتسائل البعض لماذا لم يذكر يوسيفوس هذه الحادثة .وكأن عدم ذكر الشئ ينفي من حدوثه ومن المعلوم لدي المؤرخين ان عدم ذكر الشئ لا ينتفي من حدوثة او تحقيقة تاريخياً .فقد شكك البعض في وجود شخصية مثل ليسانيوس  في انجيل لوقا ووصف لوقا بان ليسانيوس رئيس ربع ابيلية حتي تم اكتشاف نقش ابيلية .فمقياس عدم وجود الشئ لا ينتفي من تحقيقة .فسنتناول الموضوع حيادياً .

اولاً جنون العظمة لدي هيرودس  Herod’s Paranoia لا يجعلنا نستعجب هذه الحادثة

في عام 1988 تم القاء محاضره من قبل الدكتور Isaiah Gafni في مركز القدس لدراسات الكتاب المقدس .وهو المتخصص في دراسات عهد الهيكل الثاني في الجامعة العبرية .وكان موضوع الحوار عن حياة هيرودس الكبير .وكان حاضراً هذا الحوار الدكتور Bruce Narramore وهو طبيب نفسي مسيحي من جامعة بيولا .

وقد روي الدكتور اشعياء في المحاضرة انه تم عقد ندوه في الجامعة العبرية منذ سنوات .وكان يحضرها مؤرخين وعلماء اثار الدارسين للهيكل الثاني .وكذلك اطباء وعلماء نفسيين.وقد وضعوا “مجازياً ” هيرودس الكبير علي الاريكة التي توجد عند الاطباء النفسيين .لوضع تحليل نفسي له .وقد لاحظ المؤرخين ان ما كان يعانيه هيرودس هو نمط متكرر من اشخاص يريدون الاستيلاء علي كرسيه وعرشه .فقد سمع هيرودس عن اشاعة عن تصادم شخص معه لاستيلاء علي عرشه .فحتي يتم قتل هذا الشخص يكون مكتئب وألا ان يقتله يذهب الاكتئاب .ويفوق ويبني ويبني وهكذا كانت دورة حياته المتكرره.بما في ذلك زوجته التي قتلها هي وثلاثة من ابنائه ! فيمكن ان نصنف هيرودس الكبير بانه كان يعاني من فصام بارانويدي paranoid schizophrenic. وبعد المحاضره تمازح كلاً من الدكتور Narramore ضاحكاً قائلاً انه لابد انه كان يرتعش . ومؤخراً تم عمل تحليل تاريخي نفسي علي هيرودس الكبير وتم تشخصية بانه كان يعاني من اضطراب الشخصية المرتابة.

المعقولية التاريخية لقتله لاطفال بيت لحم

بالفعل ان يوسيفوس لم يسجل قتل اطفال بيت لحم .لكنه سجل عدد كبير من جرائم القتل التي ارتكبت بلا رحمة علي يد هيرودس لاجل الحفاظ علي عرشه .

قد تم تتويج هيرودس كملك لليهود من قبل مجلس الشيوخ الروماني سنة 40 قبل الميلاد .وكان اول اعماله قتل الحشمونيين وهم اسلافه .واعدام أنتيجونوس بمساعده من مارك انتوني .وقد  قتل هيرودس 45 رجلاً من اتباعأنتيجونوس في سنة 37  قبل الميلاد .راجع  Antiquities 15:5-10; LCL 8:5-7

وقد اعدم يوحنا هيركانوس الثاني خنقاً وهو مسن لاعتقاده بالتأمر عليه والاطاحة به في سنة 30 قبل الميلاد راجع Antiquities 15:173-178; LCL 8:83-85).

واستمر هيرودس في تظهير الحشمونيين .وازال ارستوبولوس الذي كان في ذلك الوقت 18 عاماً رئيساً للكهنة.واغرق من قبل رجال هيرودس في بركة في اريحا لان هيرودس كان يعتقد ان الرومان يفضلون ارستوبولوس كحاكم بدلاً منه (Antiquities 15:50-56; LCL 8:25-29; Netzer 2001:21-25) .

وقد قتل هيرودس زوجته الثانية Miriamme في سنة 29 ميلادياً . (Antiquities 15:222-236; LCL 8:107-113).

وقد قتل هيرودس ايضاً ثلاثة من ابنائه.فنتم خنق اثنين منهم وهم الكسندر وارستوبولوس .وهم ابناء Miriamme في السامره في سنة 7 قبل الميلاد . (Antiquities 16:392-394; LCL 8:365-367; Netzer 2001:68-70).

وقد اصبح هيرودس الكبير مجنون بجنون العظمة من خلال السنوات الاربعة الاخيره من حياته ما بين 4 : 8 قبل الميلاد فقد اعدم 300 من العسكريين Antiquities 16:393-394; LCL 8:365).   وايضاً عدداً من الفريسيين .وحوادث متعدده جداً فلا عجب ان هيرودس كان يريد ان يقضي علي يسوع عندما كشف له الحكماء عن وجود ملك لليهود في انجيل متي 2 : 1 .

لماذا لم يسجل يوسيفوس الحدث ؟

هناك العديد من التفسيرات لهذا الامر

اولاً ان كتابات يوسيفوس جاءة في نهاية القرن الاول الميلادي فربما لم يكن يعلم بذبح اطفال بيت لحم لوجود فجوه زمنية واحداث كثيره مليئة بالحفاوه الدموية لهيرودس عن حادثة صغيره مثل هذه الحادثة.

ثانثا لم يسجل يوسيفوس احداث محورية في القرن الاولي علي سبيل المثال :-

1- حادثة الدروع الذهبية الرومانية في اورشاليم التي كانت سبباً في الدم بين هيرودس انتيباس وبيلاطس البنطي .ولوقا 23 : 12 يتكلم عن ازالة العداوه بينهم بعد ان رد هيرودس انتيباس يسوع الي بيلاطس .ومن سرد هذه الواقعة كان الفيلسوف اليهودي فيلو الاسكندري . (Embassy to Gaius 38:299-305; Maier 1969:109-121).

وقد قال البعض انه حصل علي بعض معلوماته من نيكلاوس الدمشقي وهو  كان صديقاً لهيرودس .وقد يكون لم يسجل هذا الفعل الفظيع حتي لا يتشوه سمعتة هيرودس اكثر مما كانت لكن هذا مجرد اجتهاد وراي غير مقنع فلم تكن سمعه هيرودس تحتاج الي الاخفاء فافعاله كانت معروفة. (Brown 1993:226, footnote 34).

2- قد بالغ البعض في عدد الاطفال بشكل غير مدروس لكن البروفيسور William F. Albright ييحكي ان عدد السكان كان حوالي 300 شخص وعدد الاطفال الذكور الذي بلغوا اقل من عامين هم سته او سبعة (Maier 1998:178, footnote 25). وبالرغم من عدم اتفاقي في تحديد ارقام بعينها لكن بالفعل كانت بيت لحم بلده صغيره وهذا معروف تاريخياً .فلا نتوقع ان عدد الاطفال الذين هم دون السنتين عدد يزيد عن عشرات .في ظل ثوره الاحداث في هذا الوقت فمن سيرجع للتاريخ سيعلم عن ماذا سنتحدث .

ويذكر لنا احد المراجع قتل هيرودس جميع الصبيان .(وكان العدد هو بضع عشرات بسبب صغر حجم بيت لحم .وعدم تدوين التاريخ لهذه الحادثة لا يدعونا للاستغراب .لكثرة ما فعله هيرودس من اعتداءات متكرره.وقد قتل زوجته وثلاثة من ابناءه .ويوسيفوس يذكر انه اعظم البربريين من كل الرجال  (Antiq. xvii. 8.1).  

المراجع

The Slaughter of the Innocents: Historical Fact or Legendary Fiction?

Pfeiffer, C. F., & Harrison, E. F. (1962). The Wycliffe Bible commentary : New Testament (Mt 2:16). Chicago: Moody Press.

Robertson, A. (1997). Word Pictures in the New Testament. Vol.V c1932, Vol.VI c1933 by Sunday School Board of the Southern Baptist Convention. (Mt 2:16). Oak Harbor: Logos Research Systems.

Willmington, H. L. (1997). Willmington’s Bible handbook (525). Wheaton, Ill.: Tyndale House Publishers.

1976 Jewish Wars, Books 1-3.  Vol. 2.  Trans. by H. Thackeray.  Cambridge, MA: Harvard University.  Loeb Classical Library 203.

1980 Antiquities of the Jews 15-17.  Vol. 8.  Trans. by R. Marcus and A. Wikgren.  Cambridge, MA: Harvard University.  Loeb Classical Library 410.

1969 The Episode of the Golden Roman Shields in Jerusalem.  Harvard Theological Review62:109-121.

1998 Herod and the Infants of Bethlehem.  Pp. 169-189 in Chronos, Kairos, Christos II.  Edited by E. J. Vardaman.  Macon, GA: Mercer University.

Exit mobile version