في أفضل لحظاتها. شقت المسيحية طريقها في العالم من خلال إعلانها وتعليمها الإيمان العقلاني الوحيد في العالم. إن المسيحية التي تعد بشكل بارز ومن دون منازع “ديانة المنطق”. هي أيضاً دفاعية، حيث تشعر في العمق وبشغف بثقف نقل إلى البشرية ما يجب أن يؤمنوا به، من جهة، لكي يخلصوا من مذنوبية الخطيئة ومن سلطانها، وبمدهم، من جهة أخرى، بالأسباب والموجبات لإيمانهم هذا، إذ تجيب الباحثين عن السؤال، لماذا يجب أن يؤمنوا.
تنتقل الكرازة المسيحية في معظم الأحيان إلى الاجتهاد “لأجل الإيمان المسلم مرة [هابكس] للقديسين” (يهوذا 3). إذاً، علم الدفاع المسيحي هو ذلك الفرع من المعرفة الذهنية الذي يبذل بموجبه مجهود ذكي بكل حرص، للتعريف بادعاءات الإيمان المسيحي بالحق والاجتهاد لأجلها أمام العالم غير المؤمن. وهذا يصح بالتحديد على ادعائه حصر به وحده المعرفة الحقة بالله الواحد الحي الحقيقي، وذلك بما ينسجم مع تعليم الأسفار المقدسة.
علم الدفاع المسيحي apologetics بالإنجليزية، لفظة مشتقة من الجذر اليوناني (-apolog) بمعنى “دفاع” أو “رد على اتهام رسمي” من صنف كتاب سقراط بعنوان Apology، يرد هذا الجذر بصيغة الفعل، أو الاسم، أو الصفة أكثر من عشري مرة في العهد الجديد اليوناني[1]. إلا أن هذه اللفظة تطورت بحكم الاستخدام حتى باتت تشير، بمعناها الضيق، إلى دفاع الفرد المسيحي عن إيمانه وسلوكه، هذا مع أنه من الأفضل ربما الإشارة عن دفاع كهذا بالإنجليزية بعبارة “apology” عوضاً عن “apologetic”.
المسألة بمعناها الأوسع، تفيد رد الشخص المسيحي على الهجمات التي يشنها العالم على ادعاءات الحق في الأسفار المقدسة. أما الأمر في أكمل معانيه، فيشير إلى عملية الدفاع عن الإيمان المسيحي ورد التهم الموجهة إليه، وذلك في وجه الهجمات التي يتعرض لها من قبل معشر المشككين وغير المؤمنين. كما يتضمن ذلك أيضاً عرضاً لمنطقية ما تدعى المسيحية بأنه حق.
مع التركيز على أن في هذا أكثر مما يكفي لسد الاحتياجات الروحية عند الجنس البشري. من هنا، فإن علم الدفاع بهذا المعنى الأخير لا يتوقف عند الحد الدفاعي، لكنه يشكل أيضاً مادة هجومية، لاعتماده ليس فقط في معرض الدفاع عن الإنجيل، بل أيضاً لنشر رسالته.
في اعتقاد بعض المسيحيين أنهم ليسوا تحت أي التزام للدفاع عن إيمانهم أمام عالم معاد، بل تقتصر مسؤوليتهم فقط على مجرد الكرازة بالإنجيل للعالم، هذه الكرازة التي تعد بحد ذاتها كافية تماماً للدفاع عن الإيمان. هذا الرأي لا يمكن إرساؤه على أسس كتابية.
فإلى جانب المثلين الواضحين المتعلقين بكل من يسوع وبولس اللذين كان قد دأبا على الدفاع، بالنسبة إلى يسوع عن ادعائه بأنه المسيا (متى 22)، وبالنسبة إلى بولس عن رسوليته (غلاطية 1-2؛ 1كورنثوس 9؛ أعمال 22-26)، عندنا مناشدة بطرس الكلاسيكية: “… قدسوا الرب الإله في قلوبكم مستعدين دائماً لمجاوبة (للدفاع) [pros apologian] كل من يسألكم عن سبب[2] الرجاء الذي فيكم، بوداعة وخوف، ولكم ضمير صالح…” (1بطرس 3: 15، 16أ). فحتى التحليل السطحي لتصريح بطرس هذا، يظهر كيف أن هذا النص:
– يأمر بضرورة جعلنا من روبية المسيح أعلى وأسمى التزام قلبي عندنا. يجب أن يكون إيماننا به مؤكداً أكثر من إيماننا بأي شخص آخر. حيال هذا الواقع، كلمته هي المقياس، بمعنى أنها تشكل المعيار النهائي للحق والذي يثبت ويصادق على كل سلطان لها في كل ناحية من نواحي الحياة.
بكلام آخر، سلطان الرب علينا هو شامل؛ حتى إنه يلزمنا طلب رضاه في كل ما نقوم به (1كورنثوس 10: 31؛ كولوسي 3: 17، 23). بالطبع هذا يتضمن أيضاً ناحيتي تفكيرنا ومعرفتنا. “مخافة الرب رأس المعرفة” (أمثال 1: 7؛ المزمور 111: 10).
– يفترض موقف إيمان قلبي (“الرجاء الذي فيكم”). فمن جهة التزام من قبل المسيحي مبني على الوعي الذاتي ليسوع المسيح بصفته الرب. ومن جهة أخرى الإقرار بهذا الالتزام من قبل الشخص غير المؤمن الذي يسأل المسيحي عن سبب هذا الرجاء؛
– يشير ضمناً إلى كون الرجاء المسيحي هو أهل بالتمام للدفاع عنه بشكل منطقي، ذلك لأن الرسول لم يكن ليأمر المسيحي بأن يدافع عما لا يدافع عنه بشكل عقلاني.
– يفترض إمكانية التواصل بين المؤمن وغير المؤمن؛ وإلا كانت المناشدة عديمة الجدوى. أما الأساس الدقيق وراء احتمال حصول هذا التواصل، فيشكل المعضلة الدفاعية المتعلقة بطيعة “القاسم المشترك” أو “نقطة الاتصال” (انكنبفانغسبونكت) ما بين المؤمن وغير المؤمن.
– يدعو كل مؤمن إلى الاستعداد في كل مناسبة لإعطاء كل سائل السبب وراء التزامه الإيمان بيسوع المسيح كرب.
– ويشير إلى الموقف الصحيح الذي من خلاله على المسيحي تقديم “دفاعه”: يجب ألا يحصل بعجرفة فكرية بل بالحري بوداعة، وضمير صالح، واحترام للشخص غير المؤمن الحامل أيضاً صورة الله. كذلك يجب أن يرافق دفاعه هذا إدراك كونه هو أيضاً خاطئاً مخلصاً بالنعمة، مع سلوك مقدس أمام الله. في هذه الحال فقط، يمكنه توقع أن يغدق الله بركته بالكامل على مجهوداته الدفاعية.
إلا أن وصية بطرس هذه يجب عدم تفسيرها بمعنى أن باستطاعة الشخص المسيحي اعتماد “المنطق” لإدخال الناس إلى ملكوت الله. فعمل تجديد النعمة المطلقة السلطة، وبمبادرة إلهية، والمرافق للكرازة بالإنجيل، يستطيع وحده تمكين الناس من دخول ملكوت السماوات. توضح قرينة مناشدة بطرس أن المسيحيين الذين يكابدون الاضطهاد من أجل شهادتهم التَقَوية (راجع 1بطرس 1: 3-7؛ يعقوب 1: 2، 12)، يستفهم منهم جيرانهم الوثنيون من حين إلى آخر عن “سلوكهم الغريب” في ظروف صعبة كهذه.
ومتى حصل هذا بموجب تدبير إلهي، على المسيحيين أن يكونوا قادرين على الإفصاح عن الأساس العقلاني وراء رجائهم المسيحي. على أن جوابهم هذا يجب أن يتضمن تصريحاً واضحاً عن نشاط الله الفدائي من خلال عمل يسوع المسيح الخلاصي.
إذاً من الواضح أن المسيحي لا يستطيع تجنب القيام بدفاع ذكي وفطن عن الإيمان المسيحي، إن كان مطيعاً للأسفار المقدسة. الدفاع المقنع والقوي الحجة عن الإيمان المسيحي أبعد من ألا يتلاءم مع هذا الإيمان، بل هو في الواقع مطلوب منه. هذا لا يسوغ بالطبع، إمكانية اعتماد أية وسيلة وكل أسلوب في معرض الدفاع هذا.
فمن الواضح أنه لا يمكننا الدفاع عن اقتناعاتنا الدينية بواسطة العنف. ولا يترتب علينا ابتكار أسلوب دفاعي لا ينسجم مع المضمون نفسه للإنجيل الذي نركز به. والمقصود قوله هنا هو: إن كان الإيمان المصلح هو في الواقع الإيمان الذي تعلمه الأسفار المقدسة، يتحتم في هذه الحال على المدافع المصلح تطوير واعتماد نظام دفاع مصلح، أي اسلوب مصلح للدفاع عن الإيمان المصلح. هذا من قبيل الانسجام مع أنفسنا.
مكان علم الدفاع ضمن الموسوعة اللاهوتية
الغرض الأساسي وراء علم الدفاع، هو دعم صوابية الالتزام المسيحي. إلا أن الطريقة المحددة للقيام بهذا تختلف بين مدافع وآخر وتتوقف إلى حد كبير على نظرة المدافع إلى علم الدفاع كداعم للموسوعة اللاهوتية ككل. يقسم هذا العلم عادة إلى أربعة مواضيع أو دوائر، أي التفسيري، والتاريخي، والنظامي، والعملي.
وبموجب هذا الترتيب، قام كل من “ف. شلايرماخر”، و”ج.هـ. أ. إيبراود”، و”ب.ب. وارفيلد”، و”ف. رز بياتي”، ونادوا بضرورة إنشاء دائرة لعلم الدفاع على أن تسبق الدوائر الأربع الأخرى كموضوع منفصل، يجب أن تقوم بعملها أولاً وباستقلالية تامة، لأنها ببساطة تعد المادة التعليمية الوحيدة التي “لا تفترض مسبقاً أي شيء”.
فقبل أن تتمكن أي من المواد التعليمية الأخرى من تحقيق نتائجها، يترتب على دائرة علم الدفاع أن تؤكد وجود الله، والطبيعة الدينية للإنسان، وحقيقة الإعلان، والأصل الإلهي للمسيحية، وموثوقية الكتاب المقدس. وإلا فاللاهوتي النظامي مثلاً، وبعد شرحه النظام المسيحي، قد يكتشف أنه كان يتعامل كل الوقت مع أوهام. بالمقابل وعلى نقيض ذلك، فإن كلاً من “ابراهام كوبير”، و”هرمن بافينغ”، و”فالنتاي هب”، و”لويس برخوف”، يحاججون في ضرورة أن يلي علم الدفاع علم اللاهوتي النظامي.
وإلا في حال سمح للمدافع بإرساء قواعد كل من إمكانية وجود اللاهوت المسيحي وافتراضاته المسبقة، فالمدافع المسيحي في هذه الحال قد نسب فعلياً للإنسان الساقط العامل بمفرده من دون مساعدة، القدرة على تقرير حق المسيحية بمعزل عن الإعلان. ففي هذا تنكر ضمني للعقائد الكتابية المختصة بفساد الإنسان وعجزه عن معرفة الله بمعزل عن المعونة القوية التي تأتيه أب إكسترا (“من الخارج”) أو أنوثن (“من فوق”).
إلى ذلك، يصر هؤلاء اللاهوتيون على أنه يتوجب على أحدنا أولاً تقرير أي إله الذي تنادي به المسيحية قبل أن يكون بوسعه التساؤل حقاً وبطريقة ذكية إن كان هكذا إله له أي وجود. بكلام آخر، على المدافع أن يعنى بما هي عليه المسيحية. كما أنه يهتم في الوقت عينه، على أقل تقدير، إن لم نقل قبل ذلك، بمسألة صحتها.
من الواضح أن التعريف بعلم الدفاع المسيحي، كما فعلت قبلاً، على كونه الدفاع عن الإيمان المسيحي، يجعلني أتفق مع “كويبر” وآخرين على ضرورة أن يترافق علم الدفاع أو يلي تلك المواد التعلمية التي تقرر مضمون الإيمان المسيحي. يبدو هذا المنحنى أيضاً الأكثر منطقية، بما أن على المرء معرفة ما يدافع عنه قبل الإقدام على ذلك. إن كان يبدو، أو متى بدا أن علم الدفاع المسيحي من حين إلى آخر يسبق المواد التعليمية الأخرى، أحاجج في أنها تفترض مسبقاً حقائق الإعلان الخاص في اللاهوت النظامي ونتائجه.
أوجه المهمة الدفاعية
المهمة التي تواجه المدافع المسيحي في معرض دفاعه عن الإيمان المسيحي تقع تحت أربعة عناوين:
1 – الرد على اعتراضات محددة
غالباً ما يجد المدافع المسيحي نفسه وهو يواجه اعتراضات محددة تثار ضد الإيمان المسيحي، من صنف وجود تناقضات مزعومة بين التصريحات الكتابية يترتب عليه إيجاد حل لهكذا تناقضات ونزع الاعتراض على أساس البحص العلمي والتفسير الدقيق. هذا العمل الجاد من شأنه تشديد الأمناء وتقويتهم. ورفع العوائق التي تقف في سبيل المشكك وتحول دون إكمال بحثه عن الحق.
كما أنه ينزع سلاح المعارضة التي قد تبدو لأول وهلة في محلها، وذلك من خلال اسكات اعتراضات، ومفاهيم مغلوطة، وأمور غير دقيقة يراعيها المشكك في ذهنه حول المسيحية هذه المهمة ليس حكراً فقط على علم الدفاع وحده. او إن كان أحدنا يفضل حصر هكذا مهمة ضمن نطاق علم الدفاع، فمن الضروري الإقرار بأن هنا تكمن مهمة علم الدفاع بالمعنى الأوسع. هذا لأن كل واحدة من دوائر الموسوعة اللاهوتية يجب أن تشرك نفسها في تنفيذ هذه المهمة.
سوف يطور المختصون في العهد القديم وفي العهد الجديد، ردوداً دفاعية على النقد المدمر للنص الكتابي وتعلميه. وعلى النظريات المعادية له. “ج. غريشام ماشين”، استاذ العهد الجديد في كلية اللاهوت “برينستون” مثلاً، دافع بشكل مقنع عن الإيمان المسيحي، لدى كتابته دراستيه الرائعتين The Virgin Birth (الولادة العذراوية)، وThe Origin of Paul’s Religion (أصل ديانة بولس). وكلاهوتي نظامي، سوف أدافع في النص الأول من هذا الكتاب عن حقيقة وتاريخية بعض الأحداث المركزية في المسيحية.
من صنف قيامة المسيح في الجسد في اليوم الثالث بعد صلبه. وصعوده إلى السماء، وولادته العذراوية، وعجائبه المقتدرة، وهداية بولس الخارقة وفوق الطبيعية على طريق دمشق. بالمقابل، سيحرص المؤرخ الكنسي على كشف وتصحيح أية قراءة مغلوطة للتاريخ الكنسي على حساب مصداقية الإيمان المسيحي.
غير أنه من المحتمل أكثر أن ردوداً مباشرة كهذه اعتراضات وصعوبات محددة تثار على الإيمان المسيحي، تكون ممكنة فقط في بداية أية محادثة مع غير المؤمن. فيرجح أن تنتقل المسألة سريعاً وتتحول إلى مقدمات منطقية جوهرية أكثر، بل في الواقع ذات بعد نهائي وحاسم. ثم تدعو الحاجة إلى ما هو أكثر من هذا. فالدفاع عن الإيمان سيجند نفسه على المستوى الأعمق للفرضيات المسبقة، حيث علم الدفاع كمادة تعليمية مستوحاة من الفلسفة أو المعرفة تثبت وجودها على أكمل وجه. هذا ما سأتناوله في النصف الثاني من الكتاب.
2 – للإخبار عن أساسات الإيمان المسيحي
على المستوى الأعمق للمقدمات المنطقية ذات البعد النهائي، أو المسائل الأساسية، غالباً ما يتطرق المدافع المسيحي إلى مسائل من صنف:
– هل الله موجود؟
– هل أعلن عن ذاته؟ إن كان نعم، أين وكيف؟
– لماذا أومن بهذه الأمور؟
– كيف أعرف أن ما أومن به هو صحيح؟
ما إن ترى هذه الأسئلة على أنها تقع بالتحديد في مكانها الصحيح ضمن نطاق علم الدفاع المسيحي، يصبح من الواضح أن علم الدفاع المسيحي كمادة تعليمية، غالباً ما يستلزم تمريناً في اللاهوت الفلسفي، كما أنه يأخذنا إلى نطاق فلسفة المعرفة.
في ضوء هذه المهمة المنوطة بعلم الدفاع المسيحي، يجب أن يكون من الواضح أن الحوار الدفاعي لن يقتصر دائماً على مجرد إعلان لمضمون الإنجيل. بالطبع، على المدافع افتراض طيلة فترة عمله، ما تتمتع به كل مشورة الله في الأسفار المقدسة من مصداقية بالكامل، كما أنه سيستقي من فطنتها في الطريق، من دون أي تردد.
سوف يُشير غالباً إلى الحقائق المختصة بالله، والخطيئة، وعمل المسيح، والخلاص. لذا، مما لا شك فيه، سيبدو أحياناً بالنسبة إلى غير المسيحي أن المدافع يكتفي “برمي صخور من الإنجيل على نفسه”. بالطبع، بمعنى من المعاني، سيفعل هذا. إلا أن الدفاع الكتابي عن الإيمان، مع شموله لمضمون الإنجيل، سيعنى أيضاً بأسئلة الدين الأكثر عمقاً، وسيسعى لبرهان كيف أن الإيمان المسيحي وحده يقدم إجابات عقلانية لها.
3 – لتحدي الأنظمة غير المسيحية
إن بعضاً من أوائل آباء الكنيسة بعد العصر الرسولي، عرفوا باسم “المدافعين” (يوستينوس الشهيد، تاتيانوس، إيريناوس، أثيناغوراس، وثيوفيلوس الأنطاكي). هؤلاء، حاولوا الرد على تعم موجهة ضد المسيحيين من صنف أكل لحوم البشر، وممارسة الفجور. لكن بدا تدريجياً أن أي دفاع عن الإيمان، يجب أن يبنى على التوكيد الإيجابي للإيمان المسيحي وانعكاساته على الأنظمة غير المسيحية (راجع كتاب أغسطينوس “مدينة الله”).
في الآونة الأخيرة، قام بعض المدافعين الأكثر تبصراً من سواهم ومن رؤيتهم للمهمة الدفاعية هي أكثر انتظاماً مسيحياً من سواهم، هؤلاء لم يكتفوا بالرد على اعتراضات غير المؤمنين، بل فضحوا أيضاً اللاعقلانية الكامنة داخل أنظمة التفكير غير المسيحية. كما أنهم تحدوهم أن يسوغوا من زاوية فلسفة المعرفة وجودهم نفسه ناهيك أيضاً بتصريحاتهم العقيدية التي لا أساس لها.
هذا الهجوم الإنجيلي بقيادة رجال من صنف “كرنيليوس فان تل”، وعوردو هـ كلارك”، و”كارك ف. هـ هنري”، و”فرنسس شايفر”، هو الذي تحدى العديد من اللاهوتيين الأصغر سناً للوقوف بالكامل على الانحراف الذي شهده الفكر الحديث، وكشف النقائص الكامنة داخل أي نظام يرفض أن يجعل كأساسه كلمة الله الآتية إليهم من العالم الروحي غير المنظور، وفضح عدميته من زاوية فلسفة المعرفة.
4 – لإقناع الناس بادعاءات الحق في الإيمان المسيحي
كنتيجة طبيعية للاهتمامات السابقة، يبقى القصد النهائي من علم اللاهوت المسيحي هو اقناع الناس بادعاءات الحق في الإيمان المسيحي. هذا الجانب من المهمة الدفاعية يبين ضرورة ألا يعتمد علم الدفاع المسيحي الأسلوب الصحيح في ضوء فلسفة المعرفة وحسب، بل أن يكون أيضاً في جوهره تبشيرياً وكرازياً.
المدافع المسيحي، وبالرغم من إدراكه بالكامل لسقوط الإنسان ولما للخطيئة من تأثيرات وخيمة في الذهن[3] وعجزه الشخصي عن أقناعه الناس بمعزل عن عمل الروح القدس المجدد، فإنه يبقى يسعى لتقديم، بشكل مقنع، الإيمان المسيحي من كل أوجهه وفي كامل جماله وكوحدة هامة من الحق منسجمة مع نفسها ومتماسكة، والتي تعرض وحدها أساساً عقلانياً لفهم الإنسان وكونه.
بكلام آخر، كما أن المدافع المسيحي سيعمل على دمج مضمون الإنجيل في أي أسلوب دفاعي مصمم بشكل صحيح، هكذا أيضاً سينظر بوعي ذاتي إلى مجهوداته الدفاعية ببساطة كجزء من التبشير المسؤول!
المسألة الرئيسية التي تواجه علم الدفاع المسيحي
أهم مسألة تواجه المدافع المسيحي هي التي تتعلق بالأسلوب: فهل على المدافع في سعيه للدفاع عن الإيمان وإقناع غير المؤمن بادعاءات المسيحية بالحق أن يجادل باتجاه الإعلان الخاص او منه؟[4] أو بكلام آخر، هل على المدافع المسيحي أن يبدأ دفاعه عن الإيمان واقفاً داخل دائرة الإعلان، أم هل يقف مع غير المؤمن خارج دائرة الإعلان؟ علم الدفاع البرهاني/ التاريخي يأخذ على عاتقه برهان أساسات الإيمان من دون افتراض وجود أي إعلان خاص، أي أنه يسعى لتثبيت بواسطة موجبات تحاكي المنطق البشري بمعزل عن نور الإعلان الخاص (1) وجود الله و(2) حقيقة الإعلان المسيحي.
إنه في سعيه هذا لعرض هكذا برهان، يعد بمثابة شكل منهجي من اللاهوت الطبيعي[5]. بالمقابل، علم الدفاع العقيدي أو المبني على الافتراض المسبق بأن المسيحية تشكل وحدها الأساس الوحيد للتفكير العقلاني (أنا أفضل تسميته ببساطة “علم الدفاع الكتابي”) يندرج، بلا خجل، ضمن دائرة الإعلان الخاص ويحاجج من موقعه هذا في (1) الكفاية بلا جدل من الزاوية الإيمانية ومن زاوية فلسفة المعرفة، للمفهوم المسيحي المختص بالعالم وبالإنسان، و(2) استحالة كل ما هو معاكس لهذا.
رد أحدنا على هذه المسألة الأساسية والهامة، سيظهر بوضوح في كل المسائل الأخرى المرتبطة على نحو خاص بعلم الدفاع المسيحي، والتي هي من صنف:
– ما هي طبيعة الإعلان العام وما هو عمله؟
– ما هي طبيعة الإعلان الخاص وما هو عمله؟
– للخطيئة نتائجها الوخيمة: أية أهمية تكتسبها هذه الحقيقة على مدى قدرة الإنسان على معرفة الله؟
– ما هي صفة الإيمان؟
– ما هو امتحان الحق؟
– أي صنف من التأكيد تقدمه المسيحية؟
– أية قيمة تكتسبها البراهين المبنية على الإيمان بالله؟
– أية قيمة تكتسبها الأدلة المسيحية؟
– ما هي طبيعة القاسم المشترك بين المؤمن وغير المؤمن، والتي تصلح كنقطة تواصل في معرض المحادثة الذكية بينهما؟
الأنظمة الدفاعية الرئيسة
المنهجية التي يعتمدها المدافع، أملت عليه ردوده، بشكل منتظم، على الأسئلة التسعة أعلاه. لذا، ما إن تحسم المسألة الرئيسة حتى تميل الأنظمة الدفاعية، بموجب ردودها، إلى الإندراج ضمن الفئات الأربع المميزة التالية:
1 – النظام المبني على الدلائل، غالباً ما توصف منهجيته بواسطة العبارة اللاتينية “إنتليجو إي كريدو” (“أنا أفهم وأومن”).
تركز هذه الفئة على شكل ما من منهجية اللاهوت الطبيعي يصلح كنقطة البداية لعلم الدفاع. أما خصائص هذه الفئة فهي: (1) الإيمان الصادق بقدرة المنطق البشري وموثوقيته في معرض بحثه عن المعرفة الدينية؛ (2) بذلك جهد لتأسيس الإيمان على حجج تستند إلى الاحتمالات ومبنية على حقائق اختبارية و/أو تاريخية للتحقق منها؛ و(3) الإصرار على اخضاع الحقائق الدينية المطلقة لأسلوب التحقق نفسه المعمول به مع التأكيدات العلمية، أي للبرهان العملي.
التقليد الأكويني ضمن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، والتقليد غير المنتظم والمبني على الدلائل ضمن الكنيسة المصلحة، يشكلان مع التقليد الأرميني ممثلين عن هذا النظام.
2 – النظام المبني على الفرضية المسبقة بأن المسيحية تشكل وحده الأساس الوحيد للتفكير العقلاني (أو النظام المؤسس على الكتاب المقدس أو الكتابي)، غالباً ما توصف منهجيته بواسطة العبارة اللاتينية “كريدو أُت إنتليجام” (“أنا أومن لكي أفهم”).
هذه الفئة تفترض مسبقاً إعطاء أولوية للإعلان الخاص كأساس للعملية اللاهوتية. خصائص هذه الفئة هي: (1) الاقتناع بأن مخافة الرب تسبق فهي أي شيء آخر (أمثال 1: 7)؛ (2) الاقتناع بأن هذا النظام يقوم على التزام الإيمان الذي يتحكم بهذا النظام؛ (3) الاقتناع بضرورة تأسيس الاختبار الديني على كلمة الله الموضوعية وعلى عمل المسيح الموضوعي.
(4) الاقتناع بأن حالة الفساد التي يتخبط فيها الجنس البشري قد جعلت المنطق المستقل بحد ذاته، عاجزاً عن إرساء ادعاءاته بالحق بشكل مرض على أي شيء أكيد بتجرد وموضوعية؛ و(5) الاقتناع بأن فعل تجديد من نوع خاص بالروح القدس لا غنى عنه للإيمان المسيحي وللتنوير. التقليد المنتظم ضمن الكنيسة المصلحة، يمثل هذه الفئة.[6]
3 – النظام التجريبي، غالباً ما توصف منهجيته بواسطة العبارة اللاتينية “كريدو كيا أبسردم إست” (“أنا أومن لأن الأمر عبثي”).
هذه الفئة، التي لا تبنى على الدلائل ولا على الفرضيات المسبقة، تشدد على الاختبار الديني الداخلي كالأساس للبنية اللاهوتية. أما خصائص هذه الفئة فهي: (1) الإصرار على الإعلان “كمقابلة” خالية من الحقائق المطلقة؛ (2) التشديد الكبير على الاختبار الديني الشخصي وغير الموضوعي كأساس للحق والمعنى، مع العلم أنه يصار إلى التعريف بالحق والمعنى من الزاويتين الداخلية والشخصية؛ (3) الإصرار على الطابع التناقضي للتعليم المسيحي، بمعنى أن الحق المسيحي غير قابل للتحليل العقلاني؛ و(4) التركيز الشديد على “غيرية” الله وتساميه واختفائه في الاختبار الديني.
من جمله الممثلين عن هذه الفئة، ثمة التقليد الأرثوذكسي المستحدث وجماعة من لسان حالهم: “كنت هناك لدى حصول ذلك، وأعرف بالتالي، مع ألا أحد آخر قد يعرف ذلك”.
4 – الحركة الإنسانية المستقلة، غالباً ما توصف منهجيتها بواسطة العبارة اللاتينية “إنتليغو أت كريدم” (“أنا أفهم لكي أتمكن من الإيمان”).
الفئات الثلاث الأولى، إلى جانب مساعيهم لإقناع بعضهم بعضاً، يعملون على إقناع هذه الفئة الرابعة من المفكرين، الذين لا يتظاهرون أبداً بأنهم حتى متدينون، بادعاءات كل فئة منهم. أما خصائص هذه الفئة فهي: (1) إنكار كامل وتام لأية حاجة إلى الله أو إلى الإعلان الإلهي كأمرين ضروريين لفهم كل من العالم وطبيعة الإنسان؛ (2) الثقة الكاملة بالعملية العقلانية البشرية وبعلومها لاكتشاف كل معرفة؛ (3) الاقتناع بأن ما يلزم الإيمان به لكونه حقاً، هو الذي يقتصر فقط على ما يشبع مستلزمات المنطق المستقل؛ و(4) رفض المسيحية الكتابية او الفوق الطبيعية.
هذا كله، ليس أقل أو أكثر من الحركة الإنسانية المناهضة لكل ما هو خارق أو فوق الطبيعة. والممثلون عن هذه الفئة هم الموقعون على “المانيفستو I” أو البيان الرسمي الأول للحركة الإنسانية و”المانيفستو II” أو البيان الرسمي الثاني للحركة الإنسانية. لكن وللأسف، بعض المدافعين المسيحيين، وفي محاولتهم البلوغ إلى هذه الفئة، يسلمون عن غير قصد منهم بالشيء الكثير من الأمور التي تميز دعاة الحركة الإنسانية، وتدعمهم في تمردهم على الله.
هذه الملاحظات تكفي كمقدمة لموضوعنا. من جهتي، أعرف بعلم الدفاع المسيحي على أنه الدفاع عن الإيمان المسيحي؛ لكنه دفاع غالباً ما يفترض اتخاذ مبادرة لتحدي أنظمة التفكير المناهضة لضرورة تسويغ حتى وجودها بحد ذاته في ضوء فلسفة المعرفة. يفترض هذا التعريف أن تكون الدوائر التفسيرية، والتاريخية، والنظامية من اللاهوت، قد أنجزت عملها وأن نظام الحق المسيحي قد جرى استخراجه بشكل كاف من الأسفار المقدسة ومن ثم التعبير عنه. أيضاً، علم الدفاع مدعو إلى الدفاع عن ذلك النظام.
هذا يعني أن المدافع المصلح لن يكتفي بمجرد الدفاع عن قطع الصورة على “علبة الأحجية” الخاصة بالإيمان المسيحي كقيامة المسيح في الجسد أو اهتداء الرسول بولس على طريق دمشق، بل سوف يقدم على دفاعات كهذه، وهذا ما سنفعله نحن بدورنا. لكن المدافع المصلح، وبموجب اقتناعه بأن الكتاب المقدس يعلم بنظام يقر “بالوجود الإلهي بالكامل”، أي بنظام من الحق شامل لكل الحياة من زاوية النظرة إلى العالم وإلى الحياة، الـ ولتانشونغ، يؤمن بأن الإيمان المسيحي بأكمله، من الضروري الدفاع عنه أخيراً.
لأن علينا ألا ننسى أن أحداث الـ كريغما، أي الكرازة المسيحية، لم تحصل بمعزل عن الرواية الأوسع[7] للأسفار المقدسة، حتى انها ستفسر خطأ بكل تأكيد ما لم نحرص على ابقائها ضمن تلك الرواية الأوسع.
أعتقد مع “كرنيليوس فان تك” أنه يترتب علينا “جعل رسالة الصليب ضمن إطار [الأسفار المقدسة ككل]، لأننا إن كنا لا نفعل ذلك. فلا نكون عندئذ كارزين حقاً وبالكامل بيسوع وبالقيامة. ذلك لأن الحقائق المختصة بيسوع وبالقيامة هي ما هي عليه فقط ضمن إطار عقائد الخلق، والعناية الإلهية، ونهاية التاريخ في الدينونة الأخيرة”[8].
لكن هذا يعني أننا “إن كنا ندافع عن المسيحية كدياننة تاريخية، فعلينا في الوقت عينه الدفاع عن الإيمان بوجود الله. هذا الأمر الذي يشكل أساساً لها”[9].
لا يزال هناك أمر واحد من الضروري ذكره قبل أن أختم هذا الفصل التمهيدي. فبصفتي لاهوتياً مصلحاً، أنا مقتنع بأن الإيمان المصلح يقد أفضل تعبير متماسك عن المسيحية الكتابية. اعتبر الدفاع عن الإيمان المصلح واجباً جليلاً بشكل ينسجم مع ذلك الإيمان. بكلام آخر، على اللاهوتي المصلح أن يكون مدافعاً مصلحاً.
عليه ألا يصبح أرمينياً في دفاعه عن الإيمان. يحتاج أيضاً أن يكون دائماً خلال تقديمه لدفاعه. صاحب وعي ذاتي من زاوية فلسفة المعرفة. بكلام آخر، عليه ألا ينسى هويته بالإيمان. وما يؤمن به. أقصد بذلك القول إن المدافع المصلح من خلال تقريره لكل من مضمون الإيمان المصلح وللأسلوب الصحيح للدفاع عن ذلك الإيمان، يترتب عليه أن يكون كتابياً راديكالياً. عليه التحفظ من اعتماد أي أسلوب للدفاع عن الإيمان من شأنه إضعاف حتى أدنى جزء من مضمون ذلك الإيمان.
سنوضح ما نقصد في سياق الفصول التالية إذ نتناول أولاً التسويغ للإيمان المسيحي ككل (الفصل الثاني)، ثم للكتاب المقدس ككلمة الله (الفصل الثالث). من ثم سنتطرق إلى الدليل[10] على حقائق وتاريخية أربعة من الأحداث المركزية للإيمان المسيحي: قيامة يسوع المسيح في الجسد (الفصل الرابع)، ولادته العذراوية (الفصل الخامس)، معجزاته العظيمة (الفصل السادس)، واهتداء بولس على طريق دمشق (الفصل السابع).
في الفصلين التاليين (الثامن والتاسع على التوالي) سنتطرق إلى المنهج الدفاعي لـ “بنيامين ب ورفيلد” (المعروف أحياناً باسم “أسلوب الدفاع برنستون القديم”) والمنهج الدفاعي الذي يعتمد الفرضية المسبقة بأن المسيحية تشكل الأساس الأوحد للتفكير العقلاني (والذي أفضل أن أسميه “الكتابي”).
ثم سنتناول بعضاً من انعكاسات هذه النظام الأخير على الإيمان والحياة لدى اعتبار الكتاب المقدس الأساس الكافي والوافي وحده للمعرفة وللأهمية الشخصية (الفصل العاشر)، طبيعة الحق الكتابي (الفصل الحادي عشر) والقيمة الدفاعية للآداب المسيحية المبنية على الإيمان بوجود الله (الفصل 12). وسنختم من خلال المحاججة في ضرورة اعتمادنا المنهج الدفاعي لبولس، في معرض سعينا لتبشير الناس بالمسيح في جيل ما بعد الحداثة هذا (الفصل الثالث عشر)، قبل أن ننهي بخاتمة.
[2] اللفظة اليونانية المترجمة “سبب” هي logon المشتقة من logos، حيث جذرها يتضمن فكرتي العقلانية والمنطق، وذلك بمعزل عن ترجمتها إلى “كلمة”، أو “شرح”، أو “خطاب”، أو “جملة”….
[3] إن سقوط الإنسان بحسب تكوين 3 من حالة الاستقامة (Status Integritaitis) التي كان قد خلق فيها، إلى حالة الراهنة من الفساد الأدبي (Status Corruptionis) لم يجعل البشرية تتخبط في حالة من السقوط والعجز عن تغيير هذا السقوط وحسب (رومية 1: 18-32؛ 3: 10-18؛ 5: 12-19؛ 8: 7، 8؛ 1كورنثوس 2: 14؛ أفسس 4: 17-19) بل أيضاً في حالة من المذنوبية الحقيقية أمام الله من جراء خطيئتها. إن سبباً رئيسياً وراء عجزه عن تغيير وضعه هو ما خلفته الخطيئة من نتائج وخيمة على تفكيره.
وعلى إثر ذلك، بات الناس يسلكون “ببطل ذهنهم، إذ هم مظلمو الفكر، ومتجنبون عن حياة الله لسبب الجهل الذي فيهم بسبب غلاظة قلوبهم” (أفسس 4: 17، 18). إن بحثاً في العمق لنتائج الخطيئة الوخيمة، يمكن العثور عليه في المرجع التالي بقلم “ابراهام كويبر”:
Principles of Sacred Theology (Grand Rapids, Eerdmans, n. d.), 106-14.
هناك، يظهر أن الناس وهم يبنون علومهم، وبسبب نتائج الخطيئة على الذهن الساقط، عليهم التسليم باحتمالات أن يشوب كل ذلك، الكذب والباطل، والأخطاء غير المقصودة، وخداع الذات، اقتحام الأوهام للمخيلة، وتأثيرات سلبية مقصودة مصدرها أذهان أخرى، مثلاً في حقل التربية على ذهن العالم، والضعف الجسدي الذي يؤثر في الذهن البشري ككل، وعلاقات الحياة غير المنظمة، والمعلومات المغلوطة وغير الدقيقة والتي جرى تعلمها في مجال ما من الحياة وتأثيرها في أفكار من مجالات أخرى، والمصلحة الذاتية البشرية، والوهن الذي يفتك بالطاقات الفكرية، وظلام الوعي، والفوضى الداخلية التي تضرب التجانس في الحياة، وفقدان المعرفة المعلنة لله المتعالي، والتي على أساسها يكون بإمكان أحدنا إدراك الكون وإدراك نفسه.
والآن يجب أن يواجه الناس، في نظر “كويبر”، إمكانية أن تقودهم أي من تأثيرات الخطيئة هذه. أو جميعها إلى الجهل وذلك في معرض بحثهم عن المعرفة. لعل مثلاً كلاسيكياً على هذا هو “برتراند راسل”، الفيلسوف وعالم الرياضيات والحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1950، والذي كتب قبل مماته: “كل مجهودات العصور وكل إشراقة العبقرية البشرية في أبهى لمعانها، مصيرها الفناء والانقراض في موت النظام الشمسي الشاسع.
كما أن هيكل إنجازات الإنسان بأكمله يجب، بشكل لا مفر منه، أن يدفن تحت أنقاض كون في حالة دمار”. كم هو مأساوي هذا الكلام! كل عظمة “راسل” الخالية من الإيمان. إلى أين قادته؟ هل إلى الله، وإلى تعزياته الأبدية؟ كلا، لقد كان ملحداً صراحة، وكملحد ما أقل ما نفعه كل علمه في نهاية المطاف!
[4] من خلال العبارة “الإعلان الخاص” أشير إلى الكتاب المقدس على أنه ما يفترض بأنه إعلان الله عن ذاته. فكل من المدافع الذي يبني على البراهين، والذي يفترض مسبقاً كون الإيمان المسيحي هو الأساس الأوحد للتفكير العقلاني، سيعتمدان كليهما الكتاب المقدس في تعاملهما مع غير المؤمن، لكن الأول ينظر إلى الكتاب المقدس في البداية كوثائق من القرن الأول جديرة بالثقة على وجه العموم. فيما الأخير يستخدم الكتاب المقدس منذ بداية حججه بصفته كلمة الله الموحى بها.
[5] أقصد بـ “اللاهوت الطبيعي المنهجي” ذلك الأسلوب اللاهوتي حيث المقدمة الفلسفية “لقصة أولى” تبنى أولاً بالمنطق الطبيعي العامل بشكل مستقل مع ما يوصف بـ “المعلومات المحايدة”. بعد هذا توضح على هذا “قصة ثانية” مجموعة من المعتقدات المشتقة من الإعلان الخاص. في هذا الصنف من “اللاهوت الطبيعي”، الإعلان المسيحي الذي لا يُقصد منه إزاحة المقدمة الفلسفية أو العمل كأساس لها، يفترض مسبقاً وجود المقدمة الفلسفية، وعلى ما يبدو تثبتها وتكملها.
[6] عنوان هذا الكتاب “الإيمان وموجباته المنطقية” وعنوان الكتاب المصلح التابع للنظام المبني على الدلائل “جون هـ غرستنر” Reasons for Faith (“موجبات الإيمان”) يسلطان الضوء على الفرق بين المنهجيات الدفاعية المصلحة المنتظمة وغير المنتظمة على التوالي من خلال عكس اللفظتين.
[7] إن كانت علوم ما وراء الطبيعة (metaphysics) تعد أحد أشكال “الفيزياء الكبرى” والتي تفسر جميع الشعب الأخرى للفيزياء. هكذا أمر الرواية الأوسع التي هي بمثابة “القصة الكبرى” التي تشكل القرينة لكل “القصص الصغرى”
[8] Cornelius Van Til, Paul at Athens ( a Pamphlet Published by Lewis J. Grotenhuis; Phillipsburg, New Jersey, n. d.)13.
[9] Cornelius Van Til, The Defense of the Faith (Philadephia: Prebyterian and Reformed, 1955), 24.
[10] آمل من خلال هذه الفصول الأربعة، دحض المفهوم المغلوط عند الذين يرتكزون إلى الدلائل في دفاعهم، ومفاده أن دعاة الفرضية المسبقة بأن المسيحية تشكل الأساس الأوحد للتفكير العقلاني (أو “الكتابيين”) غير معنيين بالدلائل على الإيمان المسيحي، بما أن هذا ببساطة غير صحيح. فمناصرو هذه الفرضية المسبقة، يستخدمون بانتظام الدلائل على الإيمان المسيحي في معرض مساعيهم الدفاعية.
إلا أنهم لا يستخدمونها تحت شكل احتمالات، الأمر الذي يسمح لغير المؤمن باستخلاص كون الدليل، في أفضل حالاته، يبرهن أن المسيحية يرجح فقط أن تكون صحيحة. شكل هذا خطأ فادحاً ورئيسياً لأسلوب الدفاع “برنستون القديم” ولا يزال يعد خطأ فادحاً ورئيساً لأسلوب الدفاع المبني على الدلائل اليوم. الغلطة الرئيسة في هكذا نظام دفاعي، هو افتراض أن لدى غير المؤمن بما يكفي من الصدق لتفحص الدليل بشكل عادل.
أسئلة عن الإيمان – تصميم منهجيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)
أسئلة عن الإيمان – تصميم منهجيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)
تُعني الدفاعيات بتوصيل فرح الإيمان المسيحي واتساقه وملاءمته للحياة من ناحية، وبالتعامل مع ما يواجهه الناس من شكوك ومخاوف وتساؤلات حول الإيمان من ناحية أخرى. وهذا ما نراه منذ زمن العهد الجديد حتى الآن.[1] والدفاعيات تؤكد وجود إجابات أمينة ومقنعة للأسئلة المخلصة التي يسألها الناس عن الإيمان. وهذه الأسئلة لابد أن تُحترم وتؤخذ على محمل الجد. والأهم من هذا، أنه يجب الإجابة عليها. والأهم من هذا وذاك أن الإجابات موجودة.
وتختلف الأسئلة التي تثار حول الإيمان من ثقافة إلى أخرى. فالكُتاب المسيحيون الأوائل، على سبيل المثال، انشغلوا بكيفية مواجهة نقد الفلسفة الأفلاطونية لمعتقداتهم من ناحية، وبكيفية تصميم أسّاليب فعالة لتوصيل إيمانهم وإبراز جماله للأفلاطونيين من ناحية أخرى.
في حين أنه في بداية العصور الوسطى ركز الكثير من اللاهوتيين في أوروبا الغربية، ومن بينهم الفيلسوف العظيم توما الأكويني، على الأسئلة الدفاعية التي أثارها الكُتاب المسلمون. (كان للإسلام تواجد قوي في أسبانيا وشمال فرنسا آنذاك). وفي هذا الصدد أيضًا، علينا أن نُقدر أهمية المستمتعين. لأنه كما تشكل طبيعة المستمتع أسلوبنا في تقديم الإيمان المسيحي، تشكل كذلك الأسئلة التي يطرحها عن المسيحية.
فالأسئلة التي تُطرح في الإطار الإسلامي مثلاً غالبًا ما تتعلق بتاريخ الكنيسة (ولاسيما فترة الحروب الصليبية)، وتتعلق أيضًا بتعليم الثالوث، وبألوهية المسيح، وهما العقيدتان اللتان ينظر إليهما المسلم باعتبارهما متعارضتين تمامًا مع جوهر عقيدة التوحيد في الإسلام.
أما الإطار العقلاني، غالبًا ما يطرح أسئلة تتعلق بالعقائد “غير العقلانية” (مثل عقيدة الثالوث أو الإيمان بأن يسوع هو الله وإنسان في آن)، أو الأسئلة التي تشكك في صلاح الطبيعة البشرية أو استقلاليتها (مثل عقيدة الخطية الأصلية). في حين أنه في إطار ما بعد الحداثة غالبًا ما تتعلق الأسئلة بفكر العهد الجديد الذي يؤكد أن يسوع المسيح هو الطريق الوحيد للخلاص (وهو ما يُعتبر منافيًا لفكر ما بعد الحداثة الذي يمجد التعددية).
فالنقطة المهمة هنا أن تفهم مستمعيك وتتعرف على شكوكهم وأسئلتهم. ولا يجب أن تنظر إلى هذه الأسئلة باعتبارها تهديدات مكروهة، بل رحِّب بها على اعتبار أنها يمكن أن تمثل مداخل للإيمان. فالسؤال يعني أن صاحبه مهتم وراغب في الاستماع.
وقد يكون هدف السائل أن يسدد لك الضربة القاضية بسؤاله، ولكن حتى لو كان الأمر كذلك، فالسؤال يتيح لك فرصة ذهبية لتوصيل الإنجيل عليك أن تقدرها وتنتهزها، لأن هذا النوع من الأسئلة يمنحك الفرصة لتزيل الغموض عن بعض ألغاز الحياة العويصة، ومن هذه النقطة يمكنك أن تشرح الرؤية المسيحية للواقع وتبرز حُسنها. ففي دفاعك عن المسيحية، لا داعي لتكوين توجه دفاعي، وكأنك تدافع عن عقيدتك ضد هجوم يُشن ضدها.
ولكن عليك أن تنظر لكل سؤال على أنه فرصة لإزالة سوء الفهم، وإظهار مصداقية الإيمان وجاذبيته، والحديث عن تأثيره على الحياة. ومن ثم، لابد من الترحيب بالأسئلة ولابد من تكوين إجابات جيدة وتقديمها للسائل. والإجابات متوفرة بالفعل، وليس علينا سوى أن نكتشفها ونطوعها بما يتناسب مع مهاراتنا في الحديث ومع الجمهور الذي نتفاعل معه.
فكيف نتعامل مع هذه الأسئلة؟ تقدم بعض الكتب الدراسية في الدفاعيات إجابات ثابتة لأسئلة ثابتة، وتشجع القارئ على إتقان هذه الردود الروتينية حتى يدافع عن الإيمان المسيحي بإخلاص وفاعلية.[2] ولكن بحكم مهنتي في التدريس، أقول إني أفضل منهجًا مختلفًا.
فأفضل الإجابات التي نقدمها للأسئلة التي يطرحها الناس عن الإيمان ليست تلك التي نأخذها من الكتب الدراسية أو المصبوبة في قوالب جاهزة، ولكن أفضل الإجابات هي التي يُكونها المدافعون فرادي في معالجتهم للأسئلة التي تُطرح عليهم، بناءً على حالة السائل، والموارد المتاحة للإجابة. ومن ثم، على المدافع ألا يَقنع بالإجابات المستعارة، بل عليه أن يكْون إجاباته بنفسه. أي باختصار عليه أن يمتلك إجاباته. فلا تُقدم إجابة إلا إذا كانت مُرضية لك شخصيًا.
وهذا الفصل لا يعرض قائمة تفصيلية بالعثرات التي تواجه الناس في الإيمان والإجابات التي يمكنك تقديمها ردًا عليها. ولكنه يهدف إلى تشجيعك على تكوين إجاباتك الخاصة، بمعنى أنه يُعلمك منهجًا، دون أن يقدم لك عبوة جاهزة من الإجابات تقصها وتلصقها في عقلك. وسوف نتناول أولاً بعض المبادئ العامة للتعامل مع الأسئلة والمخاوف والشكوك.
ولكن قبل أن نستعرض هذه الأسئلة، لابد أن نحدد إطارًا يساعدنا على فهم دور المدافع. وسوف أسوق صورة بصرية تُقرب الفكرة. يُلاحَظ أن الكثير من المدافعين يصابون بالإحباط عندما تُطرح عليهم أسئلة صادقة ويقدمون لها إجابات يرونها جيدة، ولكنها لا تؤثر على مستمعيهم تأثيرًا واضحًا. وذلك لأنهم يعتقدون أنهم إذا قدموا إجابة جيدة فليس هناك ما يمنع الشخص من قبول الإيمان على الفور. ولكن للأسف، من الواضح أن الحياة أعقد من هذا النموذج البسيط.
والصورة التي طالما رأيتها مفيدة في هذا الصدد أن نتخيل أن كل شخص هو غالبًا على الطريق المؤدي من الشك أو عدم الإيمان إلى الإيمان. وذلك الطريق عند البعض سهل وممهد، ولا تكثر فيه العوائق الصعبة. ولكنه عند البعض الآخر طويل وصعب ومليء بالحفر وغيرها من العوائق التي تقف أمام الإيمان على طول الطريق.
ولكن المشكلة أن المدافع الذي يراقب الموقف من الخارج لا يعرف طبيعة الطريق الذي يسير فيه الشخص، فهو لا يعرف ماإذا كانت المشكلة التي يثيرها مَن يتحدث إله هي العائق الوحيد الذي مازال يقف أما الإيمان، أم أن هناك كمية ضخمة من المشكلات التي لم يتم التعامل معها بعد. إن كل ما يمكن المدافع أن يفعله هو أن يقدم إجابة جيدة ويثق أن البذرة قد ألقيت، وأن العوائق نقَص منها واحد، وهو ما يعني أن وظيفتنا أن ننقل الناس خطوة واحدة على الطريق.
وهذه الخطوة ستكون الأخيرة عند البعض، ولكنها عند البعض الآخر ستكوان مجرد خطوة ضمن خطوات عديدة على الطريق. ولكنهم الآن أقرب مما كانوا. فوظيفة المدافع إذَن أن يسير مع الشخص على الطريق إلى الإيمان ويتركه في نقطة أقرب إلى الهدف مما بدأ.
وسنستعرض في جزء لاحق من هذا الفصل دراستّي حالة تقدمان صورة للاعتراضات والشكوك التي غالبًا ما تثار حول المسيحية في المناقشات. وقد تم اختيارهما بوصفهما نموذجًا للشكوك الحقيقية، وسنتعلم منهما أيضًا كيفية تكوين الإجابات الجيدة.
الأسئلة والشكوك: بعض النقاط الأساسية:
من المفيد ونحن نتعامل مع الأسئلة أن نضعها في نصابها الصحيح ونحاول إيجاد أفضل طريقة للتعامل معها. ومعظم المدافعين يكتشفون أن الخبرة تساعدهم كثيرًا في تطوير قدراتهم على التعرف على الأسئلة والإجابة عنها.
1- كن رقيقًا:
يُذكرنا بولس أننا «سفراء عن المسيح» (2 كو 5: 20). لذلك، علينا أن نتذكر أننا لابد أن نجسد قيم الإنجيل في إجاباتنا على الناس. ولابد في هذه المواقف أن نُظهر رقة قلب الله لا غرورنا البشري أو عصيبتنا. حاول أن تقدم إجابات مهذبة، تراعي مشاعر الآخرين، وتساعدهم، وخصوصًا إن كان السؤال يوحي بأن السائل لا يفهم الإيمان المسيحي جيدًا، أو أن لديه نظرة مضخمة لقدراته العقلية.
2- ما السؤال الحقيقي؟
غالبًا ما يُنصح المدافعون أن يحاولوا اكتشاف السؤال المختفي وراء السؤال. ما معنى هذا؟ تخيل أنك سئلت هذا السؤال: كيف يسمح إله صالح بالمعاناة في العالم؟ قد ينظر السائل إلى هذا السؤال باعتباره مشكلة فكرية بحتة يبحث لها عن إجابة فلسفية شافية. فاحرص على أن تكون قادرًا على تقديم هذه الإجابة.
ولكن ربما أن حقيقة الأمر تختلف عن ذلك تمامًا. فمحتمل أن السائل فتاة كانت تجلس بجوار أمها وهي تراها تعاني آلامًا مبرحة ليلة وراء الأخرى في المراحل الأخيرة من سرطان العظام، إلى أن فارقت الحياة منذ أسبوع. وفي هذه الحالة فهي لا تتعامل مع المسألة انطلاقًا من فضول فكري، ولكن انطلاقًا من ألم نفسي عميق. وهي لا تنتظر منك أن تلقى عليها محاضرة فلسفية. ولكنها تحتاج لتعاطفك وتفهمك. ولذلك، الإجابة التي تنتظرها قد تكون وجودية أكثر منها فكرية، أي أنها تحتاج لمن يطمئنها أن الله يسير معها في وديان الحياة المظلمة.
ومن الطرق التي وجدتها مفيدة في التعامل مع هذه القضية أن أرحب بالسؤال ثم أسأل صاحبه عما إذا كان لا يمانع في أن يطلعني على سر اهتمامه بهذا السؤال، مما يساعدني على اكتشاف السؤال الحقيقي فأتعامل معه بالأسلوب الصحيح.
3- لا تقدم إجابات سابقة التجهيز للأسئلة الصادقة:
من السهل أن نسقط في إغراء حفظ مجموعة من الإجابات لعدد من الأسئلة وترديدها بشكل آلي لمن يسألنا عن الإيمان. إلا أن هذا الأسلوب عديم الفاعلية لسببين وجيهين. أولهما أن الأمر سينتهي بك إلى ما يشبه الماكينة المبرمجة التي تضخ إجابات محفوظة لا تلائم السامع.
وثانيهما أنك قد لا تجد في مخزون إجاباتك الرد المناسب للسؤال المطروح، فتقدم إجابة لسؤال آخر مختلف. والمستمعون يلاحظون ذلك ويرون أن هذه الردود غير شافية وغير مقنعة. ولذلك، على المدافع أن يصغي ويجيب عن السؤال المطروح فعليًا لا عن سؤال مختلف، وهو ما قد يجبرنا على تكييف ما لدينا من إجابات “ثابتة” وتطويرها.
4 – تعَلم من مدافعين آخرين:
من أفيد الأشياء التي أفعلها مع طلابي في “مركز أكسفورد للدفاعيات المسيحية” أن أجمع منهم فريقًا ما بين ستة طلاب واثني عشر طالبًا لنناقش الردود التي يمكن أن نقدمها للأسئلة التي يطرحها الناس علينا. فأبدأ بطرح سؤال وأترك للطلاب يضع دقائق لتحضير إجاباتهم. ثم نراجع كل الإجابات معًا من حيث أسلوبها ومضمونها. وما نتيجة ذلك؟ إكساب الطلاب خبرة في إجابة الأسئلة، والأهم من ذلك تزويدهم بحوالي اثنتي عشرة طريقة مختلفة للتعامل مع السؤال. والجميع يغادرون المجموعة بفهم أفضل لكيفية تقديم إجابة مفيدة للسؤال.
ومن أفضل الطرق لتْكون ردودًا على الشكوك والاعتراضات التي تثار ضد الإيمان أن تتعلم من الآخرين الذين صنعوا فن الدفاعيات، من أمثال “وليم لين كريج”، أو “پيتر كريفت” Peter Kreeft، أو “راڤي زكراياس” Ravi Zacharias. ويمكنك أن تجد على الإنترنت مقاطع فيديو أو تسجيلات صوتية لمحاضراتهم التي تنتهي عادةً بأسئلة وأجوبة. استمع لإجاباتهم عن أسئلة الجمهور. ولاحظ كلاً من أسلوب الإجابة ومحتواها. فليس المهم ما تقول فحسب، بل كيف تقوله.
وحتى تكُون منهجاً خاصًا بك، سنتناول بعض الأسئلة التي تُطرح عادةً في المحاضرات والحوارات الدفاعية، وبعض الأساليب المقترحة للتعامل معها. ولكن لا يجب النظر إلى هذا التحليل باعتباره تحليلاً شاملاً ولا متعمقًا.
ولكنه يزودك بفكرة عن بعض الأساليب التي يمكن استخدامها للتعامل مع كل سؤال، ثم يتركك لتقرر ما ستقوله أنت ردًا على هذا السؤال. وفي كل حالة سنحدد بعض الأركان الأساسية التي يمكن تدمجها في إجاباتك. وهي تمثل الخيوط، أما طريقة نسجها معًا تتمثل في منهجك الخاص في الدفاعيات والأسئلة التي تحتاج أن تتعامل معها. وسنبدأ بمشكلة الألم.
دراسة حالة (1): لماذا يسمح الله بالألم؟
أول دراسة حالة سنتعرض لها تتعلق بقضية دائمًا ما تثار سواء في المناظرات العامة أو الأحاديث الخاصة. وهي تقول إن كان الله صالحًا، فما سر المعاناة التي نراها في العالم؟ لماذا تحدث أشياء سيئة في كونٍ خلقه إله يُفترض أنه محب؟ إنه سؤال مهم في حد ذاته. ولكنه يساعدنا أيضًا لتكتشف كيفية تكويننا للأجابات عن كل الأسئلة التي تطرح علينا.
وفيما يلي، سندرس مجموعة من النقاط التي يمكن تقديمها ردًا على سؤال الألم. وكل منها خيط يمكن استخدامه بمفرده أو نسجه مع خيوط أخرى فتصبح جزءًا من النسق في لوحة أكثر ثراء.
ولنطرح على أنفسنا أولاً هذا السؤال: لماذا يرى الكثيرون أن وجود الألم في العالم مشكلة؟ من الوهلة الأولى، تبدو إجابة السؤال مباشرة، ألا وهو أن القضية تنطوي على تناقض منطقي، فإن كان الله صالحًا، لماذا نرى الشر في العالم؟ عند البعض، هذه هي القضية الحقيقية التي يجب التعامل معها، ومحتمل أنها تهدد إيمان الشخص. لذلك، يحتاج هذا السؤال لإجابة منطقية عقلانية.
ولكن كما أشرنا آنفًا، الألم يثير شكوكًا أعمق عند البعض، فمن المحتمل أنهم يعانون من مشاعر الحيرة والحزن العميق بسبب آلام أحد أحبائهم أو بسبب موته. وفي هذه الحالة لن يعنيهم المنطقُ كثيرًا، لأن مشكلتهم ليست في أن يفهموا الألم بل أن يتعاملوا معه.
وهم ليسوا قلقين لئلا يتضح أن الإيمان المسيحي غير منطقي، ولكنهم قلقون لئلا يتضح أن الكون بلا معنى، كما أشار الكاتب والممثل الكوميدي “وودي ألن” Woody Allen في ملاحظة ساخرة ذات مرة: «إن الجنس البشري يقف اليوم في مفترق طرق لم يشهده مطلقًا على مر التاريخ. وأحد الطريقين يؤدي إلى اليأس وفقدان الأمل التام، والطريق الآخر يؤدي إلى الانقراض النهائي. فلنُصلِ أن يمنحنا الله حكمة الاختيار.»
ومن ثم على المدافع أن يعي أن هذا السؤال يجب التعامل معه على مستويات مختلفة. فبعض الناس لا يحتاجون إلا لتشريح كلينيكي جاف للقضايا الفكرية المتضمنة في الموضوع، في حين أن مثل هذا التحليل سيصيب البعض الآخر بالارتباك والتشوش، خاصةً لأن ما يشغلهم هو قلق وجودي وليس قلقًا فكريًا.
فخبرة الألم عند الكثيرين تمثل مشكلة قلب أكثر منها مشكلة عقل. والسؤال الذي يشغلهم ليس «كيف أفهم هذا الألم على المستوى الفكري؟» بل «كيف أتعامل معه على المستوى الوجودي؟»[3] وفي هذه الحالة يحتاج الشخص إلى مشاركة وجدانية بقدر ما يحتاج إلى حكمة فكرية.
وأول نقطة يجب التركيز عليها أننا لابد أن نتعلم التعايش مع الأسئلة، فما من أحد لديه إجابة قاطعة لمشكلة الألم. فالألم عند الملحد العنيف “ريتشارد دوكينز” عديم المعنى ولا غرض له، وهو الشيء المتوقع في هذا الكون الذي لا غرض له. وكل ما علينا أن نعتاد هذا الوضع. إجابة منظمة ولكنها محبطة جداً للكثيرين، وتطالبهم بأن يرتفعوا فوق ما يرونه في هذا العالم من ألم وانعدام للمعنى.
أما الكثير من الكُتاب الرواقيين القدامى فقد رأوا أن البشر لابد أن يخترعوا عوالم خاصة بهم لها معنى وسط عالم عبثي بلا معنى. وهذا أفضل ما يمكننا أن نصبوا إليه، أن نفرض معنى على عالم هو في الأساس عشوائي وبلا غرض.
ويقول بعض الملحدين إن الألم شر، وهو في حد ذاته كافٍ لدحض فكرة وجود الله. وهي حجة غريبة لأن الفحص الدقيق يبين أنها تفند نفسها بنفسها. فالحجة المبنية على وجود الشر التي تستخدم لإثبات عدم وجود الله تعتمد على الاعتراف بأن الألم شر. ولكن هذا التصريح ليس ملاحظة تقوم على التجريب، ولكنها حكم أخلاقي. فالألم طبيعي، ولكنا عندما نقول إنه شر، فهذا يعني أننا افترضنا إطارًا أخلاقيًا مسبقًا يضع مقاييس واضحة لما هو خير وما هو شر.
ولكن من أين يأتي هذا الإطار؟ فنجاح هذه الحجة يتطلب وجود إطار أخلاقي مطلق، يشير في حد ذاته إلى وجود الله. وهكذا يبدو في نهاية الأمر أن عدم وجود الله يعتمد على وجود الله. إذن فالحجة ليست موفقة. وإن كانت رؤيتي الشخصية تقول بأن الطبيعة شر، فهذه الرؤية لا علاقة لها بمسألة وجود الله، ولكنها قد تكشف شيئًا من نظرتي الساذجة العاطفية، لا عن البنية العميقة للكون.
ولابد هنا أن ننظر للموضوع بشكل أعمق. فالمسيحية تعلن أن الله تألم في المسيح. أي أن الله يعرف معنى الألم. والرسالة إلى العبرانيين تتحدث عن يسوع باعتباره شخصًا يتألم معنا )عب 4: 15). وإن كان ذلك لا يفسر الألم، ولكنه بلا شك يجعلنا أكثر قدرة على تحمله. ويعكس فكرة عميقة، ألا وهي أن الله ذاق المعاناة بنفسه كما نذوقها نحن.
ففي التجسد، الله الخالق يدخل إلى عالم الألم والمعاناة الذي نعيش فيه، لا سائحًا متفرجًا، بل مخلِّصًا ملتزمًا بخليقته، وهكذا يدرك المسيحي ـن التزام الله المحب من نحو عالم متألم دفعه ليدخل فيه شخصيًا، دون أن يرسل مندوبًا عنه، ولكنه اختار أن يشارك في ألمه ومعاناته. والروائية المشهورة “دورورثي ل. سيّرز” Dorothy L. Sayers، وهي أيضًا لاهوتية ولكنها لم تعمل باللاهوت، طرحت هذه النقطة بكل وضوح حين قالت:
أيًا كان السبب الذي من أجله اختار الله أن يخلق
الإنسان على هذا النحو، محدودًا، وعرضة للألم،
والحزن، والموت، فقد كان الله من الأمانة والشجاعة
أن يتناول دواءه بنفسه. وأيًا كانت اللعبة التي يلعبها
مع خليقته، فقد التزم بقواعدها ولُعِب لُعبًا نظيفًا، إذ أنه
لا يمكن أن يتوقع من الإنسان شيئًا لم يفعله هو بنفسه.
ولكنه اجتاز بنفسه في كل الخبرة البشرية، بدءًا من
المضايقات الأسرية البسيطة، وضغوط العمل الشاق،
وضيق ذات اليد، إلى أفظع أنواع الألم والمهانة والهزيمة
لقد اختار الله أن يعاني. ومعاناة يسوع المسيح تطمئننا أننا نحظى بامتياز التعامل مع إله يعرف ما ينطوي عليه العيش في عالم ساقط من ألم وحزن. وقصة آلام المسيح التي ترويها الأناجيل تخبرنا عن مخَلص يفهم المعاناة حق الفهم، بل إنه اجتاز فيها بنفسه. وتتحدث المزامير عن إله يسير معنا دائمًا في رحلة الحياة حتى في أحلك لحظاتها (مز23).
من الأقوال الشائعة عن العمل الطبي عبارة تقول: «الطبيب المجروح هو فقط من يستطيع أن يعالج.» وسواء أكانت المقولة على صواب أم كانت خاطئة، هذا أمر قابل للنقاش. ولكنها تؤكد أننا نستطيع أن نتعامل بشكل أفضل مع من مَر بمشكلتنا نفسها، واجتاز ما نجتاز فيه، وانتصر عليه. والكثير منا يعرف من الخبرة أنه يصعب التعامل مع شخص لم يشاركنا مشكلاتنا.
إلا أنه من الطرق التي يمكن التعامل بها مع هذه المسألة دفاعيًا هي طريقة المواجدة أي الدخول في وجدان الآخر، فتشاركه وجدانيًا empathize في مشكلاته ومخاوفه. وحتى لو لم تكن قد اجتزت فيها فعليًا، وحتى لو لم تكن قادرًا على فهمها، تحاول أن تدخل بذهنك في الموقف حتى يمكنك أن تخبر الشخص بصدق أنك تفهم تمامًا ما يشعر به.
إلا أن جوهر فكر التجسد في المسيحية يتحدث عن الله المتعاطف sympathizing مع آلامنا، فهو لا يشاركنا فيها وجدانيًا كما لو كان لم يختبرها بنفسه، لكنه يتعاطف معنا، والمعنى الدقيق لهذه الكلمة أنه “يعاني معنا.” ورجوعنا لله يعني الرجوع لمَن يعرفنا ويفهمنا.
هناك قصة رائعة عن “إيست أنجليا” East Anglia التي كانت يومًا ما مركز تجارة الصوف في انجلترا. تقول القصة إنه في أواخر العصور الوسطى كان راعي الأغنام في هذه المنطقة يوضح عند موته في صندوق محشو بصوف خرافه. لماذا؟ حتى يعرف المسيح في يوم الدينونة أنه كان راعيًا، لأنه مادام المسيح نفسه كان راعيًا، فهو يعرف الضغوط التي واجهها هذا الرجل، والوقت الذي كان يصرفه للعناية بالخراف العنيدة، وسيتفهم الظروف التي منعته من المواظبة على الكنيسة.
وبالرغم من أنها قصة مضحكة، فهي تشير إلى نقطة مهمة لابد أن نقدرها باعتبارها واحدة من أثمن الأفكار التي تزودنا بفهم أعمق لله، ألا وهي أننا لا نتعامل مع إله بعيد لا يعرف شيئًا عما تعنيه الإنسانية وما يرتبط بها من ضعف وفناء. ولكن الله يعرف ويفهم «فَلنَتَقَدَّم بِثِقَةٍ إِلَى عَرشِ النِّعمَةِ» (عب4: 16).
علاوة على ذلك، يقدم الإنجيل إعلانًا قويًا يشع بلهيب من المحبة، إذ يُعرفنا أن المعاناة والألم في هذا العالم سيفسحان الطريق لمكان أفضل، مكان فيه «سيمسح الله كل دمعة» من عيوننا. «وَالمَوتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعد» (رؤ21: 4). فنحن نحيا على رجاء.
تساعدنا هذه الأفكار على وضع الألم في سياق. وتمكننا كذلك من تناول جوانب الألم بشكل مقنع. فمن المهم مثلاً أن نوضح أننا نعيش في عالم ساقط حيث لم يعد البشر يعيشون في الحالة التي أرادها الله لهم. وقد أدت أنانيتهم وطمعهم إلى الحروب والمجاعات والإفراط في استغلال الأرض، وحدوث تغييرات جوهرية في موارد العالم، قد تؤدي إلى نتائج تدميرية. إلا أن الله لم يكن يتمنى حدوث أي من هذه الأمور، ولكن كلها أشياء من فعل البشر. حتى إنه دائمًا ما يقال إننا صنعنا تكنولوجيا قد تؤدي بنا إلى الانقراض. وهذا هو اختيارنا الذي لم يكن الله يريده.
من المهم أيضًا أن ندرك أن الألم ينشأ من طبيعة العالم نفسها. ومن ثم، ليس هناك ما يدعو إلى أن نظن أنه كان من الممكن أن يكون العالم “أفضل”. فالعلماء يؤمنون مثلاً بأنه من شروط تواجد الحياة على الأرض أن يكون هناك “صفائح تكتونية” “tectonic plates”، أي أن سطح الأرض لابد أن يكون قادرًا على الحركة حتى يتجاوب مع الضغوط الجيولوجية. والنتيجة؟ زلازل وأمواج تسونامي. هل هذه شرور؟ لا، إنها أمور طبيعية فحسب.
لا شك أنها تتسبب في معناة البشر، إلا أنها لم تصمَّم لذلك، ولكنه جزء من الثمن الذي ندفعه مقابل أننا نعيش في عالم به حياة. ولكن بعض من ينتقدون الله يشكون مر الشكوى من فشل الله في خلق عالم مطابق لمواصفتهم. فلو كان الأمر بيدهم، لنجحوا في تصميم عالم أفضل كثيرًا. إلا أن هؤلاء الأشخاص المخلصين لا يرون حقيقة مؤلمة، ألا وهي أنه ليس هناك ما يدعو إطلاقًا لافتراض إمكانية خلق عالم أفضل، أو أنه يوجد عالم أفضل في مكان آخر.
ولكن لابد أن ننتبه لنقطة أعمق بكثير في هذا الموضوع، ألا وهي: لماذا ننزعج من معاناة الآخرين؟ لماذا تستشعر خطأ كبيرًا في موضوع الألم؟ إنها مسألة تتعلق بالقلب أكثر مما تتعلق بالعقل. فمن أين تأتي هذه المعرفة الحدسية العميقة بأن المعاناة والألم خطأ؟ إن هذا الحدس العميق له دلالة كبيرة لا يعترف بها الكثيرون، وقد رأينا دلالته في تناولنا للحجة المبنية على الرغبة والحجة المبنية على الأخلاق. فإن كانت هذه المعرفة الحدسية عشوائية وبلا معنى، يصبح إدراكنا للعالم مجردًا من أي قيمة أصيلة فيه.
ولكن ماذا لو كانت هذه المعرفة الحدسية تشير إلى شيء أعمق، شيء أصيل فينا يعكس طبيعتنا الحقيقية وهويتنا؟ ماذا لو كانت تمثل أحد جوانب «الفطرة الداخلية التي تسعى لله” التي تناولناها آنفًا؟ ماذا لو كان هذا النفور من المعاناة والألم هو تذكِرة بالفردوس من ناحية، وتوقع لأورشليم جديدة من ناحية أخرى؟ ماذا لو كانت أفكارنا عن الحالة الحاضرة للأشياء تتشكل بإدراكنا الحدسي لمصدرنا الحقيقي ومآلنا؟
وهكذا تثير قضية الألم بعض الأسئلة الدفاعية المهمة جدًا، وتتيح كذلك بعض الفرص القيِّمة. إلا أنه في النهاية، يبقى هذا السؤال من الأسئلة التي يستحيل على أي شخص، علمانيًا كان أم دينيًا، أن يجيب عنه إجابة كاملة. ولكن المهم هنا هو من الذي يمكنه تقديم الإجابة الأكثر إرضاءً من الناحية الوجودية، إجابة تصمد أمام النقد حتى وإن تركت بعض الأسئلة دون إجابة، ربما لأنها غير قابلة للإجابة بشكل نهائي بسبب محدوديتنا البشرية. والقدرة على أن نعيش مع أسئلة بلا إجابات تُعتبر من علامات النضج الفكري، وليست عبثًا منطقيًا كما يراها البعض من غير الحكماء.
وسوف نتناول في جزء لاحق من هذا الفصل كيفية الاستفادة من هذا السؤال، وكيفية استخدام ما يشتمل عليه من أفكار في الدفاعيات. ولكننا سننتقل أولاً لتوضيح القضايا المتعلقة بأحد الأسئلة التقليدية الأخرى في الدفاعيات، ألا وهو: هل الإيمان بالله مجرد عكاز يساعد العاجزين على السير في الحياة؟
دراسة حالة (2): الله عكاز:
من أشهر الانتقادات التي توجَّه للمسيحية أنها عزاء للفاشلين في الحياة، فالسبيل الوحيد الذي يُمَكن هؤلاء البائسين من مواجهة الحياة هو أن يخترعوا إلهًا يمنحهم شعورًا بالراحة. أما الناس الحقيقيون فلا يحتاجون لهذه الطمأنينة الوهمية، ولكنهم يشقُّون طريقهم في الحياة بأنفسهم. إنما الدين فهو ملجأ العاجزين نفسيًا، عكاز لمن لا يقوون على التعامل مع واقع الحياة ويفضلون اختراع عالم خيالي خاص بهم.
ولابد هنا أن ننتبه لجانب مهم ألا وهو أن هذا النقد لا يمثل حجة تقوم على أدلة ومنطق قوي، ولكنه في الواقع مجرد زعم، ليس له أي سند علمي يؤيده. ومع ذلك، فهو مقبول ثقافيًا من الكثيرين، وغالبًا ما يُطرح في المناظرات والمجادلات. فكيف نرد عليه؟
أولاً، لابد أن نفهم أصوله التاريخية، فمن أين أتى هذا النقد؟ كما متوقع، يمكننا العثور على تصريحاته الحديثة في كتابات المحلل النفسي الملحد “سيجموند فرويد” Sigmund Freud (1856 – 1939) الذي اعتبر الإيمان بالله وَهمًا. وهو يقول إن الله لا وجود له إلا في العقل البشري، وفكرة الله هي نوع من “التفكير الرغبوي” الناتج عن رغبتنا في المعنى والحب.
أي أننا نخترع عالمًا وهميًا يتوافق مع رغباتنا بدلاً من أن نصالح أنفسنا على قسوة العالم الحقيقي المحيط بنا.
وهذه الفكرة يُعبَّر عنها غالبًا في الكتابات الشائعة ببعض المصطلحات، مثل أن الله وهم (كما في كتابات “ريتشارد دوكينز”) أو أنه عكاز. وينطوي المصطلح الثاني على بلاغة عميقة لأنه يعني ضمنًا أن من يؤمنون بالله أناس عاجزون، مجروحون يحتاجون للمساعدة حتى يواكبوا واقع الحياة، وهم يخترعون الله باعتباره وسيلة نفسية تمدهم بسند وهمي. ويعلن “فرويد” (دون أي دليل تجريبي واضح) أن مفهومنا عن الله وموقفنا منه عبارة عن أوهام طفولية شكلتها خبراتُنا مع آبائنا. والأفراد غير الناضجين لا يتجاوزون أبدًا هذه الثقة الصبيانية في آبائهم والاعتماد عليهم وينقلون هذا الاعتماد بشكل طبيعي إلى «أب معَظَّم جدًا» “enormously exalted father” وهمي. وهو يصرح أنه يعتبر أن هذا النوع من الإيمان بالله سذاجة فكرية:
المسألة كلها طفولية بحتة، ولا تمت بصلة للواقع،
ولكن المؤلم لأي شخص محب للإنسانية أنه يرى
أن الغالبية الساحقة من البشر الفانين لن يتمكنوا أبدًا
وتبرز ذات النظرة التي تحقر الإيمان في الإلحاد الجديد أيضًا، ولاسيما في كتاب “ريتشارد دوكينز” “وهم الإله” (2006). ولكن مع كل هذا، يظل ذلك الكلام كله مجرد زعم يستقي مصداقيته الثقافية لا من الديل التجريبي، بل من كثرة تكراره من ناحية، ونبرة الثقة التي يقال بها من ناحية أخرى.
الحقيقة أنه لا يوجد عمليًا دليل واحد يؤيد هذا الزعم الجريء بأن الله مجرد إسقاط لرغبة طفولية في الحماية الأبوية. وفي السنوات الأخيرة تعرضت أسانيد “فرويد” العلمية لموجة من النقد اللاذع، إذ بات واضحًا أن “بحثه العلمي” هو غالبًا مجرد محاولة استبطانية لإثبات ما يؤمن به أصلاً من أحكام مسبقة ومتحيزة، ولاسيما فيمايختص بعدائه تجاه الإيمان بالله.
فهو ينطلق من افتراض عدم وجود إله، ثم يحاول أن يثبت أنه يمكن العثور على تفسير عقلاني يبين سبب إيمان الناس بهذا الإله غير الموجود. فنحن نرى هنا خلطًا واضحًا، لأنه لا يمكن تحديد ما إذا كان الإلحاد هو افتراض مسبق أم خلاصة لهذا المنطق الذي يفتقر تمامًا لأي قدرة على الإقناع.
ولكننا إن وضعنا جانبًا هذا الغياب الواضح المخزي للأدلة، فما مدى هذه الحجج؟ وما مدى ترابط نظرة “فرويد”؟ نتطوي نظرية “فرويد” على مشكلة واضحة، وهي تحديدًا فكرته الغريبة التي تقول بوجود رغبة أوديبية في قتل الأب والزواج من الأم، وهي تكمن في اللاوعي عند كل الذكور.
وبناءً على هذا التفكير، يجب أن يكون الأساس النفسي لرغبة الذكور في التخلص من أي “أب في السماء” معادلاً لرغبتهم في الإيمان به. وذلك لأن “فرويد” يقول بأن الناس يحملون مشاعر إيجابية وسلبية تجاه هذا “الأب المعظم”. إذن هذه المشاعر السلبية قد تجعل قوة الرغبة في عدم وجود الله مساوية للرغبة في وجوده.
وبينما رأى «فرويد» الاعتقاد الديني وهمًا، رأى «سي. إس. لويس» أن مادية «فرويد» الإلحادية تفند نفسها بنفسها، لأن هذه الحجة التي تتحدث عن “الإسقاط” أو “الاختراع” سيف ذو حدين. فإن كان “فرويد” يقول بأن الله هو تفكير رغبوي فيه يهتم الأب السماوي بكل احتياجاتنا، فيمكننا أن ندلل منطقيًا أيضًا على أن «فرويد» وغيره من الملحدين ينكرون وجود الله انطلاقًا من حاجاتهم للهروب من شخصية أبوية لا يحبونها.
وعلى أي حال، فَقَد شابَ علاقة “فرويد” بأبيه نوع من التوتر، مما يجعلنا نستنتج أناعتقاده بعدم وجود إله ينبع من رغبته العميقة في عدم وجود شخصية أبوية، أو إن وُجدَت ربما يجب قتلها.
بالإضافة إلى ذلك، يتضح أن “فرويد” لا يعطي المشاعر المتناقضة تجاه الله حقها في البحث. فالحقيقة أن الحق المتعلق بأن الله محب هو كشف وإعلان وليس فكرة إنسانية طبيعية. حتى إن «مارتن لوثر» وكذلك “چون كالڤن” يؤكدان أن الغريزة الإنسانية الطبيعية هي الخوف من الله.
ويقول «لويس» إن “فرويد” يعجز عن إدراك أنه كما توجد ديناميكية نفسية من التفكير الرغبوي تقابلها كذلك ديناميكية أخرى من التفكير التخوفي fear fulfillment.[7] فإن كان الإيمان بالله له دوافع وأسباب نفسية، فالإيمان بعدم وجود الله له أيضًا دوافع نفسية تجعل الشخص يتمنى عدم وجود إله. لذلك، يصرح «لويس» بأنه عندما كان ملحدًا رأى الله شخصًا لا يريد أن يلتقي به: «اللاأدريون اللطفاء يتحدثون بابتسامة عريضة عن «بحث الأنسان عن الله.» ولكني آنذاك كنت أعتبرهم يتحدثون عن بحث الفأر عن القط.»[8]
والأخطر من ذلك أن “حجة” “فرويد” لا تزيد عن كونها زعمًا بأن إيمان البشر بوجود الله يتساوى مع الإلحاد. إلا أنه يتسق أيضًا مع نظم فكرية أخرى، أبرزها الاعتقاد المسيحي بأن الله خلقنا برغبة داخلية تسعى نحو السماء، كما قال القديس أغسطينوس في صلاته التي اقتبسناها فيما سبق «لقد صنعتنا لذاتك، وستظل قلوبنا قلقة حتى تجد راحتها فيك.»
ويرجع “فرويد” أن الإلحاد يمكن أن يفسر الإيمان بالله، أو الشوق البشري لله. ربما، إلا أن هذا الزعم يبدو في بعض النقاط مرتجلاً ومفروضًا عنوةً. ولكن المسيحية تفسر هذا الإيمان وذلك الشوق على نحو أكثر اتساقًا ومعقولية بما لا يقاس.
ولكننا سنختم بصورة العكاز، وهي صورة بلاغية والرسالة التي تحاول توصيلها رسالة بسيطة تقول: إن الله للعجزة نفسيًا وفكريًا. ولكن الأقوياء والأصحاء لا يحتاجون هذا النوع من الدعم الزائف أو الراحة التي لا تقوم على أي أساس منطقي، لأنهم قادرون على الاعتناء بأنفسهم. أما الله فهو للضعفاء والأغبياء. وتكاد هذه الرسالة تماثل رسالة الإلحاد الجديد الذي يفتخر بالتفوق الفكري الذي يميز معلميه البارزين، مثل “ريتشارد دوكينز” وكذلك “كريستوفر هيتشنز”.
وتجدر الإشارة هنا إلى نقطتين مهمتين. أولاً، المهم في القضية برمتها هو الحق، وليس الاحتياج، حتى إن المدافعين المسيحيين طالما أكدوا أن ما تقوله المسيحية مؤسس على صخرة الحق. فالإيمان المسيحي يُعبر عن الأشياء على حقيقتها من النواحي التاريخية، والعلاقاتية، والوجودية، والفكرية.
وهذه النظرة الشاملة للواقع تتضمن فكرة مهمة هي أن البشر مخلوقون على «صورة الله»، ومن ثم، فهم يتميزون بميل فطري للعثور على طريق العودة إلى الله، سواءً أردنا أم لم نُرد.
وثانياً، إن كانت ساقك مكسورة، أنت تحتاج عكازًا، وإن كنت مريضًا، أنت تحتاج لدواء. فهذه هي طبيعة الأمور. والنظرة المسيحية للطبيعة البشرية تقول بأننا مصابون بخلل، وجرح، وإعاقة بسبب الخطية. وهذه هي طبيعة الحال. وقد شبه القديس أغسطينوس الكنيسة بمستشفى مليء بالجرحى والمرضى الذين يتماثلون للشفاء. ولكن يبدو أن «فرويد» يقول إنه هو وغيره من الملحدين ينتمون لنوعية من البشر أفضل من الآخرين، مما يجعلهم لا يحتاجون لأي مساعدة أو معونة.
ولكن هذا الكلام ليس سوى هراء منظم أبعد ما يكون عن الواقع. فهو ينكر الجانب المظلم في النفس البشرية الذي تشهد عنه الثقافة المعاصرة على نحو يثير الإزعاج. فالناس أصبحوا يدمنون الجنس، والسلطة، والمخدرات، وهي ليست إلا ثلاثة أمثلة فقط على الأشياء التي تجعلنا نضحي باستقلاليتنا ونصبح عبيدًا لها.
وسواءً أراد “فرويد” أم لم يُرد، فالطبيعة البشرية مصابة بعطب بشع. وهي تحتاج لمن يعصب جراحها، ويغسل قروحها، ويشفي أمراضها، ويطهر ذنبها. إن صورة العكاز تلخص حاجتنا للتدخل الخارجي التي تقوم على إدراك احتياجنا للمساعدة، حتى وإن كنا أكبر من أن نطلب المساعدة. لقد سطَّر «فرويد» أكثر كتاباته سذاجة عن الطبيعة البشرية بعد نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918 وقبل بزوغ فجر النازبة في ألمانيا والنمسا في الثلاثينات من القرن العشرين.
ولذلك، يرى الكثيرون أن صعود هتلر ربما كان سيدفع «فرويد» لمراجعة بعض أفكاره المثالية عن الطبيعة البشرية. ولكن “فرويد” توفي قبل أن يسمع أحد بمعسكر أوشفتز وغيره من معتقلات الأعدام النازية بفترة طويلة.
ومع ذلك يبدو أن “فرويد” نفسه كان واعيًا بمشكلة في هذا الصدد. فمنذ عام 1913 عبر عن قلقه إزاء أن المحللين النفسيين أنفسهم لا «يتمتعون بشخصيات أفضل ولا أرقى ولا أقوى.»[9] إن هذه العبارة تكشف عن اعتراف صامت بأن علاج “فرويد” لمشكلة البشرية يبدو أنه لم ينجح حتى مع أفضل المؤهلين لتقديمه، مما يدفعنا لأن نقول له ولهؤلاء المحللين: «أيها الطبيب اشفِ نفسك.»
الاستخدام العملي: تطبيق دراستي الحالة:
درسنا في القسمين السابقين من هذا الفصل بعض الموضوعات المتصلة بمسألتين تقليديتين في الدفاعيات المسيحية وحددنا بعض عناصر الإجابات لاثنتين من الشكوك والتخوفات المتعلقة بالإيمان. إلا أن الدفاعيات فن كما هي علم. فالأمر لا يتوقف عند معرفة الحجج، بل يمتد إلى استخدامها. وأضرب هنا مثالاً لطبيب لديه معرفة واسعة بالنظرية الطبية وما تشتمل عليه من رصد الخلل الذي يصيب الجسم البشري وكيفية علاجه. إلا أن هذا العلم الطبي يبقى استخدامه محدودًا إلى أن يتمكن الطبيب من أن يجعل مريضه يخبره بمشكلته الحقيقية.
فالكثير من زملائي العاملين في المجال الطبي يشكون غالبًا ما يكونون مترددين في أن يخبروهم بالمشكلة الحقيقية، ربما لأنهم يشعرون بالحرج من الأعراض التي يعانون منها، أو لأنهم يخشون من معرفة المرض الذي تشير إليه هذه الأعراض.
وكل طبيب ذي خبرة يعرف أهمية إتقان فن الطب، أي الإصغاء الجيد المنتبه وكسب ثقة المرضى وتمكنهم من الكشف عن متاعبهم، فالطبيب مسئول عن اكتشاف المشكلة الحقيقية. وهو فن يجب تعلمه باتخاذ الطريق الصعب؛ طريق الخبرة.
والدفاعيات هكذا، فمعرفة الحجج والأفكار والمنهجيات الدفاعية ليست سوى جزء من مهمة المدافع الكفء. وأّفضل المدافعين هم مَن يزاوجون بين المعرفة الواسعة بعلم الدفاعيات والتقدير العميق لفن الدفاعيات. وهنا مكمن الصعوبة، لأن الأفكار يمكن تَعَلُّمها من الكتب والمحاضرات، ولكن الفن لا يمكن أن نتعلمه إلا بالممارسة، وبالمحاولة والخطأ، أي باختصار بعمل الدفاعيات.
فالدفاعيات مثل صنع الكعك، أو رصّ الطوب، أو عزف البيانو، وكلها أشياء تتعلمها بممارستها. ورغم أن كلاً منها يشتمل على عنصر نظري، فالنظرية تؤدي إلى الممارسة وتُكسبها الأساس المعرفي المطلوب.
ويستحيل على شخص مثلي، بل إنه تصرف غير مسئول أن يقدم إجابات نموذجية للأسئلة والاعتراضات. فهذا الفعل لا يختزل الدفاعيات إلى حفظ عدد من الإجابات حفظًا آليًا فحسب، بل يكشف كذلك نوعًا من العجز عن إدراك أن كل سؤال يختلف عن غيره من الأسئلة وأنه يجب أخذه مأخذ الجد والتعامل معه بلغته. ولذلك، علينا أن نصغي جيدًا قبل أن نجيب. خذ مثلاً الأسئلة والشكوك التالية التي تتصل جميعها بقضية الألم اتصالاً مباشرًا، ولكنها تصدر عن خلفيات مختلفة، مما يحتم تقديم إجابات مختلفة ومتمايزة.
«لست أفهم كيف يمكن لإله صالح أن يسمح بالألم، إنها مسألة غير منطقية. هل يمكن أن تشرح أسباب ذلك؟»
«توفيت والدتي الأسبوع الماضي بعد صراع طويل مع المرض. وقد صليت كثيرًا في مرضها طالبًا لها الشفاء. كيف أؤمن بإله محب في موقف كهذا؟ هل يمكن أن تساعدني؟»
«عندما كنت صغير السن قرأت كتاب “سي. إس. لويس” “مشكلة الألم” The Problem of Pain، وقد استفدت منه كثيرًا. إلا أن زوجتي أصيبت بمرض خطير مؤخرًا، مما أصابني بحالة من الانهيار، وبدت لي إجابة “لويس” على براعتها تافهة سطحية، فهي إجابة منظمة جدًا ولكنها لم تساعدني عندما ألّمَّت هذه الكارثة بحياتي. كيف أخرج من هذه الحالة؟»
«الكتاب المقدس يقول إن الله يحبنا. ولكني أحيانًا لاأستطيع أن أرى هذه المحبة. فلماذا كل هذا الألم؟ لماذا الزلازل؟ مؤكد أن الإله المحب كان سيحمينا من هذه الأشياء، أليس كذلك؟»
ادرس كلاً من هذه الأسئلة بدقة. لاحظ أولاً أنه من الصعب تحديد ما إذا كان السائل مسيحيًا، أم لا أدريْا أم ملحدًا، وهي من المعضلات الشائعة في الدفاعيات، فالسؤال لا يكشف بالضرورة ما إذا كان صاحبه مؤمنًا يعاني من شكوك وتساؤلات أم ملحدْا يهدف إلى منازلتك والقضاء عليك. لذلك، من أن تحدد طريقة إجابتك.
ثانيًا، لاحظ أن الإجابة الجاهزة لن تتمكن من التعامل مع القضايا المختلفة التي تثيرها هذه الأسئلة. ولكن يجب التعامل مع كلﱟ منها بلغته الخاصة. وعليك أن تكتشف ما يكمن وراء كل سؤال. ولنأخذ السؤال الثالث كمثال، وهو يطرح قضية في غاية الأهمية عن المنهج الذي يعتمده “سي. إس. لويس” في كتاب “مشكلة الألم” الذي يتحدث عن الألم باعتباره مكبر الصوت الذي يستخدمه الله لإيقاظ العالم الأصم.[10]
ورغم أن فكرة “لويس” جيدة، فالكثيرون يرون أن منهجه ساذج نوعًا ما ولا يصمد أمام واقع الألم القاسي العنيف بما فيه طبعًا “لويس” نفسه بعد وفاة زوجته بمرض السرطان. فكتابه الشهير “حزن مُعاش” A Grief Observed يمثل نقدًا قويًا لمنهجه السابق.
إلا أن “لويس” لم يفقد إيمانه، بل إن كان لهذه الخبرة أي تأثير على إيمانه، فقد أنضجته ودفعته لنمو أعظم خرج من رحم هذه المحنة. وبالتالي، يمكنك، عند الإجابة عن هذا السؤال، أن تتحدث عن موقف «لويس» من الألم وكيف تغير وأصبح أكثر واقعية وقربًا من خبرات الآخرين، وكيف أدمجه «لويس» في إيمانه.
إن فن الدفاعيات يبلغ أبعادًا لا يبلغها علم الدفاعيات. فهو يساعدنا على بناء جسور للتواصل مع الناس. لذلك، عندما نتعامل مع أي شك حول الإيمان، مثل الاثنين اللذين طرحناهما آنفًا، لابد أن نتجنب تقديم إجابة جاهزة ونحاول تفصيل إجابتنا بما يتناسب مع السؤال المحدد المطروح علينا.
حاول أن تفهم لماذا يمثل هذا السؤال مشكلة لصاحبه. هل لأنه لم يفهم ما تُعلم به المسيحية في هذا الموضوع؟ هل لأن تاريخه يجعل من هذه القضية همًا كبيرًا عنده، فمثلاً قضية الألم قد تحمل أهمية خاصة لشخص توفي أعز أصدقائه منذ فترة وجيزة. ثم حاول أن تكتشف ما إذا كان السؤال المطروح هو السؤال الحقيقي أم أن هناك شيئاً آخر يختفي تحت السطح.
والآن تعامل مع السؤال، وحاول أن تختار من دراستَي الحالة السابقتين ما يفيدك في الإجابة.
ضع هذه النقاط في قالب يناسب المستمع. حدد الأمثلة التوضيحية التي يمكنك استخدامها، والكُتاب الذين يمكنك الاقتباس منهم، والخبرات الحياتية التي تساعدك في تشكيل إجابتك.
والآن قم بصياغة ما ستقول.
الخطوة الرابعة هي أصعب الخطوات، لأننا في بداية عملنا بالدفاعيات نميل إلى تقديم إجابات طويلة. فكيف يمكن أن نضع كل ما لدينا من أفكار في إجابة واحدة؟ من الوسائل التي أفادتني كثيرًا في بداية عهدي بالدفاعيات أني كنت أكتب بالتفصيل إجابات الأسئلة المهمة من وجهة نظري.
ثم أقرأها بصوت مسموع وأحاول أن أُعَدﱢلَها حتى تبدو في شكل أفضل، مع الأخذ في الاعتبار أن اللغة المكتوبة تختلف تمامًا عن اللغة المنطوقة. وإن استغرقت الإجابة تسع دقائق مثلاً، كنت أحاول تخفيضها إلى أربع دقائق بهدف الاحتفاظ بأفضل العناصر، وتقديمها بالشكل الأكثر جاذبية وملاءمة. قم أخفضها إلى دقيقتين.
لماذا؟ لأن هذا كان يجبرني أن أركز على المهم الذي يجب أن يقال، وليس على ماأحب أن أقول. ولكن السبب الأهم أن الناس يملون الإجابات الطويلة ويفضلون الردود الموجزة الجذابة على المحاضرات المطولة. وعندما ترى عيون المستمعين تائهة تنم عن تسرب الملل إليهم، اعلم أنك في مشكلة.
إلا أن مشكلة الكثيرين لا تكمن في طول الوقت الذي تستغرقه الإجابة الجيدة، بل في كيفية تكوين إجابة جيدة أصلاً. فعندما أجيب عن أسئلة الحضور عقب المحاضرات التي ألقيها لابد أن أفكر بسرعة وأقدم إجابة سريعة، ولكن هذه المهارة نتاج خبرة عمرها خمسة وعشرون عامًا بذلت أثناءها جهدًا مضنيًا في معظم الأسئلة حتى توصلت إلى إجابات مفيدة. ولكن التحدي الحقيقي أن أقدم إجابة مفيدة للسؤال وأتناوله بشكل لطيف مهذب. وهو فن تعلمته بالممارسة.
وسوف ندرس فيما يلي سؤالين نابعين من دوافع صادقة والإجابة التي قدمتها لكلٌّ منهما. وهي إجابات قصيرة نسبيًا، حوالي دقيقتين أو ثلاث دقائق. ثم سأشرح بعدئذٍ سبب اختياري للطريقة التي أجبت بها. وأقترح أن تقرأ كل سؤال وتفكر في إجابة، ثم تقرأ إجابتي وتحاول أن تحللها.
ويمكنك أن تجيب عن بعض الأسئلة مثل: في رأيك لماذا اخترتُ تلك الأجابة؟ لماذا انتقيتُ تلك الألوان بالتحديد من جملة ألوان الدفاعيات؟ ثم انتقل بعد ذلك لقراءة تعليقاتي على السؤال والإجابة. والسؤالان كانا من الأسئلة التي طرحها الجمهور بعد كلمة ألقيتها في أكسفورد سنة 2007 ردًا على كتاب “ريتشارد دوكينز” “وهم الإله” (2006).
Beckwith, Francis, William Lane Craig, and James Porter Moreland, To Everyone an Answer: A Case for the Christian Worldview. Downers Grove, IL: InterVarsity, 2004.
Craig, William Lane, and Chad V. Meister, God Is Great, God Is Good: Why Believing in God Is Reasonable and Responsible. Downers Grove, IL: InterVarsity, 2009.
Guinness, Os, Unspeakable: Facing Up to Evil in an Age of Genocide and Terror. San Francisco: HarperOne, 2005.
Kreeft, Peter, and Ronald K. Tacelli. Handbook of Catholic Apologetics: Reasoned Answers to Questions of Faith. San Francisco: Ignatius Press, 2009.
Lewis, C. S. A Grief Observed. London: HarperCollins, 1994.
______. The Problem of Pain. London: Fount, 1977.
Murray, Michael J., ed. Reason for the Hope Within. Grand Rapids: Eerdmans, 1999.
Nicholi, Armand. The Question of God: C. S. Lewis and Sigmund Freud Debate God, Love, Sex, and the Meaning of Life. New York: Free Press, 2002.
Sirc, James R. Why Good Arguments Often Fail: Making a More Persuasive Case for Christ. Downers Grove, IL: InterVarsity, 2006.
Strobel, Lee. The Case for Faith. Grand Rapids: Zoodervan. 2000.
Zacharias, Ravi, and Norman Geisler, eds. Who Made God? And Answers to Over 100 Other Tough Questions of Faith. Grand Rapids: Zoodervan. 2003.
Beckwith, Francis, William Lane Craig, and James Porter Moreland, To Everyone an Answer: A Case for the Christian Worldview. Downers Grove, IL: InterVarsity, 2004.
Craig, William Lane, and Chad V. Meister, God Is Great, God Is Good: Why Believing in God Is Reasonable and Responsible. Downers Grove, IL: InterVarsity, 2009.
Guinness, Os, Unspeakable: Facing Up to Evil in an Age of Genocide and Terror. San Francisco: HarperOne, 2005.
Kreeft, Peter, and Ronald K. Tacelli. Handbook of Catholic Apologetics: Reasoned Answers to Questions of Faith. San Francisco: Ignatius Press, 2009.
Lewis, C. S. A Grief Observed. London: HarperCollins, 1994.
______. The Problem of Pain. London: Fount, 1977.
Murray, Michael J., ed. Reason for the Hope Within. Grand Rapids: Eerdmans, 1999.
Nicholi, Armand. The Question of God: C. S. Lewis and Sigmund Freud Debate God, Love, Sex, and the Meaning of Life. New York: Free Press, 2002.
Sirc, James R. Why Good Arguments Often Fail: Making a More Persuasive Case for Christ. Downers Grove, IL: InterVarsity, 2006.
Strobel, Lee. The Case for Faith. Grand Rapids: Zoodervan. 2000.
Zacharias, Ravi, and Norman Geisler, eds. Who Made God? And Answers to Over 100 Other Tough Questions of Faith. Grand Rapids: Zoodervan. 2003.
[1] For apologetic motifs in the New Testament, see Avery Dulles, A History of Apologetics (San Francisco: Ignatius Press, 2005), 1-25.
[2] One of the best is the comprehensive account by Peter Kreeft and Ronald K. Tacelli, Handbook of Catholic Apologetics: Reasoned Answers to Questions of Faith (San Francisco: Ignatius Press, 2009). Every apologist can learn much from this work.
[3] My discussion of the different approaches of Martin Luther and C. S. Lewis to suffering is relevant here: Alister McGrath, “The Cross, Suffering and C. S. Lewis,” The Passionate Intellect: Christian Faith and the Discipleship of the Mind (Downers Grove, IL: InterVarsity, 2010), 57-69.
[4] Dorothy L. Sayers, Creed or Chaos? (New York, Harcourt Brace, 1949), 4.
[5] Sigmund Freud, The Future of an Illusion (New York: Norton, 1961), 42.
[6] Sigmund Freud, Civilization and its Discontents (New York: Norton, 1962), 21. The official English translation of the title of this work is not quite correct; it is better translated as “Anxiety in Culture” (Das Unbehagen in der Kultur).
[7] See Armand Nicholi, The Question of God: C. S. Lewis and Sigmund Freud Debate God, Love, Sex, and the Meaning of Life (New York: Free Press, 2002).
[8] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 265.
الله وهم أم حقيقة؟ هل إخترعنا وجود الله لإحتياجنا له؟
الله وهم أم حقيقة؟ هل إخترعنا وجود الله لإحتياجنا له؟
«ذكرتَ أن الله ليس وهماً. لكن أي شخص له معرفة بسيطة بعلم النفس سيقول لك إننا نخترع أشياء تناسب احتياجاتنا. فنحن نؤلف أفكاراً، والله ليس استثناء من هذه القاعدة. فلماذا لا نعترف بذلك ونواجه الحقيقة؟»
إجابتي:
«سؤالك مهم جداً. وهو يفتح الطريق للعديد من القضايا المهمة. ولكن اسمح لي أن أركز على بضع أفكار محاولاً الأجابة على النقطة الرئيسية التي أثرتَها في سؤالك. أظن أني لستُ متفقاً على الملخص الذي عرضتَه لعلم النفس الحديث، ولكني أتفق معك أننا غالباً ما نجد في أنفسنا الرغبة لاختراع أفكار مريحة.
فعندما كنتُ أنا نفسي ملحداً منذ سنوات كنت أرى أن الله مجرد فكرة مريحة اخترعها بعض البؤساء الذين لم يتمكنوا من مواجهة قسوة الحياة. والحقيقة أني كنت أستمتع بشرح القسوة الميتافيزيقية التي تميزالإلحاد، وكانت حجتي أن هذه القسوة تمثل نظرة جافة للحياة لن تستهوي أحداً لاختراعها.
ولكني سأقول نقطتين رداً على هذا السؤال الممتاز.
أولاً، لي زملاء ملحدون لأنهم تحديداً لا يريدون لله أن يكون موجوداً. فهم يريدون أن يبنوا عوالمهم الخاصة، ويقررون الصواب والخطأ بأنفسهم، ولكن الله سيعرقل طريقهم ويُعقد الأمور. فهم يعرفون الأشياء التي يريدونها أن تكون صحيحة. ومن ثم، يعلنون أنها صحيحة. لذلك، أعتقد أن هذه الحجة سلاح ذو حدين. فإن كانت صحيحة، وهي مسألة قابلة للنقاش بالمناسبة، فهي تفسر سبب عدم إيمان الملحدين بالله وسبب إيمان المؤمنين به.
ثانياً، علينا أن نقيس الأشياء وفقاً للأدلة المتاحة. فأنا لم أصبح مسيحياً لأني شعرت باحتياج لله. لقد كنت كمن يعتقد أن الماء الوحيد المتوافر للشرح هو ماء بركة راكدة، فاخترع الشمبانيا. وما قادني للإيمان هو التأمل في العالم، وليس عجزاً وجودياً فيَّ، لأني كنت سعيداً جداً بقبول هذه النظرة الجافة للحياة، مادامت صحيحة.
لذلك، ما جعلني أؤمن بالله أني رأيت أن هذا الإيمان صحيح. أعرف أن قبول الإيمان على هذا النحو هو فعل عقلاني جداً. ولكني اكتشفت فيما بعد أن المسيحية لها عمق تخيلي ووجداني، إضافةً إلى قدرتها على خلق منطق للأشياء. كل هذا اكتشفته فيما بعد. ولكن هذا موضوع آخر على أي حال.
«إذَن أنا متفق معك بكل تأكيد أنه علينا أن نواجه الواقع ونتحقق من صحة الأمور. فالواضح أن كلينا يفكر بشكل نقدي. ولكني أعتقد أن الفارق الكبير بيننا هو في النقطة التي يظن كلٌّمنا أن هذا التفكير النقدي سيوصله إليها.»
أريد أن أوضح أن هذه الردود ليست إجابات نموذجية قابلة للتطبيق في كل المواقف. ولكنها إجابات حقيقية تمت صياغتها في لحظتها فكانت مناسبة لتلك الأسئلة بالذات بالشكل الذي طُرِحَت به. ولكن لماذا اخترت أن أجيب عنها بتلك الطريقة؟
يتضح من مناقشتنا لهذين السؤالين أنه كان يمكن أن أشير إلى الكثير من النقاط. فلماذا اقتصرت على انتقاء تلك الألون بالتحديد؟ أحد الأسباب الواضحة أن الإجابات يجب أن تكون قصيرة نسبياً، وهو ما يحد من عدد النقاط التي يمكنك طرحها. ولذلك، لم أتمكن من ذكر كل النقاط التي أشرت إليها سابقاً في هذا الفصل.
ولننظر إلى الإجابة الأولى. شعرت وأنا أستمع للشخص الذي سأل هذا السؤال أن المشكلة وجودية وليست فكرية. فالكلمات توحي بعنصر فكري في السؤال، ولكن النبرة كانت توحي بمشكلة أعمق. فشعرت أنه لم يكن قلقاً لئلا يكون الإيمان بالله غير منطقي، ولكنه قلق لئلا يكون الكون بلا معنى، وحياته كذلك.
ولذلك، ركزت في إجابتي على تأكيد وجود الله في أوقات الظلام والشك والوحدة، قبل أنأركز على الدور المحوري الذي تلعبه عقيدة التجسد في توكيد التزام الله بنا. ثم ختمت بالتشديد على نقطة واحدة: «نحن غير متروكين.» لأن هذا ما شعرت أن الشخص يريد أن يسمعه.
لاحظ أني لمأدافع عن الله ضد الألم. ولكني شعرت أن التصرف الملائم هو أن أظهر لهذا الشخص كيفية مواجهة الإيمان المسيحي للمعاناة وأن هذا الإيمان لديه أمور مهمة يخبرنا بها. فقد اكتشفت في عملي بالدفاعيات أن شرحما تقوله المسيحية في أي موضوع يُعتبر واحداً من أكثر دفاعاتها فاعلية.
ماذا عن الإجابة الثانية؟ بدا لي وأنا أستمع للسائل أنه يعول كثيراً على قيمة العقل والأدلة، وأنه يميل للاعتقاد بأن الإيمان بالله لا يحظى بالتأييد الكافي منأي منهما. وكان سؤاله ينطوي على افتراض ضمني يقول بأن إيماني بالله وهم. فاخترت أن أبدأ بتوضيح أننا غالباً ما نتآمر مع رغباتنا ونخلق واقعاً يتفق مع ذوقنا. وكما أشرت، كان لابد للسائل أن يفكر في احتمالية أن غير المؤمنين بالله يحولون رغباتهم إلى فلسفة حياتية.
ثم رويت قصة، هي قصتي الشخصية، وإن كنت لم أقص إلا جزءاً منها وبإيجاز. وكانت النقطة الأساسية التي أردت عرضها أن قبولي للإيمان كان يمثل تحولاً إلى العقل والأدلة، وليس تحولاً عنهما، على الأقل من وجهة نظري الشخصية. وأردت أيضاً أن أزرع بذرة، بالإشارة إلى أن الإلحاد نظرة جافة للحياة، وأنه ليس من الحكمة أن نفترض أن القسوة والجفاف مؤشران على صحة منظور معين، لأانهما ليسا كذلك.
هذه هي إجابات “مباشرة علىالهواء” قدمتها في لحظتها رداً على أسئلة صادقة من الحضور. وأرجو لأن تكون قد أفادتك. ولكني متأكد أنه بإمكانك أن تطورها وتبني عليها. وهذا ما أود أن أتركه لك.
«إني أواجه مشكلة حقيقية في مسألة الله والألم. إنه أمر غير مفهوم. فأنا لا أظن أنه يهتم بنا حقاً. لماذا لا يُبعد عنا الألم؟»
الله والألم – لماذا لا يُبعد الله عنّا الألم؟
«إني أواجه مشكلة حقيقية في مسألة الله والألم. إنه أمر غير مفهوم. فأنا لا أظن أنه يهتم بنا حقاً. لماذا لا يُبعد عنا الألم؟»
أجابتي:
«أشكرك على ذلك السؤال، خاصةً أني واثق أن آخرين من الحضور تدور في أذهانهم أفكار أو شكوك مشابهة. وسأحاول تقديم بعض الأفكار التي أرجو أن تكون مفيدة. أولاً، كلنا نواجه مشكلة في مسألة الألم، لأنها تبدو لنا خاطئة وشاذة، وفي أعماقنا شعور دفين بأن الصورة لا يجب أن تكون على هذا النحو.
ولكن الرجاء المسيحي يتضمن أننا يوماً ما سنصل إلى مكان بلا ألم ولا معاناة، وسوف تختفي كل هذه الأمور. وهذا المكان هو الموضع الذي ننتمي إله بالفعل. فهذا العالم مثل وادي أحزان مظلم، إلا أن المسيحي يعلم أن أورشليم الجديدة تقع في نهايته، وهي مكان يشع بالسلام.
وذلك الرجاء هو ما يساعدنا على مواصلة السير فيما يطلِق عليه الكتاب المقدس «وادي ظل الموت».
«وأود أن أشير إلى نقطة ثانية: الله يهتم بنا فعلياً، فهو معنا طوال الرحلة. وبصفتي مسيحياً، أؤمن من كل قلبي أننا نرى الله في يسوع المسيح. فالله دخل إلى هذا العالم، عالم الألم والحزن والموت، وهذه هي فكرة التجسد. وهو ما يعني أن الله اختار أن يصل إلينا في مكاننا.
لقد اختار أن يشاركنا آلامنا وأحزاننا، ولم يرسل لنا أحد مساعديه ليخبرنا بأنه يهتم بنا، ولكنه قطع المسافة بنفسه ليخبرنا بذلك شخصياً. وقد تألم يسوع على الصليب حتى نصل يوماً ما إلى مكان لا يُعرف فيه أي ألم. لدي الكثير أقوله في هذا الأمر، ولكن النقطة المهمة أن الله يقودنا من عمق الألم إلى المجد، وهو معنا طوال الطريق. نحن غير متروكين.»
القضية باختصار أنه في سفر التكوين نقرأ ” فَدَعَتِ اسْمَ الرَّبِّ الَّذِي تَكَلَّمَ مَعَهَا: «انْتَ ايلُ رُئِي». لانَّهَا قَالَتْ: «اهَهُنَا ايْضا رَايْتُ بَعْدَ رُؤْيَةٍ؟» (تكوين 16: 13)، الجزء الاخير من النص القائل “أههنا ايضا رأيت بعد رؤية؟” هو تعبير يراه البعض غامضًا وصعب، لذلك لجأت بعد الترجمات لإعادة تفسيره بإدخال كلمات ليست في أصل النص الماسوري العبري (النص التقليدي) لمحاولة إسترجاع المعنى الأصلي أو لشرح النص الصعب ليسهل فهمه.
في علم “النقد النصي” توجد قاعدة هامة تسمى “التخمين الحدسي”، وهي عبارة عن محاولة تخمين كلمات ليست في أصل النص، وإفتراض أنها كانت موجودة قبلاً بحيث أن عدم وجودها الآن هو سبب هذا الغموض، فيقوم المترجم أو الناقد النصي بإضافتها ليسهل فهم النص الآن، وهذه الكلمات لا يجدها المترجم أو الناقد في أي مخطوط قديم فيلجأ لإفتراضها ووضعها في النص[1].
ماذا قالت اللجنة المسؤولة عن إستعادة النص الأصلي للعهد القديم؟ يذكر Wolters أن هدف اللجنة هو إستعادة المرحلة الثانية للنص أي النص ما قبل الماسوري، بإتقان كبير ناقش Barthélemy المئات من التنقيحات للنص الماسوري والمقبولة في التفاسير والترجمات الحديثة ووجد أن معظم التنقيحات منقوصة. في الجزء الثاني، من أصل 800 تنقيح تم فحصهم فقط 78 وجدوا أنهم محتملين، ومعظمهم لا يؤثرون في المعنى[2].
وهذا رأي اللجنة أن معظم التنقيحات اللي قُبلت في الترجمات والتفاسير الحديثة معيوب وعدد محدود منهم يمكن أن يكون محتملاً أي معقولية، ومعظم هذه الحالات لا تؤثر في المعنى. فليس معنى أن هناك ترجمات أدخلت تنقيح على النص العبري لصعوبته في المعنى أننا نقبل التنقيح الحدسي بلا جدال.
وسنرى في هذا الموضوع أن النص لا يحتاج اصلاً إلى تنقيح بل يحتاج إلى إعادة تفسير لمفهوم النص.
يرى العالمان Booij وKoenen أن التنقيح غير ضروري واقترحا ترجمة تجعل الجزء الاخير مُرضي للرواية. التنقيح المقبول بشكل عامل “هل رأيتُ الله ولا أزال أراه؟!” يعبر عن الدهشة. ترجمة Booij لا تُعّبِر فقط عن الدهشة ولكن أيضًا عن عناية الله لهاجر حتى في أكثر المواقف البغيضة[3].
بمعنى أن هناك من قَدَّم ترجمة أخرى للنص جعلته مفهومًا دون إضافة كلمات، أي دون حاجة للتنقيح الحدثي. فالنص المنقح في ترجمات حديثة يقول إن هاجر تتعجب كيف رأت الله وتعيش؟ ولكن ترجمة Booij لا تُقدم فقط تلك الدهشة ولكن تقدم أيضا إعتناء الله بهاجر. Booij أخذ السؤال في المقطع الثاني كبلاغ أو بيان فترجم النص: “بالحقيقة قد رأيت هذا الذي يراني”[4]. فالترجمة البديلة قدمت النص وكأن هاجر تندهش من عناية الله لها وأنها ترى هنا من يراها.
وذات الكلام نقرأه ان Booij دافع عن النص الماسوري وأخذ في الاعتبار المعاني المزدوجة الكامنة في اسم ايل رئي אֵ֣ל רֳאִ֑י فى العدد 13وفهم كلمة הֲלֹם hălōm بمعنى هنا اشارة للبرية ومعنى يرى بمعنى البحث عن فالمعنى الكلِّي: “هل ضائعة أن هنا (في البردية) أبحث عن من نظر لي” فعقد مقارنة بين الله “الرائي” وبين إهتمام الله لها “الله الذى يراني”[5]. فيمكن ترجمة النص حرفيا كما قال Koenen “هل انا بالفعل نظرت هنا لمن يراني؟”[6].
بالرغم من صعوبة النص الا انه يبدو واضح منه أن المعنى هو الدهشة بانها بقت على قيد الحياة بعد مقابلة الله وهذا المعنى يمكن ان يعبر عنه بأكثر من طريقة، فعلى سبيل المثال أن هاجر قالت لنفسها “انا رأيت الله ولم أمت ولا أزال هنا أتكلم عن هذا الحدث”[7].
فمع افتراض جدلي، أن النص هنا مُشكل فقد إقترح فولهوزن Wellhausen التنقيح: “هل رأيت الله ولا أزال أحيا بعد رؤيتي له؟” أي بإضافة كلمتي “الله” و”أحيا”. فهذا يعطي معنى جيد، ولكن التعديل مشكوك فيه بتعديل كلمة غير مألوفة [8]halôm.
فيمكن أن يكون التنقيح الذي قام به المفسرون من جانب المعنى أوضح لكنه تنقيح مشكوك في صحته ولا يعتمد على أساس نصي فلا حاجة لنا بتعديل النص العبري بإدخال أي تنقيح لان ما يعبر عنه النص المنقح هو ذاته الذي عبر عنه النص المستلم (الماسوري) [9].
فالتنقيح الحدسي أو محاولات بعض المعلقين أو الترجمات بإدخال ما ليس في الشواهد النصية لمحاولة إعادة الكلمات الأصلية لنص لا يبدو مفهوما أو صعبا لا يقوم على أساس نصي حقيقي بل هو تخميني واغلبية التخمينات الحدسية غير حقيقة ومعيوبة كما قالت اللجنة في فحصها لتلك الحالات.
لا حاجة لنا بتنقيح لأن فِهم النص الذي يبدو عثر الفهم يتطابق مع النص المنقح الذي ينقحه البعض، فما جدوى التنقيح إذن إذا كان سيؤدي لذات المفهوم؟ فكلا التعبيرين يعبران عن دهشة هاجر سواء بإدخال زيادة للنص او الحفاظ على القراءة التقليدية. وسأختم بما قالهRobert Hanhart عن طريقة لجنة HOTTP في أفضلية القراءة الاصعب (التي لا يفهمها البعض) عن اللجوء للتنقيحات حدثية، فيقول:
مع الاحترام للدليل الداخلي، اللجنة بينت إهتمام عظيم بالقاعدة القديمة “القراءة الاصعب هي أكثر إحتمالاً في أصوليتها من القراءة الاسهل” ولديها ايضا تقدير عالي للطرق النحوية للتحليل والتفسير المستخدمة بواسطة المفسرين اليهود والمسيحيين الاكثر قدما عن طريق التفسير الحديثة … التنقيح لابد وألا يكون نوعا من الكسل، ولكن في مرات نجد أنه من المنطقي أن نصنع تنقيح جزئ معين على ضوء الدليل المجمع من مقارنة مُعتنية بالأشكال التقليدية للنص[10].
الخلاصة: أي، في النهاية، ترى اللجنة أنه لا حاجة هنا لإستخدام أي تنقيح حدثي لا يقوم على أي أدلة وشواهد نصية تاريخية قديمة، لاسيما وأن النص الناتج عن التنقيح لا يقدم مفهوما غير موجود في النص قبل التنقيح، فسواء قبلت أو لم تقبل التنقيح، ستخلص إلى نتيجة واحدة في فهمك للنص ألا وهي تعجب هاجر من أنها رأت الله ولم تمت وأنها تُقَدر الله الذي يراها، وترفض لجنة HOTTP التنقيح الحدثي الذي ينتج عن كسل في فهم النص، وهذا نتعرف عليه من أن العلماء، دون إستخدام أيّة تنقيحات، قد توصلوا لذات المعنى الذي توصل إليه أولئك الذين فضلوا تنقيح النص العبري.
[1]Wegner, P. D. (2006). A student’s guide to textual criticism of the Bible : Its history, methods & results (303). Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press.
[2]Wegner, P. D. (2006). A student’s guide to textual criticism of the Bible : Its history, methods & results (103). Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press.
[3]Wenham, G. J. (2002). Vol. 2: Word Biblical Commentary : Genesis 16-50. Word Biblical Commentary (11). Dallas: Word, Incorporated.
[4]Wenham, G. J. (2002). Vol. 2: Word Biblical Commentary : Genesis 16-50. Word Biblical Commentary (3). Dallas: Word, Incorporated.
[5]Mathews, K. A. (2007, c2005). Vol. 1B: Genesis 11:27-50:26 (electronic ed.). Logos Library System; The New American Commentary (191). Nashville: Broadman & Holman Publishers.
[6]Wenham, G. J. (2002). Vol. 2: Word Biblical Commentary : Genesis 16-50. Word Biblical Commentary (3). Dallas: Word, Incorporated.
[7]Reyburn, W. D., & Fry, E. M. (1997). A handbook on Genesis. UBS handbook series (360). New York: United Bible Societies.
[8]Ryle, H. E. (1921). The Book of Genesis with Introduction and Notes (195). Cambridge: Cambridge University Press.
[9]Kidner, D. (1967). Vol. 1: Genesis: An Introduction and Commentary. Originally published: London : Tyndale P., 1967. Tyndale Old Testament Commentaries (138). Downers Grove, IL: InterVarsity Press.
[10]Scanlin, H. P. (1993). The Dead Sea scrolls and modern translations of the Old Testament. Wheaton, Ill.: Tyndale House Publishers.
تكوين 13:16 والتخمين الحدسي – هل رأيت الذي يراني ولم أمت؟ دراسة نصية
التوراة السامرية ، ما هيّ؟ وما قيمة نصّها مقارنة بالنص الماسوري؟ – اليس بروتزمان
التوراة السامرية ، ما هيّ؟ وما قيمة نصّها مقارنة بالنص الماسوري؟ – اليس بروتزمان
التوراة السامرية ، ما هيّ؟ وما قيمة نصّها مقارنة بالنص الماسوري؟ – اليس بروتزمان
تحتوي التوراة السامرية على الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم، وهيّ النسخة المُعتمدة عند طائفة السامريين، السامريون هم أجناس مختلطة من المسبيين في حروب الامبراطورية الآشورية ويرجع أصلهم إلى المملكة الشمالية التي دمرها الاشوريون، آمن السامريون بالأسفار الخمسة الأولى فقط ورفضوا بقية الأسفار التي تم تدوينها لاحقًا (1)
كتب التوراة السامرية بحروف فينيقة – العبرية القديمة (2) التي كانت معتمدَة في الكتابة عند اليهود قبل السبي البابلي، المخطوطات القديمة من التوراة السامرية غير مشاكله، لكن المخطوطات التي تعود الى بدايات القرن الثاني عشر تم تشكيلها بأسلوب قريب جدًا من أسلوب الحركات (التشكيل) اليهودي (3).
اشتهرت التوراة السامرية لأول مرة في الغرب في عام 1616 بعدما وجد Pietro della Valle نسخة منها في دمشق، في سنة 1631 ادعى John Morinus بأن نص التوراة السامرية أفضل من النص الماسوري (التقليدي)، ولاحقًا تم نشر نص المخطوطة المكتشفة في دوريات علمية في باريس ولندن (4).
في سنة 1815 نشر Wilhelm Gesenius دراسة كلاسيكية عن تاريخ ونوعية النص الذي تمثله التوراة السامرية، وتوصل في بحثه الى أن نص هذه التوراة غير مهم ولا يُعتمد عليه في إسترجاع النص الاصلي للعهد القديم، ظل الجميع الدارسين مقتنعين بكلامه طيلة القرن التاسع عشر (5).
في سنة 1915 نشر Paul Kahle دراسة جديدة عن التوراة السامرية وكان تقييمه لها أفضل تقييم من الدارسين الذين سبقوه، وقال بأنَّ لها أهمية في النقد النصي للعهد القديم خاصَةً لتوافق بعض القراءات الموجودة فيها مع قراءات السبعينية وبعض النصوص الموجودة في العهد الجديد (6).
بعد اكتشاف مخطوطات البحر الميت (مخطوطات قمران) ظهر للجميع الأهمية التي يُمثلها نص التوراة السامرية، فبعض القصاصات التي اكتشفت في قمران فيها اقتباسات قريبة جداً من نص التوراة السامرية، وبإمكان الجميع مطالعة ودراسة نص التوراة السامرية والذي تم نشره في الكثير من الدوريات المتخصصة.
تم كتابة بعض النسخ من التوراة السامرية بالحروف العبرية، ثم لاحقًا تم ترجمتها الى اليونانية والآرامية والعربية، قد تم ذكر النص اليوناني للتوراة السامرية من قبل العلامة اوريجانوس في عمله الضخم السداسية (هيكسابالا)، بخصوص الترجمة الآرامية، فمن المستحيل استعمالها لأنها مترجمة الى لهجة آرامية محلية بالإضافة الى جهل الناسخ باللغة الآرامية.
في القرن الحادي عشر، استعمل السامريين الترجمة العربية للتوراة التي كتبها الرابي سعديا الفيومي وقاموا لاحقا بتعديل هذه الترجمة للتتوافق مع نص نسختهم من التوراة، في منتصف القرن الثالث عشر قام شخص سامري اسمه ابو سعيد بترجمة التوراة السامرية الى العربية وبهذا اصبحت هذه الترجمة المعتمدة عندهم (7).
للتوراة السامرية بعض الأهمية في دراسة نص العهد الجديد نظراً لنوعية النص التي تحويه، فقد كان يظن أنها أفضل من النص الماسوري، إلا أن أغلب الدارسين اليوم لا يؤمنون بهذا الكلام لأربعة أسباب:
النص الموجود في التوراة السامرية هو نص متحرر عكس النص الماسوري الذي تم انتقاله بدقة.
يجب ان يتمم التدقيق في النص السامري جيدا نظرا لاحتوائه على اخطاء املائية ولغوية كثيرة ولاعتمادها في اماكن كثيرة على النص الماسوري.
التوراة السامرية تحوي الاسفار الخمسة الاولى فقط، وتعتبر هذه الاسفار اقل اهمية من الاسفار الاخرى في ابحاث النقد النصي لاختيار القراءة الصحيحة.
أقدم نسخة للتوراة السامرية تعود الى القرن العاشر الميلادي. (8)
ضياع النسخ الاصلية للكتاب المقدس شبهة والرد عليها aghroghorios
ضياع النسخ الاصلية للكتاب المقدس شبهة والرد عليها
تناولنا مسبقاً شهادة علماء النقد النصي لوفرة مخطوطات العهد الجديد بالمقارنة بمخطوطات الكتب الكلاسيكية القديمة وقصِر المدة الزمنية بين الاصل وما نسخ عنه في مدة تتراوح بأقل من جيل. بينما أقدم الكتب الكلاسيكية من حيث عدد مخطوطاته هو ما كتبة هوميروس يصل الفرق بين الاصل المكتوب وبين ما نسخ منه 500 عام، فيجب ان ننظر إلى الكتاب المقدس بنظرة فخر واعزاز وتقدير لكلمة الله فبإمكانك الرجوع لموضوعنا وهو مقارنة مخطوطات العهد الجديد بمخطوطات الكتب الكلاسيكية القديمة.
فلا يوجد ما كتبة الكُتاب الاصلين للكتب الكلاسيكية مثل حروب قيصر الاربع عشر كتاب من تاريخ تاسيتوس واعمال ديالوجسو تاريخ هيرودت وثيوسيدوس وليفي وافلاطون وبيلني الصغير وسوفوكليس وارسطوا وغيرهم فلذلك يعلقجون مونتجمر “لو جعلنا الشك في مخطوطات العهد الجديد يجب علينا ان لا نقبل اي من الكتابات القديمة لأنه لا يوجد كتاب مثل العهد الجديد بيلوجرافياً “فان ساورنا الشك في العهد الجديد بسبب ضياع الاصول ينبغي ان نشك في جميع الكتب المذكورة وان نرفض جميع الكتب الكلاسيكية القديمة مما اوردناها مسبقاً على العلم انه لا يوجد كتاب له الكمية الضخمة من مخطوطات العهد الجديد فاكثر كتاب كلاسيكي يحتوي على اكبر عدد من المخطوطات يضاعفه العهد الجديد اضعاف من حيث كمية مخطوطاته ويذكر دانيال والاس وذكرناه مسبقاً ان أفضل مؤلف كلاسيكي من ناحية الكتب المنسوخة هو هوميروس. تعد مخطوطات هوميروس اقل من 2400 مخطوطة، بالمقارنة بمخطوطات العهد الجديد الذي تعد أكثر منها بعشر مرات.
والسؤال هل لدينا النص الاصلي للأناجيل او للعهد الجديد؟ إلى اي شيء يستند النص الذي نجده في كتبنا المقدسة؟ كثيراً ما يطرح هذا السؤال.
ليس لدينا في الواقع نصوص اصلية للعصور القديمة، من النصوص النادرة التي وصلت الينا رسالة سمعان ابن كسبا. زعيم الثورة اليهودية في سنة 135 ليس لدينا سوي نسخ. فأقدم المخطوطات للمؤرخ فرجيليوس يرقي عهدها إلى أربع قرون بعد وفاته وهناك ثلاث عشر قرن بين افلاطون وأقدم المخطوطات لمؤلفاته وست عشر قرن لمؤلفات اوريبيدس! فنحن أكثر حظاً بالنسبة للعهد الجديد لدينا الوف المخطوطات بعضها قديم جدا (1)
والسؤال الان هل ضياع النسخ الاصلية يخيفنا؟!
قال أحد العلماء لتوضيح هذا الأمـر: إن الوثيقة التي وقعها الرئيس الامريكي لينكولن في أول يناير عام 1863، والتي كانت مكتوبة في أربع ورقات فولسكاب، وبمقتضاها تم تحرير 4 مليون عبد في أمريكا؛ هذه الوثيقة التهمتها النيران في الحـريق الكبير الذي حدث في شيكاجو عام 1871. فلنفرض أن واحداً من مالكي العبيد ألقى القبض على عبيده المحرَّرين ليستعبدهم من جديد بحجة أن الوثيقة الأصلية الموقعة من الرئيس الأمريكي دُمرت، ورفض ذلك الرجل إطلاق سراح العبيد ما لم تظهر الوثيقة الأصلية، فهل يكون لتصرف هذا الإنسان أي سند من منطق؟ أيكون لاعتراضٍ مثل هذا أي وزن؟ كـلا البتة.
فمع أنه فعلاً لا توجد الوثيقة الأصلية لأنها دُمرت في الحريق، لكن ما أسهل استخراج النص الأصلي؛ لأن هذا النص كُتِب بعد توقيع الرئيس الأمريكي في الجرائد والمجلات والكتب، وتُرجـم إلى الفرنسية والألمانية والأسبانية، وهو نفس ما حدث مع الكتاب المقدس كما سيتضح لنا. (2)
فيمكنك الاطلاع على هذا الموضوع عن موثوقية العهد الجديد من خلال اراء العلماء صحة وموثوقية العهد الجديد
قال لي استروبل في حواره لعالم النقد النصي الشهير بروس متزجر سأكون اميناً معك. عندما اكتشفت لاول مرة عدم وجود اصول باقية على قيد الحياة للعهد الجديد تشككت جداً. فأجاب العالم بروس متجر: ”هذه ليست قضية قاصرة على الكتاب المقدس بل انه سؤال يمكن ان نساله عن الوثائق الأخرى التي وصلت الينا من العصور القديمة. يبدوا ان الاجابة على هذا السؤال يسير في صالح العهد الجديد، خاصتاً إذا ما قورن بالكتابات القديمة الأخرى حيث عدد النسخ التي بقيت حتى الان لم يسبق لها مثيل” (3
لكن ماذا يرجح البعض اسباب ضياع النسخ الاصلية؟
1-ان ورق البردي سريع التلف وذلك بمقتضي المناخ الجاف ويذكر دانيال ولاس انه لا يمكن الحفاظ عليه في المناخات الجافة خاصتاً. فإنها لا يمكن ان تدوم أكثر من مئتين او ثلثمائة عام حتى في إطار أفضل ظروف العالم القديم. (على الرغم ان ورق البردي متيناً عن الورق الحالي). (4)
2-دمر عدد كبير من المخطوطات في وقت مبكر من اضطهاد الكنيسة فكان هناك قبل مجمع نيقية عشر فترات اضطهاد وهي.
1-الاضطهاد في عصر نيرون 64-68
2-الاضطهاد في عصر دومتيان 90-96
3-الاضطهاد في عصر تراجان 112-117
4-الاضطهاد في عصر ماركوس اوريليوس 161-180.
5-الاضطهاد في عصر سبتيموس سيفيروس 202-210
6-الاضطهاد في عصر داكيوس الوثني 250-251
7-الاضطهاد في عصر فاليريان 257-259
8-الاضطهاد في عصر مكمينوس 235-238
9-الاضطهاد في عصر اورليان 270–275
10-الاضطهاد في عصر دقلديانوس وغاليريوس 303-324
وكان واحد من أكثر الاضطهادات الخاليه من الرحمة هو عصر دقلديانوس في وقت مبكر من القرن الرابع يوسابيوس المؤرخ الكنسي في هذا الوقت يسجل لنا الكثير من مخطوطات الكتاب المقدس التي احرقت في كتابة تاريخالكنيسةChurch History (VIII:2 ويذكر حرق دقلديانوس للكتب المقدسة حيث قال (5)
فى السنة التاسعة عشرة من حكم دقليديانوس (5) في شهر ديستروس، الذي يسميه الرومانيون مارس، إذ كان عيد آلام المخلص قد قرب، أذيعت أوامر ملكية في كل مكان تأمر بهدم الكنائس إلى ألساس، وحرق الكتب المقدسة في النار، وطرد جميع ذوي المناصب الرفيعة، وحرمان خدم البيت من الحرية إذ أصروا على الاعتراف بالمسيحية.
فمنها ما دفن ومنها ما حرق
ويبقي لدينا سؤال هل مخطوطات العهد الجديد الاصلية كانت لا تزال موجودة في القرن الثاني؟ يجيب العالم دانيال والاس في مقاله له (6).
هناك اثنين او ثلاث مواضع تناولت ان كانت النسخ الاصلية موجودة على قيد الحياة في القرن الثاني، كتبت في سنة 180 CE هو ما قاله ترتليان Tertullian
“تعال الان. انت الذي ستشبع رغبتك بشكل أفضل في حبك للاستطلاع لو طبقتها على عمل خلاصك تخطى الكنائس الرسوليةحيث العروش الرسولية مازالت عظيمة في مكانهم الذي يتم فيها قراءة كتاباتهم الاصلية باطلاق الصوت وحضور ملامح كل منهم بانفصال” (7)
المفتاح الرئيسي للمصطلح الموجود هنا اوثينتيكاتِ authenticate (أصلي)، العالم شاف لديه ملاحظات على النحو الاتي: هذه العبارة المتنازع عليها كثيراً ربما تعود إلى المخطوطات الاصلية او الاشارة إلى النص اليوناني الاصلي بدلاً من الترجمات اللاتينية. او نسخ كاملة غير مشوهة بدلاً من تلك المشوهة من المهرطقين. الثانية من المحتمل ان تكون صحيحة من حيث المعني. ومع ذلك رأي شاف ليس هو الوحيد هناك.
علي سبيل المثال قاموس اكسفورد اللاتينييقدم تعريف اسمي مشابه لكلمة اوثينتكيم authenticum “وثيقة اصلية. مخطوطة اصلية” ليس هناك تعريف اخر قد اعطي. لهذة الصفة اوثينتيكس authenticus التي استخدمها ترتليان، المعطيات القديمة للمعني تشير اليالوثائق اصلية docum ents Original، مرة اخري لا يوجد خيار بديل قد اعطي، انا لم اقم ببحث مثل TLG في authenticae litterae الذي سيكون ما نحتاجة لترسيخ المسأله في اغلب الاحوال.
ترتليان مضي لمناقشة كل من هذه “الكتابات الاصلية authentic writings ” التي وجدت في الكنائس العظيمة التي كانت مكتوبة وهو يذكر كورنثوس، فيلبي، تسالونيكي، افسس، رومية، وهو يدعوا القارئ لزيارة تلك المواضع للتحقق من هذه الكتابات الاصلية، ذلك يبدوا ويوحي إلى الاعتقاد بان هذه الوثائق كانت المخطوطات الاصلية autographs، في كل الاحوال يوحي هذا انه كان في ايامه تم النسخ بعناية وحرص من نسخ اصلية هامة اثبات صحة ما يهدف اليه الرسل. وهذه النسخ تشير إلى وجود علاقة قوية للكنائس التي تم كتابتها في الاصل. تبقي واحدة تجعلنا نتسائل لماذا ترتليان يركز على الكنائس العظيمة التي حصلت على النسخ الاصلية اذا هو لم يقصد بها التعليق بان هذه الكنائس لا تزال محافظة على المخطوطات الاصلية autographs. ربما حاول شاف الحفاظ على مصداقية شهادة ترتليان من خلال تحويله إلى معني معياري من authenticus إلى نسخ موثوقة. شعوري باية طريقة ان كلا السياقين ومن خلال المعاجم ان ترتليان يشير إلى المخطوطات الاصلية autographs.
بطبيعة الحال ما ان كانت شهادة ترتليان تمثل الحقائق ربما كان هناك امور مختلفة. فان معظم العلماء الرافضين لشهادته لهم دوافع على نحو تبريري ليس عن حقائق (انظر المناقشة الخاصة بالعالم (Scrivener حتى لو كان هذا هو الحال بعد ايام ترليان كان ينسخون من الاصل بعناية واعتبرت بشكل واضح مهمه للتحقق من ما كتبة العهد الجديد. كان هناك وعي للاختلافات وتقدير المتغيرات للنص الاصلي. حتى ان اخذنا في اسوء الحالات تصريح ترتليان يخبرنا ان بعض المسيحين الاوائل كانوا معنين بشأن نسخ دقيقة. والتي كانت الاقرب منها ولا تزال موجودة والتي لم يتم وضعها بهدوء جانباً على الرف. لم يكن هناك شاهد موثوق بعد وقت ترتليان كان مشابه له في مناقشته بهدوء النسخ الاصلية التي كانت في وقت مبكر من القرن الثالث على اقصي تقدير اختفت.
علي الرغم من اتخاذ الكنيسة المبكرة بعض العقود للاعتراف برسائل بولس ككتب مقدسة وهناك احساس ما زال يبدو في مرحلة مبكرة ان الرسائل كانت مهمة ومطلوبة وتحتاج إلى الحفاظ عليها ان امكن ذلك في الوقت ذاته. هذا الامر لا يمكن ان يحتاج إلى وقت ومال كثيراً.
اولا كانت المجموعة الاول من المسيحين الاوائل يعرفون تبني عُرف المخطوطة وربما كان هؤلاء اخترعوها. احد الاسباب المحتملة لاعتماد السريع على عُرف المخطوطة من خلال المسيحين ان عقيدتهم كانت واحدة بعيداً عن الايمان المضطربة. فانها تحتاج إلى وجود مواضع تدعم وجهة نظرهم بسهوله ممكنه. اثبتت المخطوطة بشكل جيد انها أفضل من اللفة. التي استمر استخدامها لمئات السنين بعد اعتماد المسيحين على المخطوطات في بقية انحاء اليونان والرومان (ناهيك اليهود) في العالم.
الثانية: هناك اثنين من اربع رسائل لبولس لاهل كرونثوس تم الحفاظ عليهم في نسخ مخطوطات وعلي الارجح هناك رسائل عديدة لم يتم الحفاظ عليها لكن هناك اسباب جعلت الرسالتين إلى كورنثوس فقدوا (8). اما بالنسبة للبقية هناك احتمال ان رسائل بولس قد وزعت إلى حد ما (في بعض الاحيان في توجهاته الخاصة)(9). الكنائس استقبلتهم ربما لم يقيموهم في بادئ الامر بقدر ما كان في الوقت الاحق (10). بالتاكيد خلال سنوات البلي وخصوصاً عندما بدأت رسائل بولس ان تصبح منسوخة أكثر من قبل من مستلمي الاصول. لن يكون هناك احساس بأهمية الاصول وخاصتاً ما كان مكتوب فيها، ولكن نظراً لأنه لا يوجد شك انها مكتوبة بورق البردي. الذي لا يمكن الحفاظ عليه في المناخات الجافة خاصتاً. فانها لا يمكن ان تدوم أكثر من مئتين او ثلثمائة عام حتى في إطار أفضل ظروف العالم القديم. (على الرغم ان ورق البردي متيناً عن الورق الحالي).
الاحتمال انها استمرت لعدة عقود يقترح القوة ان تم فحص الاصول مرارأ وتكراراً ونسخها بواسطة الاشخاص المعنين المناضلين لاجل ايمانهم في بيئة عدائية.
ايرناؤس يخصص فصل كامل في مناقشة المتغيرات في رؤيا 13: 18 (AH 5. 30). هو لم يتكلم عن النص الاصلي، على اي حال هو كان يخاطب النسخ المبكرة التي رأها.
فكان يقارن القرائتين 616 و666 ويعطي الانتصار للقراءة 666. ومع ذلك نظراً لأنه يعطي تفسيرات روحية. يتعين على المرء ان يتسائل ما ان كانت دوافعة تخيمها رايه وماذا اذ كانت الكنيسة، في إطار فترة وجودة بدء نسخ 666 بدلاً من 616 حتى سنوات قليلة مضت كانت المخطوطة الوحيدة التي لديها 616 لسفر الرؤيا 13: 18 كانت المخطوطة الافراميةEphraemi Rescr iptus (codex C)، المخطوط من القرن الخامس والثانية من حيث الاهمية لمخطوطات سفر الرؤيا بعد ذلك تم اكتشاف ستة عشر او سبعة عشر بردية في متحف الاشموليان من جامعة اكسفورد فقط قبل بضعة سنوات بدأت تاكيد هذه القراءة التي ظهرت. اقرب المخطوطات من الرؤيا 13 هي البردية 115 P115 ترجع للقرن الثالث وربما الرابع.
ايضاً بها قراءة 616. انا نظرت إلى البردية في جامعة اكسفورد في عام 2003 اثناء زيارة تفحصتها تحت المجهر بشكل واضح. كانت القراءة 616 بيد ناسخ المخطوطة ولا تبديل او محو. نعود مرة اخري إلى ايرناؤس انه من العجيب انه لا يتهم النص الاصلي للرؤيا الذي سينهي جميع المنازعات. هو فقط اتهم النسخ المبكرة. ولعل السبب في ذلك ببساطة هو المسافة بين المصدر من خلال مقارنة ما يقولة مع ما قاله ترتليان. الوصول إلى الكنائس الاصلية يبدوا انه ذات اهمية للتحقق من الصياغة الاصلية. وبالتالي السبب الذي جعل ايرناؤس يتحدث فقط عن النسخ ربما يكون جيد نظراً لموقعة الجغرافي. ولكن ان كان ايرناؤس يتحدث بشكل مطلق.
فان المسودات الاصلية من سفر الرؤيا اختفت. هذا يضع شك بالتأكيد حول كلام ترتليان حول رسائل بولس التي كانت لا تزال قائمة. عنصر من العناصر الأخرى ربما يكون هام هنا. ان سفر الرؤيا تم نسخة في كثير من الاحيان اقل بكثير من اي كتاب اخر للعهد الجديد وحتى ايرناؤس يعترف بذلك بانه بالفعل تعرض للتلف خلال العقود القليلة من كتابة سفر الرؤيا تلف عن طريق خدوش امر متوقع. بالطبع لكن ايرناؤس اتهم نسخ المخطوطات في وقت مبكر عوضاً عن الاصلي. حتى لو يكن قد شهد الاصلي ربما قد توحي انها لم تكن موجودة. والوحي لم يعد قائماً. ما هو الاكثر احتمال هل ان رسائل بولس لم تعد قائمة مع منتصف القرن الثاني؟
هناك على الاقل اشارة اخري إلى الوثائق الاصلية التي لا تزال موجودة في الوقت المبكر من القرن الرابع. هذه المرة على يد بطرس اسقف الإسكندرية (الذي توفي في العام الماضي من اضطهاد دقلديانوس 311) في الشظية الاولي: هو يتحدث عن النسخة الاصلية لانجيل يوحنا والتي لا تزال قائمة في يومة الاقتباس “النسخة نفسها تم كتابتها بيد المبشر. التي من قبل النعمة الالهية تم الحفاظ عليها بالاكثر في الكنيسة المقدسة بافسس وهناك عشق من قبل المؤمنين “هو هنا كان يناقش المتغير النصي في نص يوحنا الاصحاح التاسع عشر العدد الرابع عشر.
ولكن تصريحة عن القراءة وتقيمة لما هو في افسس على حد سواء غير سليم تقريباً. بحلول القرن الرابع اصبحت الاثار مهمة جداً لنمو الكنيسة وادعائات كثيرة عادتا لتعزيز مكانة الكنيسة السؤال الذي لا استطيع ان اجاوبة حتى الان هو متي تبجيل هذه الوثائق والاثار اصبح قاعدة. (انا متاكد ان الجواب هو بالتاكيد في مكان ما) ان كان شخص يعرف اين هو يرجي ان يكتبه لي! . اعتقد ان الكنيسة الاولي لم يكن لديها مثل هذا العشق المباشر للكتابات الرسولية. رغم انه من المؤكد انه بانتهاء القرن الاول سيكون لديهم. (مرة اخري المح كما سبق) بالنسبة للمجتمع المسيحي على الاقل في العقود القليلة من وجودها في الكنيسة.
ويبدوا انها بدئت يصبح لها اهمية أكثر عند نشر نسخ من وثائق العهد الجديد فأصبح لها تبجيل. شكل جديد من المخطوطات يوحي باهتمام المسيحين الاوائل في ماذا كان يقول النص ثم بعد ذلك في علاج الوثائق الاصلية سحر الحظ. من شان ذلك كلاهما قد يسهم في ضياع النسخ الاصلية. لكن هذا ايضاً يعني ان العملية التي اسفرت عن تدميرها من الواحدة التي تم نسخها وفحصها. خلافاً لذلك لكان بقائهم اطول ويتم التعبد لهم من بعيد. تماماً مثل قطع اثرية كثيرة لا تعد ولا تحصي تقوم بها في الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية في أوربا حتى يومنا هذا.
نتيجة مهمة لكل هذا هو التالي:
بحلول القرن الثاني عندما وعي القانونيةcanon كان في ازدياد، اعتبرت جمهور المسيحين النسخ الاصلية او على الاقل أقرب نسخ من العهد الجديد توثق بصفتهم شهود مهمين. هم كانو يشعرون بقلق بشأن نقاوة النص فيما يتعلق بتحديد المتغيرات النصية. الاحتمال الاكثر هذا يشير إلى ان نسخ المخطوطات في اول العقود للإيمان المسيح لم يكن لها خطي واحدة (نسخة واحدة من نسخة اخري من نسخة اخري). بالأحرى سوف يكون هناك اوقات عندما على الاقل القليل من الكتاب ارادوا التحقق وراء نموذج والاحتذاء به والنظر فيه. هذا من الممكن ان يحدث بشكل خاص عند وجود قراءة متنازع عليها ظهرت. لذلك يبدوا انه كان فحص قليل على جودة انتقال النص في وقت مبكر بالطبع. هؤلاء النساخ نقلوا بعيدين كل البعد عن الكنائس التي لديها النسخ الاصلية. ونقلوا النزعات المختلفة حول صياغتها. هذا يخلق نسخ من نسخ بسيطة من نسخ اخري. دون التفكير بان الصياغة تعكس الاصل ولكن حتى في العصور الوسطي. نحن نعرف ما قام به الكتبة العرضيون للحصول على نسخ أقدم وأفضل لاستعمالها كنموذج. وأفضل النسخ الذين من الممكن ان يعرفوا مكانها ويستعملوها كنموذجهم الناسخ افرايم الذي كتب المخطوط 1739 والمخطوط 1582 كان واحد مثل الناسخ. كم عدد الكتبة المجهولين للنساخ الذين جاءوا من مئات السنين قبل ان يشاركوا في اداء واجبهم بنفس الطريقة.؟ على الاقل احتمالات تاريخية تخبرنا بان على الاقل البعض منهم فعل.
اغريغوريوس
aghroghorios
المراجع
1-دليل إلى قراءة الكتاب المقدس اسطفان صفحة
2-وحي الكتاب المقدس صفحة 30
3-كتاب القضية المسيح لي استروبل ترجمة سعد مقاري صفحة 74
4- Did the Original New Testament Manusc ripts still exist in the Second Century?
Daniel B. Wallace
5-تاريخ الكنيسة ليوسابيوس القيصري تحت عنوان هدم الكنائس صفحة 352
6-المقالة بعنوان هل مخطوطات العهد الجديد الاصلية كانت لا تزال موجودة في القرن الثاني ؟ للعالم دانيال والاس ترجمتي الخاصة .
7De Praescr iptione Haereticorum, Chapter 36; Schaff’s translation. The Latin reads as follows: Age iam, qui uoles curiositatem melius exercere in negotio salutis tuae, percurre ecclesias apostolicas apud quas ipsae adhuc cathedrae apostolorum suis locis praesident, apud quas ipsae authenticae litterae eorum recitantur sonantes uocem et
repraesentantes faciem uniuscuiusque.
8Most likely, they caused the Corinthians so much embarrassment that they were unwilling to expose their own dirty laundry to this degree by having copies made for other churches. With what is already in 1-2 Corinthians, the tongue-lashing that Paul gave them must have been brutal. (Of course, if 2 Corinthians is a composite letter with part of one of the lost letters incorporated into it, this scenario would change a bit. I take it, however, that 2 Corinthians is a literary unit.)
9See Col 4.16. Although it is often suggested that the letter to the Laodiceans is lost, there is a good chance that this refers to the letter to the Ephesians. This has some plausibility to it because (a) the earliest witnesses to Ephesians have no recipient mentioned, though grammatically leaving the recipient blank is quite awkward. This suggests that the letter was meant to be circulated among several churches, and Ephesians was just the first one. Each church after that would make a copy of the original ******** and fill in its own name. See my note in the NET Bible on this point. (b) Marcion’s canon list mentions the letter to the Laodiceans, but not the letter to the Ephesians. This is almost surely the same letter and serves as some confirmation on our suspicions in the first point. (c) Going counter-clockwise in Asia Minor, beginning at Ephesus, Laodicea would be the stop prior to Colossae. If Tychicus gave instructions to the Ephesian church to make a copy of the letter, leaving the recipient line blank, and then sending on the letter to Laodicea with instructions for them to fill in the blank, he could have made his way to Colossae knowing that the letter from Laodicea would be soon coming. Somewhere along the line, the instructions got garbled and hence the earliest textual variant that leaves the recipient blank. Perhaps one reason this scenario is not often considered today is because many scholars do not regard Ephesians to be Pauline.
10Two indications suggest this. First, in 2 Thess 3.17 Paul refers to ‘every letter’ that he has written to churches. Yet, only Galatians (assuming the South Galatian theory) and 1 Thessalonians are prior to 2 Thessalonians in the corpus Paulinum! Surely, this indicates that Paul had written other letters to churches that are no longer preserved. But second, if 2 Peter is authentic, then its almost casual reference to Paul’s letters as ******ure suggests that by the mid-60s at least one or two folks in the nascent church recognized that Paul’s letters were so authoritative as to deserve such nomenclature. (The problem with this second point is that even if authentic, we have to wonder why 2 Peter made almost no impact on patristic writers for nearly a century in terms of identifying Paul’s letters as scri pture. I personally believe that Peter did write this letter, but I also think that it did not circulate widely, and thus would have had minimal impact on patristic assessments of Paul’s writings.)
علامات على الطريق – أساليب للعمل بالدفاعيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)
علامات على الطريق – أساليب للعمل بالدفاعيات
كتبت الشاعرة الأمريكية “إدنا سينت ڤينسنت ميلاي” Edna St. Vincent Millay (1892-1950) عن “وابل من الحقائق” يتساقط علينا من السماء كما تتساقط النيازك. وهذه الحقائق تشبه الخيوط التي لا بد أن تُنسج معًا لتُكون لوحة، وهي كالدلائل التي لا بد أن تُجمع بعضها مع بعض لتكشف لنا الصورة الكبرى. وكما أشارت “إدنا ميلاي”، إننا نجد أنفسنا مغمورين تحت “وابل من الحقائق”، ولكننا نعجز عن إيجاد معنى له لأننا “لا نجد نولاً لنصنع منه نسيجًا.” أي أننا نحتاج وسيلة تساعدنا على إيجاد معنى لهذا الوابل من المعلومات. والمسيحية تزودنا بوسيلة تضفي حالة من النظام والمعقولية على ملاحظاتنا الكثيرة والمعقدة في العالم الطبيعي، والتاريخ البشري، والخبرة الشخصية. إنها تتيح لنا الفرصة لنضعها معًا في كل متكامل ونراها بوصفها جوانب متشابكة تشكل صورة كلية كبرى.
إننا نتمنى أن نرى الصورة الكبرى التي تخلق معنى لكل ما نراه. بل الأهم من ذلك أننا نريد أن نعرف مكاننا في هذا المخطط الأكبر. ولذلك، تتحدث الفيلسوفة والكاتبة البريطانية “أيريس مرِدوك” Iris Murdoch (1919-1999) عن “ميل الفكر البشري لصنع كليات تكسبه حالة من الارتياح.” وتقصد بذلك قدرة الصورة الكبرى أو “القصة الكبرى” على التأليف بين أجزاء رؤيتنا للواقع في كل متكامل. والإيمان المسيحي يُعنى بإدراك الصورة الكبرى، ويكشف لنا رؤية للواقع أكبر وأسمى من تلك التي يكشفها العقل البشري.
الدلائل والمؤشرات والبراهين:
قلنا في الفصل السابق إن الإيمان المسيحي منطقي في الأساس، إلا أنه لا يمكن إثباته بالمنطق، وهو ما ينطبق على كل الأشياء الجوهرية. ولكن الأجيال السابقة التي استسلمت دون داعٍ لنوع من العقلانية المتطرفة، زعمت أننا لا يجب أن نؤمن إلا بما له برهان مطلق. ولا يتبنى هذه النظرة حاليًا إلا فئة قليلة جدًا. في حين ترى الأغلبية أن هذه العقلانية الشديدة تحصرنا في مساحة ضيقة من المعتقدات قد تكون واضحة منطقيًا ولكنها قاصرة وجوديًا، لأنها تعجز عن تقديم أساس لحياة ذات معنى. فالعقل أجنحته قصيرة كما قال الشاعر الإيطالي العظيم دانتي Dante في القرن الرابع عشر.
إلا أن هذا لا يعني أن المعتقدات التي لا يمكن إثباتها بشكل قاطع غير منطقية. ولكنه يعني أن الأدلة المتاحة قاصرة عن إثبات صحة نظريات الحياة أو “الفلسفات الحياتية” “”worldviews، بما فيها الإلحاد. وفي النهاية يعتبر اختيارنا لإحدى هذه الفلسفات فعلاً إيمانيًا. وعلينا أن ندرك أن كل الفلسفات الحياتية تقع خارج نطاق البرهان المطلق. فنحن نؤمن أن الفلسفة الحياتية التي نتبناها هي الأفضل في خلق معنى للأشياء ولكننا ندرك أن هذه المسألة بوجه عام تستعصي على البرهان القاطع في هذا العالم.
والمسيحي لا بد أن يرى هذا المشهد على خلفية الإيمان بالسماء “لأَنَّنَا بِالإِيمَانِ نَسْلُكُ لاَ بِالْعِيَانِ.” (2 كو 5: 7). فنحن الآن نجتاز في أرض الظلال، ولكن يومًا ما ستشرق الشمس وسنرى الأشياء كما هي. “فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا. قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَتَقَارَبَ النَّهَارُ” (رو 13: 11، 12). تمثل هاتان الآيتان دعوة للنظر إلى الحياة المسيحية باعتبارها مسيرة في الظلام. ولكن الفجر أقرب مما كان حين بدأنا المسيرة. وإلى أن يبزغ الفجر علينا أن نعبر أراضي مجهولة واثقين من سلامة الوصول. وبالرغم من أنه لا يمكننا أن نرى الطريق الممتد أمامنا بكل وضوح، فنحن نثق في الرب الذي يقودنا حتى نصل إلى أرض الوطن، كما يقول بولس في هذه الآية الشهيرة: “فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ. الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ.” (1 كو 13: 12).
ولكن هذا لا يعني أن نقبل الأشياء بثقة عمياء، فالعالم مرصع بالدلائل المختصة بالطبيعة البشرية وبالهوية الإنسانية. والواقع مزين بعلامات تشير إلى حقيقة الله العظمى. وعلينا أن نصل النقاط ببعضها فنرى الصورة الكاملة. علينا أن ننسج الخيوط معًا ونرى النسق الذي تكشف عنه والمتاح للمدافع ليستخدمه في مساعدة الآخرين ليدركوا قدرة المسيحية على إعطاء معنى لما نفكر فيه ونراه ونختبره، وتشجيعهم على اكتشاف ما للمسيحية من قدرة أعمق على تغيير حياة البشر.
ولكن ليس العالم الخارجي فقط ما يشير إلى الله، بل خبراتنا الداخلية أيضًا تلعب دورًا في ذلك. والدفاعيات المسيحية قادرة على التواصل مع فاعليات الذاتية البشرية الداخلية بقوة ومصداقية، أي أنها قادرة على التواصل مع ما يكمن في أعماق النفس البشرية من مشاعر وعواطف شغلت الشعراء الرومانسيين وغيرهم من الكُتاب أمثال “بليز پاسكال” وكذلك ” سي. إس. لويس.” فماذا يقول الإيمان المسيحي عن هذه الكوامن؟ وكيف نرى خبرتنا الداخلية بعدسته؟ لقد بحث التقليد المسيحي في هذه المسألة من جذورها. فالقديس أغسطينوس في كتاب “الاعترافات” Confessions يروي كيف قادته قراءته للكُتاب “الأفلاطونيين” لاستكشاف أعماقه حيث قابل “نورًا يفوق عقلي ولا يعتريه تغيير.“[1]
وفي هذا الفصل سنتناول بعض هذه المؤشرات أو العلامات ونبحث كيفية استخدامها في الدفاعيات. لقد تحدث “سي. إس. لويس” عن الصواب والخطأ باعتبارهما “مفاتيح لحل لغز معنى الكون.” ومفتاح الحل يوحي بالحل، ولكنه لا يُثبت أي شيء. وتكمن أهمية هذه المفاتيح في تراكميتها التي تشير إلى نسق أعمق للمعنى يعطي كلاً من هذه المفاتيح أو الدلائل معناها الحقيقي. فدليل واحد بمفرده لا يمكنه إلا أن يقدم إيحاء معينًا، فهو ليس سوى ريشة في مهب الريح. إلا أن مجموعة من الدلائل المترابطة يمكنها أن تكشف النسق الشامل. وكل دليل يبني على الدلائل الأخرى ويعطيها قوة جمعية تفوق أهميتها الفردية.
فكيف نصل لأفضل فهم لهذه المفاتيح؟ وما الذي تثبته؟ في المحاكمات الجنائية يُطلَب من هيئة المحلفين أن تختار تفسيرًا للدلائل من شأنه أن يُكسبها أفضل معنى، سواءً أكانت مقدَّمة من النيابة أم من الدفاع. ولكنهم ليسوا مطالبين أن يجزموا بثبوت الاتهام أو البراءة لمجرد أنهم يعتقدون أنهم قادرون على الوصول إلى استنتاج قاطع “لا يرقى إليه أي شك معقول.” والدفاعيات تكاد تسير بالطريقة نفسها. فلا يمكن لأيّ شخص أن يثبت وجود الله كما لو كان يثبت أن “الكل أكبر من الجزء.” ولكن يمكنه أن ينتبه إلى كل الدلائل التي تشير إلى وجود الله وما لها من قوة تراكمية. فقد لا يمكن إثبات وجود الله بالمعنى العقلاني الجامد للكلمة. إلا أنه يمكن أن نجزم بكل صدق أن الإيمان بالله منطقي بشكل يسترعي الانتباه وأنه يعطى لما نراه في العالم وما نميزه في التاريخ وما نختبره في حياتنا معنى أعمق من ذلك الذي تعطيه البدائل الأخرى.
فما نوعية المفاتيح أو الدلائل التي نتحدث عنها؟ وكيف يساعد المدافع الناس على رؤيتها والتفكير في أهميتها وتمييز ما يكمن وراءها من نسق أعمق؟ سنستعرض في هذا الفصل ثمانية مفاتيح تسهم في حل لغز الحياة. وكلٌّ منها يمكن دراسته على حدة ويمكنه أن يشكل أساسًا لمناقشة او حجة دفاعية. وسنبدأ بطرح سؤال من أكثر الأسئلة إثارةً في العلوم الطبيعية: من أين أتى الكون؟
المفتاح الأول: الخلق (نشأة الكون):
يؤكد أحد الموضوعات الجوهرية في الإيمان المسيحي أن الله خلق كل شيء من العدم. وكل شيء مدين بأصله وهويته الجوهرية لفعل الله الخلقي. فالكون ليس موجودًا من الأزل ولكنه ظهر إلى الوجود في لحظة معينة. وقد تنوعت وجهات نظر الكُتاب المسيحيين في فهمهم لهذه العقيدة الأساسية. فالقديس أغسطينوس مثلاً يقول إن الله خلق الكون في لحظة ولكنه أسبغ عليه القدرة على التطور بعد الخلق. ويقول آخرون إن الله خلق العالم بالشكل الذي نراه عليه حاليًا. إلا أن الخيط الذي يجمع كل الكُتاب المسيحيين حول هذا الموضوع أن الله أتى بالكون إلى حيز الوجود.
وإن كان مُرَوِّجو الإلحاد الجديد دائمًا ما يعلنون أن ما شهده العلم من تقدم وتطور في القرن الماضي قضى على كل ما يؤيد الإيمان بالله، إلا أن الحقائق تؤكد غير ذلك. وذلك لأن العلاقة بين العلم والإيمان شهدت تغيرًا جذريًا في أواخر القرن العشرين. ففي العقود الأولى من القرن العشرين ساد الاعتقاد بأزلية الكون، وأصبح يُنظر إلى حديث الدين عن “الخلق” على أنه كلام أسطوري فارغ لا يتوافق مع المعرفة العلمية القاطعة.
وقد لعب هذا الاعتقاد دورًا مهمًا في المناظرة الكبرى التي جرت في لندن سنة 1948 بين اثنين من كبار الفلاسفة، وهما الملحد “برتراند راسل” Bertrand Russell (1872-1970) والمسيحي “فردريك سي. كوپلستون” (Frederick C. Coplestone (1907-1990. آمن “راسل” أن هذا الإجماع العلمي أكثر من كافٍ لينهي قضية الله برمتها للأبد. فالكون موجود وحسب وليس هناك أي سبب وجيه يدعونا للتفكير فيما أتى به للوجود. وقد فاز “راسل” بالمناظرة في هذه النقطة.
إلا أنه منذ سنة 1948 تغير كل شيء. ففي الستينات أصبح واضحًا أن الكون له بداية، وهي ما عُرف باسم الانفجار الكبير. إلا أن هذه الفكرة قوبلت بمقاومة عنيفة من بعض العلماء الملحدين آنذاك مثل “فرِد هوُيل” Fred Hoyle عالم الفيزياء الفلكية العظيم الذي شعر بالقلق وعدم الارتياح إزاء هذه الفكرة التي تبدو دينية. ولكنه لم يكن الوحيد ممن أصابهم هذا الشعور. ففي اجتماع عُقد في لنينجراد في ديسمبر 1948 شدد علماء الفلك السوفيت على ضرورة محاربة النظرية “المثالية التي تمثل رد فعل ضد فلسفاتهم” التي تقول بأن الكون له بداية. وقد زعم السوفيت أن دعم هذه النظرية سيقوي قضية “الإكليروس.“[2]
ومن حسن الحظ أن هذا التحيز ضد فكرة نشأة الكون انهزم بالأدلة المضادة. وقد جاء هذا الفهم الجديد لنشأة الكون في تمام الانسجام مع عقيدة الخَلق في المسيحية لأنه يؤكد أن الكون له بداية.
وإذا تكررت المناظرة بين “راسل” وخصمه ” كوپلستون” اليوم ستختلف نتيجتها تمامًا في هذه النقطة. بل إن هذه المناظرة أعيدت بالفعل سنة 1998 احتفالاً بذكراها الخمسين بين اثنين من أكبر الفلاسفة هما “وليم لين كريج” William Lane Craig ونظيره “أنتوني فلو” Anthony Flew الذي كان ملحدًا آنذاك. “كريج” الذي يعتبره الكثيرون الوريث الشرعي للفيلسوف ” كوپلستون” قدم الحجة التالية التي أشرنا إليها سابقًا (ص 85):
المقدمة الكبرى: كل ما يظهر إلى الوجود له سبب.
المقدمة الصغرى: العالم ظهر إلى الوجود.
النتيجة: إذَن العالم له سبب.
وعلى غير العادة نلاحظ في هذه الحجة أن المقدمة الصغرى تعادل المقدمة الكبرى في أهميتها وقد تَفُوقها. وهذه المقدمة الصغرى التي استخدمها “كريج” المقبولة اليوم من كل العلماء تقريبًا كانت ستُرفَض منهم جميعًا سنة 1948. وقد واجه “فلو” صعوبة ضخمة أمام هذه النقطة ولم يتمكن من استخدام الاستراتيجيات التي استخدمها أسلافه من المدافعين الملحدين استخدامًا مناسبًا. ومنذ هذه المناظرة تخلى “فلو” عن الإلحاد. وبالرغم من أنه لم يعتمد النظرة المسيحية لله بكامل ثرائها، فمن المؤكد أنه قبل وفاته سنة 2010 قبِل وجود خالق يحفظ هذا الكون، وهو الله.
وقد أدى هذا التحول الجذري في إجماع العلماء إلى تغيير النبرة السائدة في المناقشات حول قضية الله. وهو ما يُذكرنا بأن العلم يغير رأيه في الأمور، ولاسيما الأمور الجوهرية. فعلم الكون في مطلع القرن الحادي والعشرين أكثر اتفاقًا مع الإيمان المسيحي من ذلك الذي ساد العالم منذ قرن من الزمان. ولكن الأهم من ذلك هو تزايد الإدراك بأن الكون ظهر إلى الوجود وأنه مضبوط بدقة fine-tuned تسمح بوجود الحياة فيه. فالثوابت الأساسية fundamental constants في الطبيعة لها قِيم يبدو أنه تم انتقاؤها على نحو يسمح بتكون الحياة. فهل هذا مجرد صدفة كونية؟ أم أنه نتيجة لاختيار الله أن يصمم الكون بهذه الطريقة؟
المفتاح الثاني: الضبط الدقيق (كون مصمم للحياة):
في السنوات الأخيرة ازداد الاهتمام بظاهرة “الضبط الدقيق” “fine-tuning” في الطبيعة.[3] وغالبًا ما يُستخدم مصطلح “الضبط الدقيق” للإشارة إلى فكرة علمية تقول بأن قيم بعض الثوابت الكونية الأساسية وسمات بعض الظروف الأولية للكون يبدو أنها لعبت دورًا حاسمًا في ظهور الكون بشكل معين يسمح بتكون حياة عاقلة. وقد أكدت الكثير من الدراسات العلمية الحديثة أهمية بعض الثوابت الكونية الأساسية التي لو حدث أي تغير طفيف في قيمتها لكانت له آثار ضخمة على ظهور الحياة البشرية.[4]
وهكذا يتضح أن الثوابت الأساسية في الطبيعة خضعت لعملية من الضبط الدقيق لتصل إلى قيم تصلح لظهور الحياة. فوجود حياة كربونية الأساس[5] على الأرض يتوقف على توازن دقيق للغاية في القوى الفيزيائية والكونية وعلى قيم ثابتة parameters خاصة. ولو حدث أدنى تغيير في أي من هذه الكميات لاختل التوازن وانتفت إمكانية ظهور الحياة على سطح الأرض. ويقول السير “مارتن ريز” Sir Martin Rees عالم الفلك ورئيس الجمعية الملكية البريطانية إن ظهور الحياة البشرية عقب الانفجار الكبير محكوم بستة أرقام كلٌّ منها محدد بمنتهى الدقة لدرجة أنه لو حدث أدنى تغيير في أي منها لأصبح من المستحيل وجود الكون والحياة البشرية بالشكل الذي نعرفه.[6]
وأود أن أشير هنا إلى ما قاله “روبرت چ. سپيتزر” Robert J. Spitzer مؤخرًا بشأن هذه المسألة. فهو يتخيل كما لو كانت كل القيم الثابتة مثل سرعة الضوء في الفراغ، وثابت الجاذبية gravitational constant، والتوصيل الكهرومغناطيسي، وكتل الجسيمات الأولية ممثَّلة جميعًا على هيئة مفاتيح ضبط على “لوحة تحكم كونية”.[7] وقد أشارت اكتشافات علم الكون الحديث إلى أنه لو تغير وضع هذه المفاتيح ولو قيد شعرة لما كنا موجودين هنا نتحدث عن هذه الأمور. فمثلاً لو تغيرت قدرة الجاذبية أو القوة الضعيفة weak force (اثنتان من قوى الطبيعة الأربع المعروفة) بمقدار جزء من 4010 لأدى تمدد الكون إلى انفجار هائل لا يسمح بوجود المجرات، أو لانهار الكون تمامًا. ولو ان أحد التآلفات بين ثوابت الجاذبية والكهرومغناطيسية ونسبة كتل الإلكترونات إلى البروتونات تَغَيَّر بحوالي جزء من 3910 لاستحال تكوُّن نجوم النسق الأساسي main sequence stars التي منها شمس مجموعتنا الشمسية. ولو لم يوجد رنين نووي nuclear resonance محدد لذرة الكربون على نفس المحور مع رنين البيريليوم ونواة هليوم متصادمة (لكن دون أن يكون على نفس المحور مع رنين مناظر في الأكسجين والهليوم[8]) يستحيل أن يوجد الكربون الذي هو أساس الحياة بشكلها الذي نعرفه. وأكثر ما يلفت الانتباه أن “روچر پنروز” Roger Penrose عالم الرياضيات البارز اكتشف حسابيًا ان إنتروبيا[9] الكون تُبين أنه يوجد في حالة دقيقة تبعث على الذهول إذا ما أخذنا في اعتبارنا الكمية الضخمة من القيم المتاحة والمحتملة. فماذا يحمل هذا الضبط الدقيق العجيب من معانٍ دفاعية؟
تحظى ظاهرة الضبط الدقيق بقبول واسع، حتى إن كل المناظرات تدور حول تفسيرها. وقد كان عالِم الكون الملحد “فرِد هويل” مِن أول الذين أدركوا أهمية هذه الملاحظات وما تتضمنه من إشارات واضحة لوجود الله، حتى إنه كتب يقول إنه يبدو كما لو كان “عقل أعلى قد عبث بالفيزياء، وبالكيمياء، وبالأحياء، و… لا يليق بنا أن نتحدث عن قوى عمياء تدير الطبيعة.“[10] كان “هويل” ملحدًا رافضًا لفكرة خلق الله للكون. إلا أن تعليقه هذا يشير إلى ما أنتجه علم الكون المعاصر من ضيق شديد لدى من يرفضون الإيمان بالله. وكأنه أثار سؤالاً يقول: هل يمكن لفكرة الخلق الإلهي أن تقدم شرحًا أفضل للأدلة مما تقدمه فكرة الصدفة؟ لا شك أن “هويل” لم يتمنَّ أن تكون الإجابة بنعم، ولكن هذا ما اكتشفه.
ولكن من يريدون الهروب من الإشارات الواضحة لوجود الله التي يتضمنها الضبط الدقيق يلجؤون لعدة طرق منها افتراض وجود “أكوان متعددة.” ويزعم هذا الرأي أن الكون الذي نعيش فيه ليس إلا واحدًا ضمن مجموعة كبيرة من الأكوان. وهكذا يجب وضع الكون المنظور في سياقٍ كبير لا نهائي من الأكوان المتعددة الأزلية غير المنظورة. فعالمنا قد يكون خاضعًا للضبط الدقيق ولكن الأكوان الأخرى كلها لا تحتاج لهذه العملية، كل ما في الأمر أننا كنا محظوظين ووُجِدنا في هذا الكون بالصدفة. وهذا ما يبين سبب تفضيل “ريتشارد دوكينز” لهذا التفسير!
إلا أن فرضية الأكوان المتعددة تنطوي على مشكلات واضحة كما يبين “سپيتزر”.[11] أولاَ، الفرق بين الكون universe والأكوان المتعددة multiverse هو إلى حد كبير فرق لغوي يتعلق بدلالة المفردات. لأنه إن كان مصطلح “الكون” يعني المجال الكلي الذي يضم عناصر الواقع المادي المتصلة ببعضها، فهذه الفرضية مازالت تتضمن كونًا واحدًا حقيقيًا. وإن كانت الأكوان المتعددة المفتَرضة لا تتصل نهائيًا بالكون الذي نراه فعليًا، فمن الصعب أن نطبق أي قانون فيزيائي من القوانين الفاعلة في مجالنا المنظور على الأكوان المتعددة ككل. وهو ما يعني أنه لا يمكننا أن نستخدم ما نراه من ملاحظات في عالمنا لكي نصل إلى أي استنتاجات عن الأكوان المتعددة. ولكن إن كانت الأكوان المتعددة متصلة من حيث البنية، فالكثير من المشكلات التي تعالجها نظرية الانفجار الكبير سوف تظهر بدلاً منها مشكلات أخرى، أو تعاود الظهور في أشكال مختلفة، أو ستشكل صعوبة أكبر أمام الملحدين.
فما المعاني الدفاعية التي يتضمنها موضوع الضبط التدقيق؟ أن فكرة الضبط الدقيق المتوافق مع الإيمان المسيحي بالله الخالق. رغم أنها لا تثبت أي شيء، لأن كل هذا قد يكون نتيجة صدفة عجيبة شبه مستحيلة، فهي تتفق بشدة مع النظرة المسيحية ويمكن إدراجها بشكل طبيعي سلس في الخريطة التي يرسمها الإيمان المسيحي للواقع. وإن كانت قدرة المسيحية على احتواء هذه الظواهر لا تُعَد برهانًا نهائيًا على أي شيء، إلا أنها تحمل دلالات قوية، والمسيحية واحدة ضمن الكثير من الدلائل المتراكمة التي تُكون معًا “الصورة الكبرى” الكلية للواقع. وهي خيط ضمن الكثير من الخيوط التي يمكن أن تُنسج معاً فتُكون لوحة ذات نسق خاص. إن الضبط الدقيق أحد المفاتيح أو الدلائل التي تفسر معنى الكون، وهو عديم القيمة بمفرده، ولكن وضعه بجوار دلائل اخرى يثريه ويُحمله بدلالات عميقة.
والمسيحي يرى توافقًا مفاهيميًا عميقًا بين الإطار النظري للمسيحية وما تكشفه العلوم الطبيعية عن العالم. وسوف نتناول ذلك بمزيد من التفاصيل في دراستنا للمفتاح الثالث لمعنى الكون: البنية العميقة للعالم.
المفتاح الثالث: النظام (بنية العالم المادي):
ينعكس ميلنا الفطري لتمييز نوع من النظام في العالم انعكاسًا واضحًا في أسفار الحكمة التي يتضمنها العهد القديم. والعلوم الطبيعية أيضًا تقوم على فكرة انتظام الكون. فلولا وجد نظام في الكون لأصبح العلم مشروعًا مستحيلاً.
باعتبار أني كنتُ عالمًا في فترة من حياتي، فقد حظيت بامتياز البحث في الكون الذي يتميز بشفافية منطقية وجمال منطقي في الوقت نفسه، والذي يمكن التعبير عنه بصيغ رياضية مبتكرة وسلسة. ومن العوامل المشتركة بين العلوم الطبيعية واللاهوت المسيحي هو الاعتقاد الراسخ بأن العالم يتميز بحالة من الانتظام والمعقولية، كما أشار أحد علماء الكون في العصر الحديث قائلاً: “النظام الكوني هو إله الفيزيائيين.”[12] فالعالم وطبيعة العقل البشري يتسمان بصفة خاصة جدًا تتيح وجود أنماط في الطبيعة يمكن تمييزها والتعبير عنها.
ومن أهم القواسم المشتركة بين العلوم الطبيعية واللاهوت المسيحي هو الإيمان الأصيل بأن العالم منظم ومعقول. ويُعد مفهوم النظام والمعقولية على قدر كبير من الأهمية على مستوى كلٍّ من العلم والدين، كما أشار عالم الفيزياء “پول داڤيز” Paul Davis: “أثناء عصر النهضة الأوربي كان المبرر الذي نستند عليه لاستخدام ما نسميه اليوم منهج البحث العلمي scientific approach to inquiry هو إيماننا بإله عاقل يمكن اكتشاف نظامه المخلوق عن طريق دراسة دقيقة للطبيعة.[13]
فقد خلق الله عالمًا منظمًا، يمكن للبشر المخلوقين “على صورة الله ومثاله” تمييز ما به من نظام. ولكن ما الذي يمَكن البشر من تمييز هذا التنظيم؟ ولماذا نقدر أن نعبر عنه بمنتهى الذكاء والسهولة على هيئة معادلات رياضية؟ إن هذه الحقيقة أهم بكثير مما نتخيل، كما أشار عالم الفيزياء النظرية “چون پولكينجهورن”:
إن إمكانية فهمنا للعالم أمر مألوف جداً لنا حتى إننا غالبًا
ما نعتبره شيئًا عاديًا ومن المسَلمات. ولكن الحقيقة أنه
لولا هذه الإمكانية لما وُجد العِلم أصلاَ. والبديل لذلك
أن يكون هذا الكون فوضى[14]chaos عشوائية وليس كونًا
[15]cosmos منظمًا. أو أن يكون محكومًا بمنطق ولكن
لا يمكننا نحن البشر أن ندركه. … ولكن الواقع أن
هناك اتساقًا بين عقولنا والكون، وبين منطقيتنا الداخلية
والمنطقية التي نلاحظها خارجنا.[16]
فما الذي يجعل الكون مفهوماً لنا؟ كيف نفسر وضعه وشفافيته المنطقية؟ ولماذا تزودنا التركيبات الرياضية البحتة المجردة، المفترض أنها إنتاج حر من منتجات العقل البشري، بهذه المفاتيح المهمة التي تساعدنا في فهم العالم؟ وقد طرح “يوچين ويجنر” Eugene Wigner عالم الرياضيات العظيم هذا السؤال الشهير: “ما الذي يمنح الرياضيات هذه الفاعلية غير المعقولة في فهمنا للعالم المادي؟“[17] إنه سؤال يتطلب إجابة. إلا أن العلم لا يمكنه أن يجيب عنه. فالواقع أن العلم يعتمد تحديدًا على ما تتميز به الرياضيات من هذه “الفاعلية غير المعقولة”، ويستخدمها بوصفها أداة، ولكنه لا يقدر أن تقدم تفسيرًا نظريًا يشرح سبب هذه المصداقية الكبيرة التي تتميز بها.
ويقصد “پولكينجورن” أن الإيمان المسيحي يقدم مخططًا للواقع يسمح لنا بإيجاد معنى مقبول منطقيًا لهذه الملاحظات. إن “المنطق الداخلي” وكذلك “المنطق الخارجي” أي منطقية العقلِ البشري والمنطقية المتأصلة في بنية الكون العميقة تنبعان من أصل مشترك في عقلانية أعمق، ألا وهي “عقل الله.” ودائمًا ما تثير العلوم الطبيعية أسئلة مهمة تفوق قدرة الأسلوب العلمي على إجابتها، وهي أسئلة غالبًا ما تكون شديدة الأهمية ولكنها تتجاوز حدود العلم نفسه. فلابد للعلم أن يفترض أن العالم يتميز بالمعقولية لأنها هي ما يعتمد عليه فيما يستخدمه من أساليب. والإيمان المسيحي قادر على تقديم إجابة لهذا السؤال الذي يطرحه العلم عن معقولية العالم، إلا أنه يتجاوز قدرة العلم التي تعجز عن إجابته، ويقدم “خريطة للمعنى” تساعدنا على فهم هذا الإمر فهمًا عميقًا.
وقد انشغل “سي. إس. لويس” أيضًا بسبب التوافق الكبير بين المنطق البشري وبِنية العالم الطبيعي.
أي تفسير للكون لا يمكن أن يكون صحيحًا إلا إذا أقر
بأن تفكيرنا يمثل قدرة حقيقية على الفهم، فالنظرية التي
تشرح كل شيء في الكون كله ولكنها تنفي صلاحية
تفكيرنا تفتقد لكل شرعية، لأن هذه النظرية نفسها تم
التوصل إليها عن طريق التفكير، فإن كان التفكير فاقدًا
للصلاحية، فالنظرية نفسها ستنهار.[18]
ومن ثم فإن استخدام الإنسان للعقل لكي يستكشف العالم يعتمد على منطقية العالم. ولذلك، ما يقصده “لويس” أن كلاً من الخليقة بوجه عام والمنطق البشري بوجه خاص يحملان آثارًا أو بصمات من التنظيم الخلاق النابع من الله. فالإله نفسه الذي أتى بالعالم إلى الوجود هو مَن خلق العقل البشري وصنع حالة من التشابه والانسجام بين هذين الخَلقين وطبيعته الإلهية.
ما فائدة هذا الأسلوب في الدفاعيات؟ يجب توضيح عدد من النقاط في هذا الصدد. أولاً، هذا المنهج يؤكد قدرة الإيمان المسيحي على إضفاء معنى على الأشياء بحيث تتوافق مع ما نلاحظه في العالم، أو مع الصورة الأعمق للواقع التي تنشأ من العلوم الطبيعية. ثانيًا، إنه يقدم لنا نقطة التقاء مهمة مع العلوم الطبيعية. فبالرغم من أنه أحيانًا ما يتم تقديم العلم والإيمان باعتبارهما طرفي نزاع، من الأفضل أن ننظر للإيمان على اعتبار أنه يقدم للأسلوب العلمي بعدًا أعمق. أي أنه يقدم تفسيرًا لنجاح العلم في أداء غرضه.
وهذه نقطة مهمة جدًا فيما يتعلق بفكرة “إله الثغرات” التي نجدها أحيانًا في الكتابات القديمة في مجال الدفاعيات. ويحاول هذا المنهج أن يدافع عن وجود الله بالاستناد إلى ما يوجد في التفسير العلمي من ثغرات. لابد أن أسجل عدم إعجابي بهذا المنهج على الإطلاق. وقد كان “تشارلز كولسون” Charles Coulson (1910- 1974) عالم الكيمياء النظرية بجامعة أكسفورد من أشد نقاد هذه الفكرة وكان يقول إنه “إما أن الله موجود في الطبيعة ككل دون ثغرات أو أنه غير موجود على الإطلاق.”[19] فلا يجب على الدفاعيات المسيحية أن تجعل شغلها الشاغل العثور على ثغرات مؤقتة في النظرة العلمية للعالم تشرح بها بعض الأمور. فالله هو من يعطي معنى للكون بأسره، وهو وحده القادر أن يفسر سبب وجود الأشياء ومعناها. والدفاعيات مهمتها أن تبين أن “الصورة الكبرى” التي تُمكننا المسيحية من إدراكها تجعل للعالم معنى.
المفتاح الرابع: الأخلاق (اشتياق للعدالة):
من الموضوعات الجوهرية في الفلسفة الكلاسيكية ما يطلق علية أحيانًا “الثلاثي الأفلاطوني” “Platonic triad”: الحق، والخير، والجمال. وهي مُثُل يعتبرها الأغلبية جوهرية ومهمة. ويمكن للمدافع أن يستخدم كلاً منها بوصفه مدخلاً للإيمان، وإذا استُخدم بدقة وعلى النحو الصحيح، يمكن أن يمثل نافذة يطل منها المستمع على الصفات الإلهية من حق وخير وجمال.
والدفاعيات الكلاسيكية تميل للتركيز على قضايا الحق، وهو مسلك حكيم جدًا. إذ يبدو أن الله حبا العقل البشري قدرة على إضفاء معنى على الأمور وإدراك أن البشرية جزء من شيء أكبر بكثير. فنحن ندرك أن العمليات المنطقية التي تتم في عقولنا البشرية تُعَد مشاركة في نظام عقلاني موضوعي وانعكاسًا له، وهذا النظام العقلاني أسسه الله وهو يعكس طبيعته وصفاته والأدبية. والبشر مخلوقون على صورة الله. ومن ثم، فهم يعكسون عقلانية الله ولو على نحو باهت. فنحن قادرون على إدراك البنية الأعمق للكون بما فيها وجود الله لأن هذا هو تحديدًا ما خُلقنا له. والقديس أغسطينوس من الكُتاب المسيحيين الأوائل الذين وضعوا هذا المنهج الذي يقوم على تلك الفكرة القائلة بأننا نحمل صورة الله، وهي إحدى الأفكار الجوهرية في الكتاب المقدس (تك 27:1).
إن صورة الخالق ماثلة في النفس البشرية العاقلة أو
المفكرة. … وقد خُلِقَت النفس البشرية على
صورة الله لكي تستخدم المنطق والفكر لتفهم الله وتعاينه.[20]
وكما أدرك أغسطينوس، وكذلك “پاسكال”، وأيضًا “لويس”، إن خلق الإنسان على صورة الله يوفر للدفاعيات المسيحية أساسًا لاهوتيًا قويًا، لأنه يعني أننا قادرون عل استخدام شوق البشرية العميق للحق والخير والجمال في مساعدة الناس على الاتجاه نحو مصدرهم الأعلى وهدفهم الأسمى، أي الله الحي المحب.
وما يعنينا في هذا الجزء هو موضوع “الخير”، أي أساسيات لرؤية ثابتة لما هو خيِّر وكيفية العيش وفقًا له. في لقاء إذاعي حديث تناول أحد الصحفيين البريطانيين طبيعة الأخلاق مع “ريتشارد دوكينز”، الملحد العنيف المشهور. وقد سأله الصحفي “چَستين برايرلي” Justin Brierley عما إذا كانت نظرته الداروينية للأمور قد قدمت له أساسًا للقيم الأخلاقية يمكنه الاعتماد عليه. وفيما يلي جزء من الحوار له أهمية خاصة من وجهة نظر الدفاعيات المسيحية:
برايرلي: ولكنك عندما تٌصدر حكمًا قيميًا، ألا يعني ذلك أنك تقفز خارج هذه العملية النشؤوية الارتقائية وتقول إن هذا الشيء جيد لأنه جيد، دون أن يكون عندك أي مبرر يجعلك تتخذ من هذه العبارة أساسًا للحكم؟
دوكينز: ولكن محتمل أن هذا الحكم القيمي نفسه نتج عن ماضيَّ النشؤوي الارتقائي.
برايرلي: إذَن فهو عشوائي مثل كل نواتج النشوء والارتقاء.
دوكينز: نعم، ولكن هذا لا يعني وجود أي شيء خارق للطبيعة.
برايرلي: ولكن في النهاية يصبح اعتقادك بأن الاغتصاب فعل خاطئ هو اعتقاد اعتباطي وليس له أي سبب، مثله في ذلك مثل حقيقةِ أننا نشأنا وتطورنا بخمسة أصابع وليس بستة.
دوكينز: نعم، صحيح.[21]
لقد اخترق الحوار واحدًا من أهم الأسئلة التي دائمًا ما تُطرح في المناظرات: هل الأخلاق تقوم على معيار أو أساس أعلى يتجاوز الكون المادي transcendent، مثل الله؟ والكثير من الملحدين يرفضون مناقشة هذا السؤال في المناظرات بحجة أنه سؤال سخيف، فكيف يجرؤ أحد أن يقول إن الملحدين عديمو الخلق لأنهم لا يؤمنون بالله؟ ولكن ليست هذه القضية الحقيقية، لأن السؤال المهم هو ما إذا كان يمكن للأخلاق الموضوعية[22] أن تظل باقية دون الإيمان بالله. إن المسيحي يؤمن أن الله وحده هو من يقدم أساسًا موضوعيًا للقيم الأخلاقية التي لا تخضع لنزوات أصحاب السلطة ولا لتغير أمزجة الرأي العام. ويُعبر الفيلسوف الملحد البارز “پول كرتز” Paul Kurtz عن هذه النقطة تعبيرًا جيدًا:
المسألة الجوهرية في المبادئ الأخلاقية والقيمية تتعلق بهذا الأساس الأنطولوجي [المتعلق بالوجود العقلي] ontological. أي أنها إن لم تكن مكتسبة من الله، وإن لم تكن جذورها مغروسة في أرض تتجاوز هذا الكون المادي، فهل هي مجرد شيء عابر قصير الأجل؟[23]
وسوف أسرد مثالاً من التاريخ لتوضيح هذه النقطة. سنة 1933 وصل النازيون إلى السلطة في ألمانيا وسرعان ما طوعوا القانون لفرض حكمهم الشمولي. فسنوا قوانين جديدة فرضت الأيديولوجية النازية. وبذلك تمكن النازيون من أن يدَّعوا أنهم فرضوا أفكارهم بالقانون. والوسيلة الوحيدة للتصدي للمنهج النازي هي بتقديم حجة تؤكد وجود سلطة أخلاقية أعلى من الدولة الألمانية. والأوضاع في ألمانيا آنذاك يطرح سؤالاً لا يمكن تجاهلها، ألا وهو: هل مفاهيم الأخلاقيات والعدالة التي لم تنتجها قناعات بشرية تقوم على أسس تتجاوز الكون المادي؟
أن الأسئلة المزعجة التي أثارها قيام الرايخ الثالث وما أعقبه من كوارث مازالت قائمة حتى الآن. فقد عادت للظهور بسبب المنحى “النفعي” “pragmatic” في الأخلاق الذي ارتبط ببعض الفلاسفة المؤثرين مثل الفيلسوف “ريتشارد رورتي” (1931-2007). والإنسانية وفقًا للقراءة النفعية أو البراجماتية تخلق قيمها وأفكارها الخاصة، وهي لا تحاسَب أمام أي موضوعية خارجية (القانون الطبيعي) أو ذاتية[24] داخلية (الضمير) عن نواتج هذه العملية الخلاقة. “إننا نحاول أولاً أن نكتشف الممارسات التي يجب أن نتبعها، ثم نتوقع من فلاسفتنا أن يُكيفوا تعريف مصطلح “الإنسان” أو “العقلاني” بحيث يلائم هذه الممارسات.”[25] ويقول “رورتي” إن هذا النهج المجتمعي communitarian أو النفعي في موضوع الحق يؤدي للاعتراف بأنه ليس في أعماقنا أي شيء إلا ما وضعناه بأنفسنا، فكل المعايير نحن الذين خلقناها أثناء خلقنا للممارسات، وليس هناك أي مقياس عقلاني لا يستند إلى هذه المعايير، وكل الحجج القوية ليست إلا انصياعًا للأعراف المتبعة.[26]
ووفقًا لهذه النظرة، لابد أن نعتبر الحق والأخلاق انعكاسات للأعراف الاجتماعية التي وضعتها المجتمعات البشرية. ولكن إن كان “رورتي” محقًا في هذه النظرة، فما مبررنا لمعارضة النازية؟ لقد وجد “رورتي” نفسه عاجزًا عن تقديم مبرر مقنع لرفض فلسفة الحكم الشمولي سواءً على المستوى الأخلاقي أو السياسي. ومن ثم، اعترف “رورتي” بأنه:
عندما يأتي البوليس السري، وعندما تُنتهك إنسانية الأبرياء بمختلف أشكال التعذيب، لن يمكننا ردعهم بأن نقول لهم: “حتى وإن كنتم تجسدون ممارسات مجتمع شمولي سيظل قائمًا إلى الأبد، إلا أن هناك صوتًا أعمق في داخلكم يدينكم ويدين هذه الممارسات.”[27]
تتوقف صحة القيم الأخلاقية عند “رورتي” على وجودها في مجتمع معين وقبول هذا المجتمع لها. وقد تعرضت هذه النظرة لنقد لاذع بسبب تبنيها لمنهج يميل لعدم انتقاد الأعراف الاجتماعية السائدة. وكما يشير “ريتشارد بِرنستين” Richard Bernstein يبدو أن “رورتي” تجاوز الحد في تعامله مع الممارسات الاجتماعية باعتبارها مفاهيم صحيحة ومطلقة، فاعتبرها مرادفات للحق والخير والعدالة.
كل هذه القضايا تدلل على الحاجة لأساس أخلاقي يتجاوز هذا الكون المادي، وإلا وجدنا أنفسنا سجناء لتقلبات أصحاب السلطة الذين يعيدون تعريف الأخلاق لتلائم احتياجات أصحاب النفوذ. والحجج الدفاعية التي تستند إلى الأخلاق تنقسم إلى فئتين بينهما اختلاف طفيف: حجج تستند إلى ما يتمتع به الإيمان بالله من ميزة فكرية باعتباره أساسًا للقيم الأخلاقية، حجج تستند إلى ما يتمتع به الإيمان بالله من قيمة عملية، ألا وهي أنه يضمن ثبات القيم الأخلاقية. والاثنتان تقولان بأن الإيمان بوجود الله شيء منطقي لأن هذا الإيمان يقدم أفضل تفسير للوجود، وللطبيعة، ولمعرفتنا بالحق الأخلاقي الموضوعي.
ففي كتاب “المسيحية المجردة” مثلاً يبين “سي. إس. لويس” أن فكرتنا عن الصواب والخطأ تمثل “مفاتيح لفهم معنى الكون.” ويمكن تلخيص حجته الأخلاقية التي تثبت وجود الله كما يلي:
مقدمة 1: يؤمن الجميع بوجود حق أخلاقي موضوعي. ولا يمكننا إجراء مناظرات أخلاقية في غياب هذا الحق.
مقدمة 2: يختلف الحق الأخلاقي الموضوعي عن “قوانين الطبيعية” أو الحقائق “الطبيعية.” فالأول يختص بما “يجب” أن نفعل. بينما تختص الأخيرة بما نلاحظه في العالم من حولنا.
النتيجة: أفضل تفسير لما يمكن داخلنا من حدس[28] عميق بوجد حق أخلاقي موضوعي هو أن هناك عقلاً وراء الطبيعة أو يتجاوزها يغرس فينا معرفة الصواب والخطأ ويمثل أساسًا لما نصدره من أحكام أخلاقية موضوعية.[29]
إن منهج “لويس”، مثل معظم جمل هذه الحجة ليست له القوة المنطقية التي تميز البرهان الاستنباطي. ولكن من الأفضل كثيرًا أن نفهمه باعتباره إيضاحًا إضافيًا يؤكد ما يتميز به الإيمان المسيحي من منطقية أصيلة فيه. أي أن وجود إله يقدم أساسًا أثبت يقوم عليه ما يكمن في البشر من إدراك فطري وحدس عميق لوجود قيم أخلاقية موضوعية، ويقدم دفاعًا عن الأخلاق ضد الحجج غير المسئولة التي تؤيد نسبية الأخلاق. فالله من وجهة نظر “لويس” يُعرف بواسطة ما يكمن فينا من حدس خلقي عميق:
إن كان خارج الكون قوة ضابطة، فلا يمكن أن تُظهر لنا ذاتها باعتبارها واحدة من الحقائق الواقعة داخل الكون، تمامًا كما لا يقدر مهندس قام بتصميم أحد المنازل أن يكون جدارًا دَرجًا أو مدفأة في ذلك المنزل. فالطريقة الوحيدة التي يمكننا بها أن نتوقع من تلك القوة إظهار ذاتها ستكون داخل أنفسنا في صورةِ سلطة مؤثرة أو وصية تحاول أن تحملنا على التصرف بطريقة معينة. وذلك هو عين ما نجده داخل أنفسنا.[30]
وبالتالي، فالإيمان بالله مقنع ومقبول من ناحية، ومفيد من ناحية أخرى. فهو لا يجعلنا صالحين، ولكنه يتيح لنا الإمكانية أن نكون صالحين. وكما يشير “لويس”: “وجود مبرر منطقي للفضيلة لا يجعل الإنسان فاضلاً.”[31] ولكن إن أردنا أن نصبح صالحين، علينا أولاً أن نعرف ماهية “الصلاح” ثم نكتسب القدرة على تحقيقه. وهذا يعتمد على إدراكنا لوضعنا الحقيقي ومحدوديته، كما أشار “لويس”. فنحن نحتاج للشفاء وللمعونة حتى نصبح صالحين. إلا أن اكتشاف نعمة الله واختبارها خطوة مهمة في الطريق إلى الخُلق الصحيح.
فكيف نستخدم هذه المنهجيات في الدفاعيات؟ لابد أن نلاحظ أن الدفاعيات يمكن أن تسير في أحد اتجاهين، أولهما إنشاء حجج تؤيد الإيمان المسيحي، وثانيهما إنشاء تحليلات وتقييمات تنقد المنهجيات غير المسيحية. وقد أعلن “فرانسيس شِفَر” Francis Schaeffer إعلانًا شهيرًا بأن أي منظور غير مسيحي يتضح في النهاية أنه غير متسق ومتناقض. وإن كان هذا الزعم ينطوي على قليل من المبالغة، فهو لا يخلو من الصواب. وتعتبر “الحجة المبنية على الأخلاق” “argument from morality” مثالاً ممتازًا على ذلك، فهل يمكن الإبقاء على فكرة القيم الأخلاقية الثابتة والموضوعية دون الإيمان بواقع يتجاوز العالم المادي، كإله المسيحية؟
وللتوضيح أقول إنه يمكن استخدام الحجة المبنية على الأخلاق على نحو فعال لتأكيد قدرة الإيمان المسيحي على خلق معنى للأشياء بتطبيق المنهجيات الموضحة سابقًا، وهذا هو الاتجاه الأول للدفاعيات. ولكن ربما يكون من الأفضل استخدام هذا المنهج نفسه في نقد الأفكار الإلحادية، كأن نطرح سؤالاً مثل: هل يمكن للإلحاد أن يدافع عن فكرة الحق الأخلاقي؟ وهذا هو الاتجاه الثاني للدفاعيات.
وفي المناظرات العامة، يغضب الملحدين من تحليل أفكارهم بهذا الشكل لأنهم يرون أن هذا يعني ضمنيًا القول بأنهم عديمو الخُلق. ولكن هذا ليس صحيحًا لأن هذا النقد لا ينكر القيم الأخلاقية عند الملحدين. ولكنه يطالبهم بتقديم مبرر منطقي لهذه القيم. خذ مثلاً نقدًا لتناول “رورتي” للأخلاق، نرى فيه “رورتي” عاجزًا عن تقديم معيار يعلو فوق الممارسة البشرية للرجوع إليه في الحكم على هذه الممارسة.[32] وقد قالت الفيلسوفة الملحدة “أيريس مِردوك” إن وجود فكرة للصلاح تتجاوز الكون المادي هي عنصر لا غنى عنه يضمن بقاء الأفكار البشرية الخاصة بما هو “صواب” وما هو “عدل”. وإن كانت على حق، فشوقنا للعدالة يمثل في حد ذاته مفتاحًا قويًا لفهم معنى الأشياء.
المفتاح الخامس: الرغبة (فطرة داخلية تسعى إلى الله):
تلجأ الكثير من الحجج التي تثبت وجود الله إلى المنطق في المقام الأول. في حين تستند حجج أخرى على الخبرة معتمدةً على قبول القلب البشري لها بقدر قبول العقل. وقد قال “باسكال” في تعليق شهير له: “للقلب منطقه وأسبابه التي لا يستطيع العقل أن يفهمها.” وأشهر الحجج في هذا المجال هي “الحجة المبنية على الرغبة” argument from desire””. ورغم تنوع أشكالها، فهي في معظم الأحيان تنعكس في وعي الإنسان العميق بأنه يتوق إلى شيء لا يمتلكه ولكنه يشعر بانجذاب نحوه. ويقول المدافعون المسيحيون إن هذا الشوق العميق لشيء يتجاوز حدود الكون المادي يرجع أصلاً إلى أننا مخلوقون لنحيا في شركة مع الله، ولن نرتوي إلا بالوصول إلى هذه الشركة.
وتُعتبر كتابات القديس أغسطينوس من أهم المعالجات اللاهوتية لهذا الموضوع. فالله، عند أغسطينوس، خلق البشر ووضعهم على قمة النظام المخلوق حتى يحققوا أغراضهم بالاتصال معه باعتباره خالقهم ومخلصهم. وبعيدًا عن هذه العلاقة لا يمكن للبشرية أن تكون ما يجب أن تكونه. وقد عبَّر أغسطينوس عن ذلك في صلاة مشهورة قائلاً: “لقد صنعتنا لذاتك، وستظل قلوبنا قلقة حتى تجد راحتها فيك.[33]
ويرجع الفضل للفيلسوف “بليز پاسكال” (1623-1662) وكذلك “سي. إس. لويس” (1898-1963) في وضع أهم تطبيقين دفاعيين لهذا المنهج. يقول “پاسكال” إن ما يختبره البشر من خواء وشوق إنما هو مؤشر على مصير الإنسانية الحقيقي، إنه ينير الطبيعة الإنسانية ويكشف عن هدفنا النهائي، ألا وهو الله من وجهة نظر “پاسكال”.
علامَ يدلل هذا التحرق والعجز، سوى على أنه كان بداخل كلٍّ منا سعادة حقيقية لم يبقَ منها الآن إلا مسحة وآثار فارغة؟[34]
الله وحده هو من يقدر أن يملأ هذا “الهوة”؛ هذه الفجوة العميقة المشكَّلة على صورة الله التي غرسها الله في الطبيعة البشرية ليجذب بها الناس إليه ثانيةً.
أن هذه الهوة غير المحدودة لا يمكن أن تُملأ إلا بشيء غير محدود غير متغير، أي الله نفسه. الله فقط هو خيرنا الحقيقي.[35]
وغالبًا ما يُعبَّر عن فكرة “پاسكال” بعبارة “فجوة على شكل الله” أو “فراغ على شكل الله” داخل الطبيعة البشرية. وبالرغم من أن “پاسكال” نفسه لم يستخدم هذه التعبيرات فعليًا، فهي تلخص منهجه ببراعة. وهو يقول إن الإيمان المسيحي يقدم إطارًا يفسر ما يختبره البشر عمومًا من المشاعر “التوق والعجز.” ويتكون هذا التفسير من عنصرين: أولهما، أنه يعطي معنى للخبرة. وثانيهما، أنه يُحدث تغييرًا في هذه الخبرة البشرية نتيجةً لتحديد معناها.
وقد وضع “سي. إس. لويس” منهجًا مشابهًا له أهمية خاصة للدفاعيات المسيحية.[36] فهو يقر بأهمية ما يختبره الكثيرون من إحباط تطلعاتهم: “نحاول، في أولى لحظات الشعور بهذا التوق، أن نمسك بشيء معين ولكنه سرعان ما يتلاشى على أرض الواقع.” فما تفسير ذلك؟ يشير “لويس” إلى طريقتين في التفسير يعتبرهما معيبتين: الأولى، أن نفترض أن هذا الإحباط ينتج عن البحث في أماكن خاطئة. والثانية، أن ننتهي إلى أن المزيد من البحث لن يؤدي إلا إلى المزيد من الإحباط. ومن ثم، فأي محاولة للعثور على شيء أفضل مما يقدمه العالم هي محاولة خاطئة. ويقول “لويس” بوجود حل ثالث، ألا وهو الاعتراف بأن هذه الأشواق الأرضية ليست “سوى نسخة، أو صدى، أو سراب” لوطننا الحقيقي.
ثم يبني “لويس” بعدئذٍ ما قد يطلق عليه البعض “الحجة المبنية على الرغبة”، ويمكن صياغتها كما يلي:
كل رغبة طبيعية يقابلها موضوع تتجه نحوه، ولا تشبَع إلا عندما تصل إليه أو تختبره.
هناك رغبة طبيعية نحو إشباع يتجاوز حدود العالم المادي لا يمكن الوصول إليه ولا اختباره بأي شيء أو عن طريق أي شيء في العالم الحاضر.
وبالتالي هذه الرغبة الطبيعية في إشباع يتجاوز حدود العالم المادي لا يمكن تحقيقها إلا فيما وراء العالم الحاضر، في عالم يشير إليه النظام الحاضر.[37]
هذه الحجة لا تثبت فعليًّا وجود الله بالمعنى الضيق لهذا المصطلح. فيجب علينا في البداية أن نوسع نقطة “لويس” لتشمل إعلان المسيحية عن أن الله إما هو تحقيق الرغبة البشرية الطبيعية في إشباع يتجاوز العالم المادي أو أنه شرط أساسي له. ومع ذلك، لا يجب فهم هذه الحجة باعتبارها استنباطًا لوجود الله.
إلا أن “لويس” رأى أن هذا الخط الفكري يبين الارتباط بين الإيمان والخبرة لأنه يكشف بالتجربة العملية أن النظرة المسيحية للواقع تتوافق مع ما نختبره في نفوسنا. والحجة ليست استنباطية، ولكنها تستخدم الاستدلال بالاستبعاد، على حد تعبير “پيرس”. فمن الواضح أن “لويس” يرى أن الإيمان المسيحي يلقي الضوء على واقع خبراتنا الذاتية. وقد نسج القديس أغسطينوس الموضوعات المحورية في التعاليم المسيحية عن الخليقة والفداء في الصلاة له: “لقد صنعتنا لذاتك، وستظل قلوبنا قلقة حتى تجد راحتها فيك.“[38] ويؤكد “لويس” هذه الفكرة، ويغرس جذورها في عالم الخبرة البشرية التي يرى أنها تستنير بهذه الفكرة.
وهكذا يرى “لويس” أن الدفاعيات المسيحية لابد أن تتفاعل مع هذه الخبرة الإنسانية الأساسية من “التوق” إلى شيء له أهمية قصوى. والإيمان المسيحي يفسر هذه الحالة باعتبارها مفتاحًا يسهم في حل لغز السعي نحو تحقيق الهدف الحقيقي للطبيعة البشرية. وكما يشير الجوع الجسدي إلى احتياج بشري حقيقي يتم إشباعه بالطعام، هكذا يتقابل هذا الجوع الروحي مع احتياج حقيقي يتم إشباعه بالله نفسه. ويقول “لويس” إن معظم الناس يدركون بداخلهم شعورًا عميقًا بالتوق لا يمكن إشباعه بأي شيء مؤقت أو مخلوق: “إن وَجَدتُ في نفسي رغبة لا تشبعها أي خبرة في العالم، فالتفسير الأرجح لهذه الحالة أنني خُلقتُ لعالم آخر.”[39]
إلا أن هذا لا يثبت أي شيء. فقد أشعر برغبة عميقة في أن ألتقي بحصان وحيد القرن ذهبي اللون، إلا أن هذه الرغبة لا تعني أن الخيول وحيدة القرن موجودة فعليًا، سواء أكانت ذهبية أو غير ذهبية. ولكن ليس هذا ما يقصده “لويس”، بل يقصد أن المسيحية تخبرنا أن هذا الشعور بالشوق لله هو شيء متوقع جدًا لأننا مخلوقون لنتواصل مع الله. فهو يتوافق مع أسلوب التفكير المسيحي، وبذلك يؤكد مصداقيته بشكل غير مباشر، مما يخلق اتساقًا قويًا بين النظرية والملاحظة، أي بين الإطار اللاهوتي وواقع خبرتنا الشخصية.
فكيف يمكن تطوير هذا الأسلوب وتطبيقه في الدفاعيات؟ إن العنصر الأساسي في هذا النهج هو استناده إلى الخبرة الإنسانية، أي إلى عالم المشاعر الذاتي، لا إلى التحليل الموضوعي للعالم الطبيعي. إلا أن هذه الخبرات الذاتية مهمة عند أصحابها، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها شعور الناس بمدى أهميتها. وحتى إن لم يكن الجميع قادرين أن يتعرفوا على هذه الخبرة عندما توصف لهم، إلا أن انتشارها يكفي أن يجعلها أساسًا لاستراتيجية مهمة في الدفاعيات. ويجب التنويه إلى ثلاث نقاط في هذا النهج.
يتصل هذا المنهج بخبرة إنسانية يشترك فيها الكثير من البشر. وهو يتفاعل مع شيء له أصداء عند الكثيرين، ويقدم تفسيرًا لشعور يختلج في صدور الكثيرين ولكنهم يتساءلون عن معناه.
الخبرة لها تفسير. فهي ليست خبرة عشوائية أو بلا معنى، ولكنها مؤشر ينبه إلى شيء أبعد منه. فما يراه البعض ظاهرة بلا معنى يصبح علامة على الطريق لها دلالتها.
تُعتبر هذه الخبرة بوابة مؤدية لله. فالله وحده هو مَن يستطيع أن يُحدث تحولاً في الخبرة الإنسانية. الله فقط هو من يقدر أن يملأ ما أطلق عليه “پاسكال” “الهوة” الكامنة في الطبيعة البشرية. وتفسير الخبرة الإنسانية على هذا النحو ليس انتهازيًا ولا اعتباطيًا، ولكنه يضرب بجذوره في فهم الطبيعة البشرية والمصير البشري من الوجهة اللاهوتية.
ولا تُعَد هذه ” الحجة المبنية على الرغبة” “برهانًا” منطقيًا قويًا يثبت وجود الله، ولكنها تصل إلى مستوى أعمق بكثير. فقد تنقصها القوة المنطقية، ولكنها تتميز بعمق وجودي. فهي تتعلق بقدرة الإيمان المسيحي على مخاطبة أعماق الخبرة الإنسانية، أي الأمور التي تمثل أهمية حقيقية لنا. وهي تعتمد على الشعور بالقلق وعدم الرضا الذي يعتمل في الطبيعة البشرية وتُبين أن هذه الحالة تمثل مفتاحًا يساعد في فهم طبيعتنا الحقيقة ومصيرنا. وكما قال “لويس”، إن لم يكن في هذا العالم ما يُشبع هذه الأشواق والتطلعات العميقة، فقد يعني ذلك أننا لابد أن نُسَلِّم بأن بيتنا الحقيقي في عالم آخر. وكما قال “فرانسيس كوارلز” Francis Quarles (1592-1644) أحد شعراء عصر النهضة، إن نفوسنا كالإبرة المعدنية التي تنجذب نحو مغناطيس الله. فكما يستحيل محو ما نشعر به من توق للعدالة أو رغبة عميقة في تحسين هذا العالم، يستحيل كذلك أن نمحو الله من الحياة الإنسانية تمامًا. إن ما بداخلنا من ميل فطري نحو الذهاب إلى البيت يرجع تحديدًا إلى وجود بيت لنا نعود إليه، ويُعَد هذا الموضوع من أهم موضوعات العهد الجديد.
وتمثل هذه الرغبة نقطة مهمة عندما نفكر في طبيعة المجتمع الغربي. فقد أجرى الفيلسوف السياسي “تشارلز تيلور” Charles Taylor مؤخرًا تحليلاً تفصيليًا لظهور “عصر علماني” وختمه بخلاصة مفادها أن الدين لن يختفي بسبب ما يميز الطبيعة البشرية من سمات خاصة، على رأسها ما يطلق عليه الفيلسوف الفرنسي “شانتال ميلون دلسول” Chantal Milon-Delsol “رغبة في الأبدية.”[40] إن الطبيعة البشرية تتميز بشيء يجعلنا نريد أن نصل إلى ما وراء الحدود العقلانية والتجريبية سعيًا نحو المعنى والقيمة.
ويجب التنويه إلى نقطة أخرى في هذا الصدد: إن الفكر المسيحي الذي يؤمن بأن البشرية تحمل صورة الله ينطوي على معانٍ مهمة تتصل بدور الخيال. ويؤكد كلٌّ من “لويس” وكذلك “تولكين” أن تخيلاتنا تفتح عوالم تصدر إشارات تبين هويتنا الحقيقية مصيرنا الحقيقي. فنحن غالبًا ما نحلم بعوالم جميلة، لا لأننا نريد الهروب من هذا العالم، ولكن لأن في أعماقنا شيئًا يجعلنا نتوق لواقع جميل. وسنرى فيما بعد أن هذه الفكرة أيضًا تتماشى مع الدفاعيات.
المفتاح السادس: الجمال (بهاء العالم الطبيعي):
يتأثر الكثيرون تأثرًا عميقًا برؤية جمال الطبيعة، مثل سلاسل الجبال الضخمة، أو منظر الغروب الرائع، أو الوديان الزاخرة بالأشجار. فكيف نساعد الشخص على الانتقال من محبة مخلوقات الله لمحبة الله الخالق؟ قد تكون أول وأوضح نقطة أن نساعد الناس على رؤية العالم بنظرة مختلفة، أي باعتباره علامة على الطريق، ليس محطة وصول. فجمال العالم يشير إلى جمال الله الأعظم الذي يعكسه العالم كما يعكس القمر نور الشمس الأعظم، أو كما تتلألأ ماسة جميلة عندما تلتقط أشعة الشمس.
ويُعتبر هذا الموضوع من الموضوعات الرئيسية التي يتناولها اللاهوتي الأمريكي العظيم “چوناثان إدواردز” الذي يضع أساسًا لاهوتيًا صلبًا لمنهج دفاعي يقوم على فكرة جمال الطبيعة. ويرى “إدواردز” أن الله يرغب في أن تَعرف مخلوقاته جماله وتستمتع به. ولذلك، فهو يختار أن يوصل هذا الجمال عن طريق النظام المخلوق حتى يراه الجميع ويقرون به ويتجاوبون معه.[41] إن الطبيعة مصممة لتكشف جمال الله، وهي مثل مَدرسة للرغبة تتعلم فيها البشرية كيف تدرك مجد الله وتتجاوب معه بإيمان ومهابة.
ولكننا لابد أن نمعن التفكير في قضية الجمال. فإن أردت أن أدرك حجة منطقية، لابد أن أفكر فيها مليًا لأنها لا تُفهم فجأة. إلا أن الجمال يختلف لأنه شيء ندركه في التو واللحظة. فعندما نرى منظرًا أو شخصًا أو عملاً فنيًا جميلاً، نفهم على الفور أنه متميز. ولا نحتاج لمن يقنعنا بأن هذا الشيء أو هذا الشخص جميل، ولكننا نجد شيئًا عميقًا في داخلنا يخبرنا بذلك. وهكذا، فالدفاعيات التي تقوم على الجمال لا تستند على الحجة بل على التذوق. ولكن الحجة تبدأ عندما نسأل عما يشير إليه جمال الطبيعة.
فقد لا يعني إدراكنا لجمال الطبيعة أي شيء على الإطلاق. وقد يكون كله صدفة، مجرد شيء اعتباطي وبلا معنى. إذن، فهو أيضًا ما يطلق عليه “سي. إس. لويس” مصطلح “مفتاح لفهم معنى الكون.”[42] وفي أحد أشكال الحجة المبينة على الرغبة، يقول “لويس” إن توقنا للجمال يصاب بإحباط تام إن ظننا أننا سنجد الجمال الحقيقي في أي شيء مخلوق أو محدود، لأننا بذلك نبحث عن شيء لا وجود له. وهكذا، يرى “لويس” أن ما نراه في هذا العالم هو علامات تشير إلى الموضع الذي نجد فيه ما تدلل عليه، إلا أنها هي نفسها لا تقدم جمالاً حقيقيًا. وإن كنا نعتقد أن فيها جمالاً حقيقيًا، سنسقط في حالة من البؤس والتشوش.
ويرى “لويس” أن السعي البشري نحو الجمال الحقيقي هو نقطة تلاقي مهمة مع الإنجيل. وهو يمثل أحد الموضوعات المحورية في عظة “ثقل المجد” “The Weight of Glory” [43] التي ألقاها سنة 1941 وهي تُعتبر أهم أعماله القصيرة. ويعتقد “لويس” أن بداخلنا ميلاً فطريًا نحو ما يتجاوز حدود العالم المادي، يثيره فينا الجمال، ويعبر عن “رغبة في وطننا البعيد نكتشفها في أنفسنا الآن.”[44] والجمال، عند “لويس”، يستنفر قيمة أكثر واقعية من كل ما نلتقي به في هذا العالم الوقتي. وهو يثير شعورًا بالتوق إلى عالم تَعلَق بذاكرتنا صورة باهتة له ولكننا منفيون منه حاليًا، كما أشرنا في الجزء السابق من هذا الفصل. إنها رغبة “في شيء لم يظهر مطلقًا في نطاق خبرتنا” ولكن خبرتنا دائمًا ما تلوح به وتحببه إلينا.[45]
ولذلك، فالسعي البشري نحو الجمال يمثل في الواقع سعيًا نحو مصدر ذلك الجمال الذي ينتقل إلينا عبر الأشياء التي نراها في هذا العالم، ولكنها لا تحتويه. وتلك الأشياء “التي كنا نظن أن الجمال يكمن فيها سَوف تخوننا إن وثقنا فيها: فالجمال لم يكن فيها، ولكنه أتى من خلالها فحسب، وما أتى من خلالها كان الشعور بالتوق.”[46] وهذا هو ما يفسر انتهاء ذلك السعي بالإحباط أو اليأس. “لقد ابتسم الجمال، لكن لا ليرحب بنا.”[47] إننا نلتقط لمحة من ذلك الشيء الذي يفوق الوصف الذي يُعتبر الجمال رسولاً له، فنخطئ الفهم ونظن أنه الرسالة نفسها.
ولذلك، يؤكد “لويس” أنه لا بد لنا أن نرى الطبيعة بوصفها علامة على الطريق تشير إلى جمال الله الأعظم. إن “الجانب التصويري الذي يحظى بالقبول” في التقليد المسيحي يخاطب الشوق الذي نعرفه ونختبره، ويبشر في الوقت نفسه بكشف ما هو مخبوء في الوقت الحاضر، أي “ما لم نعرفه بعد ولكننا نريد أن نعرفه.”[48] إنه يفسر هذا السعي نحو الجمال على أنه “توق للاتحاد مرة أخرى بشيء في الكون نشعر أننا الآن منقطعون عنه، وشوق للدخول من باب ما طالما رأيناه من الخارج فقط.”[49] إن ما نختبره من رغبة في الجمال هو بالفعل دعوة “للعبور في الطبيعة ومن خلالها، ثم تَجاوزِها وصولاً إلى ذلك البهاء الذي تعكسه على نحو مؤقت.”[50]
وهكذا تُعتبر الطبيعة “أول رسم تخطيطي … مجرد صورة، أو رمز” لذلك الواقع الأعظم الذي تشير إليه. وبذلك تمثل الطبيعة “صورة جيدة لِما نرغب فيه بالفعل” ولكن الناس يعتقدون خطأً أنها هي نفسها ما يسعون إليه.[51] إلا أن الجمال يكشف الحق بالإشارة إلى عالم يتجاوز عالم الأشياء المنظور. إنه يتيح لنا أن نرى ما وراء الباب المغلق في الوقت الحاضر متوقعين فتحه والعبور فوق عتبته.
لا يمكننا أن نمسك بما نراه من صور البهاء. إلا أن حفيف أوراق العهد الجديد كلها يذيع أن الوضع لن يبقى كما هو عليه. ولكن يومًا ما، بمشيئة الله، سوف ندخل العالم الذي نشتاق إليه.[52]
ويمكننا العثور على أفكار مشابهة في كتابات آخرين مثل “چوناثان إدواردز” وكذلك “هانس أورز ڤون بالثازار” “Hans Urs von Balthasar. فكل الجمال الذي نراه في النظام المخلوق، سواء أكان في السماوات أم على الأرض مشتق من ضياء يسوع المسيح الذي هو صورة الله الجميل مصدر كل جمال.
فكيف نستخدم الجمال في دفاعياتنا؟ إجابة “لويس” بسيطة: الجمال يتجاوز التحليل العقلاني ويخاطب شيئًا أعمق بكثير داخلنا. قرر صديق لي يعمل محاميًا هو وصديقته أن يتزوجا. فذهبا إلى الصائغ لشراء خاتم الزواج بعد أن حددا مواصفات الخاتم المطلوب من حيث نوع الحجر الكريم الذي يزينه، والإطار المحيط به، وما إلى ذلك. ثم رأيا خاتمًا وقع كلاهما في غرامه. ورغم أنه لم يكن مطابقًا للمواصفات، فقد رأيا أنه الخاتم المناسب وعادا إلى البيت فرحين باختيارهما.
ولا يصعب أن نميز ما تتضمنه هذه القصة من معانٍ دفاعية. فأحيانًا يكون المهم أن تسمح للإنجيل أن يقنع الناس بنفسه. والتاجر الذي أدرك جمال “اللؤلؤة كثيرة الثمن” وقيمتها لم يكن بحاجة لأحد يقنعه بقيمتها الحقيقية (مت 13: 46،45). ولكن اللؤلؤة أقنعته بنفسها. فمهمتنا أن نساعد الناس على إدراكِ جمال الإنجيل، كبائع المجوهرات الذي يدفع ماسة مقابل الضوء حتى تبرق وجوهها فيُقدر الناظر جمالها. ولكن الجمال موجود من الأصل، وكل ما فعله الجواهرجي أنه عرضه بحيث يظهر بأقصى وضوح ممكن.
المفتاح السابع: العلاقاتية (الله بوصفه شخصًا):
تؤكد رواية الخلق في سفر التكوين أن كل ما خلقه الله حسن. ولكن عند نقطة معينة يقرر الله إجراء تغيير معين، فليس حسنًا أن يكون آدم وحده (تك 18:2)، وهو إقرار بما يميز البشر من جانب علاقاتي. فقد خُلقنا لنوجد في علاقة، مع بعضنا البعض، ومع الله. والصورة الفردوسية التي يرسمها الكتاب المقدس لِجَنَّة عدن تصور آدم وحواء في انسجام بعضهما مع بعض ومع الله. فالإنسانية الأصيلة تتضمن التواجد في علاقات، حسب الوضع الذي خُلقنا عليه.
وقد أدرك الإنسان احتياجه الأساسي للتواجد في علاقات منذ زمن بعيد. فعندما أطلق أرسطو، وهو من فلاسفة العصر الكلاسيكي العظماء، جملته الشهيرة أن البشر “حيوانات سياسية” كان يقصد فعليًا أن الإنسان لديه ميل طبيعي أن يعيش في مجتمعات مثل دولة المدينة التي سادت اليونان في الحقبة الكلاسيكية. إلا أن أهم طريقة لفهم حاجتنا للعلاقات، عند الغالبية، لا يُعَبَّر عنها بمصطلحات سياسية، بل بلغة الحب الشخصية الحميمة.
لقد قال “ڤيكتور ايجو” Victor Hugo (1802-1885) الكاتب المسرحي الفرنسي الشهير إن “السعادة القصوى في الحياة تتحقق عندما نتأكد أننا محبوبون.” فمعرفتنا أننا محبوبون تمنحنا قاعدة الأمان التي نحتاج إليها لنواصل حياتنا. إننا نحتاج أن نطمئن إلى أننا مهمون عند شخص ما. ومما يؤكد أهمية هذا الموضوع عند جميع البشر أن حتى المقالات الأكاديمية المملة والروايات الرومانسية التافهة لم تخلُ منه، وهي تطرح سؤالاً يقول: لماذا نجد الأغنياء وأصحاب السلطة في غاية التعاسة؟ لأن ما يهم الناس فعلاً هو الحب، لا الثروة ولا السلطة. ولا يمكننا ان نحيا دون علاقات شخصية ذات معنى.
ويمكننا أن نروي الكثير من القصص لتوضيح هذه النقطة. ولكن قصتي المفضلة تختص بالفيلسوف الأمريكي “پول إلمر مور” Paul Elmer More (1864-1937). انبهر “مور” في شبابه بفكرة أفلاطون عن المثالي Ideal أي الواقع الذي يكمن خلف أي مظهر مرئي على الأرض. إلا أنه كلما تأمل في “عالم مثاليات” أفلاطون تضاءل إعجابه به. فقد بدا له قاحلاً عقيمًا عاجزًا عن التواصل مع البشر، ورآه باردًا يتلامس مع الإنسان باعتباره شخصًا، ولا تُنطق فيه أي كلمات ولا تُعرف فيه مشاعر الحب الرقيقة. إلا أن المسيحية تتحدث عن إله يدخل في تاريخنا ويحررنا من عالم المثاليات البارد المجرد من المشاعر لندخل عالمًا مشحونًا بحضور الله الشخصي البهيج. والاختلاف بين الاثنين يمثل أهمية عظمى. ولذلك، أصبح “مور” مسيحيًا في مرحلة لاحقة من حياته.[53] فما من كائن بشري يمكنه أن ينعم بالإشباع في عالم مجرد لا يتلامس مع الناس باعتبارهم أشخاصًا، فنحن نحتاج للتواصل من الآخرين، بمن فيهم الله.
والمسيحية إيمان علاقاتي في الأساس. فلا يجب أن نفكر في الإنجيل إطلاقًا من وجهة عقلانية بحتة، مثل الإيمان بوجود إله، كما لو كان الإيمان مجرد نوع من استيفاء مجموعة من الشروط. فرغم أن الإيمان له محتوى واضح يحدد ما نؤمن به عن الله وعن أنفسنا، هو أعمق من ذلك بكثير. ومن ثم، يجب ألا ننسى أبدًا أن الفكرة التي يتمحور حولها الإيمان في الكتاب المقدس تتلخص أساسًا في الثقة في الله الذي يُظهر نفسه على أنه أهل لتلك الثقة بالقول وبالفعل. ومن هنا يتضح الاتصال الوثيق بين الإيمان والرجاء والمحبة. فنحن نثق في إله يحبنا ويمنحنا رجاء للمستقبل.
ويمكن رؤية الجوانب العلاقاتية للإيمان في مجموعة لا تحصى من الفقرات الكتابية. ومنها مثلاً دعوة إبراهيم (تك 17،15). والعنصر الجوهري في هذه القصص الكتابية هو ثقة الإنسان في المواعيد الإلهية. ففي حالة إبراهيم كان الأساس هو تكوين علاقة ثقة وطاعة بين إبراهيم والله. ونرى نموذجًا مشابهًا في دعوة التلاميذ الأوائل على شاطئ بحر الجليل (مر 1: 16-20) حيث يدعو يسوع صيادين ليتبعوه، أي بالأحرى ليدخلوا في علاقة معه.
وعبر صفحات الوحي كله، نرى الله باعتباره شخصًا، وليس مجرد قوة، فهو شخص يحبنا ويريد أن يدخل في علاقة معنا. واللغة التي نستخدمها لنَصف علاقتنا بالله تشبه تلك التي نستخدمها لوصف علاقتنا بالآخرين، وهو ما يتضح في بعض الكلمات مثل “حب” أو “تكريس”. وبولس مثلاً يستخدم في رسائله تعبير “المصالحة” للإشارة إلى استعادة العلاقة بين الله وأناس غرباء واستعادة الشركة بين الله والبشر في المسيح.
والنقطة الدفاعية الرئيسية هنا تقوم على أسس لاهوتية متينة، ألا وهي أننا خُلقنا لكي نتواصل مع الله وسنظل مضطربين وغير مشبَعين حتى يحدث هذا التواصل. لقد خُلقنا “على صورة الله” (تك 1: 27)، وهذا ما يعني وجود تشابه أصيل، وليس تماثلاً، بين الله وكل واحد منا. فنحن نوصف بأننا كائنات بشرية بفضل ما منحنا الله إياه من قدرة على التواصل معه باعتباره خالقنا وفادينا. وعندما نصل إلى الإيمان بالله نرجع للحالة التي قصدها الله لنا. فالوجود الأصيل authentic existence لا يُكتسب بالممتلكات، ولا المناصب، ولا السلطة، بل بالالتصاق بالله الحي المحب.
وهذه القضية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بموضوع بحثناه سابقًا في هذا الفصل، وهو الحجة المبنية على الرغبة. ولكن الرغبة هنا تتجه نحو شخص، لا نحو شيء أو قوة. فالله شخص نعرفه، ولسنا فقط نعرف عنه. فلا شك أن بداخلنا “فراغًا على صورة الله” يدلل على حاجتنا للاتصال بالله حتى نصير إلى الوضع الذي يريدنا عليه. ودون الله، نظل نعاني من الفراغ وعدم الإشباع.
المفتاح الثامن: الأبدية (رجاء حدسي):
تصعب ترجمة بعض النصوص الكتابية إلى الإنجليزية نظرًا لثراء الأصل العبري أو اليوناني وتعقيده. وكما يقولون، إن المعاني تُفقد في الترجمة. فالإصحاح الثالث من سفر الجامعة يأخذ شكل تأمل طويل في موقعنا على خط الزمن. ولكن أحد أجزائه يشكل صعوبة حقيقية في الترجمة إلى اللغة الإنجليزية، ويقول هذا الجزء إن الله عندما خلق البشر “وضع في عقولهم حسًا بالماضي والمستقبل” (جا 3: 11). إلا أن هذه العبارة لا تحمل معنى مرور الوقت. لذلك، ربما يمكن ترجمتها بطريقة أخرى كأن نقول إن الله “زرع الأبدية في قلوبهم.” إننا ندرك في أعماقنا قِصَر الحياة البشرية، وحدسنا الداخلي يخبرنا بأن الواقع يتجاوز ما أعطي لنا من مقدار ضئيل من الزمان والمكان. ووجودنا المؤقت في هذا العالم يشير إلى وجود شيء أعظم وأفضل يتجاوزه. وبداخلنا شعور يقول لنا إننا خُلقنا لشيء أكبر من هذه الحياة. ولكن ما هو؟ وكيف نحصل عليه؟
إن هذا الشعور بان مصيرنا الحقيقي يتجاوز هذا العالم الزائل يتأكد بعدة عوامل. أولها الحدس الداخلي العميق بأننا لا ننتمي إلى هذا العالم. وقد تحدث القديس أغسطينوس الذي كتب في القرن الخامس عن ذكرى الفردوس التي تطاردنا بحيث لا يمكننا التخلص منها أبدًا. وحتى ونحن غارقون في خضم مشاغل الحياة، نتذكر عالمًا آخر، ووجودًا آخر. ويبدو أن الأصوات تنادينا من أقاصي الأرض مشيرةً إلى أعمق وأفضل من كل ما نمتلك أو نعرف في الوقت الحاضر. وقد عبَّر عن ذلك الشاعر “ماثيو أرنولد” Matthew Arnold (1822-1888) في قصيدته “الحياة الفانية” The Buried life التي نظَمها في أوج ازدهار العصر الفيكتوري:
ولكن غالبًا في أكثر شوارع هذا العالم ازدحامًا
ولكن غالبًا في عمق المعاناة
تنبثق رغبة يَقصُر التعبير عن وصفها
بعد أن عرفنا بحياتنا الفانية
يبدو أن ذكرى جنة عدن مطبوعة في نفوسنا، وهي تنهض لتوقظنا وتنعشنا عندما تغيب عن عيوننا هويتنا الحقيقية ومصيرنا الحقيقي.
وقد عبَّرت الموسيقية الأمريكية “چوني ميتشل” Joni Mitchell (المولودة سنة 1943) عن فكرة مشابهة سنة 1969 في أغنيتها الشهيرة “وُدستوك” “Woodstock” التي تقول فيها إننا “مصنوعون من تراب سحري”، إلا أن هذا لا يعني أننا نُختزل إلى مكوناتنا المادية كأننا مكونون من عناصر الكون الكيميائية، ولكننا نتميز بشي مختلف، شيء يجعلنا متفردين عن كل ما حولنا. وعلينا أن نستعيد إحساسنا بهويتنا وغرضنا. ولكن كيف؟ تأتي إجابة “چوني” قوية ومؤثرة: “ينبغي أن نعود بأنفسنا إلى الجنة.”
وهذا الشعور بالرجاء مغروس ومتأصل في الثقافة الغربية. فقد أجرت الصحفية “ليزا ميلر” Lisa Miller مؤخرًا دراسة على ما يتبناه الناس من مواقف ثقافية نحو السماء، أشارت فيها إلى أن الأفراد والمجتمعات مبرمجون على الاعتقاد في “مكان يجسد الأفضل في كل شيء، بل ما هو أعظم من الأفضل … الأجمل، والأكثر حبًا، والأكثر عدالة، والأوفر حقًا.”[54] وقد يكون هذا الاعتقاد طبعًا مجرد وهم، وتفكير رغبوي يحمينا من واقع الحياة القاتم. أو قد يمثل مفتاحًا يشير إلى هويتنا الحقيقية وقيمتنا. وترى “ليزا” أن في أعماقنا “رجاء أصيلاً”، يساعدنا على مواصلة الحياة حتى عندما يهاجمنا اليأس. ومن السهل أن نرى ارتباط هذه الفكرة بالرؤية المسيحية للرجاء المؤسس على قيامة يسوع المسيح ويقين المكوث في محضر الله نهائيًا في أورشليم الجديدة.
ومهمة المدافع أن يلتقط هذه المعرفة الحدسية العميقة الكامنة في القلب البشري ويبين أن الإيمان المسيحي يعطيها معنى ويقدم رجاءً حقيقيًا مؤسسًا في الله الحقيقي. فالمدافع يتخذ من هذا الشعور بالرجاء نقطة انطلاق ويسأل عما يشير إليه. ثم يشرح طبيعة الرجاء المسيحي، ويبين كيف أنه يجعل من هذا الحدس الأساسي الكامن في القلب البشري حقيقة واقعة. وهنا يمكن أن يبين أنه ربما غرس الله فكرة الأبدية في قلوبنا لتكون مفتاحًا يوحي بالمعنى الحقيقي للكون، وربما ما يجعلنا ننشغل بهذه الأفكار ونختبر هذه الأشواق أن الله خلقنا هكذا.
إن هذا الطرح لا يعتبر حجة منطقية. ولكنه توضيح لقدرة الإيمان المسيحي على أن يضفي معنى على الوضع البشري ويبين لنا أن ما نعرفه معرفة حدسية يمكن أن يتحقق واقعيًا في المسيح. إنه تفسير للوضع البشري باعتباره إعدادًا لتحويل اتجاهه وتغييره.
المفاتيح في نسيج واحد: بحثًا عن نسق:
أشرنا آنفًا إلى الصورة التي رسمتها الشاعرة الأمريكية “إدنا سينت ڤينسنت ميلاي” لِما أطلقت عليه “وابلاً من الحقائق” يهطل من السماء. وهي تشَبِّه هذه الحقائق بالخيوط التي لابد أن تُكون نسيجًا واحدًا يصنع لوحة، فهي كالمفاتيح التي يجب أن توضح معًا لتفتح الصورة الكبرى. وكما أشارت “ميلاي”، إننا عندما نواجه هذا الوابل من الحقائق، لابد أن نجد “نولاً لنصنع منها نسيجًا.“ فما هو النسق الكامن في هذه الحقائق؟
تناولنا في هذا الفصل ثمانية مفاتيح تساعد في فهم معنى الكون. وكلٌّ منها له أهميته في حد ذاته، إلا أن قيمتها الحقيقية تكمن في النسق الكلي الذي تكشفه. فهي كالخيوط في لوحة الإيمان، واللاهوت المسيحي هو النول الذي ينسجها معًا حتى يدركها المرء ويُقدر قيمتها الحقيقية. فبالرغم من أنه يمكن تقدير كل خيط على حدة، فهي تزداد أهمية عندما تُنسج معًا لتشكيل نسقًا جميلاً متكاملاً.
وبعض هذه المفاتيح يختص بما نلاحظه في العالم المحيط بنا، والبعض الآخر يتعلق بعالم خبراتنا الداخلية. إلا أننا سنكتشف أن الإيمان المسيحي قادر على إضفاء المعنى على هذه المفاتيح ووضعها في الصورة الكبرى للواقع كما يكشفها الإنجيل، وذلك سواءً على مستوى ما يدور في أذهاننا من أفكار أو ما يعتمل في قلوبنا من أشواق. وهذه القدرة على التلامس مع خبرتنا وإعطائها معنى تُعتبر مؤشرًا أكيدًا على ما يميز الإيمان المسيحي من حق عقلاني ومَقدرة وجودية.
وقد قدم الفيلسوف “چون كوتينجهام” John Cottingham مؤخرًا شرحًا دقيقًا يعلل ما يتمتع به الإيمان المسيحي بالله من صلابة فكرية فائقة وإشباع روحي:
إنه يقدم إطارًا يحررنا من شبح الصدفة والبُطل الذي
يختبئ تحت سطح الأخلاق العلمانية التي يُظن أنها تتمتع
بالاستقلالية والاكتفاء الذاتي. فهو لا يعطينا برهانًا ولكنه
يملؤنا بالأمل في أن “كهف” عالمنا البشري (على حد
تعبير أفلاطون) لن يظل مغلقًا ومختومًا، بل ما نلتقطه
داخلنا من إشارات أخلاقية باهتة يعكس النبع الأصلي لكل
صلاح.[55]
وهكذا يقول “كوتينجهام” إن الومضات الأخلاقية التي تصدر داخلنا تعكس المصدر الأصلي للجمال وتشير إليه. والإنجيل يصنع لهذه “الإشارات” معنى، ويعيد توجيهها في الوقت نفسه نحو مَنشئها الحقيقي ومآلها.
والمنهج الذي نعرضه هنا يمكن دراسته بمزيد من الاستفاضة في ضوء الإطار اللاهوتي الذي يقدمه “چون كالڤن” John Calvin (1509-1564) في الفصول الافتتاحية من كتابه “مبادئ الدين المسيحي” Institutes of the Christian Religion،[56] حيث يؤكد أننا نتمتع بمعرفة حدسية أو نظرة لله تقوم إما على التأمل في العالم المحيط بنا أو على وعي داخلي بوجود الله فينا. وهو يعتبر هذه المعرفة مقبولة وإن كانت قاصرة، لأنها مجرد إشارات إلى شيء أعظم. ثم يستطرد “كالڤن” مؤكدًا أن المعرفة الكاملة لله التي تتأسس على الإعلان الإلهي قادرة على التلامس مع هذا النوع من الإدراك فتتيح للمرء أن يفهمه فهمًا صحيحًا، وتعمل أيضًا على إعادة تفسير هذه الأشكال من الإدراك، وإعادة توجيهها، وأخيرًا تؤدي إلى اكتمالها من خلال فداء المسيح.
ومن ثم، فالمنهج الدفاعي المستخدم في هذا الفصل يقوم على تحديد المفاتيح التي تساعد في فهم معنى الكون، سواء أكانت تصدر عن ملاحظاتنا للعالم المحيط بنا أم عن المشاعر الذاتية والأشواق البشرية العميقة. وعندما ننظر إلى هذه المفاتيح معًا، نجدها تمثل مؤشرات مهمة تدلل على قدرة الإيمان المسيحي على خلق معنى للحياة. إلا أنه يجب إدراك هذه المفاتيح وتطبيقها كلٍّ على حدة، فكلٌّ منها له أهميته الخاصة وهو يشع استراتيجية دفاعية منهجًا دفاعيًا خاصًا. وسأشرح ما أعنيه.
لنأخذ واحدًا من هذه المفاتيح، وليكن نظام الكون، ونرى كيف نستخدم مختلف جوانبه في الدفاعيات. كيف نستكشف هذا المفتاح ونساعد الآخرين على إدراك أهميته؟ كيف نستند على نظام الكون وانتظامه ونساعد الناس على إدراك أن هذا المفتاح يشير إلى أن الله مصدر هذا الكون؟ سأضرب مثلاً استخدمته في محاضرة قدمتها لشركة الإذاعة البريطانيةBritish Broadcasting Corporation وأذيعت في مارس 2010. وفي هذه المحاضرة القصيرة استخدمت هذا “المفتاح”، وافتتحت كلمتي بواقعة من التراث القديم:
تحكى هذه القصة عن الفيلسوف اليوناني أريستبوس
الذي قذفته الأمواج على شاطئ جزيرة رودس، ولم يكن
يعلم شيئًا عن المكان، ولم يعلم إن كان آهلاً بالسكان أم
لا. وبينما كان يسير على الشاطئ وجد الأشكال
الهندسية مرسومة على الرمل، فهمس لنفسه قائلاً: “هناك
أمل. لابد أن في المكان أناسًا.” لقد رأى أريستبوس
أمارات في الطبيعة تشير إلى احتمال وجود عقل بشري.
فالأشكال تدلل على أن أشخاصًا مثله قاموا بتصميمها
ورسمها، أي أنه لم يكن وحده على هذه الجزيرة.
وبعدئذٍ ذكرتُ أن الكون يكشف عن أشكال نمطية منتظمة خاصة به، ومنها الضبط الدقيق. وكما استنتج أريستبوس من التصميمات التي رآها على شاطئ جزيرة رودس وجود فاعل عاقل صممها، قلت إن ما نراه من نظام في العالم يشير إلى وجود خالق. ثم ختمت المحاضرة كما يلي بالتفسيرات المحتملة لما نراه في الكون من نظام غريب وأنماط منتظمة:
من الإجابات التي تفسر ذلك أننا نجد هويتنا الحقيقية
ومعنانا عندما نعرف الله. وهذه هي الإجابة التي أقدمها
الآن، أو على الأقل جزء منها. ولكني لم أكن مقتنعًا بها
فيما سبق، إلا أنني عندما كنت طالبًا في أكسفورد منذ
سنوات طويلة بدأ هذا التفسير يستحوذ على أفكاري
وخيالي تدريجيًا.
وما زال هذا التفسير يملؤني بهجة وحيوية، فقد كان اكتشافي لله كالعثور على عدسة ساعدتني على رؤية الأشياء بمزيد من الوضوح. فالإيمان يقدم صورة أكبر للواقع، وهو في نظري شيء له معنى، وفي الوقت نفسه يجعل لوجودي معنى. وقد كتب “سي. إس. لويس”: “إني أؤمن بالمسيحية كما أؤمن بأن الشمس قد أشرقت، لا فقط لأني أراها، ولكن لأني أرى كل الأشياء الأخرى بواسطتها.” ولا أرى أن الإيمان بالله يتعارض مع العلم، بل إنه يزودني بإطار فكري وأخلاقي يمكن من خلاله تقدير نجاحات العلم وفهمها، وإدراك محدوديته.
وأود أن أختم بفكرة للسير “إسحق نيوتن”، وهو واحد من أهم من أسهموا في الثورة العلمية التي قامت في القرن السابع عشر. وما حققه “نيوتن” من طفرات علمية ورياضية، مثل اكتشافه لقوانين حركة الكوكب، ونظرية البصريات وضعه في صدارة ما توصل إليه العلم من مفاهيم جديدة للطبيعة. إلا أن “نيوتن” آمن أن ما يُرى من الطبيعة يشير إلى شيء أعمق يتجاوزها، والمنظور هو علامة إرشادية تلفت النظر إلى هذا الشيء. وقد كتب في نهاية حياته: “لم أكن سوى طفل يلعب على الشاطئ، وانا الآن أدخل قليلاً إلى المياه فأجد حصاة أنعم من الحصوات العادية أو صدفة أجمل من الأصداف العادية، ولكني حتى الآن لم أكتشف محيط الحق الشاسع الذي لا يزال ممتدًا أمامي.” ما زال هذا المحيط موجودًا، وأغواره التي لم تُسبر تدعونا لنغوص فيها وندخل في أعماقها.
لاحظ أني كونت منهجًا دفاعيًا وليس كرازيًا. فأنا لم أحاول أن أقود المستمع لقبول الإيمان، ولكني سعيت لإثارة تفكيره، وجذب انتباهه، ولفت نظره، وأخيرًا إقناعه. فما هو أفضل تفسير لهذا المفتاح؟ وما المعاني التي ينطوي عليها فيما يتعلق بالوجود البشري؟ أظن أننا جميعًا متفقون أن ما يجب أن يقال في هذا الموضوع يزيد عما أوردنا بكثير. ولكن على أي حال يجب أن يُنظر إلى الدفاعيات عمومًا باعتبارها وسيلة لفتح حوار جاد يجذب انتباه الجمهور، سواء أكان شخصًا واحدًا أو قاعة مليئة بالحضور، بطرح أسئلة الحياة العميقة. فالدفاعيات تفتح الحديث، والكرازة تصل به إلى النتيجة النهائية.
خطوة للأمام:
تناولنا في هذا الفصل “مفاتيح” تساعد في فهم معنى الكون المتناثر حولنا. ورغم أن الكثير من هذه المفاتيح معروف لجمهورنا، ربما أنهم لم يفكروا فيما تعنيه. ومهمتنا نحن المدافعين أن نصل كل هذه النقاط ونضع المفتاح في إطارها الصحيح.
ولكن يجب الإشارة هنا إلى نقطة أخرى. لقد أكدنا في الفصل السابق أهمية أخذ الجمهور في الاعتبار لأن الناس مختلفون. فالبعض قد يُقدر قيمة الحجة العقلية. في حين أن البعض الآخر قد يُقدر أسلوبًا يتناول مستوى أعمق، مثل الجمال أو شعور البشر بالتوق إلى شيء له قيمة عظمى. وهو ما يعني أننا لا نقتصر على الحجج التي تستند إلى المنطق البشري، ولكننا قادرون على التفاعل مع كل جوانب الطبيعة البشرية، بما فيها الخيال، والمشاعر، والحدس. وفي الفصل التالي سنتناول مجموعة من المداخل للإيمان وندرس أهميتها وكيفية استخدام كلًّ منها الاستخدام الأمثل.
لمزيد من الاطلاع:
Craig, William Lane. “In Defense of Theistic Arguments.” In The Future of Atheism, edited by Robert B. Stewart, 67-96. Minneapolis: Fortress Press, 2008.
Dubay, Thomas. The Evidential Power of Beauty: Science and Theology Meet. San Francisco: Ignatius press, 1999.
Evans, C. Stephen. Natural Signs and Knowledge of God: A New Look at Theistic Arguments. Oxford: Oxford University Press, 2010.
Feingold, Lawrence. The Natural Desire to See God According to St. Thomas and His Interpreters. Rome: Apollinare Studi, 2001.
Haldane, John. “Philosophy, the Restless Heart, and the Meaning of Theism.” Ratio 19 (2006): 421-40.
Hart, David Bentley. The Beauty of the Infinite: The Aesthetics of Christian Truth. Grand Rapids: Eerdmans, 2003.
Keller, Timothy J. Counterfeit Gods: The Empty Promises of Money, Sex, and Power, and the Only Hope That Matters (New York: Dutton, 2009).
McGrath, Alister E. Surprised by Meaning: science, Faith, and How We Make sense of Things. Louisville: Westminster John Knox, 2011.
Peters, James R. The Logic of the Heart: Augustine, Pascal, and the Rationality of Faith. Grand Rapids: Baker Academic, 2009.
Plantinga, Alvin. Warranted Christian Belief. Oxford: Oxford University Press, 2000.
Polkinghorne, John. Science and Creation: The Search for Understanding. London: SPCK, 1988.
Spitzer, Robert J. New Proofs for the Existence of God: Contributions of Contemporary Physics and Philosophy. Grand Rapids: Eerdmans, 2010.
Swinburne, Richard. The Existence of God. 2nd ed. Oxford: Clarendon Press, 2004.
Warren, Rick. The Purpose Driven Life: What on Earth Am I Here for? Grand Rapids: Zondervan, 2002.
Wolterstorff, Nicholas. “The Migration of the Theistic Arguments: from Natural Theology to Evidentialist Apologetics.” In Rationality, Religious Belief, and Moral Commitment, edited by Robert Audi and William J. Wainwright, 38-80. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1986.
[1] Augustine of Hippo, Confessions VII.x.16.
[2] Helge Kragh, Cosmology and Controversy (Princeton: Princeton University Press, 1999), 262.
[3] For a thorough exploration of the scientific issues and their apologetic implications, see Alister E. McGrath, A Fine-Turned University: The Quest for God in Science and Theology (Louisville: Westminster John Knox, 2009), 109-201ز
[4] Richard Swinburne, “The Argument from the Fine-Tuning of the Universe,” Physical Cosmology and Philosophy, ed. John Leslie (New York: Macmillan, 1990), 154-73; Robin Collins, “A Scientific Argument for the Existence of God: The Fine-Tuning Design Argument,” Reason for the Hope Within, ed. Michael J. Murray (Grand Rapids: Eerdmans, 1999), 47-75.
[5] الكربون هو المكون الرئيسي للمركبات العضوية ويمثل حوالي 18% من وزن الكائنات الحية. (المترجمة)
[6] Martin J. Rees, Just Six Numbers: The Deep Forces That Shape the Universe (London: Phoenix, 2000).
[7] Robert J. Spitzer, New Proofs for the Existence of God: Contributions of Contemporary Physics and Philosophy (Grand Rapids: Eerdmans, 2010), 60-65
[8] عملية تحول ذري تحدث داخل النجوم، مثل الشمس وفيها تتحول ذرات الهيدروجين إلى هليوم ثم يتحول الهليوم إلى كربون وأكسجين في وجود مركب الباريوم. وهذه العملية المعقدة هي الأساس الوحيد لتكون الكربون في الكون. (المترجمة)
[9] entropy: مصطلح يعبر عن محتوى الطاقة الداخلي في المادة، ويترجَم وفقًا لما ورد في “معجم المصطلحات العلمية والفنية والهندسية” لأحمد شفيق الخطيب إلى “درجة التعادل الحراري”، أو “قياس الطاقة اللامتاحة”. (المترجمة)
[10] Fred Hoyle, “The Universe: Past and Present Reflections,” Annual Review of Astronomy and Astrophysics 20 (1982): 16.
[11] Spitzer, New Proofs for Existence of God, 34-42.
[12] Heinz R. Pagels, The Cosmic Code: Quantum Physics and the Language of Nature (Harmondsworth: Penguin, 1984), 83.
[13] Paul Davies, The Mind of God: Science and the Search for Ultimate Meaning (London: Penguin, 1992), 77.
[14] الأصل اليوناني للكلمة khaos ويعني “فجوة شاسعة”، “فراغ”. (المترجمة)
[15] الأصل اليوناني للكلمة kosmos ويعني “نظام” أو “عالم”. (المترجمة)
[16] John Polkinghorne, Science and Creation: The Search for Understanding (London: SPCK, 1988), 20-21.
[17] Eugene Wigner, “The Unreasonable Effectiveness of Mathematics,” Communications on Pure and Applied Mathematics 13 (1960): 1-14.
[18] C. S. Lewis, Miracles (New York: Macmillan, 1947), 26ز
[19] Charles A. Coulson, Science and Christian Belief (Chapel Hill: University of North Carolina Press, 1958), 22.
[20] Augustine, On the Trinity XVI. Iv.6.
[21] Audio recording available at .
[22] الموضوعية هي وجود الشيء مستقلاً عن الأفكار والآراء الشخصية وغير متأثر بها، وتشير في الفلسفة إلى الاعتقاد بأن الموجودات توجد مستقلة عن معرفة البشر بها أو إدراكهم لها. (المترجمة)
[23] Paul Kurtz, Forbidden Fruit: The Ethics of Humanism (Buffalo: Prometheus Books, 1988), 65ز
[24] الذاتية في الفلسفة موقف يرى أن المعرفة تتوقف على وجود الذات المدركة وأنه ليس هناك حقيقة موضوعية أو خارجية. (المترجمة)
[25] Richard Rorty, Contingency, Irony, and Solidarity (Cambridge: Cambridge University Press, 1989), 194 n.6.
[26] Richard Rorty, The Consequences of Pragmatism (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1982), xlii.
[27] Ibid.
[28] الحدس intuition هو الفهم أو المعرفة التي تعتمد على الشعور لا على المنطق والدليل والحقائق. (المترجمة)
[29] C. S. Lewis, Mere Christianity (London: HarperCollins, 2002), 3-8.
[30] Ibid., 24.
[31] C. S. Lewis, The Abolition of Man (London: Collins, 1978), 19.
[32] Philip E. Devine, Natural Law Ethics (Westport CT: Greenwood, 2000), 32-34.
[36] See Lewis, Mere Christianity, 134-38. See also a similar argument in C. S. Lewis, “The Weight of Glory,” Screwtape Proposes a Toast (London: Collins, 1965), 94-110.
[37] For Lewis’s approach, see Peter Kreeft, “C. S. Lewis’s Argument from Desire,” G. K. Chesterton and C. S. Lewis: The Riddle of Joy, ed. Michael H. MacDonald and Andrew A. Tadie (Grand Rapids: Eerdmand, 1989), 249072. More generally, see John Haldane, “Philosophy, the Restless Heart, and the Meaning of Theism,” Ratio 19 (2006): 421-40.
[38] Augustine, Confessions I.i.1.
[39] Lewis, Mere Christianity, 136-37.
[40] Charles Taylor, A Secular Age (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2007), 530.
[41] Avihu Zakai, “Jonathan Edwards and the Language of Nature: The Re-Enchantment of the World in the Age of Scientific Reasoning,” Journal of Religious History 26 (2002): 15-41.
[42] Lewis, Mere Christianity, 1.
[43] Lewis, “Weight of Glory,” 94-110
[44] Ibid.,97.
[45] Ibid.
[46] Ibid., 98.
[47] Ibid., 105.
[48] Ibid., 100.
[49] Ibid., 106.
[50] Ibid., 108.
[51] Ibid., 107-8.
[52] Ibid., 107.
[53] See Paul Elmer More, Christ the Word (Princeton: Princeton University Press, 1927).
[54] Lisa Miller, Heaven: Our Enduring Fascination with the Afterlife (New York: HarperCollins, 2010).
[55] John Cottingham, Why Believe? (London: Continuum, 2009), 47.
[56] For comment, see the classic studies of Edward A. Dowey, The Knowledge of God in Calvin’s Theology (New York: Columbia University Press, 1952); and T. H. L. Parker, Calvin’s Doctrine of the Knowledge of God (Edinburgh: Oliver & Boyd, 1969).
يمكن تشبيه الدفاعيات بإزاحة الستار حتى يتمكن الناس من رؤية لمحة لما يختبئ وراءها، أو يرفع ماسة مقابل النور فتتلألأ وجوهها وتبرق عند سقوط أشعة الشمس عليها. فالدفاعيات تهتم بتأسيس مداخل للإيمان، سواءً تخيلنا هذه المداخل فتح أبواب، أو إزاحة ستار، أو إضاءة مصباح حتى يرى الناس بمزيد من الوضوح، أو استخدام عدسة تضع الأشياء في البؤرة. والموضوعات الرئيسية في الدفاعيات هي تلك التي تتيح للناس رؤية الأشياء بوضوح، وربما للمرة الأولى، تساعدهم على اكتشاف الأفكار المضللة، فيدركون فجأة سر ما يتمتع به الإيمان المسيحي من قدرة على الإقناع على المستوى الفكري وجاذبية على المستوى التخيلي.
فالدفاعيات تقوم بمد الجسور التي يعبر عليها الناس من العالم الذي يعرفونه إلى العالم الذي يودون اكتشافه، وتساعدهم في العثور على أبواب ربما لم يسمعوا بها من قبل، فيرَون عالماً يفوقُ كل تخيلاتهم ويدخلون فيه. والدفاعيات تفتح العيون وتفتح الأبواب بتأسيس مداخل للإيمان المسيحي. فما هي المداخل التي نقصدها؟
حتى عهد قريب، كان الاتجاه السائد في الدفاعيات يعتمد على استخدام الحجج للدفاع عن الإيمان المسيحي بشكل عقلاني. إلا أن هذا الاتجاه كان يمثل إلى حد كبير استجابة لثقافة عقلانية اتخذت من التوافق مع العقل معيارًا للحق. وسنرى أن استخدام الحجة ما زال يمثل جزءًا لا يتجزأ من الدفاعيات المسيحية ولا يجب تهميشه أبدًا. إلا أن تراجع المذهب العقلاني في الثقافة الغربية أدى إلى الإقلال من أهميتها. وخلَق جوًا يتطلب إدراكَ جوانب أخرى في الإيمان المسيحي، وعلى رأسها ما يتمتع به من جاذبية عظمى على مستوى الخيال، والأخلاق. والكُتاب المسيحيون القدامى، وخاصةً كُتاب العصور الوسطى وعصر النهضة، علقوا أهمية كبرى على الصور التشبيهية والقصص الكتابية في تعليم الأشخاص المخلصين، إلا أن صعود تيار الحداثة أدى إلى الحط من قيمة هذين العنصرين، بقدر ما أدى ظهور تيار ما بعد الحداثة إلى إعادة اكتشاف قوة تأثيرهما.
وقد أدى نمو تيار ما بعد الحداثة مؤخرًا إلى تأكيد أهمية القصة والصورة من جديد لأن كلاً منهما يجذب الخيال البشري بشكل خاص. وكل من له دراية بتاريخ الدفاعيات المسيحية لا يصعب عليه أن يدرك أن المدافعين القدامى كانوا يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على هذين العنصرين باعتبارهما مداخل للإيمان، وخاصةً في عصر النهضة. ولذلك، فنحن بحاجة لاستعادة هذه الأساليب القديمة في الدفاعيات لخلق منهج متوازن يدافع عن الإيمان المسيحي ويبرز جماله في ظل ما تشهده ثقافتنا من تحولات.
وعلينا أن نكيف دفاعياتنا بم يتلاءم مع مستمعينا، مع الانتباه لوجود عدة نقاط للتلاقي بين الإنجيل والنفس البشرية. ويتضح أن العهد الجديد نفسه يُعنى بربط الإنجيل مع مفاهيم وخبرات المتلقين على اختلاف نزعاتهم. فإن كانت النفس تَعطش لله “كَأَرضٍ يَابِسَةٍ” (مز143: 6)، فكيف ترتوي؟ إن مهمتنا تحديد القنوات المتاحة التي تتدفق فيها مياه الإنجيل الحية فتنعش النفس البشرية وتغيرها، ثم استخدام هذه القنوات بأمانة وفاعلية. وفي هذا الفصل سأستخدم صورة المدخل لتساعدنا على فهم هذه المنهجيات المختلفة.
المداخل والدفاعيات: بعض الأفكار:
تُعتبر صورة الشمس والنافذة من أهم الصور التي استخدمها اللاهوتيون في العصور الوسطى لشرح ما تجريه نعمة الله من تغيير في النفس البشرية. وتُعَد كتابات “ألن الذي من لِيل” Alan of Lille (المتوفى سنة 1203) مثالاً جيدًا على هذا حيث يشَبه النفس البشرية بحجرة باردة مظلمة. ولكن عندما تُفتح النافذة على مصراعيها، يندفع نور الشمس إلى الحجرة فيشيع فيها النور والدفء. إلا أن فتح النافذة لا يدفئ الغرفة ولا ينيرها، ولكنه يزيل حاجزاً من أمام القوة التي يمكنها أن تفعل ذلك، فسبب التغيير الحقيقي هو الشمس. وكل ما نفعله نحن أننا نزيل الحاجز الذي يمنع نور الشمس وحرارتها من دخول الحجرة.
وهذه الصورة تساعدنا على إدراك هذه الفكرة اللاهوتية، وهي أننا لا نتسبب في تغيير الناس وقبولهم للإيمان. ويؤكد “ألن” أننا نحن الذين لا بد أن نفتح نافذة عقولنا على مصراعيها، فتتمكن نعمة الله من العمل في حياتنا، وهكذا ينحصر دورنا في إزالة العوائق من أمام نعمة الله، أما تجديد نفوسنا فهو مهمة هذه النعمة الإلهية. إلا أن الصورة مهمة في مجال الدفاعيات أيضًا، فهي تُذكرنا أن الله هو من يغير النفوس، وتؤكد في الوقت نفسه أننا قادرون على تيسير هذه العملية بالمساهمة في إزالة الحواجز والعوائق التي تقف أمام نعمة الله.
والمدخل وسيلة تنفتح بها عيوننا على حقيقة حالتنا، وقدرة الإنجيل على تغييرها. ولكي نفهم هذه النقطة المهمة، تخيل أنك مصاب بتسمم في الدم، وحياتك ستنتهي في غضون ساعات لو لم تحصل على الأدوية اللازمة، ولكنك لا تعرف ما أصابك على وجه التحديد، ولا تعرف بوجود علاج لهذه الحالة. حاول أن تتخيل نفسك في ذلك الموقف. والآن فكِّر في الطرق التالية التي يمثل كلٌّ منها مدخلاً يؤدي إلى تغيير وضعك:
يخبرك طبيب من أصدقائك أن ما تعانيه هو تسمم في الدم، ويشرح لك أن هذه الحالة إن لم تعالج تؤدي إلى الوفاة، ويعطيك أسماء عدة أدوية ويخبرك بالمكان الذي تحصل عليها منه وبكيفية استخدامها.
يخبرك صديق آخر أنه أصيب بهذه الأعراض عينها، إلا أن شخصًا أخبره بدواء معين أنقذ حياته. يقترح عليك أن تجرب هذا الدواء. أي أنه يحكي لك قصته الشخصية التي تتقابل مع قصتك في هذه النقطة الحرجة.
الطريقة الأولى تمثل حجة تستند إلى أدلة، أما الثانية قصة تستند إلى خبرة شخصية يرى صاحبها أنها مطابقة للموقف الذي تمر به. ورغم أن كل أسلوب يختلف تمامًا عن الآخر، فكلٌّ منهما يمثل مدخلاً. كيف؟
أولاً، كلٌّ منهما يساعدك على رؤية الأمور على حقيقتها. ثانياً، كلٌّ منهما يتيح لك أن تدرك ما يجب فعله لتغيير الأوضاع. ثالثًا، كلٌّ منهما يشجعك على اتخاذ تلك الخطوة الحاسمة بالحصول على الدواء، وتناوله حتى تتحسن حالتك.
إن الدواء هو سبب شفائك، ولكنك لو لم تدرك حقيقة حالتك، وأنك تحتاج للدواء، لكان شفاؤك مستحيلاً. ونعمة الله هي الدواء، وبعد أن تُشفى بهذه النعمة يمكنك أن تساعد الآخرين على إدراك حاجتهم لها، ويمكنك أن تشهد عن قوتها. والله هو من يغير الناس ويأتي بهم للإيمان. أنت جزء صغير (ولكنه حقيقي) في عملية الشفاء هذه. ومن ثم، فما تقوله يمكن أن يمثل مدخلاً يسمح للناس برؤية الأمور من منظور مختلف، مما يساعدهم على تخيل طريقة جديدة للتفكير والعيش.
فما هذه المداخل المتاحة للدفاعيات المسيحية؟ سوف نبحث في هذا الفصل بعض الإمكانات المتوفرة للدفاعيات. وسنبدأ بأبسط الأساليب الدفاعية، ألا وهي شرح ماهية المسيحية.
المدخل الأول: الشرح:
أفضل دفاع عن المسيحية هو شرحها. أي أنك إن أردت أن تدافع عن المسيحية أو تبرز جمالها، فأفضل السبل لذلك أن تبدأ بتعريف الناس بماهية المسيحية، لأن الكثيرين لديهم مفاهيم خاطئة عن المسيحية تعيق قبولهم للإيمان. ومن أروع الأمثلة على ذلك مثال يقدمه اللاهوتي العظيم القديس أغسطينوس الذي قبِل الإيمان بعد جولة طويلة في أراضي الفلسفة المجدبة.[1] كان أغسطينوس شابًا موهوبًا في الخطابة من شمال أفريقيا، وقد صاحب المانويين، وهي طائفة كانت شديدة الانتقاد للمسيحية، هكذا استقى جُل معرفته بالمسيحية من نقادها، لم تكن بالمعرفة الدقيقة. ورفض أغسطينوس المسيحية باعتبارها لا تستحق اهتمام شخص في ثقافته وذكائه.
وكان أغسطينوس طموحًا، فقرر أن يكون رجلاً ناجحًا في عاصمة الإمبراطورية، فغادر شمال أفريقيا متجهًا إلى روما. وبعد فترة وجيزة من وصوله، عُرِضَت عليه وظيفة خطيب عام في ميلانو، وهي المدينة الرئيسية في شمال إيطاليا. ونظرًا لإدراكه بأن هذه الوظيفة يمكن أن تمثل بداية لحياة مهنية ذات شأن في العمل المدني بالإمبراطورية، رحب أغسطينوس بالعرض. إلا أنه كان يعلم أيضًا أن تقدمه في المجال السياسي يعتمد على قدراته البلاغية. فمن يستطيع أن يساعده في تطوير هذه المهارات؟
اكتشف أغسطينوس بعد وصوله إلى ميلانو أن أمبروز Ambrose أسقف المدينة المسيحي مشهور ببراعته في الخطابة، فقرر أن يكتشف بنفسه ما إذا كان يستحق هذه الشهرة. فكان كل يوم أحد يتسلل إلى الكاتدرائية الكبيرة في المدينة ويستمع لعظات الأسقف. وفي البداية لم يكن اهتمامه بالعظات سوى اهتمام الشخص المتخصص الذي ينظر للعظة باعتبارها خطبة فخمة. ولكن محتوى العظات بداً يستحوذ عليه تدريجيًا.
اعتدت أن أسمع عظاته متحمسًا، ولكني لم أكن مدفوعاً لذلك بالدافع الصحيح، بل كنتُ أريد أن أختبر مهارته في الخطابة لأرى ما إذا كانت طلاقته أفضل مما قيل لي عنه أم أدنى… ولكني لم أكن مهتمًا بما يقول، وكانت أذناي لا تتجه سوى نحو أسلوبه في الخطابة… إلا أنه كما دخلت الكلمات التي أمتعتني إلى عقلي، هكذا دخلت المادة التي لم أكن أعبأ بها في بادئ الأمر، حتى إني لم أتمكن من الفصل بينهما. فبينما كنت أفتح قلبي لفصاحته، دخل معها أيضًا الحق الذي كان يعلنه.[2]
وكما يتضح من رحلة أغسطينوس الطويلة إلى الإيمان، نجح أمبروز (الذي أصبح أغسطينوس يعتبره واحدًا من أبطال اللاهوت) في إزالة عائق ضخم من طريق الإيمان. فقد أبطل مفعول الصورة المغلوطة التي روجتها المانوية عن المسيحية. وبعد أن استمع أغسطينوس لأمبروز بدأ يدرك أن المسيحية أكثر جاذبية وإقناعًا مما كان يظن بكثير. وهكذا أزيل عائق يقف أمام الإيمان. وبالرغم من أن أغسطينوس لم يؤمن بالمسيحية إلا بعد فترة، فقد كان لقاؤه مع أمبروز علامة بارزة على طريق البحث.
ولابد أن البعض ممن نلتقي بهم في خدمتنا الدفاعية يحمل أفكارًا مضللة ومشوهة تمامًا عن المسيحية. وهذه المفاهيم الخاطئة التي يلتقطها البعض دون وعي، والبعض الآخر ينشرها عن قصد، لابد من تحديدها وإبطال مفعولها بخطة مُحكمة مدروسة.
ننتقل الآن لنبحث ما قد يُعتبر أكثر مداخل الإيمان شيوعًا، ألا وهو استخدام الحجة المنطقية.
المدخل الثاني: الحجة:
تؤكد المنهجيات الكلاسيكية في الدفاعيات أهمية العقل في كلٍّ من بناء حجة فكرية تؤيد فكرة وجود الله، ونقد الأفكار المغايرة. وقد بحثنا فيما سبق دور الحجج في الدفاع عن وجود الله، ومنها:
الحجة المبنية على التصميم argument from design: وهي تَعتبر أن ملاحظة التصميم الموجود في العالم، مثل ما يميزه من “ضبط دقيق”، أو بنية معقدة يشير إلى أن الله هو المصمم (ص 99، 100).
الحجة المبنية على الإنشاء argument from origination: إن كانت للكون بداية، فهذا يعني أن له مسببًا أنشأه، وقد يكون هذا المسبب شخصًا أو شيئًا، وهو ما يشير تلقائيًا إلى فكرة الله في المسيحية باعتباره خالقَ كل شيء (ص 96- 98).
الحجة المبنية على الترابط argument from coherence: وهنا نركز على قدرة الإيمان المسيحي أن يقدم تفسيرًا لما نلاحظه في العالم المحيط ولما نختبره داخلنا (ص79- 86، 101- 103).
الحجة المبنية على الأخلاق argument from morality: تقول هذه الحجة باستحالة وجود قواعد ثابته وموثوق بها للقيم الأخلاقية إلا إذا كان لها أساس يتجاوز هذا العالم المادي، كإله بار مثلاً (ص 104-109).
وقائمة الحجج تطول، ولكن لابد أن نأخذ في اعتبارنا أن هذه الحجج لا يجب أن تُفهم على أنها “براهين” بالمعنى المنطقي الدقيق للكلمة. ولكن ما توضحه هذه الحجج بكل جلاء أن الإيمان بالله له أسباب وجيهة، أو أن الإيمان بالله له مبرراته، حتى وإن كان لا يمكن البرهنة عليه بشكل مطلق.
وكلمة “برهان” بمعناها الدقيق لا تنطبق إلا على المنطق والرياضيات، فكما يمكننا أن نبرهن على أن الكل أكبر من الجزء، يمكننا أن نبرهن أن 2+2 =4. إلا أنه يجب أن نحترس من الخلط بين “قابلية البرهنة” و”الحق”. ففي مطلع القرن العشرين أثبت عالم الرياضيات العظيم “كرت جودل” Kurt Gödel أنه بالرغم من كثرة ما نصوغه من قواعد الاستدلال، ستظل هناك بعض الاستدلالات التي لا تخضع لهذه القواعد، ومع ذلك فهي مقبولة. أي أن هناك عددًا من الأفكار الصحيحة التي قد لا يمكننا إثبات صحتها،[3] وهذه الحقيقة تنطوي على معانٍ غاية في الأهمية من الناحية الفلسفية.[4]
ويمكن استخدام الحجج أيضًا في نقد بدائل الإيمان المسيحي وتقييمها، وذلك بإظهار عدم ترابطها على المستوى الفكري أو افتقارها لأساس من الأدلة يمكن الوثوق به. فقد أبرزنا مثلاً عبر صفحات هذا الكتاب قدرة الإنجيل على خلق معنى للأشياء. ونحن بذلك لا نحصر جاذبية المسيحية في أبعادها العقلانية فحسب، لأنها غنية بالجوانب الوجدانية، والأخلاقية، والتخيلية، والوجودية. ويجب على المدافع الذي يتحلى بروح المسئولية أن يستفيد منها استفادة كاملة. ولا شك أن الكثيرين ينجذبون إلى الإيمان المسيحي بسبب قدرته على خلق معنى للأشياء.
ولكن ماذا عن بدائل المسيحية؟ ما مدى قدرة النظم المنافسة على خلق معنى للأشياء؟ هل تصمد أمام اختبار الاتساق التجريبي، أي هل تنجح نظرياتها في خلق معنى للملاحظة وللخبرة؟ وقد أكدنا في فصل سابق أهمية إظهار ما يميز الإيمان المسيحي من قدرة على خلق معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ولا يكفي هنا أن يقتصر المدافع على إظهار تفوق المسيحية في هذا الصدد، ولكنه لا بد أن يبين قصور البدائل الأخرى.
ويرجع الفضل في تصميم هذا الأسلوب لواحد من أهم المدافعيين الكتابيين في أمريكا الشمالية أثناء القرن العشرين، وهو “فرانسيس شِفَر” (1912- 1984). ويُبرز أسلوب “شِفَر” في الدفاعيات الكثير من النقاط التي تناولناها في هذا الكتاب.[5] فهو يلفت النظر مثلاً لأهمية أخذ الجمهور في الاعتبار، والابتعاد عن استخدام منهج موحد للجميع: “إن أردنا أن نتواصل مع مستمعينا، لابد أن نصرف الوقت والجهد لنفهم لغتهم، حتى نوصل لهم الرسالة باللغة التي يفهمونها.”[6] أي أن المدافع لابد أن يستمع لجمهوره حتى يتعلم لغتهم ليتمكن من التواصل معهم بهذه اللغة.
ويبدو أن “شِفَر” اكتشف بنفسه أهمية الإصغاء لأفكار جمهوره ومخاوفهم وتطلعاتهم أثناء عمله المرسلي في المنطقة الناطقة بالفرنسية في سويسرا في أواخر الخمسينات وفي الستينات من القرن العشرين. ونظرًا لأنه كان يقيم في كوخ سويسري (اسمه “لابري” L’Abri وهو مشتق من الكلمة الفرنسية التي تعنى “مأوى” أو “ملجأ”) في قرية بجبال الألب تدعى “إيموز” Huemoz، فقد كان يستضيف الكثير من الطلاب الذين يتجولون في أنحاء أوروبا، ولاسيما الشباب الأمريكيين الذين كانون يتجولون في مختلف البلدان الأوروبية بحقيبة ظهر. فكان يسمع آرائهم في الأفلام والروايات المعاصرة أو في الفلسفات الجديدة التي ظهرت آنذاك. وكان يتساءل كيف يمكن تقديم الكتاب المقدس بشكل يناسب الأفكار الوجودية العنيدة التي روجها الفلاسفة المؤثرون في تلك الحقبة مثل “جان بول سارتر” Jean Paul Sartreوكذلك “سورن كيركجارد”. وإذ استمع “شِفَر” لهؤلاء الطلاب وهم يُعبرون عن أفكارهم، اكتشف أنه يمكنه التفاعل معهم في مستواهم وبلغتهم، مستخدمًا صورًا توضيحية من عالمهم ليساعدهم على إدراك معقولية الإيمان المسيحي.
إلا أن أعظم إساهم قدمه “شِفَر” للدفاعيات يكمن في الأهمية التي يعلقها على تحديد مَواطن الصراع في الفلسفات غير المسيحية واكتشاف ما تنطوي عليه من معانٍ أشمل. والمقصود أن أي فلسفة حياتية ترتكز على افتراضات مسبقة معينة، فإن كانت هذه الافتراضات المسبقة من صنع الإنسان ولا تتضمن تفويضًا أو تخويلاً إلهيًّا، فلن تتمكن من التوافق مع بِنَى الكون الذي خلقه الله.
كلما كان مَن يؤمن بفكر غير مسيحي منسجمًا مع افتراضاته المسبقة، ابتعد عن العالم الحقيقي، وكلما اقترب من العالم الحقيقي، تَبدد انسجامه مع افتراضاته المسبقة.[7]
ويقول “شِفَر” إن كل شخص يعيش بإحدى قدميه في أحد العالمَين ويضع الأخرى في العالم الآخر: العالم الحقيقي الخارجي الذي يتميز بعمقه وتعقيده، وعالم داخلي من الأفكار يشكله الاشتياق للتفهم، والحب، والقيمة. فإن وُجِد صراع بين هذين العالمين، يستحيل على الفرد أن يحيا حياة لها معنى. فلابد من وجود توافق بين خبرتنا في العالم الخارجي وعالمنا الداخلي.[8] ولذلك، يرجح “شِفَر” أن المدافع لابد أن يستخدم الحجة المنطقية لتحديد وكشف التناقضات والصراعات الداخلية التي تحويها الفلسفات الحياتية غير المسيحية. وهو يبين أنها تقوم على فرضيات أو افتراضات مسبقة لا تتسق مع الوجود الإنساني الحقيقي ولا تتوافق معه.
كل مَن نتحدث إليه، سواءً أكان بائعًا في متجر أم كان طالبًا جامعيًا، يحتفظ بمجموعة من الافتراضات المسبقة، سواء قام بتحليلها أم لم يقم… ويستحيل على أي شخص غير مسيحي أو جماعة غير مسيحية أن تتوافق مع النظام الذي تتبعه سواء على مستوى المنطق أو على مستوى الممارسة. وعندما يحاول الشخص إخفاء الصراع، عليك أن تساعده على كشفه، وفي نقطة معينة سيكتشف عدم الاتساق. وعندئذٍ سيجد نفسه غير قادر على الاستمرار، وهذا الصراع ليس صراعًا فكريًا فحسب، ولكنه يقع في صميم الكيان الإنساني ككل.[9]
ومن ثم، على المدافع أن يساعد الفرد على إدراك هذا “الصراع” والشعور بقوته الفكرية والوجودية، وهو ما يتضمن مساعدته على اكتشافه أولاً، وتقدير أهميته ثانيًا. ويرى “شِفَر” أن البشر يَقُون أنفسهم من هذا الصراع بحمايتها داخل شرنقة فكرية تمنعهم من مواجهة ذلك الاكتشاف المزعج بأن أفكارهم لا تتفق مع الواقع. ويستخدم “شِفَر” صورة يقتبسها من شتاء سويسرا لوصف هذه الحالة، فهو يشبه هذه الشرنقة الفكرية بأسقف أكواخ جبال الألب التي تعمل كمصدات تحمي المسافرين من الانهيارات الثلجية:
فهو يشبه المصدات الكبيرة التي تبنى على بعض الممرات الجبلية لحماية العربات من انهيارات الصخور والحجارة التي تهوي من فوق الجبل من آن لآخر. وهذه الانهيارات الثلجية في حالة غير المسيحي هي العالم الحقيقي الساقط المشوه الذي يحيط بهم. وعلى المسيحي أن يزيل المصدة بحب ويسمح لحقيقة العالم الخارجي وحقيقة الإنسان بأن تصدمه.[10]
ومن ثم يمكن النظر إلى الدفاعيات باعتبارها نزعًا لسقف هذا الكوخ لإجبار الشخص على إدراك أن طريقة تفكيره عاجزة عن الصمود في مواجهة العالم الحقيقي الخارجي.
فكيف يمكن تطبيق هذا المنهج؟ يعطينا “شِفَر” مثالاً يوضح هذا الأسلوب جيدًا. فقد كان يتحدث إلى مجموعة من الطلاب في غرفة بإحدى الكليات في جامعة كامبردج. وبينما كان الماء يغلي لتحضير الشاي، ابتدره أحد الطلاب الهنود قائلاً إن المسيحية لا معنى لها. فسأله “شِفَر” عن عقيدته قائلاً: “ألستُ على صواب إن قلت إن القسوة وعدم القسوة متساويات في عقيدتك، وليس بينهما أي فارق أصيل؟” فوافقه الطالب. ثم يروي “شِفَر” ما حدث بعد ذلك:
الطالب الذي اجتمعنا في غرفته فهم جيدًا ما يعنيه اعتراف الطالب السيخي، فتناول الغلاية الممتلئة بالماء الساخن الذي كان سيعمل به الشاي، ووضعها أعلى رأس الشاب الهندي والبخار يتصاعد منها. فنظر الشاب لأعلى وسأله: ماذا تفعل؟ فأجابه بنبرة حاسمة باردة ولكنها مهذبة: “لا فرق بين القسوة وعدم القسوة.” وعندئذ خرج الهندي صامتًا واختفى في ظلام الليل البهيم.[11]
وأسلوب “شِفَر” يتسم بقوته وبقدرته على الوفاء بالعديد من الأغراض، مما يجعله صالحًا لعدد من المواقف المختلفة. خذ مثلاً الوضعية المنطقية Logical Positivism، وهي حركة فلسفية حققت نجاحًا كاسحًا في العالم الناطق بالإنجليزية في ستينات القرن العشرين. وقد أعلنت هذه الحركة أن كل العبارات الميتافيزيقية*، بما فيها ما يتعلق بالله، عديمة المعنى. وكان الأساس الذي اعتمدت عليه هذه الفلسفة في ذلك هو “مبدأ التحقق” الذي قصر العبارات ذات المعنى على القضايا الصحيحة في حد ذاتها (مثل “كل العزاب غير متزوجين”) أو التي تتأكد بالخبرة (مثل “كان في الحديقة الأمامية لقصر “باكينجهام” ست إوزات الساعة 5:23 صباحًا يوم 1 ديسمبر 1968″). وتطبيق منهج “شِفَر” يتيح لنا أن نؤكد أن مبدأ التحقق نفسه عديم المعنى لأنه لا يتماشى مع المعيار الذي اعتمدته الوضعية المنطقية لقياس المعنى.
أو خذ مثالاً أبسط للهجمة الشرسة التي غالبًا ما نواجهها في جامعات أمريكا الشمالية: “لا يمكن أن تتأكد من أي شيء”. وهذه النظرة تهدف إلى الإطاحة برؤية “الصورة الكبرى” للواقع، كتلك التي يقدمها الإيمان المسيحي لأنها تعني أننا لابد أن نتشكك حتى في كل العبارات المؤكدة المختصة بالحياة. ولكن من الواضح أن هذا التصريح ذاتي المرجعية يعتمد في صدقه أو كذبه على ذاته self-referential، ويمكن تقويضه والقضاء عليه بطرح سؤال بسيط ردًا عليه: “هل أنت متأكد من ذلك؟” وهكذا فإن المنطق الذي يقوم عليه الادعاء هو نفسه الذي يُسقطه.
إلا أن هذا لا يعنى أن مهمتنا هي مجرد الفوز بالمجادلات أو تقديم المؤهلات العقلانية للإيمان. فمما يؤسف له أن تأثير حركة التنوير على الثقافة الغربية لم يختفِ، ولا سيما في الإصرار على تقديم براهين تثبت صحة العقائد، مما نتج عنه تقديم الدفاعيات المسيحية باعتبارها مجرد بناء حجج فعالة تهدف لإقناع الناس بصحة الإيمان المسيحي. إلا أن الخطورة في ذلك أنه قد يؤدي إلى إظهار المسيحية على أنها مجموعة من الحقائق الجامدة والأفكار المجردة. ولذلك، فإن هذا المنهج ينطوي على ثلاث صعوبات.
أولها، أنه ليس مؤسسًا على الكتاب المقدس كما يجب. فالحق، ولاسيما في العهد القديم، يركز في المقام الأول على المصداقية والثقة. والقضية الأساسية في الدفاعيات تتلخص في أن الله هو قاعدة أمان، وأنه أساس آمن تُبنى عليه حياة الإيمان. أي أن “الإله الحقيقي” ليس مجرد إله موجود، بل إله يمكن الاعتماد عليه. والنظرة العقلانية التي تعتبر الحق هو كل افتراض تَثبت صحته تستبعد النظرة الكتابية التي تعتبر الحق مفهومًا علاقاتيًا.
والمشكلة الثانية أن جاذبية الإيمان المسيحي لا يمكن أن تقتصر على منطقية عقائده. ولكن المسيحية تستند بقوة على الخيال أيضًا. كما توضح كتابات “سي. إس. لويس.” وعندما كان “لويس” شابًا وجد نفسه يتوق إلى عالم له معنى، يشتعل حبًا، ويفيض جمالاً، ولكنه اقتنع أن هذا العالم لم ولن يوجد: “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وَهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[12] لقد أخبره خياله بوجود عالم أفضل، ولكن عقله أخبره أنه كلام فارغ. فلم يجد أمامه خيارًا سوى مواجهة عالم مجدب مجرد من المشاعر، ومواجهة وجوده الخالي من أي معنى.
وأخيرًا اكتشف “لويس” عقلانية الإيمان المسيحي، إلا أن انجذابه للإيمان كان سببه أن الإنجيل يقدم معنى، وليس لأنه يُعبر عن افتراضات صحيحة. وقد علق “لويس” على هذا قائلاً: “إن العقل هو الأداة الطبيعية للحق، ولكن الخيال هو أداة المعنى.”[13] وجاذبية الإيمان المسيحي عند البعض تتمثل في جمال عبادته، أو في قدرته على التلامس مع المشاعر الإنسانية، أو في نتائجه الأخلاقية.
أما ثالث هذه المشكلات فهي أن المنهج العقلاني يقوم على نظرة حداثية. إلا أنه في معظم أنحاء العالم الغربي اليوم، حل اتجاه ما بعد الحداثة مكان الحداثة، مما يقلب الكثير من المعتقدات المحورية للحداثة رأسًا على عقب. فالاستناد إلى الصفة العقلانية الأصيلة في الإيمان ينجح في إطار حداثي، ولكن في أطر ثقافية أخرى، قد يفشل هذا المنهج نفسه الذي يقوم على الحجة والمنطق فشلاً ذريعًا في التلامس مع التطلعات والأفكار الثقافية المسبقة. وكما سنرى في قسم لاحق من هذا الفصل، أن ميل ما بعد الحداثة للقَصص أكثر منه للحجة يتيح فرصًا عظيمة للدفاعيات الكتابية نظرًا لأن الأشكال القصصية تملأ صفحات الوحي.
ولكننا مع ذلك، ما زلنا نؤكد منطقية الإيمان ونشدد عليها، دون أن نحصره فيما يمكن للمنطق أن يبرهن عليه بشكل قاطع. فأسئلة الحياة الجوهرية تتجاوز حدود العقل بكثير، ومن هذه الأسئلة: من أنا؟ هل أنا مهم فعلاً؟ لماذا أنا هنا؟ هل يمكنني أن أُحدث اختلافًا؟[14] وهي أسئلة لا يمكن للعلم ولا للمنطق البشري الإجابة عنها. ومع ذلك، إن لم يجد المرء إجابات لهذه الأسئلة، تصبح حياته بلا معنى. وعلينا نحن المدافعين أن نبين أن الإيمان المسيحي يقدم إجابات لأسئلة الحياة الجوهرية، وهي إجابات منطقية من ناحية، وناجحة على المستوى العملي من ناحية أخرى. فكما هو مهم أن نُظهر أن المسيحية صحيحة، مهم أحيانًا أن نُظهر أنها حقيقية.
المدخل الثالث: القصص:
إن تركيز تيار ما بعد الحداثة على القصص يمثل أهمية خاصة في الدفاعيات. فقد كانت الحداثة تنظر بعين الريبة للقصة في التعامل مع الواقع. ومن ثم، سعت لإجهاضها أو التخلص منها بالاستناد إلى التحليل أو الحجة العقلانية، بحيث تتحرر تمامًا من قيود عشوائية التاريخ الأليمة. وقد انعكس ذلك بكل وضوح في تفسير الكتاب المقدس. وكما أشار “هانس فري” Hans Frei (1922- 1988) أستاذ اللاهوت في “جامعة ييل” Yale University، مختزلاً ما به من روايات تاريخية وأشكال قصصية (كأمثال المسيح) إلى أفكار مجردة من الزمن.[15] وكان يُنظر إلى القصة كأنها قشرة مزعجة غير مستحبة تغطي على الجوهر الفكري والأخلاقي للكتاب المقدس.
إلا أن تيار ما بعد الحداثة شهد استعادة للاهتمام بالقصة الكتابية بما فيها الأشكال القصصية الخاصة كالأمثال التي رواها يسوع ليُعَلم الجموع عن ملكوت الله. ولم يعد إثبات الحق يتوقف على الحجة، ولكن بدأ يُنظر للقصص على أنها قادرة على تكوين هوية مميزة من الناحية الأخلاقية والمفاهيمية. فالمسيحية تعلن عن عالم يتشكل بالقصص وهي تسكن في هذا العالم، والأساس الذي يشكل أفكار هذا العالم وقيمه هو قصة تعاملات الله مع شعبه التي تبلغ ذروتها في قصة يسوع الناصري. وهكذا فالمسيحية في أساسها ليست مجرد مجموعة أفكار.
منذ حوالي سبعينات القرن العشرين، تزايد الاهتمام بدراسة دور القصة في كلٍّ من اللاهوت والفلسفة، وعلى صعيد الفلسفة الإنجليزية والأمريكية، ظهر بعض الكُتاب البارزين أمثال “بول ريكور” Paul Ricoeur وكذلك “ألاسدير ماكينتاير” وأيضًا “تشارلز تيلور” الذين تصدوا لتقديم معالجات جادة لما ينطوي عليه القَصَص من موضوعات أساسية. فقد درس “ريكور” القصة بوصفها أساسًا لكل صور فهمنا للعالم وبوصفها إطارًا يعيش فيه البشر. ويقول “ماكينتاير” بأن قرارات حياتنا تتشكل وتترتب بناءً على فهمنا لها باعتبارها تشكل جزءًا في “قصة” (أو تقليد) أكبر. وهو يقول “لا يمكنني أن أجيب عن سؤال “ماذا يجب أن أفعل؟” إلا بعد أن أجيب عن سؤال أسبق، وهو “ما هي القصة التي أشكل جزءًا منها؟”[16] وكما سنرى، يمكن أن تمثل هذه المنهجيات قيمة عظمى للدفاعيات المسيحية.
والكثيرون اليوم يؤيدون الرأي الذي يقول بأن القصص هي المنظار الأساسي الذي يرى البشر الواقع من خلاله. فنحن نرى العالم باعتباره قصة تجيب عن الأسئلة المحورية المختصة بالوجود، والهوية، والمستقبل. وهذه القصص يمكن أن تجيب عما يسميه الفيلسوف “كارل بوبَر” Karl Popper “الأسئلة العليا” “ultimate questions” وهو بذلك يريدنا أن نفهم المسائل الكبرى التي تتناول “معنى الحياة”، ومنها تلك التي يطرحها “روي بوميستر” Roy [17]Baumeister، وهي التي تتعلق بالهوية، والغرض، والتكليف، والقيمة وتتخذ شكل أسئلة مثل: “من أنا؟” “ما هدف الحياة؟” ” ماذا أفعل لأُحدث فرقًا؟”
وقد أدرك البشر من قديم الزمان الأهمية الثقافية والفكرية لوجود قصة تفسيرية شاملة. وغالبًا ما يستخدم مصطلح “الأسطورة” في المجال الأكاديمي للإشارة إلى هذه القصص التفسيرية التي تشرح الواقع والهوية الشخصية والاجتماعية. (عادةً ما يساء فهم مصطلح “الأسطورة” على أنه “قصة غير حقيقية”، إلا أن هذا المعنى ليس هو المقصود هنا). ولكن كما أشار “لويس” وآخرون، كلمة “أسطورة” تشير أساسًا إلى قصة عن العالم تُمكن الأفراد من فهمه والعيش فيه. وهذه “الأساطير” تمثل العدسات التي ينظر بها أي مجتمع للعالم، فهي تقدم إطارًا يسهم في حل التناقض بين الخبرات العديدة ويعمل على خلق رابطة بينها.
والقصة المسيحية عند “لويس” التي يعتبرها المنحة الإلهية التي تكمل وتتوج المحاولات البشرية الأخرى في صنع الأسطورة، تمثل أعلى وأسمى قمة نرى منها الحقيقة ونفهمها. فالقصة المسيحية عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تعطي معنى لكل القصص الأخرى التي نرويها عن هويتنا وغاياتنا الحقيقية. إنها القصة الأم، الرواية العليا التي تضع سائر الروايات المختصة بأصل الإنسان ومصيره في مكانها الصحيح.
ويؤكد هذه النقطة أستاذ العهد الجديد والمدافع البريطاني ” ن. ت. رايت” N.T. Wright الذي يقول إننا عندما نروي قصة الكتاب المقدس كاملةً فنحن بذلك نعلن النظرة المسيحية للواقع وفي الوقت نفسه نتحدى البدائل العلمانية الأخرى. فبروايتنا لقصة الكتاب المقدس
مؤكد أننا نتحدى جوانب عديدة في نظرة العالم للأمور (أي نظرته للسلطة والقوة). ونقوض نظرته لماهية العالم ولغرضه بالكامل، ونقدم نظرة جديدة للعالم بأفضل طريقة ممكنة.[18]
والكتاب المقدس عند “رايت” يتحدى طرق التفكير الأخرى ويبرز جمال طريقته ويجسدها بوضوح. وهو يروي قصة تجيب عن أربعة أسئلة أساسية:
من نحن؟ الكتاب المقدس يخبرنا أننا بشر مصنوعون على صورة خالقنا، ولا نكتسب هويتنا الجوهرية من العنصر الذي ننتمي إليه، ولا النوع، ولا الطبقة الاجتماعية، ولا الموقع الجغرافي.
أين نحن؟ نتعلم من الكتاب المقدس أننا نحيا في عالم حسن وجميل، ولكنه مؤقت. وقد خلقه الله الذي نحمل صورته.
ما المشكلة؟ نفهم من الكتاب المقدس أن البشرية تمردت على خالقها، وبالتالي انحرف العالم عن القصد المخلوق له.
ما الحل؟ يطمئننا الكتاب المقدس أن الله عمل، ويعمل، وسوف يعمل في الخليقة من خلال المسيح يسوع والروح القدس ليتعامل مع الشر الذي نتج عن تمرد البشرية، وليصل بعالمه إلى الغاية التي صنعه من أجلها، ألا وهي أن يكون في توافق تام مع حضوره ومجده.[19]
وتطالعنا أعمال الروائي “ج. ر. ر. تولكين” بنظرة مشابهة. وقد عُرف “تولكين” بدفاعه المستميت عن الدور المحوري الذي تلعبه الأسطورة في خلق معنى للواقع وبمحاولته أن يطبق هذا الفكر في ثلاثيته الملحمية “ملك الخواتم” The Lord of the Rings.[20] ووفقًا لهذا النهج، تظهر قدرة القصة المسيحية الكبرى على تفسير الأمور في تَمَكُّنها من وضع غيرها من القصص الكبرى في موقعها الصحيح، وتفسيرها، وشرحها. والقصة المسيحية، مثل سائر القصص، لا يمكن “البرهنة عليها” بالوسائل الموضوعية منطقية كانت أم علمية. بل يجب تقييمها بناءً على قدرتها أن تخلق للأشياء معنى أعمق من منافساتها الحالية أو التي قد تظهر فيما بعد، وذلك ببساطتها، وأناقتها، وسهولة فهمها، وقدرتها على خلق معنى يتجاوز حدودها.
فكيف نستفيد من عودة الاهتمام بالقصة في محاولتنا لفهم كيفية تقديم الإيمان المسيحي لثقافتنا؟ سأطرحُ هنا بعض الأفكار الشخصية. عندما كنت أصغر سنًا كنت أعتقد أن أفضل طريقة لمساعدة الآخرين على اكتشاف حق المسيحية المدهش هو مناقشتهم بالحجة. أي إقناعهم بأن المسيحية صحيحة وحق. وباختصار، كونت ما يطلق عليه الكثيرون اليوم منهجًا “حداثيًا”. ولكني اليوم أوصل حق الإنجيل بطريقة مختلفة. فأنا أحكي قصة قبولي للإيمان. لماذا؟ لأن القصة أكثر تشويقًا من أي حجة، ولكن السبب الأهم أن قصتي تبين أن المسيحية حقيقية، أي أنها قادرة على تغيير حياة البشر، وإعطائهم أسباب جديدة للحياة ورجاء أكيد للمستقبل. فالقصة تدور حول فلسفة حياتية أصبحت تمثل نظرة شخصية في حياة صاحبها، وهي قادرة على التجديد والتغيير والاستثارة. وروايتي لهذه القصة الشخصية تؤكد أن الإنجيل حقيقي في حياتي.
إننا نعيش في عالم تشكله القصص. بالإضافة إلى أن “القصص الكبرى” قادرة على إضفاء معنى على العالم وعلى خلق علاقة مفيدة بين من يلاحظ الأحداث والأحداث نفسها. وهذه القصص عبارة عن شباك من المعاني نحكيها لنجمع فيها خبراتنا الشخصية ونحتفظ بها، ولنختزن فيها المعنى الذي نرى أنها تنقله أو تنطوي عليه. والمسيحية تروي واحدة من هذه القصص، والإلحاد الجديد يروي قصة أخرى، وهناك قصص لا تحصى يرويها أولئك ممن لديهم أغراض يريدون تنفيذها، ورؤى ينشرونها، ومصالح أو أغراض شخصية يروجونها. إن القصص تحدد أماكن الحقائق بوضعها في إطار قصصي.
والآن بعد أن وضعنا أساسًا نظريًا لتأكيد أهمية القصص في الدفاعيات، سنتناول كيفية استخدامها. وسنبدأ بعد قليل بقصتين تُستخدمان في تدعيم الدعاوى التي يقيمها بعض الكُتاب ضد المسيحية، وسنرى كيف يمكن نقدهما.
على الدفاعيات المسيحية أن تنقد وتُقَيم غيرها من القصص الكبرى، مثل القصص العلمانية التي تعمل على تقويض المسيحية أو تهميشها. ولكنها لابد أن تُقدر في الوقت نفسه ما تتضمنه المسيحية من قصص خاصة بها. فالقصة المسيحية الكبرى عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تساعدنا أن نفهم معنى العالم، كما أشار “لويس” وغيره. ولكن هذه كلها “قصص كبرى” فماذا عن القصص العادية؟ وكيف يمكن استخدامها في الدفاعيات المسيحية؟
أَوضَحُ نموذج يمكننا البدء به هو أمثال المسيح. فاستخدام الرب يسوع للقصص حتى يتفاعل مع مستمعيه لم يكن من قبيل الصدفة، ولكن هذه القصص كان لها غالبًا أساس في الحياة اليومية للمجتمعات الريفية والزراعية التي سادت فلسطين في القرن الأول. وقد كانت قصصًا غاية في السهولة تجذب انتباه المستمعين وتثير خيالهم. وكلُّ من هذه الأمثال يحمل داخله قدرة دفاعية هائلة يجب اكتشافها وفهمها، بل استخدامها. وإذا استُخدمَت هذه الأمثال بحكمة فإنها تتمتع اليوم بذات التأثير الذي كانت تتمتع بها عندما قيلت لأول مرة.
والمدافع الحكيم هو من يدرس الأمثال الرئيسية ويسأل هذه الأسئلة المحورية: كيف تساعدني هذه القصة في توصيل الإنجيل؟ كيف تساعدني على التواصل مع هذه الفئة؟ فالقضية هنا ليست دراسة ما في المثل من صور ومفردات في ضوء الديانة اليهودية إبان القرن الأول، بل اكتشاف وسائل لاستخدامه دفاعيًا اليوم.
ولنأخذ مثالاُ لوضيح هذه النقطة، وليكن تلك القصة المعروفة التي عادةً ما يشار إليها باسم “مثل اللؤلؤة كثيرة الثمن.”
بالرغم من صياغة القصة بأقل عدد ممكن من الكلمات (خمس وعشرون كلمة فقط في الأصل اليوناني)، فالخيال البشري يمكنه بسهولة معالجتها وتذوق تأثيرها. والخبرة البشرية تؤكد صحتها. بالإضافة إلى أنه من السهل البناء عليها وتطبيقها. فكيف نستخدمها في الدفاعيات؟ سأعرض لك كيف أستخدمها، وأترك لك الحرية في تطويرها:
إننا جميعًا نبحث عن شيء له قيمة في الحياة. إلا أننا غالبًا ما نكتشف أن الأشياء التي كنا نظن أنها ستسعدنا وتفرحنا لا تفعل ذلك، فنشعر أنه ما من شيء يمكنه أن يمنحنا الفرح والسلام. ولكن يسوع روى قصة عن هذا الموضوع. فقد قال إن تاجرًا وجد لؤلؤة ثمينة كانت معروضة للبيع، فقرر أن يبيع كل شيء ليحصل عليها. لماذا؟ عندما رأي التاجر تلك اللؤلؤة المميزة أدرك أن كل ممتلكاته باهتة وتافهة مقارنةً بها. وكما يغطي لمعان الشمس على لمعان النجوم، فلا يُرى إلا ليلاً، هكذا أتاحت هذه اللؤلؤة الثمينة للتاجر أن يرى ممتلكاته من منظور مختلف. فما كان يظن أنه سيشبعه ثبت أنه يكشف عدم شبعه، ويثير اشتياقه لشيء لم يكن في متناوله. ولكنه رأى تلك اللؤلؤة المتميزة، فأصر أن يحصل عليها، لأنها شيء عظيم القيمة، شيء يستحق الامتلاك، حتى إن كل مقتنياته الأخرى تبدو قليلة القيمة مقارنةً بها. هذا هو الإنجيل عندما تكتشفه لأول مرة. إنه شيء في غاية الروعة حتى إنه يتفوق على كل ما عداه.
وهنا نرى مثالاً لاستخدام قصة كتابية لتوضيح نقطة دفاعية مهمة. إلا أن القصص الكتابية يمكن أن تُستخدم أيضاً لتكوين أطر تقدم معاني أو تفسيرات يمكن استخدامها لإضفاء معنى على الحياة. وعندما نستخدم القصص ندعو المستمع للدخول في القصة ونسأله عما إذا كانت تعطي معنى لخبراته وملاحظاته.
ولكن ليست كل القصص الكتابية تلقي الضوء على نقاط محددة بهذا الشكل. فبعض القصص تتيح لنا أن نرى خبراتنا الحياتية وملاحظاتنا من منظور مختلف. ولتوضيح هذه الفكرة سنأخذ قصة من أعظم قصص العهد القديم، وهي قصة السبي البابلي وَرَدّ مسبيي أورشليم إلى أرضهم بعد سقوط الإمبرطورية البابلية.
وتُعتبر قصة السبي البابلي سنة 586 ق. م من أهم قصص العهد القديم. ففي سنة 605 ق.م هزم الإمبرطور البابلي نبوخذ نصر الجيوش المصرية التي تجمعت في كركميش، وهكذا أسس بابل باعتبارها أعلى قوة عسكرية وسياسية في المنطقة. إلا أن يهوياقيم ملك يهوذا تمرد على الحكم البابلي، فقامت القوات البابلية بغزو يهوذا، وهو ما فسره الكُتاب آنذاك بكل وضوح باعتباره تنفيذًا للقضاء الذي أخبر به الرب على شعبه الخائن وملكهم. وفي مطلع سنة 597 ق.م استسلم كلٌّ من الملك، والعائلة المالكة، ومستشارو البلاط الملكي لقوات الحصار. وتم ترحيلهم إلى بابل مع عدة آلاف من المسبيين غيرهم. ثم حدثت موجة أخرى من الترحيلات سنة 586 ق.م ولم يحصل اليهود على حريتهم في العودة إلى أرضهم إلا بعد سقوط بابل أمام الفرس سنة 539 ق.م.
وغالبًا ما تستخدم هذه القصة التاريخية المؤثرة لخلق معنى للوضع البشري. فمن منظور مسيحي، يرمز وضع اليهود أثناء سبيهم في بابل لحالة البشر. وذلك لأن اليهود لم يكونوا ينتمون لبابل، ولكنهم كانوا مسبيين يتوقون للعودة إلى أرضهم. ومزمور 137 يرسم صورة تنبض باشتياقهم للعودة وتعبر عن ذكرياتهم المرتبطة بأرضهم: “عَلَى أَنْهَارِ بَابِلَ هُنَاكَ جَلَسْنَا، بَكَيْنَا أَيْضًا عِنْدَمَا تَذَكَّرْنَا صِهْيَوْنَ.” (ع1).
إن هذا الإطار يعطي الحياة الإنسانية معنى. فليس المفترض أن نكون هنا، وهذه الأرض ليست وطننا، ولكننا ننتمي لوطن آخر. ومازلنا نحمل في أعماقنا ذكرى هذا الوطن التي لا تستطيع قوة في الوجود أن تمحوها. إننا نتحرق شوقًا للعودة إلى وطننا، ونحيا على رجاء أننا يومًا ما سنكون في الوطن الذي ننتمي إليه بالفعل. إن هذا الإطار يشير إلى مصدرنا الحقيقي ومآلنا، ويعطي معنى للشوق والتوق العميق الذي تتناوله “الحجة المبنية على الرغبة.”
ولكن ماذا عن القصص التي تتحدى المسيحية؟ سنستعرض قصتين تهدفان لهدم المصداقية التاريخية لأهمية يسوع الناصري كما يصورها التقليد المسيحي. أولهما “شفرة دافينشي” The Da Vinci Code (2003) لكاتبها “دان براون” Dan Brown، والثانية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ (2010) لمؤلفها “فيليب بولمان” Philip Pullman. ما المنهجيات التي يتبعها كلٌّ منهما؟ وكيف نرد عليهما؟
إن القصص تدعونا لنتخيل عوالم بديلة ونقارنها بعالمنا: أيهما أكثر معقولية؟ وأكثر جاذبية؟ وتجدر الإشارة إلى أن إعادة قراءة التاريخ بشكل مختلف عادةً ما يكون وراءها دوافع هجومية أو أخلاقية، ومنها على سبيل المثال تصوير شخصية تاريخية خبيثة بشكل أفضل، أو شخصية محبوبة بشكل أسوأ. فرواية “أنا كلوديوس” I, Claudius (1934) مثلاً لكاتبها “روبرت جرفز” Robert Graves تتعاطف مع الإمبرطور الروماني كلوديوس (10ق.م – 54 م) وترسم له صورة إيجابية، وهو شخص كان يُنظر إليه في التاريخ على أنه رجل أحمق لا يضر ولا ينفع. إلا أن “جرفز” يبرز كلوديوس على أنه يروج هذه الصورة عمدًا حتى يخدع الآخرين فيضمن بقاءه في زمن ملئ بالمخاطر السياسية.
وقد تَمكَّن كتاب “دان براون” الذي صدر سنة 2003 من تحقيق نجاح باهر واستحوذ على انتباه قرائه بفضل حبكته المتقنة التي تروي بداية تاريخ المسيحية بدرجة عالية من المعقولية حتى إن القارئ لا يلحظ التحريفات الجذرية المدسوسة في الكتاب ببراعة. (والطبعات الأولى من الكتاب كانت بحمل على غلافها كلمة “رواية” تحت العنوان. ولكنها حُذفَت فيما بعد). والقصة المحورية في هذا الكتاب تتلخص في أن الكنيسة اخترعت صورة خاصة بها ليسوع وجعلت منه إلهًا وفرضت هذه الصورة بالمؤامرة السياسية والتهديد بالعنف. ويصور “براون” الإمبراطور قسطنطين على أنه شخص مكيافلي انتهازي يغير طبيعة المسيحية لتخدم أغراضه السياسية.
ويروي “براون” قصة خداع وقمع تنتهي بكشف “الحق” وتحرير الناس. ويركز جزء كبير من القصة على بداية تاريخ المسيحية، فيروي أن الإمبراطور قسطنطين أراد للمسيحية أن تكون الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، ولكنه أدرك أنها تحتاج لنوع من إعادة الصياغة حتى تفي بهذا الغرض. ومن ثم، كان لابد من رفع رتبة يسوع الناصري بحيث لا يظل ذلك المعلم الريفي الفلاح، فأعلن فسطنطين أن يسوع هو الله. وقد استلزم ذلك الحصول على عدد مناسب من الأصوات والتلاعب في النصوص. ويتم إطلاع القارئ على هذه الأسرار في شخصية السير “لي تيبينج” Sir Leigh Teabing الذي يعلم بهذه الخفايا التاريخية، فيصرح بأنه لم يكن أحد يعتقد أن يسوع هو الله حتى مجمع نيقية سنة 325 عندما طُرحَت المسألة للتصويت، وحصلت على غالبية الأصوت بفارق ضئيل. وتُصدم “صوفي نفو” Sophie Neveu المتخصصة في فك الشفرات عندما تسمع هذا الكلام وتقول في حالة من الذهول: ” لست أفهم ما تقول. هل تتحدث عن ألوهيته؟”
صرح لها “تيبينج”: “عزيزتي، حتى تلك اللحظة، كان أتباع يسوع يتعتبرونه نبيًا فانيًا مثل كل البشر… رجل عظيم مؤثر، ولكنه إنسان، فانٍ”.
[قالت “صوفي”]: “ليس ابن الله؟”
أجاب “تيبينج”: “بلى. فكرة أن يسوع “ابن الله” طُرحَت رسميًا للتصويت في مجمع نيقية.”
ويشرح “تيبينج” كيف حظر قسطنطين الأناجيل التي تحدثت عن يسوع بلغة إنسانية بحتة، ولم يسمح إلا بالأناجيل التي تشير إلى ألوهيته.[22]
ويتم تعريف القارئ بالحقائق المحظورة الخطيرة التي تتعلق بتاريخ الكنيسة ويركز الكاتب بشكل خاص على جماعة يلفها الغموض تعرف باسم “جمعية سيون” Priory of Sion ويقدمها باعتبارها حارسة لأحد الأسرار الخطيرة. ويخبر “براون” قراءه بأن هذه “الجمعية” هي جماعة سرية تكونت سنة 1099 ومازالت موجودة حتى اليوم ويؤكد لهم أن هذه حقائق ثابتة. والحقيقة أن هذا كلام خاطئ بكل المقاييس، لأن “جمعية سيون” عبارة عن منظمة اخترعها “بيير بلانتار” Pierre Plsntard (1920- 2000) سنة 1956، وقد كان “بلانتار ” بارعًا في تأليف القصص الخيالية، فنسج قصصًا غاية في الإتقان عن هذه الجماعة التي اخترعها وربط بينها وبين أحداث من العصور الوسطى والأرض المقدسة.[23] أي أن الموضوع لا يمت بصلة لأي نوع من الحقائق.
ولست أعرف أي سند تاريخي ذا قيمة يؤيد أيًا من الأفكار الرئيسية التي تقوم عليها “شفرة دافينشي” التي يمكن تفنيدها جميعًا بمنتهى السهولة. ولكن مربط الفرس أن “براون” يروي قصة يتمنى الكثيرون أن تكون صحيحة ويدعوهم أن يصدقوها. وقصة “براون” تقوض الفكر المسيحي التقليدي في أذهان عموم القراء بتصويره لهذا الفكر على أنه نشأ من إساءة ممارسة السلطة والرغبة في قمع العناصر الأنثوية للإيمان. والقصة “تُعرفنا” بأن الحقيقة هي أن يسوع تزوج مريم المجدلية وأن ابنتهما أنجبت نسلاً ملكيًا في فرنسا. وقد قال “براون” ردًا على الانتقادات الكثيرة التي تناولت الأخطاء التاريخية الفادحة في روايته إن كل ما فعله أنه وضع الكلمات في أفواه شخصيات الرواية وترك القارئ يفهم منها ما يفهمه.
وتكمن جاذبية منهج “براون” في المقام الأول في قدرته على الهدم. فالقصة مكتوبة بأسلوب ركيك يبدو أن معظم القراء يتقبلونه خاصةً مع سرعة توالي الأحداث. وهي من حيث الأسلوب على النقيض تمامًا من “يسوع الصالح والمسيح الشرير” لكاتبها “فيليب بولمان” التي صدرت سنة 2010.[24] فأسلوب “بولمان” يتبع نوعًا ما أسلوب ترجمة الملك جيمز King James للكتاب المقدس، وهو يتميز بفصاحة لا نجد لها أثرًا في أسلوب “براون” الممل الركيك.
وكتاب “بولمان” يعيد سرد قصة الإنجيل في قالب تخيلي يحتفظ بالأسلوب الأصلي للأناجيل ولكنه يغير المحتوى تغييرًا جذريًا. وتنطوي إعادة صياغة القصة بهذا الشكل على تقديم فرضية محورية يبني عليها “بولمان” أطروحته. فهو يصور مريم على أنها فتاة تعاني من ضعف قدراتها العقلية وصعوبات في التعلم، يخدعها أحد الرجال لتنام معه مؤكدًا لها أنه ملاك، فتلد توأمين، يسوع والمسيح، ولكن العلاقة بينهما تسوء منذ سن مبكرة.
كان يسوع رجلاً تقيًا، وواعظًا متجولاً يكرز بملكوت الله وينتظر من أتباعه أن يتغيروا أخلاقيًا. ويخبرنا “بولمان” أن يسوع، كأي كارز بروتستانتي ليبرالي من القرن التاسع عشر، لم يصنع معجزات بالمعنى المفهوم. ولكنه كان يجعل الأمور تحدث بشكل طبيعي. فما الذي حدث في إشباع الخمسة الآلاف؟ كل ما في الأمر أنهم تقاسموا ما كان معهم من طعام.
وهكذا يتضح أن يسوع شخص صالح ينتمي إلى عالم مثالي غير عالمنا ولا يحتك بواقع السلطة السياسية. إلا أن المسيح مختلف. فهو يلتقي بشخصية غامضة اسمها “الغريب” The Stranger تزرع في عقله فكرةَ أن يعيد كتابة قصة يسوع وتعاليمه على نحو يجعلها أكثر جاذبية وأطول عمرًا. والنتيجة إنجيل أسطوري كُتِب أصلاً لأسباب تافهة بقلم توأم يسوع المزعوم. وما يريد “بولمان” أن يشير إليه من طرف خفي أن إنجيل المسيح “المحسَّن” والمزوَّر هو السبب الأساسي في ظهور كتابات بولس في العهد الجديد.
وهكذا تصبح الكنيسة مؤسسة على إنجيل المسيح الوهمي، وليس على حقيقة يسوع التاريخية المفقودة. فالمسيح يدرك بدهائه ضرورة خلق قصة كبرى، فلسفة حياتية مغرية لتضمن استمرار الكنيسة على مر التاريخ. ونظرًا لفشل يسوع في تقديم هذه القصة، يقوم المسيح بتعويض هذا العجز بنفسه بتأليف قصة قادرة على إنشاء مؤسسة قوية والحفاظ عليها. والقوة المؤسسية تعتمد على الأمر الإلهي الذي يُفرض دون هوادة ويصبح أيديولوجية راسخة تضمن استمراريته. ويظهر بكل وضوح من هذه الرواية ومن ثلاثية “مواده السوداء” His Dark Materials أن “بولمان” يستهدف مؤسسة الكنيسة.
وأخيرًا يحرض “الغريب” المسيح على خيانة أخيه، خيانة تؤدي إلى موت الشقيق (نعم، يتضح في النهاية أن المسيح هو يهوذا الإسخريوطي). ثم تصبح القيامة مسرحية يحاول فيها المسيح الحي أن يُظهر نفسه على أنه يسوع الميت، وهو ما يعني طبعًا أن القيامة تمثيلية اخترعها المسيح ليعوض عن موت يسوع ميتة مؤسفة عادية. والموضوع مألوف لدى قراء الأعمال العقلانية التي أعادت تأليف حياة يسوع في القرن الثامن عشر، ولكن “بولمان” أدخل عليها تعديلات تاريخية جديدة ولكنها مستحيلة الحدوث.
وهذه هي المشكلة، فهذه القصة الهجومية غير معقولة على الإطلاق لدرجة أنها لا تطابق أدنى المعايير المستخدمة لتحديد صحة الأحداث من الناحية التاريخية. والقصة معقدة ومتداخلة حتى إنها لا يمكن أن بؤخذ على محمل الجد من الناحية التاريخية. ورغم أن الكاتب قَصَّاص من الطراز الأول عندما يؤلف قصصًا خاصة به، فعندما يعيد إنتاجَ قصص غيره، وخاصةً إذا كانت قصة مألوفة كقصة يسوع الناصري يتعثر كثيرًا. فالحبكة مفتعلة بشكل مفرط حتى إن براعة “بولمان” الأسلوبية تعجز عن التعامل مع هذا الخط القصصي المعقد اللازم لتحقيق أغراضه في مهاجمة التقليد.
وقد أقحم “بولمان” نفسه في القصة الكتابية على نحو سافر، فلم يكن دوره فيها سلبيًا ولا صامتًا. وأكثر المواقف التي يظهر فيها هذا الإقحام بشكل صريح هو صلاة يسوع في جثسيماني التي يفاجئنا بأن يسوع يختمها قائلاً أنه لا يوجد إله. ويأتي صوت المؤلف مملاً رتيبًا في مواقف كهذه، ولا سيما عندما يعظ يأخذ مكان يسوع ويعظ قراءه بنبرة حادة مزعجة. وهو ما يختلف عن أسلوبه في ثلاثية “مواده السوداء”. وهو في رواية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” يفتعل حالة من التقوى المفرطة بشكل يثير الاشمئزاز. علاوة على أنه يَسهل على القارئ التنبؤ بما سيحدث قبل قراءته.
ومن الواضح أن القصة مستحيلة الحدوث التي نطالعها في هذه الرواية تهدف إلى هدم مؤسسة السلطة الدينية. ويتضح هذا الهدف بجلاء في سؤال طرحه أثناء لقاء أجري معه عقب نشر كتابه بفترة وجيزة: “إن استطعت أن ترجع بالزمن وتنقذ ذلك الرجل من الصَلب وأنت تعلم أن هذا يعني عدم ظهور الكنيسة لحيز الوجود، هل ستنقذه أم لا؟” وترتكز هذه الحجة على افتراض مسبق مفاده أن القارئ يشارك “بولمان” في كراهيته الشديدة للمؤسسة الكنسية، وهو ما يظهر بكل وضوح في أعماله الأسبق. ولكن هل الأمور حقًا بهذه البساطة؟ وهل الحق التاريخي يتوقف على ما نحب؟ وهل الإنجيل يتمحور فعلاً حول الكنيسة باعتبارها مؤسسة؟
معروف أن “بولمان” يريد أن يزعزع أساس الإيمان المسيحي. ولكن كيف يدعم هذا الكتاب حجته؟ إن ما حصل عليه هذا الكتاب من ردود أفعال فاترة على المواقع الإلكترونية الإلحادية يؤكد مدى غموضه. وقد سألني أحد زملائي من الأساتذة الملحدين مؤخرًا: “ولكن ما الفائدة منه؟ ومن سيلتفت لهذا الهراء؟” وقد راودتني هذه الأسئلة الوجيهة الواضحة وأنا أقرأ هذا الكتاب. ورغم استمتاعي بأسلوبه، لم أتمكن من تصديق حبكته الركيكة. ولابد أن أعترف أني لم أجد إجابة مقنعة حتى الآن.
المدخل الرابع: الصور:
تُعتبر الصور، لا الكلمات، أعلى أشكال التواصل عند كُتاب ما بعد الحداثة. وشركات الدعاية والإعلان تنفق أموالاً طائلة لتحصل على أفضل صورة للشركة المعلِنة، وتصمم إعلانات تليفزيونية تعرض صورًا تجعلنا نريد أن نشتري منتجات معينة دون غيرها. إلا أن الكثير من المسيحيين، مثلي، يفضلون استخدام الكلمة (ولا سيما الكلمة المكتوبة، في حالتي) لتوصيل الإيمان وإبراز جماله. ولكن علينا أن نعي أن الصور يُنظر إليها في إطار ما بعد الحداثة على أنها تتمتع بمصداقية وقوة من نوع خاص وتتجاوز الحدود المفروضة على الكلمات.
والعقل البشري يعمل عن طريق توليد صور تساعدنا على “تصوير” العالم المحيط بنا وفهم معناه. ويمكن تشبيه الصور بالخرائط الذهنية التي تساعدنا على رسم أرض الواقع وتحديد مكاننا في الإقليم المحيط بنا. وهذه الصور مفيدة جدًا للمدافع، لأن الصور التي تُعبر عن الفكر المسيحي يمكن تقديمها بأشكال تجذب الخيال البشري. وعمومًا نحن نتعلم أن نسكن في صورة نستخدمها ونكتشف مدى ملاءمتها لواقع عالمنا.
وسنفحص في هذا الجزء عددًا من هذه الصور ونبحث كيفية استخدامها لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله. وبعضها مأخوذ من الكتاب المقدس، والبعض الآخر من الثقافة العلمانية. وأولى هذه الصور مأخوذ من أحد كلاسيكيات الفلسفة اليونانية القديمة، ألا وهو كتاب “الجمهورية” Republic لأفلاطون. (إن كنت قد قرأت رواية “الكرسي الفضي” The Silver Chair، وهي إحدى روايات سلسلة “نارنيا” لكاتبها “لويس”، ستكون الصورة مألوفة لك، حتى وإن لم تكن تعرف أصلها التاريخي[25]).
يدعونا أفلاطون لأن نتخيل كهفًا مظلمًا عاشت فيه مجموعة من الناس منذ مولدهم. وقد ظلوا محبوسين في هذا الكهف طيلة حياتهم حتى إنهم لم يعرفوا عالمًا آخر سواه. وفي أحد أطراف الكهف تشتعل نيران متوهجة بالدفء والضوء. اللهُّب المتصاعدة تلقي ظلالاً على جدران الكهف، فيشاهد الناس هذه الظلال التي تسقط أمامهم على الحائط، ويفكرون فيما تعنيه، فهذه الظلال المرتعشة هي كل ما يعرفه سكان الكهف عن العالم. وإدراكهم للواقع منحصر فيما يرونه ويختبرونه في هذا السجن المظلم. فإن كان هناك عالم خارج الكهف، فإنه شيء لا يعرفونه ولا يمكنهم أن يتخيلوه، وكل آفاقهم محدودة ومحددة بالظلال وبما ينالونه من ضوء خافت. ولكنهم لا يعرفون أن الكهف سجن ولا أنهم محبوسون فيه، وليس لهم أن يصلوا إلى هذا الاكتشاف إلا إذا عرفوا بوجود عالم آخر.
ويزين أفلاطون هذه الصورة بالعديد من التفاصيل، منها أن سكان الكهف مقيدون بأغلال تمنعهم من الحركة في أنحاء الكهف. ولا يمكنهم أن يروا إلا الجدار المقابل لهم. ويمتد خلفهم ممر يعبر فيه أشخاص يحملون أشياء متنوعة على رؤوسهم، والنار تلقي هذه الظلال المتحركة على جدران الكهف. والناس الذين يعبرون الممر يتحدثون بعضهم مع بعض فتُرَجِّع أصواتهم صداها في جنبات الكهف، ولكنها تأتي مشوهة بفعل الجدران. وهكذا يرى السجناء ظلالاً متحركة ويسمعون أصداء أصوات. فهم لا يرون ولا يسمعون أي شيء بشكل مباشر، ولكن خبرتهم بكل شيء تأتي على نحو غير مباشر وغير واضح المعالم.[26]
ولا يعنينا هنا البناء الفلسفي لهذا التشبيه كما وضعه أفلاطون، ولكن ما يعنينا هو إمكانية استخدامه في الدفاعيات. فكيف نستخدم هذه الصورة لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله في عالم اليوم؟ تخيل نفسك الآن تسكن في هذه الصورة بضع دقائق، ولاحظ أنك لابد أن تنسى كل شيء عن العالم الذي نعرفه جميعًا حيث الشمس الساطعة، والهواء العليل، والورود، والبحيرات، والأشجار. وتَذَكر أن العالم الوحيد الذي تعرفه هو ذلك الكهف المظلم الذي يمثل لك الواقع كله. وأنت لا ترى إلا ظلالاً ولا تسمع إلا أصداء. وما يظهر من هذه الأشياء يصبح واقعًا لك.
احترس من مقارنة عالم الكهف بأي واقع آخر، ففكرة التشبيه كلها تقوم على أساس أنك لا تعرف أي شيء غير هذا الكهف الذي يمثل لك تعريف الواقع. وعندما تشعر بأنك اعتدت على الصورة، سنبدأ في فحصها ودراسة كيفية تطبيقها في الدفاعيات.
اسأل نفسك هذا السؤال: كيف يتأتى لسكان الكهف أن يدركوا أن هناك عالمًا أفضل خارج جدران الكهف المظلمة المدخنة؟ فكر قليلاً في السؤال ثم واصل القراءة بعد أن تصل إلى بعض الإجابات.
ثلاث وسائل تُمكن سكان الكهف من اكتشاف وضعهم الحقيقي:
يدخل شخص من العالم الحقيقي الخارجي إلى داخل الكهف ويخبر سكانه بالعالم الحقيقي. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة فكرة الإعلان الإلهي.
بنية الكهف نفسه تحتوي على دلائل تشير إلى وجود عالم خارج جدرانه. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بناءً على المؤشرات التي نراها في بنية العالم.
عند هؤلاء المساجين معرفة حدسية تقول لهم إن هناك عالمًا أفضل من الكهف المظلم المدخن. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بالاستناد على المشاعر الإنسانية، ومنها الحجة المبنية على الرغبة.
وسوف نبحث فيما يلي ما تتضمنه كل وسيلة من إمكانية دفاعية مع الاحتفاظ بصورة الكهف.
أولاً، قد يقتحم الكهف شخص من عالم آخر، ويخبرنا عن ذلك العالم الآخر مستخدمًا تشبيهات مستمدة من الكهف. بل إنه قد يفعل ما هو أفضل من هذا فيعرض علينا أن يرشدنا لطريق الخروج. وقد يفعل ما هو أفضل من هذا وذاك، فيعرض علينا أن يُخرجنا بنفسه. وهذا الأسلوب هو الذي ينعكس في عقيدة التجسد المسيحية التي ترى يسوع المسيح باعتباره الشخص الذي يدخل إلى عالم التاريخ والخبرة البشرية، ليُظهر لنا الأمور على حقيقتها وليعطينا القدرة أن نتحرر من ربط العالم وقيوده. وبالرغم من أن هذا الموضوع يملأ صفحات العهد الجديد، فهو يَبرز بشكل خاص في إنجيل يوحنا، كما يتضح من الآيتين التاليتين:
والوسيلة الثانية تقول بأن عالم الكهف نفسه مرصع بمؤشرات ومفاتيح تشير إلى أنه ليس العالم الوحيد. فقد يكون على جدران الكهف علامات تشير إلى أصله أو إلى مصيره الحقيقي، مثل العلامات التي لاحظها أريستبوس على شاطئ جزيرة رودس (ص 122). فربما الكهف يكشف عن أدلة تشير إلى وجود تصميم أو بنية معقدة تثير أسئلة جوهرية عن نشأته. وقد تكون جدرانه مزينة بالرسوم أو غيرها من الدلائل التي تشير إلى أصله وتاريخه.
أما الحل الثالث هو أن من يلاحظون الكهف أنفسهم يملكون في أعماقهم حسًا فطريًا أصيلاً بوجود عالم آخر. وقد يتخذ هذا الحس شكل قناعة عميقة أن الحياة أكثر من مجرد ظلمة هذا الكهف المدخن، أو معرفة حدسية قوية بأن مصيرهم يجب أن يكون في مكان آخر، أو رغبة في شيء يشعر صاحبها أنها لن تُشبع أبدًا، وهو شعور يشير إلى أن عالمنا ليس العالم الوحيد، وأن إشباعنا الحقيقي لن يتحقق فيه. فنار الشوق التي تشتعل داخلنا ولا تطفئها خبراتنا في هذا العالم تمثل مفتاحًا جوهريًا يشير إلى وضعنا الحقيقي ويدعونا لاكتشاف الواقع الأعظم الذي تشير إليه.
هكذا قمنا ببحث الأساليب الثلاثة وشرحها بسهولة مستخدمين صورة كهف أفلاطون. وكل وسيلة منها تتيح للدافع أن يبحث أحد جوانب الإيمان المسيحي ويكتشف تلامسه مع خبرتنا بالعالم المحيط ومع معرفتنا الحدسية وأشواقنا العميقة وقدرته على خلق معنى لكل هذه الأمور. ويمكن إدماج هذه الصورة المعبرة بسهولة في الأحاديث، والعظات، والمحاضرات، ويمكن تطويرها بالعديد من الطرق المبتكرة. ويسهل كذلك إضافة طرق أخرى للثلاثة المذكورة أعلاه.
فما الصور الأخرى التي يمكن استخدامها في الدفاعيات؟ يستخدم بولس مجموعة من الصور القوية في رسائله ليساعدنا على فهم ما فعله المسح لأجلنا بصلبه وقيامته. ومن هذه الصور صورة التبني. وفيها يؤكد لنا بولس أننا أصبحنا أبناء الله بالتبني في المسيح (رو 8: 23، غل 4: 5). ويرى بولس أن هذه الصورة المستمدة من قانون الأسرة الروماني تلقي الضوء على امتيازات المؤمن ومكانته في علاقته بالله.[27] وهي صورة تتطلب منا أن ندركها في عقولنا ونقدرها في قلوبنا.
وصورة التبني سهلة الفهم نسبيًا، فهي تُعبر عن أسرة تقرر أن تمنح طفلاً لم يولد في أحضانها الامتيازات القانونية نفسها التي يحصل عليها الطفل المولود في الأسرة. وهو ما يستتبع أن الطفل المتبنى يتمتع بحقوق الميراث التي يتمتع بها الطفل الطبيعي. وهكذا يمكن أن يرى المؤمن نفسه باعتبار أنه أُدخِل في عائلة الله ومُنح ذات الامتيازات القانونية التي يتمتع بها أي ابن طبيعي. ومن هو الابن الطبيعي لله؟ إنه المسيح نفسه. وبذلك، يشرح بولس هذه الفكرة القوية، ألا وهي أن كل ما منحه الله للمسيح باعتباره ابنه سيؤول إلينا في النهاية باعتبارنا أولاد الله:
ولذلك فالسمات الأسرية التي تميز أولاد الله هي الألم في هذه الحياة والوعد بالمجد في الحياة الآتية. وهو ما يعني أن المجد يكمن وراء الألم، ولابد أن نتعلم أن نرى الألم باعتباره امتيازًا نحتمله مسرورين بوصفه نتيجة لمركزنا الجديد بصفتنا ورثة الله.
ولكن صورة التبني لا تخاطب العقل فحسب، بل تستحوذ على الخيال والقلب أيضًا. وهي بذلك تدعونا أن نترجمها بشكل تخيلي، ولا نكتفي بفهمها. فالتبني معناه أن الطفل مرغوب فيه، وهو يتضمن أيضًا معنى الانتماء. وهذه قضايا وجدانية عميقة تتلامس مع اهتمامات الكثيرين ومخاوفهم في مجتمعات تزداد انكسارًا يومًا بعد يوم. فالتبني يعني دعوة الشخص ليدخل في بيئة مُحبة حانية. وهي تعني الترحيب بالشخص والرغبة في وجوده وتقديره . والتبني يقدر امتياز الدعوة التي يتم بمقتضاها الترحيب بشخص من خارج الأسرة وإدخاله في كنف الإيمان والحب.
والصورة التي يرسمها بولس للتبني تتوافق بشدة مع اشتياق الإنسان العميق للانتماء إلى مكان ما. فنحن نحتاج أن نشعر أننا مقبولون ومرغوبون. وتؤكد “سيمون فيّ” كثيرًا في كتاباتها أهمية هذه النقطة. فهي تشير في كتابها “البحث عن الجذور” The Need for Roots إلى أهمية المجتمعات في تكوين الهوية الشخصية وحمايتها: “قد تمثل الحاجة للجذور أهم احتياجات النفس البشرية ولكنها الأقل حظًا من حيث إدراكها والاعتراف بها.”[28] ويتناول “ولتر بروجمَن” Walter Brueggemann أستاذ العهد القديم المعروف هذه الفكرة بمزيد من العمق عندما يشير إلى أن
الشعور بالضياع والتشرد وفقدان المأوى يسود ثقافتنا المعاصرة. وتوق الإنسان لأن ينتمي لمكان، ويكون له بيت، يحتمي في موضع آمن هو سعي عميق يثير في النفس لهيبًا من المشاعر المتأججة.[29]
ونجاح المسلسل التليفزيوني الأميريكي “في صحتك” Cheers يعكس هذه النقطة على أكمل وجه. وقد بدأ عرض المسلسل الذي تجري أحداثه في حانة في بوسطن سنة 1982 واستمر على مدى 271 حلقة حتى سنة 1993. ويرجع نجاحه الباهر إلى ما خلقه من شعور قوي بالانتماء لجماعة.[30] فقد كانت الحانة مكانًا للأحاديث الخفيفة والأحاديث الجادة، وكانت ملجأ يرحب بكل من يأتيه، والجميع هناك يعرفك. أما خارج الحانة هناك جموع مجهولة من بشر لا يعرفهم أحد ولا يعرفون بعضهم البعض. ولكن داخل الحانة، أنت شخص مميز، ومهم عند الآخرين، أنت تنتمي لمكان. وقد عبَّرت أغنية المسلسل عن هذا المعنى أوضح تعبير: أنت تريد أن تكون في مكان “كل من فيه يعرف اسمك.”
ويمكن للمدافع أن يستخدم صورة التبني التي يرسمها بولس مشيرًا إلى ما تحمله من معانٍ على مستويات مختلفة. فهي لا تلقي الضوء على ما يعود علينا من موت المسيح وقيامته فحسب، ولكنها تخاطب اشتياق القلب البشري العميق للانتماء.
وهناك صور كتابية أخرى يسهل الاستفادة منها في الدفاعيات، مثل صورة الله الراعي، أو المسيح خبز الحياة. فالدفاعيات تتمتع بصندوق زاخر بالكنوز التي يمكننا الاستفادة منها، وهي تستخدم الخيال باعتباره مدخلاً للنفس البشرية. وينبغي على المدافع الناجح أن يجدد هذا الصندوق باستمرار مضيفًا إليه قصصًا وصورًا جديدة.
خطوة للأمام:
المداخل الأربعة التي تناولناها في هذا الفصل كلها مهمة ويمكن تطبيقها بسهولة في الدفاعيات. إلا أنها مجرد أمثلة توضيحية لا تشمل كل المداخل التي يمكن الاستفادة منها، بل يمكن إضافة مداخل أخرى لها. ومنها على سبيل المثال تجسيد المؤمن لإيمانه في حياته العملية، وهو مدخل يؤدي وظيفة دفاعية مهمة. فالكثيرون يسألون عن الإيمان عندما يرون أن أصدقائهم يتميزون بشيء غير متوفر لهم، كالشعور بالسلام أو بوجود غرض للحياة، أو الشعور العميق بالحنان والحب للبشر، وهو ما يثير لديهم السؤال: “من أين لهم هذا؟” ويتمنون في أعماقهم أن يتمتعوا بما يتمتع به هؤلاء. ومحبة الله تتجسد وتعلَن عندما يخدم المسيحي الحقيقي العالم المحيط به.
والطريقة التي يتعامل بها المؤمن مع الموت تقدم شهادة مهمة لرجاء القيامة المغير الذي يمثل ركيزة أساسية في الإنجيل. فممارسة الحق في حياتنا العملية هي “دفاعيات متجسدة” تمثل في حد ذاتها شهاد قوية لذلك الحق. أي أننا نحتاج لما هو أكثر من الحجج، نحتاج أن نظهر أن الإيمان المسيحي يغير الحياة ويمنحها قوة، كما أشار المدافع “فيليب د. كنِسون” Philip D. Kenneson في ملاحظة حكيمة قائلاً:
إن ما ينتظره عالمنا، وما تبدو الكنيسة متقاعسة عن تقديمه، ليس الاستمرار في تقديم مزيد من الأحاديث عن الحق الموضوعي، بل شهادة متجسدة تعطي الآخرين سبباً للالتفات لهذا الحق.[31]
علاوة على ذلك، تقدم الحياة المسيحية شهادة مهمة لقدرة الإنجيل على تغيير حياة البشر، فعندما نشهد عن قصتنا الشخصية، نقدم شهادة غير مباشرة على أن الإنجيل حقيقي، وليس صحيحًا فحسب.
ومن السهل إضافة المزيد من الأساليب أو تطويرها حسب القضايا التي يواجهها المدافع أو الاتجاهات الثقافية التي يشعر أنه يجب التعامل معها. ومن الأمثلة الواضحة التي يمكن استخدامها في الدفاعيات من بعض المجالات الفنية والأدبية الأخرى:
الأفلام: ربما يعتبر الفيلم، لما يميزه من المزج بين القصة والصورة، أفضل وسيلة للتواصل مع جيل يطَلِّع على الواقع بطريقة بصرية أكثر منها نَصية. والكثير من الأفلام الحديثة تثير قضايا لاهوتية ودفاعية كبرى، مما يتيح الفرصة لفتح مناقشات دفاعية.
الشعِر: تُعبر الكثير من القصائد عن شعور بالقلق الشديد تجاه الوضع الحالي للعالم، وعن تطلع نحو الهدف الأسمى للبشرية. وليس من الصعب على المدافع أن يحدد بعض القصائد، وكلمات بعض الأغاني المشهورة، التي تتيح الفرصة لإثارة أسئلة أو فتح مداخل للدفاعيات.
اللوحات الفنية: الكثير من الأعمال الفنية الكلاسيكية، ناهيك عن الصور المشهورة، يمكن أن تمثل مداخل دفاعية. فإذا أجريت بحثًا سريعًا على الإنترنت مثلاً ستجد لوحة مشهورة للفنان “إدفارد مونك” Edvard Munch اسمها “الصرخة” The Scream(1893) يظهر فيها شخص في حالة من اليأس الوجودي المريع لعجزه عن التعامل مع العالم. فكيف نستفيد من هذه اللوحة؟ إنها مدخل ممتاز للدفاعيات، ويمكنك أن تجد الكثير غيرها بسهولة.
الآن وقد اطلعنا على أساليب تساعدنا في إبراز جمال الإيمان المسيحي وربطه بحياة الناس العاديين، لابد أن ننتقل للعثرات والشكوك التي يواجهها الناس في الإيمان وكيفية التعامل معها .
لمزيد من الاطلاع:
Garson, D.A.The God Who Is There: Finding Your Place in God’s Story. Grand Rapids: Baker, 2010.
Johnston, Robert K.Reel Spirituality: Theology and Film in Dialogue، 2nd ed. Grand Rapids: Baker Academic, 2006.
Keller, Timothy J. The Reason for God: Belief in an Age of Skepticism. New York: Dutton, 2008.
Marsh, Clive. Theology Goes to the Movies: An Introduction to Critical Christian Thinking. New York: Routledge, 2007.
McGrath, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville: Westminster john Knox, 2011.
Nash, Ronald H. Faith and Reason: Searching for a Rational Faith. Grand Rapids: Academie Books, 1988.
Peters, James R. The Logic of the Heart: Augustine, Pascal, and the Rationality of Faith. Grand Rapids: Baker Academic, 2009.
Piper, John. Think: The Life of the Mind and the Love of God. Wheaton: Grossway, 2010.
Sire, James W. Naming the Elephant: Worldview as a Concpt. Downers Grove, IL: Inter Varsity, 2004.
Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: HarperSanFrancisco, 2006.
[1] Peter Brown, Augustine of Hippo (London: Faber & Faber, 1967).
[3] James Robert Brown, Philosophy of Mathematics: An Introduction to the World of Proofs and Pictures (London: Routledge, 1999, 71-78); George Bools, “Gödel’s Second Incompleteness Theorem Explained in Words of One Syllable,”, Mind 103 (1994): 1-3.
[4] For a highly influential discussion, see John Lucas, “Minds, Machines and Gödel,” Philosophy 36 (1961): 112-27.
[5] For two good assessments of Schaeffer’s approach, see Thomas V. Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics: A Critique (Grand Rapids: Baker, 1987); Bryan A. Follis, Truth with Love: Apologetics of Francis Schaeffer (Wheaton: Crossway, 2006).
[6] Francis Schaeffer, The God Who Is There, Complete Works of Francis Schaeffer, vol. 1 (Westchester, IL: Crossway, 1982), 130.
* metaphysical وتترجم أحياناً إلى “ما وراء الطبيعة” والمقصود كل ما يختص بالبحث الفسلفي في المبادئ أو العلل الأولى للكينونة والمعرفة. (المترجمة)
[12] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 138.
[13] C. S. Lewis, Rehabilitations and Other Essays (London: Oxford University Press, 1939), 158.
[14] See Roy Baumeister, Meanings of Life (New York: Guilford Press, 1991). Baumeister’s analysis of the importance of questions of identity, value, purpose, and agency is of major importance to Christian apologetics.
[15] Hans Frei, The Eclipse of Biblical Narrative: A Study in Eighteenth and Nineteenth Century Biblical Hermeneutics (New Haven: Yale University Press, 1977).
[16] Alasdair MacIntyre, After Virtue (London: Duckworth, 1985), 216.
[18] N. T. Wright, “How Can the Bible Be Authoritative?” Vox Evangelica 21 (1991): 7-32.
[19] N. T. Wright, The New Testament and the People of God (Minneapolis: Fortress, 1992), 132.
[20] See Verlyn Flieger, Splintered Light: Logos and Language in Tolkien’s World (Kent, OH: Kent State University, 2002); Jeffrey L. Morrow, “J. R. R. Tolkien as a Christian for Our Times,” Evangelical Review of Theology 29 (2005), 164-77.
[21] Dan Brown, The Da Vinci Code: A Novel (New York: Doubleday, 2003), 233.
[22] Brown is totally wrong on all these points. See, for example, Bart D. Ehrman, Truth and Fiction in The Da Vinci Code: A Historian Reveals What We Really Know About Jesus, Mary Magdalene, and Constantine (Oxford: Oxford University Press, 2004), 23-24.
[23] The best account of the fabrication of this myth is Massimo Introvigne, Gli Illuminatie il Priorate di Sion (Milan: Piemme, 2005). An English summary of this work is available at http://www.cesnur.org/2005/pa_introvigne.htm.
[24] Philip Pullman, The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ (Edinburgh: Canongate, 2010).
[25] You might enjoy reading the interesting study of William G. Johnson and Marcia K. Houtman, “Platonic Shadows in C. S. Lewis’ Narnia Chronicles,” Modern Fiction Studies 32 (1986), 75-87.
[26] For a detailed discussion, see Gail Fine, Plato on Knowledge and Forms: Selected Essays (Oxford: Oxford University Press, 2003).
[27] James C. Walters, “Paul, Adoption, and Inheritance,” Paul in the Greco-Roman World, ed. J. Paul Sampley (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2003), 42-76.
[28] Simone Weil, The Need for Roots (London: Routledge, 2002), 43.
[29] Walter Brueggemann, The Land: Place as Gift, Promise, and Challenge in Biblical Faith, 2nd ed. (Philadelphia: Fortress Press, 2002), 1.
[30] Bill Carter, “Why ‘Cheers’ Proved So Intoxicating,” New York Times, Sunday, May 9, 1993.
[31] Philip D. Kenneson, “There’s No Such Thing as Objective Truth, and It’s a Good Thing, Too.” Christian Apologetics in the Postmodern World, ed. Timothy R. Phillips and Dennis L. Okholm (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1995), 155-70.
الدفاعيات والثقافة المعاصرة من الحداثة وما بعد الحداثة
الدفاعيات والثقافة المعاصرة من الحداثة وما بعد الحداثة – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)
عن كتاب: الدفاعيات المجردة لأليستر ماكجراث
الدفاعيات والثقافة المعاصرة من الحداثة وما بعد الحداثة – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)
الدفاعيات والثقافة المعاصرة من الحداثة وما بعد الحداثة – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)
دائما ما تتم الدفاعيات في إطار ثقافي محدد. فالمرسلون المسيحيون إلى الصين والهند سرعان ما اكتشفوا أن الأساليب الدفاعية التي نجحت في أوروبا الغربية لم تكن فعالة في آسيا. وكان لابد من وضع منهجيات جديدة تتلاءم مع المناخ الثقافي والأنماط الفكرية التي تميز هذه المناطق. وهو ما يعني أن المنهج الدفاعي الذي يأتي بنتائَج عظيمة في إطار ثقافي معين قد يُثبت عدم فاعليته، بل قد يأتي بنتائج عكسية في إطار ثقافي آخر.
الدفاعيات والحداثة:
عادةً مايُطلق على البيئة الثقافية التي سادت الغرب منذ حوالي سنة 1750 إلى1960مصطلح “الحداثة” “modernity”. وقد قام هذا الفكر على الاعتقاد بشمولية العقل البشري، أي أن هناك عقلاً مشتركًا يشمل جميع الناس والأزمنة، وهو قادر على إدراك أعمق أنظمة العالم. وكان العقل هو المفتاح الذي كشف غوامض الحياة، وكانت الحجة هي أداته في الإقناع. وأصبحت الحجة العقلية هي الأداة الموثوق بها في هذه الحقبة الثقافية. وسرعان ما أدرك العاملون في حقل الدفاعيات المسيحية أهمية هذا التطور. وأصبح الدفاع العقلاني عن الإيمان على درجة عالية من الأهمية.
وكانت نوعيات الدفاعيات التي صممها الكُتَّاب المسيحيون للتفاعل مع الحداثة تركز على إظهار الأسس المنطقية والعقلانية للإيمان. وتم تأسيس العقائد الصحيحة على فرضيات صحيحة قامت بدورها على قواعد المنطق العقلانية. وهكذا، أصبح يُنظر إلى الدفاعيات، في المقام الأول، باعتبارها حججًا تقوم على المنطق وتُخاطب العقل البشري. وبينما تميزت هذه المنهجيات بالكثير من نقاط القوة، إلا أنها تجاهلت جوانب العلاقاتية والتخيلية والوجودية في الإيمان. وكما أشرنا آنفا “بليز باسكال” عَبَّر عن استيائه من الإفراط في التركيز على العقل. فماذا عن القلب البشري؟ وقد قال إن للقلب منطقه الخاص الذي يقوده للإيمان ولايمكن للعقل إدراكه.
ومن النتائج الهامة لتأثير العقلانية على الدفاعيات المسيحية التقليل من أهمية كل مايُنظر إليه باعتباره “غير عقلاني” أو “غير منطقي” في الفكر المسيحي، مثل تعليم الثالوث. ولم يدافع عن هذه الفكرة في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر سوى القليل من المدافعين المسيحيين، إيمانًا منهم أنه يضع العقلانية المتشددة التي سادت عصرهم في موقف حرج. ولم يعاد اكتشاف الأهمية اللاهوتية لتعليم الثالوث ولم تُسترد الثقة في أسسه واتساقه المنطقي إلا بعد الحرب العالمية الأولى عندما تَلَقَّت عقلانيةُ عصرِ التنويرِ ضربةً قاسيةً مِن لاعقلانيةِ الحرب العالمية الأولى.
ومع ذلك، استجابت الدفاعيات المسيحية بوجه عام استجابة جيدة لتحديات العقلانية، ووضعت منهجيات جديدة في الدفاعيات تتفق مع “روح العصر”. وقد افرز هذا العصر بعض الأعمال التي تمثل علامات بارزة على طريق الدفاعيات. فقد ألَّف “إدوارد جون كارنل” Edward John Carnell (1919- 1967) كتابًا يُعَد نموذجًا للدفاع المنطقي الانجيلي[1] عن الإيمان المسيحي.[2] إلا أنه بمرور الوقت أصبحت كثرة استخدام هذه المؤلفات تسبب مشكلة، لسببين:
كل عصر يُوَلِّد شكوكه وتحليلاته وانتقاداته الخاصة بشان الإيمان المسيحي. فالكثير من القضايا التي اعتبرها “كارنل” وغيره من مدافعي هذا العصر قضايا مهمة تبدو اليوم قليلة الأهمية. وقراءة المؤلفات الأقدم في مجال الدفاعيات تشبه بحق الذهاب في رحلة عبر الذاكرة تزينها أسماء الكُتاب والمجادلات التي أصبحت لا تمت بصلة للعصر الحاضر .
الكثير من مدافعي عصر الحداثة تفاعلوا مع محيطهم الثقافي مستخدمين منهجيات رأوا أنها تلائم جمهورهم، ومنها الاعتماد على الحجة العقلانية بوصفها الأساس لبناء ايمان موثوق به. ومقياس نجاح الدفاعيات، كما سنرى، هو قدرتها على إثارة اهتمام جمهور بعينه والتواصل معه. إلا أن فرضية الحداثة التي تعطي الأولوية للعقلانية أصبحت الآن موضع شك، مما يشكل صعوبات امام المنهجيات الدفاعية التي تقوم على العقلانية أو تستند إليها.
ومن المشكلات التي تنشأ هنا أن المناهج العقلانية في الدفاعيات تميل إلى الحد من العنصر السري الباطني في الايمان المسيحي لكي تُقَرِّب المسيحية إلى العقل. ولكن الانجيل يحوي بعض الأفكار الإلهية التي تتجاوز قدرة العقل البشري. حتى إن المدافعين، حتى يكسبوا المجادلة مع خصمهم، أحيانًا ما يستعيرون فرضيات الخصم. وهكذا يمكن أن تتحول ميزة تكتيكية إلى ضرر استراتيجي. فخطورة النماذج الدفاعية التي تتعامل مع المذهب العقلاني أنها غالبًا ما ينتهي بها الحال إلى استيراد العقلانية إلى المسيحية، بدلاً من تصدير الإنجيل إلى الثقافة العقلانية.
صعود تيار ما بعد الحداثة:
تواجه مسيحية الغرب في مطلع القرن الحادي والعشرين محيطًا ثقافيًا أكثر تعقيدًا وتنوعًا مما اعتاده المدافعون في منتصف القرن العشرين. فالآن أصبح المسيحيون أفرادًا وجماعات يعيشون في عالم ما بعد الحداثة. والمناهج الدفاعية التي نجحت في الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن العشرين أصبحت نشازًا في المناخ الثقافي الذي أعقب هذه الفترة.
ظهر مصطلح “ما بعد الحداثة” ”postmodernism” حوالي عام 1971. وقد استُخدم بادئ الأمر للإشارة إلى طراز معماري جديد، لكنه ىسرعان ما انسحب على عالم الأفكار. وأصبح مصطلح ما بعد الحداثة يشير إلى الاعتقاد الثقافي المتنامي القائل بفشل الحداثة وضرورة إصلاحها. وقد ركز هذا الاتجاه في البداية على إخفاقات “الفن الحديث” في التفاعل مع الخيال البشري، ولكنه سرعان ما امتد إلى القضايا الاجتماعية والمشكلات الناتجة عن الاعتقاد السائد بحتمية التقدم، مثل حتمية تحول المجتمعات إلى التصنيع “industrialization” وحتمية الامتداد الحضري “urbanization”. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الحركة الناشئة لم تُسمِّ نفسها بأنها “مضادة للحداثة” ”antimodernism”. فحركة ما بعد الحداثة لا ترفض كل جوانب الحداثة، ولكن دعاتها يعتبرونها محاولة لدمج أفضل ما في العالم الحديث بأفضل عناصر التقاليد الكلاسيكية والتخلص من الجوانب الغير مرغوب في كلٍ منهما.
وقد تعرضت حركة ما بعد الحداثة لنقد لاذع بسبب ضحالتها الفكرية، ولاسيما من حيث أنها تنتقي عناصرها من أكثر من مذهب. فمن الذي يقرر ما نختاره من الماضي والحاضر وندمجه في مذهب واحد؟ إلا أن الحجة التي يقدمها كُتاب ما بعد الحداثة هي أن الحركة تمثل محاولة لدفع المجتمع والفكر للأمام على نحو يستفيد من أفضل أفكار الماضي دون أن يسقط في في فخاخه. فمن أهم ما يعنون به مثلاً مقاومة “الأنظمة الشمولية” الكاسحة مثل الماركسية التي كانت من أبرز خصائص الحداثة التي أصبحتمن أبرز خصائصالحداثة التي أصبحت اليوم تُعتبر قميصًا فكريًا وثقافيًا يضيق بمن يرتديه. وكما سنرى بعد قليل، هذا النقد لهذه “الأحادية” “uniformitarianism” التي برزت في فكر الحداثة له أهمية كبيرة في الدفاعيات المسيحية.
فكيف نستجيب إذًا لهذا التحول الثقافي الكبير؟ ربما الخطوة الأولى أن نضع هذا التطور في حجمه الحقيقي، ويساعدنا على ذلك أن نمعن النظر في تاريخ الكنيسة. فكل جيل يعتقد أنه يقف في نقطة حرجة من التاريخ. فحتى القديس أغسطينوس أسقف هيبو الذي كتب في مطلع القرن الخامس ذكر أن الكثيرين من معاصريه كانوا يتوقون لأيام الماضي الجميل عندما كانت المسيحية تحظى بالدعم والأمن من الامبراطورية الرومانية. وكذلك “برنارد الذي من كليرفو” Bernard of Clairvaux الذي كتب بعد أغسطينوس بسبعمائة سنة، أشار إلى ما شعر بها الكثيرون في عصره من حنين لعصر أغسطينوس. والكثير من كُتاب القرن السادس عشر عبَّروا عن اشتياقهم أن يعيشوا في عصر “برنارد الذي من كليرفو”، لأن أيامه كانت أفضل بكثير! فمن السهل جدًا أن نرى أن الماضي كان أفضل. ولكن علينا أن نتذكر أننا نميل إلى إضفاء صبغة مثالية رومانسية على الماضي، وخاصةً إن كنا لانجد لنا مكانًا في الحاضر ونشعر باغترابنا عنه.
إلا أن مهمتنا ألا نظل أسرى الحنين للماضي، بل أن نتعامل مع تحديات الحاضر مستغلين أساليب الدفاعيات التي استُخدِمَت في الماضي طالما أنها مفيدة (وهي غالبًا كذلك). والدفاعيات غالبًا ما تعمل في مواجهة مايطرأ على المحيط الثقافي من تحولات. إلا أن الإنجيل لا يتغير، ولكن الاسئلة المطروحة عنه والتحديات التي يواجهها هي التي تتغير تغيرًا كبيرًا حسب الإطار الثقافي. فقد اجتاح مد الحداثة المشهد الثقافي في فترة معينة من التاريخ ولكنه الآن يتراجع مفسحًا الطريق لحركة ما بعد الحداثة التي أصبحت هي التيار السائد. وفي المستقبل قد يتغير الوضع تمامًا.
ويجب ألا ينزعج المدافعون المسيحيون من صعود تيار ما بعد الحداثة، لأن الإيمان المسيحي يمتلك موارد وفيرة تمكنه من مواجهة هذا التحدي. كل ما في الأمر أننا لم نستخدم بعضها على مدى عصور طويلة لأنها لم تكن ملائمة للنظرة الحداثية. ولا شك أن صعود تيار مابعد الحداثة يضع تحديات حقيقية أمام الدفاعيات المسيحية، إلا أنه من الواضح أن يخلق أيضًا فرصًا حقيقية. ومن الواضح أيضًا أن هذا الاتجاه الثقافي الجديد يشكل تحديات أمام الكنائس من حيث إنه يجبرها على أن تعيد النظر بشكل جاد في بعض الأمور. فهل الأساليب المتبعة في الكرازة بالإنجيل هي الأفضل؟ أم أنها تضرب جذورها في اتجاه فكري قديم حتى إنها تسقط مع سقوط الحداثة؟
يرى الكثير من المدافعين الغربيين الأصغر سنًا أن المسيحية أصبحت شديدة التداخل مع الأنظمة المحببة في الحداثة؛ تلك الفترة المزدهرة في تاريخ أوربا الثقافي التي سادت من حوالي سنة 1750 حتى 1960. ومن ثَمَّ، صعود تيار ما بعد الحداثة يتيح الفرصة لمراجعة هذا الاتجاه. فالحقائق التي اعتبرها الكُتاب السابقون ضرورة لاهوتية ربما يثبت أنها كانت فقط تتماشى مع ثقافة عصرهم أو أنها كانت مرتبطة بحقبة تاريخية معينة.
كيف يمكننا إذًا أن نشرح الإنجيل أو ندافع عنه أو نوصله في هذا الوضع الثقافي المتغير؟ بينما أؤمن أن اتجاه ما بعد الحداثة يمثل صعوبة فكرية من حيث إمكانية الدفاع عنه والحفاظ عليه، إلا أنني أقبل أنه مازال يُشكِّل المدارك الثقافية للناس. وعلينا أن نصل إليهم في النقطة التي يقفون فيها، لا النقطة التي نرى نحن أنهم يجب أن يكونوا فيها. وعلى أي حال، فأنا أؤمن أيضًا أنه يتيح لنا فرصًا جديدة للكرازة بالإنجيل وتوصيله، وهذا ما سأتناوله لاحقًا.
يظن بعض المدافعين الأقدم أن أفضل طريقة لإعلان الانجيل في محيط ما بعد الحداثة أن نحاول إعادة الناس إلى الحداثة. ولكن هذا الأسلوب خاطئ ومستحيل. ولن أدافع، في هذا الكتاب، لا عن الحداثة ولا ما بعد الحداثة ولن أنقد أيًّا منهما. كل ما سأفعله أني سأعتبرهما “معطيات” ثقافية شَكَلَّتها الحداث التاريخية وسافترض أن لكُّل منهما نقاط قوة ونقاط ضعف. فلا شك أن تيار ما بعد الحداثة يضع أمامنا بعض التحديات، ولكني أظن أن الكنيسة قادرة على التصدي لها والاستفادة منها.
الدفاعيات وحركة ما بعد الحداثة:
ما هي إذًا القضايا الأساسية في مذهب “ما بعد الحداثة” الذي نتحدث عنه؟ أصبح التقليد المقدس في هذا المضمار هو أن نبدأ أي حديث عن حياة الكنيسة وشهادتها في عصر ما بعد الحداثة بطرح أكاديمي مفصل للنشأة التاريخية لحركة ما بعد الحداثة، وجذورها الفسلفية، ومضامينها الثقافية، مع تزيينه ببعض الملاحظات الحصيفة التي تشير إلى أن المصطلح يتسم في حد ذاته بالميوعة التي قد تصل إلى حد التضليل. إلا أنه من الواضح أن هذا المذهب يمثل شيئًا لايستهان به حدث في الثقافة الغربية أثناء الحقبة الماضية حتى لو كان وصفه وصفًا دقيقًا مازال يشكل صعوبة.
قد تكون أكثر السمات المميِّزة لاتجاه ما بعد الحداثة هو رفضه لمِا سأطلق عليه الأحادية، أي الإصرار على أنه لا توجد إلا طريقة واحدة صحيحية للتفكير، وطريقة واحدة صحيحة للسلوك، ويرى كُتاب ما بعد الحداثة أن هذه التوجهات هي ما تكمن وراء النازية والستالينية اللتين يعتبرونهما الوجه المرئي غير المقبول للأحادية. وهم يرون أن الدعوة للتوحيد والتنميط تؤدي إلى القهر من حيث إن الناس يُجبَرون على الدخول في قالب واحد وحيد سابق التجهيز، حيث يُختزل” الآخر” “the other” بلا هوادة إلى “المِثل” “the same”، على حد تعبير بعض فلاسفة ما بعد الحداثة البارزين.
وهكذا يمكن اعتبار تيار ما بعد الحداثة رد فعل مضادًا لهذه الأشكال من التفكير التي يعتبرها هذا التيار الجديد قهرية. ومن ثمَّ، خلق بدلاً منها مناخًا ثقافيًا يحترم التنوع ويسعى لتقويض تلك النظرة الجامدة المُقَيَّدة القهرية. فهو في المقام الأول رد فعل ضد الحداثة التي حاولت اختزال كل شيء لمجموعة موحدة من الأفكار في محاولة للتحكم في الآخرين والسيطرة عليهم، مما يجعلها نوعًا من الستالينية الفكرية أو الثقافية التي تتسم برفضها للتنوع في قراءاتنا للعالمَ. وهكذا ترى مدرسة ما بعد الحداثة أن الحرية الإنسانية مرهونة بالنجاح في تحديد ما يتحكم في الناس من “قصص كبرى” “metanarratives”[3] ومواجهتها ثم تقويضها.
إلا أنه من الإنصاف أن تشير إلى أن تيار ما بعد الحداثة أيضًا له قصصه الكبرى المميِّزة التي ترقى فوق النقد. بل إن بعض هذه القصص الكبرى أصبحت التقليد القويم السائد في بعض قطاعات الثقافة الغربية، مما يطرح أسئلة جوهرية على دعاة ما بعد الحداثة الذين يرفضون “الصورة الكبرى” للواقع. ولنأخذ مثلاً من يؤمنون بالنسبية التي تقول بأن كل وجهات النظر في موضوعٍ ما على نفس الدرجة من الصحة حتى لو كانت تبدو ظاهريًّا غير متوافقة بعضها مع بعض. وهذا الموقف يقوم أساسًا على فهم للواقع (بل يمكن أن تقول “قصة للواقع” أو قصة كبرى) يتعارض تعارضًا واضحًا وصريحًا مع قصص أخرى للواقع تنظر إليه، ولو من حيث المبدأ، باعتباره مفتوحًا للخبرة العامة وللنقاش العام.
والواقع أنه ليس من السهل وضع تعريف محدد لمصطلح ما بعد الحداثة، حتى إن كبار روادها ينظرون إليها بطرق مختلفة، ويقول بعضهم إنها بطبيعتها لابد بالضرورة أن ترفض أي شكل من أشكال التعريفات. وهكذا، يصبح أقصى ما نصبو إليه اقتراح توصيف أو نوع من الوصف المختصر لما بعد الحداثة. وفيما يلي سأطرح شرحًا حديثًا ثاقبًا يجلو الغموض عن الموضوعات الرئيسية في تيار ما بعد الحداثة أقتبسه من كتابات “كفن فانهوزر” Kevin Vanhoozer، وهو أحد أساتذة اللاهوت الإنجيليين البارزين في “كلية ويتون” Wheaton College بولاية إلينوي.[4]
يرى “فانهورز” أن ظاهرة ما بعد الحداثة المعقدة يمكن تلخيصها في أربعة انتقادات توجهها لطرق التفكير الأقدم:
العقل: يشير “فانهوزر” إلى أن كُتاب ما بعد الحداثة ينظرون بعين الريبة إلى منهج الحداثة الذي يقوم على أن الحجة هي أداة التفكير المنطقي. فبينما كانت الحداثة تؤمن بعقل شامل وحيد، ترى ما بعد الحداثة أن هناك أنواعًا كثيرة ومختلفة من العقلانية. “إنهم يرفضون فكرة العقلانية الشاملة، والعقل عندهم أمر نسبي يتوقف على المحيط الموجود فيه.”
الحق: يقول “فانهوزر” إن مدرسة ما بعد الحداثة تشك في فكرة الحق بسبب استخدامه في تقنين القهر، أو تبرير الامتيازات الممنوحة للبعض. وهي تعتبر أن الحق “قصة جذابة يرويها أشخاص في مواقع السلطة ليبقوا على رؤيتهم للعالم الطبيعي والاجتماعي وتنظيمهم له.”
التاريخ : يرى “فانهوزر” أنه بينما حاول كُتاب الحداثة إيجاد أنماط عامة موحدة تشمل التاريخ، فإن ما بعد الحداثة “ترفض الإيمان بالقصص التي تحاول تقديم نوع من التاريخ العام الموحد.” وهو ما يعني من وجهة نظر المدافعين المسيحيين أن أي محاولة لاكتشاف مغزى عام في قصة يسوع الناصري سينظر إليه بعض المنتمين إلى ثقافة اليوم بقدر كبير من الشك.
الذات: يشير “فانهوزر” إلى أنه تبعًا لما سبق. يرفض تيار ما بعد الحداثة أي فكرة تقول بوجود “رواية واحدة صحيحة لتاريخ الشخص”، وبالتالي يخلص تيار ما بعد الحداثة إلى أنه “ليست هناك رواية واحدة صحيحة لهوية المرء.” وهكذا تصبح كل أساليب فهم الفرد لنفسه مفتوحة النهاية وجزئية. وليست هناك إجابة موحدة للسؤال عن ماهية الهوية الانسانية.[5]
وتكمن أهمية تحليل “فانهوزر” في أنه يساعد على تحديد ماستواجهه المناهج الأقدم في الدفاعيات المسيحية من عثرات وشكوك في أطر ما بعد الحداثة. إلا أنه من الواجب ملاحظة نقطتين على وجه الخصوص :
يجب ألا ننظر أبدًا إلى ما بعد الحداثة على أنها تعطي تعريفًا لما هو “صواب” أو “حق”. ولكنها مناخ ثقافي شَكَلَّتَه قيم ومعتقدات معينة. وتيار ما بعد الحداثة، مثل الحداثة، هو في الأساس نظرة علمانية، فلا هو ضد المسيحية ولا مؤيدًا لها. ولكنه يعكس إطارًا ثقافيًا علينا أن نقدم فيه الدفاعيات.
الكثير من المنهجيات الدفاعية التي نعتبرها “تقليدية” قديمة هي في الواقع منتجات حديثة نوعًا ما وتمثل استجابات لإطار الحداثة. فالمدافعون الذي أرادوا أن يخاطبوا الحداثة وضعوا منهجيات مصممة خصيصًا لفرضيات الحداثة، وأهمها أولوية العقل.
علينا أن ندرك أن لنا الحرية في تصميم المنهجيات الدفاعية التي تقدم الإنجيل بأمانة من ناحية، وتلائم محيطنا الثقافي من ناحية أخرى. وبذلك نكرر أسلوب “الدفاعيات التقليدية” في استجابتنا لما يطرأ من تغيرات على المحيط الثقافي الذي نخاطبه. فلا يمكننا استخدام منهج صُمم ليخاطب عقلانية القرن الثامن عشر للدفاع عن الإيمان مع أبناء القرن الحادي والعشرين الذين يعتبرون العقلانية فكرة بالية ومُقَيِّدة.
فمثلاً تيار ما بعد الحداثة يعتبر الاستناد إلى الحجج العقلانية مشكلة. ولكنه ينجذب بشدة للقصص والصور. علاوة على أن اتجاه ما بعد الحداثة يُقدر الحق الذي يُثبت قابليته للتطبيق في الحياة العملية أكثر من الحق الذي يتم التدليل عليه بالحجج العقلية. وهذا يساعدنا أن ندرك سبب أن “الدفاعيات المتجسدة” “incarnational apologetics” التي تؤكد الأهمية الدفاعية للحياة الأمينة الشاهدة أصبحت شديدة التأثير في السنوات الأخيرة. وكما سيتضح في فصل لاحق، يمكننا عادةً التصدي بسهولة لهذا التحدي الجديد، ليس باختراع منهجيات جديدة في الدفاعيات بل باستعادة منهجيات أسبق جعلها صعود العقلانية تبدو قديمة الطراز.
وكما سنرى، قد يؤدي صعود تيار ما بعد الحداثة إلى تغيير بعض ما نتبناه من أساليب، ولكنه لايُبطل مهام الدفاعيات المسيحية ولا أسسها الفكرية. فالمبادئ الأساسية تبقى دائمًا دون تغيير:
1.افهم الإنجيل.
2.افهم الإطار الذي تقوم فيه بالدفاعيات.
صمم أساليب دفاعية تقدم الإنجيل بأمانة وتبني على “أرضية مشتركة” أو “نقاط التقاء” مع الإطار الثقافي.
المنهج المعتمد في هذا الكتاب:
تتعدد طرق تقديم الدفاعيات. فبعض الكتب تستخدم منهج “دراسة الحالة” بتقديم عدد من الاعتراضات أو الصعوبات المتعلقة بالإيمان المسيحي. ثم يتم دراسة كلٍ منها وتقديم الإجابات لها. وبعض الكتب تستند إلى الأدلة التاريخية أو العقلانية التي تثبت صحة الإيمان. في حين تنطلق فئة أخرى من مبدأ أنه لا يمكن فهم العالم دون أن تكون المرجعية لله. إلا أن هذا الكتاب لا يعكس أي منهج لأي مدرسة من مدارس الدفاعيات، بل يهدف إلى تمكين مستخدميه من التفكير بأسلوب دفاعي، مستفيدًا من أفضل الدفاعيات لدراسة القضايا المطروحة.
ويمكن إيجاز المنهج الأساسي للكتاب في سلسلة الخطوات التالية. وسوف نتناول كلاً منها بمزيد من التفصيل فيما بعد. ولكني في هذه المرحلة أكتفي بعرضها.
افهم الايمان :
أولاً، فهمك للإيمان المسيحي فهمًا جيدًا هو أمر أساسي. إلا أن هذا الفهم يجب أن يشتمل على بعد دفاعي. أي أنه علينا أن نفكر كيف يمكن للموضوعات الرئيسية في الإيمان أن تتلامس مع الناس وتتفاعل مع خبراتهم وأفكارهم، وهو ما يتطلب محاولة تكوين “نظرة من الخارج” للإيمان وطرح السؤال: كيف يتجاوب غير المؤمن مع الجوانب الجوهرية في الإنجيل؟ بدلاً من أن ينصب كل اهتمامنا على القضايا التي تشغل المؤمنين.
فمثلاً قد يسأل أحد أساتذة الكتاب المقدس السؤال التالي: ” كيف يساعدنا مثل الابن الضال في فهم علاقة يسوع الناصري بالديانة اليهودية؟” أما المدافع يسأل سؤالاً مختلفًا، مثل: “كيف يساعدنا هذا المثل في فهم عالم الشخص غير المؤمن؟” فالمدافع عليه أن يكتشف كيف يمكن لما يحويه الإيمان من أفكار وقصص وصور ذهنية أن يتفاعل مع واقع الحياة اليومية.
افهم جمهورك :
ثانيًا، من المهم أن تفهم الجمهور الذي تخاطبه. من هم؟ رأيت من خبرتي الشخصية أن الناس يختلفون اختلافًا كبيرًا، كما كان الحال في زمن العهد الجديد. قارن بين الأساليب التي استخدمها بطرس في خطابه لجمهور يهودي (أع2) وأساليب بولس وهو يخاطب جمهورًا يونانيًا (أع17) ولاحظ الاختلاف الجذري بين الاثنين. سترى أن الإنجيل الذي يقدمه كلاهما ويبرز جماله إنجيل واحد ولكن الطرق مختلفة تمامًا تلائم العالم الذي ينتمي إليه كلٌ من هاتين الفئتين المختلفتين. فكل جمهور له أسئلته واعتراضاته ومشكلاته التي يجب التفاعل معها، وله كذلك “نقاط التقاء” وأبواب مفتوحة أمام الإيمان.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن المعرفة بالإيمان المسيحي تختلف اختلافات شاسعة من جمهور لآخر. فبعض الناس ليس لديه أي معرفة بالكتاب المقدس، ويعتبره لا يمت بصله له على الإطلاق. وبعضهم مازال يحتفظ في ذاكرته ببضعة نصوص كتابية ويُكن تجاهها مشاعر طيبة، مثل (مزمور1:23) “اَلرَّبُّ رَاعِيَّ.” والناس مختلفون اختلافًا كبيرًا أيضًا في انتماءاتهم الثقافية. فبعضهم يتبنى مفاهيم الحداثة، في حين أن مجموعة أخرى تتبنى مفاهيم ما بعد الحداثة. بعض الناس يحب الأدب الكلاسيكي، بينما يُفضل آخرون الحديث عن أحدث المسلسلات التلفزيونية. بعض الناس يفكر بأساليب مجردة جدًا، في حين أن آخرين يستخدمون الصور أو القصص كأدوات للتفكير. وفي كل حالة ينبغي أن نجد الطريقة المثلى لتوصيل الإيمان المسيحي بلغة تناسب خبرة المستمع ومعرفته.
تواصَل بوضوح:
ثالثًا، علينا أن نترجم إيماننا إلى لغة يفهمها مستمعونا. وقد تساعدنا في هذا الصدد المناقشات الدائرة حول الترجمة الكتابية حيث إنها تلفت انتباهنا لضرورة توصيل رسالة الكتاب بلغة عصرية مفهومة، كما أشار “سي. إس. لويس” في ملاحظة حكيمة قائلاً: “مهمتنا أن نقدم ما لازمن له (هو هو أمس واليوم وغدًا- عب 13 :8) بلغة زماننا.”[6] إن امتيازنا ومسئوليتنا أن نُعبر عن حق الإنجيل الذي يصلح لكل زمان بلغة وصور ذهنية تلائم مستمعينا. ولذلك، فالمدافع هو شخص يترجم حقائق الإيمان إلى لغة الثقافة الدارجة.
ابحث عن نقاط التقاء:
رابعًا، يجب علينا أن نحدد ما في الثقافة والخبرة الإنسانية من نقاط التقاء مع الإنجيل. فالله لم يترك نفسه بلا شاهد في التاريخ أو الثقافة أو الخبرة الإنسانية (أع 14 : 17) ومهمتنا أن نحاول تحديد ذلك الشاهد (سواءٌ أكان في الطبيعة، أو المجتمع، أو العُرف الأخلاقي) ونستخدمه باعتباره نقطة تلاقي لإعلان الانجيل.
قَدِّم الإنجيل كله:
خامسًا، لابد أن نحترس من أن نُفقر نداء الإيمان المسيحي بأن نحصره في الأجزاء التي نستمع بها شخصيًا أو نراها جذابة لنا. فقد أكد “سي. إس. لويس” أن المدافع لابد أن يميز تمييزًا دقيقًا بين “الرسالة المسيحية” و”أفكاره الخاصة.” وإن فشلنا في هذا التمييز فلن نقدم للمستمعين الإنجيل بل سنقدم لهم من الانجيل مانراه مهمًا وشيقًا. ويرى “لويس” أن الفخ الذي قد نقع فيه من التركيز على ما يعجبنا شخصيًا ومانقبله يُفقر الإنجيل. وينتهي بنا الأمر إلى الإعلان عن أنفسنا في الوقت الذي يجب فيه أن نعلن عن المسيح.
إلا أن تأثير الإيمان المسيحي على حياتنا مهم في حد ذاته في الدفاعيات. لماذا؟ لأنه يشهد على قدرة الإنجيل على تغيير وجود الشخص. ويقصد “لويس” أننا لابد ألا نقدم المسيحية انطلاقًا من تفضيلاتنا الشخصية، بل نُظهر قدرتها على التفاعل مع أعمق مستويات الوجود البشري، أي مع قلوبنا، وعقولنا، وأرواحنا.
ويجب ألا نُقَيِّد نداء المسيحية بالحد من الوسائل المستخدَمة لتوصيلها. فالكثيرون من المسيحيين في الغرب يركزون على الأفكار الجوهرية في المسيحية ويعتبرون الدفاعيات هي الدفاع العقلاني عن الحق المسيحي. وهنا أريد أن أوضح أن هذا صواب، وهو جيد ولكنه ليس الأفضل، وهو لا يمثل الحقيقة كلها، لأننا لابد أن نسير خطوة أبعد وننتبه أن الكتاب المقدس يستخدم صورًا ذهنية وقصصًا وأفكارًا ليوصل رسالته المحورية. وقد استخدم يسوع الناصري الأمثال لتوصيل الموضوعات الأساسية في ملكوت الله. وقد نجحت هذه القصص في غرس بعض الأفكار الجوهرية في أذهان مستمعيه. فكيف يمكننا اليوم أن نفعل ذلك؟
6- لاتكف عن الممارسة:
سادسًا، الدفاعيات ليست مجرد نظرية، ولكنها ممارسة. علينا أن نعرف كيف نطبق الأفكار والأساليب الدفاعية في حياتنا اليومية؛ في حواراتنا، ومناقشاتنا، ولقاءاتنا، وفي كل تفاعلاتنا مع الآخرين. فالدفاعيات علم وفن. أي أنها تجمع بين المعرفة والحكمة. وهي تشبه الطبيب الماهر الخبير الذي يعرف نظريات الطب معرفة جيدة، ولكنه لابد أن يطبقها على مرضاه، وهو ما يتطلب أن يشعر بهم ويفكر في أفضل الطرق لمساعدتهم باكتشاف مشكلاتهم الحقيقية وإيجاد وسيلة لتوصيل المصطلحات الطبية لهم بلغتهم العادية وشرح كيفية التعامل مع المرضى.
وسوف نتناول هذه الموضوعات الستة في الفصول التالية في دراستنا للموضوعات والمنهجيات المهمة في الدفاعيات المسيحية.
خطوة للأمام:
تناولنا باختصار بعض الأسئلة الأولية المتعلقة بالدفاعيات. وبذلك أصبح المسرح مُعَدًا لدراسة أوسع فيما يلي حيث نعالج بعض هذه الموضوعات بمزيد من التفصيل. وسنبدأ بتناول الأسس اللاهوتية العميقة التي تقوم عليها الدفاعيات المسيحية.
[1] مصطلح “إنجيلي” evangelical في هذا الكتاب لا يشير إلى الطائفة بل إلى الاتجاه المحافظ في التفسير الكتابي مقابل الاتجاه الليبرالي المتحرر. (المترجمة)
[2] Edward John Carnell, An Introduction to Christian Apologetics (Grand Rapids: Eerdmans, 1948). For an analysis, see Kenneth C. Harper, “Edward John Carnell: An Evaluation of His Apologetics,” Journal of the Evangelical Theological Society 20 (1977), 133-46.
[3] يشير المصطلح في تيار ما بعد الحداثة إلى الأفكار التي تُقدم للمجتمع لإضفاء المشروعية على آليات التحكم فيه، وقد رفضها تيار ما بعد الحداثة، ويعتبر الفيلسوف “جان فرانسوا ليوتارد” “Jean-Francois Lyotard” رائدًا في استخدام المصطلح. (المترجمة)
[4] Kevin Vanhoozer, “Theology and the Condition of Postmodernity,” in The Cambridge Companion to Postmodern Theology, ed. Kevin Vanhoozer (Cambridge: Cambridge University Press, 2003), 3-24.
[5] يعلق المفكر المسيحي د. ماهر صموئيل على أهمية ملاحظة اختلاف الواقع العربي عن الواقع الغربي من جهة مدى اتصاله بهذا التطور الفكري الذي حدث في الغرب. فالثقافة السائدة في المجتمع العربي حتى الآن تميل إلى ثقافة ما قبل الحداثة، وإن كانت بدأت تنحسر الآن مد العولمة وثورات الربيع العربي لحساب الحداثة، وبنسبة أقل لما بعد الحداثة. لذلك، على من يتصدون للدفاعيات المسيحية في العالم العربي أن يعوا أنهم يتعاملون مع ثلاثة أنظمة فكرية تسود المجتمع في الوقت نفسه. ولكن أهمها من وجهة نظره هو الحداثة. وبالتالي، على المدافعين أن يكثروا من استعمال الحجة المنطقية. (المترجمة)
[6] Lewis, “Christian Apologetics,” C. S. Lewis: Essay Collection (London: Harper Collins, 2000), 151.