إله محب لن يعذب الناس أبدًا في الجحيم – لي ستروبل

إله محب لن يعذب الناس أبدًا في الجحيم – لي ستروبل

إله محب لن يعذب الناس أبدًا في الجحيم – لي ستروبل

إله محب لن يعذب الناس أبدًا في الجحيم – لي ستروبل

في رأيي هناك نقص خطير جداً في شخصية المسيح الأخلاقية وهو إيمانه بالجحيم. فأنا بنفسي لا  أشعر أن أي شخص مثقف تماما يمكنه أن يؤمن بالعقاب الأبدي.

برتراند رسل – ملحد (1)

الجحيم هو إطراء لله العظيم لحقيقة الحرية الإنساني وكرامة الاختيار الإنساني.

تشيسترتون. – مسيحي (2)

 كان القاضي كورتلاند. أ. مأسرز في ورطة. فقد كانت تمثل أمامه متهمة اشتركت بدور صغير في قضية مخدرات. كانت أم فقيرة في الحادية والثلاثين من عمرها لها أسرة صغيرة. كانت نادمة علي جريمتها. وفي رأي القاضي كانتتستحق فرصة ثانية. وكان تحقيق العدالة يتطلب إبقاءها تحت المراقبة.

ولكن كانت هناك مشكلة: فلو وجدها ماسرز مذنبة بالتهمة الصادرة ضدها، فلن يكون أمامه اختيار في قانون ماساشوستس إلا أن يعاقبها بالحبس لمدة ست سنوات. لقد عرف أن السجن سيترك فيها جُرحا إالي الابد. وأكثر، ومن المحتمل سيدمر الضعيفة وسيتركها مُرة النفس، غاضبة، بلاعمل، ومقّدر لها لمزيد من المتاعب.

  هذا نوع يُدعي ل{ العقوبة الإلزامية} الذي يُغير إتجاه القضاة في تقرير بعض أنواع القضايا. الجانب الايجابي  هو أن القضاة يُمنعون من أن يكونوا متساهلين للغاية. أما العاقبة السلبية فهي أنه في بعض الحالات يمكن أن تكون العقوبة الذاتية قاسية للغاية – كما هو  الحال في هذه القضية حيث وقفت المتهمة خلف القضبان لفترة أطول من أكثر اللصوص المسلحين.

   لم يُعرف عن ماسرز أبداً أنه تراجع عن إصدار فترات حبس طويلة للمجرمين لو كانت الظروف تسمح بذلك. لكن في هذه القضية اعتبر أن العقوبة الإلزامية –  بدون إماكنية إطلاق السراح المبكر { إجها         ض مطلق للعدالة }.

    وهكذا قدّم ماسرز اختياره: { خالف القانون كي تكون عادلاً}. لقد صرح أنها مذنبة بتهمة أقل لا تستلزم فترة سجن محددة، وحكم عليها بخمس سنوات من إبقاءها تحت المراقبة مع النصح المتطلب.

  قال ماسرز لبوسطن غلوب في تحريها عن العقوبة الإلزامية:{ لو لم يكن القاضي علي فعل ذلك، فلا يجب أن يعتلي منصة المحكمة. فالقاضي إما أن يكون إنسانا آليا يوافق روتينيا علي هذه العقوبات، أو يكون منقاداً  بحس العدالة}.(3)

   كنتُ أفكر في هه القضية بينما كانت الطائرة تهبط تجاه مطار لوس أنجلوس الدولي في صباح أحد أيام سبتمبر الحارة. تأملتُ قائلاً: { كم من السخرية أن قانوناً مصمما لتدعيم العدالة يكون مهدداً لتحريفها بدلاً من ذلك. استطعتُ أن أفهم معني العدالة الذي دفع ماسرز يتجنب إصادر عقوبة  تناسب الجميع، بل فرض عقوبة بديلة تناسب الجريمة بشكل أكثر تناسباً.

   لمدة طويلة كباحث روحي، وجدتُ أن معني العدالة الخاص بي يُنتهك بالتعليم المسيحي عن الجحيم الذي اعتبرته أكثر ظلماً بمراحل مما ستكون فترة السجن الإلزامية في القضية التي أمام ماسرز. لقد بدأ التعليم بالنسبة لي كالقتل الكوني، عقوبة أوتوماتيكية غير قابلة للاستئناف لعذاب والتعذيب بلا نهاية. إنها عقوبة إلزامية، مطلقة : فكل واحد ينال نفس العواقب بعض النظر عن ظروفه . قف خارج  خط الله ــ حتي ولو قليلاً، حتي ولو دون قصد ــ وسوف تُصفع بعقوبة سجن بلا نهاية لها في مكان يجعل Leavenworth  يبدو مثل ديزني لاند.

  أين العدالة من ذلك؟ أين التناسب بين الجريمة والعقاب؟ أي نوع من الآلهة يستمتع برؤية مخلوقاته تتألم إلي الأبد ــ بلا رجاء، خارج الفداءــ في غرفة تعذيب كل جزء منها في رعب وبربرية أي معسكر اعتقال نازي؟ ألم يكن الملحد بي. سي. جونسون علي حق عندما أعلن أن (( فكرة الجحيم سخيفة أخلاقياً؟))(4)

  هذه أسئلة صعبة وشعورية. كنتُ بحاجة لإجابات من سلطة ثاقبة الذهن، إنسان لن يتهرّب من التحديات الشريفة. نظرتُ من خارج نافذة الطائرة بينما كانت لوس اجلوس الضاحية تُجتاز من أسفل، وهي تتألق في ضوء الشمس اللامع . كنتُ قلقاً بخصوص مواجهتي مع فليسوف محترم تصارع بشدة مع هذا التعليم المزعج  للدينونة الأبدية.

اللقاء السادس : جي بي مورلاند ـــ دكتوراة في الفلسفة

 

  لم يأخذ الأمر طويلاً حتي احصل علي سيارتي المؤجرة وأقودها إلي بيت مورلاند الواقع بالقرب من مدرسة تالبوت الاهوتيةن حيث يعمل فيها أستاذاً في برنامج الماجستير في الفلسفة وعلم الأخلاق.

  لقد أوضح كتاب مورلاند: ما وراء الموت: استكشاف برهان الخلود ــ Beyond Death :Exploring the Evidence for Immorality .  أنه قام بالكثير من التفكير الشامل والتحليل الذاتي الشخصي عن تعليم الجحيم. وقام مع المؤلف المشارك جاري هابير ماس  بالبحث عن طبيعة  النفس، واختبارات ما قرب الموت، وتناسخ الأرواح، ولاهوت السماء.

  اخترتُ أيضاً مورلاند بسبب خلفيته الواسعة. فهو رجل علم حاصل درجة في الكيمياء من جامعة ميسوري، ولديه معرفة شاملة للاهوت، إذ يحمل درجة ماجستير من معهد من معهد دالاس اللاهوتي، وهو فليسوف موضع تقدير حيث حصل علي شهادة الدكتوراة في جامعة كاليفورنيا الجنوبية.

  أصدر مورلاند اكثر من 12 كتاباً، بما فيها تدّرُج المدينة العلمانية Scaling the Secular city   ، المسيحية وطبيعة العلم Christianity and the Nature of Science;

هل الله موجود؟ Dose God Exist ?  ، ( مناظرة مع كاي نيلسون)، فرضية الخلقّThe Creation  Hypothesis  ، الجسد والنفس Body and Soul ، أحب الرب إلهك من كل عقلك  Love Your God With All Your Mind ، يسوع تحت الهجوم Jesus Under Fire  الذي حصل علي جائزة. كل هذا وهوفي الحادية والخمسين فقط.

    حياني مورلاند ، وكان يرتدي قميصاً قصير الأكمام، وبنطلوناً وحذاء بدون جوارب. في ممشي بيته المصمم علي طراز مزرعة . صافحته وقدمتُ له مواساتي . عرفتُ أنه سافر إلي سان دييجو الليلة السابقة، وشاهد فريقه المحبوب Kansas City Chiefs  يلقي هزيمة نكراء أمام الفريق المتواضع Chargers. كان لا يزال يرتدي قبعة بيسبول كان أسم فريقه بارزاً علي مقدمتها.

  بالداخل، بعد تبادل قليل من المزاح، غرقتُ في أريكة غرفة معيشته وتنهدتُ. لقد كان موضوع الجحيم كبيراً، ثقيلاً، مثيراً للجدل، ونقطة ارتكاز للمتشككين الروحيين. بحثتُ في ذهني عن نقطة انطلاقة .

أخيراً قررتُ أن أكون أميناً، فاعترفتُ قائلاً: << لستُ متأكداً من أين أبدأ . كيف يتسني لنا حتي مناقشة موضوع الجحيم؟ >

  فكر مورلاند للحظات، ثم ضبط جلسته في كرسيه الأخضر الوثير، واقترح قائلاً:< ربما يحب أن نميز بين محبة شئ أو دم محبته وتقرير ما إذا كان من الصواب القيام به. >

<< ماذا تقصد؟>>

فشرح قائلاً: < كثيراً ما يكون الشئ الذي نحبه ليس هو الشئ الصحيح الواجب عمله. فالبعض يقولون إن الزنا ممتع، ولكن معظم الناس يتفقون علي خطأه. وعادة ما يكون فعل الشئ الصحيح غير ممتع. فإخبار إنسان حقيقة قاسية يحتاج أن يسمعها، أو طرد واحد لا يقوم بمهامه جيداً يمكنها أن تكون أمور غير ممتعة بالمرة.>

فقاطعته قائلاً:>  والجحيم يستدعي استجابة عميقة . فالناس يتصرفون بقوة ضد الفكرة نفسها.>

< هذا صحيح . فهم يميلون لتقييم ما إذا كان مناسباً مبنياً علي مشاعرهم أو إساءتهم العاطفية تجاهه.>

< كيف نفهم ذلك؟ >

< أعتقدُ أن الناس يجب أن يحاولوا إقصاء مشاعرهم جانباً، فأساس تقييمهم يجب أن يكون ما إذا كان الجحيم حالة علاقات عادلة أخلاقياً ام صحيحة أخلاقياً، وليس ما إذا كانوا يحبون المفهوم، أو لا يحبونه>.

  توقف مورلاند قبل الاستمرار وأضاف : ” من المهم أن نفهم أنه إن كان إله المسيحية حقيقيا، فإنه يكره الجحيم ويكره الناس الذاهبين إليه. فالكتاب المقدس واضح تماما: الله لا يُسر بموت الشرير.” (5)

ربما يكون الأمر هكذا، لكن الأمر ينتهي بهم وهم يقضون أبديتهم في مكان من الرعب الملق واليأس المدقع. ورجعتُ بذاكرتي للقائي مع تشارلز تمبلتون ــ المبشر الذي صار متشككاً فدون

إنكار، لديه مشاعر قوية بخصوص الجحيم، لكنها بدت أنها مشتعلة بالغضب المقدس والثورة الأخلاقية.

بصراحة، كنتُ واعيا قليلاً بفصل مناقشة الجحيم تماماً عن استجابتنا العاطفية لهاــ وفي النهاية بدأ أنهما مرتبطان بصورة تدعو لخيبة الأمل.

 

معالجة تحدي تمبلتون

 

  رغم أنني فهمتُ فكرة مورلاند أن أخلاقية أو عدم أخلاقية الجحيم امرّ مستقل عن مشاعرنا تجاه الموضوع، غير انني قررتُ أن تكون أفضل خططي هي مواجهة مورلاند مباشرةّ باعتراضات تمبلتون ــ العاطفية منها والكلية.

  جلست منتصباً، متجهاً لمواجهة مورلاند بقرب أكثر. قلتُ له: ” لقد قابلتُ تشارلز تمبلتون حول هذا الموضوع وقد كان عنيداً جداً. فقد قال لي ( لم أستطع أن أعرّض يد إنسان للنار للحظات . ولا حتي للحظة! فكيف يمكن لإله محب أن يعذبك إلي الأبد لأنك لا تطيعه ولا تفعل ما يطلبه دون أن يسمح بموتك، بل مواصلاً عذابك في هذا الألم طول الأبدية؟ ) “

  ثم لفظتُ كلمات تمبلتون الأخيرة بنفس نقمة المُقّت التي إستخدمها في التحدث معي:” ولا حتي المجرم يمكنه أن يفعل ذلك!”

  بدا أن التحدي يتردد صداه غالبا في غرفة معيشته، فتصاعد التوتر بسرعة. ثم بدوتُ اتهاميا أكثر من فضولي، فتُوجهت بالسؤال طالبا :” د. مورلاند ماذا تقول إاء ذلك؟”

  الكثير جدا من أفكاره تنطلق فيما وراء المشاعر.

  الآن عليك أن تفهم شيئاً بخصوص مورلاند : فهو فليسوف، ومفكر، وعقلاني معتدل.

ولاشئ يبدو وأنه يضايق مكانه. رغم نغمتي الاتهامية ــ التي بدت تقريبا وكأنها تتضمن حقاً أنه كان مسئولاً بصفة خاصة عن خلق الجحيم ــ لم يُصدر مورلاند أية إساءة. ولكن بدلاً من ذلك، انطلق ذهنه لجوهر الموضوع. بدأ مورلاند:” مفتاح إجابة تمبلتون هو في صياغته. لقد صاغ سؤاله حتي سار كسؤال:” متي توقفت عن ضرب زوجتك؟ فمهما كانت إجابتك، فأنت مُدان منذ البداية لو قبلتّ صياغته”.

  فقلتُ:” لذلك فمقدمته المنطقية خاطئة. كيف ذلك؟”

   ” حسنا، الأمر هو أن الجحيم ليس غرفة تعذيب”.

ارتفع حاجباي، فبالطبع ستكون هذه أخبار سارة لأجيال كثيرة من أطفال مدارس الأحد الذين كانوا يرتعبون في كوابيس بالأوصاف المرعبة للتعذيب الأبدي والعذاب بالنار في الهاوية.

  فسألته:”  أليس الأمر كذلك؟”

” فهز مورلاند رأسه، واستطرد: ” الله لايعذب الناس في الجحيم، ولذلك فتمبلتون مخطئ تماماًبخصوص ذلك. إن تمبلتون يجعل الأمر أيضاً وكأن الله طفل مُدلل يقول للناس:” انظروا، إن كنتم غير مستعدين لطاعة أوامري الإلزامية، فسوف أعاقبكم علي ذلك، فسوف أجعلكم تدفعون الثمن. حسنا. بالطبع، إن كان الله مجرد طفل له أوامر إلزامية، فسوف يكون الأمر متقلباً بالنسبة له أن يحاكم الناس. لكن ليس هذا علي الإطلاق هو مايحدث هنا.

  “إن الله هو الكيان الأكثر كرماً وحباً وروعة وجاذبية في الكون. لقد خلقنا بإرادة حرة وخلقنا لهدف: أن ننتمي إليه وللآخرين بحب. نحن لسنا أموراً عارضة، ولسنا قرودا معدلة، ولسنا اخطاء عشوائية، ولو خبنا مراراً وتكراراً عن الحياة من أجل الهدف الذي خُلقنا لأجله ــ الهدف الذي سيسمح لنا أن ننمو أكثر من أن نحيا بأية طريقة أخري ــ فإن الله لن يكون بوسعه علي الإطلاق إلا أن يمنحنا ما طلبناه طوال حياتنا، وهو الانفصال عنه”.

   ” وهذا هو الجحيم ….”

   ” نعم، هذا هو الجحيم. هناك نقطة إضافية. من الخطأ أن نعتقد أن الله هو كيان محب ببساطة، ولاسيما عندما تقصد بكلمة محب المعني الذي يستخدمه معظم الأمريكان اليوم. نعم، الله كيان عطوف، لكنه أيضا كيان عادل، أخلاقي، وطاهر. ولذلك فإن قرارات الله غير معتمدة علي الحسية الأمريكية الحديثة. وهذا  احد الأسباب لماذا يجتاز الناس أبداً وقتا عصيباًبفكرة الجحيم حتي الأزمنة الحديثة. الناس اليوم يميلون للاهتمام فقط بالفضائيل الأكثر نعومة كالحب والرقة, بينما ينسون الفضائل الصعبة كالقداسة والبر والعدالة.

 ” ولذلك في صياغة سؤاله أظهر لنا بمبلتون كياناً حاقداً فرض هذه القواعد الإلزامية الظالمة وفي النهاية يضرب قدميه ويقول: ” إن لم أصل إلي أهدافي، فسوف أعذبكم إلي الأبد.”

  غمضت عينا مورلاند الحادتين مع عيني وشّدد قائلاً:” لا شئ يمكنه أن يكون أبعد من الحق”.

موقف الله اللاحق

 

  قلتُ بينما استرخيتُ في الأريكة: ” حسناً، إذا هنا فرصتك لإعلان الأمر بوضوح. لنضع بعض الأساسات بترتيب تعريفاتنا. لقد قلتُ إن الجحيم ليس غرفة تعذيب. فما هو إذا؟

  فأجابني:” إن جوهر الجحيم إتصالي. فالمسيحية تقول إن البشر هم أقيم الكائنات في الخليقة كلها. فبما أن البشر مهمو، فالعلاقات الشخصية أيضا مهمة، ويكون الجحيم بشكل إتصالي بشكل واسع.

  ” في الكتاب المقدس، الجحيم هو الانفصال أو الابتعاد عن أجمل كيان في العالم ــ الله نفسه. إنه الإفراز عن أي شئ مهم، من أية قيمة، وليس فقط من الله، بل أيضا من الذين عرفوه وأحبوه.”

  ارتبكتُ بشئ ما، فتساءلتُ:” هل الجحيم عقاب لكسر معايير الله. أم إنه العاقبة ألطبيعية لمن يعيشون حياة يقولون فيها:” لا يهمني أن أكون منفصلا عن الله، فأنا أريد أن أفعل الأشياء بطريقتي الخاصة، ومن ثم تُمنح لهم رغبتهم علي الدوام بانفصالهم عن الله إلي الأبد؟”

  فقال:” إنه الاثنين. لا ترتبك: فالجحيم عقوبة ــ وبيس عقاباً. الجحيم ليس التعذيب. فعقوبة الجحيم هي الانفصال عن الله، الذي يأتي بالخزي، والكرب، والندم. ولأنه سيكون لنا كل من الجسد والنفس في الوضع المُقام، فإنالتعاسة المُختبرة يمكنها أن تكون عقلية وجسدية. لكن الألم الذي سيُعاني منه سيكون بسبب الحزن الناتج عن الابتعاد النهائي، المطلق، الدائم عن الله، وعن ملكوته، وعن الحياة الصالحة التي خُلقنا من أجلها في المقام الأول. فالناس في الجحيم سيحزنون حزنا عميقا علي كل ما فقدوه.

  ” الجحيم هو الحكم النهائي الذي يقول لك إنك مرفوض من الحياة من أجل الهدف الذي خُلقت لأجله، والبديل الوحيد هو الحكم عليك بعيدا إلي الأبد. لذلك فالجحيم عقوبة. لكنه أيضا العاقبة الطبيعية لحياة كانت تُعاش في إتجاه معين.”

  فأشرت قائلاً:” وفقا لسفر التكوين عندما خلق الله كل شئ، أعلن أنه ” حسن “. ومن الواضح أن الله قد خلق الجحيم. ولكن كيف عساه أن يفكر أن الجحيم حسن؟ ألا يُعّرض هذا الأمر شخصية الله للنقاش؟”

   فأجابني مورلاند:” في الواقعن لم يكن الجحيم جزءاً من الخليقة الأصيلة . فالجحيم هو موقف الله اللاحق. الجحيم شئ اضطر الله لعمله لأن الناس اختاروا أن يتمردوا ضده ويبتعدوا عن الأفضل بالنسبة لهم، وعن الهدف الذين خُلقوا من أجله.

  ” عندما أسس الناس الولايات المتحدة، لم يبدأوا بإنشاء السجون. لقد كانوا يودون أن يكون لهم مجتمعً بلا سجون. لكنهم اضطروا لإنشائها لأن البعض لم يتعاون. ونفس الأمر ينطبق علي الجحيم.

    ” هل الجحيم مكان مادي؟”

   ” نعم ولا. عندما يموت الناس، تترك نفوسهم أجسادهم ولا يعودا ماديين. يقول الكتاب المقدس إنه عندما يموت الناس الذين سيذهبون أخيراً إلي الجحيم قبل مجئ المسيح، فسوف ينفصلون عن حضور الله، لكنهم لن يكونوا في مكان مادي لأنهم ليسوا بماديين. وبهذا المعني، من المحتمل ألا يكون الجحيم موقعاً. بل جزءاً حقيقياً من الكون. ويكون الأمر مثلما تدخل باباً إلي نوع آخر من الوجود.”

فضحكتُ قائلا:” يبدو كأختبار ما بقرب الموت.”

فأجابني :” حسناً، أعتقد أن اختبارات ما بقرب الموت أوضحت دون شك معقول أنه عندما يموت الناس، لا يزالوا قادرين علي الوعي.”

  ثم واصل كلامه:” في الدينونة الأخيرة، سيقوم جسدنا وستتحد نفسنا معه. وعند هذه النقطة، أعتقد أنه سيكون هناك مكان في الكون سيُفصل فيه الناس عن المكان الأصلي الذي سيظهر فيه نشاط الله وشعبه. لذلك عند هذه النقطة يكونمن المعني أن نتكلم عن الجحيم كمكان ــ لكنه لمن يكون غرفة تعذيب أو ما شابه.”

نار، ودود، وصرير أسنان

  آن آوان مجاز” غرفة التعذيب” مرة أخري. فقلتُ: ” لا عجب أن هذه رؤية شائعة عن الجحيم. فعندما كنتُ في حوالي العاشرة من عمري، أُخذتُ إلي مدارس الأحد، حيث أضاء المعلم شمعة وقال: هل تعلم كم من المؤلم أن تحرق إصبعك؟ حسناً، تحيل جسدك كله في النار علي الدوام إلي الأبد هذا هو معني الجحيم.”

  أومأ مورلاند كما لو كان قد سمع مثل هذه القصة من قبل.

  فأضفت:” الآن يرتعب بعض الأضفال. قد سخطتُ لأن هذا الشخص كان يحاول التحكم فيّ. أعتقدُأن الكثير من الناس قد مروا بهذا النوع من الاختبار. وعليك بالاعتراف أنه عندما يأتي آوان الحديث عن الجحيم، فإن الكتاب المقدس يميل بالتأكيد للإشارة إلي النار.”

  فأجابني مورلاند:” هذا صحيح، النار صورة مجازية.”

  فرفعتُ يدي معارضاً:” حسناً، مهلاً، لقد اعتقدتُ أنك دارساً محافظا. هل تحاول أن تُخفف فكرة الجحيم لتجعلها أكثر قبولاً؟

  فأجابني:” قطعاً، فأنا اريدُ ان أكون دقيقاً كتابياً. نحن نعرف أن الإشارة للنار صورة مجازية لأنك إن حاولت فهمها حرفيا، لن يكون لها معني.فمثلاً، الجحيم موصوف علي أساس أنه مكان الظلمة المُطلقة ومع ذلك هناك نار أيضاً. كيف يمكن هذا؟ فالنار ستنير المكان.

  وبالاضافة  إلي ذلك، نحن نعرفُ أن المسيح سيعود ثانية مُحاطا بالنار، وأنه سيكون هناك سيف كبيرً خارجا من فمه. لكن لا أحد يعتقد أن المسيح لن يكون قادراً لقول أي شئ لأنه سيكون مختنقاً بسيف. إن الصورة المجازية للسيف تشير إلي كلمة الله في الدينونة. والنار تشير إلي المسيح الآتي في الدينونة. في عبرانيين 12:19 يُدعي الله ناراً آكلة. ومع ذل لا أحد يعتقد أن الله مصباح بنزين. إن استخدام الصور المجازية للنار طريقة لقول إنه إله دينونة.”

  فتسألتُ:” ماذا عن الجحيم كمكان يأكل فيه الدود أجسا البشر باستمرار.”

  فقال مورلاند:” في أيام يسوع كان آلاف الحيونات تُقدم كل أسبوع في الهيكل، وكان هناك نظام صرف للدم والشحم للتدّفق خارجا والتجمع في بركة. وكان هناك دود يتغذي علي ذلك. وكان مكان قبيح للغاية. عندما كان يسوع يُعّلم، أستخدم هذه الاستعارة لقول إن الجحيم أسوأ من ذلك المكان المقزز خارج المدينة.”

  فقلتُ:”هناك أيضاُ العبارة” صرير الأسنان” لوصف من هم في الجحيم، ألا يشير ذلكلرد فعل الناس لألم العذاب؟”

   فقال مورلاند:” بأكثر دقة، هذا معناه وصف حالة من الغضب أو إدارك خسارة فادحة. إنه تعبير عن ثورة إثر إدراك أن المرء قد أرتكب خطأ جسيماً. فلو كنت قد عشت مع من هم منهمكينفي شئونهم، ومتمركزين حول ذواتهم وانانيين، فهم يغضبون عندما لا يصلون إلي طريقهم. أؤمن أن صرير الأسنان تعبير من نوع شخصية الناس الذين سيسكنون الجحيم.”

  قلتُ محاولاً إدخال قليلاُ من التساهل:” لا نيران، لا دود، لا صرير أسنان من العذاب ــ ربما لا يكون الحيم سيئاً كما اعتقدنا.”

  فأجاب مورلاند بسرعة وبقوة:” من الخطأ أن نفكر هكذا. فأية صورة مجازية تتضمن إشارة تتضمن إشارة حرفية. المجازي هو النار الحارقة، والحرفي هو أن هذا هو مكان الحسرة المطلقة. إنه خسارة كل شئ، ومعناه الإشارة إلي حقيقة أن الجحيم هو أسوأ موقف يمكن أن يحدث لإنسان.”

  فقلتُ :” لقد ذكرت أن الناس في الجحيم هم منهمكين في شئونهم وأنانيين، وقد رفضوا الله طوال حياتهم. فهل من الممكن بالنسبة لنوعية هؤلاء أن تكون السماء جحيماً؟”

  فقال:” دعني أوضح الأمر هكذا: هل سبق الحياة مع إنسان كان وسيماً بشكل لا يُصدّق، وجذاباً جداً، وأكثر ذكاءً منك؟ وعندما تكون في موقف اجتماعي، يريد الناس أن يستمتعوا إليه، لاإليك. افترض أنك لا تهتم بذلك الشخص، لكنك تبقي معه في غرفة لمدة 24 ساعة يوميا لمدة 30 عاما. فسوف يكون هذا اختبار صعب تماماً.

  والآن ضاعف هذه الخواص 10000 مرة، وهذا قدر ضئيل مما عليه الله. فالله ذكيّ حقاً حقاً. وهو جذاب جداً . وهو أكثر نقاءً أخلاقياً منا. وإن لم يقع الناس عاطفيا في محبته، فإن إجبارهم أن يعيشوا حوله إلي الأبد ــ عاملين نفس الأشياء التي يريد الناس الذين يحبونه أن يعملوها ــ سيكون غير مريح بالمرة.

    ” عليك أن تفهم أن شخصية الناس لا تتكون بالقرارات علي الفور، بل بآلاف الاختيارات الصغيرة التي يقومون بهاكل يوم دون حتي أن يعرفوا عنها شيئا. فكل يوم نُهيئ أنفسنا حتي نكون إما مع الله شعبه، ونُقّيم الأشياء التي يُقيمها هو، أو نختار ألا نشترك في هذه الأمور. لذلك، نعم، الجحيم  أساساً مكان للناس الذين لا يريدون الذهاب إلي السماء.”

  ” هل تقصد أن الناس يختارون الجحيم عن وعي؟”

  ” لا، فأنا لا أقصد أنهميرفضون السماء عن وعي ويختارون الذهاب إلي الجحيم بدلاً من ذلك. لكنهم يختارون عدم الاهتمام بالقيم التي ستكون حاضرة في السماء كل يوم.”

  فقلتُ:” لذلك في الواقع، بالطريقة التي نحيا بها حياتنا، إما نُهيئ أنفسنا لنكون في محضر الله والتمتع به إلي الأبد، أو نُهيئ لوجود نحاول فيه أن نجعل أنفسنا مركز الكون، ولا نهتم أن نكون مع الله أو مع من يحبونه.”

  فأوما مورلاند قائلاً:” هذا صحيحّ تماماً. فالجحيم ليس مجرد حكم. إنه حكم، لكنه أيضا نهاية طريق مختار ــ الي حد ما ــ في هذه الحياة ههنا والآن، يوماً فيوم.”

  ومع ذلك، هناك ملامح للجحيم تبدو وكأنها تخترق معني العدالة بالنسبة لنا. علي الأقل شعرتُ بذلك في الماضي فقد إستفدتُ من وقفة في حوارنا لأمد يدي إلي حقيبتي وأستخرجُ قائمة كتبتها في الطائرة.

  قلتُ لمورلاند:” ماذا لو طلبتُ ردك عن كل من هذه الموضوعات. إن هدفي ليس أن أتجادل معك، بل إنني أريدُ منك فقط أن تُذح منظورك، وفي النهاية سأزن ما إذا كنتُ أعتقد أنك تُقدم إجابات كافية، وما إذا كان التعليم عن الجحيم بالإجمال يواجه الفحص.”

  فأجاب:” هذا يبدو عادلاً” نظرتُ إلي القائمة، وقررتُ أن أبدأ بواحد من أكثر الاعتراضات المثيرة للعاطفة علي الإطلاق.

  الأعتراض الأول: كيف يمكن لله أن يرسل الأطفال إلي الجحيم؟

  الناس يتراجعون بفكرة أن الأطفال ينزلون إلي الجحيم . في الواقع، يحب بعض الملحدين أن يوبخوا المسيحين لأنهم يتذكرون كتابات مُبشرو القرن التاسع عشر الذين استخدموا لغة مرعبة لوصف اختبارات الأطفال المرعبة ف يالجحيم. علي سبيل المثال، كتب قس بريطاني لقبه

” رسول الأطفال” هذه الكلمات الرهيبة: طفل صغير في فرنه الأحمر الساخن.إسمع كيف يصرخ للخروج منه ! أنظر كيف يتلوي في النار! إنه يضرب رأسه في سقف الفرن. ويضع قدميه علي الأرضية. يمكنك أن تري علي وجه الطفل الصغير ما تراه علي وجوه كل من هم في الجحيم ــ اليأس البائس والمرعب.(6)

قلتُ لمورلاند:” إن فكرة الأطفال في الجحيم مُخيفة جداً. فكيف يمكن أن يكون هناك إله محب إن كان الأطفال محكوم عليهم بالجحيم؟”

  كنتُ مهتماً برؤية ما إذا كانت إجابة مورلاند ستتوافق مع تقرير الدارس نورمان جيسلر السابق تتناول حول هذا الموضوع.

  فحذر مورلاند بخصوص الاقتباس السابق قائلاً: ” تذكر أن اللغة الكتابية حول النار واللهيب لغة مجازية.”

  ” نعم، حسناً، ولكن هل سيكون هناك أطفال في الجحيم؟”

   أستند مورلاند ــ أب لابنتينــ إلي الأمام بينما كان يتكلم وبدأ قائلا:” عليك أن تفهم أنه في الحياة بعد الموت، فإن شخصياتنا تعكس موقفا بالغاً علي أي حال، وهكذا يمكننا أن نقول تأكيداً إنه لن يكون هناك أطفال في الجحيم.”

  ” وبالطبع لن يكون في الجحيم من أُتحيت له فرصة النمو حتي البلوغ، ويكون قد اختار إلي الجحيم ببساطة لأن كل ما كان يحتاجه وقت قصير باق ويكون قد مات قبل أوانه. مدّ مورلاند يده نحو مائدة وسحب كتابه المقدس الجلدي، وقال:” بالإضافة إلي ذلك، في الكتاب المقدس يُنظر إلي الأطفال بشكل عام كصور مجازية للخلاص. ففي كل النصوص التي يُستخدم فيها الأطفال بالإشارة  إلي الحياة الأخري، يُستخدمون كصور أنهم نالوا الخلاص وليست هناك أية حالة يستخدم فيها الأطفال كصور للدينونة.”

 قلب صفحات العهد القديم حتي استقر علي سفر صموئيل الثاني، فقال:” هاك مثال جيد: الطفل الذي أنجبه داود من بثشبع إثر علاقة أثيمة مات، ويقول داود في 2 صم 12 : 23 ” أَنَا ذَاهِبٌ إِلَيْهِ وَأَمَّا هُوَ فَلاَ يَرْجعُ إِلَيَّ». لقد كان داود يُعبرّ عن حقيقة أن طفله سيكون في السماء وأنه سنضم إليه يوماً. لذلك هذا دليل أخر أن الأطفال لن يكونوا في الجحيم.”

الأعتراض إلثاني : لماذا يعاني كل إنسان نفس الشئ في الجحيم؟

  بينما كنتُ أصيغُ سؤالي الثالي، نهضتُ من الأريكة وتمشيتُ حتي النافذة الأمامية، متوقفاً في جزء من شعاع الشمس الذي كان يتراقص علي السجادة. كانت قضية ماساشوستس التي تتضمن القاضي ماسرز تكمن في ذهني.

  قلتُ:” إن معني العدالة لدينا يتضلت أن يُحاسب الأشرار علي إيذائهم للآخرين. وبهذا المعني يجب أن يكون الجحيم  رادعا مناسبا للبعض. ومع ذلك، فإن معني العدل يُخترق لدينا أن يحمل أدولف هتلر نفس العقوبة الأبدية التي يحملها إنسان عاش حياة جميلة وفقاً لمقاييسنا الخاصة، لكنه لم يأخذ قرار إتباع الله .”

  كان مورلاند يصغي باهتمام، وقال” يبدو من الظلم أن يُعرّض كل إنسان لنفس العواقب. هل هذا ما تقصده؟”

 ” نعم، هذا صحيح . ألا يزعجك هذا؟”

إتجه مورلاند في كتابه المقدس إلي العهد الجديد، وقال: ” في الواقع ليس كل إنسان يختبر الجحيم بنفس الطريقة. فالكتاب المقدس يُعلم أن هناك درجات مختلفة من المعاناة والعقوبة.”

وصل إلي متي 11 ، ثم بحث بإصبع السبابة حتي استقر علي الآيات 20 – 24التي قرأها بصوت عال: 20حِينَئِذٍ ابْتَدَأَ يُوَبِّخُ الْمُدُنَ الَّتِي صُنِعَتْ فِيهَا أَكْثَرُ قُوَّاتِهِ لأَنَّهَا لَمْ تَتُبْ: 21«وَيْلٌ لَكِ يَا كُورَزِينُ! وَيْلٌ لَكِ يَا بَيْتَ صَيْدَا! لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي صُورَ وَصَيْدَاءَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكُمَا، لَتَابَتَا قَدِيمًا فِي الْمُسُوحِ وَالرَّمَادِ. 22وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ صُورَ وَصَيْدَاءَ تَكُونُ لَهُمَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَكُمَا. 23وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ الْمُرْتَفِعَةَ إِلَى السَّمَاءِ! سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ. لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي سَدُومَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكِ لَبَقِيَتْ إِلَى الْيَوْمِ. 24وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَرْضَ سَدُومَ تَكُونُ لَهَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَكِ»

أقلق مورلاند الكتاب المقدس، وقال:” يقول يسوع إن الناس سيحاسبون وفقاً لأعمالهم.”

فتساءلتُ:” أليس حساباً موحداً؟ هل ستُضبط العدالة وفقاً لكل فرد؟”

” تماماً، ستكون هناك درجات من الانفصال، والعزلة، والفراغ في الجحيم. أعتقد أن هذا أمر مهم لأنه يؤكد أن عدالة الله تناسبية. ليست هناك تماماً نفس العدالة لكل إنسان يرفض رحمة الله.

” تذكر، إن كان الله يسمح حقاً أن يُشكلّ الناس شخصياتهم بآلاف الاختيارات التي يقومون بها، فسوف يسمح بهم أيضا بمعاناة العواقب الطبيعية للشخصية التي اختاروا أن يتخذوها لأنفسهم. وألئك الذين في تشكيل أسوأ بشكل فردي سيختبرون درجة أعلي من العزلة والفراغ.”

الأعتراض الثالث: لماذا يُعاقب الناس بلا حدود علي جرائم محودة؟

كيف يمكن لأي خطأ ارتكبناه في هذه الحياة أن يستحق عقوبة أبدية؟ أليس من الظلم أن نقول إن حياة محدودة من الخطية تستلزم عقوبة غير محدودة؟ أين العدل؟

تساءلتُ بينما جلستُ علي حافة الأريكة:” كيف يمكن أن نفعل أي شئ في هذه الحياة يستلزم عذاباً أبدياً؟”

فأشار مورلاند قائلاً:” تذّكر أنه ليس عذابا. الصياغة خطيرة. إنه ليس عذاباً واعياً أبدياً، لكنه معاناة واعية أبدية ترجع إلي الحكم عليك بعيداً عن الله.”

فقلتُ:” حسناًن ولكن هذا لا يحل السؤال”

” حسناً، إنه لا يحل السؤال، ولكن دعني أحاول . أولاً: نحن نعرف جميعاً أن الدرجة التي يستحق الإنسان عندها العقوبة ليست متعلقة بالمدة الزمنية التي أخذها لارتكاب جريمة. فمثلاً: يمكن أن يأخذ قاتل عشر ثوان لارتكاب جريمته، وسرقة الموسوعة البريطانية من شخص آخر يمكنها أن تأخذ نصف يوم لو أخذت وقت طويلاًلاقتحام البيت. وفكرتي هي أن درجة العقوبة العادلة  للفرد ليست متعلقة بالمدي الزمني الذي أخذته لاتكاب الفعل، بل بالأحري متعلقة بمدي قسوة العمل نفسه.

وهذا يقود للنقطة الثانية. ماهو الشئ الأكثر بشاعة الذي يمكن أن يقوم به إنسان؟ معظم الناس ــ لأنهم لا يعرفون الكثر عن الله ــ سيقولون إنه إيذاء الحيوانات، أو تدمير البيئة، أو إصابة شخص اخر. ولا شك أن كل هذه الأفعال مرعبة. لكنهم يشحبون في ضوء الشئ الأسوأ الذي يمكن أن يرتكبه إنسان، الا وهو أن يسخر ويُحقر ويرفض محبة ذاك الذي ندين له بكل شئ، والذي هو خالقناــ الله بنفسه .

عليك أن تفهم أن الله أعظم بغير حدود في صلاحه، وقداسته، وعطفه، وعدله من أي إنسان آخر. أن تعتقد أن إنساناًيمكنه أن يحيا حياته كلها متجاهلاً إياه بأستمرار بالطريقة التي يختارها للحياة بدونه وهو يقول:” لم أهتمُ بالمرة بما وضعتني هنا من أجله. لم أهتُم بالمرة بقيمك أو بموت إبنك عني. سوف أتجاهل كل ذلك ـ فهذه هي الخطية القصوي. وتكون العقوبة الوحيدة التي تقتضي ذلك هي العقوبة القصوي التي هي الانفصال الأبدي عن الله.

كما أشار آلان جوميز إالي أن طبيعة العنصر الذي تُرتكب ذه الخطية، وطبيعة الخطية نفسها، لابدّ أن تؤخذ في الاعتبار عند تحديد درجة الشناعة.” (7)

جعلتني إجابة مورلاند أفكر في الحادثة التي سأل فيها ناموسيّ يسوع  عن الوصية الأعظم في الناموس، فقال له يسوع :” أحب الرب إلهك.”(8)

في الولايات المتحدة تُعاقب أخطر جريمةـ القتل ـ بأقصي عقوبتها ألا وهي الانفصال عن المجتمع في السجن مدي الحياة. ومن هنا بدأ أنه من المنطقي بالتأكيد أن نقول إن انتهاك ناموس الله المُطلق بتحد سيأتي بالعقوبة المطلقة، ألا وهي الانفصال عن الله وعن شعبه إلي الأبد.

الاعتراض الرابع: ألم يقدر الله أن يدفع كل إنسان للذهاب إلي السماء؟

قلتُ لمورلاند :” دعني أعود للوراء لنقطة ذكرتها أنت في البداية. لقد قلت إن الله يحزن من ضرورة الجحيم.”

” نعم هذا صحيح.”

” لذلك لماذا لا يدفع ببساطة كل إنسان للذهاب للسماء؟ فهذا سيبدو أنه حلاً بيسطاً.”

فأجاب مورلاند :” لأنه بهذا يكون لا أخلاقياً”

فقلتُ في اندهاش:” لا أخلاقياً؟ لا أخلاقياً أكثر من الجحيم ؟”

” نعم، لا أخلاقياً. تتبعني في ذلك : هناك فرقّ بينا القيمة الجوهرية والقيمة المساعدة. فالشئ تكون فيه قيمة جوهرية لو كان قيماً وصالحاً في ذاته ومن ذاته، وتكون فيه قيمة مساعدة لو كان قيماً كوسيلة لغاية معينة . مثلا : إنقاذ الأرواح صالحاً جوهرياً. والقيادة علي الجانب الأيمن من الشارع قيمة مساعدة. فهي صالحة فحسب أنها تحافظ علي النظام. لو قرر المجتمع أن كل إانسان يجب أن يقود علي الجانب الأيسر، فسوف يكون الأمر حسناً. فالهدف هو الحفاظ علي النظام وإنقاذ الأرواح.

“والآن، عندما تعامل الناس وكأنهم قيمين بصورة مساعدة، أو كأنهم مجرد وسيلة لغاية معينة، فأنت بذلك تجردهم من إنسانيتهم، وهذا خطأ. فأنت تعامل الناس كأشياء عندما تعاملهم فحسب كوسائل لغاية تعاملهم كما لو كانت لديك قيمة جوهرية.”

فتساءلتُ:” وما علاقة هذا بدفع الناس للذهاب إلي السماء؟”

” إن دفعتّ الناس لعمل شئ ضد حرية إرادتهم، فانت بذلك تُجردهم من إنسانيتهم. وتقول إن الخير الناشئ عما تريده أكثر قيمة من أحترام اختياراتهم، فأنت بذلك تعامل الناس كوسائل لغاية معينة بمطالبتهم عمل شئ لا يريدونه. وهذا ما سيكون لو أن الله قد دفع كل إنسان إلي السماء.

” لي Lee   ، بما أن الله قد منح البشر حرية الإرادة، فبيس هناك ضمان أن كل إنسان سيختار أن يتعاون معه. فأختيار دفع كل إنسان إلي السماء ليس أخلاقيا لأنه يُجرده من إنسانيته، ويسحب منهم كرامة فعل قراراهم الشخصي، ويحرمه من حرية الاختيار، ويعامله كوسائل لغاية معينة .

” الله لا يمكنه أن يُشكلّ شخصية الناس نيابة عنهم. والناس الذين يفعلون الشر أو يتبنون المعتقدات الخاطئة يبدأون بعيداً عن الله، ثم ينتهي بهم الأمر أخيراًفي الجحيم. الله يحترم الحرية الإنسانية. في الواقع سيكون من عدمالمحبة ــ ونوعاً من الإجبار الإلهي ــ أن تدفع الناس لقبول السماء وقبول الله وهم لم يريدوا ذلك حقا. عندما يسمح الله للناس أن يقولوا له ” لا ” فهو حقا يحترمهم ويُقدّرهم.

الأعتراض الخامس : لماذا لا يطرد الله الناس فحسب؟

ملمح أخر من ملامح الجحيم مزعج بشكل خاص للناس وهو إن مدته أبدية. فماذا لو كان الجحيم لا يستمر إلي الأبد؟ وماذا لو أن الله قد أباد الناس ــ أي ضردهم خارج الوجود ــ بدلاً من إجبارهم للانفصال نه إلي الأبد؟

قلت لمور لاند:” بالطبع سيكون هذا إنساني أكثر من أبدية من الحسرة والندم.”

فأجابني:” صدق أو لا تصدق، الانفصال الدائم عن الله أسمي أخلاقياً من الإبادة. فماذ يُبررّ الله أخلاقيا لإبادة إنسان؟ عندما تُقصي النسا عن اختبار الانفصال المُدرك عن الله إلي الأبد، حسنا، فانت تعامل الناس ههنا كوسائل لغاية معينة.

” الأمر يُشبه إجبار الناس للذهاب إلي السماء. فما تقوله هو الشئ الذي يهم حقاً هو أن الناس لا يعودوا يعانون عن وعي، لذل سأبيد هذا الإنسان خارج الوجود لتحقيق هذه الغاية، هل تفهم؟ هذا معاملة الشخص كوسيلة لغاية معينة. “

” ما يفعله الجحيم هو أن يميز أن الناس لهم قيمة جوهرية. وبما أن الله يحب القيمة الجوهرية، فعليه أيضا أن يكون راعياً للأشاص، لأن هذه معناه أنه راعيا للقيمة الجوهرية . إنه يرفض إبادة خليقة خُلقت علي صورته. ولهذا في الدينونة الأخيرة يكون الجحيم هو الاختيار المشروع الأخلاقي الوحيد.

” الله لايحب ذلك، لكنه يعزلهم. وهذا يُمجد حرية إرادتهم. وهو لا يتعدي ذلك. في الواقع ، فإن الله يعتبر الناس ذوي قيمة جوهرية حتي ارسل ابنه يسوع المسيح كي يعاني ويموت في مقابل أن ــ لو اختاروا ـ يقضوا الأبدية معه في السماء.”

بعض الاهوتيين يؤكدون أن الإبادة هي ما يعلمه الكتاب المقدس. فهم يقولون إن الكتاب المقدس يُعلم أنه بينما عقوبة الجحيم أبدية، فإن العقاب ليس أبدياً.

المؤمنون بتعليم الإبادة يميلون لاقتباس مزمور 37 الذي يقول إن الأشرار” يُقطعون”،

” كالدخان فنوا”، ” أما الأشرار فيبادون جميعا”. ويسيرون إلي مزمور 145: 20 حيث يقول داود”20يَحْفَظُ الرَّبُّ كُلَّ مُحِبِّيهِ، وَيُهْلِكُ جَمِيعَ الأَشْرَارِ.”. وإشعياء 1: 288وَهَلاَكُ الْمُذْنِبِينَ وَالْخُطَاةِ يَكُونُ سَوَاءً، وَتَارِكُو الرَّبِّ يَفْنَوْنَ”ويؤكدون أيضاً أن الاستعارات التي استخدمها يسوع دليل علي نظرية الإبادة ” الأشرار يُربطونا ليُحرقوا”(6)

سألتُ مورلاند :” أليس معني ذلك أن نظرية اإبادة متناغمة مع الكتاب المقدس، ومن ثم فهي طريقة معقولة لتوفيق عدل الله مع تعليم الجحيم؟”

فأنتصب مورلاند قائلاً بإصرار :” لا، ليس هذا هوالتعليم الكتابي. فعندما تحاول أن تفهم ما يُعلمه مؤلف، تبدأ بالفقرات الواضحة التي قصدها المؤلف للتحدث عن الموضوع، ثم تنتقل إلي الفقارت الغير واضحة التي ربما تكون غير مقصود منها التعليم بشأن الموضوع.

” عني أشرح ذلك: هناك فقرات في الكتاب المقدس تقول إن يسوع المسيح مات من أجل كل إنسان، وهناك أيضا غلاطية 2: 20 التي يقول فيها الرسول بولس إن المسيح ” الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي “فهل عليّ أن أفترض الآن من هذه الفقرة أن المسيح مات فقط عن بولس؟ لا، ولم لا؟ لأن هناك فقرات واضحة تُعلم أن المسيح مات عن الجميع، ولذلك عندما نصل لعبارة بولس، نقول إنه من الواضح أن بولس لم يقصد أن يسوع قد مات عنه فحسب، لأننا نفسر الغير واضح في ضوء الواضح.

“والآن، ماذا عن هذه الفقرات المتعلقة بالجحيم؟ العهد القديم يتضمن فقارت واضحة عن الجحيم كونه ابدياً، فدانيال 12: 2 يقول” َوكَثِيرُونَ مِنَ الرَّاقِدِينَ فِي تُرَابِ الأَرْضِ يَسْتَيْقِظُونَ، هؤُلاَءِ إِلَى الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، وَهؤُلاَءِ إِلَى الْعَارِ لِلازْدِرَاءِ الأَبَدِيِّ ” والكلمة العبرية المُطابقة لكلمة أبدي everlasting  مُستخدمة في كلا الحالتين. فلو قلنا إن الناس سفنون في الجحيم، فيجب أن نقول أيضاً إنهم سيفنون في السماء. فلا يمكنك أن تتمتع بمزايا شئ ما دون التعرض لعدم مزاياه { مافيش حلاوة من غير نار!} وهذه الفقة المقصود منهابوضوح أنها تُعلّم عن هذا الموضوع.

” في العهد الجديد، في متي 25، يُقّدم يسوع تعليماً واضحاً حيث يقصد طرح قضية الحالة الأبدية للسماء والجحيم، ويستخدم نفس كلمة أبدي everlasting للإشارة لكلا الأمرين.

” ننتقل إذاً من هذه الفقرات الواضحة إلي التعليم الغامض عن ” القطع “. كل هذا الكلام عن الدمار والقطع في العهد القديم المقصود منه عادة الناس المقطوعين من إسرائيل ومن الأرض. فمعظم هذه الفقرات لها علاقة ضعيفة ــ أو ليست لها علاقة ــ بموضوع الحياة الأبدية، ولكن لها علاقة بالقطع في هذه الحياة عن الوعود التي أعطاها إبراهيم للشعب في الأرض .”

فأشرتُ قائلاً بأن أصحاب نظرية الإبادة يقتبسون أيضاً اللغة الكتابية عنالنار كدليل أن الناس يُدمرون أكثر مما يُعذبون إلي الأبد في الجحيم. وقد صاغ ذلك القس البريطاني اللامع جون ستوت قائلاً:” إن النار نفسها يُصطلح عليها كونها” أبدية”، ولا ” تطفأ”، ولكن سيكون الأمر شاذاً جداً إن كان ما يُلقي فيها لن يكون مُعرّضا للدمار. إن توقعنا سيكونالعكس، فسوف يُستهلك إلي الأبد، لا سيُعذب إلي الأبد.” (11)

ومع ذلك، كان مورلاند عنيداً، فقال: ” إن لغة النار مجازية ففي سفر الرؤيا يُقال لنا إن الجحيم والموت سيُطرحان في بحيرة النار. والآن فإن الجحيم ليس شيئاً يمكنه أن يحترق. إنه مملكة. وهذا يُشبه القول بأن السماء يمكنها أن تُحرق. فالسماء ليست بهذا النوع من الأشياء الذي يحترق. وكيف تحرق الموت؟ الموت ليش بشئ يمكنك أن تحرقه.

لذلك من الواضح أن بحيرة النار معناها الإشارة  غلي الدينونة . فعندما يُقال إن نهاية مقررة للجحيم، فإن كلمة ” جحيم” يكون معناها الإشارة إلي الحالة المؤقتة لمن هم بين مرحلة موتهم وبين القيامة العامة. وعند هذه النقطة، ستقدم لهم اجسادهم من جديد، وسيوضعون بعيداً عن الله . والموت ستًوضع له نهاية لأنه لن يكون هناك موتّ فيما بعد. ولذلك فإن لغة بحيرة النار معناها بوضوح لغة مجازية للدينونة، وليس احتراق حرفيّ.”

الأعتراض السادس: كيف يمكن أن يوجد الجحيم جنباً إلي جنب مع إلسماء؟

تسألتُ:” لو كان المقصود من السماء أن تكون مكاناً للا دموع، فكيف يمكن أن يكون هناك جحيم ابدي موجود في نفس الوقت؟” ألا ينوح من هم في السماء علي الذين يعانون إلي الأبد في الجحيم؟”

فقال مورلاند:” أولاً: أعتقد أن الناس في السماء سيُدركون أن الجحيم طريقة لتكريم الناس باعتبارهم كائنات قيمة جوهريا مخلوقة علي صورة الله.”

ثانيا: كثيراً جداً ما تنبع قدرة الإنسان علي التمتع بشئ من النمو والحصول علي المزيد من الرؤية الناضجة، فعندماكانت طلفتيّ صغيرتان، لم تكن إحداهما قادرة علي التمتع بهدية ما لو كانت الأخري قد حضلت علي هدية أفضل قليلا من هديتها من وجهة نظرها. وعندما كبرتا، كانتالواحدة قادرة علي التمتع بهديتها بغضّ النظر عن هدية الأخري. في الواقع، لو كانتالواحدة تنزعج بخصوص ما كانت تحصل عليه الأخري، فهي تسمح بذلك للأخري أن تسيطر عليها.

قال سي إس لويس إن الجحيم ليس له حق الفيتو ضد السماء. وكان يقصد بذلك أن الناس في السماء لن يُحرموا من امتيازالتمتع بحياتهم بسبب وعيهم بالجحيم. فلو لم يقدروا، سيكون للجحيم حق الفيتو ضد السماء.

” عليك أن تتذكر أن النفس كبيرة بشكل يكفيها أن يكون لديها شعور منسجمُ من الفرح، والخير، والحب، والسعادة، وفي نفس الوقت يكون لديها شعور بالحزن والأسي من أجل الأخرين. ليست هذه حالات غير متناغمة في حياة الإنسان، فهي علامة لشخصية الفرد ونضوجه حتي إنها قارة أن تستوعب تكل الحالتين في نفس الوقت.

 الأعتراض إلسابع: لماذا لم يخلق الله فقط الذين كان يعرف أنهم سيتبعونه؟

تساءلتُ:” بما أن الله يعرف المستقبل، فلماذا خلق إذاً أولئك الذين كان يعرف أنهم سيحيدون عنه وستنتهي حياتهم في الجحيم؟ ألم يكن قادراً أن يخلق فقط أولئك الذين كان يعرف أنهم سيتبعونه ولا يخلق ببساطة الذين كان يعرف أنهم سيرفضونه؟ فهذا الاختيار سيبدو أنه إنساني أكثر من الجحيم.”

فقال مورلاند:” هذا يعتمد علي هدف الله. فلو كان الله قد اختار ان يخلق أربعة، أو ستة، أو سبعة أشخاص، فربما استطاع أن يخلق فقط أولئك الذين سيذهبون إلي السماء. لكن المشكلة هي أنه حالما يبدأ الله في خلق أناساً أكثر، يصبح من الأكثر صعوبة أن يخلق من سيختارونه ولا يخلق من سيرفضونه.”

“لماذا؟”

“لأن أحد الأسباب التي يضعنا الله هنا من أجلها هو أن يعطينا فرصة للتأثير علي الآخرين.”

فكر مورلان للحظات قبل أن يصل أخيراً إلي تشبيه. فتساءل:” هل تذكر أفلام العودة إلي المستقبل؟ هل تذكر كيف عادوا في الزمن، وغيروا بياناً واحدا بسيطاً، ثم عندما عادوا إلي المستقبل كانت المدينة قد تغيرت بأكملها؟ أعتقد أن هناك قدرّ من الحق في ذلك.

” إن الحقيقة البسيطة هي أننا نتأثر بملاحظة الآخرين. افترض مثلاً أنه عندما كنتُ صبياً صغيراً أعطي الله والديّ اختيار الانتقال إلي إلينوي لأنهما عارضا البقاء في ميسوري. لنقل إنه جاراً مسيحيا كان مرائياً، وقد لاحظتُ هذا الرجل، واخترتُ بسبب أسلوب حياته أن أرفض الإنجيل بقية أيام حياتي. والآن افترض أن رفاق العمل كانو ينظرون إليّ كيف كنتُ بغيضاً، وأن خمسة منهم قد صاروا تابعين للمسيح بسبب مثالي الردئ لما تبدو عليه حياة إنسان غير مسيحي. حسنا، لو ذهبنا إلي إلينوي، لغاب عنا واحد ــ وهو أنا ــ لكن يكون خمسة افراد قد نالوا الفداء.

” من الناحية الأخري، اعترض أن الله لا يختار تقديم عرض وظيفة جديدة لأبي، ومن ثم نبقي في ميسوري. فربما أقابل مدرب رياضي مسيحي يغمرني بحياته وينتهي بي الحال أن أتبع الله بسبب ذلك. لكن بسبب أن حياتي المسيحية ليست ما يجب أن تكون عليه حقاً، يُقنع خمسة أفراد بغير المسيح.

” ل تفهم رؤيتي؟ إنه سيناريو عودة إلي المستقبل. فعندما يُختار الله أن يخلق شخصاً، يكون له تأثير علي اختيارات الآخرين،وربما يكون له تأثير علي قراراتهم بالإيمان بالمسيح أولا.

” هناك جزء أخر من ذل يتعلق بكيفية خلق النفس. هناك رؤية أن النفس تأتي إلي الوجود لحظة الحمل، وبشكل ما تُمرّر من خلال الوالدين. أي إن الإمكانات التي للنفس محتواه في البويضة والحيوان المنوي للأب والأم، وهذا يُسمي Traducianism (الايمان بأن النفس قد وُهبت من قبل الوالدين مع الجسد)

وهذا معناه ان والديّ قد خلقا نفسي بفعل التوالد. ومن ثم لا يمكن أن يكون لي والدان مختلفان. وهذا معناه إذا أن الطريقة الوحيدة التي استطاع الله أن يخلقني بها هي إن كان نسبي السلفي بأكمله قد سبقني، لأن جدودا مختلفين معناه آباءّ مختلفين، ومن ثم أدوات مختلفة للنفس.

“وهاك تضمين ال Traducianism لسؤالنا: علي الله أن يزن تماما سلاسل سلفية مختلفة في مجموعها. ولا يمكنه أن يزن أفراداً فحسب. ولذلك فربما يكون أن الله يسمح باتحاد بعض السلاسل معا، حتي أن بعض الأفراد الذين يرفضون المسيح فيها ـ ولنقل افتراضاً جد جد جديد ـ يسمحون للمولودين فيما بعد أن يؤمنوا بالمسيح. وهذا معناه أن الله يوازن السلاسل البديلة وليس فقط البشر البديلة.

” عندما يقوم الله بهذه الدينونات، يكون قصده لا أن يحفظ الكثير من الناس خارج الجحيم بقدر الإمكان، بل أن يأتي بالكثيرين إلي السماء بقدر الإمكان.

” والأسوأ لأنه ربما يسمح بمزيد من الناس الذين سيختارون الذهاب إلي الجحيم أن يُخلقوا لجذب عدداً أكبر من الناس يختاروا الذهاب إلي السماء.

الأعتراض الثامن: لماذا لا يعطي الله الناس فرصة ثانية؟

يقول الكتاب المقدس بصراحة:” وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَةُ،” (12) ولكن لو كان الله محباً في الحقيقة، فلماذا لا يعطي الناس فرصة ثانية بعد الموت لصنع قرار إتباعه والذهاب إلي السماء؟

تسأءلتُ:” لو كان الناس قد تذوقوا الجحيم ألا يعطيهم ذلك اتجاهاً قويا لتغيير افكارهم؟

فقال مورلاند :” هذا السؤال يفترض أن الله لم يفعل كل ما كان يستطيعه قبل أن يموت الناس، وأنا أرفض ذلك. فالله يفعل كل ما يستطيعه ليعطي الناس فرصة، ولن يكون هناك إنسان واحد سيكون قادراً أن يقول لله :” لو لم تسمح لي أن أموت قبل ميعادي، لو كنت قد منحتني عاماً أخر، لكنتُ قد قمتُ بهذا القرار.”

” الكتاب المقدس يقول لنا إن الله يُبطئ مجئ المسيح إلي الأرض كي يمنح كل إنسان الفترة الكافية بقدر المستطاع حتي يأتي إليه(13) فلو كان كل ما يحتاجه الإنسان وقتاً إضافياً قصيراً للمجئ إلي المسيح، فسوف يمد الله وقته علي هذه الأرض ليمنحه تلك الفرصة . ومن هنا لن يكون هناك أي إنسان كان بحاجة لوقت إضافي قصير أو مات قبل آوانه استجاب لفرصة أخري لقبول المسيح.

” الله عادل. فهو لا يحاول أن يجعل هذا صعباً علي الناس. أؤمن أنه من الممكن بالتأكيد أن أولئك الذين يستجيبون للنور من الطبيعة أنهم قد قبلوه إما ان تكون بشارة الإنجيل قد أرسلت لهم، أو أن الله سيدينهم بناء علي معرفته بما كان من الممكن أن يفعلوه لو كانت قد أتيحت لهم فرصة لسماع الإنجيل. الحقيقة البسيطة هي أن الله يُكافئ أولئك الذين يريدونه.”(14)

ومع ذلك كان هذا يعالج جزءاً من السؤال، فقلتُ:” مهلاً، ألن يكون الموت والوعي بحضور او بغياب الله بعد أن تموت شيئاً دافعاً جداً بالنسبة للناس؟”

“بلي ، ولكن بأسلوب سلبي. أولاً: عليك أن تدرك أنه كلما عاش الناس منفصلين عن الله لفترة أطول، كلما قل احتمال قدرتهم علي اختبار حرية إرادتهم وثقتهم به. ولذلك فإن معظم الناس الذين يأتون إلي المسيح يفعلون ذلك حينما يكونون صغاراً. فكلما تعيش بعادة سيئة لفترة أطول، كلما كان التحول عن هذه العادة صعباً. وهذا ليس مستحيلاً ــ لكنه أكثر صعوبة. لذلك ما الذي سيجعل الناس يفكرون مثلاً ان فترة حضانة عشر سنوات من الانفصال عن الله ستجذب انتباههم؟

” بالإضافة إلي ذلك، فإن هذا سيجعل الحياة قبل الموت لا علاقة بها بالموضوع اصلاً. ومن هنا يكون السؤال: لماذا لم يخلق الله الناس منذ البدء بفترة الحضانة؟ لماذا خلقهم علي الأرض لمدة 75 عاماً، وسمح أن يموتوا ثم يضعهم في فترة الحضانة لو كانتفترة الحضانة هي التي يحتاجونها فعلاً في المقام الأول؟ هاك الحق يل لي Lee    هذه الحياة هي فترة الحضانة!

“الشئ التالي الذي لابدّ أن تضعه في ذهنك هو : لو أن الناس رأوا عرش دينونة الله بعد الموت، فسوف يكون الأمر إكراهياً تماماً ألا تكون لهم قوة حرية الإرادة فيما بعد. فأي قرار فعلوه لن يكون حرية إرادة أصلية حقيقة، بل يكون مُكرها تماماً.

” ويكون الأمر مثل أن أُمسك غادوفاً فوق أبنتي وأقول :” ستتأسفين إلي أختك لارتداء فستانها دون استئذان”. فأي اعتذار لن يكون اعتذاراً حقيقياً، بل سيكون مجرد تجنب.والناس الذي يختارون في فرصة ثانية لن يختاروا حقا الله ـ ملكوته ، أو طرقه، ولا سيكونوا مُهينين للحياة معه في ملكوته. لكنهم سيقدمون “اختياراً” حذراً فقط لتجنب دينونته.

” سأقترحُ شيئاً أخر. الله يحتفظ بتوازن مرهف بين الحفاظ علي وجوده بشكل واضح بما فيه الكفاية حتي يعرف الناس أنه هناك، وفي نفس الوقت إخفاء وجوده بما فيه الكفاية حتي أن من يريدون أن يختارواتجاهله يمكنهم ذلك. وهكذا فإن اختيارهم المصيري سيكون اختياراً حراً تماماً. “

الأعتراض التاسع: أليس تناسخ الأرواح أكثر عقلانية من الجحيم؟

الهندوس يرفضون فكرة الجحيم. وبدلاً من ذلك يؤمنون بتناسخ الأرواح، حيث يرجع الناس إلي هذا العالم في هيئة أخري بعد موتهم. وتُمنح لهم فرصةُ أخري للقيام ب الكارما السيئة the bad karma  التي أنتجوها في حياتهم السابقة وينتقلون إلي الاستنارة.

تساءلتُ ” ألا يعد تناسخ الأرواح أسلوباً عقلانياً بالنسبة لإله محب أن يمنح الناس بداية جديدة حتي يمكنهم أن يتوبوا خلال المدة القادمة ولن يكون مضطرا لإرسالهم إلي الجحيم؟ أليس هذا مفضلاًََ علي الجحيم؟”

فأجابني :” تذكر، نحن لا نقرر ماهو حقيقي بناءاً علي ما نحبه أو ما لانحبه. فعلينا أن نفكر في البرهان. لستُ أعرف أي طريق أخر لتقرير ما إذا كان شئ صحيح إلا من خلال النظر إلي البرهان.

فقلتُ:” نعم، ولكن اليس هناك برهان لتناسخ الأرواح ــ وخاصة الأشخاص الذين لديهم ذكريات لحياة مبكرة أو حتي التحدث بلغات لا يعرفونها؟”

فقال ” أعتقد أن برهان تناسخ الأرواح ضعيف لعدة أسباب. فمثلاًهو برهان غير متماسك. دعني أشرح لك السبب. رقم 2 هو رقم زوجي أساساً. فلو قلت لي إنك تتأمل في الرقم 2، لكنه رقم شاذ، لقلت لك:” يمكنك أن تُفكر في رقم 3 أو 5، ولا تفكر في 2، لأنني سأقول لك شيئا واحداً أساسياً بالنسبة لذلك ــ إن رقم 2 رقما زوجياً.

“والآن ليس أساسياً بالنسبة لي ان طولي كذا. ليس أساسياً بالنسبة لي أنني أزن 165 رطلاً. لكن الأساس بالنسبة لي أنني إنسان.

“لو كان لك أن تقول:” مورلاند في الغرفة الأخري، وقد فقد خمسة جنيهات، فمعظم الناس سيقولون:” حسناً له .” فماذا لو قلت:” مورلاند في الغرفة الأخري، وتخيل! إنه مكعب من الثلج”، فمعظم الناس سيقولون:” لايمكن أن يكون هذا هو مور لاند، لأنه إن كان هناك شئ واحد أعرفه عنه، فهو أنه إنسان، وليس مكعب ثلج.”

“حسناً، تناسخ الأرواح يقول إنه يمكنني أن أعود إلي الحياة في صورة كلب، أو اميبا، فأنا لستُ أدري لماذا لم أستطع ان أعود كمكعب ثلج. ولو كان هذا حقيقي، فما الاختلاف بين أن يكون مورلاند وأن تكون أي شئ أخر؟ لا شئ أساسي بالنسبة لي، وكما أن الازدواج شئّ أساسي بالنسبة للرقم 2، فالإنسانية شئ أساسي بالنسبة لي. وتناسخ الأرواح يقول إن ما هو أساسي بالنسبة لي ليس أساسيا حقاًعلي أي حال.”

فتعجبتُ:”إذاً هو غير متماسك.”

فقال :” تماماً، والسبب الأخر هو أنني لا أؤمن بتناسخ الأرواح بسبب كل هذه البراهين التي اقترحتها أنتــ أشياء منقبل الذكريات المُفترضة للحياة السابقة ــ يمكنها أن تُفسر بصورة أفضل بوسائل أخري.

“يمكن أن تكون هناك تفسيرات نفسية ــ فالناس يبدو أنهم يتذكرون تفاصيل معينة، لكنها تخمينات محفوظة أو غامضة، أو يمكن أن تكون هناك تفسيرات شيطانية لبعض أوجه هذا النشاط حقا، عندما تفحص البحث بحرص، ستجد أنه يفشل في تدعيم تناسخ الأرواح.(15)

“وأخيراً لستُ أؤمن بتناسخ الأرواح لن هناك خبير في هذا السؤال، وهو يسوع الناصري. وهو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي مات وقام من الأموات وتكلم بسلطان حول هذه القضية. يقول المسيح إن تناسخ الأرواح زائف، وإن هناك موتاً واحداً وبعد ذلك الدينونة. وقد قام رسله ــالذين علمهم بوضوح ــ بتكرار تعاليمه حول ذلك.”

بدلاً من ذلك، علّم يسوع عن واقعية الجحيم. ففي الواقع، ناقش هذا الموضوع اكثر من أي إنسان أخر في الكتاب المقدس. فأشرتُ قائلاً:” من السخرية أن ملحدّين كثيرين يقبلون يسوع كمعلم عظيم، ومع ذلك فهو الواحد الذي كان لديه الأكثر ليقوله عن الجحيم.”

فقال مورلاند:” نعم، وتذكر هذا : البرهان هو أن يسوع وتابعيه كانوا فاضلين. فلو أردت أن تعرف كيف تري الفقراء، فاسأل إنساناً كالأم تريزا. ولاتسأل هيو هيفنر، لأن إنساناً كالأم تريزا لديها من الصفات مايفوق هيفنر. وإن أردتّ أن تعرف ما إذا كان الجحيم عادلاً بشكل أساسي، فأسأل يسوع. وهاك الدليل : إنه لم ير ياية مشكلة مع التعليم .

” أعتقد أننا في وضع محفوف بالمخاطر عندما نقارن مشاعرنا وإدراكاتنا الأخرقية بمشاعر وإدراكات يسوع. فبهذا نقول إن لدينابصيرة أعظم منه للنفاذ غلي ما هو عادل وماهو غير عادل. وأعتقد أن ذلك ليس ما يجب أن نعلنه.

الحق عن الجحيم

استندتُ للخلف علي الأريكة وفكرتُ للحظات. لقد أجاب مورلاند ببراعة علي أقسي الاعتراضات المتعلقة بموضوع الجحيم. وكأن عليّ إلاعتراف أنني عندما  جمعت كل إجاباته معا، بدأ أنها تقدم عرضاً معقولاً حول هذا التعليم .

ومع ذلك، فهذا لم يزيل عدم ارتياحي. وقد كنتُ في صحبة جيدة.  قال سي إس لويس ذات مرة إن عقيدة الجحيم ” أحد الأسباب الرئيسية التي تُهاجم بها المسيحية كديانة بربرية، ويُطعن بسببها في صلاح الله.”(16)

بالنسبة لمورلاند، تحدث كفيلسوف وكلاهوتي، لكني كنتُ فضوليا بخصوص رد فعله الشخصي تجاه الموضوع فسألته:” ماذا عنك يا مورلاند؟ لقد نسجت حججا مقنعة في صالح التعليم  ــ ولكن كُن أميناً ــ ألا تأتيك أوقات تشعر فيها بعدم الأرتياح الشديد لوجود الجحيم؟”

فخلع مورلاند نظارته ذات الإطار الفضي، وفرك عينيه قبل الكلام. وقال:” إطلاقا. لا جدال. ولكن، من جديد، أن أشعر بعدم الارتياح حول شئ ليس معناه أن تكون لي دينونة عقلانية معتبرة وتكون خاطئة. أؤمن أن الجحيم يمكن تبريره أخلاقياً، لكني لا أشعرُ بالارتياح تجاهه لأنه أمر محزن.”

توقف وواصل:” لتتذكر أن الله لا يشعر بالارتياح تجاهه أيضاً. فالله لا يحبه. لذلك ماهي الاستجابة المناسبة للشعور بعدم الارتياح؟ لا أن أحاول خلق رؤية من الحياة الأخري تمنعني من الشعور بعدم الارتياح. فهذه طريقة مرعبة للاقتراب ‘لي الحق. لكن الشئ المناسب عمله هو الاعتراف بان الجحيم حقيقي، والسماح لمشاعر عدم ارتياحنا أن تُحفزنا علي العمل.

“بالنسبة لمن لا يعرفون المسيح، يجب أن يحفزهم لمضاعفة جهودهم لطلبه والعثور عليه. وبالنسبة لنا نحن الذين نعرفه، يجب أن تجعلنا نضاعف جهودنا لنشر رسالة رحمته ونعمته لمن يحتاجونها.

ونحن بحاجة للحفاظ علي المنظور الصحيح من خلال هذا كله . تذكر ان الجحيم سيكون إلي الأبد أثراً للكرامة الإنسانية، وقيمة الاختيار الإنساني، إنه عزلة حين يقول الله شيئين مهمين:”أنا أحترم حرية الاختيار لدرجة إنني لن أجبر البشر، وأقيم حاملي صورتي لدرجة أنني لن أبيدهم.”

” هلي مكنك أن تري كيف أن عقيدة الجحيم يمكن أن تكون حجر عثرة بالنسبة للباحثين الروحيين؟”

“نعم، وأود أن أقول شيئاً حول ذلك. كلما تحاول أن تبدأ صداقة مع أي إنسان، لن تفهم كل شئ عنه، وليس بالضرورة تتوافق او تشعر بارتياح بخصوص كلُ رؤاه. ولكن عليك أن تتساءل سؤالاً جوهيريا:” هل تثق بذلك الإنسان لدرجة أن تريد الدخول في صداقة معه؟

” نفس الأمر ينطبق مع يسوع. فكل موضوع فردي بن يجد طريقه للحل قبل أن ندخل في علاقة معه. لكن السؤال الجوهري هو هل يمكنك الوثوق به؟

“سأشجع أي باحث روحي علي قراءة إنجيل يوحنا ثم يتساءل: ” هل أومن بيسوع؟” أعتقد أن الإجابة هي نعم. وأنا أؤمن أنه بينما ننمي علاقتنا معه بمرور الوقت، سنصل إلي الثقة به في تلك الأوقات التي نفتقد فيها الفهم الكامل.”

ما الذي سيفعله الله؟

جعلتُ كلمات مورلاند تتأصل للحظات قبل الوقوف وتقديم الشكر له علي وقته ومعرفته،قلتُ :” لقد كان موضوعاً صعبا أقدر استعدادك للتحدث عنه.”

فاؤما مبتسماً وقال :” عفواً، أتمني أن يكون مفيداً.”

قادني للخارج. حيث تصافحنا الأيدي،وقفزتُ في السيارة للعودة إلي المطار. ازدحام المرور لم يزعجني، فقد كان أمامي المتسع من الوقت قبل انطلاق رحلتي. في الحقيقة أثرتُ القيادة المتمهلة لأنها أتاحت لي فرصة للتأمل في اللقاء.

هل كان الجحيم الاختيار الوحيد المتاح لله؟هو هو عادل وأخلاقي؟ هل التعليم متناغما منطقيا؟بوضوح، أتقد يسوع ذلك . وأنا أمنتُ أن تحليل مورلاند كان كافيا بشكل شامل للتغلب علي موضوع الجحيم كعقبة.

لم يكن هذا معناه أنني كنتُ مرتاحاً تماما ً بكل قارق دقيق من النقاط التي قدمها. لكن كان معناه أن تفسيراته ــ عندما تتجمع معا ــ طانت أقوي بشكل كاف لا يدعوني السماح لهذا الموضوع أن ينحرف برحلتي الروحية.

بينما كنتُ مُحاصراً وسط ازدحام مرور لوس انجلوس الذي لا مفر منه، مددتُ يدي لحقبيتي، وفتشتُ عن مواد البحث التي جمعنعا لإعداد حديثي مع مورلاند. واخيراً، تمكنتُ من سحب شريط لقاء سابق عن الجحيم كنتُ قد أجريته مع اللاهوتي الامع كارسون Carson D.A   وضعتُ الشريط في جهازالتسديل وقدمته لسماع بعض الملحوظات التي بدا أنها خاتمة مناسبة للظهيرة.

الجحيم ليس مكاناً يُودع فيه الناس لانهم كانوا رجالاً صالحين، بل أنهم ببساطة لم يؤمنوا بالشئ الصحيح. إنهم يُودوا هناك أولاً وأخيراً لأنهم يتحدون خالقهم، ويريدون أن يكونوا في مركزالكون. الجحيم ليس مليئاً بالناس الذين تابوا فعلاً، والله ليس وديعا بشكل كاف أو صالح بشكل كاف كي يدعوهم خارجاً، إنه ملئ بالناس الذين مازالوا يريدون علي الدوام أن يكونوا مركز الكون ويصممون في تمردهم الذي يتحدي الله.

ماذا سيفعل الله؟ لوقال إن هذا الأمر لا يهمه، فلا يعد الله إلهاً يُعجب به. فإما أن يكون لا أخلاقي أو أنه مرواغ بشكل إيجابي. فبالنسبة له، ان يتصرف بأي أسلوب أخر في وجه مثل هذا التحدي السافر هو التقليل من شأن الله نفسه.(17)

مشاورات

اسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  • ماذا كان مفهومك عن الجحيم قبل قراءة هذا الفصل؟ كيف دعم او صدّ تحليل مورلاند هذه المعتقداتظ
  • قال مارك توين “Heaven for the climate, hell for the companionship> في ضوء وصف مورلاند فيكف تستجيب لمن يُقدم هذه الملحوظة؟
  • هل كانت عقيدة الجحيم عقبة بالنسبة لك كباحث روحي أو كمؤمن بالمسيحية؟ بأية أسليب محددة تعامل مورلاند بالهموم التي جعلتك تتراجع في رحلتك الروحية؟

لمزيد من الأدلة

مصادر أخري حول هذا الموضوع

*Gray R. Habermas and J. P.Moreland .Beyond Death: Exploring the Evidence for immortality. Wheaton, 111: Crossway, 1998.

* Micheal J. MURRAY. “HEAVEN AND Hell” in reason for the hope within. Ed. By micleal.j.murray, 287-317. Grand rapids, mich : Eerdmans , 1999.

* William v. crockett, editor. Four views on hell. Grand rapids, mich : zondervan. 1996
إله محب لن يعذب الناس أبدًا في الجحيم – لي ستروبل

قتل الأطفال الأبرياء في العهد القديم – لي ستروبل

قتل الأطفال الأبرياء في العهد القديم – لي ستروبل

قتل الأطفال الأبرياء في العهد القديم – لي ستروبل

 

قتل الأطفال الأبرياء في العهد القديم – لي ستروبل

يقول لنا الكتاب المقدس أن نكون مثل الله، ثم يصف لنا صفحةً بعد الأخرى الله كقاتلٍ شامل.

روبرت ويلسون(1)

أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ فَإِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، طَوِيلُ الرُّوحِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَالْحَقِّ.

الملك داود(2)

بينما كنت أسيرُ بين المحققين وأمرُّ بالحراس المنتظمين، استطعتُ أن أشعر باتجاهٍ خفي من التوجس في البيت الأبيض. فرغم جهود إظهار ملامح عمل الحياة اليومية، إلا إنه كان من الواضح أن شيئاً كبيراً يدور خلف الستار. كانت فضيحة مونيكا لوينسكي تتصاعد، وكان الضغط يتزايد على الرئيس كلينتون للظهور بريئاً قبل أن يُصدر المدعي الخاص كينيث ستار تقريره الذي طال انتظاره.

وصل كلينتون متأخراً عن الإفطار بنصف الساعة، وجلس أمامي تماماً. كان وجهه شاحباً، وعيناه متعبتان منتفختان. وفيما كنتُ مهتماً بصحته سألته عما كان يشعر.

فأجابني في همسٍ أجش: لقد كنتُ مستيقظاً حتى الثالثة صباحاً.

تزاحم الطاقم الصحفي في ضوضاء لشغل أماكنهم عند مؤخرة الغرفة، وإذ بالكاميرات تئز بالأفلام والمذكرات قد تجهزت. وقف كلينتون، وخطا خطوات قليلة نحو منضدة. ساد الغرفة سكون. لقد انتهت عفويته المعتادة.

قال للجمع الصغير من القادة الدينيين: ربما لا أكونُ سلساً في كلماتي اليوم كما كنتُ في سنواتي الماضية. لقد بقيتُ لوقتٍ متأخر تماماً الليلة الماضية وأنا افكر وأصلي عما يجب أن أقوله اليوم.

سحبَ نظارته حتى يمكنه قراءة ما كتبه على ورقة. وكانت كلماته هي أكثر تصريحاته عاطفية ودرامية منذ كشفت وسائل الإعلام عن علاقته.

قال وعيناه دامعتان ووجهه متألم: لا أعتقد أن هناك طريقة ساحرة لقول إنني قد أخطأت. من المهم لي ان كل من جُرح يعرف أن الأسى الذي أشعر به هو أسى حقيقي – أولاً والأهم أسرتي، وأصدقائي، وطاقم عملي، ومجلس وزرائي، ومونيكا لوينسكي وأسرتها، والشعب الأمريكي كله. لقد طلبتُ من الجميع الغفران. لقد تبتُ … فلا بدَّ أن تكون لديَّ معونة الله كي أكون ذاك الإنسان الذي أريده أن يكون.

ها هو أقوى إنسان في العالم يقول إنه كان يملك قلباً منسحقاً إزاء تصرفه الاأخلاقي الجسيم مع المتدربة السابقة مونيكا لوينسكي. لقد تلاشت تدريجياً كل مبادراته الاقتصادية، وكل جهود سياسته الدولية وبرامجه الاجتماعية. وكان اتخاذ المرحلة الوسطى هو الشرارة والموضوع الذي يدين الشخصية.

من المتوقع أن يُشكٍل السياسيون صورة عامة إيجابية، ويلمعونها حتى يظهر لمعاناً متألقاً من خلال الإصدارات الصحفية المأجورة، والدعاية الزائفة البارعة، لكن شخصيتهم الحقيقية غالباً ما تنكشف من خلال اختياراتهم الشخصية البعيدة عن الأضواء. إن قرارات إنسان الأخلاقية فيما وراء الستار – ومصداقيته الزوجية وأمانته الرئيسية في علاقته – لهي بالتأكيد ذات علاقة بكيف سيدير عمل الشعب. واخيراً تكشف عن جوهر الإنسان الحقيقي.

عندما كنتُ ملحداً، اعتقدتُ أن المسيحيين بإمكانهم تعليم السياسيين بعض خطط خلق صورة عامة إيجابية. فالمسيحيون يركزون بقوة على ملامح بديعة معينة من شخصية الله – محبته، ونعمته، وغفرانه، وعطفه، ورحمته – لكنهم يُقللون من شأن أو يتجاهلون الفقرات الكتابية التي يبدو أنها تكشف ملامح أكثر إزعاجاً من شخصيته.

عندما يتركز الاهتمام على القصص نادرة الذكر حول مذابح ومجازر العهد القديم، يُرى الله فجأة في شكل مختلف. ومثل كلينتون – الذي سقطت شخصيته العامة البارعة بحرص حالما أُعلنت قصص موثقة حول عبثه خارج الزواج فإن صورة الله كإلهٍ محب متعاطف تناقش بقصص السلوك الانتقامي والقاسي على ما يبدو. هل هذه التقارير الوحشية تكشف شخصية الله الحقيقية؟ ولو كانت كذلك، فهل الله يستحق العبادة؟

تشارلز تمبلتون له رأيه الخاص: إن إله العهد القديم يختلف تماماً عن الإله الذي يؤمن به معظم المسيحيين الممارسين. فعدالته – طبقاً للمقاييس الحديثة – لا تتُطاق … فهو متحيز، وكثير الشكوى، ومنتقم، وغيور على مختاريه.(3)

ويوافقه الرأي الملحد جورج سميث قائلاً: لقد جمع إله العهد القديم قائمةً مؤثرة من الأفعال الوحشية. فلقد كان يهوه نفسه مُغرماً بإفناء أعداد كبيرة من البشر تماماً، عادةً من خلال الوبأ أو المجاعة، وغالباً بسبب أخطاء غير عادية.(4) ويحب سميث أن يقتبس كلمات الرئيس الأسبق توماس جيفرسون وهو يقول إن سجلات العهد القديم تكشف الله قاسياً، منتقماً، متقلباً، وظالماً.(5)

هذا الموضوع مُحير تماماً، ولكن بالإضافة إلى ذلك، هناك أمرٌ إضافي يتطلب استكشافه. ففي تقييم شخصية الله، يستشهد كلٌ من النقاد والمسيحيين بالكتاب المقدس كمصدر معلوماتهم. ولكن هل هو حقاً كتاباً جديراً بالثقة؟ أليس الكتاب المقدس مليئاً بالتناقضات وعدم الإتفاقات التي تُقوِّض مصداقته؟ ألم يناقش علم الآثار الحديث إشاراته التاريخية؟ أليس هو أكثر من مجرد مجموعة من الأساطير الخيالية عن كونه وصفاً دقيقاً لخالق الكون؟

هذان الموضوعان – شخصية الله ومصداقية الكتاب الذي يُوهمنا أنه يكلمنا عنه – كانا عقبتان رئيسيتان حينما كنتُ باحثاً روحياً. ففي ذلك الوقت، أغرقتُ نفسي في الكتب والمقالات لمحاولة الوصول لبعض الاستنتاجات المعقولة. وأتمنى أن أكون قد قمتُ حينها بما سأفعله الآن: أن أجلس لمحاورة دارس يُعدُّ من أشهر المدافعين عن المسيحية ومن أكثرهم تأثيراً في أنحاء العالم.

اللقاء الرابع: نورمان جيسلر، – دكتوراه في الفلسفة

نورمان جيسلر يمكنه أن يكون مُناظراً عنيداً متماسكاً عندما ينظم الشواهد الكتابية، والاستنتاجات الأثرية، والاستكشافات العلمية، والأحداث التاريخية لدحض من يميل للتشكيك في المسيحية. فذاكرته الموسوعية وأداؤه سريع القلق قد أسر في الكثير من النقاد عبر السنين.

بيد ان جيسلر كان الحديث والمتصرف كالجد هو الذي دعاني لمكتبه المتواضع المريح في المعهد الإنجيلي الجنوبي في شارلوت، كارولينا الشمالية، حيث يشغل منصب رئيس المعهد. بينما كان يرتدي سويتر متعدد الألوان فوق قميص أزرق بالأزرار، كان يتمتع بابتسامة سلسة وروح دعابة صريحة.

وسرعان ما وجدته يركز بحدة شديدة في التحديات التي جئتُ بها عبر البلاد لمناقشتها معه. قام جيسلر – وهو مؤلف مذهل حاصل على جوائز – بكتابة والمشاركة في كتابة، وتحرير أكثر من 25 كتاباً منها مقدمة عامة للكتاب المقدس General Introduction to the bible، العصمة Inerrancy، مقدمة للفلسفة Introduction to Philosofy، فلسفة الدين Philosofy ot Religion، عندما يسأل المتشككون When SkepticsAsk، عندما يسأل النقاد When Critics Ask،عندما يسأل الطائفيين.When Cultist Ask وأحد أحدث إصداراته موسوعة بيكر لعلم الدفاعيات المسيحي Baker Encylopedia of Christian Apologetics – وهي الموسوعة الطموحة المكونة من 841 صفحة، وتناقش بانتظام موضوعات تتدرج من الحق المطلق إلى البوذية الزينية Zen .Buddhism

تعلم جيسلر في كلية ويتون؛ وجامعة ديترويت Detroit؛ وجامعة وين ستيت ؛ Wayne State وكلية ويليام تيندال William Tyndale؛ وجامعة نورث ويسترن، وحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة لويولا Loyola في شيكاغو. كان يشغل منصب الرئيس السابق لفلسفة الدين في مدرسة ترينتي اللاهوتية الانجيلية في ديرفيلد، إلينوي، وأستاذ اللاهوت النظامي في معهد دالاس اللاهوتي. وتشمل عضوياته للجمعية الفلسفية الأمريكية، والجمعية العلمية الأمريكية، والأكاديمية الأمريكية للدين.

كانت رحلات جيسلر على نطاق واسع – عبر الولايات الخمسين كلها، و55 دولة في ست قارات – يُحاضر مُقدِّماً البراهين المؤيدة للمسيحية، ويُناظر متشككين مشهورين من أمثال الإنساني بول كيرتز. وهكذا عرفتُ أن هناك فرصة ضئيلة لمحاورته. ومع ذلك فقد جئتُ مُسلحاً ببعض أصعب الموضوعات على الإطلاق. فيما جلسنا مواجهةً على كراسي جلدية حمراء داكنة، سحبتُ ورقة سجلتُ فيها الكلمات الساخرة لوطني أمريكي مشهور يعد نقده للمسيحية أسطوري.

بدأتُ قائلاً: في العام 1794 كتب توماس باين في عصر العقلانية The Age of Reason: بينما نقرأ القصص الفاحشة والرجاسات الشهوانية، وأحكام الإعدام الوحشية التعذيبية والإنتقامات الرهيبة التي يمتلئ بها أكثر من نصف الكتاب المقدس، يكون من التناغم أن ندعوه عمل شيطان أكثر من أن يكون كلمة الله.(6) تطلَّعتُ إلى جيسلر كي أرى ما إذا كان قد ارتعب بلدغة كلمات باين، وقلتُ: هذا تحد ساخر، كيف تجيبه لو كان جالساً هنا اليوم؟

ضبط جيسلر نظارته الذهبية الإطار، ثم أشار ضاحكاً: أولاً يؤسفني أن أقول إنه لم يكن لديه كتاب مقدس. فعندما كتب توماس الجزء الأول من عصر العقل، لم يكن لديه كتاب مقدس. ولكن بغض النظر عن ذلك، أعتقد أنه يُثير أمرين: ما يسجله الكتاب المقدس، وما يوافق عليه الكتاب المقدس. فقلتُ له: أعطني بعض الأمثلة للاختلاف.

فشرح: مثلاً، يُسجل الكتاب المقدس أكاذيب الشيطان، وخطية داود، لكنه لا يوافق عليهما. حقيقي أن هناك الكثير من القصص الرخيصة في الكتاب المقدس. فسفر القضاة يقرر اغتصاب امرأة ثم قطعها إلى 12 قطعة وإرسال كل قطعة إلى كل سبط من أسباط اسرائيل.(7) لكن الكتاب المقدس لا يوافق بالطبع على ذلك. ثانياً، أعتقد أن باين مخطئاً حقاً. فالكتاب المقدس لا يسجل أية أحكام إعدام تعذيبية أو وحشية أمر بها الله.

فرفعتُ يدي للاعتراض مشيراً: لقد دُعي داود رجلاً حسب قلب الله، ومع ذلك يقول الكتاب المقدس إنه عذَّب أعداءه. ويقول إنه وَأَخْرَجَ الشَّعْبَ الَّذِي فِيهَا وَوَضَعَهُمْ تَحْتَ مَنَاشِيرَ وَنَوَارِجِ حَدِيدٍ وَفُؤُوسِ حَدِيدٍ وَأَمَرَّهُمْ فِي أَتُونِ الآجُرِّ، وَهكَذَا صَنَعَ بِجَمِيعِ مُدُنِ بَنِي عَمُّونَ.(8). وهذا يبدو وحشياً وتعذيبياً بالنسبة لي!

فحذر جيسلر قائلاً: ليس بهذه السرعة، فأنت تقتبس من ترجمة KJV، وهي مُعرَّضة لسوء التفسير في هذه الفقرة. فترجمة NIV توّضح اللغة العبرية الأصلية وتقول إن داود أخرج الشعب الذي فيها وعين لهم العمل بمناشير ونوارج حديد فؤوس حديد، ودعاهم لصناعة الطوب. وهذا عمل – وليس تعذيب – وهو أمرُ إنساني تماماً مقارنةً بالمجازر التي ارتكبها أعداؤه. وبالإضافة إلى ذلك، هناك حالة أخرى يسجل فيها الكتاب المقدس شيئاً وليس بالضرورة يصفح عنها.

قلتُ لنفسي حسناً. وفيما استجمعتُ أفكاري بسرعة، واصلتُ قائلاً: بوضع هذه الفقرة جانباً، لا تزال هنا الكثير من المذابح في العهد القديم. أليس هناك اختلافاً كبيراً بين إله العهد القديم القاسي وإله العهد الجديد المحب؟

فابتسم جيسلر مجيباً: من المثير أن تسأل هذا، لأنني قمتُ للتو بعمل دراسة عن كل مرة يستخدم فيها الكتاب المقدس تلك الكلمة التي تترجمها ترجمة KJV إلى كلمة رحمة. وقد وجدتها تتواتر 261 مرة في الكتاب المقدس – 72% منها موجدودٌ في العهد القديم. وهذه نسبة 3 إلى 1. ثم درستُ كلمة محبة، ووجدتها تتواتر 322 مرة في الكتاب المقدس مناصفةً تقريباً بين العهدين. ولذلك يكون لديك نفس التأكيد على المحبة في العهدين.

وأضاف: من المثير للسخرية، يمكنك برهنة أن الله دياناً بالأكثر في العهد القديم القليل جداً عن العذاب الأبدي، أما العهد الجديد فيتكلم عنه بالكثير. أليس هناك تطوراً في شخصية الله إذا؟ هذا صحيح. ففي الحقيقة يقول الكتاب المقدس: أنا الرب لا أتغير(9) في كلا العهدين يكون لديك الله المتطابق غير المتغير – الله كُلِّي القداسة لدرجة أنه لا يمكنه النظر إلى الخطية، ومع ذلك فهو الله الذي يريد قلبه المحب الرحيم الرؤوف العطوف أن يسكب الغفران على كل من يتوبون.

فكرتُ في نفسي قائلاً: عطوف؟ رحوم؟ لقد آن أوان التطرّق لموضوع الشخصية.

أوامر الله بالقتل

تمعنتُ في عيني جيسلر. وقد كشف صوتي عن السخرية فيما أطرح أقسى اعتراض لشخصية الله. قلتُ: أنت تتكلم عن العطف والرحمة، لكن هاتان الصفتان يصعب فهمهما عندما نرى الله يأمر بالإبادة الجماعية بإخبار الاسرائيليين في تثنية7 أن يحرم تماماً الكنعانيين مع ست أمم أخرى و لا يُشفق عليهم.

وقد جعلني هذا أبدأ من جديد، فواصلتُ كلامي مُستطرداً بسرعة: لم يكن هذا حادثاً منفرداً، فقد أمر الله بإعدام كل بكر مصري، وجاء بالطوفان على العالم وقتل آلاف لا تُحصى من البشر، وقال للاسرائيليين: فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً، طِفْلاً وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلاً وَحِمَارًا.»(10) وهذا يبدو إلهاً وحشياً عنيفاً أكثر من كونه إلهاً محباً. كيف يُتوقع من الناس أن يعبدوه طالما أنه يأمر بقتل الأطفال الأبرياء؟

رغم قوة السؤال احتفظ جيسلر بنغمة هادئة عقلانية وقال: هذا يوَّضح أن شخصية الله كلية القداسة، وأنه كان عليه عقاب الخطية والتمرد. إنه قاض بار، وهذا جزء لا يمكن إنكاره من شخصيته. ولكن شخصيته رحيمة أيضاً. اسمع، لو أراد أي إنسان النجاة، فسوف يُسمح له.

توقف جيسلر، فقد كانت اسئلتي تتطلَّب بوضوح تفسيراً موسعاً أكثر من هذا، وقال: لي Lee، لقد اثرت مجموعة متكاملة من الموضوعات الجيدة، وهي تستحق إجابة عميقة. هل تمانع في التمعن في هذه الفقرات بحرص أكثر؟ لأننا لو فعلنا ذلك، فأعتقد أننا سنفهم الموضوعات بقدرٍ أكبر.

تمعنتُ فيه ليستطرد قائلاً: أرجو أن تتمعن فيها. فأنا أريد أن أفهم حقاً.

فبدأ قائلاً: لنبدأ بعماليق. اسمع يا لي Lee، لقد كانوا أبعد من أن يكونوا أبرياء. أبعد من ذلك. لم يكن شعباً رقيقاً. في الواقع كانوا فاسدين تماماً بشكلٍ مطلق.

كانت مهمتهم ان يدمروا اسرائيل. وباسلوب آخر، أن يرتكبوا إبادة جماعية. وكما لو كان ذلك ليس شريراً بما فيه الكفاية، ففكرْ فيما كان يكمن خلف الستار. كان الاسرائيليون شعب الله المختار الذي سيأتي منه الله بالخلاص للعالم كله عبر يسوع المسيح. فتساءلتُ: هل تقول إنهم كانوا يستحقون أن يُدّمروا؟

فقال جيسلر: لقد كان تدمير أمتهم مستلزماً بثقل خطيتهم. فلو كانت قد بقيت بقية، لكانت قد تمكنتْ من مواصلة عدوانها ضد الاسرائيليين وضد خطة الله. لقد كان شعب متحارب قاسي متشبث ولكي أوضح لك كم كان يستحق الرفض، كان يتبع الاسرائيليين، ويذبح في جبنٍ الأقل مناعة بينهم – الضعفاء، وكبار السن، والمعاقين الذين كانوا يتأخرون في الوراء.

لقد أراد عماليق أن يمسح كل إنسان أخير من الاسرائيليين من على وجه الأرض. كان الله يمكنه أن يتعامل معهم بكارثةٍ طبيعية كالطوفان، لكنه بدلاً من ذلك استخدم اسرائيل كأداته للحكم. ولم يفعل ذلك من أجل اسرائيل لوحدها، بل أخيراً من أجل كل إنسان عبر التاريخ سيُمنح خلاصه من خلال المسيا الذي كان سيولد من بينهم. فاعترضتُ قائلاً: ولكن الأطفال؛ لماذا كان قتل الأطفال الأبرياء؟

فقال: لنتذكر أنه لا يوجد إنسان برئ بشكلٍ خاص. فالكتاب المقدس يقول في مزمور 51 إننا جميعاً مولودين بالخطية، وهذا معناه إننا جميعاً مولودين بالنزعة للتمرد وارتكاب الخطأ. وأيضاً نحن بحاجة أن نتذكر سلطان الله على الحياة. فذات مرة أثار ملحدٌ هذا الموضوع في مناظرة، وأجبتُ عليه قائلاً: لقد خلق الله الحياة، وله الحق أن يردها. ولكن إن لم يمكنك خلقها، فلا يكون لك هذا الحق. فصفق الجمهور إثر ذلك.

يفترض الناس أن ما هو خطأ لنا، خطأ بالنسبة لله. ومع ذلك من الخطأ بالنسبة لي أن آخذ حياتك، لأنني لم أصنعها ولا أملكها. مثلاً من الخطأ بالنسبة لي أن اقتحم أرضك وأقتلع نباتاتك، وأقطعها، وأميتها، وأزرعها في مكان آخر، وأنقلها. يمكنني أن أفعل ذلك في أرضي، لأني أمتلك النباتات الموجودة في أرضي.

حسناً، الله له السلطان على كل الحياة، وله حق ردها لو أراد. في الواقع، نحن نميلُ أن ننسى أن الله يأخذ حياة كل إنسان. وهذا اسمه الموت. والسؤال الوحيد الذي علينا أن نتركه له هو متى وكيف؟ معرفياً، استطعتُ أن أفهم إجابة جيسلر حتى هذه النقطة. ومع ذلك لم أقتنع بها تماماً شعورياً. كنتُ لا أزال غير مستقرّ. فصممتُ قائلاً: ولكن الأطفال. أما جيسلر – الذي كان بنفسه أب لستة أطفال، وجَدْ لأحفاد – فكان متعاطفاً وأشار قائلاً: اجتماعياً وجسدياً، كان مصير الأطفال عبر التاريخ على الدوام مع آبائهم، سواء للخير أو للشر.

ولكن، يا لي Lee، أنت بحاجة لفهم الموقف مع عماليق. ففي ذاك الشر المستشري، وتلك الثقافة الفاسدة العنيفة، لم يكن هناك رجاء لهؤلاء الأطفال الأبرياء. فهذه الأمة كانت ملوثة تماماً لدرجة أنها كانت بمثابة الغنغرينا التي تُداهم ساق الإنسان، وكان على الله أن يبتر الساق أو الغنغرينا حتى لا يتبقى منها شئ. بمعنى ما كان عمل الله هذا عمل رحمة. فتساءلتُ: رحمة؟ كيف؟

فأجابني: طبقاً للكتاب المقدس، كل طفل يموت قبل سن الحساب يذهب للسماء لقضاءالأبدية في حضور الله. والآن لو كانوا قد استمروا في الحياة في ذاك المجتمع المرعب، واجتازوا سن الحساب، فبلا شك أنهم كانوا سيعتبرون فاسدين ومن ثم يضيعوا إلى الأبد. فتساءلتُ: وماذا يجعلك تعتقد أن الأطفال يذهبون إلى السماء عندما يموتون؟

إشعياء 16:7 يتحدث عن سن معين قبل أن يصبح الطفل مسؤولاً أخلاقياً: لأَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الصَّبِيُّ أَنْ يَرْفُضَ الشَّرَّ وَيَخْتَارَ الْخَيْرَ تُخْلَى الأَرْضُ الَّتِي أَنْتَ خَاشٍ مِنْ مَلِكَيْهَا. وتحدث الملك داود عن الذهاب ليكون مع ابنه الذي مات عند ولادته. وقال يسوع: «دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ، لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللهِ. »(11) هذا يشير إلى أنهم سيذهبون للسماء. وهناك قدرٌ معقول من البراهين الكتابية الأخرى التي تؤيد ذلك أيضاً.

قفزتُ على إثر اختلاف ظاهر. وتساءلتُ: لو كان من الأفضل أخيراً بالنسبة لهؤلاء الأطفال أن يموتوا قبل سن الحساب لأنهم سيذهبون للسماء؛ فلماذا لا ينطبق نفس الأمر على الأطفال الذين يتم إجهاضهم اليوم؟ فبما أنهم مُجهضين، فسوف يذهبون حتماً للسماء، أما إن ولدوا ونموا، فربما سيتمردون على الله وينهون حياتهم في الجحيم. أليست هذه حجة قوية في صالح الإجهاض؟

فجاءتني إجابة جيسلر بسرعة، إذ قال مصمماً: لا، فهذا تماثلٌ زائف. أولاً، الله لا يأمر أي إنسان اليوم أن يقوم بإجهاض. فالإجهاض في الحقيقة مناقض لتعاليم الكتاب المقدس. تذكر أن الله هو الوحيد الذي يمكنه أن يقرر أن يأخذ الحياة، لأنه الخالق النهائي للحياة. ثانياً، اليوم ليست لدينا ثقافة فاسدة تماماً كما كانت في مجتمع عماليق. ففي تلك الثقافة لم يكن هناك رجاء، أما اليوم فهناك رجاء.

فقلتُ: لذلك لا تعتقد أن الله قد كان مبالغاً حين أمر بدمار عماليق؟ فقال: عليك أن تتذكر هؤلاء الناس قد مُنحوا الكثير من الفرص لتغيير طرقهم وتجنب كل ذلك. ففي الحقيقة، لو أخذت كل الكنعانيين معاً مع عماليق، لكانت أمامهم 400 سنة للتوبة. وهذه فترة طويلة جداً. وأخيراً، بعد انتظار قرون لمنحهم فرصة لترك طريقهم المؤدي لتدمير النفس، تطلّبتْ طبيعة الله أن يتعامل مع شرهم العنيد، لكنه بالطبع لم يتصرف معهم باندفاع.

والآن علينا أن نذكر ان هؤلاء الذين أرادوا التخلص من هذا الموقف قد فعلوا ذلك بالفعل، فلقد كانت أمامهم فرصة مواتية عبر السنين. وبالطبع فإن الذين أرادوا أن يتحرروا من الدمار قد هربوا ونجوا بحياتهم.

في يشوع 6، حيث يتحدث الكتاب المقدس عن خراب أريحا والكنعانيين، يكون لديك نفس النموذج. كانت هذه ثقافة في منتهى الشر لدرجة أن الكتاب المقدس يقول إنها أزعجت الله. لقد انخرطوا في الوحشية، والقسوة، وزنا المحارم، والعلاقات الجنسية مع الحيوانات، ودعارة المعابد، وحتى تقديم ذبائح الأطفال. كانوا يمثلون ثقافة عدوانية أرادت إبادة الاسرائيليين.

مرةً أخرى يواجهك أناسٌ أشرار يتعرضون للدمار، لكن الأتقياء من وسطهم يخلصون. فمثلاً راحاب التي خبأتْ الجاسوسين الاسرائيليين لم تُدن مع الآخرين. وأنظر لما حدث لسكان مدينة نينوى الفاسدين. كان الله سيدينهم لأنهم كانوا يستحقون ذلك، لكنهم تابوا فخلَّص الله الشعب كله. ومن هنا تكون النتيجة: من آمن كان الله مستعداً لخلاصه. وهذا مهم لتذكره.

لقد كان قصد الله في تلك الحالات أن يدمر الأمة الفاسدة لأن التركيب العام كان شريراً أصلاً، وليس أن يدمر الناس لو كانوا مستعدين للتوبة. هناك آيات كثيرة تشير إلى أن رغبة الله الأساسية كانت طرد هؤلاء الأشرار من الأرض التي عرفوا بالفعل انها كانت موعودة منذ زمان طويل لإسرائيل. وبذلك استطاع اسرائيل أن يدخل ويتحرر نسبياً من الفساد الخارجي الذي كان من الممكن أن يدمره كالسرطان. أراد أن يخلق بيئة يأتي منها المسيا لمصلحة الملايين من البشر عبر التاريخ.

فتساءلتُ: إذا النموذج هو أن الناس كانت امامهم الكثير من التحذيرات؟ فقال: بالطبع، واعتبر هذا: معظم النساء والأطفال هربوا مقدماً قبل بدء القتال الفعلي، تاركين وراءهم المحاربين لمواجهة الاسرائيليين. وقد كان المحاربون الذين بقوا هم الأكثر قسوة، أولئك الذين رفضوا بعناد أن يرحلوا، وناقلي الثقافة الفاسدة. ولذلك فمن المشكوك فيه حقاً كم عدد النساء والأطفال الذين ربما يكونوا قد تورطوا على أي حال.

وبالإضافة إلى ذلك، وفقاً لقواعد السلوك التي أعطاها الله للاسرائيليين، كانوا كلما دخلوا مدينة عدو، كان عليهم أولاً أن يعرضوا على الشعب عرضاً بالسلام. وكان على الشعب الاختيار: إما قبول العرض، ومن ثم لا يقتلوا، أو رفض العرض ومن ثم يلقون حتفهم. وهذا مناسب وعادل. كان عليّ الاعتراف أن هذه الأفكار قد ألقت ضوءاً جديداً على الموقف، ولا سيما تعليقاته حول التحذير التفصيلي الذي قُدم، وأرجحة أن النساء والأطفال كانوا من المحتمل انهم يخلون المنطقة قبل بدء أي قتال. وكما ان هذه الفقرات مزعجة، فقد ساعدتني أن أعرف أن اسرائيل كانت تعرض السلام قبل التورط في قتال، وأن النموذج الكتابي هو ان التائبين يُمنحون الفرص لتجنب الدينونة. إذاً الله لم يكن متقلباً؟

الله ليس متقلباً، أو استبدادياً، أو قاسياً. ولكن، يا لي Lee، عليّ أن أقول لك شيئاً: الله عادل بلا شك. فطبيعته تتطلّب أن يتعامل مع الفاسدين الذين يُصرون على شرهم في عنادٍ وتصلف. أليس هذا ما يجب ان يفعله؟ وأليس هذا ما نريد أن نفعله حتى تتم العدالة؟ إن أحد الأشياء الرئيسية التي يجب تذكرها هو أنه بالنسبة لمن يتوبون ويرجعون إليه عبر التاريخ، فإنه عطوف، رحيم، حنان، وشفوق. وفي النهاية سنرى كلنا لطفه.

كانت لا تزال هناك حلقةُ مزعجة أخرى بخصوص الأطفال بدا انها تتحدى راي جيسلر أن الله لا يتصرف بتقلب. فهي تتضمن أحد أغرب الحلقات في الكتاب المقدس بأكمله.

إبادة كونية؟

كان النبي إليشع ماشياً في طريق بيت إيل حين قابله بعض الصبيان الصغار أغاظوه ساخرين من صلعته. وبخوه قائلين: اصعد يا أقرع! اصعد يا أقرع!. فكان رد فعله هو أنه لعنهم جميعاً باسم الله ثم، في فعل مفاجئ من العقاب، خرجت دبتان فجأة من الغابة وافترستا منهم 42 ولداً. (12)

فقلتُ: والآن، د. جيسلر، لقد صمَّمت أن الله ليس متقلباً، لكن هذه تبدو كاستجابةٍ لا تُطاق لإهانة بسيطة حمقاء. فقتل 42 صبياً بريئاً لأنهم سخروا فقط من شخص أصلع أمر قاسي بشكلٍ مرعب. كان جيسلر على درايةٍ جيدة بهذا الموضوع، فأجاب: إن الافتراض المُسبَق لسؤالك افتراض خاطئ. فهؤلاء لم يكونوا صبياناً أبرياء صغاراً. وفيما توقعتُ إجابته، كتبتُ نسخةً مصورة من النص ووجهتها ناحيته، مجيباً بنفس الحجة. لا، لقد كانوا كذلك. أنظر إلى هذا. قلتُ ذلك مشيراً للكلمات القائلة صبيان صغار.

فنظر جيسلر في الصفحة في عجالة، وعلى الفور عرف مصدرها. فقال: لسوء الحظ، فإن ترجمة KJV بها كلمة مختلفة ههنا. فالدارسون توّصلوا إلى أن النسخة العبرية الأصلية تتضمن كلمة شباباً، وترجمة NIV تورد كلمة شباب youths. على أحسن تقدير، كانت هذه جماعة عنيفة من المراهقين الخطرين الذين يُشبهون عصابات الشوارع الحديثة. كانت حياة النبي مُعرّضة للخطر لعددهم الكبير – فلو كان اثنان وأربعون منهم قد افترسوا؛ فمن يعلم كم كان العدد الكلي الذي يهدده؟

فسألته: يهدده؟ مهلاً عليَّ! لقد كانوا يسخرون فحسب من صلعه. فأجاب جيسلر: عندما تفهم سياق النص، سترى أن الأمر كان أكثر خطورةً من ذلك. فقد لاحظ المُعلقون أن توبيخاتهم كان المقصود منها تحدي إعلان إليشع بأنه نبي. وقد كانوا يقولون أساسً: لو كنت رجل الله، فلماذا لا تصعد للسماء كما فعل إيليا النبي؟ الأمر الواضح هو أنهم كانوا يسخرون من عمل الله المبكر بأخذ إيليا إلى السماء. وقد كانوا محتقرين في عدم إيمانهم بما فعله الله من خلال النبيين.

من المحتمل جداً ان ملاحظاتهم الصريحة حول إليشع قد كانت إشارة ان البُرص في تلك الايام كانوا يحلقون رؤوسهم، وهكذا كانوا يهاجمون إليشع – رجل الكرامة والسلطان كنبي الله – بأنه منبوذ ومحتقر ومرذول. لم يكونوا يلقون بالافتراء على شخصيته فحسب، بل على شخصية الله، لأنه كان يمثل مندوب الله. فقلتُ: ومع ذلك، اليست هذه إساءة صغيرة؟

فقال: ليس في سياق تلك الأيام. فلقد شعر إليشع مُبرراً انه مُهدَّداً من قبل العصابة. وكانت حياته في خطر. فقد كانوا في الواقع يهددونه هو والله. وكان ذلك نوعاً من ضربة وقائية لبث الخوف في قلب أي إنسان آخر يفكر في ذلك، لأن هذا كان يمكنه أن يكون حادثة سابقة خطيرة ولو كانت عصابة متهددة من المراهقين قد أفلتت بهذه الإساءة، ولم يتدخل الله دفاعاً عن نبيه، فما عليك إلا أن تفكر في التأثير السلبي الذي سيؤثر على المجتمع. فقد كان يمكن لذلك أن يفتح الباب لمزيدٍ من الهجومات على الأنبياء، ومن ثم الاستخفاف بالرسالة العاجلة التي كانوا يحاولون تقديمها لهم من الله.

في الواقع، كما قال أحد المعلّقين: بدلاً من استعراض وحشية غاضبة، فإن هجوم الدبتان يُبيّن أن الله يحاول بالتكرار أن يجعل شعبه يعود إليه من خلال دينونات أبسط حتى تتعاظم خطية الشعب جداً، ومن ثم لا بدَّ أن تصير الدينونة رهيبة جداً … فالسقوط المُدوي للسامرة كان من الممكن تجنبه لو كان الشعب قد تاب بعد هجوم الدببة ذلك.(13) فأضاف جيسلر: آخر الأمر، ساقولُ مرةً أخرى إنه علينا التفكير في سلطان الله. فلم يكن إليشع هو الذي أخذ حياتهم، بل الله الذي خلقهم وأطلق الدبتين.

وبما أن الله قد خلق الحياة، فله كل الحق لردها ثانية. لقد كشف هجوم تلك العصابة على النبي عن اتجاهاتهم الحقيقية تجاه الله، وهذا دائماً طريق محفوف بالمخاطر يؤدي للدمار عندما تسبّ وتعارض الله في عنادٍ وتحدٍ. طويتُ النسخة المصورة من تلك الفقرة وقلتُ: إذاً يكون من سوء فهم قراءة النص الأصلي أن نعتبر هؤلاء مجرد أطفال.

فقال: هذا صحيح. فالعبرية التي كانت مستخدمة لوصفهم تشير إلى أنهم كانوا على الأرجح بين الثانية عشر والثلاثين. في الحقيقة أجد نفس الكلمات العبرية مستخدمة هناك مراراً لوصف الرجال في الجيش.(14) وكما ترى، عندما يوضع كل شئ في مكانه الصحيح، فسوف تحصل على صورة مختلفة تماماً عما كان مفترضاً أصلاً.حتى الآن، كانت إجابات جيسلر قد أفرغتْ كثيراً من الهجوم ضد شخصيية الله بتقديم بعض سياقات النصوص وتوضح قصدها الواضح في تلك المراحل الخلافية. وبينما كانت تلك الفقرات لا تزال نقاطاً مُربكة، فإن رؤية الجانب الآخر قد جعل من الأسهل منح الله المتشككين، خاصة في ضوء أرجحية الأدلة المؤيدة لعطفه ومحبته.

ومع ذلك فقد كان هناك أيضاً موضوعٌ متعلق بشخصية الله يهم الكثير من الناس هذه الأيام: كيف تعامل الله مع الحيوانات؟ لماذا خلق عالماً تطارد فيه الحيوانات المفترسة الفريسة باستمرار، وحيث الموت العنيف جزءً أساسيً من الحياة؟ والأكثر أهمية، ألا يكشف هذا عن شئ مربك بخصوص اتجاهه؟

ألم الحيوانات

أثار تشارلز تمبلتون موضوع المعاناة في المملكة الحيوانية عندما كتب في كتابه وداعاً الله:

إن الحقيقة المروعة التي لا يمكن الهروب منها هي أن الحياة بأكملها مستندة على الموت. فكل المخلوقات آكلة اللحوم لا بدَّ أن تقتل وتبتلع المخلوقات الأخرى … كيف يمكن لإله محب كُلِّي القدرة أن يخلق مثل هذه الأهوال؟ … بالطبع لن يكون أبعد من قدرة إله كُلِّي المعرفة أن يخلق عالماً حيوانياً يمكنه ان يبقى ويدوم دون المعاناة والموت. (15) سألتُ جيسلر بعد قراءتي له اقتباس تمبلتون: ماذا عن ذلك؟ فأجابني: لقد تضمن الكثير من الحق هنا. لم تكن هذه الإجابة هي التي كنتُ أتوقعها. فسألته هل تعتقد ذلك؟ فقال: نعم، ولكن، لسوء الحظ، فإن الأمر بمثابة كوب من الماء الجيد وفيه قطرة من الزرنيخ. هناك ماءٌ جيد، لكنه مسمم.

الماء الجيد هو: نعم، الله يمكنه أن يخلق تلك الأنواع من الحيوانات. والحقيقة هي أنه قام بذلك. فالفردوس الأصلي كان فيه تلك الأنواع من الحيوانات، والفردوس الاتي – أي الفردوس المستعد – ستكون فيه تلك الأنواع من الحيوانات. في الواقع، نحن نعلم أن الله خلق الحيوانات والبشر أصلاً كي يكونوا آكلي بقول.

في تلك اللحظة مد جيسلر يده وسحب الكتاب المقدس، وفتح الكتاب على بدايته. فحصتْ عيناه الصفحة حتى توقف بالقرب من نهاية الاصحاح الأول الذي يقول: وَقَالَ اللهُ: «إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْل يُبْزِرُ بِزْرًا عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِزْرًا لَكُمْ يَكُونُ طَعَامًا. وَلِكُلِّ حَيَوَانِ الأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ السَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى الأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ، أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَامًا». وَكَانَ كَذلِكَ. وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا سَادِسًا. »(16)

وبعدما أغلق الكتاب، استطرد جيسلر: لم يقصد الله أن تؤكل الحيوانات في الفردوس، والحيوانات لم تكن تأكل بعضها. فقد قال النبي إشعياء يوماً ما إن الله سوف يخلق سَمَاوَاتٍ جَديدةً وَأرْضاً جَديدةً حيث الذِّئْبُ وَالْحَمَلُ يَرْعَيَانِ مَعًا، وَالأَسَدُ يَأْكُلُ التِّبْنَ كَالْبَقَرِ. (17) وبأسلوب آخر، لن تكون هناك مثل هذا النوع من القتل الحادث الآن.

على العموم، كل شيء خلقه الله كان حسناً. لكن الذي غيَّر الأمور هو السقوط. ففي الواقع عندما قيل لله أن ينطلق، فقد فعل ذلك جزئياً. تخبرنا رومية 8 بأن كل الخليقة تأثرت – وهذا يتضمن الحياة النباتية، والبشر، والحيوانات، وكل شيء. كانت هناك تغيرات جينية رئيسية. فنحن نرى مثلاً كيف أن فترات الحياة قد انخفضت بسرعة بعد السقوط. فلم تكن خطة الله مصممة على هذا الأساس، لكن الأمر صار هكذا بسبب الخطية وحدها. وأخيراً، سوف يتم علاج الموضوع.

ولكن ألم يكن الله قاسياً على الحيوانات بتخصيص نظام الذبائح الحيوانية في العهد القديم؟ لقد كان الأسلوب المتبع لقتل هذه الحيوانات أسلوب إنسانيِّ تماماً. كان الأسلوب الأقل ألماً للموت. ولم يكن هناك تبديد. فقد كانوا يأكلون اللحم، ويستخدمون الجلد للكساء، ولذلك كانوا يربون ويرعون الحيوانات بشكلٍ اساسي. ولم تكن هذه محاولة لإبادة فصيلة معينة. وبالطبع، كان هناك سببٌ مهم لذبائح الحيوانات – فلقد كانت تُشير رأساً للذبيحة النهائية ليسوع المسيح، حمل الله، على الصليب كثمن خطايانا.

تساءلتُ: ماذا عن كل الألم الموجود في العالم نتيجة صيد الحيوانات وقتل الحيوانات الأخرى. فمجموع المعاناة الكلي الذي يسمح به الله في العالم هائل بشكلٍ مطلق.

فأجابني: اعتقد أن الافتراض المُسبَق خاطئ بأكمله. فكما قال سي إس لويس إنه لا يوجد مجموع كلي للألم. إنه خطأ تسمية. فلا إنسان أو حيوان يختبر المجموع الكلي للألم. في الواقع، لا إنسان يختبر في وقتٍ واحد المجموع الكلي للألم لفترة حياته كلها. فلو كانت لديك 30 أوقية (كيلو جراماً) من الألم موزعة على 30 عاماً، تكون لديك أوقية واحدة (30 جراماً) كل عام. وجزء من الأوقية كل يوم.

وبقدر الاهتمام بالحيوانات، علينا ان نتذكر ان الكتاب المقدس يمنع سوء استخدامها بوضوح. فالمسيحيون يجب أن يعارضوا اية سوء معاملة للحيوانات. ومع ذلك، فأنا أتحدى المقدمة المنطقية لحركة حقوق الحيوانات أن الحيوانات لها حقوق أخلاقية، فالحيوانات ليس مخلوقات أخلاقية. والآن فإن الناس الأخلاقيين يمكنهم أن يقوموا بأمورٍ لا اخلاقية تجاه الحيوانات، لكن الكتاب المقدس يقول: الصِّدِّيقُ يُرَاعِي نَفْسَ بَهِيمَتِهِ. (18). فالحيوانات تخدمنا وتساعدنا، ومن الخطأ أخلاقياً أن نقسو عليها.

هل يمكن الوثوق بالكتاب المقدس؟

كان جيسلر يعتمد على الكتاب المقدس في تحديد شخصية الله. وبما أنه ألف كتاباً حول عصمة الأسفار المقدسة، فقد كان رأي جيسلر عن ذلك معروفاً جيداً: أنه يؤمن أن الكتاب المقدس موحى به تماماً من الله، وهو واقعي في كل ما يعلمه ويقاربه. فهل هناك أي سبب عقلاني للإيمان أن الكتاب المقدس يكشف حقاً وبدقة عن حول الله؟

جورج سميث، الفيلسوف الملحد، لا يعتقد ذلك. فقد قال: الكتاب المقدس لا يبين أية آثار لأي تأثيرٍ فوق الطبيعة. بل العكس تماماً، فمن الواضح أنه نتاج أناس خرافيين كانوا في بعض الأحيان مستعدين لخداع الآخرين لو كان ذلك في سبيل نشر تعاليمهم.(19) ويرفض تمبلتون بكبرياء معظم الكتاب المقدس باعتباره حكايات شعبية مزينة مضيفاً أنه لم يعد من الممكن لإنسانٍ متعلم أن يؤمن ان … الكتاب المقدس وثيقة موثوق بها … أو، كما تصمم الكنائس المسيحية، كلمة الله المعصومة.(20)

خلال سنواتي كملحد، سخرتُ من الحكايات الخيالية والأساطير الصارخة التي آمنتُ أنها لا تؤهل الكتاب المقدس كي يكون كتاباً إلهياً موحى به – وقد أراحني هذا الرأي تماماً من أية حاجة لاتباع أوامره. فرغم أنني لم أدرس تماماً محتوياته، فقد كنتُ سرعان ما أرفض الكتاب المقدس لأطلق لنفسي العنان كي أعيش ذاك النوع من أسلوب الحياة الفاسد الذي كان يتعارض بشدة مع عقائده.

كان وقتي مع جيسلر فرصة نادرة كي اسمع مباشرة لماذا يستنتج الاستنتاج المضاد، ثم يدافع بغيرة عن الكتاب المقدس كونه موثوقاً به. وقفتُ لأمد رجلي، ماشياً للأمام نحو رفٍ من الكتب، ومتفحصاً العناوين مصادفةً. ثم التفتُ قائلاً: كل شئ يتوقف على ما إذا كان الكتاب المقدس صحيح. فما هي قاعدتك للإيمان بذلك؟ فاجاب جيسلر بثقة مميزة: هناك اكثر من برهان أن الكتاب المقدس مصدراً موثوقاً به أكثر من أي كتاب آخر من العالم القديم.

ومع ذلك، فقد بدا هذا الأمر بالنسبة لي استنتاجاً أكثر منه برهاناً. فقلتُ وأنا جالس على حافة مقعدي متوقعاً إجابة جيسلر: سيكون عليك ان تعطيني بعض الحقائق لتدعيم ذلك. فبدأ: هناك الكثير من البراهين التي يمكنني تقديمها. يمكنني ان أتحدث عن وحدة الكتاب المقدس – 66 سفراً مكتوبة بأساليبٍ أدبية مختلفة بواسطة 40 كاتباً مختلفاً مع الأرجح لهم خلفيات متنوعة عبر 1500 عاماً ومع ذلك فالكتاب المقدس يكشف بشكل مدهش دراما مستمرة واحدة برسالة مركزية واحدة. وهذا يشير إلى وجود العقل الإلهي الذي أكد الكتاب أنه أوحى له.

وهناك قوة الكتاب المقدس للتحويل – فمنذ البداية – جدَّد الناس، ومنحهم الرجاء، والشجاعة، والهدف، والحكمة، والإرشاد، والقوة، وهيأ مرساة لحياتهم. وبينما انتشر الإسلام المبكر بالسيف، انتشرت المسيحية المبكرة بالروح حتى حينما كان المسيحيون يُقتلون بواسطة السيوف الرومانية. أؤمن أن أكثر البراهين إقناعاً تندرج في تصنيفين. الأول: التاكيد الأثري لمصداقيته، والثاني: التأكيد الإعجازي لسلطانه الإلهي.

 

السبب الأول: تأكيد علم الأثار

بدأ جيسلر مناقشته عن البراهين الأثرية باقتباس كلمات يسوع: إِنْ كُنْتُ قُلْتُ لَكُمُ الأَرْضِيَّاتِ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ، فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ إِنْ قُلْتُ لَكُمُ السَّمَاوِيَّاتِ؟(21)

وقال جيسلر: بالعكس، لو استطعنا ان نثق بالكتاب المقدس عندما يخبرنا عن الأشياء الأرضية المباشرة التي يمكن إثباتها، يمكننا إذاً أن نثق به في المواقف التي لا يمكننا إثباتها مباشرةً بطريقة تجريبية.

فتساءلتُ: كيف تأيد الكتاب المقدس إذاً؟ ففيما تحريتُ بعض التاكيدات الأثرية للعهد الجديد في كتابي السابق القضية … المسيح، كنتُ مهتماً بشكلٍ خاص بعلم الآثار والعهد القديم، ومن هنا طلبتُ من جيسلر أن يبدأ.

لقد كانت هناك الآلاف – لا المئات – من الاكتشافات الأثرية في الشرق الوسط تُدَّعم الصورة المُقدّمة في السجل الكتابي. كان هناك اكتشافً حديثً يؤكد وجود الملك داود. كان الآباء – رواة القصص حول إبراهيم، واسحق، ويعقوب – قد اُعتبروا ذات مرة اسطوريين ولكن فيما صار الكثير معروفاً، فإن هذه القصص تتأيد بشكلٍ متصاعد. لقد كان يُظن ان خراب سدوم وعمورة أمراً أسطورياً حتى انكشفت البراهين أن المدن الخمس المذكورة في سفر التكوين قد كانت قائمة كما ذكر العهد القديم تماماً. وبخصوص خرابها، قال عالم الآثار كليفورد ويلسون إن هناك برهاناً دائماً لذاك الحريق الهائل الذي حدث في الماضي السحيق.(22)

وأضاف جيسلر: والأهم من هذا، أن ملامح متعددة من السبي اليهودي قد تم برهانها. وأيضاً كل إشارة في العهد القديم لملك أشوري تم إثبات صحتها؛ فقد أكدت أحد عمليات الحفر خلال الستينات أن الاسرائيليين كان يمكنهم حقاً دخول أورشليم عن طريق نفق خلال حكم داود. وهناك برهان أن العالم كانت فيه لغة واحدة في وقتٍ من الأوقات كما يقول الكتاب المقدس، وأن موقع هيكل سليمان يتم حفره الآن، والكثير الكثير. في أوقاتٍ عديدة، كان علماء الآثار متشككين بالعهد الجديد حتى تؤيد الاستكشافات الجديدة الوصف الكتابي.

فقلتُ: مثلاً …

فقال: مثلاً، يقول صموئيل إنه بعد موت شاول وُضعتْ عدته الحربية في معبد عشتاروت التي كانت إلهة الخصوبة لدى الكنعانيين، في بيت شان Bethshan، بينما يقرر سفر الأخبار ان رأسه وضعت في معبد داجون – إله القمح لدى الفلسطينيين. والآن اعتقد علماء الآثار أن هذا لا بدَّ أنه كان خطأ، ومن ثم يكون الكتاب المقدس غير جدير بالتصديق. لم يعتقدوا أن الأعداء كان يمكنهم أن تكون لديهم معابد بنفس الاسم في نفس الوقت.

فسألته: وماذا وجد علماء الآثار؟ لقد أكدوا من خلال عمليات الحفر أنه كان هناك معبدان في ذلك الموقع أحدهما لكلٍ من داجون وعشتاروت. وكان يفصلهما مدخل. وفيما اتضح، تبنى الفلسطينيون عشتاروت بشكلٍ واضح لتكون واحدة من إلهتهم. وكان الكتاب المقدس صحيحاً في النهاية.

وقد حدثت مثل تلك الظاهرة مراراً وتكراراً. فالكتاب المقدس يقدم حوالي 36 إشارة إلى الحيثيين، لكن النقاد اعتادوا على الإتهام بعدم وجود برهان بوجود هذا الشعب أبداً. والآن اكتشف علماء الآثار الذين يحفرون في تركيا الحديثة سجلات الحيثيين. فلا يمكن أن يكون هناك أي شكٍ أن علم الآثار قد أكد على التاريخية الجوهرية لتقليد العهد القديم.(23) طلبتُ من جيسلر أن يواصل ملخصاً لماذا يؤمن أن علم الآثار يؤيد العهد الجديد.

فقال: يوضح المؤرخ الروماني الشهير كولين هيمر Colin J. Hemer في كتابه History The Book of Acts in the Setting of Hellenistic كيف أن علم الآثار لم يؤكد على عشرات، بل مئات من التفاصيل من التقرير الكتابي عن الكنيسة الأولى. لقد تأيدتْ حتى التفاصيل الصغيرة، مثل أي إتجاه تهب منه الريح، كم ان عمق المياه مسافة معينة من الشاطئ، أي نوع من الأمراض أصيبت به جزيرة معينة، أسماء الموظفين المحليين، إلخ.

لقد كتب المؤرخ لوقا سفرأعمال الرسل. ويقدم هيمر أكثر من 12 سبباً لماذا كان يلزم كتابة سفر الأعمال قبل العام 62م، أو في خلال حوالي 30 عاماً بعد صلب يسوع. فحتى في فترة مبكرة أكثر، كتب لوقا إنجيله الذي يعتبر أساساً كنفس التقارير الكتابية الأخرة عن حياة يسوع.

ولذلك لديك هنا مؤرخ معصوم برهنت صحته في مئات التفاصيل ولم يُبرهن أبداً على خطأه، كاتباً تاريخ يسوع وتاريخ الكنيسة الأولى بأكمله. وهو مكتوب خلال جيل واحد بينما كان شهود العيان ما زالوا على قيد الحياة كان من الممكن أن يفندوه لو كان مبالغ فيه أو خاطئ وليس لديك أي شئ مثل ذلك من أي كتابٍ ديني آخر من العالم القديم. فتساءلتُ: هل يمثل هيمر صوتاً منفرداً بشان ذلك؟

فأجابني يكاد يكون ذلك. فالمؤرخ البارز سير ويليام رامزي انطلق كمتشكك، ولكن بعد دراسة سفر الأعمال استنتج أن بتفاصيل متنوعة أوضح الراوي الحق المدهش. (25) وقال مؤرخ جامعة أكسفورد الكلاسيكي العظيم شيروين وايت A.N.Sherwin-Whit: بالنسبة لسفر الأعمال، فأن تأكيد التاريخية تأكيد ساحق. وأن أية محاولة لرفض تاريخيته الأساسية لا بدَّ أن تكون الآن سخيفة. (26)

في وقت سابق، ذكرتُ عالم الاثار ويليام أولبرايت William.F.Albright الذي كان قائداً في المدرسة الأمريكي للبحث الشرقي لمدة 40 عاماً. انطلق كمتحرر، لكنه أصبح أكثر وأكثر محافظة فيما درس السجل الأثري. واستنتج ان نقاد العهد الجديد الجذريين هم ما قبل أثريين pre-archeological، وأن رؤاهم متعارف عليها تماماً. (27)

رجعتُ للوراء على مقعدي الجلدي فيما تأملتُ وابل جيسلر من الحقائق والاقتباسات. كانت الحُجة قوية: لو كان علم الاثار يُبين أن الكتاب المقدس كان دقيقاً فيما يمكن أن يُفحص، فلماذا يكون أقل دقة في نقاطه الأخرى؟ فهذا يبرهن الكثير جداً.

قلتُ: حتى لو كان علم الاثار يؤكد أن الكتاب المقدس دقيق تاريخياً، فهذا لا يعني أنه ذو سلطان إلهي.

فقال جيسلر بوضوح: هذا صحيح، فالسبب الوحيد الذي يدعو إنسان لقبول الكتاب المقدس كصاحب سلطان إلهي هو التأكيد المعجزي.

 

السبب الثاني: برهان الأصل الإلهي

تصفح جيسلر كتابه المقدس العتيق متجهاً نحو جملته الافتتاحية ثم وازن الكتاب المفتوح على ركبتيه.

الأمر كله يعود إلى ما إذا كانت الآية الأولى في الكتاب المقدس صحيحة حينما يقولك فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. أؤمن أن هناك برهاناً عملياً طاغياً يبرهن صحتها – فكل شيء له بداية له مبتدئ، فالكون كانت له بداية، ومن ثم كان له مبتدئ. والكون كان منسجماً منذ لحظة الخلق لبزوغ الحياة الإنسانية، وهكذا.

فقاطعته لأخبره أنني قد حاورتُ بالفعل ويليام لين كريج حول البراهين التي تشير للأصل الإلهي للكون.

فقال لي: آه، حسناً، ما ينساه الناس عادةً هو أنه إن كانت هذه الآية الأولى صادقة، فليست المعجزات ممكنة فحسب، بل فعلية أيضاً، لأن أعظم معجزة قد حدثت فعلاً – خلق شيء من العدم. ما الأصعب: أن يأخذ يسوع الماء ويحوله إلى خمر أم أن يأخذ حفنة من لا شيء ويحولها إلى ماء؟ أن تصنع ماء من العدم أصعب بكثير من أن تصنع خمراً من الماء.

فقلتُ: ذات مرة قال لي متشكك: لا أؤمن بالكتاب المقدس لأن فيه معجزات. فقلتُ له: أذكر واحدة، فقال تحويل الماء إلى خمر. هل تؤمن بها؟ فقلتُ: نعم فهي تحدث طوال الوقت، فقال، ماذا تقصد؟ فقلتُ: حسناً، المطر يتغلغل في كرم العنب، ثم إلى العنب، ثم يتحول العنب إلى خمر. كل ما فعله يسوع هو انه أسرع بالأمر قليلاً.

إن فكرتي هو أن كان لديك إله يمكنه عمل شيء من العدم، فيمكنه إذاً أن يُجري المعجزات. وحينئذ يكون الشيء الوحيد الذي علينا ان ننظر إليه هو أي كتابٍ في العالم تم التأكيد عليه بصورةٍ إعجازية. هناك كتابٌ واحد، وهو الكتاب المقدس. فقلتُ: حسناً، أخبرني كيف. فقال رافعاً إصبعين: طريقتان: الأولى، الكتاب المقدس مؤكد بصورة اعجازية بتحقيق النبوات التنبؤية، والثانية، الكتاب المقدس مؤكد بالمعجزات التي اجراها من قالوا إنهم يتحدثون عن الله.

 

تأكيد النبوات

بدأ جيسلر بجملةٍ مؤثرة: الكتاب المقدس هو الكتاب الوحيد في العالم الذي يحوي تنبؤات محددة دقيقة قيلت قبل حدوثها بمئات السنين وتحققت حرفياً.

نظر جيسلر إلى أحد الكتب المعلقة في أرفقه، وواصل كلامه قائلاً: بالنسبة لموسوعة بارتون باين للنبوة الكتابية Barton Payne’s Encyclopedia of Biblical Prophecy، هناك 191 تنبؤاً في العهد القديم حول مجئ المسيح تتضمن نسبه، والمدينة التي سيولد فيها، وولادته من عذراء، ووقت موته بالتدقيق، وهكذا.

في الحقيقة، يقول مزمور 22: 16 ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ. وتقول آية 14 انْفَصَلَتْ كُلُّ عِظَامِي. وتقول آية 18 يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ. وزكريا 12: 10 تقول: فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، الَّذِي طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ. هذه صورة واضحة عن صلبه – ومع ذلك فقد كُتبتْ حتى قبل تنفيذ الصلب كطريقة للإعدام بواسطة الرومان. في ذلك الوقت كان اليهود يرجمون المجرمين حتى الموت.

وبالطبع إشعياء 53: 2-12 ربما تحتوي على أكثر التنبؤات دهشةً عن المسيح في العهد القديم بأكمله. فهي تتنبأ ب 12 ملمح من ملامح آلامه التي تحققت تماماً – فسوف يُرفض، وسيكون رجل أوجاع، وسيعيش حياة معاناة، وسيُحتقر من الآخرين، وسيحمل الحزن، وسيُسحق، وسيُضرب من الله، وسيُطعن عن آثامنا وسيُجرح عن خطايانا، وسيموت مع الأشرار، وسيكون بلا خطية، وسيصلي من أجل الآخرين

فرفعت صوتي قائلاً: مهلاً، فإن تكلمت مع حاخام يهودي، سيقول لك إن هذه الفقرة تشير رمزياً إلى اسرائيل، لا إلى المسيا. فهز جيسلر رأسه قائلاً: في أزمنة العهد القديم، كان الحاخامات اليهود يعتبرون تلك نبوة عن المسيا. فهذا هو الرأي المتصل حقاً.

وفيما بعد، بعد ما أشار المسيحيون إلى أن هذا كان يشير بوضوح إلى يسوع، بدأ اليهود يقولون إنها كانت حقاً عن معاناة الأمة اليهودية. لكن هذا خطأ بوضوح. فإشعياء معتاد على الإشارة للشعب اليهودي بصيغة جمع المتكلم مثل نا، أو نحن، لكنه دائماً ما يشير للمسيا بصيغة مفرد الغائب مثل هو، أو . هـ – وهذا ما فعله في إشعياء 53. وبالإضافة إلى ذلك، كل من يقرأ ذلك بنفسه سيفهم تماماً أنه يشير إلى يسوع. وربما يكون سبب ذلك هو أنهم عادةً ما يتغاضون عنها في المجامع هذه الأيام.

ولذلك تكون لديك ههنا تنبؤات مذهلة تحققت حرفياً في حياة إنسان واحد، رغم إنه لم يكن لديه تحكم على معظمها. فمثلاً، لم يمكنه أن يرتب موضوع نسبه، أو توقيت ميلاده، إلخ. لقد كتبت هذه النبوات مبكراً بـ 200 عاماً إلى 400 عاماً. ولا يوجد كتاب آخر في العالم يحوي هذا. فالكتاب المقدس هو الكتاب الوحيد المؤيد هكذا بصورة فوق طبيعية.

تأملتُ في ذلك وقلتُ: لكن أنبياء العهد القديم لم يكونوا وحدهم في التاريخ من تنبأ تنبؤات تحققت بصورةٍ مدهشة. فمثلاً نوستر اداموس الطبيب والمنجم الذي عاش في القرن السادس عشر مشهور بتنبؤات حول المستقبل. ألم يتنبأ بصعود هتلر وألمانيا النازية؟ قلتها كجملة أكثر منها كسؤال. إن كان واحد يمكنه ذلك، فما الذي يميز نبوات الكتاب المقدس؟

فأجاب جيسلر: المشكلة مع نوستر اداموس وكثير جدا من الوسطاء المزعومين هي أن تنبؤاتهم كثيراً ما تكون مبهمة غامضة وغير دقيقة. فصممتُ قائلاً: ولكن ماذا عن النبوة حول هتلر؛ فهي دقيقة تماماً. فأجابني: في الواقع لم تكن دقيقة على الإطلاق. وقف جيسلر وتقدم نحو رف الكتب، وسحب أحد كتبه، وفحصه حتى وصل لما كان يريده. ثم قرأ كلمات نبوة نوستر اداموس:

يا تابعي المذاهب، ضيقاتٌ عظيمة تنتظر الرسول. وحشٌ فوق المسرح يتهيأ للمسرحية التصويرية. مخترع ذاك الفعل الشرير سيكون مشهوراً. العالم سيرتبك وسينقسم بالمذاهب … الوحوش المجنونة بالجوع ستعوم عبر الأنهار. معظم الجيش سيكون ضد الدانوب الأصغر the lower Danube [Hister sera]. العظيم سيُسحب في قفص حديدي عندما لا يلاحظ أخ الطفل [de Germain] شيئاً. (28)

استمر جيسلر: من الواضح أن هذه ليست إشارة إلى أدولف هتلر. فالكلمة الواردة ليست Hitler بل Hister، ومن الواضح أنها ليست إنسان بل مكان. فالجملة اللاتينية de Germain يجب تفسيرها ألى اخ أو قريب، وليس ألمانيا Germany. وهو لا يذكر أية تواريخ أو حتى إطار زمني عام. وبالإضافة إلى ذلك، ماذا يقصد بـ وحوش، وقفص حديدي؟ من المربك جداً أن النبوة بكامله ليس لها معنى.

إن العينة هي أن تنبؤات نوستر اداموس غامضة للغاية، ويمكن أن تتناسب مع قدر هائل من الحداث. فتابعوه ليسوا متناغمين في تفسير ما قاله. وبعض نبواته ظهر أنها خاطئة. ففي الحقيقة، لم تتبرهن أصالة نبوة واحدة من نبوات نوستر اداموس على الاطلاق. فقلت: سأفترض أن كثيراً من الوسطاء مثل نوستر اداموس غامضون في تنبؤاتهم. ولكن عليك الاعتراف أن نفس الشيء ينطبق على بعض النبوات الكتابية.

فأجابني جيسلر: موافق، ولكن ليست كل النبوات الكتابية حادة. ومع ذلك، فكثير منها دقيق جداً. فكيف يمكنك أن تحصل على ما هو أكثر تفصيلاً من التنبؤ الدقيق حول موت يسوع كما في دانيال 9: 24-26؟ فعندما تحل المسألة، فسوف تجد أن هذه الفقرة تشير لموعد دخول يسوع التاريخ البشري. وماذا عن نبوات مكان ميلاده، وكيف سيعاني وسيموت؟ إن التحديد مدهش، وقد تبرهنت حقيقتها بشكل ثابت.

فقابلته بمثالٍ معاصر حول وسيطة كانت تنبؤاتها مفصلة تماماً في الغالب. في العام 1956 تنبأت جين ديكسون1 بفوز رئيس ديمقراطي بالانتخابات الرئاسية للعام 1960 ثم اغتياله في المكتب. وقد تحقق ذلك في جون كينيدي – وهذه نبوة دقيقة تماماً.

فلم يتأثر جيسلر وقال: لقد تنبأتْ أيضاً أن انتخابات 1960 سيكسبها العمال، وهذا ما لم يحدث. وبعدها راهنت بفوز ريتشارد نيكسون، وهكذا كانت هناك فرصة 100% أن تتحقق واحدة من هذه التنبؤات. وفيما يخص الاغتيالات، فقد مات ثلاثة من الرؤساء العشرة في القرن العشرين في المكتب، وكان اثنان آخران مريضان جداً في نهاية خدمتهما. لم تفلح محاولاتها.

وبالإضافة إلى ذلك، على خلاف الأنبياء الكتابيين، فقد قالت تنبؤات كثيرة جداً اتضح خطأها – أن الصين الحمراء ستدفع العالم إلى الحرب ضد كوموي Quemoy وماتسو Matsu في العام 1958؛ وأن الحرب العالمية الثالثة ستبدأ في العام 1954؛ وأن كاسترو سيُنفى من كوبا في العام 1970. وأفضل تنبؤاتها المحببة لي هي أنها تنبأت بأن جاكلين كيندي لن تتزوج ثانية – وفي اليوم التالي مباشرةً تزوجت أرسطو أوناسيس! قالها بضحكة خافتة.

أوضحت دراسة قام بها الوسطاء عن النبوات في العام 1979 بما فيها نبوات ديكسون أنها كانت دقيقة بنسبة 6% فقط. يا للشفقة! من المحتمل أن تخمن وتحصل على نسبة أعلى من هذه. وبالإضافة إلى ذلك، فسوف تجد أن ديكسون، ونوستر اداموس، والوسطاء الآخرين يتعاملون بشكل عام مع الممارسات السحرية – فمثلاً كانت ديكسون تستخدم كرة كريستالية، وكان من الممكن أن يفسر ذلك بعضاً من تنبؤاتهم.

وبما أنني متشكك من الوسطاء، لم أرد الاندفاع أكثر لوضع محاولة الدفاع عنهم. فقد قدم جيسلر فكرته: أنهم كانوا مختلفون تماماً عن أنبياء الكتاب المقدس. قررت أن أتقدم إلى نقد أكثر فعالية للنبوة الكتابية، وهو ادعاء أن المسيحيين يخرجونها خارج السياق ويدعون أنهم تنبأوا بمجيء يسوع بينما كانوا يتعاملون بالفعل مع موضوع آخر. وقد جال مثال في ذهني.

بسطتُ يدي وأخذتُ كتابه المقدس بعد استئذانه. إلى متى 2: 14-15 التي تقول: «فَقَامَ] يوسف [وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلاً وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ. وَكَانَ هُنَاكَ إِلَى وَفَاةِ هِيرُودُسَ. لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِل: «مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْني».

هذه إشارة إلى هوشع 11: 1. رجعتُ لتلك الآية وقرأتها لجيسلر: «لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلاَماً أَحْبَبْتُهُ وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي. »

أغلقتُ الكتاب وأعدته إلى جيسلر وقلتُ: من الواضح الآن أن هذه الفقرة تتحدث عن بني اسرائيل وهم خارجون من مصر وقت الخروج. إنها ليست عن المسيا. ألا يسحب هذا نبوة خارج إطار النص؟

فأشار جيسلر: هذا سؤالٌ جيد. ومع ذلك عليك أن تفهم أنه ليست كل النبوات تنبؤية.

فسألته: ما معنى ذلك؟

من الحقيقي أن العهد الجديد قد طبق فقرات معينة من العهد القديم على يسوع لم تتنبأ عنه مباشرةً. يرى كثير من الدارسين أن هذه الإشارات محققة، رمزياً، في المسيح، دون ان تكون قد تنبأت عنه مباشرة.

بمعنى؟

بمعنى أن بعض الحق في الفقرة يمكنه أن يُطبق على المسيح بشكلٍ مناسب حتى لو لم يكن متنبأ عنه. دارسون آخرون يقولون إن هناك معنى عام في بعض فقرات العهد القديم تنطبق على كل من اسرائيل والمسيح، فكل منهما أطلق عليه ابن الله. وهذا ما يسمى أحياناً بـ الرؤية مزدوجة الإشارة، للنبوة.

يمكنني أن أفهم ميزة كلا الرؤيتين. ولكن هذه الفقرات لم تكن تنبؤية بصورة مباشرة. وأنا لا أستخدمها بهذا الأسلوب. ومع ذلك هناك بالطبع عدد كاف من الأمثلة لنبوات تنبؤية بوضوح لتأسيس السلطان الإلهي للكتاب المقدس. لقد أوضح علم الرياضيات أنه من المستحيل أن تكون قد تحققت بمجرد الصدفة على الإطلاق.

تأكيد المعجزات.

متقدماً إلى السبب الاخر للسلطان الإلهي للكتاب المقدس، قال جيسلر إن هناك طريقاً أكيداً إذا كان نبي هو المتحدث عن الله، أو إنه دجالاً يحاول خداع الجماهير: هل يمكنه إجراء معجزات قاطعة؟ إن الديانات التوحيدية الكبرى – المسيحية، واليهودية، والإسلام – تدرك صلاحية المعجزات كوسيلة تأكيد رسالة من الله. وحتى المتشكك الشهير برتراند راسل افترض أن المعجزات تثبت أصالة التأكيد الحق. (29)

فقال جيسلر: في الكتاب المقدس – الذي رأينا كما تذكر مصداقيته تاريخياً – لدينا أنبياء واجهوا التحدي، لكنهم أجروا المعجزات لإثبات أحقيتهم.

فمثلاً، قال موسى في خروج 4: 1: «وَلكِنْ هَا هُمْ لاَ يُصَدِّقُونَنِي وَلاَ يَسْمَعُونَ لِقَوْلِي، بَلْ يَقُولُونَ: لَمْ يَظْهَرْ لَكَ الرَّبُّ.» فكيف يستجيب الله؟ يأمر الله موسى بإلقاء عصاه على الأرض وفي الحال ستتحول إلى حية. ثم قال لموسى أن يلتقطها من ذنبها، فتتحول إلى عصاة من جديد. ثم قال الله في آية 5: «لِكَيْ يُصَدِّقُوا أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ لَكَ الرَّبُّ إِلهُ آبَائِهِمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ.»

نفس الشئ ينطبق على إيليا على جبل الكرمل – فلقد واجه التحدي، فأرسل الله ناراً من السماء لإثبات أنه كان نبي حقيقي. بالنسبة ليسوع، فقد جاء حقاً وقال: «إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي فَلاَ تُؤْمِنُوا بِي.» (30) وبعد ذلك فعلها. وحتى نيقوديموس افترض ذلك حينما قال ليسوع: «يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ اللهِ مُعَلِّمًا، لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ اللهُ مَعَهُ.» (31)

وهذا لم يحدث أبداً مع محمد. ففي الواقع، آمن محمد حقاً أن يسوع كان نبياً أجرى المعجزات بما فيها إقامة الموتى. والمسلمون يؤمنون أيضاً أن موسى وإيليا أجريا المعجزات. وهذا ممتع للغاية؛ لأنه في القرآن حينما تحدى غير المؤمنين محمداً لإجراء معجزة رفض. وقال فحسب إنه يجب عليهم أن يقرأوا سورة في القرآن.(32)

فتعجبتُ قائلاً: هل فعل هذا؟

بالطبع. لقد قال محمد بنفسه: الله قادر أن يأتي بعجزة.(33)وقال أيضاً: سيقولون: لماذا لا تأتيه معجزة من ربه؟(34)وعلى خلاف يسوع، لم تكن المعجزات علامةً لإرسالية محمد. ولم يمر على موته إلا حوالي 150-200 عاماً حتى ادعى أتباعه معجزات ونسبوها له.

ولكن حين أثار يوحنا المعمدان سؤال ما إذا كان يسوع هو المسيا، كان بإمكان يسوع ان يجيب تلميذا يوحنا بثقة: «اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا رَأَيْتُمَا وَسَمِعْتُمَا: إِنَّ الْعُمْيَ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجَ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصَ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمَّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينَ يُبَشَّرُونَ. »(35)

توقف جيسلر للحظات بينما كنتُ أتأمل فيما كان يقوله. وبعدها لخص حججه: عندما تُجمع هذه الأمور معاً: مصداقية الكتاب المقدس تاريخياً بتأكيد علم الآثار، والتحقيق الإعجازي للنبوات التنبؤية الواضحة، وإجراء المعجزات المذكورة، فسوف تحصل على كتاب مبرهن بصورة فائقة للطبيعة على خلاف أي كتاب آخر في التاريخ.

أردت أن أوضح شيئاً: ما لست تقوله هو أؤمن أن الكتاب المقدس موحى به سماوياً لأنه يقول هذا.

هذا صحيح. فهذه حجة دائرية. لا، فالحجة توضع هكذا: الكتاب المقدس يؤكد أنه كلمة الله والكتاب المقدس يبرهن على أنه كلمة الله.

سيبدو أن هذه حالة جيدة تماماً – لو أن الكتاب المقدس لم يكن فيه الكثير جداً من التناقضات الظاهرة في ثناياه. ولكن كيف يمكن الوثوق بالكتاب المقدس حقاً بينما لا يستطيع الحفاظ على روايته الشخصية حتى النهاية؟ كيف يمكن اعتباره موحى به سماوياً بينما يقدم عبارات لا يمكنها ببساطة أن تتوافق بين بعضها البعض؟

التلاؤم مع التناقضات

عندما سألت عن التناقضات المزعومة في الكتاب المقدس، ضبط جيسلر جلسته في مقعده وابتسم، فقد كان موضوع قضى في دراسته حياته بأكملها.

قال: لقد كانت لدي هواية جمع التناقضات والأخطاء المزعومة والعبارات المتصارعة في الكتاب المقدس. ولدي قائمة بما يقرب من 800 بند منها. منذ سنوات قليلة اشتركتُ في تأليف كتاب عنوانه عندما يتساءل النقاد يخصص حوالي 600 صفحة لتوضيح صحة الأمور. (36) وكل ما على أن أقوله لك هو إنه في اختباري عندما يثير النقاد تلك الاعتراضات، فهم يخترقون بصورة ثابتة واحداً من 17 مبدأ لتفسير الكتاب المقدس.

فسألته: وما هي؟

مثلاً، افتراض أن ما ليس له تفسير لا يمكن تفسيره. فأنا متأكد أن ناقداً حاداً يمكنه أن يسألني: ماذا عن هذا الموضوع؟ ورغم إنني قمتُ بدراسة هذه الأمور لمدة 40 عاماً، إلا إنني لن أكون قادراً على إجابته. ماذا يبرهن ذلك: أن الكتاب المقدس مخطئ أم أن جيسلر جاهل؟ سأرجح صحة الكتاب المقدس، لأنه من بين الـ 800 ادعاء التي درستها، لم أجدُ خطأ واحداً في الكتاب المقدس، لكني وجدتُ الكثير من الأخطاء من جانب النقاد.

فرفعتُ رأسي متسائلاً: هل هذا معقول حقاً، أن ترجح صحة الكتاب المقدس؟

فأصر قائلاً: نعم، فعندما يفاجأ عالم بأمر شاذ في الطبيعة، فهل ينقطع عن العلم؟ عندما اكتشف مسبارنا الفضائي حلقات مضفورة حول المشتري، كان ذلك معارضاً لكل التفسيرات العلمية. فهل كنتَ تتوقع إذاً أن يستقيل كل علماء ناسا لأنهم لم يمكنهم تفسير ذلك؟

فضحكت قائلاً: بالطبع لا.

تماماً. إنهم لم يستسلموا، بل قالوا: لا بدَّ أن يكون هناك تفسير، واستمروا في الدراسة. أنا أدرس الكتاب المقدس بنفس الأسلوب. فلقد أثبت مراراً وتكراراً أنه دقيق، حتى حينما كنتُ أعتقدُ مبدئياً عكس ذلك. فلماذا لا أرجح صحته الآن؟ نحن بحاجة لدراسة الكتاب المقدس بالطريقة التي يُحاكم بها الأمريكي في المحكمة: المتهم برئ حتى تثبت إدانته.

النقاد يفعلون العكس. فقد أنكروا وجود الحثيين الذين ورد ذكرهم في العهد القديم أساساً. بينما اكتشف علماء الآثار المكتبة الحثية. يقول النا: حسناً، أعتقد أن الكتاب المقدس كان صادقاً في تلك الآية، لكني لا أقبل البقية. مهلاً، فيما تبرهنت دقة الكتاب مراراً وتكراراً في مئات التفاصيل، فإن ثقل البرهان يقع على الناقد، لا على الكتاب المقدس.

طلبتُ من جيسلر أن يصف باختصار بعض المبادئ الأخرى لحل التناقضات الظاهرة في الكتاب المقدس.

فقال: مثلاً الإخفاق في فهم سياق الفقرة. هذا هو أكثر خطأ شائع لدى النقاد. فبأخذ الكلمات خارج سياق النص، يمكنك حتى أن تجعل الكتاب المقدس يبرهن بعدم وجود الله. ومع ذلك فمزمور 14: 1 يعلنها ويقولها: ليس إله. ولكن بالطبع في السياق يقول: قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: «لَيْسَ إِلهٌ». ومن هنا فإن السياق مهم نقدياً، ومعظم النقاد مذنبون بإخراج الآيات خارج إطار السياق لخلق تعارض مزعوم بينما لا يوجد تعارض.

خطأ آخر هو افتراض أن تقريراً جزئياً تقرير خاطئ. فمتى يقرر أن بطرس قال ليسوع: أنت المسيح ابن الله الحي. ومرقس يقول: أنت المسيح. ولوقا يقول: مسيح الله. (37)

يقول النقاد: هل رأيت؟ خطأ! وأنا أقول: أين الخطأ؟ فمتى لم يقل أنت لست المسيح، بينما قال مرقس أنت المسيح! بل أن متى أسهب الأمر. وهذا ليس خطأ بل أمور تكميلية.

الأخطاء الأخرى تتضمن تجاهل تفسير الفقرات الصعبة في ضوء الفقرات الواضحة؛ وضع تعليم متعلق بفقرة غامضة؛ نسيان أن الكتاب المقدس يستخدم لغة الحياة اليومية الغير متكلفة؛ الإخفاق في تذكر أن الكتاب المقدس يستخدم وسائل أدبية مختلفة؛ نسيان أن الكتاب المقدس هو كتاب إنساني بخصائص إنسانية.

فقلت: البشر يخطئون. فلو كان كتاباً إنسانياً، فهل الأخطاء يمكن تجنبها؟

فأجابني: فيما عدا الوصايا العشر، لم يُملي الكتاب المقدس. فالكُتّاب لم يكونوا سكرتارية للروح القدس. فأحياناً ما استخدموا وسائل بشرية أو أساليب أدبية مختلفة أو كتبوا من مناظير مختلفة، أو أكدوا على اهتمامات مختلفة، أو أعلنوا عن مشاعر ونماذج تفكير بشرية. ليست هناك مشكلة مع ذلك، ولكن كالمسيح، فالكتاب المقدس إنساني تماماً، ولكن بلا خطأ.

فقاطعته: ومع ذلك فالناس تطلع باعتراضات مزعومة طوال الوقت.

فأجاب مثل ماذا على سبيل المثال؟ ما هي الاعتراضات الأكثر شيوعاً التي تسمعها؟

فكرتُ للحظات وقلتُ: متى يقول إنه كان هناك ملاك واحد عند قبر يسوع. ويوحنا يقول اثنان. الأناجيل تقول إن يهوذا خنق نفسه، وسفر الأعمال يقول إن أحشائه قد خرجت.

فأجابني: أنت على حق، فهذه أمور متكررة، لكنها سهلة الحل. فبخصوص الملائكة، هل سبق لك أن لاحظت أنه كلما كان لديك اثنان من شيء ما، يكون لديك واحداً أيضاً؟ الأمر بسيط. متى لم يقل إنه كان هناك مجرد ملاك واحد. ويوحنا كان يقدم تفصيلاً أكثر قائلاً بوجود اثنين.

بالنسبة لانتحار يهوذا، فأنت تخنق نفسك على شجرة أو فوق حافة منحدر. كان مخالفاً للناموس أن تلمس جسداً ميتاً في تلك الأيام. ولذلك يكون هناك من مرّ لاحقاً، ووجد الجثة، وقطع الحبل، فسقط الجسد المنتفخ على الصخور. ماذا يحدث؟ تخرج الأحشاء تماماً كما يقول الكتاب المقدس. هذه ليست معارضة، بل تكملة.

على العموم، كان علي أن أعترف أن جيسلر كان مستقيم الفكر. فأنا أتذكر كملحد أمطر المسيحيين غير المستعدين بوابل من الاعتراضات والاختلافات الكتابية الظاهرية، فكانوا يصابون بالارتباك والحيرة لأنهم لم يقدروا على الإجابة، فكنتُ أنطلق وأنا أشعر بالفخر والرضا.

ولكن ليس معنى ذلك أنهم لم يقدروا على إجابتها أنه لم تكن هناك إجابات. فكما هو الحال مع الفقرات المُربكة الخاصة بالكنعانيين وإليشع، كلما تعمقت في البراهين التاريخية وأخضعت الموضوعات للفحص، كلما كانت تميل أن تخبو كاعتراضات.

لماذا يصعب الإيمان

آن أوان الغذاء تقريباً وكنتُ أشعر بالجوع، فسألتُ جيسلر: هل تريد أن تستريح قليلاً للغذاء فقال: بالطبع. هناك مطعم صغير بالأسفل. تفحصتُ مذكراتي. كنتُ أعتقد أنني قمتُ بتغطية كل شيء أردتُ مناقشته. ثم لاحظتُ اقتباساً كنتُ قد جئتُ به. كان عبارة عن وجدان عكسي أحبط الكثير من الناس: لماذا يجعل الله من الصعب جداً أن نؤمن به؟ لم أرد إنهاء اللقاء دون سؤال جيسلر حول ذلك.

قلتُ له: هناك شيء أخير قبل أن نرحل بينما قرأتُ له الكلمات الحيوية التي كتبها باحث روحي محبط: لو كنتُ أريد أن أتجنب الجحيم، فعليَّ افتراضاً أن أؤمن أن حيةً قد تكلمتْ إلى حواء، وأن عذراء قد أصبحت حبلى من قَبل الله، وأن حوتاً قد ابتلع نبياً، وأن البحر الأحمر قد انشق، وكل الأمور المجنونة الأخرى. حسناً، لو كان الله يريدني أن أكون مجنوناً جداً … فماذا يجعل الإيمان به …

مستحيلاً جداً؟ … يبدو الأمر بالنسبة لي أن إلهاً كُلَّي القدرة كان يمكنه عمل شئ أفضل لإقناع الناس بوجوده أكثر مما يفعله أي مبشر … أن يكتب فقط على السحب بخط لطيف وكبير: ها هو برهانكم، Ed. آمنوا بي أو إذهبوا إلى الجحيم! المخلص، القادر(38) تطلعتُ إلى جيسلر، وقلت له: ماذا تقول له؟ انذهل جيسلر قليلاً وأجابني: إجابتي ستكون أن الله قد فعل شيئاً مثل هذا فالمزمور 19: 1 يقول اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ. (39) في الحقيقة، هذا مكتوب عبر السماوات بوضوح شديد لدرجة أن الكثير والكثير من العلماء الذين يبحثون النجوم يصيرون مسيحيين.

العالم الكوني العظيم آلان سانداج الذي حصل على جائزة نوبل للفلك، استنتج أن الله هو تفسير معجزة الوجود (40) والسير فريد هويل الذي صمم نظرية الحالة الثابتة للكون لتجنب وجود الله صار مؤمناً أخيراً بوجود مصمم ذكي للكون.

عالم الفيزياء الفلكية هيو روس الذي حصل على شهادة الدكتوراه في الفلك من جامعة تورنتو وقام بأبحاثه عن أشباه النجوم والمجرات، قال إن الدليل التاريخي والعلمي قد أصل بعمق ثقتي بصحة الكتاب المقدس. (41) روبرت جاسترو – لا أدري معترف، ومدير مرصد مونت ويلسون، ومؤسس معهد Goddard Space، استنتج أن نظرية الانفجار العظيم تشير إلى الله. وأحبُ ما قاله الفيزيائي الرياضي روبرت جريفث: إن أردنا ملحداً من أجل مناظرة، لذهبنا لقسم الفلسفة. فقسم الفيزياء لا يفيد كثيراً. (42) إن البرهان، يا لي Lee، واضح جداً.

فأشرتُ: ليس لمتشكك مثل برتراند راسل. وذكرته قائلاً: لقد قال إنه لو وقف يوماً أمام الله وسُئل لماذا لم يؤمن به، لأجاب أنه لم يُعط له البرهان الكافي. وبما أن جيسلر كان مغرماً بجمع الاقتباسات من الملحدين واللاأدريين، فقد ذكر شيئاً آخر قاله راسل: سُئل راسل في أحد لقاءات مجلة لوك Look: تحت أي شرط ستؤمن بالله، فأجاب بشكل أساسي: حسناً، لو سمعتُ صوتاً من السماء يتنبأ بسلسلة من الأمور، ثم تحققت، فأعتقد أنه سيكون علي أؤمن بوجود ذاك النوع من الكيان الفائق للطبيعة. (43)

في ضوء مناقشتنا عن التحقق الإعجازي للنبوات التنبؤية في الكتاب المقدس، كانت السخرية في عبارة راسل واضحة. فصرح جيسلر: يمكنني أن أقول: سير راسل، كان هناك صوت من السماء، وقد تنبأ بأمور كثيرة، شهدناها تتحقق دون إنكار. لذلك لا تعتقد أن الله يجعل الأمر صعباً على الناس أن يؤمنوا؟ على العكس، فالدليل موجود لو تهيأ الناس لرؤيته. فالناس لا يتحولون عن الله بسبب انعدام الدليل، بل بسبب كبريائهم أو مشيئتهم. فالله لا يجبر أي إنسان لدخول جماعة المؤمنين. المحبة لا تعمل أبداً بإجبار. لكنها تعمل فقط بإقناع. وهناك الكثير من الأدلة المقنعة ههنا.

شعرتُ بواجبي لكشف شخصية الإنسان الذي اقتبستُ له قطعة لماذا يجعل الله من الصعب جداً ان يؤمن الناس. فقلت لجيسلر إن اسمه هو ادوارد بويد، وقد قدم هذه الملحوظة لابنه الفيلسوف المسيحي جريجوري بويد فيما كانا يتبادلان سلسلة من الخطابات يتجادلان فيها عن براهين المسيحية. في العام 1992، بعد تأمل البراهين شخصياً، قرر المتشكك السابق ادوارد بويد أن يكون تابعاً ليسوع. (44)

ابتسم جيسلر لسماع القصة، ثم إتجه إتجاهاً شخصياً شعرياً فيما اختتم الحوار بمناقشة إيمانه الشخصي. بالنسبة لي، أقول نفس الشئ الذي قاله الرسول بطرس: «يَا رَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ» (45). فهو الوحيد الذي لم يعلن فقط أنه هو الله، بل أثبت أيضاً أنه هو الله. عندما اقارن هذا بكل أصحاب الديانات الأخرى، يكون الأمر كالشاعر الذي قال:

الليل له ألف عين

والنهار له عين واحدة

فنور العالم كله يموت

مع شروق الشمس

رق صوت جيسلر لكنه احتفظ بشدته. وقال: في منتصف ليل الجهل البشري، هناك الكثير من الأنوار في السماء. وفي وقت الظهيرة هناك نورٌ واحد. وهو يسوع المسيح نور العالم. فطبقاً لبراهين من يكون، لا يوجد حقاً أي منافس.

لذلك جعلتُ معه نصيبي – لا مع من زعم الحكمة – كونفوشيوس، أو مع من زعم الاستنارة – بوذا، أو مع من زعم النبوة – محمد، بل مع من أعلن أنه الله المتجسد، الواحد الذي أعلن قائلاً قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن (46)، وأثبت ذلك

مشاورات

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  • قيم كيف تؤمن أن جيسلر قد نجح في التعامل مع الموضوعات المُربكة لكيف تعامل الله مع عماليق، الكنعانيين، والغوغاء التي هددت إليشع النبي. ماذا كان أقوى جزء من تفسيره؟ هل موضوع شخصية الله نقطة محيرة في رحلتك الروحية؟ لماذا؟ لماذا لا؟
  • هل تفهم إرشادات جيسلر لتفسير الكتاب المقدس؟ اي منها رأيتَ أن النقاد قد اخترقوها؟ هل تتفق أن ترجيح صدق الكتاب المقدس على أساس أنه برهن مصداقيته في حالات كثيرة؟ لماذا؟ لماذا لا؟
  • ما هو رد فعلك لاقتباس المتشكك السابق ادوارد بويد؟ هل تؤمن أن الله قد جعل الإيمان به صعباً؟ ما هي عقبتك الكبرى للإيمان؟ ما هي الخطوات المحددة التي كان يمكنك اتخاذها لقهر تلك العقبة؟
  • هل تعطلت بوجود تناقض أو تعارض ظاهر في الكتاب المقدس؟ لو كان الأمر هكذا، فكيف تصرفت لإيجاد إجابة؟ حاول وضع سؤالك بقدر الإحكام، ثم استفد من مصادر المكتبة والانترنيت، بما فيها الكتب المذكورة بالأسفل، وإبحث هل هناك تفسير يرضيك.

لمزيد من الأدلة

مصادر أخرى حول هذا الموضوع

 

Norman Geisler. Baker Encyclopedia of Christian Apologetics. Grand Rapid، Mich.: Baker، 1999.

Norman Geisler and Thomas Howe. When Critics Ask. Grand Rapids، Mich.: Baker، 1992.

Norman Geisler and Ronald Brooks. When Skeptics Ask. Wheaton، III. Victor، 1990.

Gleason L. Archer. Encyclopedia of Bible Difficulties. Grand Rapids، Mich.: Zondervan، 1992.

Walter C. Kaiser Jr.، Peter H. Davids، F.F. Bruce، and Manfred T. Brauch. Hard Sayings of the Bible. Downers Grove، III. Inter Varsity Press، 1996.

 

1 وسيطة أمريكية وُلدت في العام 1918 وتوفت في العام 1997 إثر أزمة قلبية – المترجم

(1) Quoted in: Carry Poole and Judson Poling، Tough Questions 4 (Grand Rapids، Mich.: Zondervan، 1998)، 12.

(2) Paslam 86:15.

(3) Charles Templeton، Farewell to God، 71.

(4) George H. Smith، Atheism: The Case against God، 77.

(5) Ibid.، 76.

(6) Thomas Paine، Age of Reason، Part I (First printed 1794; reprinted by The Freethought Press Association، New York، 1954)، 18-19، quoted in George H. Smith، Atheism: The Case against God، 78.

(7) قضاة ١٩: ٢٥، ٢٩.

(8) 2 صموئيل 12: 31

(9) ملاخي ٣: ١٦.

(10) 1 صموئيل ١٥: ٣.(10)

(11) مرقس ١٠: ١٤. (11)

(12) 12 ملوك ٢: ٢٣ -٢٥.

(13) Walter C. Kaiser Jr.، Peter H. Davids، F. F. Bruce، and Manfred T. Brauch، Hard Saying of the Bible (Downers Grove، 111.: InterVarsity Press، 1996)، 233، 234.

(14) Ibid. See also: I Kings 20:14-15.

(15) Charles Templeton، Farewell to God، 197 (emphasis removed)، 198،199.

(16) Genesis 1:29-30. After the Flood، God told Noah and his sons in Genesis 9:3 «Everything that lives and moves will be food for you. Just as I gave you the green plants، I now give you everything. »

(17) Isaiah 65:17، 25.

(18) Proverbs 12:10.

(19) George H. Smith، Atheism: The Case against God، 210-11.

(20) Charles Templeton، Farewell to God، 38.

(21) John 3:12.

(22) See: Clifford A. Wilson، Rocks، Relics and Biblical Reliability (Grand Rapids، Mich.: Zondervan، 1977)، 42.

(23) William F. Albright، Archaeology and the Religion of Israel (Baltimore، Md.: Johns Hopkins Press، 1953)، 176.

(24) See: Colin J. Hemer، the Book of Acts in the Setting of Hellenistic History (Winona Lake، Ind.: Eisenbrauns، 1990).

(25) William M. Ramsay، St. Paul the Traveler and the Roman Citizen (Grand Rapids، Mich.: Baker، 1982)، 8.

(26) A. N. Sherwin-white، Roman Society and Roman law in the New Testament (Oxford: Clarendon Press، 1963)، 189.

(27) See: William F. Albright، «Retrospect and Prospect in New Testament Archaeology، » in The Teacher’s Yoke، E. Jerry Wardama’n، ed. (Waco، TX.: Bay-lor University، 1964)، 288ff.

(28) Norman L. Geisler، Baker Encyclopedia of Christian Apologetics (Grand Rapids، Mich.: Baker، 1999)، 544.

(29) See: Bertrand Russell، «What Is an Agnostic? »، Look magazine، 1953، quoted in Norman L. Geisler، Baker Encyclopedia of Christian Apologetics، and 455-56.

(30) John 10:37.

(31) John 3:2.

(32) See surah 2:118; 3:181-84; 4:153; 6:8، 9، 37 in the Koran.

(33) Surah 6:37.

(34) Ibid.

(35) Luke 7:22.

(36) Norman Geisler and Thomas Howe، When Critics Ask (Grand Rapids، Mich.: Baker، 1992).

(37) Matthew 16:16، Mark 8:29، Luke 9:20.

(38) Gregory A. Boyd and Edward K. Boyd، Letters from a Skeptic (Wheaton، 111.: Victor، 1994)، 120.

(39) Revised Standard Version.

(40) John Noble Wilford، «Sizing up the Cosmos: An Astronomer’s Quest، » New York Times، March 12، 1991، quoted in: Hugh Ross، Creator and the Cosmos (Colorado Springs: Nav. Press، 1993)، 116.

(41) Hugh Ross، Creator and the Cosmos، 17.

(42) Robert Jastrow، «The Secret of the Stars، » New York Times Magazine، June 25، 1978، quoted in: Hugh Ross، Creator and the Cosmos، 116.

(43) See: Bertrand Russell، «What Is an Agnostic? » Look magazine، 1953، quoted in Norman L. Geisler، Baker Encyclopedia of Christian Apologetics، and 455-56.

(44) Gregory A. Boyd and Edward K. Boyd، Letters from a Skeptic، 189.

(45) John 6:68.

(46) John 8:58.

قتل الأطفال الأبرياء في العهد القديم – لي ستروبل

تاريخ الكنيسة في العصور الوسطى والظلم والعنف – لي ستروبل

تاريخ الكنيسة في العصور الوسطى والظلم والعنف – لي ستروبل

تاريخ الكنيسة في العصور الوسطى والظلم والعنف – لي ستروبل

تاريخ الكنيسة في العصور الوسطى والظلم والعنف – لي ستروبل

“لقد إستغلت المسيحية عبر التاريخ (من قِبَّل بعض الأشخاص) كمبرر لأكثر الأهوال الحمقاء القاسية الوحشية المعروفة للإنسان. والأمثلة التاريخية لا تصعب على التذكر: الحملات الصليبية، محاكم التفتيش، إحراق السحرة، الهولوكوست…. لم أر في المسيحية الكثير حتى أعتبر أنها تستحق أن أدين بها.”

كين شى – ملحد [1]

“لقد كانت المسيحية عطية للبشرية…. وكان لها تأثيرّ مفيد على الجنس البشرى… فمعظم الذين يعيشون اليوم في بيئة مسيحية ظاهرية بأخلاقيات مسيحية لا يُدركون كم ندين ليسوع الناصري… فكم من الخير والرحمة الموجودة في هذا العالم قد تدَّفقت بمقدار عظيم منه هو.”

جيمس كينيدى -مسيحي[2]

كان وين أولسون على الدوام هو الأكثر مرحاً في مجموعته. كقاض مهيب محترم له عينان زرقاوان شاحبتان، وهالة من الشعر الأبيض، كان أولسون يُمتع كل واحد بقصص مضحكة للغاية من خبراته الغريبة أحياناً من محكمة جنايات كوك كاونتي. كان يتمتع بذكاء حاد وبقدرة مذهلة على المرح، وبأكبر قدر من المودة المُشجعة التي يمكن أن يتصف بها مسئول في شيكاغو.

كان أولسون غير مشهور، لكنه كان قاضياً حى الضمير فيما يبدو. لقد أحب بشكل خاص أن يرى إسمه في الصحافة، لذلك كان عادةَّ ما يُقدِّم لى القصص عندما كنتُ مراسل الشيكاغو تريبيون في مبنى المحاكم الجنائية على الجانب الغربي من شيكاغو.

فى نهاية اليوم، أحياناً ما كنا نسترخي في مكتبه ونتبادل النكات. وعادةَّ ما كنا نُطلق بعض الضحكات بعد تناول المشروبات في مقهى Jeans، وهو مقهى مشهور، حيث كان يستضيف كل من لديه قصص عن كيف تمكن من دفع نفقات كلية الحقوق من خلال العمل طبالاً في فرقة بولكا Polka. ولأنه كان شخصاً إنبساطياً بشكل كبير، فلم يحتمل أن يكون وحيداً.

ذات مرة إتصل بطاقم الصحافة، ودعاني لحفل زفاف. ذهبتُ إلى مكتبه، ووجدتُ أولسون المرح يُشرف على زواج مفاجئ لقاطع طريق مقيد اليدين – كان قد حُكم عليه تواً بثلاث سنوات في السجن – وصديقته الحامل. وعلى الفور إختارني أولسون كشاهد العريس.

وقال مبتسماً بعدما قاد المساعدون العريس خارجاً بعد إحتفال لمدة دقيقتين: “عذراً، لا يوجد شهر عسل”.

كقاضي مخدرات يسمع قضايا إجرامية روتينية، لم يكن أولسون في وضع يمهد أية طرق قضائية جديدة. فعلى الأقل، لم يكن الأمر عمداً. ومع ذلك، ففى إجازة عيد الشكر لعام 1980، أصبح أولسون دون علمه متورطاً في حادث غير مسبوق في القضاء الأمريكي.

بعدما غادر أولسون مقر المحكمة، متوقعاً إجازة راحة لمدة أربعة أيام، إقتحم فريق من عملاء وكالة الإستخبارات الأمريكية FBI في سرية مكتبه المُظلم، ووضعوا جهاز تنصت مُصرّح به قانونياً. وقد أشار ذلك للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة أن الإستخبارات الفيدرالية قد تتصنت على قاض مقيم، وهو شرفِّ لو كان أولسون قد عرفه لكان قد تخلى عنه لأي إنسان آخر.

تيرانس هيك – المُدَّعى المعين للعمل في محكمة أولسون – كان في الواقع عميل سرى، وجزء من تحرى حكومى سرى يُدعى “عملية جرى لورد” Operation Greylord”. بعدما عاد أولسون من الأجازة، عندما كان أي إنسان تحت المراقبة يدخل مكتبه، كان هيك يستخدم جهاز إرسال مختفي لإرسال رسالة مُشفرّة لأحد عملاء الـ FBI المتمركز في سيارة تركن بالخارج. وكان العميل بعد ذلك يرسل لمُتحر آخر كَى يقوم بتفعيل جهاز التنصت حتى يتمكن العملاء من الإصغاء لما كان يدور خلف الأبواب المغلقة. [3]

على العموم، تم تسجيل أكثر من 250 ساعة من المحادثات – وقد أكدت الشكوك الحكومية أن القاضي كان يحيا حياة مزدوجة. فلقد إتضح أن أولسون المحبوب، المنبسط، وصاحب الشعبية الجارفة في المحكمة، مبتزاً فاسداً بشكلٍ رهيب، فقد كان يبيع العدالة لمن يدفع أكثر.

مُسجلّ على الشرائط إلى الأبد، كان أولسون يقبل الرشاوى من المساعدين ومُحّرفى العدالة في كل مرة. وفى أحد المواقف سُمع وهو يقول: “أحبُ الناس الذين يأخذون الرشاوي لأنك تعرف تماماً أين تقف.” [4] في الواقع، في غضون أيام بعد وضع جهاز التنصت، إستمع العملاء في إندهاش أولسون وقد سوَّى بوقاحةٍ قضية مخدرات مع محامٍ غير شريف.

أولسون: أنا جامع نقود.

المحامي: هل 200 دولاراً كافية أيها القاضي؟ لقد خصصتُ 765 دولاراً. لو لم تكن كافية فأخبرني. مهما كانت الصفقة….

أولسون: حسناً، لقد قمتُ بصفقةٍ مع شخص، لكنى سأعطيها لك، فأنت يمكنك القيام بعمل أفضل.

المحامي: لقد أعطيتك اثنتين ] 200 دولاراً [. لو لم تكن كافية فأخبرني. مهما كانت الصفقة….

أولسون: أحبُ من يدفع لى نصف… ما يحصل عليه… ففى بعض الأيام لا أحصل على شئ. ومن المُخجل أن يأتى شخص إلى هنا ولا يكون معه شيئاً. [5]

تركتُ شيكاغو تريبيون لتحرير صحيفة أخرى عندما إنتشرت الأخبار المذهلة، أولسون يُتهم بـ 55 فقرة إتهامية من الرشوة والإبتزاز. هززتُ رأسى. لقد خدعني، وخدع رفاقه، وخدع العامة لسنواتٍ طويلة جداً. شعرتُ بالخيانة والغضب إثر إستخفافه المتكبر بنفس القوانين التى أقسم على التمسك بها. لقد إنقلب عليه الحظ تماماً، فالقاضي الذي كان يتحكم ذات مرة في مصير الآخرين كأنه ملك وجد نفسه الآن محكوماً عليه بـأثنتى عشرة سنة في سجن فيدرالي.

ولم يذهب إلى السجن وحده. فعشرات القضاة والمحامين المنحرفين وجدوا أنفسهم أيضاً مجروفين في شبكة عملية جرى لورد – أكثر تحقيق سريٍ ناجح في تاريخ نظام محاكم كوك كاونتى – وهو تحري أثار أسئلة، بالتشابه، لها علاقة أيضاً بالمسيحية.

فاسد حتى النخاع؟

كان أحد الموضوعات التى طرأت على السطح خلال عملية جرى لورد هو: عندما يُكتب تاريخ شيكاغو، فهل سيُنظر إلى جرائم أولسون ومسئولي المحكمة الفاسدين الآخرين على أنها تشابهات في نظام شريف آخر للعدالة؟ وبأسلوب آخر، هل جهاز العدالة الإجرامي بلا شوائب أساساً ونزيه فيما عدا تلك اللطخات النادرة التى حدثت عندما حاول قاضي محتال أن يرتشي لنفسه؟

أم أن أولسون ورفاقه عُرضة للفساد المنظم المنتشر حتى إنهم أفسدوا DNA العدالة في كوك كاونتى؟ هل نظام المحكمة مُعرَّض حتى النخاع للإبتزاز والمحاباة، حتى إن قضية أولسون كانت حقاً نافذة لـ “العمل المعتاد” داخل القضاء المحلي؟

نفس هذه الأسئلة يمكن طرحها بخصوص المسيحية بشكل أساسي. فالمسيحيون يميلون لرؤية حالات سوء إستغلال الكنيسة والعنف خلال القرون كتشابهات في أية مؤسسة إيجابية أخرى.

ومع ذلك، فالنقاد أكثر استعداداً لإعتبار الصور الزائفة كالحروب الصليبية، ومحاكم التفتيش، ومحاكمات ساحرات سالم كتفسير لمشكلة أعمق: أن المسيحية نفسها مُلَّطخة حتى النخاع برغبةٍ متعطشة للسلطة لفرض إرادتها على الآخرين – حتى ولو كان من خلال العنف والأستغلال إن كان هذا ضرورياً. قال أحد أشهر ملحدى التاريخ الحديث – برتراند رسل – إن هذا يصعب تجنبه:

بمجرد أن يُفترض أن الحق المطلق سوف تتضمنه أقوال رجل معين، فسوف تكون هناك مجموعة من الخبراء لتفسير أقواله، وهؤلاء الخبراء يستوعبون القوة بشكل معصوم، وذلك لأنهم يمسكون مفتاح الحق. ومثل أية طائفة متميزة أخرى، يستخدمون قوتهم لمصلحتهم الشخصية… إنهم يصيرون خصوماً بالضرورة لكل تقدمٍ أخلاقي ومعرفي. [6]

وبالطبع فإن الأهوال التى اُرتكبت تحت أسم يسوع كانت بمثابة موانع صواعق بالنسبة لخصوم الإيمان. قال الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل ستيفن وينبرج: “بالدين أو بدونه، يمكن أن يكون لديك أخيار يفعلون خيرات وأشرار يفعلون شروراً. ولكن بالنسبة للأخيار الذين يفعلون شروراً، فهذا يتطلب الدين”. [7]

لقد كانت سوء الإستغلالات التي قامت بها الكنيسة أحد العوامل التي دفعت كين شى لإتخاذ خطوة جمع لفظتين متناقضتين لتأسيس مؤسسة إسمها “ملحدون ليسوع Atheists for Jesus” التي تعترف بما تدعوه أن يسوع هو”رسالة المحبة والوداعة”دون قبوله كالله، ودون قبول الكنيسة كبيته.

كان نفور تشارلز تمبلتون من كثير مما حدث من قِبَل الكنائس واضحاً في حوارنا كما هو في كتاباته. فبينما قرر أن الدين المُنظم قد قدم “خيراً لا يُقاس”، إلا إنه إتهم أنه “نادراً ما كان على أفضل أحواله. فكثيراً جداً ما كان تأثيراً سلبياً… وعبر القرون وفى كل قارة، كان المسيحيون – تابعي رئيس السلام – هم سبب الصراع والمتورطين فيه”. [8] فعلى سبيل المثال شبه الكنيسة خلال العصور الوسطى كونها “منظمة إرهابية”. [9]

هل هذا التخمين مؤكد بالبيانات التاريخية؟ هل من الممكن أن يدافع المسيحيون عن أنفسهم ضد المجازر الدموية الوحشية للحروب الصليبية والتعذيب الوحشي لمحاكم التفتيش؟ هل أمثلة العنف والإستغلال هذه تقدم طرازاً متواصلاً للسلوك يجب أن تحفز بشكل مبرر الباحثين الروحيين لتجنب الدين المنظم؟

هذه أسئلة مُربكة، ولكن لحسن الحظ لم آضطر للسفر بعيداً جداً للحصول على الإجابات. فقد كان واحدٌاً من أشهر مؤرخى المسيحية يسكن على بعد أقل من نصف الساعة من بيتى حينما كنتُ أسكن في ضاحية شيكاغو.

اللقاء السابع: جون د. وودبردج – دكتوراه في الفلسفة:

بعد الحصول على شهادة الماجستير في التاريخ من جامعة ميتشجن الحكومية، حصل وودبريدج الذي يجيد التكلم بلغتين على شهادة الدكتوراه من جامعة تولوز في فرنسا. وحصل على عضوية ومنحة فولبرايت من المنحة الحكومية للدراسات الإنسانية National Endowment for the Humanities American Council of Learned Societies. وقام بالتدريس في عدد من الجامعات المدنية، بما فيهم قسم الدين، Hautes Etudes، السوربون، باريس. والآن يعمل أستاذاً باحثاً في تاريخ الكنيسة في مدرسة اللاهوت الإنجيلية في دير فيلد، إلينوى.

تتضمن كتب وودبريدج العديدة المتعلقة بالتاريخ أعمال تقنية مثل “التمرد في فرنسا فيما قبل الثورة: مؤامرة أمير كونتى ضد لويس الخامس عشر 1755 – 1757″، الذي نشرته مطبعة جامعة جون هوبكنز، والمزيد من الجهود مثل القادة العظماء للكنيسة المسيحية Great Leaders of the Christian Church؛ أعظم من منتصرين More Than Conquerors؛ سفراء للمسيح Ambassadors for Christ. وكتب أيضاً كتباً عن اللاهوت والدراسات الكتابية مثل التفاسير، والسلطان، والقانون Hermeneutics, Authority and Canon؛ والكتاب والحق Scripture and Truth، وكلاهما إشترك في تأليفهما مع كارسون؛ والسلطان الكتابي Biblical Authority. بالإضافة إلى ذلك، عمل كمحرر أعلى لـ المسيحية اليوم لمدة عامين.

وودبريدج عضو كثير من الجمعيات التاريخية الرئيسية في الولايات المتحدة وفرنسا، بما فيها الجمعية التاريخية الكاثوليكية الأمريكية American Catholic Historical Association؛ الجمعية الأمريكية لتاريخ الكنيسة American Society of Church History؛ والجمعية الأمريكية لدراسات القرن الثامن عشر American Society of Eighteenth Studies؛ والجمعية الفرنسية Societe francaise du XVII siecle؛ وجمعية التاريخ الحديث والمعاصر Societe d’histoire moderne et contemporaine.

عندما قابلتُ وودبريدج في بيته الهولندي المزخرف بصورة تقليدية، أختبرتُ قليلاً من الشعور بتكرار الموقف. وبعد ذلك أدركتُ أنه يحمل تشابهاً غريباً للممثل بيتر بويل. كان الرجل الأصلع – أب ثلاثة أطفال، والبالغ من عمره 55 عاماً – يرتدى سويتر أبيض فوق قميص أزرق ذات أزرار. جلسنا أمام أحدنا الآخر على مائدة غرفة طعامه، وكانت عليها أوراق لكتاب كان يستكمله بينما كان في إجازة.

لم تكن هناك طريقة لبدء مناقشتنا. ليس في هذا الموضوع. فرغم أن لقاءنا كان قبل شهور قليلة من قيام البابا يوحنا بولس الثانى بتقديم إعترافه التاريخي العام، وطلب غفران الله عن الخطايا التي ارتكبتها أو تغاضت عنها الكنيسة الكاثوليكية الرومانية خلال الألفيتين الأخيرتين[10]، سحبتُ قصاصة من جريدة عن إعتراف أقدم تاريخاً من البابا، وأشرتُ إليه بينما طرحتُ التحدي الأول.

الإعتراف بخطايا الكنيسة:

بدأتُ قائلاً: “فى العام 1994 دعا البابا يوحنا بولس الثاني الكنيسة للإعتراف بـ “الجانب المظلم من تاريخها”، وقال: “كيف يمكن أن يبقى المرء صامتاً عن أشكال كثيرة للعنف المُرتكبة تحت إسم الإيمان – حروب الدين، محاكم التفتيش، والأشكال الأخرى من إنتهاكات حقوق البشر؟” [11].

أليس صحيحاً أن الكنيسة عبر القرون قد أغفلت بشكلٍ مقصود هذه المساوئ؟

بينما كان وودبريدج يستمع، جلس ومرفقيه على المائدة، ويديه مربعتين وقام بتحليل سؤالي قبل لحظاتٍ من الرد.

أجابني قائلاً: “أعتقد أن تصريح البابا كان شجاعاً؛ لأنه يعترف أن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية قد تغافلت عن بعض الأشياء التي أُرتكبت تحت إسم المسيح، وهي عُرضة بوضوح لنقد المسيحية بوجهٍ عام.

“ورغم ذلك، اُضيفُ سريعاً أننا يجب أن نحرص على إستخدام تعبير “الكنيسة”، لأن هذا يعطى إنطباع أنه كانت هناك مؤسسة واحدة تمثل المسيحية. سوف أضعُ حداً فاصلاً من التمييز بين الناس الذين هم جزء من “الكنيسة” – الناس الذين هم الخراف الذين يسمعون صوت الراعي وهم مسيحيون حقيقيون – و”الكنائس المؤسسية”، قالها وهو يؤكد على جمع الكلمة قبل الأخيرة.

أضاف: “والآن بوضوح هناك الكثير والكثير من المسيحيين الحقيقيين الذين هم في الكنائس المرئية، ولكن بسبب أن شخصاً ما هو جزء من كنيسة ليس معناه بالضروري أنه تابعاً ليسوع. بعض الناس مسيحيين ثقافيين وليسوا مسيحيين أصليين.”

فنظرتُ متشككاً وتساءلتُ: “أليس هذا جزء من تعديلية القرن الحادي والعشرين؟ فهذا يجعل من الأسهل للنظر إلى الماضي، والقول بأن كل الأهوال التى أُرتكبت تحت إسم المسيحية قد إرتكبت حقاً من قِبَل أولئك الذين قالوا إنهم كانوا مسحيون، لكنهم لم يكونوا هكذا في الحقيقة. هذا يبدو مجال مناسب للمراوغة.”

فأصر قائلاً: “لا” فهذا التمييز ليس جديداً. ففي الحقيقة يعود الأمر إلى يسوع نفسه. مدَّ يداه لكتابه المقدس الذي كان مختبئاً بين بعض الأوراق المتناثرة، وقرأ كلمات يسوع من إنجيل متى:

“لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لَي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتَ. بَل الَّذي يَفْعَل إرَادَةَ أبَي الَّذي فَي السَّمَوَاتَ. كَثَيرونَ سَيَقُولُونَ ليِ فَي ذَلكَ الْيَوْمَ: يَا رَبُّ يَا رَبُّ ألَيْسَ باسْمَك تَنَبَّأنَا وَبَاسْمَكَ أخْرَجْنَا شَيَاطينَ وَبَاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحينَئَذٍ أُصرَّحُ لَهُمْ: أنِّي لَمْ أعْرَفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعَلَي الإثْم![12]

وبعدها قال وودبريدج: “وهكذا تكلم يسوع عن هذا التمييز منذ ألفي عام. وبالطبع خلال القرون أرتكب الكثير تحت إسم المسيحية لا يعكس تعاليمه.

“على سبيل المثال، حاول أدولف هتلر أن يصبغ حركته كحركة مسيحية، لكنه لم يقدم بوضوح ما أشار إليه يسوع. وعندما طُلب من اللاهوتي كارل بارث أن يبدأ محاضرة في ألمانيا بالقول “مرحي هتلر Heil Hitler”، أجاب: من الصعب أن أقول: “مرحى هتلر” قبل تفسير الموعظة على الجبل! “فهذان الشيئان لا يتوافقان معاً. ولذلك إن قبلنا هذا التمييز، يمكننا أن نحلل بوضوح أكثر بعض الأشياء المنسوبة للإيمان المسيحي.”

بُقيتُ ملتبساً فتساءلتُ: “هل تقصد إذاً أنه كان شئ شرير قد اُرتكب في التاريخ، فلا يمكن أن يكون قد إرتكبه مسيحيون أصليون؟”

فأجابني: “لا، لا، لا أقولُ ذلك. فالكتاب المقدس يوضح أنه بسبب طبيعتنا الخاطئة، فإننا نستمر في عمل الأشياء كمسيحيين لا يجب أن نعملها. نحن غير كاملين في هذا العالم. ولسوء الحظ، فإن بعض الأفعال الشريرة التي اُرتكبت عبر التاريخ ربما تكون في الحقيقية قد إرتكبها مسيحيون. وعندما حدث ذلك، يكونوا قد تصرفوا على خلاف تعاليم يسوع.

“وفي نفس الوقت، يجب أن نميز أنه كان هناك غالباً صوت أقلية إعترف بمساوئ ما مارسته بعض الكنائس المؤسسية. على سبيل المثال، كنتُ أقرأ للتو هذا الصباح أنه خلال إحتلال إسبانيا لأمريكا اللاتينية، كان هناك كاثوليك رومان يُرَّوعون لكون السكان الأصليين كانوا يُستغلون لأغراضٍ إقتصادية تحت إسم المسيح. وقالوا: “لا، لا يمكنكم عمل ذلك!” كان هؤلاء المسيحيون مستعدون لإعلان مساوئ ممثلي الدولة أو الكنيسة.”

“نعم، من المناسب تماماً الإعتراف بأن بعض الأشياء التي إرتكبها مسيحيون هي في حقيقتها خطايا. فالكتاب المقدس يخبرنا أن نعترف عن خطايانا. والإعتراف يجب أن يكون واحداً من الصفات المميزة للمسيحيين – فهو إستعداد للتصريح بالخطأ، وطلب الغفران، والسعي لتغيير طرقنا في المستقبل. في الواقع، ليس البابا وحده الذي يقوم بذلك. ففي الإتفاقية المعمدانية الغربية كانت هناك مبادرة حديثة للإعتراف بأن المعمدانيين الغرب الأوائل قد أخطأوا بشكلٍ رديء بخصوص موضوع العبودية. ومنذ عدة سنوات إعتذرت مجموعة لوثرية كندية لليهود لمناهضة السامية في كتابات مارتن لوثر.”

“كمؤرخ، هل يمكنك توضيح لماذا يتخذ المتشككون المساوئ من تاريخ الكنيسة بإعتبارها حُججاً ضد المسيحية، أو كطريقة للهجوم على الإيمان؟”

فأجابنى: “يمكنني أن أفهم ذلك. لسوء الحظ، فإن بعض الأحداث المعينة في التاريخ قد نشأ عنها السخرية في بعض الناس تجاه المسيحية. وفي نفس الوقت، هناك عدد من الآراء المضللة حول ما فعله المسيحيون وما لم يفعلوه. فبعض النقاد هاجموا المسيحية الثقافية، وقد فشلوا في فهم أنها مسيحية حقيقية.

“لقد كانت هذه واحدة من مشكلاتنا لقرون. كان فولتير ناقداً رئيسياً للمسيحية، ومع ذلك عندما ذهب إلى إنجلترا، إلتقى ببعض المسيحيين من الكويكرز Quakers والمطهريين Presbyterian، وتأثر بإيمانهم للغاية. لذلك من الممكن أن يكون هناك شكل مؤسسي للمسيحية أحياناً ما يصد الناس، بينما من الممكن أن تكون التعبيرات الحقيقية عن الإيمان جذابة للغاية عندما يقابلها الغير مسيحيين.”

بهذه الخلفية قررتُ الرجوع إلى فجر المسيحية ثم الإنتقال للأمام عبر التاريخ بإثارة بعض أكثر الأحداث إزعاجاً التى نُسبت إلى الإيمان.

لماذا إنتشرت المسيحية؟

لقد تعجب المؤرخون ووضعوا النظريات حول السرعة المدهشة التى إنتشرت بها المسيحية في الإمبراطورية الرومانية رغم الإضطهاد الوحشي. طلبتُ من وودبريدج أن يخمن التعليقات التي قالها الملحد الذي صار مسيحياً باتريك جلين:

جزء من سبب الإنتشار السريع للمسيحية، كما أشار المؤرخون، كان ببساطة أن المسيحيين الأوائل أناساً ودعاء. فوداعة المسيحيين وخدمتهم للفقراء والمسحوقين جذبت تابعين جدد. قال مؤرخ: “المسيحيون أدهشوا القدماء بإحسانهم.”

أومأ وودبريدج مستجيباً، وقال: “نعم، أعتقد أن إشارة جلين للإنتشار السريع للمسيحية دقيق. فترتليان Tertullian يكتب في نهاية القرن الثاني: “نحن مجرد أبناء الأمس، ومع ذلك نملأ مدنكم، وجزيرتكم، وقصركم، ومجلسكم، وساحتكم، وقد تركنا لكم فقط معابدكم.” ولذلك ففي غضون 150 عاماً إنتشرت المسيحية بسرعة كبيرة جداً جداً.

“وتفسير واحد لإنتشارها السريع – كما أشار جلين – هو أن مسيحيين كثيرين لم يكونوا يعتنون فقط بخاصتهم، بل كانوا يعتنون بالجيران، والفقراء، والأرامل، والمجروحين، وكانوا محبين جداً بصورة أساسية. لقد أظهروا العطف تجاه الأطفال، الذين كانوا يُعاملون غالباً بقسوة من قِبَل الرومان واليونانيين عند ميلادهم، ولا سيما الأطفال من البنات. كان أسلوب حياة المسيحيين يناسب تعاليمهم، ولذلك كان الكثير من المسيحيين الأوائل لا يخافوا أن يقولوا: “تمثلوا بنا كما نتمثل نحن بالمسيح.”

وبقول هذا، أضاف وودبريدج شيئاً بقليلٍ من الخجل: “لسوء الحظ، في الكرازة المعاصرة يقول البعض: “لا تنظروا إلينا، أُنظروا إلى المسيح”، لأننا نخشى ما سيجده الناس إن تعرَّضت حياتنا للفحص. لم يكن هذا مناسب للكثير من هؤلاء المسيحيين الأوائل – فقد كان هناك تناغم بين معتقداتهم وسلوكهم.”

سحب وودبريدج ورقة وقال: “يمكننا أيضاً الحصول على بعض الأفكار حول سبب نمو المسيحية بسرعةٍ مذهلة من بعض غير المسيحيين الأوائل.” ثم قرأ بصوتٍ عالٍ ملاحظات لوسيان Lucian، وهو هجائي يوناني من القرن الثاني، وناقد للمسيحية:

هذه المخلوقات المُضللة تبدأ بالإقتناع العام أنها خالدة إلى الأبد؛ وهذا يفسر إحتقار الموت وتكريس النفس طوعاً، الأمر الشائع جداً عندهم، وأنه قد أوصى لهم – من قِبَل مُشرعهم الأصلى – أنهم جميعاً أخوة منذ لحظة تحولهم. وهم ينكرون آلهة اليونان ويعبدون الحكيم المصلوب، ويتبعون نواميسه. كل هذا يلزمونه بالإيمان، وتكون النتيجة أنهم يحتقرون كل المسرات العالمية على حدٍ سواء، معتبرين إياها مجرد ملكية عامة. [13]

“إنه يؤكد حقيقة أن المسيحيين عاملوا الواحد الآخر كأخوة، وشاركوا ممتلكاتهم بحرية مع بعضهم البعض. أضف إلى ذلك عاملاً مهماً آخر يشير إليه: فالمسيحيون آمنوا أن الموت هو أن تكون مع المسيح. ويقول يوستينوس الشهيد Justin Martyr في الدفاع الأول the First Apology: “يمكنكم أن تقتلونا، ولكن لا يمكنكم أن تجرحونا.” [14] معظمنا يعتقد أن القتل هو جُرح طويل المدى، ولكن من وجهة نظرهم، فإن القتل لا يهم كثيراً جداً. وهذا ما قاله بولس: “لَيَ الْحَيَاةَ هَيَ الْمَسيحُ وَالمَوْتُ هُوَ ربْحٌ.” [15]

“ولذلك عندما تأخذ في الإعتبار تكريس المسيحيين الأوائل الشجاع للإيمان، وإستعدادهم للشهادة من خلال إستشهادهم لحق المسيح، وأسلوب حياتهم الوديع المتعاطف، وإهتمامهم بالواحد الآخر وبالمعوزين والمجروحين والمحرومين في المجتمع، وتكريسهم للصلاة، وقوتهم بالروح القدس، يمكنك أن تبدأ في فهم لماذا إنتشر الإيمان بسرعة مدهشة.”

فتساءلتُ: “أساساً، هل كان تبّنى المسيحية كديانة الدولة الرومانية أمراً جيداً أم رديئاً؟”

“من ناحيهً، كان من الرائع جداً أن تتوقف الإضطهادات – ومن هنا كان ذلك أمر جيد.” قالها وودبريدج مبتسماً. “ولكن فيما أصبحت الكنيسة مرتبطة بالدولة عن قرب، فقد بدأت الكنيسة إستخدام الدولة كوكالة إضطهادية، وقد صار ذلك أمر رديء للغاية. وبالإضافة إلى ذلك، فقد تسربت روح العالم إلى الكنيسة.”

“كيف ذلك؟”

“لقد إنتشرت شائعة أن قسطنطين قد وعد أنه لو صرتَ مسيحياً، لحصلت على رداءٍ جميل وقطع من الذهب. حسناً، فهذه ليست أمور صعبة كي تصير مسيحياً. ومن هنا كان الباب مفتوحاً على مصراعيه لمن قد يكونون إعترفوا بالمسيحية، لكنهم لم يقبلوا يسوع حقاً.”

“وبأسلوبٍ آخر مسيحيون ثقافيون أكثر مما يكونوا تابعين حقيقيين ليسوع؟”

“تماماً.”

بترسيخ الأساس المتعلق بالمسيحية المبكرة، قلبتُ الصفحة في قائمة أسئلتى، وبدأتُ التركيز على الوصمات الرئيسية الخمسٍ في التاريخ المسيحي التي أزعجتني بالأكثر عندما كنتُ متشككاً – الحروب الصليبية، محاكم التفتيش، محاكمات ساحرات سالم، إستغلال الإرساليات، ومناهضة السامية.

الخطية الأولى: الحروب الصليبية:

قلتُ لوودبريدج: “لنتقدم إلى الأمام. لقد حاولتْ الحملات الصليبية المسيحية لمدة قرنين أن تطرد المسلمين من الأراضي المقدسة.” فتحتُ كتاباً تاريخياً وقلَّبت صفحاته حتى وجدتُ المكان الصحيح، وقلت: “لقد وصف تقريرٌ مرعب دخول الحملات الصليبية أورشليم في الحملة الصليبية الأولى هكذا…” وقرأتُ لوودبريدج الوصف التالي من شاهد عيان:

بعض رجالنا… قطعوا رؤوس أعدائهم، والبعض الآخر أطلقوا عليهم السهام حتى يسقطوا من الأبراج، والبعض عذبوهم لفترة أطول بطرحهم في اللهيب… كان من الضروري أن يسلك المرء طريقه فوق جثث الرجال والخيول. لكن هذه كانت أمور طفيفة مقارنةً بما حدث في هيكل سليمان (حيث)… كان الرجال يركبون خيولهم وسط دماء ترتفع إلى ركابهم وسيور اللجام. في الحقيقة كانت هذه دينونة عادلة ساعية من الله أن يمتلئ هذا المكان بدماء غير المؤمنين لأنه عانى مراراً من تجديفاتهم [16].

أغلقتُ الكتاب بقوةٍ وبنفورٍ، ونظرتُ بحدةٍ إلى وودبريدج، وسألته بصوتٍ مشحون بالهجاء: “هل تتفق أن الحملات الصليبية كانت عادلة وسامية؟”

فقال بصرامة: “هذا النوع من سفك الدماء كريه ومنفر. هل حدث؟ نعم حدث. هل التفكير فيه يسبب حسرة الفؤاد؟ نعم. لستُ أحاول تبريره أو تفسيره. ومع ذلك فإن سؤالك: “هل كانت الحملات الصليبية عادلة أم لا؟” يتطلَّب إجابة إما – أو، وأعتقد أنه سيكون من المفيد بصورة أفضل أن نقدم سياقاً أكثر تفصيلاً.”

جلستُ في مؤخرة مقعدي، وقلتُ: “هيا”.

بدأ وودبريدج: “أطلق البابا أوربان الثّاني Pope Urban II الحملة الصليبية الأولى في العام 1095 عندما ألقى عظة مشهورة جداً، فإستجابت الحشود بالهتاف: “الله يشاء هذا!” وإستمرت الحملات الصليبية حتى خسارة آخر حامية مسيحية في الأراضي المقدسة في العام 1291 عندما أخذ المسلمون مدينة إسمها عكا مرة أخرى. وعادت أورشليم ليد المسلمين قبل العام 1187.

“إستدعى البابا البارونات وآخرين للذهاب إلى الأرض المقدسة وإستعادتها من المسلمين الذين كانوا يحتلونها، والذين إعتبروا أعداء المسيح. ولذلك إن وضعنا أنفسنا مكان محاربي الحروب الصليبية الأوائل، يمكننا أن نفهم أنهم كانوا يعتقدون أنهم يقومون بشئ سام للمسيح. ولكن عندما تدرس تفاصيل ما حدث بالفعل، فسوَّف ترتبك كثيراً. في الحقيقة، في حملة صليبية واحدة، وهي الحملة الرابعة، لم يصل المشاركون حتى إلى الأرض المقدسة. لقد وصلوا إلى القسطنطينية، فإستولوا عليها، وأسسوا هناك مملكتهم الخاصة. وكانت النتيجة سفك الدماء بشكلٍ رهيب. فـ “المسيحيون” الغربيون قتلوا المسيحيين الشرقيين.

“بالإضافة إلى العنف، كانت هناك مشكلةّ رئيسية أخرى هي الدافع وراء بعض من ذهبوا. كانت هناك مشكلةٌ رئيسية أخرى هي الدافع وراء بعض من ذهبوا. ففي العام 1215 علَّم البابا إننوسينس الثّالث Pope Innocence III الناس بالفعل أنه لو إنطلقوا في الحروب الصليبية، فهذا سيضمن لهم خلاصهم. لقد كانت تلك المشورة تشويه وآضح للمسيحية الحقيقية. فهي تسخر من تعاليم الكتاب المقدس، ولا يمكنها بحالٍ من الأحوال أن تتوافق مع المعتقدات المسيحية التاريخية.

“لقد صار من الأصعب تخمين دوافع الحروب الصليبية بعد أن إسترد المسلمون أورشليم. وبعض الحملات الصليبية اللاحقة ورطت المسيحيين للذهاب إلى الأراضي المقدسة في محاولةٍ لحماية المسيحيين الآخرين الذين كانوا في ضيقات شديدة. ورغم ذلك من العدل أن نقول إنه رغم نوايا أي إنسان، فإن الجشع والقتل العام الذي إرتبط بالحملات الصليبية قد تركَّ وصمة قبيحة على سمعة الإيمان المسيحي.

“وهذا ليس مجرد منظور متحرر للقرن الحادي والعشرين. ففي القسم الأول من القرن الثالث عشر كان بعض المسيحيين يقولون نفس الشئ. فقد كان أحد أسباب إنحلال نموذج الحملات الصليبية هو التقاليد الزائفة العديدة المرتبطة بالحملات الصليبية. لقد حاول البابوات في القرون اللاحقة إطلاق حملات صليبية أخرى، لكنهم لم ينالوا الدعم الشعبي والسياسي. فالتعارض الأصلي بين المسيحية الحقيقية وتقرير ماكانت عليه الحملات الصليبية أسهم لضياع الاهتمام أو الحماسة لخوض حروب صليبية جديدة.

“وهذا يعود بنا إلى التفرقة بين الأشياء التى تُؤدى تحت إسم المسيح وتلك الأشياء التى تمثل حقاً تعاليم يسوع. فعندما تحاول التوفيق بين تعاليم يسوع مع مجازر الحروب الصليبية، فلن يكون هناك طريق للتوفيق بينهما.”

فتساءلتُ: “ماذا تقول لغير المسيحي الذين يقول إن الحروب الصليبية توضح فقط أن المسيحيين يريدون أن يظلموا الآخرين، وأنهم عنفاء كالآخرين”؟

تأمل وودبريدج في السؤال للحظات قبل الجواب، وبدأ قائلاً: “سأقولُ إن هذه العبارة فيها بعض الحق فيما يخص الحروب الصليبية. فقد كان هناك أناسٌ إرتكبوا ما لم يجب أن يرتكبوه تحت إسم المسيح. ومن هنا فسوف أوَّضح أنه ليس كل شئ يُرتكب تحت اسم المسيح يجب أن يُنسب في الحقيقة إلى المسيحية.

“ولكني لن أحاول أن أراوغ فكرة أن هناك أهوالاً قد حدثت أثناء الحروب الصليبية. فهي بحاجة للإعتراف بأنها تتعارض تماماً مع تعاليم ذاك الذي كان محاربو الحروب الصليبية يتبعونه إفتراضاً. من المهم أن تعاليم يسوع ليست هي المغلوطة ليست هي المغلوطة ههنا، بل أفعال أولئك الذين قد ضلّوا لأي سببٍ عما علّمه هو بوضوح: علينا أن نحب أعداءنا. فنظرية “الحرب العادلة” لا بدَّ أن تتفاعل مع هذا المفهوم.

“ليس هناك من ندد بالرياء أو بالوحشية أكثر من يسوع. ومن هنا، إن كان النقاد يؤمنون أن ملامح الحروب الصليبية يجب إستنكارها بإعتبارها ريائية وعنيفة – فحسناً، يجب أن يتحدوا مع المسيح. يجب أن يوافقوه.”

الخطية الثانية: محاكم التفتيش

بدأت محاكم التفتيش في العام 1163م عندما أمر البابا ألكساندر الثّالث Pope Alexander III الأساقفة إكتشاف برهان الهرطقة والتصرف ضد الهراطقة. وما تبع ذلك كان حملة من الرعب، بإجراءات سرية، وسلطة أعلى مخصصة للمفتش وإفتقاد كامل للقضاء المستحق، حيث كان المتهمون لا يعرفون أسماء متهميهم، ولم تكن هناك هيئة دفاع، وكان التعذيب يستخدم لإستخراج الإعترافات. وأولئك الذين رفضوا أن يتوبوا أحيلوا إلى الحكومة لمواجهة الحرق على الأوتاد.

تساءلتُ: “ما الذي دفع إلى محاكم التفتيش؟ والأهم، كيف أمكن لمسيحيين حقيقيين أن يشتركوا في مثل هذه الأهوال؟”

فشرح وودبريدج: “يمكن أن تعود جذور محاكم التفتيش إلى إهتمام البابوية العميق بمشكلة الهرطقة، خاصةً في فرنسا الجنوبية بين الـ Albigeneses. في الواقع، لا جدال أن الـ Albigeneses كانوا مؤيدو التعاليم والممارسات الهرطقية. ولم تفلح معهم الوسائل التقليدية للإقناع كإيفاد الإرساليات لهم. وكانت محاكم التفتيش مدخل أو إستراتيجية بديلة لمحاولة منع هذه الهرطقة من الإنتشار. وقد كانت هناك عوامل سياسية فعالة أيضاً، فسكان فرنسا الشمالية كانوا يبحثون عن أي مبرر للتدخل في المقاطعات الجنوبية.

“وقد كانت هذه هي المرحلة الأولى لمحاكم التفتيش؟”

“نعم. كانت هناك أساساً ثلاث موجات من محاكم التفتيش. الأولى تلك التي ذكرتها. والثانية بدأت في العام 1472 م عندما ساعدت إيزابيللا Isabella وفرديناند Ferdinand في تأسيس محكمة التفتيش الإسبانية، التي كان سلطان البابا أيضاً من ورائها[17]. والموجة الثالثة بدأت في العام 1542 م عندما قرر البابا بولس الثالث Pope Paul III تصيد البروتوستانت، ولا سيما الكالفنيين.”

“لديكم هكذا كاثوليك يدعون أنفسهم مسيحيين يضطهدون بروتوستانت يدعون أنفسهم مسيحيين.”

“نعم، وهذا يُوَّضح من جديد أنه لا يمكن حقاً أن تتكلم عن “الكنيسة الواحدة”. فالأمور تتعقد بشكل أكبر بسبب أن المعاصرين قد عرَّفوا الهرطقة عادةً بفتنة سياسية. فلو أن شخصاً قد أُعتبر هرطوقياً، فقد كان يُعتبر أيضاً مثيراً للفتنة سياسياً. ومثال ذلك، في محاكمة مايكل سيرفيتوس Michael Servetus، قدمته الحكومة أخيراً إلى الموت. كان أحد الإتهامات هو أنه هرطوقياً، ولكن ماذا كان خوف الدولة أيضاً مثيراً للفتنة سياسياً. لقد كان الدين والسياسة مرتبطان معاً.”

“هل من الممكن أن بعض المسيحيين الحقيقيين كانوا حقاً ضحايا محاكم التفتيش؟ إننا نعتقد – على نحو نموذجي – أن المسيحيين يرتكبون الأهوال ويتساءلون كيف يمَّكن لمسيحيين حقيقيين أن يعذبوا أي إنسان، ولكن هل من الممكن حقاً أن يكون المسيحيون الحقيقيون قد كانَّوا هم المقتولين؟

“نعم، هذا محتملٌ جداً. فنحن لا نعرف هويات كل من ماتوا، ولكن على الأرجح كان كثيرون منهم ممن يحملون الإيمان الحقيقي. بالطبع هناك برهان أن الكنيسة الكاثوليكية قد فقدت صوابها في إطلاق محاكم التفتيش هذه. وأحياناً ما إستخدم البروتستانت إستراتيجيات غير مناسبة لإخماد الهرطقة أيضاً.”

“هل كانت محاكم التفتيش تشابه أم جزء من نمط أوسع من المساوئ والظلم من قِبَل الكنائس عبر التاريخ؟”

“أعتقد أن محاكم التفتيش تراجيدياً لا يمكن للمسيحيين الفرار منها. لكنى لا أعتقد أنها تمثل تاريخ الكنائس المسيحية. فمن الإفراط الشديد أن نقول إن هذا النوع من النشاط الكاره هو جزء من نموذج.

لمعظم سنوات وجودها، كانت هناك كنائس مسيحية كثيرة في موقف أقلية، ومن ثم ليست حتى في موقف يدعوها لإضطهاد أي إنسان في الواقع، والكلام عن الإضطهاد، وقع ملايين المسيحيين بأنفسهم ضحايا الإضطهاد الوحشي عبر العصور، مستمرين في بعض الأماكن إلى هذا اليوم. في الحقيقة، كان هناك بوضوح شهداء مسيحيون في القرن العشرين أكثر من أي قرنٍ آخر. وإلى يومنا هذا عينه، فإن المسيحيين يُقتلون بسبب إيمانهم حول العالم. لهذا أقولُ لا، فمحاكم التفتيش حتى الآن مجرد إستثناء في تاريخ الكنيسة، وليست هي القاعدة.”

ذكّرتنى ملاحظات وودبريدج بعمود مجلة عن المسيحيين وهم في فترة الإضطهاد. فبينما يفكر معظم الناس في نموذج الإنسان المسيحي العادي اليوم، وهو أحد مواطني الولايات المتحدة، ويعيش بعيداً عن أي خطر من جهة إيمانه، أوضح الصحفي ديفيد نيف David Neff الأمر.

قال: “المسيحي النموذجي يعيش في دولة نامية، ويتحدث لغة غير أوروبية، ويوجد تحت تهديد متواصل من الاضطهاد – القتل، والحبس، والتعذيب، والإغتصاب.” [18]

الخطية الثالثة: محاكمات ساحرات سالم:

محاكمات ساحرات سالم في نهاية القرن السابع عشر عادةً ما تُذكر كنوع من الهستيريا المسيحية. ففي الإجمال شُنق 19 فرداً، ودُفع واحدً للموت لرفضه الشهادة. [19]

تساءلتُ: “أليس هذا نوعاً آخر من كيف أن المعتقدات المسيحية يمكنها أن تُعرقل حقوق اخرين؟”

“نعم، هذا مثال، إن كانت المسيحية الحقيقية في الواقع هي المتورطة هنا. فعندما تُفرَّغ الأحداث المؤدية للمحاكمات، فسوف ترى أن هناك عوامل كثيرة قد عجلَّت بحدوثها. فهناك موضوعات متصلة بأشخاص يتآمرون للحصول على أراضي من أشخاص آخرين. وهناك موضوعات مرتبطة بالهستيريا، وهناك موضوعات مرتبطة بالإيمان بالظهورات النجمية؛ حيث يشهد الناس أن أحداً قد فعل شيئاً بينما كانوا هم في مكانٍ آخر. عندما تدرس السياق القانوني للمحاكمات، فهناك متغيرات ستأخذك إلى موضوعاتٍ لا علاقة لها بالمسيحية.”

“هل تقصد أن الكنائس كانت بريئة؟”

“ربما لن يكون هذا تبريئاً كاملاً لتأثير المسيحية على المحاكمات، لكن المؤرخين الذين يعملون مع أمور من هذا القبيل يعرفون أنهيجب إلا تكون أحادي السببية في تَّصنيف مثل تلك الأحداث. فالحياة أكثر تعقيداً من مجرد أن تقول “المسيحية” كانت مسئولة. فرغم أنه كانت هناك محاكمات سحرة في أوروبا، إلا أن ذلك كان انحرافاً، وليس جزءاً من نموذج أكبر في المستعمرات. عليك أن تتحرى التوازن النفسي لبعض الناس المتورطين في محاكمات السحرة، وتفكر في تقريرهم الزائف حول الأمور.

“مرةً أخرى علينا أن نؤكد أن محاكمات ساحرات سالم شكّلت حدثاً مروعاً. لستُ أحاول أن أقلِّل من خطورتها. لكن المؤرخون يدركون أن الحبكة أكثر تعقيداً من مجرد إلقاء اللوم على الكنائس؟

فأشرتُ قائلاً: “كان أحد الإفتراضات المُسبقة في ذلك الوقت هو أن الساحرات موجودات. فماذا عنك؟ هل تؤمن بوجود ساحرات؟”

فاجابنى: “نعم، أؤمن بوجودهن. في الواقع، منذ عدة سنوات كنتث أشاهد التليفزيون الفرنسي عندما كان روبرت ماندرو – وهو مؤرخ لامع جداً – يقترح أنه حالماً يستنير الناس، لا يعودوا يؤمنون بالساحرات فيما بعد. ثم قالت إمراة: “سيد ماندرو، أنا متأثرة جداً بكل ما قلته، لكنى أريد أن أقول لك إنى ساحرة.” وبالطبع فالسحر يمارس في فرنسا، والولايات المتحدة، وفي كل مكان.

“لذلك جزء من مشكلة التعامل مع محاكمات ساحرات سالم إفتراض أن ذلك كله كان هراء، وأنه لا وجود لمثل ذلك من ساحرات وسحر. فالحقيقة الجوهرية هي وجودهما، وحتى الكثير من غير المسيحيين يدركون ذلك.

“هل هذا يبرر ما حدث في سالم؟ لا بالطبع. ولكن عندما تُخترق التعقيدات، فعن هذا الموقف لا يمكنه أن يُكتب بلا تروٍ كمثال أن المسيحية قد إندفعت للقتل. فالحياة والتاريخ ليسا بمثل هذه البساطة.”

“ماذا أنهى المحاكمات؟”

“هذا ليس معروفاً بصورةٍ عامة، لكن إنسانٌ مسيحي هو الذي لعب الدور الرئيسي. فقد ندَّد قائدٌ مطهري يُدعى إنكريس مازير Mather Increase بقوة ضد ما كان يجري، وكان ذلك بداية النهاية. والمفارقة هي أن صوتاً مسيحياً هو الذي أخرس الجنون؟

الخطية الرابعة: إستغلال الإرساليات

الإرساليات تصل دون دعوة. فرغم النوايا النبيلة، تكون جاهلة بالمكان الذي تستقر فيه، وغير مبالية بقلوب وبقيم الناس الذين جاءت إليهم. تتدخل في أمور لا تعنيها شيئاً. تفترض أن الروحانية التقليدية للسكان الأصليين ناقصة، بل وحتى شيطانية. تُرشي أو تُجبر الناس لترك طرقهم التقليدية حتى إنه في مسيرة محاولة “خلاص” الناس تختم الأمر بالقضاء عليهم. [20]

قرأت هذا الإتهام لوودبريدج، تابعاً إياه بهذه الأسئلة: “ألم تسهم الإرساليات عبر التاريخ في زوال الثقافات الأصلية؟ ألم تختم الأمر بإستغلال نفس الناس الذين إدَّعت أنها أرادت مساعدتهم؟ وبالقياس، ألم تسبب الإرساليات الأذى أكثر من الخير؟”

كان هذا الموضع قريب إلى قلب وودبريدج؛ فقد كانت عائلته تتمتع بتقليدٍ طويل من الخدمة في الحقل المُرسلي. لكنه لم يبدو أنه إتخذ هذا التحدي شخصياً، بل إستجاب بإتزانه وصراحته المميزة.

قال: “دعني أبدأ بالإحتلال الإسبانى لأمريكا اللاتينية كمثال، لأنه يشرح كيف يمكن أن يصبح هذا الموضوع معقداً.”

عندما أومأتُ بثبول ذلك، إستطرد: “هل كان هناك إستغلال للسكان الأصليين هناك؟ لسوء الحظ، نعم. ولكن هل كان ذلك نتيجة الإرساليات؟ حسناً، التاريخ يخبرنا أن الحركة الإرسالية كانت غالباً مرتبطة بسياسة إقتصادية للقوى الإستعمارية معروفة بإسم الروح المذهبية التجارية Mercantilism”.

“هل تُعرَّف ذلك”.

“كانت الروح المذهبية التجارية هى الإعتقاد بأن الدولة صاحبة الذهب الأكثر هي الأقوى. وكان يُعتقد أن الميزان السياسي للقوة في أوروبا تُحدده جزئياً أية دولة تستكشف بنجاح أمريكا اللاتينية وغيرها. ونتيجة ذلك، أصبحت دوافع الروح المذهبية التجارية، لسوء الحظ، مختلطة بالمشروعات الإرسالية. وفي الحقيقة إرتكب الأسبان الفظائع في أمريكا اللاتينية، لكن كثير منها كانت تُحرّضها المجازفات وأنواع الروح المذهبية التجارية بينما قامت إرساليات كثيرة بعمل أشياء تستحق الثناء.”

فتح وودبريدج كتاباً كان بالقرب منه، وقال: “في الواقع يتحدث المؤرخ أنتوني جرافتون من جامعة برنستون عن الأشياء القيمة التي قامت بها الإرساليات. وقرأ لي من كتاب عوالم جديدة، النص القديم New World, Ancient Text:

أصرَّت الكنيسة الرومانية علىَ إنسانية الهِنود، وقد وصلت أعداد كبيرة من الإرساليات – خاصةً الأخوة المتسولين المثاليين الذين أصروا على الإتيان بما رأوه بالناس البسطاء الأنقياء من العالم الجديد إلى المسيح. لقد بنوا الكنائس والمجتمعات الدينية[21].

وآصل وودبريدج: “إن جرافتون ليس مبشراً، لكنه درس بعناية الحركة الإرسالية ويعترف بالقدر الكبير من الخير الذي قامت به الإرساليات. لسوء الحظ، فإن الإرساليات كجماعة تُناقَش كعملاء للروح المذهبية التجارية؛ ومن ثم تنال اللوم على بعض الفظائع التي قام بها الإسبان في أمريكا اللاتينية.”

“وكما لاحظتُ مبكراً، فقد كانت هناك في القرن السادس عشر مناقشان في إسبانيا حول ما إذا كان ما يدور في أمريكا اللاتينية أمراً مسيحياً أم لا. وكان هناك مدافعون كبار عن الهنود الذين صمموا أنه يجب عدم إستغلالهم. فإندفع أحد الشخصيات البارزة – بارتولومي دى لا كاس Bartolome de Las Cases – لإتجاهه الإصلاحي بعد قراءة فقرة من سفر يشوع بن سيراخ في الكتاب المقدس الكاثوليكي الروماني تقول: “خبز المحتاج حياته. مَنْ يسلبه رجل دماء[22]، وبقراءة هذا، عارض مع كاثوليك رومان آخرين الأمور الحاقدة التي كانت تدور في أمريكا اللاتينية.”

أثارت تعليقاته ذاكرتي لرؤية تمثال خارج مبنى الأمم المتحدة في مدينة نيويورك منذ عدة سنوات. الآن فهمتُ الخلفية: فرانسيسكو دي فيتوريا Francesco de Vitoria – مؤسس القانون الدولي – كان واحد من اللاهوتيين الذين دافعوا عن الكرامة الكاملة لهنود العالم الجديد، وعارضوا بشجاعة إستغلالهم في المحكمة الإسبانية.”

“ولذلك بينما يكون من الحقيقي أن “الحضارة المسيحية” قد أسهمت أحياناً ببعض الأشياء التي أشرتَ إليها مبكراً؛ فقد كانت هناك أيضاً الآلاف من أعمال الخير التي كانت تمجد الله. فالكنيسة الكاثوليكية لها سجل مؤثر للإعتناء بالفقراء خلال العصور الوسطى. ففي كاليفورنيا، كانت خدماتها على طول الساحل تهتم بالناس. وعندما تقرأ مذكرات عدداً من الإرساليات البروتستانتية التي ذهبت إلى أراضٍ أخرى، فمن الصعوبة جداً بمكان أن تستنتج أنهم كانوا يصممون بوعيٍ على ظلم أو تدمير كل ملامح الثقافات الأصلية.”

بينما كانت إجابة وودبريدج تُقدّم بعض السياق، أردتُ أن أضغط عليه لإجابةٍ أكثر شخصية. فقلتُ: ” لقد تضمنت عائلتك مرسلين، فماذا كانت إختباراتهم؟”

“حسناً، لقد قرأتُ مذكرات جدي الذي كان واحد من أوائل المرسلين البروتوستانت إلى الصين. وبالطبع لم أفهم أنه كان يفعل ما قلته أنت مبكراً. ولكن بدلاً من ذلك، كانت لديه رغبة ملتهبة أن يعرف الشعب الصيني المسيح. وقد كان مهتمَّ جداً بفقر الشعب الصيني وببعض ممارستهم التي كانت ضارة للغاية بإنسانية الأفراد. لقد أحترم ملامح ثقافتهم، وأرتدى ضفيرة الشعر الطويلة عند الضرورة حتى يكون مقبولاً عندهم.

“لا بدَّ من الإشارة إلى أن نقاد الإرساليات أحياناً ما تكون لديهم مثالية جان جاك روسو أن الشعوب الأصلية كانوا سعداء دائماً ويعيشون حياة كاملة، وأنه لم يكن هناك أي من تحضير الأرواح السلبية أو الشيطانية في ثقافتهم. ولكن عندما تقرأ تقارير الناس الذين يذهبون لمناطق معينة، فإنك ترى أن بعض هؤلاء الناس الأصليين كانوا في ظروف روحية وجسدية رهيبة، وأن المرسلين قد ساعدوهم بشكل عظيم.

“قرأت أيضاً خطابات كتبتها أمي التي عملت كمرسلة في أفريقيا قبل زواجها. كانت تركب دراجة بخارية في أعماق الغابات، وتنتقل من قرية إلى أخرى. عملت في مستعمرة جذام تهتم فيها بالمرضى. وتمنتْ أن تُظهر لهم محبة المسيح، وتراهم قد نالوا الشفاء. وخدمتْ لدرجة المخاطرة الشخصية الكبيرة بسبب الملاريا، الأخطار الأخرى المرتبطة بالحياة في غابة.

“ولذلك أقولُ نعم، أحياناً ما يكون هناك تحول لثقافةٍ ما، لكن غالباً ما يكون هذا التحول قد آتى ببعض الخير. فعندما صار السكان الأصليون مسيحيين، إختبروا محبة وفرح المسيح. وهذا شئ رائع. عندما تزحف الدوافع الأخرى لأذهان الذين يسعون لتغيير ثقافة ما، كالسعي للربح الاقتصادي أو لمعنى مقلوب للتفوق العنصري، فإن أموراً سيئة جداً ستنتج عن ذلك.”

فعلّقتُ قائلاً: “ربما يكون بعض نقاد الإرساليات لا يرون قيمة في البشارة المسيحية؛ ومن ثم لا يرون فائدة للناس الذين يصيرون تابعين ليسوع.”

فصرَّح: “هذا صحيح! غالباً ما يكون هذا هو الإفتراض المسبق المختبئ. ولكن إن إفترض واحد أن الإنجيل هو قوة الله للخلاص، فإن ربح ثقافات العالم المختلفة التي تسمع الإنجيل سوف لا يُحصى.”

“لي زميل دراسة يعتبر لاهوتي إفريقي بارز. إضطر لمحاربة الإعلام القائل بأن المسيحية هي أيدولوجية إمبريالية غربية هدفها تدمير الديانات الإفريقية. إن منظوره مختلف تماماً. فهو يفهم الإسهامات الرائعة التي أسهمت بها المسيحية للمجتمعات الإفريقية. وقد جلب هذا الرجاء، والفداء، وهناك أفارقة ليس لهم حصر ممتنون جداً للإنجيل. وفي نفس الوقت، لا ينكر أن حاملي البشارة المسيحية كانوا أحياناً لا يعيشون حسب تعاليم المسيح في تعاملاتهم مع الأفارقة.”

الخطية الخامسة: مناهضة السامية:

كانت مناهضة السامية واحدة من أقبح الآفات في تاريخ المسيحية؛ فهي حالة ساخرة لأن يسوع كان يهودياً وصرَّح بأنه مسيا إسرائيل ومسيا العالم المنتظر. كان تلاميذه يهوداً، واليهود أيضاً كتبوا العهد الجديد بأكمله ما عدا سفر الأعمال وإنجيل لوقا اللذان كتبهما الطبيب لوقا.

فى العام 1998 م إعتذرت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية عن “أخطاء وإخفاقات” بعض الكاثوليك لعدم مساعدة اليهود أثناء المذبحة النازية، بينما عبَّر الكاردينال جون أوكنر من نيويورك عن “الأسف العميق” لمناهضة السامية في الكنائس طوال السنين قائلاً: “نريدُ بكل إخلاصٍ أن نبدأ مرحلة جديدة.” [23] .

وقد سلم وودبريدج بأسف أن مناهضة السامية قد شوَّهت التاريخ المسيحي. وكان السؤال الرئيسي هو لماذا حدثت في المقام الأول.

فقال: “كان أحد العوامل هو أن معظم اليهود لم يعتقدوا أن يسوع كان هو المسيا. وقد أدى رفض اليهود لقبوله، وذلك لإعتبار اليهود في أذهان بعض المسيحيين أعداء المسيح. أضف إلى هذا أن اليهود قد تم إعتبارهم مسئولين عن صلب يسوع، فيكون لديك مكونان قويان لـ “مناهضة السامية المسيحية.”

لم يكن هذا كافياً بالنسبة لي، فصّمتُ: “لا بدَّ أن يكون هناك أكثر من ذلك.”

فأجابني: “نعم، أؤمن بذلك. لقد حاول هايكو أوبيرمان المؤرخ اللامع في جامعة أريزونا تعيين عدداً من العوامل الأخرى. فعلى سبيل المثال، عندما تصل إلى العصور الوسطى وعصر الإصلاح، كانت هناك شائعات زائفة كثيرة عن اليهود التي أضافت حتى وقوداً لنيران مناهضة السامية.”

“أية شائعات؟”

“أن اليهود كانوا متورطين في تسميم الآبار في زمن الموت الأسود Black Death في العام 1348: وقد دنسوا المقادس المسيحية بقدر استطاعتهم كما كانت لديهم ذبائح سرية Sacrificial Deaths؛ وقد تلاعبوا بالأسفار المقدسة المسيحية؛ إلخ. والآن تذكر أن هذه الإتهامات لم تكن صحيحة. ومع ذلك فقد أثارت مشاعر الغضب والإستياء.”

ولكن لم يبدو أن هذا يرضي وودبريدج. فتأمل في الجانب الآخر كما لو كان يبحث عن تفسيرٍ آخر، وأخيراً نظر إليَّ في إحباطٍ واضح.

وقال: “يبدو لي أن هذا لا يوفي الموضوع حقه. فقد كان المرء يعتقد – أو بالأحرى يرجو – أن المسيحيين منذ العصور الوسطى وصولاً إلى مارتن لوثر قد أدركوا أن تعاليم يسوع كانت تمنعهم تماماً من عمل أو قول بعض الأشياء التي قيلت واُرتكبتُ تحت اسمه.”

فقلتُ: “لقد ذكرتَ لوثر. ومناهضته للسامية مُوثقة بشكلٍ جيد. كيف نشأ ذلك؟

“بوضوحٍ، عرف لوثر بعض الشائعات عن اليهود. ومع ذلك، باكراً في حياته، كان محباً للسامية – محباً لليهود بشكلٍ ظاهر – وبسبب هذا الحب تمنى أن يكون هناك تحول كبير يقبلون فيه يسوع كالمسيا بالنسبة لهم. وعندما رفضوا ذلك، صار لوثر أكثر عصبية في سنواته اللاحقه، وتفوه ببعض الكلمات القبيحة جداً عنهم.”

لقد أربكتني إجابته، فقلتُ: “لقد كنتُ أعتقد أن مناهضته للسامية كانت ألماً مدى الحياة.”

“يؤكد بعض الدارسين أن هناك استمراراً لآرائه عن الشعب اليهودي طوال حياته، لكني سأؤكد أن تصريحات لوثر العدائية الخبيثة قد جاءت في نهاية حياته. فربما كان يُطلقها عن إحباطٍ عميق شديد لأنهم لم يأتوا إلى المسيح.

ورغم كل ما قّيل، فإن بعض تصريحاته مرعبة تماماً لدرجة أنه من المناسب تماماً للوثريين أن يرفضوا الإعتراف بها، وعلى كل المسيحيين أن يرفضوها تماماً. فالمسيحيون ببساطة لا يمكنهم أن يكونوا مناهضين للسامية. فيجب أن يكون هذا أمر غير وارد بالنسبة لأي تابع ليسوع.

“والآن، من الناحية الآخرى، في العصور المعاصرة، غالباً ما كان المسيحيون المبشرون بعض أعظم أصدقاء إسرائيل. والإتجاه العام الذي أراه في كنائس كثيرة تجاه الشعب اليهودي هو إتجاه الإحترام.”

“ماذا تقول لإنسان يهودي يقول لك إنه لم يفكر أبداً في المسيحية بسبب تاريخها المُناهض للسامية؟”

فأومأ وودبريدج بخفةٍ، وقال بحزنٍ في صوته: “لقد صُدمتُ بذلك من قبل. فقد كنتُ أقوم بالتدريس في جامعة مدنية، فقالت لي طالبة يهودية شابة: أريدُ عمل بحثاً عن لوثر؛ فجدي قال لي إن لوثر كان يكره اليهود. هل هذا حقيقي؟” فقلتُ لها: “على الأرجح ذلك، ولكن انطلقي وحضّري البحث”، فعادت إلىَّ ببحثٍ جعلني أبكي. لقد وجدتُ أشياءً لم أعرفُ حتى أن لوثر قد قالها، إنها أشياء سيئة للغاية.”

“ماذا تقول لمثل هذه الشابة؟”

“إنني آسف جداً جداً على ما قاله لوثر، فهذه الأشياء تتعارض حتماً مع تعاليم المسيح، وهذه واحدة من المشكلات التي نواجهها كمسيحيين – فنحن لا نعيش دائماً وفقاً لمثاليات يسوع.

ويمكنني أن أقول: “أدركُ مدى صعوبة ذلك، لكني أرجو أن تفكر فيما قاله وفعله يسوع، وأفحص المسيحية على أساس ما تُعلّمه حقاً.”

حاول وودبريدج أن يسهب كلامه، لكنه لم يستطع تذكر شيئاً آخر مساعداً كي يضيفه. فقال: “أخشى ألا يكون هذا عرضاً ممتازاً، لكن هذا ما أقوله من قلبي.”

بدأت قائلاً: “بعض اليهود يؤمنون أن هتلر كان مسيحياً…، فوثب من مكانه وقاطعني.

قال: “آه، نعم، هذا صحيحٌ تماماً. مرةً اخرى علينا أن نميز بين المسيحية الثقافية والمسيحية الحقيقية. فخلال صعود الإشتراكيين القوميين National Socialists، حاول هتلر أن يلتف حول المسيحية وحول مارتن لوثر. وقد كانت حيلة أيدلوجية ماكرة. لكن النقاد المسيحيون، مثل كارل بارث وآخرين، لم يقبلوا للحظة أن هتلر كان يمثل المسيحية المستقيمة.

“دعني أقدم لك تفسيراً تاريخياً آخر. آمن كثير من اليهود في عامي 1665 م و1666 م أن إنساناً معيناً كان هو المسيا، لكنه آنذاك تحول إلى الإسلام، وهذا ما خيب طموحات كثير من اليهود. والآن إن قيل لمؤرخ يهودي اليوم: “هل تريد تعيين ذاك الرجل بإعتباره المسيا؟؟ سيقول لك: “بالطبع لا، لقد كان محتالاً.”

“حسناً، بنفس الإطار، سنقول نحن المسيحيون إن هتلر لم يكن أى نوع من المسيا المسيحي. فالناس غالباً ما يدَّعون أشياء زائفة. لقد كان إنسان محتال شرير، ولم يكن مسيحياً حقيقياً، ولا ممثلاً عن التعاليم المسيحية الحقيقية.”

بورتريه للمسيحية:

كان يمكننا الإستمرار لمناقشة لطخات تاريخية أخرى عن المسيحية، بما فيها ظلم النساء الذي حدث رغم إتجاه يسوع المغاير للثقافة تجاههن، والطريقة التي إقتبس بها كثير من الناس في الجنوب الكتاب المقدس في محاولة ملفوفة لتبرير العنصرية والعبودية. لكنني كنتُ قد قضيتُ وقتاً طويلاً أستجوب فيه وودبريدج. وبدون محاولة الدفاع عن الأمور التي لا يُدافع عنها، سعى لتقديم بعض السياقات والتفسيرات. ولتقرير أية أحداث من هذه كانت الإستثناءات أو القاعدة بالنسبة للمسيحية، فقد آن آوان إستكشاف الجانب الآخر من التاريخ المسيحي.

قلتُ: “بقبول كل ما تكلمنا عنه، ما هي النتيجة الأخيرة؟ هل العالم أسوأ أم أفضل حالاً بسبب وجود المسيحية؟”

فأنتصب وودبريدج في مقعده وأصرَّ قائلاً: “أفضل حالاً. ولا جدال في ذلك. فهذه حالات تاريخية قابلة للأعتذار لا يجب أن تُخفى عن العيون. يجب أن نعتذر عنها، ويجب أن تُبذل الجهود لتأكيد عدم تكرارها. ومع ذلك، في نفس الوقت، كان الإنتشار الواسع للتاريخ المسيحي نافع جداً للعالم.”

فعلُّقت قائلاً: “أفترض أنه من السهل في التحدث عن خطايا المسيحية نسيان دور الإلحاد في سحق الحقوق الإنسانية. أخذتُ كتاباً وقرأتُ لوودبريدج بعض الملحوظات التي كتبها المسيحي المعروف لويس بالاو.

إن الصدمة المدوية للإلحاد الشامل أرسلتْ موجات جذرية عبر أوروبا وفيما ورائها، وهي تُقرِّر بشكل مباشر لفناء وقتل أكثر من مائة مليون إنسان في القرن الماضي وحده. لقد دفعت الإنسانية ثمناً باهظاً فادحاً للإختبارات المرعبة للمقاومة الممتعمدة للإيمان، مُنفذة على يد لينين، هتلر، ستالين، ماوتسي تونج، وآخرين – حيث كان كل منهم متأثر بشكلٍ عميق بكتابات قادة الإلحاد… وبعد رؤية نمو الإلحاد… فمن الأوضح أكثر مما مضى.. أنه بدون الله نحن ضائعون.[24]

فأجاب وودبريدج: ” أتفقُ أنه بدون الله نحن ضائعون. وهذا ليس مجالاً للقول بأن الملحد لا يمكنه الحكم جيداً؛ لأنه من وجهة النظر المسيحية، فإن الملحد يستفيد من نعمة الله العامة. ولكن بقبول إفتقاد البنية في الإلحاد لعمل قرارات أخلاقية، فمن السهل أن نفهم لماذا أختبر العالم أهوال هذه الأنظمة. حينما لا يكون هناك مقياس أخلاقي مطلق، فإن القوة الغاشمة غالباً ماتكسب.”

“فى رأيك ما هي الطرق الإيجابية التي أسهمت فيها المسيحية للحضارة؟”

ضبط وودبريدج جلسته في مقعده. وتأمل في سؤالي للحظات ثم أجاب بصوتٍ نقل إخلاصه وإعجابه وحماسة مشاعره الحُبية العميقة للكنيسة.

قال: “إنى أرى تأثير المسيحية كصورة زيتية جدارية متألقة لها مناظر كثيرة، كل منها مرسوم بألوان جميلة لامعة واضحة. فبدون المسيحية، سيكون هناك قدر مرعب من البهتان، ومجرد خطوط قليلة متناثرة متفرقة هنا وهناك ليس لها أي معنى. لكن المسيحية تضيف الكثير جداً من المعنى، والرجاء، والجمال، والثراء للصورة.”

مأسوراً بالمجاز تساءلتُ: “ماذا تُبين الصورة؟”

“المنظر المركزي بعينه سوف يُصور قصة يسوع وفدائه عن خطايانا. فأخيراً – مرةً واحدة إلى الأبد – تعامل مع موضوعات ذنبنا، ووحدتنا، وإغترابنا عن الله. وبموته الكفاري وقيامته فتح السماء لكل من يتبعه. هذا هو أعظم إسهام قامت به المسيحية على الإطلاق. وهو مُلخص في يوحنا 16:3 “لأنَّهُ هَكَذَا أَحّبَّ الله العَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْبَهُ الْوَحِيدّ لّكّيْ لَا يَهْلَكَ كُلُّ مَنْ يُؤمَنُ به بَلْ تكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأبَدَيَّةُ.”

“أيضاً تُقدَّم لنا المسيحية إعلاناً عن معنى الحياة ووجود الأخلاقية الكونية. فبدون هذا الإعلان، يكون من الصعب جداً وجود أية قيمة للمعنى. وينتهي بك الحال مثل ألبرت كامو الذي قال في الفقرة الإفتتاحية من أسطورة سيزيف: “لماذا لا أنتحر أنا أو أيِّ إنسان آخر؟” حسناً، المسيحية تفسر لماذا لا. إنها تعطينا إطاراً من الإرشاد للحياة، وإتباع طريقاً أخلاقياً، والرجوع إلى الله، وأمور أخرى بأسلوب ذات معنى عميق وقوي.

“لمسات الفرشاة في الصورة سوف ترسم المناظر التي تكشف عن الدوافع الإنسانية الشاملة التي ألهمتها حياة المسيح وتعليمه. فالكاثوليك الرومان، والأرثوذكس، والبروتوستانت إشتركوا جميعاً في مساعدة الفقراء، والمحرومين، والمعوزين. وكانوا مستعدون للعمل ضد مصالحهم الشخصية لخدمة الآخرين. وبفقد كل هذا – كل العمل الإرسالي، وكل المستشفيات، وكل مؤسسات الإعانة، وكل الأعمال الخيرية لإطعام الجوعي، وكساء الفقراء، وتشجيع المرضى – ستكون ضربة قاضية للعالم.

“بالإضافة إلى ذلك، فإن تأثير الفكر المسيحي يضيف مناظر أخرى، ويُضفي الظل والعمق للصورة. فالمسيحيون سلّموا عقولهم لله. ولو حذفتّ إسهاماتهم الأدبية، والموسيقية، والمعمارية، والعلمية، والفنية، سيصير العالم أكثر بلادة وضحالة بشكل كبير. فكر في المؤسسات التعليمية العظيمة التي بناها المسيحيون – بما فيها هارفارد، وييل، وبرنستون – التي تم التفكير فيها أصلاً وبنائها من أجل تقدم الإنجيل.

“وأخيراً هناك قوة الروح القدس التى تُلّون كل شئ صالح. هل يمكنك أن تتخيل كيف سيكون العالم لو أنسحب الروح القدس؟ من الردئ بشكلٍ كاف الطريقة التي عليها الأمور الآن، ولكن إن لم تكن هناك قوة الروح القدس الحافظة؛ فما بالك أن الجانب المرعب من الحياة سينطلق كي يكون أكثر نشاطاً مما هو عليه الآن.

فتساءلتُ: “فيما تنظر إلى صورة التاريخ هذه، هل ترى إيجابيات المسيحية تغلب الحالات السلبية التي ناقشناها؟”

فقال بلا تردد: “نعم. فأنا منفطر الفؤاد على الأوقات التي لم نحياها نحن المسيحيون وفقاً لتعاليم يسوع، ومن ثم فقد خلقنا حواجز للإيمان. لكني ممتّن للغاية للرجال وللنساء المجهولين الذين دعّموا الإيمان عبر القرون بتواضع وبشجاعة، والذين خدموا في الخفاء، وكرسوا حياتهم لمساعدة الآخرين، وتركوا العالم مكاناً أفضل حالاً، وصارعوا لعمل الحق رغم الضغط الرهيب لعمل العكس.

وأستنتج قائلاً: “عندما أُفكرُ في التاريخ المسيحي، فهؤلاء هم أول من يخطروا على ذهنى. إنهم الأبطال الذين عادةً ما يتم نسيانهم كثيراً جداً.

توقف، ثم بابتسامةٍ تواقة – منحهم أعظم تقدير: “إنهم ما كان يره يسوع.”

عطايا المسيحية:

كانت كلمات وودبريدج الملتهبة لا تزال ترن في ذهني عندما عدتُ إلى البيت، مرهقاً من يوم طويل. إسترخيتُ في مقعدي المفضل وإلتقطتُ مجلة لأتصفحَّها. وهناك – من قبيل الصدفة تماماً – وجدتُ مقالاً فيه كثير من الدارسين يكتبون في الأيام الأخيرة من القرن العشرين، ويتأملون شكل الحضارة بدون المسيحية. وقد أكملتْ ملحوظاتهم ما توَّقف عنده وودبريدج؟[25]

مايكل نوفاك أطرى عطية المسيحية للكرامة. وكتب: “كل من أرسطو وأفلاطون إعتقداً أن معظم البشر بالطبيعة عبيد ومناسبين فقط للعبودية. ومعظمهم ليست لهم طبيعة تستحق الحرية. اليونانيون إستخدموا “الكرامة” لمجرد القلة، لا لكل البشر. وعلى النقيض أصرَّت المسيحية أن كل إنسان محبوب من قَبل الخالق، ومخلوق على صورة الخالق، ومُحدَّد له الصداقة الأبدية والأشتراك معه.”

أشار إلى الأفكار الحضارية للحرية، والضمير، والحق التى يمكن إسنادها إلى المسيحية. وأكدَّ قائلاً: “بدون الأساسيات المسيحية الموضوعة لنا في العصور الوسطى والقرن السادس عشر، لصارت حياتنا الإقتصادية والسياسية معاً لا أكثر فقراً فحسب، بل أيضاً أكثر وحشية.”

ركز ديفيد. ن. ليفنجستون – أستاذ في كلية علوم الأرض في جامعة الملكة في بلفاست، آيرلندا الشمالية، على عطية المسيحية للعلم. وكتب: “إن فكرة أن المسيحية والعلم كانا على الدوام في تصادم هو تشويه جسيم للسجل التاريخي. ففي الحقيقة آمن روبرت بويل – دارس الكيمياء الإنجليزى العظيم – أن العلماء أكثر من غيرهم قد مجدّوا الله في البحث عن مهامهم لأنه قد وُهبَ لهم أن يستجوبوا خليقة الله.”

وأشار إلى أن أولئك الذين في عصر الإصلاح “آمنوا أن الله قد أعلن ذاته للبشرية بطريقتين؛ في الكتاب المقدس وفي الطبيعة. وقد مكنهم ذلك من الإشتراك في التحري العلمي للعالم الطبيعي.” وكانت النتائج إسهامات متدفقة من قبّل العلماء الذين أثارهم الإيمان المسيحي.

ووصف ديفيد لايل جيفري – أستاذ الأدب الإنجليزى في جامعة أوتاوا – عطية المسيحية للتعليم. وقال: “قد يكون من الصعب أن نقول إن الثقافة التعليمية في أوروبا ومعظم إفريقيا والأمريكتين غير منفصلة عن القوة التحولية ثقافياً للمسيحية. ففي معظم أوروبا، كما في إفريقيا، وأمريكا الجنوبية، وأماكن أخرى كثيرة من العالم، كان ميلاد التعليم والأدب أساساً – وليس مصادفة – يتوافق مع وصول الإرساليات المسيحية.”

ومع ذلك، ربما يكون الأكثر إثارة هو أن إستكشاف المؤرخ مارك نول لعطية المسيحية للتواضع، وهو إسهام قليل الملاحظة، كان له علاقة خاصة في ضوء مناقشتي مع وودبريدج عن الجانب القبيح للتاريخ المسيحي. كتب نول:

طوال المسيرة الطويلة للتاريخ المسيحي، كان الأمر الأكثر إحزاناً – بسبب تكراره المستمر – هو كم نخيب نحن المسيحيون العاديون كثيراً جداً عن الوصول للمثاليات المسيحية بشكلٍ مأساوي للغاية. وطوال المسيرة الطويلة للتاريخ المسيحي، كان الأمر الأكثر تمييزاً – بسبب أنه أحد معجزات النعمة – هو كيف عاش مؤمنون كثيرون ضد تعظم المعيشة لتمجيد المسيح. ومن بين كل “علامات التناقض” هذه، فإن أكثر الأمور الخليقة بالمسيح تماماً كانت تلك الحالات التي كان ينطلق فيها المؤمنون الأقوياء – بسبب الثروة، والتعليم، والقوة السياسية، والثقافة الرفيعة، أو الوضع المفضل – إلى المُحتقرين، والمتروكين، والمهملين، والضائعين، والغير معروفين، أو الواهنين. [26]

قال إن القوة تُغذي عبادة الذات. فهى تُفسد ونادراً ما تعتذر. وإستفاض مارك نول لسرد أحداثاً عديدة عبر التاريخ فيها الرجال الأقوياء، كلياً أو جزئياً بسبب إيمانهم المسيحي، قد وضعوا أنفسهم طوعاً في توبة عامة لسوء إستخدامهم القوة – وهذه شهادة دائمة مقابلة للثقافة لقوة الإنجيل.

أثارت إهتمامي قصة واحدة بشكلٍ خاص لأنها كانت تتعلق بحدثٍ غامض لكنه متألق في ختام حلقة ناقشها وودبريدج وأنا معاً: محاكمات ساحرات سالم.

واحد من القضاة – تطهرى لامع إسمه صامويل سيوول من بوسطن أصبح منزعجاً للغاية من الدور الذي لعبه في تلك الكارثة. فقد تحرك ضميره المسيحي أخيراً للعمل عندما سمع إبنه يقرأ فقرة كتابية مشهورة: “فّلّوْ عَلِّمتُمْ مَا هُوَ: إنِّي أُرّيدُ رَحْمَةَّ لَا ذَبيحَةَّ لَمَا حَكَمْتُمْ عَلَى الأبْريَاءَ!”[27]. لقد فطرت الكلمات قلب سيوول.

وفي خدمة الكنيسة في 14 يناير من العام 1697م، أعطى القس تصريحاً ليقرأه بينما وقف سيوول النادم بخجل أمام الجمع. كان التصريح يعترف بذنب سيوول على أكثر ممَّا حدث، قائلاً إنه “يتمنى أن يُلقى عليه لوم وخزي ذلك، طالباً عفو الناس، ولا سيما متمنيّاً الصلوات حتى أن الله الذي له سلطان غير محدود يغفر تلك الخطية وكل الخطايا الأخرى.” لقد دفع تصرفه المتواضع من الآسى والتوبة الكثير من القضاة الآخرين للإعتراف بإخفاقاتهم أيضاً.

أغلقتُ المجلة ووضعتها على مائدة القهوة. وفكرتُ في نفسي أن ذلك ربما يكون أحد أكثر تراثات المسيحية روعةً – إستعداد القادر لإحناء ركبة التوبة عندما تُرتكب الأخطاء. ومع ذلك فقد كان تذكار آخر لقوة الإيمان في تغيير الحياة والتاريخ لصالح الخير.

مشاورات

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  • قبل قراءة هذا الفصل، ما الحدث الذي أزعجكَ بالأكثر في التاريخ المسيحي؟ لو كان وودبريدج قد ناقشه، فكيف أحسن التعامل معه؟ هل موقفك من هذا الموضوع هو نفس الموقف أم مختلف؟
  • هل تعتقد أن الخطايا التاريخية التي ناقشها وودبريدج هي تماثلات في تاريخ الكنيسة أم انعكاسات شئ مخطئ تماماً في DNA الإيمان؟ ما الحقائق التي ساعدتك في تكوين رأيك؟
  • هل أصبح العالم أفضل بفضل المسيحية؟ لماذا؟ لماذا لا؟ على نفس القياس، هل كانت إسهامات الإلحاد إيجابية أم سلبية بالنسبة للبشرية؟

لمزيد من الأدلة

مصادر أخرى حول هذا الموضوع:

  • Mark A. Noll. A History of Christianity in the United States and Canada. Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1992.
  • Bruce L. Shelley. Church History in Plain Language. Dallas: Word, 1982, 1995, updated 2nd
  • Rodney Stark. The Rise of Christianity. Princeton, N. J.: Princeton University Press, 1996.
  • James Kennedy and Jerry Newcomb. What If Jesus Had Never Been Born? Nashville: Nelson, 1994.

 

 

1-ken Schei, Available: www.atheists-for-jesus.com/about.htm

2-D. James Kennedy, Why I Believe (Dallas: Word,1980), 118,121.

3-Maurice possely, The Chicago Tribune, April26, 1985

4-Maurice possely, The Chicago Tribune, April 27, 1985

5-Maurice possely, The Chicago Tribune, February 21, 1985

6-Bertrand Russell, Why I am Not a Christian (New York: Simon and Schuster, 1957), 25-26

7- International Herald Tribune, April26, 1999

8-Charles Templeton, Farewell to God, 127,129

9-Ibid., 154

10-See: Richard Boudreaux, The los Angeles Times, March 13, 2000

11-Peggy Polk, the Chicago Tribune, June 5, 1995

12-Matthew 7:21-23

13-patrick Glynn, God: The Evidence, 157

14- See: Lucian, the Death of Peregrine, 11-13, in the Works of Lucian of Samosata, trans. By H. W. Fowler and F. G. Fowler, 4 vols. (Oxford: The Clarendon Press, 1949), vol.4.

15-See: Justin Martyr, First Apology: Ante-Nicene Fa-thers, ed. By Alexan-der Roberts and James Donaldson (Grand Rapids, Mich Eerdmans, 1973)

16-philippians 1:21

17-Bruce L. shhelley, Church History in plain language (Dallas, Tex: Word, 1982, 1995, updated2d edition) 189

18-As the Third millennium approached, Spanish priests and nuns pub-licly asked forgiveness for see: The Chicago Tribune, November 14, 1999

19-David neff, christianity Today, April 29, m1996, 14

20- Mark A.Noll, A History of christianty in the United States and Canada (Grand Rapids: Eerdmans, 1992), 51

21- Dale and sandy Larsen, saven myths About Chris-tianty (Downers Grove, 111: InterVarsity press, 1998), 110.

22-Anthony Grafton, with April Shleford and Nancy Siraisi, New Worlds, Ancient Text (Cambridge, Mass: Belknap press, 1992), 132.

23-Ibid., 136.Ecclesiasticus, or Sirach, is not considered to be divinetly inspired scripture by protesants, although to is part of the Roman Catholic and Orthodox canons it is also known as after its author, a scholar who apparently wrote the bok between 195 and 171B.C.

24- The Chicago Tribune, Septem-ber 21, 1999.

25-Luis palau, God is Relevant (New York: Dobleday, 1997), 23, 82

26- See: Michael Novak, David N Livingstone, Da-vid lyle Jeffery, et al., Christianty Today, December 6, 1999, 50-59

27- Ibid, 56

تاريخ الكنيسة في العصور الوسطى والظلم والعنف – لي ستروبل

مازالت لدي شكوك لذلك لا يمكن أن أكون مسيحياً – لي ستروبل

مازالت لدي شكوك لذلك لا يمكن أن أكون مسيحياً – لي ستروبل

مازالت لدي شكوك لذلك لا يمكن أن أكون مسيحياً – لي ستروبل

في أعمق أفكارهم الداخلية، حتى أكثر المسيحيين المكرسين يعرفون أن هناك شيئاً غير منطقي حول الإيمان. فوراء اعترافهم بالإيمان هناك عملاق شك نائم … وفي اختباري، أفضل طريقة لقهر الشك هو الاستسلام له.

دان باركر — قس تحوّل إلى ملحد(١)

أولئك الذين يعتقدون أنهم يؤمنون بالله ولكن بدون حرارة في القلب، وبدون كرب للذهن، وبدون عدم يقين، وبدون شك، وحتى في أوقات عدم اليأس، يؤمنون فقط بفكرة الله، ولا يؤمنون بالله نفسه. مادلين لينجل — مسيحية(٢)

كان المحامي يحمل فكرة لي، وقال لي إنها قصة إنسانية مشوقة.

إنها حكاية عضو عصابة تم إصلاحه. قصة مثيرة حول إرهابي شوارع سابق وجد الدين فاستقام طريقه. وعدني قائلاً إنها ستكون دافئة القلب. قراءة جيدة ليوم الأحد.

أدرتُ عيناي؛ فقد بدت القصة عذبة للغاية بالنسبة لي. كنتُ في سيارة الشرطة بحثاً عن شيء مثير، شيء شجاع، شيء يستقر بي على الصفحة الرئيسية لتريبيون الأسبوعية. لم أكن مهتماً بحكاية ساذجة عن طريد ضعيف مولود من جديد.

لكن نهاية الأسبوع كانت تقترب بسرعة، ومفاتيح القصة التي كنتُ أتعقبها قادتني إلى لا شيء عدا الممرات المظلمة. لذلك كتبتُ فكرة المحامي. وفكرتُ قائلاً: من يدري؛ فربما أكشف هذه القصة الزائفة لهذا الرجل المحتال، وأحصل على المقال الذي كنتُ أسعى إليه.

رفعتُ سماعة التليفون، وبدأتُ الاتصال بمصادر الشرطة. هل سمع أحدكم عن شخصية رون بر ونسكي هذا؟ بالطبع بما فيه الكفاية؛ فقد كان من اتصلتُ بهم في وحدة جرائم العصابات يعرفونه جيداً. لقد كان المسؤول الثاني القاسي في عصابة بليرز belaires – وهي عصابة أرعبت أجزاء من شمال شيكاغو. كان خطيراً وعنيفاً كما قالوا. وكان له مزاجاً فورياً لإطلاق النار، وشهية للمخدرات الغير شرعية، وسجلاً موسوعياً من حالات القبض عليه.

قال متحري: «هذا الشخص مريضٌ عقلياً. وسخط آخر لسماع اسمه وطرده بكلمة واحدةً: «نفاية».

أخبروني أنه كان هناك تفويض للقبض عليه بتهمة الضرب المتفاقم وإطلاق النار على عضو عصابة منافسة على ظهره. كتبتُ بسرعة كلمة «جبان» في مذكرتي.

قال لي شرطي سري: «لم نره لفترة طويلة. ونعتقد أنه هرب من المدينة. والحق يقال إننا لا يهمنا أين هو طالما أنه بعيد عنا.»

ثم اتصلت ببعض قادة الكنيسة في بورتلاند، وأوريجون، حيث قال لي المحامي إن بر ونسكي كان يعيش العامين الأخيرين هناك. بينما كان بر ونسكي يعمل في محل معادن، قابل بعض المسيحيين، وترك افتراضاً حياة الجريمة، وتزوج صديقته الحميمة، وأصبح تابعاً مكرساً ليسوع.

قال لي قسيسه: «رون واحد من أجمل وأحب الناس الذين أعرفهم. فهو مكرسٌ تماماً للمسيح. ونحن نصلي معاً مرات كثيرة في الأسبوع. وهو يفعل دائماً أشياء مثل زيارة المرضى، والصلاة معهم، واستخدام معرفته الشعبية لتبشير الأطفال المضطرين. أعتقد أن الناس سيدعونه «المُغرم بيسوع».

قال إن بر ونسكي قد تصالح مع الله ولكن ليس مع المجتمع. وقال: «لقد عرف أنه مازال هناك تصريح بالقبض عليه، لذلك حفظ أمواله واستقل القطار إلى شيكاغو لكي يُسلَّم نفسه.»

لقد أثار هذا فضولي. فجريمة الاعتداء المتفاقم يمكن أن تؤدي إلى عشرين عاماً في السجن. قررتُ الانتقال للخطوة القادمة في بحثي بلقاء بر ونسكي بمجرد أن يرتب محاميه ميعاداً.

في تلك الليلة كنتُ جالساً على مائدة الطعام، أفكرُ ملياً في الصور المتصارعة التي رسمها بولس والقس لشخصية بر ونسكي. وعلَّقت لليزلي بينما وقفتَّ بجوار الفرن تجهز شاي المساء: «الأمر يبدو كتغيير إعجازي.»

فتساءلتْ: «يبدو؟»

فقلت: «نعم. عندما أفتشُ بشكل أعمق، سأكتشفُ احتياله.»

استرختْ ليزلي في الكرسي أمامي، وارتشفتْ الشاي وتساءلتًّ: «الشرطة لم تكن تبحث عنه، لكنه سلّم نفسه على أي حال. فماذا دفعه لذلك؟»

فقلتُ: «هذا ما سأكتشفه. من المحتمل أنه يدّعي الإصلاح حتى يحصل على عقوبةٍ أخف. أو أن محاميه يحاول عقد صفقة مع المدَّعي. أو أنه يعرف كل الشهود قد ماتوا ولا يمكنهم إدانته على أي حال. أو أنه يرجو الحصول على شعبية إيجابية للتأثير على القاضي. أو أنه يقيم دفاعاً مجنوناً …»

واصلتُ كلامي، وأصبحتْ فرضياتي أكثر وأكثر غرابةً بينما تأملتُ في السبب الحقيقي وراء تسليم نفسه. فكرتُ في كل احتمالٍ بعيد — ماعدا أن حياته قد تغيرت بالحقيقة، وأنه قرر أن يقوم بالشيء الصحيح بمواجهة عواقب جريمته.

وأخيراً رفعت ليزلي يداها قائلة: «مهلاً، مهلاً، هذه نظريات غريبة تماماً. وضعت كوبها ونظرت إلىَّ قائلةً بصوتٍ حاد: «هل تحاول وضع ثقوبً في قضيته لأنك تعتقد حقاً أنه رجل ثقة؟ أم أنك تُثير الاعتراضات لأنك لا تحب أن تكون قصته حقيقية؟»

فاتخذتُ موقف الدفاع وقلتُ: «هيه، إن دوري هو أن أكون متشككاً.»

لكنها انفعلتْ. ولكي أكون أميناً، لم أرد أن أؤمن أن المسيحية يمكنها أن تُحوّل جذرياً شخصية إنسان وقيمه. كان من الأسهل بكثير إثارة شكوك واختلاق اعتراضات جسيمة من التفكير أن الله يمكنه حقاً أن يُطلق متحولاً ثورياً في حياة فاسدة منحطة مثل هذه.

اختراق الستار الدخاني

كما اتضح، فإن رون برونسكي اجتاز محاولاتي الساخرة لتشويه قصته. كان رجال الشرطة الأذكياء بأحوال الشارع مقتنعين تماماً أن التغييرات التي حدثت في حياته تغييرات حقيقية. وهكذا كان المُدّعي. فبعد سماع الدليل، وافق القاضي، وبدلاً من الحكم عليه بالسجن، أطلق سراحه بكفالة. وقال لبرونسكي المندهش والممتن: «عُدْ إلى بيتك، وكن مع أسرتك.»

واليوم، بعد أكثر من 20 عاماً، مازال برونسكي خادماً لأطفال الشوارع في مدينة بورتلاند الداخلية، ومازال صديقًً حميمً لي. (٣)

كان اتجاهي المبدئي تجاه برونسكي تذكاراً بالشكوك التي أثرتها كمتشكك روحي. في البداية كانت لديَّ اعتراضات قلبية هامة بالنسبة للإيمان المسيحي. ولكن بمرور الوقت، بعد أن بدأتُ العثور على إجابات كافية لهذه الموضوعات، بدأتُ في عرض تحديات جديدة وأكثر هامشية بشكلٍ متصاعد.

وذات يوم، تذكرتُ تعليق ليزلي عن برونسكي، وتخيلتُ كيف ستواجهني من جديد بكلماتٍ مشابهة: «لي Lee، هل تحاول أن تضع تُجادل المسيحية لأنك تعتقد حقاً أنها وهماً -أم أنك تثير الاعتراضات لأنك لا تريد أن تكون حقيقية؟»

بصراحة، كان لديّ الكثير من الدافع لمغالطة المسيحية عندما كنت ملحداً. عرفتُ أن إسرافي في الشراب، وأسلوب حياتي الأناني اللاأخلاقي سيتغير أن أصبحتُ تابعاً ليسوع، ولم أكن متأكداً أنني أردتُ الاستغناء عن ذلك. في النهاية، كان هذا هو كل ما عرفته. ومن ثم، بدلاً من محاولة العثور على الحق، وجدتُ نفسي أحاول صدّ الحق بشكوكٍ مزيفة وباعتراضات مختلفة.

لستُ أعتقد أنني وحدي في هذا المجال؛ فالكثير من الباحثين الروحيين لديهم أسئلة شرعية بخصوص المسيحية، وهم بحاجة لتتبع الإجابات التي تُرضي قلوبهم ونفوسهم. ومع ذلك فإنني أعتقد أن بعض الباحثين يصلون للنقطة التي فيها يُصعدون دون وعيٍ ستارات دخانية لإخفاء دوافعهم الراسخة لرفض الإيمان.

ونفس الشيء ينطبق على المسيحيين الذين يسقطون فرائس للشكوك حول معتقداتهم فغالباً يتعرضون لنوبة من الشكوك حول بعض ملامح إيمانهم. ومع ذلك، في أحيان أخرى، فإن شكوكهم المعترف بها يمكن حقاً أن تكون ميكانزيم دفاعي مصقول. من الممكن أن يعتقدوا أنهم مُعلقون بسبب اعتراض ما حول جزء من المسيحية، بينما تكون الحقيقة هي أنهم يبحثون عن مبرر — أي مبرر — ألا يأخذوا يسوع بجدية أكثر.

بالنسبة لكثير من المسيحيين، كان مجرد وجود آية شكوك من أي نوع أمرٌ مروع. فهم يتساءلون ما إذا كانت أسئلتهم لا تؤهلهم ليكونوا تابعين للمسيح. يشعرون بعدم الأمان لأنهم ليسوا متأكدين ما إذا كان مسموحً لهم بالتعبير عن عدم اليقين حول الله، ويسوع، أو الكتاب المقدس. لذلك فهم يحفظون أسئلتهم لأنفسهم — وهي من الداخل غير محلولة — وينمون ويصابون حتى ينجحوا أخيراً في خنق إيمانهم.

كتب أوس جينيس ذات مرة: «ليس العيب أن الناس لديها شكوك، لكن العيب هو أنهم يخجلون منها.» (٤)

في نفس الوقت، هناك مسيحيون كثيرون لديهم منظورً مختلفً تماماً. فهم يؤمنون أن وجود الشكوك دليلاً على غياب الإيمان، بل على العكس، يعتبرون أن الشكوك هي جوهر الإيمان عينه. قال أندريه ريزنر: «الصراع مع الله ليس هو افتقاد الإيمان، لكنه هو الإيمان!» (٥)

هل الباحثون الروحيون عليهم أن يحلوا كل سؤال من أسئلتهم قبل أن يتبعوا يسوع؟ هل يمكن لإنسان أن يكون مسيحياً، ومع ذلك تكون لديه تحفظات أو شكوك؟ ماذا يمكن أن يعمل الناس لو أرادوا الإيمان بالمسيح -كثيراً مثل ما اعترف به تشارلز تمبلتون في لقائي معه -لكنهم يشعرون أن الأسئلة عن المسيحية تعوّق طريقهم؟ هل هناك طريقة لحل الشكوك حين تُثار؟ وهل هناك رجاء لهؤلاء الذين تبدو شخصيتهم الكئيبة وكأنها تسحبهم بلا رحمة نحو الشك في أمور الإيمان؟

لقد تصارع الدارسون مع هذه القضايا لسنوات، لكني لم أرد التكلم مع أستاذ يكون اهتمامه بالشك مجرد اهتمام وقائي وأكاديمي.

أردتُ الحصول على الإجابات من إنسان عرف بنفسه الارتباك، والذنب، وغموض عدم اليقين المؤدي إلى الجنون؛ وهذا ما دفعني إلى دالاس للقاء قائدً مسيحيً أخذته رحلة إيمانه مرات كثيرة في طرق جانبية تعذيبيه في وادي ظل الشك.

 اللقاء الثامن: لين أندرسون  

خارج بيته الكلاسيكي الذي يرجع للعام 1929، المليء بالآلات الكاتبة البدائية، والتليفونات الشمعدانية الطريفة، والتحف الأخرى من تلك الفترة، يعمل لين أندرسون في مكتب مريح فوق مرابه. يتميز مكان عمله بإحساس بسيط؛ حيث الفن الهندي والغربي على الجدران، وآرفف الكتب من الأرضية إلى السطح، وصورة الغرفة التي وُلد فيها في ساسكات كيوان Saskatchewan منذ 63 عاماً. لم تكن هناك كهرباء في البيت الذي تربى فيه، فقط راديو محبوب يعمل بالبطارية أبقي الأسرة على اتصال مع العالم الخارجي.

يتمتع أندرسون بجاذبية إنسانية لراعي البقر تناقض عقليته العميقة وإنجازاته الساحرة. فهو يحمل درجة ماجستير من مدرسة هاردينج الدينية؛ وشهادة دكتوراه في الخدمة من جامعة أبيلين المسيحية، الذي كان فيها أستاذاً مساعداً لأكثر من عقدين. كان أندرسون قساً أكبر لمدة 30 عاماً في كنائس في كندا والولايات المتحدة، وترك المنبر في العام 1996 لتأسيس خدمات شبكة الرجاء

Hope network ministries، والتي من خلالها يُدَّرب ويُعلّم ويُعدّ قادة الكنائس.

كتب أندرسون عدداً من الكتب منها

 الإبحار حول رياح التغير:navigating the winds of change

السماء نزلت: heaven came down،

بحثاً عن التعجب: in search of wonder،

أغنية الراعي: the shepherd song،

إنهم يشمون كالخراف: they smell like sheep،

ومع ذلك كان الكتاب الذي أثار اهتمامي بشكل خاص هو الكتاب المثير

«إن كنت أؤمن حقاً، فلماذا لديَّ هذه الشكوك؟

If I really believe, why do I have these doubts? كان هذا الكتاب الصريح المتألق هو الذي كشف معارك أندرسون الشخصية المتكررة مع الشك.

بعد الحوار لمدة قصيرة لمعرفة الواحد الأخر، جلس أندرسون وأنا في مقاعد ذات خلفية مستقيمة على مائدة خشبية بسيطة تحت مروحة سقف كنا نتنسم هوائها المنعش اللطيف. كان أندرسون يحمل نظرات جميلة، وشعر داكن، وبشرة محمرة، ونظارات ذات إطار ذهبي.

إنه إنسان مُعبّر حين يتكلم؛ فذراعاه تمتدان أحياناً للفهم والتعبير، وصوته الثري بالأمانة والإخلاص الصلب عادةً ما ينخفض إلى همسٍ كورق الصنفرة، كما لو كان يأتمنني على سرٍ مثير.

وقد عاد سؤال الافتتاحي بأندرسون إلى خبرات طفولته في كندا الغربية الريفية فيما بحثتُ بدايات شكوكه المزمنة. واعتقدتُ أن كثيرين ممن يتصارعون مع الشكوك يمكنهم أن يتعلقون بقصته.

جذور الشك

كان أندرسون ابنً لمسيحيين مكرسين كانا جزءً من كنيسة صغيرة لكنها متصلة في منطقة خالية عموماً من المسيحيين. وقد قال إنه حصل على هويته ومعني قيمته من أسرته ومجتمع الكنيسة، ولكن رغم ذلك فقد بدأت شكوكه حول المسيحية مبكراً.

بدأ: «حتى وأنا طفل صغير، وكنتُ دائماً ما أنظر إلى الجانب السلبي من الأشياء، ولا أقبل أي شئ قبولاً تاماً، بل أتساءل دائماً، وأنقب دائماً حتى أتعمق إلى مستوى جديد. لم أكن قادراً أبداً على التخلص من ذلك.

ابتسمتُ؛ فقد كنتُ أنا الآخر غالباً ما أُتهم بطرح الكثير جداً من الأسئلة، وقلتُ:

«متى صرت مسيحياً؟»

«قدمتُ اعترافاً بالإيمان في معسكر صيفي عندما كنتُ في الحادية عشرة من عمري، لكني لم أشعر بالنقاء بعد ذلك. كان من المفروض أني قد سلمتُ حياتي ليسوع، لكني لم أكن حتى متأكداً أنه كان هناك يسوع. شعرتُ بالخداع.»

«هل ذكرتَ مشاعرك لأحد؟»

«تكلمت مع خادم، لكنه لم يبدو أنه يفهمني. فكتمتُ الأمر في داخلي. لكني بالطبع كنتُ لا أزال أصلي للحصول على بعض الأشياء. أذكرُ الصلاة المستمرة للحصول على دراجة، لكني لم أحصل عليها إطلاقاً. وهذا جعلني أشعر أن الله لم يكن متواصلاً معي. فكرتُ قائلاً: «لنكن واقعيين؛ عندما تصلي لا يكون هناك شئ بالأعلى سوى السماء الزرقاء.»

تساءلتُ ما إذا كان قد شعرّ بالشك فقط أم أنه كانت هناك فترات كان ينمو فيها إيمانه.

فقال: «أحياناً ما كنتُ أشعر حقاً بوجود الله. كنتُ أعود إلى البيت من المدرسة في عاصفةٍ ثلجية في الغروب، وأنا أرنمُ وأشعر أنني بين يدي الله. ولكن لغالبية الوقت، لم أؤمن به، على الأقل ليس كما كان يؤمن به رفاق كنيستي.»

«هل كنت تخشى أن يكتشفوا ذلك؟»

«بالطبع، لأنه كانت لديّ حاجة ملحة أن أكون محبوباً ومقبولاً، وتكون لي مكانة في هذا المجتمع المؤمن. كنتُ أخشى أن يعتقدوا أنني كنتُ رديئاً، فسوف يغضبون، وسوف يعتقدون أن والديّ كانا فاشلان روحياً. كنتُ أخافُ أن يُصاب والديّ بخيبة الأمل أو بالخزي.»

بوضوح، يمكن أن يلعب الأباء دوراً هاماً في تشكيل رؤية الطفل عن الله. ففي الحقيقة أوضحت دراسة أن معظم ملحدي التاريخ الأكثر شهرة -بمن فيهم برتراند رسل، جان بول سارتر، فريدريك نيتشه، ألبرت كامو، سيجموند فرويد، مادلين موراي أوهير، وكارل ماركس -كانت لديهم علاقة متوترة مع أباءهم، أو أن الأباء قد ماتوا مبكراً وتركوهم في سن صغير؛ وهذا ما نتجت عنه صعوبة في دواخلهم للإيمان بآب سماوي. (٦) لذلك قررتُ التحقيق في هذه النقطة مع أندرسون.

قلتُ بقليل من التردد آملاً ألا أكون قد اقتحمت خصوصياته: «تحدث لي قليلاً عن والديك». فنزع أندرسون نظارته ووضعها على الكتاب المقدس الذي كان مفتوحاً أمامه. وقال: «باستعادة الماضي، أعتقد أن بعض شكوكي ربما تكون قد نبعت من نظام تربية أمي. لقد أحبتني أكثر من الحياة، لكنها لم تكن لديها وسائل عاطفية لإظهار ذلك. كانت طريقتها لتحسينك هي أن تظهر لك ما أخطأت به. لقد تعلّمتْ أن الأمهات ليس من المفروض أن يُظهروا المودة الجسدية للأبناء، وإلا سيجعلهم ذلك شواذاً، وعدم التأكيد على الناس لأن هذا يمكنه أن يجعلهم معاندين.»

«هل شكلَّ هذا رؤيتك عن الله؟»

«كما تعلم، غالباً ما يُعرَّف الناس الله بصورة أب. ففي معظم الأحوال يدعوه الكتاب المقدس أباً، ويدعوه حتى أماً أحياناً. ولذلك فإن جزءاً من البعد الذي شعرتُ به عن الله ربما كان هو البعد الذي شعرتُ به عن أمي. ومن الناحية الأخرى، فقد كان أبي إنسان تأكيدي، متعاطف، منبسطً، لكني أعتقد أن هناك شيئاً في طبيعتنا الساقطة يسمع الأخبار السيئة تأتي من خلال الأخبار السارة.»

«وماذا كانت البشارة المسيحية الرئيسية التي أدركتها في سنواتك المبكرة؟»

كانت: «إن لم تصل لهذا المستوى، فسوف تضل — ولكن لا أحد يمكنه الوصول لهذا المستوى، ولاسيما انت.» ونتيجة ذلك كنتُ كلما أصبح أكثر اقتراباً إلى الله -حينما كنتُ أبدأ الإيمان وأكون جاداً في التواصل معه -كلما كنتُ أشعر باليأس لأنني لم أستطع الوصول إلى توقعاته. ثم فكرتُ: «هذا متعب! لماذا علىَّ أن أؤمن بشيء سوف يدينني مهما فعلت؟ بالتأكيد، إن كان هناك الله، فلا يمكَّن أن يكون كهذا. إن وحشاً قد أخترع هذا.»

«هل اعتقدت أنك ستتخلص من ذلك؟»

«كنتُ أرجو أن يكون ذلك جزء من كوني طفلاً. ولكن في الكلية انتقلتْ الشكوك من الجانب العاطفي إلى الجانب المعرفي. فاندفعتُ لطرح الأسئلة حول الكتاب المقدس، وتساءلتُ لماذا هذا الكم الرهيب من المعاناة في العالم.»

ابتسم حينما تذكر قصة. «أذكر يوماً أن طالباً أثار مسألة كتابية عويصة، ولم يستطع الأستاذ حلها. وأخيراً بعد التعثر لبعض الوقت قال الأستاذ: «عندما تُتاح كل الحقائق، فسوف نرى أنها تؤكد مصداقية الكتاب المقدس.»

ضحك أندرسون قائلاً: «أتذكر التفكير: «أوه، لا؛ فهذا الفتي يرجو أن تكون حقيقة أيضاً! فلو فحصت الأعماق، فهو خائف مثلي تماماً!»

فصائل الشك  

وصف أندرسون نفسه ك «شكاك فطري» أو كإنسان يسأل دائماً: «ماذا لو؟» وكالمحامين والمحاسبين الذين يتدربون على تمييز ماذا كان من المحتمل أن يكون خاطئاً؛ فالشكاكون الفطريون ينجذبون كالمغناطيس للشكوك والأسئلة. فربما يكونوا ممتلئين بالقلق أو تكون شخصيتهم كئيبة. وبالنسبة لهم، فإن الإيمان لا يأتي بصورة طبيعية.

لكن هذه مجرد فصيلة واحدة من الشك. طلبا من أندرسون أن يُقدم أمثلة عن الفصائل الأخرى.

فاستند للوراء في كرسيه، ورفع رجليه عن الأرضية قليلاً، ثم هزهما جيئة وذهاباً، وقال: «آه، هناك الكثير من الأنواع المختلفة. فبعض الشكاكين متمردين، ورغم ذلك ربما لا يعرفون أنفسهم هكذا. فهم يحملون الاتجاه: «لن أسمح لإنسان أن يُدير حياتي أو يفكر نيابةً عني.» ويمكن أن يتخذ هذا بهيئةً الكبرياء المتعالية.

فأحياناً ما يُريد شخص صغير أن يتمرد ضد والديه، وأحد طرق القيام بذلك هو التمرد ضد الله الذي يؤمن به الوالدان.

«وهناك الناس الذين تنبع شكوكهم من خيبة أملهم مع الله. ومثال هذا الفتاة التي زرتها بالأمس. الله يقول «اسألوا تعطوا»، ولم تُعط. لذلك فهي تتصارع مع عدم اليقين. هل كان الله جاداً؟ وهل هناك أصلاً؟»

«البعض لديهم جروحً شخصية أو أسرية. تكلمتُ منذ أسابيع قليلة مع امرأة عانت من الإيذاء الجسدي من أمها وأبيها اللذان كانا متدينان جداً. لقد كانا يجعلانها تركع أمام الفراش وتصلي ثم يضربانها. أستطيع أن أفهم لماذا لديها مشكلة ما الله! والبعض الأخر جُرحوا بصورة شخصية بمعني أنهم رُفضوا من قّبل صديق، أو أن عملهم قد انهار، أو أن صحتهم قد ساءت. إنهم يتساءلون: «إن كان هناك الله، فلماذا تحدث هذه الأمور؟»

«وهناك الشكوك المعرفية. وهذه ما كنتُ أعاني منها. كنتُ أبذل قصارى جهدي لتدعيم أساس إيماني، ولكن كان هناك أناسّ أكثر مني ذكاءً لم يؤمنوا بالله. بدأت أتساءل: «هل الإيمان للأذكياء فقط؟ كيف يمكن أن يكون الذكاء مهماً جداً لله، ومع ذلك عليك الحصول على معدل ذكاء 197 للتمسك بالإيمان؟»

فأجاب: «مواسم الحياة يمكنها عمل اختلافً كبيرً. فأحياناً ما يكون الإنسان مؤمنً عظيم وهو في الكلية، ولكن عندما يكون أبً شاب لديه ابنه الثاني، ويعمل 60 أو 80 ساعة أسبوعياً، وزوجته مريضة طوال الوقت، والمدير قد أشهر إفلاسه -فببساطة لا يكون لديه وقتً للتأمل. ولا أعتقد أن الإيمان يمكنه أن ينمو بدون وقت تأملي. فلو لم يتح الإنسان مجالاً لذلك، فإن إيمانه لن ينمو، وبالتالي ستزحف إليه الشكوك.

«عاملٌ آخر يمكن أن يكون عقد مقارنات مع إيمان الآخرين. قابلتُ شابة قالت لي: «أكره الذهاب إلى الكنيسة لأنني أسمع كل تلك التصريحات التي لا أختبرها أنا شخصياً. أنا أؤمن، وأدرس الكتاب المقدس، وأصلي، وأعمل بجد في الخدمة كما يعمل كل منهم، لكني لا أنال ذاك الفرح، ولا تُستجاب صلواتي، ولا أنال معنى عظيماً للسلام، ولا أشعر بأني بين يدي إله يرشدني طوال الطريق وسوف يتولى رعايتي.» أشخاصٌ كهذه الفتاة يبدؤون في التفكير: «لماذا لا يعطيني الله مثل هذه الأشياء؟»

كنتُ فضولياً لمعرفة كيف تعامل مع موقفها. فتساءلتُ: «وماذا قلتّ لها؟»

«شجعتها على قراءة المزامير، لأن هذا سيُغير منظورها حول ما يبدو عليه الإيمان العادي. نحن نحب التركيز على المزامير المتفائلة، لكن 60% منها مراثي، حيث أناس يصرخون «أين أنت يا الله؟ الإيمان العادي مسموح فيه بالقرع على صدر الله والشكوى.»

أشرتُ قائلاً: «هناك الكثير من الخوف من التكريس في ثقافتنا. فهل هذا يؤثر على استعداد الفرد للإيمان بالله؟»

فأجابني: «نعم، من الممكن. ففي هذه الدولة الأنانية، فإن تعريفنا للحرية هو حرية الوصول إلى طريقي، وحرية الحفاظ على اختياراتي. بعض الشباب يخافون من الزواج لأنه تكريس مدي الحياة. حسناً، فالتكريس الأقصى هو التكريس لله. نحن لدينا ثقافة أيس كريم basking-robbins حيث العقوبة الأكثر تخويفاً هي قضاء حياة بدون اختيارات. وأعتقد أن هذا يسهم في خوف الناس من تكريس حياتهم للمسيح.»

ما هو ليس بإيمان

عرفتُ أن الأفكار الخاطئة عن الإيمان غالباً ما تفتح الباب للشكوك لأنها يمكنها أن تخلق توقعات أو مظاهر سوء فهم زائفة حول طبيعة الله. فمثلاً، إن أعتقد الناس خطأ أن الله وعد بشفاء كل إنسان، أو يجعل كل إنسان ثرياً بمجرد أن يُبدي الإيمان الكافي، فيمكنهم أن يقعوا فريسة للشكوك عندما يهجم المرض أو يقترب الإفلاس. وللوصول لرؤية دقيقة عن الإيمان، قررتُ أولاً توضيح الخفايا اللاهوتية بتعريف ما هو ليس إيماناً.

«ما بعض مظاهر سوء الفهم العامة للإيمان؟»

«الناس يخلطون الإيمان بالمشاعر. فمثلاً يساوي بعض الناس الإيمان بمعيار ديني أبدي. وعندما يزول هذا المعيار، كما يحدث بصورة محتومة، يبدؤون في الشك ما إذا كان لديهم أي إيمان على الإطلاق».

«هل تقصد عدم وجود علاقة بين المشاعر والإيمان؟»

«لا؛ فالمشاعر متصلة ببعض أبعاد الإيمان، لكن كثيرً من ذلك له علاقة بطبائع الناس. فبعض الناس ليسوا مندفعين للإفراط في المشاعر، ومع ذلك ربما تكون لديهم قيمً ومعتقدات قوية.»

فتساءلتُ: «وماذا عنك؟»

فضحكَ قائلاً: «أنا أميلُ أن أكون مرتفعاً ومنخفضاً عاطفياً. فقد أخذ الأمر مني سنوات لاكتشاف أن هذا ليس تشتتاً للإيمان. ولهذا السبب علينا أن نكون حريصين بخصوص مشاعرنا -فمشاعرنا يمكن أن تكون متقلبة. دعني أقدم لك مثالاً.

«قال لي شخص ذات مرة: «لم أعد أحب زوجتي»، فكان ردي هو أن أقول له: «اذهب إلى بيتك وأحبها»، لكنه قال: «أنت لا تفهمني؛ فأنا لم تعد لدي مشاعر تجاهها» فقلتُ له: «لم أسألك عن مشاعرك، بل قلتُ لك: اذهب إلى بيتك وأحبها» فقال: «لكني سأكون غير أمين عاطفياً إن عاملتها بهذه الطريقة بينما أنا لا أشعر بذلك.»

فسألتهُ: «هل أمك تحبك؟»، فبدا اي أن هذا السؤال قد جرحه. فقال: «نعم بالطبع»، فقلتُ: «بعد أن أحضرتك من المستشفى إلى البيت بحوالي ثلاثة أسابيع، وكنت تصرخ من الحفاظات الغير نظيفة، وكانت تضطر للاستيقاظ وهي متعبة جداً وتضع قدميها الحافتين على الأرضية الباردة، وتنظف حفاضاتك، وترضعك -فهل تعتقد أنها كانت تتضايق حقاً من كل هذا؟» فقال: «لا»، فقلتُ: «حسناً، إذاً، أعتقد أن أمك كانت غير أمينة عاطفياً.»

«كانت هذه هي فكرتي: إن مقياس حبها لم يكن أنها شعرت بضرورة تغيير الحفاضات، بل أنها كانت مستعدة لعمل ذلك حتى عندما لم تكن تشعر بسعادة خاصة تجاه ذلك. وأعتقد أننا بحاجة لتعلم ذلك بخصوص الإيمان. فالإيمان ليس دائماً أن تكون لك مشاعر عاطفية إيجابية تجاه الله أو الحياة.»

فقلتُ: «حسناً، هذا أحد المفاهيم الخاطئة. ماذا عن فكرة أن الإيمان هو غياب الشك؟»

فقال: «نعم، بعض الناس يعتقدون أن الإيمان معناه غياب الشك، ولكن هذا ليس حقيقي. وأحد النصوص الكتابية المفضلة بالنسبة لي يحكي عن الرجل الذي يأتي إلى يسوع بابنه الذي به شيطان، آملاً أن ينال الشفاء. إن إجابة الرجل في منتهى القوة. فهو يقول: «أؤمنُ يَا سَيَّدُ فَأَعَنْ عَدَمَ إَيمَانَي!» (٧)

طقطق أندرسون ركبته متعجباً: «أيها الرجل، يمكنني حقاً أن أتواصل مع ذلك!»

فتساءلتُ: «إذاً الشك والإيمان يمكنهما أن يتواجدا معاً؟»

«نعم، فهذا معناه أنه يمكنك أن تكون لديك شكوكً وأنت تؤمن. وقد كان هذا واقعياً مع إبراهيم. فقد آمن بوضوح، لكنه في نفس الوقت كانت لديه شكوك. ويمكنك ملاحظة ذلك بما فعله في بعض الأوقات وبما قاله. والآن لستُ أدري أين تبدأ الشك السلبي المتآكل المزعج، لكني أؤمن حقاً أنه حينما لا يكون هناك شك على الإطلاق، فمن الأرجح أن يكون الإيمان غير سليم.

«لذلك يمكن أن يلعب الشك دوراً إيجابياً؟»

«أعتقد ذلك. فدائماً ما أصبح عصبياً بدرجة قليلة بخصوص ما أسميه عقلية «المؤمن الحقيقي» -أولئك الذين لديهم ابتسامات متألقة وعيون زجاجية ليس لديهم أي شك في العالم، ويعتقدون دائماً أن كل شيء رائع، وكل شيء عظيم. لا أعتقد أنهم يعيشون في نفس العالم الذي أعيش فيه. وأخشى فيما سيحدث لهم عندما يحدث أمر رديء.

«على سبيل المثال، أعرفُ طبيباً ابنه البالغ من العمر أربع سنوات بالسرطان. وأذكرُ عدة ليال كان يجتمع فيها أربعون أو خمسون شخصاً في بيت للصلاة الحارة من أجل هذا الطفل. وفكر أحدهم قائلاً: «بالطبع سيُشفى الطفل بسبب صلواتنا. لكنه عندما لم يُشفى، سحقهم الأمر.

«لقد تعرّض لاهوتهم للتضليل وعدم الفحص. ولم يتعرض أبداً لتحدي الشكوك أو الأسئلة العميقة. كان من الممكن أن تساعدهم الشكوك في تطوير إيمان أكثر جوهرية وأكثر واقعية -الثقة بالله رغم الموت وليس فقط رغم الشفاء.»

اتجهت عينا أندرسون إلىَّ كما لتأكيد كلماته القادمة، وأصرَّ قائلاً: «الإيمان الذي تتحداه الشدة أو الأسئلة الصعبة أو التأمل غالباً ما يكون إيمانً أقوى في النهاية.»

التنقيب تحت السطح  

بصراحة، أحياناً ما تخدم الشكوك هدفاً إيجابياً. ومع ذلك فقد تعلمتُ عبر السنين أنه من الممكن أن يكون من الخداع أن تقبل كل الشكوك بنفس المستوى. فمثل استجابتي الأولى لقصة رون برونسكي، يمكن أن يُستخدم التشكك كوقاء لإبعاد الناس عن الدوافع الأكثر عمقاً. لم أرد إضعاف شرعية الناس الباحثين عن إجابات عن عقباتهم الحقيقية تجاه الله، لكني كنتُ بحاجة للوصول لأصل لماذا يُثير البعض موضوعات غامضة.

قلتُ: «في اختبارك، هل يزعم البعض أن لديهم اعتراضات معرفية، حتى إن كانت شكوكهم لها مصدر خفي آخر؟»

فقال وهو يومئ ويُثّبت القدم الأمامية من كرسيه على الأرضية مرةً أخرى: «نعم، هذا حقيقي تماماً. ففي الواقع أعتقد شخصياً أن كل عدم إيمان يكون له في النهاية سبب خفي آخر. فأحياناً ما يؤمن بإخلاص أن مشكلته معرفية، لكنه في الواقع لم يتواصل بشكلٍ كافٍ مع نفسه لاستكشاف الاحتمالات الأخرى.»

فتساءلتُ: «هل يمكنك تقديم مثال؟»

فأخذ الأمر منه لحظات حتى قال: «عندما كنتُ روائياً لامعاً صغيراً، جاء ملحدً من عائلة شيوعية ملحدة إلى مدينا الصغيرة في كندا لتجميع اللون المحلي(1) لكتاب كان يكتبه. ذات يوم كان يزور أسرتنا، وقد كان جادً تماماً. فقال: «هل يمكنني أن أسألك عن دينك؟» ورغم أنني كنتُ أتصارع مع الشكوك من وقتٍ لأخر أجبته بالإيجاب.

«هل تؤمن حقاً أن هناك إلهاً يعرف اسمي؟»

«نعم، هذا ما أؤمن به؟»

«هل تؤمن بصحة الكتاب المقدس؟ بأطفالٍ يُولدون من عذارى، وموتى ويقومون من القبر؟»

«نعم، هذا ما أؤمن به؟»

ثم قال بعواطف قوية: «يمكنني أن أبذل أي شيء حتى أؤمن بذلك، لأنني سافرتُ العالم كله، ورأيتُ معظم الناس بؤساء. الناس الوحيدون الذين يقولون إنهم يؤمنون بما تؤمن به أنت. لكني لا يمكنني أن أؤمن لأن عقلي يمنعني من الوصول إلى الطريق!»

اتسعتْ عينا أندرسون وقال: «لقد كنتُ مندهشاً يا لي lee، فلم أعرف ماذا أقول بعد ذلك لأن عقله كان أكثر ذكاءً من عقلي!»

ثم استند أندرسون بالقرب مني قائلاً: «ولكني مع استعادة الحدث، لا أعتقد أن عقله كان هو المشكلة الحقيقية. بدأتُ أفكر عما سيخسره لو تبع يسوع. لقد كان عضوً في نقابة للكتاب اللامعين الذين يعتقدون جميعاً أن الدين شئ بال تماماً. أؤمن حقاً أن كبرياءه العملية ورفض رفاقه قد كانا ثمناً فادحاً أن يدفعه.»

سمح أن يدوم تأثير القصة قليلاً، وعرض قائلاً: «دعني أقدم لك مثالاً آخر.»

«ذات مرة كنتُ أتحدث مع جندي بحرية سابق قال لي: «أنا إنسانٌ بائس. لديَّ زوجة وأطفال، وأحصل على أموال أكثر مما أُنفق، وأنام مع كل امرأة في المدينة، لكني أكرهُ نفسي. عليك أن تُساعدني، ولكن لا تقل لي شيئاً عن الله؛ لأنني لا أؤمن بهذه الأشياء.»

تكلمنا لساعات، وقلتُ له أخيراً: «ربما تعتقد أنك تتعارض معي، لكني لستُ متأكداً من ذلك. أعتقدُ أن مشكلتك ليست هي أنه لا يمكنك أن تؤمن، بل أنك لن تؤمن لأنك تخشى أن تترك الأشياء التي تمارسها في الظلام.»

فكرّ للحظات وقال: «نعم، أعتقد أن هذا صحيح. فأنا لا يمكنني أن أتخيل الحياة بدون النوم مع امرأة واحدة. ولا أتخيل الحياة بأموال أقل من التي أحصل عليها — الأمر الذي لا بدَّ أن أفعله لأنني أكتب للحصول عليها.» لقد كان يحاول في النهاية أن يكون أميناً.»

بهذه الكلمات انخفض صوت أندرسون إلى همسٍ حاد، وقال: «وهاك فكرتي: كان هذا الرجل يتجادل لساعات وساعات حول شكوكه العقلية وكان يُقنع الناس أنه لا يمكنه أن يؤمن لأن لديه اعتراضات معرفية كثيرة جداً، لكنها كانت مجرد أمور واهية. كانت مجرد ضباب استخدمه لإخفاء تردداته حول الله.»

استند أندرسون للخلف في كرسيه، وواصل قائلاً: «تحدثتُ مع فتاة أخرى تعرضت للإيذاء الجسدي. وكانت كل طريقة يُقدَّم بها الله إليها من خلال ديانة والديها تعتبر مرعبة. لستُ ألومها لصعوبة إيمانها. لكن حججها كانت دائماً في الجانب المعرفي. وعندما تحاول أن تنقب بعمق في عقباتها الحقيقية، لم تكن هي ترد اجتياز ألم مواجهتها. لقد استخدمت الشكوك المعرفية لتضليل الناس.

«وحانت لي فرصة الحديث مع الله مع إنسان في شمال غرب المحيط الهادئ. كان يُثير كل أنواع الموضوعات المعرفية. ولكن عندما تفحصنا ذلك، اتضح أنه لم يرد أن يؤمن بالله لأنه لم يرد أن يبيع حانته الشهيرة التي كانت تجلب له أموالاً طائلة، وكان يستمتع بهذا كثيراً.

قال أندرسون باختصار: «هذا هو اختباري: عندما تنقب في الأعماق، فإما أن تكون هناك إرادة للإيمان، أو إرادة لعدم الإيمان. وهذا هو جوهر الموضوع.»

داعبتُ ذقني في تأمل وقلتُ: «تقصد إذاً أن الإيمان اختبار.»

فأومأ أندرسون موافقاً وأجاب: «هذا حقيقي تماماً -إنه اختيار.»

قرار الإيمان  

عندما طلبتُ من أندرسون التوسع في أدوار الإيمان والإدارة، سرعان ما جاء على الفور بشخصية العهد القديم إبراهيم كمثال.

قال أندرسون: «لقد دعي إبراهيم «أبو الإيمان»، ولكن لم يكن هذا معناه أنه لم يشك أبداً، ولم يكن معناه أنه فعل الشيء الصحيح على الدوام، ولم بكن معناه أن اتجاهاته كانت نقية دائماً. لقد فشل إبراهيم من وجهة نظر الأمور الثلاثة هذه. ولكن أصغّ، لم يتخل إبراهيم على الإطلاق عن إرادته لإتباع الله. لقد قال: «سأؤمن به — أديان الأرض كلها لا يصنع عدلاً؟» لم يتخل إبراهيم عن الله. واحد تعريفات الإيمان هو أنه الإرادة لكي نؤمن. إنه قرار اتخاذ أفضل نور عن الله وعدم التوقف.

«إن فكرة الاختيار تتخلل الأسفار المقدسة. انظر إلى يشوع. إنه يقول إن يختار هذا اليوم من ستعبد، أما هو وبيته فيعبدون الرب. ومن هنا، فإن الإيمان وجوهره من قرارات الإرادة.»

رفعتُ يدي لإيقافه، وتساءلتُ: «ولكن ألا يوجد أيضاً معنى يقول بأن الإيمان هب من الله؟»

فوافق قائلاً: «نعم، وهذا يثير سراً كبيراً حول الاختيار وحرية الإدارة. ولكني أعتبرُ ذلك كالقوة المحركة في سيارة. حظاً سعيداً إن حاولت تحريك إطارات السيارة بدونها. ولكن بإصبع واحد يمكنك أن تزود السيارة، والقوة المحركة ستمكنك من تحريك العجلات. بصورة مشابهة، فإن إرادتنا تصنع القرار لوضع إيماننا بالمسيح، والله يقوينا نحن.»

بسط أندرسون يده لنقل نظارته من فوق كتابه المقدس. وبعد أن ارتداها، تنّقل بين صفحات الكتاب الرقيقة حتى وصل إلى إنجيل يوحنا.

قال: «أصغّ إلى يوحنا 7: 17. يقول يسوع: «إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ التَّعْلِيمَ، هَلْ هُوَ مِنَ اللهِ، أَمْ أَتَكَلَّمُ أَنَا مِنْ نَفْسِي.»

ومن هنا — إلى حد ما — لو كانت لدينا الإرادة كي نؤمن، فالله إذاً يؤكد أن يسوع هو من الله.»

تقدم عدة صفحات إلى يوحنا 12: 37 وقال: «الكتاب المقدس يتوسع في ذلك حين يقول: «وَمَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ أَمَامَهُمْ آيَاتٍ هذَا عَدَدُهَا، لَمْ يُؤْمِنُوا بِه»،

 وبعد آيتين يقول: «لِهذَا لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُؤْمِنُوا.» (٨)

وشرح قائلاً: «بأسلوب آخر أنهم قرروا قرار إرادة لإنكار رسالة المعجزات -دليل أن يسوع هو الله -لأنهم لم يدفعوا الثمن الذي سيكون انهيار نظامهم الديني بأكمله. واتخذوا هذا القرار كي لا يؤمنوا على الدوام أنهم قد فككوا قدرتهم على الإيمان. ومن هنا فالإيمان في جوهره هو أحد قرارات الإرادة التي نستمر في اتخاذها، لكن هذا الخيار موهوب لنا من قبل نعمة الله. فنحن متحفزون للاستمرار في اتخاذه عن طريق روحه.»

فأشرتُ قائلاً: «وهو اختيار لا بدَّ أن نتخذه دون امتلاك كل المعلومات الكاملة التي نحب أن تكون لدينا.»

«هذا صحيح، وإلا يكون ما لدينا هو المعرفة وليس الإيمان.»

«تكلم عن الاختلاف بينهما.»

وضع أندرسون الكتاب المقدس على المائدة ثم فحص الغرفة بحثاً عن توضيح ارتجالي. وفيما بدا أنه غير قادر على إيجاد دعامة مناسبة، مدَّ يده في جيبه ثم سحبها. وقال: «حسناً، أنا أمسكُ شيئاً. هل تعرف ما هو؟»

فغامرتُ بتخمين وقلتُ: «عملة.»

فقال: «لكنك لا تعرف ذلك يقيناً. هذا رأيك. إيماننا ليس رأينا. دعني أقول لك إنني أمسكُ ربع دولاراً في يدي، فهل تؤمن بهذا؟»

فقلتُ: «بالطبع.»

«أقول لك إن هذا حقيقي، لكنك لم تره. هذا هو الإيمان. تقول رسالة العبرانيين إن الإيمان هو الإيقان بأمور لا ترى.»

ابتسم أندرسون وقال: «راقبني وأنا أدمر إيماننا تماماً.» وبهذه الكلمات فتح يده لتكشف عن ربع دولار. «لم يعد الأمر إيماناً، بل معرفة.»

وضع الربع دولار على المائدة وقال: «أحياناً يعتقد الناس أن الإيمان هو معرفة أن شيئاً ما حقيقي بلا أدنى شك على الإطلاق، ومن ثم يحاولون أن يبرهنوا الإيمان من خلال برهان تجريبي. لكن هذا هو المدخل الخطأ.»

التفتّ إلى العملة وقال: «يمكنك أن ترى وتلمس هذا الربع دولار، ومن هنا لستُ بحاجة للإيمان. والله — لأسبابه الخاصة — لم يُخضع نفسه لمثل هذه البراهين.

«بدلاً من هذا، على الناس أن يفعلوا ما فعلته أنت في كتاب القضية. المسيح -فأنت اعتمدت على برهان موثق. وأوضحت كيف أن خطوطاً متنوعة من البراهين تشير بشكل مقنع إلى الله.

وهذا يصنع شيئاً مهم للغاية — فهو يترك لنا المجال لصنع اختيار عن طريق اتخاذ خطوة إيمان في نفس الاتجاه الذي يشير إليه البرهان.»

 التعامل مع الشك

كانت الظهيرة تنقضي ببطء، لكني لم أرد إنهاء حديثنا دون الحصول على النصح من أندرسون بخصوص كيف يمكن للناس أن يتعاملوا مع الشكوك التي يمكن أن تُداهمهم. كنتُ أعرفُ أنه لا توجد صيغة بسيطة لقهر الشك، وفي نفس الوقت، هناك بعض الخطوات التي يمكن أن يتخذها الناس لمساعدتهم في تخفيف شكوكهم. وكل شيء يبدأ بالإرادة.

قلتُ: «عندما تُعلَّم حول هذا الموضوع، تقول الناس إنهم يحتاجون مبدئياً أن يُقرَّروا ما إذا كانوا يريدون حقاً أن يؤمنوا أم لا. لماذا تبدأ بهذه النقطة؟»

«لأن بعض الناس يقولون إنهم يريدون أن يؤمنوا بينما هم لا يريدون حقاً. كما قلتُ سابقاً، إنهم يُثيرون قضايا معرفية عندما يحاولون فقط تشتيت الانتباه عن إنهم لا يريدون حقاً أن يؤمنوا. على سبيل المثال، قالت لي فتاة جامعية: «يبدو لي وكأن هذا الفكر المسيحي قد اخترعه أناس لديهم حاجة نفسية كي يؤمنوا.»

وكانت إجابتي نعم، فالناس لديهم حاجة نفسية كي يؤمنوا، كما أن بعض الناس لديهم حاجة نفسية كي لا يؤمنوا. وقلتُ لها: «ما السبب وراء أنكّ لا تريدين أن تؤمني؟ هل هذا بسبب انكّ لا تريدين المسؤولية التي يحملها الإيمان؟ هل هذا بسبب اليأس من فسادك؟ أم أنه بسبب أنكّ لا تريدين التخلي عن الحفلات؟»

فاندهشت وقالت: «من قال لك هذا؟ الأمر قليل من الأسباب الثلاثة.» حسناً، لقد كانت لديها أسباب شعورية تدفعها ألا تريد أن تؤمن. وآخرون لديهم أسباب مختلفة.

«لكن الناس عليهم أن يقرروا حقاً لماذا يريدون أن يؤمنوا. هل بسبب أنهم رأوا بعض براهين حقيقة المسيحية؟ أم بسبب أنهم يائسون بدون الله؟ وإذا كانوا لا يريدون أن يؤمنوا، فلماذا؟»

«لو كانت شكوك معرفية، حسناً لا تتوقف عند هذه النقطة. إنهم بحاجة للتعمق فيما يمكن أن يدفعهم حقاً للابتعاد عن الله. لمدة عشرة سنوات كنتُ أزور فتاة صغيرة أسرتها تسئ استغلالها، وقد صَّرحت لي أخيراً أن صراعها لم يكن مع الله، ولا مع أسئلتها، لكن مع جروحها، مع مشاعرها. إنهم بحاجة أن تبدأ من هذه النقطة.»

فقلتُ: «افترض أن إنساناً يريد أن يؤمن، فماذا توصي كخطوة تالية؟»

«اقترحُ أن يذهب إلى الإيمان. فلو أردتّ أن تزرع وروداً، فلا تشترَ فداناً في القطب الشمالي، لكنك تذهب إلى المكان الذي تُزرع فيه الورود جيداً. ولو أردتّ أن تمارس الإيمان، فمن المحتمل ألا تريد الانضمام لشركة الملحدين الأمريكان القابضة. حاوط الناس الذين تحترمهم بسبب حياتهم، وعقلهم، وشخصيتهم، وإيمانهم، وتعلم منهم. راقب حياتهم.

«وأشجع الناس أن يضعوا مواد بنائية للإيمان في أذهانهم، وبهذا أقصد الكتب، والشرائط، والموسيقى التي تبني دافعاً قوياً للإيمان، وتُوضح طبيعة الله، وتختبر البرهان المؤيد والمُعارض، وتتعامل بذكاء مع نقد الإيمان، وتمنح الرجاء الذي يمكنك من التواصل مع الله، وتهديك أدوات تنمية حياتك الروحية.»

كانت هذه الاقتراحات ذات دلالة، لكن شيء كان مفقوداً. فقلتُ: «الإيمان لأجل الإيمان لا معنى له. أليس من المهم تحديد أين تضع إيمانك تماماً؟»

فرد أندرسون: «تماماً، ومن هنا فالخطوة التالية هي توضيح هدف إيمانك. نحن الكنديون نعرف أن هناك نوعين من الثلج: الثلج الكثيف والثلج الرقيق. يمكن أن يكون إيمانك قليلاً جداً بالثلج الكثيف، وهذا يجعلك قائماً بشكل لا بأس به، ويمكن أن يكون إيمانك عظيماً جداً بالثلج الرقيق، ويمكنك أن تغرق. ليس مقدار الإيمان الذي تجمعه هو المهم. فالإيمان يمكنه أن يكون ضئيلاً محبة خردل. لكن إيمانك لا بدَّ أن يُستثمر في شئ صلب.

«ومن هنا فالناس بحاجة لتوضيح أسبابهم للإيمان. لماذا يجب أن يؤمنوا بيسوع بدلاً من ماهاريشي Maharishi؟ لماذا يؤمنون بالبلورات أو بالصوفية الشرقية. أين الثقة؟ تطلّع أندرسون للكتاب المقدس الجلدي على المائدة وقال: «أنا متحيز بوضوح، ولكن حين يصل الموضوع إلى هذه النقطة، فإن هدف الإيمان الوحيد المدعم بصلابة من برهان التاريخ والآثار والأدب والخبرة هو يسوع.»

تجربة الإيمان  

اتخاذ قرار الإيمان، والذهاب حيث يوجد الإيمان، واستخدام المواد البانية للإيمان، وتوضيح هدف الإيمان — بالطبع كانت كل هذه توصيات جيدة، لكن شيء ما بدا أنه لا يزال غائباً. فقلتُ: «في نقطة معينة تكون رحلة إيمان بحاجة إلى أن تبدأ، فكيف يحدث هذا؟»

فجاءتني إجابة أندرسون: «الجلوس والاستغراق في الإيمان والشك لن يمكنهما أن يجعلا الإنسان مؤمناً على الإطلاق. ولا حتى قراءة كل الكتب الصحيحة، أو الخروج مع الرفاق المناسبين، أو حتى اتخاذ قرار الإيمان. في النهاية لا بدَّ أن تباشر تجربة إيمانك بعمل ما يعمله الإيمان.

«قال يسوع إن ثبتنا في كلامه — أي ثبتنا في عمل ما يقوله — نكون حقاً تلاميذه. (٩) فمعنى أن تكون تلميذاً هو أن تكون «متعلماً تابعاً». وعندما تكون متعلماً تابعاً تعرف الحق، والحق يحررك.

«معرفة الحق لا تعني حشو عقلك بالمعرفة، فهذه هي الكلمة العبرية «يعرف» التي ليست جمع المعلومات. إنها معرفة متعلقة بالخبرة. كما عرف آدم حواء — فهو لم يعرف مجرد اسمها وعنوانها، بل اختبرها.

«لكي تختبر الحق وتتحرر، عليك أن تكون متعلماً تابعاً. وبأسلوب آخر، افعل ما يقوله لك يسوع، وسوف تختبر مفعول ذلك. فالأمر بمثابة قيادة دراجة؛ فلا يمكنك مشاهدة فيديو أو قراءة كتاب حول ذلك، بل عليك أن تركب الدراجة للمرور بهذه الخبرة.»

«كيف يفعل الإنسان هذا؟»

«أنت تقول: «لقد سمعتُ بعض الأشياء التي علّمها يسوع. تبدو كأفكار جيدة بالنسبة لي، لكني لا أعرف مدى حقيقتها. على سبيل المثال سمعتُ يسوع يقول: «مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ»؛ فكيف أعرفُ مدى حقيقة ذلك؟» حسناً، فألف مناظرة لا يمكنها برهان هذا. ولكن عندما تصبح كريماً، ستدرك أن هذا حق. يمكنك أن تقول: «آوه، ربما يكون يسوع قد خمن صواباً بالصدفة.»

استمر إذاً، وسوف تُدهش لكثرة ما خمنه يسوع بالصواب!»

بسطتُ يدي لالتقاط كتاب أندرسون المقدس، مفتشاً فيه حتى وصلتُ إلى مزمور 34: 8، وقلتُ «قال الملك داود ذُوقوا وانظروا ما أطيب الرَّبَّ!»؛ فهل هذا هو ما تتكلم عنه؟»

فقال بإقناع: «هذه هي الفكرة، فكلما تفعل هذا، كلما تُنسج باختبارات في نسيج الإيمان.»

توقعتُ من أندرسون الإسهاب، لكنه توقف فجأة بهذا التعليق. تطرَّق إلى الجانب كما لو كان يستجمع أفكاره. ثم استمر بالتكلم بتأثر عن خبرة الإيمان.

الإيمان كفعل  

قال أندرسون: «أعرفُ يا لي Lee أنك ملحد سابق. من المحتمل أن يمكنك الخروج بمائة سؤال عن الله لا أعرفُ كيف أرد عليها. ولكن هل تعرف السبب؟ الأمر لا يهم لأنني اكتشفتُ أن هذا حقيقي.

«لم يكن مظهري ينم عن ابتسامة سخيفة وعينين زجاجيتين. فلقد اكتشفُ أنه مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ. لقد تسايرتُ وتسايرتُ مع هذا. فكلما اكتشفُ رؤية جديدة، وكلما يتحدث يسوع لي شخصياً بطرق لا يمكنني حتى أن أنطق بها، وكلما أُمارس تعاليمه وأختبر النتائج — حسناً، بعد قليل لا أهتم بكل الأسئلة المعرفية التي لديك حول لماذا لا يمكن أن يكون هذا حقيقياً. فأنا أعرف أنه حقيقي.

«الأمر يبدو كأن تقول: «برهن لي أن قوس قزح جميل»

فأقول: «حسناً، إنه أحمر وأخضر»، لكنك تقول: «لا أحب الأخضر والأحمر معاً.»، فأقول: «لكن الشكل الذي يظهر ان فيه في قوس قزح جميل!» لم أسمع إطلاقاً عن إنسان اعتقد أن قوس قزح ليس جميلاً. عندما تكون قادراً أن تنظر إليه بالفعل لنفسك، فلا حاجة لي لقول المزيد. لقد رأيته أنت، واختبرته، وتعرف أنه جميل.

«أعتقد أن الإيمان مثل هذا. ففي النهاية، عليك أن تنطلق وتمارسه. وبالمناسبة، في إنجيل يوحنا، لا يأتي الإيمان أبداً كاسم، بل دائماً كفعل. فالإيمان عمل action، وليس مجرد قبول عقلاني. إنه اتجاه حياة. ولذلك عندما نبدأ عمل الإيمان، فالله يبدأ في تأييده. وكلما نتعمق في إتباع الرحلة، كلما نعرف أنها الحقيقة.

بينما كان تحليله يتمتع بالقبول، إلا أن غموضاً واضحاً كان موجوداً. فأوضحتُ قائلاً: «لو كان الإيمان اختبارياً، يمكنك الانضمام للبوذية، وستجد أن التأمل يُخفض ضغط دمك ويجعلك تشعر بالتحسن. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن البوذية على حق.»

فحذر قائلاً: «ولكن تذكر أن الاختبار مجرد سبيل واحد للبرهان. فعليك أيضاً توضيح هدف إيمانك كي تحدد ما إذا كانت هناك أسباب شرعية لتصديق أنه إيمان حقيقي. فالاختبار النهائي للحلوى يتمثل في أكلها. فالبوذية تعمل لصالح بعض الأشياء. لكنك لو اتبعت رحلة يسوع بكاملها، ستجد أن تعاليمه تتماشى في تناسق لأنها حقيقية. فالمسيحية ليست حقيقية لأنها مؤثرة، لكنها مؤثرة لأنها حقيقية.»

فابتسمت قائلاً: «يبدو أنك تتكلم عن خبرة.»

«حسناً، سأقول لك — إن إيماني أفضل بكثير عما كان منذ 30 عاماً. فهل أملكه كله معاً؟ هذا سيكون مبالغة. ولكني في سلام غان أكثر مع الله، وفي ثقة تامة أكثر أنني بين ذراعيه، وأؤمن أنه يقبل محاولاتي الضعيفة لتمجيده بحياتي.»

«هل تأتيك لحظات لا تزال تشك فيها؟»

فأندهش قائلاً: «آوه، يا رجل، نعم!، إني أتصارع مع لماذا لا أحرز تقدماً أكثر في قهر خطاياي المحببة. بالطبع لا يمكن أن يكون هذا هو خطأ الله — بل من الناحية الأخرى، لماذا يجعل الأمر صعباً جداً عليَّ؟ أنا لديَّ ذاك النوع من الشكوك. أتصارع مع الأهوال التي تحدث في كوسوفو، واندونيسيا، وبقاع إفريقيا، حيث تُباد أجناس بأكملها — وبعضها تحت اسم الدين. لماذا لا يتعامل إله محب مع هذا؟ لستُ أقول إني لا أؤمن به. لكني أقول إني لا أملكُ الإجابة الكاملة النهائية على هذا السؤال.»

«هل هناك رجاء للشكاكين بالفطرة مثلك أنت؟»

كان أندرسون عنيداً فصمم قائلاً: «نعم، نعم، بالطبع. عندما أقول أتصارعُ مع شكوكي وخطاياي، فلا أريدُ أن أبدو كإنسانٍ مهزوم أو كمن ليس له رجاء. أحد الرفاق من كنيستي قرأ كتابي عن الشك وقال: «أوه، لا! هل تقصد أنك لا تؤمن حقاً؟»، فقلتُ: «فأنا أؤمن حقاً — ولكن هل تعن عدم إيماني؟»

«هذه الأيام أختبرُ الله أكثر من أي وقت مضى. يمكنني حتى أن أرى نعمة الله في تلك الأوقات التي يبدو فيها غائباً عني، تماماً كما أن صفات زوجتي تبدو أكثر واقعية عندما أكون بعيداً عنها لأني أشتاقُ إليها. هذه الأيام أُصلي أكثر، وأتلقى من الله استجابة للصلاة أكثر مما تلقيته في حياتي. أشعرُ بحاجة أقل للتحكم في الآخرين أو النتائج لأني أعرفُ أن الله يُمسك بالزمام.

«والمثير للسخرية، أشعرُ أني أقل استعداداً للرد على كل الاعتراضات القادمة من المشككين المشهورين. ولكن هل تعرف السبب؟ لم يعد الأمر مهماً بالنسبة لي كما كان، لأني أعرفُ أن هذا حقيقي. إني أراه.

«أراه في حياتي، أراه في زواجي، أراه في أطفالي، أراه في علاقاتي، أراه في حياة الآخرين عندما يتغيرون بقوة الله، وعندما يتجددون من قّبل الله، وعندما يتحررون من قّبل حقه.»

كان صوت أندرسون يحتوي على اتجاه خفي بالسلطان الواثق. فقد صرح في الختام: «لي eeL، لقد تذوقتُ!، وأقولها لك — لقد تذوقتُ!، ولقد نظرتُ ما أطيب الرب.»

عاد ذهني لصورة شاب كندي ريفي يتحسر على شكوكه، وهو يبحث يائساً عن أرضية روحية صلبة ليؤسس عليها حياته. والآن، لا رغم الشكوك، ولكن بسبب الشكوك، وجد حياته. إن علاقته الشخصية مع الله تؤكد مراراً وتكراراً ما لم يبرهنه أي دليل تجريبي على الإطلاق. بسطتُ يدي وأغلقتُ التسجيل وقلت: «أشكرك يا لين على أمانتك العظيمة.»

الإيمان بالشك

واصلتُ الأمر بإعادة تشغيل تسجيل لقائي مع أندرسون بينما عدتُ إلى شيكاغو في رحلة جوية نصف ممتلئة تلك الليلة. وجدتُ نفسي أتفق مع تقديره لدور الشك فبينما يمكنه أن يكون مُربكاً، ورغم أنه يمكنه أن يصير مدمراً في النهاية لو لم يُعتنى به، إلا أن الشك يمكن أن تكون له فوائد بشكلٍ واضح. رددت مع رؤية جاري باركر في كتابه عطية الشك the gift of doubt :

لو لا يتواجه الإيمان مع الشك، ولو لا يتصارع مع الزيف ولو لا يتحارب الخير مع الشر، فكيف يعرف الإيمان قوته الشخصية؟ في رحلتي الروحية الخاصة، لو كان عليَّ أن اختار بين إيمان حملق في الشك وجعله يطرف، وإيمان ساذج لم يعرف أبداً خط نار الشك، لاخترتُ على الدوام الإيمان الأول.

سأفعلُ هكذا أيضاً. لقد عرفتُ أن ثقتي الجوهرية بيسوع ستكون أكثر قوة وضماناً وثباتاً لأنها تمحصت من خلال نار الشك المطهرة وفي النهاية، ورغم الأسئلة، والتحديات، والعقبات، فإن إيماني لن يعيش فقط، بل سينمو أيضاً.

بعد ذلك اتجهت أفكاري إلى تشارلز تمبلتون. هل كانت اعتراضاته العقلية حول الله مسئولة حقاً عن تفكيك إيمانه؟ أم أن شيئاً ما كان كامناً في ظل تلك الشكوك، دافعاً خفياً لا يُوصف كان يضرم سراً تحدياته للمسيحية؟ لم يكن أمامي طريق للتأكد. ولم تكن لدىَّ رغبة للبحث في حياته الخاصة لاستكشاف ذلك. في هذه اللحظة، كان أفضل ما استطاعته هو أن أستمر في أخذ اعتراضاته على محمل الجدية.

كان هناك تضمين آخر سهم من لقاء أندرسون. فلو كان الشك والإيمان يمكنهما أن يتواجدا معاً، فهذا معناه أن الناس ليس عليهم أن يحلوا تماماً كل عقبة بينهما وبين الله لنوال إيمان حقيقي.

وبأسلوبٍ آخر، عندما تميل أكثرية جميع الأدلة على نحوٍ حاسم إلى رضا الله، ثم يقرر إنسانٌ اختياره العقلي بالإيمان به، فيمكنها أن تتحكم قيادة بعض أكثر الاعتراضات الخارجية حتى يأتي اليوم ويتم حلها.

وفي نفس الوقت، يمكنهم أن يقرروا قرار الإيمان، ويطلبوا من الله المعونة لعدم إيمانهم.

مشاورات

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة.  

■ أي جزء من قصة أندرسون تعاطفتّ معه؟ بأية طرق تختلف أو تتشابه رحلتك الروحية مع رحلته؟

■ ما أنواع الشكوك التي تتصارع معها؟ هل من الممكن أن تكون مُضرمة بدافع عدم الإيمان؟ لو كان الأمر هكذا، فهل يمكنك أن تحدد سبب تباطئك عن اتباع الإيمان بالمسيح؟

■ كيف تأثرت رؤيتك عن الله من قّبل الأسرة التي نموت فيها، أو الكنيسة التي كنت تحضرها في طفولتك؟ باستعادة الماضي، هل نموت برؤية كتابية دقيقة عن الله؟

■ عرض أندرسون اقتراحات عديدة للجهاد في حياتك الروحية — اتخاذ قرار الإيمان، الذهاب حيث ويجد الإيمان، استخدام المواد البنائية للإيمان، توضيح هدف إيمانك، واختبار إتباع تعاليم يسوع. أي من هذه الخطوات تؤمن أنها ستكون الأكثر عوناً لك، ولماذا؟

لمزيد من الأدلة  

مصادر أخرى حول الموضوع

  • Lynn Anderson. If I Really Believe, Why Do I Have These Doubts? 2 d Edition. West Monroe, La.: Howard, 2000.
  • Gray E. Parker. The Gift of Doubts. San Francisco: Harper & Row, 1990.
  • Os Guinness. In Two Minds. Downers Grove, III. In-terVarsity Press, 1976.
  • Gray R. Habermas. The Thomas Factor. Nashville: Broadman & Holman, 1999.

“Local color” (1)

أسلوب كتابي يقوم على تصوير سمات إقليم معين أو سمات سكانه — المترجم.

1- Dan barker. Losing faith in faith (Madison. Wis: freedom from religion foundation .1992). 106.109

2- Quoted in: Lynn Anderson. If I really believe. Why do I have these doubts? (minncapolis. minn: bbethany house.1992).60 (emphasisadded)

3- See: lee strobe. (Reformed hood comes back to pay his dues.) The Chicago tribune.oct27.1977.arid lee strobe. God# outrageous claims (grand rapids.mich:zondervan.1997)63.67

4- Os Guinness.in two mind (downers.111: inter varsity press.1976).61

5- Andre resner. Grief and faith-three profiles of struggle in the face of loss. Annual lectures. Pepperdine university.april19.1989.quoted in: Lynn Anderson if I really believe. Why do I have these doubts.789empha-sis in original)

6- See: Paul c vitz (the psychology of atheism) truth: an international interdisciplinary journal of Christian thought1 (1958).29

7- See: mark9: 14-27

8- Emphasis added

9- John 8:31-32(to the Jews who had believed him Jesus said 9 if you hold to my teaching. You are really my disciples. Then you will know the truth. And the truth will set you free)

10- Gary e parker. The gift of doubt (Sam Francisco: harper&row.1990).69

 

مازالت لدي شكوك لذلك لا يمكن أن أكون مسيحياً – لي ستروبل

قوة الإيمان – لي ستروبل

قوة الإيمان – لي ستروبل

قوة الإيمان – لي ستروبل

قوة الإيمان – لي ستروبل 

 

قوة الإيمان – لي ستروبل
“شخصٌ ما، فى مكانٍ ما، يُحبُني!”

                              عبارة مُتكررة في يوميات المُلحِدة الراحلة مادلين موريه أوهير (1)

“الإنسان يرفض الله لا بسبب المطالب الفكرية، ولا بسبب نُدرة الأدلة. الإنسان يرفض الله بسبب مُقاومة أخلاقية ترفض أن تعترف باحتياجه لله.”

رافي زكريا، مسيحي (2)

استغرقتْ عودتي من مقابلتي فى تِكساس طوال اليوم. فقد تعطلت رحلتي الجوية بسبب الطقس العاصف، ثم أُلغِيَتْ نتيجة مُشكلات ميكانيكية، واضطررتُ لإعادة توجيه نفسي عبر مدينتين أخريين كي أرجع إلى الوطن. لقد كانت رحلات الطيران وَعِرة ومُزدحِمة. كُنتُ مُتعباً بدنياً، لكن ذِهني كان يعمل وقتاً إضافياً.

انتهيتُ أخيراً من استرجاع ذكرياتي، والتوسع فى رحلتي الروحية الأصلية بمحاورة خبراء حول الاعتراضات “الثمانية العنيدة” للمسيحية. ومرةً أخرى، حملق الإيمان في عين الشك بشكلٍ مُحكم – وكان السؤال الوحيد هو أيُهما سيطرف.

استرخيتُ فى مقعدي الوثير المُفضَّل، وذِهني يطِن بينما كان يسعى لاستيعاب كل المعلومات والآراء والأدلة التى كنتُ أجمعها على مدار العام الماضي. ملأتُ مجموعة من الدوسيهات القانونية بالأبحاث. وكانت مجموعة شرائط المقابلات المُسجلة كثيرة العدد، وكان مكتبي مملوءاً بالكُتب.

أثارت العقبات الثمانية للإيمان قضايا عَسِرة، ومع ذلك، كان الخُبراء الذين أجريتُ معهم مُقابلات رُواداً فى تقديم إجابات مُرضية. ففى كثير من الموضوعات استطاعوا أن يُقدموا تفسيرات حاسِمة وطَّدَت القضية في ذهني بشكلٍ حاسِمٍ. بالنسبة لبعض الموضوعات التي لم تُخضِع ذاتها لذلك النوع من الحل الحاسِم، تمكَّن الباحثون من إضعاف فعالية الاعتراضات بتقديم قرائن وأفكار هامة. تمت إزالة الاعتقادات الخاطئة، وتم تحقيق وضوح أكثر، وفى النهاية تمت تهدئة وخزة كل تحدٍ بنجاح.

بالنسبة لي شخصياً، برهن عائقان – وجود المُعاناة وعقيدة الجحيم – على أنهما المصدران الأكثر إرباكاً. فكلما انغمستُ فيهما أكثر، كلما وجدتُ نفسي فى خطر فُقدان رؤيتي. وبينما كُنتُ أُغلق عيني، وأفكرُ في التحقيق، مُتطلعاً إلى موضوعات مُتقدِمة يُمكنها أن تُساعدني على إدراك كل شئن جالت بخاطري ثلاثة مشاهد مُتميزة، بدءاً من مُناقشة قصيرة ساعدني فيها مورلاند على استعادة توازني.

المشهد الأول: إيجاد منظور

كُنتُ على وشك أن أُغادِر منزل مورلاند في يوم مقابلتنا حول عقيدة الجحيم. عرفتُ أنه كان بِحاجة أن يرحَل إلى المعهد اللاهوتي، لذلك شكرته على وقته، وبدأتُ فى إعداد عِدة التسجيل. لكن كان لا يزال هناك شئٍ يُزعجه. وبينما كُنا نجلس سأل عما إذا كان يُمكِنه أن يُضيف نُقطة أخرى.

قال بينما يبحث في ذهنه عن الطريقة الصحيحة للكلام: “لي Lee، هُناك شئٌ آخر يجب أن أضيفه”. وتنهد وهو يبدو محبطاً من أسلوب إيجاز كلامه. وبعد ذلك، بينما إتكأتُ على إطار بابه وأصغيتُ عن كثبٍ، وصف مورلاند تماثُلاً جزئياً خلق لحظة دهشة بالنسبة لي.

بدأ قائلاً: “عندما تُحاول أن تصنع قرار بشأن شئ، وتزِن البُرهان عليه وضِده، فمن المُهم أن تأخُذ بعين الاعتبار كل الأدلة المُتعلقة به، وليس مُجرد جُزء صغير منها.”

كان هذا أمرٌ معقول، لكني سألتُ لماذا شعر بأنه مُجبَر على قول هذا.

فشرح قائلاً: “لأننا كُنا نركز على رفض واحد شائع للمسيحية – أقصد وجود الجحيم. ولو كُنتَ تُركِز فقط على عقبة واحدة، فسوف تفقد الصورة الكبيرة الشاملة.”

“دعنى أقدم لك توضيحاً. افترض أننى رأيتُ زوجتي تمسك يد رجُل آخر فى المول. فهل سيكون من المنطق أن أستنتج أنها كانت تخدعنى؟ حسناً، إن الأمر يعتمد على أي دليل أضعه فى الاعتبار. فإن كان الدليل الوحيد الذي أفكر فيه هو ما رأيته في المول، لقُلتُ لنفسي: “لا أرى أي شيء يوضح ألا تخدعني.” لكن ذلك يترك شيئاً مهملاً. أليس كذلك؟

“إنه يُهمِل مقداراً وفيراً من الأدلة ليست لها علاقة بموقف المُول، لكن له كل العلاقة بالرُبع الأخير من قرن من الزمان قضيته معها. لقد عرفتها بشكلٍ جيد إلى حدٍ كاف، يوماً فيوم، حتى أكون واثقاً من أنها لا يُمكن أن تخدعنى هكذا. لذلك إذا سُمح لى أن أُقدِّم أدلة العُمر هذه، لقُلتُ: “يبدو فى الظاهِر وكأنه شئ مُضحِك، لكن لا يُمكن ببساطة أن يكون صحيح أنها تخدعني. لابُدَّ أن يكون هُناك تفسير آخر.”

“افترض الآن أنها قد تلقت مُكالمة دون علمي من شخص ساعدته أن يصير مسيحياً مُنذُ عشرين عاماً. وحدث وأن كان فى المدينة، وهي لم تكُن قد رأتهُ مُنذُ عقدين من الزمان، لذلك تقابلا معاً فى المول، وكانا يسترجعان صور العائلة، ويستغرقان فى الذكريات. كان يستعِد للمغادرة إلى بلد أجنبى، وربما لن تراهُ مرةً أخرى. ولذلك، كأخ وأُخت، تماسكا الأيادي فى براءةٍ، وتحدَّثا في المول.

“حسناً، هذا يُشبِه فحصنا لمنطقية الجحيم، ربما تسأل نفسك: “هل أشتري الجحيم أم لا؟” إن كان الدليل الوحيد الذي تُفكِّر فيه أثناء تأمُلك هو مزايا وعيوب الجحيم فى حد ذاته، فإن ذلك يُشبه التأمل فى موقف زوجتي، والسماح فقط للدليل فى صالح وضد ما رأيته فى المول.

“أريد أن أؤكِد أن هُناك العديد من الأدلة الأخرى التى يجب أن تأخُذها بعين الإعتبار، والتي ليس لها علاقة بالجحيم في حد ذاته، لكنها تتصل به. ما هذا؟ إنه كل الأدلة على وجود الله، وأنه خلقك، وأن العهد الجديد جدير بالثقة تاريخياً، وأن يسوع صنع مُعجزات وقام من الموت، وأن الله يُريد أن يقضي الأبدية معك في السماء.

“عندما تُحلِّل كل ذلك، ربما ستقول لنفسك: “رغم أنني ربما لا أملك تفسيراً جيداً على نحو كامل في هذه النُقطة لسبب وجود جحيم، إلا إننى أعرف أنه يجب أن يكون هُناك جحيم لأن لدىَّ أدلة كثيرة على أن يسوع المسيح هو بالحقيقة ابن الله، وأنه قد علم عنه.”

“ولأننى يُمكِن أن أؤمن به، وفي محبته العميقة للبشر – كما اتضح من موته لأجلنا على الصليب – يُمكن أن أثق فى أن الجحيم سيكون معقولاً فى النهاية، وأننى سأرى عدله، وسوف أُدرِك في النهاية أنه أفضل بديل أخلاقي.”

سلسلة طويلة من الأدلة

كان تفسير مورلاند البسيط مُعيناً لي للغاية. فبينما تعمقتُ في أعقد عوائق الإيمان، جاءت لتبدو في شكل ضخم فى ذهني، حتى إنها طردت المعلومات الأخرى المتصلة. ومن المُمكِن أنه بينما تركز على موضوع واحد مُربِك بشكلٍ خاص بالنسبة لك، تَحدُث نفس الظاهرة.

إنَّ كشف زيف المسيحية يتطلب أكثر من مُجَرَّد إثارة اعتراض. وذلك لأن هُناك خلفية لأدلة أخرى متصلة تخلق افتراضاً قوياً لصالح الإيمان بيسوع المسيح. وببساطة، فإن فحص التحديات الفردية ليس كافياً، فهذا الامتداد الواسِع من الأدلة هو بحاجة أن يُحفَظ في الذهن بينما يتم التفكير في كل اعتراض على حِدة.

  أي نوع من الأدلة؟ لقد استنبطت مقابلاتي مع الخبراء هذه الحقائق المُقنِعة التي تسير بقوة إلى وجود الله وابنه الوحيد يسوع المسيح:

  • الانفجار العظيم. أظهر لين كريج المُساعد فى تأليف كتاب “الإيمان، والإلحاد، وكوزمولوجيا الانفجار العظيم The ism، Atheism، and Big Bang Cosmology من إصدار مطبعة جامعة أكسفورد، أن الكون والزمن ذاته كانت لهما بداية في نقطة ما من الماضي السحيق. ويُشير العلماء إلى هذا باسم الانفجار العظيم. ناقش كريج أنه كل ما يبدأ في الوجود له عِلة، وأن الكون قد بدأ في الوجود؛ ومن هُنا تكون للكون عِلة – أي خالِق غير مُسبَّب، وغير مُتغَيِّر، ولا يَحِدَّهُ زمن، وغير مادي. وحتى المُلحِد الشهير كاي نيلسن قال ذات مرة: “افترض أنك سمعت فجأة فرقعة عالية… وسألتني: “ما الذي تسبَّب فى تلك الفرقعة؟” وأجبتك: “لاشئ، إنها حدثت وحسب”، فلن تقبل ذلك. والتي أشار لها كريج قائلاً إنه إذا كانت هُناك عِلَّة واضِحة على وجود فرقعة صغيرة، أفلا يُعقَل أيضاً أن هُناك “عِلَّة” على وجود انفجار عظيم؟
  • التناغُم الجيد للكون. في الخمس والثلاثين سنة الماضية ذُهِلَ العُلماء باكتشاف مدى التوازُن المُذهِل للحياة في العالم في موضِع حَرِج للغاية. لقد كان الانفجار العظيم حدثاً منظماً على نحوٍ عال تطلَّب مِقداراً هائلاً من المعلومات، ومن لحظة الابتداء كان العالم مُتناغِماً بشكل جيد لدقة لا يُمكِن إدراكها لوجود حياة مثل حياتنا. إن اختلافاً صغيراً جداً في تقدير الاتساع المبدئي للكون، وقوة الجاذبية، أو القوة الضعيفة، أو عشرات من الثوابت والكميات الأخرى كان سيخلق كوناً مانعاً للحياة بدلاً من كَوْن مُدَعِّم للحياة. وهذا كله يؤيد استنتاج أن هُناك مُصمِماً ذكياً وراء هذا الكون.
  • القانون الأخلاقي. بدون الله، تكون الأخلاقية ببساطة نتاج تطور اجتماعي حيوي، وفي الأساس مسألة تذوق أو تفضيل شخصي. فعلى سبيل المِثال، ربما يصبح الاغتصاب مُحرَّماً أثناء التطور البشري لأنه ليس امتيازاً اجتماعياً، لكن من المُمكِن أيضاً تَصَوُّر أن الاغتصاب كان من المُمكِن أن يتطور كشئ نافِع لبقاء الأنواع. وبتعبير آخر، فإنه بدون الله لا يوجد مِعيار مُطلَق للصواب والخطأ يفرض ذاته على ضميرنا. لكننا نعرف فى أعماقنا أن القِيَم الأخلاقية الموضوعية موجودة بالفعل – فمثلاً، بعض الأفعال كالاغتصاب، وتعذيب الأطفال أمور بغيضة أخلاقياً في العالم، ومن ثم فهذا معناه أن الله موجود.
  • أصل الحياة. لا يُمكِن أن تُقدِم الدارونية نظرية يُمكِن تصديقها عن كيفية نشأة الحياة بشكل طبيعي من مواد كيميائية غير حيَّة. كان الغُلاف الجوي المبكر للأرض سيمنع تطور القوالب البنَّاءة للحياة، وكان جمع حتى أكثر مادة حية بِدائيةً سيمثل صعوبة بالِغة حتى إنه لا يُمكِن مُطلقاً أن يكون نِتاج عمليات غير مُوجَّهة أو عشوائية. بل على النقيض، فإن المقدار الشاسِع من المعلومات الدقيقة التي توجد داخل كل خلية حيَّة – المُشفَّرة في أبجدية “DNA” الكيميائية الرُباعية الحروف يؤكد بقوة وجود مُصمِم ذكي كان وراء الخلق الإعجازي للحياة.
  • مِصداقية الكتاب المقدس. توصَّل الباحِث نورمان جيسلر على نحو مُقنِع لوجود دليل على أن الكتاب المقدس مصدر يُمكن الإعتماد عليه أكثر من أي كتاب آخر من العالم القديم. فمصداقيته الأصلية تُعزز مراراً بواسطة الإكتشافات الأثرية، وكما قال: “إن كان يُمكننا أن نثق في الكتاب المقدس عندما يُخبِرنا عن أمور أرضية صريحة يُمكِن التأكُد من صِحتها، يُمكننا أن نثق به في مجالات حيث لا يُمكننا أن نؤكد على صحته مباشرةً بطريقة تجريبية”. علاوة على أن الأصل الإلهى للكتاب المقدس قد ترسَّخ بطريقتين. الأولى، هي أنه فى تحدٍ لكل الشواذ الرياضية، تحققت عشرات النبوات القديمة عن المسيا – بما فى ذلك إطار الوقت الدقيق الذي كان سيظهر فيه – تحققت بشكل إعجازي في شخص واحد فقط عبر التاريخ، يسوع الناصري. الثانية، هي أن الأنبياء الكتابيين صنعوا مُعجزات لتأكيد سُلطانهم الإلهي. وكان حتى أعداء يسوع يعترفون بمعجزاته. على النقيض من ذلك في القرآن حينما تحدَّى الكُفار “محمداً” كي يصنع معجزةً، رفض ذلك، وأخبرهم فقط أن يقرأوا سورة في القرآن، رغم أنه سلَّم بأن “الله لديه بالتأكيد القوة لإرسال علامة.”
  • قيامة يسوع. بنى كريج فرضِية قوية بأن يسوع المسيح قد قام من الأموات في التأصيل الأخير من تأكيده لألوهيته. لقد قدَّم أربع حقائق مقبولة على نطاق واسِع من قبل مؤرخي العهد الجديد. أولاً، بعد أن صُلِب يسوع، دفنه يوسف الرامي في قبر. هذا معناه أن مكانه كان معروفاً من قِبَل اليهود، والمسيحيين، والرومان على حدٍ سواء. ثانياً، في يوم الأحد بعد الصلب، فإن مجموعة من النِسوة تابِعاتِه وَجَدن القبر فارغاً. ثالثاً، في مُناسبات عديدة، وتحت ظروف متنوعة، اختبر أفراد مختلفون ومجموعات مختلفة ظهورات ليسوع قائماً من الموت. لا يُمكن رفض هذا كأمر أسطوري نتيجة للتاريخ المُبكِّر جداً لهذه الروايات. رابعاً، آمن التلاميذ الأصليون فجأة وبإخلاصٍ أن يسوع قد قام من الموت رغم ميلهم لتصديق النقيض. كانوا مُستعدين للانطلاق حتى الموت مؤكدين قيامة يسوع، وهكذا برهن على أنه ابن الله، ولا يوجد إنسان يموت وهو على عِلم وبرغبته من أجل أكذوبة.

هذا بالإضافة إلى أن الباحثين والخُبراء الثلاثة عشرة الذين قابلتهم لأجل كتابي السابق “القضية. المسيح”، أكَّدوا أن سِيَر يسوع في العهد الجديد تُواجِه الفحص العقلاني، وأنها سُلِّمت لنا على نحو موثوق فيه عبر التاريخ، وأن هُناك أدِلة وثيقة تشهد ليسوع خارِج الكتاب المقدس، وأن يسوع لم يَكُن غير مُتَّزِن نفسياً عندما صرَّح أنه الله، وأنه حقَّق كل صفات الألوهية. (رجاء النظر إلى الملحق: ملخص ” القضية. المسيح” في ختام هذا الكتاب للحصول على فكرة شاملة عن هذه النتائج.)

تفسير الدليل

يجب وزن كل اعتراض من الاعتراضات “الثمانية العنيدة” في ضوء هذا الدليل الإيجابي القوي لوجود الله ولألوهية يسوع المسيح. على سبيل المِثال، كما سلَّم بيتر كريفت في مُقابلتنا، فإن المُعاناة في هذا العالم لا تُشَكِّل دليلاً ضد وجود الله، لكنها في النهاية تستتر وراء قدر كبير من الأدلة الأخرى أن الله موجود، وأنه يُحبنا، وأنه يُمكنه أن يفدينا من مُعاناتنا، ويأتي منها بالخير. هذه الأدلة الكثيرة يُمكنها أن تمنحنا الثقة بأنه رغم أننا رُبما لا نفهم تماماً سر وجود المُعاناة أو الجحيم، فإننا يُمكِن أن نثق في أن الله عادِل، وأنه يتصرف بطريقة مُلائِمة، وأننا يوماً ما سيكون لدينا تفسير أعمق.

فى حين أن كلاً من هذه العوائق الثمانية خطير، إلا أن أياً منه لم يكن قادراً أن يتغلَّب على البيانات التي تُشير بإقناع لصحة المسيحية. عندما كُنتُ مُلحِداً أدركتُ أنني يجب أن أفعل أكثر من مُجرد إثارة اعتراضات عشوائية لعرقلة المسيحية، وكان يجب أن أطلع بسيناريو لا إيماني يتلاءم بشكل أفضل مع كل الحقائق التي سجلتها تواً. لكن الإلحاد لا يمكنه أن يُفَسِّر الانفجار العظيم، والتناغُم الجيد للكَوْنْ، ونشوء الحياة، ووجود القوانين الأخلاقية، والتأكيد الخارِق للطبيعة للكتاب المقدس، والقيامة. إن الفرضية الوحيدة التي تُوضِح هذا كله هي أن هُناك خالِقاً إلهياً ابنه الوحيد هو يسوع الناصري.

لقد فحصتُ كل عقبة على حِدة، مُحاوراً خُبراء استطاعوا أن يُقدَّموا تفسيرات مُرضِية وتحليلات مُرضِية. ثم قُمتُ بتقييم كلاً من الاعتراضات في سياق الدليل المُقنِع بأن المسيحية على حق، ومن ثم فإن الله جدير بالثقة، وأنه يُحبنا بعُمق.

استنتاجي هو أن المسيحية نشأت سالِمة. فبعد قضاء سنة في تحري الاعتراضات “الثمانية العنيدة”، ظَللتُ مُقتنعاً تماماً بأن الخطوة الأكثر عقلانية ومنطقية التي يُمكِن أن يتخِذها الناس هي أن يستثمروا إيمانهم بيسوع الناصري

المشهد الثاني: صنع اختيار

فى جامعة كاليفورنيا الجنوبية، داخِل مبنى بطوب أحمر عليه الكلمات “الحق سيحرركم” منقوشة على سطحه الخارجي، وجدتُ ليزلي وأنا جالسين في مكتب يبدو وكأنه آثار إعصار في حديقة نباتات. كان يُحيط بنا – على المكتب والأرضية وكراسي قليلة مُتبَقِّية – كومات عالية من الأوراق. كانت الأرفُف مُتخَمَة بكُتُب ثقيلة، وصُحُف بالِية، ومُنَوَّعات من التِذكارات. وكان يجلس في وسط كل هذا الفيلسوف دالاس ويلارد ساكناً – وهو أحد أبرز المُفكرين المسيحيين في أيامنا هذه.

لقد كانت فُرصة نادرة أن أتكلم مع مؤلف أكثر كتابين مسيحيين شُهرةً في العقود الأخيرة: The Spirit of the Disciplines، The Divine Conspiracy. كان حديثنا مع أستاذ الفلسفة ذات الشعر الرمادي، والذي كان يرتدي نظارة، يرتكز على كيفية مُمارسة الإيمان من خلال الصلاة.

بينما نُناقِش كيف يستجيب الناس لله، قَدَّم ويلارد مُلاحظة مُمتِعة على نحوٍ خاص: “إن القضية هي ماذا نُريد نحن؟ يقول الكتاب المقدس إنه إذا كُنتَ تبحث عن الله من كل قلبك، فسوف تجده بالتأكيد. ستجده بالتأكيد. فالإنسان الذي يريد أن يعرف الله هو الذي يكشف له الله نفسه. وإن كان إنسان لا يريد أن يعرف الله، حسناً، فالله خلق العالم والعقل البشري بطريقة لا يُجبره فيها على ذلك.”

بَسَط يده، وبحث في كومة أوراق على مكتبه، وسحب ورقةً واحدة، وقال: “هذا بيان أعطيته للطلبة في فصلي.” فأخذتُ الورقة وقرأتُ هذه الكلمات:

“الثلاثاء القادم صباحاً، بعد الإفطار مباشرةً، سيفزع كل إنسان في هذا العالم الواحد إثر قصف رعد مدوٍ. الثلج يدور في دوامات، والأوراق تتساق من الأشجار، والأرض تجيش وتلتوي، والمباني تتداعى، والأبراج تنهار. السماء تشتعل بضوء فضي غريب، وآنذاك، بينما يتطلع كل أناس هذا العالم، تنفتح السماوات، وتتفرَّق السُحُب، كاشِفةً عن تمثال ضخم مُتألِق بشكل لا يُصدَّق يُشبِه الإله زيوس، وهو يُحلِّق فوقنا مثل مائة قمة كقمة إيفرست. إنه يعبس على نحو مُظلِم بينما يُشرِف البرق على ملامح وجهه التي صممها مايكل أنجلو، ثم يُشير لأسفل إليَّ أنا، ويُشير لكل رجل، وامرأة، وطفل كي يُصغي: “كانت لدىَّ كمية كافية تماماً من مهارتك الفائقة في أمور اللاهوت. كُن مُطمئناً، يا نوروود راسيل هانسون، من أنني موجود بالتأكيد!” (3)

قال ويلارد: “لذلك سألتُ الفصل في حالة حدوث هذا بالفعل، فكيف كان سيستجيب هانسون؟”

فقُلتُ: “هل تعتقد أنه سيفسره؟”

فأجاب ويلارد: “بالقطع!، هذا أمر مؤسف تماماً، لكني أعتقد أنه سيُفسره. يجب أن نكون مُنتبهين لحقيقة أن الصلاة المُستجابة – في كل حالة يُمكِن تخَيُلها تقريباً – يُمكِن تفسيرها إذا كُنتَ تريد ذلك، هذا هو ما يفعله الناس عادةً. إنهم يقولون: “حسناً، أنا ذكيٌ جداً، لا يُمكِن الاستهزاء بي بكل هذه الأمور.”

استطعتُ أن أفهم ذلك. فقد أخبرتُ ويلارد عن وقت دخلت فيه ابنتي المولودة حديثاً العناية المُركَّزة بسبب مرض غامِض كان يُهدِد حياتها. لم يستَطِع الأطباء أن يُشَخِصوه. ورغم إنني كنت مُلحِداً، إلا إنني كنتُ يائساً جداً لدرجة إننى صلَّيتُ حقاً والتمستُ الله – إذا كان موجوداً – كي يشفيها. بعد ذلك بوقت قصير أذهلت الجميع بتَحَسُّنها تماماً فجأة، وتركنا الأطباء وهم ينبشون رؤوسهم مُندهشين.

قُلتُ لويلارد: كان إستجابتي هي أن أُفَسِّر الأمر. لقد قُلت “يا لها من مُصادفة! لابُدَّ وأنها كانت تُعاني من نوع ما من البكتريا أو أحد الفيروسات التي اختفت تلقائياً. لم أكُن حتى سأفكر في إمكانية أن يكون الله قد تدخَّل. وبدلاً من ذلك، بقيتُ في إلحادي”.

ابتسم ويلارد لسماع القصة، وقال بِرِقَّة: “أنا لا أعني أن أُشَخِّص حالتك في حضورك، ولكن هل ربما تكون كبرياؤك قد ظهرت في الطريق؟ لقد كُنتَ ذكياً جداً! ما كُنتَ ستُخدع بهذا. دع كل السيدات الكبار يُخدعن، ولكن ليس أنتَ. طالما أن الشخص لديه هذا الإتجاه تكون هذه هي استجابتهم.”

رائع! لقد كان صحيحاً في الهدف. فحتى إن كان هناك نمو لأدلة موثقة على تَدَخُّل الله، فإنني كُنتُ سآتي بأي تفسير – بغض النظر عن مدى غرابته، وبغض النظر عن عدم منطقيته – فيما عدا احتمالية أنه قد استجاب صلاتي. لقد كُنتُ مُتكبِراً للغاية لإحناء ركبتي لأي شخص، وساقِطاً للغاية في نظام حياتي اللاأخلاقي حتى إنني كُنتُ لا أريد التخلُّص منه.

استمر ويلارد قائلاً: “أراهنك أن الأمر لا يأخُذ خمس دقائق لتفسير معجزة واضحة بشكل تام كالنار التي نزلت من السماء لتلتهم المذبح في حادثة إيليا في العهد القديم. هل تعرف السبب؟ لقد فَسَّرها الناس بالفِعل! وإذا لم يفسروها، لاختلف تاريخ إسرائيل كثيراً جداً عما كان.

“والله وضع الصلاة بطريقة إذا ما كُنتَ تريد تفسيرها فإنك تستطيع. هذا هو العقل البشري. والله وضعه هكذا لهذا السبب: الله قضى بأن الناس يجب أن يُدانوا في النهاية بما يريدونه.”

إرادة للإيمان

تخللت تلك الرؤية من ويلارد أعماق رحلتي الروحية. فإن كُنتُ أريد هذا، كان يُمكنني الاستمرار في محاولة تفسير كلام الخبراء الذين قابلتهم، بغض النظر عن مدى غرابة أو تفاهة مُجادلاتي في النهاية. وصدقني، فإن عقلي قادر تماماً على صياغة كل أنواع البَيِّنات المُتقنة، والأعذار، والجِدالات المُعارِضة – حتى في وجه الحق الواضِح.

رغم ذلك، ففي النهاية الإيمان ليس هو وجود إجابات مثالية وكاملة على كل اعتراض من الاعتراضات “الثمانية العنيدة”. فباختصار، نحن لا نُطالِب بذلك المستوى من البُرهان الحاسِم في أي مجال في الحياة. القصد هو أننا بالتأكيد يكون لدينا دليل كافٍ حول الله نسلُك بُناءً عليه. وفي النهاية هذه هي القضية. الإيمان هو عن اختيار، خطوة الإرادة، قرار بأنك تريد أن تعرف الله شخصياً. إنه قول “أنا أؤمن – فأعِن عدم إيماني!” وكما قال ويلارد: “الإنسان الذي يريد أن يعرف الله هو الذي يكشف الله له نفسه”. أو كما قال لي لين أندسون: “عندما تُفَتِش أسفل السطح، ستَجِد إما إرادة للإيمان أو إرادة لعدم الإيمان. هذا هو جوهر الأمر.”

لقد كُنتُ شاكِراً لأنني لم أضطر لإلغاء عقلي كي أصير مسيحياً. الدليل الإيجابي على أن يسوع هو ابن الله الوحيد، والإجابات المُقنِعة على الاعتراضات “الثمانية العنيدة” أوضحت الطريق لي كي آخُذ تلك الخطوة. لكن كان ينبغي علىَّ أن أتغلَّب على كبريائي. كان ينبغي علىَّ أن أقاوِم الأنانية والزهو اللذان هددا بإبقائي بالخلف. كان ينبغي علىَّ أن أقهر الاهتمام الذاتي والتَمَلُّق الذاتي اللذان كانا يُغلِقان قلبي تماماً عن الله.

لكي أُطَبِّق كلمات “ويلارد” على نفسي، كانت القضية الكُبرى هي: “ماذا كُنتُ أريد؟” هل كُنتُ أريد أن أعرف الله شخصياً – أن أختبِر التَّحَرُّر من الذنب، وأن أعيش بالطريقة التي خُلِقتُ كي أعيش بها، وأن أتبع مقاصِده لأجل حياتي، وأن أستخدِم قوته للحياة اليومية، وأن أتواصل معه في هذه الحياة وللأبد في الحياة الآتية؟ إن كان الأمر كذلك، كان هناك الكثير من الأدلة لبناء قرار عقلي عليها لقبوله.

كان الأمر يرجع إلىَّ – كما أنه يرجع إليك. وكما عبَّر عنهُ ويليام لين كريج:

إذا لم يكُن الله موجوداً، فالحياة إذاً ليس لها جدوى. أما إذا كان إله الكتاب المقدس موجوداً، فالحياة إذاً لها معنى. والبديل الثاني فقط هو الذي يُمَكِّننا من أن نعيش سُعداء مُتناغِمين. ومن ثم، يبدو لي أنه من غير المعقول على نحوٍ إيجابي أن تُفَضِّل الموت، والعَبَث، والدمار، على الحياة، والمعنى، والسعادة. وكما قال بليز باسكال ننا لا نملُك شيئاً كي نخسره، وأمامنا اللامحدودية كي نكسبها. (4)

المشهد الثالث: تغيير حياة

حدث هذا المشهد الثالث بعد مُقابلتي في أتلانتا مع كريج حول موضوع المعجزات. دخلت سيارتي المُستأجرة وقُمتُ بالقيادة ببُطء في الطريق العام الداخلي إلى روما Rome، جورجيا. كان المناخ في الصباح التالي بارِداً، لكنَّهُ مُشمِس. ارتديتُ ملابِسي وتوجَهتُ إلى كنيسة لأجل خدمات يوم الأحد.

كان بالخارج ويليام نيل مور يحيي الجميع بطريقة مُهذَّبة بمُصافحتهم عند وصولهم. كان يبدو وسيماً، ويرتدي بذلة بخطوط داكِنة، وقميص مُتمَوِج أبيض، ورابطة عُنق بنية. كان وجهه لونه بُنِّي، وشعره أسود قصير، لكن أكثر شئ أتَذَكَّره كان ابتسامته: لقد كانت خجولة ودافِئة، لطيفة ومُخلِصة، ومُبهِجة ومُحِبَة بين الحين والآخر. لقد جعلتني أشعُر بالتِرحاب.

هتفت امرأة عجوز وهي تُصافِح يده لفترة قصيرة ثم انتقلت للداخِل: “مجد الرب يا أخ مور!”

مور خَدَّام مُعَيَّن فى الكنيسة الواقِعة بين مشروعين للإسكان في المُجتمع المُختلِط عِرقياً. إنه أب مُحِب، وزَوج مُخلِص، ومُعيل أمين، ومُوَظَّف جاد فى العمل، رجُل رحمة وصلاة يقضي وقت فراغه في مُساعدة المجروحين الذين يبدون وكأن الجميع نسوهم. وباختصار، فإنه مُواطِن مِثالي.

لكن بالرجوع إلى مايو 1984، كان مور في ذلك الوقت مُحتجزاً في زنزانة المحكوم عليهم بالموت في مُعتقَل ولاية جورجيا، أسفل المدخَل من الكرسي الكهربائي حيثُ عُيِن لحياته أن تنتهي في أقل من 72 ساعة.

لم تكُن هذه هي قضية إنسان برئ كونه محكوم عليه بالسجن من غير بينة كافية من قِبَل نظام العدالة. بلا شك، كان مور قاتلاً. وقد اعترف بذلك. فبعد طفولة من الفقر وجرائم صغيرة بين الحين والآخر، اِلتحق بالجيش، وأصبح فيما بعد مُكتئباً من الأعباء الزوجية والمادية. وذات ليلة أدمن المُسكِرات واقتحم منزل العجوز فريدجر ستابلتون البالغ من عمره 77 عاماً، الذي كان معروفاً أنه يحفظ مبالغ كبيرة من النقود في حجرة نومه.

من وراء باب، خرج ستابلتون بمسدسه، فيُطلِق مور عليه النار من الخلف بمسدسه. قُتِل ستابلتون في الحال، وفي غضون دقائق كان مور يهرب ومعه 5600 دولاراً. أبلغ أحد الواشين البوليس، وفي الصباح التالي تم القبض عليه في عربته خارج المدينة. وعندما تم القبض على مور بأدلة الجريمة، اِعترف بإثمه، وحُكِم عليه بالموت. لقد بَدَّدَ حياته، وتَحَوَّل إلى العُنف، والآن سيواجِه بنفسه نهاية عنيفة.

ولكن وليام نيل مور الذي كان يَعِدْ الساعات المُتبقية على إعدامه المُحَدَّد، لم يكُن نفس الإنسان الذي قتل فريدجر ستابلتون. فبعد سجنه بفترة قصيرة، زاره اثنان من قادة الكنيسة بُناءً على وصية أمه. أخبراه عن الرحمة والرجاء اللذان كانا مُتاحان له من خلال يسوع المسيح.

أوضح لي مور أثناء زيارتي إلى جورجيا قائلاً: “لم يُخبرني إنسانٌ أبداً بأن يسوع يُحبُني، وأنه مات من أجلي. لقد كان حُباً يُمكنني أن أشعُر به. كان حُباً كُنتُ أريده. كان حُباً كُنتُ أحتاجه.”

في ذلك اليوم قَبِلَ مور هِبة المسيح بالغُفران المجاني والحياة الأبدية، واعتمد على الفور في حوض صغير كان يستخدمه أمناء السجن. ولم يصبح فيما بعد نفس الإنسان أبداً.

ظَلَّ مور لمدة 16 عاماً في سجن الموت كمُبَشِّر بين السُجناء. قَادَ دِراسات كتابية، وأدار حلقات صلاة. نَصَح السُجناء، وقَدَّم الكثير منهم للإيمان بيسوع المسيح. وأرسلت بعض الكنائس بالفِعل أُناساً إليه في مكان الموت كي يُقَدِّم لهم النُصح. تلقَّى العَشرات من دورات الكتاب المقدس بالمُراسلة. ورِبح غُفران أسرة ضحيته. وأصبح معروفاً بـ “صانِع السلام” لأنه زنزانته – المُزدَحِمة بالكثير من السُجناء الذين صاروا مسيحيين من خلاله – كانت دائماً الأكثر أماناً، وهدوءاً، ونِظاماً.

في نفس الوقت اِقترب مور أكثر وأكثر من الإعدام. من الناحية القانونية، كانت قضية مُستَعصِية. فنظراً لأنه اعترف بالجريمة، لم تكُن هناك مخارج قانونية فعلية تُتيح له إطلاق سراحه بالاستئناف. وبمرور الوقت، أَكَّدَت المحاكِم حُكم الموت عليه.

“شخصية قديسة”

ومع ذلك، كان تَحَوُّل مور عميقاً جداً حتى إن الناس بدأوا ينتبهون. فبدأت الأم تريزا وآخرون يُناضِلون لإنقاذ حياته. قال سجين سابِق تقابل مع مور في السجن: “بيلي ليس كما كان. فإن أعدمتوه اليوم، فسوف تقتلون جسداً، لكنه جسد بِذِهن مُختلِف. فالأمر سيبدو وكأنه إعدام الشخص الخاطئ”. (5)

أعلن مُحرِر في Atlanta journal and Constitution مادِحاً إياه ليس فقط على تأهيله، بل أيضاً كونه “عامل تأهيل للآخرين”: “إنه شخصية قديسة فى نظر كثيرين.” (6)

قبل ساعات قليلة من وضع مور على الكرسي الكهربائي، وقبل حلق رأسه وإبطه الأيمن حتى يُمكِن توصيل الأقطاب الكهربائية المُمِيتة، أدهشت المحكمة تقريباً بإصدار تَوَقُّف مؤقَّت عن إعدامه.

والأكثر دهشة، صوَّت مجلس عفو جورجيا مؤخراً بالإجماع على استبقاء حياته بإستبدال عقوبة الإعدام بالسجن مدى الحياة. لكن ما كان مُذهلاً حقاً – في الحقيقة – الأمر الغير مسبوق في تاريخ جورجيا الحديث – هو عندما قرَّرَ مجلس عفو جورجيا أن مور – المُعتَرِف والمُدان ذات مرة بالسطو المُسلَّح والقتل – يجب إطلاق سراحه. وفي 8 نوفمبر من العام 1991 أُطْلِقَ سراحه.

بينما كُنتُ جالساً مع مور في منزله المُطِل على منظر طبيعي لأشجار صنوبر كثيفة الأوراق، سألته عن مصدر تَحَوُّله المُذهِل. سألته قائلاً: “لقد كان نظام تأهيل السجن هو الذي فعل هذا التحوُّل، أليس كذلك؟”

فضحك مور وأجاب: “لا، لم يكن ذلك”.

فاقترحتُ قائلاً: إذاً كان برنامج لتطوير الذات، أو وجود إتجاه فكري إيجابي”.

فهزَّ رأسه مؤكِداً: “لا، ليس ذلك أيضاً”.

“عقار بروزاك؟ التأمُل الفائق؟ المشورة السيكولوجية؟”

فقال: “مهلاً يا لي Lee، فأنتَ تعرِف أنه لم يكُن أياً من تلك الأمور.”

لقد كان على حق، فقد عرفتُ السبب الحقيقي، لكني أردتُ فقط أن أسمعه منه. ثم سألتُ: “إذاً ما الذي كان مسئولاً عن تَحَوُّل بيلي مور؟”

فأجاب بقوة: “بوضوح وببساطة، إنه يسوع المسيح. لقد غيَّرني بطُرُق كان لا يُمكِنني أن أتغيَّر بها من ذاتي أبداً. أعطاني هدفاً للحياة. ساعدني على عمل الشئ الصحيح. أعطاني قلباً للآخرين. لقد خلَّص نفسي.”

هذه هي قوة الإيمان لتغيير حياة الإنسان. ومن هنا، كتب الرسول بولس: “إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌالأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا.

إن بيلي مور المسيحي ليس هو بيلي مور القاتل. لقد تدخَّل الله بغُفرانه، ورحمته، وقوته، وحضور روحه الدائم. وهذا النوع من نعمة التَحَوُّل مُتاح لكل إنسان يتصرَّف وِفق الأدلة المُتاحة ليسوع المسيح باتخاذ قرار الابتعاد عن خطاياه، وقبوله كغافِر وقائِد له.

إنه فى انتظار كل من يَقْبَلون الله وطُرُقه.

ترسيخ الإيمان

لخَّصت تلك المشاهِد الثلاثة بحثي الذي استمر سنة لإجابات على العوائق “الثمانية العنيدة”. يؤكد المشهد الأول عِظَم القضية كَكُل للمسيح، وإتاحة الإجابات القوية على أقسى الأسئلة حول الإيمان المسيحي. وبتعبير آخر، هُناك مُبررات وافِرة للشخص العاقِل للإيمان بيسوع. يُلقى المشهد الثاني الضوء على ميلنا البشري لتفسير ذلك الدليل بُناءً على الكبرياء والذات. وفي النهاية، فإن الإيمان خطوة إرادة، فالله سيعطينا ما نريد. المشهد الثالث يستخدِم مِثالاً جذرياً لتوضيح رغبة الله في تغيير حياة أولئك الذين يستجيبون للدليل، ويقهرون كبريائهم، ويفتحون له قلوبهم.

وهذا كله يُمكِن أن يُختصر إلى عملية من ثلاث كلمات – التحري … القرار … التَحَوَّل – التي اِختبرتها في رحلتي الروحية. لقد استجبتُ للدليل بشكل أساسي في العام 1981 بقرار التخلي عن الإلحاد والثبات في المسيح. ومِثل مور، لم أعُد كما كُنتُ أبداً. ونظراً لانفتاح حياتي بشكل أكثر وأكثر رحابةً على الله وطُرقه، اكتشفتُ أن قِيَمي، وشخصيَّتي، وأولوياتي، وإتجاهاتي، وعلاقاتي، ورغباتي كانت تتغيَّر مع مرور الوقت – إلى الأفضل.

واليوم، نظراً لإستعادة ذكريات تحقيقي الأصلي، تَدَعَّمت ثِقتي في القرار العام 1981. إن طرح أسئلة غير مُريحة لم يُضعِف من إيماني، بل شَدَّده. والْتَحَقُق في “النقاط الرقيقة” للمسيحية رَسَّخ عندي من جديد السلامة الجوهرية والكمال المنطقي للإيمان. وحيثُ تنقَّى إيماني بصرامة الفحص الفِكري، فقد خرج إيماناً أعمق، وأغنى، وأكثر مرونة، وأكثر تأكيداً من ذي قبل.

ومع ذلك، فيما كُنتُ مُتكِئاً على ذلك الكُرسي الموجود في غُرفة معيشتي، وقد راجعتُ تحقيقي، أدركتُ أن مُهِمَّتي لم تكُن مُكتملة تماماً. فقد قدَّم المُبَشِّر الذي صار مُتَشَكِكاً – والذي أنكر بقوة وجود إله مُحِب، لكنَّه بكى اشتياقاً ليسوع – الكثير من الدوافِع لإثارة اللقاءات حول العوائق “الثمانية العنيدة” للإيمان.

كان الهدف من تحقيقي هو الحصول على إجابات للقضايا التي أزعجتني بالأكثر في رحلتي الروحية، وليس لمحاولة اِكتشاف بينة “تمبلتون” وكتاباته نقطة بنقطة. ولكن كان هناك تداخُل كبير بين القضايا التي أعاقت طريقه إلى الإيمان والنماذج التي أزعجتني عندما كنتُ باحِثاً روحياً.

تساءلتُ كيف كان سيستجيب تمبلتون لمقابلاتي مع هؤلاء الخُبراء الثمانية؟ هل سيقبل أدلتهم وحججهم؟ أم أن التقدُّم العنيد للزهايمر قد سَلَبَ قُدرته على إعادة تَذَكُّر القضايا الروحية مُجدداً؟

مذكرة رجاء

كان يوم ربيعي مُشرِق في مُنتصف ما بعد الظهيرة في مُقاطعة أورانج بكاليفونيا، حيثُ تحركتُ مع ليزلي مؤخراً. كُنتُ قد طبعتُ تواً النُسخة المخطوطة من هذا الكتاب، والتي تحتوي على ما يقرُب من 500 صفحة. وكُنتُ بِصدد جمعها في صندوق عندما دخلت ليزلي مكتبي.

“ماذا تفعل؟”

فأومأتُ تِجاه المخطوطة وأجبتُ: “هناك شخصٌ أريد أن أرسِل هذه المخطوطة إليه”.

وضعت ليزلي كوب الشاي، واقتربت لتضع ذراعها حول كتفي، وقالت: “تمبلتون، أليس كذلك؟ إنني أفكر فيه من حين للآخر. في الحقيقة كُنتُ أصلي من أجله.”

لم يُدهشني ذلك، فسألتها “تصلين ماذا؟”

“أن يكون بصحة جيدة حتى يُعيد التفكير في استنتاجاته حول الله. وأن يكون مُنفَتِحاً للتفسيرات التي تلقيتها أنتَ من الخُبراء وأن يستجيب لذلك الصِراع بداخله الذي يبدو وكأنه يجذبه إلى يسوع”.

أومأتُ برأسي. لقد كُنتُ أصلي أنا أيضاً. قلتُ: “لقد تحدثتُ مع زوجته في التليفون منذُ لحظات قليلة. وأخبرتني بأن الزهايمر لم يكُن رقيقاً معه، وأنه الآن يُعاني من مشاكل صحية أخرى. وعندما أُتيحت لي فُرصة التحدُّث معه، وسؤاله عن حال الزهايمر معه، أجاب بكلمة واحدة فقط بصوت مُكتئِب جداً، وقال: “مُدمِّر.”

فقالت ليزلي بهدوء: “آه، يؤسفني سماع هذا.”

وتنهدتُ قائلاً: “وأنا أيضاً. لحزن شديد.” وضعتُ بعض الصفحات الأخرى في الصندوق. “لقد قالت زوجته أيضاً إن بيلي جراهام جاء ليراه منذُ شهور قليلة.”

اتسعت عينا ليزلي، وقالت: “حقاً؟، وماذا حَدَث؟”

“إنهما لم يريا بعضهما الآخر على الفور. فقد قالت زوجته إنه عندما تَعَرَّف عليه تمبلتون، كان الأمر كما لو أن رجفة قد تخللته، وبدأ يصرُخ، وقد ألقى ذراعيه حوله وعانقه. لم تستطِع أن تقول أشياء رائعة كافية عن مدى لُطف ومحبة بيلي. لقد زاره زيارة قصيرة، وأكلا معاً. قالت إن بيلي صلَّى قبل الأكل. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تُتلى فيها صلاة المائدة. وبعد ذلك قبل أن يرحل، صلَّى بيلي من أجل تمبلتون.

استطعتُ أن أرى أن عيني ليزلي كانتا مملوءتان بالدموع. وقالت “أنا سعيدة جداً أنهما استطاعا أن يقضيا بعض الوقت معاً. فربما ينتُج شئ عن هذا.”

أومأتُ ثم انتقلتُ للاستمرار في تجميع المخطوطة. وقُلتُ: “لقد قالت مادلين إنها مُتَشَوِّقة لرؤية كتابي، ووَعَدَتْ بأن تقرأه لتمبلتون. أتمنى فقط أنه لم ينتظر طويلاً وأن ذهنه سيكون صافياً بدرجة كافية حتى يفهم ما قاله هؤلاء الدارِسون، لكني أشعُر بأنه كان ينبغي أن أُرسِله – إذا لم يكُن هناك مانِع.”

بعد ذلك جلستُ لأكتُب له خِطاباً، مُتمنياً له الصحة الجيدة، ومُشجِعاً إياه، بقدر الإمكان، للاحتفاظ بذهن صاف، وإلقاء نظرة جديدة على الدليل المؤيد ليسوع. وقَّعتُ اسمي ووضعتُ القلم، لكني ترددتُ في طي الخطاب. لقد أردتُ أن أكتُب شيئاً آخر، فلم أكُن مُتأكِداً فقط مما تبقى لأقوله.

تطلعتُ وراء النافِذة. كانت Saddleback Mountain رائعة المنظر تحت السماء الزرقاء. ولمُدة قصيرة غرقتُ في التفكير. وفجأة، تدفَّقَت الكلمات في ذهني. التقطتُ القلم، وأضفتُ هذه الفقرة سريعاً بينما كانت ليزلي تضع يداها فوق كتفي:

تشارلز، أرجو أن تقبل إلى قلبك ما يقوله سفر الأمثال 2: 3ـ 5: “إِنْ دَعَوْتَ الْمَعْرِفَةَ، وَرَفَعْتَ صَوْتَكَ إِلَى الْفَهْمِ، إِنْ طَلَبْتَهَا كَالْفِضَّةِ، وَبَحَثْتَ عَنْهَا كَالْكُنُوزِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُ مَخَافَةَ الرَّبِّ، وَتَجِدُ مَعْرِفَةَ اللهِ.

ختمتُ الملحوظة في ظرف، ووضعته في الصندوق، والتقطتُ مفاتيح السيارة قائلاً: “لنُرسِل هذا.”

1-Quoted in: Leadership magazine, spring 1999, 75.

2- Quoted in: Servant magazine, spring 1999, 8.

3- From the essay, “What I Do Not Believe,” by Russel Hanson, Quoted in: William A. Dembski, Intelligent Design (Downers Grove, III.: Intervarsity Press, 1999), 27, emphasis added.

4- William Lane Craig, Reasonable Faith (Wheaton: Crossway, 1984), 72.

5-Bill Montgomery, “U.S. Supreme Court Halts Execution: Even Victim’s Family Pleaded for Mercy,” The Atlanta Journal and Constitution, August 21, 1990.
6- “When Mercy Becomes Mandatory,” The Atlanta Journal and Constitution, August 16, 1990.

7- 2كورنثوس 17: 5.

 

قوة الإيمان – لي ستروبل

من المهين الادعاء أن يسوع هو الطريق الوحيد إلى الله – لي ستروبل

من المهين الادعاء أن يسوع هو الطريق الوحيد إلى الله – لي ستروبل

من المهين الادعاء أن يسوع هو الطريق الوحيد إلى الله – لي ستروبل

 

أنا أعارض تماماً أية ديانة تقول إن إيماناً أسمى من إيمانٍ آخر. وأدرك أن ذلك ما هو إلا عنصرية روحية. فهو طريق للقول بأننا أقرب إلى الله منكم، وهذا ما يؤدي للكراهية.

الحاخام شمولي بوتيتش(1)

استطاع موسى أن يتأمل في الناموس، واستطاع محمد أن يُشهر السيف، واستطاع بوذا أن يُقدّم المشورة الشخصية، واستطاع كونفوشيوس أن يعرض الأقوال الحكيمة، لكن أياً من هؤلاء لم يكن مؤهلاً لتقديم كفارة عن خطايا العالم … المسيح وحده يستحق التكريس والعبادة بلاحدود.

اللاهوتي أر.سي.سبرول(2)

كان والتر شابلنسكي لديه آراء متشددة حول الدين، ولم يكن يخجل من التعبير عنها. في العام 1940 أثار اضطراباً في روشيستر، نيو هامبشاير، باستنكاره الصريح للدين المنظم كـ((خدعة)) وإدانة الكثير من التجمعات المسيحية بالاسم. وكانت النتيجة أنه وجد نفسه مقبوضاً عليه ومُداناً من قَبل قانون الدولة الذي يُجرِّم أن تتحدث ((اية كلمة مزعجة أو احتقارية أو مهينة قانونياً لأي إنسان يمشي في أي شارع أو أي مكان عام آخر.))

مؤمناً أن حقوق حرية تعبيره قد انتُهكت، استأنف شابلنسكي قضيته حتى وصلت محكمة الولايات المتحدة العليا. ومع ذلك، في العام 1942 أكدً القضاة بالاجماع على إدانته، قائلين بأن مثل ((الكلمات الهجومية)) التي صرًح بها تقع خارج إطار حماية التعديل الأول(3). وبعد 30 عاماً أوضحت المحكمة العليا تعريفها ل ((الكلمات الهجومية)) بتسميتها ((القاب تعسفية شخصياً من المحتمل أساساً أن تُثيررد الفعل العنيف.))(4)

أثارت ((الكلمات الهجومية)) استجابةً عميقة في الناس؛ إذ جعلت أحشائهم تضطرب، واياديهم تتكوًر إلى قبضات. فهذه اللغة المُهينة تؤثر في الأعماق بالهجوم على أكثر معتقداتهم تأثيراً، وتُثيرهم فعلياً للاندفاع إلى الانتقام. بالنسبة للبعض ينطبق نفس الشئ على الكلمات المفرطة ليسوع المسيح: )) أنا هو الطًريق والحق والحياة. ليس أحدٌ يأتي إلى الآب إلاً بي.))(5)

كثير من الناس يعتبرون أنه من الكبرياء والأفق الضيق والتحيز بالنسبة للمسيحيين أن يؤكدوا أن الطريق الحيد إلى الله لا بدً أن يكون من خلال يسوع الناصري. ففي زمن التعددية والتسامح الديني، يكون هذا الادعاء المقصور غير لائق اجتماعياً، ويمثل صفعةً لفظية في وجه الأنظمة العقيدية الأخرى. فالتعددي روزماري رادفورد روثر اعتبر ذلك ((مبالغةً وطنية دينية سخيفة))(6)، بينما دعاها حاخام يهودي ((ديكتاتورية روحية)) تشجع نوع الاتجاه الأنيق الذي يمكنه أن يقود إلى الكراهية والعنف تجاه الناس الذين يؤمنون إيماناً مختلفاً.(7)

وبالطبع فإن مدخلاً مثل الذي عبرً عنه الفيلسوف الهندي سوامي فيفيكيناندا أكثر قبولاً اليوم: ((نحن (الهندوس) نقبل صحة كل الديانات.)) – وقد قالها للبرلمان العالمي للديانات في العام 1983. وقال إن الخطية الحقيقية هي أن تدعو أي إنسان آخر خاطئاً.(8)

هذا النوع من انفتاح الفكر والتحرر يتناسب جيداً مع ثقافتنا الحالية من النسبية، حيث لا يمكن اعتبار ((حقيقة)) بأنها حقيقية على نطاقٍ كوني طوال العصور، وفي كل الأماكن، ولكل الناس، وفي كل الثقافات. ففي الواقع، ينكر ثلثا الأمريكان اليوم أي شئٍ باعتباره الحق.(9)

عندما كنتُ ملحداً، تعجبتُ من تأكيدات المسيحيين بأنهم يحتكرون المدخل الصحيح الوحيد إلى الدين. وكنتُ أشكو: ((مَن يظنون انفسهم؟ مَن هم حتى يدينوا أي إنسان آخر؟ أين حب يسوع في ذلك؟))

لقد دعا تشارلز تمبلتون ذلك بـ((الافتراض الذي لا يُطاق))(10) أن يزعم الكتاب المقدس أنه بالإضافة إلى يسوع ((لَيسَ اسمٌ آخَرُ تَحتَ السًمَاءَ قَد أُعطي بين النًاسَ به ينبغي أن نَخلُصَ)).(11)، وأضاف تمبلتون:

المسيحيون أقلية صغيرة في العالم. فتقريباً أربعة من كل خمسة اشخاص على وجه الأرض يؤمنون بآلهة تختلف عن إله المسيحية. وعدد السكان الأكثر من خمسة مليار إنسان الذين يعيشون على الأرض يوًقرون أو يعبدون أكثر من 300 إلهاً. ولو أضاف أحد الديانات القبلية أو الروحانية، لارتفع الرقم لأكثر من 3000 إله. فهل علينا ان نؤمن ان المسيحيين وحدهم على حق؟(12)

رغم تقرير تمبلتون المرعب حول عدد الآلهة التي تُعبد في العالم، إلا إنه على حق. إن تأكيد يسوع المقصور واحد من أفظع العقبات أمام الباحثين الروحيين اليوم. فمع موضوع متفجر مثل هذا، عرفتُ أنني كنتُ بحاجة للتكلم مع خبير له ذهن تحليلي واضح، وخلفية فلسفية سليمة، وخبرة ممتدة بمدى واسع من ديانات العالم المختلفة. هذه المعايير قادتني إلى إحدى ضواحي أتلانتا، جورجيا، إلى مكتب رافي زكريا، الذي وُلد ونشأ في الهند.

 

اللقاء الخامس: رافي زكريا – دكتوراه في اللاهوت، دكتوراه في الحقوق

قال لي رافي زكريا فيما كان يخلع معطفه الأسمر، وجلس حول مائدة خشبية مستديرة في مكتبه: ((هناك قول هندي قديم يقول إن هناك طريقتان تصل بهما إلى أنفك.))

قال مشيراً مباشرةً لأنفه: ((هذه طريقة.)) ثم مدَ يده خلف رأسه ولمس أنفه من الناحية البعيدة، وقال مبتسماً: ((وهذه طريقة.))

بأسلوبٍ آخر، أحياناً ما يُفضل الهنود اتخاذ طريقاً طويلاً غير مباشر لإجابةٍ ما أكثر من الوصول السريع إلى الحل. وأحياناً ما ينطبق هذا على زكريا الذي اشتهر كونه بين أشهر المدافعين عن المسيحية وضوحاً وذكاءً في العالم.

وديع القلب، ثاقب الفكر، لُقب زكريا بأنه ((رجل إدراك روحي عظيم واستقامة فكرية)) من قبل بيللي جراهام.(13) لقد تحدًث عن المسيحية، والفلسفة، وديانات العالم، والعبادات في 50 دولة، والكثير من الجامعات. تتضمن كتبه الكتاب الشهير ((هل يستطيع الإنسان الحياة بدون الله؟)) وهو مؤسس جزئياً على سلسلة من المحاضرات النافذة التي ألقاها في جامعة هارفرد؛ المظهر المُحطًم: الوجه الحقيقي للإلحاد A Shattered Visage: The Real Facce of Atheism؛ نجنا من الشرير Deliver Us From Evil؛ صرخات القلب Cries of the Heart؛ يسوع بين الآلهة الأخرى Jesus Among Other Gods. وقد صدر كتابه الأول للأطفال ((التاجر واللص ((The Merchant and the Thief في العام 1999.

تعلم زكريا في مدرسة ترينيتي اللاهوتية الإنجيلية، حيث حصل على شهادة الماجستير في اللاهوت، وكان أستاذاً زائراً في جامعة كامبردج. وتمً تكريمه بمنحة شهادة دكتوراه اللاهوت من كلية Houghton ومعهد وكلية تيندال Tyndale، وشهادة الدكتوراه في الحقوق من كلية أسبوري. وهو الرئيس السابق لقسم الكرازة والفكر المعاصر في المعهد اللاهوتي الاتحادي.

حالياً يراس زكريا خدمات رافي زكريا الدولية Ravi Zacharias International Ministries التي تنتشر مكاتبها في الولايات المتحدة، وكندا، والهند، وانجلترا. وله – مع زوجته مارجريت – ثلاثة أطفالٍ.

زكريا شخصية مهيبة بابتسامة شبابية. وبشرته البرونزية نوعاً تتعارض مع شعره الأبيض تماماً لدرجة أنه يكاد يلمع. يتكلم بصوت قوي ناعم بلهجة هندية مميزة. وبأدبه وضيافته، كان كريماً بوقته ومنتبهاً تماماً في لقائنا، رغم أن طاقمه كان يقوم بإعدادات متواصلة خلف الستار لرحلة دولية أخرى كان يستعد لإطلاقها.

أتيتُ لأسأله عن تاكيد يسوع بانه الطريق الوحيد إلى الله، وهو التأكيد الذي قدًمه لتلميذه توما. فطبقاً للتقليد، كان إيمان توما الذي شكً مرة قد تدًعم بلقائه مع المسيح القائم، فسافر بعدها إلى الهند لتوصيل البشارة المسيحية، وقُتل أخيراً بالقرب من مَدراس Madras. حيث وُلد زكريا على بُعد ستة أميال تقريباً من النصب التذكاري لاستشهاده. بمعنى ما، فإن رحلة زكريا الروحية هي تذكار لرحلة توما. فبعد قضاء سنواته المبكرة كمسيحي بالاسم فقط، وجد زكريا نوعاً مؤقتاً من الإيمان في سن السابعة عشرة بعد سماع مبشر أمريكي يتحدث في اجتماع حاشد. وبعد ذلك انتهى به الأمر في المستشفى بعد محاولة انتحار بسبب لا معنى الحياة – وهو اختبار صار من خلاله تابعاً مكرساً تماماً ليسوع، ومرسلاً من الهند إلى أرجاء العالم.

عرفتُ أن اختباره في هذه البيئة متعددة الثقافات والديانات، حيث نما بين المسلمين، والهندوس، والسيخ، سوف يًثري منظوره لذلك السؤال المُربك حول مقصورية المسيح. وفيما ارتشف الشاي الساخن، سحبتُ مذكراتي من حقيبتي. وعلى الفور بدأتُ في إثارة الموضوع.

 

كبرياء المسيحية

قلتُ في مستهل سؤالي: ((اغفر لي فظاظتي، ولكن أليس من الكبرياء الجسيمة بالنسبة للمسيحيين أن يدًعوا أن يسوع هو الطريق الوحيد الفريد إلى الله؟ لماذا يعتقد المسيحيون أن لهم حق تأكيد أنهم على حق، وكل إنسان آخر في العالم خاطئ؟))

بينما كانت لهجة زكريا وحُلة عمله المُحافَظة – قميص أبيض رسمي ورابطة عنق خافتة – قد أضفتا عليه جواً من الرسمية، كان منهمكاً، دافئاً، ومتحمساً بشكلٍ ثابت في إجاباته.

فقال وصوته مفعم بالحيوية، وعيناه صادقتان مهتمتان: ((لي Lee، إنني أسمع هذا السؤال كثيراً جداً، ولا سيما في الشرق. والشئ الأول الذي أفعله هو محاولة التعامل مع المعلومات المضللة التي يتضمنها.

((المعلومات المُضللة؟ مثل ماذا؟))

((أولاً، من المهم أن نفهم أن المسيحية ليست هي الديانة الوحيدة التي تزعم بالمقصورية. فعلى سبيل المثال يزعم المسلمون تماماً بالمقصورية – ليس لاهوتياً فقط، بل لغوياً أيضاً. فالمسلمون يؤمنون أن معجزة الإسلام المطلقة الكافية الفريدة هي القرآن. ومع ذلك فهم يقولون إنه مميز فقط في العربية، وإن أية ترجمة أخرى تُقلل من قداسته. والمطلوب ليس مجرد فهمً أساسيً للعربية، بل معرفة سوفسطائية باللغة.

((وبالنسبة للبوذية، فقد وُلدتُ عندما رفض جاوتاما بوذا تأكيدين جوهريين للهندوسية – السلطان المطلق للفيدا التي تعتبر كتابهم الخاص، ونظام الطوائف الاجتماعية الوراثية. فالهندوسية نفسها عنيدة للغاية في موضوعين أو ثلاثة: قانون الكارما Karma، الذي هو قانون العلة والنتيجة الأخلاقية، لدرجة أن كل ميلاد يعتبر ميلاداً جديداً يُعوِض عن الحياة السابقة، وسلطان الفيدا، وتناسخ الأرواح.))

فقاطعته: ((لكنني سمعتُ الهندوس يقولون بنبلٍ شديد إن الهندوسية إيمان متسامح جداً.)) قلتُ ذلك وأنا أفكر في عبارات مثل تلك التي قالها سوامي فيفيكينادا في مستهل هذا الفصل.

فابتسم قائلاً: ((حينما تسمع هذه العبارة، فلا تأخذها مأخذ الجدية فمعناها الحقيقي هو أن الهندوسية تسمح لك بممارسة ديانتك طالما أنها تندرج تحت مفهومهم عن الحق الذي هو أمر توفيقي.)) والتوفيقية هي محاولة لمزج المعتقدات المختلفة أو حتى المتعارضة معاً.

ثم واصل كلامه: ((أما بالنسبة للسيخية، فقد جاءت كتحدٍ لكلٍ من الهندوسية والبوذية. وهناك الملحدون الذن يرفضون آراء من يؤمنون بالله. وحتى البهائية – التي تزعم أنها حضن كوني لكل الديانات – ينتهي بها الحال وهي تستعبد المُستعبدين! ومن هنا فإن عبارة أن المسيحيين متكبرون بادعاء المقصورية تتجاهل حقيقة أن كل ديانة رئيسية أخرى تفعل نفس الشئ. ولذلك حين يتحدث الناس عن الكبرياء، فلا يمكن أن يكون هذا هجوماً منطقياً.))

بدأتُ بالإستعداد لصياغة سؤالي التالي، لكن زكريا توًقع إتجاه السؤال، فقفز لإكمال عبارتي:

بدأتُ: ((أنت تؤمن أن الحق كله …….))

فقال: ((مقصور بالتعريف. نعم، نعم، أؤمن. فلو كان الحق لا يُستثنى، فلا يمكن عمل أي تأكيدٍ لادعاء الإيمان، بل يكون مجرد رأي يُقرَر. فكلما تقوم بعمل تأكيد إيمان، فأنت تقصد ان شيئاً مضاداً له هو خاطئ. الحق يُستثنى ضده.))

فاشرتُ قائلاً: ((هناك من ينكرون هذا.))

((نعم، ولكن فكر في الأمر: أن تنكر طبيعة الحق المقصورة هو أن تقوم بعمل تأكيد حق، فهل لا يكون هذا الشخص متكبراً إذاً؟ هذا هو التأثير المرتد الذي لا يتأمل فيه الذين يدينون. إن تضمينات يسوع الواضحة التي تقول إنه هو الطريق والحق والحياة هي: أولاً، أن الحق مطلق. ثانياً، أن الحق يمكن معرفته.

 

فقوله بالمقصورية معناه تصنيفياً أن أي شئ يعارض ما يقوله هو خاطئ بالتعريف.))

فقلتُ: ((أن يؤمن المسيحيون بذلك شئ، وأن ينقلونه دون أن يبدو شيئاً أنيقاً أو سامياً شئ آخر. لكن المسيحيون عادةً ما يحيدون عن هذا الطريق.))

فتنهد زكريا،  فقد كان هذا الاتهام يسمعه على الدوام، وقال: ((نعم، لو لم يكن الحق محصناً بالحب، فهذا سيجعل مالك الحق كريهاً، والحق نفسه بغيضاً. بما أنني تربيتُ في الهند، ولديً أصدقاء هندوس، ومسلمين، وبوذيين، وسيخ، يمكنني أن أقدّر بعض انتقاداتهم للمسيحيين. فتاريخ المسيحية لديه تفسير طريق منهجه. العنف، والخصومة، والعدوانية تناقض حب المسيح. فالإنسان لا يمكنه توصيل حب المسيح بمصطلحات الكراهية.

ثم واصل كلامه: ((لدينا في الهند مثلٌ يقول حالما تقطع أنف إنسان، فلا حاجة أن تهديه وردةً ليشمها.)) فلو كانت كبرياء المسيحي تُبعد إنساناً، فلن يكون هذا الإنسان قابلاً للبشارة المسيحية. قال المهاتما غاندي: ((إني أحب مسيحهم، ولا أحب مسيحيتهم.)) وقال فريدريك نيتشه: ((سوف أؤمن بالفادي حينما يبدو الإنسان المسيحي أكثر شعوراً بالفداء.)) وملحوظاتهم هذه تستحق التأمل.

وأضاف قائلاً: ((ومع ذلك، من الممكن أن تعلن الحق المقصور في محبة، كما يمكن لعالم أن يقول بكل أدب: ((هذا هو القانون الثاني للديناميكا الحرارية. فهلا يمكننا الآن التصويت للتعاون معه أم لا؟))

((لذلك فإن نقد المسيحيين غالباً ما يكون صالحاً))

((نعم، فأحياناً ما تجاوزنا الحساسيات الثقافية. ومع ذلك في نفس الوقت، فإن الديانات الشرقية فيها الكثير من فحص النفس بهذا الخصوص اليوم. فبوضع الصراعات السياسية والقبلية جانباً، لستُ اعرف أية دولة مسيحية تكون حياتك فيها معرَضة للخطر بسبب اختلاف إيمانك. لكن اليوم هناك الكثير من الدول في العالم مثل باكستان، والسعودية، وإيران، يكون فيها أن تكون تابعاً للمسيح هو أن تعرِض حياتك وحياة أسرتك للخطر.))

لقد قرأتُ تقارير صحفية في السنوات الأخيرة لمعرفة دقة ذلك بما فيها موطن زكريا الأصلي، حيث قُتل مسيحيون كثيرون على يد الهندوس المسلحين مؤخراً. لكن أحياناً لا يكون الأسلوب الذي يحاول به المسيحيون نشر إيمانهم هو الأسلوب المهين. فأحياناً ما يكون رد فعل الناس ببساطة على قدر البشارة نفسها.

فقال زكريا: ((حتى الإنسان الذي عاش بكل كمال إنتهت حياته على صليب. فمقاومة الحق ممكن أن تكون قوية جداً لدرجة أنها يمكنها أن تُعرٍض الخطر والعنف والكراهية حتى حينما لا يكون المرء قد فعل شيئاً خاطئاً على الإطلاق.))

الأصل، والمعنى، والأخلاق، والمصير

أي إنسان يمكنه أن يزعم الطريق الوحيد لله. في الواقع هناك القليل جداً من المجانين زعموا بهذا على مر التاريخ. والموضوع الحقيقي هو لماذا يجب على أي إنسان أن يتأكد من أن يسوع كان يتكلم الحق حين نطق بذلك.

سالتُ زكريا: ((على أي أساسٍ تؤمن أن تأكيد يسوع هذا حقيقي؟))

فأجابني: ((آه، نعم، هو لُب السؤال. فمن ناحية يمكنك أن تقول إن قيامة يسوع قد جعلته ابن الله. ولو كان هذا صحيحياً، تكون كل أنظمة الإيمان الأخرى غير صحيحية، لأن كلاً منها تؤكد على شئ مضاد لألوهيته. وبالطبع فإن السجل التاريخي المتعلق بالقيامة قويً جداً.

((ومن الناحية الأخرى، يمكنك الاقتراب لهذا الموضوع بالنظر للأسئلة الأربعة الجوهرية التي تسعى كل ديانة لإجابتها: الأصل، والمعنى، والأخلاق، والمصير. أؤمن أن إجابات يسوع المسيح وحدها هي التي تتعلق بالواقع. فهناك ترابط بين إجاباته على خلاف إجابات أية ديانة أخرى.))

كانت هذه عبارة جريئة؛ فتساءلتُ: ((هل يمكنك تأييد ذلك بأمثلة كيف أن الإيمانات الأخرى تفشل في هذه الاختبارات؟ فأجابني: )) تأمل البوذية. فإجابة بوذا على سؤال الأخلاق لا تتوافق مع إجابته بخصوص الأصول. فبوذا ليس موًحداً بالله؛ إن لم يكن ملحداً. ولكن إن لم يكن هناك الخالق؛ فمن إذاً سيصل الإنسان إلى قانون أخلاقي؟ أو فكر في الرؤية الهندوسية لتناسخ الأرواح. لو كان كل ميلاد جديد؛ وكل حياة تُعوًض عن الحياة السابقة؛ فما الذي كنت تُعوِض عنه في ميلادك الأول؟ لاحظ أن عدم الترابط هو السائد.))

كان زكريا سريعاً لإضافة انه لم يكن يحاول تشويه سُمعة تلك الديانات. فقال: ((الدارسون الكبار سيقولون لك بعدم الترابط. فحتى غاندي قال إنه لو اُتيحت له الفرصة، لحذفَ بعض الأسفار من الهندوسية لأنها متعارضة جداً مع بعضها البعض. وعلى النقيض يُقدٍم يسوع إجابات هذه الاسئلة الجوهرية الأربعة للحياة بطريقة تتناسب مع الواقعية والتناغم الداخلي؛ على عكس أي نظام ايماني آخر.))

أثارت هذه العبارة التحدي؛ فقلتُ له: ((تعمًق في كل واحد؛ وقُل لي كيف.))

فأجاب: ((حسناً جداً، بخصوص الأصول يقول الكتاب المقدس إننا لسنا مماثلين لله على خلاف إدعاء الهندوسية – بل متميزين عنه. وبأسلوب آخر إننا لم نأتَ بانفسنا إلى الوجود؛ بل نحن خليقة الله. وحيث خُلقنا على صورته هذه، فهذا معناه أن البشر لديهم قوة أخلاقية للرجوع إليها. لا نظام يمكنه أن يشرح هذا إلا الأنظمة التوحيدية. فحتى الطبيعيين ليس لديهم تفسير لإطار الإنسانية الأخلاقي، ومع ذلك فإن الإطار الأخلاقي هذا يتجاوب مع واقعية الإختبار الإنساني.

((تقول المسيحية أيضاً إننا رفضنا الإرادة الإلهية. فقد قال المُجرّب في الجنة إن أكلت هذه الثمرة ستصير مثل الله عارفاً الخير والشر. والمعنى المُتضمن هنا هو أنك تصير مُحدِد الخير والشر. لقد وُلدت الحركة الإنسانية Humanism ها هنا؛ فالإنسان أصبح مقياس كل الأشياء. وهذا التمرد العنيد ورفض الله يتناسب مع الواقع. وكما قال مالكوم ماجريدج؛ فإن الفساد الإنساني هو الحقيقة الأكثر تأكيداً تجريبياً، لكنها أيضا الأكثر مقاومة فلسفياً.

((وبعد ذلك موضوع المعنى. مرةً أخرى يقف الإيمان المسيحي منفرداً، فأسهل طريقة لوصفه هي أن الله لا يدعونا للمعنى بأن يطلب منا أن نكون أناساً أخيار. ولا يدعونا إلى المعنى بمجرد أن يقول لنا أن نحب الواحد الآخر. بل في خبرة العبادة فقط يظهر المعنى. شئٌ ما أعظم من السعادة يمكنه أن يمنح المعنى؛ وهذه هي فرادة الله الخالدة في العبادة. يخبرنا الكتاب المقدس أن نحب الرب إلهنا من كل قلبنا، ونفسنا، وعقلنا، وعندما نفعل ذلك نبدأ أن نحب جيراننا كأنفسنا. وهذا أيضاً يرتبط بالاختبار.

((وبعد ذلك تقول المسيحية إن الأخلاق ليست موضوعة ثقافياً؛ بل بالأحرى تنمو من شخصية الله نفسها. وإلا لانتهى بك الأمر بعقدة فلسفة الماضي: هل القانون الأخلاقي متسلطاً عليك، أم أن قانوناً أخلاقياً خاضعا لك؟ الطريق الوحيد لتفسير ذلك هو أن تجدها في الله الغير محدود، كُلِي القدرة، الأخلاقي، الأبدي، الذي لا ينفصل عن شخصيته. وهكذا فالمسيحية تفسر الأخلاق بأسلوبٍ مترابط.

((وأخيراً، فالمصير مؤسس على قيامة يسوع المسيح؛ ذاك الحدث التاريخي الذي أثبت ألوهيته، وفتح الباب للسماء لكل من يتبعه. اين يمكنك أن تجد شيئاً يتقارب مع ذلك؟

((حكى بيللي جراهام ذات مرة عن مقابلته كونراد أدينيه عمدة كولونيا الذي سجنه هتلر لمعارضة الحكم النازي، ثم صار فيما بعد المستشار المعتبر لألمانيا الغربية منذ العام 1949 إلى العام 1963. نظر أدينيه إلى عيني جراهام وسأله: ((هل تؤمن بقيامة يسوع المسيح من الأموات.)) فأجابه جراهام: ((بالطبع أؤمن.))

فرد عليه أدينيه: ((مستر جراهام، بعيداً عن قيامة يسوع، لا أعرفُ أي رجاءٍ آخر لهذا العالم.))

((لقد كان على حق. فلأن القيامة هي حدث تاريخي فعلي؛ يمكننا أن يُغفر لنا، وأن نتصالح مع الله، وأن نقضي معه الأبدية، ونثق بتعاليم يسوع على أنها من الله.

((كان أحد أصدقائي متحولاً عن الإسلام اُستشهد فيما بعد. أتذكر زيارته في المستشفى بعد بتر رجليه، فقال لي: ((كلما أفهم ماذا قال الآخرون وماذا علًموا، كلما يبدو يسوع المسيح أكثر جمالاً بالنسبة لي. لم انس ذلك على الإطلاق، وأؤمن انه حقيقي تماماً.))

((لم يتكلم إنسانٌ قط مثل يسوع. ولم يجب إنسانٌ قط على الأسئلة كما أجاب هو، لا افتراضياً فقط، بل شخصياً أيضاً. وجودياً، يمكننا التأكد من ذلك. وتجريبياً، يمكننا التأكد من ذلك. الكتاب المقدس ليس مجرد كتاب تصوف أو روحانية، لكنه كتاب يُقدِم لك أيضاً الحقائق التاريخية – فلو كنتَ متشككاً أميناً، فهو لا يدعوك إلى مجرد إحساس، بل يدعوك إلى اقنوم حقيقي، ولهذا قال الرسول بطرس: ((لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ.))(14)

((إنه يقول: هذا حقيقي. هذا واقعي. هذا يمكن الوثوق به. نعم، هذا يمكنه أن يستثنى ما يناقضه.))

عن الأفيال والإيمان

حتى لو كان زكريا على حق بخصوص المسيحية، فهل معنى ذلك بالضرورة أن كل الديانات الأخرى خاطئة؟ ربما تُعلٍم نفس الحقائق الاساسية في جوهرها، مستخدمةً لغةً مختلفة، وصوراً متنوعة، وتقاليد متعددة لتوصيل المعتقدات المتطابقة أساساً.

قلتُ: ((يقول البعض إنه عندما تُجرِد كل شئ، فكل ديانات العالم تُعلِم أساساً الأبوة الكونية لله والإخوة الكونية للجنس البشري. وسوف يكون معنى هذا أن كل أنظمة الإيمان في العالم صالحة بشكلٍ متساوٍ.

فهز زكريا رأسه، وكان وجهه ينم عن الفزع، وقال: ((الإنسان الذي لا يفهم ديانات العالم هو الوحيد الذي سيزعم أنها أساساً نفس الشئ.))

ماذا يقصدون بالإبوة الكونية لله بينما البوذية لا تزعم حتى بوجود الله؟ ماذا نقصد بأبوة الله بينما بينما شانكارا – أحد أكثر الفلاسفة الهندوس احتراماً – قال إن التوحيد هو مجرد أسلوب طفل للصعود أخيراً إلى القمة، وهناك ستكتشف أن الله ليس مختلفاً عنك؟ ما معنى أبوة الله إذاً؟ إنها وهم. إن أبوة الله هذه ليست تعليماً متشاركاً بين الديانات.

ثانياً، إخوة البشرية – نعم، نحن إخوة وأخوات كبشر، ولكن السبب الوحيد في ذلك هو أن الله قد صممنا جميعاً. فحالما تضع هذا الأساس جانباً – قالها ضاحكاً – فسوف تنتهي بك الإخوًة بأغطية أكثر من إخوة، ففي الغالب، الإسلام، والبوذية والهندوسية، والمسيحية لا تقول نفس الشئ. فهي تعاليم دينية متمايزة ومقصورة تبادلياً. ولايمكن أن تكون كلها على حق في نفس الوقت.

حتى هذه اللحظة لم أحاول التوفيق بينها. فاقترحتُ قائلاً: ((ربما تحتوي كل ديانة على جزء من الحق. فقد قال اللاهوتي جون هيك إن ديانات العالم هي استجابات مختلفة متلائمة ثقافياً لـ ((الحقيقة))، أو الله. أليس هذا مثل القصة القديمة عن الرجال العميان الثلاثة الذين يشعرون بوجود الفيل – فكل ديانة هي محاولة صادقة لكنها غي كافية لتفسير سر الله، وهكذا تكون كل ديانة صالحة بأسلوبها الخاص؟))

فبدأ زكريا بقليل من الجودو الفلسفي قائلاً: ((إما أن يكون هيك نتاج ثقافته الخاصة، أو إنه قد سما بثقافته لصياغة هذه العبارة. فلو كان سما بثقافته، فلماذا لم يسمو إنسانٌ آخر بالثقافة؟ هذا يبدو سوفسطائياً جداً من الناحية الأكاديمية، لكنها تحتوي على مشكلات كثيرة جداً في جوهرها))

فسألته: مثل ماذا؟))

((مثلا، هل الملحد لديه جزء من الحق، أم أن الملحد مُهمشاً هنا؟ لو كان الملحد لديه جزء من الحق، فاي جزء يكون، حيث ان عقيدة الإلحاد الرئيسية هي إنكار حتى وجود الله؟))

توقف حتى يسمح للسؤال أن يحل نفسه، ثم اضاف: ((سأقولُ هذا: هناك ملامح للحق في كل الديانات الرئيسية فعلياً. وهي تحتوي على بعض الأفكار والتاملات العظيمة. فقراءة فلاسفة الشرق المشهورين مُحفزة جداً جداً. لكن الأمر ليس كما لو أننا عمياناً نستكشف الفيل، أحدنا يشعر بوجود القدم ويعتبره شجرة، والآخر يشعر بوجود الخرطوم ويعتبره حبلاً، والثالث يشعر بوجود الأذن ويعتبرها مروحة.

قال وصوته يتصاعد للتأكيد: ((إن فكرتي هي أن المَثل قد كشف بالفعل حقيقة أن هذا هو بالحقيقة فيلاً! فالأعمى يمكنه أن يقول لك أنه شجرة، لكنه على خطأ. إنه ليس شجرة او حبلاً أو مروحة. لكن المُبصر يعرف ان هذا فيلاً. إنه يعرف الحق، فبصره قد كُشف له هذا. ويسوع المسيح اوضح الأمر ان الحقائق الأبدية عن الله يمكن أن تُعرف. يسوع المسيح هو مركز الإنجيل – ففيه جاء كل الحق معاً. ولذلك فبينما يمكن أن تكون هناك لمحات من الحق في مكانٍ آخر، فإن مجموع الحق الكُلي يوجد في المسيح.

((إن هكذا تفسير يتجاهل إمكانية ان الله يكشف عن نفسه، ومن ثم يمكننا أن ننال المعرفة عن ما هو. لكن بدلاً من ذلك، جعل هذا الثقافة والحدس ساميان. لكن الكتاب المقدس يقول إن الله كشف عن نفسه: ((فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَ الْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَ كَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. … وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا.))(16)

الفداء والبر والعبادة

قال الكوميديان كوينتن كريسب ذات مرة: عندما اخبرتُ شعب ايرلندا الشمالية أنني كنتُ ملحداً، وقفت امرأة من الجمهور وقالت: حسناً، ولكن أي إلهٍ لم تؤمن به – إله الكاثوليك أم إله البروتستانت؟))

لقد كانت دعابته بالفعل تعليقاً حزيناً على عمق الصراع الطائفي في تلك الأرض. فعبر القرن شهد العالم الكثير من القسوة والعنف وفقاً لاختلاف رؤية الناس لله. وفيما سأم البعض التشاحن الديني، أعلنوا أن العلم سيكون مكاناً أفضل لو توًقف الناس ببساطة عن الدخول في المجادلات التعليمية والتركيز بدلاً من ذلك على الحياة في سلامٍ مع الآخر.

أشرتُ إلى زكريا قائلاً: ((هناك مسلمون ويهود ومسيحيون ومرمون وهندوس يعيشون بصورة أخلاقية. أليس أسلوب حياة الإنسان وعلاقته مع جاره أهم مما يؤمن به لاهوتياً؟

فأجابني: ((طريقة حياة الإنسان وطريقة معاملته لجاره مهمة جداً، لكن ليست أهم مما يؤمن به، لأن ما يؤمن به ينعكس على الطريقة التي يحيا بها. وبغض النظر عن ما إذا كان قد قرر عبارة تعليمية، فما يؤمن به حقاً هو ما سيحياه أخيراً. لكن هذا السؤال يقدم افتراض أن الأخلاق هي الحياة كلها.))

فقلتُ: ((إن لم تكن الحياة هي ان تكون اخلاقياً، فماذا إذاً؟))

فقال: ((يسوع المسيح لم يأتَ هذا العالم ليجعل الأشرار اخياراً، بل جاء ليجعل الموتى أحياءً. جاء حتى أن الموتى عن الله يقومون لله. لو كانت  هذه الحياة كانت عن الأخلا ق فقط، فسوف يكون الشئ الأهم هو كيف تعيش، رغم أنه سيبقى متصلاً بما تؤمن به. لكن هذا يُسئ فهم المفهوم المسيحي الذي يقول مهما عشنا جيداً، لا يمكننا ان نبلغ مستوى وشخصية الله.

 ((إن كلمة ((خطية)) معناها فقد الهدف. ولو كان هذا تعريفً صحيحً، تصبح نعمة الله الحق الأكثر أهمية. فبعيداً عن الله، لا يمكننا حتى أن نؤمن بما هو صحيح، بغض النظر عن الحياة بالأسلوب الصحيح.

((نعم، الحياة بعطف وبأخلاق أمر مهم إن كان نابعاً من أجل البقاء. لكن الفلاسفة من سقراط، أفلاطون، وارسطو، حتى مفكري التنوير أمثال ايمانويل كانت كانوا غير قادرين حتى على تعريف معنى الأخلاق. وأخيراً استطاعوا فقط أن يُهدونا ما قدمته الأخلاق للمجتمع.

((عندما درستُ الاختيارات التي يمكن للناس من خلالها أن يحيوا حياةً صالحةً، وصلتُ إلى ستة أو سبعة منها، مثل موقف أخلاقيات جوزيف فليتشر؛ إنسانية آين راند الفردية؛ فكرة كانت عن الواجب، وهكذا. لكنها كانت تتناقض معاً بشدة، وسبب ذلك هو أنه لم يكن هناك منطقً أخلاقي مؤثرً ساميً. لقد انخفضوا جميعاً لمجرد البقاء. وهكذا آمنتُ أن الخير أو الشر هو نقطة البداية الخاطئة، وأن الحياة والموت – روحياً- هو حيثما تبدأ.

فقلتُ: ((ولكن كما افترضتَ، من المهم كيف يعيش الناس. فغاندي مثلاً عاش حياة أكثر فضيلة من معظم المسيحيين. فلماذا يجب أن يُطرح في الجحيم فقط لأنه لم يكن تابعاً يسوع؟))

فقال مبتسماً: ((هذا موضوعٌ شائك. فعندما أُسئل هذا السؤال أمام حشدٍ كبير، أريدُ حينها أن آخذ استراحة قصيرة! لكن الكتاب المقدس يُقدَم لنا إرشاداً لحل هذا.

((أولاً من المهم أن نعرف أنه لا إنسان يُودع إنساناً آخر إلى السماء أو الجحيم. ففي الواقع الله نفسه لا يرسل أي إنسان إلى السماء او إلى الجحيم، بل أن الشخص بنفسه يختار إما الاستجابة لنعمة الله أو رفض نعمة الله، رغم أن حتى هذا القرار قد تمكن بنعمته.

((ثانياً، سأل ابراهيم الله في قضية سدوم وعمورة ما إذا كان سيدع الأبرار يموتون مع الأشرار، وكان من الرائع كيف أن إبراهيم قد أجاب على سؤاله الخاص. فقد قال: ((ادَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلاً؟))(17) وهذا معناه أنه يمكننا أن نكون واثقين تماماً أنه مهما يفعل الله لتحديد مصير غاندي أو أي إنسانٍ آخر، فسوف يفعل ما هو حق.

((والآن فكر في هذا: يقول الكتاب المقدس إن كل إنسان يقضي الأبدية مع الله في السماء هو هناك بفضل نعمة وتدبير يسوع المسيح الذي آمن به الإنسان وقبله. ولكن لو رفض الإنسان تلك النعمة، فهل كان صالحاً أو شريراً؟ هذا سؤالٌ مثير لأن الكتاب المقدس يقول لنا لا أحد صالح حقاً حتى يُفدى.))

فقلتُ: ((اشرح ذلك. ))

((إن نموذج الخروج نموذجً ثلاثيً. فالله اخرج الشعب من مصر، واعطاهم الناموس الأخلاقي، ثم اعطاهم خيمة الاجتماع. بتعبير آخر: الفداء، والبر، والعبادة. لا يمكنك أبداً أن تنتهك هذا التسلسل. فإن لم تُفدى، لا يمكنك أن تكون باراً. وإن لم تُفدى وتتبرر، لا يمكنك أن تعبد لأن الكتاب المقدس يقول: ((مَنْ يَصْعَدُ إِلَى جَبَلِ الرَّبِّ؟ وَمَنْ يَقُومُ فِي مَوْضِعِ قُدْسِهِ؟ اَلطَّاهِرُ الْيَدَيْنِ، وَالنَّقِيُّ الْقَلْبِ.))(18)

((وهكذا فإن الفداء هو أهم خطوة نحو البر. لو حاولتُ أن اجاهد بنفسي نحو الخير، فأنا اقول اساساً إنني لستُ بحاجةٍ لفداء الله. فأنا فادي نفسي. أي إنسان – صالحاً – أو شريراً في اعيننا – يقول هذا ينتهك بذلك مبدأ أساسياً لوحي الله، وهو أن الفداء هو الخطوة الأولى.))

وماذا عن غاندي إذاً؟

كان عقلي لا يزال مُرًكزا على غاندي، فقلتُ: ((غاندي لم يتبع يسوع، لذلك اعتقد أنك ستقول إنه لم يُفدى.))

فأجابني زكريا: ((هذا شئٌ سيحدده الله. ومع ذلك، فما الذي آمن به غاندي؟ لقد لخصه في عبارةٍ واحدة: ((الله هو الحق، والحق هو الله)). وسؤالي له سيكون: ((ما معنى هذا؟)) نحن نجلس في غرفة، وهذه عبارة صحيحة. فما علاقة ذلك بكون هذه الغرفة إلهاً أم لا؟ لا علاقة. فهي تُطابق عبارة قلتُها تواً. الله موجود – هل هذه عبارة صحيحة؟ لو كانت هذه عبارة صحيحة، فمن هو هذا الله؟))

فقاطعته قائلاً: ((ولكننا هنا نتكلم عن إنسان مثل غاندي الذي عاش حياةً صالحة في نظر الناس، بينما قاتل محترف مثل ديفيد بيركوفيتز ابن سام، قتل الكثير من الأبرياء، وهو الآن يقول إنه يصلي صلاةً ليصير مسيحياً. وسوف يقول المسيحيون إن بيركوفيتز سيذهب إلى السماء بينما غاندي لا. أين العدل ههنا؟

((نحن نريدُ أن نرى العدل لأننا مخلوقات بشرية أخلاقية. ولكن حين نُقلل العدل إلى موضوعات من قبيل مَن تصرًفَ باي أسلوبٍ خلال فترة ممنوحة من الوقت، فسوف نفقد المفهوم الأشمل للعدل. نحن نحكم على ذلك من وجهة نظر نظامنا. فلو كان على الله ان يمنح حقاً ما يستحقه كل منا، لما وصل أيٌ منا إلى السماء.

((هناك نكتة حول أخين عاشا حياةً خليعة، وعندما مات أحدهما فجأة ذهب الأخ الاخر إلى خادم وطلب منه ما إذا كان يمكنه ان يعظ في جنازة اخيه قائلاً له: ((لديَ طلبٌ واحد فقط: ان تشير إلى أخي باعتباره قديساً. فقال له الكاهن إنه سيبذل قصارى جهده لذلك.

((جاءت الجنازة، وكان الخادم يؤبن المرحوم قائلاً: ((أريدُ أن تعرفوا أن هذا الرجل كان خادعاً، كاذباً، غشاشاً، ولصاً، ولكن مقارنةً بأخيه كان قديساً!))

(هناك شفرة حادة لهذه العقدة. فنحن نحاول يائسين ان ندًعي الصلاح بمقارنة أنفسنا بالآخرين. ديفيد بيركوفيتز يمكنه أن يقول: ((مهلاً، انا لستُ هتلر! لم أقتل الملايين، بل قتلتُ مجرد القليلين. أو يقول: ((لم أكن جيفري دامر، فلم آكل ضحاياي.))

نحن نميلُ لاستخدام هذا النوع من المقارنات التي نظهر بها دائماً أفضل من أي إنسانٍ آخر، ونعتقد أننا صالحين. ولكن حسب مقياس الله الأخلاقي الكامل، نفشل جميعاً. كلنا نحتاج غفران الله ونعمته.

((بصراحة ما فعله ديفيد بيركوفيتز كان عنيفاً وشريراً ولا جدال حول ذلك. ومع ذلك، علينا أن ننظر إلى ذلك في ضوء خطة الله الكلية. فانت تعرف أن هناك أموراً اسوأ من الموت أو القتل.))

فتساءلتُ: ((مثل ماذا؟))

فقال: ((رغم صعوبة فهم ذلك، إلا ان أسوأ شئ هو ان تقول لله إنك لا تحتاجه. لماذا؟ لأن الميت يمكنه أن يعود إلى الحياة من قَبل الله، والمحروم يمكنه ان يجد السلام من قَبل الله، والمجروح يمكنه أن يجد عون الله وقوته، ويرى حتى الله يحارب في الظلام لغز الشر. بأسلوب آخر هناك ملاذٌ اثناء هذه الأهوال. ولكن بالنسبة لمن لا يحتاج الله، فما هو الملاذ؟ لا يوجد.

((لذلك السؤال ليس هو ما اذا كنتُ ديفيد بيركوفيتز، أو مهاتما غاندي، أو ادولف هتلر، أو الأم تيريزا. السؤال هو: ((هل بلغتُ لإدراك أنني قد خبتُ عن مقياس الله الكامل، ومن ثم من نعمة الله، وليست لديً إمكانية لأكون معه في السماء؟))

((بصراحة لو عشتُ حياة أعتقد انها جيدة جداً لدرجة أنني لا أحتاج الله، فمن السخرية أن بيركوفيتز سيكون قد وجد الحق المطلق الذي أعمتني كبريائي وذاتي عن رؤيته. فما الجحيم إلا غياب الله؟ بالنسبة لي أن أحيا حياتي مع غياب الله هو أن أكون حقاً على الطريق إلى الجحيم.))

فعارضته قائلاً: ((لكن هل من العدل أن يفلت بيركوفيتز دون عقاب؟))

فقال زكريا: ((لستُ متاكداً أنه افلت. نعم الله غفر له لو كان قد اعترف وتاب وطلب رحمة الله. لكن كلما انسجم مع من هو المسيح، كلما تعمق المه لما فعله.

((دعني أُقدّم لك مثالاً. افترض أنك تقود سيارتك وشرد ذهنك للحظات. وفجأة هناك طفل يركض أمامك فصدمته. كلما كنتَ على علاقةٍ أقرب بالماساة، كلما تعاظم ثقلك لبقية حياتك. لن تكون قادراً أبداً أن تنظر وجه طفلٍ آخر دون أن تفكر: ((ماذا فعلتُ؟ ماذا فعلتُ؟))

ربما نعتقد أن بيركوفيتز قد افلتَ بمعنى أنه لم يذهب إلى المشنقة، لكن هناك شئٌ مثيل وهو مشنقة القلب. فقلبك يمكن أن يكون متناغماً جداً للجحيم الذي أطلقتَ سراحه. لا أؤمن أن الإنسان المهتدي حقاً يمكن أن يجلس في زنزانته ويقول: ((حسناً، لقد عرفتُ المسيح، ولذلك لن أموت بسبب ذلك، لا، فأحياناً ما يكون جحيم القلب الداخلي عميقً ومؤلمً جداً.

((أعتقد أن هناك جحيماً لخلاص متأخر لأن الدموع المسكوبة هي دموع ما فُقدَ قبل أن تصل لمعرفة الله. فهل يغير ماضيك؟ نعم، ولكن احياناً لا يمكنك أن تنساه.))

يقول هذا، توقف زكريا ورجع للخلف في كرسيه. وعندما واصل الكلام قائلاً: ((كلما يُساء فهم النعمة، سيؤدي الأمر دوماً إلى المقارنة والغيرة أو السخط وتهمة الظلم. ومن المثير بشكلٍ كافٍ ان يسوع يناقش هذا الموضوع نفسه.

((في أحد امثاله، سخط الفعلة الذين عملوا اليوم كله أن الذين جاءوا في الساعة الأخيرة قد نالوا أيضاً نعمة المالك.(19) إن احد أكثر الحقائق المذهلة للكتاب المقدس هي فهم أننا لا نربح طريقنا إلى السماء. فنحن نقرأ أيضاً في الكتاب المقدس قصة  المراة الخاطئة التي قبلها يسوع. فاستنكر الفريسي رحمة الله.(20) الأعمال لها مكان – ولكن كإعلان نوال غفران الله، وليس كإشهار الحصول عليه.))

وماذا عن الذين لم يسمعوا؟

كان القاتل المحترف ديفد بيركوفيتز محظوظاً. فهو يعيش في دولة يتحدث فيها الناس بحرية عن المسيحية. إنسان ما كلمه عن عرض المسيح بالغفران، وهو يقول إنه اعترف بخطاياه وآمن بيسوع. ولكن ماذا عن الناس الذين يعيشون في أماكن لا يُناقش فيه الإنجيل بصورة عادية أو حيث يحظر القانون نشره اصلاً؟

تساءلتُ: )) أليس من الظلم إدانتهم بينما لم يسمعوا عن يسوع بل تبعوا فحسب تقاليد آبائهم الدينية؟))

مدً زكريا يده للكتاب المقدس. وفيما فتحه وقلًب صفحاته حتى سفر الأعمال، لمحتُ الكثير من الصفحات أوضح فيها الآيات الذهبية باللون الأصفر.

((يقول الكتاب المقدس أول كل شئ إنه لا إنسان سيكون في محضر الله بعيداً عن حقيقة ان شخص وعمل المسيح جعلا ذلك بالإمكان. فهذا هو الثمن المُستلزم: موت المسيح على الصليب بديلاً عنا، دافعاً العقوبة التي كُنا مستحقين أن ندفعها. والآن يُولد البعض في ثقافة أو أخرى، لكن الرسول بولس قال شيئاً مثيراً جداً عن ذلك عندما كان يتكلم إلى الأثينيين.

رفع زكريا نظارته الخاصة بالقراءة من جيبه وضبطها حول وجهه بانتظام. وبعدها قرأ جزءاً من فقرة كان بولس يحاجج فيها بعض الفلاسفة اليونانيين:

((وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ، وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ، لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيدًا.))

خلع زكريا نظارته وتطلًع إليً قائلاً: ((هذا أمرٌ مهم لأنه يشير إلى أن هناك خطة خلاصية في الخلق، حيث أن كل إنسان مخصص له محل ميلاد. فالله يعرف أين سنولد واين سنُربى، وهو يصنعنا في موضع يمكننا فيه أن نطلبه. نحن نعرفُ بوضوح أنه حيثما عشنا – في اية ثقافة، وفي أية أمة – يكون الله في متناول كل منا. وهناك دائماً إمكانية إنسان يصرخ على ركبته قائلاً: ((ساعدني يا الله))، ولو حدث ذلك فهناك طرق يمكن لله فيها أن يرعاه تتخطى إدراك عقولنا.

((مثلاً؟))

((مثلاً، يمكنه أن يُرسل له إنساناً يتشارك معه الإنجيل. أو دعني أقول لك ما حدث في حالة امرأة مسلمة عملت في معهد مشهور جداً في دولتها. قالت لي كيف كانت تُغادر مكتبها في نهاية يوم عملها وهي غير سعيدة أبداً في قلبها. وبينما كانت سائرة، تمتمت قائلة: لستُ أدري لماذا أنا فارغة جداً، وبعد ذلك قالت فجأة: يسوع، هل يمكنك أن تساعدني؟ توقفت على الرصيف وقالت لنفسها: ((لماذا دعوته؟ حسناً، لقد صارت هذه المرأة مسيحية.

بالنسبة لها، أعتقد أن الله قد رأى قلباً جائعاً له، لكنه لم يعرف كيف يصل إليه في عزلة وجودها. أعتقد أن الله كان يجتاز حدود بيئتها لأنها كانت بالفعل تخترق حدود حياتها الداخلية، وتسعى نحوه. وبهذا، يمكن لله أن يصل إلى أي وضع ثقافي استجابةً لأي إنسان يريد أن يعرفه.

((طريقة أخرى للنظر إلى هذا الموضوع تأتينا من الرومان، حيث يقول بولس: ((لأَنَّ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ تُرَى أُمُورُهُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ وَقُدْرَتُهُ السَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتُهُ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ.))(22) ثم يقول بولس: ((لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ، الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً))(23) ويتكلم عن كلمة المسيح الضرورية للإنسان الذي يريد معرفته: «فَكَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟ وَكَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «مَا أَجْمَلَ أَقْدَامَ الْمُبَشِّرِينَ بِالسَّلاَمِ، الْمُبَشِّرِينَ بِالْخَيْرَاتِ».(24) أعتقدُ أكثر فاكثر أن كلمة المسيح هذه تأتي داخل إطار الثقافات المختلفة.

((ماذا أقصد بذلك؟))

((لقد تكلمتُ في بلدان إسلامية كثيرة، حيث يكون الأمر عسيراً أن تتحدث عن يسوع. ففي الواقع أن كل مسلم تحول لتبعية المسيح قد فعل ذلك. أولاً بسبب محبة المسيح المُعبّر عنها من خلال إنسان مسيحي، أو ثانياً بسبب رؤية أو حلم أو أي تدخل آخر فائق للطبيعة. والآن لا توجد ديانة بها تعاليم معقدة حول الملائكة والرؤى أكثر من الإسلام. وأعتقد أنه من الاستثنائي أن يستخدم الله هذه الحساسية للعالم الفائق للطبيعة الذي يتحدث فيه بالرؤى والأحلام ويُعلن نفسه.

 ((واحد من أعظم المتحولين في الهند كان من السيخ، ويدعى سوندار سنغ، عرف المسيح من خلال ظهور المسيح له في غرفته في حلم ذات ليلة. كان له تأثيرٌ هائل على حياته فصار مسيحياً. لذلك هناك طرق يمكن ان يكشف بها الله عن نفسه تتخطى عقولنا البشرية.

((والان، إن كان الله قادراً أن يقدم كلمة المسيح بأوضاع عديدة، وبطرق لا يمكننا حتى أن نفهمها – وإن لم يكن بعيداً عنا اينما كنا، وإن كان يمكنه أن يتحدث من خلال الإعلان العام للخليقة، ومن خلال الضمير – فعلينا إذاً أن نقبل حقيقة أننا بلا عذر. فكل إنسان سيعرف الحق بطريقةٍ كافية حتى لو استجاب لذلك الحق المعروف، فسوف يكشف له الله المزيد. هل هذا معناه أنه عليهم أن يكون لديهم مقدار من الحق كمن هو في وضع اخر؟ لا أعتقد ذلك.))

حاولتُ تلخيص فكرته، فقلت: ((هل تقصد أنه بغض النظر عن أين يعيش إنسان في العالم، وبغض النظر عن الثقافة التي يعيش فيها، عندما يستجيب فهم أنه يطلب الله بطريقةٍ ما، فسوف تتاح له فرصة أن يستجيب الله له؟))

فيما تكلمتُ كان زكريا يزن كلماتي بحرصٍ فأجابني: ((أعتقد ذلك. علينا أن نكون حريصين جداً ههنا، ولكني أؤمن أنه لو طلب إنسان الله بعمق وبإخلاص، فسوف تكون هناك طريقة يُتيحها الله لذلك الإنسان ان يسمع عنه. ولو لم يستجب ذلك الإنسان لله تحت أية ظروف، فربما لن يسمع عنه. لكن كل البشر يعرفون ما يكفي لدينونتهم، فهم ليسوا بحاجة لسماع يوحنا 3: 16 حتى يضلوا. فهم ضالون لأنهم رفضوا حقاً ما قاله الله لهم من خلال الخليقة، وضميرهم، وبطرقٍ أخرى. وبسبب ذلك، سوف نقف جميعاً نُقدٍم حسابنا أمامه.))

((الإخلاص مهم إذاً؟))

((الإخلاص ليس هو الخلاص . لكني أعتقد أن الإخلاص يجلب إمكانية أن يعلن الله عن نفسه لك. يمكن أن يبدو البعض مخلصين، وعندما  يُقدًم المسيح لهم يرفضونه. إنهم يفشلون في اختبار الحق.))

فقلتُ: ((أنت تؤمن إذاً أن كمّ المعلومات التي يحتاجها الإنسان بخصوص المسيح يمكنها أن تتفاوت إلى حدٍ كبير؟

((نعم، أؤمن بذلك. فخطر المنظور الغربي هو الاعتقاد بانه إن لم يُغلًف شئٌ ما بترتيب، فهو غير جيد.)) ولسوء الحظ، فإن بعض المسيحيين الغرب يعتقدون أنه إن لم يقل المرء قانون الإيمان كما يقولونه هم، فهو لا يعرف الله.

((ومع ذلك، ماذا يعرف الطفل عن امه؟ إنه يعرف انها تُربيه، وتُغير ملابسه، وتحتضنه، وتُقبله – فلا بدً أن يكون صديقة. هذا الطفل لا يعرف أمه كما سيعرفها عندما يكون في الثامنة عشر. لكنه يعرفها بدرجة كافية لدرجة انه يحبها. أؤمن أنه بينما يُعلن الله عن نفسه، فهناك مستويات من الفهم خاضعة للتنوع.))

لماذا ليس يسوع؟

لو كان يسوع هو الحق، فلماذا يرفضه الكثيرون جداً؟ وإن كانت المسيحية حقيقية، ألا يجب أن تنتصر أخيراً؟ هذا ما لا تُوضحه الإحصاءات. فالمسيحية تُحرز تقدماً ضئيلاً نسبياً في ربح مهتدين من ديانات العالم الرئيسية الأخرى. وأساساً يميل الناس في أرجاء العالم لتبني ديانة آبائهم.

سألتُ زكريا عن ذلك، وقال إن هذه الأمور تُحيرّه كمدافعٍ عن المسيحية، لكن هناك بعض التفسيرات.

((لرؤية هذا النموذج من منظورٍ مختلف، لماذا البوذية شائعة جداً في أمريكا اليوم؟ إجابتي بسيطة: لأنه يمكنك أن تصير صالحاً بدون الله. فلو أمكنك أن تكون لديك جرعة مناسبة من الروحانية من الثالثة حتى الخامسة مساء، ثم تُقسّم حياتك من جديدٍ وتحياها كما تشاء، فحسنا، لم لا؟ ديانة كهذه سيكون لها الكثير من الجاذبية.

 ((لماذا الإسلام جذاب للبعض؟ بسبب الاعتبارات السياسية الجغرافية. لماذا الإيمان الهندوسي جذاب؟ لأنه ثري في الفلسفة، وعقيدته لمعاملة الأرض بتوقير تنال بعض الإعجاب اليوم.))

فتساءلتُ: ((لماذا ليس المسيح؟))

فأجابني: ((لأنه يدعوكَ أن تموت عن ذاتك. فكلما يتضمن الحق تكريس كامل تُخضع فيه نفسك للإتضاع الكامل، واستسلام الإرادة، كلما تواجه المقاومة على الدوام. إن المسيح يخترق قوتنا واستقلاليتنا. إنه يتحدانا في مجالات الطهارة. يوحنا المعمدان جاء معطياً الناموس. ولم يحب الناس هذا. يسوع جاء معطياً رسالة النعمة، فقالوا: ((لماذا لا تعطينا برهان الناموس؟ كل ما يُقدّمه يسوع للثقافة، تريد الثقافة ان تغيره. ففي عمق الرفض هناك مقاومة تاكيد من هو.

((البوذية والأنظمة الدينية الأخرى تقول للناس اساساً كيف يُحسّنوا انفسهم عن طريق أنفسهم. لم تكن لديً مشكلة أبداً لمعرفة ما هو صحيح وما هو خطأ في معظم المواقف، لكن ما كنتُ اريده هو إرادة فعل الصحيح. هنا يأتي دور المسيح. فهو يقول إن قدمت له نفسك بأكملها، فلن يمنحك الحياة الأبدية فحسب، بل سيغير أيضاً ما تريد ان تفعله في هذه الحياة.))

بما أنني أعرفُ مستوى التكريس الذي تتطلّبه المسيحية، كنتُ فضولياً لمعرفة ما الذي دفع زكريا للاستجابة الإيجابية لرسالة يسوع. فقلتُ له: أخبرني القليل عن قصتك.))

فنظر للأسفل للحظات، ثم مدً يده لكوب الشاي وشرب قبل الإجابة.

بدا قائلاً: ((في الهند تعيش الحياة التي وُلدتَ فيها. فابي وأمي كانا مسيحيان بالاسم. وفي الحقيقة كان السبب انهما مسيحيان هو ببساطة انهما لم يكونا بوذيان او مسلمان أو هندوسيان. لا يمكنني أن أذكر أبداً سمع كرازة الإنجيل في كنيستي التي كانت متحرّرة الفكر.

((قبل مجيئي إلى المسيح بقليل، كانت اخواتي قد اكتشفن الإنجيل وقمن بتكريسهن الشخصي. آمنتُ بيسوع في مرحلتين. الأولى كانت عندما سمعتُ الإنجيل مُعلناً بشكلٍ عام في قائمة استماع عندما كنتُ في السابعة عشرة. قلتُ لنفسي: ((هناك شئٌ حقيقي بخصوص هذا وأنا اريده.)) تقدمتُ وحصلتُ على النُصح، لكني لم أفهم كان التعليم كثيراً جداً.

((في ذلك الوقت كنتُ واقعاً تحت الكثير من الضغوط في ثقافةٍ كان الأداء الأكاديمي فيها يتمتع بأهميةٍ قصوى. فإن لم تكن في قمة الطبقة، فلن تنجح. لم أستطع التكيف مع ذلك. وأيضاً كان لي أب صارم جداً، وقد تصارعتُ مع ذلك، فقد تلقيتُ الكثير من العقاب الجسدي.

((بعد شهورٍ قليلة قرّرت إنهاء حياتي. لم أكن مكتئباً، فلقد صُدمّ اصدقائي عندما سمعوا أنني افكر في الانتحار. ولكن بالنسبة لي، كانت الحياة بلا معنى او هدف. ذهبتُ للمدرسة يوماً ما واستخدمتُ مفاتيح معمل العلوم لفحص بعض السموم. وضعتها في كوبٍ من الماء، وتجرعتها، منهاراً على ركبتي.))

حملقتُ وأنا لا أصدق. فمع إنسان محنك، رفيع الثقافة، واسع المعرفة، واضح، ومؤثر اليوم مثل زكريا، كان من المستحيل بالنسبة لي أن أتخيله مراهقاً مرتبكاً مقطوع الرجاء منهاراً على ركبتيه لاهث النفس لأن السموم قد تغلغلت في أوردته.

واصل قائلاً: ((أسرعَ بي خادمي في البيت إلى المستشفى. ولو لم يكن هناك حينها، كنتُ قد مُتُ. افرغوا كل السموم من داخلي. وبينما كنتُ مُستلقياً على الفراش، دخل صديقٌ بعهدٍ جديد وأظهر لي يوحنا 14. لم أستطع أن امسك الكتاب، فقد كان جسدي خالياً جداً من الماء. كان على أمي أن تقرأه لي.

((كانت تقرأ حيث كان يسوع يتكلم إلى توما قائلاً: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي.» ثم جاءت إلى آية 18 حيث يقول يسوع لتلاميذه: ((إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ.))

لقد لمست هذه الآية نفسي. فقلتُ في صلاة: ((يسوع، لا أعرفُ عنك الكثير، لكنكَ تقول لي إنك رئيس الحياة الحقيقية.)) لم أفهم مفهوم الخطية. ففي تلك الثقافة لم أستطع ذلك. لكن ما فهمته كان أنه يُقدّم لي ذاته كي يمنحني الحياة.))

((لذلك قلتُ: ((لو أخرجتني من غرفة المستشفى هذه، لسعيتُ جاهداً في بحثي عن الحق.)) وقد خرجتُ من تلك الغرفة بعد خمسة ايام إنساناً جديداً تماماً. بدأتُ في دراسة الكتاب المقدس، وقد غيًر حياتي بصورة درامية. ثم اتى إخوتي لاتباع يسوع، ووالديً أيضاً قبل موتهما.

((لكن في غرفة المستشفى تلك قال لي المسيح إنه يمكنه أن يهبني معنى الحياة حقاً دون ان يشرح إنسان لي هذا. لم أنظر ابداً إلى الوراء. فسنوات الدراسة أكدًت قراري لاتباعي. درستُ بعض محاضرات الفلسفة في كامبردج تحت إشراف ملحد مشهور، واتذكر التفكير في اندهاش: ((هل هذه هي أفضل الحجج لدى الملحدين؟)) لقد كانت تؤكد فحسب على حق الكتاب المقدس.

فقلتُ: ((أنت تتعامل مع الكثير من الباحثين الروحيين الآن، فماذا تقول لهم؟))

((يقول الكتاب المقدس: ((وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ.))(25) فكر في ذلك – فهذا وعدٌ مدهش. اشجعهم لتهيئة قلوبهم وعقولهم لوضع القبول، وعدم إرهاق اذهانهم لاختبار حق الكتاب المقدس. بالنسبة لأي إنسان حقيقي يقدم رؤية غير متحيزة، لا أفهم كيف يمكنه أن يحيا دون أن يقول إنه ليس هناك شئً مثل هذا على وجه الأرض.

((لقد سافرتُ عبر ارجاء العالم. بحثتُ عن كل شئ. ولم اجد ما يُرضي ذهني وقلبي وأعمق اشتياقات نفسي كما في يسوع. فهو ليس مجرد الطريق والحق والحياة، لكنه شخصي بالنسبة لي. إنه طريقي، وحقي، وحياتي – تماماً كما يمكن ان يكون لأي إنسانٍ يصل إليه.

((تذكر ما قاله بولس للأثينيين: ((إنه ليس بعيداً عن أي منا.))

مشاورات

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  • ماذا كان رد فعلك الشعوري لأول مرة سمعت فيها تأكيد أن يسوع هو الطريق الوحيد إلى الله؟ هل تغيرت رؤيتك بعد قراءة مناظرة رافي زكريا؟ كيف؟
  • قال زكريا: ((إن التضمينات الواضحة ليسوع وهو يقول إنه الطريق والحق والحياة هي أولاً لأن الحق مُطلق، ثانياً لأن الحق يمكن معرفته.)) هل تؤمن بهذين التاكيدين حول الحق؟ لماذا؟ لماذا لا؟
  • كيف تؤمن ان المسيحية تتعامل مع موضوعات الحياة الأساسية العقلية الأربعة: الأصل، والمعنى، والأخلاق، والمصير؟ هل تعليم الكتاب المقدس حول هذه الموضوعات يتوافق مع اختبارك؟
  • هل فكرت شخصياً في أية ديانة عالمية اخرى؟ لو نعم، ماذا وجدته جذاباً بخصوصها؟ ما ملامح المسيحية التي تجذبك، وما الملامح التي تصدّك؟
  • يقول الكتاب المقدس عن الله: ((وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ.))، فما الاقتراحات العملية الثلاثة التي تُقدّمها لصديق يريد أن يعرف كيف يمكنه أن يجد الله بهذه الطريقة؟ هل اتخذتَ هذه الخطوات بنفسك؟ ماذا كانت النتيجة حتى الآن؟

لمزيد من الأدلة – مصادر اخرى حول هذا الموضوع

Ravi Zacharias. Jesus Among Other Gods. Nashville: Word, 2000

Paul Copan. True for You, But Not for Me. Minneapolis: bethany House, 1998.

Frank Beck with and Gregory Koukl. Relativism: Feet Firmly Planted in mid-Air. Grand Rapids, Mich.: Baker,1998.

Millard J. Erickson. How shall They Be Saved? Grand Rapids, Mich.: Baker, 1996.

 

من المهين الادعاء أن يسوع هو الطريق الوحيد إلى الله – لي ستروبل

بما أن المعجزات تعارض العلم، فلا يمكن أن تكون حقيقية – لي ستروبل

بما أن المعجزات تعارض العلم، فلا يمكن أن تكون حقيقية – لي ستروبل

بما أن المعجزات تعارض العلم، فلا يمكن أن تكون حقيقية – لي ستروبل

بما أن المعجزات تعارض العلم، فلا يمكن أن تكون حقيقة

لي ستروبل

«الميلاد العذراوي، والقيامة، وإقامة لعازر، وحتى معجزات العهد القديم، كلها مستخدمة تماماً للدعاية الدينية، وهي مؤثرة جداً داخل مجتمع من السُذج والأطفال.»

ريتشارد داوكنز — مُلحد (١)

«ليس من قبيل الدعاية المثيرة أن الله قد تدَّخل في التاريخ، لكنها حقيقة تستحق اقتناعنا العقلي. فمعجزات المسيحية ليست مصدر ارتباكٍ بالنسبة للنظرة الكونية المسيحية، لكنها بالأحرى شهادة لعطف الله على الجنس البشري الذي داهمته الخطية والواقع.  جاري هابيرماس — مسيحي (٢)

رأيت متهمين مذنبين يرتبكون ويعرقون على منصة الشهادة بينما يشعرون بحبل العدالة يلتف ببطء حول رقابهم. إنهم يحاولون التخلص من مأزقهم. يُلّفقون قصصاً غير معقولة في مجهودٍ عقيم لتقديم دليل يُبرئ ساحتهم. يختلقون إدعاءات زائفة، يُلقون باللوم على الأبرياء، يحاولون رفض تصديق الشرطة والمدعين، يعيدون كتابة التاريخ، ينكرون، ويُشوّشون، ويحاولون خداع القاضي والمحلفين.

لكن هناك استراتيجية لم أرها على الإطلاق. متهم يدَّعي أن سبب ظهور بصمات أصابعه على أداة الجريمة هو — نوعاً ما، ولسببٍ لا يمكن تفسيره — هو عمل الله. وهو حدثٌ غامض، غير متكرر، فوق الطبيعة جعل بصمات أصابعه تظهر فجأة في مكانٍ ما لم يلمسه على الإطلاق.

ذات مرةٍ، جرب متهم تقديم دفاع مكشوف بزعمه المشكوك فيه بأن مستويات السكر المتزايدة لديه هي المسئولة عن سلوكه الإجرامي، ولكن لم يحاول حتى أجرأ المتهمين أن يُقدَّم «دفاعاً إعجازيا.ً»

لماذا؟ لأن لا أحد سيصدقه! فبوجهٍ عام، نحن أُناس متحضرون علميون نعيش في الألفية الثالثة. فنحن لا نؤيد الخرافة، أو السحر، أو التدَّخل المباشر من أي مصدرٍ إلهي غير مرئي. إن الإدعاء بحدوث معجزة سيكون أمراً سخيفاً بشكلٍ صارخ لدرجة أن أيأس متهم لا يمكنه حتى أن يلجأ لهذه الاستراتيجية.

ذات مرة رأيت بن وتيلر، والساحرين الكوميديين، يختاران صبياً في العاشرة من عمره اسمه إشعياء من بين الجمهور، ويعرضان عليه شريطاً طويلاً من البوليستر. كانا ينويان أن يعقداه ويقطعاه في المنتصف، وبعد ذلك، بنجاحٍ باهر، قاما بهز الشريط، وعجباً، صار قطعةّ واحدة من جديد! فسأل بن إشعياء الصغير: «ماذا تعتقد، هل كانت هذه معجزة أم خدعة سحرية؟» فلم يتردد إشعياء وأجاب بثقة «خدعة سحرية».

إنه مجرد طفل — كما يبدو — ذكيٌ بدرجةٍ تكفيه لمعرفة أنه حينما لا يمكننا أن نفهم تماماً ما الذي يمكن أن يكون قد سبّب حدثاً غامضاً، فلا يزال هناك دون شكٍ تفسيرٌ معقول خارج إطار المعجزات عرفتُ من حديثي مع اللا أدري تشارلز تمبلتون أنه كان قد أوقف إيمانه بالمعجزات منذ سنواتٍ طويلة. فقد كتب قائلاً: «لقد بحث أسلافنا الأوائل داخل حدود اختيارهم لتفسير أمور الحياة الغير موزونة، وعادةً ما كانوا ينسبون الأمور الغير مُفسرّة لتدخل إله أو أكثر من آلهتهم، أو أنصاف آلهة، أو أرواحٍ شريرة. لكن بالتأكيد … آن الأوان للتخلص من التأمل البدائي والخرافة، والتطلُّع إلى الحياة بمصطلحاتٍ عقلانية.» (٣)

هناك علماء يوافقون، مُتبنين أن مسيرة المعرفة ستسحق في النهاية الإيمان بالأحداث التي تفوق الطبيعة. في العام 1937  قال الفيزيائي الألماني ماكس بلانك: «الإيمان بالمعجزات لا بدَّ أن يستسلم – خطوة خطوة — قبل التقدم الثابت الواثق لقوات العلم، وسوف تكون هزيمته الكلية بالتأكيد مجرد مسألة وقت». (٤)

يعتقد الملحد ريتشارد داوكنز، أستاذ التفاهم العام للعلم في جامعة أوكسفورد، ومؤلف «الجين الأناني The selfish Gene»، أن الوقت آتٍ سريعاً. وقال في لقاء تليفزيوني: «نحن نعمل لإيجاد … تفاهم متكامل للكون وكل ما فيه.» (٥)

وهذا معناه «عجباً!» كما في الشريط الذي استعاده بن وتيلر سحرياً، ولن تكون هناك حاجة لالتماس رجل المعجزات لتفسير ما كان محجوباً من قبل صورة ألغاز.

ولكن هل يمكن لإنسانٍ أن يكون متفلسفاً علمياً ولا يزال يؤمن بإمكانية المعجزات؟ قال الفيزيائي النووي هيو سيفيكن «إيماني يمكنه أن يتلخص في هذه المقابلة الواحدة: أنا أؤمن بالعلم، وأؤمن بالله. وأنوي أن أستمر شاهداً عن كليهما.» (٦)

فهو يرى مع كثير من العلماء الآخرين عدم وجود صراع ملازم بين مهنتهم واستنتاجهم أن الله صانع المعجزات مسئول عن خلق وتدعيم الكون.

هل هذا أحد أشكال الإنكار المحترف؟ هل يمكن لإنسانٍ أن يحذف الجينات باعتبارها خيالية، وفي نفس الوقت يقبل المن من السماء، والميلاد العذراوي، والقيامة باعتبارها أحداثاً مُصدَّقة من التاريخ؟ لو كانت المعجزات اختراقات مباشرة للقوانين الطبيعية، فكيف يؤمن إنسانٌ عاقل بحدوثها؟

عرفتُ أن ويليام لين كريج إنسان عقلاني، وأنه استخدم مهاراته العقلية البارعة للدفاع عن فكرة أن الله قد تدَّخل — ويتدَّخل — في العالم من خلال الأعمال الإعجازية. هاتفته وطلبتُ منه ما إذا كان مستعداً أن أسأله حول هذا الموضوع. فقال لي: «بالطبع، هيا».

كتبتُ قائمةً طويلة من التحديات، وحجزتُ تذكرة طيران إلى أتلانتا. في الطائرة، تأملتُ في أن السكان الأصليين من المحتمل أن يكونوا قد اعتبروا السفر بالطائرة معجزة. فكيف يمكن لخمسين طناً من المعدن أن تبقى مرتفعة في تحدٍ واضح لقانون الجاذبية؟ لا بدَّ أن يد الله الغير مرئية متداخلة في ذلك.

الناس اليوم يعرفون أفضل. فهم يفهمون الديناميكا الهوائية ودفع الطائرة. ولكن هل معرفتنا بالعلوم والتكنولوجيا قد جعلت حقاً كل الإيمان بالمعجزات مُهملاً؟ أم أن كريج سيكون قادراً على تقديم الدليل المقنع أن الإنسان يمكنه أن يكون عاقلاً ومميزاً بينما في نفس الوقت محافظاً على صحة المعجزات؟

اللقاء الثاني: ويليام لين كريج — دكتوراه في الفلسفة

كان رد فعلي المبدئي لرؤية كريج هو عدم التصديق. فلحيته التي أكسبته مظهراً أكاديمياً جاداً لمدة 23  عاماً كانت قد اختفت. ولا بدَّ أن وجهي قد سجل صدمتي.

فشرح الأمر قائلاً: «لقد أصبحتُ في الخمسين، لذلك احتفلت بحلق لحيتي.»

قادني كريج للأسفل بضع درجاتٍ إلى مكتبه، وقد كان غرفة منظمة جيداً يسودها مكتب داكن وأرفف كتب من الأرضية إلى السقف مع صفوفٍ مرتبة من الكتب والدوريات الدراسية. جلستُ على مقعد مريح بينما جلس كريج خلف المكتب، مستنداً إلى الخلف في مقعد جلدي.

لقد كتب كريج باستفاضة عن المعجزات، ولا سيما عن قيامة يسوع. وتتضمن كتبه: «الإيمان المعقول؛ معرفة الحق عن القيامة؛ الحجة التاريخية لقيامة يسوع؛ تحديد برهان العهد الجديد لتاريخية قيامة يسوع. وساهم في كتابة: «دفاعاً عن المعجزات؛ هل الله موجود؟؛ يسوع تحت الهجوم؛ والمثقفون يتحدثون عن الله.

يحمل كريج شهادات دكتوراه في الفلسفة من جامعة بيرمنجهام، انجلترا، وشهادة دكتوراه في اللاهوت من جامعة ميويخ. ويعمل حالياً أستاذاً باحثاً للفلسفة في كلية لاهوت تالبوت. ويُمّثل عضواً من تسعة تجمعات متخصصة تتضمن الأكاديمية الأمريكية للدين، وجمعية الأدب الكتابي، والجمعية الفلسفية الأمريكية. وقد كتب لكلٍ من دراسات العهد الجديد؛ دورية دراسة العهد الجديد؛ دورية الزمالة العلمية الأمريكية؛ ومفاهيم الإنجيل، والفلسفة، والمطبوعات الدراسية الأخرى.

بدون لحية، ومرتدياً الچينز الأزرق، بدا كريج أصغر من سنه بعقدٍ من السنين، بعينين زرقاوين نافذتين، وشعر بني مُرَّتب على الجانب، وضحكة سريعة حماسية. داعب ذقنه — ربما كأنه لا شعورياً يفتقد لحيته — بينما استمع عن كثبٍ لسؤالي الأول الذي أعترفُ أنه جاء بمنتهى التحدي.

بدأتُ قائلاً: حسناً، دكتور كريج، أنت رجل متعلم ومثقف أخبرني، كيف يمكن لإنسانٍ عقلاني معاصر أن يبقى مؤمناً بأطفال يولدون من عذارى، وأُناسٍ يمشون على المياه، وجثثٍ تقوم من القبور؟»

فابتسم كريج قائلاً: «من الممتع أن تسأل تحديداً عن الميلاد العذراوي، لأن هذا كان حجر عثرة في طريقي كي أصبح مسيحياً. لقد أعتقدتُ أنه كان أمراً سخيفاً تماماً».

فسألته: «حقاً؟ ماذا حدث؟»

«عندما أُعلنتْ لي البشارة المسيحية للمرة الأولى بينما كنتُ مراهقاً، كنتُ قد درست أصلاً علم الأحياء. وعرفتُ أنه كي يكون الميلاد العذراوي حقيقياً، فلا بدَّ أن يُخلق كروموسوم Y من العدم في مبيض العذراء مريم، لأن مريم لم تكن لديها المادة الچينية لولادة طفل ذكر. وبالنسبة لي، كان هذا أمر خياليٌ تماماً؛ فلم يكن الأمر يُشكَّل أدنى معنى.»

فأشرتُ قائلاً: «لستَ وحدك؛ فهناك متشككون كثيرون لديهم مشكلات حول ذلك أيضاً. كيف واصلتَ؟»

فتأمل كريج للحظاتٍ وقال: «حسناً، لقد تصرفتُ أن ألقيتُ الموضوع جانباً وصرت مسيحياً على أي حالٍ، رغم إنني لم أؤمن حقاً بالميلاد العذراوي. ولكن آنذاك، بعدما صرتُ مسيحياً، حدث لي أن اقتنعتُ أنه لو آمنت حقاً بإلهٍ قد خلق الكون، فسوف يكون خلق كروموسوم Y مجرد لعبة طفل بالنسبة له!»

فقلت لكريج إنني اعتبرت هذا ممتعاً أن يكون قد صار مسيحياً رغم الشكوك المُثارة حول عقيدة في مثل أهمية الميلاد العذراوي.

فأجابني: «أعتقد أن أصالة شخص يسوع وحق رسالته كانا في منتهى القوة، لدرجة أنهما قد سحقا ببساطةٍ أية شكوكٍ باقية لدىّ.»

ففاجئته بالسؤال: «ألم تكن تتقدم للأمام نحو شئٍ ما لم تقبله تماماً؟»

فقال: «لا، أعتقد أن هذا يمكنه أن يكون إجراءً حسناً. فأنت لست بحاجةٍ لمعرفة حلول كل أسئلتك حتى تأتي إلى الإيمان. ولكن عليك فقط أن تقول «ثّقل الدليل يبدو أنه يُبين أن هذا صحيح، ولذلك رغم إنني لا أملك إجابات لكل أسئلتي، فسوف أؤمن وأرجو الحصول على الإجابات على المدى البعيد. وهذا ما حدث معي.»

«هل على الإنسان أن يُرجى حكمها النقدي حتى يؤمن بشئٍ بعيد الاحتمال كالمعجزات؟

انتصب كريج في جلسته ورفع إصبعه السبابة كما لو كان سيؤكد على كلامه: «فقط لو آمنت أن الله غير موجود! فحينها سوف أوافق أن المعجزات ستكون سخيفة. ولكن بما أن هناك خالقاً صمم الكون وأبدعه، ذاك الذي يُدَّعم وجوده لحظة بلحظة، والمسئول عن القوانين الطبيعية التي تحكم العالم المادي، فبالتأكيد يكون من المنطق أن أؤمن بإمكانية المعجزات».

المعجزات ضد العلم

كنا بالحقيقة نتقدم في الحوار، لكننا لم نتوقف بعد حتى نُعرَّف مصطلحاتنا. وقبل التقدم إلى أبعد من ذلك، عرفتُ أنه من المهم أن نستقر على معنى «المعجزة».

فقلتُ: «نحن نتعامل مع هذه الكلمة كيفما اتفق». وفيما استدعيتُ الماضي أضفتُ: «على سبيل المثال يمكنني أن أقول «لقد كانت معجزة أن أواصل رحلتي إلى أتلانتا» أو «لقد كانت معجزة أنني وجدتُ بيتك» فهل هذا غير مرتبط بالكلمة؟»

فقال: «نعم، أعتقد أنه من سوء الاستخدام أن نتكلم عن هذه الأمور كمعجزات، فهي أحداث طبيعية واضحة لها نتائج طبيعية.»

«فكيف تُعرَّف المصطلح إذاً؟»

فقال كريج تعريفه بدقة: «بالمعنى العام، المعجزة هي حدث لا تُنتجه المُسببات الطبيعية التي تعمل في نفس زمان ومكان وقوع الحدث.»

وفيما قاله: رددتُ في صمتٍ هذا التعريف حتى يترَّسخ في عقلي. وواصلتُ ذلك لعدة لحظاتٍ قبل مواصلة ما اعتبرته السؤال المنطقي التالي.

فتساءلتُ: «ألا يوجد إذاً تعارضٌ بين العلم والمعجزات؟» فقد قال الفيلسوف الملحد مايكل روز: «المؤمنون بالخلق يؤمنون أن العالم بدأ بطريقة إعجازية. لكن المعجزات تقع خارج إطار العلم الذي يتعامل — وفقاً للتعريف — مع الطبيعي، والمتكرر، ومع ما يحكمه القانون.»(٧)

فأشار كريج قائلاً: «لاحظ أن روز لا يقول إن المعجزات مناقضة للعلم، بل يقول إن المعجزات تقع خارج إطار العلم، وهناك فرقٌ شاسع. أعتقد أن المسيحي المؤمن بالمعجزات يمكنه أن يوافقه في ذلك. فيمكنه أن يقول إن المعجزات تقع خارج نطاق العلم — ولكن ليس معنى ذلك أنها تناقض العلم.»

حاولتُ هضم التمييز، فتساءلتُ: «هل يمكنك تقديم مثال آخر عن شئٍ مثل هذا؟»

ففكر كريج للحظاتٍ قبل الإجابة، وقال: «حسناً، الأخلاق مثلاً تقع خارج نطاق العلم. فالعلم لا يُقدَّم أحكاماً أخلاقية. ولذلك لستُ أعترض بالضرورة على وصف روز. فهو يقول إن هدف العلم هو البحث عن تفسيرات طبيعية، ومن هنا فإن المعجزات تقع خارج إطار المملكة العلمية.»

وقبل أن أسأل سؤالاً جديداً، رفع كريج صوته قائلاً: «يجب أن أضيف رغم ذلك أنه يمكنك أن تنتج صيغة إيمانية من العلم. فمثلاً هناك حركة كاملة من الناس – مثل الرياضي ويليام ديمبسكي، وعالم الكيمياء الحيوية مايكل بيهي – تستدل بوسائل ذات مبادئ أن هناك

مصمماً ذكياً Intelligent Designer للكون وللعالم البيولوجي.(٨) وهؤلاء ليسوا كيفيين — من المنظور العلمي والعقلاني — لكنهم يستنتجون من الدليل أنه لا بدَّ أن يكون هناك خالق ذكي.»

فقلتُ: أنت تعارض إذاً المتشكك الشهير ديفيد هيوم الذي عرَّفَ المعجزات بأنها اختراقات لقوانين الطبيعة».

«بالتأكيد. فهذا فهمٌ غير مناسب للمعجزات. فالقوانين الطبيعية تحوي شروطاً ضمنية ceteris paribus  تكون فيها كل الأمور الأخرى متساوية. وبأسلوب آخر، فإن القوانين الطبيعية تفترض عدم تدخل أية عوامل طبيعية أو فوق طبيعية أخرى في العملية التي يصفها القانون.

«هل يمكنك تقديم مثال على هذا؟» «تفحصتْ عينا كريج أرجاء الغرفة بحثاً عن شرحٍ، وأخيراً استقر على شرحٍ قريب قرب جسده.

«حسناً، من قوانين الطبيعة أن الأكسجين والبوتاسيوم يحترقان عندما يتحدان. لكن جسدي يحوي أكسجيناً وبوتاسيوم، ومع ذلك لا أشتعل. فهل هذا معناه أن ذلك معجزة وأنني أخترق قوانين الطبيعة؟ لا، لأن القانون يُقرَّر فقط ما يحدث تحت شروطٍ مثالية، دون أن يزعم بتدخل أية عوامل أخرى. ومع ذلك، ففي هذه الحالة، هناك عوامل أخرى تتدخل مع الاحتراق، ومن هنا لا يحدث الاحتراق. وهذا ليس اختراق للقانون.

وبصورةٍ مشابهة، لو كان هناك عامل فوق الطبيعة يعمل في العالم الطبيعي، فإن الشروط المثالية الموصوفة من قبل القانون تصبح عديمة التأثير. فالقانون لا يخترق لأن القانون لديه هذا الاستعداد الضمني أن ليس هناك شئٌ يعبث بالشروط».

فقلتُ لكريج إن تفسيره ذكرني بحوارٍ أجريته منذ عدة سنوات مع جي. بي. مورلاند الفيلسوف الشهير الذي كتب «المسيحية وطبيعة العلم. فلقد استخدم تفسيراً لقانون الجاذبية يقول إنك لو أسقطتَ شيئاً، فسوف يقع على الأرض، ولكن لو سقطتْ تفاحة من شجرة، ومددتَ يدك لتمسكها قبل أن تلمس الأرض، فأنت بذلك لا تخترق أو تنفي قانون الجاذبية، بل أنك تتدخل فحسب.

فقال كريج: «نعم، هذه هي فكرة الشروط الضمنية التي طرحتها. فقانون الجاذبية يُقرَّر ما سيحدث تحت شروط معينة دون تدّخل عوامل طبيعية أو فوق طبيعية. فإمساك التفاحة لا يقلب قانون الجاذبية أو يتطلّب صياغة قانون جديد، فقط بل تدّخل إنسان بإدارة حرة يتجاهل المُسبّبات الطبيعية العاملة في ذلك الظرف الخاص. وهذا أساساً ما يفعله الله عندما يُسبّب حدوث معجزة. بدا أن هذا يُشكَّل معنى بالنسبة لي. ومع ذلك فقد عرفتُ أن بعض العلماء سيعتبرون المعجزات كمجرد خرافات، فقرَّرت أن أتتبع تلك السلسلة من الأسئلة فيما بعد.

أعمال الله الحقيقية

سألتُ كريج عن رأيه في تنبؤ الفيزيائي ماكس بلانك أن الإيمان بالمعجزات سيبطل بلا شك أمام تقدم العلم، وملحوظة البيولوجي ريتشارد داوكنز أن العلماء سيفهمون يوماً أعمال الكون، ومن ثم ستخمد الحاجة للتفسيرات الإعجازية. فاندهشتُ لرد فعل كريج.

فقد صرَّح قائلاً: «أعتقد أنهم على حق.»

تطلَّعتُ من بين أوراقي معتقداً أنه ربما يكون قد أساء فهم سؤالي. فقلت: «عفواً؟»

فأصرَّ قائلاً: حقاً، أعتقد أنهم على حق بقدر ما يقوم بعض المؤمنين بالخرافات باستخدام المعجزات كعذرٍ للجهل وكنوعٍ من الرهان لله كلما لا يمكنهم تفسير شئ. أعتقدُ أنه من الجيد أن يعصر العلم ذاك النوع من التفكير الساذج.

«لكني لم أكن أتكلم عن ذاك النوع من المعجزات، بل أشير إلى الأحداث التي يمكنك بها — بأسلوب منظم — أن تستدل منطقياً إلى أنه كان هناك عامل فوق الطبيعة يتدخل في العملية. فهذه المعجزات — أعمال الله الحقيقية — لن يُقضى عليها بتقدم العلم لأنها ليست مؤسسة على التجاء للجهل. لكنها مُدَّعمة بثقل الدليل العلمي والتاريخي.

«مايكل بيهي يفعل ذلك في كتابة “صندوق دارون الأسود”، حيث يستكشف بيهي «التعقيد المتعذر اختزاله» في الطبيعة — الكائنات الحية التي لم يمكنها التطور خطوةً بخطوة عن طريق الطريقة الدارونية التدريجية من الاختيار الطبيعي والتغير الوراثي. والآن لا يقول إن هذا لا يتعذر

شرحه علمياً فحسب، بل إنه يعطي إشارةً ذات مبدأ إلى المصمم الذكي بناءً على ما توَّضحه االأدلة هذا أمرٌ عقلاني؛ فاستنتاجاته مبنية على التحليل العلمي الجاد.»

أثارتني مناقشة كريج حول أدلة المعجزات لأسأله عن نقطة أخرى أشار إليها هيوم – المتشكك الاسكتلندي في القرن الثامن عشر، وأشهر متشككي التاريخ بخصوص المعجزات. فأشرتُ قائلاً: «قال هيوم إن دليل اتساق الطبيعة حاسمٌ تماماً لدرجة أن أي دليل في صالح المعجزات لن يكون قادراً أبداً أن يقهره. فمثلاً أنظر إلى القيامة. لدينا آلاف السنين من البرهان الإتساقي أن الموتى ببساطة لا يعودون من الموت. ولذلك فإن هيوم يقول إنه لن تكون هناك براهين قادرة لفهم ذلك الادعاء الهائل».

فهز كريج رأسه قائلاً:«ليس هناك تعارض بين الإيمان أن الناس يبقون عامة في قبورهم وأن يسوع الناصري قد قام من الأموات. ففي الحقيقة يؤمن المسيحيون بكلا الأمرين. فعبارة أن يسوع قام من الأموات ليس عكسها أن كل الآخرين قد بقوا في قبورهم، بل أن يسوع الناصري بقى في قبره.

«وللجدال ضد برهان القيامة، عليك أن تقدم البرهان ضد القيامة نفسها، وليس البرهان أن كل إنسان آخر قد بقى على الدوام في قبره. ولهذا أعتقد أن حجته ببساطة زائفة. «الآن سأتفق مع هيوم أن قيامة يسوع الطبيعية من الموت دون أي تدخل بشري غير محتملة تماماً. لكن ليست هذه هي الفرضية. فالفرضية هي أن الله قد أقام يسوع من الأموات. وهذا لا يقول أي شئ ضد قوانين الطبيعة التي تقول إن الموتى لا يعودون إلى الحياة بصورة طبيعية».

دليل استثنائي

بينما استطعتُ أن أفهم فكرة كريج، أردتُ أن أتبع ذلك أكثر.

فقلتُ: «يقول بعض النقاد أن القيامة حدث استثنائي؛ ومن ثم فهي تتطلَّب دليلاً استثنائياً. أليس لهذا التأكيد قدر من القبول؟»

فأجابني: «نعم، هذا يبدو كحسٍ عام، لكنه خاطئٌ تماماً. كيف؟»

«لأن هذا المعيار سيمنعك من الإيمان بكل أنواع الأحداث التي نقبلها عقلياً. فمثلاً لن تؤمن بتقرير صحيفة المساء أن الأرقام التي أُختيرت في يانصيب الليلة الماضية كانت 4، 2، 9، 7، 8، 3؛ لأن هذا سيكون حدثاً من اللااحتمالية الاستثنائية.وشواذ ذلك ملايين وملايين إلا واحد؛ ومن هنا عليك ألا تؤمن بذلك عندما تعلن الأخبار. لكننا نؤمن بوضوح أننا عقلانيين في استنتاج أن هذا حقيقي. كيف يمكن هذا؟

«حسناً، يقول واضعو نظريات الاحتمالات إنك لا بدَّ أن تزن لااحتمالية حدوث الحدث ضد احتمالية أن يكون الحدث كما هو لو لم يحدث.» لفظ كريج هذه الجملة بمنتهى السرعة حتى واجهت عقلي مصاعب استيعابها. فقلت رافعاً يدي: «مهلاً، أرجو أن تهدأ وتقدَّم مثالاً لي.»

فقال: «حسناً، تأمل في ذلك هكذا. لو كانت أنباء المساء فيها إحتمالية عالية جداً من الدقة، فمن غير المحتمل بدرجةٍ كبيرة أن تٌعلن الأرقام المختارة في اليانصيب بدون دقة. فهذا يوازن أية عدم احتمالية في اختيار تلك الأرقام، ومن هنا تكون عقلانياً تماماً أن تؤمن بهذا الحدث الغير محتمل بدرجة كبيرة.

«بنفس الطريقة، أية عدم احتمالية تظن أنها موجودة في قيامة يسوع هي متوازنة بعدم احتمالية القبر الفارغ، فظهورات قيامة يسوع، والتغير المفاجئ في التلاميذ الأوائل الحادث لو لم يكن هناك حدث مثل قيامة يسوع. أتفهم ما أقصده؟»

فقلتُ: «نعم. لقد أوضح هذا التفسير فكرته، فكما أن القيامة تبدو غير محتملة بالنسبة للمتشككين، فلا بدَّ أن يُقابل هذا بكم عدد احتمال أن تكون لديك كل الأدلة التاريخية المتنوعة لحدوثها لو لم تحدث بالفعل.

فاستنتج كريج قائلاً: «لذلك يصبح من العقلاني جداً أن نؤمن بحدث مثل قيامة يسوع المعجزية. وبالإضافة إلى ذلك، فأنا أنظر إلى ذلك هكذا: «بما أن الله موجود حقاً، فبأي معنى يكون من غير المحتمل أن يقيم يسوع من الموت؟ لا أجد أي معنى.»

فتساءلتُ: «هل رأيتّ متشككين صاروا مؤمنين بالمسيحية بسبب كم وكيف الأدلة المؤيدة للقيامة؟»

فاتسعتْ عينا كريج وقال: «نعم بالتأكيد! لقد قابلتُ مؤخراً رفيقاً صار مسيحياً من بين الحركة المسماة ب «الفكر الحر free thought». لقد تأمل في القيامة واستنتج من الأدلة أن الله أقام يسوع من الموت. وبالطبع، فإن رفاقه في هذه الحركة هاجموه بحدة. فقال: «لماذا هم عدوانيين للغاية؟ لقد تبعتُ فحسب تعاليم الفكر الحر، وهذا هو ما قادني إليه الدليل والمنطق!»

فضحكتُ ضحكةً خافتة قائلاً: «هل تقصد أن بعض رفاق «الفكر الحر» ليسوا متحررين فكرياً فيما يخص إيمان الناس؟»

فأجابني: «بصراحة، أعتقد أن كثير من المتشككين يتصرفون بأسلوبٍ منغلق الفكر.»

وكمتشكك سابق بنفسي لاحظتُ نفس الظاهرة، فتساءلتُ: «هل تشير الحقيقة أن بعضهم يتجاهلون حتى إمكانية المعجزات منذ البداية؟»

فأجابني: «بالضبط، فعلماء المنطق لديهم مصطلح «الرجوع للتفسير الأفضل». وهذا معناه أن تكون لديك مجموعة من البيانات للتفسير، ثم تكون لديك مجموعة من اختيارات حيوية أو تفسيرات متنوعة لهذه البيانات. وتكون بحاجة لاختيار أي تفسير من هذه المجموعة — في حالة صحته — يفسر البيانات المطروحة بأفضل صورة.

ومع ذلك فإن بعض المتشككين لن يسمحوا بتفسيران فوق طبيعة حتى أن تكون ضمن مجموعة الاختيارات الحيوية. ومن ثم لو لم يكن هناك تفسير طبيعي لحدثٍ ما، فإنها تُترك ببساطة في تجاهل.

«وهذا تحيز. فبعيداً عن بعض أدلة الإلحاد، ليس هناك ضمان لاستبعاد التفسيرات الفوق طبيعية من كونها عضوً في مجموعة الاختيارات الحيوية. لو وضعتها في تلك المجموعة، فعليك أن تكون محققاً أميناً منفتحاً لترى أي التفسيرات هو الأفضل لأي حدثٍ مطروح».

معجزات يسوع

قلتُ: «لنقل إنك محققاً أميناً تُسلسل أفكارك، فما الذي ستبحث عنه كي تقتنع بحدوث شئ إعجازي؟

«أن يكون لديك عدد من المعايير. عليك أن تتحرى كي ترى ما اذا كان هناك شئ لا يمكن الاهتمام به بخصوص القوى الطبيعية التي كانت تجرى في ذاك المكان والزمان. وسوف تبحث عن سياق تاريخي ديني.

أردتُ أن أتتبع فكرة السياق هذه. فلقد قال هيوم إنه لو اتفق المؤرخون باتساقٍ أن ملكة إنجلترا قد ماتت ثم ظهرت حية بعد شهر، فسوف يميل لقبول أي تفسير عدا أن يكون الله قد أجرى معجزة. وسألتُ كريج عن رد فعله إزاء ذلك.

فأجابني: «أوافق أن المعجزة دون سياق غامضة أصلاً. فسياق المعجزة يمكنه أن يساعدنا في تحديد ما إذا كانت من الله أم لا. فمثلاً إعادة إحياء الملكة سيفتقد أي سياق ديني وسيكون أساساً شذوذ صريح بلا تفسير».

«ولكن ليس هذا هو الحل مع يسوع. فأعماله التي تفوق الطبيعة حدثت في سياق يتميز بالأهمية الدينية لأنه أجرى معجزاته وأعاجيبه كعلامات لبزوغ ملكوت الله داخل التاريخ الانساني، وقد كانت قيامته بمثابة تصديق على رسالته. وتأتي قيامته كذروة حياته التي لا تُضاهي وتصريحاته الجذرية بالسلطان الإلهي وخدمته التي أدت إلى صلبه. ولهذا تجعلنا القيامة نتوقف للتأمل، بينما عودة الملكة ستُربكنا. ومن هنا فإن السياق التاريخي الديني أمرٌ حاسم لفهم الأحداث الإعجازية.»

ولكني واصلتُ الحديث: «هل أجرى يسوع المعجزات؟ وماذا يقنعك أنه قام بذلك؟»

«الحقيقة أن معظم نقاد العهد الجديد اليوم يُصرّحون أن يسوع أجرى ما يمكن أن نسميه معجزات. وبقبول ذلك، ربما لا يؤمنون جميعاً أنها كانت معجزات أصلية، لكن فكرة يسوع الناصري كرجل معجزات وأعاجيب جزء من فكرة يسوع التاريخي المقبولة من قَبل النقاد اليوم بوجه عام.»

وعند ذلك، أدار كريج كرسيه وسحب ملفاً من الدرج خلف مكتبه. قلَّب بعض الصفحات حتى وصل لما يريده، ثم قال: «لأقرأ لك اقتباساً من رودولف بولتمان، الذي يعد أحد أشهر نقاد العهد الجديد المتشككين في القرن العشرين:

كانت الجماعة المسيحية مقتنعة أن يسوع قد أجرى المعجزات، وقد رووا كثيراً من القصص حول المعجزات عنه. ولكن معظم هذه القصص التي تحتويها الأناجيل أسطورية أو على الأقل مُغلَّفة بأسطورة. ولكن لا شك أن يسوع قد قام بهذه الأشياء التي كانت تعتبر في نظره، وفي نظر معاصريه، معجزات؛ أي أحداث كانت نتيجة السببية الإلهية الفوق طبيعية. فلا ريب أنه شفى المرضى وطرد الشياطين. (٩)

أغلق كريج الملف وقال: «حتى بولتمان يقول إن المعجزات والأعاجيب تنتمي ليسوع التاريخي. والآن، كانت هذه القصص في أيام بولتمان تعتبر أسطورية بسبب التأثير المفترض لعلم الأساطير الروماني — اليوناني على الأناجيل، لكن الدارسون اليوم يدركون أن هذا التأثير كان أصلاً لا شئ. إنهم يؤمنون الآن أن دور يسوع كصانع معجزات لا بدَّ أن يُفهم مقابل الستارة الخلفية لليهودية الفلسطينية في القرن الأول التي يناسبها هذا الأمر تماماً.

واستنتج قائلاً: «في الحقيقة، فإن السبب الوحيد كي تتشكك من أن هذه المعجزات كانت معجزات أصلية أكثر منها حالات شفاء جسدية نفسية سيكون سبباً فلسفياً — فهل تؤمن أن مثل هذه الأحداث يمكنها أن تحدث أم لا؟ إن تاريخية الأحدث ليست مُعرَّضة للشك.»

المعجزات والأساطير

كانت استنتاجات هؤلاء الدارسين نافعة، لكني أردتُ المزيد. فتساءلتُ: «ما هو الدليل المحدد أن يسوع أجرى المعجزات؟»

فقال: «جزءٌ من هذا الدليل هو أن هذه الأحداث موجودة في مل مراحل مصادر الإنجيل. فمثلاً معجزة إشباع الخمسة آلاف موجودة في كل الأناجيل، ومن هنا لديك شهادة مستقلة ومتعددة لهذه الأحداث. ولا توجد إشارة إلى يسوع ناصري بلا معجزات في أي من المصادر. ومن هنا يكون من المعقول أن هذا ينتمي ليسوع التاريخي. والأكثر أن هذا يناسب البيئة اليهودية تماماً. فقد كان هناك رجال أعاجيب ومعجزات يهود سبقوا يسوع».

لم يكن كافياً بالنسبة لي. فقلتُ: «إن قول كثيرين بحدوث شئ استثنائي — مثل إشباع الخمسة آلاف — لا يعني بالضرورة أنه حقيقي.»

فأجابني: «بمعنى ما، هذا سؤالٌ شخصي جداً ستجده مقنعاً بالنسبة لك. أعتقد أنه يمكننا أن نقول بثقةٍ إنه لا يوجد أي سبب يثير الشك بخصوص هذه الروايات ماعدا الأسباب الفلسفية.

وبكلماتٍ أخرى، لو آمنت بوجود الله، فليس هناك سبب مقنع يدعوك للتشكك بخصوص هذه الأحداث.

«ومع ذلك، أُضيف هذا: بخصوص معجزة العهد الجديد الرئيسية — القيامة — هناك دفاعٌ رائع جداً يُستنتج منه بثقةٍ أن القيامة حقاً أحد أحداث التاريخ. إن براهين القيامة أقوى بكثير. من براهين أن يسوع قد أجرى معجزة شفاء الأعمى في يوحنا الإصحاح 9. فأنت لديك كنز من البيانات حول القبر الفارغ، وظهورات القيامة، وأصل إيمان التلاميذ بالقيامة».

فتساءلتُ: «أليس من المحتمل أن تقارير معجزات يسوع قد كانت حقاً أساطير تطورت بعد سنواتٍ من حياته؟»فالملحد جورج سميث يقول: «بينما ينتقل المرء من الأناجيل المبكرة  المتأخرة، فإن بعض المعجزات تصبح أكثر مبالغةً».(١٠)

«إنه يشرح التطور الأسطوري هذا بمقارنة مرقس الإصحاح الأول الذي يقول: « وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا مُجْتَمِعَةً عَلَى الْبَابِ. فَشَفَى كَثِيرِينَ كَانُوا مَرْضَى بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَخْرَجَ شَيَاطِينَ كَثِيرَة.» مع متى الإصحاح الثامن الذي يقول: «وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ قَدَّمُوا إِلَيْهِ مَجَانِينَ كَثِيرِينَ، فَأَخْرَجَ الأَرْوَاحَ بِكَلِمَةٍ، وَجَمِيعَ الْمَرْضَى شَفَاهُمْ.» مع لوقا الإصحاح الرابع الذي يقول: «وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، جَمِيعُ الَّذِينَ كَانَ عِنْدَهُمْ سُقَمَاءُ بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدَّمُوهُمْ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَشَفَاهُمْ.» وقد قال المؤرخ أركيبولد روبرتسون: «نحن نشهد النمو المتزايد لأسطورة؟»(١١)

فنظر كريج نظرة حادة، وقال: «هذه الحُجة خيالية تماماً حقاً لأن كُتَّاب الأناجيل لا يستخدمون كلمتي «كل»  و «بعض» كما تستخدمها تقارير الشرطة».

دفع جانباً ملف بولتمان على مكتبه ومدَّ يده لكتابه المقدس، وفتحه على العهد الجديد، ومر بإصبعه على صفحة. وجد (مرقس 1 : 5)، وقرأ الآية بصوت عال: «وَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمِيعُ كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ وَأَهْلُ أُورُشَلِيمَ وَاعْتَمَدُوا جَمِيعُهُمْ مِنْهُ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ.»

فقال: حسناً، فكَّر في ذلك. إنه يقول إن يوحنا المعمدان كان يعمد كل اليهودية وكل أورشليم. حقاً؟ كل اليهودية؟ وكل أور   شليم؟» قالها كريج وصوته يتصاعد بدهشةٍ ساخرة. «المنطقة كلها أُخلت الناس وذهبوا لنهر الأردن وتعمدوا جميعاً — كل الأطفال، وكل الشيوخ، حسناً، بالطبع لا. لم يكن هذا هو التعبير المقصود أن يُقرأ بسذاجة كتقارير الشرطة.

والآن عودةً إلى التقارير التي ذكرتها مبكراً — ما هي الفكرة الرئيسية التي تُقدَّمها؟ بشكلٍ واضح، أن الجموع كانت تذهب إلى يسوع للشفاء والمعجزات، وهذا ما هو مشهوداً عنه جيداً. والحقيقة هي أن كل هذه التقارير تتوافق تماماً بأنه كانت هناك معجزات يُجريها يسوع،  وأن هذا كان يتضمن وجود الكثير من الناس».

وأضاف نقطةً أخرى: «من المهم أن نتذكر أنه بالنسبة للمعجزة العظمى — القيامة – فنحن نعرف من البحث التاريخي أنه لم يكن هناك وقتٌ كاف بأي شكلٍ كي تتطور أسطورة معينة لتزيل أساساً راسخاً من الحق التاريخي.»

«معجزات» محمد

بافتراض وجود الدليل التاريخي أن يسوع قد أجرى أعمالاً اعتبرها شهود العيان إعجازية، فماذا عن المعجزات في الديانات الأخرى؟ وفقاً للناقد هيوم، فإن المعجزات من الديانات الأخرى تُعارض الواحدة الأخرى باعتبارها دليلاً في طريق الحق.

فمثلاً، يقول التقليد الإسلامي إن محمداً صعد إلى السماء على بُراق؛ وإنه شفى الساق المكسورة لصديق؛ وإنه أطعم مجموعات كبيرة من الناس بطعام قليلٍ؛ وإنه حوَّل فرع شجرة إلى سيف صلب؛ وإنه كان مسئولاً عن إنجازات أخرى فوق طبيعة.

قلتُ لكريج: «بما أن محمداً ويسوع قد أجريا معجزات متشابهة، ألا يُضعف هذا فرادة يسوع وينفي كون المعجزات دليلاً لحقه؟»

فجعد كريج حاجباه، وقال بلهجةٍ مُلّطفة قليلاً: «أعتقد أن هذا مبني على سوء فهم الإسلام. صَوّبني إن أخطأتُ، ولكني فيما أقرأ القرآن، فليست هناك أساساً أية معجزات، بغض النظر عما يُسمى بمعجزة القرآن فقط.»

فأجبتُ: «موافق، باستثناء فقرات قليلة موضع نقاش، أعتقدُ أن الدارسين يفسرون القرآن هكذا بشكلٍ عام. لكنني قلتُ إن هذه المعجزات مُسجلة في التقليد الإسلامي، حيث تكون فيه متكاثرة حقاً.»(١٢)

بحث كريج في ذهنه ثم استغرق في الموضوع، وقال: «آه، نعم، تماماً، فالمعجزات، مذكورة فيما يُسمى بالحديث. وهاك المهم، فهذا التقليد الإسلامي دُوَّن بعد مئات السنين من حياة محمد، ومن هنا فإنه لا يُقارن بالأناجيل التي كُتبتْ خلال الجيل الأول حين كان شهود العيان لا يزالون أحياءً.

مثلاً، في ( 1 كورنثوس 15)، فإن تقارير ظهورات قيامة يسوع تعود إلى الفترة الواقعة خلال السنوات الخمس الأولى بعد الحدث. ومن ثم تكون هذه بيانات مُستحدثة لا يمكن أن تكون نتيجة التطور الأسطوري. وهذا ببساطة لا يُقارن مع هذه القصص الأسطورية حول محمد التي تراكمتْ بعد سنوات كثيرة جداً في التقليد الإسلامي.»

«هل تعتقد أنه من المهم أن القرآن نفسه لا يؤكد معجزات محمد بنفس الطريقة التي يؤكد بها الكتاب المقدس معجزات يسوع؟»

«ربما بمعنى أن الحديث قد بدا في ما بعد أنه وجد من الضروري أن يختلق معجزات لمحمد. إنه لم يؤكد لنفسه أي شئٍ. وبشكلٍ أساسي، فإن هذه القصص تشرح كيف أن التقارير الغير تاريخية تنشأ من التأثيرات الأسطورية عبر قرون من الزمان، وهذا على خلاف الأناجيل، حيث تقارير المعجزة جزء من أول مراحل المصادر.»

شعرتُ بوجود تناقض. فلو كانت فورية تقرير المعجزات مهمة، فمن المؤكد أن كتاب المورمون يجتاز هذا الاختبار. وأشرتُ قائلاً: «من هنا تكون لديك تأكيدات عن المعجزات المُسجلة بسرعة بعدما تكون قد حدثت افتراضاً، ومع ذلك لا تقبل صحته.»

في هذه الحالة يكون ما لديك الدجل الواضح لجوزيف سميث مؤسس المورمونية. من الممتع أن سميث وأبيه، عندما عاشا في نيويورك، كانت تستحوذ عليهما فكرة العصور على ذهب كابتن كيد  ” Captain Kidd” المدفون. وبعدها ماذا يدَّعي سميث العصور عليه؟ أطباق ذهبية من الملاك مارون، وبعدها يختفيان ويُزعم أنهما أخذا إلى السماء ولم يُريا فيما بعد.

«ما لديك هنا خدعة واضحة مقارنةً بالأناجيل ذات الأمانة الواضحة لمن كانوا يسجلون الأحداث. إن مشكلة المارونية أساساً هي مشكلة مصداقية بسبب عدم الوثوق في جوزيف سميث، والافتقاد الصارخ للتوثيق. وعلى خلاف الأناجيل – التي تعززت مصداقيتها بدرجة هائلة من قَبل علن الآثار- فإن الاكتشافات الاثرية فشلتْ مراراً في تدعيم كتاب المورمون.»

الجانب الشخصي للمعجزات

كانت مناقشتي مع كريج مُحفزة حتى الآن، لكنها بقتْ بشكلٍ خاص في مستوىٍ عقلي. أردتُ أن أكون أكثر اقتراباً، أن أتفحص شخصية كريج الدراسية، وأربط موضوع المعجزات بحياته الشخصية، لكنني ترددتُ.

فمن خلال سنوات تعارفي مع بيل كريج، لاحظتُ بعض الإعاقات الجسدية التي كان يواجهها. فمثلاً يمكنني أن أحكي عندما تصافحنا الأيدي، كانت يده اليمنى مُشوَّهة قليلاً. ولاحترامي الشخصي، لم أُثر الموضوع معه على الإطلاق. والآن – فيما استكشفنا هذا الموضوع— فقد آثار مرضه الظاهر سؤالاً مربكاً لم أستطع تجاهله فيما بعد: فلو كان الله يمكنه إجراء المعجزات، فلماذا لم يشفي إنساناً مكرساً له ك بيل كريج؟

بدأتُ ببطء: «أُنظر، يا بيل، أنت تؤمن أن الله مازال يُجري المعجزات، أليس كذلك؟»

فقال كريج: «لا أنكر أن المعجزات يمكنها أن تحدث اليوم. وأضيفُ رغم ذلك أنه ليس هناك سبب يمنعها من أن تكون متكررة وواضحة كما كانت مع يسوع. والمعجزات تميل إلى أن تتجمع حول لحظاتٍ عظمى في تاريخ الخلاص، كخروج بني إسرائيل أو خدمة يسوع، الذي أعتبر معجزاته كعلاماتٍ للشعب لبزوغ ملكوت الله، وأعاجيبه كعلامات قدرته على تدمير قوات الظلمة.»

فقلتُ برفقٍ: «قل لي، إذا كان الله يحبك ولديه القوة لشفاءك، فلماذا لا يجعل أتعابك الجسدية تختفي؟»

بدا أن كريج لم يكن يتوقع مواجهة هذا السؤال. فتنقل في جلسته وأستند للأمام، وتحولتْ نبرة صوته من نغمة أستاذية إلى نغمة أكثر فردية وأكثر رقة.

بدأ كريج: «كان بولس الرسول يعاني مما أسماه «شوكة في الجسد» حتى طلب من الله أن يزيلها ثلاث مرات، وكانت إجابة الله أن نعمته تكفيه لأن قوته في الضعف تُكمل. وقد ظلت هذه الفقرة عزاءً لي طوال حياتي.»

نظرّ إلى الجانب، ربما مقرراً ماذا سيقول بعد ذلك. وعندما أعاد النظر إلىّ، كانت حدة عينيه الزرقاوين الفولاذية الحادة قد تحولت إلى إخلاصٍ حساس.

وقال: «أعتقد أنني لا أناقش هذا كثيراً بشكلٍ عامٍ، لكني أعاني من مرضٍ خلقي عصبي عضلي يُسبّب ضموراً متزايداً في الأطراف. وفي حالتي هذه يكون هذا الضمور خفيفاً نوعاً ما.

كثيرٌ من المصابين بهذا التزامن عليهم ارتداء دعامات، ولقد كنتُ محظوظاً حقاً أن حالتي لم تكن سيئة للغاية.»

فسألته: «هل طلبتَ معجزة؟»

فأومأ قائلاً: «كمسيحي شاب صليتُ أن يشفيني الله، لكنه لم يشفني».

ورغم أنني استطعتُ أن أفهم من نبرة صوته الواقعية أنه لم يكن يطلب الشفقة، إلا أن قلبي قد انجذب اليه. فقلتُ له: «أنت خائب الأمل»، وقد انطلقتْ كلماتي كملاحظة أكثر منها كسؤال.

فارتسمتْ ابتسامة على وجهه. وسألني بمعنى واضح من الاندهاش: لي Lee، أتعرف ماذا أدهشني؟ بينما أنظرُ إلى حياتي، أدرك أن الله قد استخدم هذا المرض بطرقٍ ملحوظة جداً كي يُشكّلني ويشكّل شخصيتي. فلأنني لم أستطع ممارسة الألعاب الرياضية حتى أنجح في شئٍ ما، وُجهت إلى الأكاديميات. وحقاً أُدينُ بوجودي كدارسٍ لهذا المرض، فهو الذي أجبرني لدخول حياة العقل.

«وأيضاً أثر عليَّ نفسياً بإعطائي دفعةً هائلة للنجاح. فلقد أسهم أن يكون لي إنجاز وإتجاه للهدف، وهذا ما ساعدني لعمل الكثير في الحياة. وهكذا فهمتُ في النهاية حقاً بأسلوبٍ خاص جداً ما قاله بولس: قوته في الضعف تُكمل».

فسألته: «لو كنتَ قد شُفيتَ، فهل كنتَ تريد ذلك؟»

فأطلقَ ضحكته وقال: «حسناً، الآن ربما يكون الأمر لطيفاً، حيث تعلمتُ الدروس!»

ثم قال إجابةً أكثر جدية ردّدتْ صدى تعليقات بيتر كريفت المبكرة حول المعاناة: «من الناحية الأخرى، أصبحتُ معتاداً على ذلك. ففيما أذكرُ الماضي، يمكنني القول بأمانة إنني سعيد بهذه الطريقة التي قاد بها الله حياتي. فالله يمكنه حقاً أن يستخدم أمور الحياة السيئة كي يُنجح

مقاصده وأغراضه النهائية.

«وهذا ليس معناه أن هذه الأمور ليست سيئة – فهي سيئة حقاً. ولكنها جميعاً داخل إطار سلطان الله. فحتى الخير يمكنه أن يأتي من الشر».

الإيمان بإله المعجزات

بيل كريج ليس أسقفاً يحيا في برجٍ عاجي، لكنه إنسان تُجسَّد حياته اليومية فلسفته المسيحية. فحتى حينما نتصارع مع موضوع مرضه الواقعي جداً، فهو يخرج بتأكيد أن معتقداته راسخة تماماً. كل شئ مُدَّعم بثقةٍ سامية في عقلانية المسيحية؛ تلك الديانة التي دعامتها معجزة من الإتساقات الغير مسبوقة.

قلتُ: «لقد أسميتَ أحد أشهر كتبك بعنوان الإيمان المعقول، لكن هناك متشككون ربما يدعون هذا جمعاً لكلمتين متناقضتين.»

مددتُ يدي لحقيبتي وسحبتُ كتاباً عنوانه «مقالات نقد الله»، وانتقلتُ لفصل عنوانه «الدين والعقلانية» كتبه الملحد ريتشارد روبنسون، فيلسوف تعلم في جامعتي أكسفورد وكورنيل. قرأتُ اقتباساً لكريج كنتُ قد حددته من قبل:

«الإيمان المسيحي ليس هو مجرد إيمان أن هناك إلهاً. لكنه الإيمان أن هناك إلهاً بغض النظر عن الدليل المطروح. فمصطلح «ليكن لك إيمان» في المعنى المسيحي معناه «آمن أن هناك إلهاً دون إشارة للدليل.»(١٣)

أغلقتُ الكتاب، ونظرتُ إلى كريج متسائلاً: «كيف ترى هذا التفاعل بين الإيمان والعقل؟ هل الاثنان متعارضان كما يؤكد على ذلك النقاد؟»

فبدأ كريج بتعريف: «الإيمان هو الثقة أو التكريس لما تعتقد أنه حقيقي.» فأسباب اعتبار الإنسان صحة المسيحية يمكن أن تختلف من فرد لآخر. فبالنسبة للواحد ربما يكون السبب هو أن الله يتحدث إلى قلبه ويؤكد في داخله إقناعاً أن هذا حقيقي. وأنا أؤمن بالتأكيد بصحة هذا.

«ومع ذلك فبالنسبة لآخر، ربما يكون استكشافاً معرفياً عملياً للدليل المؤدي به إلى نفس الخاتمة. ولكن كلاهما لا يأتي إلى الإيمان حتى يقوما بفعل الثقة أو التكريس لما يظناه حقيقياً. عندما تفهم الإيمان في ظل هذه التصنيفات، يمكنك أن تفهم أنه منسجماً تماماً مع العقل.»

عندما طلبتُ من كريج أن يتوَّسع في شرحه، فكر للحظاتٍ ثم قدَّم تفسيراً من خبرته الشخصية. بدأ قائلاً: «كانت لديَّ جراحة زرع أعضاء في القرنية منذ فترةٍ ما، وبينما فارقتْ الكلمات لسانه، ضحكَ. وقد بدتْ مشكلةٌ طبية أخرى وكأنها «ارتشاف حبات الدواء»، في ضوء مناقشتنا السابقة حول صحته. هزَّ كريج كتفيه وقال ضاحكاً: «زوجتي تقول إنني كارثة طبية، ومع ذلك الإنسان الأوفر صحة التي تعرفه!

عموماً، قبل استعدادي للسماح بأي إنسانٍ لإجراء جراحة على عيني، قامت جان وأنا ببحثٍ شامل للعثور على أفضل جراح قرنية في البلاد. عملنا بحثاً، ونظرنا إلى الدليل، واتصلنا به، وتحدثنا معه، وأخيراً بعدما اقتنعنا على أساس الدليل أنه الأفضل، وثقتُ به وسمحتُ له بإجراء الجراحة على عيني. كان إيماني أو ثقتي به مؤسس على الدليل الجيد الذي كان لديّ بالنسبة لمؤهلاته ومصداقيته.

بنفس الحال — وفيما يتعلق بالإيمان بالله أو بالمعجزات — فإن كثيراً من الناس يقومون بالثقة أو التكريس بعدما يكونوا قد اقتنعوا بدليل صحة المسيحية. وليس كل إنسان يسلك هذا الطريق، لكن هناك أناسٌ بالطبع يفعلون ذلك. وهذا مدخل منطقي عقلاني يستخدم العقل أكثر مما ينفيه.»

لقد فتح موضوع الدليل الباب لموضوعٍ جوهري كان بحاجة لاستكشافه. فوقتاً بعد الآخر، أشار كريج إلى حقيقة أن الله موجود، ومن هنا يكون من المعقول أن نؤمن أن المعجزة ممكنة. وبينما يُشكَّل هذا الأمر معنى، فبالنسبة لكثيرين يتوقف على علامة «لو» كبيرة جداً.

تساءلتُ: «ما الدليل التأكيدي الذي يُقنعك أن مثل عمل المعجزات هذا موجود؟ أيمكنك أن يُقدَّم لي بعض الأسباب المقنعة للإيمان بخالق إلهي وبصحة المسيحية؟»

كان كريج يومئ طوال فترة السؤال. وأجابني قائلاً: «في العام 1986 سمعتُ محاضرة قدم فيها ألفين بلانتنجا 24 سبباً للإيمان بالله. وهو الفيلسوف المسيحي البارز اليوم، وقد كان عرضاً مدهشاً لحجج إيمانية.(١٤)

نظرتُ في ساعتي واقترحتُ قائلاً: «ماذا عن إعلان خمس حجج رئيسية؟»

فقال: «حسناً، سأُناقش مجموعة من الحجج المؤيدة لله والتي تُدَّعم وتؤكد كل واحدة.»(١٥)

رفع كريج أكمام قميصه، واستقر في كرسيه. وكمؤلف «وجود الله وبداية الكون»؛ والمؤلف المشترك ل«الإيمان، والإلحاد، وكوزمولوجيا الانفجار العظيم» الذي نشرته مطبعة جامعة أكسفورد، بدأ كريج حججه من حيث يتوقع المرء تماماً:

 السبب الأول: الله يَفْهمُ أصلِ الكونِ

قال كريج: «فلسفياً وعملياً، يمكنني أن أؤمن أن الكون والزمان نفسه كانت له بداية في نقطةٍ معينة في الماضي. ولكن بما أن شيئاً لا يمكنه أن يأتي من العدم، فلا بدَّ أن تكون هناك عَلة عليا خارج إطار المكان والزمان أظهرت الكون».

فتساءلتُ: «والكون ظهر بما سمى بما سُمى بالانفجار العظيم؟»

فقال: بالضبط، كما قال ستيفن هوكنج: «كل إنسان يؤمن الآن أن الكون والزمان نفسه، كانت لهما بداية في الانفجار العظيم» (١٦)

وهذا ما يشير إليه الدليل العلمي الساحق — إلى حدثٍ يرجع تاريخه إلى 4 مليار سنة مضت تقريباً. والآن يثير هذا مشكلةً رئيسية للمتشككين. يقول أنتوني كيني من جامعة أكسفورد: «إن مؤيد نظرية الانفجار العظيم، على الأقل لو كان ملحداً، لا بدَّ أن يؤمن أن … الكون قد جاء من العدم ومن خلال العدم.» (١٧)

فضحك كريج قائلاً: «بالطبع شئ قادم من العدم لا يُشكَّل معنى! لي Lee، لقد كنتَ تقتبس كلمات المتشكك الشهير ديفيد هيوم قليلاً في لقاءاتنا حسناً، فقد قال: «ولكن اسمحوا لي أن أخبركم أنني لم أؤكد أبداً على أي اقتراحٍ سخيف مثل أن أي شئ يمكنه أن ينشأ دون علة» (١٨)

«الملحدون يدركون هذا. فمثلاً قال أحد أشهر ملحدي الفلسفة المعاصرة — كاي نيلسن – ذات مرة: «افترض أنك سمعت فجأة ضجةً عالية … وسألتني: «ماذا سبَّب هذه الضجة؟»، فأجبتك: «لا شئ، لقد حدثتْ فحسب»، فلن تقبل مني هذا.» (١٩)

وهو على حقٍ تماماً. ولكن فكر في ذلك: لو كان لا بدَّ أن يكون هناك سبب لضجة بسيطة، ألا يكون من المعقول أيضاً أن يكون هناك سبب لانفجار عظيم؟»

كان هذا سؤالٌ يبدو أنه لا يحتاج إجابة. فسألته: «فكيف تلخص إذاً هذه الحجة المبدئية؟»

بينما جهز كل نقطة، بدأ كريج في عدها على إصبعه: «أولاً، كل شئ يبدأ أن يكون له علة. ثانياً، الكون بدأ أن يكون. وثالثاً: من هنا يكون الكون له علة. وهذا ما كتبه العالم الشهير سير آرثر أدينجتون: «البداية يبدو أنها تُقدَّم صعوبات لا تُقهر ما لم نتفق أن ننظر إليها كأنها بصراحة فوق الطبيعة.» (٢٠)

فقاطعته قائلاً: «حسناً، هذا يشير إلى خالق، ولكن هل تقول لنا الكثير عنه؟»

فأجابني: «نعم بالطبع. فنحن نعرف أن هذه العلة الفوق طبيعية لا بدَّ أن تكون كيان موجود بذاته، غير متغير أزلي، وغير مادي.»

ما أسباب استنتاجاتك؟»

«لا بدَّ أن يكون موجوداً بذاته لأننا نعرف أنه لا يمكن أن يوجد نُكوص مُطلق من العلل. ولا بدَّ أن يكون أزلياً ومن ثم غير متغير، على الأقل بدون الكون، لأنه كان خالق الزمان. وبالإضافة إلى ذلك لأنه أيضاً خلق المكان، فلا بدَّ أن يسمو فوق المكان، ومن هنا يصير غير مادي عن كونه مادي في الطبيعة.»

كان هناك سؤال واضح لا بدَّ من طرحه، فقلتُ: «لو كان لا بدَّ على كل إنسانٍ أن تكون لديه علة، فمن أو ماذا علَّلَ الله؟»

فأجابني كريج: «مهلاً، فأنا لم أقل إن كل شئ لا بدَّ أن تكون له علة، فالمقدمة المنطقية تقول إن كل ما يبدأ أن يكون لا بدَّ أن تكون له علة. وبأسلوبٍ آخر فإن «الوجود»، لا يمكنه أن يأتي من «عدم الوجود»، وحيث أن الله لم يبدأ أبداً أن يكون، فهو لا يتطلب علة. فالله لم يأتَ أبداً إلى الوجود.»

قلتُ له إن ذلك قد بدا بلا شك وكأنه يستثني الله بشكلٍ خاص.

فأجابني: «الملحدون بأنفسهم تعودوا أن يكونوا مكتفين تماماً بتقرير أن الكون أبدي قائم بذاته. والمشكلة أنهم لا يحملون فيما بعد هذا الوضع بسبب الدليل الحديث أن الكون قد بدأ بالانفجار العظيم. ومن هنا فهم لا يمكنهم الاعتراض شرعياً عندما أستخدمُ نفس الكلام حول الله — فالله أبديٌ قائم بذاته.»

السبب الثاني: الله يفهم تعقيد الكون

قال كريج: «في السنوات الخمس والثلاثية الأخيرة، ذهل العلماء لاكتشاف أن الانفجار العظيم لم يكن حدثاً بدائياً فوضوياً، بل بالأحرى حدثاً مرتباً بشكلٍ فائق الدقة حتى إنه تطلَّب قدراً هائلاً من المعلومات. في الواقع، منذ لحظة استهلاله، كان على الكون أن يكون متحولاً تماماًfine-tuned إلى دقةٍ غير مفهومة لوجود حياة كحياتنا نحن. وهذا يشير بطريقة مؤكدة جداً إلى وجود مصمم ذكي.»

فأشرتُ قائلاً: «إن مصطلح «متحولاً تماماً» مصطلح ذاتي يمكنه أن يعني كثيراً من الأشياء. فماذا تقصد به؟

فقال: «لأضع الأمر هكذا: علمياً، من المحتمل جداً أن يوجد كون معارضاً للحياة أكثر من كونٍ داعم للحياة. تُقاس في وضعٍ حساس للغاية.

وكمثالٍ، تلا كلمات هاوكنز، وقال كريج: «لقد حسب أنه لو كان معدل اتساع الكون بعد الانفجار العظيم بثانية واحدة أقل حتى من جزء واحد من مائة ألف مليون مليون، لكان الكون قد انهار إلى كرةٍ من نار.»(٢١)

وباختصار تقدم كريج لذكر قائمة من بعض الإحصائيات الأخرى المذهلة للعقل لتدعيم استنتاجه.(٢٢) ومنها:

■ استنتج الفيزيائي البريطاني ديفيز P.C.W Davies أن شواذ الظروف المبدئية المناسبة لتكوين النجوم — وهي ضرورية للكواكب ومن ثم الحياة — هي واحد متبوعة على الأقل بألف مليار مليار صفراً.(٢٣)

■ حسب ديفيز أيضاً أنه لو كانت شدة الجاذبية أو شدة القوة الضعيفة قد تغيرت بجزءٍ واحد فقط من عشرة متبوعة بمائة صفر، لما كانت الحياة قد تطورت تماماً.(٢٤)

■ هناك حوالي خمسين من الثوابت والكميات — مثلاً كمية الطاقة المستخدمة في الكون، غرق الكتلة بين البروتونات والنيوترونات، نسبة القوى الرئيسية في الطبيعة، ونسبة المادة بالنسبة للمادة — لا بدَّ أن تقاس على درجة دقيقة حسابياً لإمكان وجود أية حياة.(٢٥)

قال كريج: «كل هذا يُدَّعم باسهاب استنتاج أن هناك ذكاءً وراء الخلق. في الحقيقة، فإن التفسيرات البديلة لا تضيف جديداً.

فمثلاً هناك نظرية اسمها «الضرورة الطبيعية natural necessity» معناها وجود نظرية «كل شئ» Theory of Everything مجهولة تفسر نظام الكون. بأسلوبٍ آخر، هناك شئ في الطبيعة جعل من الضروري أن تظهر الأشياء بهذا الشكل.

ومع ذلك فإن هذا المفهوم يتهاوى عندما تدرسه بعمق. أولاً، أي من يدَّعي أن الكون لا بدَّ أن يكون شامخاً بالحياة يُقدَّم زعماً جذرياً يتطلب الدليل القوي، لكن هذا الدليل هو مجرد تأكيد. ثانياً، هناك أشكال أخرى للكون مختلفة عن أشكالنا نحن؛ فبالنسبة للكون لا بدَّ أنه كان مختلفاً. وثالثاً، حتى لو كانت قوانين الطبيعة ضرورية، فمازال عليك أن تكون لديك شروط مبدأية مُسلَّم بها في البداية يمكن أن تجري عليها هذه القوانين.»

لكن هذا لم يكن الدليل الممكن الوحيد. فسألته مقاطعاً لإثارة سيناريو مختلف بدا أنه معقولاً على السطح: «ماذا عن احتمالية أن التحول التام للكون هو نتيجة الصدفة البحتة؟» فربما يكون الأمر كله مجرد حادثاً كونياً كبيراً — أي مثلاً تدحرج هائل للنرد.»

فتنهد كريج قائلاً: «لي Lee، سأقولُ لك هذا: إن الدقة رائعة تماماً، مثيرة للغاية حسابياً، لدرجة إنه من الحماقة الواضحة أن تفكر أن الأمر كان حادثٌ. وخاصة لأننا لا نتكلم عن الشواذ البسيطة فحسب، بل عما يدعوه واضعو النظريات «الاحتمال المحدد، الذي يستثني الصدفة خارج إطار الشك المعقول».

لم أكن مستعداً لترك اختيار الصدفة. فتساءلتُ: «وماذا لو كان هناك عددٌ غير محدود من الأكوان الأخرى الموجودة بعيداً عن كوننا؟ حينها ستكون الشواذ أن أحداً منهم ستكون له الشروط الصحيحة لتدعيم الحياة — وهذا هو الواحد الذي نجد فيه أنفسنا الآن.»

كان كريج قد سمع هذه النظرية من قبل فقال: «هذه تدعي فرضية العوالم الكثيرة The Many World Hypothesis . لقد تحدث هاوكنغ عن هذا المفهوم. وهنا تكمن المشكلة: فهذه الأكوان النظرية الأخرى غير متاحة لنا؛ ومن ثم فليس هناك طريق ممكن لتقديم أي دليلٍ بصحة ذلك. إنها مجرد مفهوم، فكرة، بولكينجهورن دعا ذلك علماً زائفاً، وتخميناً ميتافيزيقياً.»(٢٦)

«فكر في هذا: لو كان هذا حقيقياً، لجعل السلوك العقلاني للحياة مستحيلاً لأنك يمكنك أن تُفسَّرَ أي شئ — مهما كان غير محتمل — بافتراض رقم لا محدود من الأكوان الأخرى.»

لم أكن أتبع تماماً ذلك الإتجاه من التفكير، فتساءلتُ: «ماذا تقصد بذلك؟»

«مثلاً؟ لو كنتَ توزع الأوراق في لعبة البوكر، وكلما وزعتَ لنفسك أربعة آسات، لا يمكن أن تُتهم بالغش، مهما كانت عدم احتمالية الموقف.

يمكنك فقط أن تشير إلى أنه في مجموعة غير محدودة من الأكوان سيحدث كوناً كلما يوزع فيه إنسان الأوراق، فإنه يوزع لنفسه أربعة آسات ومن ثم — فيا لحظي! — فأنا أتمنى أن أكون في ذاك الكون!

«أُنظر، هذه ميتافيزيقا خالصة. ليس هناك سبباً حقيقياً للإيمان بوجود مثل هذه العوامل المتوازنة. فحقيقة أن المتشككين عليهم أن يطلعوا بمثل هذه النظرية الغريبة هي أن التحول التام للكون يشير بقوة إلى مصمم ذكي — وأن بعض الناس سيفترضون أي شئٍ لتجنب الوصول لذلك الاستنتاج».

عرفتُ أن توازن الكون الدقيق بشكلٍ مدهش هذا كان أحد العوامل الرئيسية التي قادت باتريك جلين – الذي تعلم في هارفارد، والمدير المساعد، والباحث المقيم في معهد جامعة جورج واشنطن لدراسات سياسة التواصل – لترك الإلحاد إلى المسيحية. ففي كتابه «الله: الدليل God: The Evidence ، يفند تلك النظريات البديلة الأخرى كميكانيكات الكم و «الأكوان الصغيرةbaby universes » متقدماً إلى هذا الاستنتاج:

إن البيانات الملموسة اليوم تشير بقوة في إتجاه فرضية الله … فأولئك الذين يرغبون معارضتها ليست لديهم نظرية قابلة للاختبار لتنظيمها، بل مجرد تخمينات عن أكوانٍ أخرى نابعة من الخيال العلمي المثمر … والمثير للسخرية، فإن صورة الكون المُهداة لنا من علم القرن العشرين الأكثر تقدماً أقرب في الروح من الصورة المقدَّمة في سفر التكوين من أي شئٍ آخر قدَّمه لنا العلم منذ كوبرنيكوس.(٢٧)

السبب الثالث: الله يفهم القيم الأخلاقية الموضوعية

لخص كريج نقطته التالية ببلاغة في البداية: «العامل الثالث الذي يشير إلى الله هو وجود القيم الأخلاقية الموضوعية في الكون. لو كان الله غير موجود، فلا وجود إذاً للقيم الأخلاقية الموضوعية». وقد أثار ذلك بالطبع سؤالٍ ماذا يقصد بالقيم «الموضوعية». كان كريج سريعاً لإضافة كلا من التعريف والتفسير.

شرح قائلاً: «القيم الأخلاقية الموضوعية صالحة ومتماسكة بشكلٍ مستقل سواء آمن بها أو لا. مثلاً، أن تشير إلى الهولوكوست باعتبارها خطأ موضوعياً هو أن تقول إنه كان من الخطأ حتى لو كان النازيون يعتقدون أنهم على حق. ويمكن أن يستمر الأمر خاطئاً حتى لو كان النازيون قد ربحوا الحرب العالمية الثانية، ونجحوا في غسل عقول أو إبادة كل من كان يعارضهم. والآن، لو كان الله غير موجود، تكون القيم الأخلاقية موضوعية لهذه الطريقة».

كنتُ أهز رأسي، فتعجبتُ قائلاً: «مهلاً، لو كنتَ تقول إن الملحد لا يمكن أن تكون لديه القيم الأخلاقية أو يحيا حياةً أخلاقية أساساً، فأنا لدي مشكلة بخصوص ذلك.

لديَّ صديقٌ ملحد لا يؤمن بالله، وهو إنسانٌ رقيق ومهتم ككثير من المسيحيين الذين أعرفهم.

«لا، أنا لا أقول إن الإنسان لا بدَّ أن يؤمن بالله كي يحيا حياة أخلاقية. لكن السؤال هو: «لو لم يكن الله موجوداً، فهل تكون القيم الأخلاقية الموضوعية موجودة؟ والإجابة هي: لا».

«لماذا لا؟»

«لأنه إن لم يكن هناك الله، تكون القيم الأخلاقية مجرد نتاج التطور البيولوجي الاجتماعي. وفي الحقيقة هذا ما يعتقده كثير من الملحدين. فطبقاً للفيلسوف مايكل روز: «الأخلاقية هي توافق بيولوجي ليس أقل من أيادٍ وأرجلٍ وأسنان. والأخلاقية هي مجرد وسيلة للنجاة والتوالد … وأي معنى أعمق هو معنى وهمي.»(٢٨)

«وإن لم يكن هناك الله، تكون الأخلاقية مجرد مسألة تذوق شخصي، قريبة من جمل مثل «القرنبيط مذاقه جيد». حسناً، فهو مذاقه جيد بالنسبة للبعض، لكنه ردئ بالنسبة للبعض الآخر.

ليس هناك أي حقٍ موضوعي بخصوص ذلك، لكنه مسألة تذوق شخصية. وللتعبير عن أن قتل الأطفال الأبرياء خطأ، يجب أن يكون مجرد تعبير عن الذوق قائلين: «لا أحب قتل الأطفال الأبرياء».

مثل روز، والملحد برتراند رسل، لا أرى أي سببٍ يدعوني للتفكير أنه في غياب الله، تكون الأخلاقية التي وضعها الإنسان موضوعية. عموماً، لو لم يكن الله موجوداً، فماذا سيكون الأمر المثير حول البشر؟ إنهم مجرد نتاجات ثانوية عرضية من الطبيعة تطورت مؤخراً على بقعة ضيقة من التراب المفقود في مكانٍ ما في كونٍ غبي، ومحكوم عليه بالفناء إلى الأبد في فترةٍ قصيرة نسبياً من الوقت.

من وجهى النظر الإلحادية، فإن بعض الأفعال، كالاغتصاب يمكنها ألا تكون مفيدة اجتماعياً، ومن ثم صارت ممنوعة في مجرى التطور البشري. ولكن هذا لا يبرهن أن الاغتصاب خطأ حقاً. ففي الحقيقة من المتصور أن الاغتصاب كان من الممكن أن يتطور كشئ ضروري لبقاء الأنواع. وبهذا، بدون الله لا يوجد صواب وخطأ مُطلق بفرض نفسه على ضمائرنا.

ومع ذلك، فكلنا يعرف تماماً أن القيم الأخلاقية موجودة حقاً. فكل مما علينا لرؤية ذلك هو أن نسأل أنفسنا ببساطة: «هل تعذيب طفل من أجل المتعة هو عمل محايد أخلاقياً حقاً؟ يقيني أنك ستقول: «لا؛ فهذا عمل غير محايد أخلاقياً، فمن الخطأ حقاً أن تفعل ذلك». وسوف تقول ذلك في إدراكٍ كامل لنظرية تطور دارون وبقية ذلك.

هناك تفسيرٌ جيد لهذا، وهو خطاب لجمع تبرعات أرسله في العام 1991 جون هيلي — المدير التنفيذي لمنظمة العفو الدولية قال فيه: «أكتبُ لكم اليوم لأنني أعتقد أنكم ستشاركوني إيماني العميق أن هناك بالحقيقة بعض الحقائق الأخلاقية المطلقة. عندما يصل الأمر إلى التعذيب، إلى القتل الذي تعاقب عليه الحكومة، إلى الاختفاءات، … فهذه تعديات ضد كل منا.»(٢٩)

«إن أفعالاً كالاغتصاب وسوء استغلال الطفل ليست مجرد سلوكيات تحدث حتى لا تُقبل اجتماعياً — لكنها رجاسات أخلاقية بصورةٍ واضحة. فهي خاطئة موضوعياً. ومثل هذه الأمور كالحب، والمساواة، والتضحية بالذات مميزة حقاً بمعنى موضوعي. ونحن جميعاً نعرف هذه الأمور بشكلٍ عميق.

«وحيث أن هذه القيم الأخلاقية الموضوعية لا يمكنها أن توجد بدون الله، وهي أصلاً موجودة دون جدالٍ، يكون من المنطقي والبديهي أن الله موجود.»

السبب الرابع: الله يفهم القيامة

مع هذه النقطة، قال كريج إنه سيضبط جلسته قليلاً. قال: «لقد كنا نقول إنه لو لدينا أسبابٌ مقنعة للإيمان بالله، يمكننا أن نؤمن بالمعجزات. كنتُ أقدم أسباباً تؤيد وجود الله. لكن المعجزات نفسها يمثلها أن تكون جزءاً من الراحة المتزايدة بالنسبة لله.

هذا حقيقي بالنسبة للقيامة، على سبيل المثال، فلو كان يسوع الناصري قد عاد حقاً من الموت، تكون لدينا معجزة إلهية بين أيادينا، وبهذا يكون لدينا الدليل لوجود الله.»

طلبتُ من كريج أن يلخص لماذا يؤمن بالبرهان التاريخي المؤدي لذلك الاستنتاج، وصممتُ قائلاً: «ولكن لا تفترض أن العهد الجديد هو كلمة الله الموحي بها. فوافق أن تعتبر إجابته أن العهد الجديد مجرد مجموعة من وثائق القرن الأول اليونانية التي يمكن إخضاعها للتحليل كأية سجلاتٍ قديمة أخرى.

بدأ كريج: «هناك على الأقل أربع حقائق على مصير يسوع مقبولة على نطاقٍ واسع من قَبل مؤرخي العهد الجديد من قطاعٍ عريض. الحقيقة الأولى هي أنه بعد صلب يسوع، دفنه يوسف الرامي في مقبرة. هذا أمر مهم لأن معناه أن مكان القبر كان يعرفه اليهود والمسيحيون والرومان على حدٍ سواء». فسألته: «ما دليل ذلك؟»

«دفن يسوع مُسّجل في البيانات القديمة جداً لدرجة أن بولس قد ذكره في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس.(٣٠) وهذه المعلومات يمكن أن يرجع تاريخها إلى حوالي خمس سنوات بعد موت يسوع، لذلك لم تكن أسطورية. والأهم هو أن قصة الدفن جزء من مادة قديمة جداً استخدمها مرقس في كتابة إنجيله، وقصته تفتقد علامات التطور الأسطوري. ليست هناك تتبعات لأية قصة دفن منافسة. والأهم هو أنه سيكون أمراً متعذر تفسيره لأي إنسانٍ أن يُقرَّر قرار يوسف الرامي، حيث كان عضواً في السنهدريم الذي أدان يسوع.

«الحقيقة الثانية هي أنه في الأحد بعد الصليب، وُجدَ قبر يسوع فارغاً من قَبَلْ مجموعة من النساء التابعات. وهذا ما أكده تقرير بولس المُبكَّرَ إلى الكورنثيين الذي يتضمن القبر الفارغ، وأكدته مادة مرقس الأصلية القديمة جداً. وهكذا يكون لدينا البرهان المستقل المبكر.

«ولدينا المزيد أيضاً. فعلى سبيل المثال، قصة القبر الفارغ تفتقر علامات الزخرفة الأسطورية، وأول استجابة يهودية معروفة لإعلان قيامة يسوع تفترض مسبقاً أن قبره كان فارغاً. بالإضافة إلى ذلك، فإنه مُسجل أن النسوة قد اكتشفن القبر فارغاً. والآن، فإن شهادة النسوة قد اُعتبرت غير موثوقٍ بها تماماً لدرجة إنهن لم يكن يمكنهن الشهادة في المحاكم اليهودية. والسبب الوحيد لتضمن التفاصيل المثيرة للغاية أن النسوة قد اكتشفن القبر الفارغ هو أن كُتَّاب الأناجيل كانوا يسجلون بأمانة ما حدث بالفعل.

الحقيقة الثالثة هي أنه في مناسباتٍ عدة وتحت ظروفٍ متنوعة، اختبر أفراد مختلفون ومجموعات من الناس ظهورات يسوع حياً من الموت. وهذا مُعترف به على نطاقٍ كوني من قَبل دارسي العهد الجديد لعدة أسباب.

«فمثلاً قائمة شهود عيان قيامة يسوع التي أهداها بولس إلى الكورنثيين تضمن أن مثل هذه الظهورات قد حدثت. ومع تقديم التاريخ المبكر للبيانات، وتعارف بولس الشخصي مع الأشخاص المشتركين، لا يمكن اعتبار ذلك أسطورياً.

«وأيضاً يقدم رواة الظهور في الأناجيل براهين متعددة مستقلة عن الظهورات. فحتى ناقد العهد الجديد المتشكك جيرد لودمان استنتج قائلاً: «يمكن أن يكون من المؤكد تاريخياً أن بطرس والتلاميذ كانت لديهم اختبارات بعد موت يسوع ظهر لهم فيها يسوع كالمسيح القائم.»(٣١)

«الحقيقة الرابعة هي أن التلاميذ الأصليين آمنوا فجأة وبإخلاصٍ أن يسوع قد قام من الأموات رغم ميلهم السابق لعكس ذلك. لقد أعاقتْ المعتقدات اليهودية قيام أي إنسانٍ من الأموات قبل القيامة العامة في نهاية العالم. ومع ذلك، فإن التلاميذ الأصليين قد آمنوا فجأة وبمنتهى القوة أن الله قد أقام يسوع حتى صاروا مستعدين أن يموتوا دفاعاً عن هذا الإيمان. قال دارس العهد الجديد لوقا جونسون: «لا بدَّ من الاختبار التحولي القوي لإنتاج ذاك النوع من الحركة التي كانت عليها المسيحية المبكرة»(٣٢)

فقلتُ: «حسناً إذاً، في رأيك ما هو أفضل شرح لهذه الحقائق الأربع؟»

فأجابني: «بصراحة، لا يوجد بالقطع تفسيرً طبيعيً مناسبً. فجميع النظريات القديمة مثل «التلاميذ سرقوا الجسد»، أو «يسوع لم يكن ميتاً حقاً»، قد رفضتها الثقافة الحديثة رفضاً عالمياً.

«شخصياً، أعتقدُ أن أفضل شرح هو نفس الذي قدَّمه شهود العيان:  أن الله قد أقام يسوع كن الأموات. في الواقع، هذه الفرضية تجتاز بسهولة ستة اختبارات يستخدمها المؤرخون لتحديد ما هو أفضل تفسير لأمرٍ معين من الحقائق التاريخية».(٣٣)

السبب الخامس: الله يمكنه أن يُختبر على الفور

قال كريج إن هذه النقطة الأخيرة لم تكن بمثابة حُجة دامغة لوجود الله، «بل بالأحرى الدليل الذي يمكنك أن تعرف به أن الله موجودٌ تماماً بعيداً عن الحجج كونك تملك اختباراً فورياً عنه.

ويطلق الفلاسفة على ذلك «إيمان أساسي خالص».

نظر كريج إلىَّ مباشرة وقال: «لي Lee، دعني أشرح هذا المفهوم بسؤال: «هل تؤمن بوجود العالم الخارجي؟»

أدهشني هذا السؤال، وفكرتُ فيه للحظات، ولم أستطع أن أخرج بسياق منطقي من الحجج يمكنها أن تؤسس إجابة لا جدال فيها. فأعلنتُ قائلاً: «لستُ متأكداً كيف أتيقن من ذلك.»

فأجابني: «هذا صحيح. فإيمانك بحقيقة العالم الخارجي أساسي بدقة، فلا يمكنك أن تبرهن أن العالم الخارجي موجود. ورغم ذلك يمكنك أن تكون عقلاً في وعاءٍ يُعالَج بالأقطاب الكهربائية من قَبل عالم مجنون حتى إنك تعتقد أنك ترى عالماً خارجياً، لكنك ستكون مجنوناً إن أعتقدتَ بذلك. وهكذا فإن الاعتقاد الأساسي الدقيق بالعالم الخارجي هو اعتقاد عقلاني تماماً. وبكلماتٍ أخرى نقول إنه متأصل بصورة ملائمة في اختبارنا.

«بنفس الطريقة، في سياق خبرة فورية عن الله، يكون من العقلانية أن نؤمن بالله بأسلوبٍ أساسي دقيق. وقد اجتزتُ مثل هذا الاختبار. فالله غزا حياتي بينما كنتُ في السادسة عشرة من عمري، ولمدة أكثر من 30 عاماً سلكتُ معه يوماً فيوماً، عاماً فعاماً، كحقيقةٍ حية في اختباري.

«في غياب الحُجج القوية المؤيدة للإلحاد، يبدو لي أنه من العقلانية تماماً أن أستمر في الإيمان بحقيقة هذا الاختبار: فعذع هي الطريقة التي عرف بها الناس الله أيام الكتاب المقدس. وهذا ما كتبه جون هيك John Hick: «بالنسبة لهم، لم يكن الله افتراضاً يُكمّل القياس المنطقي، أو فكرة يتبناها العقل، بل الحقيقة المُختبرة التي أعطت المعنى لحياتهم.»(٣٤)

فقاطعته قائلاً: «ولكن ماذا لو قال ملحد نفس الشئ — أن لديه إيماناً أساسياً بدقة، بغياب الله؟ فأنت ههنا في ورطة».

فأجاب كريج: «يقول الفيلسوف ويليام ألستون إنه في تلك الحالة، يجب على المسيحي أن يفعل كل ما هو معقول للعثور على الخلفية العامة — كالحقائق المنطقية أو التجريبية — لتوضح رؤية من هي الصحيحة بأسلوبٍ مباشر.(٣٥)

وهذا ما حاولتُ أن أفعله في هذه الحُجج الأربع الأخرى. فأنا أعرفُ أن الله موجود بطريقةٍ أساسية دقيقة، وقد حاولتُ أن أفصح أنه يوجد بالحقائق العامة للعلم والأخلاق والتاريخ والفلسفة.

فبتجميعها معاً تُشكَّل برهاناً قوياً مؤيداً الله وللمسيحية.»

طرقه على الباب

بينما كنتُ أُراقب كريج وهو يذكر أسباب إيمانه بالله، لاحظتُ أنه أظهر ثقةً هادئة فيما كان يقوله. قبل أن ينتهي، أردتُ أن استكشف أعناق ما كان ينتج ذاك الاقتناع.

فتساءلتُ: «فيما تجلس هنا الآن، متعمقاً في نفسك، هل تعرف سبب صحة المسيحية؟»

فأجابني بلا تردد: «نعم»

«كيف تتأكد؟»

«إن الطريقة التي يعرف بها المسيحي أن المسيحية حقيقية هي من خلال شهادة النفس الأصلية عن روح الله. فالروح القدس يهمس لأرواحنا أننا ننتمي إلى الله.(٣٦) وهذا أحد أدواره. والأدلة الأخرى — رغم أنها لا تزال صالحة — إلا أنها تأكيدية أساساً».

فكر كريج للحظات ثم تساءل: «أنت تعرف بيتر جرانت، أليس كذلك؟» فأجبته بالإيجاب، حيث كنتُ صديقاً لقس أتلانتا. فقال كريج: «حسناً، لقد طلع علينا بتفسيرٍ رائع عن كيف يعمل هذا.

«لنقل إنك ذاهب إلى المكتب لرؤية ما إذا كان رئيسك موجوداً. ترى سيارته في ساحة الانتظار. وتسأل السكرتيرة ما إذا كان بالداخل، فتقول لك: «نعم، لقد تحدثتُ معه للتو. ترى النور من تحت باب مكتبه. وتسمع صوته في الهاتف. فعلى أساس كل هذه الأدلة، تكون لديك أساسيات جيدة لاستنتاج أن رئيسك داخل مكتبه.

«ولكن يمكنك عمل شئ مختلف تماماً. يمكنك أن تذهب إلى الباب وتطرق عليه وتقابل رئيسك وجهاً لوجه. في هذه النقطة، تكون أدلة وجود السيارة في ساحة الانتظار، وشهادة السكرتيرة، والنور المنطلق من تحت الباب، والصوت المسموع في الهاتف — وكل الأدلة التي لا زالت صالحة — لها دور ثانويً لأنك الآن قد تقابلتَ مع الرئيس وجهاً لوجه.

«وبنفس الطريقة، عندما قابلنا الله — لنفترض — وجهاً لوجه، فإن كل الحجج والأدلة لوجوده — رغم أنها ما زالت صالحة تماماً — يكون لها دورً ثانويً. لقد صارت الآن مؤكدة لما أظهره الله بنفسه لنا بطريقةٍ فوق طبيعة — من خلال شهادة الروح القدس في قلوبنا.»

«وهذا الاختبار الفوري لله متاح لكل من يطلبه؟»

«بالطبع، فالكتاب المقدس يقول إن الله يقرع على باب حياتنا ولو فتحنا له سنقابله وسنختبره سخصياً. يقول في (رؤيا 3 : 20) «هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي.»

نظر كريج إلى الكاسيت الذي كان يُسجّل حوارنا، وقال في الختام: «لقد تحدثنا كثيراً عن المعجزات اليوم. وليس من المبالغة أن أقول إن معرفة الله شخصياً ورؤيته وهو يغير الحياة هي أعظم المعجزات على الإطلاق.»

مددتُ يدي وأطفأتُ االتسجيل فبسبب اختباري الشخصي عن الله بعد سنواتٍ من الحياة في مستنقع اللاأخلاقية كملحد، عرفتُ أنه كان على حق.

فمن خلال كيف حوَّل الله حياتي، واتجاهاتي، وعلاقاتي، ودوافعي، وزواجي، وأولوياتي بحضوره المستمر الواقعي جداً في حياتي، أدركتُ في تلك اللحظة أن المعجزات كالمن من السماء، والميلاد العُذري، والقيامة تبقى في النهاية بمثابة لعبة طفلٍ بالنسبة لإلهٍ مثل هذا.

مشاورات

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

■ بعد قراءة هذا اللقاء، هل تؤمن أن المعجزات ممكنة؟ ماذا سيُقنعك أن شيئاً إعجازياً قد حدث؟ هل تؤمن أن برهان التاريخ يُدَّعم أن قيادة يسوع المعجزية قد حدثت فعلاً؟ لماذا، أو لماذا لا؟

■ أي من حُجج كريج لوجود الله كانت الأكثر إقناعاً لك؟ لماذا؟ هل هذه النقاط الخمس مجتمعةً تُقنعك أنه من العقلاني أن تؤمن بوجود إله صانع معجزات؟ لو كان لا، فكيف تعتبر أيضاً هذه التطبيقات الخمسة من البراهين؟

■ صلى كريج لله كي يشفي حالته المرضية، لكنه لم يشفيه. ماذا تعتقد في رد فعله تجاه ذلك؟ هل صليتَ إلى الله أن يتدَّخل بمعجزة في حياتك؟ ماذا حدث؟ كيف أثر ذلك في إتجاهك نحو الله؟ بأية طريقة كانت استجابة كريج لموقفه مشجعة أو غير مشجعة بالنسبة لك؟

لمزيد من الأدلة

مصادر أخرى حول هذا الموضوع

  • William Lane Craig. “The Problem of Miracles.” In Reasonable Faith, 127-155. Wheaton, III.: Crossway, 1994.
  • R. Douglas Geivett and Gray R. Habermas, eds. In Defense of Miracles. Downers Grove, III.: Intervarsity Press, 1997.
  • C. S. Lewis. Miracles: A Preliminary Study. New York: Macmillan, 1947.
  • J. A. Cover. “Miracles and Christian Theism.” In Reason for the Hope Within, ed. Michael J. Murray, 345-374.

Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1999.

Norman L. Geisler. Miracles and the Modern Mind.

Grand Rapids, Mich.: Baker, 1992.

  1. Richard Dawkins, «Snake Oil and Holy Water. » Avail­able: forbes.com/asap/99/1004/235.htm [1999, Nov. 19].
  2. Douglas Geivett and Gary R. Habermas, In Defense of Miracles (Downers Grove, 111.: Intervarsity Press, 1997), 280.
  3. Charles Templeton, Farewell to Cod, 21.
  4. Quoted in: Nicky Gumble, Searching Issues (East­bourne, East Sussex, UK.: Kingsway Publications, 1994), 99.
  5. «Interviews» Available at: pbs.org/faithandreason [1999, Nov. 21]
  6. Dale and Sandy Larsen, Seven Myths about Christi­anity (Downers Grove, 111.: InterVarsity Press, 1996), 86.
  7. Michael Ruse, Darwinism Defended (London: Ad­dison; Wesley, 1982), 322.
  8. See: William Dembski, The Design Inference (Cambridge: Cambridge University Press, 1998); Michael Behe, Darwin’s Black Box (New York: The Fress Press, 1996); and William Dembski and Michael Behe, Intelligent Design (Downers Grove, 111.: Inter Varsity Press, 1999).
  9. Rudolf Bultmann, Jesus (Berlin, 1926), 159.
  10. George H. Smith, Atheism: The Case against God, 215.
  11. Archibald Robertson, The Origins of Christianity (New York: International Publishers, 1954), 82, quoted in: George H. Smith, Atheism: The Case against God, 216.
  12. Norman L. Geisler writes in Baker Encyclopedia of Christian Apologetics (Grand Rapids, Mich.: Baker Books, 1999), 512: «Most miracle claims for Muhammad do not occur in the Qur’an [or Koran], the only book in Islam for which divine inspiration is claimed…. The vast majority of alleged miracles are reported in the Hadith (Islamic tradition), considered by Muslims to contain many authentic traditions. There are hundreds of miracle stories in the Hadith. »
  13. Richard Robinson, «Religion and Reason» in Critiques of God, ed. Peter A. Angeles (Buffalo, N.Y.: Prometheus Books, 1997), 121.
  14. Alvin planting, «Two Dozen (or so) Theistic Argu­ments» Lecture presented at the 33d Annual Philoso­phy Conference, Wheaton College, Wheaton, Illinois, October 23-25, 1986.
  15. For a booklet summarizing Craig’s five reasons for believing God exists, see: William Lane Craig, God, Are You There? (Norcross, Ga.: Ravi Zacharias International Ministries, 1999).
  16. Stephen W. Hawking and Roger Penrose, the Nature of Space and Time (Princeton, N.J.: Princeton University Press. 1996), 20.
  17. Anthony Kenny, the Five Ways: St. Thomas Aquinas’ Proofs of God’s Existence (New York: Schocken Books, 1969), 66.
  18. David Hume to John Stewart, February, 1754, in the Letters of David Hume, ed. J. Y. T. Greig (Oxford: Clarendon Press, 1932), vol. I, 187.
  19. Kai Nielsen, Reason and Practice (New York: Harper & Row, 1971), 48.
  20. Arthur Eddington, the Expanding Universe (New York: Macmillan, 1933), 124.
  21. Stephen W. Hawking, a Brief History of Time (New York: Bantam Books, 1988), 123.
  22. For a list of examples, see: John Leslie, Universes (London: Routledge, 1989).
  23. C. W. Davies, Other Worlds (London: Dent, 1980), 160-61.
  24. Ibid, 168-69.
  25. For example, see: P. C. W. Davies, «The Anthropic Principle» in Particle and Nuclear Physics 10 (1983), 28; and Patrick Glynn, God: The Evidence, 29-31.
  26. John Polkinghorne, Serious Talk: Science and Reli­gion in Dialogue (London: Trinity Press International, 1995), 6.
  27. Patrick Glynn, God: The Evidence, 53-54, 26.
  28. Michael Ruse, «Evolutionary Theory and Christian Ethics» in the Darwinian Paradigm (London: Routledge, 1989), 262, 269.
  29. John Healey, fund-raising letter, 1991.
  30. See Corinthians 1(15: 4)
  31. Gerd Ludemann, What Really Happened to Jesus? Trans. John Bowden (Louisville, Ky.: Westminster John Knox Press, 1995), 8.
  32. Luke Timothy Johnson, the Real Jesus (San Francisco: Harper San Francisco, 1996), 136.
  33. For a list of these historical tests, see: c. Behan Mccullagli, Justifying Historical Descriptions (Cambridge: Cambridge University Press, 1984), 19. To see how the Resurrection meets these criteria, see: William Lane Craig, God, Are You There? 46-47.
  34. John Hick, Introduction, in The Existence of God, ed. with an Introduction by John Hick, Problems of Philosophy Series (New York: Macmillan, 1964), 13-14.
  35. See: William Alston, «Religious Diversity and Perceptual Knowledge of God» in Faith and Philosophy 5 (1988), 433-48.
  36. Romans 8:16: «The Spirit himself testifies with our spirit that we are God’s children. »

بما أن المعجزات تعارض العلم، فلا يمكن أن تكون حقيقية – لي ستروبل

فيلم القضية المسيح نحو إيمان معرفي، مناقشة عديد من القضايا التي تخص المسيح – لي ستروبل

فيلم القضية المسيح نحو إيمان معرفي، مناقشة عديد من القضايا التي تخص المسيح – لي ستروبل

فيلم القضية المسيح نحو إيمان معرفي، مناقشة عديد من القضايا التي تخص المسيح – لي ستروبل

فيلم القضية المسيح نحو إيمان معرفي، مناقشة عديد من القضايا التي تخص المسيح – لي ستروبل

أسئلة صعبة عن المسيح | لى ستروبيل lee Strobel

أسئلة صعبة عن المسيح | لى ستروبيل  lee Strobel

أسئلة صعبة عن المسيح | لى ستروبيل  lee Strobel

أسئلة صعبة عن المسيح | لى ستروبيل lee Strobel

مع بداية الالفية الجديدة قام مذيع قناة “الاى بى سى ” بيتر جينّنغز Peter Jennings بإشعال غضب الامة عندما قام ببث برنامج تلفزيوني يعنى ‘حسب زعمه ‘ بمسالة “البحث عن يسوع” ومن البداية. خفض المعايير بقوله “لا نستطيع ان نخبركم ما إذا كان يسوع هو ابن الله فذلك امر يتعلق بإيمانكم الشخصي ” ومن ثم راح يقدم عقائد لاهوتي الجناح الايسر والتي مفادها ان الكتاب المقدس هو احجية مليئة بالتناقضات. وان جنديا رومانيا هو. على الارجح. من تسبب بحبل مريم وان يسوع لم يولد حقيقي في بيت لحم. وان شفاءاته حصلت نتيجة عوامل نفسية بحتة. ولم يقم قط من بين الاموات. هذا العرض المنحاز والذي يفتقر الى المنطق السليم. لا عجب ان تعرض لانتقاد واسع النطاق.

  فى أحد المشاهد الاولى لهذا البرنامج. نرى جيننغز يتخيل بشأن احدى الصخور. التي كان قد عثر عليها علماء الاثار فيما لو كانت هي نفسها الصخرة التي استندت اليها العذراء الحامل كي تستريح في اثناء رحلتها. وحيث ان ايجاد الدلائل اللازمة لبرهان فرضية كهذه امر عسير. اضاف “نرى من خلال هذا كم يصعب على الصحافي ان ينقل الخبر الصحيح ” فما اراد هذا المذيع قوله هو ان ايجاد الدلائل لجوانب من حياة يسوع هي اهم بكثير من هذا كقائمته مثلا الامر المبنى على التخمين ليس الا.

لقد خاب ظني من جراء تقرير جينغننز هذا وخصوصا بعد ان كنت انا نفسي قد اجريت بحثا دام سنتين للحصول على ادلة تخص يسوع. ما يجمعني بجيننغز هو انى صحافي ايضا مثله. بعد تدربي في جامعة ميسوري Missouri للصحافة وجامعة ييل للحقوق. اصبحت اشغل منصب محرر الشؤون القانونية للنشرة “منبر شيكاغو” the Chicago tribune وكنت آنذاك ملحدا عنيدا ومتصلبا وفي عام 1980جاء اعتناق زوجتي المسيحية ليحثني ان ابدا بحثا شخصيا حول مصداقية هذا الايمان. ولكن ما يميزني عن جيننغز هو إنني قرات وتعمقت في العديد من الآراء في شخص يسوع والصادرة عن مراجع مختصة سعيت لان ابحث الامر في العمق غير مكتف بظواهر الامور بل بانيا على الاساس المتين للحقائق التاريخية كانت النتيجة ان خلاصاتي جاءت مختلفة تمام الاختلاف عن خلاصاته.

 

بينما رأى جيننغز فرقا واسعا بين يسوع الذي يخبر عنه التاريخ والمسيح الذي ينبغي الايمان به. اصبحت انا مقتنعا -رغما عنى حينها- بانهما بالفعل واحد ولا يختلفان اطلاقا حقا ان الدلائل على قيامة يسوع كانت قوية جدا لدرجة شعرت معها بانه لم يعد أمامي سوى خيار   التسليم بصحة حصولها واعتبارها البرهان الحاسم   والقاطع على ادعاء يسوع بالألوهة وهكذا بعد ان اصبحت محصورا بين هذه الحقائق التاريخية تبت عن خطيتي واخذت المسيح مخلصا وقائدا لحياتي في الثامن من تشرين الثاني 1981. اعتقدت ان هذه الخطوة ستكون نهاية الرحلة فنفاجات بانها لم تكن سوى الخطوة الاولى لمغامرتي كأحد اتباع يسوع هذه المغامرة الرائعة التي تحبس أنفاسي.

خدمتي اليوم. تتطلب ان اسافر حول العالم لمقابلة العديد من الساخرين والمشككين والباحثين الذين لدى العديد منهم معلومات خاطئة عن يسوع ويعود ذلك الى جهود اعضاء حلقة الدراسة حول يسوع او “سمينار يسوع “Jesus seminar المتطرفة والهادفة الى نشر افكارها المشككة بين عامة الشعب حيث الغالبية غير مؤهلة لتقييم هذه الافكار.

ان عدد المنتسبين من عامة الشعب الى حلقات الدراسة هذه من تنظيم واعداد “سمينار يسوع ” في ازدياد متأثرين بالتعاليم وغير مدركين ان هذه الحلقات اسسها عدد ضئيل جدا من علماء العهد الجديد وأنها مهد لشكوك واهنة وخلص المنتسبون الى اعتبار ان قادة حلقات الدراسة هذه (والتي تدعم مصداقية اقوال يسوع وتنكر معجزات)

مع من يشابههم في التفكير من أكاديميين يمثلون المراجع اللاهوتية “الحقيقة” التي تتعامل مع الحقائق التي لا جدال حولها فيما هم يرفضون اولئك الذين يتخذون منهجا أكثر تحفظا متهمين اياهم بنشر الاشاعات الكاذبة والداعية الى الايمان الخيالي.

السؤال الجوهري الذي طرحه يسوع على تلاميذه “من تقولون انى انا ” (متى 16:15) لا يزال يتردد صداه عبر التاريخ متحديا كل فرد ليختار شخصيا ما إذا كان يسوع هو مجرد انسان. كما هو مقترح في تقرير جيننغز او كونه ابن الله الفريد. كما يؤكد ذلك الايمان المسيحي القديم عبر القرون. وبدل ان اتبنى. دون سابق تفكير اراء حركة التنوير في تمييزها الزائف بين يسوع الايمان ويسوع الحقائق. استنجت ان حقائق التاريخ ذاتها هي التي تشير بقوة الى منطقية الايمان بألوهة المسيح. وبينما اسعى دائما الى تبيان حقيقة شخص المسيح للمشككين من خلال مواجهاتي اليومية لهم او من خلال عظاتي الكنسية المهيأة للباحثين عن الحق الروحي. أجد نفسي الجأ باستمرار الى استخدام الدلائل الخمسة نفسها والتي تشكل خطة متماسكة ومقنعة للدفاع عن الايمان المسيحي كل واحد من هذه الدلائل يجيب عن سؤال معين يظهر على لسان المشككين او يرتسم في ذهن اولئك الباحثين عما إذا كانت المسيحية تستطيع ام لا الصمود في وجه الفحص المنطقي الدقيق لها هذه الادلة تتناول اولا المسالة الحيوية. التي تتعلق بمدى صحة الوثائق التي تسرد سيرة حياة يسوع ومدى امكانية الوثوق بهذه المصادر.

 

 

-هل يمكن الوثوق بالمصادر المتعلقة بحياة يسوع؟    

كان جيننغز في برنامجه التلفزيوني قد سارع بقبول اراء المشككين الليبراليين في اناجيل متى. مرقس. لوقا. يوحنا وهي الاناجيل التي تسرد حياة يسوع وتعاليمه ومعجزاته وموته وقيامته. قال” قد أخبرنا الباحثون منذ القدم انهم لا يتبنون حرفيا كل ما يقرأونه في العهد الجديد. لان في العهد الجديد أربع روايات مختلفة وفي بعض الاحيان متناقضة. عن حياة يسوع.”

ويتابع فيقول “ما من مصدر موثوق به يخبرنا عن هوية الكتاب الحقيقية هناك شبه اجماع على انهم لم يكونوا شهود عيان فبالحقيقة كانت الاناجيل قد كتبت على الارجح بعد موت يسوع بفترة زمنية تراوحت بين الاربعين و المئة سنة ” لا بّد للمشككين ان يسعوا لدحض مصداقية الكتاب المقدس سعيا منهم لرفض ما تعلمه هذه الاناجيل بوضوح عن ان يسوع هو ابن الله الوحيد  لكن هناك دراسات ممتازة تركز على مدى دقة الرواية التي تقدمها الاناجيل و موثوقيتها  بيتر ستلماخر Peter Stuhlmacher البروفيسور المتقاعد في كلية اللاهوت البروتستانتية في توبنجن صرح لمجلة “التايم”time magazine  في مقالة عن هوية يسوع “ان النصوص الكتابية الحالية التي بين ايدينا تبقى الفرضية الفضلى لحد الان لتفسير حقيقة ما حصل “

كريغ بلومبرغ استاذ مادة العهد الجديد في معهد اللاهوت في دانفر ومؤلف Craig Blomberg كتاب “المصداقية التاريخية للأناجيل” the historical reliability of the gospels اعترف صراحة بان الاناجيل مجهولة الهوية من حيث الكاتب. غير انه عاد وشدد على ان الكنيسة الاولى بالأجماع شهدت بان متى جابي الضرائب وأحد الرسل الاثني عشر هو كاتب الانجيل الاول في العهد الجديد كما ان يوحنا مرقس وهو أحد مرافقي التلميذ بطرس كتب الانجيل المعروف لدينا بإنجيل مرقس. ولوقا المعروف بانه “الطبيب الحبيب” لدى بولس كتب انجيل لوقا وسفر اعمال الرسل.

وفى حين لا شك في اسم كاتب الانجيل الرابع وهو بالتأكيد يوحنا غير ان السؤال المطروح هو ما إذا كان هذا يوحنا الرسول ام يوحنا اخر غير ان بلومبرغ قال انه مقتنع “بأن الغالبية العظمى من هذا الانجيل تنسب الى هذا الرسول ” مع امكانية وجود شخص مقرب الى يوحنا قام بدور المحرر واضعا الآيات الاخيرة في مكانها الصحيح وجاعلا الوثيقة بأكملها ذات تناغم في الاسلوب.”

وشدد على ان هذا الانجيل في أي حدث يسرده “مبنى وبشكل واضح على مواد استقاها شهود عيان. كما هي حال الاناجيل الثلاثة الاخرى.” تم حسم مسألة هوية مؤلفي انجيلا مرقس و متى .من قبل بابياس سنة 125 م papias ومن ثم عاد وثبت ذلك اريانوس سنة 180م.

نشر متى انجيله بين اليهود في لغتهم الام. بينما كان بطرس وبولس يبشران بالإنجيل في روما. ويؤسسان الكنيسة هناك ثم بعد رحيلهما قام مرقس وهو تلميذ بطرس ومفسره الخاص. بنفسه بكتابة فحوى تعاليم بطرس. لوقا وهو أحد اتباع بولس دون في كتاب الانجيل الذي كان يعلمه إياه استاذه ثم يوحنا تلميذ الرب يسوع الذي اتكأ على صدره قام هو نفسه وكتب انجيله بينما كان يعيش في أفسس في اسيا.

 

والجدير ذكره كما لاحظ بلومبرغ انه لا توجد دلائل من القرن الأول على أي شكل من اشكال التشكيك في هوية الذين كتبوا الاناجيل بل في الواقع. لو كان هناك الكتاب من نسج خيال أحد المضللين لكان استعان بالحري بأسماء رسل اخرين أكثر بروزا مثل بطرس او يعقوب لدعم مصداقية الكتابات بدلا من ان ينسب الاناجيل الى مرقس ولوقا اللذين لم يكونا حتى من الرسل الاثني عشر ناهيك بان متى هو جابي ضرائب سابق ومكروه

 

الاناجيل المكملة الزور التي غالبا ما تلصق بالأناجيل. ومفادها انها تشهد تناقضا فيما بينها قد جرى تناولها بشكل وافر جدا في العديد من الكتب.” وفي الحقيقة ان الاناجيل بعيده كل البعد عن كونها متناقضة وهي بوضوح متممة بعضها بعض ” هذا ما قاله هناك هانيغراف أحد أعضاء مجمع الأبحاث المسيحية ثم يضيف ” أكد هذه الحقيقة الكثير من علماء الكتاب المقدس والنقاد عبر العصور لو ان جميع كتاب الاناجيل قالوا الأشياء نفسها بالأسلوب نفسه لكان من العدل في هذه الحال اتهامهم بالتورط في عملية تامر “

عالم الدفاعيات المسيحية نورمان جايزلر رئيس معهد اللاهوت الإنجيلي الجنوبي قام بجمع ثماني مئة مما يزعم بانها تناقضات في الانجيل “كل ما يمكنني قوله من خلال خبرتي هو انه عندما يرفع المشككون هذه الاعتراضات فهم بذلك ينتهكون لا محالة احدى القواعد السبعة عشر لتفسير الكتاب المقدس ” هذا ما ادلى به أمامي في مقابلة معه.

مثلا لمجرد ان الاناجيل تسرد الاحداث من وجهة نظر مختلفة لا يعنى انه يتعذر التوفيق فيما بينهما البشير متى ذكر ان ملاكا واحدا كان حاضرا عند قبر يسوع بينما صرح يوحنا بوجود ملاكين غير ان جايزلر يوضح قائلا “البشير متى لم يقل انه كان هناك ملاك واحد فقط ويوحنا كان يعطى المزيد من التفاصيل عندما قال انهما كانا ملاكين 

سايمون غرينليف من جامعة هارفارد للحقوق والذي يعد أعظم خبير في الأدلة القانونية في القرن التاسع عشر وبعد تفحصه مدى ما تشهده الاناجيل الأربعة من تماسك وتناغم توصل الى النتيجة التالية “هناك فوارق كافية بين الاناجيل تبين عدم إمكانية وجود اتفاق مسبق بين الكتاب وفي الوقت نفسه يوجد انسجام جوهري يظهر انهم جميعا كانوا رواة مستقلين في سرد الواقعة العظيمة ذاتها “

دلائل علم الاثار:

ان علم الاثار أيضا يؤيد مصداقية العهد الجديد  فمرة تلو المرة عندما تتاح فرصة لتفحص  بعض تفاصيل العهد الجديد  التي تظهر بشكل عرضي يبرز مدى دقتها .فمثلا .يوحنا 1:5 /15 يصف كيف ان يسوع قام بشفاء مريض عند بركة بيت حسدا التي يصورها يوحنا لنا مع اروقتها الخمسة عالم الاثار جون ماكراي  قال انه لطالما استشهد المشككون  بهذه المعلومة كدليل  على عدم دقة يوحنا في سرد الحقائق لأنه لم يكن قد تم العثور على مكان كهذا و لكن في وقت لاحق جرى اكتشاف هذه البركة  من طريق الحفر ووجد العلماء الاروقة او الشرفات الخمس  مع عواميدها تماما كما وصفها يوحنا .

 

لوقا. وهو كاتب ما يقارب ربع العهد الجديد. اعتبر مؤخرا ذا دقة عالية حتى في ادق التفاصيل وقد قام أحد العلماء الاثار بدراسة ما كتبه لوقا عن اثنين وثلاثين بلداً بالإضافة الى أربع وخمسين مدينة وتسع جزر من دون ان يجد خطا واحد ” ان ما يتفق عليه العلماء الليبراليون والمحافظون على حد سواء. هو ان لوقا مؤرخ في غاية الدقة “هذا ما قاله ماكراي.

كل هذا يوجهنا الى السؤال الهام التالي: ان كان كتاب العهد الجديد في غاية الحرص على التزام اقصى درجات الدقة في سرد حتى التفاصيل الثانوية افليس من الجدير القول انهم كانوا حريصين بنفس المقدار او ربما أكثر لدى سردهما لأحداث الفائقة الأهمية كمعجزات يسوع مثلا او تعاليمه او ما يتعلق بموته وقيامته؟

 

استنتج عالم الاثار الأسترالي كليفورد ولسون قائلا: “أولئك الذين يعرفون الحقائق يدركون الان انه لابد من قبول العهد الجديد لكونه مصدرا بالغ الدقة”.

تاريخ الاناجيل المبكر يعتمد النقاد أيضا وسيلة أخرى للتشكيك في الاناجيل. مستعينين هذه المرة بالنظرية القائلة. ان الاناجيل قد كتبت بعد زمن طويل على حصول الاحداث التي تسردها. مما أدى الى تسلل الاساطير والرؤى الشخصية اليها. هذه العوامل التي افسدت الرواية الاصلية انه لمن المؤكد ان من يرفضون كل ما هو خارق للطبيعة. يجدون أنفسهم مضطرين الى نقل التاريخ كتابة الاناجيل الى ما بعد سقوط اورشليم في السنة السبعين ميلادية. هذا لأنهم لا يؤمنون بقدرة يسوع على التنبؤ بمثل هذا الحدث    كما فعل في متى 24. مرقس 13. ولوقا 21. وحتى بيتر جيننغز سعى لتاريخ الاناجيل بعد حياة يسوع بفترة تراوح بين الأربعين والمئة سنة. غير انه توجد دلائل صلبة على ان الاناجيل كانت قد كتبت في وقت أقرب بكثير الى حادثة صلب يسوع “التي وقعت على الأرجح في عام 33″ في هذه الحال. لا يعود بإمكان الاساطير ان تغزو الاناجيل. محولة إياها الى مصدر غير جدير بالثقة.

 

يشير كريغ بلومبرج الى زمن كتابة الاناجيل بحسب عرف الليبراليين أنفسهم هذا حصل خلال فترة ما من السبعينيات للقرن الأول بالنسبة الى مرقس والثمانينيات بالنسبة الى كل من متى ولوقا والتسعينيات بالنسبة الى يوحنا ثم علق على هذا بالقول ” فان هذه التواريخ لا تزال تقع ضمن فترات التي عاش فيها العديد من شهود العيان لحياة يسوع. بمن فيهم أولئك العاديين له واللذين كان من شانهم التدخل لتصحيح اية تعاليم مغلوطة كانت تنتشر عن يسوع.”

 

ومع ذلك. فان بلومبرغ الى جانب العديد من خبراء العهد الجديد الاخرين. يؤمنون بوجود أسباب وجيهة تدعو الى تأريخ الاناجيل في وقت أبكر من ذلك. عالم الدفاعيات البارز   جى. بى. مورلاند وهو أستاذ في كلية تالبوت للعلوم اللاهوتية. يعرض أسبابا عدة وحججا دامغة لصالح تأريخ سفر اعمال الرسل بين العمين 62 و64 من الحقبة الميلادية. مثلا سفر اعمال الرسل لا يذكر عدة احداث بارزة من المؤكد انه كان ليذكرها لو انه كتب بعد حدوثها وهذه تشمل سقوط اورشليم في 70 ميلادية. اضطهاد نيرون للمسيحين في منتصف الستينات من القرن الأول استشهاد يعقوب 61 وبول س64 وبطرس 65 وحرب اليهود ضد الرومان ابتداء من 66 م وما بعد الى ذلك فان العديد من العبارات المستخدمة في سفر الاعمال هي عبارات بدائية بحتة. تعود الى عصر مبكر كما ان هذا السفر يعالج أمورا كانت في غاية الأهمية قبل سقوط اورشليم.

 

بما ان سفر اعمال الرسل هو الجزء الثاني من كتابات لوقا فهذا يعنى انه من الضروري ان يكون انجيل لوقا قد كتب قبل أوائل الستينات من القرن الأول. او خلال فترة الثلاثين سنة التالية لحياة يسوع. وبما ان لوقا كان قد استمد بعضا من معلوماته من انجيل مرقس قد كتب في وقت أبكر من ذلك. وقد توصل مورلاند الى الاستخلاص التالي ” ان صورة يسوع كما تظهر في الاناجيل الازائية (متى. لوقا. مرقس). لا تبعد عن زمن وقوع الاحداث عينها سوى فترة وجيزة تراوح بين الاثنتي عشرة والعشرين سنة فقط كما ان هذه الاناجيل تتضمن مصادر تعود الى زمن أبكر من ذلك بعد”. بالإضافة الى ذلك. فان العهد الجديد يشمل رسائل الرسول بولس. والتي يرجع تاريخها الى عام 49 ميلادي والذي يعد ومنا باكرا جدا. ان نظرته الرفيعة الشأن الى شخص المسيحي اعتباره ان يسوع هو الله وانه رب السماء والأرض لم تتطور تدريجيا عبر كتاباته المتعاقبة إذا ” لابد ان يكون جزء كبير منها قد اكتمل قبل البدء برحلاته التبشيرية العظيمة أي. مع حلول سنة 48 م. ” حسب قول مورلاند وأضاف ان بولس يدرج في كتابته بعضا من العقائد والتراتيل التي يعود زمنها الى ما قبل تاريخ كتاباته. والتي “تعرض صورة عن يسوع الاله وصانع العجائب الذي قام من بين الأموات “.

 

خلص مورلاند الى القول “باختصار. ان الفكرة عن يسوع الاله بالكامل. صانع عجائب والذي قام من بين الأموات كانت راسخة في الاذهان خلال العقد الأول من المسيحية هذه النظرة لم تكن اسطورة ظهرت بعد مرور عقود عدة على صلب يسوع ” بل كانت جلية في القرن الأول للمسيحية ” ويضيف ان كتابات بولس في رسالته الى اهل غلاطية. حيث يصف لقاءه مع الرسل في اورشليم جاءت لتؤكد صحة رسالته المتعلقة بألوهة المسيح الى جانب   عقيدة مبكرة جدا عن القيامة موجودة في 1كورنثوس 15 هذان الامران يبرهنان معا ان ” الايمان بيسوع الاله المقام من بين الأموات كان رائجا بعد سنوات قليلة فقط على موته” ما ذكر سابقا. يزداد الأهمية في ضوء الدراسة التي قام بها أي ان شيروين وايت. وهو عالم تاريخ محترم ومختص في الحقبة الاغريقية الرومانية من جامعة اوكسفورد هذه الدراسة تثبت ان مرور جيلين على احداث معينة هو وقت غير كاف لنشوء اسطورة من شانها محو حقائق تاريخية صلبه خصوصا في العصور القديمة. وفى ما يتعلق بقضية يسوع فأننا نملك معلومات موثقة عن الوهيته وقيامته تقع بكل تأكيد ضمن هذه الفترة الزمنية

اجتياز امتحان المخطوطات

الى ذلك. فان وفرة ادلة المخطوطات على كتابات العهد الجديد. تعطينا ثقة بان هذه التي بين أيدينا قد نقلت الينا بدقة عبر التاريخ. لقد اكتشف علماء الاثار ما يفوق الخمسة الاف المخطوطة الاثرية يونانية للعهد الجديد تتضمن أجزاء قديمة جدا ترجع الى القرن الثاني الميلادي. مع إضافة المخطوطات اللاتينية وغيرها اليها فان عدد المخطوطات الموجودة للكتاب المقدس. يصبح مجموعه أربعة وعشرين الفا. بعد العهد الجديد. تبقى ملحمة الالياذة لهوميروس الكتابة الوحيدة القديمة التي تنعم بقسم وافر من المخطوطات لا ان عدد المخطوطات لهذه الملحمة هو اقل من ستمئة وخمسين مخطوطة كما يرجع تاريخها الى أكثر من ألف عام على كتابة النص الأصلي 

” المدة الزمنية الفاصلة ما بين تأليف الكتاب و تاريخ اقدم مخطوطة اصلية له. لم تكن في أي وقت من الأوقات قصيرة كما هي الحال مع كتابات العهد الجديد “. هذا هما قاله السير فريدريك كينون المدير السابق للمتحف البريطاني ومؤلف كتاب “دراسة المخطوطات الاغريقية القديمة “.

“الأساس الأخير للتشكيك في ان الكتاب المقدس قد وصل الينا كما كتب يكون بذلك قد ازيل “.

 

نظرا للأهمية الأساسية للعهد الجديد فقد خصصت سنتين من تفحصي للأيمان المسيحي لتحليل مصداقيته. وذلك عندما كنت مشككا. وقد اخضعت الاناجيل لامتحانات ثمانية كانت تواجهنا لو مثلت امام القضاء: اختبار النية. القدرة. اختبار الشخصية.  اخبار مدى التماسك. اختبار مدى الانحياز اختبار التغطية. اختبار التوثيق. واختبار الشاهد المعاكس. وكل ذلك لأقرر ما كانت هذه الاناجيل جديرة بالثقة ام لا. وكان قراري بان مصداقيتها تفوق أي شك.

 

 هل ادعى يسوع يوما انه الله؟

غالبا ما استمع الى الاعتراض التالي: يسوع لم يدع يوما بانه ابن الله. بل ان هذا الاعتقاد فرض على التقليد المختص بيسوع من قبل بعض اتباعه من ذوي الحماسة الزائدة. وذلك بعد سنوات عدة على موته. فيسوع الحقيق لم يعتبر نفسه أكثر من مجرد معلم. رجل حكيم. وخطيب ثائر يحرك الشارع. بكلمة أخرى. أي شيء اخر ماعدا الله او على الأقل هذا ما يدعيه النقاد ولكن ليس هذا ما تشير اليه الأدلة بوضوح لقد اختصر اللاهوتي الأسكتلندي ايتش. ار ماكنتوش هذه الحقيقة بقوله “ان وعى يسوع لحقيقة ذاته …هو أعظم واقع في التاريخ.”

كيفن فانهوزر الأستاذ الباحث في علم اللاهوت الانجيلية الثالوث. يشرح هذا الموضوع بالطريقة التالية “لقد كان يسوع يعي انه ابن الله المحبوب. والمختار من الله ليحقق ملكوت الله وغفران الخطايا لذلك ينبغي ان يتفق فهمنا لهوية يسوع مع نظرته الشخصية الى نفسه. فان لم نعترف بان يسوع هو المسيح المرسل فأما ان يكون هو مضللا بشأن هويته. واما ان نكون نحن المضللين عنها.”

هنالك على الأقل عشرة براهين على أن يسوع كان مدركا لحقيقة انه ابن الله الوحيد. اولا كان عندنا الطريقة التي بها كان يشير الى نفسه فما من دارس متخصص يشكك في ان يسوع غالبا ما كان يشير الى نفسه بعبارة “ابن الانسان “. والتي استخدمها أكثر من ثماني وأربعين مرة. ولا سيما في انجيل مرقس. الذي يعتبر بشكل عام انه أقدم الاناجيل. وفى حين أخطأ يجمع الدارسون على ان هذا التعبير يرجع بنا الى سفر دانيال 13:7 و14. حيث يدخل ابن الانسان الى المحضر “الله القدير” بعد ان اعطى ” سلطانا ومجدا وملكوتا “. وتتعبد له ” كل الشعوب ” وسلطانه ابدى لا يزول” يطل علينا ابن الانسان كشخصية الهية في سفر دانيال في العهد القديم. وهو من سياتي في نهاية الازمان ليدين الجنس البشرى ويحكم الى الابد “. هذا ما قاله عالم اللاهوت والفيلسوف وليم لين كريغ. “لذلك فان ادعاءه بانه ابن الانسان. هو في الواقع ادعاء الالوهة “

ويضيف فانهوزر معلومة إضافية ملهمة “ان ما يدعو للعجب في استخدام يسوع لهذا اللقب …هو انه لم يقتصر على ربطه بفكرة المجد العتيد فحسب. بل ربطه أيضا بفكرة الام والموت. وبهذا كان يسوع يلقن تلاميذه درسا جديدا عن المسيح المنتظر. وهو. ان المه سوف يسبق مجده (مثلا. لوقا 22:9)

ثانيا: يشير فانهوزر الى ان يسوع ادعى الوهيته عندما استخدم التعبيرين “انا كائن ” و “انا هو ” في معرض الكلام عن نفسه. لقد أعلن مرة. “الحق الحق أقول لكم قبل ان يكون إبراهيم انا كائن “(يوحنا 58″8). ان هذه الإشارة الواضحة الى الكلمات التي سمعها موسى من الله عبر العليقة المشتعلة كانت اعلانا صريحا عن مساواته مع الله. ما دفع السامعين الى رفع الحجارة ليرجموه بتهمة التجديف.

ثالثا: لقد ادعى يسوع الالوهة عندما غفر خطايا المفلوج في انجيل مرقس والاصحاح الثاني. “ان الشخص الوحيد الذي يملك السلطان على قول شيء كهذا بفعالية هو الله نفسه لان الخطية. و ان كانت موجهة ضد اخرين من الناس فهي أولا و قبل كل شيء تحد لله ولوصاياه ” كما قال اللاهوتى دى. اى .كارسون.

رابعا ان الطريقة التي بها اختار يسوع تلاميذه تنم عن ادعاء بالتعالي. حسب رأى بن وذرنغتون الثالث مؤلف كتاب “كريستولوجية يسوع ” (التعليل اللاهوتي لشخص المسيح) ويسال “ان كان الاثنا عشر يمثلون إسرائيل المتجددة.

فما هو موقع يسوع؟ ليس هو جزاء من إسرائيل فحسب. وليس مجرد فرد من المجموعة المخلصة. انما هو من يشكل هذه المجموعة. تماما كما فعل الله في العهد القديم عندما قام بتشكيل شعب إسرائيل المؤلف من أثني عشر سبطا ففي هذا تلميح الى يسوع بذاته “

 

التلميح الخامس: إلى الطريقة التي بها كان يسوع ينظر إلى ذاته. ينبع من أسلوب تعليمه: “كان يسوع يصدر تعاليمه بعبارة الحق الحق أقول لكم التي هي بمثابة القول: “اقسم مسبقا ان ما سوف أقوله لكم هو الحقيقة. ان هذه الطريقة في الكلام كانت طريقة ثورية في المطلق ” هذا ما قاله وذرنغتون. ويشرح هذا بقوله:

في الديانة اليهودية. انت بحاجة الى شهادة اثنين…ولكن يسوع كان يشهد بنفسه عن صدق أقواله. وبدلا من ان يبنى تعاليمه على سلطان الاخرين فقد تكلم بسلطان نفسه هنا شخص يعتبر نفسه ذل سلطان يفوق سلطان انبياء العهد القديم كان يؤمن بانه لا يمتلك الوحي الإلهي وحسب كما كان الحال مع الملك داود بل يمتلك أيضا سلطانا الهيا وقوة للنطق مباشرة بعبارات الهية.

سادسا: لقد استخدم يسوع التعبير الأرامي أبا أي “ابى العزيز”

وذلك في إطار ارتباطه بالله هذا يعكس علاقة حميمة لم تكن مألوفة في اليهودية القديمة.  حيث كان اليهود الاتقياء يتجنبون استخدام اسم الجلالة الشخصي مباشرة خوفا من ان يخطئوا في لفظه وقد علق الدكتور وذرنغتون على ذلك بما يلي:

ان أهمية عبارة أبا تكمن في كون يسوع هو الذي ابتكر علاقة حميمية لم تكن متوافرة سابقا ويبقى السؤال: من هو الشخص الذي يتجرأ على أبت كار علاقة ميثاق جديد بالله؟

وبذلك فان يسوع يقول انه عبر تكوين علاقة شخصية به فقط يصبح بمقدورنا استخدام لغة الصلاة هذه مع التمتع بدالة “الاب” الرائعة مع الله. هذا الامر يعبق بالمعاني عما كان يسوع يعتبر نفسه.

 

المؤشر السابع: الى حقيقة وعى يسوع ذاته. يمكن لمسه من خلال مقابلته بعد قيامته مع التلميذ توما. كما هو مذكور في انجيل يوحنا 20 فتوما .و ردا على  دعوة يسوع له بان  يتحقق  من دلائل قيامته من الموت قال في العدد 28 :”ربى و اللهي” كان رد يسوع ذات دلالة .لو لم يكن يسوع الله لكان يعد من قمة الهرطقة ان يتقبل تعبد توما له و لكنه بدلا من ان ينتهره  قال له في العدد 29 “لأنك رأيتني يا توما امنت طوبى للذين امنوا و لم يروا “ان تقبل يسوع لتعبد توما له  كان دليل واضح على انه كان يؤمن بأنه هو الله و بالتالي مستحق كل هذا الاجلال  و بصورة مشابهة  عندما أجاب سمعان بطرس على سؤال يسوع “من يقول الناس انى انا ؟” بقوله: “نت هو المسيح ابن الله الحي ” لم يأت رد يسوع ردا مصححا لقول بطرس بل تأكيدا على ان مصدر علمه هذا هو من عند الاب ذاته (انظر متى 16:15-17).

ثامنا: لقد كان يسوع يعي تماما حقيقة ان مصير الناس الأبدي متعلق بما إذا كانوا سيؤمنون به ام لا لذلك صرح في يوحنا   “ان لم تؤمنوا انى انا هو تموتون في خطاياكم “

8:24 هذا الى جانب قوله في لوقا 8:12-9″وأقول لكم: كل من اعترف بي قدام الناس يعترف به ابن الانسان قدام ملائكة الله. ومن انكرني قدام الناس ينكر قدام ملائكة الله “

وقد أوضح وليم لين كريغ مضمون هذه العبارة على الشكل التالي: “حذار من الخطأ لو لم يكن يسوع هو ابن الله الإلهي لكان هذا مجرد ادعاء متغطرس مثير للاعتراض ذلك لان يسوع يقول هنا ان خلاص الناس يعتمد على اعترافهم بيسوع بالذات يمكننا ان نجد اعلانا صريحا اخر للألوهة كهذا في يوحنا 10:30 عندما أعلن يسوع بصراحة تامة “انا والاب واحد” ما من شك ان السامعين فهموا ان يسوع كان يعتبر انه متساو مع الله في الجوهر لذلك ومن دون تردد. امسكوا حجارة ليرجموه “لأجل تجديف. فإنك وانت انسان تجعل نفسك الها “(عدد 33)

والاعتبار العاشر: الذي لابد من ذكره في معرض تقييمنا لنظرة يسوع الى هويته هو معجزاته والتي سيتم مناقشتها في الفصل التالي. لقد أكد يسوع على ان اعماله هي علامة على مجيء ملكوت الله “ان كنت بأصبع الله اخرج الشياطين فقد اقبل عليكم ملكوت الله “

هذا القول استوقف بن وذرنغتون فعلى الرغم من ان اخرين في الكتاب المقدس كانوا قد صنعوا المعجزات فان هذه العبارة التي تفوه بها يسوع تظهر انه لم ير نفسه على انه مجرد صانع معجزات ليس الا “نه يرى نفسه على انه ذاك الذى به و من خلاله تتحقق وعود الله هو ادعاء صريح له بتساميه “. قال الدارس البريطاني جيمس دى.جى.دان

“بغض النظر عما حصل فعلاً فمن الواضح ان يسوع كان مؤمنا بانه شفى حالات من العمى و العرج و الصمم حقا ما من سبب يدعونا الى التشكيك  في انه كان مؤمنا بأن البرص  قد طهروا و أمواتا قد قاموا خلال سنوات خدمته “

 

اتمام صفات الله

بالطبع .يمكن لأى شخص  أن  يؤمن بأنه هو الله .يسوع لم يعتبر نفسه انه ابن الله فحسب و لكنه تمم الصفات التي  تعود لله وحده  ان الاصحاح الثاني من رسالة فيلبى  يصف كيف ان يسوع قد اخلى نفسه من استقلاليته في استخدام صفاته  عندما تجسد و هي ظاهرة تعرف  ب”كينوسز” هذا يفسر لماذا لم يختر دائما ان يظهر “صفاته المطلقة” كعلمة المطلق  و قدرته المطلقة و حضوره المطلق  خلال وجوده على الأرض  و مع ذلك فان العهد الجديد يؤكد على أن كل هذه الصفات   كانت تصح فيه  مثلا :أكد يوحنا عن المسيح في يوحنا 30:16 قائلا:” الان نعلم انك عالم بكل شيء ” و هذا ما يعرف بالكلى المعرفة و في متى 20:28 يقول يسوع :” و ها انا  معكم كل الأيام الى انقضاء الدهر ” و في هذا إشارة الى الكلى الوجود و قد اعلن أيضا: “دفع الى كل سلطان في السماء و على الأرض “(متى 28:18) .و هذا ما كان يعرف بالكلى القدرة .

حقا نقرا في كولوسي 9:2 “فانه فيه (أي في المسيح ) يحل كل ملء اللاهوت جسديا ” أزليته مؤكدة في يوحنا 1:1 حيث الكلام عن يسوع جاء على النحو التالي  “في البدء كان الكلمة و الكلمة كان عند الله و كان الكلمة الله ” كما ان عدم قابليته للتغيير او التحول ظاهرة في الرسالة الى العبرانيين 8:13 ” يسوع المسيح هو هو امسا و اليوم و الى الابد ” و عصمته عن الخطية واضحة في يوحنا 8:29 “والذى  أرسلني  هو معي  و لم يتركني الاب  وحدى  لأنى في كل  حين افعل ما يرضيه ” و في عبرانيين 1:3 الإعلان أن يسوع هو  “بهاء مجده (الله) و رسم جوهره “

وتقول الرسالة الى اهل كولوسي 1:17 “وفيه يقوم الكل وفي متى 25:31-32 التأكيد على انه هو من سيقوم بدينونة العالم وفي عبرانيين 8:1 الاب بذاته يعلن ان يسوع هو الله.

في الواقع نجد ان الأسماء عينها التي استخدمت لرسم صورة عن الله في العد الجديد.

من كان يسوع يؤمن بأنه هو؟ في الكتاب “اساليب جديدة لفهم يسوع والاناجيل “يتوصل رويس غرونيلر وهو أستاذ مادة العهد الجديد في كلية اللاهوت غوردن كونويل الى الاستنتاج التالي “ان الحقيقة المدهشة التي توصلت اليها الدراسات الحديثة للعهد الجديد. هي ان الادلة الأساسية والضرورية لفهم وعى يسوع لذاته بشكل صحيح متوافرة بشكل كبير وواضح”

يسوع وبالإضافة الى ايمانه بانه هو الله قد قام ببرهان ذلك من خلال اعماله العجائبية وتحقيقه للنبوات التاريخية التي تتحدى جميع الفرضيات وأخيرا خلال قهره للقبر هذه هي المواضيع الثلاثة البالغة الأهمية التي سوف نتناولها في الفصل التالي.

 

اسئلة للتأمل والمناقشة:

  1. لقد سال يسوع تلاميذ “من تقولون انى انا هو؟ كيف تجيب انت عن هذا السؤال؟ ماهي الأدلة التي تستخدمها لدعم اجابتك؟
  2. برأيك ما هو الدليل الأكثر اقناعا على صحة الاناجيل؟ ولماذا؟
  3. ان كان أ يسوع يؤمن بأنه هو الله وبانه اتم صفاته فماذا يعنى ذلك أولا بالنسبة الى الديانات الاخر بالنسبة اليك شخصيا؟ اذكر ثلاثة انعكاسات لذلك.

 

  1. For a description of the specific evidence that convinced me of Jesus’ deity, see Lee Strobel, The Case for Christ (Grand Rapids: Zondervan, 1998), and Lee Strobel, The Case for Faith (Grand Rapids: Zondervan, 2000).
  2. For a more detailed discussion of their approach, see Michael J. Wilkins and J. P. Moreland, eds., Jesus under fire: Modern Scholarship Reinvents the Historical Jesus (Grand Rapids: Zondervan, 1995), especially chapters 1 and 5.
  3. For a brief history of the distinction between the Jesus of history and the Christ of faith, see Norman L. Geisler, Baker Encyclopedia of Christian Apologetics (Grand Rapids: Baker; 1999), 141-42.
  4. Richard N. Ostling, “Who was Jesus Christ?” Time 15 August 1988.
  5. Cited in Strobel, the Case for Christ, 22-25
  6. lrenaeus, Adversus haereses 3.3.4
  7. Hank Hanegraaff, “The Search for Jesus Hoax,” Christian Research Journal 23, no.2 (2001), 14.
  8. Cited in Strobel, The Case for Faith, 137, 139.
  9. Simon Greenleaf, The Testimony of the Evangelists (Grand Rapids: Baker, 1994), vii.
  10. See Strobel, The Case for Christ, 99.
  11. Norman Geisler and Thomas Howe, When Cristics Ask (Wheaton, lll.: Victor, 1992), 385.
  12. Cited in Strobel, The Case for Christ, 97.
  13. Clifford Wilson, Rocks, Relics, and Biblical Reliability (Grand Rapids: Zondervan, 1977), 120.
  14. Cited in Strobel, The Case for Christ, 33.
  15. J. P. Moreland, Scaling the Secular City (Grand Rapids: Baker, 1987),. 152-53.
  16. Moreland, Scaling the Secular City, 154.
  17. Moreland, Scaling the Secular City, 148.
  18. Moreland, Scaling the Secular City, 149. For examples of creeds and hymns, see Romans 1: 3-4; 1 Corinthians 11: 23-26; 15:3-8; Philippians 2:6-11; Colossians 1: 15-18; 1Timothy 3: 16; 2Timothy 2: 8.
  19. Moreland, Scaling the Secular City, 149.

. 20. See A. N. Sherwin-White, Roman Society and Roman law in the New Testament (Grand Rapids: Baker, 1978) 186-93.

  1. Frederic Kenyon, Handbook to the Textual Criticism of the New Testament (New York: Macmillan, 1912), 5.
  2. Frederic Kenyon, the Bible and Archaeology (New York: Harper 1940), 288.
  3. See Strobel, the Case for Christ, 38-54
  4. H. R. Macintosh, the Person of Jesus Christ (Edinburgh: T. & T. Clark, 1913), 2.
  5. Cited in John N. Akers, John H. Armstrong, and John D. Woodbridge, gen. eds., This We Believe (Grand Rapids: Zondervan, 2000),64.
  6. William Lane Craig, The Son Rises: Historical Evidence for the Resurrection of Jesus (Chicago: Moody Press, 1981), 140.
  7. Cited in Akers, Armstrong, and Woodbridge, This We Believe, 65.
  8. See Akers, Armstrong, and Woodbridge, This We Believe, 64.
  9. Cited in Strobel, The Case for Christ, 157.
  10. Strobel, the Case for Christ, 134.
  11. Strobel, the Case for Christ, 136.
  12. Strobel, the Case for Christ, 137.
  13. William Lane Craig, Reasonable Faith, rev. ed. (Wheaton, lll.: Crossway, 1994), 251.
  14. Cite in Strobel, The Case for Christ, and 135-36.
  15. James D. G. Dunn, Jesus and the Spirit (London: SCM Press, 1975), 60, cited in Craig, Reasonable Faith, 250.
  16. Royce Gruenler, New Approaches to Jesus and the Gospels (Grand Rapids: Baker, 1982), 74.

أسئلة صعبة عن العلم | ويلم لين كريج

أسئلة صعبة عن العلم | ويلم لين كريج

أسئلة صعبة عن العلم | ويلم لين كريج

بالعودة إلى العام 1896، أقدمرئيس جامعة كورنل Cornell University، أندرو دكسون وايت Andrew Dickson white على نشر كتاب تحت عنوان “تاريخ الحرب الدائرة بين العلم واللاهوت ضمن العالم المسيحي” A History of the warfare of science and theology in Christendom.1 ومنذ ذلك الحين، انتشر على نطاق واسع خلال النصف الأول من القرن العشرين، اعتماد الإستعارة “الحرب” في إطار وصف العلاقة ما بين العلم والإيمان المسيحي. وهكذا بات الرأي المهيمن ضمن مجتمعنا، حتى بين أوساط المسيحيين، أن العلم والمسيحية ليسا بحليفين في معرض البحث عن الحقيقة، بل يشكلان بالحري خصمين. لتوضيح هذا الأمر، كنت قد وافقت لسنوات خلت على المشاركة في حوار مع أحد فلاسفة العلم في جامعة سايمون فرايزر Simon Fraser في فانكوفر Vancouver، حول مسألة: “هل يعتبر كل من العلم والدين أن لا صلة لأحدهما بالآخر؟” لكن، لدى دخولي حرم الجامعة، وجدت كيف أن معشر التلامذة المسيحيين الراعين لهذا الحوار، كانوا قد روجوا له بواسطة أعلام وملصقات ضخمة تحمل العبارة “العلم مقابل المسيحية”. هؤلاء التلامذة المسيحيون، كانوا في الواقع يؤيدون هذا الصنف عينه من ذهنية الحرب التي كان أندرودكسون وايت قد أعلنها قبل قبل مئات السنين.

هل العلم والمسيحية حليفان أم خصمان؟

لكن، ما حصل في الواقع خلال النصف الثاني من القرن العشرين، هو أن مؤرخي وفلاسفة العلم، باتوا يُدركون كيف أن هذا التاريخ المفترض من الحرب، هو مجرد أسطورة. وكما يبين تشارلز ثاكستون Charles Thaxton مع نانسي بيرسي Nancy Pearcey في كتابهما “نفس العلم” The Soul of Science2 فإن العلاقة القائمة بين العلم والدين، أفضل ما يمكن وصفها هو بالتحالف، وذلك على طول الفترة التي زادت عن الثلاث مئة سنة، والممتدة بين نشوء العلم الحديث في القرن السادس عشر وأواخر القرن التاسع عشر. والآن بات يُعتبر كتاب وايت white كدُعابة سيئة، وكدعاية مشوهة منحازة إلى جانب واحد. ولا يُوتى على ذكرها اليوم إلا كمثال عما كيف لا ينبغي تناول تاريخ العلم.

يعترف الآن مؤرخو العلوم بالدور الأساسي الذي لعبه الإيمان المسيحي على صعيد تطور العلوم الحديثة وقدمها. فالعلوم ليست شيئا طبيعيا على الجنس البشري. وكما أكدت الكاتبة العلمية لورين آيزلي Loren Eiseley، بأن العلوم هي “مؤسسة ثقافية مبتكرة” تتطلب “تربة فريدة” حتى تزدهر فيها.3 العلوم الحديثة لم تنشأ في الشرق ولا في أفريقيا، بل في الحضارة الغربية. لماذا؟ هذا يعود إلى المساهمة الفريدة للإيمان المسيحي في تشكيل الثقافة الغربية. وكما تصرح آيزلي: “العالم المسيحي هو المسؤول عن إنشاء المنهج التجريبي للعلوم نفسها The Scientific Method، وعن عرضها بأسلوب واضح ومعبر.”4

المسيحية، وعلى نقيض الديانات الشرقية والأديان الشعبية. لا تنظر الى الكون على أنه إلهي أو مسكون بالأرواح، بل كونه النتاج الطبيعي لخالق متعال قام بتصميمه وإيجاده. وهكذا، فإن العالم هو مكان عقلاني مفتوح أمام محاولات الإستكشاف والإكتشاف. حتى أواخرالقرن التاسع عشر. كان العلماء عادة من المؤمنين المسيحيين الذين لايرون أي تعارض بين علومهم       وإيمانهم – رجال مثال كبلر kepler وبويل Boyle وماكسويل Maxwell وفاراداي Faraday وكلفن Kelvin وغيرهم. أما فكرة وجود حرب بين العلوم والذين، فهي اختراع حديث العهد نسبيا تم في أواخر القرن التاسع عشر، وهي أيضا أسطورة غذاها بحذرالمفكرون العلمانيون الذين كان هدفهم تقويخى هيمنة الثقافة المسيحية والاستعاضة عنها بالمذهب الطبيعي Naturalism، الذي يقول إنه لا يوجد شيء حقيقي خارج الطبيعة، وإن الطريقة الوحيدة لاكتشاف الحقيقة هي من خلال العلوم. لقد نجحوا بشكل ملحوظ في دفع الكثيرين إلى قبول فكرتهم هذه.

ولكن، أدرك فلاسفة العلوم خلال النصف الثاني من القرن العشرين، أن المؤسسة العلمية بأكلمها تستند إلى افتراضات لا يمكن إثباتها علميا، إنما تضمنها النظرة المسيحية إلى العالم. مثلا، قوانين المنطق، والتنظيم الطبيعي للعالم الخارجي، موثوقية قدراتنا المعرفية على إدراك العالم، وصحة الاستدلال الاستقرائي، وموضوعية القيم الأخلاقية المستخدمة في العلوم. وأريد أن أوكد أن العلوم لا يمكن أن توجد بمعزل عن هذه الافتراضات، هذا مع كون هذه الافتراضات لا يمكن إثباتها علمياً. إنها افتراضات فلسفية، وما يثيرالإنتباه كونها تشكل جزءا لا يتجزأ من وجهة النظر المسيحية إلى العالم. وهكذا نجد أن اللاهوت هو حليف للطوم على نحو يقدم إطارا فكريا حيث يمكن للعلوم أن تتواجد. والأكثر من ذلك أن الدين المسيحي هو الذي قدم تاريخيا الإطار الفكري الذي ولدت فيه العلوم الحديثة وترعرعت.

وهكذا، نحن نعيش الآن في عصر من الاهتمام المتجدد في العلاقات بين العلوم واللاهوت المسيحي. في الواقع، قام في أمريكا الشمالية وأوروبا خلال الربع الأخير من القرن العشرين، حوار مزدهر بين العلم واللاهوت. كما ظهر العديد من الجمعيات لتعزيز هذا الحوار: الجمعية الأوربية لدراسة العلوم واللاهوت European Society for the study of Science and Theology، ومنتدى العلوم والدين Science and Religion Forum، ومركز علم اللاهوت والعلوم الطبيعية Center for Theology and Natural Science. وغيرها وغيرها. كذلك تكتسب أهمية خاصة المؤتمرات المنعقدة برعاية مركز اللاهوت والعلوم الطبيعية ومرصد الفاتيكان Vatican Observatory، حيث يتداول بعض العلماء البارزين من أمثال ستيفن هوكينج Stephen Hawking وبول ديفيز Paul Davies حول موضوع تاثير العلوم الطبيعية في علم اللاهوت مع لاهوتيين بارزين هثل جون يولكينفهورن John Polkinghorne وولوفهارت بننبرغ Wolfhart Pannenberg. هناك مجلآت متخصصة في مجال الحوار بين العلوم والدين مثل “زايغون” (Zygon) و”وجهات نظر حول العلوم والإيمان المسيحي” Perspectives on Science and Christian Faith، ولكن الأهم من ذلك هي المجلات العلمانية مثل “الطبيعة” Nature و”المجلة البريطانية لفلسفة العلوم” British Journal for the Philosophy of Science، التي تنشر أيضا مقالات تتعلق بالتأثيرالمتبادل بين العلوم واللاهوت. لقد أصبح الحوار بين العلوم واللاهوت هاماً جداً في أيامنا هذه، حتى إن كلا من جامعة كامبردج Cambridge University وجامعة أكسفورد Oxford University قاما بإنشاء دوائر اختصاص في مجال العلوم واللاهوت. أقول كل هذا ببساطة لمواجهة الأسطورة الثقافية المتأصلة في الجهل، ويقابلها معظم العلماء اليوم بالرفض، والتي مفادها أن كلا من العلم والإيمان المسيحي هما في صلب طبيعتهما متخاصمان، بدلا من كونهما حليفين في السعي في إثرالحقيقة.

كيف ينبغي أن تكون عليه علاقة اللاهوت بالعلوم؟

الإجابات ءن هذا السؤال الذي لطالما دارت حوله نقاشات تقسم الباحثين إلى فئتين: أولئك النين يصرون على عدم وجود أي تعارض بين العلوم واللاهوت، وأولئك الذين يرون أن وجود مثل هذا التعارض معكن. ينبغي أن يحذر المسيحيون من الإسراع إلى قبول الإجابة السهلة للفريق الأول. فإنه لمن المغري جدا للمؤمنين المتدينين أن يحاولوا تجنب المشكلة برمتها من خلال إصرارهم على أن العلوم والدين لا يمكنهما البتة أن يتعارضا، فلماذا القلق بشأن ذلك؟ ولكن هذه الإجابة يعكن أن تكون غير مقبولة حين ندرسها عن قرب. فالذي يختار الإجابة الأولى يجب أن يتبني إما نظرية الحق المزدوج Double-Truth Theory، أي إنه يمكن لأمر ما أن يكون غير صحيح علمياً، ولكنه صحيح لاهوتيا. وإما أن يتبنى نظرية التكامل Complementarianism وهو الإعتقاد أن العلم واللاهوت هما نطاقان غير متداخلين (العلم يقدم لنا الحقائق فيما اللاهوت يعطينا القيمة والمعنى). لكن نظرية الحق المزدوج هي غير متماسكة، لأن هناك حقا موضوعياً يتعلق بالطريقة التي يتكون منها الواقع. (والقول “لا توجد حقيقة موضوعية” يؤكد بحد بذاته وجود حقيقة موضوعية، وهو بذلك يدحض ذاته بذاته!) ولكن إن كانت هناك حقيقة موضوعية تختص بحالة العالم، فإنه لا معنى للإصرار، على سبيل المثال، على ان الكون من الزاوية العلمية هو أبدي وغير مخلوق، وأنه، ومع ذلك، من وجهة نظر لاهوتية، هو أيضا مخلوق وله بداية.

أما بالنسبة لنظرية التكامل، هذا النهج الشائع، فإنه غالبا ما يكون حجابا رقيقا لتجاهل الإدعاءات الدينية عن الحقيقة، كما هو واضح في تصريح فريمان دايسون Freeman Dyson الذي لا يخلو من الوقاحة، “في نهاية المطاف، العلم يختص بالأشياء، واللاهوت يختص بالكلمات.” لكن نظرية التكامل غير مقبولة أيضا لأن الإيمان المسيحي يدلي بتصريحات تاريخية، والتاريخ، على صعيد نظرية المعرفة، هوعلى قدم المساواة مع العلوم، كما هو واضح لا سيما في العلوم التاريخية مثل علم المتحجرات وعلم الكونيات. لذلك لا يمكن للمرء أن يتجنب احتمال وجود الحقانق المتضاربة في العلوم والدين. لا يمكن إنكار أن هذا الأمر يسبب إحراجا للعقيدة المسيحية، لأنه يضع الحق المسيحي على المحن. ولكنه أيضا يجعل المسيحية ديانة رائعة، لأن الكون عينه الذي يجعل الصراع بين العلوم والدين ممكنا، هو أيضا يتيح الإمكانية للتحقق من صحة الحقائق اللاهوتية المسيحية.

كيف تصف العلوم الحديثة الكون؟

سس يي سنو (C. P. Snow) في مقالته الشهيرة “الثفافتان The Two Cultures ” رثى كون معظم الناس. الذين يعيشون في عصر علمي ويتمتعون يوميا بفوائد العلوم الحديثة، لا يزالون يجهلون ما تعلمه العلوم عن الكون.٦ مع أن معظمنا قد درس مادة العلوم خلال كل من المرحلتين الابتدائية والثانوية، فإن قلة منا فقط تستطيع أن تصف، ولو بطريقة بدائية، صورة الكون التي ترسمها العلوم الحديثة. ولكن قبل أن نفهم نظرة العلوم المعاصرة للكون، سيكون من المستحيل علينا الربط بين لاهوتنا وبين العلوم الحديثة، حتى نصل إلى وجهة نظر موحده للكون لذلك، وبالاستعانة بفيكتور ويسكوبف Victor Weisskopf7، اسمحوا لي بأن أبسط ملامح النظرة العلمية الحديثة للعالم كما تطورت تاريخيا:

  1. توحيد علم الميكانيكا الفضائي والأرضي: إن قوانين الطبيعة نفسها تسيطرعلى جميع أنحاء الكون.
  2. وجود الأنواع الذرية: أي إن كل مادة هي نتيجة دمج نحو مئة نوع من الذرات المختلفة.
  3. الحرارة كحركة عشوائية: أي إن الحرارة هي ناتجة من حركة الجسيمات المادية، وليست هي مادة في حذ ذاتها.
  4. توحيد الكهرباء والمغناطيسية والبصريات: أي إن هذه كلها تجليات للحقل الكهرومغناطيسي.
  5. تطور أنواع الكائنات الحية: نشأت الحياة والتعقيد البيولوجي كما وصفتهما التركيبة الداروينية الحديثة.
  6. نظرية النسبية: المكان والزمان موحدان ضمن أربعة أبعاد مكانية وزمنية، يتوافق انحناؤهما مع الحقول الجاذبية.
  7. نظرية الكم: هناك حدود على مستوى ما تحت الذري للمفاهيم الكلاسيكية مثل الموقع وقوة الدفع، وذلك بسبب ظاهرة اللإبهام السببي.
  8. البيولوجيا الجزيئية: إن اكتشاف جزئية الحمض النووي. كشف الشفيرة الوراثية المسؤولة عن تطور الكائنات الحية.
  9. “سلم” الكم: النظم المادية تتبع ترتيباً هرمياً بحيث كلما صغر النظام، ازدادت بذلك الطاقة المعبأة فيه. وبهذا نكشف سر الطاقة النووية
  10. التوسع في الكون: إن للكون تاريخاً تطورياً كان قد بدأ في الإنفجار الكبير.

بعض الأسئلة الهامة من منطلق علم الدفاعيات المسيحية، تنشأ حول الكثير من هذه المجالات. المسيحيون المنتبهون، ولا سيما القادة بينهم، هم في حاجة أن يفهموا بعض الشيء عن هذه القضايا، وأن يكونوا على استعداد لتقديم وجهة نظر عنها، وعلى إرشاد المستفسرين إلى الموارد المناسبة للحصول على المزيد من الإجابات المتعمقة. هناك، للأسف، العديد من القضايا للمناقشة، كما أن المواضيع واسعة جداً، غير أنه ليس بوسعنا تناولها إلا بطريقة سطحية ضمن المساحة المخصصة هنا. ولذلك، اخترت التطرق بأختصار إلى أربعة مجالات فقط للتفاعل الدائر الآن بين اللاهوت المسيحي والعلوم.

من أين أتى الكون؟

النقطة العاشرة من ملامح النظرة العلمية إلى العالم، تثير مسألة أصول الكون. هذا هو السؤال الجوهري المتعلق بالخلق: من أين أتى الكون؟ ولماذا هو موجود؟ الكتاب المقدس يبدأ بعبارة: “في البدء خلق الله السماوات والأرض” وهكذا يعلمنا الكتاب المقدس أن الكون كان له بداية. وهو لا يعلم أن هذه البداية كانت حديثة العهد. هذا استنتاج خاطئ مبني على جمع سني حياة شخصيات متنوعة من العهد القديم. لكن سلاسل النسب في العهد القديم، لا ترمي إلى تسجيل كل جيل. وفي كل الأحوال، فإن مثل هذا الحساب يعيدنا فقط إلى زمن خلق الحياة على الأرض (تكوين ١: ٢) وليس إلى أصل هذا الكون (تكوين ١: ١) منذ العصور القديمة وحتى القرن العشرين، عقيدة الكتاب المقنس بأن الكون كان له بداية، كانت مرفوضة لدى الفلسفة اليونانية والإلحاد الحديث. وعلى الرغم من هذا، لقد صمدت الكنيسة بثبات في تأكيدها على أن خلق الكون حصل في زمان محند ومن العدم.

ثم في عام ١٩٢٩، حدث شيء ينذر بالخطر. اكتشف أحد العلماء ويدعى ادوين هابل Edwin Hubble أن الضوء المنبعث من المجرات البعيدة هو، على ما يبدو، أشد احمرارا مما يجب. الخلاصة المذهلة التي توصل إليها هابل هي أن الضوء هو أشد احمرارا لأن الكون هو في حالة تمدد دائم؛ إنه يتوسع! وبذلك، يتأثر الضوء الصادر عن المجرات، لأنها تتحرك بعيدا عنا.

هذا هو الجزء المثير في هذا الأمر: لم يُظهرهابل فقط أن الكون آخذ في التوسع، لكن هذا التوسع يحصل بالمقدار نفسه في جميع الاتجاهات. لتوضيح هذا الأمر، تخيل بالونا مع أزرار ملصقة عليه. على قدر ما تنفخ البالون، تبتعد الأزرار أكثر فأكثر بعضها عن بعض، على الرغم من كونها مثبتة في مكانها. هذه الأزرار هي أشبه بالمجرات في الفضاء. كلما توسع الفضاء، راحت جميع المجرات فى الكون تزداد بُعدا بعضها عن بعض.

والمعنى الضمني المذهل هو أنه كلما رجعنا إلى الوراء في الزمن، كانت الأشياء كلها أقرب مما هي عليه الآن. في نهاية المطاف، عند نقطة ما في الماضي المحدود، كان الكون المعروف كله مقلص إلى نقطة حسابية، يسميها العلماء “تفرد”، والتي انطلاقا منها تم التوسع منذ ذلك الحين. على قدر ما نرجع أكثر فأكثر إلى الماضي، يصبح الكون بذلك أكثر كثافة، بحيث يبلغ في النهاية نقطة كثافة لامتناهية، منها بدأ الكون في التوسع. هذا الحدث الأولي بات يعرف باسم “الإنفجار الكبير”.

هذا الحدث الذي شهد بداية الكون، يزيدنا ذهولا عندما نتذكر حقيقة أن لا شيء كان موجودا قبل ذلك. لا شيء كان قائما قبل “التفرد”، لأنه يقع على حافة المكان والزمان الماديين. ولذلك فهو يشكل الأصل، ليس لكل أشكال المادة والطاقة فحسب، بل أيضا للمكان والزمان الماديين. لاحظ عالما الفيزياء جون ب اروJohn Barrow وفرانك تييلر Frank Tipler التالي: “انطلاقا من هذا التفرد، المكان والزمان دخلا إلى حيز الوجود إذ حرفيا، لا شيء كان موجودا قبل التفرد. لذلك، إذا كان الكون قد نشأ من التفرد، سيكون لدينا حقا خلق من لا شيء.”8

مثل هذا الاستنتاج يثير القلق العميق عند كل من يفكر فيه. فإنه ثمة سؤال لا يمكن تجاهله: تُرى، لماذا الكون موجود بدلا من اللاشيء؟ لا يمكن وجود أي سبب طبيعي أو مادي لحدث الإنفجار الكبير لأنه، وبحسب تعبير الفيلسوف كوينتن سميث Quentin Smith، “من الزاوية التحليلية. يأتي في صلب مفهوم التفرد الكوني أنه لم يحصل نتيجة أية أحداث مادية سابقة. فتعريف التفرد… يستتبع أنه من المستحيل تمديد الزمن والمكان مرات عدة إلى ما بعد حدود التفرد… وهذا يستبعد فكرة كون التفرد قد حصل تحت تأثير عملية طبيعية سابقة.”9 السير آرثر إدينغتون Arthur Eddington وفي معرض تأمله في بداية الكون، رأى أن توسع الكون حصل بشكل غير معقول ولا يصدق حتى “إني أشعر بالسخط الشديد إن أقدم على تصديقه أحد سواي.”10 وفى النهاية، وجد نفسه مجبرا على استخلاص، “البداية، كما يبدو، لم تخل من صعوبات لا يمكن التغلب عليها ما لم نتفق على اعتبار أنها حصلت بشكل خارق للطبيعة.”11

انزعج بعض الناس من فكرة أن الكون، على ما يبدو، نشأ من لا شيء. لذا، حاولوا إيجاد سبل لتجنب التفرد الحاصل واستعادة أبدية الكون. ولكن من دون جدوى. كان تاريخ علم الكونيات في القرن العشرين، تاريخ التزوير المتكرر لمثل هذه النظريات غير القياسية، مع السعي لتثبيت نظرية الإنفجار الكبير.12 لقد كان هناك إجماع داخل المجتمع العلمي على أن أيا من هذه النظريات البديلة، لم يكن ليسموعلى نظرية الإنفجار الكبير. وقد ثبت مرارا وتكرارا بين النماذج التي تهدف إلى تجنب النموذج القياسي لحصول بداية للكون في المطلق، كما ثبت أن هذه النمانج البديلة إما أنها لم تكن لتصمد أمام الفحص والانتقاد، وإما لا تنفي وجود بداية للكون. على سبيل المثال في بعض هذه النظريات مثل “الكون المتأرجح” (الذي يبقى يتوسع ويتقلص إلى الأبد)، أو “كون التضخم الفوضوي” (الذي يولد باستمرار الأكوان الجديدة)، لئن بدا مستقبلها لامتناهياً، فإن لها ماضياً محددا. هناك أيضا النظريات التي ترتكز على تقلبات فراغ الكون (والتي تفترض وجود فراغ أبدي منه نشأ كوننا)، لا يمكنها أن تفسر لماذا، إذا كان الفراغ أبديا، لسنا نشهد كوناً قديماً بشكل لامتناه. كانت هذه النماذج لا تزال تظهر في الصحافة الشعبية، لكن جرى التخلي عنها من قبل معظم العلماء اليوم.

واحدة من المحاولات الأخيرة الأكثر شهرة لتجنب حصول التفرد في البدء، تاتي من ستيفن هوكينغ Stephen Hawking من خلال نظريته حول جاذبية الكم٠ التي لقيت قدراً كبيراً من الاهتمام في الصحافة الشعبية من خلال كتابه الأكثر مبيعاً تحت عنوان “موجز تاريخ الزمن” A Brief History of Time يلحظ هوكينغ في نظريته. أن الماضي هو محدود لكن ليس لديه أية نقطة بداية أو حافة. هوكينج لا يمانع على الإطلاق في استخراج انعكاسات لاهوتية من نموذجه. يكتب: “الكون لن يكون له بداية أو نهاية، ولن يكون قابلاً للخلق أو للدمار، وفي هذه الحال. أي مكان يبقى بعد لوجود خالق؟”13

بالنسبة إلى النين يحطون من قدر الخلق، وللأسف، لا يمكن لنمونج هوكينج أن يقدم وصفاً واقعياً للكون. يكفي أن نذكر نقطة واحدة فقط: يفترض هوكينج أن الكون موجود في وقت وهمي بدلا من الوقت الحقيقي. وهذا يعني أن هوكينج يستخدم في معادلاته أرقاما خيالية للدلالة على الوقت، أرقام مثل √-١. والمشكلة هي أن أمثال هذه الأرقام هي أدوات حسابية أو حيل، ليس لها معنى مادي. وفي تاريخ قديم. يرجع إلى العام ١٩٢٠ تقصى إدينغتون Eddington ما وصفه “بحيلة” استخدام ارقام خيالية لعامل الوقت، لكنه اعتبر أن “لا فائدة تُرجى” من الإنعكاسات المترتبة على ذلك، لأنه قال: “هذا لا يتعدى كونه مجرد أداة تحليلية.”١٤ لقد رأى أن الوقت الخيالي هو مجرد أداة توضيحية، والتي لا تتوافق بالتأكيد مع أي واقع مادي.”15

واللافت أن هوكينغ في أحدث كتاب له تحت عنوان “طبيعة المكان والزمان” The Nature of Space and Time (1996)، يعترف بهذا الأمر إذ يقول “النظرية العادية هي مجرد نموذج حسابي، ولا معنى للسؤال عما إذا كان هذا النموذج مطابقا للواقع… أما جُل اهتمامي هو أن تُنبئ هذه النظرية بنتائج القياسات.”16 لكن، إن كان هذا كل ما تفعله نظرية هوكينغ. فإنه من الواضح انها لا تُلغي وجود بداية حقيقية للكون أو الحاجة إلى الخالق. إنها وبكل بساطة، وسيلة حسابية لإعادة وصف الكون، الذي كان قد بدأ بموجب عملية تفرد، بشكل يسهو عن الحديث عن أي تفرد. وفي كل الأحوال فإن نظرية هوكينغ، لدى تفسيرها واقعياً لا تزال تدين بفكرة الأصل المطلق للكون، حتى لو لم يبدأ الكون بالتفرد كما هي الحال في النظرية القياسية المتعلقة بالإنفجار الكبير.١٧ نموذجه يفتقر إلى نقطة البداية، لكنه لا يلحظ سوى ماض محدود، وبالتالي أصل مطلق. وهوكينج نفسه يلخص المسألة على الشكل التالي: “الجميع تقريبا يعتقدون الآن أن الكون والزمن نفسه، كانا قد بدأا مع الإنفجار الكبير”18

وذظراً للانعكاسات اللاهوتية الواضحة التي تترتب على نشوء الكون من لا شيء، يُمكننا أن نتوقع ظهور نظريات بديلة لنموذج الإنفجار الكبير، والتي تحاول أن تثبت نظرية الكون الأبدي. بول ستينهاردتPaul Steinhardt من جامعة برينستون Princeton لقي في الآونة الأخيرة قدرا كبيراً من التغطية في الصحافة الشعبية لنموذجه الجديد عن العملية الدورية لخراب العالم، ومن ثم إعادة تكوينه. Cyclical Ekpyrotic Model of the Universe.١٩ هذه البدائل المقترحة يجب أن تكون موضع ترحيب على أن يتم تقييمها في ضوء الأدلة، لأنه إذا استمر نمط إحباط هذه البدائل، فإن هذا من شأنه إعطاء تأييد أوسع لنموذج الإنفجار الكبير مع ما يلحظه من وجود بداية مطلقة للكون، كما أنه سيُكسبه مصداقية أكبر. الأدلة المتراكمة قد دعمت باستمرار فكرة خلق الكون هن لا شيء. وذلك بالرغم من الميل السائد عند الكثيرين إلى رفض ذلك ج. م. ورسينجر M. Wersinger، أستاذ الفيزياء في جامعة أوبورن Auburn يصزح بهذه الملاحظات:

في البداية، كان المجتمع العلمي متردداً جداً في تقيل فكره ولادة الكون.

نمونج الإنفجارالكبيرء على ما يبدو. يُذعن للفكرة اليهودية المسيحية عن بداية العالم، كما يظهر عليه أنه يدعو إلى

حصول فعل خلق خارق…

استغرق الأمر وقنا، ريثما نجحت أدلة الرصد والتحقق بعناية من التوقعات التي أدلى بها نمونج الإنفجار الكبير، لإقناع المجتمع العلمي بقبول فكرة نشأة الكون.

…الإنفجار الكبير هو نموذج ناجح للغاية، استطاع أن يفرض نفسه على جماعة علمية مترددة.20

وهكذا تمكن العلم، وضد كل التوقعات، أن يُثبت ما كان قد صرح به الكتاب المقدس عن الكون.

ماذا نقصد بقولنا إن الكون مظبط بشكل دقيق جداً؟

وجود الكون، لا يضمن بطبيعة الحال أن تكون الحياة فيه ممكنة ظن العلماء في وقت من الأوقات أنه مهما كانت عليه الظروف الأولية للكون، فإنه سيطور في نهاية المطاف مجمل أشكال الحياة المعقدة التي نراها اليوم، كما هو مذكور في النقطة الخامسة من معالم النظرة العلمية الى العالم (راجع صفحة ٦٦). إلا أن واحداً من أحدث الاكتشافات المتعلقة بأصل الحياة وتطورها، أظهرت الضبط الدقيق لكوننا هذا منذ لحظة حصول الإنفجار الكبير بشكل يسمح بنشوء الحياة في اي مكان في العالم. وخلال الثلاثين عاما الماضية أو نحو نلك، ذهل العلماء حيال القدر العظيم من التعقيد والدقة، التي كان يجب أن تتسم بها الظروف الأولية للكون حتى تظهر فيه الحياة. ومن ثم تتطور. في مختلف مجالات الفيزياء، والفيزياء الفلكية وعلم الكونيات الكلاسيكية، وميكانيكا الكم. والكيمياء الحيوية. أعلنت الاكتشافات مرارا، أن وجود حياة يعتمد على توازن دقيق من الثوابت الفيزيائية والكميات. وفي حال تغيرت هذه قليلا. سيسقط التوازن والحياة لن تكون موجودة. حقا، في كثير من الحالات، لن يكون هناك وجود للنجوم والكواكب، ولا حتى للكيمياء، ولا حتى للمادة الذرية نفسها، ناهيك عن الحياة البيولوجية. وفي الواقع يبدو أن الكون قد تم تنظيمه بدقة لا تُستقصى، منذ لحظة إنشائه، ما يسمح بوجود حياة ذكية فيه.

على سبيل المثال، إن أي تغيير في قوة الجاذبية أو القوة الكهرومغناطيسية بنسبة جزء واحد فقط من 10 40، كان سيحول دون وجود نجوم مثل شمسنا. ما يجعل الحياة مستحيلة. كما أن كل نقصان أو زيادة في سرعة التمدد بنسبة جزء واحد فقط من مليون مليون عندما كانت حرارة الكون تبلغ 10 10 درجة، كان من شأنه جعل الكون منذ فترة طويلة يتخذ من جديد شكل كرة نارية ساخنة، أو كان سيمنع المجرات من التكثيف. وفي كلتا الحالتين، يصبح من المستحيل وجود الحياة. إن ما يُعرف بالثابت الكوني، والضروري جدا لتطوير كوننا، يجب أن تبقى دقته فائقة بشكل لا يوصف، إذ نسبتها جزء واحد من 10 53 حتى يكون هناك حياة في الكون. هذا ليس سوى غيض من فيض لجهة الثوابت والكميات التي يجب ضبطها بكل دقة، لكي يتسنى للحياة أن تظهر في الكون.

لايلزم ضبط كل كمية بمفردها وحسب، بل على الكميات المتفرقة أن تتبع نسبا محددة حيال بعضها بعضا. وبالتالي. الحالة هنا ليست أشبه بجميع ألعاب الروليت في مونتي كارلو حيث دوران العجلات يعطي في نهاية المطاف المجموعة المعينة نفسها من الأرقام، بل هي أشبه بجميع ألعاب الروليت في مونتي كارلو حيث دوران العجلات يعطي في نهاية المطاف المجموعة المعينة من الأرقام، على أن تتبع هذه الأرقام أيضا نسبا معينة حيال بعضها بعضا. على سبيل المثال، يجب أن يكون الرقم الظاهرعلى عجلة ما. سبع مرات أكبر من الرقم الظاهر على عجلة أخرى وثلث الرقم على عجلة أخرى. لذا، من غير المحتمل أبداً، بأي شكل من الأشكال، وجود كون قابل للحياة.

كيف ينبغي لنا إدراك مفهوم احتمال وجود كون صالح للحياة؟ جون بارو John Barrow وهو فيزيائي بريطاني، يعطينا فكرة حول هذاالأمر.21 هو يدعونا إلى وضع نقطة حمراء على قطعة من الورق على اعتبار انها تمثل عالمنا. والآن غير بعض الشروط الأولية قيد أنملة، فتحصل بذلك على كون مختلف. إذ كان يصلح للحياة، ضع نقطة حمراء وإن كان لا يسمح بوجود الحياة فيه. ضع نقطة زرقاء. إفعل هذا مرارا وتكرارا. حتى تمتلئ الورقة بالنقاط. هل تعرف ما ستحصل عليه أخيراً؟ أجل، سيرتسم أمامك بحر من النقاط الزرقاء مع قليل فقط من النقاط الحمراء. بهذا المعنى، يمكن القول عن حق إن وجود كون يسمح بالحياة هو أمر غير محتمل حصوله بشكل لا يُصدق.

في بعض الأحيان، سوف يقول الناس: “نعم، كوننا من غير المحتمل وجوده. ولكن أي كون آخر، من غير المحتمل وجوده أيضاً. فالأمر أشبه بالربح في اليانصيب. فإنه من غيرالمحتمل أن يربح شخص محدد، ولكن لابد أن يربح الجائزة شخص ما.” هذا الاعتراض يساعد على إبراز حقيقة أن ليس مجرد الاحتمال هو موضوع البحث، بل بالحري الاحتمال المحدد. الكلام ليس عن مدى احتمال وجود هذا الكون أو ذاك، ولكن الأمر يتعلق بكون يصلح لوجود الحياه عليه. وبالتالي، فإذ التشابه الجزئي الصحيح يفترض حصول يانصيب فيه مليار مليار مليار كرة سوداء جرى خلطها مع كرة واحدة بيضاء. وأنت نجهت إليك الدعوة لكي تتقنم وأنت معصوب العينين وتختار كرة واحدة. وفي حين أن كل كرة تتساوى مع جميع الكرات الأخري في نسبة احتمال انتقائها، لكن الحظوظ كاسحة بأن تأتي الكرة التي تختارها سوداء، لا بيضاء. ولتكميل هذا التشابه الجزئي، تخيل الآن أن حياتك تعتمد على اختيارالكرة البيضاء وإلا تعرضت للقتل! إ إذا مددت يدك، وأنت معصوب العينين، إلى ذلك العدد الهائل من الكرات السوداء، واكتشفت أنك قد سحبت الكرة الوحيدة البيضاء، فلك الحق عندئذ أن تشكك في صحة الأمرعلى اعتبار أنه لا يخلو من الغش والتزوير وإذا كنت لا تزال مرتاباً، تصور أنك تحتاج، لكي تتفادى الموت، أن تنجح في فعل ذلك ثلاث مرات على التوالي. إن الاحتمالات في هذه الحالة لن تكون مختلفة كثيراً، ولكن ستكون مجنوناً إذا اعتقدت أنك قد أنجزت هذا من طريق الصدفة.

ماذا تعني فرضية وجود “عوالم متعددة”؟

المدافعون عن الصدفة كبديل، أصبحوا الآن مرغمين على تبني نظرية غير عادية: فرضية وجود “عوالم متعددة” ووفقا لهذه الفرضية، كوننا هو مجرد جزء واحد من مجموعة أكبر من الأكوان، وكلها أكوان حقيقية، وقائمة فعلاً، لا أكواناً محتملة فقط. ولضمان إمكانية ظهور، في مكان ما من الكون. من طريق الصدفة، عالم منظم بكل دقة حتى يصلح للحياة، فإنه يشترط كذلك أن يكون هناك عدد لا حصر له من العوالم ضمن المجموعة (حتى تتحقق كل إمكانية أواحتمال)، وأن تكون الثوابت الفيزيائية والكميات مرتبة عشوائيا (حتى لا تكون هذه العوالم مماثلة على حد سواء). وهكذا. في مكان ما من مجموعة العوالم هذه. سوف يظهر من طريق الصدفة وحدها، بعض العوالم المنظمة بدقة كعالمنا. وينبغي ألا نتفاجأ لدى مراقبة رؤية أوضاع دقيقة كهذه، ذلك لأن المراقبين مثلنا لا وجود لهم إلأ في تلك الأكوان المضبوطة بدقة.

يأتي شعور بعض العلماء الموقرين بضرورة اللجوء إلى فرضية غير عادية نات طابع ماورائي، ليؤكد أهمية تقديم تفسير لظاهرة وجود نظام دقيق في الكون. في الآونة الأخيرة. أعلن بول ديفيز Paul Davies أن قضية وجود تصميم في الكون، تصمد أو تسقط في ضوء صحة وجود عوالم متعددة.

فماذا يُمكن أن يُقال عن هذه الفرضية؟ أولا، يتعين علينا إدراك كيف أنها ليست علمية أكثر من فرضية “المصمم الكوني”، ولا هي اقل ماوراثية منها. وكما يقول العالم واللاهوتي جون بولكينغهورن John Polkinghorne: “الناس يحاولون تمرير قصة “العوالم المتعددة” باعتمادهم تعابير ومصطلحات علمية زائفة، ولكن هذا هو العلم الملفق. فاحتمال وجود عدة عوالم تحكم فيها قوانين وظروف مختلفة، ليس سوى مجرد تخمين ما ورائي.”23 فرضية العوالم الكثيرة كفرضية الماورائية، بالإمكان برهان كونها أدنى من فرضية التصميم، ذلك لأن فرضية التصميم هي أبسط. ووفقاً للمبدإ المعروف باسم شفرة أكهام Ockham’s Razor، ينبغي عدم مضاعفة الأسباب فوق ما هو ضروري لتفسير النتيجة. فالتسليم بوجود مصمم كوني لتفسير عالمنا، يبقى أبسط من التسليم بوجود مجموعة لا محدودة من العوالم المستنبطة والمصنعة، والتي تتطلب ها فرضية عوالم كثيرة. لذا، يجب تفضيل فرضية التصميم.

ثانيا، لا توجد طريقة معروفة لتوليد مجموعة من العوالم. ولم يتمكن أحد من تفسير كيف أو لماذا وجدت هذه المجموعة المتنوعة من الأكوان. إلى ذلك، فإذ المحاولات التي بُذلت تتطلب هي نفسها ضبطا دقيقاً. على سبيل المثال، مع أن بعض علماء الكون يستندون إلى ما يُسمى نظريات تضخم الكون لإنشاء مجموعة عوالم، يبقى النمونج التضخمي الوحيد المتماسك هو نظرية لينده Linde عن التضخم المرتبط بالفوضى، وهذه أيضاً تتطلب ضبطا دقيقاً لبدء التضخم.

ثالثاً، فرضية العوالم الكثيرة تواجه تحدياً شديدا من نظرية “النشوء والإرتقاء البيولوجي”، التي تشكل أحد معالم النظرة العلمية إلى الأمور. أولا، لنذكر شيئاً عن خلفية الأحداث: اقترح خلال القرن التاسع عشر، الفيزيائي الألماني لودفيغ بولتزمان Ludwig Boltzman  ما هو أشبه بغرضية وجود عوالم عدة، وذلك لتفسير لماذا لا نجد الكون يقبع في حالة من “موت الحرارة” أو توازن الديناميكا الحرارية، حيث تكون الطاقة موزعة بالتساوي في جميع أنحاء الكون25 بولتزمان افترض أن الكون ككل موجود في الواقع، في حالة من التوازن، ولكن مع مرور الوقت، قد تحدث التقلبات في مستوى الطاقة هنا وهناك في كل انحاء الكون، وقد يظهر الخلل في التوازن من قبيل الصدفة فقط في بعض المناطق المعزولة. وأشار بولتزمان إلى هذه المناطق المعزولة بالعبارة “العوالم” وينبغي ألا نتفاجأ من رؤية عالمنا في حالة من عدم التوازن هذه لأن من جملة العوالم، لابد من وجود، من قبيل الصدفة وحدها، بعض العوالم التي تشهد خللاً في توازنها. وقد شاءت الصدف أن يكون عالمنا من هذا الصنف.

المشكلة مع فرضية بولتزمان التي يتجرأ فيها التحدث عن عدة عوالم. هو أنه إذا كان عالمنا هو مجرد تقلب في بحر من الطاقة المنتشرة. فالإحتمالات في هذه الحالة تكون كاسحة برؤية منطقة خلل أصغر بكثير مما نشهده الآن. وحتى يُكتب لنا نحن الوجود. فإذ تقلبا أصغر واحدا، كالذي أنتج عالمنا على الفور بفعل وقوع حادث ضخم، هو أكثر احتمالا بما لا يُقاس، من الإنخفاض التدريجي لعامل الإذتروبيا في إطار تشكيل العالم الذي نراه. وفي الواقع، فإن فرضية بولتزمان، إذا تم اعتمادها، تجبرنا على النظر إلى الماضي. كشيء وهمي لا يملك سوى عمر ظاهري وفيه النجوم والكواكب وهمية. وهذا النوع من العالم، حيث النجوم تبدو مجرد “صور” يبقى احتمال وجوده أكبر بكثير، من عالم شهد في الماضي السحيق أحداثا حقيقية حصلت في الزمان والمكان. وذك نظراً لحالة التوازن العام الذي سادته. لذا، كان هناك إجماع ضمن الجماعة العلمية على رفض فرضية بولتزمان القائلة بوجود عوالم عدة. كما أن ظاهرة اختلال التوازن الراهنة. تُعتبر عادة مجرد نتيجة لوجود النسبة المنخفضة من الإنتروبيا، هذا الواقع الغامض الذي ساد الكون في بدايته.

ثمة مشكلة موازية أخرى تبرز لدى التسليم بفرضية وجود عوالم عدة لتفسير ظاهرة الدقة في التنظيم التي يعرفها عالمنا. فوفقا للنظرية السائدة عن التطور البيولوجي، الحياة الذكية كالتي نتمتع بها نحن البشر، وفي حال تطويرها. كانت لتحصل في أكثر وقت متأخر قدر الإمكان من عمر الشمس. فكلما قلت الفترة الزمنية المُتاحة لحصول عمليات التحول الجيني والانتقاء الطبيعي، انخفضت من جراء ذلك احتمالات خضوع الحياة الذكية لعامل التطور. ونظراً لمدى التعقيد الذي يسود الكيان البشري، فإن احتمالات تطور الكائنات البشرية في وقت متأخر من حياة الشمس، هي أكبر بكثير وبشكل كاسح، من إمكانية حصول ذلك في وقت مبكر. لذا، إن كان عالمنا هو مجرد جزء من مجموعة كونية، فاحتمالات وجود شمس قديمة العهد جدا، تكون أكبر بكثير وعلى نحو ساحق، من شمس فتية نسبيا عمرها بضعة ملايين من السنين. وفي حال جئنا نتيجة عملية تطور بيولوجي. يجب أن نجد أنفسنا داخل عالم حيث تطورنا خلال وقت لاحق من عمر نجمنا. وفي الواقع، إن تبني فرضية وجود عوالم عدة للتوصل إلى تفسير يحاول تجاوز ظاهرة الدقة في النظام، إنما يؤدي بنا إلى صنف غريب من الوهم. الاحتمالات كبيرة جدا بان نكون مخطئين في تقديراتنا الفلكية والجيولوجية والبيولوجية. والتي تشير إلى عمر فتي نسبيا، وبأن وجودنا يرجع حقا إلى زمن لاحق من عمر الشمس، وبأن مظهر الصبا الذي يبدوعلى كل من الشمس والأرض، هو وهم عظيم يعد ضربا من الجنون من الزاوية العلمية. وبالتالي، إما نحن لسنا من نتاج الصدفة التي رافقت عملية التطور البيولوجي (وفي هذه الحال، من الضروري وجود تصميم.)، وإما وجودنا لم يحصل بالصدفة كجزء من مجموعة عالمية (وفي هذه الحال أيضا، من الضروري وجود تصميم). وفي كلتا الحالتين، يقودنا ذلك إلى شخص المصمم.

الفشل الذي مُنيت به فرضية وجود عدة عوالم، أسقط آخر حاجز حيال وجود تصميم وراء النظام الدقيق السائد في العالم. وفي ضوء عدم احتمال أن تكون الظروف الأولية مؤاتية ومناسبة لوجود الحياة. هذا الأمر الذي يبقى قصياً عن الإدراك، إنه لمن المنطق الاعتقاد، كما يصرح الكتاب المقنس، أن العناية الإلهية هي التي رتبت أن يحوي هذا العالم مقومات الحياة.

كيف نفسر ما هو الأصل لفعلي للحياة؟

ما يشهده الكون من نظام دقيق، يؤمن بعض المتطلبات الضرورية لوجود الحياة في أي مكان من الكون لكنه لا يضمن نشوء الحياة فعلاً في الكون. وبكلام آخر، فلئن كانت هذه الظروف المرتبة بشكل دقيق ضرورية للحياة، فإنها تبقى غير كافية. لذا، قد نسأل، إلام تدعوالحاجة بعد؟ وكيف نفسر ما هو الأصل الفعلي للحياة؟

لعلنا في معظمنا كنا قد تعلمنا في المدرسة كيف أن الحياة كانت قد بدأت في الأصل داخل ما نعرف باسم “الحساء الإساسي”، وذلك نتيجة تفاعلات كيمائية حصلت من طريق الصدفة. ففي وقت سابق يعود إلى زمن الخمسينيات من القرن العشرين، تمكن ستانلي ميلر Stanley Miller من الحصول على بعض الأحماض الأمينية بإرساله صدمات كهربائية داخل غاز الميثاين. صحيح أذ الأحماض الأمينية ليست حية، غير أن البروتينات تتكون من أحماض أمينية، مع العلم أذ هذه البروتينات موجودة داخل الكائنات الحية. هذه النتيجة أحيت الآمال بأن يكون بالمستطاع، بشكل من الأشكال، تفسير ما هو أصل الحياة.

بحسب الظاهر، إن هذا السيناريو لأصل الحياة، بدا غير محتمل حصوله في المطلق. وبحسب تقدير الثنائي فرد هويل Fred Hoyle وشاندرا وكراما سينغي Chandra Wickramasinghe، فإن حظوظ حصول معا، من طريق الصدفة، عشرة من أصل العشرين من الأحماض الأمينية (مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه المرحلة لا تعرف أي شكل من أشكال الانتقاء الطبيعي. وبالتالي يغيب عنها أي تطور كيميائي) من أجل تكوين أنزيمة واحدة. هي بنسبة 1 من 10. ونظرا لحجم محيطات الأرض ولتوافر بلايين السنين، ظناً أنه بالإمكان مواجهة أمر كهذا بعيد الاحتمال. لكنهما أشارا إلى وجود ألفي أنزيمة مختلفة مصنوعة من الأحماض الأمينية، على أن تتكون جميعها من طريق الصدفة. أما حظوظ حصول ذلك هو بنسبة نحو واحد من 10 40000 وهي نسبة “صغيرة جدا بشكل خيالي”. ما يحول دون حدوثها، “حتى ولو كان الكون بأسره قوامه الحساء العضوي.” 26 ولا يشكل هذا سوى البداية إذ يبقى أن تنشأ جزيئة “الدي إن أي” DNA من البروتينات إلى جانب الوحدات الوظيفية الأخرى المعقدة داخل الخلية. هذه المسائل، هي على درجة من التعقيد. تحول دون إمكانية تحديدها بأرقام.

إذا، نجد كيف أن سيناريو الحساء الأساسي، لم يحظ منذ البداية بالدعم اللازم. وبالنسبة إلى الشخص العادي، ما يفوته إدراكه أن السيناريوهات القديمة هذه عن “أصل الحياة”، قد تلاشت اليوم وتم التخلي عنها. وهذه النقطة. جرى توثيقها بشكل رائع ضمن الكتاب “لغز أصل الحياة” 27. The Mystery of Life’s Origin يشير مؤلفو الكتاب إلى عدم وجود على الأرجح، أي شيء من صنف الحساء الأساسي. ذلك لأن عمليات التخريب والتخفيف، كان من شأنها الحؤول دون حصول تلك العمليات الكيميائية المفترض فيها أن تكون قد أدت إلى نشوء الحياة. إلى ذلك، كان الظن في البداية أن بلايين السنوات كانت متاحة لكي تبدأ الحياة من طريق الصدفة. لكن عندنا الآن متحجرات لأصناف من الحياة كانت موجودة في زمن باكر جداً يرجع إلى ٣.٨ بليون سنة قبلا هذا يعنى أن “نافذة الفرصة” حيث كان يترقب على الحياة أن تبدأ من قبيل الصدفة، راحت توصد تدريجيا، ولم تعد تتعدى اليوم سوى نحو 25 مليون سنة، مع العلم أن هذه الفترة الزمنية هي أقصر من أن تصلح كمسرح لسناريوهات الصدفة. إلى ذلك، فإذ السيناريوهات الكيميائية المختصة باصل الحياة، تفرض أن يكون الغلاف الجوي للأرض في البداية، خاليا تقرييا من غاز الأكسجين؛ إلا أنه تتوافر أدلة توحي بأن الغلاف الجوي في البدء كان غنياً بالأكسجين. كذلك، لم يكن هناك سبيل للاحتفاظ بأي من نتاج التطور الكيميائي لصالح العملية الثانية المفترضة على صعيد التطور. فالعمليات التي كونتها. تعمل هي نفسها على تخريبها. كما أن الديناميكا الحرارية تعرض مشكلة يستحيل حلها، بالنسبة إلى سيناريوهات كهذه، لأنه ما من سبيل لاستخراج هذه الطاقة الخام من الطبيعة، من البرق مثلا أو من الشمس، لجعلها تدفع عملية التطورالكيميائي قُدما.

لأجل هذه الأسباب وغيرها، كل الدراسات المعنية بأصل الحياة، هي واقعة في مأزق. فكل النظريات القديمة سقطت وتلاشت. وذلك في غياب أية نظرية جديدة تدور في الأفق. يبدو أنه من غير المستطاع تفسير أصل الحياة على الأرض. ففي نظر فرانسس كريك Francis Crick إن أصل الحياة على الأرض، “يوشك أن يكون معجزة”28 هذه المعضلات دفعت بعض العلماء إلى الظن أن الحياة قد لا تكون قد بدأت على الأرض. لكنها نُقلت إليها في الأصل بواسحله نيازك وشهب صادرة عن كوكب آخر. لكن هذا الفكر هو بمثابة قفزه ترتكز على الإيمان البحت. ولا يساهم كثيرا في إيجاد حل للمشكلة، إذ تُرى كيف بدأت الحياة في مكان آخر؟ هذا الذمط من التفكير لا يجيب عن السؤال، بل حتى يجعل من المُحال إمكانية الإجابة عنه.

أحيانا يدعي بعضهم أن الحياة لابد لها أن تبدأ من قبيل الصدفة، في مكان ما من الكون (أو ربما الأكوان) الفسيح الذي لا حدود له، وذلك بمعزل عن طابع عدم الاحتمال الذي يلف ظهور الحياة. وفي الواقع، إن كان الكون غير محدود ولامتناهي، فالحياة في هذه الحال سوف توجد من قبيل الصدفة، في كل أرجاء الكون مرات عدة وبشكل غير محدود. لكن المشكلة التي تبرز هنا مع هذا النمط من التفكير، هو أنه يضاعف موارد الاحتمالات من دون مسوغ لذلك. وإن كان يحق لنا فعل ذلك. فسيكون بوسعنا التقليل من أهمية أي حدث غير محتمل. حتى يغدو التصرف العقلانى شيئا من المحال. ومهما بدا الأمر غير محتمل حدوثه، سيكون بوسعناً الحد من أهميته من خلال الزعم بأن حصوله ممكن في مكان ما من العالم الفسيح والمترامي الأطراف. لكن، هل بوسعك تخيل أن يدور الحوار التالي عند طاولة للعبة الهوكر داخل إحدى قاعات تكساس الغربية؟

“تكس Tex، أنت رجن وغد، مخاتل ومنافق! كل مرة فيها توزع أوراق اللعب، تحصل على أربع أوراق من فئة الآص (واحد)!”

“حسنا يا سليم Slim، أنا أعرف أن الأمر يبدو مريبا جدا، عندما أحصل على أوراق من فئة الآص لدى توزيعي الأوراق لكن عليك أن تفهم أن هنا في هذا الكون اللامتناهي، يوجد عدد لامتناه من ألعاب الهوكر الشبيهة بهذه والحاصلة في مكان ما. فالحظوظ كبيرة أن أتمكن في بعض منها من الحصول على أربع أوراق من فنة الآص، في كل مرة أوزع الورق. لذا، إطرح مسدسك جانبا ولازم الصمت وأكمل اللعب بالورق!”

والآن، إن كنت مكان سليم العجوز، هل ستتصرف بجهل وحماقة إذ تجلس وتواصل لعب اليوكر مع صديقك؟ بناء على هذا النمط من التحليل، ويا للعجب. لم يكن بإمكاننا قط إعطاء أي دليل على لامحدودية الكون ذلك لأن أي دليل على لامحدودية الكون يبقى بالإمكان التقليل من أهميته على اعتبار حصول ذلك من قبيل الصدفة داخل عالم فسيح بما فيه الكفاية (مع أنه لا يزال محدودا)، حتى يظهر الدليل من قبيل الصدفة فقط! إذا، الاعتراض ينقض ذاته بذاته في نهاية المطاف، ولا يمكن تثبيته منطقياً.

والآن، لا يفصح الكتاب المقنس عن الطريقة التي بها وُجدت الحياة. فهو يكتفي بالتصريح: “وقال الله لتنبت الأرض عشبا وبقلا يبزر بزرا وشجرا… لتفض المياه زحافات ذات نفس حية” (تكوين ١: ١١، ٢٠). فالكتاب المقدس ليس بكتاب علوم. وهو لا يخبرنا عن الوسائل، في حال وجودها، التي كان قد اعتمدها الله في معرض خلقه الحياة. إلا أن الدليل العلمي يتلاءم بكل تأكيد مع أصل وجود الحياة، والذي يُعد معجزة بحسب تعبير فرانسس كريك، أي حدثا خارقا للطبيعة، عمله الله. إذا، لا يوجد أي تناقض حول هذه المسألة بين الكتاب المقدس والعلم. بل في الواقع، إن صح التعبير. يبدو الدليل العلمي أوضح من الكتاب المقدس، في تصريحه بأن أصل الحياة، جاء نتيجة عمل معجزي أقدم عليه الله الخالق.

كم استغرقت أيام الخلق بحسب سفر التكوين؟

لنتوقف قليلا قبل استئناف بحثنا. عندنا منذ البداية عدم احتمال أن تكون الظروف الأولية التي سادت الكون مرتبة ومنظمة بشكل يسمح بأي وجود على الإطلاق للحياة في الكون. وفوق هذا. يجب إضافة عدم احتمال أن يكون الأصل الفعلي للحياة قد حصل على الأرض في بادئ عهدها. لكن حتى ولو صحت هاتان الحالتان، لا يوجد ما يضمن تطور الحياة إلى كائنات معقدة. لذا وفوق كل عدم الاحتمالات التي بحثناها قبلاً، علينا الان إضافة عدم احتمال أن يكون التعقيد البيولوجي قد حصل من طريق النشوء والارتقاء.

هذه المسألة، تختلف حولها آراء المسيحيين أنفسهم. فبعض المسيحيين يعتبرون أن سفر التكوين يصف بشكل حرفي، أسبوع خلق يتألف من ستة أيام. لكن يبدو لي أن سفر التكوين نفسه لا يخلو من بعض المؤشرات إلى إن أسبوعا من الخلق ليس ما هومقصود هنا. مثلآ، فاليوم السابع لايشكل بوضوح فترة زمنية قوامها أربع وعشرون ساعة، إنما يشير إلى سبت الراحة الألهية من الخلق، والمستمرة حتى يومنا هذا. نحن نعيش فى اليوم السابع. أما بشأن اليوم الثالث فنقرأ: “لتنبت الأرض عشبا وبقلا يبرز بزراً، وشجراً ذا ثمر يعمل ثمراً كجنسه، بزره فيه على الأرض وكان كذلك. فأخرجت الأرض عشباً وبقلا يبزر بزراً كجنسه، وشجراً يعمل ثمراً بزره فيه كجنسه. ورأى الله ذلك أنه حسن. وكان مساء وكان صباح يوماً ثالثا” (تكوين 1: 11-13). والآن نحن كلنا نعرف كم من الوقت تحتاج إليه أشجار التفاح مثلاً لكي تنمو وتزهر ومن ثم تثمر. وما لم نتخيل حصول هذا في إطار أسلوب التصوير الفوتوغرافي الذي يختصرالفترات بين الحدث والآخر، كما هي الحال في فيلم والت ديزني Walt Disney “الصحراء الحية” The Living Desert حيث المزروعات من الأرض لكي تنضج فوراً وتبدأ تزهر ثم تثمر. ففي هذه الحال. كان حصول ذلك قد استغرق أكثر من أربع وعشرين ساعة. وأنا أجد من الصعب الاعتقاد بأن كاتب التكوين أراد لقرائه تخيل تعاقب نشوء الأمور فجأة وبشكل متسارع كما يحصل لدى الإسراع في تقديم الفيلم إلى الأمام. ولنلاحظ كيف أنى ابني حجتي حول هذا الأمر من النص نفسه، وليس على أساس ما يصرح به العلم.

تاريخياً، لم يُقدم معظم اليهود والمسيحيين على تفسير الفصل الأول من التكوين على اعتبار أنه يشيرإلى فترات زمنية، كل واحدة منها قوامها أربع وعشرون ساعة. هذا ما يشيرأليه البروفسور اليهودي ناثان أفيازرNathan Aviezer ضمن كتابه الحديث العهد تحت عنوان “في البدء” In The Beginning 29 يستعين أفيازر بالعديد من الرابيين القدامى النين كاذوا قد انكبوا على دراسة التوراة والتلمود. وذلك لدعم فكرته. كذلك، باستطاعة أحدنا اقتباس بعض آباء الكنيسة الأولين من أمثال إيرينايوس، وأوريجانوس، وباسيليوس، وأغسطينوس. لبرهان الأمر عينه. أنا لست أنكر شرعية تفسير الفصل الأول من التكوين بشكل حرفي، لكن من غير الممكن الادعاء بأنه يمثل التفسير الأوحد الذي يسمح به النص، كما أنه لا يمثل المفهوم التاريخي له عند معظم اليهود والمسيحيين.

لكن، إن صح ذلك، لا يعود سفر التكوين يخبرنا تقريبا أي شيء عن الطريقة التي بها عمل الله النباتات والحيوانات. تُرى، هل خلقها من العدم؟ أم هل خلقها انطلاقاً من أشكال من الحياة كانت موجودة قبلا؟ وهل اعتمد نظام النشوء والارتقاء لصنعها بشكل تدريجي؟ هذه أسئلة علمية، لا يتناولها الكتاب المقدس. فالفكرة الرئيسة وراء رواية الخلق، هو إعلامنا أن الله هو خالق كل شيء في العالم فالشمس والقمر كما الحيوانات والنباتات ليست بآلهة، لكنها مجرد مخلوقات صنعها الله أما طريقة قيامه بذلك، فيبدو أنها تُركت مفتوحة.

هذا يعني ان المسيحي لديه الحرية للاتباع إلى حيث يقوده البرهان. ومن هذا القبيل فإن حالته بكل تأكيد تبدو أفضل من حالة عالم الطبيعيات. ذلك لأنه إن كان الله غير موجود، فالنشوء والارتقاء، يبقى الاحتمال الوحيد. عندئذ، من الضروري أن يصح النشوء والارتقاء، وذلك بمعزل عن مقدار عدم احتمال حصول هذا الأمر أو ذاك، أو عما تبينه الأدلة، وذلك في غياب أي شيء آخر خارج الطبيعة من شأنه إحداث تعقيد بيولوجي. إذا، ما يخلص إليه عالم الطبيعيات هو مقرر مسبقاً في ضوء فلسفته التي يدين بها، لا على أساس ما تشير إليه البراهين والأدلة.

كتاب فيليب جونسون Phillip Johnson “داروين أمام المحكمة” Darwin On Trial والذي ساعد على إطلاق حركة التصميم الذكي 30 Intelligent Design movement، يُظهر بوضوح الفكرة الرئيسية والتي مفادها أن الداروينية المستحدثة، ليست شيئا بالإمكان استخلاصه من البرهان، لكنها تُبنى وتتأسس على التزام فلسفي بعلم الطبيعيات. جونسون يسره التسليم بأن الداروينية تبقى أفضل نظرية مبنية على التيار الطبيعي لتفسير ظاهرة التعقيد البيولوجي. لكن، وبما أن جونسون ليس بعالم طبيعيات، فإنه يكتفي بالقول: “إذا ماذا؟ ما أبغي معرفته ليس ما هي أفضل نظرية مبنية على التيار الطبيعي، بل بالحري. أية نظرية هي صحيحة.” حجة جونسون هنا، هي أنه ما إن تُسقط من حساباتك فرضية أن كل ما في هذه الحياة مبني على قوانين طبيعية وليست روحية، حتى ينتفي بذلك كل دليل قاطع على كون الداروينية المستحدثة هي صحيحة.

ما يدعمه الدليل هو التطور الخفي Microevolution. أي إحداث التغييرات ضمن حدود. فحتى أكثر المحافظين بين الأصوليين يُجمعون على ذلك، بما أن كل الأعراق البشرية، في اعتقادهم. كانت قد تحدرت من زوجين وحيدين من السلاسة البشرية، هما ادم وحواء. من هنا فإن التغيير الحاصل ضمن أنواع معينة. ليس قط بالأمر المستهجن. نظرية الداروينية المستحدثة. تشغل قفزة عظيمة أو توسعاً من مفهوم التطور الخفي المقبول عند الجميع إلى التطور الكبير Macroevolution. لكن حفل العلوم، يشهد على أمثلة كثيرة حيث أخفق هذا الصنف من التوسع في المفاهيم. مثلأ، حاول اينستاين Einstein الانتقال من مبدئه الناجح الخاص بالنسبية إلى مبدإ عام للنسبية. لكنه بدا عاجزاً عن فعل ذلك. فالنظرية العامة المتعلقة بالنسبية، تعتمد اسما مغلوطاً، بما أنها في الواقع نظرية تتعلق بالجاذبية. ولا تنجح في جعل كل أشكال الحركة نسبية. كما كان يأمل اينشتاين. ومن هذا المنطلق عينه، يجدر بنا أن نسأل لماذا الظن بأن الانتقال من التطور الخفي والتوسع منه إلى التطور الكبير، هو أمر مشروع؟ عندما نُسقط التزامنا المنهجي بكل ما هو طبيعي، لماذا نعود ونفكر في كون الداروينية المستحدثة هي صحيحة؟

هل نظرية الداروينية الحديثة صحيحة؟

التساؤل حول مدى صحة نظرية الداروينية المستحدثة، يطرح مسألة هي أعمق مما يظن معظم الناس. إذ جزءا من المعضلة يكمن في الغموض الذي يكتنف العبارة النشوء والارتقاء إو التطور. والتي يُنظر إليها أحيانا على أنها “تغيير في الوقت”، الأمر الذي لا يختلف عليه أحد. من هنا ضرورة تخطي حدود اللفظة نفسها من أجل النظر إلى ما تنطوي عليه هذه النظرية فعلياً. ثمة معتقدان رثيسان تُبنى عليهما نظرية الداروينية المستحدثة حول التطور البيولوجي: أولآ، ما بوسعنا تسميته عقيدة سلسلة النسب المشتركة، وثانيا، عمليات التحولات الجينية والانتقاء الطبيعي.

بحسب سلسلة النسب المشتركة، فإن الحياة على أشكالها كانت قد تطورت من سلف أساسي واحد. ما يؤيد هذه العقيدة كون الكائنات الحية، في معظمها. تتشارك في الشيفرة الجينية عينها أو”(الدي إن أي)” DNA. وهكذا بإمكان أحدنا القول ببساطة، إن الله كان قد اعتمد خطة التصميم الأساسية عينها في معرض صنعه للأنواع المختلفة من الكائنات المتفرقة. لكن قد يبدو معقولأ أكثر أن هذا التشابه الجيني لكل الكاننات الحية، مرده إلى كونها مرتبحلة بعضها ببعض، حيث تتشارك جميعها واحداً.

بالمقابل، يأتي الدليل المبني على المتحجرات لينقض بوضوح عقيدة السلف المشترك هذه. فعندما اقترح داروين ذظريته، برزت من جملة ثغراتها الرئيسة غياب أية كاننات تقف في الوسط ما بين الكائنات، لكونها أشكالا انتقالية. رد داروين على هذا بالقول إن هذه الحيوانات الإنتقالية كانت موجودة في الماضي، ولابد من اكتشافها في نهاية المطاف. لكن عندما أقدم علماء البليونتولوجيا على التنقيب عما خلفته وراءها الكائنات الحية تحت شكل متحجرات. لم يعثروا على أى من هذه الأشكال الإنتقالية، وكل ما اكتشفوه كان المزيد من الحيوانات والنباتات الميتة والمنفصلة بعضها عن بعض. بكل تأكيد، كان هناك بعض الأشكال الانتقالية. على ما يُظن. من صنف الأركيويتريكس Archaeopteryx. هذا الطائر الحاوي على بعض خصائص الزواحف. لكن، لو صحت نظرية الداروينية المستحدثة، لما وُجد عدد قليل ونادر من الحلقات المفقودة، بل بالحري، كما يؤكد على ذلك مايكل دانتن Michael Denton، لابد في هذه الحال من وجود ملايين الأشكال الانتقالية ضمن سجل المتحجرات.٣١ تفكر مثلا في كل الأشكال الانتقالية التي ينبغي توافرها حتى يتسنى لكل من الوطواط والحوت أن يتطورا من سلف مشترك! وهذه المشكلة لم يعد بالإمكان تجاهلها بالزعم أننا لم نعمق كما يجب في حفرياتنا. إنما هذه الاشكال الانتقالية، لم يتم العثور عليها، لأنها غيرموجودة. إذا الدليل المختص بعقيدة السلف المشترك، يشكل خليطا. فالدليل المبني على “الدي إن أي” DNA يسندها من جهة، إلا آن الدليل المستوحى من المتحجرات، يعمل ضدها.

والآن، ماذا عن آليات التحولات الجينية والانتقاء الطبيعي المفترض فيها. أن تكون هي العامل المحرك لعملية النشوء والارتقاء؟ بحسب النظرية، يحصل التطور لأن التحولات العشوائية تنتج خصائص جديدة داخل الكائنات الحية. وتلك التي تظهر مفيدة للبقاء والاستمرار على قيد الحياة، هي التي يحتفظ بها، كما أنها هي التي تتوالد.

أنا لست على علم على الإطلاق باى دليل على كون هذه الآليات قادرة على إنتاج ذلك الصنف من التعقيد البيولوجي الذي نشهده في العالم اليوم، وذلك انطلاقا من كائن يتألف في الأصل من خلية واحدة. بل في الواقع، تعمل الأدلة ضذ هذا الأمر، ذلك لأن هذه العمليات تجري وتحصل بشكل بطيء أكثر من اللزوم. العالمان باروBarrow وتبلرTipler يلحظان في كتابهما ,”المبدأ الكوني الخاص بالإنسان” The Anthropic Cosmological Principle عشر خطوات يجب حصولها في إطار حصول النشوء والإرتقاء على الصعيد البشري: تطورالتنفس الحيوائي Aerobic (أي حاجة الكانن البشري إلى الأكسجين للحياة)، تطور هيكل عظمي داخلي وتطور العين، على سبيل المثال. الاحتمالات بالنسبة إلى كل واحدة منها ضئيلة جدا لدرجة أنه قبل حصولها ستكون الشمس قد كفت عن أن تكون النجمة الرئيسة المتعاقبة. وقد أحرقت الأرض! 32 ثم خلصا إلى القول: “لقد تولد إجماع عام لدى معشر النشوئيين، ومفاده أن احتمالات حصول الحياة الذكية ضئيلة جدا، ما يجعل من المستبعد حدوث ذلك على متن أي كوكب آخر على صعيد كل الكون المذظور.”٣٣ وان صح ذلك، فلماذا الظن بأن الحياة الذكية كانت قد تطورت، من قبيل الصدفة، على هذا الكوكب؟

ثمة معضلة ثانية ترافق التحول الجيني والانتقاء الطبيعي. وتُختصر في عجزها عن تفسير أصل الأنظمة المعقدة التي لا تقبل أي تبسيط. وهذا يشكل الفكرة الرئيسة لكتاب مايكل بيهي Michael Behe “الصندوق الأسود لداروين”Darwin’s Black Box34 بيهي المتخصص في علم الجراثيم من جامعة لوهاي Lehigh، يشير إلى بعض الأنظمة داخل الخلية، من صنف آليات تخثير الدم أوالأشكال الآشبه بالشعرة والمعروفة بالأهداب، وهي كناية عن آلات مجهرية معقدة فوق كل تصور، ويلزمها لكي تعمل، أن تكون جميع أجزائها حاضرة وجاهزة للعمل. لذا، لا يمكنها أن تتطور جزئيا وتد ريجياً. بيهي، وبعد مراجعته للالاف من المقالات العلمية المتعلقة بهذه الأنظمة. اكتشف كيف أن لا شيء تقرييا كتب عن الطريقة التي بها كان بإمكان هذه الأنظمة المعقدة وغير القابلة للتبسيط، أن تتطور بفعل التحولات العشوائية والانتقاء الطبيعي. 35 لا يوجد عندنا أي إدراك علمي على الإطلاق للطريقة التي بها كانت قد بدأت أنظمة كهذه، بل بالنسبة إليها، لا تملك الداروينية في المطلق أية قدرة على تفسير وجود هذه الظاهرة.

لاختصار ما سبق. وفي غياب أي التزام منهجي بالنزعة إلى تفسير الأمور من زاوية طبيعية بحتة. يبدو أنه لا يوجد أي دليل قاطع على صحة نظرية الداروينية المستحدثة. بل على نقيض ذلك، إذ تتوافر أدلة دامغة ومقنعة على أن رواية الداروينية المستحدثة لا يمكنها أن تختصر القصة بأكملها. ومن جديد، لا يخبرنا الكتاب المقدس عن الطريقة التي بها خلق الله الكائنات المعقدة بيولوجيا، تماماً كسهوه عن ذكر أي شيء يتعلق بطريقة خلقه الحياة، (الرواية الخاصة بخلق الرجل والمرأة في الفصل الثاني من التكوين، يبدو عليها بوضوح أنها تحمل طابعاً رمزياً، ذلك لأن الله الذي يفتقر إلى أي من الرئتين أو الفم، لم ينفخ حرفيا في أنف آدم)- كان بوسعه أن يخلق x نيهيلو (من العدم)، أو كان بإمكانه اعتماد كائنات حية من مراحل أدنى بمثابة المواد الخام لخلق الأشكال الأعلى من طريق إحداث تغيرات نظامية، غير محتمل حدوثها بالكامل على صعيد رواية لا تدين إلا بالتفسير الطبيعي البحت فقط. اما المسيحي فهومنفتح على اتباع الدليل إلى حيثما قاده. لكن، ما يشيرإليه الدليل، على ما يبدو، هوأن ظاهرة التعقيد البيولوجي، إنما تفترض وجود ذكاء مصمم كالذي يصفه الكتاب المقدس.

الخلاصة

 

ما يظهر أعلاه. لا يشغل سوى عينة غير كافية عن العمل المثير والمشوق الجاري اليوم ضمن الحوار الدانر بين العلم والدين. يبقى هناك الشيء الكثير لنقوله حول مسائل من صنف مثلاً نظرية الكم ونظرية النسبية، والانتروبولوجيا (علم الإنسان)، والجهاز العصبي. الأسئلة الصعبة باقية، إلا أذ هذا يجب ألا يحمل المعسيحي المعاصر الذي يؤمن بالإنجيل على التخوف من العلم كعدو للإيمان المسيحي. لكن يجدر به أن يعتنق العلم كحليف له في فهم الحق المختص بالعالم الذي خلقه الله، وكمصدر غني في معرض الدفاع عن الإيمان المسيحي.

أسئلة للتأمل والمناقشة:

  1. كيف ترد على من يدعي عدم إمكانية وجود أي خلاف أو نزاع ما بين الدين والعلم، وذلك لأن العلم يجيب عن الأسئلة المصدرة بكلمة “ماذا؟” فيما يخاطب الدين الأسئلة المصدرة بكلمة “كيف؟”؟
  2. إذا سألك أحدهم: “أي دليل علمي لديك عن الله؟” بماذا تجيبه؟
  3. 3. على إفتراض أن أحد تلامذة المدرسة، ربما إبنتك أو إبنك، جاء ينقل إليك ظنه، بأن الله يدعوه إلى التخصص في أحد مجالات العلم. كيف ستكون عليه ردة فعلك؟ وبماذا ستنصحه؟
  4.  
  1. Andrew Dickson White, A History of the Warfare of Science with Theology in Christendom, 2vols. reprint ed. (New York: Dover, 1960).
  2. Charles B. Thaxton and Nancy R. Pearcey, The Soul of Science (Wheaton, lll.: Crossway, 1994).
  3. Loren Eiseley, “Francis Bacon,” in the Horizon Book of Makers of Modern Thought (New York: American Heritage, 1972), 95-96.
  4. Loren Eiseley, Darwin’s Century (Garden City, N.Y.: Doubleday, 1961), 62.
  5. Freeman J. Dyson, “ls God in the Lab?” The New York Review of Books, 28 May 1998, 8.
  6. C. P. Snow, “The Two Cultures,” in the Two Cultures and a Second Look (Cambridge: Cambridge University Press, 1969).
  7. Victor Weisskopf, “Frontiers and Limits of Science,” Alexander von Humboldt Stiftung: Mitteilungen 43 (March 1984): 1-11; cf. a similar paper by the same author in American Scientist 65 (1977):405.
  8. John Barrow and Frank Tipler, the Anthropic Cosmological Principle (Oxford: Clarendon, 1986), 442.
  9. Quentin Smith, “The Uncaused Beginning of the Universe,” in William Lane Craig and Quentin Smith, Theism, Atheism, and Big Bang Cosmology (Oxford: Clarendon, 1993), 120.
  10. Arthur Eddington, the Expanding Universe (New York: Macmillan, 1933), 124.
  11. Eddington, the Expanding Universe, 178.
  12. For discussion see my “Naturalism and Cosmology,” in Naturalism: A Critical Appraisal, ed. Wm. L. Craig and J,P. Moreland, Routledge Studies in Twentieth-Century Philosophy (London: Routledge, 2000), 215-52.
  13. Stephen Hawking, A Brief History of Time (New York: Bantam, 1988), 140-41.
  14. Arthur Eddington, Space, Time, and Gravitation, reprint. ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 1987), 48,
  15. Eddington, Space, Time, and Gravitation, 181.
  16. Stephen Hawking and Roger Penrose, The Nature of Space and Time,The lsaac Newton lnstitute Series of Lectures (Princeton, N.J.: Princeton University Press, 1996), 3-4,121.
  17. See John D. Barrow, Theories of Everything (Oxford: Clarendon, 1991), 67-68.
  18. Hawking and Penrose, The Nature of Space ond Time, 20.
  19. Andrei Linde, who thinks that Steinhardt’s model “is plagued by numerous unsolved problems,” complains that the cyclic/ekpyrotic scenrario is “very popular among journalists” but “rather unpopular among scientists” (“Cyclic Universe Runs into Criticism,” Physics World (June 2002J, 8).
  20. J. M. Wersinger, “Genesis: The Origin of the Universe,” Notional Forum (winter 1996),9,12. Wersinger himself apparently tries to avoid the absolute origin of the universe from nothing by appeal to a vacuum fluctuation, an idea that has been shown untenable, as I explain in the article referred to in note 19.
  21. John Barrow, The World Within the World (Oxford: Clarendon, 1988).
  1. Paul Davies, “God and Time Machines,” Books and Culture (March/ April 2002), 29.
  2. John C. Polkinghorne, Serious Talk: Science and Religion in Dialogue (London: SCM Press, 1996), 6.
  3. I owe this insight to the philosopher of science Robin Collins.
  4. Ludwig Boltzmann Lectures on Gas Theory, Trans, Stephen G. Brush (Berkeley: University of California Press, 1964), and 446-48.
  5. Fred Hoyle and Chandra Wickramasinghe, Evolution from Space (New York: Simon & Schuster, 1981), 24.
  6. Charles B. Thaxton, Walter L. Bradley, and Roger Olsen, the Mystery of Life’s Origin (New York: Philosophical Library, 1984).
  7. Francis Crick, “ln the Beginning…,” Scientific American (February 1991), 125.
  8. Nathan Aviezer ln the Beginning (Hoboken, NJ: KTAV publishing House, 1990).
  9. Phillip E. Johnson, Darwin on Trial (Downer’s Grove, lll.: lnterVarsity Press, 1991). The intelligent Design movement, whose leaders include William Dembski, Stephen Meyer, Paul Nelson, Michael Behe, and Jonathan Wells, emphasizes the need for intelligent agency behind biological complexity, while remaining neutral on issues of interventionism (creationism) and theism (God).
  10. Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis (Bethesda, Md.: Adler & Adler, 1985), chapters 8-9.
  11. Barrow and Tipler, the Anthropic Cosmological Principle, 561-65.
  12. Barrow and Tipler, the Anthropic Cosmological Principle, 133.
  13. Michael Behe, Darwin’s Black Box (New York: Free press, 1996).
  14. For Behe’s response to critics, see Michael Behe, “The Modern lntelligent Design Hypothesis: Breaking Rules,” Philosophia Christi 3, No. 1 (2001), 165-79).

أسئلة صعبة عن العلم | ويلم لين كريج

Exit mobile version