ادلةُ النقضِ – هل يسوع التاريخ هو نفس يسوع الإيمان؟ – لي ستروبل

ادلةُ النقضِ – هل يسوع التاريخ هو نفس يسوع الإيمان؟ – لي ستروبل

ادلةُ النقضِ – هل يسوع التاريخ هو نفس يسوع الإيمان؟ – لي ستروبل

ادلةُ النقضِ – هل يسوع التاريخ هو نفس يسوع الإيمان؟ – لي ستروبل

 

هذا ما يحدث طوال الوقت في إعادة ” بيرى ماسون ” وفي الروايات ذات الأغلفة الورقية، لكنه نادر جدا في المسرحيات القانونية الواقعية. لذا عندما يرفض شاهد العيان في محاكمة لجريمة قتل الإشارة إلى المتهم كالقاتل، لكن بدلاً من ذلك يعترف بأنه هو القاتل، فإن كل الموجودين في قاعة المحكمة يُذهلون. لقد كان لديَّ قصة مُدهشة بجريدة شيكاغو تربيون.

إتّهم ريتشارد موس بإطلاق النار على مواطن من شيكاغو عمره تسعة عشر سنة، فأرداه قتيلاً خارج حانة في الشمال الغربي. واستدعى صديق عمر موس، إد باسيري، للشهادة، فوقف ليصف المشاجرة التي أدّت إلى القتل.

وصف باسيري المشهد الذي حدث خارج حانة ” رستى نيل “، ثم سأله محامي الدفاع عما حدث للضحية.

فأجاب باسيري، دون أن تطرف عيناه، أنه بعد أن طعنه الضحية بالمقص ” أطلقت أنا النار عليه “

إنذهل كاتب المحكمة فاتحاً فاه، وسقطت أيدي المدّعون، أما القاضي فقد أوقف إجراءات المُحاكمة في الحال لكي ينصح باسيري بحقه الدستوري ضد تجريم نفسه أو اتهام نفسه بهذه الجريمة، وبعد ذلك تقدّم المتهم إلى المنصة للقول: نعم، ذلك صحيح، فقد كان باسيري من إرتكب الجريمة.

وهنا صاح محامي الدفاع قائلاً: ” إن ما فعله باسيري [باعترافه] لهو عمل شجاعة خالصة “.

لكن المدّعين كانوا غير مقتنعون. فسأل أحدهم ” أية شجاعة؟ إن باسيري يعرف أنه لا يُخاطر بالإدعاء على نفسه، لأن الدليل الوحيد الرسمي يشير إلى ريتشارد موس!”. وحيث كانوا ما زالوا مقتنعين بأن موس هو المذنب، عرف المدّعون بأنه لابد أن يقدموا دليلاً قوياً ليفندوا إدعاء باسيري. في الإصطلاح القانوني، أنهم يحتاجون لـ ” دليل نقض “، ويُعرّف بأنه أي دليل يقدّم ” ليوضح، أو يبطل، أو يُفنّد ” أقوال شاهد [1].

في اليوم التالي، إستجوب المدّعين ثلاثة شهود عيان آخرين الذين قالوا دونما شك بأن موس هو من إرتكب جريمة القتل. فبناء على هذه الشهادة، وشهادات أخرى قرر المحلفون أن موس مذنب [2].

لقد قام المدّعون بالشيء الصائب. فعندما وجدوا أن قوة الشهادة الفائقة أشارت بوضوح إلى أن المدعى عليه مذنب، فقد كانوا من الحكمة أن يشكوا في تأكيد غير مُدعم أساساً من شخص له مصلحة أكيدة في مساعدة صديقه.

هل بالإمكان تفنيد مؤتمر يسوع؟

كيف يمكن لهذا المفهوم القانوني لدليل النقض أن يناسب تحقيقاتي عن يسوع؟

فبما أنى قد سمعت شهادات مقنعة جدا ومقبولة بشكل جيد وبقوة من العلماء حول تشكيكي له في هذا الكتاب، فقد إحتجت لتحويل انتباهي إلى الآراء المضادة بلا تردد من مجموعة صغيرة من الأكاديميين الذين كانوا معارضين لعاصفة من التغطية الإخبارية.

أنا متأكد أنكم رأيتم المقالات. ففي السنوات الأخيرة كانت وسائل الإعلام الإخبارية مشبعة بالتقارير نقد لا تتفق مع قواعد النقد النزيه عن مؤتمر يسوع، وهم مجموعة إختاروا أنفسهم ويمثلون نسبة ضئيلة جداً من علماء العهد الجديد ولكنها ولّدت تغطية واسعة وغير متناسبة مع تأثير هذه المجموعة.

جذب المؤتمر مشاركين أذكياء في الدعاية والإعلان والصحافة بالإدلاء للتصويت باستخدام الخرز الملون عما إذا كانوا يظنون أن يسوع قد قال ما تقوله الأناجيل بأنه قاله. فالخرزة الحمراء معناها أن يسوع هذا ما قاله يسوع بلا شك أو ما يُشابهه؛ والخرزة الوردية معناها أنه ربما يكون قد قال ذلك؛ والخرزة الرمادية معناها أنه لم يقل هذا الكلام ولكن الأفكار تشبه افكاره؛ والخرزة السوداء معناها أنه لم يقل هذه الكلمات إطلاقاً.

إستنتجوا في النهاية أن يسوع لم يقل 82% مما تنسبه إليه الأناجيل. ومعظم الباقين ونسبتهم 18% إعتبروهم مرتابين جداً، مع بقاء 2% فقط من اقوال يسوع تقرر بثقة أنها جديرة بالتصديق. ولرغبتهم الشديدة في الجدال والخلافات مع عدم وجود الخبرة للفحص بدقة التي تمكنهم أن يدققوا في نظام المؤتمر، فقد كرس الصحفيون نفورات من الحبر لهذه القصة.

ثم نشر المؤتمر ” الأناجيل الخمسة “، وهو كتاب يحتوي على الأناجيل الأربعة التقليدية بالإضافة إلى إنجيل توما المشكوك فيه، مع تلوين كلمات يسوع بألوان مشفرة لتتوافق مع مكتشفات المجموعة. فلو تصفحتها فستجد كلمات كثيرة بالحبر الأسود ولكن قليلة جداً بالأحمر. فمثلاً، الكلمات الوحيدة من الصلاة الربانية التي اقتنع المؤتمر بأن يسوع قالها هي “أبانا”.

لكنى أردت تجاوز العناوين الرئيسية وأن أحفر الأرض لأكتشف، كما يحب المعلق بول هارفي القول، لأكتشف ” باقي القصة “. وكنت محتاجا أن أعرف هل هناك أي دليل نقض موثوق به لدحض هذه الآراء المزعجة ذات الدعاية الواسعة. هل كانت مكتشفات مؤتمر يسوع مبنية بشكل صلب على بحث علمي غير متحيز، أم كانت مثل شهادة باسيري سيئة المصير: حسنة النية لكنها في النهاية غير مدعمة؟

وللحصول على أجوبة، قمت برحلة بالسيارة إستغرقت 6 ساعات إلى سانت بول، بولاية مينيسوتا، للتباحث مع الدكتور جريجورى بويد (بالنادي الجامعي)، أستاذ اللاهوت المثقف والذي كتبه ومقالاته قد تحدث مؤتمر يسوع رأساً.

المقابلة الخامسة: جريجورى إي.بويد، دكتوراة فلسفة

تصادم بويد مع مؤتمر يسوع لأول مرة سنة 1996، حين كتب مقالة نقد مدمرة عن الآراء المتحررة عن يسوع بعنوان ” حكيم متهكم أم إبن الله؟ Cynic Sage or Son of God?  ” ” إستعادة يسوع الحقيقي في عصر الإجابات التي تنادي بتعديل المذهب Recovering the Real Jesus in an Age of Revisionist Replies   ” وهذا المجلد المكون من 416 صفحة والمملوء بملاحظات على الحواشي قوبل باحترام وتقدير من قراء ” المسيحية اليوم Christianity Today “، واعتبروه واحدا من كتبهم المفضلة لهذا العام، وكتابه الشعبي المبسط ” يسوع تحت الحصار Jesus Under Siege “يستكمل نفس المواضيع على مستوى أكثر تمهيدية.

وكتب بويد الاخرى تشمل ” خطابات من متشكك “، الحائز على جوائز، وفيه يتصارع مع والده المتشكك آنذاك في مسائل عويصة تتعلق بالمسيحية (والتي توجت بأن أصبح أبيه مسيحي واعد ملتزم)، وكتاب ” الله في حالة حرب: الإنجيل والصراع الروحي God at War: The Bible and Spiritual Conflict. بالإضافة إلى ذلك، كان عالماً مساهماً في ” دراسة بحث للإنجيل ” التي كانت مخصصة للناس الذين يسألون أسئلة عقلانية عن الايمان المسيحي.

بعد حصوله على درجة البكالريوس في الفلسفة من جامعة مينيسوتا، حصل على درجة الماجستير في علم اللاهوت بامتياز من مدرسة اللاهوت بجامعة يايل والدكتوراه (بامتياز مع مرتبة الشرف)، من معهد برينستون اللاهوتي.

ومع ذلك، فهو ليس بالمفكر العادي ذو البرج العادي. وكان بويد بشعره الاسود المتموج، وجسمه النحيل لكن قوى، وإبتسامته الساخرة، يشبه نظيره الجامعي ذو الروح الفكاهية هاوي مانديل. ومثل ماندل، كان بويد شعلة من النشاط الصافي.

تتدفق الكلمات منه كما تتدفق المياه من انبوب منفجر. وهو يشرح الأفكار المعقدة والمفاهيم اللاهوتية بسرعة فائقة مُسببة للدوار. يتململ ويومئ، يتلوى في كرسيه، وليس لدسه وقت ليشمر قميصه، أو لتنظيم أوراقه المبعثرة في كل انحاء مكتبه، أو لوضعها في ملفات، أو ينظم كتبه المكومة في أكوام مكدسة على الأرض ويرصصها على الأرفف. فهو مشغول جداً، يفكر، ويجادل، ويستجوب، ويتساءل، ويحلم، ويتأمل، ويخترع ويناقش مشروعاً بعد آخر.

في الواقع، لا يمكن لمهنة واحدة أن تحتويه. فبالإضافة إلى مكانته كأستاذ على اللاهوت في كلية بيثيل، هو ايضا قس في كنيسة وودلاند هيلز، حيث ساعد وعظه الحماسي على زيادة حضور الشعب من إثنان واربعون سنة 1992 إلى خمسة وعشرون ألف اليوم. هذا الجو، جو العالم الواقعي يساعد على تثبيته في الحقائق الواقعية للحياة اليومية.

وبطريقة مرحة، يجري مناظرات مع الملحدين. وقد سبق له أن جادل مع الراحل جوردون شتاين حول موضوع ” هل الله موجود؟ “وتجادل مع القس الذي تحول إلى متشكك دان باركر حول موضوع ” هل قام يسوع من الموت؟”. وفي برنامج تحن رعاية المركز الإسلامي في مينيسوتا، تناظر مع رجل مسلم حول مسألة ” هل الله ثالوث؟”. وبويد بذكائه العقلي، وسرعة بديهته، وتعاطفه مع الناس، وذخيرته العميقة من المعلومات حول الكتاب المقدس والفلسفة تجعله خصماً مُرعباً.

وزيادة على ذلك، فهو يمزج الثقافة الشعبية والثقافة العلمية الجادة كأي رجل أعرفه. فهو يعرف كرة القدم مثلما يعرف الملاحظات على هوامش الكتب. ويمكنه أن يبدأ جملة بملاحظة على إرتجالية عن فيلم جديد وينهيها بإشارة مصدرية عالية المستوى إلى لغز من الألغاز الفلسفية العميقة. ويستريح لثرائه دلبيرت ” أو مشاهدة ” سينفيلد ” مثلما يستمتع بكتابة كتابه المؤثر ” الثالوث والتقدم ” وهو تقييم نقدي وإعادة تنظيم لفكرة هارتشورن عن التوحيد ثنائي القطب نحو ميتافيزيقيا الثالوث.

وأسلوبه العادي والعامي (الذي يعتبره علماء الإنجيل الآخرين ” غريب” و” لا عقلاني “) جعلني بسرعة اشعر بالألفة عندما إنحشرنا في مكتبه بالطابق الثاني. وسرعان ما إتضح أن بويد قد إنتهى من عمله وأستعد للذهاب.

كتابات من جماعة متطرفة  

قررت البدء من منظور القارئ العادي للأخبار. فقلت ” يلتقط الناس مجلة أو صحيفة، ويقرأون إستنتاجات مؤتمر يسوع، ويفترضون، أن هذا يمثل الإتجاه العام في علم العهد الجديد. لكن هل هذه هي حقيقة الحالة؟

فأجاب قائلاً “كلا “، وكان يبدو كمن ذاق شيئاً مراً.” كلا، ليست هذه الحالة. لكنك على صواب، فلدى الناس هذا الإنطباع”.

ثم تحرك متململاً في كرسيه حتى أصبح في وضع مريح يمكنه من حكاية قصة ” عندما صدرت جريدة “تايم” ومقالتها الرئيسية عن “مؤتمر يسوع”، تصادف أن كنت مستمراً في حديث عن المسيحية مع شخص كنت مستمراً في بناء علاقة معه. وكان متشكك جدا بطبعه، ومشبع بأفكار العهد الجديد New Age “.

وكان لدينا صديق مشترك أدخل إلى المستشفى، وعندما ذهبت لزيارته، وجدت هذا الشخص هناك قبلي، وكان يقرأ جريدة الـ “تايم”. فلما دخلت الحجرة قال لي ” حسناً يا جريج، يبدو أن العلماء يخالفونك الرأي ” ثم ألقى بالجريدة إلي”.

هز بويد رأسه من الحزن وعدم التصديق.” وكما ترى، أن هذه المقالة أعطته المبرر للتوقف عن الحديث معي بجدية. بالرغم من أنه يعرف أنني عالم، إلا أنه فهم هذه المقالة كأنها تقول: أن معظم العلماء، على الأقل الذين ليسوا حمقى ولا مخبولين، يحملون وجهات النظر هذه”.

بإمكاني التعاطف مع قصة بويد، بعد أن سمعت الكثير جداً من الناس يساوون بين مؤتمر يسوع وجميع العلماء. فسألته ” هل تعتقد بأن هذا إنطباع عرضي؟ “.

فأجاب بويد ” حسناً، إن مؤتمر يسوع يصور نفسه بهذه الطريقة. وفي الواقع، إن هذا أحد أكثر المظاهر ازعاجاً، ليس فقط بالنسبة للإنجيليين بل للعلماء الآخرين أيضاً”.

“فلو نظرت إلى كتابهم ” الأناجيل الخمسة” تجدهم يحددون سبعة اعمدة للحكمة العلمية، كأنك يجب أن تتبع منهجهم لو كنت ستصبح عالماً حقيقياً. لكن الكثير من العلماء، من طيف عريض من الخلفيات، سيكون لديهم تحفظات جاده بخصوص واحد أ حتى معظم هذه الأعمدة. ومؤتمر يسوع يسمون ترجمتهم للكتاب المقدس “نسخة العلماء”. حسناً، ما الذي يدل عليه هذا؟، أن الترجمات الأخرى ليست جديرة بالعلماء؟”.

توقف للحظة، ثم دخل إلى صميم القضية وقال” هذه هي الحقيقة، إن مؤتمر يسوع يمثل فئة قليلة جداً من العلماء المتطرفين الهامشيين الذين يعتبرون جناح أقصى اليسار لفكر العهد الجديد. فهم لا يمثلون الثقافة السائدة.

” ومما يدعو للسخرية، أن لهم سمة أو علامة خاصة بمذهبهم المتشدد. فهم يقولون إن لديهم الطريقة الصحيحة لمل الاشياء ” ثم ابتسم وأضاف بضحكة مكتومة. “من ناحية التنويع، يمكنهم فعلاً أن يكونوا ضيقي الأفق”.

إكتشاف يسوع الحقيقي

قلت” على الأقل أعتقد أن المشاركين في مؤتمر يسوع قد ظلوا متمسكين جداً بأهدافهم. أليس كذلك؟”.

فأجابني قائلاً “نعم، هذا صحيح. فهم صريحين وواضحين في قولهم إنهم يريدون إنقاذ الكتاب المقدس من الأصولية وتحرير الأمريكان من ” الإعتقاد الساذج بأن يسوع الذي في الإنجيل” هو يسوع “الحقيقي” فهم يقولون أنهم يريدون يسوع المناسب للحاضر. وقد قال أحدهم أن يسوع التقليدي لم يهتم باحتياجات الأزمة البيئة، والأزمة النووية، وأزمة المساواة بين الجنسين، لذا فإننا نحتاج إلى صورة جديدة ليسوع. كما قال آخر “نريد خيالا جديدا”

” أحد مظاهر الإنحراف أنهم يتجهون مباشرة إلى الجماهير بدلاً من الاتجاه إلى العلماء الآخرين. فهم يريدون إخراج مكتشفاتهم من الربح العادي وينقلوها إلى الأسواق لكي يؤثروا على الرأي العام الشعبي. وما يدور في عقلهم هو شكل جديد تماماً للمسيحية”.

فكرة يسوع جديد، وإيمان جديد، ومسيحية جديدة، إنها افكار مخادعة. فقلت له ” أخبرني عن يسوع هذا الذي اكتشفه المشاركون في مؤتمر يسوع. وكيف يكون شكله؟”.

فقال ” الأمر الأساسي، أنهم اكتشفوا ما كانوا يبحثون عنه. فالبعض يعتقد أنه كان ثوري سياسي، والبعض أنه متعصب ديني، والبعض صانع عجائب، والبعض أنه مؤمن بالمساوة بين الجنسين، والبعض بأنه مؤمن بالمساوة بين البشر، والبعض بأنه مؤمن بالتدمير. هناك تنوع كبير”. وبعد ذلك ركز على المسألة الرئيسية” لكن هناك صورة واحدة كلهم متفقون عليها. يسوع جب أن يكون يسوع منادياً ومناصراً للمذهب الطبيعي.

وبعبارة أخرى ـ فمهمها قيل عنه ـ فإن يسوع كان إنساناً مثلي ومثلك. لربما كان رجلاً غير عادي، وربما أنه حرك فينا طاقتنا الكامنة كما لم يستطع أحد أن يحركها، لكنه لم يكن خارقا للطبيعة.

” وهكذا يقولون إن يسوع واتباعه الأوائل لم يعتبرونه إلها أو مسياً، ولم يروا في موته أي اهمية خاصة. وكان صلبه مؤسفاً ومبكراً قبل أوانه، أما الروايات عن قيامته فقد جاءت فيما بعد كمحاولة للتعامل مع هذه الحقيقة المحزنة”.

إدلاء بشهادة محاكمة عادلة

وقفت وتمشيت إلى رف كتبه فيما كنت أصيغ سؤالي التالي “حسناً، ولكن لديك إيمانك الشخصي بأن يسوع قد قام، ولربما كان إيمانك قد صبغ وجهة نظرك على حد بعيد. فإن مؤتمر يسوع صبغ نفسه كمسعى غير متحيز للحقيقة، وهو ما يمكن مقارنته بالناس الملتزمين دينيا مثلك، والذين لديهم برنامج لاهوتي”

أعاد بويد مقعده لمواجهتي، ثم قال: ” آه، لكن ذلك ليس هو الذي يحدث في الحقيقة، فالمشاركين في مؤتمر يسوع على الأقل هم متحيزين كالإنجيليين، وأقول ربما كانوا أكثر تحيزا ويفترضون مجموعة كاملة من الفرضيات لثقافتهم، وهو كالذي نفعله كلنا إلى حد ما.

” فرضيتهم الرئيسي التي، على سبيل المصادفة، ليست نتاج بحث علمي غير متحيز، بأن الأناجيل لا يوثق بها العامة. وهم يستنتجون هذا منذ البداية، لأن الأناجيل تتضمن بعض الأشياء التي تبدو من الناحية التاريخية غير محتملة، مثل المعجزات، والمشي على الماء، وإقامة الموتى. ويقولوا أن هذه الأشياء لا تحدث وهذا هو المذهب الطبيعي، الذي يقول بأن كل نتيجة في العالم الطبيعي أو المادي لها سبب طبيعي”.

فسألته ” نعم، ولكن أليست هذه هي الطريقة التي يعيش بها الناس حياتهم عادة؟ هل ترى أننا يجب أن نبحث عن التفسيرات الخارقة للطبيعة ووراء كل ما يحدث من أحداث؟”.

فقال بويد:” إن كل أنسان سيوافق على أنك يجب الا تنشد أسباب خارقة للطبيعة إذا لم تكن مضطراً لذلك. ولكن هؤلاء العلماء يتجاوزون ذلك ويقولون بأنه ليس هناك ضرورة لذلك مطلقاً. فهم يتصرفون وفق فرضية أن كل شيء في التاريخ قد حدث طبقاً لخبراتهم وتجاربهم، وبما انهم لا يرون بأن هناك شيء في عالم ما وراء الطبيعة، فهم يفترضون بأن المعجزات لم تحدث أبداً في التاريخ.

” وهذا هو ما يفعلونه: يستبعدون إمكانية وجود عالم ما وراء الطبيعة من البداية، وبعد ذلك يقولون: ” اعطونا دليل الآن عن يسوع”. ولا عجب أن يحصلوا على النتائج التي يريدونها”.

أردت إدارة دفة الحديث قليلاً ” حسناً، أذن كيف ستتصرف؟”.

فقال ” سأسلم بأنك يجب ألا تُنشد الأشياء الخارقة للطبيعة إلى أن تُضطر لفعل ذلك. نعم، ويجب البحث أولاً عن تفسير طبيعي. وأنا أفعل ذلك في حياتي الشخصية. فعندما أري سقوط شجرة، فربما يرجع سبب ذلك لوجود نمل أبيض. هل من الممكن أن ملاكاً قد دفعها؟ حسناً / لن أذهب إلى هذا الإستنتاج طالما أنه هناك دليل مؤكد لذلك.

” وأنا أيضاً أُسلّم بذلك، لكن الذي لا أستطيع أن أُسلّم به هو الافتراض المروع بأننا نعرف عن الكون بما يكفي لن ذلك يجعلنا نقول إن الله ـ لو كان هناك إله ـ لا يستطيع أبداً أن يقتحم عالمنا بطريقة خارقة للطبيعة. فإن هذا إفتراض صلفة جداً، وهي ليست فرضية مستندة على التاريخ؛ إنك تفعل أشياء خارقة للطبيعة.

” أظن أنه يجب أن يكون هناك قدر معين من التواضع في التحقيق التاريخي للقول ” أتعرف؟ من الممكن أن يسوع المسيح قام فعلاً من الموت. ومن الممكن أن يكون تلاميذه قد شاهدوا فعلاً كما تقول الأناجيل بأنهم رأوه “. وإذا لم تكن هناك طريقة أخري لتفسير هذا الدليل بطريقة كافية ومناسبة، فدعنا نبحث في تلك الإمكانية”.

” هذا ما أعتقد، بأنه الطريقة الوحيدة لإعطاء الدليل محاكمة عادلة.

نقد المعايير

لكي يتوصلوا إلى إستنتاجهم بأن يسوع لم يقل معظم ما أتت على ذكره الأناجيل، فأن أعضاء مؤتمر يسوع إستخدموا المجموعة الخاصة بهم من الإفتراضات والمقاييس أو المعايير. ولكن هل هذه المعايير معقولة ومناسبة؟ أم أنها تجهز من البداية بطريقة يمكن التحكم فيها، مثل زهر النرد في الطاولة عندما يمسك بطريقة معينة بحيث يمكن التحكم فيها، وبهذا تحقق النتيجة المطلوبة من البداية؟

وهنا بدأ بويد بتحليل الطريقة التي تتبعها المجموعة ” هناك عدة مشاكل في افتراضاتهم ومعاييرهم. فمثلاً، يفترضون أن الكنيسة التي قامت فيما بعد، هي التي وضعت هذه الاقوال على فم يسوع، مالم يكن لديهم دليل كافي للإعتقاد بغير ذلك. وهذا الإفتراض مبني على شكهم في الأناجيل، وهذا الشك يأتي من إفتراضهم أن الأشياء الخارقة للطبيعة لا يمكن أن تحدث.

“إن المؤرخين يضعون عادة عبء الإثبات على المؤرخ لإثبات الزيف أو اللاموثوقية، لأن الناس في العموم ليسوا بملزمين أن يكونوا كاذبين. وبدون هذا الإفتراض لن يصبح بإمكاننا أن نعرف إلا القليل جداً عن التاريخ القديم.

وإن مؤتمر يسوع يقلب هذا الوضع رأس على عقب فيقول: يجب عليك أن تثبت بطريقة إيجابية أن القول جاء من فم يسوع. ثم يجيئون بالمعايير المشكوك فيها لإثبات ذلك. فلآن من الصواب للعلماء أن يستخدموا المعايير الملائمة للبحث عما إذا كان يسوع قد قال شيئا معيناً، ولكني ضد فكرة أنه إذا مالم تتوافق هذه المعايير مع يسوع، فلابد أنه لم يقل هذه الكلمات. فهذا النوع من الإستنتاج السلبي يمكن أن يكون مشكلة”.

إن التعامل مع هذا العالم النظري بدأ يسبب لي من الغموض أكثر من الوضوح. فقد كنت محتاجاً لبعض الأمثلة المؤكدة حتى يمكنني تتبع النقطة التي شرحها بويد، فقلت له حدثني عن بعض المعايير المحددة التي استخدموها “.

فأجاب ” أحد هذه المعايير هو التباين المزدوج، بمعني أنه بإمكانهم تصديق أن يسوع قال شيئاً إذا لم يكن مشابهاً لما قاله مُعلّم يهودي أو الكنيسة التي جاءت فيما بعد. وإلا فإنهم يفترضوا أن هذا الكلام أدخل في الأناجيل من مصدر يهودي أو مسيحي.

” والمشكلة الواضحة هنا هي أن يسوع كان يهودياً وهو من أسس الكنيسة المسيحية، لذا يجب ألا يُدهشنا بأن ما قاله له نفس النغمة اليهودية أو المسيحية! إلا أنهم برغم ذلك فقد طبقوا هذا المقياس للتوصل إلى النتيجة السلبية التي مؤدّها أن يسوع لم يقل الكثير من الأقوال.

” ثم هناك أيضا معيار ” الدليل المتعدد ” الذي يعني أننا من الممكن فقط أن نتأكد أن يسوع قال شيئاً إذا وجد في أكثر من مصدر واحد. فالآن، يمكن أن يكون هذا إختبار مساعد في تأكيد مقولة. ومع ذلك، لماذا نجادل في الإتجاه الآخر إذا كان موجوداً فقط في مصدر واحد، ألا يكون صحيحاً؟ في الحقيقة، إن أغلب التاريخ القديم مبني على مصادر واحدة فقط. وعلى العموم، فإذا اعتبر المصدر موثوق، وأجادل بأن هناك الكثير من الأسباب تجعلني أعتقد بأن الأناجيل موثوق بها فلابد الأخذ بالإعتبار بموثوقيتها، حتى لو لم يكن تأكيده بمصادر أخرى.

” حتى لو كانت أقوال يسوع موجودة في إنجيلين أو ثلاثة، فإنهم لا يعتبرون أنها مرت سليمة بمعيار ” الدليل المتعدد “. فإذا وجدت مقولة في أناجيل متى، ومرقس، ولوقا، فإنهم يعتبرون ذلك مصدر واحد لأنهم يفترضون أن متى ولوقا نقلا عن مرقس في كتابة أناجيليهما. فقد يفشلون أن إدراك أن عدداً متزايدا من العلماء لديهم تحفظات خطيرة على نظرية أن متى ولوقا قد نقلا عن مرقس. وبهذا الاتجاه في التفكير، تستطيع رؤية لماذا من الصعب جداً إثبات الدليل المتعدد “.

وهنا بدأ بويد يستمر في الشرح، لكني قلت له قد شرح رأيه في أن المعايير الجاهزة، مثل النرد الذي يمسك بطريقة معينة، فإنها بشكل محتم تحقق النتائج التي كانت مطلوبة من البداية.

يسوع صانع العجائب

أحد المناهج التي يستخدمها العلماء المؤمنين بالمذهب الطبيعي كان البحث عن متوازيات بين يسوع والآخرين من التاريخ القديم كطريقة لإثبات أن إدعاءاته وأعماله لم تكن فريدة تماماً. وكان هدفهم أن يفسدوا الرأي القائل بأن يسوع كان فريدا من نوعه.

فسألت بويد ” كيف ترد على هذا الرأي؟ فمثلا، كان هناك معلمون يهود قدماء يصنعون تعاويذ أو يصلون من أجل المطر فكان المطر يهطل، ولذلك فقد قال بعض العلماء أن يسوع كان مجرد مثال أخر من صانعي العجائب اليهود. فهل هذه الفكرة عن المتوازيات مستمرة ومدعمة؟”.

كنت على وشك أن أرى بويد المجادل يجادلني بنشاط لأنه كان يجيب على مسألة معقدة نقطة بنقطة بدون الاستعانة بالمذكرات. وقد أسعدني كثيراً أني كنت أسجل محادثاتنا؛ فلو كنت أدون ملاحظاتي لما أمكنني مُجاراة سرعته النارية في الرد.

“عملياً نجد أن فكرة التناظر والتماثل تتفكك بسرعة عندما تنظر إلى المسألة بمزيد من الدقة ” ثم بدأت تزداد سرعة الحوار ” أولاً، المركزية المطلقة للأعمال الخارقة للطبيعة في حياة يسوع ليس لها نظير على الإطلاق في التاريخ اليهودي.

” ثانيا، الطبيعة الأساسية لمعجزاته تميزه. فهي ليست هطول أمطار متى صلى من أجله؛ فنحن نتحدث عن العمي، والصم، والبرص، وإعوجاج العمود الفقري، كلها شفيت، وأوقف العواصف، وتضاعف الخبز والسمك، وابناء وبنات أقيموا من الموت. إن هذا يفوق أي تناظر أو تماثل.

” ثالثا، أهم شيء يميز يسوع هو كيف كان يصنع المعجزات بسلطته الخاصة. فهو الذي يقول ” لو أني بأصبع الله أخرج الشياطين، فإن ملكوت الله موجود بينكم” وهو هنا يشير إلى نفسه. ويقول ” إنني قد مُسحت لأطلق سراح الأسري”، كما أنه يرجع الفصل للآب في كل ما يفعله، ولكنك لا تجده أبداً يطلب من الله أن يفعله ـ بل يفعله بقوة الله الآب ـ وفي هذا ليس له نظير أطلاقاً.

” وهذا يتفق تماما مع الطريقة المختلفة التي يتحدث بها عن نفسه ” إن كل السلطة قد منحت لي “، ” إحترمونى بإجلال كما تحترموا الآب”،” السماء والارض تزولان لكن كلامي لا يزول “. فإنك لن تجد المعلمين اليهود يتكلمون بهذه الطريقة في أي مكان “.

فلما وصلنا إلى نهاية هذا الجدال السريع والعنيف، قلت له بضحكة مكتومة ” إذن ما هو رأيك؟”.

فضحك بويد ثم قال: ” أي مقابلات مع معلمين يهود يصنعون العجائب، سترتاح إلى المط والتوسيع”.

يسوع وأبولونيوس المدهش

لم أكن أريد أن أسمح لمهارات بويد في المجادلة تخيفيني أو ترعبني. فقررت أن اثير مسألة أصعب فقلت له: يبدو أن التناظر الأقوى كان بين يسوع والشخصية التاريخية الذي يدعى أبولونيوس من تيانا.

فقلت لبويد ” أنك تعرف هذا الدليل مثلما أعرفه تماماً. فهنا نجد شخصاً من القرن الأول قيل إنه كان يشفي الناس، ويطرد الشياطين، وربما أنه أقام فتاة شابة من الموت؛ كما أنه ظهر لبعض أتباعه بعد موته. فإن الناس يشيرون إلى هذه المسألة ويقولون ” آه، لو كنت ستعترف وتسلم بأن حكاية أبولونيوس أسطورة فلماذا لا تقول نفس الشيء عن حكاية يسوع؟”.

فأومأ بويد برأسه ليبين أنه يتابعني ثم قال ” سأعترف مبدئياً أن هذه المسالة مثيرة. عندما سمعت عن أبولونيوس لأول مرة كطالب في الكلية، ذهلت فعلاً. لكنك لو درست التاريخ بهدوء وبطريقة موضوعية، فستجد أن النظراء المزعمين لن يصمدوا.

وحيث أنني أحتاج للتفصيلات، وليس للعموميات، قلت له “إستمر، إعمل ما في وسعك لإثبات هذه النقطة “. فقال لي ” حسناً، أولاً إن فيلوستراتوس، كاتب سيرة حياة أبولونيوس، كان يكتب عنه بعد قرن ونصف من ايام كان أبولونيوس على قيد الحياة، بينما الأناجيل كتبت في خلال جيل واحد من حياة يسوع. فكلما كان الزمان أقرب من الحدث، كلما قلت فرصة لننمو الأساطير أو للخطأ أو تشويش الذكريات.

” وهناك نقطة أخرى وهي أن لدينا أربعة أناجيل، مؤيدة من بولس، من الممكن إعادة مراجعتها إلى درجة معينة بواسطة مؤلفين غير إنجيليين، مثل يوسيفوس وآخرين. لكن في حالة أبولونيوس نتعامل مع مصدر واحد. وبالإضافة إلى أن الأناجيل نجحت في إختيارات قياسية إستخدمت لتقييم مصداقيتها التاريخية، ولكننا لا نستطيع قول ذلك عن قصص أبولونيوس.

” وفوق كل هذا، فإن فيلوستراتوس كان مكلفاً من إمبراطورة بكتابة سيرة الحياة لكي تكرس معبد أبولونيوس. فقد كانت من أتباع أبولونيوس، لذلك فإن فيلوستراتوس من المفترض بأنه كان لديه حافز مالي لتزيين القصة وإعطاء الإمبراطورة ما تريد. من ناحية أخرى، فإن كُتّاب الأناجيل لم يكن لديهم شيء ليكسبوه أو كثير ليفدوه من كتابة حياة يسوع، وما كان عندهم دوافع خفية مثل الكسب المالي.

” أيضا، طريقة كتابة فيلوستراتوس مختلفة تماماً عن طريقة كتابة الأناجيل. فالأناجيل لها رؤية واثقة جداً لشاهد عيان، وكأن لديهم كاميرا. أما كتابات فيلوستراتوس فتتضمن كثيرا من العبارات المترددة مثل ” لقد بلغنا أن …” أو ” بعض الناس يقولون إن هذه البنت الصغيرة قد ماتت؛ وآخرون يقولون إنها كانت مريضة فقط”. ثم أنه لمصلحته يتراجع ويعامل القصص على أنها قصص.

ثم أن هناك نقطة هامة: أن فليوستراتوس كان يكتب في اوائل القرن الثالث في كبودوكية، حيث كانت المسيحية موجودة بها منذ فترة طويلة. لذا فأي استعارة يكون هو الذي إستعارها، وليس المسيحيين. ويمكنك أن تتخيل أتباع أبولونيوس يرون المسيحية كمنافس فيقولون ” أه، حسناً؟  إن أبولونيوس فعل نفس الأشياء التي فعلها يسوع!” وتلك من نفس نوع القول ” إن أبي يستطيع أن يغلب أبوك!”.

” وهناك نقطة أخيرة، هي أنني مستعد أن أعترف بأن أبولونيوس ربما قد صنع بعض الأشياء المذهلة أو على الأقل خدع الناس فجعلهم يظنون أنه فعلها. ولكن هذا لن يشوه الأدلة المؤيدة ليسوع بأية حال من الأحوال. وحتى لو سلمت بأدلة أبولونيوس فما زال واجبا عليك أن تدرس الأدلة المؤيدة ليسوع “.

يسوع و” الديانات السرية “

حسناً، فكرت في نفسي، أن نعطي لهذه المسألة محاولة واحدة أخرى. الكثير من طلبة الكليات يتعلمون مما يُدرس لهم أن العديدُ من الموضوعات التي شوهدت في حياة يسوع ما هي إلا مجرد أصداء ” الديانات السرية ” القديمة، التي فيها حكايات عن ألهة تموت ثم تقوم من الموت، وطقوس العماد والتناول. فسألته:” ما رأيك في هذه التناظرات؟”.

فأجاب كانت هذه النقطة موضوع جدال شائع جداً في بداية القرن، ولكنها إضمحلت عموماً لأنها كذبت ولم يصدقها أحد. أولا لأن التوقيت التي تضمنته، لو كنت ستجادل لموضوع الإستعارة، فلابد أن تكون في إتجاه من المسيحية إلى الديانات السرية، وليس العكس.

“كما أن الديانات السرية كانت ديانات مبدأها إعمل ـ كل شيء ـ يخصك بنفسك وكانت تستعير الأفكار بحرية من أماكن مختلفة. ومع ذلك، فإن اليهود كانوا يصونون معتقداتهم بعناية من المؤثرات الخارجية. إذا كانوا يعنبرون أنفسهم كشعب مميز ومختلف، وكانوا يقاومون الأفكار والشعائر أو الطقوس الوثنية بشدة “.

ومن ناحيتي كانت أهم التناظرات المحتملة هي تلك الحكايات الأسطورية عن ألهة يموتون ثم يقومون من الموت، سألت ” أليست هذه القصص مُشابهة للمعتقدات المسيحية؟”.

فقال بويد ” بينما من الصواب أن نقول إن بعض الديانات السرية كانت بها قصص عن آلهة تموت ثم تقوم من الموت، فإن هذه القصص كانت دائماً تدور حول دورة الحياة الطبيعية للموت ثم الولادة الثانية فالمحاصيل تموت عند سقوطها ثم تعود إلى الحياة في الربيع. فالناس يعبرون عن أعجوبة هذه الظاهرة المتكررة من خلال الحكايات الأسطورية عن آلهة تموت ثم تقوم من الموت. وكانت هذه الحكايات تُقدم دائماً في شكل أسطوري. وكانت تصور الأحداث التي حدثت “في قديم الزمان وسالف العصر والأوان”.

” لاحظ التناقض بين هذه وصورة يسوع في الأناجيل. فالأناجيل تتحدث عن شخص عاش فعلاً قبل ذلك بعشرينات عديدة من السنين ـ وتذكر أسماء فتقول، أنه صلب تحت حكم بيلاطس البنطي، عندما كان قيافا هو رئيس الكهنة، وأبو الإسكندر ورفوس حمل صليبه، مثلاً. فهذه أشياء تاريخية واقعية ملموسة. وليس لها علاقة مشتركة مع قصص عن أحداث مفروض أنها حدثت “في قديم الزمان وسالف العصر ولأوان”.

والمسيحية ليس لها علاقة بدورات الحياة أو المحاصيل. لكن لها علاقة بعقيدة يهودية جداً، التي ليست موجودة في الديانات السرية، عن قيامة الأموات، وعن الحياة الأبدية، والتصالح مع الله.

” أما فيما يتعلق بالإيحاء بأن معتقدات العهد الجديد عن العماد والتناول جاءت من أديان سرية، فهذا مجرد هراء وكلام فارغ. أولاً، لأن دليل هذه التناظرات المزعومة يأتي بعد القرن الثاني، وبذا فأي إستعارة لابد أنها جاءت من المسيحية، وليس العكس.

” وعندما تتمعن بعناية، تجد أن هذه التشابهات تختفي. فمثلاً، للوصول إلى مستوى أعلى في طائفة الميثرا (الفارسية)، كان على أتباعها الوقوف تحت ثور اثناء ذبحه، وبذا يمكنهم الإغتسال بدمه وأحشائه. وبعد ذلك ينضمون مع الآخرين في تناول الثور.

” والآن، لإقتراح أن اليهود كانوا سيجدون أي شيء جذاب في هذه العملية ويريدون أن يشكلوا العماد والتناول على نمط هذه العملية البربرية فهذا شيء غير قابل للتصديق أبداً، لهذا السبب فإن معظم العلماء لا يؤيدوه”.

الأناجيل السرية والصلبان الناطقة

بالرغم من أن مكتب بويد كان مضطرباً وغير منظم، إلا أن عقله كان حاد الذكاء ومنظم جداً. فتحليله لهذه التناظرات والتشابهات المليئة بالأسرار لم يترك إلا مجال آخر قليل للشك. لذا قررت الإنتقال إلى مجال آخر حيث كثيراً ما تكتب عنه وسائل الإعلام وهو: ” الإكتشافات الجديدة” التي كثيراً ما تكون موضوع كتب المشاركين في مؤتمر يسوع.

فقالت له ” هناك الكثير من الكتابات في الصحف الشعبية عن إنجيل توما، وإنجيل مرقس السري، وإنجيل الصليب، وإنجيل الصليب، والـ Q، فهل هناك فعلاً أي اكتشافات جديدة تغير طريقة تفكيرنا عن يسوع؟”.

فتنهد بويد بغضب ” كلا، ليس هناك إكتشافات جديدة تخبرنا بأي شيء جديد عن يسوع. أما إنجيل توما فقد اكتشف منذ فترة طويلة، لكنه يستعمل الآن فقط لخلق وإيجاد يسوع آخر بديل. وبعض النظريات عن إنجيل توما قد تكون جديدة، ولكن الإنجيل نفسه ليس بجديد.

” أما بالنسبة لـ Q، فهو ليس إكتشاف بل نظرية كانت وظلت منتشرة لمدة قرن ونصف، وهذه النظرية تحاول أن تعلل المواد أو المعلومات المشتركة بين لوقا ومتى. والجديد فيها هو الطريقة المشكوك فيها للغاية التي يستخدمها العلماء اليساريين لإفتراضاتهم السابقة لكي يقسموا هذه الـ Q، الافتراضي إلى مراحل مختلفة من التطور الأسطوري لدعم نظرياتهم التي سبق وضعها”.

عرفت أن جون دومنيك كروزسان، ربما العالم الأكثر تأثيراً في مؤتمر يسوع، كان له إدعاءات قوية حول إنجيل يدعى مرقس السري. وفي الواقع إنه يؤكد أن إنجيل مرقس السري ربما يكون فعلاً ترجمة لم تخضع للرقابة ـ لإنجيل مرقس ـ تحتوى على مسائل سرية للعارفين ببواطن الأمور الروحية4. وقد استخدم البعض هذا الإنجيل ليزعموا أو ليدعوا أن يسوع كان في الواقع ساحر أو أن عددا من المسيحيين الأوائل كانوا يمارسون الشذوذ الجنسي. وهذا السيناريو التأمري إستحوذ على إنتباه وسائل الإعلام.

فسألت بويد: ” ما الدليل على هذا؟”. فأجاب بسرعة ” لا شيء “.

ومع أنه على ما يبدو لم يجد ضرورة للتوسع، إل أنني طلبت منه توضيح ما يقصده. فقال ” كما ترى، ليس لدينا إنجيل مرقس سري، والذي عندنا هو عالم وجد معلومة مقتبسة من كليمنت الأسكندري، من أواخر القرن الثاني، والتي من المفروض أنها من هذا الإنجيل. والآن حتى هذه المعلومة إختفت، بطريقة غامضة”.

” فنحن لا نملكها، وليس لدينا جزء مقتبس منها، وحتى لو كان لدينا إقتباس منها، فليس لدينا أي مبرر يجعلنا نظن أنها أعطتنا أي معلومات صالحة عن يسوع التاريخي أو ماذا كانت فكرة المسيحيين الأوائل عنه. وفوق كل هذا أننا نعرف من قبل أن كان له سجل سابق يدل على كونه ساذج في قبول الكتابات المزيفة.

” إذن مرقس السري، هو عمل غير موجود، ذكر في كتاب غير موجود الآن من قبل كاتب ميت من القرن الثاني، معروف عنه أنه ساذج فيما يتعلق بهذه الأمور. والغالبية العظمى من العلماء لا يعطون لهذا أي مصداقية. ولسوء الحظ فالذين يعطوه المصداقية لديهم صحف كثيرة، لأن وسائل الإعلام تحب الموضوعات الأكثر إثارة”.

إن كروزسان يعطي مصداقية أيضاً لما يسمى ” إنجيل الصليب ” فسألت بويد ” هل هذا الإنجيل أكثر نجاحاً؟”.

فأجاب بويد ” كلا، معظم العلماء لا يعطونه مصداقية، لأنه يحتوي على أساطير أجنبية. فمثلاً، يخرج يسوع من القبر ومنظره ضخم، ثم يصعد إلى ما وراء السماء، ثم يخرج صليب من القبر ويتكلم فعلاً! ومن الواضح أن الاناجيل الاكثر اعتدالاً يمكن الإعتماد عليها أكثر من أي شيء موجود في هذه الحكاية. فهو يتوافق مع الكتابات المشكوك في صحتها والتي ظهرت فيما بعد. وفي الواقع أنه يعتمد على معلومات من الإنجيل، لذلك كان يجب أن يكون تاريخه متأخراً عن تاريخ الأناجيل”.

على خلاف الأغلبية الساحقة من الخبراء الكتابيين، قبل مؤتمر يسوع إنجيل توما ومنحه منزلة رفيعة جداً، ويرفعونه إلى مكان مساو للأناجيل الأربعة التقليدية. وفي الفص الثالث من هذا الكتاب إنتقد دكتور بروس متزجير هذا الوضع بشدة لكونه غير مرخص وغير مسموح به.

فسالت بويد عن رأيه” لماذا لا يُعطى لإنجيل توما هذا النوع من الشرف؟”.

فقال ” كل واحد يعرف أن هذا الإنجيل متأثراً جدا بمذهب العرفان (الغنوسية)، التي كانت حركة دينية في القرن الثاني، والثالث، والرابع التي كان من المفترض أن لها بصيرة سرية، أو معرفة، أو رؤى أو إلهام، يمكن أن يسمح للناس أن يعرفوا مفتاح الكون. فالخلاص هو بما كنت تعرفه فكلمة ” غنوس ” في الكلمة اليونانية معناها ” يعرف “.

” لذا، فمعظم العلماء يرجعون تاريخ توما إلى منتصف القرن الثاني، حيث يتوافق مع البيئة الثقافية. دعني أعطيك مثال: فهو ينسب إلى يسوع أنه قال” كل إمرأة تحول نفسها إلى رجل ستدخل ملكوت السموات”، وهذا ينافض موقف يسوع نحو المرأة كما تعرفه لكنه يتوافق جيداً مع عقلية وطريقة التفكير الغنوسي، الذين يؤمنون أن الخلاص يأتي عن طريق المعرفة الروحية.

” ومع ذلك، فإن مؤتمر يسوع تعلقوا بطريقة إعتباطية بفقرات معينة من إنجيل توما، وجادلوا أن هذه الفقرات تمثل مجموعة من التقاليد عن يسوع أقدم حتى من الأناجيل التي تعترف بها الكنيسة، في الأناجيل القانونية.

” ولأن ولا واحد من هذه الفقرات تتضمن أي إدعاءات سامية ليسوع على نفسه، أو أنه بأعمال خارقة للطبيعة، فأنهم يجادلون بأن المشهد الأقرب ليسوع أنه كام مجرد معلم عظيم. ولكن الجدال كله غير مباشر. فالمبرر الوحيد لإعتقادهم أن هذه الفقرات في إنجيل توما قديمة أولاً لأنها تحتوي على صورة ليسوع يعتقد هؤلاء العلماء أنه يسوع الأصلي. وفي الواقع ليس هناك سبب وجيه لتفضيل إنجيل توما الذي يرجع إلى القرن الثاني على أناجيل القرن الأول التي في العهد الجديد.

التاريخ مقابل الإيمان

يسوع التاريخ ويسوع الإيمان: يعتقد أعضاء مؤتمر يسوع بوجود فجوة كبيرة بين الإثنان. ففي رأيهم أن يسوع التاريخ كان رجلاً ذكياً سريع الخاطر مثقف ولم يدعي أبداً أنه إبن الله، بينما يسوع الإيمان هو عبارة عن مجموعة من المشاعر والأفكار الباعثة على الإرتياح التي تساعد الناس أن يعيشوا حياة مستقيمة ولكنها في النهاية مبنية على التفكير في أن يفعلوا ما يتمنون فعله.

فعندما أثرت هذا الموضوع قال بويد ” ليس هناك فجوة بين يسوع التاريخ ويسوع الإيمان. فإنك إذا لم تصدق كل شيء يقول إن يسوع إله وأنه عمل علي مصالحة الناس مع الله، فستجد بأن هناك تناقض واضح بين الأثنان.

” وهم على العموم، يُعرّفون يسوع الإيمان بهذه الطريقة: هناك رموز دينية لها مغزى واضح عند الناس، رمز كون يسوع إله، والصليب، والمحبة الفادية، والقيامة. ومع أن الناس لا يؤمنون فعلاً بأن هذه الأشياء حدثت فعلاً. فبالرغم من ذلك تُلهم الناس أن يعيشوا حياة صالحة، ويتغلبوا على الرعب الوجودي، وإدراك القوى الكامنة الجديدة، لبعث الأمل في وسط اليأس هراء، هراء، هراء “. ثم هز كتفيه مستهجناً، وقال ” أسف، لقد سمعت هذه العبارة كثيراً، حتى أنها مازالت تحتل أذني!

” لذا يقول هؤلاء التحرريين أن الأبحاث التاريخية لا يمكنها أن تكتشف يسوع الإيمان، لأن يسوع الإيمان لي له جذور تاريخية. فهو مجرد رمز. لكن أسمع: يسوع ليس رمزاً لأي شيء ما لم يكن له جذر في التاريخ. وإن قانون الإيمان طبقاً للمجمع المسكوني لا يقول ” نتمنى أن تكون هذه الأشياء صحيحة” بل يقول “يسوع المسيح صلب تحت حكم بيلاطس البنطي، وفي اليوم الثالث قام من الموت” ثم يستمر من هذه النقطة.

“فالحقيقة اللاهوتية مستندة على الحقيقة التاريخية. وتلك هي الطريقة التي يتحدث بها العهد الجديد. أنظر إلى عظة بطرس في الأصحاح الثاني من أعمال الرسل. فهو يقف ويقول: ” أيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ يَسُوغُ أنْ يُقَالَ لَكُمْ جَهَاراً عَنْ رَئِيسَ الآبَاءَ دَاوُدَ إِنَّهُ مَاتَ وَدُفَنَ وَقَبْرُهُ عَنْدَنَا حَتَّى هَذَا الْيَوْمَ. فَإِذْ كَانَ نَبِيّاً وَعَلَمَ أَنَّ الله حَلَفَ لَهُ بَقَسَم أنَّهُ مَنْ ثَمَرَةَ صُلْبَهَ يُقِيمُ الْمَسِيحَ حَسَبَ الْجَسَدَ لِيَجْلَسَ عَلَى كُرْسِّيِّهِ سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةَ الْمَسِيحَ أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ في الْهَاوَيَةَ وَلاَ رَأى جَسَدُهُ فَسَادَاً. فَيَسُوعُ هَذَا أَقَامَهُ الله وَنَحْنُ جَمِيعاً شُهُودٌ لَذَلَكَ. وَإِذِ ارْتَفَعَ بِيَمِينَ الله وَاَخَذَ مَوْعَدَ الرّوحَ الْقُدُسَ مِنَ الآبَ سَكَبَ هَذَا الَّذِي أنْتُمُ الآنَ تُبْصَرُونَهُ وَتْسمَعُونَهُ. لأَنَّ دَاوُدَ لَمْ يَصْعَدْ إِلَى السَّمَاوَاتَ. وَهُوَ نَفْسُهُ يَقُولُ: قَالَ الرَّبُّ لرَبِّي اجْلَسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أعْدَاءَكَ مَوْطَئاً لِقَدَمَيْكَ. فَلْيَعْلَمْ يَقِيناً جَمِيعُ بَيْتَ إِسْرَائِيلَ أَنَّ الله جَعَلَ يَسُوعَ هَذَا الذي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ رَبَّاً وَمَسِيحَاً”.

“خُذ المعجزات وأنت تأخذ القيامة، وبعد ذلك لن يبقى لديك شيء للإعلان. قال بولس إن لم يقم يسوع من بين الأموات، فإيماننا باطل، وعديم الفائدة، وفارغ “.

ثم توقف بويد لحظة. وانخفض صوته درجة من طريقة الوعظ إلى تعبير قوي عن الإقتناع الشخصي، ثم قال بعزم وتصميم: ” إني لا أريد أن أبني حياتي على رمز، أريد الحقيقة، والإيمان المسيحي مُتجذّر دائماً في الواقع. أما الذي ليس له جذور في الحقيقة فهو إيمان العلماء التحرريين. أولئك الذين يتتبعون أملاً كاذبا أو وهماً، لكن المسيحية ليست أملاً كاذباً أو وهماً”.

الجمع بين التاريخ والإيمان

لقد قضينا الكثير من الوقت في الحديث عن يسوع الذي يؤمن به أعضاء مؤتمر يسوع، يسوع رمزي، ولكنه لا يقدر أن يقدم للعالم أي شيء سوى وهم الأمل. ولكن قبل أن نفترق، أردت أن أسمع عن يسوع الذي يؤمن به جريجوري بويد إنني محتاج أن أعرف إذا كان يسوع الذي يبحث أبحاث، ويكتب كتب علمية عنه كأستاذ علم اللاهوت، هو نفس يسوع الذي يلقي يعظ عنه في كنيسته صباح أيام الأحد.

فقلت له” دعني افهم هذه النقطة بوضوح، يسوعك الذي تنتمي إليه، أهو كل من يسوع التاريخ ويسوع الإيمان؟”.

وهنا أطبق بشدة على قبضة يده ليؤكد كلامه كأني قد قرأت أفكاره ” نعم، إنه هو بالضبط ما أومن به!”.

وبعد أن قال هذه الكلمات متعجبا، تحرك حتى أصبح على حافة الكرسي وقد أحس أنه قد عبّر تماماً عما جعلته ثقافته وقلبه يؤمن به.

ثم قال ” إن هذه تشبه ما يأتي: لو أحببت شخصاً فأن حبك يتجاوز حقائق هذا الشخص. ولكن جذوره راسخة في حقائق هذا الشخص. فمثلا، أنت تحب زوجتك لأنها رائعة الجمال، ولطيفة، وحلوة، وحنونة. فكل هذه الأشياء حقائق عن زوجتك، لذلك فأنت تحبها.

“ولكن حبك يتجاوز هذا الأمر. فقد تعرف كل هذه الأشياء عن زوجتك ولكنك لا تعشقها ولا تثق فيها، لكنك فعلا تحبها. وهكذا فالقرار يتجاوز حدود الدليل، ومع ذلك فالحب موجود على أساس الدليل. “وهذا هو نفس الوضع في حالة الوقوع في حب يسوع. فلكي تكون لك علاقة مع يسوع المسيح فهذه العلاقة تتجاوز مجرد معرفة الحقائق التاريخية عنه، رغم أنه مُتجذُّر في الحقائق التاريخية عنه. فإني أؤمن بيسوع على أساس الأدلة التاريخية، ولكن علاقتي بيسوع تتجاوز حدود هذه الأدلة. يجب أن أضع ثقتي فيه وأمشي معه على أساس علاقة يومية”.

فقاطعته لأقول ” نعم، ولكن هل تُسلّم بأن المسيحية تدعي بعض الإدعاءات عن يسوع من الصعب تصديقها”.

فأجاب قائلاً” نعم، بالطبع أسلّم بهذا. ولهذا السبب أشعر بسعادة لأن لدينا أدلة قوية لدرجة لا يمكن تصديقها، تبين لنا أن هذه الإدعاءات صادقة”.

ثم أضاف ” بالنسبة لي، أعتقد أنه ليس هناك منافسة فالدليل الذي يثبت أن يسوع كان كما قال عنه تلاميذه، وأنه صنع المعجزات التي قالوا إنه صنعها، وأنه قام من الأموات وأنه إدعى هذه الإدعاءات عن نفسه، كل هذه تبتعد مسافة تبلغ سنين ضوئية عن مبرراتي لمجرد التفكير في العلماء اليساريين ينفي نادي مؤتمر يسوع علي أنهم على صواب.

ما الذي لدى هؤلاء العلماء؟ حسنا، هناك تلميح قصير عن إنجيل “سري مفقود”، في رسالة يرجع تاريخها إلى أواخر القرن الثاني، ولسوء الحظ أن هذه الرسالة شوهدت من قبل شخص واحد وأن الآن قد فقد. وهناك قصة يرجع تاريخها إلى القرن الثالث تحكي عن الصلب والقيامة وتحكي عن صليباً ناطقاً وأن أقل من حفنة من العلماء يعتقدون أن تاريخها يرجع إلى ما قبل الأناجيل. ثم هناك مستند غنوسي، يحاول بعض العلماء أن يرجعوا بعض أجزائه إلى تاريخ مبكر لكي يدعموا تصوراتهم سلفا. وهناك وثيقة إفتراضية بنيت على فرضيات مهزوزة تقطع إلى إجزاء أصغر وأصغر بإستخدام الجدال المتكرر”.

وهنا تراجع بويد إلى الوراء على كرسيه، ثم قال وهو يهز رأسه “لا، أنا أسف، أنا لن أشتريه. أن الشيء الأكثر معقولية هو أن أضع ثقتي في الأناجيل التي نجحت في إختبارات الفحص التاريخي نجاحاً باهراً أفضل من أن أعلق آمالي على ما يقوله أعضاء مؤتمر يسوع”.

عاصفة من النقد

عدت إلى فندقي، وأعدت في ذهني مقابلتي مع بويد. فشعرت بنفس ما كان يشعر به: إذا لم يكن يسوع الإيمان هو أيضاً يسوع التاريخ، لأصبح ضعيفاً عاجزاً وبلا معنى. وإذا لم يكن له جذور في الواقع، وإذا لم يكن قد برهن على ألوهيته بقيامته من الموت حياً، لأصبح مجرد رمز باعث على الإرتياح لكنه عديم الأهمية مثل سانتا كلوز (بابا نويل).

ولكن هناك دليل قوي بأنه أكثر من ذلك. لقد سمعت حتى الآن شهود عيان مدعمين بشكل جيد، وأدلة مستندية، ومدعمة وعملية تؤيد إدعاء العهد الجديد أنه الله المتجسد، وكن مستعداً لأن أقطع الطريق مرة أخرى لكي أحفر مستخرجاً أدلة تاريخية أخرى حول شخصيته وقيامته.

في نفس الوقت ليس جريج بويد هو الصوت الوحيد الذي يصرخ محتجاً ومعترضاً علي نادي مؤتمر يسوع، فهو جزء من عالية متزايدة من النقد، ليس فقط من الإنجيليين المتحفظين المشهورين، بل أيضاً من علماء أخرين محترمين يمثلون تشكيلة واسعة من الخلفيات اللاهوتية.

وهناك مثال قريب مثل المكان الذي أقضي فيه ليلتي في الفندق حيث إلتقت كتابا بعنوان ” يسوع الحقيقي”، الذي إشتريته مؤخراً. مؤلفه هو الدكتور لوك تيموثي جونسون، الأستاذ المُعتبر جداً للعهد الجديد والأصول المسيحية في مدرسة كاندلر للاهوت، بجامعة إموري. وجونسون كاثوليكي روماني، كان راهبا بنديكتي قبل أن يصبح عالماً متخصصاً في دراسة الكتاب المقدس، ومؤلفاً عدداً من الكتب المؤثرة.

وأن جونسون يشوه نادي مؤتمر يسوع بطريقة منظمة، فيقول: ” إنه لا يمثل مطلقاً جوهر ثقافة العهد الجديد، بأي حال من الأحوال. إنه يتبع عملية متحيزة ضد أصالة تعاليم الإنجيلية، ونتائجه قد تقررت فعلاً قبل موعدها”. ويستنتج أن ” هذه ليست دراسة مسئولة، أو حتى ناقدة، إنها تمثيلية تطلق العنان للرغبات المنغمسة في الشهوات”.

ثم يستمر في نقده ليقتبس ما قاله علماء آخرون مشهورون لهم آراء مشابهة، ومن بينهم الدكتور هوارد كلارك كي، الذي دعي نادي مؤتمر يسوع ” عار أكاديمي”، وريتشارد هايز من جامعة ديوك، الذي كتب مراجعة لكتاب ” الأناجيل الخمسة” وفيها يؤكد ” أن القضية التي يجادلها الكتاب، لن تستطيع الدفاع عن نفسها في أي محكمة”.

وهنا أغلقت الكتاب وأطفأت النور. وغداً سأستأنف البحث عن أدلة تستطيع أن تواجه أي هجوم.

مشاورات  – أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  1. هل قرأت قصص إجبارية عن آراء مؤتمر يسوع؟ ماذا كان ردك على ما جاء فيها؟ هل أعطتك هذه المقالات الإنطباع أن مكتشفات نادي مؤتمر يسوع تمثل رأي معظم العلماء؟ ما الأخطار التي تراها في الإعتماد على وسائل الإعلام في تقرير عن مسائل من هذا النوع؟
  2. عندما تجري بحثك الخاص عن يسوع، يجب أن تستبعد أي إمكانية للأشياء الخارقة للطبيعة منذ البداية، أم تسمح لنفسك بدراسة جميع الأدلة التاريخية حتى لو كانت تشير إلى المعجزات بأنها قد حدثت؟ ولماذا؟
  3. قال بويد” لا أريد أن ابني حياتي على رمز، بل أريد الحقيقة الواقعة …” لماذا توافق أو تختلف؟ هل يكفي أن يكون يسوع رمز للأمل أم أنه يهمك أن تثق بأن حياته، وتعاليمه، وقيامته لها جذور في التاريخ؟ ولماذا؟

 

لمزيد من الأدلة – مصادر أخرى حول هذا الموضوع

Boyd, Gregory A. Cynic Sage Or Son Of God? Recovering The Real Jesus in an Age Of Revisionist Replies. Wheaton, III.: Bridgepoint,1995.

–. Jesus Under Siege. Wheaton, III.: Victor, 1995.

Johnson, Luke Timothy. The Real Jesus. San Francisco, 1996.

Wilkins, Michael J., And J.P Moreland, Eds. Jesus Under Fire. Grand Rapids: Zondervan,1995.

 

  1. Henry Campbell Black, Black’s Law Dictionary 5th ed. (St. Paul, Minn.: West 1979), 1139.
  2. Lee Strobel, «His <I Shot Him> Stuns Courtroom, » Chicago Tribune (June 20, 1975) and «Pal’s Confession Fails; Defendant Ruled Guilty, » Chicago Tribune (June 21, 1975).
  3. Gregory A. Boyd Jesus under Siege (Wheaton, 111.: Victor, 1995), 88.
  4. John Dominic Crossan, The Historical Jesus (San Francisco: Harper-SanFrancisco, 1991), 329.
  5. Johnson, The Real Jesus, 3, 5, 8.
  6. Ibid, 26.
  7. Ibid.

بما أن الشر موجود والمعاناة موجودة، فلا يمكن أن يوجد ألهٌ محب – لي ستروبل

بما ان الشر موجود والمعاناة موجودة، فلا يمكن أن يوجد ألهُ محب – لي ستروبل

بما أن الشر موجود والمعاناة موجودة، فلا يمكن أن يوجد ألهٌ محب – لي ستروبل

بما أن الشر موجود والمعاناة موجودة، فلا يمكن أن يوجد ألهٌ محب – لي ستروبل

 

<<إما ان الله يريد أن يمحو الشر ولا يستطيع، أو إنه يستطيع لكنه لا يريد، أو إنه لا يستطيع ولا يريد، فلو كان يريد ولا يستطيع، فهو عاجز. ولو كان يستطيع ولا يريد، فهو شرير. ولكن لو كان الله يستطيع ويريد، فما تفسير وجود الشر في العالم؟ >>

أبيقور، فيلسوف

<<إن حقيقة المعاناة تشكل بلا شك التحدي الاعظم الوحيد للأيمان المسيحي، وقد كانت هكذا في كل جيل. إن توزيعها ودرجتها تبدو أنها عشوائية تماماً، ومن ثم غير عادلة، فالأرواح الحساسة تتساءل ما إذا كان يمكن أن تتوافق مع عدالة الله ومحبته>>.

جون ستوت، لاهوتي (1)

وبصفتي محرراً شاباً يسعى للمثالية تخرَّج حديثاً من كلية الصحافة، كان أحد أول ما طُلب مني في صحيفة شيكاغو تريبيون هو أن أكتب سلسلة مكونة من 30 جزءاً أصور فيها العائلات المعدمة التي تعيش في المدينة. وبما إنني نشأت في الضواحي المتجانسة، التي يطلق فيها على من يمتلك سيارة كاديلاك واحدة <<إنساناً معوزاً>>، سرعان ما وجدت نفيسي غارقاً في دوامة أكثر مناطق شيكاغو المعرضة للحرمان ولليأس. بطريقة ما، كانت خبرتي مماثلة لرد فعل تمبلتون لصورة المرأة الافريقية مع طفلها الميت.

على بُعد مسافة قصيرة من Chicago Magnificent Mile، حيث يجاور برج تريبيون الحكومي stately Tribune Tower، متاجر الموضة الفخمة والفنادق الفاخرة، دخلت الكوخ الضيق المظلم الفارغ الذي تتشاركه بير فكتا perfecta de Jesus البالغة من عمرها الستين عاما مع حفيدتيها.

لقد عشن هناك ما يقرب شهر، ومنذ ذلك الحين تعرض مسكنهن السابق المستعمر بالصراصير للحريق.

كانت بيرفكتا – وهي ضعيفة سقيمة – قد مفذتْ نقودها قبل أسابيع، وقد تلقت كمية صغيرة من معونات أغذية الطوارئ. كانت تمد فترة الطعام بتقديم مجرد الارز والفاصوليا مع قطع من اللحوم وجبة بعد الاخرى. وسرعان من نفذتْ اللحوم، ثم الفاصوليا، وكان كل ما تبقى حفنة من الارز. وحينما جاءت أخيراً المعونة الحكومية المتأخرة، سرعان ما نفذتْ بدفع الايجار وفواتير الخدمات العامة، وعادت الاسرة من حيث بدأت.

كانت الشقة خالية تماماً تقريباً؛ بلا أثاثٍ أو أجهزة، أو سجاد. كانت الكلمات تتردد صداها خارج الجدران الباقية والارضية الخشبية الباردة. حينما انطلقت حفيدتها ليديا البالغة من العمر 11 عاماً في مسيرة نصف ميل الى المدرسة في الصباح الشتوي القارص، كانت ترتدي مجرد سويتر رمادي خفيف فوق فستانها الملون ذي الاكمام القصيرة. وفي منتصف طريقها الى المدرسة، كانت تعطي هذا السويتر الى لأختها جيني المرتعشة من البرد، والبالغ من عمرها 13 عاماً، التي ترتدي فستاناً بلا أكمام، وكانت جيني تلف السويتر حول جسدها لبقية الطريق. كانت هذه هي كل الملابس التي يملكنها.

شرحت لي بيرفكتا بالإسبانية: <<أحاول أن أعتني بالبنات بقدر ما أستطيع؛ فهن طيبات ولا يتذمرن>>. (2)

بعد ساعاتٍ، وبعد أن عدتُ بأمانٍ الى شقتي الفاخرة المطلة على البحيرة برؤية مثيرة لأغنى ضواحي شيكاغو، شعرتُ بالذهول للتناقض. لو كان هناك الله، فلماذا يشعر الناس الطيببون مثل بيرفكتا وحفيدتها بالبرد وبالجوع وسط واحدة من أعظم مدن العالم؟ يوماً بعد يوم بينما توليت البحث من أجل سلسلة مقالاتي، قابلت أناساً في ظروف مشابهة أو أسوأ من ذلك. وكانت استجابتي هي أن أتعمق في الحادي.

كان غذائي اليومي كصحفي المصاعب، والمعاناة، والحسرة، وقسوة الانسان لأخيه الانسان. وكان هذا لا يظهر في صور المجلات من أماكن بعيدة، ولكنه كان ألم الحياة اليومية بصورة شخصية.

نظرت في عيني أم شابة كانت قد أخبرت حالاً أن أبنتها الوحيدة تعرضت للتحرش والتشويه والقتل. أصغيت لشهادة المحكمة وهي تصف الاهوال المرعبة التي ارتكبت ضد الضحايا الابرياء. زرت السجون الفوضوية المفعة بالضجيج، وعشوائيات المجتمع، والحضانات ذات الميزانيات المنخفضة حيث كبار السن يتحسرون أن أحباءهم قد تركوهم، وعنابر مستشفيات الاطفال الضعفاء يحاربون دون جدوى ضد النمو العنيد للسرطان، والمدن الداخلية المشوشة بالجريمة حيث تجار المخدرات وأطلاق النار أمور عادية تماماً.

ولكن لم يصدمني شيء بقدر ما صدمتني زيارة لضواحي بومباي، الهند. فعلى طول جانبي الشوارع المزعجة القذرة المزدحمة، على مرمى البصر، كانت هناك أكواخ صغيرة من الخيش والكرتون. وكانت على يمين الطريق أتوبيسات وسيارات تطلق عوادمها وادخنتها. كان الاطفال العرايا يلعبون في خناق الصرف الممتدة عبر المنطقة. وكان الناس ذوي الاعضاء أو الاجسام المفقودة الذين تلتويهم التشوهات يجلسون في التراب في سلبية. كانت الحشرات تطنّ في كل مكان. لقد كان هذا منظراً مرعباً؛ ففي مكان ما قال لي سائق تاكسي أن الناس يولدون على جانب الطريق، ويعيشون حياتهم بأكملها على جانبي الطريق، ثم يموتون قبل الاوان على جانبي الطريق.

ثم قابلتُ وجهاً صبياً في العاشرة من عمره، تقريبا في نفس عمر أبني كايل في ذلك الوقت، كان الطفل هزيلاً سيئ التغذية، وكان شعره متسخاً متلبداً. كانت إحدى عيناه مريضة ونصف مغلقة، وكانت الاخرى تحملق بلا تعبيرات. كان الدم ينبثق من الضروس التي في وجههِ. مدَّ يده وتلعثم بكلمة بالهندية، بدا أنه يستعطف بها نقوداً. لكن صوته كان نغمة كئيبة لا حياةً فيها، كما لو كان لا يتوقع أي استجابة، كما لو كان قد فقد كل رجاء.

أين الله في تلك البقعة الفاسدة من الجحيم؟ لو كانت لديه القوة الفورية لشفاء ذلك الصغير، فلماذا أمتنع عن ذلك؟ لو كان يحب هؤلاء الناس، فلماذا لم يظهرُ لهم ذلك بأنفاذهم؟ وتساءلتُ قائلاً: <<هل هذا هو السبب الحقيقي: أن وجود مثل هذه المعاناة المرعبة التي تسحق القلب تبرهن فعلا على عدم وجود أب محب صالح؟ >>

فهم المعاناة

كل أنسان واجه الألم والحزن. فمرض القلب أدى الى وفاة أبي حينما كان يجب أن يعيش في سنوات طويلة كي يرى حفاده يكبرون. وأنا سهرتُ في وحدة العناية المركزة للمواليد حيث كانت أبنتي الجديدة تصارع مرضاً غامضاً هدد حياتها وأزعج أطباؤها. هرعت للمستشفى بعد مكالمة أليمة من صديق قام سائق سكير بضرب أبنتهِ، وكنتُ أمسك أيديهم في تلك اللحظة التي فاضت فيها روح الصغيرة. اضطرت أن أعلن الاخبار لطفلين صغيرين من أبناء إحدى صديقاتي، وهو أن امها قد انتحرت. رأيتُ رفاق الطفولة يستسلمون للسرطان، ولمرض Lou Gehrig، ولأمراض القلب، ولحوادث السيارات. رأيتُ الزهايمر وهو يسلب ذهن أحد الأطباء، أني متأكد أنه يمكنك أن تحكي قصصاً مشابهة من الألم الشخصي.

لقد انطلقنا مؤخرا من قرن غير مسبوق بقسوته وحشيته، حيثُ ضحايا الطغاة كهتلر، وستالين، وبول بوت،               وماوتسي – تانج يقدر بعشرات الملايين. إن ضخامة القسوة تُخدرُ أذهاننا، لكننا عادة ما نقابل قصة تشخص الرعب وتجعلنا نرتعد من جديد.

مثال ذلك التقرير الذي كنت أقراه مؤخراً عن صحفي أيطالي خلال الحرب العالمية الثانية كان يزور بافيليك، قائد كرواتيا الموالي للنازية. فعرض له بافيليك متفاخراً سلة فيها ما يشبه المحار. وقال إنها كانت هدية من قواته-40 رطلاً من العيون البشرية. تذكار بسيط من مذبحتهم للعرب، واليهود، والغجر. (3).

نقرأ قصصاً مثل هذه – الشرور المرعبة كالهولوكوست، حقول كمبدوديا القاتلة، الابادة الجماعية في رواندا، وغرف التعذيب في أمريكا الجنوبية – ولا يسعنا إلا التساؤل: أين الله؟ نشاهد التغطية التلفزيونية للزلازل والاعاصير التي يموت فيها الالاف، ونتساءل: لماذا لم يمنع الله هذا؟ نقرا إحصائية إن ألف مليون أنسان في العالم يفتقدون احتياجات الحياة الرئيسية، ونتساءل: لماذا لا يهتم الله؟ ربما نعاني بأنفسنا من ألم متواصل أو خسارة مؤلمة أو ظروف يائسة على ما يبدو، ونتساءل: لماذا لا يساعدنا الله؟ لو كان الله محباً، ولو كان كلي القدرة، ولو كان صالحاً، فكل هذه المعاناة لن توجد بالتأكيد. ومع ذلك فهي موجودة.

والأسوأ من ذلك، أن الأبرياء غالباً ما يكونوا الضحايا. كتب اللا أدري الذي صار مسيحياً شيلدون فانوكين: <<لو كان الاشرار فقط هم الذين يصابون بآلام الظهر وبالسرطان، ولو كان الغشاشون والملتوون فقط هم الذين يصابون بمرض شلل الرعاش، لرأينا نوعاً من العدالة السماوية في الكون. >>

ولكن، كما هو الحال نرى طفلاً جميلاً متزنا يحتضر من ورم في المخ، وزوجة شابة سعيدة ترى زوجها وطفلها يقتلهما سائق سكير أمام عينيها، و….نصرخ من الاعماق الى النجوم: <<لماذا؟ لماذا؟ >> ولا يساعدنا ذكر الله – أو إرادة الله. كيف يمكن الإله صالح، الهٍ محب، أن يفعل ذلك؟

كيف يمكنه أن يسمح حتى بحدوثه؟ ولا أجابه تأتينا من النجوم اللامبالية. (4).

يفتتح الكاتب المسيحي فيليب يانسي كتابه الشهير عن المعاناة بفصلٍ له عنوان مناسب <<مشكلة لن ترحل بعيداً>> (5) ليس هذا مجرد موضوع معرفي للمناقشة في الساحة الاكاديمية العقيمة، لكنه أمرٌ شخصي تماماً يمكنهُ ان يربط عواطفنا، ويتركنا في دوار روحي – مرتبكين، مرتعبين، وغاضبين. أشار كاتب لمشكلة الالم بأنها <<علامة الاستفهام التي أصبحت كالخطاف في القلب البشري>> (6).

في الواقع، هذه أكبر عقبة وحيدة أمام الباحثين الروحيين. لقد فوضت جورج بارنا – مستطلع رأي عام – أن يقوم بعمل استفتاء محلي سأل فيه قطاعاً عريضاً من البالغين المختارين بطريقة عملية: <<لو أتيح لك أن تسأل الله سؤالاً واحداً، وعرفت أنه سيرد عليك، فماذا ستسأله؟ >> وكانت أعلى استجابة قدمها 17% ممن قالوا إن لديهم سؤالاً: هي:<<لماذا يوجد الألم والمعاناة في العالم؟ >> (7).

تشارلز تمبلتون أيضاً طالب بإجابة هذا السؤال. وقد بدا انسحابه من الأيمان إثر صورة تلك المرأة الافريقية – المنشورة في مجلة لايف – وهي تحمل طفلها الميت بسبب نقص بسيط في المطر. في كتابه الذي يستنكر المسيحية، يسرد تمبلتون سلسلة من المأسي من التاريخ القديم والحديث، ثم يُعلن:

<<إلهٌ محب>> لا مكنه ان يكون مصدر الأهوال التي كنا نصفها – الاهوال التي تستمر كل يوم، قد تواصلت منذ بدأ الزمان، وسوف تستمر على مدى الحياة. أنها حكاية لا يمكنها تصورها عن المعاناة والموت. والان الحكاية حقيقية، أي تمثل في الواقع تاريخ العالم، فمن الواضح أنه لا يمكن أن يوجد إلهٌ محب>>. (8).

لا يمكن؟ وهل وجود المعاناة يعني بالضرورة غياب الله؟ هل عقبة الأيمان هذه لا تقهر؟ لكي أؤمن من أعماق القلب بابٍ محب كلي القدرة، هل يلزمني ان أتجاهل حقيقة الشر والألم من حولي؟ كصحفي، ولم يكن هناك اختيار. اضطرت أن أهتم بكل الحقائق، وكل الادلة، دون أن أقلل من شأن شيء.

كنتُ أناقش هذه الموضوعات مع ليزلي في فترة حساسة من حياتها. كان عمها قد مات حالاً، وعمتها قد شخص لها بإصابتها بالزهايمر وبالسرطان المتأخر. وفيما كانت قد تأثرت بهذا الاضطراب، كانت متيقظة لأي أنسان يحاول أن يعطيها إجابات سهلة.

فحذرتْ قائلة: << لو أعتقد أي أنسانٍ أن بإمكانه ان يضع كل الامور في شكل منظم بسيط، ويُغلفه بتفسيرٍ لاهوتي جميل، فليذهب لمكان أخر>>.

علمتُ أنها كانت على حق. ولهذا رتبت مكالمة هاتفية لكلية بوسطن وطلبتُ تحديد ميعاد مع مؤلف كتاب <<فهم المعاناة>>

  • وهو كتاب كان عنوانه يلخص تماماً ما كنتُ أسعى اليه.

اللقاء الاول: بيتر جون كريفت – دكتوراه في الفلسفة

أودُ أن أشير الى بيتر كريفت باعتباره <<اللافيلسوف>>. وهذا ليس معناه أنه ليس بفيلسوف، فهو في الحقيقة فيلسوف مفكر من الدرجة الاولى، إذ يحمل شهادة دكتوراه من جامعة فوردهام، ودراسات عليا في جامعة ييل، ولديه خبرة مدة 38 عاماً كأستاذ فلسفة في جامعة فيلانوفا، وجامعة بوسطن (منذ عام 1965). لقد حاضر مثل هذه المحاضرات كالميتافيزيقا، والأخلاق، والتصوف، والجنس، والفلسفة الشرقية، واليونانية، والمعاصرة، وفلسفة العصور الوسطى. وحصل على الكثير من الامتيازات كعضوية وودر ويلسون، وييل- ستيرلنج.

ومع ذلك، فلو كنت بصدد أن تستحضر لذهنك صورة عقلية لفيلسوف تقليدي، فمن المحتمل ألا يخطر كريفت على بالك.

فألفلاسفة يتخيلهم الاخرون بشكل عام على أنهم مملين قليلاً، ويتكلمون في جملٍ غامضة ومعقدة، ساكنين في الابراج الاكاديمية العاجية المنعزلة، وحادين لدرجة العناد.

على النقيض من ذلك، يعطي كريفت إجابات واقعية حقيقة بأسلوب مُلفت وممتع، وهو يتواصل بوضوح، غالباً بتكرار مشهور لجمل معينة، ويتمتع بابتسامة عريضة، ولا يمكنه أن يمنع نفسه من ألقاء النكات حتى عن أقدس الموضوعات، ورغم أنه في الثانية والستين من عمره، إلا أنه يمكنه أن يوجد باستمرار على أي شاطئ وهو يمارس هواية التجذيف (في كتاب لاحق له، سيكون أحد عناوين فصولهِ <<أنا أجذف، إذاً أنا موجود>>.

كتب كريفت وهو كاثوليكي يقرأه البروتستانت أيضا على نطاق واسع-أكثر من 40 كتاباً بما فيها <<ألحب أقوى من الموت>>؛ السماء: أعمق أشتياقات القلب؛ الصلاة: الحوار العظيم؛ دحض النسبية الأخلاقية؛ دليل الدفاع المسيحي (مع رونالد تاسيللي). إن خياله النافذ واضح بشكل خاص في كتابه <<بين السماء والجحيم>> الذي يُصوَّر سي إس لويس، وجون ف.كينيدي، الدس هكسلي بعد الموت يتجادلون حول المسيح، وفي كتابه <<سقراط يقابل يسوع>> الذي يصير فيه المفكر القديم مسيحياً في كلية لاهوت هارفارد.

لمست روح دعابة كريفت غير العادية حتى قبل أن ادخل مكتبهِ. فبينما كانت أبواب المكاتب الستة عشرة الاخرى قاتمة اللون، والممر خافت الاضاءة غير مجهولة المعالم، كان مكتب كريفت مزيناً بكارتون دونسبيري & ديلبرت وتذكارات أخرى فكاهية – رسم ثور مطعون بضربة، صورة ألبرت أينشتاين وهو يُخرج لسانه في مرح، كرتون فيه يُحيي الشيطان الناس في الجحيم قائلاً: <<ستجدون أنه لا يوجد صواب أو خطأ هنا – فقط ما يُناسبكم>>.

كان ما جذبني الى كريفت هو كتابه النافذ عن المعاناة، والذي ينسج فيه بمهارة رحلة استكشافية من خلال سقراط، وأفلاطون، وأرسطو؛ ومن خلال أوغسطينوس، وكيركيجارد، وديستوفسكي؛ ومن خلال سلسلة أفلام رحلة عبر النجوم Start Trek، وقصة الاطفال <<الارنب المخلمي The velveteen Rabbit، وهاملت؛ ومن خلال موسى، وأيوب، وأرميا. وطول الطريق هناك مفاتيح الحل التي تلتقي أخيراً وحتماً عند يسوع ودموع الله.

وصلتُ مبكراً وانتظرته في المدخل. وسرعان ما وصل منتعشاُ من اجتماع فلسفي كان قد عُقدَ في مكان ما في بوسطن. وكان معطفه البني الصوفي، ونظارته السميكة، وشعره الرمادي الاسمر المُرتب قد منحاه مظهراً أبوياً. جلس خلف مكتبهِ (وأمامه لوحة تقول: <<لا للكآبة>>، وبدأنا بالثرثرة العادية حول فريقه المحبوب بوسطن ريد سوكس – وهو موضوع مناسب لموضوعنا عن المعاناة!

لكني أنداك غيرت مساري. فلم يكن هناك مدخلٌ أخر إلا أن اواجه كريفت باعتراضات تمبلتون الحادة ضد المسيحية المتمثلة في تلك الصورة المنشورة في مجلة لايف Life؛ والتي تُصوَّر أماً متحسرة تحمل طفلها الميت في أفريقيا المنكوبة بالجفاف.

دب، وفخ، وصياد، والله

بمواجهة كريفت بنفس الحدة الانفعالية التي صوَّرها لي تمبلتون، وصفت له الصورة، ثم اقتبست كلمات المُبشر السابق كلمةً كلمة:

فكرتُ قائلا: <<هل من الممكن أن أؤمن بوجود خالق محب أو مهتم بينما كان كل ما تحتاجه هذه المراة هو المطر؟ كيف يمكن الإله محب أن يفعل هذا لتلك المرأة؟ مَنْ يُجري المطر؟ لا أنا، ولا أنت، بل هو – أو هذا ما كنتُ أعتقد. لكنني حينما رأيتُ هذه الصورة، عرفت على الفور أنه من غير الممكن أن يحدث هذا طالما أن هناك ألهاً محباً. ولم تكن هناك طريقة. مَنْ سوى عدو يمكنه أن يفني طفلاً ويقتل أمه بالعذاب – بينما كل المطلوب هو المطر؟ ثم بدأتُ أنا…مفكراً في الامراض التي تحصد أجزاء واسعة من كوكب                  الارض وفي النهاية تقتل بلا تمييز… قد أصبح من الواضح جداً بالنسبة لي أنه من غير الممكن لإنسانٍ ذكي أن يؤمن أن هناك إلهاً يُحب.

تطلعتُ من بين مذكراتي. فتثبتتْ عينا البروفسور عليَّ. وفيما واجهتهُ بقوةٍ، منحنياً الى الامام وأنا في مقعدي باحثاً عن تأكيدٍ، قلتُ في نغمةٍ أشد أتهاماً: << د. كريفت، أنت أنسانٌ عالم وتؤمن بإلهٍ يحب. فكيف ترد على تمبلتون؟ >>

سعل كريفت لتنقية صوته. وبداً قائلاً: <<أولاً سأُركز على كلماته التي تقول: <<من غير الممكن>>، فحتى ديفيد هيوم – أحد أشهر المتشككين في التاريخ – قال إنه من الممكن أن يكون الله موجوداً بالكاد. وهذا على الاقل وضعٌ عقلاني نوعاً ما – أن نقول إن هناك أمكانية بسيطة على الاقل. ولكن أن نقول لا أمكانية لوجود أله محب يعرف أكثر جداً مما نعرف، بما فيه مستقبلنا، يمكن أن يتساهل مع مثل ذاك الشر الذي يراه تمبلتون في أفريقيا – حسناً، فهذا سيشير إلى أنني متكبرا معرفياً. >>

صدمني هذا. فسألته: <<حقاً>> كيف هذا؟ >>

فسألني: << كيف يمكن لمجرد   أنسانٍ محدود أن يتأكد أن الحكمة اللامحدودة لا تسمح بشرورٍ معينة قصيرة المدى في سبيل خيرات طويلة المدى لم نستطع ان نتنبأ بها؟

استطعت أن أفهم ما يقصده، لكني أردتُ مثالاً. فالتمست قائلاً: <<وضح قليلاً. >>

فكر كريفت للحظةٍ وقال: <<فكر في الامر هكذا، هل توافق بأن الاختلافات بيننا وبين الله أعظم من اختلاف بيننا وبين الدب مثلاً؟

فأومأّتُ رأسي موافقاً. فقال: <<حسناً إذاً، تخيل دباً واقعاً في فخ، وهناك صيادٌ – من واقع شفقتهِ – يريد أنه يحُرّره. يحاول الصياد أن يكسب ثقة الدب، لكنه لا يستطيع، ولهذا يضطر أن يصطاده بمادة مخدرة. ومع ذلك فإن الدب يحسب هذا هجوماً عليه، وأن الصياد يحاول قتله. ولا يدرك أن هذا كله بدافع الشفقة.

<<ولذلك، لكي يُخرج الصياد الدب من الفخ، عليه أن يدفعه أكثر داخل الفخ حتى يخفف من توتر الدب المتحفز. ولو كان الدب واعياً وعياً متوسطاً في تلك المرحلة، فسوف يكون أكثر اقتناعا أن الصياد هو عدوه الذي أنطلق ليسبب له المعاناة والألم.

ولكن الدب سيكون على خطأ، فهو يصل لذلك الاستنتاج الخاطئ لانه ليس أنساناً.

سمح كريف أن يتردد صدى المثال للحظات. وأستنتج قائلاً: <<وألان، كيف يمكن لأي أنسان أن يكون متأكدا ان هذا ليس تشابها جزئياً بيننا وبين الله؟ أؤمن أن الله يفعل نفس الشيء لنا أحياناً، ونحن لا نفهم لماذا يفعل ذلك – كالدب الذي لا يفهم دوافع الصياد. فكيف كان للدب يمكنه أن يثق بالصياد، هكذا يمكننا نحن أن نثق بالله>>.

الإيمان والتحيز

   توقفتُ لافكر في فكرة كريفت، لكنه واصل حديثهُ قبل ان أجيب.

فقال: <<ومع ذلك، فأنا لا أريد بالطبع أن أحط من قدر تمبلتون. فهو سيستجيب بأسلوب أمين جداً ومفعم بالمشاعر لحقيقة أن هناك شيئاً يُحسب ضد الله. فالإيمان يمكنه أن يوجد فقط في عالمٍ يكون فيه الايمان صعباً. أنا لا أؤمن بأن 2+2=4 أو بشمس الظهيرة؛ فهذه أمور خارج المناقشة. لكن الكتاب المقدس يصف الله كاله مُحتجب. عليك أن تقوم بمجهود أيماني حتى تجده. هناك مفاتيح يمكنك أن تتبعها.

<<ولو لم تكن الامور هكذا، لو كان شيء أكبر أو اقل من مفاتيح الحل، فمن الصعب بالنسبة لي أن أفهم كيف يمكننا حقاً أن نتحرّر لعمل اختيار بخصوصهِ. لو كان لدينا دليل قاطعٌ بدلاً من مفاتيح الحل، فلا يمكنك فيما بعد أن تنكر الله أكثر من أنكارك الشمس. ولو لم يكن لدينا دليلٌ على الاطلاق، فلن تصل أبداً. الله يعطينا مجرد الدليل الكافي حتى أن الذين يريدونه يكون لهم. أولئك الذين يريدون أتباع مفاتيح الحل سيفعلون ذلك.

يقول الكتاب المقدس: <<اطلبوا تجدوا>>(9) إنه لا يقول إن كل أنسان سيجده، ولا يقول إنه   لن يجده إنسان. بل بعض سيجدون. فمن هم؟ مَنْ يطلبون. أولئك الذين قلوبهم مكرَّسة للعثور عليه، وأولئك الذين يتبعون مفاتيح الحل>>.

فقلت فجأة: <<مهلاً، فمنذ قليل صَرَّحتَ أن <<هناك شيئاً يحسب ضد الله>>، وأن الشر والمعاناة أدلة ضده. ألا تُسلمِّ إذاً أن الشر يبرهن على عدم وجود الله؟ >> ضربتُ يدي على مكتبهِ، وصرختُ بسخرية الانتصار قائلاً: <<انتهت القضية! >>

فتراجع كريفت قليلاً أثر ثورتي وصمم قائلاً وهو يهز رأسهِ: <<لا، لا، أولاً لا يمكن أن يكون الدليل بالضرورة مؤكداً أو حاسماً. فأنا أقول إن هناك دليلاً ضد الله ودليلاً مع الله. أوغسطينوس عبرَّ عن ذلك بمنتهى البساطة: <<لو لم يكن هناك الله، فلماذا هناك الكثير جداً من الخير؟ ولو كان هناك الله، فلماذا يوجد الكثير جداً من الشر؟ >>.

<<لا جدال أن وجود الشر حُجة ضد الله، لكنني في أحد كتبي أُلخص 20 حجة تشير بأقناع في الاتجاه الاخر، في صالح وجود الله. (10) لابدَّ على الملحدين أن يردوا على البشرية الحجج كلها، وعلى المؤمنين أن يردوا على حجة واحدة فقط. ومع ذلك، فكل منا عليه ان يدلي بصوتهِ. الايمان عامل يتطلب استجابة. وعلى عكس العقلانية التي تنحني في خضوع للدليل، فأن الايمان متحيز. >>

أثارتني هذه الكلمة الاخيرة، فسألته: <<ماذا تعني ب <<متحيز؟ >>

فأجابني: <<أفترض أن رجال شرطة دخلوا هذه الغرفة وقالوا إنهم قد أمسكوا للتو زوجتي وهي تقتل 13 فرداً من الجيران بقطع رءوسهم، وأن لديهم شهوداً، يمكنني أن اسخر منه قائلاً: <<لا، لا يمكن أن يكون هذا، أنت لا تعرفها كما أعرفها أنا. >> فيقول: <<أين دليلك؟ >> فأجيبه: <<أنه دليل من نوع مختلف عن دليلك أنت. ولكن هناك دليل أن هذا لا يمكن أن يكون قد حدث>>. وهكذا فأنا متحيز.

<<ومع ذلك، فأن تحيزي هو تحيزٌ معقول لأنه مبني على دليل الذي حصته من نفس خبرتي الواقعية. ولذلك فأن من يعرف الله يملك الدليل – ومن ثم يتحيز بناءَّ على هذا الدليل الذي يملكه من لا يعرف الله>>.

الشر كدليل في صالح الله

توقف كريفت عدة ثواني قبل أضافة تلك الاشارة غير المتوقعة والمضادة للحدس: <<بالإضافة الى ذلك، فأن دليل الشر والمعاناة يمكنه أن يسير في كلا الاتجاهين – ففي الواقع يمكنه أن يستخدم في صالح الله>>.

انتصبت في جلوسي وتساءلت: <<هل هذا معقول؟ >>

فقال كريفت: <<فكر في هذا: لو كان تمبلتون على حق بالاستجابة لهذه الاحداث بثورة، فسوف تكون تلك الافتراضات المسبقة حقاً اختلاف بين الخير والشر. إن حقيقة أنه يستخدم معيار الخير للحكم على الشر – أي حقيقة أنه يقول بكل حق إن هذه المعاناة المرعبة ليست ما يجب ان يكون – معناها أن لديه مفهوماً عما يجب أن يكون، وأن هذا المفهوم يقابل شيئاً واقعياً؛ هذه الحقيقة أسمها الخير الاسمي. حسناً، أنها أسماً أخر الله Supreme Good>>.

 بدا هذا الكلام وكأنه براعة فلسفية. وفي حرص لحضتُ فكرة كريفت كي أرى ما أن إذا كنتُ قد فهمتها. وسألتهُ: <<هل تقصد أن تمبلتون من الممكن أن يشهد – دون أن يدري – عن حقيقة الله، لأنه بتعريف الشر يفترض بالتالي أن هناك معياراً موضوعياً يبني عليهِ؟ >>

فأجبني: <<هذا صحيح. فلو أعطيتُ طالباً 90 درجة وأخر 80، فهذا يفترض مسبقاً أن المائة درجة هي المعيار الحقيقي. وهذه فكرتي: لو لم يكن هناك الله، فمن جئنا بمعيار الخير الذي يحكم به على الاشرار بأنه شرٍ؟ >> والأهم – كما قال موسى سي أس لويس – لو كان الكون رديئاً جداً…فكيف يمكن للبشر من نسب ذلك لعمل خالق حكيم صالح؟ >> وبأسلوب آخر، فأن وجود هذه الافكار نفسها في عقولنا – مثل فكرة الشر، والافكار الخاصة بالخير، والله كمصدر ومعيار الخير – تحتاج تفسيراً>>.

قلتُ تأملاً: <<نعم، لو لم يكن هناك الخالق، ومن ثم لا توجد لحظة خلق، يكون كل شيء نتيجة التطور. لو لم تكن هناك بداية أو عَلة أولى، فلا بدَّ أن يكون الكون قد وُجَدَ على الدوام. وهذا معناه أن الكون كان يتطور لمدة لانهائية من الزمن – وبهذه الخطة يكون كل شيء مكتملاً تماماً. وكانت ستكون هناك الوفرة من الوقت للتطور. ولكن ما زال الشر والمعاناة والنقص موجوداً – وهذا برهان أن الملحد مخطئ بخصوص الكون>>.

فقلتُ: <<ربما يكون أجابه سهلة، ولو جاز التعبير، أجابه رخيصة. فالإلحاد رخيص بالنسبة للناس، لأنه يقول باستعلاء ان تسعة عشرة اشخاص عبر التاريخ كانوا مخطئين بخصوص الله وكانت لديهم أكذوبة في أعماق قلوبهم.

فكر في الامر. كيف يمكن أن 90% من كل البشر الذين عاشوا عبر العصور – أحيانا في ظروفٍ أشد ألماً من ظروفنا نحن – استطاعوا أن يؤمنوا بالله؟ إن الدليل الموضوعي، أي مجرد النظر الى معيار المتعة والمعاناة في العالم، لا يبدو أنه يُبرِّر الايمان بالهٍ صالح تماماً. لكن هذا ما أؤمن به على مستوى العالم تقريباً.

<<هل كلهم مجانين؟ حسناً، أعتقد أنه يمكنك ان تؤمن بذلك لو كنتَ من الصفوة نوعاً ما. ولكن ربما -مثل ليو تولستوي – يكون علينا ان نتعلم من الفلاحين. ففي سيرته الذاتية، يتصارع مع مشكلة الشر. لقد رأى أن الحياة فيها من المعاناة أكثر من المتعة، وفيها الشر أكثر من الخير؛ ومن ثم فقد كانت تبدو بلا معنى. كان يائساً جداً حتى أنه حاول قتل نفسه. وقال إن لم يعرف كيف يمكنه تحمل ذلك.

ثم قال: <<مهلاً، فمعظم الناس يتحملون حقاً، معظم الناس يعيشون حياة أشد قسوة من حياتي، ومع ذلك يجدونها رائعة. كيف يمكنهم ذلك؟ لا بالتفاسير، بل الايمان.>> لقد سمع من الفلاحين ووجد الايمان والرجاء. (11).

<<ولذلك فالإلحاد يعامل البشر بأسلوب رخيص. وهو أيضا يسلب المعنى من الموت. فلو كان الموت بلا معنى، فكيف يكون للحياة أخيراً معنى، أن الإلحاد يُرّخص كل ما يلمسه. أنظر الى نتائج الشيوعية – أقوى صور للإلحاد الموجودة على الارض.

<<وفي النهاية، حينما يموت الملحد ويقابل الله بدلاً من العدم الذي يتوقعهُ، فسوف يعرف ان الإلحاد كان أجابه رخيصة لأنه فرض الشيء الوحيد الغير رخيص – إله القيمة اللانهائية. >>

مشكلة منطق

 لقد أطلق كريفت بعض النقاط المبدئية الشيقة، لكننا كنا نتأرجح حول الموضوع قليلاً، وقد آن أوان تسوية الامور. باستخراج بعض النقاط التي كتبتها في عجالةٍ في الطائرة، تحديثُ كريفت بسؤالٍ بلور المناظرة.

قلتُ: <<المسيحين يؤمنون بخمسة أمورٍ: أولاً أن الله موجود؛ ثانياً أن الله كُلَّي الصلاح؛ ثالثاً: أن الله كُلَّي القدرة؛ رابعاً: أن الله كُلَّي الحكمة؛ خامساً: أن الشر موجود. والان، كيف يمكن أن تكون كل هذه الامور صحيحة في نفس الوقت؟ >>

ارتسمت ابتسامة غامضة على وجه كريفت، وقال: <<يبدو أنها لا يمكن أن تكون كذلك. أتذكر واعظاً متحرراً حاول مرة أن يبعدني عن متابعة الأصوليين. وقال لي: <<توجد مشكلة منطقية هنا – فأنت يمكنك أن تكون ذكياً، أو شريفاً، أو أصوليا، أو أي من اثنين أو الثلاثة، ولكن ليس الثلاثة معاً. وقال صديقي الاصولي: <<سأقول لك، يمكنك أن تكون شريفاً، أو ذكياً، أو متحرراً، أو اي من الاثنين، ولكن ليس الثلاثة كلها>>.

ضحكت بسماع القصة، وقلت: <<لدينا نفس نوع المشكلة المنطقية>>.

فقال: <<نعم يبدو أنه عليك أن تطرح جانباً أحد هذه المعتقدات. فلو كان الله كُلَّي القدرة، فهو يمكنه كل شيء. ولو كان كُلَّي الاصلاح، فهو يريد الخير وحده. ولو كان كُلَّي الحكمة، فهو يعرف ما هو الخير. وهكذا لو كانت كل هذه المعتقدات صحيحة – وأن المسيحيون يؤمنون بصحتها – فيبدو أن النتيجة هي الشر لا يمكنهُ أن يوجد. >>

فقلتُ: <<لكن الشر موجود حقاً، أليس من المنطقي إذن أن نفترض أن مثل هذه الإله غير موجود؟ >>

فقال: <<لا، فسوف أقولُ لك إما أن تكون أحد هذه المعتقدات عنه الخاطئة، أو أننا لابدَّ أننا لانفهما بالطريقة الصحيحة>>.

آن أوان الاستكشاف؛ فدعوتُ كريفت بسرعة لفحص هذه الصفات الإلهية الثلاث: الله كُلَّي القدرة، كُلَّي الصلاح، وكُلَّي المعرفة – واحدة في كل مرة في ضوء وجود البشر.

الصفة الأولى: الله كُلَّي القدرة   

تساءل كريفت: <<ماذا نقصد حينما نقول إن الله كُلَّي القدرة؟ >> ثم أجاب: <<هذا معناه أنه يمكنه أن يفعل كل شيء له معنى، كل شيء ممكن، كل شيء يُشكَّل معنى بوجه عام. الله لا يمكنه أن يجعل نفسه يتوقف عن الوجود. ولا يمكنه أن يجعل الخير شراً. >>

فقلتُ: <<لذلك فهناك بعض الاشياء التي لا يمكن أن يقوم بها الله رغم إنه كُلَّي القدرة. >>

فأجاب: <<في وضوح، لأنه الله كُلَّي القدرة، لا يمكنه القيام ببعض الاشياء. لا يمكنه ارتكاب الاخطاء. فالكائنات الغبية الضعيفة فقط هي التي تخطئ. واحد من هذه الاخطاء هو محاولة خلق معارضة ذاتية مثل 2+2=5 أو عمل مربع دائري.

<<والان، فإن الدافع الكلاسيكي عن الله ضد مشكلة الشر هو إنه من غير الممكن منطقياً أن تكون لدينا حرية الارادة وعدم إمكانية الشر الأخلاقي، وبأسلوب أخر، ذات مرة أختار الله أن يخلق البشر بحرية إرادة، فكان الاختيار يعود إليهم أكثر مما يعود الى الله فيما يخص وجود الخطية من عدمهِ. هذا هو معنى حرية الارادة. إن فرصة الشر، ومن ثم المعاناة الناتجة عن ذلك، مبنية في موقف الله وهو يقرر أن يخلق البشر>>.

<<إذاً الله هو خالق الشر؟ >>

<<لا، لقد خلق الله إمكانية الشر، والناس قاموا بتفعيل هذه الإمكانية. مصدر الشر ليس قوة الله بل حرية البشر. فحتى الله كُلَّي القدرة لم يمكنه أن يخلق عالماً تكون فيه للناس حرية أصلية، ومن ثم لا تكون هناك أمكانية للخطية؛ وذلك لان حريتنا تتضمن أمكانية الخطية بمعناها الطبيعي. أنها معارضة ذاتية – عدم العدم – أن يكون هناك عالم يكون فيه اختيار حقيقي بينما لا تكون فيه – في نفس الوقت – أمكانية اختيار الشر. وأن تسأل لماذا لم يخلق الله مثل هذا العالم هو أن تسأل لماذا لم يخلق الله لوناً لا لون له، أو لماذا لم يخلق مربعات دائرية>>.

<<إذن لماذا لم يخلق الله عالماً بلا حرية إنسانية؟ >>

<<لأن هذا سيكون عالماً بلا بشر. هل يمكن وجود مكان بلا كراهية؟ نعم. مكان بلا معاناة؟ نعم، ولكنه سيكون أيضاً مكاناً بلا محبة، التي هي أعلى قيمة في الكون. الخير الاسمي لا يكون قد أختبر أصلاً. المحبة الحقيقة – محبتنا الله ومحبتنا لبعضنا البعض – لابدَّ ان تتضمن اختيارا. ولكن بمنح هذا الاختيار، تأتي إمكانية أن الناس يختارون أن يكرهوا بدلاً من ذلك. >>

فقلتُ له: <<ولكن أنظر الى سفر التكوين؛ فألله خلق عالماً كان فيه الناس أحراراً ومع ذلك لم تكن هناك خطية. >>

فقال كريفت: <<وهذا تماماً ما قاله. فبعد الخلق، أعلن أن العالم كان <<حَسَنٌ>>. كان الناس أحراراً لاختيار أن يحبوا الله أو يتحولوا عنهُ. ومع ذلك، فمثل هذا العالم هو بالضرورة مكان تكون فيه الخطية ممكنة بصورةٍ حرة. وفي الواقع فهذه الامكانيات لارتكاب الخطية لم يُفعلها الله، بل البشر. وأخيراً فإن اللوم يقع علينا. الله قام بما عليه تماماً، ونحن الذين أخطأنا. >>

فأشرتُ قائلاً: <<إن الحاخام هارولد كاشنر يصل الى خاتمة مختلفة في كتابه الاكثر مبيعاً <<عندما تحدث الاشياء السيئة للأخيار>>؛ فهو يقول <<إن الله ليس كُلَّي القدرة بعد كل هذا – وأنه يريد أن يساعد، لكنه ليس قادراً على حل كل المشكلات في العالم. وقال: <<حتى الله لديه وقت عصيب يتحكم فيه في الفوضى. >> (12)

فرفع كريفت حاجبهُ قائلاً: <<بالنسبة للحاخام، هذا الامر يصعب فهمهُ، لأن المفهوم اليهودي المميز حول الله هو عكس ذلك. والأمر المثير ضد الدليل يبدو هو أن اليهود قد صمموا أن هناك إلهاً كُلَّي القدرة، ومع ذلك ليس كُلَّي الصلاح.

<<لا يبدو أن الامر الآن مقنعاً كالوثنية التي تقول انه لو كان الشر مقصوداً في العالم، فلا بدَّ أن تكون هناك آلهة عديدة، كل منها اقل من كونها كلية القدرة، بعضها صالح، وبعضها شرير، ولو كان هناك ألهٌ واحد، فهو يواجه قوى لا يمكنه أن يتحكم فيها تماماً. وقد كانت هذه فلسفة شائعة جداً حتى أعلان اليهودية عن الإله الحقيقي. >>

فقلتُ مُوَّجهاً كلامي كجملة أكثر منها سؤال: <<أنت لا تؤمن كثيراً بإله كوشنر. >>

فأجبني وهو يهز كتفيه: <<بصراحة، هذا الإله يصعب الايمان به. فهل يكون لديّ اخ أكبر يفعل ما يستطيع ولكن ليس كثيراً؟ حسناً، من يهتم؟ >> في واقع الامر هذا هو نفس معنى الالحاد. أعتمد على نفسك أولاً وبعد ذلك يمكن أن يكون هناك الله او لا يكون.

<<لا، فالدليل هو أن الله كُلَّي القدرة. وما يجب أن نتذكره هو أن خلق عالم تكون فيه حرية الارادة وعدم أمكانية الخطية وهو معارضة ذاتية – وهذا يفتح باب للناس لاختيار الشر بدلاً من الله، وتكون المعاناة هي النتيجة. أن الأغلبية الساحقة من الألم المستشري في العالم سببه اختيارنا للقتل، والتشهير، والأنانية، والجموح الجنسي، وكسر وعودنا، والتهور. >>

الصفة الثانية: الله هو كُلَّي المعرفة   

طلبتُ من كريفت أن ينتقل للصفة الالهية التالية – كلية معرفة الله – فضبط جلستهِ للشعور بمزيد من الراحة، وأتجه ببصره الى الجانب كما لو كان يستجمع أفكاره من جديد.

وقال: <<لنبدأ هكذا: بما أن الله كُلَّي الحكمة، فهو يعرف لا الحاضر فقط، بل المستقبل أيضاً. ولا يعرف خير وشر الحاضر فقط، بل خير وشر المستقبل أيضاً. وبما أن حكمته تسبق حكمتنا كثيراً – كما أن حكمة الصياد تسبق حكمة الدب – يكون من الممكن على الاقل، وعلى خلاف تحليل تمبلتون، أن يتساهل إله محب عمداً مع الامور المرعبة كالمجاعة لأنه يرى أنه على المدى الطويل سيكون المزيد من الناس أفضل وأسعد مما لو كان قد تم التدخل في الامور بصورة معجزيه. هذا ممكن عقلياً على الاقل.

فقلتُ وأنا أهز رأسي: <<لا يزال هذا صعب القبول، فهو يبدو كمراوغة بالنسبة لي؟ >>

فرد كريفت قائلاً: <<حسناً، إذاً لنختبر هذا. أنت تعلم أن الله قد بين لنا بكل وضوح وبشكل خاص كيف يمكن أ، يعمل هذا. وشرح لنا كيف ان اسوأ شيء حدث في تاريخ العالم. >>

<<ماذا تقصد؟ >>

فأجبني أشير إلى موت الله dei – cide؛ أي موت الله على نفسهِ على الصليب. في نفس الوقت لم ير إنسان كيف يمكن أن ينتج شيئاً طيباً من هذه المأساة. ومع ذلك فقد رأى الله مسبقاً أن النتيجة ستكون انفتاح السماء للبشر. وهكذا فأن أسوأ مأساة في التاريخ جاءت بأمجد حدث في التاريخ. وبما أن هذا قد حدث من قبل – بما أن منتهى الشر يمكنه ان ينتج منتهى الخير – يمكنه أن يحدث أيضاً في أي مكانٍ آخر؛ حتى في حياتنا الشخصية. وهنا يرفع الله الستار ويدعونا كي نراه. وفي مكانٍ آخر يقول ببساطة: <<آمنو بي. >>

<<كل هذه معناه أن الحياة الانسانية درامية بصورة لا تُصدَّق، مثل قصة لا تعرف نهايتها بأكثر صيغة علمية. في الواقع، لنتبع خط هذه القصة الدرامية لمدة قصيرة.

<<أفترض أنك الشيطان. أنت عدو الله وتريد أن تقتلهُ، لكنك لا تستطيع. ومع ذلك، فهو لديه نقطة الضعف السخيفة هذه لخلق ومحبة البشر – أولئك الذين تستطيع أن تسيطر عليهم. آها! ألان حصلت على رهائن! وهكذا تنزل ببساطة الى العالم، وتفسد الجنس البشري، وتسحب بعضاً منهم الى الجحيم. وعندما يرسل الله الانبياء لتنويرهم، فأنت تقتل الانبياء.

<<ثم يقوم الله بعمل أكثر الامور حماقةً على الاطلاق – يرسل أبنه الوحيد ويتلاعب بقواعد العالم. تقول لنفسك: <<لا يمكنني أن أؤمن أنه بمثل هذا الغباء! لقد أفسدتْ المحبة عقله! كل ما علىّ هو أن الهم بعضاً من عملائي – هيرودس، وبيلاطس، وقيافا، والجنود والرومان – وأجعله يُصلب>>. وهذا ما تريده.

<<وهكذا يُعلَّق هناك على الصليب – متروكاً من الانسان – ومتروكا-كماً يبدو – من الله ينزف حتى الموت، ويصرخ قائلاً: <<إلهي إلهي   لماذا تركتني؟ >> ماذا تشعر الان باعتبارك الشيطان؟ وتشعر بالانتصار وتبرئه ساحتك! لكنك بالطبع لم يكن من الممكن أنت تكون أكثر خطأ. فهذا هو أعظم انتصاراته وأقسى هزائمك. لقد سحق عقبة فمك، وأنت تراهن هذا الدم قد حطمك.

<<والآن، لو لم يكن هذا حدث استثنائي، بل نموذجا للموقف البشري، إذاً عندما ننزف نحن أو نعاني – كما عانى المسيح – فمن المحتمل أن يكون نفس الشيء هو الذي يحدث. ربما تكون هذه هي طريقة الله لهزيمة الشيطان.

<<في وقت الصلب، لم يقدر التلاميذ أن يروا كيف يمكن أن ينتج أي شيء صالح. وهكذا عندما نواجه الصراعات والتجارب والمعاناة، لاً يمكننا أن نتخيل أحياناً أن نتخيل أحياناً ظهور الخير. لكننا رأينا كيف كان ذلك في حالة يسوع، ويمكننا أن نؤمن بحدوث ذلك في حالتنا أيضاً، على سبيل المثال، يبدو أن معظم المسيحين في التاريخ يقولون إن معاناتهم قد انتهت بجعلهم أكثر اقترابا إلى الله – ولذلك فهذا هو أفضل شيء يمكن أن يحدث، وليس أسوأ شيء. >>

الصفة الثالثة: الله كُلَّي الصلاح

وصلنا بذلك الى صفة صلاح الله.

بدأ كريفت: <<الصلاح>> كلمة يُساء فهمها بشكل كبير، لأنه حتى في العلاقات البشرية هناك مثل هذا المدى الواسع للمعنى. لكن الفرق – مرة أخرى – بيننا وبين الله أعظم حقاً بيننا وبين الحيوانات، وحيث أن الصلاح يتنوع بشكل كبير بيننا وبين الحيوانات، فلا بدَّ أنه يتنوع بشكل أكبير بيننا وبين الله. >>

فقلتُ: <<موافق، لكنني لو بقيت ساكناً ولم أفعل شيئاً بينما طفلي قد دهسته شاحنة، لا أكون صالحاً بأي معنى كلمة. سأكون أباً شريراً لو فعلت هذا. والله يفعل مرادف ذلك. فهو يبقى ساكناً ويرفض أداء المعجزات لأنقاذنا من الاخطاء التي هي أقسى حتى من مجرد أصابه شاحنة. لذلك لماذا لا يكون شريراً؟ >>

فأومأ كريفت قائلاً: <<يبدو أنه كذلك، لكن حقيقة الله يسمح عمداً بأشياء معينة – التي لو سمحنا نحن لحولتنا الى وحوش – لا تحسب بالضرورة ضد الله.

فلم أفهم حجتهِ، فقلتُ له: <<ستضطر لشرح ذلك. >>

فأجابني: <<حسناً، لأقل لك تشابهاً لذلك في العلاقات البشرية: لو قُلت لأخي الذي يقارب عمري: يمكنني أن أنقذك من مشكلة، ولكني لن أنقذك، فمن المحتمل أن أكون بذلك متساهلاً وربما شريراً. ولكننا نفعل هذا مع أطفالنا طوال الوقت. فنحن لا نقوم بعمل الواجب لهم. ولا نحاول أن نحميهم من كل أذى.

<<أتذكر حينما كانت إحدى بناتي في الرابعة أو الخامسة، وكان تحاول أن تضع خيطاً في أبره وهي في جمعية الكشافة Brownies. كان هذا صعب للغاية بالنسبة لها؛ فقد حاولت طوال الوقت، وجرحت أصبعها، ونزفت مرتين. وكنتُ أراقبها، لكنها لو تراني. لقد حاولت مراراً.

<<كانت غريزتي الأولى هي أن اذهب وأفعل ذلك من أجلها لأنني رأيت قطرة من الدم. لكنني بحكمة تراجعت لأنني قلت لنفسي: <<يمكنها أن تفعل ذلك>>. وبعد حوالي خمس دقائق، فعلتْ ذلك أخيراً. فنهضتُ من مكان اختبائي وقالتْ ليٍ: <<أبي، أبي، أنظر ما فعلته! أنظر ما فعلته! >> كانتْ فخورة جداً أنها وضعتْ الخيط في الابرة حتى أنها قد نست كل الالم.

في ذلك الوقت كان الالم جيداً بالنسبة لها. لقد كنتُ حكيماً لدرجة أنني تنبأتُ أنه سيكون جيداً لها. وألان بالتأكيد فإن الله أكثر حكمة مما كنتُ أنا مع أبنتي. وهكذا من الممكن على الاقل أن يكون الله حكيماً لدرجة أنه يتنبأ أننا بحاجة لبعض الالم لأسباب ربما لا نفهمها، لكنه يرى أنها ضرورية للخير أخيراً. وهكذا لا يكون الله شريراً عندما يسمح بوجود الألم.

<<إن أطباء الاسنان، والمدربين الرياضيين، والعلمين، والآباء يعرفون جميعاً أنه أحياناً ما يكون الشيء الصالح يكون رقيقاً. فبالطبع هناك أوقات يسمح فيها الله بالمعاناة ويحرمنا من أقل مقدار من المتعة كي يصل بنا الى أعظم مقدار للتعلم الروحي والأخلاقي. وحتى اليونانيون القدماء آمنوا أن الالهة علمتهم الحكمة من خلال المعاناة. فقد كتب أسخيلوس:

<<يوم وراء يوم، ساعة وراء ساعة يقطر الالم على الفؤاد تماماً كما تأتي <<الحكمة>> من نعمة الله المرهبة على خلاف إرادتنا، وحتى في كراهيتنا. >>

 <<نحن نعرف أن الشخصية الأخلاقيةُ تشكَّل من خلال المشقات، والتغلب على العقبات، واحتمال المصاعب المؤذية. فالشجاعة مثلاً ستكون مستحيلة في عالم بلا ألم. وقد شهد الرسول بولس عن خاصية التقنية تلك التي تقوم بها المعاناة عندما كتب: <<نَفْتَخَرُ أيْضاً فَي الضِّيقَاتَ عَالَمَينَ أنَّ الضِّيقَ يُنْشَىُ صَبْراً وَالصَّبْرُ تَزْكَيَةَ وَالتَّزْكَيَةُ رَجَاءَّ>>. (13)

<<لنواجه الامر: نحن نتعلم من الاخطاء التي نصنعها والمعاناة التي تجلبها. إن الكون آلة صانعة للنفس، وجزء من هذه العملية هي التعلم والنضج، والنمو من خلال الخبرات المؤلمة الصعبة المثيرة للتحدي، وهدف حياتنا في هذا العالم ليس الراحة، بل التدرب والاستعداد الى للأبدية. يقول لنا الكتاب المقدس أن يسوع بنفسهِ: <<مَعَ كَوْنَهَ ابْناَّ تَعَلَّمَ الطاعَةَ مَمَّا تَأَلمَ بَهَ. >> (14) – وإن كان هذا حقيقي بالنسبة له، فلماذا لا يكون أكثر حقيقة بالنسبة لنا؟ >>

لقد جعل كريفت السؤال يتردد في الهواء للحظات بينما نشطتْ ملكاته العقلية، ثم أستطرد قائلاً: <<أفترض أنه لم تكن لدينا معاناة على الاطلاق. أفترض أنه كانت لدينا عقاقير لكل ألم، ومتعة حرة، وحب حر – كل شيء ماعدا الألم. لا شيكسبير، ولا بيتهوفن، ولا بوسطن ريد سوكس، ولا موت – ولا معنى، فسوف نصير أطفالاً صغاراً مُدّللين بشكلٍ رهيب.

<<ويكون الامر مثل ذلك العرض التلفزيوني القديم Twilight zone، حيث تطلق النيران على عصابة سارقي البنوك، وواحد منها ينهض ماشياً على سحب رقيقة عند البوابة الذهبية لمدينة سماوية. ويقدم له أنسانٌ رقيق لابساً رداءً أبيض كل ما يريده. لكن سرعان ما يمل من الفتيات الجميلات، اللاتي يضحكن فقط عندما يحاول أيذائهن، لان لديه نزعة سادية.

<<ولذلك يستدعي صورة القديم بطرس.

<<لا بدَّ أن هناك خطأ ما. >>

<<لا؛ فنحن لا نخطى هنا. >>

<<ألا يمكنك أن تعديني إلى الارض؟ >>

<<بالطبع لا، فأنت ميت. >>

<<حسناً، إذاً، لابدَّ أن أتبع أصدقائي في المكان الاخر. أرسلني إلى هناك. >>

<<أوه، لا، لا يمكننا ذلك، فأنت تعرف القواعد. >>

<<ما هو هذا المكان على أي حال؟ >>

<<هذا هو المكان الذي تحصل فيه على كل ما تريده. >>

<<ولكني اعتقدت أنني أريد السماء. >>

<<السماء؟ من قال شيئاً عن السماء؟ فالسماء هي المكان الآخر. >>

الفكرة من وراء هذا هي أن عالماً بلا معاناة يبدو كالجحيم أكثر من كالسماء. >>

فسألته قائلاً: <<هذا يبدو مبالغاً فيه. هل تؤمن بذلك حقاً؟ >>

<<نعم، أؤمن، ففي الحقيقة – لو لمن تؤمن بذلك – فتظاهر إذاً أنك أنت الله، وحاول أن تخلق عالماً أفضل من خيالك. حاول أن تخلق المدينة الفاضلة. لكن عليك أن تفكر في نتائج كل شئ تحاول أن تُحّسنه. فكل مرة تستخدم فيها القوة لمنع الشر، فأنت تسحب الحرية. ولكي تمنع كل الشر، لابدَّ أن تزيل كل الحرية وتُحوِّل البشر الى دمي، وهذا معناه أنهم سيفتقدون القدرة لاختيار الحب طوعاً.

<<يمكنك أن تختتم الامر بخلق عالم من الدقة يمكن أن يحبه مهندس – ربما. ولكن هناك شيء أكيد: فسوف تفقد نوع العالم الذي يريده <<الآب>>.

بوق الألم  

دليل بدليل، كان كريفت يُلقي المزيد والمزيد من الضوء على سر المعاناة. ولكن كل فكرة جديدة بدتْ أنها تثير أسئلة جديدة.

فقلتُ: <<الأشرار يفلتون من عقاب إيذاء الآخرين طوال الوقت. وبالطبع لا يعتبر الله ذلك عدلاً. فكيف يمكنه أن ينهض ويراقب كل هذا؟ ولا يتدخل ويتعامل مع كل الشر الموجود في العالم؟ >>

فأصر كريفت قائلاً: <<الاشرار لا يفلتون من العقاب. فتأخر العدلة ليس معناه بالضرورة امتناع العدالة. سيأتي يوم يطالب في الله حساباً، ويكون فيه الناس مسئولين عن الشر الذي ارتكبوه والمعاناة التي سببَّوها ونقد الله لأنه لا يفعل ذلك حالاً مثل قراءة نصف رواية ونقد مؤلفيها لأنه لم يحل حبكتها الدرامية. الله سيُسّوى الحسابات في الوقت المناسب. ففي الواقع يقول الكتاب المقدس سبباً واحداً وهو أنه يتأخر لأن بعض الناس مازالوا يتبعون الادلة ومازال عليهم أن يجدوها. (15) فالله يُمهل حقاً اختتام التاريخ بسبب محبته العظمى لهم. >>

فسألته: <<ولكن في نفس الوقت، ألا يزعجك مقدار المعاناة الرهيب في العالم؟ ألا يمكن الله أن يقلل على الاقل بعضاً من الشرور الاكثر ترويعاً؟ صاغ فيلسوف حُجه ضد الله هكذا: <<أولاً، ليس هناك سبب يُبرِّر سماح الله بالكثير جداً من الشر. ثانياً، لو كان الله موجوداً، فلابد أن يكون هناك سبب. وثالثاً، الله غير موجود. >>

فتعاطف كريفت مع المشكلة، لكنه لم يقبل هذا الحل. وقال: <<هذا يشبه القول إنه من المعقول أن نؤمن بالله لو مات 6 من اليهود في مذبحة وليس 7، أو لو مات 60000 وليس 6000 وواحد. أو لو مات 6 مليون إلا واحد ليس 6 مليوناً. وعندما تترجم الجملة العامة <<كثيراً جداً>> إلى أمثلة خاصة مثل هذا، فأنها تبين كم هي سخيفة. لا يمكن أن يكون هناك حد فاصل.

حقيقي أن هناك بعض الحالات تصير فيها الكمية كيفية. على سبيل المثال غليان الماء: فحالما درجة الحرارة 212 درجة، تصل لمرحلة جديدة وهي الغاز؛ ومن هنا تنطبق قوانين الغاز، لا قوانين السائل. لكن المعاناة ليست هكذا. ففي هذه النقطة. وبالإضافة إلى ذلك، لأننا نحن لسنا الله، فنحن لا يمكننا أن نقول كم مقدار المعاناة المراد. فربما يكون كل عنصر منفرد من الألم في الكون ضرورياً. كيف نعرف؟ >>

فضحكت ضحكة خافتة قائلاً: <<أفترض أن شخصاً سيقول: <<بما إنني أتعرض للألم، فهذا معاناة كثيرة جداً في العالم! >>

فضحكتُ كريفت متعجباً: <<آه بالطبع! هذه هي المقولة الشخصية <<كثيراً جداً>>. هذه حالة كلاسيكية من التشبيهية. فلو كنت أنا الله، لما سمحت بهذا الألم الكثير، الله لا يمكنه أن يتفق معي، الله سمح بهذا الألم، ومن هنا لا يوجد الله. >>

فقلتُ: <<لقد قلت منذ لحظات إن بعض الألم يمكنه أن يكون ضرورياً. وهذا يشير إلى أن هناك معنى للمعاناة، فلو كان الأمر كذلك، فما هو؟

فقال: <<كان أحد أغراض المعاناة في التاريخ هو أنها تقود الى التوبة. فبعد المعاناة فقط، وبعد الكارثة فقط، رجع شعب إسرائيل في العهد القديم، وترجع الامم ويرجع الافراد الى الله. مرة أخرى لنواجه الامر: نحن نتعلم بالطريقة الصعبة. يقول سي أس لويس: <<الله يهمس لنا في مسيراتنا، ويتكلم في ضميرنا، لكنه يصرخ في الأمنا. فالألم هو بوق الله لأيقاظ عالم أصم. >> (16) وبالطبع فأن التوبة تقود الى شيء رائع – هو البركة، لأن الله هو مصدر كل الفرح وكل الحياة. وتكون النتيجة هي الخير – في الواقع مما هو أفضل من الخير.

ببساطة، أؤمن أن المعاناة منسجمة من محبة الله، لو كانت علاجية شافية ضرورية، وهذا لو كنا مرضى تماماً ونحتاج علاجاً بدرجة شديدة. وهذا مو موقفنا. قال يسوع: <<لاَ يَحْتَاجُ الاَصَحَّاءُ إلَىَ طبَيبٍ بَلَ المَرْضَى. لَمْ آتَ لأدْعُوَ أبْرَاراً بَلْ خطأة إَلَى التَّوبَةَ. >> (17)

فأشرت قائلاً: <<لكن الصالحين يعانون بنفس المقدار – أو أحياناً بمقدار أكبر من الأشرار. هذا هو المثير تماماً حول عنوان كتاب كوتشنر <<عندما تحدث الاشياء السيئة للأبرار>>. فكيف يكون هذا عدلاً؟ >>.

فأجاب كريفت: <<حسناً، إجابة هذا هو أنه لا يوجد صالحون؟ >>

<<فماذا إذاً عن ذلك القول القديم: <<هل يعمل الله أي شيء بلا جدوى؟ >>

<<نعم، نحن صالحون وجودياً – فنحن ما زلنا نحمل صورة الله – لكننا لسنا صالحين أخلاقياً. فقد تشوهت صورة الله فينا. قال النبي أرميا: <<لاَنَّهُمْ من صَغيَرهَمْ إلَىَ كَبَيَرهَمْ كُلُّ وَاحَد مُولَعٌ بَالرَّبْحَ>> (18)، وقال النبي إشعياء: <<وَقَدْ صَرْنَا كُلُّنَا كَنَجَس وَكَثَوْبَ عَدَّة كُلُّ أَعْمَالَ بَرَّنَا وَقَدْ ذَبُلْنَا كَوَرَقَةٍ وَأَثَامُنَا كَرَيحٍ تَحْمَلُنَا>> (19).

إن أعمالنا الصالحة مُلطخة بالمصلحة الذاتية، ومطالبنا للعدالة مختلطة بالشهوة للانتقام. والمفارقة هي أن هؤلاء هم أقل الناس الاكثر استعدادا لمعرفة نقائصهم وخطاياهم والاعتراف بها.

<<نحن أخيار وقد صرنا أشرار، تحفة مشوهة، طفل متمرد. أشار لويس إلى أننا لسنا مجرد شعب ناقص يحتاج النمو، بل متمردين نحتاج أن نخفض أذرعنا. الألم والمعاناة غالباً ما تكون الوسائل التي نصير بها متحفزين للخضوع النهائي الله وطلب علاج المسيح.

<<هذا هو ما نحتاجه بالأكثر. وهذا هو ما سيأتي لما بالفرح الأسمى لمعرفة يسوع. فأية معاناة جديرة بهذه النتيجة، وعظماء المسيحين عبر التاريخ سيقولون لك هذ>>.

احتمال الألم

 ضبطتُ جلستي في المقعد وتأملت فيما قاله كريفت حتى الان. كانت بعض حُججهِ أقوى من الاخرى، لكنه على الأقل لم يكن. يقدم مجرد تفاسير مُغلَّقة؛ فقد كان يبدو أن مفاتيح الحل تقود إلى مكانٍ ما.

قرَّرتُ أن أسأله عن قولٍ لأوغسطينوس يقول: <<بما أن الله هو الخير الاسمي، فأنه لا يسمح بأي شرٍ أن يوجد في أعماله إن لم تكن كلية قدرته وصلاحه في سبيل أن تأتي بالخير حتى من قلب الشر. >> وبعد أن قرأتُ له هذه الكلمات تساءلتُ: <<هل هذا معناه أن المعاناة والشر يحتويان على الامكانية لعمل الخير؟ >>

فأجبني: <<نعم، فأنا أؤمن تحتوي على الاقل على فرصة عمل الخير، لكن ليس كل إنسان يُفعَّل هذه الإمكانية. ليس كل منا يتعلم ويستفيد من المعاناة، ومن هنا تأتي حرية الإرادة. سجينٌ في أحد المعسكرات الأشغال الشاقة سيتصرف باختلاف تامٍ عن آخر، بسبب الاختيار الذي يقوم به كل منهما للاستجابة للبيئة المحيطة.

<<ولكن حالما يكون لأي أنسان أن يتأمل في ماضيه ويقول: <<لقد تعلمت من هذه المشقة. لم أعتقد أنني سأتعلم ذلك حالياً، لكنني أنسانٌ أكبر وأفضل لأنني احتملتُ ذلك وبقيتُ>>. وحتى الناس الذين بلا أيمان سيكونون واعين بهذا البُعد من المعاناة. ولو استطعنا أن نأتي بالخير من الشر حتى دون أن نُدخل الله في الموضوع، فيمكنك أن تتخيل كم بالأحرى – لمعونة الله – يمكن أن يعمل الشر لصالح الخير الأعظم. >>

ومع ذلك أثارَ إدخال الله الى الموضوع قضيةً أخرى: <<لو كان الله يحب البشر، فكيف يتساهل عاطفياً مع الهجوم المتواصل للألم والمعاناة؟ ألا يسحقه هذا؟ سحب كتاب تمبلتون وقرأت لكريفت هذا الجزء:

قال يسوع: <<أليس خمسة عصافير تباع بفلس ولا أحد منسياً أمام الله؟ أنتم أفضل من عصافير كثيرة؟ >> لكن أن كان الله يحزن لموت عصفور، فكيف تحتمل روحه الابدية المرض، والمعاناة، وموت الملايين المضاعفة من الرجال والنساء والأطفال والحيوانات والطيور والمخلوقات الحسية الاخرى، في كل بقعة من العالم، وفي كل قرن منذ بدأ الزمان؟ (20)

فقال كريفت: <<أعتقد أن السيد تمبلتون يشبه الله بقول: <<لم أكن أتخيل كيف يمكن لأي كائن ذكي أن يحتمل هذا. >> نعم، أنه على حق – فنحن لا يمكننا أن نتخيل هذا. لكننا نستطيع أن نؤمن به. والله في الحقيقة يبكي على كل عصفور ويحزن على كل شر وكل معاناة. ولذلك فإن المعاناة التي أحتملها المسيح على الصليب لا يمكن تخيلها حرفياً. فهي ليست مجرد ما اختبرته أنت أو أنا في أقصى عذاباتنا البشرية، جسدياً أو عقلياً، لكن كل معاناة العالم كانت هناك.

<<لنعود إلى صورة تمبلتون عن المرأة المكلومة في أفريقيا بينما كان كل ما تحتاجه هو المطر. أين الله؟ لقد كان يدخل في عذابها، لا عذابها الجسدي فقط، بل أيضا عذابها الأخلاقي. أين الله؟ لماذا لا يرسل المطر؟ وإجابة الله هي التجسد. لقد دخل بنفسه قلب هذا العالم كله، وأحتمل بنفسه كل ألم هذا العالم، وهذا أمر لا يمكن تصوره، وهو أكثر تأثيراً من القوة الإلهية التي خلقت العالم في المقام الاول.

<<تخيل فقط أن كل ألم منفرد في تاريخ العالمٍ، قد تجمع معاً في شكل كرة، وقد أكلها الله، وهضمها، وذاقها تماماً إلى الأبد. في فعل خلق العالم، لم يقل الله <<لتكن إشراقات، وزهور، وأرانب صغيرة جميلة فحسب، بل قال أيضاً: <<لتكن دماء، وأحشاء، وذباب يطنّ حول الصليب. بمعنى ما تمبلتون على حق. فألله أساساً متداخل في خلق عالم من المعاناة. لكنه لم يفعل ذلك – بل نحن – ومع ذلك فقد قال: <<ليكن هذا العالم. >>

<<ولو كان قد فعل ذلك ثم أسترح قائلاً: <<حسناً، إنه خطأكم على أي حال>> -ورغم أنه سيكون له الحق تماماً بفعل ذلك – فلا أرى كيف يمكننا أن نحبه. إن حقيقة أنه أنطلق فيما وراء العدالة وبشكل لا يُصدَّق تماماً آخذاً كل المعاناة على نفسه تجعله رائعا لدرجة أن إجابة المعاناة ستكون – تفحصتْ عينا كريفت أنحاء الغرفة كما لو كان يبحث عن الكلمات المناسبة، فقال <<لدرجة أن أجابه المعاناة ستكون… كيف لا تحب مَنْ ذهب الميل الثاني، من مارس أكثر مما بشر، مَنْ دخل عالمنا، من عانى آلامنا، من يقدَّم نفسه في وسط أحزاننا؟ ماذا يمكنه أن يفعل أكثر من ذلك؟ >>

<< فقلتُ: <<بصراحة، فإن إجابة سؤال تمبلتون عن كيف يحتمل الله كل هذه المعاناة هي – لقد عانى هو. >>

فهتفتَ كريفت: <<لقد عانى هو! إن أجابه الاله لمشكلة المعاناة هي أنجاز بنفسه المعاناة. فكثيرٌ من المسيحين يحاولون أن يُخرجوا الله من موضوع المعاناة، أما الله فقد جاز بنفسه المعاناة على الصليب. ومن هنا فإن الخاتمة العلمية هي إنه لو أردنا ان نكون مع الله، فعلينا أن نكون مع المعاناة، وعلينا ألا نتجنب الصليب، لا بالفكر ولا بالفعل. لابدَّ أن نذهب حيثما يوجد الله، والصليب هو أحد الاماكن التي يوجد عندها الله. وحينما يرسل لنا الله الشروق، فنحن نشكره عليه. وعندما يرسل لنا الغروب، والموت، والمعاناة، والصليب، فنحن نشكره عليه أيضاً. >>

فأنتصبتُ قائلاً: <<هل هذا معقول حقاً أن نشكر الله على الألم الذي يصيبنا؟ >>

<<نعم، في السماء سنفعل ذلك تماماً. سنقول الله: <<شكراً جزيلاً من أجل هذا الألم البسيط الذي لم أفهمهُ في أوانه، ومن أجل ذاك الألم البسيط الذي لم أفهمه في أوانه، فألان أفهم أن هذه كانت أثمن الاشياء في حياتي.>>

<<وحتى لو لم أجد نفسي قادراً شعورياً أن أفعل ذلك الآن، حتى لو لم أقدر بأمانة أن أقول الله في وسط الألم: <<يا الله، أشكرك من أجل هذا الألم>>، بل أقول بدلاً من ذلك: <<نجني من الشر>>، فهذا حسنٌ تماماً وأمينٌ تماماً – لكني أؤمن أن هذه ليست هي الكلمة الاخيرة. فالكلمات الأخيرة من الصلاة الربانية ليست <<نجنا من الشرير>>، لكنها <<لك القوة والمجد. >>

<<أعتقد أن اي مسيحي ناضج يمكنه أن ينظر الى حياته، ويُحدَّد بعض لحظات المعاناة التي تجعله أكثر قرباً إلى الله مما كان يعتقد. وقبل أن يحدث هذا، كان يقول: <<لا أرى حقاً كيف يحقق هذا أي خير على الاطلاق، لكن بعدما يخرج من المعاناة يقول: <<هذا مدهشً. لقد تعلمت شيئا لم أكن أتصور أنني كنت سأتعلمه. لم أعتقد إن أراداتي المتمردة الضعيفة ستكون قادرة بمثل هذه القوة، لكن الله – بنعمته – أعطاني القوة. فلولا المعاناة، لما كان ذلك ممكناً. >>

<<الاقتراب الى الله، التشبه بالله، المتلائم مع الله، لا مجرد الشعور بالاقتراب أب الله، بل الاقتراب الوجودي الحقيقي إلى الله، تشّبه النفس بالله – كل هذا ينتج عن المعاناة بفاعلية ملحوظة. >>

فقلتُ: <<لقد ذكرت السماء، والكتاب المقدس يتحدث عن معاناتنا في هذا العالم بأنها خفيفة ووقتية مقارنة بما سنختبره تابعو الله في السماء. فكيف تلعب السماء دورها في هذه القصة كلها؟ >>

   اتسعت عينا كريفت وقال: <<لو لم يكن الأمر هكذا، لكان من الصعب وجود قصة. تجاهل كل الاشارات التي تدل على السماء من العهد الجديد، وسوف ترى القليل جداً من المتبقي. قالت القديسة تيريزا Saint Teresa: <<في نور السماء، فأن أسوأ معاناة على الارض، وحياة مليئة بأقسى العذابات على الارض، سوف ترى وكأنها ليست أخطر من ليلة واحدة في فندق غير مريح. >>هذه جملة تثير التحدي أو حتى الخيال! لكنها لم تتكلم من أطار حياة فارغة يعيش فيها الكثيرون جداً منا، لكنها تكلمتْ من إطار حياة مليئة بالمعاناة.

<<يستخدم الرسول بولس كلمة مفرطة أخرى في سياق مشابه حينما يقارن المسرات الارضية بمسرة معرفة المسيح. فقد قال إن امتيازات المواطنة الرومانية، وأن تكون فريسياً أبن فريسي، وأن تكون متعلماً جيداً، ومن جهة الناموس بلا لوم – كل هذا <<نفاية>> مقارنة بمعرفة المسيح – (21) وهذه كلمة صريحة جداًّ!

وبالمثل، مقارنةً مع الله أبدياً، ومقارنة مع الاُلفة مع الله التي يدعوها الكتاب المقدس زوجاً روحياً، فلا شيء آخر يهم. لو كان الطريق إلى ذلك هو من خلال العذاب، حسناً، فالعذاب لا شيء مقارنة بذلك. نعم إنه شنيع في حد ذاتهِ، لكنه لا شيء مقارنة بذلك.

<<ولذلك فأن إجابة تمبلتون هي: نعم، أنت ايضاً على حق تماماً عندما تقول إن صورة تلك المرأة الافريقية لا تُطاق. فنقص المطر هذا، وتلك المجاعة لا تطاق حقاً في حد ذاتها. وبمعنى ما، فأن الاجابة ليست أن نحلها، لكن الاجابة هي أن ننظر الى وجه الله ونقارن هذين الشيئين.

<<على الجانب الاول من الميزان هذا العذاب أو كل عذابات العالم، وعلى جانب الاخر وجه الله، الله الموجود لكل من يطبله وسط ألمهم. أن خير الله، وفرح الله سيفوق أخيراً كل المعاناة، وحتى أفراح هذا العالم. >>

قوة حضور الله 

سعدتُ أن كريفت قد أعاد الحوار حول المرأة صاحبة صورة تمبلتون. لم أرد أن يبتعد عنها اللقاء كثيراً. فلقد شخصَّتْ هذه المرأة قضية المعاناة، وهي تقف كممثلة ادعاء قوية عن محرومي العالم البالغ عددهم مليار إنسان.

قلتُ لكريفت: <<لو كانت هذه المرأة هنا حالياً، فماذا كنتَ ستقول لها؟ >>

فقال ببساطة دون تردد: <<لأشيء>>.

فنظرتُ مندهشاً دون أن أصدق” <<لا شيء؟ >>

فقال: <<لا شيء في البداية على أي حال. سأدعوها أن تتحدث إلىّ. فمؤسس إحدى المنظمات المعوقين يقول إنه يعمل مع المعاقين لسبب أناني للغاية: وهو أنهم يعلمونه شيئاً أقيم بكثير جداً مما يمكنه أن يعلمهم إياه – وهذا الشيء هو من يكون هو. هذا يبدو عاطفياً لكنه حقيقي.

<<أن واحدة من أطفالي الاربعة معاقةً بدرجة متوسط، وقد تعلمتُ منها أكثر مما تعلمتهُ من الثلاثة الأخرين. تعلمت أنني معاق بدوري، وأننا جميعاً معاقين، والأصغاء إليها يساعدني أن افهم نفسي.

<<وهكذا فإن الشيء الاول الذي نحتاج أن نقوم به مع هذه المرأة هو أن نستمع أليها. أن نكون واعين بها. أن نرى ألمها. أن نشعر بألمها. نحن نعيش في وضع نسبي من الراحة، وننظر الى الألم كشيء مراقب، كلغز فلسفي، أو كمشكلة لاهوتية. وهذه هي الطريقة الخاطئة في النظر الى الألم. الشيء المطلوب مع الألم هو اجتيازه، والتوحد معه، ومن ثم التعلم منه.

هذه ظاهرة لاحظها الكثير من الكتاب. فبعد بحث طويل في موضوع المعاناة كتب فيليب يانسي قائلاً: <<فيما زرتُ أناساً فاق المهم ألمي بمراحل…اندهشت لتأثيراته. >> (22) وقال اللاهوتي الإسكتلندي جيمس ستيوارت: <<إن المتفرجين الذين يراقبون المأساة من الخارج هم الذين يخرج منهم المتشككون، وليس من الذين هم حقاً في ساحة المعاناة ويعرفونها من الداخل. حقاً، فأن الحقيقة هي أن أعظم من عانوا في العالم هم الذين قدَّموا بأنفسهم أروع أمثلة الإيمان الذي لا يقهر. >> (23)

فسألت كريفت: <<لماذا؟ >>

فكانت أجابه واضحة: <<حرية الإرادة>>. هناك قصة عن حاخامين في معسكر اعتقال. أحدهما فقد أيمانه وقال لا إله، والاخر حفظ إيمانه وقال <<الله سيخلصنا. >> وكان الاثنان في صف للمثول للموت. نظر المؤمن حوله وقال: <<الله سيخلصنا>> ولكن حين جاء موعد موته، كانت كلماته الاخيرة هي <<لا إله>>.

ثم دخل الحاخام الملحد الذي ضايق أيمان الآخر كثيراً غرفة الغاز، وصلاة <<أسمع يا إسرائيل Shema Israel>> على شفتيه. لقد أصبح مؤمناً. حرية الارادة تسلك كلا المسارين. لماذا يصبر البعض في أفريقيا الجائعة أو معسكرات الاعتقال مؤمنين ويفقد آخرون أيمانهم، هذا هو لغز عدم التنبؤ بالسلوك الانساني. >>

فأجبتُ: <<لنرجع إلى المرأة لقد قلتَ إنه علينا أن نستمع أليها ونتفاعل معها، وهذا يبدو شيئاً جيداً. ولكن لا بدَّ أن يكون هناك المزيد. >>

فقال: نعم، علينا ان نُمثَّل يسوع بالنسبة لها، أن نخدمها ونحبها ونريحها، ونحتضنها ونبكي معها. ويجب أن تثيرنا محبتنا – التي هي انعكاس محبة الله – لمساعدتها مع الاخرين المتألمين. >>

أومأ كريفت نحو المدخل وقال: <<على بابي يوجد كارتون لسلحفتين. تقول الواحدة: <<أحياناً ما أحب أن أتساءل لماذا يسمح الله بالفقر والمجاعة والظلم بينما يمكنه أن يفعل شيئاً حيال ذلك. >>

فتقول الاخرى: <<أخشى أن يسألني الله نفس السؤال. >> أولئك الذين لديهم قلب يسوع نحو المتألمين يحتاجون أن يعيشوا أيمانهم بتخفيف المعاناة على قدر أستطاعهم، بعمل اختلاف، وبتجسيد حبه بطرق عملية. >>

فعلقتُ قائلاً: <<هذا الكرتون يذكرني بالطريقة التي يحب بها الله أن يقلب الاسئلة. >>

<<نعم، هذا دائماً ما يفعله، وقد حدث هذا مع أيوب. فقد كان أيوب يتساءل من هو الله، لأن الله بدا وكأنه سادي كوني. وفي نهاية سفر أيوب – كلاسيكية جميع العصور حول مشكلة المعاناة – يظهر الله أخيراً بالإجابة، وتكون الاجابة على شكل سؤال.

فهو يقول لأيوب: <<من أنت؟ هل أنت الله؟ هل كتبت هذا السفر؟ أين كنت عندما وضعتُ أساسات الارض؟ >> ويدرك أيوب أن الاجابة بالنفي. ثم يشعر بالرضا. لماذا؟ لأنه يرى الله! الله لا يكتب له كتاباً، فقد كان يمكنه كتابة أعظم كتاب حول مشكلة الشر في العالم، ولكن بدلاً من ذلك يُظهر نفسه لأيوب. >>

<<وقد أرضاه هذا->>

<<نعم، لا بدَّ أن يُرضيه – فهذا ما سيُرضينا إلى الابد في السماء. أعتقد أن ايوب يحصل على حالة مسبقة عن السماء في نهاية سفر أيوب لأنه يقابل الله. فلو كان الله قد أعطاه مجرد كلمات، لكان معنى ذلك أن أيوب كان عليه أن يتحاور معه ويسأله سؤالاً آخر ثم يجيبهُ الله إجابات صحيحة، ثم يسأله أيوب سؤالاً ثالثاً في اليوم التالي والتالي، لأن أيوب كان فيلسوفاً ملحاً للغاية، ولكان هذا الوضع قد أستمر طويلاً بلا نهاية. فماذا سينهي هذا؟ حضور الله!

<<لقد سمح الله بمعاناة أيوب، لا لآن الله يفتقد المحبة، بل لأنه قد أحب، حتى يأتي بأيوب الى نقطة لقاء الله وجهاً لوجه>> وهذه هي سعادة الانسانية العظمى. لقد حفرت معاناة أيوب فارغاً كبيراً في داخلهِ حتى يمكن أن يملأه الله والفرح.

<<بينما ننظر الى للعلاقات البشرية، فأن ما نراه هو أن المحبين لا يريدون شروحات، بل حضوراً. والله أساساً هو حضور – فقانون الثالوث يقول إن الله ثلاثة أقانيم حاضرة لبعضها البعض في معرفةٍ تامة ومحبة تامة. ولهذا فإن الله هو الفرح اللانهائي. وبقدر ما يمكننا أن نشترك في هذا الحضور، يكون لدينا نحن أيضا الفرح اللانهائي.

وهذا ما أختبره أيوب – رغم ضيقه الشديد، وقبل حتى يستعيد ممتلكاته العالمية – حالما رأى الله وجهاً لوجه.

<<وكما قلتُ إن هذا له معناه حتى بين الشر. لنقل إن روميو وجولييت كان لديهما حبٌ أكثر نضجاً وأكثر عمقاً مما في مسرحية شيكسبير. ولنقل إن ما يريده روميو بالأكثر في العالم كله هو جولييت. ولنقل انه قد فقد جميع أصدقائه وممتلكاته، وأنه ينزف ويعتقد أن جولييت قد ماتت.

<< ثم يرى جولييت تنهض وتقول: <<روميو، أين أنت؟ أنا لستُ ميتة>>، فهل يكون روميو في منتهى السعادة؟ نعم، في منتهى السعادة؟ نعم، أيمانع                  على الاطلاق أن ينزف ويلبس ملابس الرثة ويكون فقيراً؟ لا، على الاطلاق! سيفضل كثيراً أن يكون محباً في برونكس الجنوبية عن أي يكون مُطلَّقاً في هونولولو. >>

كل دمعة، هي دمعته        

كنا ننتقل بوضوح نحو ذروة مناقشاتنا؛ فمفاتيح الحل التي ذكرها كريفت في بداية لقاءنا كانت تتقارب، واستطعت أن أشعر في صوته بعاطفيةٍ وبأقناع متزايد. أردت أن أرى مزيداً من أعماق قلبه، ولن أصاب بخيبة الأمل.

فقلتُ محاولاً تلخيص ما توَّصلنا اليه: <<إجابة المعاناة إذاً ليست إجابة على الاطلاق. >>

فقال وهو يتكئ كما لو كان يدافع عن أرائه مؤكداً: <<هذا صحيح، أنها المُجاوب. يسوع نفسه. لا مجموعة كلمات، بل <<الكلمة>>ذاتها. لا حجة فلسفية منسوجة جيداً. بل اقنوم. الاقنوم. إجابة المعاناة لا يمكن أن تكون مجرد فكرة مجردة، لأن هذا ليس موضوعٌ مجرد، لكنه موضوعٌ شخصي، ومن ثم فهو يتطلَّب إجابة شخصية. والاجابة لابدَّ أن تكون شخصاً، لا شيئاً، لأن الموضوع يتضمن شخصاً، وهو الله، أين أنت؟ >>

ترَّدد صدى هذا السؤال في مكتبة الصغير. فقد كان يتطلب أجابه. بالنسبة لكريفت، هناك إجابة – أجابه واقعية جداً <<الحي>>.

قال كريفت: <<يسوع هناك، جالسٌ بجوارنا في أسوأ فترات حياتها. هل نحن منكسرون؟ لقد كسر عنا كالخبز. هل نحن محتقرون؟ لقد أحتقر ورُفض من الناس. هل نصرخ حتى لا نصاب بالمزيد؟ لقد كان رجل أوجاع ومختبر الحزن. هل يخدعنا الناس؟ لقد بيع بنفسه؟ هل تنكسر أرق علاقاتنا؟ لقد أحب هو أيضاً ورُفض. هل يتحول الناس عنا؟ لقد ستروا عنه وجوههم كما عن أبرص.

هل ينزل الى الجحيم كل منا؟ نعم، من اعماق أحد معسكرات الموت النازية، كتبتْ كورى تن بوووم: <<مهما كان عُمق ظلامنا، فهو لا يزال أعمق بكثير. >> إنه لم يقم فقط من الأموات، بل غيَّر معنى الموت؛ ومن ثم غيَّر معنى كل معنى صغير – المعاناة التي تتوقع الموت وتجعله جزءاً منها.

<<يسمم بالغاز في أوشفتنز Auschwitz. ويسُخرَ منه في سويتوا Soweto. ويهزأ به في أيرلندا الشمالية. ويستعبد في السودان. أنه الواحد الذي نحبه حتى الكراهية، ومع ذلك فقد أختار أن يُبادلنا

————————

 1 أكبر معسكرات الأشغال الشاقة النازية. كان يحتوي على ثلاث معسكرات رئيسية تضم في ثناياها 40 – 50 معسكراً فرعياً – المترجم

2 إحدى مدن جنوب أفريقيا. كانت مسرحاً لأحداث شغب عنيفة في العام 1976 – المترجم

بالمحبة. كل دمعة نسكبها تصبح دمعتهِ. ربما لا يمسح هذه الدموع الآن، لكنه سيمسحها فيما بعد. >>

توقفَ قائلاً بهدوء وحشرجة في صوته -قد تحولت نغمته الواثقة الى مغمة مؤقتة: <<في النهاية، أعطانا الله تفسيرات جزئية. وربما يكون سبب هذا هو أنه رأى أن التفسير الافضل أن يكون جيداً بالنسبة لنا. لا أعرف لماذا. كفيلسوف أنا فضولي جداً وكانسان، أتمنى لو كان قد أعطانا مزيداً من المعلومات. >>

وبهذه الكلمات، تطلع إلىَّ بنظرة فاحصة.

وقال بحزم: <<لكنه عرف أن يسوع كان أكثر من مجرد تفسير. فهو ما نحتاجه حقاً. لو كان صديقكَ مريضاً يحتضر، فالشيء الأهم الذي يحتاجه ليس تفسير، بل يحتاج أن تجلس معه. إنه مرتعب أن يبقى وحيداً أكثر من أي شيء أخر. ولذلك لم يتركنا الله وحدنا. >>

ضبط كريفت جلستهُ وأسترخى، وكان هناك شيء واحد أراد لي أن أعرفهُ.

فقال: <<ولذلك فأنا أحبه>>.

انتزاع الخير من الشر

بعد أقل من ساعة، كان كل شيء هادئاً في السيارة حيث تسللتْ خلال شوارع بوسطن المنزلقة بالأمطار في طريق العودة الى المطار. تطوع صديقي مارك هارينجر – أحد سكان بوسطن لمدة طويلة – بأن يقودني الى ومن مكتب كريفت. نظرتُ خارج النافذة إلى لا شيء تحديداً. كنتُ أسترجع في ذهني اللقاء. وعلى أي حال، كنتُ أتساءل كيف كانت تلك المرأة الافريقية ستتجاوب مع كلمات فيلسوف الجادة.

كان مارك يجلس أثناء اللقاء وهو يُصغي عن كثبٍ من مقعد خشبي مسنوداً على جدار. ولم يكن هذا بمثابة موضوعٌ تأمل تافه بالنسبة له.

قطع مارك الصمت في السيارة وقال: <<هذا حقيقي>>

فسألته: <<وما هو؟ >>

فقال: <<ما قاله كريفت حقيقي. فأنا أعرف ذلك، وقد اختبرته. >>

منذ سنوات ماضية، كان مارك يجرف الثلج عن طريق قيادتهِ عندما قالت زوجته أنها ستُحرك السيارة، وطلبتْ منه أن يُراقب أبنتهما الصغيرة. وبينما انطلقت السيارة، اندفعا فجأة إلى أسوأ كابوس يمكن أن يتصوره أبوان: فقد دهستْ الصغيرة تحت عجلة السيارة.

وكالمرأة الإفريقية، عرف مارك معنى أن يمسك طفلاً ميتاً بين ذراعيه. وبينما لم أكن قادراً على التكلم مع تلك الأم الحزينة، استطعت أن أتكلم معه هو.

كان يأس مارك المبدئي عميقٌ جداً حتى أنه اضطر أن يطلب من الله أن يساعده على التنفس، والأكل، والتصرف الطبيعي، والا لا صيب بالشلل من جراء الألم الشعوري. لكنه شعر بشكل متزايد بحضور الله، ونعمته، ودفنه، وتعزيته، بدأت جروحهِ تشفى بمنتهى البطء عبر الايام.

مختبراً الله عند نقط أشد احتياج، خرج مارك من هذا الأتون رجلاً جديداً، تاركاً موقعه في العمل لحضور معهد ديني. من خلال معاناته – رغم أنه لم يخترها على الاطلاق، ورغم أنها كانت مؤلمة للغاية، ورغم أنها كانت محطمة للحياة في ذاك الوقت – تحول مارك إلى أنسان يكرّس راحة الحياة لتقديم عطف الله للآخرين الوحيدين في يأسهم.

وعلى المنبر للمرة الاولى أستطاع مارك ان يعتمد على اختباراته الشخصية مع الله في أعماق الحزن. كان الناس متأثرين لأن خسارته الشخصية قد وهبت تأملات خاصة، وتعاطفاً، ومصداقية. وفي النهاية أستجاب العشرات منهم قائلين: أنهم يريدون أيضاً أن يروا يسوع هذا – أله الدموع. والآن كانت هناك قلوبٌ أخرى تشفى لآن قلب مارك كان قد أنفطر. من يأس زوجين يأتي رجاءٌ جديد لكثيرين.

قال مارك: <<أحياناً ما يسخر المتشككون من الكتاب المقدس قائلين إن الله يمكنه أن يجعل الخير يخرج من ألمنا لو لجأنا اليه بدلاً من ابتعادنا عنه، لكني رأيتُ هذا يحدث في حياتي الخاصة. لقد اختبرت صلاح الله من خلال الألم العميق، ولا يوجد متشكك يمكنه أن ينفذ هذا. فألله الذي ينكره المتشكك هو نفس الاله الذي أمسك أيادينا في الأماكن المظلمة العميقة، ودعمَّ زواجنا، وعمًّق أيماننا، وأكثر من اعتمادنا عليه، وأعطانا طفلين أخرين، وأثرى حياتنا بهدف جديد وبمعنى جديد حتى يمكننا أن نشكل اختلافا لآخرين. >>

فسألته في رفق: <<هل تتمنى أن تكون لديك إجابات أكثر عن لماذا تحدث المعاناة في المقام الاول؟ >>

<<نحن نعيش في عالم قلق، فقد كان يسوع أميناً لدرجة أنه يخبرنا بأننا سنتعرض لضيقات التجارب. (24)

بالطبع، أود أن أفهم أكثر لماذا يحدث هذا. لكن خاتمة كريفت كانت صحيحة – فالإجابة النهائية هي حضور يسوع. هذا يبدو ساذجاً كما أعرف. ولكن مهلاً، فعندما يهتز عالمك، فأنت لا تحتاج الى الفلسفة أو اللاهوت بقدر ما تحتاج الى حقيقة المسيح. لقد كان المسيح هو الأجابة بالنسبة لي. وكان هو الأجابة التي كنا نحتاجها. >>

إن وجود الألم والمعاناة اتهامات قوية ضد الله. ومع ذلك فالسؤال هو ما إذا كان الدليل يتبعُ بأدانتهِ. لقد اعتقدت أن تحليل وتمثيل كريفت الانيق قد ذهب بعيداً نحو تقويض تلك العقبة الرهيبة في سبيل الايمان، لكن كثيرٌ من الاعتراضات الاخرى بقتْ. كانت هذه مجرد بداية رحلة طويلة الاستكشاف، قد قررت أن أحجب حكمي الأخير حتى تواجه كل عقبات الايمان وتظهر كل الحقائق.

في نفس الوقت، وصل القس البريطاني اللامع جون ستوت الذي أقرَّ بأن المعاناة هي <<أعظم تحد منفرد للأيمان المسيحي>>

إلى الخاتمة الشخصية:

لم يكن من الممكن أن أؤمن بالله شخصياً لولا الصليب…ففي عالم الألم الواقعي، كيف يمكن الانسان أن يعبد الهاً يستثنى من الألم؟ لقد دخلتُ الكثير من المعابد البوذية في دولٍ أسيوية مختلفة، ووقفت باحترام أمام تمثال بوذا، الجالس القرفصاء، وذراعاه مثنيتنان، وعيناه مغلقتان، وشبح ابتسامة يرتسم حول فمه، ونظرة بعيدة عن وجههِ، بعيدة عن عذابات العالم. وبعد ذلك اضطرتُ في كل مرة أن أذهب بعيداً. وفي الخيال اتجهت بدلاً من ذلك الى ذاك المصلوب المُعذب، المتألم، الوحيد على الصليب، حيث المسامير في يديه وقدميه، والظهر مضروب بالسياط، والاطراف ملتوية، والحاجب ينزف من وخز الاشواك، والفم جاف وظمآن بلا رحمة، وهو مطمورٌ في ظلمة الله المنسية. هذا هو الله بالنسبة لي! لقد طرح جانباً حصانته ضد الألم. ودخل عالماً جسداً ودماً، ودموعاً وموتاً. عانى عنا. ومعاناتنا تصير أكثر سهولةً في ضوء معاناتهِ هو. ومازالت هناك علامة استفهام ضد المعاناة البشرية، بل عليها نضع بجرأة علامة أخرى، الصليب الذي يمثل المعاناة الالهية! صليب المسيح…هو تبرير الله الوحيد عن ذاته في عالمنا. (25)

مشاورات – أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  • كيف شكلت الصعبات والتحديات وحتى الآلام شخصيتك وقيمك؟ وكيف تختلف اليوم نتيجة المشكلات التي واجهتا في الحياة؟ هل يمكنك أن تتخيل أبداً شكر الله يوماً لطريقة تشكيل المعاناة لك؟ قال كريفت: <<أؤمن أن كل المعاناة تحتوي على الاقل على الفرصة لصالح الخير. >> هل كان هذا صحيحاً في حالتك؟
  • ماذا كانت أقوى نقاط كريفت؟ وماذا كانت أضعفها؟ لو أتيحت لك الفرصة لسؤاله، فماذا تسأله؟ بناءً على ملحوظاته الاخرى، كيف تعتقد أن سيجيب على سؤالك؟
  • لو كنت أنت الله، فكيف كنت ستشكل العالم بشكل مختلف؟ بينما تزيل المعاناة أو الشر، وتُعدَّل حرية أرادة البشر، فكر في النتائج التي يمكن أن تكون. كيف سيشكل الناس الشخصية في مدينتك الفاضلة؟ هل سيتحفزون لطلب الله وسط مسراتهم؟ لقد تدَّخلت بقوة تفوق الطبيعة الإزالة الشر، فمن أين سيبدأ – لمنع القتل؟ سوء استغلال الاطفال؟ السرقة؟ التشهير؟ الأفكار الشريرة التي يمكنها أن تؤدي لأفعال شريرة؟ في أية نقطة يتحول فيها الناس إلى دمى يفتقدون حرية الارادة، ومن ثم لا يمكنهم التعبير عن المحبة حقاً؟
  • لو أتيح لمارك أن يجلس مع المرأة صاحبة صورة مجلة لايف Life، فما هي الأمور الثلاثة التي تعتقد أنه سيقولها لها؟ كيف تعتقد أنها ستجيبه؟

لمزيد من الادلة

مصادر أخرى حول الموضوع

Peter Kreeft. Making Sense Out of Suffering. Ann Arbor, Mich.: Servant, 1986.

Philip Yancey. Where is God when It Hurt? Grand Rapids, Mich.: Zondervan, 1990.

Joni Eareckson Tada and Steven Estes. When Good Weeps, Grand Rapids, Mich.: Zondervan, 1997.

Luis Palau. Where Is God When Bad Things Happen? New York. Doubleday, 1999.

  1. John R. W. Stott, the Cross-of Christ (Downers Grove, 111.: Intervarsity Press, 1986), 311.
  2. See: Lee Strobel, “Thanksgiving Near; Only Food Rice,” The Chicago Tribune, November 25, 1974.
  3. Peter Maass, “Top Ten War Crimes Suspects,” George, June, 1999.
  4. Peter Kreeft, Making Sense out of Suffering (Ann Arbor, Mich.: Servant: 1986), viii.
  5. Philip Yancey, Where Is God When It Hurts? (Grand Rapids, Mich.: Zondervan, 1990), 15.
  6. 20, quoting novelist Peter De Vries.
  7. The Omni Poll conducted by Barna Research Group, Ltd., January 1999.
  8. Charles Templeton, Farewell to God, 201-2.
  9. See: Matthew 7:7.
  10. See: Peter Kreeft and Ronald K. Tacelli, Handbook of Christian Apologetics (Downers Grove, 111.: Intervarsity, 1994), 48-88.
  11. See: Leo Tolstoy (David Patterson, Translator), Confession (New York: W.W. Norton & Co.: 1996), Reprint edition.
  12. Harold Kushner, When Bad Things Happen to Good People (New York: Schocket Books, 1981), 43.
  13. See: Romans 5:3 -4.
  14. Hebrews 5:8: “Although he was a son, he learned obedience from what he suffered….”
  15. 2 Peter 3:9: “The Lord is not slow in keeping His promise, as some understand slowness. He is patient with you, not wanting anyone to perish, but everyone to come to repentance.”
  16. S. Lewis, the Problem of Pain (New York: Macmillan, 1962), 93.
  17. See: Matthew 9:12-13.
  18. Jeremiah 6: 13a.
  19. Isaiah 64:6a.
  20. Charles Templeton, Farewell to God, 201.
  21. Philippians 3:8 (KJV): “I count all things hut loss for the Excellency of the knowledge of Christ Jesus my Lord: for whom I have suffered the loss of all things, and do count them but dung, that I may win Christ.”
  22. Philip Yancey, Where Is God When It Huns? 255-56.
  23. Warren W. Wiersbe, Classic Sermons on Suffering (Grand Rapids, Midi.: Kregel Publications, 1984), 92.
  24. Jesus said in John 16:33: “These things I have spoken to you, that in me you may have peace. In the world, you have tribulation, but take courage; I have overcome the world” (NASB).
  25. John R. W. Stott, The Cross of Christ, 335-36, the last sentence quoting P.T. Forsyth, Justification of God (London: Duckworth, 1916), 32.

دليل الظهورات، هل شوهد يسوع حيا بعد موته على الصليب؟ – لي ستروبل

دليل الظهورات، هل شوهد يسوع حيا بعد موته على الصليب؟ – لي ستروبل

 
دليل الظهورات، هل شوهد يسوع حيا بعد موته على الصليب؟ – لي ستروبل

دليل الظهورات، هل شوهد يسوع حيا بعد موته على الصليب؟ – لي ستروبل


 

في سنة 1963 جثة فتاة عمرها 14 سنة وتدعى ادي ماي كولنز، وهي واحدة من اربع فتيات افريقيات- امريكيات اللاتي قتلن في حادث سيء السمعة تم فيه القاء القنابل على كنيسة بواسطة عنصرين بيض، دفنت جثتها في برمنجهام بولاية الاباما. ولمدة سنين ظل افراد اسرتها يعودون الى قبرها للصلاة ووضع الزهور. وفي سنة 1998 قرروا ان يخرجوا الجثة لاعادة الدفن في مقبرة اخرى.

وعندما بدأ العمال في الحفر، على اية حال، عادوا ليعلنوا اكتشاف فظيع: القبر كان فارغا.

بشكل مفهوم، كان افراد الاسرة مذهلون جدا. وبسبب السجلات التي لم تحفظ جيدا، اندفع موظفوا المقبرة ليكشفوا ما قد حدث، واثيرت احتمالات عديدة، كان اولها ان شاهد قبرها قد نصب في المكان الخطأ[1].

رغم ذلك وفي اثناء عملية تحديد ما قد حدث، كان هناك تفسير وحيد لم يفكر فيه احد: فلم يقترح احد ان الشابة آدي ماي قد اقيمت من الموت لتمشي وتعيش على الارض مرة اخرى. لماذا؟

لان القبر الخالي وحده لا يصنع القيامة.

ان محادثتي مع الدكتور وليم لين كريج قد سبق ان استنبطت ادلة قوية على ان قبر يسوع كان فارغا يوم الاحد التالي للصلب. وبينما عرفت بان هذا الدليل كان مهما وضروريا لقيامته، لكني كنت مدركا ايضا ان الجسد المفقود ليس برهانا قاطعا وحده. فالحاجة ماسة لحقائق اكثر لاثبات ان يسوع قد قام من الموت فعلا.

هذا هو الذي دفعني للقيام بالسفر بالطائرة الى فرجينيا. وفيما كانت طائرتي تحلق فوق التلال المشجرة تحتنا، كنت اقوم بقراءة الدقيقة الاخيرة في كتاب مايكل مارتن، الاستاذ بجامعة بوسطن الذي كان يسعى للتشكيك في المسيحية. وابتسمت لما قرات كلماته:

“ربما كان الدفاع الاكثر تطورا للقيامة قد قام به جاري هابيرماس”[2]

نظرت الى ساعتي، فوجدت اني بعد هبوط الطائرة سيكون لدي وقت كافي لاستئجار سيارة، والذهاب الى لنتشبيرغ، لالحق بموعدي الساعة الثانية للقاء هابيرماس نفسه.

 

المقابلة الثانية عشرة: جاري هابيرماس، دكتوراه فلسفة، دكتوراه في اللاهوت

على الحائط في مكتب هابيرماس الصارم، معلق صورتان عليهما توقيع لاثنين من لاعبي الهوكي، يتصارعان على الجليد. وكانت الصورة الاولى اللاعب الخالد بوبي هال من فاديي الصقور السوداء بشيكاغو، والثانية تصور ديف “المطرقة” شولتز، لاعب الهجوم القوي في نادي فيلادلفيا فلايرز.

واوضح لي هابيرماس  “هال لاعب الهوكي الذي افضله، وشولتز هو المقاتل الذي افضله” ثم اضاف بابتسامة عريضة “هناك فرق”.

كان هابيرماس ملتحي، يتحدث بصراحة، وهو ايضا ملاكم ضخم الجسم كالثور، وهو يشبه حارس ملهى ليلي اكثر من ان يشبه المفكر ذو البرج العاجي. وكان مسلحا بوسائل الجدال الحامية يؤيدها بادلة تاريخية، لذا فهو لا يخشى الخروج متمايلا.

انتوني فلو، احد الملاحدة الفلاسفة البارزين في العالم، اكتشف ذلك عندما اشتبك مع هابيرماس في مناضرة كبرى حول موضوع “هل قام يسوع من الموت؟” والنتيجة انها كانت احادية الجانب بالتاكيد. فمن خمس فلاسفة مستقلين من كليات وجامعات مختلفة الذين كانو حكام المناظرة، قرر اربعة منهم فوز هابيرماس والخامس اعتبر النتيجة  “التعادلية”، ولم يعط احد صوته لفلو وقد علق احد الحكام قائلا “لقد كنت مندهشا “صدمت هي اللفظة الادق” عندما رايت كم كانت وجهة نظر فلو ضعيفة وقد… خلصت لهذه النتيجة: لو كانت الاراء المعارضة للقيامة ليست اقوى من التي قالها فلو فاظن انه حان الوقت للبدء باخذ القيامة على محمل الجد”.[3]

كما ان واحدا من خمس حكام المناظرات المحترفين، الذي قيموا اساليب جدال المتناظرين  (مرة اخرى كان هابيرماس هو الفائز) اضطر ان يكتب هذا التعليق، “اني اقرر ان الادلة التاريخية، رغم ما بها من اخطاء، قوية قوية بما فيه الكفاية لقيادة عقول معتدلة للاستنتاج بان المسيح قام فعلا من بين الاموات”. ولقد اختتم هابيرماس مناظرته بتقديم ادلة محتملة جدا للمصداقية التاريخية للقيامة بدون ان يكون هناك ادلة طبيعية مقبولة ضدها، لذلك ففي رايي ان هابيرماس هو الفائز بهذه المناظرة”.[4]

بعد حصوله على الدكتوراه من جامعة ولاية متشجان، حيث كتب اطروحته عن القيامة، حصل هابيرماس على درجة الدكتوراه في اللاهوت من كلية عمانوئيل في اكسفورد، بانجلترا. وقد الف سبعة كتب تبحث في قيامة يسوع من الاموات، من ضمنها،

“قيامة يسوع: سؤال منطقي the resurrection of Jesus: A rational Inquiry

“قيامة: اعتذار the resurrection of Jesus: An apologetic “

“يسوع التاريخي: the historical Jesus””

“هل قام يسوع من الاموات؟ مناظرة القيامة “Did jesus rise from the dead? The resurrection debate”

التي بنيت على مناظرته مع فلو. ومن بين كتبه الاخرى التي تتعامل مع الشك وبالاشتراك مع (جي بي مورلاند) “مابعد الموت: اكتشاف دليل الخلود beyond death: exploring the evidence for immortality.

وبالاضافة الى ذلك اشتراكه في تحرير “دفاعا عن المعجزات”  وساهم في “يسوع تحت النار” و “كيف تحيا بايمانك: سد الفجوة بين العقل والقلب” ومقالاته المائة ظهرت في المنشورات الشعبية  (مثل “بريد مساء السبت”)، والمجلات العملية (بما فيها “الايمان والفلسفة والدراسات الدينية”) ومراجع مثل “قاموس بيكر اللاهوتي”. كما انه ايضا الرئيس السابق للجمعية الفلسفية الانجيلية.

انا لا اقصد، بوصفي السابق، الايحاء بان هابيرماس مولع بالقتال، فهو ودود ومتواضع بالمحادثات العادية. ولا اريد ان اكون خصما له في لعبة هوكي الجليد، او في مناظرة. فلديه رادار فطري يساعده على التركيز على نقاط معارضه الضعيفة. كما ان لديه جانب رقيق ايضا، الذي اكتشفته- دون توقع- قبل نهاية مقابلتي معه.

وجدت هابيرماس في مكتبه الرسمي في جامعة ليبرتي، حيث يعمل حاليا كاستاذ ورئيس قسم الفلسفة والاهوت ومدير برنامج الماجستير في الاعتذاريات.والحجرة بها دواليب سوداء للملفات، ومكتب معدني له قرص خشبي، وسجادة قديمة بالية، وكراسي للضيوف قابلة للطي، فهي بالتاكيد ليست مكانا يقصده السياح. فالحجرة، مثل صاحبها، خالية من الغرور.

 

الموتى لا يفعلون ذلك

كان هبيرماس، جالسا خلف مكتبه، وقد شمر اكمام قميصه الازرق. فيما ادرت جهاز التسجيل وبدات مقابلتنا.

بطريقة محامي الدفاع الفظة قلت “هل صحيح انه لا يوجد شهود عيان لقيامة يسوع؟”

“هذا صحيح تمام، فلا توجد أي رواية وصفية للقيامة”، هكذا اجاب هابيرماس باعتراف وقبول الذي قد يفاجئ الناس الذين لديهم معلومات سطحية فقط عن الموضوع. ثم اضاف “عندما كنت شابا، قرات كتابا من تاليف سي. اس. لويس، الذي ذكر ان العهد الجديد لايذكر شيئا عن القيامة. فكتبت في الهامش “لا!” بخط كبير، ثم ادركت معنى كلامه انه لا احد كان داخل القبر ورأى الجسد يهتز، ثم يقف وينزع اللفافات الكتانية، ويطويها، ثم يدحرج الحجر، ثم يفاجئ الحراس، ويرحل”.

بدا لي، ان ذلك قد يثير بعض المشاكل “الا يضر هذا مجهوداتك لاثبات ان القيامة حدث تاريخي؟”

وهنا تراجع هابيرماس في كرسيه ليصبح اكثر راحة، ثم قال “كلا، ان هذا لن يضر قضيتنا ولا ذرة واحدة، لان العلم كله مبني على الاسباب والنتائج. فنحن لا نرى الديناصورات؛ لكننا ندرس الحفريات المتحجرة. وقد لا نعرف كيف ينشأ المرض، لكننا ندرس اعراضه. ربما توجد جريمة لم يشاهدها احد، لكن رجال الشرطة يجمعون الادلة للتوصل الى الحقيقة.

 

ثم استمر قائلا “لذا، اليك طريقتي في دراسة ادلة القيامة:

اولا، هل مات يسوع على الصليب؟

ثانيا، هل ظهر بعد ذلك للناس؟ لو استطعت اثبات هذين الشيئين فقد حققت هدفك لان الموتى لا يفعلون ذلك عادة”.

يتفق المؤرخون على على ان هناك ادلة كثيرة على ان يسوع قد صلب. والدكتور الكسندر ميثيريل اثبت بالادلة في فصل سابق ان يسوع لم يكن من الممكن ان يظل حيا بعد وحشية هذا الاعدام. وهنا يبقى الجزء الثاني من القضية: هل ظهر يسوع فعلا بعد ذلك؟

فسألت هابيرماس “ما الدليل الذي يثبت ان الناس شاهدوه؟” فاجاب هابيرماس بعد ان فتح الانجيل امامه ” سابدا بالدليل الذي يعترف به جميع العلماء. لا احد يشك ان بولس هو الذي كتب الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس، ونجده يؤكد في موضعين انه شخصيا قابل يسوع بعد القيامة، ويقول في رسالته الاولى الى اهل كورنثوس9: 1 “الست انا رسولا؟ الست انا حرا؟ اما رايت يسوع المسيح ربنا؟” ويقول في نفس الرسالة15: 8 “واخر الكل كانه للسقط ظهر لي انا”.

اعترفت بان الاقتباس الاخير كما هي مربوطة بعقيدة الكنيسة المبكرة، الذي سبق ان ناقشته مع كريج بلومبيرج. وكما اشار وليم لين كريج ان الجزء الاول لهذه العقيدة (الايات 3-4) تشير الى صلب يسوع، ودفنه، وقيامته.

والجزء الاخير للعقيدة (الايات 5-8) يتحدث عن مرات ظهوره بعد القيامة: “وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ.6 وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ، أَكْثَرُهُمْ بَاق إِلَى الآنَ. وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا.7 وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ لِلرُّسُلِ أَجْمَعِينَ.8 وَآخِرَ الْكُلِّ ­ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ­ ظَهَرَ لِي أَنَا”.

ومن الواضح ان هذه الشهادة المؤثرة جدا بظهورات يسوع حيا بعد موته. وقد ادرجت هنا اسماء الاشخاص والمجموعات المعينة من الناس الذين راوه، مكتوبة في وقت كان الناس لازالوا بامكانهم مراجعتها اذا ارادوا تاكيدها. ولاني كنت اعرف ان هذه العقيدة، والتي بمثابة قانون ايمان، ذات اهمية حيوية في اثبات القيامة، قررت اخضاعه لتدقيق اشد: لماذا المؤرخون مقتنعون بانه قانون؟ والى أي حد يعتبر جديرا بالثقة؟ والى أي عهد يرجع تاريخه؟

فسالت هابيرماس “هل لديك مانع ان استجوبك عن هذا القانون؟”

فمد هابيرماس يده كانه يدعوني ان اساله ثم قال “تفضل اسالني”

“إقنعني انه قانون”

مبدئيا، اردت تحديد لماذا هابيرماس، وكريج، وبلومبيرج، واخرون اقتنعوا بان هذا المقطع هو عقيدة الكنيسة الاولى وليست مجرد كلمات بولس الرسول، الذي كتب رسالته الى كنيسة اهل كرونثوس التي تحتوي على هذا المقطع.

وكان التحدي الذي وجهته الى هابيرماس بسيط ومباشر قلت له “إقنعني انه قانون”.

فأجاب “حسنا، بامكاني ان اعطيك عدة اسباب قوية

“اولا، ان بولس يبدا بكلمتين “سلمت اليكم في الاول” و “ماقبلته انا ايضا” وهي مصطلح رباني فني يدل على ان تمرير تقليد مقدس.

قال هابيرماس وهو يمسك اصبعا كل مرة ليؤكد كل نقطة يذكرها “ثانيا، ان تطابق النص ومحتوياته المكتوبة باسلوب معين تدل على انه عقيدة.

“ثالثا، النص الاصلي يستخدم سمعان لبطرس، وهو اسمه باللغة الارامية. وفي الواقع اللغة الارامية نفسها تدل على انه من اصل قديم جدا.

“رابعا، يستخدم القانون عبارات بدائية عديدة اخرى، التي لم يتعود بولس ان يستعملها مثل “الاثنا عشر”، “اليوم لثالث”، “رفع”، وغيرها.

“خامسا، استخدم كلمات معينة مشابهة للغة الارامية والمشنا (وهي الكلمات المستخدمة في التلمود) ومشا باللغة العبرية معناها “رواية”. وبعد ان استنفذ الاصابع، سالني “هل استمر؟”.

فقلت له “حسنا، حسنا، انك تقول ان هذه الحقائق تقنعك، كمسيحي انجيلي محافظ، ان هذا مذهب مبكر”.

وكان يبدو ان هابيرماس قد اغضبه هذا التعليق الشائك فقال “ليس المسيحيون المحافظون المقتنعين وحدهم”.

ثم اضاف بغضب واصرار “ان هذا تقييم يشارك فيه مجموعة واسعة من العلماء من فئات لاهوتية متعددة. فالعالم البارز يواكيم ارميا يشير الى هذا القانون كـ “اقدم تقليد على الاطلاق” و اولريك ويلكينس يقول “لا شك انه يعود الى المرحلة الاقدم في تاريخ المسيحية الاولى”.

وهذا يثير السؤال الى أي حد يعتبر هذا القانون قديم جدا فسالته “الى أي تاريخ قديم يمكنك ارجاعه؟”

فاجاب “نعرف بان بولس الرسول كتب الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس مابين سنة 55 وسنة 57م. وهو يشير في كورنثوس الاولى15: 1-4 بانه ارسل هذا القانون الى الكنيسة في كورنثوس، مما يعني انها تسبق زيارته الى كورنثوس سنة 51م. لذا فهذه العقيدة كانت مستعملة في غضون عشرون عاما من القيامة، الذي يعد مبكرا جدا.

“ومع ذلك، اتفق مع معظم العلماء الذين يرجعون تاريخه الى ابعد من ذلك، الى مابعد القيامة بسنتين الى ثمان سنوات، او من حوالي سنة 32 الى 38م. عندما تسلمه بولس إما في دمشق او في اورشليم. ولذلك فهذا القانون قديم جدا بدرجة كبيرة، فهو اصلي وقديم جدا، ويعتبر دليلا صافيا واضحا على ان يسوع ظهر حيا لمتشككين مثل بولس ويعقوب، وكذلك بطرس وباقي التلاميذ”.

فقلت له معترضا “لكنه، في الواقع، ليس نصا مأخوذا من المصدر الاصلي. الن يقلل هذا من قيمته كدليل؟”

فقال هابيرماس “تذكر ان بولس شخصيا يؤكد ان يسوع ظهر له ايضا، وهذا يعتبر دليلا من المصدر الاصلي. وبولس لم ياخذ هذه القائمة من غرباء في الشارع، فالراي الاساسي انه حصل عليها من شهود عيان مباشرة، من بطرس ويعقوب انفسهم، وعمل جاهدا ليؤكد انه قائمة صحيحة ودقيقة”.

لكن هذا كان ادعاء قوي فسالته “كيف تعرف ذلك؟”

فاجابني “انا متفق مع العلماء الذين يؤمنون بان بولس استلم هذا النص بعد اهتدائه للمسيحية بثلاث سنوات عندما قام برحلة الى اورشليم وقابل بطرس ويعقوب. وبولس يصف هذه الرحلة في رسالته الى اهل غلاطية 1: 18-19 حيث يستعمل كلمة يونانية مهمة جدا وهي “هستوريو historeo”.

ولما لم يكن معنا هذه الكلمة مالوفا عندي فسالته “لماذا هذه الكلمة مهمة جدا؟”

فاجاب “لان هذه الكلمة تشير بانه لم يكن يوجه الاسئلة مصادفة عندما قابلهما. وتدل على انها كانت اسئلة استفسارية كانها تحقيق. وكان بولس يقوم بدور المحقق الذي يفحص الاجابة بدقة وبعناية. لذلك فحقيقة ان بولس اكد الامور بنفسه مع اثنين من شهود العيان مذكورين بالتحديد في القانون- وهما بطرس ويعقوب- يعطيها اهمية اضافية. ويقول احد علماء العهد الجديد القلائل بنكاس لابيد، يقول ان الادلة التي تعزز القانون قوية لدرجة انها تعتبر كانها تصريح من شهود عيان”

وقبل ان اقفز لاعتراض اضاف هابيرماس. “وبعد ذلك في رسالة بولس الاولى الى اهل كرونثوس 11: 15 يؤكد بولس على ان الرسل الاخرين اتفقوا على التبشير بنفس الانجيل بهذه الرسالة نفسها عن القيامة. وهذا يعني ان ما يقوله شاهدا العيان، بطرس، ويعقوب”.

ساسلم بان هذا كله يبدو مقنعا. ومع ذلك فما زال لدي تحفظات على هذا القانون ولا اريد ان اسمح لتاكيدات هابيرماس ان تثنيني عن الاستمرار في التحقيق.

سر الخمسمائة

القانون المذكور في الرسالة الأولى لإبى أهل كورنثوس15 هي المكان الوحيد في الكتب القديمة الذي يذكر فيه أن يسوع ظهر لخمسمائة شخص في نفس الوقت. فالأناجيل لا تذكر دليلاً يؤسد ذلك ولم يذكرها أي مؤرخ دنيوي. وهي عندي ترفع الراية الصفراء بمعنى أني لست متأكداً من هذا العدد لذلك سألت هابيرماس “لو كان هذا قد حدث فعلاً، لماذا لا يذكره أي شخص آخر:. وسيكون بإمكانك أن تظن أن الرسل سيذكرون هذا كدليل حيثما ذهبوا. وكما يقول الملحد مايكل مارتن “إنني يجب أن أستنتج أنه ليس من المحتمل جداً أن هذا الحدث قد تم حدوثه فعلاً” ولذلك “فهذا بطريق غير مباشر يشكك في بولس الرسول كمصدر يعتمد عليه”[5].

ضايق هذا التعليق هابيرماس فقال “إنها مجرد سخافة صرف لقول بأن هذا يثير الشك حول بولس، ومع ذلك دعني أتوثق هنا قليلاً! أولاً، على الرغم من أنه مذكور في مصدر واحد فقط، إلا أنه تصادف أن يكون أفضل وأسبق مقطع مؤصّل للكل! وذلك يُحسب للموضوع.

“ثانياً، كان لدى بولس علاقة بها بعض القُرب من هؤلاء الأشخاص “ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحَدَةً لأَكْثَرَ مَنْ خَمْسَمَئَةَ أخ أَكْثَرُهُمْ بَاقٍ إلَى الآنَ. وَلَكَنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا” فأما عرف بولس بعض هؤلاء الأشخاص أو أخبر من قبل شخص ما عرفهم وبأنهم ما زالوا أحياء حوله وراغبين في مقابلته.

“الآن، توقف وفكّر في الموضوع: إن هذه العبارة لم تُتضمّن ما لم يكن واثقاً جداً بأن الأشخاص يؤكدون بأنهم حقاً قد رأوا يسوع حي. أعني، كان بولس يدعو الناس عملياً ليتأكدوا مما يقوله لهم! وما كان سيقول ذلك إن لم يكن يعرف بأنهم يؤيدونه.

“ثالثاً، عندما يكون لديك مصدر واحد فقط، يمكنك السؤال: “لمَ ليس هناك أكثر؟” لكنك لا تستطيع القول “هذا المصدر تافه على أساس أن شخص آخر لم يصل إليه” لا يمكنك التقليل من قيمة هذا المصدر بتلك الطريقة. لذل هذا لا يقود لأي شك حول مصداقية بولس، ويجب أن يكون مارتن قادراً على فعل ذلك، لكنه لا يستطيع عمل ذلك بشكل مشروع.

“هذا مثال لما يريده بعض النقاد. بشكل عام، يُشوّهون سمعة روايات القيامة الإنجيلية لمصلحة بولس، لتخذونه ليكون السلطة الرئيسية. لكن عند هذه القضية، يستجوبون بولس من أجل النصوص التي يثقون بها وبنفس القدر! ما الذي يمكننا قوله حول منهجيتهم؟”

ما زالت لديَّ حول ظهور يسوع لمثل هذا الحشد الكبير. فسألت هابيرماس “أين تمَّ هذا اللقاء مع خمسمائة شخص؟”.

وهنا خَمّن هابيرماس قائلاً “في أرياف الجليل، لو كان يسوع قد استطاع أن يطعم خمسة آلاف، فبإمكانه أن يعظ خمسمائة. ومتى يقول أن يسوع ظهر على جانب التل؛ لريما كان هناك أكثر من مجرد الأحد عشر تلميذاً”.

فلما تخيلت هذا المشهد في ذهني، ما زلت لا أستطيع منع نفسي من التسائل لماذا لم يذكر أي شخص آخر هذا الحدث. “ألم يكن من المحتمل أن المؤرخ يوسيفوس يكون سيذكر شيئاً بهذا الحجم؟”

فأجاب هابيرماس “كلا، لا أعتقد بضرورة ذلك. فإن يوسيفوس كان يكتب بعد ذلك بستين عاماً. ما هي المدة التي تظل الحكايات المحلية متداولة قبل أن تطويها ستائر النسيان؟ لذا؛ إمّا أن يوسيفوس لم يعرف بهذا الخبر – وهذا ممكن – أو أنه إختار ألا يذكرها، وهذا معقول لأننا نعلم أن يوسيفوس لم يكن من أتباع يسوع. فلا يمكنك أن تتوقع من يوسيفوس تأييده”.

فلما لم أرد عليه للحظة، إستمر هابيرماس “أنظر، كنت أود أن أجد خمسة مصادر لهذا الخبر لكني لم أجد. لكن عندي فعلاً مصدر واحد ممتاز، إنه خبر جيد لدرجة أن المؤرخ الألماني هانز فون كامبنهاوزن يقول: “هذه الرواية تُلبي كل مطالب الموثوقية التاريخية اللازمة لمثل هذا النص”. بالإضافة إلى ذلك، فإنك لست محتاجاً أن تعتمد على الإشارة إلى ظهور يسوع للخمسمائة لتؤيد قضية القيامة وإني عادة لا أستعملها”.

حمل جواب هابيرماس بعض المنطق. ومع ذلك ما زال هناك شئ واحد في هذا القانون يقلقني. فإنه يقول أن يسوع ظهر أولاً لبطرس، بينما يوحنا يقول أنه ظهر أولاً لمريم المجدلية. وفي الحقيقة أن القانون لم يذكر أي إمرأة، مع أن النسوة مذكورين بوضوح في الروايات الإنجيلية.

وهنا سألت هابيرماس “ألن تؤدي هذه التناقضات إلى التأثير على مصداقيته؟”

فأجاب هابيرماس “كلا. أولاً، أنظر إلى الحكاية بدقة. إنها لا تقول أن يسوع ظهر لبطرس أولاً. كل ما تفعله هو أن تضع بطرس في أول القائمة. وحيث أن النساء لم يكن معترف بهن كشهود في الثقافة اليهودية في القرن الأول، فليس من المفاجئ أنهن لم يذكرن هنا. ففي نظام العمل في القرن الأول، فليس من المفاجئ أنهن لم يذكرن هنا. ففي نظام العمل في القرن الأول، لم يكن لشهادتهم أي وزن. لذا فوضع بطرس في أول القائمة يمكن أن يدل على الأولوية المنطقية وليست الأولوية الزمنية.

ثم إختتم كمه قائلاً “مرة أخرى، إن مصداقية العقيدة تبقى سليمة. فلقد أثرت بعض الأسئلة، إلا أنها لم تقوّض الدليل المقنع بأن هذه العقيدة تأتي من زمن مبكر. أي إنها خالية من أي تشويه أسطوري، وأنها واضحة ومحددة، وإنها في النهاية تأصيل لروايات شهود العيان”.

على كل حال، إضطررت للموافقة بانه كان على حق. فإن أهمية الدليل يؤيد هذه العقيدة بوضوح وبطريقة مقنعة كدليل قوي على ظهورات يسوع بعد القيامة.

دليل قوي جداً لدرجة أن وليم لين كريج، الخبير في مسألة القيامة، والذي قابلته في الفصل السابق، قال أن ولفهارت بانينبرج، ربما يعتبر أعظم عالم اللاهوت الألماني المتشكك بتأسيس نظامه اللاهوتي كله بدقة على الأدلة التاريخية على قيامة يسوع كما في قائمة بولس للظهورات”[6].

وبعدما إقتنعت بالمصداقية الأساسية للعقيدة التي في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس15، حان الوقت للبدء بالنظر إلى الأناجيل الأربعة، التي تُعيد رواية الظهورات العديدة ليسوع بعد قيامته بمزيد من التفاصيل.

شهادة الأناجيل

لقد بدأت هذه السلسلة من الأسئلة بسؤال هابيرماس لوصف ظهورات يسوع بعد القيامة كما ذكرت في أناجيل متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا.

فبدأ هابيرماس يقول “هناك العديد من ظهورات المختلفة لكثير من الأشخاص المختلفين في الأناجيل وفي أعمال الرسل، بعضها لأفراد معينين، وبعضها لمجموعات، أحياناً داخل المنازل، وأحياناً في العراء، وأحياناً للرحماء مثل يوحنا، وأحياناً للمتشككين مثل توما”.

“أحياناً لمسوا يسوع أو أكلوا معه، حيث تُشير النصوص إلى حضوره جسدياً. وحدثت الظهورات على مدى عدة أسابيع. وهناك أسباب وجيهة تجعلنا نثق في هذه الروايات، فمثلاً، نجدها خالية من الميول الأسطورية المعروفة”.

فسألته “هل يمكنك أن تُعدّد هذه الظهوراات لي؟”

من الذاكرة، وصفهم هابيرماس كل على حدة قائلاً “لقد ظهر يسوع لـ

  • مريم المجدلية، في أنجيل يوحنا20: 10-18.
  • النسوة الأخريات، في إنجيل متى28: 8-10.
  • كليوباس وتلميذ آخر في الطريق إلى عمواس، في لوقا24: 13-32.
  • الأحد عشر تلميذاً وآخرين، في إنجيل لوقا24: 33-49.
  • عشر رسل وآخرين، في إنجيل يوحنا20: 19-23، في غياب توما.
  • توما والتلاميذ الآخرين، في إنجيل يوحنا20: 26-30.
  • سبعة تلاميذ، في إنجيل يوحنا21: 1-14.
  • التلاميذ في إنجيل متى28: 16-20.
  • وكان مع الرسل عند جبل الزيتون قبل صعةده، إنجيل لوقا24: 50-52 وأعمال الرسل1: 4-9.

ثم أضاف هابيرماس “من المهم بنوع خاص، أن سي. إتش. دود، العالم بجامعة كامبردج، حلل هذه الظهورات بعناية واستنتج بأن العديد منها مستند على مصادر مبكّرة جداً، ومن بينها لقاء يسوع مع النسوة في إنجيل متى28: 8-10؛ ولقاؤه مع الأحد عشر تلميذاً، الذي أعطاهم فيه الإرسالية العظمى، في إنجيل متى28: 16-20؛ ولقاؤه مع التلاميذ، في يوحنا20: 19-23، الذي فيه أراهم يديه وجنبه”.

ومرة أخرى، نجد ثروة لمشاهدة يسوع. فلم تكن مجرد ملاحظة عابرة لطيف أو خيال من قبل شخص أو شخصين. فقد كانت هناك ظهورات متعددة لأشخاص عديدين، والعديد من الظهور تم تأكيدها في أكثر من إنجيل واحد، أو برسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس15″.

فسألته “هل هناك أي عزيز آخر؟”

“فقط إقرأ أعمال الرسل”، هكذا أجاب هابيرماس، مشيراً إلى كتاب العهد الجديد الذي يُسجّل إنطلاق الكنيسة. وليس فقط ظهورات يسوع المذكورة بانتظام، لكن التفاصيل أيضاً مذكورة، وموضوع وجود التلاميذ كشهود لهذه الأمور موجود في كل سياق تقريباً.

ثم قال هابيرماس “الفكرة الأساسية، هي أن عدداً من الروايات في سفر الأعمال 1-5، 13،10 تتضمن أيضاً بعض العقائد مثل تلك التي في كورنثوس الأولى 15، تذكر بعض المعلومات المبكرة جداً عن موت وقيامة يسوع”. وهنا أمسك هابيرماس كتاباً وقرأ إستنتاج العالم جون دران:

إن أقدم دليل عندنا عن القيامة يرجع تاريخه بالتأكيد تقريباً إلى موعد عقب القيامة مباشرة التي قيل أنها حدثت. وهذا الدليل موجود في محتةى العظات المبكرة في سفر أعمال الرسل… ولا يمكن أن يكون هناك مجالاً للشك أنه في الإصحاحات القليلة الأولى من سفر الأعمال إستمد كاتبه معلوماته من مصادر أقدم جداً”[7].

في الواقع، أن سفر أعمال الرسل ملئ بالإشارات لظهورات يسوع بعد القيامة. وكان بطرس الرسول مؤكداً بنوع خاص لها. فيقول في سفر الأعمال32:2 “فَيَسُوعُ هّذّا أقَامَهُ الله وَنَحْنُ جَمِيعاً شُهُودٌّ لَذّلكَ”. وفي سفر الأعمال15:3 يكرر “وَرَئِيسُ الْحَيَاةَ قَتَلْتِمُوهُ الَّذي أقَامَهُ الله مِنَ الأمَوَاتَ وَنحْنُ شُهُودٌ لِذَلِكَ” ويؤكد لكلورنيوس في سفر الأعمال10:41 أنه هو وآخرون “لَنَا نَحْنُ الَّذينَ أَكَلْنَا وَشَرَبْنَا مَعهُ بَعْدَ قِيَامَتَه مِنَ الأمْوَاتَ”.

لكنه لم يتوقف عند هذا، فبولس أيضاً قال في خطاب مُسجّل في سفر الأعمال31:13 “وَظَهَرَ أيَّاماً كَثِيرَةً لِلَّذِينَ صَعَدُوا مَعَهُ مِن الجَلِيلَ إلَى أورُشَلِيمَ الَّذِينَ هُمْ شُهُودُ عِنْدَ الشَّعْبَ”.

ثم أكد هابيرماس “القيامة كانت بلا شك افعلان الرئيسي للكنيسة الأولى منذ البداية. وكان المسيحيون الأوائل لا يُصادقون على تعاليم يسوع فقط، بل كانوا أيضاً مقتنعين أنهم رأوه حياً بعد صلبه. وهذا هو الذي غير حياتهم وبدأ الكنيسة. وبالتأكيد، لأن هذا كان هذا إعتقداهم الأكثر مركزية، فقد تأكدوا تماماً من أن كان حقيقي”.

تُثبت كل الأناجيل وسفر الأعمال، حدثاً بعد الآخر، وشاهد بعد شاهد، وتفصيل بعد تفصيل، وتدعيم بعد تدعيم، كلها كانت مؤثرة للغاية. ومع أني حاولت، فلم أستطع أن أفكر في أي حدث في التاريخ القديم له أدلة تؤكده تأكيداً شاملاً أكثر من ظهورات يسوع بعد القيامة.

ومع ذلك، كان هناك سؤال آخر يحتاج أن أسأله، وهو يتعلق بالإنجيل الذي يعتقد معظم العلماء أنه الرواية الأولى التي كًتبت عن يسوع.

خاتمة مرقس المفقودة

عندما بدأت لأول مرة البحث في مسألة القيامة، صادفني تعليق مزعج في هامش الكتاب المقدس: “معظم المخطوطات المبكّرة والشواهد القديمة الجديرة بالثقة ليس بها إنجيل مرقس16: 9-20″. وبعبارة أخرى، يعتقد معظم العلماء بأن إنجيل مرقس ينتهي عند 8:16، عندما تكتشف النسوة القبر الفارغ دون ذكر ظهور يسوع حياً لأي شخص على الإطلاق. وهو ما بدا مُحيراً.

فسألت هابيرماس “ألا يقلقك أن أقدم نجيل لا يذكر أي من ظهورات يسوع بعد القيامة؟”

وعلى عكس ما توقعت، لم يبدُ منزعجاً مُطلقاً “ليس لديَّ أي مشكلة مع هذا، بالتأكيد، سيكون لطيفاً لو كان إنجيل مرقس قد تضمن قائمة بظهورات يسوع، ولكن هناك بعض الأشياء أرجو أن تفكر فيها:

“حتى لو كان إنجيل مرقس ينتهي هناك، وهذا ما لا يعتقد به كل شخص، فمازلت تجده يذكر القبر الفارغ، وهناك شاب يعلن “أنه قام!”، ويُخبر النسوة أنه ستكون هناك ظهورات. لذا عندك أولاً، إعلان بأن القيامة قد حدثت. وثانياً، تنبؤ بأن الظهورات آتية.

“تستطيع أن تغلق روايتك المفضلة وتقول “أنا لا أصدق أن الكاتب لم يحكي لي الأحداث التالية”، ولكنك لا تستطيع غلق الكتاب وتقول “إن الكاتب لا يؤمن بالأحداث التالية”. أما مرقس فبالتأكيد يؤمن. فمن الواضح أنه يؤمن أن القيامة قد حدثت. وينتهي بأن يقال للنسوة أن يسوع سيظهر في الجليل، وبعد ذلك يؤكد آخرون فيما بعد بأنه فهل”.

طبقاً لتقليد الكنيسة، مرقس كان مرافقاً لشاهد العيان بطرس. فسألت هابيرماس “أليس من الغريب أن مرقس لم يذكر أن يسوع ظهر لبطرس، لو كان ظهر فعلاً؟:

فقال “لم يذكر مرقس أي من الظهورات، لذا فليس غريباً ألا يُذكر ظهور يسوع لبطرس. ومع ذلك لاحظ أن مرقس يذكر بطرس بصفة خاصة. فمرقس7:16 يقول “لَكَنَ اذْهَبْنَ وَقُلْنَ لِتَلَامِيذه وَلِبُطْرُسَ إِنَهُ يِسْبَقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلَ. هُنَاكَ تَرَوْنَهُ كَمَا قَالَ لَكُمْ”.

وهذا يتفق مع كورنثوس الأولى5:15 الذي يؤكد أن يسوع ظهر فعلاً لبطرس، ولوقا34:24 عقيدة أخرى تقول “وَهُمْ يَقُولُونَ: “إنَّ الرَّبَّ قَامَ بِالْحَقِيقَةِ وَظَهَرَ لِسَمْعَانَ!” أو بطرس.

“وهكذا فما تنبأ به مرقس عن بطرس ذُكر بأنه تحقق، في إثنين من تسجيلات الكنيسة الأولى التي يعتمد عليه، ولكن على لسان بطرس نفسه في سفر أعمال الرسل”.

هل هناك أي بدائل؟

لا جدال أن كمية الأدلة والتدعيمات التي تؤكد ظهورات يسوع بعد القيامة كمية مذهلة. ولكي ندرك أهميتها بوضوح دعنا نتأمل في هذا المثال: لو كان عليك أن تدعو كل شاهد من الشهود إلى قاعة المحكمة لتستجوبه لمدة خمس عشرة دقيقة لكل منهم، واستمرت الإستجوابات على مدار الساعة بلا توقف، فتستغرق هذه العملية من فطور يوم الإثنين حتى عشاء يوم الجمعة لكي تسمعهم جميعاً. وبعد الإستماع لـ 129 ساعة متواصلة من شهادات شهود العيان، من الذي من الممكن أن يخرج من المحكمة وهو غير مقتنع؟

وبما أني كنت صحفي في الشئون القانونية وغطيت عشرات من المحاكمات، سواء كانت جنائية أو مدنية، فقد اضطررت أن أوافق على تقييم السير إدوارد كلارك، قاضي المحكمة العليا البريطاني الذي أجرى تحليلاً قانونياً شاملاً لأول يوم قيامة فقال: “في رأيي أن الأدلة مذهلة، فإني مرة تلو أخرى في المحكمة العليا أصدرت الحكم بناء على أدلة ليست مقنعة إلى هذا الحد. وبصفتي محامي فإني أقبل أدلة الإنجيل بلا تحفظ على أنها شهادة رجال صادقين على حقائق إستطاعوا أن يجسدوها”[8].

ومع ذلك، فهل كان من الممكن وجود أي بدائل معقولة تستطيع أن تكذب هذه المقابلات مع يسوع بعد القيامة؟ هل يمكن أن تكون هذه الروايات أسطورية في طبيعتها؟ لقد قررت أن أثير هذه المسائل مع هابيرماس للحصول على إجابته.

الإحتمال الأول: إن الظهورات أسطورية

إذا كان فعلاً إنجيل مرقس إنتهى أصلاً قبل ذكر أي ظهورات، فقد يمكن أن يُجادل بالقول بحدوث تطوير في الأناجيل: فمرقس لا أي ظهور، ومتى يذكر بعضها، ولوقا يذكر بعضها، ويوحنا يذكر معظمها. فسألت هابيرماس ألا يثثبت هذا بأن الظهورات كانت مجرد أساطير كبرت بمرور الزمن؟”

فقال هابيرماس مؤكداً “لأسباب كثيرة أقول أن هذا لم يحدث. أولاً، لا يعتقد كل واحد بأن إنجيل مرقس هو أقدم إنجيل. هناك علماء، وهم في الحقيقة أقلية، يؤمنون أن إنجيل متى كُتب أولاً.

“ثانياُ، حتى لو سلمت بصحة رأيك، فإنه يثبت فقط أن الأساطير نشأت بمرور الزمن، ولا يمكن أن يُكذّب الإيمان الأصلي بأن يسوع أقيم من الأموات. هناك شئ قد حدث ودفع الرسل أن يجعلوا القيامة هي الإعلان الرئيسي للكنيسة الأولى. فالأساطير لا تستطيع تفسير روايات شهود العيان الأولى. وبعبارة أخرى، فالأساطير تستطيع أن تخبرك كيف تضخمت الحكاية، ولكنها لا تستطيع أن تخبرك كيف بدأت في الأصل، في حين أن المشاركين في القصة شهود عيان، وأبلغوا عن الأحداث في وقت مبكر.

“ثالثاً، إنك تنسى أن بيان كورنثوس الأولى  صدر في تاريخ سابق لأي إنجيل، وبها تصريحات ضخمة حول الظهورات. وفي الواقع، أن التصريح الذي يتضمن أكبر عدد – أن يسوع شوهد حياً من قبل خمسمائة شخص في وقت واحد – يرجع تاريخه إلى أقدم المصادر. وهذا يسبب مشاكل لنظرية تطور الأساطير. وأحسن سبب لرفض نظرية الأساطير ينبع من البيانات المُبكرة في كورنثوس الأولى 15، وسفر أعمال الرسل، وكلاهما يسبق الروايات الإنجيلية”.

“رابعاً، ماذا عن القبر الفارغ؟ إذا كانت القيامة مجرد أسطورة، لكان القبر مملوءاً. ومع ذلك، فقد كان خاوياً في صباح يوم القيامة وهذا سيتطلب فرضية إضافية”.

الإحتمال الثاني: كانت الظهورات هلوسة

لربما كان الشهود مخلصون وصادقون في إيمانهم رأوا يسوع. وربما سجلوا ما حدث بدقة. ولكن هل كان من الممكن بأن ما شاهدوه لم يكن سوى هلوسة أقنعتهم أنهم كانوا يقابلون يسوع في حين أنهم لم يقابلوه؟

إبتسم هابيرماس للسؤال ثن سألني “هل تعرف جاري كولينز؟”

فاجأني هذا السؤال ثم أجبته “إني أعرفه بالتأكيد، ولقد كنت في مكتبه من مدة قصيرة لأجري معه حديثاً من أجل هذا الكتاب نفسه”.

فسألني هابيرماس “هل تعتقد بأنه كفوء كعالم نفسي”؟

“نعم” قلتها بحذر لأني أحسست أنه يعدني لشئ ما “أنه حاصل على دكتوراه، ويعمل كأستاذ منذ عشرين عاماً، وهو رئيس الإتحاد القومي لعلماء النفس، نعم بالتأكيد أني أعتبره من ذوي المؤهلات”.

ناولني هابيرماس قطعة ورق ثم قال “لقد سألت جاري عن إحتمال أن تكون هذه الظهورات كانت هلوسة وهذا هو رأيه الرسمي كعالم نفساني. فبدأت أقرأ المستندك

الهلوسة هي أحداث فردية. وبطبيعتها فإن شخصاً واحداً فقط يستطيع أن يرى هلوسة معينة في وقت من الأوقات. فهي بالتأكيد ليست شيئاً يستطيع أن تشاهده مجموعة من الناس، وليس من الممكن لشخص أن يسبب هلوسة لشخص آخر، وبما أن الهلوسة تحدث فقط بهذا المعنى الشخصي الذاتي فمن الواضح أن الآخرين لا يمكنهم رؤيتها[9].

ثم قال هابيرماس “هذه مشكلة كبرى لنظرية الهلوسة، لأن هناك روايات متكررة عن ظهور يسوع لكثير من الناس أبلغوا عن نفس الشئ.

“وهناك العديد من الحجج الأخرى عن سبب عدم إستطاعة حالات الهلوسة أن تكذب الظهورات. فالتلاميذ كانوا خائفين ومتشككين، ويائسين بعد صلب يسوع، في حين أن الناس الذين يهلوسون يحتاجون لعقل مهيأ للترقب أو التوقع. فبطرس كان لا يخدع بسهولة، ويعقوب كان متشككاً، فهما بالتأكيد لم يكونا مرشحين جيدين للهلوسة.

“كما أن الهلوسات نادرة نسبياً، وعادة يكون سببها المخدرات أو الحرمان الجسماني. فمن ناحية إحتمالات حدوثها، نجد أنك لا تعرف أي شخص حدثت له هلوسة ولم يكنسببها أحد هذين السببين. ومع ذلك، فمن المفترض أن نصدق أنه على مدى أسابيع كثيرة نجد الناس من كل أنواع الثقافات، ومن كل أنواع الأمزجة، ومن أماكن مختلفة، كلهم حدثت لهم حالات الهلوسة، وهذا يؤثر على الإفتراض قليلاً. أليس كذلك؟

“وبالإضافة إلى ذلك، أننا لو أثبتنا أن روايات الأناجيل يعتمد عليها، فكيف تعلل كون التلاميذ أكلوا مع يسوع ولمسوه؟ وكيف يمشيمع اثنين منهم في الطريق إلى عمواس؟ وماهي حكاية القبر الفارغ؟ فلو أن الناس ظنوا فقط أنهم رأوا يسوع، لكانت جثته ما زالت موجودة في القبر”.

حسناً – لكني فكرت – إذا لم تكن هلوسة، فلربما كانت شئ غير ملحوظ أكثر.

فسألت هابيرماس “هل من الممكن أن يكون هذا النوع من التفكير الجماعي، الذي يجعل الناس يحدثوا بعضهم بعضاً عن رؤية شئ غير موجود أصلاً. كما لاحظ مايكل مارتن “إن الشخص الملئ بالحماسة الدينية قد يرى ما يريد أو تريد رؤيته، وليس الموجود فعلاً هناك”[10].

وهنا ضحك هابيرماس ثم قال “كما تعرف، ناظرت أحد الملحدين وهو أنتوني فلو، أخبرني أنه لا يحب أن يستخدم الملحدين الآخرين هذه المجادلة الأخيرة لأنها سلاح ذو حدين. وكما قال فلو “المسيحيون يؤمنون لأنهم يريدون، لكن الملحدين لا يؤمنون لأنهم لا يريدون!”.

“وفعلاً، هناك العديد من الأسباب تعلل لماذا لم يستطع التلاميذ أن يحدثوا بعضهم بعضاً في هذا الموضوع. ففي وسط إيمانهم كتمن هناك أشياء كثيرة معرضة للخطر، وكانوا يواجهون الموت دفاعاً عنها. ألم يكن بعضهم قدتكروا التفكير الجماعي في تاريخ لاحق ثم أنكروه أو تخلوا عنه بهدوء؟ ثم ما رأيك في يعقوب الذي لم يكن مؤناً بيسوع، وبولس الذي كان يضطهد المسيحيين، كيف حدثهم أحد عن رؤية شئ؟ وعلاوة على ذلك، ما هي حكاية القبر الفارغ؟

“وفوق كل ذلك، هذا الرأي لا يعلل الغة الصريحة عن الرؤية في بيان كورنثوس الأولى 15،وفقرات أخرى. وشهود العيان كانوا على الأقل مقتنعين أنهم رأوا يسوع حياً، والتفكير الجماعي لا يشرح هذه الظاهرة جيد جداً”.

ثم سكت هابيرماس فترة كافية ليُحضر كتاب، ويتوج مجادلته بفقرة مقتبسة من العالم اللاهوتي والمؤرخ البارز كارل براتين “حتى المؤرخين الأكثر تشككاً متفقون على أنه بالنسبة للمسيحية الأولى… كانت قيامة يسوع من الأموات حدثاً حقيقياً في التاريخ، وهي أساس الإيمان نفسه، وليست فكرة أسطورية نشأت من خيال المؤمنين الإبتكاري”[11].

ثم أضاف هابيرماس “أحياناً الناس يتعلقون بقشة حتى يحاولوا أن يعللوا الظهورات. ولكن لا شئ يناسب جميع الأدلة أحسن من تفسير أن يسوع كان حياً”.

لا يوجد شك معقول

لقد قتل يسوع على الصليب، وإن ألكسندر ميثيريل قد جعل ذلك واضحاً بطريقة تنبض بالحياة. فالقبر كان خالياً في صباح يوم القيامة، وإن وليم لين كريج لم يترك مجالاً للشك في هذا، وإن تلاميذه وآخرون شاهدوه، ولمسوه، وأكلوا معه بعد قيامته، وجاري هابيرماس دعم هذه القضية بأدلة كثيرة جداً. وكما قال العالم اللاهوتي البريطاني المشهور مايكل جرين “ظهورات يسوع جديرة بالثقة والتصديق مثل أي حدث في العصور القديمة… لا يمكن أن يكون هناك أي شك معقول أو منطقي بأن الظهورات هذه قد حدثت، وأن السبب الرئيسي الذي جعل المسيحيين أصبحوا متأكدين من قيامة يسوع ومنذ الأيام الأولى هو هذا فقط. لقد إستطاعوا أن يقولوا بكل تأكيد “لقد رأينا الرب” وكانوا يعرفون أنه هو”[12].

وكل هذا حتى لا يضعف الأدلة. ولقد قمت بحجز تذكرة طائرة للقيام برحلة إلى الجانب الآخر من البلاد لمقابلة خبير واحد آخر متخصص في نوع أخير من الأدلة التي تثبت أن قيامة المسيح هي حدث حقيقي في التاريخ.

ومع ذلك فقبل مغادرة مكتب هابيرماس، كان عندي سؤال واحد أخير. وبصراحة كنت متردداً في توجيه هذا السؤال لأنه كان متوقع جداً نوعاً ما وظننت إجابته ستكون في الوقت المناسب.

كان السؤال متعلق بالقيامة. وتخيلت أني لو سألت هابيرماس عنها فسيعطي الإجابة المعروفة عن كونها جوهر العقيدة المسيحية، وهي المحور الذي يدور حوله الإيمان المسيحي. ولقد كنت على حق فقد أعطاني إجابة مألوفة كهذه.

ولكن ما أدهشني كان هذا لم يكن ما قاله. هذا العالم الفذ، هذا المناظر الضخم الجسم، والمستعد للهجوم المباشر، هذا المدافع عن الإيمان مع الاستعداد لأي معركة، قد سمح لي أن أحدق في أعماق روحه عندما أعطاني إجابة إنبعثت من أعمق وادي من اليأس سبق له أن سار فيه.

إحياء ديبي

فرك هابيرماس لحيته المائلة للون الرمادى. النعمة النارية وصوت المناظرات العالي إختفى. لم يعد هناك إقتباس من العلماء أو قراءة من الإنجيل، ولم يعد هناك بناء قضية.

لقد سألته عن أهمية القيامة، ولكن هابيرماس قرر أن يجازف بالعودة إلى سنة 1995 عندما كانت زوجته ديبي قد ماتت ببطئ من سرطان المعدة. ولما كنت متأثراً بحساسية الموقف، فكل ما أمكنني أن أفعله هو أن أنصت لما سيقوله هابيرماس.

وهنا بدأ هابيرماس بقوله “كنت جالساً في الشرفة” ثم نظر بعيداً إلى شئ غير محدد وتنهد بعمق ثم استمر يقول “كانت زوجتي في الدور العلوي تموت. وفيما عدا أسابيع قليلة، كانت دائماً في المنزل طوال فترة المرض. لقد كانت وقتاً رهيباً، وكان هذا هو أسوأ شئ من الممكن أن يحدث”.

ثم التفت لينظر إليَّ مباشرة “ولكن هل تعرف ما الذي أذهلني؟” إتصل بي طلابي تليفونياً، ليس طالب واحد بل عدة طلبة، ثم قالوا “في وقت كهذا، ألست مسروراً بموضوع القيامة؟” بقدر ما كانت هذه الظروف جادة، إضطررت أن أبتسم لسببين:

أولاً، طلابي كانوا يحاولون أن يخففوا من حزني بنفس تعاليمي.

ثانياُ، أن هذه الكلمات نجحت في التخفيف عن حزني.

وفيما كنت جالس هناك تخيلت أيوب الذي كان يعاني من كل هذه الأمراض الرهيبة، ويسأل الله أسئلة، لكن الله قلب الموقف وبدأ يسأله بعض الأسئلة القليلة.

“وكنت أعرف أن الله لو جاء إليَّ، فسوف أسأله سؤالاً واحداً فقط “يارب لماذا ديبي راقدة في السرير؟ وأظن أن الله سيرد بأنه يسألني بلطف “ياجاري، هل أقمت إبني من الموت؟

“فسأقول له: “ياربي، لقد تبت سبعة كتب عن هذا الموضوع “إنه طبعاً أقيم من الموت. ولكني أريد أن أعرف عن ديبي”

“وأظن أنه سيعود ويكرر نفس السؤال “هل أنا أقمت إبني من الموت؟ هل أنا أقمت إبني من الموت؟ حتى فهمت هذه النقطة التي يقصدها: إن القيامة تقول أنه لوكان يسوع قد أقيم من الموت منذ ألفي عام، فهناك الإجابة على موت ديبي سنة 1995. فهل تعرف ما هي اإجابة؟ لقد نجحت معي بينما كنت جالساً في الشرفة وما زالت ناجحة اليوم.

“لقد كان وقتاًمثيراً للعواطف بشكل رهيب، ولكني لم أستطع أن أفهم حقيقة أن القيامةهي الإجابة على آلامها ومعااتها.

“وكنت ما زلت قلقاً. ومازلت أتساءل: ماذا سأفعل في تربية أطفالي الأربعة بمفردي؟ ولكن لم يحدث في أي وقت أن هذه الحقيقة لم تواسيني. لقد كان فقد زوجتى أفظع تجربة مؤلمة اضطررت أنأواجهها. ولكن لو كانت القيامة ستساعدني على إجتيازها فسوف يمكنها مساعدتي على إجتياز أي شئ آخر. لقد كانت القيامة ميدة سنة 30 م. وهي الآن مفيدة سنة 1995 وستكون مفيدة سنة 1998 وستكون مفيدة بعد ذلك دائماً.

وهنا وجه هابيرماس نظراته إلىًّ وقال بهدوء “هذه ليست عظة، فأنا أؤمن بذلك من كل قلبي. لو كانت هناك قيامة فستكون هناك سماء، وإذا كان يسوع قد أقيم فإن ديبي أقيمت وأنا أيضاً سأقام في يوم من الأيام.

“عندئذٍ سأراهما كليهما”

 

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  1. لقد خفض هابيرماس موضوع القيامة إلى سؤالين: هل مات يسوع؟ وهل شوهد حياً بعد ذلك؟ بناء على الأدلة التي عرفتها حتى الآن. كيف ستجاوب على هذين السؤالين ولماذا؟
  2. إلى أي حد كان بيان كورنثوس الأولى 15 مؤثراً في تقييمك لمسألة: هل شوهد يسوع حياً؟ وما هي أسبابك لإستنتاجك أنها مهمة أو غير مهمة في بحثك؟
  3. فيدقائق قليلة إكشف عن الظهورات في الأناجيل التي ذكرها هابيرماس. هل جعلتك تشعر بأنها صادقة؟ وما تقييمك لها كأدلة على القيامة؟
  4. هابيرماس تحدث عن أن القيامة كان لها معني شخصي عنده، هل واجهت أنت خسارة في حياتك الشخصية؟ وكيف سيؤثر إيمانك على طريقة رؤيتك لها؟

 

لمزيد من الأدلة

مصادر أخرى حول هذا الموضوع

Ankerberg, John, and John Weldson. Ready with an Answer. Eugene, Ore.: Harvest House, 1997.

Geivett, R. Dougla, and Gray R. Habermas, eds. In Defense of Miracles. Downers Grove, III.: InterVarsity Press, 1997.

Habermas, Gray, and Antony Flew. Did Jesus Rise from the Dead? The Resurrection Debate. San Francisco: Harper & Row, 1987.

Habermas, Gray, and J. P. Moreland. Beyond Death: Exploring the Evidence for Immortality. Westchester, III.: Crossway, 1998.

Morison, Frank. Who Moved the Stone? Grand Rapids: Zondervan, 1987.

Proctor, William. The Resurrection Report. Nashville: Broadman & Hoi-man, 1998.

الأدلة الظرفية هل هناك أي حقائق مساندة تُشير إلى القيامة؟ – لي ستروبل

الأدلة الظرفية هل هناك أي حقائق مساندة تُشير إلى القيامة؟ – لي ستروبل

الأدلة الظرفية هل هناك أي حقائق مساندة تُشير إلى القيامة؟ – لي ستروبل

الأدلة الظرفية هل هناك أي حقائق مساندة تُشير إلى القيامة؟ – لي ستروبل

 

 لم يكن هناك أى شهود شاهدوا تيموثي ماك فيي وهو يعبئ حمولة طنين من المتفجرات المصنوعة من الأسمدة على عربة نقل ريدر مستأجرة. ولم يراه أحد وهو يقود العربة إلى واجهة المبنى الفيدرالى فى مدينة اوكلاهوما ثم يفجر القنبلة، فيقتل 168 شخص. ولم تلتقط أى كاميرا فيديو صورته وهو يهرب من المكان الحادث.

ومع ذلك، فقد إستطاعت هيئة محلفين أن يستنجوا بما لا يدع مجالاً للشك أن ماك فيي كان مذنباً بإرتكاب أسوأ عمل إرهابى محلي في تاريخ الولايات المتحدة. لماذا؟ لأنه بمساعدة حقيقة بعد حقيقة، ومستند بعد مستند، وشاهد بعد شاهد، إستخدم المّدعين الأدلة الظرفية لكي يقيموا قضية محكمة ضده.

بينما لا أحد من الـ137 شخصاً الذين تم إستدعاؤهم للوقوف على منصة الشهود قد رأى ماك فيي وهو يرتكب الجريمة فإن شهادتهم قدمت أدلة غيرمباشرة تثبت إدانته. رجل أعمال قال أن ماك فيي إستأجر سيارة نقل رايدر، وأحداًمن أصدقاؤه قال أن ماك تحدث عن تفجير المبنى ليُعبر عن غضبه ضد الحكومة، واحد العلماء قال أن ملابس ماكفيي كانت تحتوى على بقايا متفجرات عندما قبض عليه.

أسند المدّعون هذابما يزيد على سبعمائة مستند، تتراوح من إيصالات فندق، وإيصالات سيارة أجرة، وتسجيلات تليفونية إلى مفتاح العربة النقل، إلى فاتورة من مطعم صيني. وعلى مدى ثمانية عشر يوماً نسجوا بمهارة نسيجاً مقنعاً من الأدلة التي يتمكن ماك فيي بشكل يائس أن يفلت منها.

فشهادة العيان تُسمى دليلاً مباشرإلا أن الناس يصفون تحت القسم أنهم رأوا المدعى عليه شخصياً وهو يرتكب الجريمة. وبينما هذه الأدلة من شاهد عيان في أغلب الأحيان تعتبر ملزمة، فقد تتعرض أحياناً لضعب الذاكرة، والتحيز، أو حتى التلفيق المباشر. وفي المقابل نجد أن الأدلة الظرفية تتكون من حقائق غير مباشرة يمكن إستخلاصها بطريقة منطقية(1).

وإن تاثيرها المؤكد يمكن أن يصبح بنفس قوة وفي حالات كثيرة أقوى- من أقوال شاهد العيان.

إسال ثيموثي ماك فيي. لربما كان يظن إنه إرتكب الجريمة الكاملة بتجنب شهود العيان، لكنه مع ذلك حصل على حكم الإعدام بسبب الحقائق الظرفية التي أشارت إليه وبطريقة مدمرة كأى شهادة من شاهد عيان

بعد أن درسنا من قبل الأدلة المقنعة للقبر الفارغ، وروايات شهود العيان عن يسوع الذي أقيم من الموت، حان الوقت الآن للبحث عن أيِ أدلة ظرفية التي قد تدعم قضية القيامة. وكنت أعرف ان حدثاً غير عادى مثل قيامة يسوع لو كان حدث فعلاً، فإن التاريخ سيكون قد تناثرت فيه آدلة غبر مباشرة تدعمه.

وقد أخذني هذا البحث مرة اخرى إلى جنوب كاليفورنيا، وفي هذه المرة إلى مكتب أستاذ يجمع بطريقة بارعة بين الإطلاع في التاريخ، والفلسفة، والعلوم

  • المقابلة الثالثة عشرة: جي. بي. مورلاند، دكتوراه فلسفة

جي. بي. مورلاند، ذو الشعر الرمادي القاتم، والشوارب الفضية، والنظارة ذات الإطار الذهبي التي تجعله يبدو أكبر من عمره الذي يبلغ الخمسون عاماً. ومع ذلك ممتلئ بالنشاط. وكان يتكلم بنغمة حماسية مفعمه بالحيوية، وكثيرا ما يميل للأمام في كرسيه الدوار لتاكيد نقاطه التي يشرحها، وأحياناً يقفز فجأة كأنه سيثب فوقي ويختفي بحججه. قال هذا أثناء فترة إستراحة قصيرة أثناء محادثتنا عندما ذكر النقاط الواضحة.

وإن عقل مورلاند المنظم للغاية، يعمل بطريقة نظامية ومنطقية، لدرجة انه يبدو قادراً أن يوضح قضيته بلا مجهود بجمل كاملة وفقرات شاملة، بدون إستخدام كلمات ضائعة أو إفكار غير عادية، كلها معدة إستعداداً للمراجعة والطبع. وعندما يتوقف جهاز التسجيل الخاص بي يسكت ليعطي الوقت الكافي لوضع شريط جديد، ثم يبدأ بالظبط من حيث توقف دون أن تفوقه نقطة.

وبينما يعتبر مورلاند فيلسوفاً مشهوراً (حاصل على دكتوراه من جامعة جنوب كاليفورنيا) ويبحر مستريحاً في دنيا مفاهيم كانت وكيركجارد، ولكنه لا بتبحر في الأفكار التجريدية المعنوية. وخلفيته في العلوم 0 حاصل على كيمياء من جامعة ميسورى وإتقانه للتاريخ (كما يظهر بوضوح في كتابه الممتاز)

يثبته في عالم الحياة اليومية وتمنعه من أن يطفو عالياً في طبقات التفكير السماوي الأثيري النقي.

ومورلاند الحاصل أيضاًعلى ماجسيتير في اللاهوت من مدرسة دالاس اللاهوتية، حيث يقوم بالتدريس في برنامج الماجيستير في الفلسفة وعلم الأخلاق

نُشرت مقالاته في أكثر من ثلاثون مجلة متخصصة، وقد ألف او إشترك في تأليف أو نشر إثنا عشر كتاباً من بينها (المسيحية وطبيعة العلم Chris
tianity and the Nature of Science) هل الله موجود؟ ((Does God Exist?

(مناظرة مع كاى نيلسون) ومناظرة بين الحياة والموت ((The Life and Death Debate وفرضية الخلق(The (Creation  وما بعد الموت     yond Death(تاشh Debateموت (لإاث (Beyond Death)   استكشاف أدلة  الخلود ( Exploring  the Evidence For Immortality ( والمسيح تحت النار((Jesus under Fire  أحب إلهك من كل فكرك (love Your God With All  Your Mind )

وعندما جلست مع مورلاند في مكتبه الصغير لكن البسيط، علمت أن الأدلة الظرفية تعتبر جمع وليست مفرد. وبعبارة أخرى ثابت يمكن أن تبنى عليه النتائج بكل ثقة وإطمئنان

وهكذا بدأت مقابلتنا بتحدي صريح: نصت مورلاند بإهتمام شديد لسؤالي، فسألني فأومأت برأسي موافقاً. وعندئذ دفع كرسيه للخلف بعيداً عن مكتبه وإستهل بدليله الأول: الحياة المتغيرة للتلاميذ وإستعدادهم للموت في سبيل إعتقادهم بأن يسوع قد قام من الأموات

 وإستعدادهم للموت في سبيل إعتقادهم بأن يسوع قد قام من الأموات

  1. العرض الأول: التلاميذ ماتوا في سبيل إعتقادهم

وبدأ مورلاند حديثه قائلاً ثم بعد فترة زمنية قصيرة، نجدهم يتخلون عن وظائفهم، ثم يتجمعون من جديد، ويكرسون أنفسهم لنشر رسالة خاصة جداً بأن يسوع المسيح كان هو المسيا المُرسل من الله والذي مات على الصليب ثم عاد إلى الحياة وشوهد حياً من قبلهم وأنهم مستعدون أن يقضوا بقية حياتهم في إعلان هذا، دون إنتظار آجر من أى إنسان ولم يكن هناك قصر ينتظرهم على البحر الأبيض المتوسط. وكانوا يواجهون حياة الضيق والمشقة. وكانوا كثيراً يقضون يومهم بلا طعام وينامون في العراء معرضين لعناصر الطبيعة. وكانوا يتعرضون للسخرية والضرب والحبس في السجون. وأخيراً، كان معظمهم يعدمون بطريقة وحشية مليئة بالعذاب لماذا؟ أمن أجل أهداف مفيدة؟ كلا، بل لأنهم كانوا مقتنعين بما لا يدع مجالاً للشك بأنهم رأوا يسوع حياً بعد أن قام من الموت. ما الذي لا تستطيع أن تفسره هو كيف أن هذه المجموعة من الرجال بالذات تواصلوا إلى هذا الإيمان المتميز دون أن يمروا بتجربة رؤية المسيح بعد قيامته. ليس هناك تفسير كافي آخر

فقاطعته بقولى (نعم، ولكن….) عندى إعتراض، نعم أوافق إنهم كانوا مستعدين لأن يموتوا في سبيل معتقداتهم. وكذلك أيضاً المسلمون، والمورمون، وأتباع جيم جونز، وديفيد كوريس. وهذا يُرينا بأنهم كانوا متعصبون، لكن دعنا نواجه المسألة: هذا لا ثبت كلتا قدميه على الأرض المسلمون قد يكونون راغبين بالموت في سبيل إيمانهم بأن الله آعلن نفسه لمحمد، ولكن هذا الرؤيا لم تتم بطريقة يلاحظها الجميع علناً، لذا فقد يكونون مخطئن في هذا الأمر. وقد يظنون بإخلاص أنها حقيقة ولكن لا يستطيعون أن يعرفوا هذا كحقيقية واقعة لأنهم لم يشهدوها بأنفسهم ومع ذلك فالرسل كانوا مستعدين للموت من أجل شئ شاهدوه بأعينهم ولمسوه بأيديهم. فقد كانوا في موقف فريد ليس فقط ليؤمنوا أن يسوع قام من الأموات لكن بسبب المعرفة المؤكدة. فلو كان لديك أحد عشر شخصاً موثوق بهم وليس لديهم أى دوافع خفية، وليسٍ أمامهم سيكسبونه بل أشياء كثيرة سيخسرونها، وأنهم جميعاً لآحظوا شيئاً شاهدوه بأعينهم، والآن ستجد بعض الصعوبة في تكذيبها بهذه الطريقة  وهنا إبتسمت لأني كنت بدور المدافع عن الشيطان بإثارة هذا الإعتراض. ففي الواقع كنت أعرف انه على حق. ففي الحقيقة إن هذا الفرق الحاسم كان الأهمية في رحلتي الروحية ولقد شرح لي بهذه الطريقة: الناس مستعدين للموت في سبيل معتقداتهم الدينية لو آمنوا بإخلاص انها صادقة، ولكن الناس ليسوا مستعدين للموت في سبيل معتقداتهم الدينية لو عرفوا أن معتقداتهم باطلة وزائفة وبينما معظم الناس يمكن أن يكون لديهم إيمان بأن معتقداتهم صحيحة فقط، إلا إن التلاميذ كانوا في موقف للمعرفة بلا شك فيما إذا كان يسوع قد قام من الموت ام لا. وإدعوا أنهم رأوا، وتحدثوا معه، وأكلوا معه. فلو لم يكونوا متأكدين تماماً، لما كانوا قد سمحوا لأنفسهم ان يعذبوا حتى الموت لإعلانهم أن القيامة قد حدثت(2)

فقلت له حسناً. لقد إقتنعت بتلك النقطة. لكن هل لديك شيء آخر؟

  1. العرض الثاني: تحول المشتككين إلى مؤمنين

إستمر مورلاند مثال آخر من الأدلة الظرفية، أنه كان هناك متشككون قساة القلوب الذين لم يؤمنوا بيسوع قبل صلبه -وكانوا على حد معادين للمسيحية- والذين تحولوا وأقروا بالإيمان بالمسيحية بعد موت يسوع. فليس هناك سبب وجيه لهذا إلا انهم إكتشفوا المسيح الذي قام من الأموات فقلت له من الواضح أنك تتحدث عن يعقوب – أخو يسوع- وشاول الطرسوسي الذي أصبح بولس الرسول، ولكن هل لديك أى دليل يُمكن تصديقه بأن يعقوب قد كان متشككاً بيسوع؟.  فقال مورلاند نعم، عندي. فالأناجيل تخبرنا أن عائلة يسوع، ضمن ذلك يعقوب، كانوا متحيرين بما كان يدعيه أن يكون. ولم يؤمنوا به، بل تحدوه. وفي الديانة اليهودية القديمة كان من المحرج جداً لعائلة حاخام ألا يعترفوا به. بذلك فإن كُتّاب الأناجيل لم يكن لديهم أى حافز لتلفيق التشكك إذا لم يكن صحيحاً وفيما بعد يخبرنا يوسيفوس المؤرخ أن يعقوب- أخو يسوع-  الذي كان رئيساً لكنيس
ة أورشليم، رُجم حتى الموت بسبب إيمانه بأخيه. لماذا تغيرت حياة يعقوب؟ يُخبرنا بولس بأن يسوع الذي قام من الأموات ظهر له. وليس هناك أى تفسير آخر وهان لم تقفز إلى ذهنى أى إعتراضات أخرى. فسألته وشاول الطرسوسى؟ فاجابني قائلاً؟ عن شاول كفريسي، كان يكره أى شئ يعارض تعاليم اليهودي. فبالنسبة له كانت هذه الحركة المعادية لليهودية، والتي تدعى المسيحية، تعتبر قمة الولاء لليهودية. وفي الواقع أنه حقق شعوره بالإحباط بإعدام المسيحيين حين اُتيحت له الفرصة.  وفجأة نجده لم يتساهل مع المسيحيين فقط بل وإنضم إلى حركتهم كيف حدث هذا؟ حسناً، كل الناس متفقين أن بولس هو الذي كتب الرسالة إلى أهل غلاطية، وهو يخبرنا بنفسه في هذه الرسالة بما دفعه للإنعطاف متحولاً180 درجة ويصبح أهم مناصرة للعقيدة المسيحية. وبقلمه الذي كتب به الرسالة يقول إنه رأى يسوع الذي قام وسمع يسوع يعنيه ليكون أحد أتباعه ولقد كنت أنتظر مورلاند أن يذكر هذه النقطة حتى أتمكن تحديه بإعتراض من ناقد المسيحية مايكل مارتن. فقد قال مارتن أنه إذا إعتبرت تحول بولس دليلاً على صدق القيامة، فلابد أن تعتبر تحول محمد إلى الاسلام كدليل على صدق أن يسوع لم يقم من الموت لأن المسلمون ينكرون قيامة المسيح! فقلت لمورلاند غنه أساساً يقول أن القيم الإثباتية لتحول بولس وتحول محمد يلغيان أحدهما الآخر. بصراحة، وتبدو هذه كنقطة جيدة. ألا تعترف أن مارتن على حق؟

 لكن مورلاند لو يأكل أطعم بل قال بصوت ملئ بالثقة دعنا نلقي نظرة على تحول محمد. لا أحد يعرف شيئاً عن هذا التحول. محمد يدعي أنه دخل كهفاً وحدثت له تجربة دينية كشف له الله فيها القرآن. ولا يوجد شاهد عيان آخر ليؤكد صحة هذا الكلام. ومحمد لم يقدم أي علامات إعجازية ليؤكد أي شئ. ومن السهل لأي شخص أن حوافز خفية ليصبح من أتباع محمد لأنه في سنوات الإسلام أساساً بالفتوحات وإن أتباع محمد إكتسبوا نفوذاً سياساً وسيطرة على البلاد التي فتحوها وحولوها على الإسلام بحد السيف قارن هذا بإدعاءات أتباع يسوع الأوائل بمن فيهم بولس. فقد إدعوا أنهم رأوا أحداث عامة رآها أناس آخرين أيضاً. وهذه كانت أشياء حدثت خارج عقولهم وليس داخل عقولهم فقط علاوة على ذلك، عندما كتب بولس رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس- التي لا يشك أحد بأنه كتبها – ذكر أهل كورنثوس أنه صنع معجزات عندما كان بيهم  في وقت سابق. وبالتأكيد كان سيعتبر غبياً لو ذكر هذه العبارة لو عرفوا أنه لم يصنع معجزات فسألته وماهي النقلة التي تريد أن تثبتها؟ فقال تذكر أنها ليست مجرد الحقيقة البسيطة أن بولس قد غير آرائه. لابد أن تفسر يف حدث له هذا التغيير في معتقداته بالذات- وهو التغيير الذي يتناقض مع تربيته. وكيف رأى يسوع الذي قام في حدث عام شهده آخرون- حتى لو كانوا لم يفهموه- وكيف صنع معجزات ليدعم إدعائه بأنه رسول فقلت له حسنأً، حسناً. فهمت النقطة التي تريد إثباتها وسوف أسلم بأنها نقطة جيدة. وبهذا أشرت إليه ان ينتقل إلى دليله التالي

 الهامش (1)

 يبدو أن مورلاند يختزل بدايات نزول الوحي على محمد (ص)، وهو ما قد يقدم صورة باهتة لطبيعة التجربة النبوية لرسول الإسلام. ويعلم جميع قُراء العربية بطبيعة هذه التجربة بمراحلها: نزول الوحي بغار حراء، شهادات عائشة بالوحي النبوي على الرسول، تأكيدات نبوة الرسول.  وحلو هذه التفاصيل برجاء الرجوع إلى: السيرة النبوية لإبن هشام، محمد للدكتور محمد حسنين هيكل والباب الخاص ببدء نزول الوحي بصحيح البخاري، وكذا صحيح مسلم

  1. العرض الثالث: تغييرات في العادات الإجتماعية الأساسية

لكي يوضح صنفه التالي للبرهان الظرفي، إضطر مورلاند أن يمدني ببعض المعلومات الهامة حول الثقافة اليهودية فبدا يشرح قائلاً في زمن يسوع، كان اليهود مضطهدين لمدة سبعمائة عام من قبل البابليين، والآشوريين، والفرس، وحينها من قبل اليونايين والرومانيين.  فتشتت الكثر من اليهود وعاشوا كأسرى فى هذه البلاد الأخرى ومع ذلك، فما زلنا نرى اليهود اليوم، بينما نحن لا نرى الحيثيين، والبيرزيين، والعمونيين، والآشوريين، والفرس، والبابليين، والشعوب الأخرى التي كانت في ذلك الوقت. لماذا؟ لأن هذه الشعوب وقعوا أسرى عند أمم اخرى، حيث تزاوجوا، وفقدواهويتهم القومية لكن، لَم لم يحدث هذا اليهود؟ لأن الأشياء التي جعلت اليهود يهوداً، هي تلك التركيبات الهيكلية الإجتماعية التي أعطتهم هويتهم القومية، هي تلك التركيبات الهيكلية الإجتماعية لأبنائهم، ويحتفلون بها في إجتماعات المعبد اليهودي كل سبت، ويعززوها بطقوسهم، لأنهم كانوا يعرفون أنهم إن لم يفعلون ذلك فإنه سريعاً لن يكون هناك يهود إطلاقاً. وسوف يتدمجون في ثقافات الأمم التي تأسرهم وهناك سبب آخر يبين لماذا كانت هذه المؤسسات الإجتماعية مهمة جداً: فقد كانوا يؤمنون أن هذه المؤسسات قد سُلمت لهم من الله. وكانوا يؤمنون أنهم لو تخلوا عن هذه المؤسسات فسوف يخاطرون بأرواحهم التي ستُعلن إلى جهنم بعد الموت. ولآن نجد حاخام يدعى يسوع يظهر من منطقة من مناطق الطبقة الدنيا. ويقوم بالتعليم لمدة ثلاث سنوات، ويجمع حوله أتباعاً من الطبقة الدنيا والمتوسطة، ثم يقع في متاعب ومشاكل مع السلطات، ثم يصلب
مع ثلاثين الفاً رجل يهودي آخرين الذين تم إعدامهم في تلك الفترة ولكن بعد صلبه بخمسة أسابيع، آكثر من عشرة آلاف يهودي صاروا من أتباعه إدعوا أنه مؤسس ديانة جديدة. ويصبحون بذلك: أنهم مستعدون أن يتخلوا عن أو يعدلوا خمسة من العادات الإجتماعية التي كانوا قد تعلموها منذ الطفول بأن لها مثل هذه الأهمية إجتماعياً ولاهوتياً فقلت له وهكذا فالمعنى المتضمن هو أن شيئاً ضخماً كاد يحدث فصاح مورلاند قائلاً إن شيئاً ضخماً جداً كان يحدث!

إحداث ثورة في الحياة اليهودية

 دعوت مورلاند للمرور بهذه الهياكل الإجتماعية الخمسة ويوضح كيف أن أتباع يسوع قد غيروها أو تخلوا عناه

فقال: أولاً لقد علموهم منذ ايام إبراهيم أيام إبراهيم وموسى أنهم لابد أن يقدموا ضحية حيوانية كل سنة ليكفروا عن خطاياهم. والله سينقل خطاياهم إلى ذلك الحيوان، وأن خطاياهم ستغفرلهم حتى يكونوا فى صلح مع الله. ولكن فجأة بعد موت النجار الناصري، لم يعد هؤلاء اليهود يقدمون الأضاحي.

ثانيا، شدد اليهود على إطاعة الوصايا التى إتمنهم عليها الله من خلال موسى. وفي رأيهم، أن هذه الوصايا هي التي تميزهم عن الأمم الوثنية. ومع ذلك، فبعد موت يسوع بفترة قصيرة، بدأ هؤلاء اليهود يقولون إنك لن تصبح عضواً لمجرد محافظتك على شريعة موسى (الوصايا العشر) ثالثاً، حافظ اليهود على راحة السبت بدقة، بعدم القيام بأى عمل ماعدا الطقوس الدينية كل سبت. وبهذه الطريقة يستطيعون الحصول على المكانة الصالحة عند الله، ويضمنون خلاص عائلتهم ويكونون فى المكانة الصالحة مع الأمة. ومع ذلك، بعد موت هذا النجار الناصرى، هذا التقليد الذي دام ألف وخمسائة عام تغير فجأة. فهؤلاء المسيحيون الذين كانوا يهوداً يعبدون يوم الأحد لماذا؟ لأنه اليوم الذي قام فيه يسوع من الأموات رابعاً، كانوا يؤمنون بالتوحيد المجرد. فيما يُعلّم المسيحين يعلمون بشكل آخر للتوحيد، فهم يقولن إن الآب والإبن والروح القدس هم إله واحد. وهذا يختلف إختلافاً جذرياً

 عما آمن به اليهود. وكانوا يعتبرونه من أعلى درجات الهرطقة أن نقول أن شخصاً يمكنه أن يكون إله وإنسان في ذات الوقت. ومع ذلك يبدأ اليهود بعبادة يسوع كإله منذ العقد للديانة المسيحية.

خامساً صوّر هؤلاء المسيحيين المسيا كشخص تألم ومات من أجل خطايا العالم، بينما اليهود دُرَبوا على أن يؤمنوا بأن المسيا سيكون زعيماً سياسياً سيحطم الجيوش الرومانية بذلك السياق، أسس مورلاند للضربة الحاسمة، وهو يرمقن بنظرات حادة متفرسة ثم قال بالنسبة لي، كيف أن تفسر لماذا في فترة قصيرة من الزمن، ليس فقط يهودي واحد بل جماعة كاملة مكونة مما لا يقل عن عشر آلاف يهودي، كانوا مستعدين للتخلي عن ممارسة هذه الممارسات الخمسة التي ظلت تلائمهم إجتماعياً ولاهوتياً، لقرون كثيرة؟ إن تفسيري بسيط: لأنهم شاهدوا يسوع الذي قام من الأموات بينما هذه الأيام نجد الناس عندهم مرونة في إيمانهم، فهم يتنقلون بين المسيحيون ومعتقدات العصر الحديث. فهم يمارسون البوذية كهواية، ويخلطون ويقارنون ويبتكرون الحياة الروحية الخاصة بهم. وبالنسبة لهم إن أحداث نوع التغييرات التي ذكرتها لا تبدو بذات أهمية كبرى أومأ كورلاند برأسه موافقاً، ويبدو أنه قد سمع هذا الإعتراض من قبل ثم قال سأسأل شخصاً هكذا ماهو أعز وأحب شئ تؤمن به؟ أن كان والديك صالحين؟ أو أن القتل لا أخلاقي؟ فكر كيف سيكون الأمر جوهرياً أن أجعلك تغير أو تتخلى عن هذا الإيمان الذي تعتز به إلى هذا الحد. الآن بدأنا نتفاهم

تذكر أن هذا هو مجتمع كامل من الناس يتخلون عن إعتقادات عزيزة عليهم والتي نُقَلت إليهم عبر قرون، وإعتقدوا بأنها من الله نفسه. وهم يفعلون ذلك مع أنهم يعرضون سعادتهم للخطر، كما انهم كانوا يعتقدون أنهم يجازفون بالحكم على أرواحهم بأن تلقى فى جهنم، لو كانوا مخطئين في هذا التغيبر.

والأكثر من ذلك أنهم لم يفعلوا ذلك لأنهم قد أكتشفوا أفكار أفضل. فقد كانوا مقتنعين جداً بالتقاليد القديمة. لكنهم تخلوا عنها لأنهم رأوا معجزات لم يستطيعوا تفسيرها والتي أجبرتهم أن ينظروا إلى الدنيا بطريقة أخرى نحن الغربيين فرديين، نؤمن بأن مصالح الفرد فوق كل إعتبار، ونحب التغيرات التكنولوجية والإجتماعية. فالعادات والتقاليد ليست ذات أهمية كبرى عندنا فأجاب مورلاند سأسم بهذا. ولكن هؤلاء الناس كانوا يقدرون قيمة العادات والتقاليد. وقد عاشوا في عصر كان فيه- كلما كان الشئ أقدم- كلما كان أفضل.وفي الواقع أنه بالنسبة لهم كلما تراجعوا إلى الوراء أبعد ليتمكنوا من تتبع فكرة كلما كان من المحتمل أن تكون صحيحة، وهكذا فالإنتقال إلى أفكار جديدة كان مناقضاً لما نحن ليه اليوم ثم إختتم حديثه قائلاً صدقنى إن هذه التغييرات في الهياكل الإجتماعية لم تكن مجرد تعديلات بسيطة أجريت بطريقة عرضية غير رسمية. إنما كانت ضخمة وهامة جداً. إنها لم تكن أقل من زلزال إجتماعي. والزلازل لا تحدث بدون سبب أشار مورلاند إلى ظهور الطقوس الدينية من الشركة والمعمودية في الكنيسة الأولى كأدلة ظرفية أخرى تثبت أن القيام حقيقة ولكني كان لديَّ بعض الشكوك فسألته أليس من
الطبيعي فقط أن الديانات التي تبتكر طقوسها وممارستها؟ فلدى كل الديانات طقوسها وممارستها. لذا، كيف تقول أن هذا يثبت شياً عن القيامة؟ فأجبني آه؟، لكن دعنا ندرس التناول (الشركة) لحظة الشئ الغريب أن هؤلاء الأتباع ليسوع لم يجتمعوا معاً لكي يمجدوا تعاليمه او يذكروا كم كان رائعاً. بل كانوا يجتمعون بإنتظام ليتناولوا وليمة إحتفالية لسبب واحد: أن يتذكروا أن يسوع قد قُتل علناً بطريقة غريبة ومشينة فكر في هذا بحسب الظروف العصرية الحديثة. لو كان مجموعة من الناس يحبون جون إف كيندي، وأنهم يجتمعون بإنتظام لتذكر مجابهته لروسيا، وتعزيزه للحقوق المدنية، وشخصيته الساحرة ولكنهم سوف لا يحتفلوا أن لي هارفي ولد قد قتله! ومع ذلك، فهذا يعتبر مماثل لما كان المسيحون الأوائل يفعلونه. كيف كيف ستفسرذلك؟ سأشرحه بهذه الطريقة: لقد أدركوا أن لم يكن الكلمة الأخيرة، إنما الكلمة الأخيرة كانت أنه هزم الموت من أجلنا بقيامته من الأموات. فكانوا يحتفلون بإعدامه لأنهم كانوا مقتنعين إنهم قد رأوه حياً من القبر فسألته وماذا عن المعمودية؟ فأجاب تبنت الكنيسة الولى إقتبسوا شكلاً من أشكال العماد يسمي عماد البروزلايت (أى المهتدي حديثاً إلى اليهودية) إقتبسوه من تربيتهم وتنشئتهم اليهودية. وعندما كانت الأمم (غير اليهود) يريدون إتباع شريعة موسى، كان اليهود يعمدونهم بشهادة إله إسرائيل. ولكن في العهد الجديد كان الناس يعتدون بإسم الله الآب والله الإبن والله الروح القدس، بمعنى أنهم رفعوا يسوع إلى منزلة الله الكاملة وليس هذا فقط، بل أن المعمودية كانت بمثابة إحتفال بموت يسوع تماماً مثل التناول. فبالنزول تحت الماء فأنت تحتفل بموته وبإخراجك من الماء تحتفل بحقيقة أن يسوع قد أقيم إلى حياة جديدة فقطاعته قائلاً إنك تفترض أن هذه الأسرار المقدسة لم تكن فقط مقتبسة من الديانات السرية فأجاب مورلاند لأسباب وجيهة أولاً، ليس هناك دليل قوي أن أي ديانة سرية كانت تؤمن بموت الله وقيامته حتى بعد فترة العهد الجديد. ولذلك، فلو كانت هناك أي إستعارة فإنهم هم الذين إستعارو من المسيحية

ثانياً، ممارسة المعمودية مُستمدة من العادات اليهودية، وكان اليهود يعارضون جداً السماح لأفكار الأمم أو اليونانيين أن تؤثر على طقوس عبادتهم وثالثاً، هذين الطقسين المقدسين يمكن أن يرجع تاريخهما إلى أول جماعة مسيحية وهذا تاريخ مبكر جداً بحيث لا يمكن لتأثير أي ديانات أخرى للزحف إلى فهمهم لمعنى موت يسوع

العرض الخامس: ظهور الكنيسة

مهد مورلاند لهذه النقلة بقوله عندما يحث تغير ثقافي هام، فإن المؤرخون يبحثون دائماً عن الأحداث التي يمكن أن تفسيرها فقلت له نعم ذا كلام معقول فقال حسنا. دعنا نفكر عن بداية الكنيسة المسيحية. ما من شك إنها بدءت بعد موت يسوع بقليل وإنتشرت بسرعة كبيرة لدرجة أنها خلال فترة حوالي عشرين عاماً كانت قد وصلت حتى إلى قصر القيصر في روما. وليس هذا فقط بل إن هذه الحركة إنتصرت على عدد كبير من المذاهب الفكري المنافسة، وفي النهاية إكتسحت الإمبراطورية الرومانية كلها.

والآن لو فرضنا أنك من سكان المريخ ونظرت إلى أسفل إلى القرن الأول، فهل كنت تظن أن المسيحية أو الإمبراطورية الرومانية ستبقيان على قيد الحياة؟ من المحتمل إنك لن تضع نقودك أو ركز املك على مجموعة من عامة الشعب، ورسالتهم الأساسية كانت أن نجاراً مصلوبا من قرة غامضة قد أنتصر على القبر. ومع ذلك، فقد كانت المسيحية منتصرة لدرجة أننا اليوم نسمى كلابنا قيصر ونيرون! لقد أعجبتني الطريقة التي إستخدامها سي. إف. دي. مول، عالم العهد الجديد، بجامعة كامبردج، للتعبير عن إنتصار المسيحية حيث قال لو كان ظهور النصارى، يعتبر ظاهرة ثبت صدقها بواسطة العهد الجديد بشكل لم يمكن إنكاره، قد أحدثت حفرة كبيرة في التاريخ، حفرة في حجم وشكل القيامة، فماذا يقترح المؤرخ العلماني من وسائل لكي يسدها؟ (3)

 وبينما لم تكن النقطة هي أقوى نقاط مورلاند، لأن هناك حركات دينية آُخرى ظهرت وإنتشرت أيضاً، فإن الأدلة الظرفية لا تعتمد على قوة حقيقة واحدة فقط. بل بالحري على الوزن المتراكم لعدة حقائق مع بعضهل التى تُرجَح كفة الميزان نحو النتيجة. وبالنسبة لمورلاند نجد أن النتيجة واضحة ثم قال مورلاند أُنظر، لو أراد شخص أن يدرس هذه الدلة الظرفية ووصل إلى الحكم بإن يسوع لم يقم من الأموات، فمن العدل تقديم تفسير بديل يكون معقولاً لكل من هذه الحقائق تذكر، ليس هناك شك أن هذه الحقائق صادقة، والمشكلة هي كيف تفسيرها. وأنا آجد تفسيراً أحسن من القيامة أما أنا، فقد آعدت شريط الأدلة الظرفية في ذهني إستعداد التلاميذ للموت في سبيل ما عرفوه بالتجربة، وحياة المتشككين التي حدث فيها إنقلاب مثل يعقوب وبولس؛ والتغيرات الجذرية في العادات الإجتماعية التي ظل اليهود متعلقين بها على مر القرون والظهور المفاجئ لأسرار التناول والمعمودية، والظهور ثم النمو المذهل للكنيسة فبعد حصولي على كل هذه الحقائق التي لاخلاف عليها، إضطررت على موافقة مورلاند بأن القيامة، والقيامة وحدها هي التي تجعل هذه الحقائق كلها معقولة. لا يوجد تفسير آخر يجاريها. وهذه هى الدلة الغير مباشرة فقط. فلو أضفت إليها البرهان الفعّال لقبر يسوع الفارغ، والأدلة المقنعة الخاصة بظهورات يسو
ع بعد القيامة، تعتبر القضية منتهية. كان هذا أيضاً هو تقييم ليونيل لوكهو، المحامي الذكي البارع الذي حصل على 245حكم براءة متالية ومذهلة من جرائم قتل مما أكسبته بموسوعة جينيس للأرقام القياسية العالمية كأفضل محامي ناجح في العالم(4) ومنحته الملكة إليزابيث لقب فارس مرتين، هذا القاضي والدبلوماسي السابق، أخضع الحقائق التاريخية عن القيامة للتحليل الدقيق لعدة سنوات قبل أن يعلن لكن إنتظر هناك المزيد.

إتخاذ الخطوة الناهئية

بعد أن إنتهيت محادثتنا-بدأت أنا مورلاند نتمازج حول كرة القدم بينما فصلت جهاز التسجيل وبدأت ألملم مذكراتي. ومع إني كنت في عجلة من أمري لك] ألحق برحلة الطائرة للعودة إلى شيكاغو، قال لى شيئا دفعني للتمهل

ثم قال ملاحظاً فراجعت مقابلتنا في ذهني ثم قلت له فقال إنه اللقاء المستمر مع المسيح المُقام والذي يحدث في جميع أنحاء العالم، وفي كل الثقافات، مع أشخاص من جميع أنواع الخلفيات والشخصيات، من المتعلمين جيداً وغير المتعلمين الأغنياء والفقراء المفكرين ومحبي الاستطلاع من الرجال والنساء. جميعهم سيشهدون بأنه أكثر من أي شئ آخر في حياتهم أن يسوع المسيح قد غيرهم وإنحنى مورلاند للأمام ليؤكد كلامه  فقلت له   فقال مورلاند في سنة 1968 م كنت كميائياً متشككاً حيث كنت أعمل في جامعة ميسورى  عندما وآجهتني حقيقة انني لو فحصت إدعاءات يسوع المسيح بطريقة إنتقادية لكن بعقلية متفتفحة لوجدت أكثر من دليل كافي لتصديقها لذا، إتخذت خطوة الإيمان في نفس إتجاه الذي يشير إليه الدليل، بإستقبال يسوع كغفار ذنوبي وقائدي، وبدأت أقص عليه- للمسيح الذي قام- بطريقة واقعية ومتطورة  وفي خلال ثلاثين عاماً مئلت الإجابات والإستجابات الدقيقة لصلواتي ولقد وجدت أشياء لا يمكن تفسيرها ببساطة بالتفسيرات ببساطة بالتفسيرات الطبيعية، وقد شعرت أن حياتي تغيرت بطريقة أكثر مما كنت أتخيل ولكني إعترضت وقلت له أن الناس يحدث لحياتهم تغيير في الديانات الأخرى التي معتقداتهم تتناقض مع المسيحية فسألته أليس من الخطير أن تبنى قراراتك على تجارب شخصية؟ فقال دعني أوضح لك شيئين : أولاً، أنا لا اقول لك أن تثق في تجارك فقط، لكني أقول إستخدم عقلك بهدوء وقدّر، وزن الأدلة، ثم دع التجربة تكون دليلاً مؤكداً ثانايا لذا كان هذا الدليل يشير إلى شئ صادق، أي فإن الدليل نفسه يحتاج إلى إختبار عن طريق التجربة  فقلت له حدد كلامك فقال الإختبار عن طريق التجربة يكون كالآتي إنه مازال حياً ويمكني أن أكتشف ذلك بأن أحكي له لو كنت واحداً من المحلفين وسمعت أدلة كافية تقنعك بأن شخصاً يعتبر مذنباً، فليس من العقول أن توقف الخطوة الهائية لإدانته وبالنسبة للناس أن يقبلوا دليل قيامة يسوع، ولا يتخذ الخطوة النهائية بإختباره عن طريق التجربة فسيفوتهم معرفة إلى أين يشير الدليل في النهاية فقلت له إذن لو أن الدليل بقوة إلى هذا الإتجاه، فإنه من المعقول والمنطقي أن يتتبعوه إلى عالم التجربة فأومأ برأسه موافقاً ثم قال هذا صحيح تمامً فهو التأكيد النهائي للدليل في الواقع إني أقول هذا إن الأدلة تصرخ لتطالب بالإختبار عن طرق التجربة    

 مشاورات

  1. كان التلاميذ في موقف فريد يمكنهم معرفة مؤكدة إن كان يسوع قد قام من الأموات، وكانوا مستعدين للموت في سبيل إعتقادهم أنه قام هل تستطيع أن تفكر أي شخص في التاريخ- بمعرفته وبإرادته- مات من أجل أكذوبة؟ ماهي درجة التأكد التي تحتاجها قبل أن تكون مستعداً لأن تضحي بحياتك من أجل عقيدة تؤمن بها؟ وإلى أي حد من الدقة تود أن تبحث في مسألة لو كنت ستبني حياتك عليها؟
  2. ماهي أعز معتقداتك؟ وما الذي يجعلك تتخلي عن هذه الآراء العزيزة او تعيد التفكير فيها خاصة لو كنت تعتقد بصدق أنك تجازف بحلول اللعنة على روحك لو كنت مخطئاً؟ كيف تشير إجابتك عن الحقيقة التاريخية بأن آلاف من اليهود قد تخلوا فجأة عن خمسة عادات إجتماعية ودينية كبري بعد صلب يسوع بقليل؟
  3. بخلاف قيامة يسوع، هل تستطيع أن تفكر في أي تفسير يستطيع أن يعلل جميع الخمسة أصناف من الأدلة التي ناقشها مورلاند في نفس الوقت؟ كيف تظن أن شخصاً مثله سيرد على إفتراضك
  4. مورلاند أنهى حديثه بالتحدث عن الإختبار المبني على التجربة؟ ما الذي يجب قبل أن تكون مستعداً لإتخاذ هذه الخطوة بنفسك؟

لمزيد من الأدلة – مصادر أخرى حول هذا الموضوع

 Green Micael. Christ Is Risen :So What? KentEngland: Sovereign World1995

McDowell. Josh.The Resurrection Factor. 105-20 San Bernardino.Calif: Here(**) Life. 1981

Moreland; J. P. Scaling the Secular City. Grand Rapids:  Baker. 1987

Moule. C. F. D. ThePhenomenon of the New Testa- ment. London: Scm press.1967

  1. 1. Black Black’s Law dictionary, 221.
  2. See Josh McDowell, More Than a carpenter (Wheaton, 111: Living Books, 1977), 60-71.
  3. C .F
    .D. Module, The phenomenon of the New Testament (London: SCM press, 1967) .3.
  4. Donald McFarlan, ed The Guinness Book of world Record (New York: Bantam, 1991), 547.
  5. Clifford, The case for the empty Tomb, 112.

قراءة في كتاب "القضية الخالق" | لي ستروبل

قراءة في كتاب “القضية الخالق”

الجزء الأول ” صور التطور “

 

لفترة طويلة تمنيت أن اقرأ كتاب “القضية الخالق” للمحقق الصحفي وأيضا الملحد السابق لي ستروبل, فانا قرأت أجزاء واقتباسات في النسخة الانجليزية وأعجبت بطريقته الحوارية وأسائلته التي يود الكثير منا الاستفسار والبحث عنها , وأيضا تكلم شخصيا عن الأسباب العلمية التي عززت إلحاده والتي وضعها تحت الاستجواب في كتابه “القضية الخالق”.

يتكلم في بداية كتابه عن تغطيته لأحداث في غرب فيرجينيا بسبب استياء وتذمر من أولياء أمور الطلاب هناك بسبب بعض الكتب التي قالوا عنها أنها جعلوا الله نظرية تحتمل الصواب والخطأ وأنها تعلم أطفالهم عدم محبة الله . ويذكر في النهاية أنه عرف بالبديهة ما صرح به عالم الأحياء التطوري والمؤرخ الشهير ويليام بروفاين من جامعة كورنيل في إحدى المناظرات .قال ” إن كانت الداروينية حقيقة ,فهناك خمسة نتائج لا يمكن الهروب منها : 1- لا يوجد دليل على وجود الله . 2- لا توجد حياة بعد الموت . 3- لا يوجد معيار مطلق للصواب والخطأ . 4-لا يوجد معنى نهائي للحياة . 5- ليس للناس إرادة حرة حقا .

بعد ذلك يتذكر فترة المدرسة الثانوية والموضوعات العلمية المتعلقة بفصول الأحياء والتي كانت له دور في التفكير في أن كل ماهو علمي هو جيد وعقلاني وماهو غير علمي هو شئ عتيق ولا يستحق إيمان من يفكرون.وفي مدارس الأحد كانت أسئلته الكثيرة “لماذا؟” لاتلقى قبول وترحيب بينما باقي التلاميذ الآخرين يقبلون الحقائق الكتابية بشكل أوتوماتيكي . وكانت أسئلته تقاوم بالصد وبدلا من الإجابة على أسئلته كانوا يطالبونه بقراءة وحفظ الآيات وأقوال اللاهوتيين . وأصبح اهتمامه بعيد عن الإيمان والروحيات واعتبرها أمور ساذجة ولكن أصبح اهتمامه منصب في العلم وحقائقه الأكيدة . ويتذكر مقولة ليوجين سكوت “لايمكنك أن تضع إله كلي القدرة في أنبوبة اختبار , فإن لم يكن هناك دليل علمي أو عقلي للإيمان بمثل هذا الوجود . فلايهمني الأمر ” .

ويلخص الصور “العلمية”  التي انطبعت في ذاكرته والتي عززت فيه فكرة “عدم وجود الله أو عدم الحاجة لوجود الله”  وهي كالتالي :

  • تجربة ستانلي ميلر : يتذكر شكل القوارير والأنابيب والأقطاب الكهربائية التي شكلت جهاز ستانلي ليقوم بتجربة غير عادية وهي إنتاج القوالب البانية للحياة بطريقة صناعية وتمكن من إنتاج مادة لزجة حمراء تحتوي على أحماض امينية . وبهذا لاحاجة لنا إله إذ كانت الكائنات الحية بإمكانها أن تخرج من تلقاء نفسها من حساء بدائي .
  • شجرة داروين : في قرأتنا لكتاب أصل الأنواع لتشارلز داروين سوف نجد تفسيره لوجود الكائنات وعبر عنها من خلال شجرة أصلها نموذج أصلي مجهول عاش في الماضي البعيد “الشربة العضوية”. وكان صديقنا ستروبل مفتونا بتأكيد التطور الكبير وهو أن الاختيار الطبيعي الذي يعمل في تنوع عشوائي يمكنه أن يوضح كيف أن الخلايا البدائية قد تحولت خلال فترات زمنية كبيرة جدا إلى كل أنواع الكائنات , بما فيها البشر وبمعنى آخر , تحولت الأسماك إلى البرمائيات ,ثم تحولت البرمائيات إلى زواحف , والزواحف إلى طيور وثديات , والبشر لهم نفس السلف المشترك للقرود . وبينما أن ميلر نادى بأن الحياة ربما تكونت تلقائيا في المحيطات الكيميائية للأرض القديمة ,ونظرية داروين تفسر كيف أن ملايين الكائنات تطورت ببطء والتدريج على مدى ملايين السنين .
  • رسومات الأجنة لارنست هايكل : قدم عالم الأحياء الألماني أرنست هايكل _ الذي يمكن أن تجد رسوماته للأجنة في كل الكتب التي تتكلم عن التطور تقريبا _ دليلا قويا على أن كل أنواع الحياة لها نفس السلف , حيث وضع صور لأجنة لسمكة وسلمندر وسلحفاة وكتكوت وخنزير وعجل وأرنب وإنسان بجانب بعضها البعض وكان من الواضح أن جميع الأجنة في مرحلتها الأولية متشابهة بصورة كبيرة وحتى لايمكنك تمييز الأجنة عن بعضها . وقد عبر عن اندهاشه عن ذلك حيث أنها سوف تتمايز بشكل مختلف جدا في نموها ويقول بان الجنين الإنساني من الممكن أن يكون أي من هذه المخلوقات الأخرى . وداروين كان على صواب عندما قال “علينا أن نعترف بصراحة بالسلف الكوني المشترك .
  • الحلقة المفقودة “تطور الزواحف إلى طيور” : أنها أشهر حفرية في العالم وتسمى الطائر الأول “أركيوبتركس” وهو مخلوق يرجع تاريخه إلى 150 مليون سنة . هذا المخلوق له أجنحة وريش وعظم الترقوة التي للطيور ,ولكن لديه ذيل كذيل السحلية ومخالب في أجنحته واعتبروه الحلقة المفقودة بين الزواحف والطيور . وبهذه الحفرية تتأكد صورة داروين للتطور فها نحن نرى نصف طائر ونصف زاحف , وبهذا يكون علم الباليونتولوجي “علم الأحياء القديمة أو علم المتحجرات” قد دعم نظرية داروين .

 

من خلال الصور السابقة أصبح ستروبل مقتنعا تماما بأن داروين قد أستبعد أية حاجة لله ويقول أنه لم يعد يذكر عدد المتشككين الروحيين الذين قالوا له أن شكوكهم قد زرعت في المرحلة الثانوية أو الجامعية عندما درسوا الداروينية ويذكر قول ريتشارد دوكنز “كلما أزداد فهمك لأهمية التطور , كلما ابتعدت عن اللاأدرية واتجهت نحو الإلحاد ” .

 ومع ذلك فانه يذكر بعض الأمثلة لعلماء مؤمنين ومقتنعين جدا بنظرية التطور الداروينية ” macroevolution”  ,ولكنه يقول أنه لم يستطع أن يفهم كيف أن الداروينية التي تعلمتها تركت أي دور ذو معنى لله .حيث أن عملية التطور غير موجهة وكان هذا يستبعد أوتوماتيكيا أي إله فوق الطبيعة يشد الخيوط خلف الستار .

بعد ذلك يعرض لي ستروبل آراء العلماء والمفكرين عن التطور فمنهم من يوضح أن لا حاجة لوجود الله حيث أن التطور فسر وجود الكائنات  والبعض قال انه من الممكن أن الله استخدم التطور في عملية الخلق ومنهم من قال أن الله عمل من خلال قوانين الطبيعة لدرجة جعل عملها لايمكن اكتشافه ولكن المسيحيون يقولون أن الله ليس إله محتجبا وانه تدخل بقوة في العالم “لان منذ خلق العالم ترى أموره غير المنظورة وقدرته السرمدية ولاهوته مدركة بالمصنوعات حتى أنهم بلا عزر” ويذكر أراء ناقدي الداروينية ومنهم أستاذ القانون فيليب جونسون ,مؤلف الكتاب ذائع الصيت لنقد الداروينية “محاكمة داروين” فهو يقول ” الهدف كله من الداروينية هو إظهار أنه لاحاجة إلى خالق يسمو فوق الطبيعة لان الطبيعة يمكنها أن تقوم بعملية الخلق من تلقاء نفسها ” ويتفق معه العالم البيولوجي التطوري أرنست مير فيقول “الجوهر الحقيقي للداروينية هي الاختيار الطبيعي الذي يسمح بتفسير التكيف بالوسائل الطبيعية بدلا من التدخل الإلهي” وأيضا تطوري بارز آخر وهو فرانسيس آيالا ,رسم قسا دومينيكيا  قبل عمله بالعلوم ومع ذلك رفض في لقاء أخير له ما إذا كان لايزال يؤمن بالله وقال “كان أعظم انجاز لداروين وانه أوضح بان الكائنات الحية يمكن تفسيرها بصفتها نتيجة عملية طبيعية واختيار طبيعي ,دون أدنى حاجة للجوء إلى الخالق أو عامل خارجي آخر .

عندما سأل أحد المحامين بروفاين ما إذا كان هناك “وضع تطوري مسيحي أمين من الناحية المعرفية أم علينا ببساطة أن نترك عقولنا على أبواب الكنائس ” فكانت الإجابة بصراحة “عليك حقا أن تترك عقلك” .

وكان في رأي لي ستروبل بان داروين قضى على الله وبهذا كان اتجاهه للإلحاد على الرغم من انه يقول “لم أكن على أاستعداد لفحص بعض التضمينات المحبطة لفلسفتي الجديدة . تجاهلت بارتياح الصورة المؤلمة التي رسمها الفيلسوف الملحد برتراند راسل ,الذي كتب أن العلم قدم لنا عالما “بلا هدف” و “خالي من المعنى” .

يقول لي ستروبل انه بسبب خلفيته القانونية والصحفية لم يتوقف على توجيه الأسئلة ,وأيضا بسبب إيمان زوجته وقرارها انها سوف تتبع يسوع المسيح فجعله يستمر في طرح الأسئلة فيقول هل من المقدر أن يظلا  العلم و الإيمان في حرب دائمة هل كنت على صواب في تفكيري بان الإنسان ذي تفكير العلمي يجب أن يتجنب المعتقدات الدينية أم أن هناك  أساس طريقة مختلفة لرؤية العلاقة بين ماهو روحي وماهو علمي؟ , هل الأدلة العلمية الجديدة تؤيد أم تعارض وجود الله؟,هل مازالت صور التطور التي دفعتني للإلحاد صالحة في ضوء الاكتشافات العلمية الحديثة؟ ,إلى أين يشير سهم العلم “إلى الله أو إلى داروين” ؟

 

في الجزء الثاني من القراءة في الكتاب سوف نجد أن ستروبل اهتم بتوجيه أهم الأسئلة العلمية الخاصة بالصور السابقة لعلماء متخصصين وسوف نكتشف حقائق كانت غائبة أو مغطاة كشف عنها ستروبل النقاب .

كتاب القضية الخالق لي ستروبل، صحفي يتحرى البرهان العلمي الذي يؤيد الله

كتاب القضية الخالق لي ستروبل، صحفي يتحرى البرهان العلمي الذي يؤيد الله

كتاب القضية الخالق لي ستروبل، صحفي يتحرى البرهان العلمي الذي يؤيد الله

 

كتاب القضية الخالق لي ستروبل، صحفي يتحرى البرهان العلمي الذي يؤيد الله

محتوى الكتاب

العلماء ذوي الملابس البيضاء ضد الوعاظ ذوي الملابس السوداء

شكوك حول الداروينيّة

حيث يلتقي العلم بالإيمان

برهان علم الكونيات: البدء بإنفجار

برهان علم الفلك: الكوكب المتميز

برهان الكمياء الحيوية: تعقيد الآلات الجزينية

برهان المعلومات الحيوية: تحدي الـ DNA وأصل الحياة

برهان الوعي: لغز العقل

التجميع للقضية … الخالق

ملحق: ملخص كتاب “القضية .. المسيح”

مشاورات: أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

للتحميل اضغط هنا 

أسباب منطقية لوجود الله -حوار لي ستروبل مع وليم كريج

السبب الأول: الله يجعل من أصل الكون منطقياً God Makes Sense Of the Origin of The Universe
قال كريج: فلسفياً وعلمياً، يمكننى أن أؤمن أن الكون والزمان نفسه كانت له بداية فى نقطة معينة فى الماضى، ولكن بما أن شيئاً لا يمكنه أن يأتى من العدم، فلابد أن تكون هناك علة عليا خارج إطار المكان والزمان أظهرت الكون. فتسائلتُ: الكون ظهر بما سمى بما سُمى بالأنفجار العظيم؟
فقال: بالظبط كما قال ستفين هوكنغ: كل إنسان يؤمن الآن أن الكون  والزمان نفسه، كانت لهما بداية فى الأنفجار العظيم
[1] وهذا ما يشير إليه الدليل العلمى الساحق – إلى حدث يرجع تاريخه إلى 4 مليار سنة مضت تقريباً. والآن يثير هذا مشكلة رئيسية للمتشككين. يقول أنتونى كينى من جامعة أسكفورد: إن مؤيد نظرية الأنفجار العظيم، على الأقل لو كان ملحداً، لا بدَّ أن يؤمن أن ….
الكون قد جاء من العدم ومن خلال العدم[2]
فضحك كريج قائلاً: بالطبع شئ قادم من العدم لا يُشكَّل معنى!
(لى)، كانت تقتبس كلمات المتشكك الشهير ديفيد هيوم قليلاً فى لقاءاتنا. حسناً فقد قال: ولكن أسحموا لى أن أخبركم أننى لم أؤكد أبداً على أى أقتراح سخيف مثل أن أى شئ يمكنه أن ينشاً دون علة[3]
الملحدون يدركون هذا. فمثلاً قال أحد أشهر ملحدى الفلسفة المعاصرة-كاىنيلسن- ذات مرة: أفترض أنك سمعت فجأة ضجة عالية.. وسألتنى “ماذا سبَّب هذا الضحة؟”، فأجبتك: لاشئ، لقد حدثت فحسب. فلن تقبل منى هذا[4]
وهو على حق تماماً. ولكن فكر فى ذلك: لو كان لابد أن يكون هناك سبب لضجة بسيطة، ألا يكون من المعقول أيضاً أن يكون هناك سبب لأنفجار عظيم؟

 

كان هذا سؤال يبدو أنه لا يحتاج إجابة. فسألته: فكيف تلخص إذا هذه الحجة المبدئية؟
بينما جهز كل نقطة، بدأ كريج فى عدها على إصبعه: أولاً، كل شئ يبدأ أن يكون له عله. ثانياً، الكون بدأ أن يكون. وثالثاً: من هنا يكون الكون له علة. وهذا ما كتبه العالم الشهير سير أرثر أدينجتون: البداية يبدو أنها تقدم صعوبات لا تقهر ما لم نتفق أن ننظر إليها كأنها بصراحة فوق الطبيعة[5]
فقاطعته قائلاً: حسناً، هذا يشير إلى خالق، ولكن هل تقول لنا الكثير عنه؟
فأجابنى: نعم بالطبع. فنحن نعرف أن هذه العلة الفوق طبيعية لا بدَّ أن تكون كيان موجود بذاته، غير متغير أزلى، وغير مادى.
ما أسباب أستنتاجاتك؟
لا بدَّ أن يكون موجوداً بذاته لأننا نعرف أنه لا يمكن أن يوجد نُكوص مُطلق من العلل. ولا بدَّ أن يكون أزلياً ومن ثم غير متغير، على الأقل بدون الكون، لأنه كان خالق الزمان. وبالأضافة إلى ذلك لأنه أيضاً خلق المكان، فلابد أن يسمو فوق المكان، ومن هنا يصير غير مادى عن كونه مادى فى الطبيعة.
كان هناك سؤال واضح لا بدَّ من طرحه، فقلتُ: لو كان لا بدَّ على كل إنسان أن تكون لديه علة، فمن أو ماذا علل الله؟
فأجابنى كريج: مهلاً، فأنا لم أقل إن كل شئ لا بدَّ أن تكون له علة، فالمقدمة المنطقية تقول إن كل ما يبدأ أن يكون لا بدَّ أن تكون له علة. وبأسلوب أخر فإن “الوجود”، لا يمكنه أن يأتى من “عدم الوجود”، وحيث أن الله لم يبدأ أبداً أن يكون، فهو لا يتطلب علة.
فالله لم يأت أبداً إلى الوجود.
قلت له إن ذلك قد بدا بلا شك وكأنه يستثنى الله بشكل خاص.
فأجابنى: الملحدون بأنفسهم تعودوا أن يكونوا مكتفين تماماً بتقرير أن الكون أبدى قائم بذاته. والمشكلة أنهم لا يحملون فيما بعد هذا. الوضع بسبب الدليل الحديث أن الكون قد بدأ بالأنفجار العظيم. ومن هنا فهم لا يمكنهم الأعتراض شرعياً عندما أستخدم نفس الكلام حول الله – فالله أبدى قائم بذاته.

 

السبب الثانى: الله يجعل من تعقيد الكون منطقياً God Makes Sense of the Universe’s complexity
قال كريج: فى السنوات الخمس والثلاثية الأخيرة، ذهل العلماء لأكتشاف أن الأنفجار العظيم لم يكن حدثاً بدائياً فوضوياً، بل بالأحرى حدثاً مرتباً بشكل فائق الدقة حتى إنه تطلب قدراً هائلاً من المعلومات. فى الواقع، منذ لحظة استهلاله، كان على الكون أن يكون متحولاً تماماًfine tuned  إلى دقة غير مفهومة لوجود حياة كحياتنا نحن وهذا يشير بطريقة مؤكدة جداً إلى وجود مُصمم ذكى.
فأشرت قائلاً: إن مصطلح “متحولاً تماماً” مُصطلح ذاتى يمكنه أن يعنى كثيراً من الأشياء. فماذا تقصد به؟
فقال: لأضع الأمر هكذا: علمياً، من المحتمل جداً أن يوجد كون معارضاً للحياة أكثر من كون داعم للحياة. فالحياة تُقاس فى وضع حساس للغاية.
وكمثال، تلا كلمات هاوكنز، وقال كريج: “لقد حسب أنه لو كان معدل أتساع الكون بعد الأنفجار العظيم بثانية واحدة أقل حتى من جزء واحد من مائة ألف مليون مليون، لكان الكون قد أنهار الى كرة من نار”[6]
وباختصار تقدم كريج لذكر قائمة من بعض الإحصائيات الأخرى المذهلة للعقل لتدعيم أستنتاجه[7] ومنها:
-أستنتج الفيزيائى البريطانى ديفيز P.C.W.Davies أن شواذ الظروف المبدئية المناسبة لتكوين النجوم-وهى ضرورية للكواكب ومن ثم الحياة- وهى واحد متبوعة بألف مليار مليار صفراً [8]
– حسب ديفيز أيضاً أنه لو كانت شدة الجاذبية أو شدة القوة الضعيفة قد تغيرت بجزء واحد فقط من عشرة متبوعة بمائة صفر، لما كانت الحياة قد تطورت تماماً. [9]
-هناك حوالى خمسين من الثوابت والكميات -مثلاً كمية الطاقة المستخدمة فى الكون، فرق الكتلة بين البروتونات والنيوترونات، نسبة القوى الرئيسية فى الطبيعة، ونسبة المادة بالنسبة للمادة – لابدًّ أن تُقاس على درجة دقيقة حسابياً لإمكان وجود أية حياة.[10]

قال كريج: كل هذا يُدعم بأسهاب أستنتاج أن هناك ذكاء وراء الخلق. فى الحقيقة، فإن التفسيرات البديلة لا تضيف جديداً.
فمثلاً هناك نظرية أسمها “الضرورة الطبيعية” natural neccessity معناها وجود نظرية “كل شئ” theory of everything مجهولة تفسر نظام الكون. بأسلوب أخر، هناك شئ فى الطبيعة جعل من الضرورى ان تظهر الأشياء بهذا الشكل.
ومع ذلك فإن هذا المفهوم يتهاوى عندما تدرسه بعمق. أولاً، أى من يدَّعى أن الكون لا بدَّ أن يكون شامخاً بالحياة يُقدم زعماً جذرياً يتطلب الدليل القوى، لكن هذا البديل مجرد تأكيد. ثانياً، هناك أشكال أخرى للكون مختلفة عن أشكالنا نحن؛ فبالنسبة للكون لا بدَّ أنه كان مختلفاً. وثالثاً، حتى لو كانت قوانين الطبيعة ضرورية، فما زال عليك أن تكون لديك شروط مبدأية مُسلم بها فى البداية يُمكن أن تُجرى عليها هذا القوانين.
لكن هذا لم يكن البديل الممكن الوحيد. فسألته مُقاطِعاً لإثارة سيناريو مُختلف بدا أنه معقولاً على السطح: ماذا عن أحتمالية أن التحول التام للكون هو نتيجة الصدفة البحتة؟ فربما يكون الأمر كله مجرد حادثاً كونياً كبيراً -أى مثلً تدحرج هائلا للنرد!
فتنهد كريج قائلاً: “لى lee، سأقول لك هذا: إن الدقة رائعة تماماً، مثيرة للغاية حسابياً، لدرجة إنه من الحماقة الواضحة أن تفكر أن الامر كان حادث. وخاصة لأننا لا نتكلم عن الشواذ البسيطة فحسب، بل عما يدعوه واضعوا النظريات “الأحتمال المحدد، الذى يستثنى الصدفة خارج إطار الشك المعقول”.
لم أكن مستعداً لترك أختيار الصدفة، فتساءلت: وماذا لو كان هناك عدد غير مُحدود من الأكوان الاخرى الموجودة بعيداً عن كوننا؟ حينها ستكون الشواذ أن أحداً منهم ستكون له الشروط الصحيحة لتدعيم الحياة -وهذا هو الواحد الذى نجد فيه أنفسنا الآن.
كان كريج قد سمع هذه النظرية من قبل فقال: هذا تدعى فرضية العوالم الكثيرة.The Many Worlds Hypothesis لقد تحدث هاوكنغ عن هذا المفهوم. وهنا تكمن المشكلة: فهذه الأكوان النظرية الأخرى غير مُتاحة لنا؛ ومن ثم فليس هناك طريق ممكن لتقيدم أى دليل بصحة ذلك. إنها مُجرد مفهوم، فكرة، بلا دليل علمى. العالم واللاهوتى البريطانى اللامع جون بولكينجهورن دعا ذلك (علماً زائفاً) وتخميناً ميتافيزيقياً [11]

فكر فى هذا: لو كان هذا حقيقياً، لجعل السلوك العقلانى للحياة مُستحيلاً لأنك يمكنك أن تفسر أى شئ – مهما كان غير محتمل – بأفتراض رقم لا محدود من الأكوان الأخرى.
لم أكن أتبع يوماً ذاك الإتجاه من التفكير، فتسائلت: وماذا تقصد بذلك؟
مثلاً؟ لو كنت توزع الأوراق فى لعبة البوكر، وكلما وزعت لنفسك أربعة أسات، لا يمكن أن تتهم بالغش، مهما كانت عدم أحتمالية الموقف.
يمكنك فقط أن تشير إلى أنه فى مجموعة غير محدودة من الأكوان سيحدث أن كوناً كلما يوزع فيه إنسان الأوراق، فإنه يوزع لنفسه أربعة أسات ومن ثم – فيا لحظي! – فأنا أتمنى أن أكون فى ذاك الكون!
أنظر، هذه ميتافيزيقا خالصة. ليس هناك سبباً حقيقياً للإيمان بوجود مثل هذه العوامل المتوازنة. فحقيقة أن المتشككين عليهم أن يطلعوا بمثل هذا النظرية الغريبة هى أن التحول التام للكون يشير بقوة إلى مصمم ذكي – وأن بعض الناس سيفترضون أى شئ لتجنب الوصول لذلك الإستنتاج.
عرفت أن توازن الكون الدقيق بشكل مدهش هذا كان أحد العوامل الرئيسي التى قادت باتريك جلين – الذى تعلم فى هارفارد، والمدير المساعد، والباحث المقيم فى معهد جامعة جورج واشنطن لدراسات سياسة التواصل – لترك الإلحاد إلى المسيحية. ففى كتابه (الله: الدليل God:The Evidence ) يفند مثل تلك النظريات البدلية الأخرى كميكانيات الكم و “الأكوان الصغيرة” baby universesمقدماً هذا الأستنتاج:
إن البيانات الملموسة اليوم تشير بقوة فى إتجاه فرضية الله .. فأولئك الذين يرغبون معارضتها ليست لديهم نظرية قابلة للأختبار لتنظيمها، بل مجرد تخمينات عن اكون أخرى نابعة من الخيال العلمى المثمر .. والمثير للسخرية، فإن صورة الكون لنا من علم القرن العشرين الأكثر تقدماً أقرب فى الروح من الصورة المُقدمة فى سفر التكوين من أى شئ أخر قدمه لنا العلم منذ كوبرنيكوس[12].

السبب الثالث: الله يجعل القيم الأخلاقية الموضوعية منطقية.God Makes Sense of Objective Moral Values
لخص كريج نقطته التالية ببلاغة فى البداية: العامل الثالث الذى يشير إلى الله هو وجود القيم الأخلاقية الموضوعية فى الكون. لو كان الله غير موجود، فلا وجود إذاً للقيم الأخلاقية الموضوعية.
وقد أثار ذلك بالطبع سؤال ماذا يقصد بالقيم “الموضوعية”. كان كريج سريعاً لإضافة كلا من التعريف والتفسير.
شرح قائلاً: القيم الأخلاقية الموضوعية صالحة ومتماسكة بشكل مستقل سواء آمن بها أحد أو لا. مثلاً، أن تشير إلى الهولوكوست بأعتبارها خطأ موضوعياً هو ان تقول إنه كان من الخطأ حتى لو كان النازيون يعتقدون أنهم على حق. ويمكن أن يستمر الأمر خاطئاً حتى لو كان النازيون قد ربحوا الحرب العالمية الثانية، ونجحوا فى غسل عقول أو إبادة كل من كان يعارضهم. والآن، لو كان الله غير موجود، تكون القيم الأخلاقية موضوعية بهذه الطريقة. كُنت أهز رأسى، فتعجبت قائلاً: مهلاً، لو كنت تقول إن الملحد لا يمكن أن تكون لديه القيم الأخلاقية أو يحيا حياة أخلاقية أساساً، فأنا لدى مشكلة بخصوص ذلك.لدى صديق لا يؤمن بالله، وهو إنسان رقيق ومهتم ككثير من المسيحيين الذين أعرفهم.
لا، أنا لا أقول إن الإنسان لا بدَّ ان يؤمن بالله كى يحيا حياة اخلاقية. لكن السؤال هو: لو لم يكن الله موجوداً، فهل تكون القيم الأخلاقية الموضوعية موجودة؟ والإجابة هى: لا.
لماذا لا؟
لأنه إن لم يكن هناك الله، تكون القيم الأخلاقية مُجرد نتاج التطور البيولوجى الاجتماعى. وفى الحقيقة هذا ما يعتقده كثير من الملحدين. فطبقاً للفيلسوف مايكل روز: الأخلاقية هى توافق بيولوجى ليس أقل من أياد وأرجل وأسنان. والأخلاقية هى مجرد وسيلة للنجاة والتوالد. وأى معنى أعمق هو معنى وهمى[13]
وإن لم يكن هناك الله، تكون الأخلاقية مُجرد مسألة تذوق شخصى، قريبة من جمل مثل “القرنبيط مذاقه جيد” حسناً، فهو مذاقة جيد بالنسبة للبعض، ولكنه ردئ بالنسبة للأخر. ليس هناك أى حق موضوعة بخصوص ذلك، لكنه مسألة تذوق شخصية وللتعبير عن أن قتل الأطفال الأبرياء خطأ، يجب أن يكون مجرد تعبير عن الذوق قائلين: لا أحب قتل الأطفال الأبرياء.
مثل روز، والملحد برتراند رسل، لا أرى أى سبب يدعونى للتفكير أنه فى غياب الله، تكون الأخلاقيات التى وضعها الإنسان موضوعية. وعموماً، لو لم يكن الله موجوداً، فماذا سيكون الأمر المثير حول البشر؟ إنهم مجرد نتاجات ثانوية عرضية من الطبيعة تطورت مؤخراً على بقعة ضيقة من التراب المفقود فى مكان ما فى كون غبى، ومحكوم عليها بالفناء إلى الأبد فى فترة قصيرة نسبياً من الوقت.
من وجهة النظر الإلحادية، فإن بعض الأفعال، كالأغتصاب يمكنها ألا تكون مفيدة أجتماعياً، ومن ثم صارت ممنوعة فى مجرى التطور البشرى، ولكن هذا لا يبرهن أن الاغتصاب خطأ حقاً. ففى الحقيقة من المتصور أن الاغتصاب كان من الممكن ان يتطور كشئ ضرورى لبقاء الأنواع. وبهذا، بدون الله لا يوجد صواب وخطأ مُطلق يفرض نفسه على ضمائرنا.
ومع ذلك، فكلنا يعرف تماماً ان القيم الأخلاقية موجودة حقاً.فكل ما علينا لرؤية ذلك هو أن نسأل أنفسنا ببساطة: هل تعذيب طفل من أجل المتعة هو عمل محايد أخلاقياً حقاً؟ يقينى أنك ستقول ” لا؛ فهذا عمل غير محايد أخلاقياً، فمن الخطأ حقاً أن تفعل ذلك “. وسوف تقول ذلك فى إدراك كامل لنظرية تطور دارون وبقية ذلك.
هناك تفسير جيد لهذا، وهو خطاب لجمع تبرعات أرسله فى 1991 جون هيلى – المدير التنفيذى لمنظمة العفو الدولية – قال فيه: أكتب لكم اليوم لأننى اعتقد أنكم ستشاركونى إيمانى العميق ان هناك بالحقيقة بعض الحقائق الأخلاقية المطلقة. عندما يصل الامر الى التعذيب، إلى القتل الذى تعاقب عليه الحكومة إلى الاختفاءات، .. فهذه تعديات ضد كل منا.[14]
إن أفعالاً كالأغتصاب وسوء أستغلال الطفل ليست مجرد سلوكيات تحدث حتى لا تقبل اجتماعياً – لكنها رجاسات اخلاقية بصورة واضحة. فهى خاطئة موضوعياً. ومثل هذه الامور كالحب، والمساواة، والتضحية بالذات مميزة حقاً بمعنى موضوعى. ونحن جميعاً نعرف هذه الأمور بشكل عميق.
وحيث أن هذه القيم الأخلاقية الموضوعية لا يمكنها أن توجد بدون الله، وهى أصلاً موجودة دون جدال، يكون من المنطقى والبديهى أن الله موجود.

 

السبب الرابع: الله يجعل من القيامة منطقية God Makes Sense of the Resurrection

مع هذه النقطة، قال كريج إنه سيضبط جلسته قليلاً. قال: لقد كنا نقول إنه لو كانت لدينا أسباب مقنعة للإيمان بالله، يمكننا أن نؤمن بالمعجزات. كنت أقدم أسباباً تؤيد وجود الله. لكن المعجزات نفسها يمكنها أن تكون جزءاً من الراحة المتزايدة بالنسبة لله.
هذا حقيقي بالنسبة للقيامة، على سبيل المثال، فلو كان يسوع الناصرى قد عاد حقاً من الموت، تكون لدينا معجزة إلهية بين أيادينا، وبهذا يكون لدينا الدليل لوجود الله.

طلبت من كريج أن يلخص لماذا يؤمن بالبرهان التاريخى المؤدى لذلك الأستنتاج، وصممت قائلاً: ولكن لا تفترض أن العهد الجديد هو كلمة الله الموحى بها. فوافق أن تعتبر أجابته أن العهد الجديد مجرد مجموعة من وثائق القرن الأول اليونانية التى يمكن أخضاعها للتحليل كأية سجلات قديمة أخرى.
بدأ كريج: هناك على الأقل أربع حقائق على مصير يسوع مقبولة على نطاق واسع من قبل مؤرخي العهد الجديد من قطاع عريض.
الحقيقة الأولى هى أنه بعد صلب يسوع، دفنه يوسف الرامى فى مقبرة. هذا أمر مهم لأن معناه أن مكان القبر كان يعرفه اليهود والمسيحيون والرومان على حد سواء.
فسألته: ما دليل ذلك؟
دفن يسوع مُسجل فى البيانات القديمة جداً لدرجة أن بولس ذكره فى رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس[15]. وهذه المعلومات يمكن أن يرجع تاريخها إلى حوالى خمس سنوات بعد موت يسوع، لذلك لم تكن أسطورية. والأهم هو أن قصة الدفن جزء من مادة قديمة جداً أستخدمها مرقس فى كتابه انجيله، وقصته تفتقد علامات التطور الاسطوري. ليست هناك تتبعات لأية قصة دفن منافسة. والأهم هو أنه سيكون أمراً متعذر تفسيره لأى أنسان أن يُقرر قرار يوسف الرامى، حيث كان عضو فى السنهدريم الذى أدان يسوع.
الحقيقة الثانية هى أنه فى الاحد بعد الصليب، وُجد قبر يسوع فارغاً من قبل مجموعة من النساء التابعات. وهذا ما أكده تقرير بولس المُبكر الى الكورنثيين الذى يتضمن القبر الفارغ، وأكدته مادة مرقس الأصلية القديمة جداً. وهكذا يكون لدينا البرهان المستقبل المبكر.
ولدينا المزيد أيضاً. فعلى سبيل المثال، قصة القبر الفارغ تفتقر علامات الزخرفة الأسطورية، و أول أستجابة يهودية معروفة لإعلان قيامة يسوع تفترض مسبقاً أن قبره كان فارغاً. بالاضافة إلى ذلك، فإنه مُسجل أن النسوة قد أكتشفن القبر فارغاً. والآن، فإن شهادة النسوة قد أعتبرت غير موثوق بها تماماً لدرجة إنهن لم يكن يمكنهن الشهادة فى المحاكم اليهودية. والسبب الوحيد لتضمن التفاصيل المثيرة للغاية أن النسوة أكتشفن القبر الفارغ هو أن كُتاب الأناجيل كانوا يسجلون بأمانة ما حدث بالفعل.
الحقيقة الثالثة هى أنه فى مناسبات عدة وتحت ظروف متنوعة، اختبر افراد مختلفون ومجموعات من الناس ظهورات يسوع حياً من الموت. وهذا معترف به على نطاق كونى من قبل دارسى العهد الجديد لعدة أسباب.
فمثلاً قائمة شهود عيان قيامة يسوع التى اهداها بولس الى الكورنثيين تضمن أن مثل هذا الظهورات قد حدثت. ومع تقديم التاريخ المبكر للبيانات، وتعارف بولس الشخصى مع الأشخاص المشتركين، لا يمكن أعتبار ذلك أسطورياً.
وايضاً يقدم رواة الظهور فى الاناجيل براهيم متعددة مستقلة عن الظهورات. فحتى ناقد العهد الجديد المتشكك جيرد لودمان أستنتج قائلاً: “يمكن أن يكون من المؤكد تاريخياً أن بطرس والتلاميذ كانت لديهم أختبارات بعد موت يسوع ظهر لهم فيها يسوع كالمسيح القائم.” [16]
الحقيقة الرابعة هى ان التلاميذ الأصليين آمنوا فجأة وبإخلاص أن يسوع قد قام من الاموات رغم ميلهم السابق لعكس ذلك. لقد أعاقت المعتقدات اليهودية قيام أى أنسان من الاموات قبل القيامة العامة فى نهاية العالم. ومع ذلك، فإن التلاميذ الأصليين قد أمنوا فجأة وبمنتهى القوة ان الله قد اقام يسوع حتى صاروا مستعدين أن يموتوا دفاعاً عن هذا الإيمان. قال دارس العهد الجديد لوقا جونسون: “لا بدَّ من الاختبار التحولى القوى لانتاج ذلك النوع من الحركة التى كانت عليها المسيحية المبكرة” [17]

فقلت: حسناً إذاً، فى رأيك ماهو أفضل شرح لهذه الحقائق الأربع؟

فأجابنى: بصراحة، لا يوجد بالقطع تفسير طبيعة مناسب. فجميع النظريات القديمة مثل ” التلاميذ سرقوا الجسد ” أو ” يسوع لم يكن ميتاً حقاً “، قد رفضتها الثقافة الحديثة رفضاً عالمياً.
شخصياً، أعتقد أن أفضل شرح هو نفس الذى قدمه شهود العيان: ان الله قد اقام يسوع من الاموات. فى الواقع، هذه الفرضية تجتاز بسهولة ستة اختبارات يستخدمها المؤرخون لتحديد ماهو أفضل تفسير لأمر معين من الحقائق التاريخية. [18]

السبب الخامس: الله يمكنه أن يُختبر على الفور God Can Immediately Be Experienced

قال كريج إن هذه النقطة الأخيرة لم تكن بمثابة حُجة دامغة لوجود الله، بل بالأحرى الدليل الذى يمكنك أن تعرف به أن الله موجوداً تماماً بعيداً عن الحجج كونك تملك اختباراً فورياً عنه.
ويطلق الفلاسفة على ذلك ” إيمان أساسى خالص “.

نظر كريج إلىّ مباشرة وقال: لى، دعنى أشرح هذا المفهوم بسؤال: هل تؤمن بوجود العالم الخارجى؟

أدهشنى هذا السؤال، وفكرت فيه للحظات، ولم أستطع أن أخرج بسياق منطقى من الحجج التى يمكن أن تؤسس إجابة لا جدال فيه. فأعلنت قائلاً: لست متأكداً كيف أتيقن من ذلك.

فأجابنى: هذا صحيح. فإيمانك بحقيقة العالم الخارجى أساسى بدقة، فلا يمكنك أن تبرهن أن العالم الخارجى موجود. ورغم ذلك يمكنك أن تكون عقلاً فى وعاء يُعالَج بالأقطاب الكهربائية من قبل عالم مجنون حتى إنك تعتقد أنك ترى عالماً خارجياً، لكنك ستكون مجنوناً إن أعتقدت بذلك. وهكذا فإن الأعتقاد الاساسى الدقيق بالعالم الخارجى هو اعتقاد عقلانى تماماً. وبكلمات اخرى نقول إنه متأصل بصورة ملائمة فى اختبارنا.
وبنفس الطريقة، فى سياق خبرة فورية عن الله، يكون من العقلانية ان نؤمن بالله بأسلوب أساسى دقيق. وقد أجتزت مثل هذا الاختبار. فالله غزا حياتى بينما كنت فى السادسة عشرة من عمرى، ولمدة أكثر من 30 عاماً سلكت معه يوماً فيوماً، عاماً فعام، كحقيقة حية فى اختبارى.
فى غياب الحُجج القوية المؤيدة للإلحاد، يبدو لى إنه من العقلانية تماماً أن أستمر فى الإيمان بحقيقة هذا الاختبار: فهذه هى الطريقة التى عرف بها الناس الله أيام الكتاب المقدس. وهذا ما كتبه جون هيك: بالنسبة لهم، لم يكن الله افتراضاً يُكمل القياس المنطقى، أو فكرة يتبناها العقل، بل الحقيقة المُختبرة التى أعطت المعنى لحياتهم[19]

فقاطعته قائلاً: ولكن ماذا لو قال مُلحد نفس الشئ – أن لديه أيماناً أساسياً بدقة، بغياب الله؟ فأنت ههنا فى ورطة!.

فأجاب كريج: يقول الفيلسوف ويليام ألستون أنه فى تلك الحالة، يجب على المسيحى أن يفعل كل ما هو معقول للعثور على الخلفية العامة – كالحقائق المنطقية او التجريبية – لتوضح رؤية من هى الصحيحة بأسلوب مباشر[20]
وهذا ما حاولت أفعله فى هذه الحُجج الأربع الأخرى. فأنا أعرف أن الله موجود بطريقة أساسية ودقيقة، وقد حاولت أن أفصح أنه يوجد بالحقائق العامة للعلم والأخلاق والتاريخ والفلسفة. فبتجميعها معاً تُشكل برهاناً قوياً مؤيداً لله والمسيحية.

 

المرجع : القضية … الإيمان –لي ستروبل-ترجمة حنا يوسف-مكتبة دار الكلمة LOGOS(2007)-صـ94-106

 

[1]Penrose, S. H. (1996). The Nature of Space And Time. (princeton: N.J.:Princeton University Press.),20

 

[2]Kenny, A. (1969). The Five Ways :St. Thomas Aquinas’ Proofs of God’s Existence. (New York: Shocken Books .),66

 

 

[3]David Hume to John Stewart ,February,1754,in Letters of David Hume ,ed .J.Y.T.Greig (Oxford :Clarendon Press ,1932)Vol,1,187

[4]Kai Nielsen ,Reason and Practice (New York :Harper & Row,1971),48

[5]Arthur Eddington , The Expanding Universe (New York : Macmillan ,1933),124.

[6]Stephen W.Hawking ,A Brief History of Time (New York:Bantam Books,1988),123

[7]For a list of Examples, see :John Leslie ,Universes (London :Routledge,1989).

[8]P.C.W.Davies, Other Worlds (London : Dent,1980),160-61

[9]Ibid.,168-69

[10]For Example, see :P.C.W.Davies ,”The Anthropic Principle,” in Particle and Nuclear Physics 10 (1983),28,and Patrick Glynn ,God :The Evidence ,29-31

[11]John Polkinghorne, Serious Talk  :Science and Religion in Dialogue (London : Trinity Press International ,1995),6.

[12]Patrick Glynn ,God :The Evidence ,53-54,26

[13]Michael Ruse , “Evolutionary Theory and Christian Ethics”,in The Darwinian Paradigm (London :Routledge,1989),262,269.

[14]John Healy,fund-raising Letter ,1991

[15]1 كورنثوس 4:15 وما يوازيها.

[16]Gerd Ludemann, What Really Happened to Jesus? , Trans, John Bowden (Louisville, Ky.: Westminster John Knox Press, 1995), 8.

[17]Luke Timothy Johnson, the Real Jesus (San Francisco: Harper San Francisco, 1996), 136.

[18]For a list of these historical tests, see: C.Behan McCullagh, Justifying Historical Description (Cambridge: Cambridge University Press, 1984), 19.Too See how the Resurrection meets these criteria, see: William lane Craig, God, Are You There? , 46 -47

[19]John Hick, introduction, in the Existence of God, Ed. With and introduction by john Hick ,Problem of philosophy series (New York : Macmillan ,1964),13-14

[20]See : William Alston ,”Religious Diversity and Perceptual Knowledge of God ,”in Faith and Philosophy 5 (1988),433-48

 [gview file=”http://www.difa3iat.com/wp-content/uploads/2014/09/1القضية-الأيمان-لى-ستروبل-ص95-106.pdf”]

مُلخص كتاب القضية…المسيح


هل يمكن الوثوق بسير حياة يسوع ؟

ذات مرة اعتقدت أن الأناجيل كانت مجرد دعاية دينية , وأنها ملطخة بشكل ميئوس منه بتخيلات مثيرة ووحماسة تبشيرية .ولكن كريج بلومبيرج من معهد دينفر اللاهوتي –أحد أوائل المصادر الموثوق بها في الولايات المتحدة حول سير حياة يسوع- بنى حالة مقنعة للتأمل في شهادة شهود العيان وقبول العلامات المميزة التي لا  تخطئ من الدقة.إن هذه السجلات حول حياة يسوع مبكرة جداً لدرجة انه لا يمكن تفسيرها كاختراع تفسيري.قال بلومبيرج:

“خلال العامين الأولين بعد موت يسوع ,يبدو أن أعداداً مميزة من أتباعه قد صاغوا تعليماً عن الكفارة ,قانعين أنه قام من الموت جسدياً ,ورابطين بين يسوع والله , ومؤمنين أنهم وجودوا العون بالنسبة لكل هذه القناعات في العهد القديم ” تشير دراسة إلى أنه لم يكن هناك وقتٌ كافٍ بأي حال كي تنمو الأسطورة , وتمحو أساساً راسخاً من صميم الحق التاريخي.

 

هل سير حياة يسوع يمكنها أن تواجه الفحص ؟

أكد بلومبيرج بشكل مُقنع أن كُتّاب الأناجيل قصدوا الحفاظ على التاريخ الموثوق به, وقد كانوا قادرون على فعل ذلك , وكانوا أمناء ومستعدون لتضمين مادة صعبة للتفسير ,ولم يسمحوا للتحيز أن يلون تقاريرهم على نحو غير ملائم .إن التناغم بين الأناجيل حول الحقائق الجوهرية,الذي يصاحبه اختلاف في بعض التفاصيل الجانبية, يمنح التقارير المصداقية التاريخية .والأهم من هذا هو أن الكنيسة الأولى ما كان لها أن تتأصل وتنمو في أورشليم لو كانت تُعلّم الحقائق حول يسوع أن معاصريه كان من الممكن اكتشاف مبالغتهم أو زيفهم. وباختصار فإن الأناجيل كانت قادرة على اجتياز الاختبارات الدليلية الثمانية ,وهي توضّح مصداقيتها الرّئيسية كسجلات تاريخيّة.

 

هل حُفظت لنا سير حياة يسوع بشكل موثوق به؟

الباحث العالمي بروس ميتز[ج]ـر-أستاذ في معهد برنستون اللاهوتي-قال إنه مقارنة بالوثائق القديمة الأخرى , هناك عدد غير مسبوق من مخطوطات العهد الجديد التي يمكن أن تعود تاريخياً إلى توقيت الكتابات الأصلية بفترة قريبة.فالعهد الجديد الحالي خالي من الاختلافات النصية بنسبة 99,5%,بلا تعاليم رئيسية في الشك .فالمعايير التي استخدمتها الكنيسة الأولى لتحديد أي الكتب يجب اعتبارها ذات سلطان أكدت أننا نملك أفضل السجلات عن يسوع.

 

هل هناك براهين موثقة عن يسوع خارج سير حياته؟

قال إدوين ياموشي من جامعة ميامي –وهو خبير بارز في التاريخ القديم :”لدينا توثيق تاريخي عن يسوع أفضل مما لدينا عن مؤسس أي ديانة قديمة أخرى” فالمصادر من خارج الكتاب المقدس تؤيد أن كثيرين آمنوا أن يسوع أجرى معجزات شفاء ,وأنه كان المسيا ,وأنه صُلِب ,وأنه رغم موته المُخزي ,فإن اتباعه الذين آمنوا أنه كان لا يزال حيّاً قد عبدوه كالله. وثّق أحد الخبراء 39 مصدراً قديماً أكدت أكثر من مائة حقيقة حول حياة يسوع ,وتعاليمه وصلبه ,وقيامته .فهناك سبعة مصادر مدنية ,والعديد من القوانين المسيحية المبكرة تخص لاهوت المسيح ,وهو تعليم “حاضر تماماً في الكنيسة الأولى ” وفقاً للدكتور جاري هابرماس الذي كتب يسوع التاريخي.

 

هل علن الآثار يؤكد سير حياة يسوع أم يعارضها؟

جون ماكراي –أستاذ علم الآثار لأكثر من 15 عام , مؤلف كتاب “علم الآثار والعهد الجديد Archeology and the New Testament-قال إنه لا شك أن الاكتشافات الأثرية قد عززت مصداقية العهد الجديد.فلم يدحض اكتشاف واحد على الإطلاق إشارة تاريخية .والأهم أن علن الآثار قد برهن أن لوقا –الذي كتب حوالي ربع العهد الجديد- كان مؤرخاً مدققاً بشكل خاص .استنتج أحد الخبراء :”لو كان دقيقاً بصورة مثابرة تماماً في تقريره التاريخي [للتفاصيل الصغيرة],فعلى أي أساس منطقي يجب أن نفترض أنه كان ساذجاً وغير دقيق في تقريره عن الأمور الأكثر أهمية ,لا فقط بالنسبة له ,بل بالنسبة للآخرين أيضاً؟” وعلى سبيل المثال قيامة يسوع ,وهو الحدث الذي وثق تأكيده بأنه ابن الله الوحيد.

 

هل يسوع التاريخ هو نفسه يسوع الايمان ؟  

جريجوري بودي- باحث جامعة ييل ,والمتعلم في جامعة برينستون ,والذي كتب الكتاب الأشهر “الحكمة الساخرة أم ابن الله cynic sage or son of God”-عرض نقداً قوياً لسيمينار يسوع ,وهو مجموعة تتساءل ما إذا كان يسوع قد قال أو فعل معظم ماهو منسوب إليه .لقد عرّف السّيمينار ك “عدد صغير تماماً من الباحثين المتشددين الذين هم على الجانب الأقصى من تفكير العهد الجديد” لقد استبعد السيمينار إمكانية المعجزات في البداية , وطرح معايير مشكوك فيها , وأعلن بعض المشتركين وثائق محيرة ذات جودة قصوى مريبة . والأبعد من ذلك هو أن فكرة أن القصص عن يسوع قد خرجت من الأساطير تفشل في مواجهة الفحص .قال بويد :”إن برهان يسوع بأن ماقاله التلاميذ عنه ….هو أبعد ما يكون عن صحة تفكير سيمينار يسوع “,بالاختصار يسوع الإيمان هو نفسه يسوع التاريخ.

 

هل كان يسوع مُقتنعاً حقاً أنّهُ ابنُ الله؟

بالرّجوعِ إلى أكْثَرِ التّقاليْد المُبَكِرة ,الآمنة بلا شَكٍ مِنَ التّطورِ الأُسطوريّ,كانَ بن ويزنجتون الثّالث مُؤلّف كِتاب the Christology of Jesus,قادِرَاً أنْ يوضّحَ أنّ يَسوع كانَ لَديْهِ وَعيْ بالذّاتِ سامٍ وفائِق.وبِناءً على الدّليل قال ويزنجتون :”هل آمنَ يُسوع أنّهُ كانَ ابْنَ الله,مسيحُ اللهِ؟” والإجابَةُ نعم.هلْ رأَى نفْسَهُ باعتِبارهْ المسيّا الأخيْر؟ نعم ,هذهِ هيَ الطريقة التي رأَى بِها نُفْسَهُ ,هلْ آمنَ أنْ أيّ إنسانٍ أقلّ شأناً مِنَ الله يُمكنهُ خلاصَ العالَم؟ لا لُسْتُ أؤمن بِذلك” قالَ الباحثونَ إنّ اشارة يُسوعْ المُتكررة إلى نفْسِه باعتباره ابْنُ الإنسْانِ لمْ تأكيْداً على الناسوْت ,بلْ كانَت إشارةً إلى دانيال 13:7-14,حيْثُ يُرى ابْنُ الإنسانِ وهوَ لهُ السُّلطانٌ الكُليّ والمُلك الأبديّ , والذيْ يَقبَلُ عِبادةَ كلّ الأممِ. قالَ باحثٌ :”وهَكذا فإنْ تأكيْدَ أنّ يسوع ابنُ الإنسانِ هوَ تأكيدٌ على الألوهيّةِ”.

 

هل كان يسوعُ مجنوناً عندما أكدّ أنّهُ ابنُ الله؟

جاري كولنز- أُستاذُ عِلمِ النّفسِ لمدةِ 20 عاماً, ومؤلفُ 25 كتاباً متعلقاً بعلمِ النّفسِ – قالَ إنّ يسوعَ لم يُبيّن مشاعر غيرَ مُناسبة ,بل كانَ مُتصلاً بالواقع , وكانَ لامعاً ذاتَ أفكارٍ مدهِشة في الطّبيعة الإنسانية , وقد تمتع بعلاقات مُستمرة عميقة .واستنتج كولنز :”لا أرى علامات أن يسوع كان يُعاني من أي مرض عقلي معروف .”وبالإضافة إلى ذلك , فقد دعمَ يسوع تأكيده بأنه الله من خلال الأعمال الإعجازية للشفاء , والإظهارات المُدهِشة لِسُلطانه على الطّبيعة , والتّعليم الذي لا يُنافَس , والفهم الإلهي للبشر , وقيامته التي كانت الدّليل الجوهري على ألوهيته.

 

هل حققّ يسوعُ صفاتَ الله ؟

بينمَا التّجسدُ –الله يصيْرُ جَسَداً ,اللامحدود يصيرُ محدوداً –يوسّعُ خيالنا ,أشارَ اللاهوتيّ اللامع د.أ كارسون إلى أَنَّ هُناكَ الكثيْرَ من الأدلة أن يسوع قد أظهرَ خصائص الإلوهيّة .فبالرجوع إلى فيلبي 2 ,يؤمنُ كثيرٌ من اللاهوتيينَ قد أخلى نفْسَهُ طوعاً من الاستخدام الحُرّ لصفاتهِ الإلهية بينما تتبع مُهِمَتهُ لفداء البشر .ورغمَ ذلك, فإنّ العهد الجديد يؤكدُ بشكلٍ خاص أنّ يسوعَ قد امتلك أساساً كلّ مؤهلاتِ الإلوهيّة ,بما فيها كُليّة المعرفة ,وكلية الوجود ,وكلية القُدرة, والخلود ,والثّبات.

 

هل ضاهى يسوع-ويسوع وحده-شخصية المسيّا؟

قبل مئات السنوات من ميلادِ يسوعَ,تنبّأ الأنبيْاءُ بمجيء المسيّا ,أو الممسوح ,الذي سَيفديْ شعْبَ اللهِ.ونتيجةَ ذلِكَ ,فإن عشرات من نبوات العهدِ القديم هي بمثابةِ بصمةِ اصبع استطاعَ المسيّا الحقيقي وحدهُ أنْ يُناسِبها .وهذا أعطى اسرائيلَ طريقةً لاستبعادِ الدّجالينَ , وتصديق اعتمادات المسيّا الحقيقي .على خلافِ الشّواذ الفلكية –فرصة من تريليون ,تريليون, تريليون, تريليون, تريليون, تريليون, تريليون, تريليون, تريليون, تريليون, تريليون, تريليون, تريليون-فإنّ يسوع ,ويسع وحده عبر التّاريخ ,ضاهى بصمة الإصبع النبوية هذه .وهذا يؤكد شخصية يسوع لدرجة هائلة من اليقين .فالخبير الذي حاورته حول هذا الموضوع –لويس لابيديس- مثال إنسان نشأ في بيتٍ يهودي محافظ ,وآمن أنّ يسوع هو المسيا بعد دراسة منظمة للنبوّاتِ .أمّا اليوم فهو راعي كنيسة كاليفورنيا ,والرئيس السّابق لشبكة قومية من 15 تجمع مسياني.

 

هل كانَ موتُ يسوع أكذوبة وقيامتهُ خدعة ؟

بتحليلِ البياناتِ الطّبية والتّاريخية ,استنتج د.الكسندر ميزريل –وهو طبيب يحمل أيضاً الدكتوراه في الهندسة ,استنتج أن يسوع لم يستطع تحمّل الآم الصلب المُرعبة, والجُرح الغائر الذي طعنَ رئتيه وقلبه. في الواقع,حتى قبل الصلب ,كانَ يسوع في حالة حرجة يعاني من صدمة hypovolemic نتيجة الجلد المُرعب .إن فكرة أن يسوع قد تعرض للإغماء نوعاً ما على الصّليب ,وأنهُ قد ادّعى الموتَ ,تفقد أيّ أساس برهاني .فمنفذو الإعدامِ الرّوماني كانوا يتصفون بالشّراسة ,عالمين أنهم بأنفسهم سيواجهونَ الموتَ لو أنّ أيّاً من ضحاياهُم قد نزلَ من الصّليبِ حيّاً .وحتى لو أنّ يسوع قد عاشَ نوعاً ما أثناءَ العذابِ ,فإن حالتهُ المُرعِبة لم تكن تستطِع إطلاقاً أن تُوحي بحركة عالمية مبنية على أساسِ أن يسوع قد انتصر على القبر في مجد.

 

هل كانَ جسدُ يسوع غائباً حقاً عن قبرهِ؟

ويليام لين كريج الذي حصل على شهادتي دكتوراه ,وكتبَ كُتباً كثيرة حول القيامة ,قدّم الدّليل المُدهِش أنّ الرّمز الدائِم للقيامة-وهو قبرُ يسوع الفارِغ-كانَ حقيقة تاريخيّة.فالقبرُ الفارغ مُسجل أو مُتضمن في المصادِر المُبكرة-انجيل مُرقس ,والقانون 1كورنثوس 15 –التي تعود إلى فترة أقرب جداً من الحدث الذي لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن تكون قد كانت نتاجات الأسطورة. فحقيقة أن تقرير الأناجيل أن النّسوة قد اكتشفن القبر الفارغ تدعمُ أصالة القصة لأن شهادة النّسوة افتقدت المصداقية في القرن الأول , ومن هنا لم هناك دافع لتقرير أنهنّ وجدن القبر الفارغ لو لم يكن هذا حقيقياً .لقد كانَ قبر يسوع معروفاً بالنسبة للمسيحيين, واليهود ,والرّومان , ومن ثًمّ فقد كانَ من الممكن أن يتعرض للفحص من قبل المُتشككين .في الواقع ,لا أحد – و لا حتى السلطات الرّومانية ,أو القادة اليهود – أكد على الإطلاق أن القبر كانَ لا يزالُ يحوي جسد يسوع .وبدلاً من هذا , كانوا مُجبرين لاختلاقِ القصة السّخيفة بأن التلاميذ-رغمَ عدمَ توافرِ دافع أو قصة- قد سرقوا الجسد- وهي نظرية لا يؤمن بها حتى أكثرُ النّقادِ تشكيكاً.

 

هل رؤى يسوع حياً بعد موتهِ على الصليب ؟

إن بُرهانِ ظهوراتِ يسوع بعد القيامة لم تتطور تدريجياً عبر السنوات كما شوّهت الأسطورة ذكرياتَ حياتِه.بل بالأحرى فإن قيامتهِ كانت “الإعلان المركزي للكنيسة الأولى منذُ لحظةِ البداية .”كما قالَ خبيرُ القيامة اللامع جاري هابيرماس .إن القانون القديم 1 كورنثوس 15 يذكر أفراد معينيين لاقوا المسيحَ القائمَ .وقد تحدّى بولس مُتشككي القرنِ الأول للتحدثِ مع هؤلاء الأفرادِ شخصياً لتحديدِ حقيقةِ الأمر لأنفسهم . وسفرُ أعمالِ الرّسل منثورةٌ في ثناياهُ تأكيدات مُبكرة جداً عن قيامةِ يسوع ,بينما تصفُ الأناجيلُ لقاءات عديدةً بالتفصيل .استنتجَ اللاهوتي البريطاني مايكل جرين:”إن ظهورات يسوع موثقة تماماً كأيّ شيءٍ في الأصالة …ولا يمكن أن يكون هناك شك عقلاني بحدوثها .”

 

هل هناكَ أيّ حقائقَ مُدعمة تشيرُ إلى القيامةِ؟

قدمَ بروفيسور مورلاند برهاناً مُفصلاً أكد توثيقاً قوياً للقيامة . أولاً,كانَ التلاميذُ في وضعٍ فريدٍ لمعرفة ما إذا كانت القيامةِ قد حدثت , وقد ضحوا بحياتِهم لإعلانِ صدقها .لا أحد يموتُ طوعاً وعن معرفة من أجلِ أكذوبة .ثانياً ,بغضِ النّظرِ , ليسَ هناك سبب مُقنع يدفعُ مثلَ أولئكَ المُتشككين كبولس ويعقوبَ للإيمانِ والموتِ في سبيلِ إيمانهِم .ثالثاً , أثناء أسابيعِ الصّلب ,صارَ الآف اليهودُ مُقتنعين بأنّ يسوع قد كانَ ابن الله ,وبدأوا يتبعونهُ ,تاركينَ الممارساتِ الاجتماعية الرئيسية التي كانَ لها أهميّة دينية واجتماعية وقصوى لقرونٍ .لقد آمنوا أنهُم خاطروا بالإدانة لو كانوا على خطأ .رابعاً, فإن أسرار التّناولِ والمعمودية قد أكدت على قيامةِ يسوع وألوهيتهِ .خامساً, الانبثاق الإعجازي للكنيسة في مواجهة الاضطهاد الرّومانيّ الوحشيّ “يشقُ ثقباً عظيماً في التّاريخِ ,ثقباً بشكلِ وحجمِ القيامة “كما قال مول C.F.D Moule

 

القضية للإيمان -لي ستروبل – ترجمة حنا يوسف-ط1(2007) -صـ337-343

[gview file=”http://www.difa3iat.com/wp-content/uploads/2014/09/هل-يمكن-الوثوق-بسير-حياة-يسوع.pdf”]

Exit mobile version