ما المقصود بالأمة الغبية؟ القمص عبد المسيح بسيط – فريق اللاهوت الدفاعى

جاء فى ( تثنية 32 : 21 ) هُمْ أَغَارُونِي بِمَا لَيْسَ إِلهًا، أَغَاظُونِي بِأَبَاطِيلِهِمْ. فَأَنَا أُغِيرُهُمْ بِمَا لَيْسَ شَعْبًا، بِأُمَّةٍ غَبِيَّةٍ أُغِيظُهُمْ.

وقال هؤلاء الكتاب؛ أن الأمة الغبية المُشار إليها هنا هى أمة العرب التى أُرسل منها نبى المُسلمين حيث لا يُمكن أن تكون أمة اليونان التى أرسل أليها بولس وبقية رسل المسيح لأن أمة اليونان لم تكن غبية بل كانت أهل حكمة وعلم ، كما أن اليهود وبنى إسرائيل قد أغاظوا الله بالأباطيل وعبادة آلهة صنعوها لأنفسهم ومن هنا فإن الله قد أراد أن يكسر غرورهم هذا ويغيظهم كما أغاظوه، والله يعرف كيف تكون إغاظتهم مؤلمة فلم يكن من السهل على بنى إسرائيل أن يملُك عليهم ملك أجنبى ومن هنا كان ترتيب الله لإغاظتهم، بأن يجعل أمة مُحتقرة فى نظرهم، وبنى ليس منهم يملك عليهم. ومعروف عن بنى إسرائيل أنهم كانوا يميزون اليهود عن غيرهم تمييزاً كبيراً فكانوا يحتقرون كل الامم غير اليهودية، وحيث أن أمة العرب هى من تلك الامم التى يحقروها بنى اسرائيل، إضافة الى جهل العرب واميتهم تجعلهم هم المعنيين بقوله أُمَّةٍ غَبِيَّةٍ.
فعليه تكون هيمنة هذه الأمة الغبية من خلال يبعث الله منهم هذا النبى لكى يملك عليهم ويهيمن على مملكتهم، حتى يسبب لهم ذلك الغيظ والألم، فـ محمد هو النبى وقريس هى الأمة الغبية!
وفيما يلى هى أقوال كتّابهم:

1- قال الشيخ رحمه الهندى: المُراد بالشعب الجاهل هم العرب لأنهم كانوا فى غاية الجهل والظلام ولم يكن عندهم علم من العلوم وماكانوا يعرفون إلا عبادة الأوثان. وكانوا مُحتقرين فى نظر اليهود لكونهم من أولاد هاجر فالمقصود من الآية أن بنى إسرائيل أغارونى بعبادة المعبودات الباطلة فلذلك أغيرهم باصطفائى لقوم محتقرين وجاهلين عندهم. ولقد أوفى الله بما وعد وبعث من العرب النبى (ص) فهداهم. [1]

2- ويقوم د. السقا: لا يوجد فى الاسماؤ الخمسة المنسوبة الى موسى (ع) آية إشارة الى امة غبية محددة البلاد والاوصاف يمكن ان يعرف انها المراد بهذه النبوة. ولا يمكن أن يشتبه الا فى امة بنى اسماعيل ولا يمكن ان تكون الامة الغبية امة اليونان. [2]

3- وقال مؤلف كتاب يوحنا المعمدان ص105: العرب لم يكونوا شعباً منظماً منذ الازل وحتى رسالة محمد (ص) وكانت امتهم فى غاية الجهل والظلام.

ونتعجب من هذه الاقوال التى يصف بها هؤلاء الكتاب الامة العربية بالامة الغبية والجاهلة وان العرب “كانوا غاية الجهل والظلام” و “كانت امتهم فى غاية الجهل والظلام” و “أن جهل العرب واميتهم تجعلهم هم المعنيين بقوله أمة غبية” .. فهل هذا الكلام صحيح؟

ونجيب ونقول لهم أن هذا الكلام مُبالغ فيه لدرجة غير مقبولة بالمرة:
أولاً: لأن هذه النبوة لا تشير لا الى نبى ولا الى رسول بل الى ان الله سيغير الامة اليهودية بان يدعو لعبادته جميع الامم الاجنية من يونان ورومان وغرب ومصريين وبرابرة وسكيثيين وغيرهم، وينضمون للايمان المسيحى كقول المسيح: أن كثيرين سيأتوا من المشارق والمغارب ويتكئون مع ابراهيم واسحق ويعقوب فى ملكوت السماوات، واما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجية (متى8: 11-12). وكانت تلك الامم فى اعتبار الله امماً غبية وثنية: ليس يونانى يهودى ختان وغرلة بربرى وسكيثى عبد حر بل المسيح الكل وفى الكل (كو3: 11).

ثانياً: لم تقصد النبوة هنا الغباء بمعنى الجهل بالعلوم والثقافة وإنما الجهل الدينى!
(1) تقول النبوة “هم أغارونى بما ليس إلهاً” ، أى بعبادتهم للاصنام كما جاء فى نفس الاصحاح (ع16،17)، أغاروه بالاجانب واغاظوه بالارجاس. ذبحوا لأوثان ليست الله. لآلهه لم يعرفوها أحداث قد جاءت من قريب لم يرهبها آباؤكم.
(2) “أغاظونى بأباطيلهم” أى لأعمالهم الشريرة.
(3) “فأنا أغيرهم بما ليس شعباً” ، أى ليس شعب الله. (ولكن يكون عدد بنى اسرائيل كرمل البحر الذى لا يُكال ولا يعدّ ويكون عوضاً أن يقال لهم لستم شعبى يقال لهم أبناء الله الحى) (هوشع 1: 10)
(4) “بأمة غبية أغيظهم” ولا يُقصد هنا بالجهل بالعلوم أو الآداب أو الثقافة، إنما الجهل بمعرفة الله المعرفة الحقيقية (قال الجاهل فى قلبه ليس إله) “مزمور14: 1” ، والغباء الدينى كما قال الله لهم فى نفس الفصل (ع6) “أَلرب تكافئون بهذا يا شعباً غبياً!” وقال الرب يسوع المسيح لرؤساء الكهنة “يا أغبياء أليس الذى صنع الخارج صنع الداخل ايضاً” (لوقا11: 40). فالغباوة هنا المقصود بها عدم معرفة الله ووصاياة المعرفة الحقيقية. بل وقد وصف الله شعب إسرائيل بسبب خطيته بالأكثر غباوة من الحمار والثور “اسمعى ايتها السماوات واصغى ايتها الارض لان الرب يتكلم، ربيت بنين ونشأتهم، أما هم فعصوا علىّ. الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه. أما أسرائيل فلا يعرف. شعبى لا يفهم. ويل للأمة الخاطئة الشعب الثقيل الاثم نسل فاعلى الشر اولاد مفسدين. تركوا الرب واستهانوا بقدوس اسرائيل ارتدوا الى الوراء. (اشعياء 2: 1-4).
أى ان المقصود بالأمة الغبية هنا كل الشعوب البعيدة عن عبادة الله والتى تعبد الاوثان، كما يقول المرنم: شعب لم اعرفه يتعبد لى. من سماع الاذن يسمعون لى. بنو الغرباء يتذللون لى. بنو الغرباء يبلون ويزحفون من حصونهم (مز18: 43-44). يكتب هذا للدور الآخر وشعب سوف يُخلق يُسبح للرب (مز102: 18).
وقد استشهد بولس الرسول بهذه الآية دلالة على ان الله سيدعون للإيمان به الشعوب التى لم تكن به قبلاً: لكنى أقول ألعل أسرائيل لم يعلم. أولاً موسى يقول أنا اغيركم بما ليس أمة. بأمة غبية أغيظكم. ثم أشعياء يتجاسر ويقول وجدت من الذين لم يطلبونى وصرت ظاهراً للذين لم يسألوا عنى. أما من جهة إسرائيل فيقول طور النهار بسطت يدىّ الى شعب معاند ومقاوم. (رومية 10: 19-21). ويخاطب القديس بطرس المؤمنين بالمسيح قائلاً: واما انتم فجنس مختار وكهنوت ملوكى أمة مقدسة شعب اقتناء لكى تخبروا بفضائل الذى دعاكم من الظلمة الى نوره العجيب. الذين قبلاً لم تكونوا شعباً واما الان فانتم شعب الله. الذين كنتم غير مرحومين واما الان فمرحومون. (1بط 2: 9-10).
وقول القديس بولس: لذلك أذكروا أنكم أنتم الامم قبلاً فى الجسد المدعوين غرلة من المدعو ختاناً مصنوعاً باليد فى الجسم انكم كنتم فى ذلك الوقت بدون مسيح أجنبيين عن رعوية اسرائيل وغرباء عن عهود الموعد لا رجاء لكم وبلا اله فى العالم. ولكن الآن فى المسيح يسوع انتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح (افسس2: 11-13). وأيضاً : لأننا كنا نحن أيضاً قبلاً أغبياء غير طائعين ضالين مستعبدين لشهوات ولذّات مختلفة عائشين فى الخبث والحسد ممقوتين بعضنا بعضاً. ولكن حير ظهر لطف مخلصنا الله واحسانه لا باعمال فى بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلّصنا بغسل الميلاد الثانى وتجديد الروح القدس الذى سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلّصنا (تى3: 3-6).

مما سبق نرى ان المقصود بالامة الغبية هى الامم و أى شعوب غير يهودي، الذين كانوا يعبدون الاوثان ودعاهم المسيح. كما انه من المعروف تاريخياً ان الله أدّب بنى اسرائيل بأمة بابل واشور ثم بأمة سوريا الهلينية، ثم امة الرومان وبعد صلب الرب يسوع المسيح وحسب نبوة الرب يسوع المسيح دمر الرومان الامة والدولة والهيكل ولم يبق فيه حجر على حجر عام 70م. ولما جددوا الثورة 133م سحقوهم ومنعوا أورشليم عليهم وغيروا حتى اسمها فصارت إيلياء وصارت بلاد اليهودية مسيحية قبل الفتح الاسلامى الذى لم يفعل باليهود شيئاً فى فلسطين لانهم كانوا مشردين.

#اعتراض: ويعترض الدكتور احمد حجازى السقا قائلاً؛ أن بشارة المسيح كانت محصورة فى اليهود فقط بدليل قول الانجيل: هؤلاء الاثنا عشر ارسلهم يسوع واوصاهم قائلاً الى طريق امم لا تمضوا والى مدينة السامريين لا تدخلوا بل اذهبوا بالحرى الى خراف بيت اسرائيل الضالة (متى10: 6). [3]

ونقول لسيادته ان دعوة الرب يسوع فى جوهرها هى للعالم اجمع والخليقة كلها، ولكن من خلال اليهود، كما قال الرب يسوع المسيح نفسه: لأن الخلاص هو من اليهود (يوحنا 4: 22). 
فلما جاء الرب يسوع المسيح أعدوا تلاميذه، من اليهود، ليكرزوا لليهود، اصحاب العهود والمواعيد، “الذين هم اسرائيليون ولهم التبنى والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد ومنهم المسيح حسب الجسد” (رو9: 5-6). أولاً ثم لبقية الامم، ولكن على اساس جوهرى هو ان يكون الروح القدس قد حل عليهم حتى يتكلموا بما يقوله الروح على السنتهم وبافواههم “وها أنا أرسل اليكم موعد ابى. فأقيموا فى مدينة أورشليم الى ان تلبسوا قوة من الاعالى. (لوقا24: 49) وقبل صعوده إلى السماء مباشرة قال لهم: لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لى شهوداً فى اورشليم وفى كل اليهودية والسامرة والى اقصى الارض. (اع1: 8). وأيضاً قال: أذهبوا الى العالم اجمع واكرزوا بالانجيل للخليقة كلها (مرقس16: 15).
أما قبل حلول الروح القدس فلم يسمح لهم الا بالبشارة بين اليهود وفى اسرائيل فقط واوصاهم قائلاً : إلى طريق امم لا تمضوا والى مدينة السامريين لا تدخلوا بل اذهبوا بالحرى الى خراف بيت اسرائيل الضالة. (متى 10: 6). لكى يكون ذلك شهادة عليهم وعلى رفضهم له، كقول الكتاب: الى خاصته جاء وخاصته لم تقبله. واما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً ان يصيروا اولاد الله اى المؤمنون بأسمه. الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله. (يوحنا 1: 11-13)

ثالثاً: لم يكن العرب عند ظهور الاسلام بمثل هذا الغباء الدينى الذى وصفهم به هؤلاء الكتاب ولم يكونوا جميعهم يعبدون الاصنام بل كان الكثيرون منهم يعبدون الله مثل النصارى واليهود والحنفاء؛ فقد كان النصارى منتشرين بغرازة فى كل اطراف الجزيرة العربية كالعربية الغربية والجنوبية والشرقية وبلاد الشام والعراق واليمن ونجران وقبائل بهراء وغسان وسليج وتنوخ وقوم من كندة وكذلك يثرب ومكة، بل وكان فى مكة جالية كبيرة كثيرة العدد من العبيد عرفوا بالاحابيش وبين هؤلاء عدد كبير من النصارى. وقال اليعقوبى فى تاريخه: واما من تنصر من احياء العرب، فقوم من قريس من بنى اسد بن عبد العزى، منهم عثمان بن الحويرث بن اسد بن عبد العزى، وورقة بن نوفل بن اسد، ومن بنى تميم: بنو امرئ القيس بن زيد مناه، ومن ربيعة: بنو تغلب، ومن اليمن: طئ ومذحج وبهراء وسليح وتنوخ وغسان ولخم [4].
وكانت اليهودية ايضاً منتشرة فى الجزيرة العربية مثل يثرب (المدينة المنورة) واليمن واليمامة والعروض ومكة ووادى القرى وتيماء وخيبر والكثير من القرى ومواضع المياه والعيون.. الخ [5].
 كما كان هناك الكثير من الحنفاء او الاحناف الذين نعتوا بأنهم كانوا على دين ابراهيم ولم يكونوا يهوداً ولا نصارى، ولم يشركوا بربهم أحداً وسفهوا عبادة الاصنام، وسفهوا رأى القائلين بها، وحرموا الاضاحى التى تذبح لها وعدم أكل لحومها، وحرموا الربا، وحرموا شرب الخمر ووضعوا حداً لشاربها، وحرموا الزنا ووضعوا حد مرتكبيه، وقاموا بالاعتكاف فى غار حراء فى شعر رمضان، والاكثار من عمل البر وإطعام المساكين وكذلك قطع يد السارق، وتحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، والنهى عن وأد البنات وتحمل تكاليف تربيتهن، والصوم، والاختتان، والغسل من الجنابة، والايمان بالبعث والنشور والحساب وان من يعمل صالحاً يدخل الجنة ومن يعمل سوءاً فإلى السعير. أى أنهم آمنوا بالإله الواحد ودعوا الى عبادته وحده لا شريك له. [6].

وكانت الحنيفية هى المفضلة عند نبى المسلمين، قبل الاسلام، فقد نسب اليه قوله: لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكنى بعثت بالحنيفية السمحة [7]. بعثت بالحنيفية السمحة السهلة [8] و “أحب الاديان الى الله تعالى الحنيفية السمحة” [9]. وكما يقول د. جواد على: فقد وردت لفظة (حنيفاً) فى عشر مواضع من القرآن الكريم، ووردت لفظة (حنفاء) فى موضعين منه. [10].

وليس ذلك فقط بل لم يكن بقية العرب بعيدين ن الله فقد كانوا جميعهم يعبدون الله الواحد وان كانوا يضعون معه الاصنام كشفعاء ولكنهم آمنوا انها كانت ملك لله وتحت تصرفه، فهو وحده الخالق الذى لا شريك له، ومن ثم كانوا يقولون فى تلبيتهم: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، تملكه وما ملك” وكان تلبية كندة وحضروموت: “لبيك لا شريك لك، تملكه، أو تهلكه، انت حكيم فأتركه” وكان يحجون لله كقول الشاعر: نحج للرحمان عجباً مستتراً مضبباً محجباً [11] ويقول د. جواد على: والتلبية هى من الشعائر التى ابقاها الاسلام، غير انه غير صيغتها القديمة بما يتفق مع عقيدة التوحيد. فصارت على هذا النحو: “لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك بيك، إن الحمدلك والنعمة لك، والملك لا شريك لك” [12].
بل وكان هؤلاء العرب يعظمون البيت الحرام “الكعبة” والبلد الحرام، وكذلك الحج والعمرة، وكما يقول خليل عبد الكريم : وجاء الاسلام وورث من العرب [قبله] هذه الفريضة بذات المناسك ونفس التسميات ولكنه طهرها من مظاهر الشرك [13]. وكذلك تقديس شهر رمضان وتحريم الاشهر الحرم. وتعظيم ابراهيم واسماعيل، والاجتماع العام يوم الجمعة.. الخ.

فكيف يقولون بعد ذلك ان العرب كانوا يعيشون فى ظلام وجهل وهم الذين كانوا يعبدون الله سواء كيهود او مسيحيين او حنفاء او حتى كمشركين يقرون بالله الواحد خالق كل شئ فى السموات والارض وان كانوا قد اشركوا به اصنام اعتبروها ملك له وحده يبقيها او يهلكها فهو وحده الذى بيده أمر كل شئ!.

———————————————————-

[1] كتاب إظهار الحق “جـ2 ص208و209”

[2] نبوة محمد “ص57-59”

[3] تعليقه على هامش كتاب (كتاب هداية الحيارى) ص171

[4] تاريخ اليعقوبى جـ1: 7 .. و .. المفصل فى تاريخ العرب قبل الاسلام – دكتور جواد على جـ6 ص528-612

[5] المفصل ص511-522

[6] الجذور التريخية ص23-26

[7] مسند ابن حنبل جـ4: 116 و جـ6: 33

[8] اللسان جـ9: 56 وما بعدها

[9] مجمع البيان للطبرسى جـ1: 215 

[10] المفصل جـ6 ص450،451. أنظر على سبيل المثال: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( آل عمران 67 ) ، ” قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ “ ( آل عمران 95 )، ” إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( الانعام 79 )، ” قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( الانعام 161 )، ” وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (يونس 105)، ” حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ( الحج 31 ).

[11] اليعقوبى جـ 1: 225 وما بعدها

[12] صحيح البخارى، كتاب الحج، الحديث 31 وما بعده – المفصل جـ 6 : 379 وص 375-378

[13] الجذور التاريخية ص17

حتمية الألم والصليب (تدبير الفداء) – القمص عبد المسيح بسيط

يقول الرسول بولس بالوحى “ولكن لما جاء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من أمرأة مولوداً تحت الناموس. ليفتدى الذين تحت الناموس” (غلاطية4: 4). وقال أيضاً: “إلهنا العظيم ومخلصنا يسوع المسيح الذى بذل نفسه لأجلنا لكى يفدينا من كل إثم” (تيطس2: 13). وقال السيد المسيح نفسه: “هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغى أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات فى اليوم الثالث. و أن يكُرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم” (لوقا24: 46-47).
وهكذا أعلن بقية الرسل أن المسيح قد جاء ليخلص العالم ويفديه من الخطية وعقوبتها بتقيدم ذاته لكى يتألم ويصلب نيابة عن الخطاه، ثم يقوم فى اليوم الثالث ليقدم عربون الحياة الابدية للخليقة الجديدة المتطهرة بدمه (رو8: 1 | رؤ7: 14).
وهكذا عانى المسيح وذاق الألم وتجرع كأس الموت وقام من الاموات فى اليوم الثالث. ولم يمكن ما عاناه السيد المسيح من ألم وموت مجرد نهاية حياة أو استشهاد او وسيلة موت لإنسان كان يمكن ان يموت بغيرها او مجرد واحد من الانبياء قتله اليهود كما قتلوا العديدين غير من قبل، حاشا وكلا! ولا يمكن أيضاً أن يكون موت الإله المتجسد سواء بهذه الوسيلة (الصلب) أو بغيرها شئ مستحيل ولا يليق بالإله المتجسد فتحاول أن ننزهه عنه او ان نتخيل نجاته منه بطريقة أو بأخرى وذلك لأن السيد المسيح الذى حاول اليهود عدة مرات القضاء عليه ورجمه وخرج من بين أيديهم دون أن يمسوه لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد (لو4: 29-30 | يو8: 59) قال: “لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة” (يوحنا 12: 27). ساعة تقديم ذاته على الصليب وهو أيضاً القائل ( كان ينبغى أن المسيح يتألم ).
لقد كان هدف التجسد الأول هو الفداء بالألم والصليب. وهذا التجسد الذى تم فى ملء الزمان وبه تم الفداء بالألم والصليب كان مقرراً فى خطة الله من قبل تأسيس العالم، إذ رأت المشورة الإلهية إن الإنسان الذى سيُخلق سوف يخطئ ولا خلاص له من عقوبة الخطية إلا بالتجسد الإلهى وإحتمال الألم والموت نيابة عنه لأنه “معلومة عند الرب منذ الأزل جميع أعماله” (أع 15: 18) وهكذا عندما رآه يوحنا المعمدان فى بداية خدمته صرخ قائلاً: “هوذا حمل الله الذى يرفع خطية العالم” (يوحنا 1: 29).
والقديس بطرس يقول لرؤساء اليهود: هذا (يسوع المسيح) اخذتموه مُسلّماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدى آثمة صلبتموه وقتلتموه. (أع 2: 23). إنه يقول لهم على الرغم من أنكم قد صلبتم المسيح وقتلتموه بأيديكم الأثيمة إلا أنكم لم تفعلوا سوى ما قررته المشورة الإلهية التى حتمت هذا بحسب علم الله السابق. وهذا ما قاله السيد المسيح نفسه ليهوذا: إن إبن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه ولكن ويل لذلك الرجل الذى به يسلم ابن الإنسان. (متى 26: 24) وقال القديس بطرس الرسول: دم المسيح. معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم. (1بط1: 19-20).

1- التدبير الأزلى:
وقد أستخدم آباء الكنيسة منذ البدء تعبير (التدبير) للإشارة إلى خطة الفداء الأزلية بدم المسيح، وللإشارة إلى (تدبير الفداء) الأولى. و قد ورد تعبير التدبير مرتين فى الرسالة إلى أفسس: “تدبير ملء الأزمنة” (أف1: 10) “تدبير السر المكتوم” (أف3: 9).
وذلك للتعبير عن تدبير الله الأزلى للدفاء والخلاص الذى تم بآلام الميسح وسفك دمه وموته على الصليب. كما استخدم هذا التعبير القديس أغناطيوس الأنطاكى تلميذ بطرس الرسول: لأن إلهنا يسوع المسيح قد حبلت به مريم بحسب تدبير الله … ولد واعتمد ليطهر الماء بألامه.[1] التدبير الذى بدأت بالكلام عنه والخاص بالإنسان الجديد يسوع المسيح، القائم على الايمان به ومحبته وآلامه وقيامته. [2] 
قال القديس كيرلس الأسكندرى تعليقاً على قول السيد المسيح لتلاميذه: أنه ينبغى أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويُقتل وفى اليوم الثالث يقوم. فأخذه بطرس إليه وابتدأ ينتهره قائلاً: حاشاك يارب. لا يكون لك هذا. (متى16: 21-22). تذكرو كيف لم يحتمل بطرس نبؤة المسيح عندما سبق وأخبره بموته على الصليب… ولم يفهم التلميذ طريقة الله السرى فى التدبير. [3] وقال أيضاً: ولكنه بعد أن أكمل تدبير فدائنا واحتمل الموت على الصليب وقام حياً وأعلن أن طبيعته أسمى من الموت. [4].
وهذا التدبير هو ما أعلنه الكتاب بصورة شاملة فى قوله: الذى إذ كان فى صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون مساوياً لله لكنه أخلى نفسه أخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس وإذ وجد فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. (فى2: 6-8). وقوله أيضاً: فكم بالحرى يكون دم المسيح الذى بروح أذلى قدم نفسه لله بلا عيب….فإذ ذاك كان يجب أن يتألم مراراً كثيرة منذ تأسيس العالم ولكنه الآن قد أظهر مرة عند أنقضاء الدهور ليبطل الخطية بذبيحة نفسه. (عب9: 14و26).

2-حتمية الألم والخلاص:
إن ألم المسيح وموته حسب تعبير الكتاب (أمر محتوم) (أمر حتمى) (كان ينبغى) (كان يجب) كان محتوماً ومقرراً فى خطة الله الازلية للفداء (قبل تأسيس العالم) (معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم)
والسيد المسيح لم يخف هذه الحقيقة منذ بداية خدمته الجهارية عن تلاميذه، بل علم بها أمام اليهود مراراً، كما أعلنها الوحى الإلهى المقدس للسيدة العذراء مريم عند ختان المسيح فى طفولته فى قول سمعان الشيخ لها: وأنت أيضاً يجوز فى نفسك سيف. (لو2: 35).
ظل السيد المسيح يُعلن هذه الحقيقة التى لا مفر منها حوالى ثلاث سنوات وثلث مدة خدمته الجهارية على الأرض، كما عاد وأوضحها لهم تفصيلاً بعد القيامة.
وهذه أهم إعلانات السيد المسيح عن آلامه وموته على الصليب وقيامته:
(1) فى بداية خدمته وعند تطهيره للهيكل للمرة الأولى، طلب منه اليهود أن يعطيهم آية تبرهن على سلطانه وكانت آيته لهم: (انقضوا هذا الهيكل وفى ثلاثة أيام أقيمه) وكان هو يقصد ليس الهيكل الذى يصلى فيه اليهود إنما هيكل جسده. ولكن اليهود لم يفهموا مغزى قوله وحتى تلاميذه لم يفهموا ذلك إلا بعد قيامته من الاموات “فلما قام يسوع من الاموات تذكر تلاميذه أنه قال هذا فآمنوا بالكتاب والكلام الذى قاله يسوع” (يو2: 18-22).

(2) وعندما كان يعلم نيقوديموس عن حقيقة الولادة الجديدة وكيفيتها وسر الفداء، أعلن آلامه وبذله ذاته بالموت على الصليب لإتمام الفداء بصورة رمزية قائلاً: وكما رفع موسى الحية فى البرية هكذا ينبغى أن يرفع ابن الإنسان لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الابدية. لأنه هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الابدية. (يو3: 14-16 مع عدد 21: 8-9) ووجه الشبه بين الحية النحاسية وصلب المسيح (تعلقه على الصليب) هو أن الذين نظروا الى الحية النحاسية من الذين لدغتهم الحيات شفوا، والخطاة الذين ينظرون الى المسيح المصلوب ويؤمنون به تغفر لهم خطاياهم بجراحاته والامه ودمه ويشفوا من لدغة إبليس “الحية القديمة” (رؤ12: 9). لأنه هو سلامنا الذى جعل الاثنين واحد ونقض حائط السياج المتوسط اى العداوة مبطلاً بجسده ناموس الوصايا ويصالح الاثنين فى جسد واحد مع الله بالصليب قاتلاً العداوة به. (اف2: 14-16).

(3) بعد أن شفى المجنون الأعمى والأخرس، قال له الكتبة والفريسيون: يا معلم نريد أن نرى منك آية. فأجاب وقال لهم: جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له إلا آية يونان النبى. لأنه كما كان يونان فى بطن الحوت ثلاثة ايام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الانسان فى بطن الارض ثلاثة ايام وثلاث ليال. (متى 12: 38). أراد منه اليهود آية أو معجزة، ليبرهن بها على سطانه الإلهى. فكانت آيته لهم هى آلامه وموته ودفنه فى القبر ثلاثة ايام ثم قيامته من الموت فى اليوم الثالث. ولم تكن هذه آية لعصرهم فقط بل كانت آية لكل جيل وعصر.

(4) بعد أن أشبع خمسة الاف رجل ومن كان معهم من نساء وأطفال بخمسة أرغفة وسمكتين، أرادوا أن يجعلوه ملكاً، فقال لهم: (أنا هو خبز الحياة) (أنا هو الخبز الحى الذى نزل من السماء إن أكل أحد هذا الخبز يحيا إلى الابد. والخبز الذى أنا أعطى هو جسدى الذى أبذله من أجل حياة العالم) ثم أضاف (الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الانسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فىّ وأنا فيه) والإشارة واضحة فى أقواله هذه إلى آلامه وسفك دمه وتقديم جسده على الصليب.

(5) بعد أن أعلن بطرس الرسول، بالروح القدس، عن حقيقة لاهوت المسيح فى قيصرية فيلبس: أنت هو المسيح ابن الله الحى.(متى16:16). كان يتملك التلاميذ أعتقاداً بأن المسيح يبقى الى الابد ولن يموت كما كان يعتقد اليهود(*). يقول الكتاب: ومن ذلك الوقت ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه انه ينبغى ان يذهب الى اورشليم ويتألم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويُقتل وفى اليوم الثالث يقوم. ولما أرتاع بطرس من هذا الكلام الخطير قال منتهراً: حاشاك يارب. فقال له السيد المسيح (اذهب عنى يا شيطان، انت معثرة لى لانك لا تهتم بما لله بل بما للناس. (متى16: 21-23)

(6) بعد أن تجلى السيد على الجبل وكشف عن حقيقة لاهوته بصورة ملموسة، بصورة عملية مرئية، ظهر معه موسى وايليا يتكلمان معه وكان الحديث بينه وبينهما عن خروجه المقرر منذ الازل والعتيد ان يكمله بالالم على الصليب فى اورشليم. وفيما هو نازل أوصلى تلاميذه الثلاثة الذين شاهدوا التجلى -يوحنا ويعقوب ابنى زبدى وبطرس- قائلاً: لا تعلموا أحداً بما رأيتم حتى يقوم ابن الانسان من الاموات. (متى17: 19) .. ابن الانسان أيضاً سوف يتألم (متى17: 12).

(7) وأثناء تردده فى الجليل “كان يعلم تلاميذه ويقول لهم: ابن الانسان يسلم الى ايدى الناس فيقتلونه. وبعد ان يُقتل يقوم فى اليوم الثالث” (مرقس9: 30-32) .. وهذا يعنى ان تعليمه هذا كان متكرراً أثناء تردده فى الجيل.

(8) ولما “تقدم بعض الفريسيين قائلين له اخرج واذهب من ههنا لان هيرودس يريد ان يقتلك. فقال لهم امضوا وقولوا لهذا الثعلب ها انا اُخرج شياطين واشفى اليوم وغداً وفى اليوم الثالث أكمل. بل ينبغى أن اسير اليوم وغداً ومايليه لانه لا يمكن ان يهلك نبى خارجاً عن اورشليم” (لوقا13: 31-32) .. مُشيراً الى موته فى اورشليم.

(9) وبعد ان فتح عينى المولود اعمى وخلق له العينين من طين قال: أنا هو الراعى الصالح والراعى الصالح يبذل نفسه عن الخرافوانا اضع نفسى عن الخراف (يوحنا 10: 11-15) .. مشيراً بذلك الى تقديم ذاته على الصليب. ثم اشار الى حقيقة ان الموت على الصليب قد قبله هو بذاته ولم يُفرض عليه، غنما هو قبله بارادته حسب التدبير الازلى للفداء، فقال: لأنى اضع نفسى لآخذها أيضاً. ليس احد يأخذها منى بل اضعها انا من ذاتى. لى سلطان ان اضعها وسلطان أن آخذها (يوحنا10: 18).

(10) وعندما اختلف تلاميذه على الجلوس عن يمينه او يساره قال لهم: ابن الانسان لم يأت ليُخدم بل ليخدِم وليبذل نفسه فديه عن كثيرين (متى20: 27-28).

(11) وفى الطريق الى اورشليم للمرة الاخيرة: أخذ الإثنى عشر أيضاً وابتدأ يقول لهم عما سيحدث له. ها نحن صاعدون الى اورشليم وابن الانسان يسلم الى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت وسيسلمونه الى الامم فيهزأون به ويجلدونه ويتفلون عليه ويقتلونه وفى اليوم الثاث يقوم (مرقس 10: 33-34) .. وهذا اعلان تفصيلى بكل ما سيحدث له.

(12) وفيما كان يسوع فى بيت عنيا فى بيت سمعان الابرص تقدمت اليه امراه معها قارورة طيب كثيرة الثمن فسكبت على رأسه وهو متكئ. فإنزعج البعض لذلك قال لهم يسوع مشيراً الى موته: إنها إذا سكبت الطيب على جسدى إنما فعلت ذلك لأجل تكفينى (متى26: 6-12).

(13) بعد دخوله الانتصارى لأورشليم روى لليهود مثل الكرامين ليكشف لهم من خلال المثل كيف أنهم طردوا وقتلوا الانبياء الذين أتوا قبله وكيف أنهم سيقتلوه هو أيضاً برغم معرفتهم بأنه (ابن صاحب الكرم) ولما سمعوا المثل عرفوا انه قاله عليهم (لوقا20: 16-19).

(14) طلب أناس يونانيين من فيلبس ان يروه (يسوع) فقال لتلاميذه: اتت الساعة ليتمجد ابن الانسان. الحق الحق اقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة فى الارض وتمت فهى تبقى وحدها. ولكن إن ماتت تأتى بثمر كثير…وأنا إن ارتفعت عن الارض اجذب إلىّ الجميع. قال هذا مشيراً إلى أية ميتة كان مزمعاً أن يموت (يوحنا12: 20-23) .. والأية الاخيرة هى تعليق للقديس يوحنا الانجيلى شارحاً لقول السيد مشيراً عن موته.

(15) قبل الفصح بيومين قال لتلاميذه: تعلمون انه بعد يومين يكون الفصح وابن الانسان يُسلم ليصلب. (متى26: 33)

(16) أثناء تناول الفصح كان كل كلامه يشير الى حتمية الفداء بتقديم نفسه على الصليب فقال لهم: الحق الحق اقول لكم إن واحداً منكم سيسلمنى (يوحنا 13: 21) ثم اضاف مؤكداً حتمية آلامه وموته قائلاً: ان ابن الانسان ماض كما هو مكتوب عنه. ولكن ويل لذلك الرجل الذى به يُسلّم ابن الانسان (متى 26: 21و24) .. ثم بدأ يصنع العشاء الربانى: وفيما هم يأكلون اخذ يسوع الخبز وبارك وكسر واعطى التلاميذ وقال: خذوا كلوا. هذا هو جسدى. واخذ الكأس وشكر واعطاهم قائلاً اشربوا منها كلكم. لان هذا هو دمى الذى للعهد الجديد الذى يسفك من اجل كثيرين لمغفرة الخطايا. (متى 26: 26-28).

(17) وبعد العشاء الربانى وفى الطريق الى بستان جثسيمانى إذ خرج وهو عالم بكل ما سيأتى عليه وان ساعته قد جاءت، قال لتلاميذه مؤكدا من جديد حتمية آلامه وموته على الصليب مثل الاشرار، بل ويضيف هذه المره انه سيصلب مع الاشرار مشيراً الى ما جاء عنه فى سفر نبؤة اشعياء النبى: أقول لكم أنه ينبغى ان يتم فىّ ايضاً هذا المكتوب واحصى مع اثمه. لان ما هو من جهتى له انقضاء (لوقا 22: 37 مع اشعياء 35: 1).

(18) وعندما جاء جنود الهيكل وخدام اليهود الى البستان للقبض عليه كان بإمكانه ان يخرج من بين ايديهم دون ان يمسوه كما فعل من قبل عدة مرات، ولكن لان ساعته قد جاءت لذلك اسلم نفسه لهم بارادته مع انه لما كشف لهم عن ذاته وقال لهم (أنا هو … رجعوا الى الوراء وسقطوا على الارض) ثم أسلم نفسه لهم. ومنع بطرس أن يدافع عنه بالسيف وشفى أذن العبد التى قطعها بطرس بسيفه (يوحنا18: 11-40).

(19) وبعد القبض عليه ومحاكمته وصلبه وقيامته من الاموت فى اليوم الثالث قال الملاك لمريم الجدلية مريم الاخرى: أنى اعلم انكما تطلبان يسوع المصلوب. ليس هو ههنا لكنه قام كما قال (متى28: 6و7).. وقال لتلميذى عمواس: أيها الغبيان والبطيئا القلوب فى الايمان بجميع ما تكلم به الانبياء. أما كان ينبغى ان المسيح يتألم بهذا ويدخل الى مجده! (لوقا24: 25-26).
وقال لتلاميذه جميعاً مذكراً إياهم ومفسرالأ لكل ما سبق ان قاله عن الامه وموته: وقال لهم هذا هو الكلام الذى كلمتكم به وانا بعد معكم انه لابد ان يتم جميع ما هو مكتوب عنى فى ناموس موسى والانبياء والمزامير. حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب. وقال لهم هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغى ان المسيح يتألم ويقوم من الاموات فى اليوم الثالث. وان يُكرز بإسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الامم (لوقا24: 44-47) وهكذا كانت إعلانات المسيح صريحة وواضحة عن الامه وموته على الصليب وقيامته. والملاحظ فى كثير من الامثلة التى ذكرناها ان الاعلانات عن الامه وموته كانت تأتى مباشرة بعد مواقف تجلى فيها مجده وكشف فيها عن لاهوته مثل اعلان بطرس انه (ابن الله الحى) وبعد تجليع على الجبل وبعد اشباع الجموع وخلق العينان للمولود اعمى، ففى الاوقات التى كان فيها واضحاً انه الاله القدير كان يؤكد على حتمية الامه وموته وقيامته وانه تجسد وقبل هذها الآلامات تدبيرياً، فقد كانت الاماً تدبيرية اختيارية محتومة منذ الازل فقد (افتقر وهو غنى لكى تستغنوا بفقره) (2كو 8: 9).

وفى هذا يتغنى القديس اغريغوريوس النيزينزى ( 325-389م) قائلاً: الذى كان قبل كل العوالم، غير المرئى وغير المدرك، غير المُجسم، بدء البدء، نور من نور، اصل الحياة والخلود، جاء الى صورته واخذ جسداً لاجل جسدنا ووحد نفسه بروح عاقلة مطهراً شبه بشبه، وصار انساناً مثلنا فى كل شئ خلا الخطية. الموجود بذاته جاء الى الوجود.الواهب الغنى اصبح فقير ناسوتياً لاتخذ انا غنى لاهوته. مالئ الكل اخلى نفسه من مجده الى حين كى اشترك انا فى مثله. [5].

3- ألم المسيح وصلبه فخر الرسل والشهداء:
وهكذا بعد ان كشف الكتاب عن حتمية الم المسيح وصلبه وموته لفدائنا وان المسيح احتمل الخزى والعار لا لشئ الا لفدائنا (احتمل الصليب مستهيناً بالخزى فجلس عن يمين عرش الله) (عبرانيين12: 2). وحول الصليب من علامة خزى وعار وجهالة الى علامة مجد وفخر: إن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة واما عندنا نحن المُخلصين فهى قوة الله (1كو1: 18) أما أنا من جهتى فحاشا لى ان افتخر الا بصليب ربنا يسوع المسيح (غلاطية6: 14).
يقول القديس بولس الرسول لاهل كورثنوس: لأنى لم اعزم ان اعرف شيئاً بينكم الا يسوع المسيح وإياه مصلوباً (1كو2:2).
وهكذا صارت آلام المسيح وصار موته وقيامته علامة فخر ومجد للمسيحيين ولان المسيح (رب المجد) “1كو2: 8” تمجد بناسوته، كإنسان بالالم والصليب مع كونه الإله القدير، فهو يقول لتلاميذه: أما كان ينبغى ان المسيح يتألم بهذا ويدخل الى مجده! (لوقا 24: 26). والقديس بطرس يشير الى اعلان روح المسيح، الروح القدس، للانبياء الذى: سبق فشهد (للانبياء) بالالام التى للمسيح والامجاد التى بعدها (1بط1: 11).

ما أروع هذا النشيد الذى أوحى به الروح القدس وتغنى به القديس بولس والكنيسة الاولى: ( الذى إذ كان فى صورة الله لم يحسب خلسة ان يكون مساوياً (معادلاً) لله لكنه اخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس وإذ وجد فى الهيئة كإنسان وضع نفسه واطاع حتى الموت موت الصليب لذلك رفعه الله واعطاه اسماً فوق كل اسم لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن فى السماء ومن على الارض ومن تحت الارض ويعترف كل لسان ان يسوع المسيح هو رب لمجد الله الاب ) (فيلبى2: 6-11)

——————————————————
[1] رسالته الى افسس 18 : 20

[2] إلى أفسس 20 : 1

[3] الام المسيح وقيامته فى الانجيل للقديس يوحنا ص71

[4] المرجع السابق ص100

[5] On The Son: 19

كيف تألم المسيح وهو الإله؟ القمص عبد المسيح بسيط

كيف تألم المسيح وهو الإله؟ القمص عبد المسيح بسيط

كيف تألم المسيح وهو الإله؟ القمص عبد المسيح بسيط

كيف تألم المسيح؟

هذا سؤال يطرح نفسه دائماً، كيف يتألم وهو الإله القدير، غير المتألم؟ كيف يتألم غير المتألم؟ كيف يتألم الإله الخالق الألم الخاص بالمخلوق!

قال بولس وبرنابا عندما ظنهما الجموع في لستره أنهما من الآلهة: (نحن أيضاً بشر تحت آلام مثلكم) ” أعمال الرسل 14: 15 “

وقال يعقوب الرسول عن إيليا مؤكداً هذه الحقيقة: (كان إيليا إنساناً تحت الآلام مثلنا) ” يعقوب 5: 7 “

ومع ذلك ينسب الكتاب المقدس لله الكلمة، رب المجد الألم وسفك الدم والموت:

  • (احترزوا.. لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه) ” أعمال الرسل 20: 28 “
  • (لأنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد) ” كورنثوس الأولى 2: 8 “
  • (إلهنا ومخلصنا العظيم يسوع المسيح الذي بذل نفسه لأجلنا) “تى 2: 13”.

فكيف يُصلب الإله ويتألم ويُذل؟ كيف يبذل نفسه وهو غير المحدود وتسأل هذا السؤال وتجيب عنه رسالة برنابا [1] المكتوبة في القرن الأول والتي يقول كاتبها: يا إخوتي إن كان السيد قد أحتمل أن يتألم من أجل نفوسنا وهو رب المسكونة… فكيف قبل أن يتألم على أيدي الناس؟ إن الأنبياء بالنعمة التي تسلموها من عنده تنبأوا عنه. ولكي يبطل الموت ويبرهن عن القيامة من الأموات ظهر بالجسد واحتمل الآلام.

لو لم يأت بالجسد لما أستطاع البشر أن ينظروا خلاصهم. إذ كانوا لا يستطيعون أن ينظروا إلى الشمس التي هي من أعمال يديه فهل يمكنهم أن يحدقوا إليه لو جاءهم بغير الجسد! إذ كان ابن الله قد أتى بالجسد فلأنه أراد أن يضع حداً لخطيئة أولئك الذين اضطهدوا أنبياءه.. يقول الله أن الجرح في جسده هو منهم [2]

إن السيد المسيح أتخذ جسداً، جاء في الجسد، ظهر في الجسد (أفتقر وهو غنى لكي تستغنوا أنتم بفقره) ” كورنثوس الثانية 8: 9″، أخلى نفسه من مجده وأحتجب في الناسوت وأحتمل الآلام في الجسد.

(ولكن الذي وضع قليلاً عن الملائكة يسوع نراه مكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد…. فإنه قد تشارك الأولاد في اللحم والدم أشترك هو أيضاً كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس .. من ثم كان ينبع أن يشبه أخوته في كل شيء لكي يكون رحيماً ورئيس كهنة أميناً فيما لله حتى يكفر خطايا الشعب. لأنه فيما هو قد تألم مجرباً يقدر أن يعين المجربين) ” عبرانيين 2: 9- 18 “

لقد (جاء في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد) ” رومية 8: 3 “. صورة الله اتخذ صورة العبد (الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسه ن يكون مساوياً لله لكنه أخلى نفسه أخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب) ” في 2: 6- 9 “. 

اتخذ جسداً (هيأت لي جسداً) “عب 10: 5″ وفي هذا الجسد احتمل الآلام النفسية: (نفسي حزينة حتى الموت) ” متى 26: 38 “.. (اضطرب يسوع بالروح) ” يوحنا 13: 21″.

كلما احتمل الآلام الجسمية. احتمل الآلام الكفارية كاملة في جسده، فقد كان جسده كاملاً (روح ونفس ولحم وعظام) كان كاملاً في ناسوته كما كان كاملاً في لاهوته (حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة) ” بطرس الأولى 2: 24 “.

والكتاب ملئ بالنصوص والآيات التي تؤكد أن السيد المسيح أحتمل الآلام بالناسوت: 

  • (تألم المسيح لأجلنا بالجسد) ” بطرس الأولى 4: 1 “
  • (أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف.. وانا أضع “أبذل” نفسي عن الخراف) ” يوحنا 10: 11و 15 “
  • (الخبر الذي أعطى هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم) ” يوحنا 6: 51 “
  • (لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً.. مبطلاً بجسده ناموس الوصايا) ” رومية 8: 3 “
  • (قد صالحكم الآن في جسد بشريته بالموت) ” كولوسي 1: 22 “

وهكذا يؤكد الكتاب أن اللاهوت لم يتألم ولم يمت، ولكن قال إن المسيح، الإله المتجسد تألم بالجسد. تألم بالناسوت دون أن يتألم اللاهوت، الله ظهر في الجسد تألم في الجسد الذي أتخ ذه، ولم يتألم بلاهوته مع أن الجسد هو جسده الذي هيأه وأتخذه لنفسه.

 

تألم دون أن يتألم:

وقد أستخدم آباء الكنيسة تعبيرات (تألم دون أن يتألم)، (كأن متألماً وغير متألم)، (تألم كإنسان ولم يتألم كإله)، (كان قابلاً للألم بناسوته ولكنه غير قابل للألم بلاهوته). وذلك للتعبير عن حقيقة تألمه بالجسد وليس اللاهوت مع أنه مسيح واحد ورب واحد وأقنوم واحد وطبيعة واحدة من طبيعتين بغير اختلاط أو امتزاج أو تغيير: (ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء) ” كورنثوس الأولى 8: 6 “، (لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد) ” كورنثوس الأولى 2: 8 “، (لأن معلمكم واحد المسيح) ” متى 23: 8و10 “.

قال القديس كيرلس عمود الدين: نعترف بأن الكلمة صار إنساناً وبالحقيقة مثلنا وأنه هو نفسه غله من إله وإذ أخذ شكلنا صار إنساناً مثلنا مولوداً من أمرأه، وأنه بسبب اتحاده بالجسد تألم بكل الإهانات لكنه أحتفظ بما له من عدم الألم لأنه ليس إنساناً فقط بل هو نفسه الله، وكما أن الجسد هو جسده هكذا آلام الجسد ورغباته غير الدنسة وكل الإهانات التي وجهها البعض، كل هذا أحتمله هو لأنه كان موجهاً إلى جسده الخاص به. لقد تألم دون أن يتألم (تجسد الأبن الوحيد ص37)

وقال أيضاً: وهكذا نعتقد أنه في جسده الخاص قد تألم لأن الآلام تخص الناسوت، بينما اللاهوت هو فوق الآلام (المرجع السابق:37). وأضاف قائلاً: إن الآلام تخص الناسوت ولكنه غير قابل للآلام كإله. وإن كان قد تجسد وصار مثلنا إلا أننا نعترف بألوهيته ومجده الفائق وعطاياه الإلهية (المرجع السابق: 37).

وعلى الرغم من أنه يقول من خلال الأنبياء: (بذلت ظهري للضاربين.. أحصى كل عظامي) “أش50: 6” (وضعوا في طعامي علقماً وفي عطشى سقوني خلاً) “مز 22: 16و17” فإننا نخصص كل هذا للابن الوحيد الذي تألم تدبيرياً في الجسد حسبما تعلم الكتب المقدسة. ولكننا نعترض أنه غير قابل للآلام بالطبيعة، لذلك كما قلنا سابقا أنه إله متأنس، والآلام تخص الناسوت أي تخصه هو من حيث الناسوت، ولكن من حيث هو إله هو غير قابل للآلام (تجسد الابن الوحيد: 37).

 

قال القديس أثناسيوس الرسولي:

ومن الغريب أن الكلمة نفسه كان متألماً وغير متألم، فمن ناحية، كان (الكلمة) يتألم لأن جسده هو الذي يتألم، أن الكلمة – إذ هو بالطبيعة – لا يقبل التألم. وكان الكلمة غير الجسدي موجوداً في الجسد الذي يتألم، وكان الجسد يحوي فيه الكلمة غير المتألم الذي كان يبيد العلل التي قبلها في جسده (الرسالة إلى ابيكتيكوس: 6). “فإنه هو نفسه يجب أن نعترف به متألما وغير متألم.. تألم كإنسان وظل غير متألم ولا متغير كإله ” (ظهور المسيح المحي – مؤسسة القديس أنطونيوس ص16).

ثم يشرح عملية التجسد واحتمال الألم بالجسد قائلاً: فإن التقليد الرسولي يعلم في قول المغبوط بطرس (إذ قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد) ” بطرس الأولى 4: 1 ” بينما يكتب بولس (متوقعين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح. الذي بذل نفسه لأجلنا لكي يفدينا من كل إثم ويطهر لنفسه شعباً خاصاً غيوراً في أعمال حسنة) ” تى 2: 13،14 ” فكيف إذاً قد بذل نفسه لأجلنا، إن لم يكن لابساً جسداً؟ لأنه بتقديمه هذا الجسد قد بذل نفسه لأجلنا، لكي بقبوله الموت في هذا الجسد، يبيد ذلك الذي له سلطان الموت أي إبليس (الرسالة إلى ادلفوس: 6).

 

قال ساويرس بن المقفع (القرن العاشر الميلادي):

المسيح من جهة إنسانيته وتأنيسه، قابل للألم والعرض والتأثير والموت، ومن جهة أزليته ولاهوته غير ملموس ولا محسوس ولا متألم ولا ماءت. كالجسد المتحد به الكون أو كالنفس المتحدة بالجسم أو كالنار المتحدة بالحط. فإن الجسد يوصف بالموت والفساد والاستحالة وقبول التأثير والتجزؤ والانفصال والحلول في الأماكن… وكذلك النفس لا توصف بأنها قتلت ولا ماتت ولا جاعت ولا عطشت وإن كانت متحدة بالجسم الفاسد، المائت الجائع العطشان. (أنظر الخريدة النفيسة جـ1: 104)

قال القديس أغريغوريوس النزينزي: غير متألم بلاهوته، متألم في ذاك الذي أتخذه “أي جسده”. (On The Son: 22)

 

أمثلة لكيفية آلام الناسوت دون اللاهوت:

شبه أباء الكنيسة – في القرون الأولى – آلام الناسوت دون اللاهوت بالحديد الذي إذا وضع في النار يمتلئ بقوة النار التي تتخلل ذراته ومع ذلك عندما يطرق الحديد المحمي يؤثر الطرق على الحديد ولا تتأثر بالنار بهذا الطرق.

وكذلك شبه الآباء أيضاً وحدة اللاهوت بالناسوت أو تأثر الناسوت فعلياً بالألم دون اللاهوت باتحاد النفس والجسد وذلك استنادا لقول المسيح نفسه (لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها) ” متى 10: 28 ” فإذا كانت النفس التي تكون مع الجسد كائناً واحداً لا يمكن أن تجرح أو تقتل أو تموت إذا حدث ذلك للجسد، فكم بالأحرى يكون اللاهوت المتحد بالناسوت غير قابل للألم معه.

قال القديس كيرلس عمود الدين: كيف يصبح الواحد نفسه غير متألم ومتألم في نفس الوقت؟ عندما يتألم في جسده لم يؤثر الألم في ألوهيته. هذا التدبير فائق ولا يستطيع عقل أن يسبر عمقه ومجده… نؤمن أنه تألم في جسده دون أن يتألم في لاهوته. وكل محالة لتشبيه الاتحاد بين اللاهوت والناسوت مهما كانت قاصرة وعاجزة عن أن تعلن الحق أو تشرحه فإنها مع ذلك تظل هذه التشبيهات قاصرة على أن تبعث في العقل قدرة على تصور الحقيقة وإدراك دقتها التي تفوق التعبير بالكلمات.

فقطعة الحديد أو أي معدن أخر إذا اتصلت بنار مشتعلة تتحد بالنار وإذا طرقت يترك الطريق أثاراً على المعدن، أما طبيعة النار فهي تظل بعيدة عن التأثر. وهكذا نعتقد بأن الابن تألم بالجسد دون أن يتألم لاهوته. (المسيح واحد 104) وقال ساويرس بن المقفع: إن الجسم يوصف بالموت.. والاستحالة وقبول التأثر أو التجزؤ والانفصال.. والنفس لا توصف بأن قُتلت ولا ماتت ولا جاعت ولا عطشت وإن كانت متحدة بالجسم الفاسد المائت. (مصباح العقل 2: 28و29)

كيف تألم المسيح وهو الإله؟ القمص عبد المسيح بسيط

كيف يكون المسيح إله حق وإنسان حق فى آن واحد! القمص عبد المسيح بسيط

كيف يكون المسيح إله حق وإنسان حقفى آن واحد

القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير

كاهن كنيسة السيدة العذراء الأثرية بمسطرد

 

الفهرس:

كيف يكون المسيح إله حق وإنسان حق في آن واحد؟

1 صورة الله ” الذي إذ كان في صورة الله “:  

2أخلى نفسه:

3 هل تغير من كونه إله إلى إنسان؟

4 الإله المتجسد الذي ينسب ما للاهوته لناسوته وما لناسوته للاهوته (تبادل الخواص والصفات):

 

كيف يكون المسيحإله حق وإنسان حق في آن واحد؟

 يقول الربّ يسوع المسيح عن نفسه ” أَنَا إِنْسَانٌ قَدْ كَلَّمَكُمْ بِالْحَقِّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ.” (يو 8/40)، ونؤمن، بحسب ما جاء في الكتاب المقدس، أنَّه كان كاملاً في ناسوته، إنسانيَّته، فقد حُبِلَ به ووُلِدَ من العذراء القدِّيسة مريم، وكان له جسد حقيقيّ كامل من لحمٍ ودمٍ وعظامٍ ونفسٍ وروحٍ إنسانيَّة عاقلة، وقد إجتاز في كلِّ ما يجتاز فيه الإنسان من ضعفٍ وقوَّةٍ (1)، أو كما يقول الكتاب المقدس بالروح ” مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ.” (عب4/15)، ومات علي الصليب.(2)

 وفي نفس الوقت يتكلَّم، الربّ يسوع المسيح، عن نفسه كإلهٍ وينسب لنفسه جميع أسماء الله وألقابه وصفاته، فيتكلَّم عن وجوده السابق فيالكون قبل الخليقة، كالأزليّ الأبديّ، الذي لا بداية له ولا نهاية، ويقول أنَّه ربّ داود وإله إبراهيم وجميع الأنبياء والبشر، الإله الواحد، ربّ الكلِّ، وأنَّه الموجود في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، كلَّيّ الوجود، والقادر علي كلِّ شيء، كلِّيّ القدرة، والعالم بكلِّ شيء، كلِّيّ العِلْم، وأنَّه يعمل جميع أعمال اللَّه وعلي رأسها الخلق فهو، كما يصفه الكتاب المقدَّس، الذي ” كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ” (يو1/3-4)، ” إِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشاً امْ سِيَادَاتٍ امْ رِيَاسَاتٍ امْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ.” (كو1/5) (3).

إذًا فهو إلهٌ حقٌّ، كاملٌ في لاهوته، وإنسانٌ حقٌّ، كاملُ في ناسوته، إنسانيته!

 

والسؤال الأن هو:

كيف يكون المسيح إله حق وإنسان حق في آن واحد؟

 يقول القدِّيس بولس بالروح القدس ” فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضاً: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ.لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ اسْماً فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ،” (في2/5-11).

† فما معني قوله بالروح ” الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ “؟

† وما معني قوله ” لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ “؟

† وما معني قوله أنَّه ” أَخْلَى نَفْسَهُ”؟

† وما معني قوله ” آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ “؟.

† وهل يعني هذا أنَّ المسيح أخلي نفسه من لاهوته ومن مجده وعظمته ومن كونه الإله كلِّيّ القدرة والوجود والعلم وأصبح مقيدًا ومحدودًا بحدود الجسد؟.

 

1 صورة الله ” الذي إذ كان في صورة الله “:

 يستخدم الرسول بالروح في قوله ” الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ ” النص اليوناني ” مورفي μорφηMorehe ” والذي يُعَبِّر عنطبيعة الكيان وشخصه(4)، والذي يُشير إلي الظهور الخارجي الذي يُوصِّل للجوهر(5)، وهنا يُعَبِّر عن الكيان الجوهريّ للَّه(6)، ولذا فالتعبير ” صُورَةِ اللهِ” في هذه الآية مترجم في NIV ” في نفس طبيعة الله

 In The Very Nature Of God” أي ” الذي إذ كان في نفس طبيعة اللَّه(7).

 ويسبق قوله ” صُورَةِ اللهِμорφη θεουMorphe Theou ” عبارة ” الذي إذ كان όςενHos en “، و ” كان ” هنا ليست في الماضي البسيط، بل في الزمن التام المستمر والذي يعني هنا الوجود من البدء، أسبقيَّة الوجود، الذي كان موجوداً دائماً، بصفةٍ مستمرةٍ في حالة الاستمرار، مثل قوله ” فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ”. ويلي ذلك أيضًا قوله أنَّه، المسيح، ” مُعَادِلاً لِلَّهِ. ” الآب. ولا يساوى اللَّه إلا اللَّه، كلمة اللَّه، صورة اللَّه، الذي له نفس طبيعة وجوهر اللَّه. هو الذي كان دائماً ويكون دائمًا وسوف يكون أبدًا، الأزليّ الأبديّ، الذي لا بداية له ولا نهاية، كقول الكتاب المقدس “يَسُوعُالْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْساً وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ” (عب13/8)، وقول الرب يسوع المسيح عن نفسه “أَنَا الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، الأَوَّلُ وَالآخِرُ” (رؤ22/13).

 وقوله ” لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً(isaισα)لِلَّهِ ” يوضِّحه ما سبق أنْ قاله الربّ يسوع المسيح لرؤساء اليهود “أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ” وفهم رؤساء اليهود من قوله أنَّه يعمل مثل اللَّه أنَّه يعني المساواة المطلقة للَّه، يقول الكتاب ” فَمِنْ أَجْلِ هَذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ بَلْ قَالَ أَيْضاً إِنَّ اللَّهَ أَبُوهُ مُعَادِلاً(ison ισον) نَفْسَهُ بِاللَّهِ. ” (يو 5/17-18). وقد استخدم الكتاب في كلتا الآيتين نفس التعبير ” مساو أو معادل من الفعل ” أيسوس isos ισος ” والذي يعني مساوٍ أو معادلٍ.

 أي أنَّه وهو صورة اللَّه المُعَبِّر عن الكيان الجوهريّ للذات الإلهيّة ” اَلَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ” (كو1/15)، الذي هو اللَّه، اللَّه الكلمة المساوي للَّه الآب ” الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ” (عب1/3)، لم تُحسب هذه المساواة التي له مع الآب خلسة بلّ هي من صميم ذاته لكنَّه مع ذلك حَجَبَها في ناسوته متَّخِذًا صورة عبدٍ.

 

2 أخلى نفسه:

 ” لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ،وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. “، فما معني ” أَخْلَى نَفْسَهُ ” هنا؟. يستخدم الكتاب هنا الفعل اليوناني “ekenosenεκένωσεν” من الفعل ” kenowκενόω” والذي يعني يَخْلِي. وتُرجمت في بعض الترجمات بمعني ” أصبح بلا شهرةreputation of no، وفسَّرَها الآباء عبر تاريخ الكنيسة بمعنى ” حجب لاهوته، أخفى لاهوته ” في ناسوته، حجب مجده السماوي في ناسوته بإرادته، إفتقر وهو الغنيّ، كما يقول الكتاب، ” إِنَّكُمْ تَعْرِفُونَ نِعْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ مِنْ أَجْلِكُمُ افْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ، لِكَيْ تَسْتَغْنُوا أَنْتُمْ بِفَقْرِهِ. ” (2كو8/9). وهذا واضحٌ من مخاطبة الرب يسوع المسيح للآب ” مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ.” (يو5/17).

 لقد أخلي الربّ يسوع المسيح نفسه بمعني حجب مجده، فهو مع كونه كلمة اللَّه (يو1/1)، اللَّه الكلمة، عقل اللَّه الناطق ونطق اللَّه العاقل، صورة اللَّه غير المنظور (كو1/15)، صورة اللَّه المساوي للَّه الآب (في2/6)، بهاء مجد اللَّه الآب ورسم جوهرة (عب1/3)، ابن اللَّه الوحيدالذي هو في ذات اللَّه ومن ذات اللَّه، ” أخلى نفسه وحجب مجده، أخفي لاهوته في ناسوته، حجب لاهوته في ناسوته، قبل علي نفسه الحدود، حدود البشريّة، حدود الإنسان المحدود بالزمان والمكان، ظهر في الهيئة كإنسان وهو في ذاته، بلاهوته، صورة اللَّه المساوي للَّه كلِّيّ الوجود، غير المحدود بالمكان أو الزمان! ظهر في زمن مُعَيَّن ” جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ” (غل4/4)، ومكان مُعَيَّن علي الأرض في فلسطين، وهو، بلاهوته، الذي بلا بداية له ولا نهاية! ظهر علي الأرض مُتَّخِذًا صورة الإنسان المحدود بالطول والعرض والارتفاع، وهو بلاهوته، الذي لا يَحُدَّه مكان أو زمان.

 قبل الرب يسوع المسيح تطوعًا وبإختياره أنْ يُخْلِي ذاته بأنْ يحجب، يخفي، لاهوته في ناسوته، أنْ يحجب، يخفي، مجده وعظمته، كإله، في إنسانيَّته التي إتَّخذها من العذراء القدِّيسة مريم، تجسَّد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنس ” لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ امْرَأَةٍ ” (غل4/4)، أيّ تجسَّد، ظهر في الجسد، حلَّ في الناسوت أخذ جسدًا، إتَّخَذَ جسدًا، ظهر في الجسد، صورة اللَّه إتَّخَذَ صورة العبد، يقول الكتاب المقدس: ” فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ. هَذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللَّهِكُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ…وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً.” (يو1/1-4و14).

 “وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ.” (1تي3/16).

 ” فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيّاً. ” (كو2/9).

 ” اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ. فَإِنَّ الْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا. الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ” (1يو1/1-3).

 

3 هل تَغَيَّر من كونه إله إلي إنسان؟

 اللَّه بطبيعته لا يتغيَّر يقول الكتاب؛”مِنْ قِدَمٍ أَسَّسْتَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ.هِيَ تَبِيدُ وَأَنْتَ تَبْقَى وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى كَرِدَاءٍ تُغَيِّرُهُنَّ فَتَتَغَيَّرُ. وَأَنْتَ هُوَ وَسِنُوكَ لَنْ تَنْتَهِيَ. ” (مز 102/2527)، ” لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ لاَ أَتَغَيَّرُ” (ملا3/6). ونفس هذا الكلام الإلهيّ قِيلَ أيضًا عن الربّ يسوع المسيح، حتي بعد التجسُّد، يقول الكتاب في مقارنةبين المسيح والملائكة؛ ” لأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: «أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ»؟ وَأَيْضاً: «أَنَا أَكُونُ لَهُ أَباً وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْناً»؟ وَأَيْضاً مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: «وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ». وَعَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ: «الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحاً وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ». وَأَمَّا عَنْ الاِبْنِ: «كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلَهُكَ بِزَيْتِ الاِبْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ شُرَكَائِكَ». وَ«أَنْتَ يَا رَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. هِيَ تَبِيدُ وَلَكِنْ أَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى، وَكَرِدَاءٍ تَطْوِيهَا فَتَتَغَيَّرُ. وَلَكِنْ أَنْتَ أَنْتَ، وَسِنُوكَ لَنْ تَفْنَى». ” (عب1/512). وأيضًا يقول ” يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْساً وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ.” (عب 13/8). أي أنَّ بلاهوته هو هو لا ولن يتغيَّر، سواء قبل التجسُّد أو بعده.

 لم يتغيًّرْ ولم يَتَحَوَّلْ من إله إلي إنسان، ولم يَتَغَيَّرْ عن كونه الإله القدير إلي إنسان محدود، بل ظلَّ كما هو الإله الكائن علي الكلِّ، وإنما، حلَّ في الجسد، إتَّخَذَ جسدًا، إتَّخَذَ صورة العبد، حَجَبَ لاهوته وظهر في الهيئة كإنسانٍ، حلَّ اللاهوت في الناسوت، الجسد، الإنسان ” لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ انْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ ” (كو1/19).

 وقد كشف الربُّ يسوع المسيح عن هذه الحقيقة، حقيقة إحتجاب لاهوته في ناسوته في حادثة التجلِّي عندما أخذ ثلاثة من تلاميذه هم بطرس ويوحنّا ويعقوب وصعد إلي جبلٍ ليصلّي. وهناك كشف لهم عن شيءٍ من مجده ولاهوته المحتجب في ناسوته، يقول الكتاب المقدَّس”وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ.” (مت17/2)، صارت هيئة وجهه متغيرة ولباسه مبيضًا لامعًا: ” وَصَارَتْ ثِيَابُهُ تَلْمَعُ بَيْضَاءَ جِدّاً كَالثَّلْجِ لاَ يَقْدِرُ قَصَّارٌ عَلَى الأَرْضِ أَنْ يُبَيِّضَ مِثْلَ ذَلِكَ.” (مر 9/3)، ” وَظَهَرَ لَهُمْ إِيلِيَّا مَعَ مُوسَى وَكَانَا يَتَكَلَّمَانِ مَعَ يَسُوعَ. فَجَعَلَ بُطْرُسُ يَقولُ لِيَسُوعَ: «يَا سَيِّدِي جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ هَهُنَا. فَلْنَصْنَعْ ثَلاَثَ مَظَالَّ لَكَ وَاحِدَةً وَلِمُوسَى وَاحِدَةً وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةً».” (مر9/4-5). ويُعَلِّق القدِّيس مرقس قائلاً ” لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ إِذْ كَانُوا مُرْتَعِبِينَ. ” (مر9/6)، كانوا مرتعبين لرؤية هذا المشهد، التجلِّي، الإلهيّ مثلما خاف موسي وإرتعب عند رؤيته للظهور الإلهيّ علي جبل سيناء ” وَكَانَ الْمَنْظَرُ هَكَذَا مُخِيفاً حَتَّى قَالَ مُوسَى: «أَنَا مُرْتَعِبٌ وَمُرْتَعِدٌ!».” (عب12/21).

 

4 الإله المتجسد الذي ينسب ما للاهوته لناسوته وما لناسوته للاهوته (تبادل الخواص والصفات):

 كانت نتيجة إخلائه لنفسه بإحتجاب، إخفاء، لاهوته في ناسوته،إتخاذه جسدًا، حلول اللاهوت في الناسوت، اتحاد اللاهوت بالناسوت، ظهوره في الجسد، أنْ أصبح الربُّ يسوع المسيح إلهًا وإنسانًا في آنٍ واحدٍ، الإله المتجسِّد، له كلّ صفات اللاهوت وكلّ خواص الطبيعة الإلهيّة، باعتباره الإله القدير، وله أيضًا كلّ صفات الطبيعة الإنسانيّة وخواص الناسوت، الجسد، الإنسان. كان يعمل ويتكلَّم كإلهٍ وفي نفس الوقت يعمل ويتكلَّم كإنسانٍ، ينسب ما للاهوته لناسوته وما لناسوته للاهوته بإعتباره الإله المتجسِّد، المسيح الواحد. وهذا ما يُسَمَّي بتبادل الصفات والخواص Communicattio Idiomatum – The Communication of Attributes، بين اللاهوت والناسوت، أي نسب ماللاهوت للناسوت وما للناسوت للاهوت.

فبحلول اللاهوت في الناسوت، ظهور اللَّه في الجسد، صيروة الكلمة جسدًا، إتِّخاذ صورة اللَّه لصورةِ العبد، إتَّحَدَ اللاهوت بالناسوت منذ اللحظة الأولي للتجسُّد في رحم العذراء، مثل إتّحاد الحديد بالنار، هذا الاتحاد الذي تتخلَّل فيه النار وتتغلغل في كلِّ ذرَّات الحديد، ومثل اتحاد الروح بالجسد، في الإنسان، وتغلغُلها وتخلُّلها لكلِّ ذرَّات الجسد، في شخصٍ واحدٍ، هكذا وُلِدَ المسيح من العذراء كالمسيح الواحد والأقنوم والواحد هو الإله المتجسِّد، بطبيعة واحدةمتحدة من طبيعتين بغير إختلاط ولا إمتزاج ولا تغيير، وبغير إنفصال أو إفتراق. إله حقّ، كامل في لاهوته، وإنسان حقّ، كامل في ناسوته، الإله المتجسِّد.

 ومن ثمَّ كان يبدو ويتكلَّم ويتصرَّف ويعمل كإلهٍ ويؤكِّد أنَّه يعمل كلّ ما يعمله اللَّه الآب من أعمال وعلي رأس هذه الأعمال الخلق ” لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ (اللَّه الآب) فَهَذَا يَعْمَلُهُ الاِبْنُ كَذَلِكَ” (يو5/19)، كما كان يبدو ويتكلَّم ويتصرَّف ويعمل أيضًا كإنسانٍ في نفس الوقت. بل أنَّ شخصه حيَّر كلّ من تعاملوا معه حتي كان سؤالهم الدائم هو ” أَيُّ إِنْسَانٍ هَذَا!” (مت8/27)، “وَقَالُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «مَنْ هُوَ هَذَا؟ فَإِنَّ الرِّيحَ أَيْضاً وَالْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ!». ” (مر4/41)، ولمَّا سُئِل هو هذا السؤال ” مَنْ أَنْتَ؟ ” كانت إجابته ” أَنَا مِنَ الْبَدْءِ مَا أُكَلِّمُكُمْ أَيْضاً بِهِ ” (يو8/25)، ولكن بعد القيامة يقول الكتاب ؛ ” وَلَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ مِنَ التّلاَمِيذِ أَنْ يَسْأَلَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ إِذْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الرَّبُّ.” (يو21/12).

† هو كلِّيّ الوجود، الموجود في كل زمان، فيؤكِّد أنَّه كائن وموجود مع الآب قبل الخليقة بلا بداية “مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ.” (يو17/5)، والموجود قبل إبراهيم ” قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ” (يو8/58)، بل والموجود قبل الدهوربلا بداية وبلا نهاية ” أَنَا الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، الأَوَّلُ وَالآخِرُ” (رؤ22/13)، كما تكلَّم عنه الكتاب كإنسانٍ له بداية هي ميلاده من مريم العذراء المولود منها و” ثَمَرَةُ بَطْنِكِ” (لو1/42)، “وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُوداً تَحْتَ النَّامُوسِ،” (غل4/4)، وقالوا عنه ” أَلَيْسَ هَذَا هُوَ النَّجَّارَ ابْنَ مَرْيَمَ” (مر6/3)، وقالوا عنه أيضًا ” مَنْ هُوَ هَذَا؟ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ الرِّيَاحَ أَيْضاً وَالْمَاءَ فَتُطِيعُهُ!” (لو8/25)، ” مَنْ هُوَ هَذَا؟ فَإِنَّ الرِّيحَ أَيْضاً وَالْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ!” (مر4/41).

† وتكلَّم عن نفسه ككلِّيّ الوجود، الموجود في كلِّ مكانٍ، في السماء وعلي الأرض في آنٍ واحدٍ، قال لنيقوديموس أحد رؤساء اليهود ” لَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ.” (يو3/13)، مؤكِّدًا أنَّه كان دائمًا في السماء كما قال للجموع “أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ. أَنْتُمْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. ” (يو8/23)، وقال يوحنّا المعمدان، عنه، بالروح ” اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ وَالَّذِي مِنَ الأَرْضِ هُوَ أَرْضِيٌّ وَمِنَ الأَرْضِ يَتَكَلَّمُ. اَلَّذِي يَأْتِي مِنَ السَّمَاءِ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ” (يو3/31). وكرَّر هو عبارة ” نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ”، ووصف نفسه ب ” خُبْزَ اللَّهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ” (يو6/33)،

وقال ” لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو6/38)، ” فَكَانَ الْيَهُودُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَيْهِ لأَنَّهُ قَالَ: «أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ». وَقَالُوا: «أَلَيْسَ هَذَا هُوَ يَسُوعَ بْنَ يُوسُفَ الَّذِي نَحْنُ عَارِفُونَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ. فَكَيْفَ يَقُولُ هَذَا: إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ؟» ” (يو6/41-42).

 لقد نزل الربُّ يسوع المسيح من السماءِ، التي كان فيها دائما بلا بداية، ومع ذلك يؤكِّد أنَّه لا يزال وسيظلّ فيها دائمًا بلا نهاية. كان يكلِّمهم وهو محدود بالجسد في مكانٍ محدَّدٍ وزمانٍ محدَّدٍ وفي نفس الوقت يُؤكِّد أنَّه كائنٌ وموجودٌ في السماء ” ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ.”، كما أنَّه موجودٌ في كلِّ مكانٍ ولا يخلو منه مكان أو زمان كما أكَّد ذلك لتلاميذه عندما قال لهم ” لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْ” (مت18/20). وعند صعوده قال لهم ؛ ” فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ». ” (مت28/19-20). وبعد صعوده يقول الكتاب ” وَأَمَّا هُمْ فَخَرَجُوا وَكَرَزُوا فِي كُلِّ مَكَانٍ وَالرَّبُّ يَعْمَلُ مَعَهُمْ وَيُثَبِّتُ الْكَلاَمَ بِالآيَاتِ التَّابِعَةِ.” (مر16/20).

 كان يكلِّم نيقوديموس في مكانٍ محددٍ علي الأرض ومن خلال ناسوته المحدود بالمكان أيضًا، ومع ذلك يؤكِّد أنَّه موجود في نفس الوقت في السماء كما يؤكِّد لتلاميذه أنِّه موجود معهم بالجسد. كما قال لهم أيضاً ” أَنَا مَعَكُمْ زَمَاناً يَسِيراً بَعْدُ ثُمَّ أَمْضِي إِلَى الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو7/33)، ” أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَاناً ” (يو14/2)، ” أَنَا مَاضٍ إِلَى الَّذِي أَرْسَلَنِي” (يو16/5)، “خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ وَأَيْضاً أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى الآبِ” (يو16/28).

 كان موجودًا بالجسد في مكانٍ محدودٍ وزمانٍ مُعَيَّنٍ ولكنَّه بلاهوته ظلَّ كما هو موجود في كلِّ مكانٍ وزمانٍ بدون تغيير أو تحوُّل ” يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْساً وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ.” (عب 13/8).

† كان يتكلَّم كربِّ إبراهيم وإلهه وكنسل إبراهيم في آنٍ واحدٍ فيقول “أَنَا إِنْسَانٌ قَدْ كَلَّمَكُمْ بِالْحَقِّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ.” (يو8/40)، ثمَّ يقول في نفس الحديث ” قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ ” (يو8/58). وقال أنَّه ابن داود ورب داود في آنٍ واحدٍ عندما سأل رؤساء اليهود قائلا ” مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟» قَالُوا لَهُ: «ابْنُ دَاوُدَ».قَالَ لَهُمْ: «فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبّاً قَائِلاً: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ؟ فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبّاً فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟» “(مت 22/4245)

كما أكَّد أنَّه هو ” أَصْلُ دَاوُدَ” (رؤ5/5)، وفي نفس الوقت هو ذريته ” أَنَا أَصْلُ وَذُرِّيَّةُ دَاوُدَ” (رؤ22/16).

† هو نسل إسرائيل بالجسد وإله إسرائيل بلاهوته، يقول الروح القدس بلسان أشعياء النبيّ ” لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا(نحن، أي بنو إسرائيل) وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْناً وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيباً مُشِيراً إِلَهاً قَدِيراً أَباً أَبَدِيّاً رَئِيسَ السَّلاَمِ.”(اش9/6)، ويقول القدِّيس بولس بالروح ” وَلَهُمُ الآبَاءُ(بنو إسرائيل) وَمِنْهُمُ (بنو إسرائيل) الْمَسِيحُ حَسَبَ الْجَسَدِ الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلَهاً مُبَارَكاً إِلَى الأَبَدِ” (رو9/5).

† هو الإله كلِّيّ القدرة خالق الكَوْن ومُحَرِّكه ومُدَبِّره ” كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ” (يو1/3)، ” فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشاً امْ سِيَادَاتٍ امْ رِيَاسَاتٍ امْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. ” (كو1/16)، ” الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ،” (عب1/3).

 وهو أيضًا الذي قال عن نفسه ” لاَ يَقْدِرُ الاِبْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئاً إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهَذَا يَعْمَلُهُ الاِبْنُ كَذَلِكَ.لأَنَّ الآبَ يُحِبُّ الاِبْنَ وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ وَسَيُرِيهِ أَعْمَالاً أَعْظَمَ مِنْ هَذِهِ لِتَتَعَجَّبُوا أَنْتُمْ.” (يو5/19-20)، كما قيل عنه أنَّه ” انْزَعَجَ بِالرُّوحِ وَاضْطَرَبَ ” (يو11/33)، ” فَانْزَعَجَ يَسُوعُ أَيْضاً فِي نَفْسِهِ” (يو11/38)، “اضْطَرَبَ بِالرُّوحِ ” (يو13/21)، ” فَإِذْ كَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ جَلَسَ هَكَذَا عَلَى الْبِئْرِ” (يو4/6). ” وَابْتَدَأَ يَدْهَشُ وَيَكْتَئِبُ. فَقَالَ لَهُمْ: «نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدّاً حَتَّى الْمَوْتِ! ” (مر14/33-34).

† هو ابن الله الوحيد الجنس الذي في حضن الآب ومن ذات الآب (يو1/18)، الذي له السلطان علي كلِّ ما في السماء وعلي الأرض، كل ما في الكون “فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ” (مت28/18)، وفي نفس الوقت هو ابن الإنسان الذي قال عن نفسه ” لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ” (مت8/20).

† هو ملك الملوك ورب الأرباب كإله ” لأَنَّهُ رَبُّ الأَرْبَابِ وَمَلِكُ الْمُلُوكِ” (رؤ17/14)، ” وَلَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَعَلَى فَخْذِهِ اسْمٌ مَكْتُوبٌ: «مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ».” (رؤ19/16)، والذي تخضع له كلّ الخليقة ” تَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ.” (دا7/14)، ” لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ” (في2/10). وهو أيضًا الذي دفع الضريبة كإنسان (مت17/27) ووقف يُحاكم أمامالولاة الرومان، بيلاطس وهيرودس (لو23/11-12)، كإنسان، وذلك علي الرغم من أنَّه لم يُخْفِ ملكوته هذا عندما قال لبيلاطس ” مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا الْعَالَمِ لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلَكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا” (يو18/36)، وحُكِمَ عليه بالموت بناء علي رغبة رؤساء اليهود وحُكْم الرومان.

† هو الحيّ الذي لا يموت كإله، الذي له الحياة في ذاته ومُعطي الحياة ” فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ ” (يو1/4)، ” إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ.” (يو14/19)، ” كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ” (يو6/57)، ” وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتاً وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ.” (رؤ1/18)، والذي مات كإنسان ” وَنَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «يَا أَبَتَاهُ فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي». وَلَمَّا قَالَ هَذَا أَسْلَمَ الرُّوحَ.” (لو23/46). ولكنَّه مات بإرادته كالإله المتجسِّد ” لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضاً. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضاً. هَذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي” (يو10/17-18).

† هو ربُّ الناموس ومُعطي الناموس والشريعة كإله:

” ‏قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: ‏ إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى إمْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ…. ‏وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ إمْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَقٍ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ إمْرَأَتَهُ إِلاَّ لِعِلَّةِ اَلْزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي…. أَيْضاً سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَحْنَثْ بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ أَقْسَامَكَ.‏ وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ…. سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ.‏ وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا اَلشَّرَّ ” (مت5/27-39).

 وهو أيضًا المولود تحت الناموس كإنسان ” وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُوداً تَحْتَ النَّامُوسِ،” (غل4/4)، والذي تمَّم الناموس ” وَلَمَّا تَمَّتْ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ لِيَخْتِنُوا الصَّبِيَّ سُمِّيَ يَسُوعَ كَمَا تَسَمَّى مِنَ الْمَلاَكِ قَبْلَ أَنْ حُبِلَ بِهِ فِي الْبَطْنِ. وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا (مريم العذراء) حَسَبَ شَرِيعَةِ مُوسَى صَعِدُوا بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيُقَدِّمُوهُ لِلرَّبِّ ” (لو2/21-22).

† هو الواحد مع الآب في الجوهر، الذي من ذات الآب وفي ذات الآب بحسب لاهوته ؛ ” اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.” (يو1/18) ” أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ” (يو10/30)، “أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ000 صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ ” (يو14/10-11)، وفي نفس الوقت كان خاضعًا للآب بحسب ناسوته فيقول:

” يَا أَبَتَاهُ إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسُ وَلَكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ ” (مت26/39). كما قال عن خضوعه كالابن للآب ” وَالَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ ” (يو8/29)، ” وَلَكِنْ لِيَفْهَمَ الْعَالَمُ أَنِّي أُحِبُّ الآبَ وَكَمَا أَوْصَانِي الآبُ هَكَذَا أَفْعَلُ. ” (يو14/31).

† هو رب الطبيعة والذي تخضع له كل عناصر الطبيعة فقد حول الماءإلي خمر (يو2/1-10). ومشي علي مياه البحر الهائج (مت14/25؛مر6/49؛يو6/19) ” فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ وَقَالَ لِلْبَحْرِ: «اسْكُتْ. ابْكَمْ». فَسَكَنَتِ الرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ000فَخَافُوا خَوْفاً عَظِيماً وَقَالُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «مَنْ هُوَ هَذَا؟ فَإِنَّ الرِّيحَ أَيْضاً وَالْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ!” (مر4/39 و 41). ومع ذلك فقد مات كإنسان علي الصليب بحسب الطبيعة البشرية التي له، وفي لحظة موته أعلنت الطبيعة احتجاجها عندما رأت خالقها يموت علي الصليب بالجسد ” وَأَظْلَمَتِ الشَّمْسُ” (لو23/45)، ” وَإِذَا حِجَابُ الْهَيْكَلِ قَدِ انْشَقَّ إِلَى اثْنَيْنِ مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ. وَالأَرْضُ تَزَلْزَلَتْ وَالصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ وَالْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ الرَّاقِدِينَ وَخَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ. وَأَمَّا قَائِدُ الْمِئَةِ وَالَّذِينَ مَعَهُ يَحْرُسُونَ يَسُوعَ فَلَمَّا رَأَوُا الزَّلْزَلَةَ وَمَا كَانَ خَافُوا جِدّاً وَقَالُوا: «حَقّاً كَانَ هَذَا ابْنَ اللَّهِ».”(مت27/51-54).

† قال القديس يوحنا الإنجيليّ بالروح ” هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ”(يو3/16). وقال القديس بولس بالروح ” لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ فَبِالأَوْلَى كَثِيراً وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ.” (رو5/10). وفي كلتا الحالتين يقول الكتاب أنَّ ابن اللَّه، بذل ذاته علي الصليب، الابن هو اللَّه الكلمة، الذي هو واحد مع الآب في الجوهر، والآب والابن واحد ” أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ ” إله واحد، الآب هو اللَّه والابن هو اللَّه وطبعًا الذي مات علي الصليب هو المسيح، كإنسان، بناسوته، يقول الكتاب: ” مُمَاتاً فِي الْجَسَدِ ” (1بط3/18)، ” تَأَلَّمَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا بِالْجَسَدِ ” (1بط4/1)، ومع ذلك قال أنَّ الذي بذل ذاته ومات هو ابن اللَّه الوحيد دون تفرقة بين اللاهوت والناسوت أي نسب ما للناسوت للاهوت لوحدانية المسيح الواحد.

† وكما قال الكتاب أنَّ ابن اللَّه بذل ذاته ومات قال أنَّ ربّ المجد قد صُلب ” لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ.” (1كو2/8)، وأنَّ اللَّه سُفِكَ دمه علي الصليب ” اِحْتَرِزُوا اذاً لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً لِتَرْعُوا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ.” (أع20/28). قال أيضًا أنَّ اِبن الإنسان هو الربّ والديان وغافر الخطايا كما أنَّه الحيّ والذي له الحياة في ذاته، بل في معظم المرَّات التي ذُكِرَ فيها لقب ” ابن الإنسان ” كان يظهر مرتبطًا بصفة من صفات اللاهوت.

† بدأ القدِّيس متى الإنجيل الذي دوَّنه بالروح القدس قائلا ” كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ” (مت1/1)، وبدأ القديس مرقس الإنجيل الذي دوَّنه بالروح قائلاً ” بَدْءُ إِنْجِيلِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ” (مر1/1). وكلاهما كانا يتكلَّمان عن مسيحٍ واحدٍ هو اِبن اللَّه واِبن الإنسان، وكلاهما نقلا عن السيِّد المسيح تلقيبه لنفسه بهذين اللقبَين مرَّات عديدة وعلي سبيل المثال فقد سجَّل القدِّيس متي لقب ” ابن اللَّه ” حوالي 9 مرات(8)، كما سجَّل القدِّيس مرقس لقب ” ابن الإنسان ” حوالي 14 مرة(9).

† هو الإله كلِّيّ العِلْم، العالم بكلِّ شيءٍ، وفي نفس الوقت الإنسان المحدود في المعرفة والذي يبدو وكأنَّه يجهل بعض الأمور “، يقول الكتاب عن معرفة المسيح المطلقة ” لأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ الْجَمِيعَ” (يو2/24)

” لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإِنْسَانِ.” (يو2/25)، ويقول عنه الكتاب أيضًا ” الْمَسِيحِ، الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ.” (كو2/2-3). كما يقول الكتاب عنه أيضًا ” يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْساً وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ.” (عب8/13)، أي غير المتغيِّر، ومع ذلك فكإنسان يقول عنه الكتاب ” وَيَحِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ.” (اش11/2). وبدا في بعض الأحيان وكأنَّه يجهل بعض الأمور مثل المكان الذي دُفن فيه لعازر ” وَقَالَ: «أَيْنَ وَضَعْتُمُوهُ؟» قَالُوا لَهُ: «يَا سَيِّدُ تَعَالَ وَانْظُرْ» ” (يو11/34)، كما بدا وكأنَّه يجهل اليوم والساعة الذي سينتهي فيه العالم، عندما قال لتلاميذه ” وَأَمَّا ذَلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ الاِبْنُ إلاَّ الآبُ.” (مر13/32)، ” فَقَالَ لَهُمْ: «لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ” (أع1/7).

† ولأنَّه الإله المتجسِّد، الكامل في لاهوته والكامل في ناسوته، المسيح الواحد والربّ الواحد، فقد كان يعمل المعجزات بقوَّته الذاتيَّة، النابعة من ذاته، سواء بكلمة الأمر منه كما في كل الحالات التي أقام فيها الموتى ” يَا صَبِيَّةُ لَكِ أَقُولُ قُومِي” (مر5/41)، ” لِعَازَرُ هَلُمَّ خَارِجاً” (يو11/43)، ” أَيُّهَا الشَّابُّ لَكَ أَقُولُ قُمْ ” (لو7/14)، وتحويل الماء إلي خمر ” امْلأُوا الأَجْرَانَ مَاءً000 اسْتَقُوا الآنَ ” (يو2/7-8)،

وانتهار البحر والرياح ” فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ وَقَالَ لِلْبَحْرِ: «اسْكُتْ. ابْكَمْ». فَسَكَنَتِ الرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ. 000 فَخَافُوا خَوْفاً عَظِيماً وَقَالُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «مَنْ هُوَ هَذَا؟ فَإِنَّ الرِّيحَ أَيْضاً وَالْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ!» ” (مر4/39-41)، أو بلمسه للمريض أو لمس المريض له في شفاء المرضي، يقول الكتاب ” وَكُلُّ الْجَمْعِ طَلَبُوا أَنْ يَلْمِسُوهُ لأَنَّ قُوَّةً كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْهُ وَتَشْفِي الْجَمِيعَ.” (لو6/19)، ” وَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَلْمِسُوا هُدْبَ ثَوْبِهِ فَقَطْ. فَجَمِيعُ الَّذِينَ لَمَسُوهُ نَالُوا الشِّفَاءَ. ” (مت14/36)، ” وَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَلْمِسُوا وَلَوْ هُدْبَ ثَوْبِهِ. وَكُلُّ مَنْ لَمَسَهُ شُفِيَ!” (مر6/56)، ” فَجَمِيعُ الَّذِينَ لَمَسُوهُ نَالُوا الشِّفَاءَ ” (مت14/36).

 أخيرًا نختم بما قاله القديس كيرلس عامود الدين ” لأنَّ اللَّه الكلمة اتَّحَدَ بالإنسانيَّة بطريقة لا يُنطق بها، ولكنَّه أبقي علي خواص الناسوت علي النحو الذي نعرفه، وهو نفسه لم يفقد خواص اللاهوت عندما اتَّحَدَ به (بالناسوت) بل جعله واحدًا معه، وجعل خواص (الناسوت) خواصه. بل هو نفسه قام بكل أعمال اللاهوت فيه (في الناسوت)”(10).

 

_______________________

(1) أنظر كتبنا ” إذا كان المسيح إلهاً فكيف حبل به وولد (التجسد الإلهي) ” و ” هل المسيح إله أم إنسان مثل آدم خُلق من تراب؟ “.

(2) أنظر كتابنا ” إذا كان المسيح إلهاً فكيف تألم ومات؟ “.

(3) أنظر كتبنا ” هل المسيح هو الله أم ابن الله أم هو بشر ” و ” ما الفرق بين المسيح والأنبياء ومن هو الأعظم ” و ” هل قال المسيح أني أنا ربكم فاعبدوني؟ “.

(4) Marvin R. Vencent’s Word Study in the New Testament Vol. 3 P. 431

(5) Frank A. Gaebelein the Expositors Bible Commentary Vol. 11 P. 123

(6) Vencent’s Vol. 3 P. 431.

(7) New International Version

(8) مت3: 4،6؛29: 8؛33: 14؛16: 16؛63: 26؛40: 27،43،45.

(9) مر10: 2،28،31،38؛9: 9،12،31؛33: 10،45؛26: 26؛14: 21،41،16

(10) شرح تجسد ص 20 و21.

هل يشهد الكتاب المقدس على نفسه بالتحريف – القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير

” أنا ساهر على كلمتي لأجريها ” (ار1: 12)

تمهيد

هل يشهد الكتاب المقدس على نفسه بالتحريف؟

 

 ورد هذا المقال بأحد المواقع التي تنتقد المسيحية تحت عنوان ” شهادة الكتاب المقدس على نفسه بالتحريف ” وتلقف هذا المقال عشرات الكُتاب الذين أخذوا ما جاء به وكأنه وحي من السماء، وراحوا يكررون ما جاء فيه في الجرائد والمجلات والكتب التي تنتقد العقيدة المسيحية والكتاب المقدس!! كما راح بعض المتحدثين في الفضائيات يستخدمون ما جاء فيه وكأنه الحق اليقين، دون أن يراجع أحدهم المقال أو يحاول أن يتحرى مدى صحته ومصداقيته!! برغم تراجع الموقع الأصلي الذي نشره والذي قام بحذف معظم أجزائه(1)!! ولذا وجب علينا أن نوضح حقيقة ما جاء فيه ومعنى الآيات الكتابية التي استشهدوا بها. وقبل أن نبدأ في التعليق نضع الأسئلة التالية:

(1) هل يشهد الكتاب المقدس على نفسه بالتحريف؟؟؟؟؟

(2) وهل يقدم المقال ما يدل على ذلك؟؟؟؟

(3) وما هو المعنى الحقيقي للآيات المستخدمة فيه؟

 وفيما يلي المقال كاملاً:

 يقول المقال: ” إليك أيها القارىء الشهادة بتحريف الكتاب المقدس من الكتاب المقدس نفسه:

أولاً: أن كاتب المزمور (56: 4و5) ينسب إلى داود عليه السلام بأن أعداءه طوال اليوم يحرفون كلامه: ” ماذا يصنعه بي البشر. اليوم كله يحرفون كلامي. عليّ كل أفكارهم بالشر ” ترجمة الفاندايك.

ثانياً: لقد اعترف كاتب سفر ارميا (23: 13، 15، 16) بأن أنبياء أورشليم وأنبياء السامرة الكذبة حرفوا كلام الله عمداً: ” وقد رأيت في أنبياء السامرة حماقة. تنبأوا بالبعل وأضلوا شعبي إسرائيل. وفي أنبياء أورشليم رأيت ما يقشعر منه. يفسقون ويسلكون بالكذب ويشددون أيادي فاعلي الشر حتى لا يرجعوا الواحد عن شره. صاروا لي كلهم كسدوم وسكانها كعمورة. لذلك هكذا قال رب الجنود عن الأنبياء. هانذا أطعمهم افسنتينا واسقيهم ماء العلقم لأنه من عند أنبياء أورشليم خرج نفاق في كل الأرض ” (ترجمة الفاندايك).

ثالثاً: لقد اعترف كاتب سفر ارميا بأن اليهود حرفوا كلمة الله لذلك فهو ينسب لإرميا في (23: 36) توبيخ النبي إرميا لليهود: ” أما وحي الرب فلا تذكروه بعد لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه إِذْ قَدْ حَرَّفْتُمْ كلام الإله الحي الرب القدير “.

رابعاً: ونجد أيضاً أن كاتب سفر ارميا ينسب لإرميا توبيخه وتبكيته لليهود لقيامهم بتحربف كلمة الرب: ” كيف تقولون إننا حكماء وكلمة الرب معنا؟ حقاً إنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب “.

خامساً: وكاتب سفر الملوك الأول (19: 9) ينسب لإيليا النبي حين هرب من سيف اليهود فيقول: ” وَقَالَ الرَّبُّ لإِيلِيَّا: مَاذَا تَفْعَلُ هُنَا يَا إِيلِيَّا؟ فَأَجَابَ: ” غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ الإِلَهِ الْقَدِيرِ، لأَنَّ بَنِي إسرائيل تَنَكَّرُوا لِعَهْدِكَ وَهَدَمُوا مَذَابِحَكَ وَقَتَلُوا أنبياءكَ بِالسَّيْفِ، وَبَقِيتُ وَحْدِي. وَهَا هُمْ يَبْغُونَ قَتْلِي أَيْضاً ” كتاب الحياة.

سادساً: وكاتب سفر إشعيا (29: 15، 16) ينسب لإشعيا تبكيته لليهود: ” ويل للذين يتعمقون ليكتموا رأيهم عن الرب فتصير أعمالهم في الظلمة ويقولون من يبصرنا ومن يعرفنا: يالتحريفكم “.

 فإذا جاء مسيحي وزعم بأن تحريف اليهود لكلمة الرب هو قول غير مقبول نقول له أقرأ شهادة التحريف من كتابك. ويتساءل بعض المسيحيين الذين يتجاهلون الشواهد والأدلة الدالة على تحريف كتابهم المقدس قائلين: عندما يعطى الله الإنسان كتابا من عنده فهل تظن أنة لا يستطيع المحافظة علية من عبث البشر؟ نقول لهم: نعم إن الله قادر على أن يحفظ كلمته ولكنه سبحانه وتعالى اختار أن يوكل حفظ كلمته إلى علماء وأحبار اليهود ولم يتكفل هو بحفظها فقد ترك حفظ كلمته بيدهم فكان حفظ الكتاب أمراً تكليفياً وحيث انه أمر تكليفي فهو قابل للطاعة والعصيان من قبل المكلفين فالرب استحفظهم على كتابه ولم يتكفل هو بحفظه وإليكم الأدلة من كتابكم المقدس على هذا:

…جاء في سفر التثنية (4: 2) قول الرب: ” فالآن يا إسرائيل اسمع الفرائض والأحكام التي أنا أعلمكم لتعملوها لكي تحيوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي الرب اله آبائكم يعطيكم. لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به ولا تنقصوا منه لكي تحفظوا وصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها ” (ترجمة الفاندايك).

…وجاء في سفر التثنية (12: 32) قول الرب: ” كل الكلام الذي أوصيكم به احرصوا لتعملوه لا تزد عليه ولا تنقص منه “.

…وجاء في سفر الأمثال (30: 5 – 6): “كل كلمة من الله نقية. ترس هو للمحتمين به. لا تزد على كلماته لئلا يوبخك فتكذّب “.

…وقد جاء في سفر الرؤيا (22: 18) قول الكاتب: ” وَإِنَّنِي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا: إِنْ زَادَ أَحَدٌ شَيْئاً عَلَى مَا كُتِبَ فِيهِ، يَزِيدُُ اللهُ عليه الضربات وَإِنْ حذف أَحَدٌ شَيْئاً مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا، يُسْقِطُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ “. أن هذا النص تعبير واضح من الكاتب بأن الله لم يتكفل بحفظ هذا الكتاب لأنه جعل عقوبة من زاد شيئاً كذا …وعقوبة من حذف شيئاً كذا، و فيه إشارة واضحة بأن التحريف أمر وارد. يقول الله سبحانه وتعالى عن التوراة التي كانت شريعة موسى عليه السلام، وشريعة الأنبياء من بعده حتى عيسى عليه السلام: ” إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ” (المائدة: 44). ومعنى (استحفظوا): أي أمروا بحفظه، فهناك حفظ، وهناك استحفاظ. وإذا كان الأحبار والرهبان ممن جاء بعده لم يحفظوا، بل بدلوا وحرفوا، فليس معنى ذلك أن الله لم يقدر على حفظ كتابه – حاشا وكلا – ولكن المعنى: أن الله لم يتكفل بحفظه، بل جعل اليهود أمناء عليه. ومن المعلوم أن هناك المئات من الرسل والأنبياء جاؤوا بعد نوح عليه السلام ولم يتكفل الرب بحفظ رسائلهم سواء كانت شفوية أو مكتوبة وإلا فأين هي؟ مثال ذلك: صحف إبراهيم التي ذكرت في القرآن الكريم فلا وجود لها اليوم.

وأخيراً: فهل هناك أعظم من شهادة الكتاب المقدس على نفسه بالتحريف؟ لماذا نستكثر على اليهود التحريف وهم اليهود وما أدراك ما اليهود قتلوا الأنبياء بغير حق وصنعوا العجل وسجدوا له من دون الله وعبدوا الأصنام واستحلوا المحرمات وقذفوا العذراء الطاهرة مريم عليها السلام بتهمة الزنا وكفروا بالمسيح عليه السلام … فهل نستكثر عليهم التحريف … لقد أعلنت التوراة بكل وضوح أن اليهود سيفسدون ويقاومون الرب وكلامه، وذلك كلام موسى في التوراة بعد أن أوصاهم بوضعها بجانب التابوت وفيه كذلك: ” لأني عارف تمردكم ورقابكم الصلبة، هوذا وأنا بعد حي معكم، اليوم صرتم تقاومون الرب، فكم بالحري بعد موتي ” (تثنية 31: 27).

 من الذي حرف؟

ومتى وأين ولماذا؟

يقول القس ” سواجارت “؛ ” وهم يقولون – يقصد المسلمين – إن تلك الأسفار الأصلية التي أنزلها الله وهي التوراة، والإنجيل، قد فقدت ولا أظن أن في مقدور أحد أن يخبرنا أين فقدت؟ ولا متى فقدت؟ ولا كيف فقدت؟ “.

 وهذا السؤال الذي ساقه ” سواجارت ” لون من الخداع والتلاعب بالألفاظ، لأن الذي يقوله علماء المسلمين ويؤكدون عليه أن الكتب والأسفار التي بين يدي اليهود والنصارى الآن دخلها التحريف والتبديل والزيادة قبل مجيء الإسلام وبعثة محمد (ص) واستمر الأمر حتى بعد بعثته (ص) … ولا يقول أحد من علماء المسلمين إن جميع ما جاء به موسى وعيسى قد فقد 00 بل الحق أن ما لديهم من أسفار يجمع بين الحق والباطل والغث والسمين، ونقول للمبشرين والقسس على اختلاف مذاهبهم دعوا هذا السؤال لأنه لا قيمة له لما يأتي: نحن لسنا بصدد القبض على من قام أو قاموا بالتحريف، و لا يهمنا معرفة زمان أو مكان وقوع التحريف 00 أن الشيء المهم في هذا الصدد هو بيان وقوع التحريف والعثور على أمثلة توضح بما لا يدع مجالاً للشك وقوع هذا التحريف، وهذا هو ما أثبته الباحثون المنصفون الذين درسوا الكتاب المقدس ووجدوا فيه ما وجدوا من أمور تجافي وحي السماء، وأخطاء و تناقضات لا تقع إلا في كلام البشر. هب أن شخصاً أمسك بيد قسيس إلى خارج الكنيسة، وقال له: أنظر إلى هذا القتيل الذي أمامك. فقال القسيس: لا، لن أصدق حتى تخبرني: متى ومن ولماذا وكيف قتل؟!! لو حدث هذا ماذا يقول الناس عن هذا القسيس؟! وهذا يشبه تماماً موقف المبشرين من قضية تحريف الإنجيل، إنك تضع أيديهم على مئات الأمثلة وتبين لهم بالمحسوس التحريف الواضح والاختلاف البين بين إنجيل وإنجيل ونسخة ونسخة ولكنهم يتمتمون 00 لا 00 لن نصدق. أخبرونا أين ومتى وكيف ولماذا حدث هذا؟!

 لقد أطلق كاتب المقال لخياله العنان وراح، مثل دون كيشوط، يحارب طواحين الهواء!!!!!!!!!! فما صحة ما زعمه في هذا المقال؟؟؟؟!!!

 

التعليق الأول

ما هو التحريف الذي أشار إليه داود النبي؟

يقول كاتب المقال زاعماً بل وبدون تحقيق أو تدقيق لما يقرأ!!!!

أولاً: أن كاتب المزمور (56: 4و5) ينسب إلى داود عليه السلام بأن أعداءه طوال اليوم يحرفون كلامه: ” ماذا يصنعه بي البشر. اليوم كله يحرفون كلامي. عليّ كل أفكارهم بالشر ” ترجمة الفاندايك.

 وقبل الرد نسأل كاتب المقال ونقول له: ما هو التحريف؟!

 ونقول له أن كلمة تحريف في أي كتاب مقدس، بحسب المفهوم الإسلامي، تعني تحريف الكلام بمعنى تفسيره على غير معناه بدون دليل وإعطائه معنى يخالف معناه الحقيقي. ويعني اصل التحريف في اللغة تبديل المعنى. والتحريف اصطلاحاً له معانٍ كثيرة منها: التحريف الترتيبي: أي نقل الآية من مكانها إلى مكان آخر. ومنها تحريف المعنى وتبديله إلى ما يخالف ظاهر لفظه، وهذا يشمل التفسير بالرأي، وكل من فسر الكلام بخلاف حقيقته وحمله على غير معناه فهو تحريف. ومنها تحريف اللفظ: وهو يشمل كل من الزيادة أو النقص، والتغيير والتبديل.

أولاً: التحريف بالزيادة: بمعنى أنّ بعض الكتاب الذي بين أيدينا ليس منكلام الكتاب الأصلي، سواء بزيادة حرف أو كلمة أو آية أو جزء في الكتاب.

ثانياً: التحريف بالنقص: بمعنى أنّ بعض الكتاب الذي بين أيدينا لا يشتمل على جميع ما كتبه الأنبياء بالروح، بأنْ يكون قد ضاع بعضه إمّا عمداً، أو نسياناً، وقد يكون هذا البعض حرفاً أو كلمةً أو آية أو جزءاً من الكتاب. أي التحريف في تبديل كلمة بدل أخرى، التحريف في تبديل حرف بآخر، التحريف في تبديل حركة بأخرى.

 هذا معنى التحريف وأقسامه كما عرفها وبينها علماء المسلمين. والسؤال هنا هو: هل ينطبق معنى التحريف هذا على ما جاء في هذا المقال؟ وهل ينطبق ذلك على كلام داود النبي في هذا المزمور المستشهد به؟

والإجابة هي كلا!!

 فقد وُضعت كلمة ” يحرف ” وكلمة ” تحريف ” في ترجمة العهد القديم إلى اللغة العربية، الترجمة البيروتية (فاندايك)، لكلمات تعني في الآيات التالية، في لغتها العبرية الأصلية، الميل بالحقيقة عن العدل والحق، وبتأويل معنى الكلمة بغير معناها المقصود، يقول الكتاب ” لا تجب في دعوى مائلا وراء الكثيرين للتحريف ” (خر 23: 2)، وقد وردت كلمة تحريف في العبرية (נטה – nâṭâh) بمعنى يميل عن، ينحني، يخلص، يمتد 00 الخ أي يميل بها عن العدل، وجاءت في الترجمة الإنجليزية: ” to wrest judgment”، أي يميل عن العدل أو يسيء تفسيره. لذا جاءت في الترجمة اليسوعية: ” ولا تُحَرِّفْ وأَنتَ تَشهَدُ في الدَّعاوى، مائلاً جِهَةَ الكَثيرين “.

 وجاء في خروج ” لا تحرف (תטה – nâṭâh) حق فقير في دعواه -You shall not pervert the judgment of your poor in his cause” (خر 23: 6)، مستخدماً نفس الكلمة العبرية السابقة بمعنى لا تمل عن حق فقيرك، أو تجور على حق فقيرك. ومن هنا ترجمت في العربية المشتركة معنوياً: ” لا تسكُتْ عَن إنصافِ المِسكينِ في دعواهُ “.

 وجاء في تثنية ” لا تحرف القضاء ولا تنظر إلى الوجوه – You shall not pervert justice” (تث16: 19). مستخدما نفس الكلمة العبرية السابقة بمعنى لا تحكم إلا بالعدل ولا تحابى من لهم مكانة، وقد ترجمت في العربية المشتركة ” لا تَجوروا في الحُكْمِ، ولا تُحابوا أحدًا “.

 وهنا يشكو داود من أن أعداءه الكثيرين: ” اليوم يحرفون كلامي. على كل أفكارهم بالشر ” (مز56: 5). ويستخدم الكلمة العبرية (עצב – ‛âtsab) والتي تعنى يعوج، يلوى، يغير المعنى، يتألم يغضب … الخ والمقصود هنا هو تغير معنى كلام داود من أعدائه:

 ” they wrest my words”

 ” they pervert my words”

 ” wordsthey make wrong use of my “

 أي يغيرون أو يلوون أو يسيئون استخدام كلمات داود نفسه وليس كلام الوحي!! وهذا ما حدث بالفعل عندما حاول أعداء داود النبي أن يحرضوا شاول عليه “وقال داود لشاول لماذا تسمع كلام الناس القائلين هوذا داود يطلب أذيتك. هوذا قد رأت عيناك اليوم هذا كيف دفعك الرب اليوم ليدي في الكهف وقيل لي أن أقتلك ولكنني أشفقت عليك وقلت لا أمد يدي إلى سيدي لأنه مسيح الرب هو ” (1صم24: 9و10).

 وكان أعداء داود يفكرون عليه بالشر ” على كل أفكارهم بالشر “، وكانوا يتعقبون خطواته ليوقعوا به عند شاول الملك ” فاذهبوا أكّدوا أيضا واعلموا وانظروا مكانه حيث تكون رجله ومن رآه هناك. لأنه قيل لي انه مكرا يمكر. فانظروا واعلموا جميع المختبآت التي يختبئ فيها ثم ارجعوا إليّ على تأكيد فأسير معكم ويكون إذا وجد في الأرض أني أفتش عليه بجميع ألوف يهوذا ” (1صم23: 22و23).

 كان أعداء داود يحرفون كلام داود النبي، الكلام العادي وليس كلام الوحي الإلهي، ليوقعوا به عند شاول الملك!!

 

التعليق الثاني

ما هو التحريف الذي أشار إليه إرميا النبي؟

ثم يقول الكاتب زاعماً: ثانياً: لقد اعترف كاتب سفر ارميا (23: 13، 15، 16) بأن أنبياء أورشليم وأنبياء السامرة الكذبة حرفوا كلام الله عمداً: ” وقد رأيت في أنبياء السامرة حماقة. تنبأوا بالبعل وأضلوا شعبي إسرائيل. وفي أنبياء أورشليم رأيت ما يقشعر منه. يفسقون ويسلكون بالكذب ويشددون أيادي فاعلي الشر حتى لا يرجعوا الواحد عن شره. صاروا لي كلهم كسدوم وسكانها كعمورة. لذلك هكذا قال رب الجنود عن الأنبياء. هانذا أطعمهم افسنتينا واسقيهم ماء العلقم لأنه من عند أنبياء أورشليم خرج نفاق في كل الأرض “.

 ثالثاً: لقد اعترف كاتب سفر ارميا بأن اليهود حرفوا كلمة الله لذلك فهو ينسب لإرميا في (23: 36) توبيخ النبي إرميا لليهود: ” أما وحي الرب فلا تذكروه بعد لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه إِذْ قَدْ حَرَّفْتُمْ كلام الإله الحي الرب القدير “.

رابعاً: ونجد أيضاً أن كاتب سفر ارميا ينسب لإرميا توبيخه وتبكيته لليهود لقيامهم بتحربف كلمة الرب: ” كيف تقولون إننا حكماء وكلمة الرب معنا؟

حقاً إنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب “.

 وللرد نقول: من الواضح هنا أن كاتب المقال لا يهمه شيء غير اصطياد كلمات يحور معناها ليصل بها إلى غرضه!!! ونقول له أن الدراسة النبيلة ذات الغرض النبيل تبحث كل شيء وتدرس كل شيء وتفهم كل شيء بحيدة، ولا تأخذ بالظواهر، ولو كان قد قرأ بقية الإصحاح لفهم المعنى!!

(أ) لقد كان عصر أرميا النبي يمتلىء بالأنبياء الكذبة وكان كل منهم يزعم أن الله يوحي إليه وقد تبعهم بعض الكهنة ولكن كان كلامهم كله كذب ولذا يوبخهم الله عن طريق ارميا النبي الذي كان النبي الموحى إليه من الله. أنه يوبخ الأنبياء الكذبة لأنهم ينسبون لله كلاماً لم يتكلم به معهم ويفسرون شريعته على هواهم!! يقول الكتاب: ” هكذا قال رب الجنود لا تسمعوا لكلام الأنبياء الذين يتنبأون لكم. فأنهم يجعلونكم باطلا. يتكلمون برؤيا قلبهم لا عن فم الرب. قائلين قولا لمحتقريّ قال الرب يكون لكم سلام. ويقولون لكل من يسير في عناد قلبه لا يأتي عليكم شر. لأنه من وقف في مجلس الرب ورأى وسمع كلمته؟ من أصغى لكلمته وسمع؟ ها زوبعة الرب. غيظ يخرج ونوء هائج. على رؤوس الأشرار يثور. لا يرتد غضب الرب حتى يجري ويقيم مقاصد قلبه. في آخر الأيام تفهمون فهما. لم أرسل الأنبياء بل هم جروا. لم أتكلم معهم بل هم تنبأوا. ولو وقفوا في مجلسي لأخبروا شعبي بكلامي وردّوهم عن طريقهم الرديء وعن شر أعمالهم ” (ار23: 15-23).

 

(ب) ويشكو ارميا النبي من أن ” كلمة كل إنسان تكون وحيه إذ قد حرفتم كلام الإله الحي رب الجنود إلهنا (ار23: 36). ويستخدم الكلمة العبرانية ” הפך – hâphak ” والتي تترجم أسأتم استخدام كلام الإله “:

” for you have perverted the words of the living God” أي ” أسأتم استعمال كلمة الله الحي “. أي أنه يقول كل واحد يمشي على هواه ” كلمة كل إنسان تكون وحيه “. كما أنكم أسأتم استخدام كلمة الله في غير هدفها وبغير معناها الأصلي. وأيضاً ” you are twisting my wordsinto a lie “!! أي فسرتم كلمتي بالكذب وبغير معناها الذي قصدته، أولتم كلامي تأويلاً فاسداً.

 ولذا فقد ترجمت في العربية المشتركة: ” أمَّا وَحيُ الرّبِّ فلا تَذكُروهُ مِنْ بَعدُ، لأنَّ لِكُلٍّ مِنكُم كلامًا مِنْ وَحيهِ، فعكَسْتُم كلامَ الإلَهِ الحَيِّ والرّبِّ القديرِ”.

(ج) أما قوله ” كيف تقولون: نحن حكماء وشريعة الرب معنا؟ حقا انه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب “. فلا يقصد هنا تحريف النص إنما تحريف الكتبة للمعنى لا للنص، فالكاتب يكتب تفسيرات لكلمة الله وفي هذه التفسيرات يفسر المعنى على هواه. وقوله ” حقا انه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب “، يعني كذبوا في تفسيرها وتأويلها وشرح معناها وناوروا في كلمة الناموس ليفسدوا معناه. فقد كان هؤلاء الكتبة حافظين للناموس وقد حوروا معناه وأولوه على أهوائهم!!

 

التعليق الثالث

هل أشار سفر الملوك وسفر إشعياء إلى وجود تحريف؟

 ثم يقول أيضا بدون موضوعية وبدون معرفة ما يتكلم الكتاب عنه:

 خامساً: وكاتب سفر الملوك الأول (19: 9) ينسب لإيليا النبي حين هرب من سيف اليهود فيقول: ” وَقَالَ الرَّبُّ لإِيلِيَّا: مَاذَا تَفْعَلُ هُنَا يَاإِيلِيَّا؟ فَأَجَابَ: ” غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ الإِلَهِ الْقَدِيرِ، لأَنَّ بَنِي إسرائيل تَنَكَّرُوا لِعَهْدِكَ وَهَدَمُوا مَذَابِحَكَ وَقَتَلُوا أنبياءكَ بِالسَّيْفِ، وَبَقِيتُ وَحْدِي. وَهَا هُمْ يَبْغُونَ قَتْلِي أَيْضاً “.

 وهنا يتجاهل الكاتب رد الرب على إيليا قوله له: ” أبقيت في إسرائيل سبعة آلاف كل الركب التي لم تجث للبعل وكل فم لم يقبّله ” (ع18). فالله الذي لا يترك نفسه بلا شاهد (أع14: 17) كان يحفظ لنفسه في كل وقت، دائما، مجموعة نقية وببقية أمينة لتحفظ كلمته وتكون شاهدة عليها، كما يحافظ عليها هو نفسه كقوله: ” أنا ساهر على كلمتي لأجريها ” (ار1: 12).

 ويفسر ما جاء في سفر اشعياء النبي على هواه فيقول:

 سادساً: وكاتب سفر إشعيا (29: 15، 16) ينسب لإشعيا تبكيته لليهود: “ويل للذين يتعمقون ليكتموا رأيهم عن الرب فتصير أعمالهم في الظلمة ويقولون من يبصرنا ومن يعرفنا: يالتحريفكم “.

 ونقول له لا يُنكر أبدا أن بني إسرائيل عبر كل تاريخهم حادوا عن طريق الرب وتركوا وصاياه وعبدوا الأصنام ويقول الكتاب عنهم: ” وكان أن بني إسرائيل اخطأوا إلى الرب إلههم الذي أصعدهم من ارض مصر من تحت يد فرعون ملك مصر واتقوا آلهة أخرى وسلكوا حسب فرائض الأمم الذين طردهم الرب من أمام بني إسرائيل وملوك إسرائيل الذين أقاموهم. وعمل بنو إسرائيل سرّا ضد الرب إلههم أمورا ليست بمستقيمة وبنوا لأنفسهم مرتفعات في جميع مدنهم من برج النواطير إلى المدينة المحصّنة. وأقاموا لأنفسهم أنصابا وسواري على كل تل عال وتحت كل شجرة خضراء. وأوقدوا هناك على جميع المرتفعات مثل الأمم الذين ساقهم الرب من أمامهم وعملوا أمورا قبيحة لإغاظة الرب. وعبدوا الأصنام التي قال الرب لهم عنها لا تعملوا هذا الأمر. واشهد الرب على إسرائيل وعلى يهوذا عن يد جميع الأنبياء وكل راء قائلا ارجعوا عن طرقكم الرديّة واحفظوا وصاياي فرائضي حسب كل الشريعة التي أوصيت بها آباءكم والتي أرسلتها إليكم عن يد عبيدي الأنبياء. فلم يسمعوا بل صلّبوا أقفيتهم كأقفية آبائهم الذين لم يؤمنوا بالرب إلههم. ورفضوا فرائضه وعهده الذي قطعه مع آبائهم وشهاداته التي شهد بها عليهم وساروا وراء الباطل وصاروا باطلا ووراء الأمم الذين حولهم الذين أمرهم الرب أن لا يعملوا مثلهم ” (2ملوك17: 7-15).

 وقال عنهم الله في سفر اشعياء ” اسمعي أيتها السموات وأصغي أيتها الأرض لان الرب يتكلم. ربيت بنين ونشأتهم. أما هم فعصوا عليّ. الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه. أما إسرائيل فلا يعرف. شعبي لا يفهم. ويل للأمّة الخاطئة الشعب الثقيل الأثم نسل فاعلي الشر أولاد مفسدين.تركوا الرب استهانوا بقدوس إسرائيل ارتدوا إلى وراء. علاَم تضربون بعد.تزدادون زيغانا. كل الرأس مريض وكل القلب سقيم. من أسفل القدم إلى الرأس ليس فيه صحة بل جرح وإحباط وضربة طرية لم تعصر ولم تعصب ولم تلين بالزيت. بلادكم خربة مدنكم محرقة بالنار. أرضكم تأكلها غرباء قدامكم وهي خربة كانقلاب الغرباء. فبقيت ابنة صهيون كمظلة في كرم كخيمة في مقثأة كمدينة محاصرة. لولا أن رب الجنود أبقى لنا بقية صغيرة لصرنا مثل سدوم وشابهنا عمورة اسمعوا كلام الرب يا قضاة سدوم. أصغوا إلى شريعة إلهنا يا شعب عمورة. لماذا لي كثرة ذبائحكم يقول الرب.أتخمت من محرقات كباش وشحم مسمنات.وبدم عجول وخرفان وتيوس ما اسر. حينما تأتون لتظهروا أمامي من طلب هذا من أيديكم أن تدوسوا دوري ” (اش1).

 هذا الكلام وغيره كثير ولكن هذا الكلام ليس دليل تحريف بل العكس فهو دليل على حفظهم لكل كلمة في الكتاب المقدس لأنه لو كانوا قد حرفوا العهد القديم لما أبقوا على كلمة واحدة تسيء إليهم!!

 هذا الكلام دليل على حفظهم، أو على الأقل حفظ البقية الأمينة التي حفظها الله لهذا الغرض، لكل كل كلمة في هذه الأسفار المقدسة لأنهم لو كانوا قد حرفوا أو حذفوا أو أضافوا أي شيء لهذا الأسفار لكانوا قد حذفوا هذه الأقوال والكثير غيرها مما يسيء إليهم أبلغ إساءة، وأضافوا ما يمجدهم ويمتدحهم وهذا ما يندر وجوده في كل أسفار العهد القديم، وألا فليقل لنا هذا الكاتب ومن شايعه، من أين عرف الناس خطايا بني إسرائيل المذكورة في أسفارهم بهذا التفصيل الدقيق لو لم تكن قد ذكرت في هذه الأسفار؟؟!! بل ويقول الكتاب أن ارميا النبي صرخ من شدة وهول ما فعلوه به لدرجة أنه فكر أن لا ينطق أمامهم بكلمة الله نهائياً وأن يتخلى عن مهمته نهائياً!! بل وطلب من الله الانتقام منهم، ولكن إرادة الله كانت على غير ما أراد النبي، لذا قال: ” قد أقنعتني يا رب فاقتنعت وألححت عليّ فغلبت. صرت للضحك كل النهار كل واحد استهزأ بي. لأني كلما تكلمت صرخت. ناديت ظلم واغتصاب. لأن كلمة الرب صارت لي للعار وللسخرة كل النهار. فقلت لا اذكره ولا انطق بعد باسمه. فكان في قلبي كنار محرقة محصورة في عظامي فمللت من الإمساك ولم استطع لأني سمعت مذمة من كثيرين. خوف من كل جانب. يقولون اشتكوا فنشتكي عليه. كل أصحابي يراقبون ظلعي قائلين لعله يطغى فنقدر عليه وننتقم منه. ولكن الرب معي كجبار قدير. من اجل ذلك يعثر مضطهديّ ولا يقدرون. خزوا جدا لأنهم لم ينجحوا خزيا أبديا لا ينسى. فيا رب الجنود مختبر الصدّيق ناظر الكلى والقلب دعني أرى نقمتك منهم لأني لك كشفت دعواي ” (ار20: 7 -12).

 ويقول الله نفسه عنهم لحزقيال النبي: ” يا ابن آدم اذهب امض إلى بيت إسرائيل وكلمهم بكلامي. لأنك غير مرسل إلى شعب غامض اللغة وثقيل اللسان بل إلى بيت إسرائيل. لا إلى شعوب كثيرة غامضة اللغة وثقيلة اللسان لست تفهم كلامهم. فلو أرسلتك إلى هؤلاء لسمعوا لك. لكن بيت إسرائيل لا يشاء أن يسمع لك. لأنهم لا يشاؤون أن يسمعوا لي. لأن كل بيت إسرائيل صلاب الجباه وقساة القلوب. هانذا قد جعلت وجهك صلبا مثل وجوههم وجبهتك صلبة مثل جباههم. قد جعلت جبهتك كالماس اصلب من الصوان فلا تخفهم ولا ترتعب من وجوههم لأنهم بيت متمرد ” (حز3: 4-9).

 ومع ذلك فقد حفظ الله هذا الكلام ولم يجرؤا أن يحذفوا أو يعدلوا منه كلمة أو حرفاً بل حُفظوه كما هو، ولوا كانوا قد حرفوا شيئاً لكانوا قد حذفوا كل ما يسيء إليهم وهذا لم يحدث.

 ونقول لهؤلاء الكُتّاب ونكرر أن وجود هذا الكلام في حق إسرائيل وشعب إسرائيل دليل على أنهم لم يجرؤا عبر تاريخهم على تغيير حرف أو كلمة من كتبهم!! بل ونظراً لتحذير الله الصارم لهم: ” كل الكلام الذي أوصيكم به احرصوا لتعملوه. لا تزد عليه ولا تنقص منه ” (تث12: 32). لم يجرؤ أحد منهم أن يزيد حرفاً ولا يحذف حرفاً من أي سفر من التوراة وبقية أسفار العهد القديم. يقول الكاهن والمؤرخ اليهودي يوسيفوس المعاصر لتلاميذ المسيح (36 – 100م) في كتابه ضد ابيون (8: 1):

 ” لدينا فقط اثنان وعشرون كتابا تحتوى على سجلات كل الأزمنة الماضية، والتي نؤمن حقا إنها إلهية. خمسة منها لموسى تحتوى على نواميسه وتقاليد أصل الجنس البشرى حتى وفاته (موسى) … ومن موت موسى إلى حكم ارتحشتا كتب الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى ما حدث في أيامهم في ثلاثة عشر كتابا والكتب الأربعة الباقية تحتوى على ترانيم لله ومبادئ سلوكية لحياة البشر. ومن ارتحشتا إلى زماننا كتب تاريخنا (كل الأشياء سجلت) ولكن لم يقم بنفس السلطان مع أولئك الذين سبقوهم لأنه لم يكن هناك تعاقب حقيقي للأنبياء منذ ذلك الوقت.

 ويوجد برهان عملي على كيفية معاملتنا لهذه الكتب، فبرغم المدة الطويلة التي انقضت حتى الآن لم يجرؤ أحد أن يضيف إليها أو أن يحذف شيئاً منها أو يغير أي شئ منها. بل أنه طبيعي لكل اليهود من يوم الميلاد مباشرة يعتبرون هذه الكتب هي تعاليم الله ويثابرون فيها وإذا دعت الضرورة يموتون سعداء لأجلها “.

 هذه الشهادة التي يشهدها هذا المؤرخ والذي كان يحمل بين يديه النسخة الرسمية المعتمدة التي كانت في الهيكل، كما يشهد هو ذاته بذلك في سيرة حياته، كافية وحدها لإبطال كل المزاعم والافتراضات والنظريات القائلة بالتحريف.

(1) فهو يؤكد أن كُتّاب الوحي الإلهي والأسفار المقدسة هم موسى والأنبياء، وأن هذه الكتب جميعا كتبت من أيام موسى إلى ارتحشتا الملك الفارسي (465-424ق م)، أو كما يقول ” الأزمنة الماضية “، أي في زمانها الحقيقي الذي شهد له الوحي ذاته وقبل كل الأزمنة التي توهمها النقاد الماديين.

(2) ويؤكد أنه لا يجرؤ أحد أن يضيف إلى هذه الكتب أو أن يحذف منها أو أن يغير منها شيئا. وهذا ضد كل افتراضات النقاد الماديين وما توهموه.

(3) وأن هذه الكتب هي ” تعاليم الله ” ويدافعون عنها حتى الموت.

(5) يقسم هذه الأسفار إلى ثلاثة تقسيمات هي: الناموس والأنبياء والمزامير أو الترانيم والمبادئ العامة. وهو بذلك قريب جدا من تقسيم المسيح، إذ يضم دانيال مع الأنبياء ويقتصر تقسيمه الثالث على المزامير والأمثال والجامعة ونشيد الإنشاد. ويذكر 22 كتابا فقط بدلا من 24.

 وتقول لكاتب المقال ومن شايعه وسار على دربه أن من أسباب القول بالتحريف عند الشيعة، بحسب ما قاله الفيض الكاشاني في المقدمة السادسة لتفسيره الصافي، هو القول بحذف اسم علي وآل البيت وأسماء من أسموهم بالمنافقين ” وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة منها اسم علي عليه السلام في كثير من المواضع، ومنها لفظة آل محمد غير مرة، ومنها أسماء المنافقين في مواضعها ومنها غير ذلك “(2). ولو كان اليهود قد حرفوا الكتاب لكانوا قد حذفوا منه كل ما يسيء إليهم وهو كثير ولكن هذا لم يحدث!!

 

التعليق الرابع

هل التحذير من الزيادة أو النقص يعني حتمية حدوث التحريف؟

ثم يقول الكاتب بغرابة شديدة:  

 ” ويتساءل بعض المسيحيين الذين يتجاهلون الشواهد والأدلة الدالة على تحريف كتابهم المقدس قائلين: عندما يعطى الله الإنسان كتابا من عنده فهل تظن أنة لا يستطيع المحافظة علية من عبث البشر؟

نقول لهم: نعم إن الله قادر على أن يحفظ كلمته ولكنه سبحانه وتعالى اختار أن يوكل حفظ كلمته إلى علماء وأحبار اليهود ولم يتكفل هو بحفظها فقد ترك حفظ كلمته بيدهم فكان حفظ الكتاب أمراً تكليفياً وحيث انه أمر تكليفي فهو قابل للطاعة والعصيان من قبل المكلفين فالرب استحفظهم على كتابه ولم يتكفل هو بحفظه وإليكم الأدلة من كتابكم المقدس على هذا:

 جاء في سفر التثنية (4: 2) قول الرب: ” فالآن يا إسرائيل اسمع الفرائض والأحكام التي أنا أعلمكم لتعملوها لكي تحيوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي الرب اله آبائكم يعطيكم. لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به ولا تنقصوا منه لكي تحفظوا وصايا الرب إلهكم التي إنا أوصيكم بها “.

وجاء في سفر التثنية (12: 32) قول الرب: ” كل الكلام الذي أوصيكم به احرصوا لتعملوه لاتزد عليه ولا تنقص منه “.

 وجاء في سفر الأمثال (30: 5 – 6): ” كل كلمة من الله نقية. ترس هو للمحتمين به. لا تزد على كلماته لئلا يوبخك فتكذّب “.

 وقد جاء في سفر الرؤيا (22: 18) قول الكاتب: ” وَإِنَّنِي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا: إِنْ زَادَ أَحَدٌ شَيْئاً عَلَى مَا كُتِبَ فِيهِ، يَزِيدُُ اللهُ عليه الضربات وَإِنْ حذف أَحَدٌ شَيْئاً مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا، يُسْقِطُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ “.

 ثم يقول بغرابة شديدة: ” أن هذا النص تعبير واضح من الكاتب بأن الله لم يتكفل بحفظ هذا الكتاب لأنه جعل عقوبة من زاد شيئاً كذا … وعقوبة من حذف شيئاً كذا، و فيه إشارة واضحة بأن التحريف أمر وارد “. محولاً الحق إلى باطل والباطل إلى حق!!

 ونستغرب من كلامه الغريب هذا؛ هل معنى أن يحذر الله من الزيادة أو الحذف أن يعني ذلك أن الزيادة أو الحذف قد حدثا فعلاً؟؟!! أليس هذا كلام غريب ويتنافى مع الحق؟؟؟

1- وتقول له في الآية الأولى يطلب الله من بني إسرائيل أن يحفظوا الفرائض والأحكام التي يعطيها لهم وأن يعملوا بها كما أعطاها لهم دون أن يزيدوا عليها أو أن ينقصوا منها، ويحذرهم من عاقبة الزيادة أو النقصان في كلامه. فهل يعني ذلك أنهم فعلوا ذلك فعلاً؟؟!!

 والإجابة كلا!! لأن التحذير كان منصباً على تنفيذ الوصية كما هي بدون زيادة أو نقصان!! وهذا الكلام كان منصباً على المستقبل!!

2 – والآية الثانية والتي تقول: ” كل الكلام الذي أوصيكم به احرصوا لتعملوه لا تزد عليه ولا تنقص منه ” (تث12: 32). يقصد بها تحذير مستقبلي أيضاً!!

3 – والآية الثالثة تؤكد هذا المعنى وتقول ” كل كلمة من الله نقية. ترس هو للمحتمين به. لا تزد على كلماته لئلا يوبخك فتكذّب ” (أم30: 5و6). وسفر الأمثال كتب بعد سفر التثنية بحوالي 600 سنة ولو كان قد حدث زيادة أو حذف في كلمة الله لكان قد أشار إليها وأتخذ منها مثالاً!!

4 – أما قول الكاتب عما جاء في سفر الرؤيا فهو العجب نفسه بل والتأويل الباطل الذي يفسر كلام الله على هواه!! فيقول الكاتب مقتبساً ما جاء في سفر الرؤيا ” وَإِنَّنِي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا: إِنْ زَادَ أَحَدٌ شَيْئاً عَلَى مَا كُتِبَ فِيهِ، يَزِيدُُ اللهُ عليه الضربات وَإِنْ حذف أَحَدٌ شَيْئاً مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا، يُسْقِطُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ “.

 ثم يقول زاعما ومؤولاً تأويلاً باطلاً!! ” أن هذا النص تعبير واضح من الكاتب بأن الله لم يتكفل بحفظ هذا الكتاب لأنه جعل عقوبة من زاد شيئاً كذا … وعقوبة من حذف شيئاً كذا، و فيه إشارة واضحة بأن التحريف أمر وارد!!

 ونقول له أتق الله ولا داعي للتأويل الباطل وتغيير الحقيقة!! أن هذه الآيات وردت في آخر سفر الرؤيا كجزء منه ونص من نصوصه وهو يحذر من الحذف والإضافة، بل ويقول الكتاب في آياته الأولى ” طوبى للذي يقرأ وللذين يسمعون أقوال النبوة ويحفظون ما هو مكتوب فيها لان الوقت قريب ” (رؤ1: 3). وهذا التطويب للذي يقرأ والذي يسمع يدل على سلامة كلمة الله وحفظها، فكيف تزعم أنت بالباطل وتقول أنه ” تعبير واضح من الكاتب بأن الله لم يتكفل بحفظ هذا الكتاب “!!

…أهكذا تقلبون الحق إلى باطل والباطل إلى حق!!؟؟

…وكيف لم يتكفل الله بحفظ كتابه؟؟!!

…وهل عجز الله عن ذلك؟؟!!

…وهل أخطأ عندما أوكل إلى رجال الله في القديم والجديد بحفظ كتابه؟

…ألم يكن يعلم مقدما، بعلمه الكلي، ما سيؤول إليه مصير كتابه؟

… وهل علم بأن كتابه سيُحرف وتركه لهذا المصير؟

… وهل يزعمون أن الله ترك التوراة والإنجيل يحرفان لكي يحافظ فقط على كتاب أخر وجعل مليارات المليارات من البشر عبر كل العصور تؤمن بكتابين محرفين وسقطوا في الضلال مجاملة لكتاب آخر؟؟؟!!!! حاشا لله!!

 يقول الرب يسوع المسيح: ” فاني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل ” (مت5: 18).

” السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول ” (مر13: 31).

 

التعليق الخامس

من الذي حرف؟ ومتى وأين ولماذا؟

 ثم يقول كاتب المقال:

 من الذي حرف؟ و متى وأين ولماذا؟يقول القس ” سواجارت “: ” وهم يقولون – يقصد المسلمين – إن تلك الأسفار الأصلية التي أنزلها اللهوهي التوراة، والإنجيل، قد فقدت و لا أظن أن في مقدور أحد أن يخبرنا أين فقدت؟ولا متى فقدت؟ ولا كيف فقدت؟ “.

 وهذا السؤال الذي ساقه ” سواجارت”لون من الخداع والتلاعب بالألفاظ، لأن الذي يقوله علماء المسلمين ويؤكدون عليه أن الكتب والأسفار التي بين يدي اليهود والنصارى الآن دخلها التحريف والتبديل والزيادة قبل مجيء الإسلام وبعثة محمد (ص) واستمر الأمرحتى بعد بعثته (ص). ولا يقول أحد من علماء المسلمين إنجميع ما جاء به موسى وعيسى قد فقد 00 بل الحق أن ما لديهم من أسفار يجمع بين الحقوالباطل والغث والسمين.

 وعندما نسأل أمثال هذا الكاتب وكيف تفرق بين الحق والباطل في هذا الكتب؟ نجده يرد علينا بسرعة أسرع من البرق بقوله؛ ما يتفق مع الإسلام فهو صحيح وما يختلف معه فهو الباطل!! وهكذا نصب من ديانته وكتابه، وليس البحث العلمي المجرد، الحكم على الكتاب المقدس!!!

 ونقول له: هذا الكلام لا يدل إلا علي شيء واحد فقط وهو التعود على تكرار وحفظ وترديد كلمات دون التفكير فيها والتأكد من صحتها، فقط ترديدها وكأنها محفوظات مقدسة!! هكذا دون استخدام المنطق العلمي الذي يقوم على الدليل والبرهان الموثق.

 فهو يحاول حل التناقض العقائدي الموجود بين المسيحية والإسلام بهذه المقولة ” أن ما لديهم من أسفار يجمع بين الحقوالباطل والغث والسمين “!! فالذي يتفق مع معتقداته يكون هو السليم الصحيح وما يختلف مع كتابه يكون هو الغث المحرف!!!!!  

 وهكذا جعل من نفسه القاضي الذي يصدر أحكامه قبل أن يقرأ حرفاً واحداً من أوراق القضية التي يحكم فيها!!

 ثم يقول الكاتب:

 من الذي حرف؟ و متى وأين ولماذا؟ونقول للمبشرين والقسس على اختلاف مذاهبهمدعوا هذا السؤال لأنه لا قيمة له لما يأتي: نحن لسنا بصدد القبض على من قام أو قاموا بالتحريف،و لا يهمنا معرفة زمان أو مكان وقوعالتحريف..

 أن الشيء المهم في هذا الصدد هو بيان وقوع التحريف والعثور على أمثلة توضح بما لايدع مجالاً للشك وقوع هذا التحريف، وهذا هو ما أثبته الباحثون المنصفون الذيندرسوا الكتاب المقدس ووجدوا فيه ما وجدوا من أمور تجافي وحي السماء، وأخطاء وتناقضات لا تقع إلا في كلام البشر.

 هب أن شخصاً أمسك بيد قسيس إلى خارج الكنيسة، وقال له: أنظر إلى هذا القتيل الذيأمامك. فقال القسيس: لا، لن أصدق حتى تخبرني: متى ومن ولماذا وكيف قتل؟!! لوحدث هذا ماذا يقول الناس عن هذا القسيس؟!

 ونقول لكاتب هذا المقال:

…إذا كان السؤال عن من ومتي حرف كلام الله لا قيمة له إذن ما هي الأشياء التي نسأل عنها وتكون ذات قيمة ولماذا لا قيمة له؟

…ألا يهمك معرفة زمان أو مكان وقوع التحريف؟

…أم ليس لديك القدرة علي المعرفة؟

…أم لا تملك أي إجابة علي هذه الأسئلة؟

…وهل الإجابة علي هذه الأسئلة موجودة وأنت لا يهمك؟

…أم أنه لا توجد إجابة لهذه الأسئلة المهمة والخطيرة؟

…وإذا كان لا يهمك أنت فلا بأس نحن يهمنا أن نعرف إجابة هذه الأسئلة!!

…فهل يمكنك وضع الإجابة التي تهمنا نحن ولا تهمك أنت؟

 ونظراً لتكرار هذا السؤال الغريب نقول نحن المثال التالي الذي يعبر عن الواقع وحقيقة الأمر بدقة: ذهب شخص ما إلي قسم الجيزة ليقول للمسؤلين هناك أن الأهرام الثلاثة قد تم تحريفها وهي لم تكن أهراماً بل كانت مكعبات وتم تحريفها إلي أهرام!!

فرد عليه المسؤلين: كلامك غريب من أين أتيت بهذه المعلومات؟؟

فقال لهم: هذه هي الحقيقة وقد قالها لنا أناس نجلهم ونصدقهم وأنا جئت لأقول لكم هذه الحقيقة والتي لابد أن تصدقوها!!

فقال له المسئولون: يا أخي كلامك غريب لان الأهرام معروفة عبر تاريخ قدماء المصريين وعلي مستوي العالم أنها مبنية على شكل هرمي ولم يقل أحد بغير ذلك فقد رسمها الرسامون قديما وصورها المصورون حديثا وتوجد لها ملايين الصور المرسومة قديما والمصورة حديثاً، فهل لديك رسم أو صورة تؤيد كلامك الذي يقول أنها كانت مكعبات وليست أهرامات؟؟

فأجاب: لا، لا أملك!!

فسألوه: هل تعرف متي تم تغيرها وتحريفها من مكعبات إلي أهرام؟

فأجاب لا، لا اعرف!!

فقالوا: لا بأس، هل تعرف من الذي قام بهذا العمل الإجرامي؟؟

فأجاب لا، لا أعرف!!

فسألوا أيضاً: هل يمكن أن تقول لنا كيف حدث ذلك وأين كان العالم وقتها وهل اتفق الجميع علي عمل كهذا؟؟؟

فأجاب: ليس لدي معلومات!!

فقالوا له: هل لديك أقوال أخرى؟

فقال: لا، ولكني واثق من كلامي كل الثقة!! وواثق جيدا فيمن أكدوا لي ذلك وأنا مصّر على أقوالي!! ولابد من الاعتراف بذلك علانية وإعلان ذلك لجميع الناس!!

 والسؤال بعد ذلك هو: هل يمكن أن يتصور أحد أن مثل هذا الإنسان لديه عقل سليم؟ وما الذي يمكن أن يفعله معه المسؤلون؟؟

والإجابة هي: لا مفر من أرسالة إلى مستشفى الأمراض العقلية للكشف على قواه العقلية!!

 ثم يقول زاعماً:

 ” وهذا يشبه تماماً موقف المبشرين من قضية تحريف الإنجيل، إنك تضع أيديهم على مئات الأمثلة وتبين لهم بالمحسوس التحريف الواضح والاختلاف البين بين إنجيل وإنجيل ونسخةونسخة ولكنهم يتمتمون 00 لا.. لن نصدق. أخبروناأين ومتى وكيف ولماذا حدث هذا؟!

 ونقول له: لماذا لا تأخذنا على هوانا وتجيبنا على هذه الأسئلة بالدليل والبرهان حتى تكون حجتك علينا صحيحة وواضحة ونعجز عن الرد عليها؟؟!!

 كما نسأله هذا السؤال الهام؛ يقول القرآن: ” وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ” (النحل: 43 و الأنبياء: 7).

 وهنا يدعو القرآن أهل قريش أن يسألوا أهل الكتاب ” أهل الذكر ” إن كانوا لا يعلمون، أي كالمرجع لهم في أحوال عمل الله في الكون، بقوله لهم: ” فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ” (النحل: 43). وبما أن القرآن يصف التوراة والمزامير (الزبور) ب ” الذكر “، ويصف التوراة صراحة بالذكر ” َلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ” (الأنبياء: 105)، ويصف أهل الكتاب، اليهود والنصارى، ب ” أهل الذكر ” كما يقول القرآن عن نفسه أيضاً أنه ” الذكر “، ويقول ” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ” (الحجر: 9)، لذا ينطبق هذا الكلام ” حفظ الذكر “، بحسب القرآن نفسه، على كل الكتب المذكورة والموصوفة بالذكر.

 وقال الطبري: ” فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ ” (النحل: من الآية43) ” وهم الذين قد قرأوا الكتب من قبلهم: التوراة والإنجيل، وغير ذلك من كتب الله التي أنزلها على عباده “.

 وجاء في الكشاف للزمخشري: “فَاسْأَلواأهل الذكر: أهل الكتاب. وقيل للكتاب الذكر؛ لأنه موعظة وتنبيه للغافلين ” مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ” يعني ما نزل الله إليهم في الذكر مما أمروا به ونهوا عنه ووعدوا وأوعدوا ” وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ” وإرادة أن يصغوا إلى تنبيهاته فيتنبهوا ويتأملوا “.

 وجاء في مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي: ” أن المراد بأهل الذكر أهل الكتاب، عن ابن عباس، ومجاهد، أي: فاسألوا أهل التوراة والإنجيل. ” إن كنتم لا تعلمون ” يخاطب مشركي مكة، وذلك أنهم كانوا يصدقون اليهود والنصارى فيما كانوا يخبرون به من كتبهم، لأنهم كانوا يكذبون النبي “.

 وقال الرازي: ” فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ” وفيه مسائل:

 

المسألة الأولى: في المراد بأهل الذكر وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما:  يريد أهل التوراة، والذكر هو التوراة. والدليل عليه قوله تعالى: ” وَلَقَدْ كَتَبْنَا في ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذّكْرِ ” [الأنبياء: 105] يعني التوراة. الثاني: قال الزجاج: فاسألوا أهل الكتب الذين يعرفون معاني كتب الله تعالى، فإنهم يعرفون أن الأنبياء كلهم بشر … ثم إنهم (أهل مكة) كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله بأن يرجعوا في هذه المسألة إلى اليهود والنصارى ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها “.

 وقال لقرطبي: ” فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ ” قال سفيان: يعني مؤمني أهل الكتاب “.

 وجاء في تفسير الجلالين المحلي والسيوطي: ” فَاسْأَلوا أَهْلَ ٱلذّكْرِ ” العلماء بالتوراة والإِنجيل “.

 وجاء في فتح القدير للشوكاني: ” ولما كان كفار مكة مقرّين بأن اليهود والنصارى هم أهل العلم بما أنزل الله في التوراة والإنجيل، صرف الخطاب إليهم، وأمرهم أن يرجعوا إلى أهل الكتاب، فقال: ” فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ” أي: فاسألوا أيها المشركون مؤمني أهل الكتاب إن كنتم لا تعلمون “.

 وجاء في تفسير ابن عباس: ” فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ ” أهل التوراة والإنجيل”.

 وجاء في السمرقندي: ” فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ ” أي: أهل التوراة والإنجيل “.

 وهكذا أجمع المفسرون على أن أهل الذكر هم أهل الكتاب، التوراة والإنجيل الذي يجب الرجوع إليهم في مسائل وأمور العلوم والكتب السماوية.

 فإذا كان الأمر هكذا والقرآن يعتبر التوراة والإنجيل هما الذكر الصحيح ويطلب من القريشيين أن يرجعوا إليهم ويسألونهم فيما يختص بما جاء فيها، فهل كان هذا الذكر محرفاً؟ والإجابة المنطقية مستحيل!! فهل حرف الذكر بعد ذلك يؤكد الدليل والبرهان أن هذا مستحيل أيضاً لأننا نملك مخطوطات أقدم من الزمن الذي قيل فيه هذا الكلام بفترات تترواح ما بين 900 سنة إلى زمن نبي المسلمين نفسه وما بعد ذلك!!

 كما جاء في القرآن ” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ” (الحجر: 9)، وقد وصف التوراة والإنجيل والقرآن بالذكر، فهل تعني الآية حفظ الذكر الأخير دون الأول والثاني؟؟!! أو أن الله فشل في حماية الذكر السابق (التوراة والإنجيل) ونجح في حفظ الأخير؟؟!!! أم يقال أن الذي فشل في حفظ الأول والثاني فشل أيضاً في حفظ الثالث بدليل تأكيد علماء الشيعة وقولهم بتحريف القرآن؟؟!!

 ونضيف أن افتراض تحريف الكتاب المقدس هكذا بهذه السهولة مستحيل ويدعو للتفكير وندعوك أن تفكر معناً قليلا: ونقول لك المثال التالي: تخيل أن ملكاً أراد أن يرسل رسالة لشعبه تحمل أوامره وتعاليمه التي يجب علي الشعب أن يتبعها وجاء ضمن هذه الرسالة تحذير منه بأن من يزيد أو ينقص من كلامه هذا ستكون له عقوبة شديدة، فهل يعني كلامه هذا أنه سيتم تغيير أوامره وتعاليمه هذه وتحريفها حتماً؟؟؟؟ كلا، بل هو يحذر من ذلك ويشدد في العقوبة، وهذا التشديد يجعل للرسالة أهميتها وقدسيتها وقوتها وهيبتها، ولن يكون سهلا علي أي شخص أن يفكر (مجرد التفكير) في تكسير كلام الملك إن لم يكن من أجل إنه ملك ويجب طاعته، سيكون خوفا من هذا التحذير وهذه العقوبة!!!

 ولكن يفكر في ذلك فقط إذا أعتقد أن هذه الرسالة منسوبة للملك ولكنها ليست من الملك، واليهود أو المسيحيين لم يفكروا بمثل هذا التفكير على الإطلاق.

ثانيا: وصلت رسالة الملك إلى كل مملكته والكل أصبح لديه نسخة من هذه الرسالة وسنفترض أن شخصاً أو حتى ولاية بأكملها لم يهمها أمر الملك وفكرت في تغير نصوص من رسالته هذه وقامت بتحريف ما عندها من نسخ لرسالة الملك (هذا افتراضا).

…فماذا عن باقي المملكة؟؟؟

…وماذا عن النسخ التي انتشرت في جميع أنحاء المملكة؟؟؟

…وماذا عن المحبين والمخلصين لهذا الملك في جميع أنحاء المملكة!!!

…هل سيسكتون علي ما فعله هؤلاء المتمردون؟؟؟

…أم سيتم وقفهم عند حدهم وتقديمهم للمحاكمة؟؟

…أم إن المملكة جميعها بكل الولايات التي فيها وجميع أفراد الشعب سيتفقون علي تغيير وتحريف رسالة ملكهم؟؟؟ وهذا مستحيل!!!

 ولو افترضنا، جدلاً، أنه حدث تغيير وتحريف في رسالة الملك من قبل البعض علي الرغم من التحذير والعقوبة!!

…فهل من المنطق أن لا يوجد شخص واحد يحتفظ بالنسخة الأصلية التي أرسلها الملك؟؟؟

…وهل ستمر حادثة مثل هذه وهي تغيير وتحريف رسالة الملك (بعد أن وصلت إلي جميع من في المملكة) هكذا مرور الكرام دون عمل ضجة كبري لا مثيل لها؟

…ومثل هذه الضجة ألا يسجلها ويدونها التاريخ ويدون الذين عارضوا هذا التحريف؟ ويعينوا السنة التي حدث فيها ذلك؟

…ومن هم الذين كانوا وراء مثل هذه الحادثة العظيمة والكبرى التي هي تغيير وتحريف كلام الملك (علي الرغم من تحذيراته وما فيها من تحذير بعقوبة مشددة)؟؟؟

…وهل كانت ستمر هكذا ” ولا من شاف ولا من دري “؟؟؟ لا أحد يعرف من الذي حرف الرسالة ولا في أي زمان ولا في أي مكان حدث ذلك، ولا في أي عصر من العصور، ولا أين النسخة الأصلية إذا كانت النسخة الحالية تغيرت وتحرفت؟؟

 أن الحديث في هذا الموضوع يفوق إدراك الكثيرين الذين يتكلمون فيه بلا وعي وبلا معرفة وبلا دليل أو برهان إلا مجرد كلام باطل لا دليل عليه ولا برهان ولا يقبله عقل أو منطق!!!

 أنه موضوع يحتاج لتفكير عميق وليس مجرد ألقاء كلام في الهواء!!! والعجيب إننا نجد البعض يتكلم في موضوع بهذا الحجم وبهذا القدر وبهذه العظمة بطريقة عشوائية وبطريقة غير مسئولة وبطريقة مليئة بالتخيلات والأوهام بدون تقديم أي دليل أو برهان أو إجابة على تساؤلاتنا أو توضيح لما يقولون هم أنفسهم أو ما يمكن أن يقبله عقل يفكر!!!

 بل ونضيف أنه حتى لو أرسل مثل هذا الملك رسالة دون أي تحذير من تحريف فيها، فهل يمكن لأحد أن يحاول أو يفكر في المساس بها لمجرد أنه لم يُذكر بها تحذير بذلك؟؟ فهل يعني عدم ذكر مثل هذا التحذير ومثل هذه العقوبة حتمية تغيير أو تحريف مثل هذه الرسالة التي لهذا الملك؟؟؟ هل يفكر عاقل بمثل هذا الكلام؟؟؟

 ونضيف أيضاً ونقول لهذا الكاتب وغيره ممن يطلبون منا الاعتراف بوجود تحريف الكتاب المقدس!!! حسناً. كل كتاب في الدنيا معرض للتحريف!! ولكن من هو الكتاب الذي ثبت تحريفه؟؟!! ونقول له، بالنسبة للكتاب المقدس، لم توجد طائفة مسيحية واحدة قالت بتحريفه حتى الهراطقة والمبتدعين، عبر تاريخ المسيحية كله، مثل أريوس ونسطور وغيرهم الذين اختلفوا مع الكنيسة الرسولية في تفسير بعض آيات الكتاب المقدس لكنهم لم يقولوا قط بتحريف الكتاب المقدس. ومثل شهود يهوه الذين فسروا الكتاب المقدس بطريقتهم الخاصة وترجموه بما يتناسب مع أفكارهم ونسبوا ترجماتهم وتفسيرهم للروح القدس، ولكنهم لم يقولوا بتحريف الكتاب في نصه الأصلي سواء اليوناني أو العبري. وكذلك السبتيين الذين أدعت زعيمتهم النبوة وفسرت الكتاب المقدس بأكثر من 2… رؤيا زعمت أنها رأتها بسبب أصابتها في رأسها ولكنها لم تقل بتحريف الكتاب، والمورمون الذين أدعى نبيهم المزعوم وجود كتاب جديد أعطي له عن طريق ملاك ومع ذلك لم يقل بتحريف الكتاب المقدس!! وهؤلاء جميعهم ترفضهم الكنيسة ولكنهم لم يقولوا قط بتحريف الكتاب المقدس!!! والسبب بسيط جديد وهو أنه لم يحدث أي تحريف للكتاب المقدس!!! ولو كان قد حدث لأتخذه هؤلاء ذريعة لتبرير هرطقاتهم وفكرهم المنحرف عن التسليم الرسولي!!!

 ونكرر له ونقول؛ كل كتاب معرض للتحريف، ولكن ما هو الكتاب الذي يمكن أن يكون قد حًرف بالفعل؟؟!! وما هو الكتاب الذي يعترف أصحابه بوقوع التحريف فيه؟؟!! أما ما يزعمه من وجود تناقضات فما هي إلا تناقضات وهمية وشبهات خيالية رددنا عليه عشرات المرات، وسنرد عليها ولن نمل ولكن كل في مكانه.

 

سادساً

هل قال القديس بطرس بتحريف الكتاب المقدس؟

 كما استغل البعض، بتسرع وبدون فهم، لمحتوى الآيات التالية:

 ” واحسبوا أناة ربنا خلاصا. كما كتب إليكم أخونا الحبيب بولس أيضا بحسب الحكمة المعطاة له كما في الرسائل كلها أيضا متكلما فيها عن هذه الأمور. التي فيها أشياء عسرة الفهم يحرّفها غير العلماء وغير الثابتين كباقي الكتب أيضا لهلاك أنفسهم ” (2بط3: 15و16).

 وقالوا أنها تتكلم عن التحريف وأن القول: ” يحرّفها غير العلماء ” يدل على شهادة الكتاب لتحريف رسائل بولس وبقية الأسفار المقدسة!! وراحوا كالعادة يكررون هذا الكلام في الكتب ومواقع النت وغرف البالتوك، هكذا دون فهم أو وعي لمضمونها ونصها وسياق الكلام فيها. وقصدوا بالتحريف هنا التبديل والتغيير في الكلام بالزيادة أو النقصان لتغيير المعنى الأصلي!! وهذا غير صحيح، وليس هو ما تقصده الآية على الإطلاق. وقد سبق أن قلنا في بداية هذا الكتاب أن من معاني التحريف: ” تحريف المعنى وتبديله إلى ما يخالف ظاهر لفظه، وهذا يشمل التفسير بالرأي، وكل من فسر الكلام بخلاف حقيقته وحمله على غير معناه فهو تحريف “. أي تفسير الكلام بغير معناه الأصلي، أو تأويل الكلام بعيدا عن معناه المقصود. وهذا هو المقصود في هذه الآية. فقد جاءت كلمة ” يحرفها ” هنا في اليونانية ” στρεβλουσιν– streblousin ” من الفعل ” στρεβλόω–strebloō”والذي يعني كما جاء في القواميس اللغوية ” to wrench, to pervert, to wrest “، أي يلوي، يتعمد إساءة تفسير، يسيء استعمال. ومن هنا ترجمت في جميع الترجمات الإنجليزية twist، يلوي، يحرف المعنى:

Which the ignorant and unstable twist to their own destruction

they are twisted by those who are uncertain and without knowledge.

Some ignorant and unsteady people even destroy themselves by twisting what he said.

 فالآية إذاً تعني: ” التي يؤولها (يؤول معناها)، غير العلماء، على غير معناها الأصلي ” أو ” التي يفسرها غير العلماء تفسير غير صحيح “. ولم تشر الآية من قريب أو من بعيد للتحريف بالمعنى الذي يتخيله مثل هؤلاء الكتاب. ومما يدل على ذلك ويؤكده قوله: ” التي فيها أشياء عسرة الفهم “، أي التي بها أشياء عسرة الفهم يسيء غير العلماء تفسيرها، أو يفسرونها ويؤولونها تفسيرا غير صحيح.

 وهكذا يتضح لنا التسرع في أخذ الآيات بالشبهات وتؤويلها تأويلاً غير صحيح وعلى حسب هواهم وما يتمنون ويريدون!!

 

أخيراً

الكتاب المقدس يشهد عن نفسه

بأنه كلمة الله المعصومة والتي يستحيل تحريفها

 

(1) ماذا يقول الكتاب المقدس عن نفسه:

 أنه كلمة الله الحية والفعالة:

‘” لان كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته ” (عب12: 4).

‘ ” هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي. لا ترجع إليّ فارغة بل تعمل ما سررت به وتنجح فيما أرسلتها له ” (أش11: 55).

‘ ” أليست هكذا كلمتي كنار يقول الرب وكمطرقة تحطم الصخر ” (أر29: 23).

… أنه كلمة الله التي تكلم بها الله على فم أنبيائه بالروح القدس:

‘” كل الكتاب هو موحى به من الله ” (2تي16: 3)، ” تكلم بفم أنبيائه القديسين الذين هم منذ الدهر ” (لو70: 1).

 كما ” تكلم الرب عن يد عبيده الأنبياء ” (2مل10: 21) بالروح القدس:

‘” روح الرب تكلم بي وكلمته على لساني ” (2صم2: 23).

‘ ” لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ” (2بط21: 1).

 ومن ثم تتكرر في الكتاب المقدس عبارة ” كلمة الله ” 3808 مرة، كما تتكرر عبارة ” هكذا قال الرب ” 400 مرة للتأكيد على أن كل كلمة فيه هي كلمة الله الموحى بها والتي تكلم بها من خلال أنبيائه القديسين.

 وهو كلمة الله الثابتة التي لن تتغير ولن تنسخ ولن تزول إلى الأبد:

‘” إلى الأبد يا رب كلمتك مثبتة في السموات ” (مز89: 129).

‘ ” يبس العشب ذبل الزهر وأما كلمة إلهنا فتثبت إلى الأبد ” (أش8: 40).

‘ ” السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول ” (مت35: 24).

‘ ” وأما كلمة الرب فتثبت إلى الأبد. وهذه هي الكلمة التي بشرتم بها ” (1بط25: 1).

 وكلمة الله التي لا يمكن أن يحذف منها أو يضاف إليها حرف واحد:

‘” كل الكلام الذي أوصيكم به احرصوا لتعملوه. لا تزد عليه ولا تنقص منه ” (تث32: 12).

‘ ” لا تزد على كلماته لئلا يوبخك فتكذّب ” (أم6: 30)

‘ ” وان كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوّة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة ومن المدينة المقدسة ومن المكتوب في هذا الكتاب ” (رؤ19: 22).

 والكلمة النبوية ” وعندنا الكلمة النبوية وهي اثبت التي تفعلون حسنا أن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم ” (2بط16: 1).

 و “كلمة الحق ” (2تي15: 2):

‘ ” ولا تنزع من فمي كلام الحق … شريعتك حق … كل وصاياك حق … راس كلامك حق ” (مز43: 119و142و151و160).

‘ ” كلامك هو حق ” (يو17: 17).

 والكلمة الصالحة ” الكلمة الصالحة التي تكلمت بها ” (أر14: 33).

 والكلمة الصادقة والكاملة والمستقيمة والثابتة إلى الأبد والتي لا يزول حرف وأحد أو نقطة واحدة منها:

‘ ” كل كلمة من الله نقية. ترس هو للمحتمين به. لا تزد على كلماته لئلا يوبخك فتكذّب ” (أم5: 30و6).

‘ ” ناموس الرب كامل يرد النفس. شهادات الرب صادقة تصيّر الجاهل حكيما. وصايا الرب مستقيمة تفرّح القلب. أمر الرب طاهر ينير العينين. خوف الرب نقي ثابت إلى الأبد. أحكام الرب حق عادلة كلها ” (مز7: 17و9).

‘ ” الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل ” (مت18: 5).

 ومصدر الحياة الأبدية:

‘ ” فتشوا في سفر الرب واقرأوا واحدة من هذه لا تفقد. لا يغادر شيء صاحبه لأن فمه هو قد أمر وروحه هو جمعها ” (أش16: 34).

‘ ” فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية. وهي التي تشهد لي ” (يو39: 4).

2 – ماذا قال الرب يسوع المسيح عنه:

 المكتوب الذي لابد أن يتم ولا يمكن أن ينقض:

‘” أما قرأتم هذا المكتوب. الحجر الذي رفضه البناءون هو قد صار راس الزاوية ” (مر10: 12).

‘ ” فابتدأ يقول لهم انه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم ” (لو21: 4).

‘ ” لأني أقول لكم انه ينبغي أن يتم فيّ أيضا هذا المكتوب وأحصي مع أثمة ” (لو37: 22).

‘ ” ولا يمكن أن ينقض المكتوب ” (يو35: 10).

‘ولا يمكن أن يزول حرف واحد منه ” فاني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل ” (مت5: 17).

‘كلمة الحياة الأبدية ” فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية. وهي التي تشهد لي ” (يو39: 4).

‘كلمة الحق المؤدي إلى الحياة الأبدية ” الحق الحق أقول لكم أن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد ” (يو51: 8).

‘” السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول ” (35: 24).

اذا كان المسيح الها فكيف حبل به وولد – القمص عبد المسيح بسيط

اذا كان المسيح الها فكيف حبل به وولد – القمص عبد المسيح بسيط

اذا كان المسيح الها فكيف حبل به وولد – القمص عبد المسيح بسيط

إذا كان المسيح إلها فكيف تحبل به امرأة وتلده كسائر المخلوقات من التراب؟  سؤال يتردد في ذهن كل البشرية مهما كانت أفكارها وعقائدها في كل عصر من العصور منذ كان السيد المسيح نفسه على الأرض.

 

فالفكر البشري قاصر ومحدود ولا يمكنه أن يسع وأن يدرك غير المحدود ومن الصعب على الفكر البشري أن يتخيل أن الخالق الأبدي الأزلي، غير المحدود بالزمان والمكان يحل في رحم امرأة وتلده كسائر البشر أو أن يكون له أما.

 

بل ومن الصعب على الفكر البشري أيضا أن يدرك الله غير المحدود إذ من الصعب أن يدرك المحدود غير المحدود. ويتبع هذا السؤال أسئلة عديدة وهي:

  • هل يمكن أن الله يولد من امرأة مخلوقة وهو الخالق؟
  • كيف صار إنسانا وهل تحول الله عن جوهره إلى إنسان؟
  • كيف يمكن أن يحل الله في رحم امرأة؟
  • كيف يصير غير المحدود محدودا، وغير الزمني زمني، وغير المخلوق يولد من المخلوق؟
  • جسد المسيح روحي أزلي من السماء، أم مادي زمني من العذراء؟
  • هل نعبد المخلوق أم الخالق؟     
  • لماذا ظهر الله في الجسد ولم ينزل ظاهرا بلا هوته؟
  • من كان يدير الكون عندما كان في بطن العذراء؟ وكثيرا من الأسئلة.

 

وقد أردنا في هذا الكتاب أن نجيب علي هذه الأسئلة وغيرها من الكتاب المقدس ومن قوانين المجامع المسكونية ومن كتابات آباء الكنيسة التي أجابوا فيها على هذه الأسئلة وغيرها في أيامهم. والكتاب المقدس وفكر الآباء ـ غني بالإجابة على هذه الأسئلة وغيرها.

الصيغ المتاحة للتحميل:

PDF

اذا كان المسيح الها فكيف حبل به وولد – القمص عبد المسيح بسيط

وظهر له ملاك من السماء يقويه ، تحليل نصى بسيط لهذه الاية.

وظهر له ملاك من السماء يقويه ، هل هذه الآية محرفة ؟ هل هى مضافة ؟ هل هى محذوفة ؟ تحليل نصّي بسيط لهذه الآية

 

وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ

 

الشبهة :

 

شبهتنا اليوم عن الآية الواردة في بشارة معلمنا لوقا والأصحاح الثاني والعشرون والآيات 43 و 44 ” وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ 44وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ ” وسوف ندرسها من الجانب النصي من حيث أصوليتها من عدمه ولكن ليس هذا هو العامل الأساسي في البحث ، العامل الأساسي والذي ينصب عليه إهتمامي بالبحث هو الرد على الأسباب الواهية الغريبة التي اطلقها بعض العلماء على اسباب دخول هذا النص او اسباب حذفه من المخطوطات ، حيث انهم إدعوا انه أُضيف أو حُذف لأسباب لاهوتية وهذا هو الهدف من هذا البحث ، الرد على هذا الزعم الغريب ، وسأحاول ان ابسط كل شيء في هذا البحث لكي يتثنى للكل ان يصل لما اريد إيصاله بسهولة !

 

دراسة نصيّة مُبسطة ، للرد على الفكر الخاطيء في أسباب حذف او إضافة هذا النص في المخطوطات ، ضمن سلسلة الرد على تفاهات إيرمان

 

لتحميل الرد

Exit mobile version