ترى التعاليم اللاهوتية الآبائية في الجذور الأولى للخلق والبُعد الأخروي للحياة مسيرة روحية واحدة. فالرؤية الكتابية والتقليد الكنسي، يتحركان في هذا الإطار ويؤكدان على أن الحياة مستمرة وممتدة، ولها بُعد أخروي. إن الحياة الحاضرة التي نحياها لا تنحصر في أُطر تاريخية، إذ هي تتسع لتشمل الخليقة كلها، بكل جوانبها. فالكون، والتاريخ، والإنسان، والمجتمع، كلها أمور تشكل محور الحقيقة الكتابية والكنسية.
التقليد الكنسي يؤكد على هذه الرؤية اللاهوتية، إذ أن الكنيسة تحيا حقيقة الحياة الجديدة، وتتذوق عربون الحياة الأبدية من الآن بالنعمة الإلهية التي تعطي لكل ممارسيها حيوية وإلهام خاص.
هذه العطية الإلهية هي التي تُنبئ بأن تحقيق الوعد بالأرض الجديدة والسماء الجديدة هو أمر مؤكد. لأن حقيقة هذه الأرض الجديدة المملوءة قداسة ومحبة وفرحًا تتجلى في أحشاء الكنيسة التي تتذوق من الآن خيرات الحياة الأبدية. فالتقليد الكنسي يهدف إلى تحقيق الصلاح الإلهي، الذي فقدته البشرية مبكرًا ، ويؤكد على الرجاء في اكتمال المسيرة نحو الحياة الأبدية، حتى يتحقق الكمال الذي نترجاه في الحياة الفردوسية المجيدة. واللاهوت الأرثوذكسي حين يتكلم عن الحياة الفردوسية، فهو يعني بشكل أساسي أمرين:
المسيرة التي يسلك فيها الإنسان لكي يتجاوز مرحلة العدم ويصل إلى مرحلة الكمال.
الدخول النهائي إلى ملكوت الله، والتمتع بمجد هذا الملكوت.
هذا ما يؤكده العلاّمة أوريجينوس بقوله: [يوجد في ملكوت الله “أرضًا” موعود بها للودعاء، أرض تسمي بـ ” أرض الأحياء “. أرض موضوعة على مرتفعات والتي قال عنها النبي بحق: ” فيرفعك لترث الأرض ” (مز34:37). هذه هي الأرض التي ترثها النفس المؤمنة بالله بعد الخروج من هذا العالم. والمقصود بها هنا أولئك الذين عاشوا بدون الناموس. وهنالك الذين وضعتهم العناية الإلهية وتدابيرها في الإيمان والنعمة بيسوع المسيح ][1].
لقد وصف الآباء الفردوس وقدموه كحقيقة محسوسة ومُدركة داخل البيئة التاريخية والطبيعية، إلى أن حدث الخروج من الفردوس، حين كسر المخلوق وصية خالقه.
وهنا تبرز حقيقة مهمة للغاية وهى أن الحياة الفردوسية تبدأ من المعطيات الخاصة بهذا العالم الحاضر، في مسيرة متنامية وصولاً إلى مرحلة كمال الكون كله المحسوس والمدرك. إن الفردوس الذي يبدأ في هذا العالم يعني دخول كل ما هو محسوس ومدرك في مجال ملكوت الحياة الإلهية.
وفشل الإنسان في تحقيق هذا الهدف، يفرض عليه إلتزامًا بتصحيح مسيرته مرة أخرى وتوجهه نحو تحقيق الصلاح الأبدي والذي يفوق حالة الإنسان الأولى، فليس هناك حديثًا لا في العهد القديم ولا في التعاليم اللاهوتية الأرثوذكسية عن عودة الإنسان لحالته الأولى فقط. فالإنسان في الفردوس لم يفقد نوعًا من الصلاح كان عليه أن يستعيده، لكنه فقد الشركة مع الله، فانقطعت المسيرة نحو الكمال الذي هو قصد الله من خلق الإنسان.
وطالما أن الحياة الفردوسية هي مسيرة نحو الكمال، نحو التلامس مع المجد الإلهي، الذي يبدأ من الآن ويكتمل في الحياة الأبدية. فإن ملامح هذه الحياة الفردوسية تتضح هنا في هذه الحياة الحاضرة، ويستطيع المرء أن يختبر هذه الحقيقة من خلال إتحاده بالله، ولذلك فإن حياة الجحيم هي على العكس تمامًا، هي فقدان للشركة مع الله، أي عدم الدخول في مجال الحياة الإلهية داخل الزمن، وبناءً عليه فقدان التمتع بالمجد الإلهي.
فالشياطين رغم أنها تؤمن بالله، إلاّ أنه يستحيل عليها رؤية المجد الإلهي، لأنها لا تأتي في شركة مع الله[2]. وهكذا يستطيع المرء أن يُدرك أن حياة الجحيم ليست حالة خاصة يفرضها الله على الإنسان طبقًا لقانون محدد. فالله يحتضن الكل الأبرار والأشرار. إلاّ أن الأشرار لا يستطيعون أن يرون مجد الله، لأنهم يشعرون بأنه يُعاقِب، وهذه الحالة ترتبط بموقفهم تجاه الله، وليس العكس.
إذًا الجحيم بحسب الرؤية الآبائية هو حرمان من التمتع بالمجد الإلهي، وعن هذا الأمر يقول ق. باسيليوس بأنه [ حرمان كبير وخسارة فادحة، ونحن نستطيع أن نتفهم هذا، لو أننا قابلنا بين هذه الحالة وحالة الأعمى، فالأعمى يخسر الكثير، لأنه لا يرى نور الشمس ][3].
إذًا فالجحيم هو عدم الشركة مع الله فالشركة مع الله هي التي تعكس جمال وبهاء الحياة الفردوسية.
توجد في أقوال الآباء الشيوخ قصة تُروى عن ق. مقاريوس الكبير، تُخبرنا بأن القديس مقاريوس بينما كان يمشي في البرية وجد جمجمة لإنسان هرطوقي، فطرق عليها بعصاه، فعلى الفور شعرت نفس ذلك الهرطوقي وهى في الجحيم بالقديس، وطلبت منه الصلاة لأجل تخفيف الآلام عنها. وعندما سأله القديس مقاريوس عن حالتهم في الجحيم، أجاب بأن وجه كل واحد في ظهر الآخر، ولا يستطيع أحد أن يرى وجه الآخرين، وترجاه في النهاية أن يُصلي من أجلهم لكي يروا حتى ولو قليلاً وجه الآخر[4] .
وهذه الحقيقة قد أكد عليها الرسول بولس في رسالته إلى أهل تسالونيكي بقوله: ” فإذ قد فقدناكم زمان ساعة بالوجه لا بالقلب اجتهدناأكثر باشتهاء كثيرأن نرى وجوهكم ” (1تس17:2)، مما يبرهن على قيمة وأهمية حياة الشركة في المسيرة الروحية للمؤمنين. وهذه الصور تُعبّر عن المحتوى اللاهوتي العميق للتعليم الأرثوذكسي، الذي يرى في الشركة في المجد الإلهي تحقيق للحالة الفردوسية، وأن الخروج من هذه الشركة يؤدى إلى حياة الجحيم. وعلى هذا الأساس يمكن أن نفهم معنى الشركة بين الأحياء والأموات، والصلوات من أجل الأنفس التي رقدت.
إن الحياة المسيحية تحمل في طبيعتها توجهًا أخرويًا، فهي تتطلع نحو حياة الدهر الآتي. وهي بهذه الرؤية المتفردة، تختلف عن كل الديانات الأخرى، فالديانة اليهودية أيضًا لديها توجه أخروي، ولكن التوجه المسيحي من جهة الحياة الأبدية، يختلف جذريًا عن هذا التوجه اليهودي. اليهود يؤمنون بالله الذي خلق الكون من العدم، ويعترفون بحضوره في العالم والتاريخ، وينتظرون تكميل العمل وتحقيق وعوده في المستقبل، في الأزمنة الأخروية.
هذا الإيمان وهذا الرجاء يرتبط بفكرة الخط المستقيم للزمن. أما الحياة المسيحية فتعتمد أساسًا على تأنس ابن الله، الذي تحقق بالفعل، تتميمًا لوعوده للإنسان. فأساس التوجه المسيحي إذًا نحو الحياة الأبدية، هو مجىء الله في الجسد، وأيضًا انتظار المجىء الثاني للمسيح، الذي يعني كمال عمل الله وتجديد الكون “ولكننا بحسب وعده ننتظر سماءً جديدة وأرضًا جديدة “.
إن المجىء الأول للمسيح والذي حدث زمنيًا في الماضي هو نفسه يُعلن عن المجيء الثاني الذي يُنتظر في المستقبل. إلاّ أن هذا المستقبل لا ينحصر في بُعده التاريخي، إذ أن المستقبل الخاص بالرجاء المسيحي يتجاوز الزمن والتاريخ، لأن ما يرتبط بالزمن، وما يوجد في التاريخ لا يتعدى كونه مجرد ظلال ورموز. فلا يجب أن نضع رجاؤنا في انتظار نهاية الزمن، لأننا من الآن نحن نحيا الحياة الجديدة في المسيح، وننتظر كمال عمل الله.
إذًا على عكس اليهودية التي تُركّز أهدافها واهتماماتها على الزمن والتاريخ، فإن الكنيسة ترى في الزمن والتاريخ وكل ما يرتبط بهما مجرد وعاء يحمل في داخله ملامح الحياة الأبدية التي ننتظرها. وفي نفس الوقت هي تفتح أبعادًا جديدة لا حدود لها، ورؤى متسعة لتقييم الزمن والتاريخ. وإذا كانت الكنيسة تنظر لتاريخ شعب إسرائيل كتاريخ مقدس، إلاّ أنها ترى فيه معنى رمزيًا.
فخروج اليهود من أرض مصر، وانتقالهم إلى أورشليم، يُفسر من قِبَل الكنيسة على أنه نموذج لخروج المؤمنين من العالم وانتقالهم لملكوت الله. يقول ق. إيريناؤس [خروج شعب الله من أرض مصر، هو نموذج وأيقونة لخروج الأمم ودخولهم في الكنيسة ][5].
إن الرؤية الأخروية للكنيسة يمكن أن توصف بأنها خروج. فالعالم يُنظر إليه كمكان إقامة مؤقت وزائل، وفي نفس الوقت هو عمل الله. لكن الله لم يجعل من هذا العالم المؤقت والزائل مكان إقامة دائم للبشر، إذ أن ملكوته الأبدي هو مكان الإقامة الدائم. هذه الحالة تصفها الرسالة إلى ديوجينيتوس بالقول [ إن المؤمنين يعرفون بأنهم غرباء ونزلاء في أوطانهم فإنهم يسكنون البلدان لكنهم غرباء عنها .. وكل بلد أجنبي هو وطن لهم، وكل وطن لهم يُعد بلد غريب ][6].
وهكذا فإن إهتمام المؤمنين لا ينحصر في مجال الأحداث التاريخية وتطوراتها، ولكنه يمتد إلى أبعد من ذلك ” لأن ليس لنا هنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة ” (عب14:13). وهذه المدينة العتيدة التي تتطابق مع ملكوت الله، ليست بعيدة عن المؤمنين، لكنها بالفعل داخل قلوبهم كعربون لما سيحدث.
لقد تحدث القديس بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس بشأن هذا الموضوع قائلاً: ” هوذا سر أقوله لكم لا نرقد كلنا ولكننا كلنا نتغير في لحظة في طرفة عين عند اليوم الأخير فإنه سيبوق فيقام الأموات عديمي فساد ونحن نتغير. لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد وهذا المائت يلبس عدم موت ” (1كو51:15ـ53). هذا التوجه يدعم الرؤية الخاصة بأن هذا العالم هو إلى زوال، وفي ذات الوقت يجعلنا نتطلع نحو ملكوت الله.
إن ملكوت الله لا يوجد فقط بعد نهاية التاريخ، لكنه حاضر في كل لحظة في التاريخ. وعلى الرغم من أننا ننتظر هذا الملكوت بعد نهاية التاريخ إلاّ أنه يتحقق فعليًا في الحاضر ” ننظر الآن في مرآه في لغز” (1كو12:13). وهذا يوصف بوضوح تام في إنجيل يوحنا “الساعة الأخيرة” التي ينتظرها المؤمنين، هي حاضرة بالفعل، وتعمل في التاريخ ” تأتي ساعة وهى الآن ” (يو23:4، 25:5).
وهذا يعني أن ملكوت الله يتحقق في هذا العالم الحاضر ولكنه لا ينتسب إليه، ويصير هذا الملكوت هو المعيار الذي يتم على أساسه تقييم أمور هذا العالم. فعندما يثبت المؤمنون في إيمانهم حتى المجىء الثاني وعندما يبلغوا إلى رؤية ملكوت الله تتضح الحقيقة المؤكدة، وهى أن كل شئ مرتبط بهذه الحياة الحاضرة، باطل. إن الزمن والتاريخ لهما بعد نسبي، بيد أنهما يتسعان بغنى وبلا حدود ويصير الزمن وعاءً للأبدية، والتاريخ مجالاً لاستعلان ملكوت الله.
إن العالم بكل ما فيه وهكذا الزمن أيضًا يشكلان مسألة نسبية أمام ملكوت الله. ” لأن يومًا واحدًا عند الرب كألف سنة وألف سنة كيوم واحد ” (2بط8:3). الوقت كما يؤكد الرسول بولس “مُقصر” ” لكي يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم. والذين يبكون كأنهم لا يبكون والذين يفرحون كأنهم لا يفرحون والذين يشترون كأنهم لا يملكون. والذين يستعملون هذا العالم كأنهم لا يستعملونه. لأن هيئة هذا العالم تزول” (1كو29:7ـ31).
إذًا فالمسيحيون هم مواطني الوطن السمائي، الذي أسّسه المسيح وصار أول مواطنيه[7]. التطلع نحو هذا الوطن السمائي، يخلقه فينا هذا الضمير الأخروي ” سيرتنا نحن هي في السموات ” (في20:3، أف19:2). وهذا الضمير يوّحد المؤمنين فيما بينهم، وفي نفس الوقت يجعلهم مختلفين عن أهل العالم.
إن الحياة الأخروية هي الغاية النهائية، التي تتجه إليها الخليقة والتي بها تكتمل كل الأمور السابقة. هي النهاية التي ينتظرها الجميع في المستقبل، وهى قائمة في الحاضر كهدف. ولهذا فإن الغاية المسيحية التي ننتظر تحقيقها، هي ملكوت الله الذي ننتظره في نهاية التاريخ. لكن ملكوت الله قد أتى بالفعل إلى العالم، بمجيء المسيح (لو20:11). فالنهاية صارت حاضرًا. وبرغم من أن المسيح ينتسب إلى الحياة الأبدية، إلاّ أنه موجود يعمل داخل التاريخ الإنساني.
ولهذا فإن الحياة الأخروية المسيحية يمكن أن توصف كحياة منتظرة، وكحياة متحققة ” أيها الأحباء نحن أولاد الله ولم يظهر بعد ماذا سنكون ولكن نعلم أنه إذا أُظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو ” (1يو2:3). فالمسيح الذي استُعلن كإنسان صُلب ومات وقام وصعد إلى السموات، وهو غير الزمني، والأبدي والله الأزلي ” الكائن والذي كان والذي يأتي ” (رؤ4:1). استعلان مجد المؤمنين في ملكوت الله يتطلب إنضمامهم إلى جسد المسيح أي الكنيسة. والكنيسة قائمة بين تخوم الحاضر والحياة الأبدية.
وجود الإنسان داخل الكنيسة يكسبه ملمحًا إسخاتولوجيًا، وخروجه من العالم، ليس هو اختفاء في الفراغ، لكنه اشتراك في الحياة الأبدية، في المجد الإلهي. كما يعبر نيكولا كابيسيلاس عن هذه الحالة بقوله ” إن المؤمنين هم أعضاء جسد المسيح، ورأس هذا الجسد مُختفى في التاريخ، لكنه سيظهر في الأبدية، في حياة الدهر الآتي. وعندما يظهر مجد الرأس، حينئذ سيظهر بهاء الأعضاء”[8].
رجاء الإنسان في دخوله ملكوت الله يرتبط بشكل مباشر بحياة المؤمن اليومية، بينما طريقة معيشته لهذا الرجاء يعتمد على مرحلة النضوج الروحي. وهكذا فإن رجاء المؤمنين في ملكوت الله يتحقق بطريقتين داخل الكنيسة:
بانتظار المجيء الثاني للمسيح والذي يعني نهاية العالم والتاريخ.
من خلال اختبار حضور ملكوت الله في التاريخ، وهذا الاختبار ظهر بشكل محدد وواضح في حياة القديسين اليومية.
هذا الملكوت المرتجى يتجاوز المكان والزمان، واستعلان هذا الملكوت في الإنسان، هو عطية محبة من الله، والتي لا تخضع لتحديدات زمنية ومكانية[9]. وإن كان ملكوت الله يتحقق في هذا العالم، إلاّ أنه سيكتمل في الدهر الآتي. إن إحساس الإنسان ببطلان هذا العالم الحاضر، يُحرره من العبودية لهذا العالم، ويُحيله إلى حقيقة ملكوت الله. وهذا في حد ذاته يعطيه قوة لمواجهة الشر، وقدرة على الإحتمال في محاربة الشهوات، ومجال لإقتناء الفضائل. ويصف الرسول بولس الحياة الحاضرة “بالليل” والحياة الأبدية “بالنهار” (رو12:13).
فظلام وخطية هذا العالم يقودان إلى الفناء. بينما الحياة في نور المسيح يقود إلى ملكوت الله. ومن أجل هذا تزول الفوارق بين الزمن والأبدية، بين الحياة الحاضرة والحياة المستقبلية داخل الكنيسة. الحياة الحاضرة هى بداية الحياة المستقبلية، والحياة المستقبلية هى امتداد للحياة الحاضرة. والحياة في المسيح كما يقول نيكولا كابيسيلاس ” تتأسس هنا في هذه الحياة الحاضرة، لكنها تكتمل في الحياة المستقبلية، عندما نصل إلى ذلك اليوم “[10].
هذا يعني أن أي سلوك مُغاير لهذا المسلك الإيماني، سيقود بالضرورة إلى هجرة الجهاد الروحي، وهذا بدوره سيقود إلى الخضوع لأمور هذا العالم الحاضر، فيفقد الإنسان رؤيته الاسخاتولوجية، ويُسبى من عدو الخير والنتيجة الحتمية هى الخروج من الحالة الفردوسية، والدخول في مجال الجحيم. المصير الأخروي للإنسان، هو مصير الخليقة في مجملها، والتعاليم الآبائية اللاهوتية الخاصة بحركة التاريخ، وتطور الخليقة، تنظر إلى هذه الحركة وهذا التطور إنطلاقًا من سر تأنس الكلمة.
إذ أن الكلمة المتجسد يُشكّل السبب، والمركز، والهدف النهائي للخليقة في مُجملها. ولذلك فاليوم الأخير، والذي يُدعى “يوم الرب” هو يوم استعلانه التام والنهائي.
1 العلامة أوريجينوس، عظات على سفر العدد، ترجمة القس برسوم عوض و القس شنودة أمين والآنسة مارسيل عوض الله، مراجعة د. نصحي عبد الشهيد، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الجزء الثاني 2007م، ص197.
2 مت29:8، يع19:2.
[3] M. basile…ou, E…j thn Eza»meron PG. 29-120B.
[4] Makar…ou tou Aigupt…ou, Apofqšgmata PG 34, 257CD-260A.
هل حدثت معجزات يسوع التاريخي أم كانت مجرد أساطير؟ مجموعة من الإقتباسات
هل حدثت معجزات يسوع التاريخي أم كانت مجرد أساطير؟ مجموعة من الإقتباسات
هل حدثت معجزات يسوع التاريخي أم كانت مجرد أساطير؟ مجموعة من الإقتباسات
في الآونة الاخيرة، وعلى مدى الأشهر القليلة الماضية. تم تناول موضوع معجزات وتاريخية يسوع. من خلال خبراء وباحثين لهم ثقلهم في مجالهم. وبالطبع هناك ثلاثة أسئله يمكننا ان نسالها: اولاً هل تمت معجزات يسوع المستحضرة في أذهان الكنيسة المبكره لغرض معين؟ هل هي مجرد أساطير تم افتعالها بعد فتره من الزمن؟ ام هي واقع تاريخي مسجل وموثوق؟
وللاجابة والرد على هذه الأسئلة سنستطلع آراء مجموعة من العلماء بخلفيات مختلفة لكن لهم صلة بالدراسات التي تختص باللاهوت والعهد الجديد ودراسات الكتاب المقدس ودراسات الاديان والتاريخ القديم. وايضا من المشككين وغير المؤمنين والليبرالين وغير المسيحين. لنصل إلى صورة كاملة حول إعتقاد الدارسين عن معجزات يسوع. ومن اهمها ما يلي:
“لقد تجمعت حشود ضخمة حول يسوع للاستماع الي وعظه وشهاده معجزات الشفاء واخراج الشياطين “
-James Tabor (‘The Jesus Dynasty.’)
“مما لا شك فيه ان الحشود كانت تعتبر يسوع نبياً وصاحب معجزات كما جاء في( مرقس 6 : 14 – 16 , لوقا 7 : 14 -17 ,ويوحنا 6 : 14 .)”
-Mark Saucy (‘Miracles and Jesus’ Proclamation of the Kingdom of God.’)
“لقد كان يسوع معرفاً باعمال عظيمة ووفقاً ليوسيفوس المؤرخ اليهودي الذي كتب عن يسوع قرب نهاية القرن الاول .وباتفاق الاناجيل .انه ليست التقارير فقط اوالقصص الكثيره او الاعمال الرائعة التي قام بها يسوع جذبت الحشود وراءه . ولكن ايضاَ شهرة يسوع كشافي “
-Marcus Borg (‘The Mighty Deeds of Jesus.’)
“يكفي للمؤرخ ان يعلم ان يسوع قام بعمل اعمالاً كثيره مع الناس .سواء الاصدقاء او الاعداء “ربما يسوع نفسه ” وتصنف هذه الاعمال وتعتبر معجزات “
-Ben Witherington III (‘The Jesus Quest: The Third Search for the Jew of Nazareth
“تشير المصادر ان السبب في جذب يسوع لاعداد كبيره للناس والاتباع هو عمله للمعجزات “
-Christopher Price (‘The Miracles of Jesus: A Historical Inquiry.’)
” القدره علي عمل الشفاء .كانت عاملاً مساعداً لمهمة يسوع .فكونة له قاعده شعبية.وهذه القدره ساعدة يسوع لتفسير مهمته “
-Paula Fredriksen (‘Jesus of Nazareth, King of the Jews.’)
“معظم العلماء الدارسين لتاريخية يسوع اليوم .بغض النظر عن ايدلوجيتهم الشخصية .يقبلون ان يسوع اجتذب حشوداً لاعتقادهم انه يقوم بالشفاء واخراج الشياطين “
-Craig Keener (‘The Gospels as Sources for Historical Information about Jesus.’)
“مثل هذه الحقائق عن يسوع كان معروفاً في الجليل واورشاليم .فهو كان معلماً وكان يشفي مرضي بامراض مختلفة واخراجه للشياطين يتعبر علي نطاق واسع من ضمن المعجزات “
-Anthony Ernest Harvey (‘ Jesus and the Constraints of History.’)
تم لانتهاء من تدوين أدب العهد الجديد باكمله فيما لا يتجاوز عن ستون عاماً بعد قيامة يسوع “يوحنا اخر الاناجيل حوالي سنة 95 م ) . وهذا الوقت قصير جداً لتسلل جانب اسطوري للنص . وفقاً لكلام White ان هيرودوت يعطينا القدره علي اختبار تسلل الاسطوره لما هو تاريخي. والاختبارات تقول انه في خلال جيلين السماح لتسلل اسطوره علي امر تاريخي مسلم ومتداول شفوياً من الصعب .
-White, Sherwin. ‘Roman Society and Roman Law in the New Testament
الشهادات الادبية لصنع يسوع المعجزات مبكره بمعني اخر هي علي مقربة من الوثائق المكتوبة عن معجزات يسوع في حياته . وهذه فتره لا مثيل لها “
-Paul Meier (Quoted in ‘Miracles: The Credibility of the New Testament Accounts.’)
“هناك ايضاً معجزات فريده وهي جزء لا يتجزء من قبل مرقس في انجيل مرقس 10 : 46 – 52 “
-Paul Meier (‘A Marginal Jew.’)
“التقاليد المبكره عن يسوع تشمل تقارير عن ما فعله من اعمال معجزية .متداخله تماماً مع التقاليد المبكره عن اقواله .بالاضافة الي ذلك هناك العديد من الشهادات الفريده والمتنوعة عن معجزات يسوع “
-Christopher Price (‘The Miracles of Jesus: A Historical Inquiry’)
“رؤية يسوع كصانع المعجزات تمثل في كل المستويات تقليد العهد الجديد .وهذا الامر لا يشمل الاربعة فقط ,ولكن ايضاً اقواله الافتراضية .وهناك مصادر مبكره بعد موت يسوع بسنوات قليله .تؤكد ان شهود العيان ليسوع كانوا ما زالوا احياء في ذلك الوقت من تاليفهم هذه الوثائق .فهؤلاء كانوا شهود عيان ومصدر من التقاليد الشفوية الهامه المتعلقة بيسوع وحياته .وذلك في ظل خدمته علي الارض .وكان هذا التقليد الشفهي حاضراً بشكل قوي في اسرائيل بسنوات عديده بعد وفاته “
-Craig Blomberg (‘The credibility of Jesus’ miracles.’)
“علي الرغم ان المعجزات علي وجه التحديد تصاحبها عادتاً ادلة محدوده .العديد من المصادر القديمة التي تتعلق بالقضية توافق علي ان يسوع واوائل الاتباع كانوا يقمون بعمل المعجزات . مثل مرقس , لوقا ومتي ويوحنا , واعمال الرسل ,.وسفر الرؤيا .وشهادات غير مسيحية من مصادر يهودية ووثنية.
-Craig Keener (‘Miracles: The Credibility of the New Testament Accounts.’)
“ان نشاط يسوع بعمل المعجزات علي الاقل مثل طرده للشياطين وايضا الشفاء يمكن اعتباره معيار متعدد الاثبات “
-Barry Blackburn (‘Studying the Historical Jesus: Evaluations of the State of Current Research.’)
“اخراج الشياطين يعتبر من ابرز انواع الشفاء في الاناجيل.والحجم الهائل من الادلة تجعل من المرجح للغاية ان يسوع كان لديه سمعة واسعة باعتباره يخرج الشياطين “
-E.P Sanders (‘The Historical Figure of Jesus.’)
“المصادر تخبرنا علي عمل يسوع المعجزات وايضاً كتابات يوسيفوس والتلمود البابلي اكدت ان يسوع صانع المعجزات “
-Christopher Price (‘The Miracles of Jesus: A Historical Inquiry.’)
“ولهذا المعجزات والادلة التاريخية ممتازة “
-A. M. Hunter (‘Jesus: Lord and Saviour’)
عند تطبيق معايير الصحة بالتوازي نجد ان المعجزات الكتابية تتمتع بكثير من الادلة لتدعيمها .
-Craig Blomberg (‘The credibility of Jesus’ miracles’)
علي الصعيد العالمي، تقليد عمل يسوع المعجزات اكثر ثقة جنباً الي جنب مع المعايير التاريخية من اي تقاليد اخري وتقبل غالباً بسهوله كجزء من حياته وخدمته .
-John Meier (‘A Marginal Jew: Rethinking the Historical Jesus.’)
لقد قدمت العديد من الامثلة الهامة المدعمة .فهناك خمس مصادر للتعرف علي السرد الانجيلي.وفيها ذكر لمعجزات يسوع .مع بعض الاحداث بعينها مذكوره في اكثر من واحد من الخمسة. وذكر القبر الفارغ ثلاث علي الاقل في مصادر .وهذا يساعد في اخذ الامر بنوع من الجدية من قبل النقاد المعاصريين.
-Gary Habermas (‘Recent Perspectives on the Reliability of the Gospels.’)
” ما توصلت اليه.ان يسوع كان يشفي ويخرج الشياطين.ففي الواقع هناك الكثير من قصص الشفاء التي تخبرنا عن يسوع اكثر بكثير من اي قصص اخري في التقليد اليهودي.ففي جميع لاحتمالات يسوع كان الشافي الابرز في تاريخ البشرية”
-Marcus Borg (‘The Mighty Deeds of Jesus.’)
“عندما نتذكر يسوع نجد انه جمع بين تعليمه و معجزاته بارتباط وثيق مع اقواله.وكان هذا مزيج فريد “
-Christopher Price (‘The Miracles of Jesus: A Historical Inquiry.’)
“ان ما يجعل يسوع فريداً من نوعة من الباقيين في زمنة في الادب اليهودي هو كمية الاعداد الكبيره من الشفاء واخراج الشياطين “
-Eric Eve (‘The Jewish Context of Jesus’ Miracles’)
“لم تجد في اي موضع اخر ما ذكر من معجزات عن شخص واحد مثل يسوع كما هو في الاناجيل.فتفرد يسوع التاريخي بالمعجزات مثل الشفاء واخراج الشياطين”
-Gerd Theissen & Annette Merz (Quoted in ‘Miracles: The Credibility of the New Testament Accounts.’)
“روي القدماء قصص قديمة او اسطورية للابطال وانهم قامو من الموت ,لكن هذه القصص المزعومة روت بعد وقوعها بقرون .انا لا اعرف اشخاص معينين من هذه القصص القديمة.بادلة خارجية قيد المناقشة ” مثل يسوع واتباعة “فهناك استناد علي شهاده شهود العيان كتبت في غصون جيل واحد .وليس كلها تم ذكرها .
-Craig Keener (‘Miracles: The Credibility of the New Testament Accounts.’)
“في حالة معجزات يسوع ,هناك العديد من الشهادات المذكورة في الاناجيل بشكل متكرر للذين عارضوا يسوع تشهد عن اعمال يسوع وفشلهم في تحديه. مثل ما جاء في مرقس 3 : 1 – 6 او عندما نسبوا افعال يسوع الي الشيطان مثل ما جاء في مرقس 3 : 22 – 27 وبالتالي هذا اعتراف بان هذا الامر حدث بالفعل .
-Gary Habermas (‘Recent Perspectives on the Reliability of the Gospels.’)
“اعداء يسوع لم يشكوا ان ما فعله يسوع هو غش .بل اعزوا عمله في الشفاء الي قوة شيطانية .”
-E.P Sanders (‘The Historical Figure of Jesus.’)
من الجدير بالذكر انه لم يكن هناك اعتراض او نفي من قبل اعداء يسوع عن اعماله الخارقة .بل هم نسبوها الي قوي الشر .اما الشيطان كما جاء في مرقس 3 : 22 – 30 او في القرن الثاني الي السحر في الجدل السائد كما جاء في كتاب ايرناؤس ضد الهراطقات Irenaeus, Against Heresies, 2.32.3-5
-Raymond Brown (‘An Introduction to New Testament Christology.’)
“في بادئ الامر نجد ان المعجزات متاصله في كل المستويات .من خلال مصادر التقليد المسيحي المبكر في الاناجيل .والمصادر اليهودية ايضاً تشهد علي معجزات يسوع.وكل هذا يواجه اي انكار ان يسوع فعل كل هذا من انتصارات مذهلة.
فيوسيفوس والتلمود بدلاً من النفي اثبتوا لهم هذا.وعلي الرغم انهم لم يعتقدوا انها معجزات سماوية .فاعزي الحاخامات انها غالباً صنعت من يسوع كساحر وهو الذي قاد اسرائيل في الضلال .مثل اعتقاد الكثير من بعض القاده اليهود في الاناجيل مثل ما جاء في مرقس 3 : 20 – 30 باتهام يسوع انه يستعين بقوه شيطانية .
-Craig Blomberg (‘The credibility of Jesus’ miracles.’)
باختصار ان يسوع كساحر او صانع المعجزات كانت اشكالية ظاهره للغاية ومثيره للجدل ليس فقط لاعدائه بل لاصدقاءه
-John Crossan (‘The Historical Jesus: The Life of a Mediterranean Jewish Peasant.’)
“لقد صنع يسوع اشياء لا يمكن تفسيرها في زمنه من قبل الناس الا باعتبارها معجزات “
-Mark Powell (‘The Bible and Interpretation.’)
“اشتغلت مؤخراً علي الاناجيل ومقارنتها بالمصادر الخارجية .فحتي الباحثين النقديين خلصوا الي ان المعجزات هي جزء لا يتجزأ من خدمة يسوع التاريخي .”
-David Graham (‘Jesus As Miracle Worker’)
“اعتقد انه من المحتمل بشكل قوي ان يسوع كان ينظر اليه باعتباره يخرج الشياطين “
“واعتقد اننا نستطيع ان نجزم ان سبب شهره يسوع جاءة نتيجة خدمة الشفاء وخصوصاً اخراج الارواح الشريرة “
-E.P Sanders (‘The Historical Figure of Jesus.’)
“اعمال الشفاء واخراج الشياطين تعتبر تاكيداً ملموساً علي صدق وصحة شخصيتة بشكل دامغ من خلال تعاليمة “
-Geza Vermes (‘The Religion of Jesus the Jew.’)
علي الرغم انه يوجد صعوبة لدي العقل الحديث في فهم المعجزات .لكن الاسباب التاريخية لا جدل فيها ان يسوع كان يشفي ويخرج الشياطين .
“ولا يوجد جدل عملياً ان يسوع يشفي واخرج شياطين “
-Marcus Borg (‘Jesus, A New Vision: Spirit, Culture, and The Life of Discipleship.’)
“اعتقد ان يسوع بالفعل قد فعل اعمال شفاء خارقة وهذه الاعمال نحن لا نستطيع ان نشرحها ببساطة بالايمان “
“كاحد المؤرخين .اعتقد ان يسوع كان يشفي ويخرج الشياطين .ولتوضيح اسبابي في اعتقادي هذا .انا اعتمدت علي اثنان من العوامل.الدليل ان يسوع كان يقوم باعمال الشفاء واخراجه هو وتلاميذه الارواح الشريرة علي نطاق واسع في جميع انحاء الكتابات المسيحية المبكره.
“العامل الثاني في عمل يسوع اعمال الشفاء الخارقة .الدليل هو القصص السردية القديمة والحديثة عن معجزات يسوع وبما اني مقتنع بحدوث المعجزات .ثم لا يوجد سبب لانكر ان يسوع صنعها “
-Marcus Borg (‘The Mighty Deeds of Jesus.’)
“مهما حاولت ان تفكر في امكانية حدوث معجزات الشفاء فلسفياً. ألا انه من الواضح ان يسوع كان لديه سمعة جيده علي نطاق واسع لفعله المعجزات “
-Bart Ehrman (‘The New Testament: A Historical Introduction to the Early Christian Writings.’)
“ليس هناك ما يدع مجالاً للشك ان يسوع التاريخي كان يشفي ويخرج الشياطين.وقد ساعد هذا العامل التاريخي علي رسم دوره الملعوب في بيانات الاناجيل “
-David Aune (‘The New Testament In Its Literary Environment.’)
“نعم اعتقد ان يسوع من الارجح انه قام باعمال نظر اليها المعاصريين انها معجزات .وهذا الامر ليس فيه صعوبة لتخيله كما يسمية بولس ايضاً ” الشفاء واخراج الشياطين “
-Paula Fredriksen (‘Jesus of Nazareth, King of the Jews.’)
هل حدثت معجزات يسوع التاريخي أم كانت مجرد أساطير؟ مجموعة من الإقتباسات
ما يميز المسيحية عن أديان العالم هو ان المسيحية تقول بان الله كشف عن ذاته في التاريخ. وقد عبَّر عن ذلك اللاهوتي البريطاني Alan Richardson حينما قال “إن الايمان المسيحي …له ارتباط باحداث حدثتفي الماضي. وهذه الاحداث اذا لم تكن قد حدثت أو انها كانت احداث مخالفة للسياق الكتابي المسيحي، فاننا نجد أن صرح الايمان المسيحي والحياة والعبادة قد بنيت على الرمل”
ونحن نحتفل كل عام بعيد الميلاد لنتذكر الحدث المركزي التي تم في تاريخ العالم بتجسد الله. لكن هناك البعض من يوجِّه بعض الإتهامات وينفي وقوع الاحداث فمن هنا كان حوار ويليام لان كريج استاذ الفلسفة حول هذه الاراء.
لماذا يعتبر التاريخ أمرًا هاماً في الإيمان المسيحي؟
بالفعل التاريخ أمر بالغ الاهمية للمسيحية فهو يحافظ على كيان العقيدة المسيحية من التحول إلى اساطير. فاذا لم يكن الكتاب المقدس له جذور في التاريخ الحقيقي فليس لنا ان نعتقد بوجود شخص يدعي يسوع الناصري وما نراه من الالهة الاسطورية مثل زيوس او أودين أو ثور أو الآلهة الأسطورية الأخرى. فالتاريخ هو عنصر حيوي للمسيحية ومعيار للايمان يحفظ المسيحية من مجرد رؤيتها انها مجرد اسطورة.
The Challenge of History: An Interview with William Lane Craig (Australian Presbyterian)
تعود أصول النقد الكتابيّ إلى قرون، وجذوره هي في خمسة تيّارات متفاعلة في التقليد:
تراث آباء الكنيسة التفسيريّ. يمكننا أن نجد عند أوريجنس بدء الدراسة النظاميّة للكتاب المقدّس عبر دراسة اللغات الأصليّة ومقابلة المخطوطات واستعمال المنهجيّات المتوفّرة كما التأمّل في مبادئ التأويل النظرية. يدين أوريجنس بهذه الأمور لعلماء اللغة والمفسّرين الإغريق واليهود. فيما انحسرت دراسة العبرانّية والمقابلة النقديّة للمخطوطات، ترك آباء الكنيسة تراثاً تفسيريّاً لافتاً.
أحد أكثر ثمار هذا التقليد قيمةً هو التركيز على المبدأ اللغويّ-القرينيّ في التفسير الذي مارسه أثناسيوس، وباسيليوس وجيروم وثيودور الموبسويتيّ وكيرلس الإسكندريّ وآخرون. لقد كان هذا المبدأ، مطبّقاً بشكل أكثر نظاميّة وتحليلاً، القوّة الموجّهة الرئيسة خلف نجاح الدراسات الكتابيّة الحديثة.
مُثُل الحركة الإنسانيّة في العصور الوسطى. نشوء الجامعات والسعي وراء المعرفة للمعرفة بحد ذاتها، وحافز النهضة (Renaissance) لإعادة إحياء الدراسات الكلاسيكيّة عوامل أسّست أطراً احترافيّة وسابقات أثّرت في التعليم والتربية ككلّ.
وقد أدّت هذه العوامل، في القرون الأخيرة، وبشكل لا مناص منه، إلى الاختصاص وتقسيم فروع الدراسة. كما جعلت هذه العوامل الصفّ والنقابة أسس العمليّات. في الدراسة الكتابيّة، أبعد الكتاب المقدّس تدريجيّاً عن حياة الكنيسة، وحوّل من نبع حيّ للتنشئة الرعائيّة إِلى موضوع تحليل أكاديميّ.
الإصلاح. ركّز الإصلاح على سلطة الكتاب المقدّس المطلقة والحقّ في التفسير الشخصيّ بمقابل الكنيسة والتقليد، إضافةً إلى نتائجه البالغة التأثير كنسيّاً واجتماعيّاً وسياسياً. لم يطوّر لوثر، ولا غيره من المصلحين، أيّ منهجيّات جديدة.
ولكن قوّة هذين العاملين – سلطة الكتاب المطلقة وحريّة الأفراد في التفسير – أدّت، من جهة، إلى تركيز فكريّ هائل على الكتاب، ومن جهة أخرى، إلى تنّوع في التفسير كثير المشاكل. إذاً، أصبح التشويش وإعادة اكتشاف الكتاب المقدّس من السمات المميّزة للدراسة الكتابيّة الحديثة التي أكثر ما تكرّست في البروتستانتيّة.
التنوير. عنى شعار التنوير: “تجرأ أن تفكّر”، لصاحبه الفيلسوف الألمانيّ عمانوئيل كانط، رفض كلّ سلطة في البحث عن الحقيقة “الموضوعيّة” وتوّج العقل المستقلّ كمعيار أولّ في كلّ الأمور. فقّوى هذا التأكيد فرديّة الإصلاح. إلى جانب تطوّر الطريقة العلميّة التجريبيّة، تمّ التوصل إلى إنجازات مذهلة في الحضارات الغربيّة، من بينها توسيع حقول الدراسة في مختلف أنواع العلوم والآداب. الجانب الآخر من هذا النجاح الاستثنائيّ كان مجمل المشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة والبيئيّة التي تحدق بالعالم المعاصر.
إلى هذا، حملت روح التنوير المستقلّة الخلاّقة عداءً للتقليد والدين والوحي وحتّى لله: أيّ لكلّ أشكال السلطة. وما زالت هذه الروح تفسد “موضوعيّة” الكثير من المفكّرين المعاصرين. أكثر الأمور إثارة للمشاكل والجدل في الدراسة اللاهوتيّة والكتابيّة هو إرث التنوير الفكريّ الذي يشدّد على تفوّق العقل ويجتثّ مفهوم الإعلان الإلهيّ وبهذا يكون مصدراً لكثير من التشويش في المنهجيّة ونتائج البحث.
ثورة الدراسات التاريخيّة. فكّ مغاليق الهيروغليفيّة (1827) والحروف المسماريّة (1846) فتح باب دراسات المدوّنات المصريّة والبابليّة وساهم في تسريع تكديس المعرفة التاريخيّة حول الحضارات القديمة. في دراسات القرن التاسع عشر التاريخيّة، ساد افتراض بأنّ المؤرّخين، هم مثل العلماء الذين يدرسون الطبيعة، قادرون على إعادة إنتاج قصّة موضوعيّة حول الماضي تماماً كما حدثت (التاريخانيّة Historicism).
وقد تتابعت الاكتشافات التاريخيّة والأثريّة بشكل جيّد إلى القرن العشرين، بما فيه اكتشاف أوراق البردي الإغريقيّة في مصر (القرن التاسع عشر)، لوحات أوغاريت في راس شمرا (سوريا، 1929)، الوثائق الغنوصيّة ونَجْع حمادي (مصر، 1945)، والأدراج الغنوصيّة في قمران قرب البحر الميت (1947-1956).
الحصاد الغني في المعرفة التاريخيّة سلّط ضوءً جديداً على خلفيّة تطوّر اليهوديّة وأصول المسيحيّة. فضلاً عن ذلك، لقد أشعف العلمُ، ولفترة زمنيّة طويلة، الإيمان المتعلّق بنظرة الكتاب إلى خلق العالم وعمر الكون والعجائب ولم يعد يُنظَر إلى الكتاب المقدّس كإعلان منفصل عن التاريخ والحضارة القديمين. لقد نشأ وعي تاريخيّ حول التطوّر والتنوّع في العمليّة التاريخيّة المعقّدة التي تستوعب كلّ الأمور البشريّة.
توصّل الباحثون، بشكل أوسع، إلى استيعاب إمكانيّة حدوث الأحداث التاريخيّة أو نسبيّة الحقيقة التاريخيّة وهما أمران لا يزالان من الشؤون الأساسيّة في التأويل الكتابيّ.
لماذا ندرس الإنجيل ؟ يتحوّل أغلب القراء إلى الكتاب المقدّس لاهتمامات دينيّة أو لاهوتيّة إذ يعتبرون أنّ الإنجيل كتاب مقدّس ومرجع يحمل شهادة لكلمة الله. يشير القدّيس بولس إلى الكتاب المقدّس على أنّه وحي الله.
فهو يوصي المسيحيّين في تسالونيكي بقبول الإنجيل، المدَّون الآن في العهد الجديد، “لا ككلمة أناس بل كما هي بالحقيقة كلمة الله” ( 1 تسالونيكي 13:2). لقد نظر المسيحيّون المؤمنون عبر الأجيال إلى الإنجيل على أنّه مصدر الحقيقة المخلِّصة والإرشاد الروحيّ، سواء في العبادة الجماعيّة او القراءة الشخصيّة. لقد اعتبروا أنّ الكتاب المقدّس، رغم تضارب التفسيرات ومشاكل سوء الاستعمال، يقدّم دعوة إلى حياة مع الله وطريقاً من المحبّة والبِرّ متمثّلاً بشكل فريد في شخص يسوع المسيح وبشارته.
يُقرأ الإنجيل أيضاً للاستمتاع الأدبيّ.
رواية الخلق وقصّة إسرائيل وحياة المسيح ألهمت عدداً لا يُحصى من الرجال والنساء. ولكتب المزامير وأيوب وإنجيل يوحنّا والرؤيا كلّها قيمة أدبيّة مميزة. اليوم، تُدرَس أوجه فقه اللغة (philological) في الإنجيل بشكل منهجيّ وطرائق تقنيّة ملائمة لتركيبه وقصصه وشعره ورؤاه[1]. فضلاً عن هذا، معروف أنّ لغة الكتاب المقدّس وأفكاره أثّرت في أدب شعوب كثيرة.
في الحضارة الغربيّة مثلاً، من الصعب تذوّق دانت وميلتون أو تولستوي بدون معرفة صور الإنجيل وتعاليمه. لطالما تشبّث الأدب بمواضيع الخير والشرّ، التضحية والجشع، الأمل واليأس. وكان الكتاب المقدّس يحرّك دائماً قلوب الكثيرين من الشعراء والمفكّرين المتأمّلين في معنى الحياة والحريّة، العدالة، العذاب والموت.
يُقرأ أيضاً الكتاب بداعي الاهتمام التاريخيّ.
أغلب المعلومات حول أصول المعتقدات اليهوديّة والمسيحيّة مأخوذة من الكتاب المقدّس. يستطيع قارئ الكتاب المقدّس، عبر القراءة الدقيقة، أن يلتقط لمحة خاطفة عن حياة الشعوب القديمة وحضارتهم كالمصريّين والآشوريّين والبابليّين والفرس واليونان والرومان. اليوم، وصلت الدراسة التاريخيّة للكتاب إلى معايير نظاميّة واختصاصيّة[2]. وأصبح مألوفاً الاعتراف بأنّ الكتاب المقدّس خرج من أطر ثقافيّة وأحداث تاريخيّة محدّدة.
إلى هذا، هناك وعي متزايد لتأثير الكتاب الكبير على تاريخ الحضارة، ليس فقط عبر تأثيره على الأعراف الاجتماعيّة والتشريعات، إنّما أيضاً على التعابير الثقافيّة في التربية والفن والموسيقى[3]. فقد استوحى خيال بعض المكتشفين الكبار الرسالة الإنجيليّة بمعنى أو بآخر. على سبيل المثال، كريستوف كولومبوس كتب عملاً موجزاً عنوانه “كتاب النبوءات”، أشار فيه إلى أنّ الرغبة في نشر الإنجيل إلى العالم وتحضير الطريق للألفيّة كانت تحرّكه قبل اكتشافه أميركا[4].
وكما يدّعي البعض، فإنّ ظهور العلم الحديث والتكنولوجيا حرّكته جزئيّاً فكرة إنجيليّة حول خليقة منظّمة وتوجيه الله للبشر كي يخضعوا الأرض ويتسلّطوا عليها (تكوين 28:1)[5].
للدراسة الكتابيّة ثلاثة أوجه شديدة الترابط: اللاهوتيّ والأدبيّ والتاريخيّ. تتعلّق كلّها بميزة الكتاب الأساسيّة كمجموعة من الوثائق التاريخيّة، التي تسجّل قناعات اليهود والمسيحيّين ورؤاهم الدينيّة المأخوذة ممّا فهموه على أنّه لقاءات عميقة مع الله في إطار الجماعة. ومع إمكانيّة التشديد على أحد الأوجه أكثر من غيره لأسباب محدّدة، فالأوجه الثلاثة تتطلّب انتباهاً مناسباً لتحقيق الفهم الشامل للكتاب المقدّس.
هذا يصحّ بشكل خاصّ في العصور الحديثة، حيث تمّ تحقيق التقدّم الثوريّ في العلوم الإنسانيّة والتطبيقيّة والذي أسّس حسّاً جديداً مثيراً للجدل من التفكير النقديّ المرتكز على الطريقة العلميّة الاختباريّة. إنّ تكاثر المعرفة الجديدة حول العالم والبشريّة، في العلم والتاريخ وعلم النفس مع افتراضات التنوير الفلسفيّة، نتج منه تراجع عامّ في الثقة بسلطات الكتاب كمصدر للحقيقة[6].
وتختلف مقاربات الكتاب المقدّس، الناتجة من تطبيق الطريقة العلميّة النقديّة في الدراسة الكتابيّة، بشكل جذريّ. هكذا، يصبح السؤال “لماذا ندرس الأنجيل؟ أكثر حدّة عبر أسئلة عديدة. مَن يدرس الكتاب المقدّس؟ في أيّ إطار يُقرأ الكتاب ويُدرَس؟ كيف يُفسّر ويُطبَّق؟ هل يحتوي الكتاب إعلاناً إلهيّاً، أم أنّه مجرد إنجاز ثقافيّ من الماضي نستخرج منه دروساً مناسبة لتقدّم قضايا جديرة بالثناء؟ بأيّ معنى يؤلّف الكتاب المقدّس كتابات الكنيسة المقدّسة وما هي نتائج هذه الحقيقة؟
أظهرت الدراسات الكتابيّة الحديثة ميولاً نحو التشتّت. المقاربتان اللاهوتيّة والتاريخيّة للكتاب المقدّس تباعدتا منذ أكثر من قرن. ما نتج من سيطرة المقاربة التاريخيّة-النقديّة المتلائمة مع الافتراضات الحديثة هي تحليلات ونظريّات منقّحة، إلى درجة أنّ البعض راح يتأمل في ما إذا كان خمر الكتاب تحوّل إلى ماء الدراسة النقديّة. بعض الباحثين من داخل القافلة انتقد بعنف المقاربة التاريخيّة-النقديّة على أنّها تؤديّ إلى “خطأ عملاق في تفسير” الكتاب وعلى أنّها “إفلاس” بسبب ضررها الظاهر بحياة الكنيسة والمجتمع[7].
سعى عدد متزايد من النقاد الكتابيّين إلى فتح اتجاهات جديدة تحت تأثير “النقد الأدبيّ الجديد” بهدف استخراج المعنى المناسب من الكتاب والذي يوافق حساسيّات القرّاء المعاصرين[8]، وذلك كردّة فعل على المقاربة التاريخيّة.
على كلٍ، مازالت هذه المقاربات الجديدة مجحفة بحقّ شهادة الكتابات الإنجيليّة اللاهوتيّة عن طريق النظر إليها كأدب دينيّ قديم أكثر منها كوثائق معياريّة للإعلان. إلى جانب المقاربتين التاريخيّة والأدبيّة، وبمنهجيّتهما، استعمل نقّاد آخرون الكتاب لأسباب إيديولوجيّة كتعزيز أفكار سياسيّة واجتماعيّة كالتحرّر والمساواة بين الجنسين[9]. هذا ولا تُظهر الدراسات الكتابيّة ايّ اتجاه نحو التماسك أو الإجماع.
ما الذي تستطيع نظرة أرثوذكسيّة إلى الكتاب المقدّس أنّ تقدّمه؟
قَبل الباحثون الأرثوذكسيّون، كما سنناقش في فصول مختلفة من الجزء الأوّل[10]، أن يطبّقوا الطريقة النقديّة بحكمة لأنّ روح الأرثوذكسيّة تشجّع حريّة البحث وطلب الحقيقة بتمييز. ولكن مع أنّ اللاهوتيّين الأرثوذكسيّن اهتمّوا بانتشار الافتراضات الحديثة في البحث العلمي، إلاّ إنّهم تحفّظوا تجاه استنتاجات النقد الكتابيّ المتطرفّة بميلهم نحو مواقف محافظة واهتمامهم بتعليم الكنيسة العقائديّ.
هذا لا ينطبق بالحقيقة فقط على دراسة الكتاب المقدّس إنّما أيضاً على كلّ الدراسات اللاهوتيّة، بما فيها التاريخ الكنسيّ والآبائيّات والليتورجيا والحقّ الكنسيّ واللاهوت النظاميّ. في حقل الكتاب المقدّس، تطوّرت الدراسات الإكاديميّة التقليديّة، بخاصّة في اليونان منذ منتصف القرن التاسع عشر، حيث راح عدد من علماء جامعتي أثينا وتسالونيكي ينشرون دراسات بشكل ثابت ومثير للاهتمام. أغلب مساهمتهم ستُدرج بشكل ملائم في هذا العمل، بخاصّة في الجزء الثاني الذي يعالج العهد الجديد بتفصيل أكبر.
هناك اليوم مداخل قيّمة للعهد الجديد لباحثين يونانيّين ثلاثة: سابا أغوريديس، يوحنّا كرافيذوبولوس، ويوحنّا باناغوبولوس[11]. الأوَلون، رغم تمايزها عن المواقف التقليديّة، يتبعان نمطاً ومنهجيّة في البحث العلميّ الكتابيّ مألوفين عالمياً. الثالث، أي باناغوبولوس، يتبنّى موقفاً معلناً تأويليّاً مرتكزاً على آباء الكنيسة، فيما يستعمل البحث العلميّ العالميّ، فينتج بتأنٍ مدخلاً “أرثوذكسيّاً للعهد الجديد.
كان باناغوبولوس يعمل أيضاً على وضع عمل بارع متعدّد الأجزاء حول التقليد الآبائيّ التفسيريّ وقد صدر منه العدد الأوّل[12]. كما كتب سابا أغوريرديس حول موضوع التفسير في مساهمات أخرى. سوف تُناقَش المواقف التفسيريّة التي اعتمدها هؤلاء الباحثون في الفصلين السادس والسابع من هذا الجزء[13].
يحتلّ الموقف التفسيريّ في هذا العمل موقفاً وسطاً، إذ فيما يأخذ المفاعيل اللاهوتيّة لعمل آباء الكنيسة التفسيريّ، يشدّد بشكل مساوٍ على الدراسة النقديّة الوصفيّة للوثائق الكتابيّة على أساس أنّ الدراسة التاريخيّة تختلف قليلاً وتؤدّي إلى شهادة الكتاب الأصلية. مازالت أمامنا مهمّة تحديد “مقاربة أرثوذكسيّة” مميّزة للكتاب المقدّس.
يسعى هذا العمل إلى أنّ يساهم في هذه المهمّة. مهما كانت السمات النهائيّة للدراسة الأرثوذكسيّة للكتاب المقدّس، فهذه يجب أنّ تتضمّن تشبّثاً صادقاً بالمنهجيّات المعاصرة ومصادر المعرفة، إلى جانب الأمانة لسلطة الكتاب وآباء الكنيسة. المثال الذي يجب أنّ تسعى إليه، تمّثلاً بالآباء الإسكندريّين والأنطاكيّين والكبادوكيّين، هو تحقيق تعاون متناغم بين الإيمان الصحيح والمنطق السليم. وإنجاز آباء الكنيسة الفكريّ وجامعيّة الإيمان المسيحيّ لا يتطلّبان أقلّ من ذلك.
إذاً عبارة “أرثوذكسيّ” ليست صفة ثقافيّة ولا مذهبيّة لتحديد المسيحيّة الشرقيّة كظاهرة تاريخيّة محضة. إنّها إشارة إلى التقليد المسيحيّ العالميّ بالمعنى الكلاسيكيّ لما هو صحيح في كلّ زمان ومكان. الهدف هو تحديد رؤية مسكونيّة لمركز حَكَم هو الإنجيل ذاته، على أن تعانق هذه الرؤية التعدّديّة في الوحدة والوحدة في التعدّديّة في مجمل التقليد المسيحيّ. إنّ مقاربة أرثوذكسيّة للكتاب المقدّس لا تتورّط بهذه المنهجيّة أو تلك في الدراسات الكتابيّة. كلّ منهجيّة تقوّم بحدّ ذاتها.
في كلّ حال، الإعلان عن مساهمات جديدة في حقل مازال الدارسون الأرثوذكس يتعلّمون فيه من زملائهم الغربيّين لن يكون سوى ادعاء. بالأحرى، يجب أنّ تهتّم المقاربة الأرثوذكسيّة بإدراك شامل ومتوازن للكتاب المقدّس في طبيعته الخاصّة ومرجعيّة شهادته ككلمة الله، مع التزامها الدراسة النقديّة وحريّة البحث في الوقت ذاته. قد يُقترَح أنّ مقاربة كهذه يجب أن تتضمّن، بين جملة أمور، ثلاث مقوّمات رئيسة.
المقوّمة الأولى دراسة شموليّة تدمج الأوجه الأدبيّة والتاريخيّة واللاهوتيّة. رغم أنّ ما هو لاهوتيّ ينتمي إلى جوهر الإنجيل ككتاب مقدّس، إلاّ أنّه يجب أنّ يقوّم التاريخيّ والأدبيّ بشكل مناسب، إذ إنّهما أيضاً من ضمن الوثائق الكتابيّة. كلّ الأوجه تتطلّب دراسة تقوم على أساس أنّ البحث عن الحقيقة يتضمّن بالضرورة نظرة مميّزة وحكماً نقديّاً. إنّ مقاربة شموليّة للكتاب المقدّس تعتمد، لاهوتيّاً، على سرّ تجسد الكلمة (-LogosςγοʹΛο) وعالميّة الإنجيل، وتتطلّب انفتاحاً على كلّ الشعوب والثقافات وعلى كلّ الحقيقة.
إنّها رؤية تكامليّة تأخذ بشكل جديّ، ليس فقط لاهوت الفداء، إنّما أيضاً لاهوت الخالق. إنّها رؤية آباء الكنيسة العظماء من القدّيس يوستينوس الشهيد إلى الكبادوكيّين، وجميعهم كانوا في زمانهم باحثين من الدرجة الأولى، وقد تجنّبوا توريط الإيمان مع العقل كما تجنّبوا توريط الإنجيل مع السعي العالميّ إلى الحقيقة[14]. جورج فلوروفسكي هو، بين لاهوتيّي القرن العشرين الأرثوذكسيّين، أكثر مَن حرّك هذه الرؤية الآبائيّة للحقيقة وصكّ عبارة “التركيب الآبائيّ الجديد (Synthesis Neo Patristic) من أجل المهمّة اللاهوتيّة الثابتة في كلّ العصور.
من بين اللاهوتيّين الغربيّين، يؤيّد الباحث الكتابيّ البريطانيّ رايت N. T. Wright، في عمله “العهد الجديد وشعب الله”[15]، موقفاً مماثلاً إنّما أكثر تفصيلاً. فهو، في ما يسميّه “الواقعيّة النقديّة”، يطوّر حجّة قويّة لدراسة كتابيّة متكاملة لاهوتيّاً وتاريخيّاً وأدبيّاً، على مقدّمة منطقيّة مفادها أنّ الأوجه الثلاثة للدراسة الكتابيّة تواجه السؤال المشترك عن المعرفة والحقيقة[16].
بالنسبة إليه، في ما يتعلّق بالكتاب المقدّس، عمل الفكر النقديّ الحقيقيّ هو تذكير المسيحيّة بجذورها التاريخيّة. لا يستطيع اللاهوت أن ينسحب من المقالة الفكريّة المعاصرة، وكأنّه قادرعلى تجاهل التحدّي العصريّ والاكتفاء بالقراءة الليتورجيّة والعباديّة للكتاب المقدّس. يستحقّ الكتاب أن يُدرَس نقديّاً في ذاته ومن ذاته، من أجل انتزاع كلّ المعاني الإضافيّة لشهادته الأصلية[17].
في الوقت ذاته، يؤنّب رايت المفكّرين النقديّين الذين، كورثة للتنوير، غالباً ما سقطوا في اتهامات صارمة للمسيحيّة التقليديّة واعتبروا وجهي الكتاب المقدّس الدينيّ واللاهوتيّ جانبيّين. أيضاً، هو ينتقد المقاربة الاستثنائيّة للنقد الأدبيّ الحديث الذي يتّجه نحو الذاتانيّة[18].
إذا أُهملَت دعاوى الكتاب اللاهوتيّة المعياريّة، يتساءل رايت، لماذا يُقرأ الكتاب المقدّس، ولا يُقرأ أيّ أدب قديم أو حديث على أنّه مساوٍ له في القيمة من أجل المعنى المناسب؟[19] هدف “نظريّة المعرفة العلائقيّة” (relational epistemology)، التي تربط الحقيقة التي وراء المعلومات الحسيّة بمعرفة الموضوع، هو حقيقة كتابيّة لاهوتيّة تتعلّق قبل كلّ شيء بموضوع الله وحده[20].
مثلاً، بحسب تحليل رايت الشامل لنظرات اليهوديّة والمسيحيّة إلى العالم، الفهم الثالوثيّ لله هو تطوير في التقليد الكتابيّ أصيل ومتمايز يتعدّى موقف اليهوديّة. بحسب رايت، إدّعاء العهد الجديد المعياريّ الذي يستحقّ الاعتراف النقديّ الكامل هو أنّ “إله إسرائيل جعل نفسه الآن معروفاً في يسوع المسيح والروح الإلهيّ وعبرهما وحتّى بوصفه يسوع المسيح والروح الإلهيّ”[21]. تخدم نظرية رايت كمثال على الميزة الأولى للمقاربة الأرثوذكسيّة للدراسة الكتابيّة في الشكل النقديّ.
المعلَم الثاني يشمل البعد الشركويّ أو الكنسيّ. هذا البعد هو موضوع التأمّل اللاهوتيّ في العهد الجديد نفسه وفي الرسالة إلى أهل أفسس بشكل مميّز. يتضمّن اقتراح رايت الإشارة إلى الطبيعة الشركويّة لكلّ المعرفة، والرفض المرافق لها، لكلّ تاريخ مزعوم موضوعيّ محض أو دراسة نقدّية منفصلة[22].
بالنسبة إلى رايت، هذا ينطبق، ليس فقط على مستوى آمال القارئ المعاصر وافتراضاته المتأصّلة في الجماعة، إنّما أيضاً على كلّ مجموعة الخبرات الدينيّة والقناعات اللاهوتيّة للكتّاب الإنجيليّين أنفسهم المتأصّلين بالنسبة ذاتها في الجماعة.
تقبل النظرة الأرثوذكسيّة هذه الإشارة وتركّز عليها بقوّة كبرى. كلمة الله مرتبطة بشكل أساس بالأشخاص الذين يتلقّونها. الوحي لا يتمّ في الفراغ. الكتاب المقدّس والتسليم[23] هما جزء من حقيقة الله الديناميكيّة والعضويّة التي تتعاطى مع الناس في كلّ العصور. من هذه الاعتبارات، ينشأ تشديد هذا الجزء من العمل على الإنجيل ككتاب الكنيسة كما أنّه كتاب الله.
يثبت تشريع الكنيسة، بشكل خاصّ، دور الكنيسة الحازم وتقليدها الحيّ في حسن تمييز الحقيقة اللاهوتيّة. هذا الدور ليس فقط فاعلاً وحسيّاً إنّما خلاّق وضخم. لقد قابل القدّيس مكسيموس المعترف العلاقة المتبادلة بين الكتاب المقدّس والكنيسة مستعملاً صورة المصباح على المنصّة، فالمصباح هو الكتاب والمنصّة هي الكنيسة[24].
تعترف دراسات القانون الكتابيّ الحديثة الآن بأنّ بصيرة الكنيسة العقائديّة في شكل الاحتكام إلى “قانون الإيمان”، حدّدت بشكل دقيق الكتب القانونيّة التي اختارتها الكنيسة كجزء من عمليّة كبرى هي اندماج الأرثوذكسيّة التاريخيّة ووحدتها. ينطبق حسّ الكنيسة العقائديّ بشكل متساوٍ على التفسير النهائيّ والمعياريّ كما على المجموعة القانونيّة في الكتاب المقدّس. لم يكن القصد من هذا الحسّ تقليص انوّع المنهجيّات وغناها ونتائجها التفسيريّة. في التقليد المسيحيّ القديم، التعدّديّة التفسيريّة وتعدّد استعمالات الكتاب موجودان بشكل واسع وأكيد.
في الواقع، الاحتكام العقائديّ كان حازماً في حالات الابتعاد الخاطئ في التفسير عن التقليد الرسولي المسلَّم، كما في الغنوصيّة والأريوسيّة، وكان المقصود به تثبيت وحدة جماعيّة عبر تعليم معياريّ حول أمور أساسيّة في الإيمان المسيحيّ.
في أيّ حال، الاعتراف بالكتاب المقدّس يشهد أيضاً لسلطة الإنجيل ككلمة الله التي بها يحاسب الكنيسة المسؤولة عن هذه الكلمة. لآباء الكنيسة متّحدون في إعلان سلطة الكتاب العليا كوحي إلهيّ. الجدالات الخريستولوجيّة الثالوثيّة ركّزت تحديداً على التفسير الكتابيّ، الذي تطوّر مع أثناسيوس والكبادوكيّين إلى تفسير قرينيّ ونحويّ يشكّل الهم المركزيّ لدراسات الكتاب التاريخيّة-النقديّة الحديثة.
اليوم، سلطة الكتاب وشهادته اللاهوتيّة يمكن إدراكهما بتعابير أكثر دقّة عبر الدراسة العلميّة. إلى هذا، لا يزال البعد الشركويّ يحتفظ بتأثيره لأنّ لكلّ المسيحيّين تقاليدهم الكنسيّة ووجهات نظرهم العقائديّة، كما باستطاعتهم مقاربة الكتاب بـ “واقعيّة نقديّة” تعانق في سؤالها كامل نطاق الدراسات البشريّة القديمة والحديثة.
على كلّ القراّء أن يعرفوا، في التزامهم سلطة الكتاب ودراسته النقديّة، أنّ ما يعتبره كلّ واحد واقع الحقيقة هو أبعد من القياسات التأمليّة المنطقيّة البسيطة. يتضمّن هذا الواقع إدراكاً جماعيّاً والتزاماً جماعيّاً بما هو صحيح وحقيقيّ عن الإنجيل والحياة المسيحيّة. تشكّل رؤية كهذه دعوة إلى شهادة سلام متبادل ولقاء حواريّ صريح يقوم على تفكير علميّ جديّ ويرتكز على نعمة الروح.
يتعلق المعلَم الرئيس الثالث للمقاربة الأرثوذكسيّة بالبعد الوجوديّ الروحيّ. لقد طالعني الطلاب عبر السنين بتحديّات كثيرة، أتى أكثرها إلهاماً في هذا السؤال: “ألا تستحقّ روحانيّة العهد الجديد الدرس؟” أجل. لكنّها مسألة دقيقة، إذ من السهل جداً تجاوز الخط الفاصل بين إنعاش الرؤى الروحيّة والتفاهات التقويّة.
كيف للإنسان أنّ يحدّد العلاقة بين التحليل النقديّ والرؤيّة الروحيّة، أو باستعمال صورة إيهور سيفيشينكو، بين اليسروع والفراشة؟ هل يُعلَّم الإيمان والروحانيّة أم يُلتَقَطا، أم الطريقتان معاً؟ بعض شخصيّات الكتاب المقدّس، مثل إشعياء وبولس، يدّعي خبرات إيحائيّة ويهذّ بقوّة الروح المجدِّدة. تقاسم آباء الكنيسة هذا الأفق الكتابيّ للإيمان واحتكموا مباشرة إلى قوّة كلمة الله التي تُقرأ بروحه. وتوضّحت لهم صورة التشابه والاختلاف بين الحرف والروح.
في ثقافة اليوم الدهريّة، ينفر كثيرون من قراءة الكتاب ومن شهادته الروحيّة على اعتبار أنّهما غير موثوق بهما فكريّاً واجتماعيّاً. فيما يجد غيرهم متعة بالغة في هذه القراءة ويدعون إليها بثقة وتعصّب.
ومع هذا، يبقى التحدّي الروحيّ للكتاب المقدّس، وهو أساس للكتاب والحياة اليوميّة. العالم الكتابيّ الأميركيّ M. Robert Mulholland, Jr.، في كتابه “على شكل الكَلمة”[25] يعطي مثلاً عن رؤيةٍ مَرَحَّب بها حول البعد التحويليّ للدراسة الكتابيّة. يحذّر ملهولند من أنّ نكون ضحايا التربية المعاصرة التي تحدّدها ثقافة ناشطة تشكّل الأمور وتسعى إلى السيطرة على المعرفة والتلاعب بها.
وينتقد ملهولند المقاربة “المعلوماتيّة” الأحاديّة الجانب التي تنوي السيطرة على النصّ عبر التحليل النقديّ والتقويم البشريّ. كما أنّه يقترح مقاربة “تشكيليّة”، بها ينفتح القارئ على حضور الله المتعالي والفعل المبارك، عبر الإيمان المتفتّح والمحبّة الداخليّة لله. الكتاب المقدّس هو سجل “حضور الله وغايته وقوتّه” في الحالة البشريّة، وهو إعلان عن الكلمة الإلهيّة “كقالب أو أطار للعطب البشريّ والكمال البشريّ معاً”.
يحتكم ملهولند إلى “الطبيعة الصوريّة” للكتاب المقدّس، أي الكتاب كنافذة كلاميّة إلى نظام جديد من الكيان، فيه شارك الكتّاب الإنجيليّون وعاشوا. يتطلّب فهم قوّة الكتاب المحوِّلة واختبارها، بحسب ملهولند، اشتراكاً في الحقيقة ذاتها التي تأسّست بيسوع وتحقّقت بالروح القدس[26].
يطلق ملهولند نداءً كتابيّاً وآبائيّاً أصيلاً من الروحانيّة. التوجّه النهائيّ هو إلى كلمة الله التي تصبح حيّة في حضور الروح الفاعل من دون أنّ يقلل من قيمة المعرفة البشريّة التأمليّة ومن دون أن تحدّه هذه المعرفة. بحسب الرسول بولس، ما هيّأه الله للذين يحبونه يُكشَف بالروح التي تبحث عن كلّ شيء ( 1 كورنثوس 2: 9-10). بعد الرسول بولس بقرون، يشدّد القدّيس سمعان اللاهوتيّ الحديث، وهو وريث الروحانيّة الإنجيليّة، على أنّ مفتاح المعرفة الروحيّة يكمن في نعمة الروح المعطاة بالإيمان.
وأبعد من الدراسة الكتابيّة المألوفة، هناك “كنوز الكتاب الروحيّة المفتوحة بالمسيح القائم عبر قوّة الروح للذين يسلكون بطاعة إيمانيّة وهم يُمنَحون ولادة جديدة”[27]. لقد شهد على هذه الشهادة الرسوليّة للخليقة الجديدة في المسيح، بدرجات مختلفة، رجالٌ ونساءٌ لا عدّ لهم عبر القراءة في العبادة التقليديّة للكتاب المقدّس. لقد اختبر المسيحيّون المصلّون هذه الشهادة في العبادة، حيث قراءة الإنجيل الليتورجيّة والإعلان الموحى به للبشرى الحسنة يحقّق وجود الله المخلِّص وقوتّه لكلّ جسم الكنيسة.
الموضوع ذاته يستحقّ التأمّل التقيّ والنقديّ والشرح النظاميّ بالدراسة الكتابيّة التي تتخطّى التحليل التاريخيّ والأدبيّ إلى الحقيقة التي يحتفل بها الإنجيل نفسه ويعلنها من أجل حياة العالم.
[1] L. Ryken and T. Longman, III, eds., a complete literary Guide to the Bible (Grand Rapids: Zondervan, 1993); L. Ryken. The New Testament in literary Criticism (New York: Continuum, 1985): and J.B. Gabel, C.B. Wheeler, and A.D. York, The Bible as literature: An Introduction (New York: Oxford University Press, 1996).
[2] ممكن التوصل إلى نظرة أوسع من:
Keller, Bible as History (New York: Bantam, 1983); John Bright, a History of Israel (Philadelphia: Westminster, 1981); Martin North, The Old Testament World, trans. V.I. Gruhn (Philadelphia: Fortress, 1966); W.F. Albright, From the stone Age to Christianity (New York: Doubleday, 1957); J.A. Thompson, The Bible and Archeology (Grand Rapids: Eerdmans, 1982); and S. Freyne, New Testament Message 2: The World of the New Testament (Wilmington: Glaizer, 1980).
[3] بما يتعلّق بالثقافة والقانون والسياسة والتربية عند الأميركيّين، أنظر
N.O. Hatch and M.A. Nill, eds., The Bible in America: Essays in Cultural History (New York: Oxford University Press, 1982); J.T. Johnson, ed., The Bible in American law, Politics and Political (Alpharetta: Scholars Press, 1984); T.J. Neuhaus, Bible, Politics and Democracy (Grand Rapids: Eerdmans, 1987); and D. Barr and D. Piediscalzi, The Bible in American Education (Alfaretta: Scholars Press, 1982).
[4] L.I. Sweet, the Revelation of Saint John and History, “Christianity Today, May II, 1973, p. 10.
[5] Science and the Theology of Creation by the Bossey Seminar (Bossey: World Council of Churches, 1988), published in the Church and Science Documents No. 4, August 1988, and various articles in Science and Religion, ed. By Ian G. Barbour (New York: Harper & Row, 1968).
[6] أنظر
Alan Richardson, the Bible in the Age of Science (London: SCM Press, 1961). Van A. Harcey, The Historian and the Believer (New York: Macmillan, 1963); G.H. Reventlow, The Authority of the Bible and the Rise of the Modern World, trans. J. Bowden (Philadepgia: Fortress, 1985); and Brian J. Walsh and R%ichard J. Middleton, Truth Is Stranger Than It Used to Be: Biblical Faith in a Postmodern Age (Downers Grove: Inter Varsity, 1995).
[7] العبارة الأولى هي من:
Roy A. Harsville, “Introduction”, in Peter Stuhlmacher, Historical Criticism and theological Interpretation of Scipture, trans. Roy A. Harrisville, (Philadelphia: Fortress 1977), p. 9.
ما جعل العبارة الأخيرة شعبيّة هو:
Walter Wink, The Bible in Human transformation (Philadelphia Fortress, 1973).
كتب Peter Stuhlmacher نفسه في الكتاب المذكور، ص. 76، أنّ الدراسات الكتابيّة من دون تفسير لاهوتيّ هي اختصاص لاهوتيّ قضى على ملاءمته بعمله النقدي.
[8] Edgar V. McKnight, Post-Modern use of the Bible (Nashville: Abingdon, 1998).
لمزيد من المراجع أنظر الحاشية 7 من الفصل الخامس.
[9] للمراجع أنظر الهامشين 10 و11 من الفصل الخامس.
[10] أنظر بخاصّة الفصل الثاني القسم الثالث، والقسم الرابع من الفصل السادس، والقسم الرابع من الفصل السابع.
[11] كلّ هذه المراجع باليونانيّة الحديثة.
The introduction by S. Agouridis, Εɩʹσγωγή εɩʹς ԏήѵ Καɩѵήѵ Δɩαθήκηѵ, 1st published in 1971 and now is in its 3rd edition (Αθηѵαɩ: Eκδοʹσεɩς Γρηγοʹρη, 1991). J. Karavodopoulos, Eɩʹσαγωγή Δɩαθήκηѵ. Firdt appeared in 1983 and reprinted several years ago (Αθηѵɩ: Eκδοʹσεɩς Π. Ποѵρѵαραʹ, 1991). The most recent is by J. Panagopoulos Eɩʹσαγωγή εɩʹς ԏήѵ Καɩѵήѵ Δɩαθήκηѵ (Αθηѵαɩ: Eκδοʹσεɩς ʹΑκρɩʹԏας, 1995).
Older New Testament introduction by Greek biblical scholars include those by Vasileios Ionnidis (1960), Vasileios Antoniadis (1937), and Nicholas Damalas (1876).
[12] يُناقَش هذا العمل في الفصل الرابع تحت عنوان “التراث التفسيريّ الآبائيّ”.
[13] يُعرَض موقف أغوريديس في الفصل السادس، الجزء الثالث، أما موقف باناغوبولوس فُيعرَض في الفصل السابع الجزء الرابع.
[14] See Wegner Jaeger, Early Christianity and Greek Paideia (Cambridge: Harvard University Press, 1961); Henry Chadwick, Early Christian Thought and the Classical Tradition (New York: Oxford University Press, 1966); Fredrick W. Norris, Faith Gives Fullness to Reasoning: The Five Theological Orations of Gregory of Nazianzen (Leiden: E.J. Brill, 1991); and Jaroslav Pelikan, Christianity and Culture (New Haven: Yale University Press, 1993).
[15] N.T. Wright, the new testament and the People of God (Minneapolis: Fortress, 1992), especially pp. xii-xvii, 1-144, and 467-476.
هذا الكتاب هو الأوّل من مجلّدات عدّة يخطط لها الكتاب كمشروع طموح لرواية تفصيلية حول أصول المسيحية في بدئها.
[16] المرجع ذاته، ص. 31-35.
[17] المرجع ذاته، ص. 4، 10 و12.
[18] الذاتانيّةsubjectivism مذهب فلسفي يقوّم المعرفة كلّها على أساس من الخبرة الذاتيّة.
[19] المرجع ذاته، ص. 9 و24-25.
[20] المرجع ذاته، ص. 35-46 و467-476.
[21] المرجع ذاته، ص. 474. بحسب Wright، الفهم المسيحي لله مختلف عن الفهم اليهودي مع أنه ناشئ منه في إطار خبرة المسيحيّين الأوائل للمسيح والروح، إلى درجة أنّه لا يمكن اعتباره ثانويّاً ولا انتقاده كتطوّر وثنيّ. بالواقع، بالنسبة إلى Wright، تشكّل مسألة الله الفرق الأهم والأكثر تمييزاً بين المسيحيّة واليهوديّة، و”كلاهما على حق في ادعاءاتهما عن الإله الحقيقيّ”. ص. 475.
[22] المرجع ذاته، ص. 15 و31-36.
[23] كلمة التسليم هنا هي ترجمة tradition والترجمة الأكثر شيوعاً هي كلمة التقليد.
[24] الاقتباس مأخوذ من:
Jaroslav Pelikan, “Council or Father or Scripture: The Concept of Authority in the Theology of Maximus the Confessor,” in the Heritage of the Early Church: Essay in Honor of Georges V. Florovsky, ed. D. Neiman and M. Schatkin, Appearing in the series Orientalia Christiana Analecta, Vol. 195 (Rome: Pontifical Institute, 1973), p. 281.
[25] M. Robert Mulholland Jr. Shaped by the Word: The power of Scripture in Spiritual Formation (Nashville: The Upper Room, 1985).
الاعتقاد العام ان كونفوشيوس ولد تقريباً عام 551 قبل الميلاد (Creel 1949, 25) .وامة تدعي يان وابوة يدعي كونج .وكان والده ظابطاً في الجيش .وتولده والدته يان كونفوشيوس بعد وفاة والده وكان عمره حينئذ ثلاث سنوات من العمر.وعندما بلغ من العمر التاسعة عشر تزوج Qiguan .وفي خلال عام انجبوا Kong Li .فولد كونفوشيوس في وسط ضم ما بين فئتين الارستقراطية وعامة الناس .ويقال ان كونفيشيوس قد عمل في الرعي .وخصوصاً رعي البقر .وكان موظفاً وحافظاً للكتب .عندما بلغ الثالثة والعشرين توفت والدته .ويقال انه نعاها لمدة ثلاث سنوات.
ومع ذلك كان كونفوشيوس فيلسوفاً ومعلماً صينياً .وقد عاش في فترة زمنية مضطربة من صراعات وحروب في تاريخ الصين .وهي فترة معروفة باسم (the Spring and Autumn of the Zhou Dynasty ) .وقد حاول كونفوشيوس ان يعيد النظام الي الشعب .وذلك من خلال جعلهم يفكرون جدياً في مواجهة المشاكل والتركيز علي تعليم الآخرين .
وكان ينادي الي ان الناس العاديين يجب ان يكون في منصب السلطة لان بعضهم ذو كفاءة وهم يستحقون هذه المناصب .وبالتالي كان ينادي ان من هو في منصب السلطة ليس شرطاً ان يكون من ذو اسرة ذات نفوذ .توفي كونفوشيوس حوالي سنة 478 قبل الميلاد لاسباب طبيعية ودفن في مقبرة Kong Lin التي تقع في تشوفو التاريخية.
المصادر النصية علي وجود كونفوشيوس ويسوع.
بخصوص كونفوشيوس :لدينا ثلاثة اعمال رئيسية تخبرنا عن حياة وتعاليم كونفوشيوس .وهي عباره عن مختارات ادبية.وايضاً نصاً من تاليف الفليسوف منسيوس والسيرة الذاتية ل Shiji المكتوبة من قبل Sima Oian .وبعض المصادر الاخري لكن من الناحية التاريخية المصادر مشكوك فيها للغاية من الناحية التاريخية ومن خلال المختارات الادبية لمنسيوس وشيجي ايضاَ يمكننا ان نرسم صوره لكونفوشيوس تاريخية.علي الرغم من اننا نستطيع ان نرسم صوره لكن لا نزال لا نعرف عنه الكثير.فهي مصادر بدائية والكثير منها يستند علي الاسطورة والتخمين .
(Patrick, Bresnan. ‘Awakening: An Introduction to the History of Eastern Thought’)
بخصوص يسوع:نجد ان المصادر عن يسوع متنوعة جداً .ومن ضمنها المكتبة التي تكلمت عنه وهي 27 كتاباً .وقد كتبت هذه الكتب من خلال اكثر من عشرة اشخاص في القرن الاول.وتنقسم هذه الكتب الي الاناجيل وهي السيرة الذاتية ليسوع ” متي ومرقس ولوقا ويوحنا ” وايضاً الرسائل التي تشمل رسائل بولس كورنثوس الاولي والثانية تسالونيكي الاولي وفليمون وغلاطية ورومية وفليبي .. واايضاَ هناك تيمو ثاوس وافسس وتيطس.
وايضا تسالونيكي الثانية وكلوسي وغيرهم من يعقوب ويهوذا وبطرس الاولي والثانية ويوحنا الاولي . الخ
فالنتيجة هي ان هناك المزيد من النصوص التاريخية كتبها اشخاص عاشوا مع هذا الشخص المسمي بيسوع .فيمكن المعرفة بوضوح عن يسوع من خلال التراث النصي الهائل المتروك وراءه علي عكس تاريخية كونفوشيوس .
قرب السيرة الذاتية لكلاً من كونوفوشيوس ويسوع:-
بخصوص كونفوشيوس :ان اقدم سيره معروفة لكونفوشيوس هو ما جاء عنه في كتاب Shiji .وشيجي عباره عن مجموعة من السير الذاتية المكتوبة في القرن الاول قبل الميلاد .بواسطة المؤرخ الصيني Sima Qian .وقد استخدم سيما مصادر غير موثوق بها ومتأخره في كتابته عن كونفوشيوس.
كما ان الفجوة بين كتابة السيرة الذاتية ووفاة كرشنا علي الاقل اربع قرون .وهناك الكثير من العلماء غير واثقين ببعض المعلومات التاريخية وخاصتاً ما يتعلق بتاريخية الملوك في الفترات القديمة مثل هذا النص . Watson, Burton. ‘The World of Ssu-ma Ch’ieno’) ويعود هذا النص الي نحو عام 378 بعد موت كونفوشيوس .
بخصوص يسوع:اقدم مصدر للسير الذاتية ليسوع هو انجيل مرقس والاجماع انه كتب قبل عام 70 م ؟وهو احد انواع السير اليونانية وعندما ننظر الي يسوع نجد انه مات سنة 30 ميلادياً .وبالتالي الفجوة زمنية قصيرة اقل من جيل لتأريخ السيرة الذاتية .وهذا ما يجعل المصادر مصادر موثوقة .فالسيرة الذاتية ليسوع مبنية علي شهادة شهود العيان ويوجد ايضاً التقليد الشفوي قبل التدوين وما كتبة بولس من هذا التقليد المبكر في كورنثوس الاولي 15 : 3 – 7 .
النتيجة :الفرق في المصادر المبكرة بين يسوع وكونفوشيوس من الناحية التاريخي هو فرق بين شخص كتب سيرته بعد قرون من وجوده ووفاته ككونفوشيوس فالسيره كتبت بعد نحو 378 من حياته بينما يسوع الفجوه لا تتجاوز جيل اي اربعين عاماً من وجوده الارضي .
خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية7 – الأناجيل – رواية واحدة، أبعاد كثيرة
طبيعة الأناجيل.
القرينة التاريخية.
القرينة الأدبية.
بعض الملاحظات التفسيرية.
وكما هو الحال مع (الرسائل) وسفر الأعمال، قد تبدوالأناجيل للوهلة الأولى سهلة التفسير بمقدار كاف. وحيث أنه يمكننا تقسيم مادة الأناجيل تقريباً إلى قسمين، أقوال وقصص، أي إلى تعاليم الرب يسوع وإلى قصص عنه، إذاً يترتب على الدارس أن يكون قادراً من الناحية النظرية على تتبع المبادئ المتعلقة بتفسير الرسائل من جهة، والمبادئ المتعلقة بدراسة القصص التاريخية من جهة أخرى.
طبعاً هذا النمط من الدراسة صحيح إلى حد ما، لكنه ليس على تلك السهولة البادية؛ لأن الأناجيل الأربعة تُشكَّل نموذجاً أدبياً فريداً من نوعه يكاد لا يوجد له من النماذج المشابهة إلا القليل. وهذه الفرادة التي يتمتع بها هذا النموذج علينا فحصها بإيجاز، لأنها هي التي تبرز للعيان معظم مشاكلنا ومعظم المعضلات التي تصادفنا أثناء عمل التفسير الاستنتاجي. إضافة إلى الصعوبات التي تواجهنا في التفسير الحياتي، والذي يرتبط بعضها بالأقوال الصعبة المتعددة في الأناجيل.
إلا أن الصعوبة الحقيقية في التفسير الحياتي تكمن في مدى قدرتنا على استيعاب مفهوم ملكوت الله، وهو تعبير في غاية الأهمية يصف مجمل خدمة الرب يسوع، وفي الوقت نفسه قد تم تقديمه بلغة يهودية تناسب القرن الأول وتناسب مفاهيمه والمشكلة هنا هي في إمكانية ترجمة تلك الأفكار لتتناسب مع المحيط أو البيئة المعاصرة.
طبيعة الأناجيل
إن معظم الصعوبات التي عادة ما يواجهها الدارس أثناء تفسيره للأناجيل تنبع من حقيقتين واضحتين:
لم يقم الرب يسوع بكتابة أي إنجيل بنفسه، فالأناجيل كتبت من قِبَل آخرين.
هناك أربعة أناجيل.
إن حقيقة أن الأناجيل لم تُكتب بيد الرب يسوع المسيح هي حقيقة ذات أهمية كبيرة. فلو أنه هو مَنْ قام بكتابة الإنجيل، لكانت كتابته هذه ستبدو أقل شبهاً بالأناجيل وأكثر مماثلة لكتب العهد القديم النبوية، كسفر عاموس مثلاً، الذي يحتوي على مجموعة من التعاليم والأقوال الإلهية إضافة إلى قصص شخصية مختصرة (مثل عا 7: 10-17).
نعم هذه الأناجيل تحتوي وبلا شك على مجموعات من الأقوال، إلا أنها أقوال منسوجة كجزء متكامل في القصة التاريخية لحياة يسوع وخدمته. وهي ليست بكتب كتبها السيد المسيح لكنها كتب مكتوبة عنه، وهي تحتوي في الوقت ذاته على قدر كبير من تعاليمه.
وهنا علينا أن لا نبالغ في تصوير هذا الأمر وكأنه بالأمر الصعب، إلا أنه لابد لنا من الإقرار بوجود صعوبة فيه والسعي للتعامل معها. وطبيعة هذه الصعوبة قد تظهر على أحسن وجه فيما لو قورنت بما قد كُتب عن بولس الرسول في رسائله أو في سفر الأعمال.
فحتى إن لم يتوفر لدينا شيء عن حياة بولس الرسول في سفر الأعمال، على سبيل المثال، إلا أننا استطعنا جمع بعض عناصر من حياته من خلال رسائله، ولكن سجلاً من هذا النوع كان سيكون ناقصاً، لو لم تكن قد توافرت لدينا رسائل بولس الرسول، ولكان فهمنا لفكره اللاهوتي المبني فقط على عظاته في سفر الأعمال فهماً ناقصاً وغير متوازن إلى حد كبير؛ لذلك، ولأجل الحصول على النقاط الهامة في حياة بولس الرسول، نحن احتجنا إلى قراءة سفر الأعمال وإلى إضافة تلك المعلومات التي يعطيها لنا عنه في رسائله.
فمن أجل الحصول على فكر وتعليم بولس الرسول لا يمكن أن نذهب أولاً إلى سفر الأعمال بل إلى الرسائل مع الاحتفاظ بسفر الأعمال كمصدر إضافي.
أما الأناجيل فهي ليست كسفر الأعمال، لأن بها قصة حياة الرب يسوع ومقاطع من أقواله (تعاليمه) باعتبارها جزاءً لا يتجزأ من تلك الحياة. لكن أقوال الرب يسوع لم تُكتب بيده، كما فعل بولس الرسول في رسائله.
لقد كانت لغة الرب يسوع الأساسية هي الآرامية إلا أن تعاليمه لم تأتينا إلا مترجمة إلى اللغة اليونانية. زيادة على ذلك فإن القول ذاته –قول الرب يسوع– كثيراً ما تكرر في اثنين أو ثلاثة من الأناجيل، وحتى عندما كان هذا القول يأتي في سياق الترتيب الزمني ذاته والبيئة التاريخية نفسها، فإنه قلما كان يرد بنص الكلمات ذاتها في كل إنجيل.
نعم قد يكون هذا الواقع مصدر قلق للبعض، لكن لا يوجد ما يبرر هذا القلق. صحيح أن بعض أنواع الدراسات كانت قد شوهت حقيقة مصداقية الإنجيل وحاولت القول بأنه لا يوجد في الأناجيل ما يمكن أن يوثق به. وصحيح بأنه لا مبرر لاستخلاص مثل هذا الاستنتاج. فقد قام علماء متخصصون في دراسة الكتاب المقدس بإثبات جدارة ما جاء في الأناجيل من الناحية التاريخية.
إن قصدنا هنا من كل هذا بسيط. لقد قام الله بإعطائنا معرفة عما يمكن أن نسميه خدمة الرب يسوع الأرضية من خلال هذه الطريقة، وفي الحقيقة لا يوجد طريقة أفضل يمكن أن تتناسب مع عقلية البعض الآلية التي كانت ستفضل قصة مروية على شريط كاسيت. وعلى أية حال، فإن حقيقة أن الرب يسوع لم يكتب الأناجيل بنفسه بل كُتبت الأناجيل بالحري عنه هي جزء من عبقرية تلك الأناجيل في اعتقادنا وليست بنقطة ضعف فيها.
إن حقيقة وجود أربعة أناجيل، في اعتقادنا هي جزء من عبقرية فرادة تلك الأناجيل.
وفضلاً عن ذلك، هناك أربعة أناجيل! كيف حدث هذا؟ ولماذا؟ على كل حال، ليست لدينا أربعة أسفار لأعمال الرسل. وعلاوة على ذلك، فالمواد المدونة في الأناجيل الثلاثة الأولى لهي من التماثل لدرجة أنها سميت بالأناجيل المتشابهة أو الإزائية.
طبعاً من حق الدارس أن يتساءل عن سبب الاحتفاظ بإنجيل مرقس، طالما أن مقدار المادة التي ينفرد هذا الإنجيل بتدوينها بالكاد تكفي لملء صفحتين اثنتين لا أكثر. لكننا نكرر القول، إن حقيقة وجود أربعة أناجيل، باعتقادنا هي جزء من عبقرية فرادة الأناجيل.
إذن، ما هي طبيعة الأناجيل، ولماذا تعد طبيعتها الفريدة جزءاً من عبقريتها؟ قد تكون أفضل إجابة عن هذا السؤال هو البدء بالإجابة أولاً على السؤال القائل لماذا أربعة هنا؟ لا يمكننا إعطاء جواب شاف والسؤال المؤكد، ولكننا سنقدم سبباً واحداً على الأقل وهو سبب بسيط ولكنه عملي.
كانت كل جماعة من الجماعات المسيحية المختلفة (اليهود- اليونان) بحاجة إلى كتاب عن المسيح. ولأسباب عديدة ومتنوعة، لم يكن الإنجيل المخصص إلى جماعة من تلك الجماعات المسيحية يُشبع بالضرورة حاجة الجماعات الأخرى. وما نؤمن به كل الإيمان أن كل ما كتب قد تمت كتابته بقيادة الروح القدس.
بالنسبة إلى الكنيسة المعاصرة، لا يمكن أن يحل أحد الأناجيل محل أخر، لأنها تقف جنباً إلى جنب من حيث السلطة والقيمة. وكيف ذلك؟ لأن الاهتمام في كل إنجيل من هذه الأناجيل ينصب على الرب يسوع على مستويين:
المستوى الأول: كان هناك الاهتمام التاريخي المجرد والهادف لإظهار هوية الرب يسوع وما قاله وما عمله، وأن يسوع المسيح هذا هو ذاك الذي صُلب وقام من الأموات وهو نفسه الذي نعبده الآن كالرب المقام والممجد.
المستوى الثاني: كان هناك ذلك الاهتمام المتجدد لإعادة رواية تلك القصة، قصة يسوع، من أجل إشباع حاجات الأجيال التي تلت والتي لم تكن تتكلم الآرامية بل اليونانية، والتي لم تكن تحيا في ظل بيئة ريفية، زراعية، يهودية في أساسها، لكن كانت تعيش في روما مثلاً، أو أفسس، أو أنطاكية، حيث كان الإنجيل يواجه بيئة وثنية ومتمدينة.
بالرغم من أن هذه الأناجيل هي التي تخبرنا فعلياً بكل ما نعرفه عن الرب يسوع، إلا أنها بمثابة سير حياة بالرغم من كونها تروي جزئياً سيرة حياة. هي ليست كالكتب التي تُكتب عن حياة الرجال العظام المعاصرين – مع أنها فعلياً تسجل حياة أعظم رجل. نعم هي وكما سماها أحد آباء الكنيسة في القرن الثاني، وهو (يوستين الشهيد): (مذكرات الرسل).
لا يمكن أن نجد سير حياة أربعة تستطيع أن تعزز بعضها البعض جنباً إلى جنب بذات القيمة، إلا أن الأناجيل فعلت هذا لأنها في نفس الزمن الواحد دونت الحقائق عن السيد المسيح واسترجعت تعاليمه، وكل إنجيل منها كان يشهد عنه. نعم هذه هي طبيعتها، وهذا هو نبوغها، وهذان الأمران كلاهما هامان من حيث النواحي الاستنتاجية والحياتية.
التفسير الاستنتاجي للأناجيل إذاً، يتطلب منا أن نفكر على مستويين، أحدهما يستند إلى خلفية الرب يسوع التاريخية، وثانيهما يستند إلى الخلفية التاريخية لكُتاب الأناجيل.
القرينة التاريخية
إن القرينة التاريخية الأولى تتعلق بالرب يسوع نفسه. ومن أجل بنائها، علينا معرفة ثقافة وديانة القرن الأول، واليهودية الفلسطينية التي عاش وعلم في وسطها، كما يتضمن بناؤها محاولة فهمنا للقرينة المحددة لقول ما أو لمثل ما. لكن القرينة التاريخية الثانية ترتبط بالكُتاب كأفراد (البشيرين) وبأسباب قيامهم بالكتابة.
القرينة التاريخية للرب يسوع –بشكل عام
يتحتم من أجل فهم يسوع المسيح أن تنغمس في يهودية القرن الأول التي كان الرب يسوع جزءاً منها، هذا يعني أن تزيد معرفتك عن مجرد العلم بأن الصدوقيين لم يؤمنوا بالقيامة. تحتاج كدارس هنا إلى أن تعرف سبب عدم إيمانهم وسبب عدم تعامل يسوع المسيح معهم إلا بالقليل والنادر. وللحصول على هذا النوع من المعلومات، لا مفر لك من اللجوء إلى بعض القراءات الخارجية.
إن كل دارس يعلم ان الرب يسوع المسيح كثيراً ما قام باستخدام الأمثال في التعليم.
إن أحد المعالم الهامة لهذا البعد المختص بالقرينة التاريخية كثيراً ما تم إغفاله وهو يتصل بالشكل الذي اتخذته تعاليم الرب يسوع. إن كل دارس يعلم بأن الرب يسوع المسيح كثيراً ما قام باستخدام الأمثال في التعليم. ولكن ما لا يعرفه كل الناس وبنفس المقدار هو أن الرب يسوع المسيح استخدم جميع أنواع و أشكال التعليم. فعلى سبيل المثال، كان الرب يسوع يستخدم صيغ المبالغة ببراعة وتعمُّد.
كما يقول الرب يسوع لتلاميذه أن يقلعوا عيناً من عيونهم إن كانت فخاً لهم أو يقطعوا إحدى يديهم إن أعثرتهم. (مت 5: 29- 30 وما يقابله في مر 9: 43- 48)، وبالطبع، كلنا يعلم بأن الرب يسوع لم يكن يعني ذلك حقاً. لكن ما كان يقصده هو أن ينزع الإنسان من حياته كل ما من شأنه أن يوقعه في الخطية.
ولكن كيف عرفنا أن يسوع المسيح هنا لم يعن حقاً ما قاله؟ لأننا جميعاً وبكل بساطة ندرك تماماً بأن صيغة المبالغة إن استخدمت كوسيلة تعليمية لهي في غاية الفاعلية علينا، ففيها يكون التركيز فيها على المعنى الذي يريده المعلّم وليس على الكلمات التي ينتقيها!
لقد قام الرب يسوع أيضاً باستخدام الأمثال بفاعلية (مت 6: 21؛ مر 3: 24)، وكذلك التشابيه البلاغية والاستعارات المجازية (مت 10: 16؛ 5: 13) والشعر (مت 7: 7-8؛ لو 6: 27- 28)، والأسلوب التهكمي (مت 16: 2-3)، والأسئلة (مت 17: 25).
القرينة التاريخية للرب يسوع –بشكل خاص
محاولة معرفة القرينة التاريخية للرب يسوع تُعد الأكثر صعوبة، وصعوبتها تكمن في آلية تصورها أو إرجاعها خاصة فيما يتعلق بكثير من تعاليمه، والتي يكثر ذكر الأناجيل لها بدون قرائن كثيرة. والسبب في ذلك هو أنه قد تم تداول كلمات و أفعال الرب يسوع شفوياً خلال مدة من الزمن تناهز الثلاثين عاماً أو أكثر، ولم يتم تناقل كافة الأناجيل خلال تلك المدة. فما كان قد تم تناقله في قالب القصص الفردية أو المقتطفات هو محتوى الأناجيل، إذ تم تناقل الكثير من تلك الأقوال إلى جانب قرائنها الأصلية.
ولقد تعارف واعتاد علماء الكتاب المقدس على تسمية هذه المقتطفات (بالقصص التعليمية)، وسبب هذه التسمية هو أن هدف القصة عادة يكمن في أهمية التعليم الذي يختمها. ولعل مرقس 12: 13-17 هو نموذج للقصة التعليمية، فقصة القرينة كلها تتلخص في مسألة دفع الضرائب إلى الرومانيين. وهي تنتهي بقول المسيح الشهير: “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”. وهنا السؤال: هل يمكنك صديقي الدارس تخيل ما كنا سنفعله عند استرجاع القرينة الأصلية لذلك القول لو لم يصلنا ضمن قرينته الأصلية؟
إن الصعوبة الحقيقية، بطبيعة الحال، تنتج عن حقيقة أن الكثير من أقوال المسيح وتعاليمه قد تم نقلها بدون قرائنها. وبولس الرسول نفسه شهد لهذه الحقيقة، فقد اقتبس أقوالاً ليسوع المسيح ثلاث مرات (1كو 7: 10؛ 9: 14؛ أع 20: 35) دون أن يُلمِّح إلى قرائنها التاريخية الأصلية. اثنان من تلك الأقوال في كورنثوس الأولى اُقتبسا من الأناجيل. فمثلاً الأقوال المتعلقة بالطلاق موجودة في قرينتين مختلفتين (إحداهما في متى 5: 31-32 في تعليم الرب يسوع لتلاميذه، وثانيمها هو ذلك النقاش الذي دار في متى 19: 1-10 ومرقس 10: 1-12).
أما القول الخاص (بالعطاء) فنراه موجوداً في متى 10: 10 وما يوازيه نجده في لوقا 10: 7 ضمن قرينة إرسال الاثنى عشر (متى) والسبعين (لوقا). غير أن القول المشارإليه في سفر الأعمال لا نراه موجوداً على الإطلاق في الأناجيل، وهو بالتالي ظلًّ بالنسبة لنا بدون قرينة أصلية.
لذا، علينا أن لا نستغرب أبداً خاصة إن عرفنا أن كثيراً من تلك الأقوال التي كانت ترد دون قرينتها كانت متوفرة عند البشيرين، وأن البشيرين أنفسهم، بقيادة الروح القدس، هم الذين أعطوا لتلك الأقوال قرائنها الحالية. ولعل هذا هو أحد الأسباب التي جعلتنا نجد القول نفسه أو التعليم ذاته وارداً في قرائن مختلفة في الأناجيل. وهذا أيضاً أحد الأسباب التي جعلتنا نرى الأقوال ذات الأفكار الرئيسية المتشابهة أو ذات الموضوع نفسه، مصنفة في الأناجيل بحسب المواضيع.
فعلى سبيل المثال، نجد في إنجيل متى خمس مجموعات موضوعية كبيرة –(أي أنها مصنفة بحسب الموضوعات وينتهي كل منها بعبارة هكذه “فلما أكمل يسوع هذه الأقوال…. –من هذه الموضوعات: الحياة في الملكوت (أو ما يسمى بالموعظة على الجبل، الإصحاحات 5-7)، تعليمات إلى خدام الملكوت (10: 5-42)، أمثلة عن الملكوت العامل في العالم (13: 1-52)، تعاليم عن العلاقات والتلمذة في الملكوت (18: 1-35)، الأمور الأخروية، أو اكتمال الملكوت (الإصحاحات 23-25).
أيضاً يمكننا إيضاح هذه المجموعات الموجودة في متى بطريقتين وذلك باستخدام المجموعة الواردة في الأصحاح العاشر كمثل:
إن القرينة هنا هي تلك الإرسالية التاريخية للاثنى عشر وتوجيهات الرب يسوع لهم عند إرسالهم (الأعداد 5-12). أما الأعداد 16-20 فهي عبارة عن توجيهات جاءت لتخدم زمناً لاحقاً لذلك بكثير، ففي العددين 5،6 الرب يوصيهم بالذهاب إلى خراف بيت إسرائيل الضالة فقط، أما في العدد 18 فهو يتحدث عن مثولهم أمام (الحكام) و(الملوك) و(الأمم) بينما إرسالية الاثنى عشر لم تشمل أيَّا من الذين سلف ذكرهم.
نجد هذه الأقوال الجميلة الترتيب مبعثرة في كافة أقسام إنجيل لوقا، بهذا الترتيب (9: 2-5؛ 10: 3؛ 21: 12-17؛ 12: 11-12؛ 6: 40؛ 12: 2-9؛ 12: 51-53؛ 14: 25-27؛ 17: 33؛ 10: 16) وهذا يفيدنا بأنه كان للوقا المقدرة على تلقي تلك الأقوال ولكن كمجموعات أو كوحدات مستقلة، ثم قام هو بالتالي بتصنيفها في قرائن مختلفة وذلك بإرشاد واضح من الروح القدس.
وهنا نقول إنه أثناء قراءتك للأناجيل، قد تحتاج لأن تطرح سؤالاً ربما لن يأتيك جواب شاف عليه، وهو إلى مَنْ كان المسيح يوجه حديثه عادة عادة عند قيامه بتعليم ما، هل كان يوجه حديثه لتلاميذه المقربين إليه، أم للجموع المحتشدة من حوله، أو ربما لمعارضيه؟ إن معرفة المستمع الرئيسي للرب يسوع، أو اكتشاف القرينة التاريخية ليسوع المسيح، لا يعني بالضرورة أن يؤثر. هذا على المعنى الأساسي لهذا التعليم، لكنه من المؤكد سيُسهم فيتوسيع أفاق نظرتك للأمور، وكثيراً ما سيساعدك في فهم النقطة الجوهرية الموجودة في كلام الرب يسوع.
القرينة التاريخية للبشير (كاتب الإنجيل)
لسنا هنا بصدد الحديث عن القرينة الأدبية التي استخدمها البشير في موضوع مادته عن الرب يسوع، بل نحن نتحدث عن القرينة التاريخية التي دفعت البشير أصلاً إلى كتابة إنجيله.
فإنجيل مرقس مثلاً، اهتم ولدرجة كبيرة بشرح طبيعة ميسانية يسوع (أي كونه المسيا). مع أن مرقس كان يعرف جيداً بأن المسيا هو بالحق ابن الله (1: 1) الذي يجول في الجليل بقوة وبرأفة (1- 8: 26)، وهو أيضاً على معرفة تامة بأن يسوع المسيح أبقى مسيانيته طي الكتمان مرات ومرات (انظر مثلاً 1: 34؛ 1: 43؛ 3: 12؛ 4: 11؛ 5: 43؛ 7: 24؛ 7: 36؛ 8: 26؛ 8: 30).
والسبب في ذلك يعود إلى أن يسوع المسيح وحده كان يفهم الطبيعة الفعلية لمصيره المسياني –مصير العبد المتألم الذي سينتصر بالموت– وعلى الرغم من تكرار المسيح شرح هذا الأمر لتلاميذه ثلاث مرات، إلا أنهم أخفقوا في فهمه (8: 27-33؛ 9: 30-32؛ 10: 32-45). مثلهم في ذلك مثل الأعمى الذي شفاه الرب يسوع على مرحلتين (8: 22-26)، لقد كانوا في حاجة إلى لمسة ثانية هي لمسة القيامة لكي يفهموا بوضوح ما كان يجب أن يفهموه.
كان اهتمام البشير مرقس الأساسي هو بطبيعته الخادم المتألم، الطبيعة التي تميزت بها مسيانية يسوع. ويتضح هذا الاهتمام بشكل أكبر بسبب حقيقة أن مرقس البشير لم يُشر إلى أي تعليم من تعاليم يسوع المسيح حول التلمذة إلا بعد إعطائه التفسير الأول لآلام الرب يسوع في 8: 31-33 والإشارة الضمنية هنا كانت في ذات الوضوح الذي كان للإشارة التصريحية.
إن الصليب والحياة الخادمة اللتين عاشهما الرب يسوع المسيح صارا أيضاً الدليلين على التلمذة الصادقة. وإن كان هذا هو الطريق الذي ساره السيد فما الذي ينتظره إذاً العبد؟
كل هذا يمكن إدراكه من خلال القراءة المتأنية لإنجيل مرقس. فهذه هي قرينته التاريخية. أما أن نضع هذه القرينة في موضعها بالتمام فسيكون الأمر ميالاً إلى الحدس أكثر منه إلى اليقين. إلا أننا لا نجد سبباً يمنعنا من اتباع التقليد القديم الذي يقول: بأن إنجيل مرقس يعكس (مذكرات) بطرس التي ظهرت في روما بعد فترة قصيرة من استشهاد بطرس الرسول في وقت كان فيه الاضطهاد المرير ضد المسيحيين في روما على أشده. على أية حال، فمثل هذه القراءة ومثل هذه الدراسة للقرينة تعد هامة للإنجيل كما هي للرسائل.
القرينة الأدبية
نركز اهتمامنا في هذا المقام على أمرين:
مساعدتك عزيزي الدارس على عمل التفسير الاستنتاجي أي على قراءة القول أو القصة ضمن قرينتها الحالية في الأناجيل.
مساعدتك على فهم طبيعة تركيب الأناجيل بوجه عام، وبالتالي على تفسير أي من تلك الأناجيل، وليس فقط مجرد تفسير حقائق منفصلة عن المسيح.
تفسير الأقوال التي ترد منفردة
في سياق بحثنا في كيفية تفسير الرسائل، ذكرنا ضرورة تعلّمك أن تفكر بحسب الفقرات. لكن هذا لا يعد مهماً جداً لتفسير الأناجيل، مع أنه يصح استخدامه من وقت لآخر، وبخاصة عند التعامل مع المقاطع التعليمية الكبيرة. وكما ذكرنا في البداية، سيكون لتعاملنا مع هذه المقاطع التعليمية بعض الجوانب التي تشبه الطريقة التي تعاملنا بها مع الرسائل. لكن، وبسبب الطبيعة الفريدة للأناجيل، علينا كدارسين لها أن نفعل أمرين: أولاً أن نفكر أفقياً، وثانياً أن نفكر عمودياً.
إضافة إلى ذلك يمكننا أن نقول: إنه عند شرح أو قراءة واحد من الأناجيل، يحتاج الدارس إلى مراعاة الحقيقتين التاليتين والمتعلقتين بالأناجيل: أولاً: هناك أربعة منها، ثانياً هي وثائق ذات مستويين.
التفكير الأفقي
على الدارس عند دراسة قول ما في أحد الأناجيل، أن يراعي ما يوازيه في الأناجيل الأخرى.
إن التفكير الأفقي معناه أنه على الدارس عند دراسة قول ما في أحد الأناجيل، أن يراعي ما يوازيه في الأناجيل الأخرى، فقط لمجرد التوضيح. ونقر بعدم ضرورة الإفراط في هذا الأمر، حيث أنه لم يقصد أي واحد من البشيرين أن يقوم قراؤه بقراءة إنجيله مقارنة مع الأناجيل الأخرى. مع الحفاظ على حقيقة أن الله قد أوحى بأناجيل أربعة في العهد الجديد ومعنى هذا عدم إمكان قراءة تلك الأناجيل قراءة صحيحة بمعزل كامل عن بعضها البعض.
ولعل خير ما نبدأ به كلامنا الآن هو التحذير التالي: ليس الغرض من الدراسة المتوازية للأناجيل إكمال قصة في إنجيل ما بتفاصيل من أناجيل آخرى. نعم عادة ما تميل مثل هذه القراءة إلى التوفيق بين جميع التفاصيل حتى تلقي ضوءاً على الجوانب الخاصة التي يتميز بها كل إنجيل والموحى بها أصلاً من الروح القدس. إن مثل هذا التكميل للتفاصيل قد يثير اهتمامنا بما يتعلق بتاريخ يسوع المسيح لكن ليس من المفترض أن يكون هذا الأسلوب هو اهتمامنا الأول.
هناك سببان رئيسيان للتفكير بشكل أفقي:
أولاً: إن دراستنا للأجزاء المتوازية في الأناجيل عادة ما ترفع من تقديرنا لما يتميز به كل واحد منها. وعلى كل حال، فإن هذا التميُّز هو السبب في وجود أربعة أناجيل بين أيدينا.
ثانياً: إن دراستنا للأجزاء المتوازية تساعدنا على فهم أنواع القرائن (البيئات والجماعات) المختلفة التي كتب إليها كل بشير إنجيله. سنقوم فيما بعد بإيضاح كل من هذين السببين. ولكن، إليك أولاً صديقي الدارس أمراً هاماً يتعلق بالافتراضات المسبقة.
إنه من المستحيل عليك قراءة الأناجيل دون أن يكون هناك أي نوع من الافتراض المسبق حول علاقة كل منها بالآخر –حتى وإن لم يكن قد سبق لك التفكير في مثل هذا الأمر. فالافتراض المسبق والأكثر شيوعاً– مع أنه قد يكون الأضعف احتمالاً– هو أن كل إنجيل قد كُتب بمعزل عن الأناجيل الأخرى.
فعلى سبيل المثال، خذ حقيقة وجود درجة كبيرة من التشابه اللفظي بين قصص البشيرين لوق ومتى ومرقس، وكذلك خذ ذلك التشابه في تسجيلهم لأقوال الرب يسوع. ليس من الضروري أن يفاجئنا التشابه اللفظي الواضح، خاصة عندما يتعلق بأقوال المسيح الذي تكلم بما “لم يتكلم به إنسان قط”. لكن أن نرى مقياس الشبه نفسه منطبقاً على القصص، فهذا أمر آخر خاصة إذا عرفنا بأن:
تلك القصص قد رويت في اللغة الآرامية أصلاً، في الوقت الذي كُتبت به بكلمات يونانية.
ترتيب الكلمات داخل الجمل في اللغة اليونانية عادة ما يأخذ أكثر من شكل، ومع ذلك فإن التشابه الذي نقابله في الأناجيل يمتد ليغطي الترتيب الدقيق للكلمات.
من غير المحتمل حقاً أن يقوم ثلاثة أشخاص من ثلاث أنحاء مختلفة في الإمبراطورية الرومانية برواية القصة نفسها بالكلمات نفسها –حتى في تلك النقاط الثانوية المتعلقة بالأسلوب الفردي مثل حروف الجر والعطف. وبالرغم من ذلك فهذا ما نراه فعلاُ وقد تكرر في الأناجيل الثلاثة الأولى.
من الممكن أن نلقي المزيد من الضوء حول هذا الأمر باستخدام قصة إشباع الخمسة آلاف والتي تعد إحدى القصص القليلة المدونة في الأناجيل الأربعة. ادرس الإحصاءات التالية (مع ملاحظة أن هذه الأرقام تقريبية إذ تختلف من لغة لأخرى):
عدد الكلمات المستخدمة في سرد قصة إشباع الجموع في:
إنجيل متى 157
إنجيل مرقس 194
إنجيل لوقا 153
إنجيل يوحنا 199
عدد الكلمات المشتركة في جميع الأناجيل الثلاثة الأولى 53 كلمة.
عدد الكلمات في الأصل اليوناني لإنجيل يوحنا المشتركة مع الأناجيل الثلاثة الأخرى هو 8.
النسبة المئوية للاتفاق:
متى مع مرقس 59%
متى مع لوقا 44%
لوقا مع مرقس 40%
يوحنا مع متى 8.5%
يوحنا مع مرقس 8.5%
يوحنا مع لوقا 6.5%
وهنا لابد من تقديم الاستنتاجات التالية: أولاً: يقدم يوحنا البشير رواية واضحة الاستقلال عن بقية الأناجيل؛ إذ أنه لا يستخدم إلا الكلمات الضرورية جداً لسرد القصة فهو استخدم على سبيل المثال كلمة يونانية مختلفة للتعبير عن السمك! أما باقي البشيرين فمن الواضح أنهم قد اعتمدوا على بعضهم البعض بشكل أو بآخر.
هذا ما يمكن أن يثبته لنا أولئك الضليعون باللغة اليونانية إذ أنهم يعلمون مدى صعوبة احتمال قيام شخصين كل على حدة ومستقلين عن بعضهما البعض برواية القصة ذاتها وبأسلوب قصصي يتفق إلى درجة 60% في استخدامها للكلمات، ليس هذا فقط بل وفي عمل ترتيب دقيق لها في مرات كثيرة.
لمزيد من الإيضاح خذ مثلاً هذه الجملة “ليفهم القارئ” الواردة في مرقس 13: 14 وما يوازيها في متى 24: 15. من الصعب طبعاً قبول فكرة أن هذه الكلمات كانت جزءاً من التقليد الشفهي، لأنها تقول (القارئ) وليس السامع، ومن غير المحتمل أيضاً أن تكون قولاُ ليسوع المسيح يشير فيه إلى سفر دانيال مثلاً.
إذاً، لقد كتبت هذه الكلمات بواسطة أحد البشيرين، وذلك من أجل أن يوضح أمراً ما لقرائه. وبالطبع من غير الممكن أن تكون هاتان الكلمتان “ليفهم القارئ” قد كُتبتا أصلاً في النص في الموضع عينه بواسطة كاتبين كتب كل منهما بالاستقلال عن الآخر.
ولعل أفضل تفسير لكل هذا هو الرأي القائل بأن مرقس البشير قام أولاً بكتابة إنجيله، وربما كان قد اعتمد جزئياً على وعظ وتعاليم بطرس الرسول. أما متى ولوقا البشيران فكانت لديهما فرصة الاطلاع على إنجيل مرقس أولاً، ومن ثم قام كل منهما مستقلاً عن الآخر، باستخدام ها الإنجيل كمصدر أساسي لإنجيله. إلا أنهما فيما بعد اعتمدا على عدة مصادر تتحدث عن الرب يسوع، من بينها مصادر اشتركت بينهما. إلا أنها قلما ظهرت بالترتيب نفسه في الإنجيلين، مما يدل على عدم إمكانية أن يكون أحد الكاتبين قد استعان بإنجيل الكاتب الآخر.
أخيراً، كتب يوحنا إنجيله مستقلاً عن الثلاثة الآخرين، وبالتالي تضمن إنجيله القليل من الأمور المشتركة مع الأناجيل الأخرى. هذه هي الطريقة التي نؤمن بأن الروح القدس قد أوحى بالكتابة بواسطتها للبشيرين.
النموذج التالي قد يوضح لك كيف ستساعدك هذه الاستنتاجات في تفسير الأناجيل. لاحظ مثلاً كيفية سرد ما قاله الرب يسوع عن “رجسة الخراب” عند قراءتك للأجزاء المتوازية التالية:
متى 24: 15-16
مرقس 13: 14
لوقا 21: 20-21
“فمتى نظرتم (رجسة الخراب) التي قال عنها دانيال النبي قائمة في المكان المقدس –ليفهم القارئ– فحينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال”.
“فمتى نظرتم (رجسة الخراب) التي قال عنها دانيال النبي قائمة في المكان حيث لا ينبغي –ليفهم القارئ– فحينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال”.
“ومتى رأيتم أورشليم مُحاطة بجيوش، فحينئذ اعلموا أنه قد اقترب خرابها. حينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال، والذين في وسطها فليفروا خارجاً، والذين في الكور فلا يدخلوها”.
لكن وقبل كل شيء لاحظ بأن هذا القول قد جاء ضمن حديث كان على جبل الزيتون، وبنفس التسلسل في الأناجيل الثلاثة. لكن عندما سجل مرقس البشير تلك الكلمات، كان يهدف إلى دعوة قرائه للتمعن العميق فيما قصده الرب يسوع من قوله “رجسة الخراب قائمة حيث لا ينبغي”. أما البشير متى فبوحي من الروح القدس، ساعد قراءه بقدر أكبر إذ جعل هذا القول أكثر وضوحاً.
فهو يذكرهم بأن “رجسة الخراب” تلك هي التي قد سبق للنبي دانيال الحديث عنها، وأن ما قصده الرب يسوع بالقول “حيث لا ينبغي” كان “المكان المقدس” أي الهيكل الذي في أورشليم. أما لوقا البشير وبوحي مساو من الروح القدس فقد فسر هذا القول ببساطة أكبر حتى يتمكن قراؤه الأمميون من فهمه. وقد نجح لوقا فعلاً في جعلهم يفهمون ما قصده الرب يسوع فالذي قصده من كل مل تحدث به كان ما يلي: “عندما تحاط أورشليم بالجيوش، اعرفوا إذاً بأن خرابها قريب”.
وهكذا، يمكنك صديقي كدارس للكتاب المقدس أن ترى كيف يمكن للتفكير الأفقي من جهة، ولمعرفة أن متى ولوقا البشيرين قد استفادا من مرقس من جهة أخرى، تساعدك في تفسيرك لأي واحد من الأناجيل أثناء قراءتك له. وكذلك، فإن إدراكنا لوجود أجزاء متوازية بالأناجيل يساعدنا على رؤية إمكانية استخدام المعلومات نفسها ضمن قرائن جديدة عبر أجيال الكنيسة المتعاقبة.
وفي ذلك نضرب المثال التالي: خذ رثاء الرب يسوع لأورشليم، تلك الحادثة التي اشترك البشيران متى ولوقا في سردها بينما لم يفعل مرقس البشير ذلك. في تلك الحادثة تظهر أقوال الرب يسوع في كلا هذين الإنجيلين متطابقة كلمة كلمة تقريباً.
في لوقا 13: 34-35 جاءت هذه الحادثة منتمية إلى مجموعة طويلة من أقوال وتعاليم الرب يسوع وهو في طريقه إلى أورشليم (9: 51- 19: 10). لقد وردت مباشرة بعد التحذير الذي أطلقه عن هيرودس والذي ختم به حديثه بقوله “لا يمكن أن يهلك نبي خارجاً عن أورشليم” (لو 13: 33). والفكرة المطروحة هنا هي أن رفض المُرسَل من قبل الله الآب يؤدي إلى دينونة إسرائيل.
أما في متى 23: 37-39 فقد جاء رثاء يسوع المسيح لأورشليم كخاتمة للويلات على الفريسيين، والتي تعكس اخرها قضية قتل الأنبياء في أورشليم. وهنا أيضاً كان القصد من هذا القول كقصد البشير الذي سبقه، إذاً القول واحد في كلا الإنجيلين على الرغم من ذكره في إطار خلفيات مختلفة.
هذا الأمر انطبق أيضاً على أقوال أخرى كثيرة. فالصلاة الربانية مثلاً مدونة في كلا الإنجيلين (مت 6: 7-13؛ لو 11: 2-4) ضمن قرائن تعلقت بتعليم الصلاة مع أن الدافع الرئيسي لكل من المقطعين كان مختلفاً عن الآخر وبشكل ملحوظ: لاحظ مثلاً الصلاة في إنجيل متى لقد جاءت كنموذج للصلاة: “فصلوا أنتم هكذا”، بينما نرى بأن لوقا قد سمح ببعض التكرار. ففي إنجيل لوقا: نجد الآية وقد وردت هكذا “متى صليتم، فقولوا…”.
كذلك في التطويبات (مت 5: 3- 11؛ لو 6: 20- 23) التي نجدها في إنجيل متى، وقد ذكرت هكذا المساكين هم المساكين بالروح، بينما في إنجيل لوقا فالآية ترد على الشكل التالي: “طوباكم أيها المساكين” بالتباين مع “أيها الأغنياء” (6: 24). وهنا نقول: نعم يميل الناس في أمور إلى التركيز على جانب واحد دون الجانب الآخر. فالبعض يميل إلى قراءة “المساكين بالروح” فقط، أما البعض الآخر فيميل إلى قراءة “أيها المساكين” فقط. ونحن هنا نصر على قانونية القولين معاً.
إذ نستند إلى المعنى العميق الذي يشير إلى المساكين الحقيقيين وهم أولئك الذين يرون أنفسهم فقراء أمام الله. إلا أن إله الكتاب المقدس، الذي تجسد في يسوع الناصري، إله يدافع ويحامي عن المظلومين والمهضومي الحقوق. وبالكاد يستحيل على الدارس أن يقرأ إنجيل لوقا دون أن يلاحظ هذا الوجه من الإعلان الإلهي (انظر 14: 12- 14؛ 12: 33- 34 بالمقارنة مع مت 6: 19- 21).
التفكير العمودي
معنى التفكير العمودي هو أنه عليك عند قراءتك أو دراستك عزيزي القارئ لقصة ما في الأناجيل، مراعاة كلا القرينتين قرينة يسوع المسيح، وقرينة البشير نفسه (أي الخلفية البيئية منهما).
وللمرة الثانية نقول: أول ما سنفعله الآن هو إعطاء كلمة تحذير. وهي أن الغرض الأول من التفكير العمودي ليس دراسة حياة يسوع المسيح التاريخية، مع أنه من الواجب أن يثير هذا الأمر اهتمامنا دائماً.
لكن الأناجيل في وضعها الراهن هي كلمة الله لنا نحن، أما عملية استرجاعنا لحياة يسوع وتصويرها فهي ليست كذلك؛ إذ أنها مجرد دعوة إلى إدراك أنه يوجد الكثير مما قد جاء في الأناجيل يدين أصلاً في قرينته الكتابية إلى البشيرين أنفسهم، والتفسير السليم لما قد استند إلى قرينة البشيرين يحتاج منا إلى فهمه أولاً ضمن قرينته التاريخية الأصلية وذلك كمقدمة مناسبة لفهمه فيما بعد ضمن قرينته الكتابية.
يمكننا أن نوضح ذلك من خلال استخدام متى 20: 1- 16، كمثال، حيث نجد هنا ذلك المثل الذي قاله الرب يسوع عن الفعلة في الكرم. واهتمامنا وسؤالنا الذي يجب أن نطرحه هو: ما الذي كان يعنيه ذلك المثل ضمن قرينته الأصلية في إنجيل متى؟ إن قمنا بالتفكير الأفقي أولاً، سنلاحظ أنه ومن كلا جانبي هذا المثل، يوجد مقاطع طويلة تحيط به وتتضمن موضوعات يسير فيها البشير متى على أثر خطوات البشير مرقس وعن قرب (مت 19: 1- 30؛ 20: 17- 34 بالتوازي مع مر 10: 1- 52).
في 10: 31 يقول البشير مرقس “ولكن كثيرون أولون يكونون آخرين والآخرون أولين” وقد رواها البشير متى بحرفيتها في أصحاح 19: 30. لكن متى وفي تلك اللحظة عينها، أورد هذا المثل، وختمه بتكرار ذلك القول في أصحاح 20: 16، ولكن بترتيب معكوس. وهكذا، نرى أن القرينة المباشرة في إنجيل متى حول مَثل الفعلة في الكرم هي قول الرب يسوع في متى 19: 30.
وأنت صديقي الدارس عندما ستدرس محتوى المثل نفسه (20: 1- 15)، ستلاحظ بأنه ينتهي بتبرير صاحب الكرم لسخائه. الذي معناه أن الأجرة في ملكوت السماوات بناء على ما أعلنه الرب يسوع، لا تقاس بما هو عدل أو إنصاف، بل بنعمة الله.
ففي قرينته الأصلية، ربما كان هذا المثل نوعاً من التبرير لعملية قبول المسيح للخطاة في ضوء اعتراضات الفريسيين عليه. فالفرسيون كانوا يعتبرون أنفسهم كمَنْ ينهض بأعباء جيله (نحن الذين احتملنا ثقل النهار والحر) وبالتالي فهم مستحقون لأجرة أعظم. لكن الله سخي ومُنعم، وهو يقبل الخطاة تماماً كما يقبل الأبرار.
وهنا نسأل: إذا اعتبرنا بأن هذه الخلفية هي الخلفية الأصلية الأرجح احتمالاً، فما هو دور هذا المثل في إنجيل متى؟ في الحقيقة تبقى نقطة المَثَل الجوهرية والخاصة بسخاء الله المنعم على غير المستحقين كما هي لا تتغير. إلا أن هذا الأمر هنا لم يعد وجوده ضرورياً لتبرير أعمال الرب يسوع بذاتها.
لأن إنجيل متى يفعل هذا عادة بطرق أخرى وفي مواضع أخرى. إن المثل هنا يعمل في إطار موضوع التلمذة، حيث يكون أولئك الذين تركوا كل شيء وتبعوا المسيح هم الآخرون الذين صاروا أولين (ولعل البشير متى يشدد على هذه النقطة مرة تلو الأخرى، لعمل مقارنة مع القادة اليهود).
تفسير كل إنجيل من الأناجيل ككل
قام البشيرون، بصفتهم كُتاباً موحى لهم من قِبل الله، بانتقاء القصص والتعاليم التي ناسبت أهدافهم.
لعل واحداً من أهم أجزاء دراسة القرينة الأدبية هو تعلُّم تمييز أنواع الاهتمامات التي تغلغلت إلى بنية كل إنجيل، فجعلت كل واحد منها فريداً ومتميزاً.
لقد أشرنا في كل أقسام هذا الفصل وفيما يتعلق بقراءة ودراسة الأناجيل، أنه ينبغي على الدارس أن يأخذ في عين الاعتبار وبجدية ليس فقط اهتمام البشيرين بالمسيح في حد ذاته أو بما قاله وفعله، بل أيضاً الاهتمام بالأسباب التي دعتهم إلى إعادة سرد كل قصة لقرائهم. نعم لقد درسنا بأن البشيرين كانوا كُتاباً وليس فقط مجرد جامعي قصص أو سير ذاتية. إلا أن كونهم كُتاباً لا يعني بالضرورة أنهم كانوا مبدعين للمادة التي كتبوها بل في الحقيقة العكس هو الصحيح.
فهناك عوامل عديدة كانت تمنعهم وتتعارض مع عملية الإبداع الواسع، وهذا باعتقادنا يتضمن إلى حد ما تلك الطبيعة الثابتة للمادة المقدمة و سلطان الروح القدس في الإشراف على عملية نقل الرسالة صحيحة تماماً. لقد كانوا كُتاباً بمعنى أنهم قاموا بمعونة الروح القدس بتركيب وإعادة كتابة المادة الموحى بها وبشكل خلاق من أجل سد حاجات قرائهم. وما يهمنا هنا هو مساعدتك صديقي الدارس على إدراك البناء الأدبي لكل بشارة أثناء دراستك أو قراءتك لها.
في عملية بناء الأناجيل اُعتمد مبدأن هامان: أولاً الانتقائية، ثانياً التكيُّف. فمن جهة، قام البشيرون، بصفتهم كُتاباً موحى لهم من قبل الله، بانتقاء القصص والتعاليم التي ناسبت أهدافهم. وصحيح، بالطبع، كان اهتمامهم الأول حفظ ما قد وصل إليهم. ومع ذلك فإن يوحنا البشير ، ومع قلة عدد قصص إنجيله وأحاديثه التي اتصفت في الوقت ذاته بالإسهاب الملحوظ، إلا أنه أخبرنا علانية بأنه كان انتقائياً جداً (20: 30- 31؛ 21: 25).
ولعل الشاهد الأخير (21: 25)، يُعبِّر عن موقف الأناجيل الأخرى أيضاً. فلوقا البشير على سبيل المثال، اختار ألا يورد في إنجيله قسماً كبيراً من إنجيل مرقس (مر 6: 45- 8: 26).
إن في مبدأ التكييف عادة ما يساعد في الرد على معظم الاداعاءات التي تقول بوجود تناقض بين الأناجيل. وهو أيضاً يشح ويفسر سبب وجودها.
في الوقت نفسه، كان للبشيرين وكنائسهم اهتمامات خاصة جعلتهم يقومون بتكييف ما انتقوه. فيوحنا البشير، مثلاً، صرح لنا علانية أن هدفه كان هدفاً لاهوتياً واضحاً ألا وهو: “لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله…” (20: 31). وربما كان هذا الاهتمام بيسوع –كالمسيا اليهودي– هو السبب الرئيسي الذي جعل أكثر ما كتبه يوحنا البشير يتعلق بخدمة الرب يسوع في اليهودية وأورشليم، في مقابل خدمته في الجليل والتي أوردتها الأناجيل الثلاثة المتشابهة.
فبالنسبة لليهود، كان الوطن الحقيقي للمسيا هو أورشليم. وبالتالي، كان يوحنا البشير يُعلَّم بما قاله الرب يسوع عن أنه “لا كرامة لنبي في وطنه”. نعم فقد قال الرب يسوع هذا القول أصلاً عندما رفضه أهل الناصرة (مت 13: 57؛ مر 6: 4؛ لو 4: 24). لكن في إنجيل يوحنا فقد تمت الإشارة إليه كتوضيح لرفض المسيا في أورشليم (4: 44) – وهذا يكشف عمقاً لاهوتياً جديداً في معنى خدمة الرب يسوع.
إن مبدأ التكييف عادة ما يساعد في الرد على معظم الاداعاءات التي تقول بوجود تناقض بين الأناجيل. وهو أيضاً يشرح ويفسر وجودها. فعلى سبيل المثال، من أبرز تلك الادعاءات قصة لعن شجرة التين (مر 11: 12- 14، 20- 25؛ مت 21: 18- 22) لقد روى الرسول مرقس هذه القصة لإبراز أهميتها اللاهوتية الرمزية، فقد لاحظ أن الرب يسوع قد نطق بالدينونة على الديانة اليهودية عندما طهر الهيكل وذلك في ذات الفترة التي لعن فيها شجرة التين فيبست.
غير أن لقصة شجرة التين معنى عظيماً للكنيسة الأولى أيضاً وذلك بسبب الدرس الذي ختمت به تلك القصة عن الإيمان. ففي إنجيل متى، كان الهدف الوحيد من تلك القصة هو إعطاء درس عن الإيمان، لذلك نراه يجمع ما بين لعن الشجرة وهلاكها ليُركِّز على هذه النقطة. تذكر صديقي الدارس أن سرد هذه القصة في جميع الحالات هو عمل الروح القدس الذي أوحى لكلا البشيرين بما كتباه.
ولكي نوضح بشكل أكيد عملية البناء هذه، دعونا نلقي نظرة على الأصحاحات الافتتاحية لإنجيل مرقس (1: 14- 3: 6) تُعد هذه الأصحاحات تحفة فنية، فهي مبنية بناء جيداً يتمكن القراء من خلالها فهم قصد مرقس الرسول.
إذ نجد فيها ثلاثة خطوط رئيسية لخدمة الرب يسوع المعلنة والتي تُشكل أهمية خاصة عند مرقس الرسول: أولاً: شعبيته وسط الجموع، ثانياً: تلمذته لعدد قليل، ثالثاً: معارضته من قبل السلطات. ارجع إلى إنجيل مرقس و اقرأه ولاحظ مهارة مرقس البشير في إبراز هذه المواقف لنا من خلال انتقائه وترتيبه للقصص. فبعد الإعلان عن خدمة الرب يسوع العلنية (1: 14- 15)، سجلت لنا القصة الأولى فيه دعوة يسوع المسيح للتلاميذ الأوائل.
بالإضافة إلى مزيد من التفاصيل عن هذا الهدف والتي جاءت لاحقاً في المقاطع التالية (3: 13- 19؛ 4: 10- 12؛ 4: 34- 41… إلخ). إن اهتمام البشير مرقس الأكبر في هذين الأصحاحين الأولين كان بالموضوعين الأخرين. فبداية من 1: 21 إلى 1: 45، نجد أربع لقطات أوردها مرقس البشير: يوم في كفر ناحوم (1: 21- 28 و29- 34) جولة وعظ قصيرة في اليوم التالي (1: 35- 39)، وقصة شفاء الأبرص (1: 40- 45).
كان الهدف المشترك في كل هذا هو إعلان سرعة انتشار شهرة الرب يسوع وشعبيته (انظر الأعداد 27- 28، 32- 33، 37، 45)، هذه السرعة التي وصلت أوجها حتى عجز الرب يسوع معها عن “أن يدخل مدينة ظاهراً، بل كان خارجاً في مواضع خالية، وكانوا يأتون إليه من كل ناحية”. كل هذا كان يبدو وكأنه يقطع الأنفاس إلا أن مرقس البشير تمكن فعلاً من رسم هذه اللوحة بأربع قصص فقط، إضافة إلى استخدامه لتعبيره المتكرر “وللوقت” (1: 21، 23، 28، 29، 30، 42)، وقيامه ببدء كل جملة تقريباً بحرف العطف (واو).
بعد أن وضع مرقس البشير هذه الصورة أمامنا، قام باختيار خمسة أنواع من القصص، ترسم في مجموعها، لوحة المعارضة وتبدي أسبابها. لاحظ القاسم المشترك العام للقصص الأربع الأولى إنه السؤال: لماذا؟ (الأعداد 7، 16، 18، 24). فالمعارضة تنشأ بسبب غفران الرب يسوع للخطايا، وبسبب أكله مع الخطاة، وسبب عدم مراعاته للتقليد المتعلق بالصيام، وكسره السبت. ولعل مرقس قد اعتبر هذه المخالفة الأخيرة هي الإهانة الكبرى عند اليهود مما جعله يضيف قصة ثانية من هذا النوع (3: 1- 6).
وهنا لا نقصد القول أن جميع المقاطع في كل الأناجيل ستساعد الدارس بسهولة في اكتشاف الاهتمامات التي تحكمت بما كتبه البشيرون. لكننا نقترح بأن مثل تلك النظرة إلى الأناجيل هي النظرة المطلوبة.
بعض الملاحظات التفسيرية
إن المبادئ التفسيرية للأناجيل عادة ما تكون بمثابة مزيج لكل ما سبق وقيل في الفصول السابقة عن (الرسائل) والقصص التاريخية.
التعاليم والوصايا (الواردة بصيغة الأمر)
لو افترضنا عزيزي القارئ بأنك قد قمت فعلاً بمهمة عمل التفسير الاستنتاجي بعناية، إذاً عليك الآن إدخال تعاليم ووصايا الرب يسوع التي تم ذكرها في الأناجيل إلى هذا القرن الحالي تماماً بذات الطريقة التي تعاملنا بها مسبقاً مع رسائل بولس الرسول أو بطرس أو يعقوب.
حتى قضايا النسبية البيئية والتي تحتاج إلى أن تثار بالطريقة ذاتها، كالطلاق مثلاً، والذي يكاد ألا يكون خياراً مطروحاً أمام زوجين مؤمنين بالرب يسوع المسيح، وهذه القضية التي كررها الرسول بولس في كورنثوس الأولى (7: 10- 11).
لكن للأسف ما وجدناه في بعض المجتمعات الغريبة المعاصرة أن بعض المسيحيين قد اختبروا فعلاً الطلاق، وهنا ينبغي عليك صديقي الدارس أن تتفحص بإمعان افتراضات البعض السريعة لمعنى كلمات الرب يسوع التي نطق بها في خلفية حضارية كانت مختلفة في زمنها تماماً عن زمننا الحالي. وبالمثل سيندر طبعاً أن تتاح لنا فرصة لإيجاد جندي روماني يُسخَّرنا ميلاً واحداً (مت 5: 41). ولكن في حالة كهذه، تبقى النقطة الجوهرية والتي قصدها الرب يسوع والمتعلقة بقصة الميل الثاني سارية المفعول على أي أمر أو حالة مشابهة.
وهنا يجدر بنا قول كلمة هامة وهي: بسبب ورود الكثير من وصايا المسيح في نطاق تفسير شريعة العهد القديم، ولأنها كانت تعني للكثيرين بأنها مثالية ومستحيلة التطبيق، فقد تم تقديم الكثير من الحيل التفسيرية بغية الالتفاف حول كون تلك الوصايا هي السلطة المعيارية للكنيسة. وهنا لا يمكننا وللأسف في هذا المقام أن نخصص حيزاً لدراسة ونقد تلك المحاولات المتنوعة.
القصص:
قصص المعجزات كانت ذات دور توضيحي حيوي لقوة الملكوت التي تفجرت من خلال خدمة الرب يسوع.
كان للقصص في الأناجيل أكثر من دور وهدف وطريقة. فقصص المعجزات، على سبيل المثال، لم تُدون من أجل غايات أدبية ولا من أجل تسجيل سابقة معينة؛ لكنها بالأحرى كانت ذات دور توضيحي حيوي لقوة الملكوت التي تفجرت من خلال خدمة الرب يسوع. فهي فعلاً قدمت شرحاً بطريقة غير مباشرة لماهية الإيمان، أو الخوف، أو الفشل. غير أن الأمور التعليمية لم تكن عمل القصص الرئيسي.
ومع ذلك فقصة مثل قصة الشاب الغني (مر 10: 17- 22 وما يوازيها) أو قصة طلب الجلوس عن يمين الرب يسوع (مر 10: 35- 45 وما يوازيها) قد وُضعتا في قالب تعليمي، حيث جاءتا كإيضاح لما يتم تعليمه. وهنا نرى أن استخدام مثل هذه القصص وبتلك الطريقة نفسها كان أمراً مناسباً وسلمياً من ناحية التفسير الحياتي.
وهكذا، فإن القصد من قصة الشاب الغني لم يكن قيام جميع تلاميذ الرب يسوع ببيع كل ممتلكاتهم كي يتبعوه؛ لأن هناك الكثير من الأمثلة في الأناجيل والتي تدل على استبعاد مثل هذا القصد (لو 5: 27- 30؛ 8: 3؛ مر 14: 3- 9).
في الحقيقة جاءت هذه القصة لتوضح مدى صعوبة دخول الأغنياء إلى ملكوت الله، وذلك لأنهم التزموا مسبقاً بمحبة المال في محاولة منهم لتأمين ولضمان مستقبل حياتهم. غير أن المسيح أراد أن يقول محبة الله المنعمة تستطيع أن تُجري المعجزات في الأغنياء أيضاً، ولعل قصة زكا العشار تصلح لأن تكون مثلاً على ذلك (لو 19: 1- 10).
صديقنا الدارس نكرر ما قلناه مسبقاً بأنك تستطيع أن تكشف أهمية التفسير الاستنتاجي السليم، وخاصة عندما نصل في تفسيرنا الاستنتاجي هذا إلى القصد الأساسي الذي هو ما عنته الأناجيل نفسها.
كلمة أخيرة غاية في الأهمية
هذه الكلمة الأخيرة يمكن أن تنطبق أيضاً على القرينة التاريخية ليسوع المسيح، ونحن إذ نوردها هنا فلأهميتها البالغة للمسألة التفسيرية الحياتية. خلاصة هذه الكلمة هي: لا يمكن لأحد أن يتجاسر على الظن بأنه يستطيع تفسير الأناجيل تفسيراً سليماً ما لم ينل فهماً واضحاً لمعنى ولمفهوم ملكوت الله الذي ورد وطرح في خدمة السيد المسيح. وفيما يلي سنورد موجزاً بسيطاً يحمل النقاط الرئيسية لهذا المفهوم وتأثيره على عملية التفسير.
أولاً عليك صديقي أن تدرك بأن الإطار اللاهوتي الأساسي للعهد الجديد بأسره هو إطار إسخاتولوجي. ما معنى إسخاتولوجي؟ معناه دراسة الأمور المتعلقة بوقت نهاية هذا الدهر. لقد كان لمعظم اليهود في زمن الرب يسوع تفكير إسخاتولوجي شامل، بمعنى أنهم كانوا يعتقدون بأنهم كانوا يعيشون في أواخر الأيام وعلى مقربة تامة من وقت دخول الله التاريخ فجلب نهاية هذا الدهر وتأسيس “الدهر الآتي”.
“إسخاتون” هي كلمة يونانية معناها (النهاية) التي كانوا ينتظرونها. وبالنسبة لهم، فإن الإنسان الذي يحمل في تفكيره فكراً إسخاتولوجياً هو ذلك الذي يتطلع إلى وقت النهاية.
لقد ورث المسيحيون الأوائل هذه الطريقة الإسخاتولوجية في النظر إلى الحياة والتفكير فيها. فبالنسبة لهم، كانت أحداث مجيء الرب يسوع وموته وحياته وإعطائه الروح القدس لهم كلها أمور تتعلق بتوقعاتهم عن مجيء النهاية. وهنا يمكننا شرح هذا الأمر على النحو التالي:
كان مجيء النهاية معناه حلول بداية جديدة في نفس الوقت –والتي هي بداية عصر الله الجديد أو عصر المسيا– لقد أشير أيضاً إلى هذا العصر الجديد “بملكوت الله” أي عصر حكم الله. لقد كان من المفترض أن يكون هذا العصر الجديد زمناً للبر (مثلاً إش 11: 4- 5)، وأن يحيا الناس في سلام (مثلاً إش 2: 2- 4). كما أنه سيكون زمناً لكمال انسكاب الروح (يو 2: 28- 30)، وفيه سيتحقق العهد الجديد الذي تحدثعنه إرميا (إر 31: 31- 34؛ 32: 38- 40)، ولن يكون فيه موضع للخطية أو المرض (مثلاً زك 1: 13؛ إش 53: 5).
وأيضاً الخليقة غير العاقلة ستبتهج وستفرح وسيسودها السلام في هذا العهد الجديد (مثلاً إش 11: 6- 9).
وهنا نجد أنه عندما أعلن يوحنا المعمدان اقتراب مجيء النهاية ثم معموديته للمسيح، اضطرمت الحمية الإسخاتولوجية، لأنه قد جاء المسيا الذي كان منتظراً أن يجلب عصر الروح الجديد (لو 3: 7- 17).
نعم لقد جاء يسوع المسيح وأعلن من خلال خدمته عن اقتراب الملكوت الآتي (مثلاً مر 1: 14- 15؛ لو 17: 20- 21). ولقد أخرج الأرواح الشريرة وصنع المعجزات وقبل الخطاة والمنبوذين قبولاً بلا قيود. وكل هذه كانت بوادر بداية النهاية (مثلاً لو 11: 20؛ مت 11: 2- 6؛ لو 14: 21؛ 15: 1- 2). فلقد كان الجميع يراقبونه ليروا ما إذا كان هو فعلاً “الآتي” وما إذا كان سيجلب حقاً عصر المسيا بكل روعته وبهائه. وفجأة صُلب الرب يسوع– وانطفأت الأنوار!
لكن، لم تكن هذه هي نهاية القصة! لأنه كان قد ترتب أمر مجيد على موته إذ قام من الأموات في اليوم الثالث وظهر لكثيرين من أتباعه. فأيقن الناس وصدقوا عندئذ أنه “سيُرد المُلك لإسرائيل” (أع 1: 6). لكنه وبدلاً من ذلك عاد إلى الآب وسكب روح الموعد انسكاباً كاملاً.
وهنا وبكل صراحة وبالتحديد بدأت إساءة الفهم من جانب الكنيسة الآولى ومن جانبنا أيضاً. فلقد تحدَّث الرب يسوع فعلاً عن الملكوت الآتي باعتباره قد حل تماماً بمجيئه. وكان مجيء الروح القدس بالقوة والكمال وما صاحبه من آيات ومعجزات ومجيء العهد الجديد دليلاً على حلول الدهر الجديد.
لكن لم ينتهِ هذا الدهر الحالي على ما يبدو. فكيف إذاً بإمكان الكنيسة الآن أن توفق بين الأمرين؟
منذ وقت باكر جداً، وبالتحديد بداية من عظة بطرس الواردة في أعمال 3، أدركت الكنيسة أن الرب يسوع لم يأت ليجلب نهاية النهاية بل بدايتها. وعرف المؤمنون أنه بموت الرب يسوع وقيامته وبمجيء الروح، قد جاءتهم بالفعل البركات والفوائد المستقبلية. لذلك، فمن وجهة نظر معينة يمكن أن نقول بأن النهاية قد أتت بالفعل. إلا أنه من وجهة نظر أخرى، يمكننا أن نرى أن النهاية بكمالها لم تأتِ وتمامها حتى الآن. بمعنى أنها قد جاءت بالفعل، لكنها لم تكتمل بعد.
لأجل هذا السبب، نظر المؤمنون الأوائل إلى ذواتهم كأناس إسخاتولوجيين حقاً؛ لأنهم عاشوا في فترة انتقالية بين زمني ابتداء النهاية واكتمالها. وحول مائدة الرب، احتفلوا بوجودهم الإسخاتولوجي بإعلانهم موت الرب، إلى أن يعود(1كو 11: 26). لقد اختبروا بالفعل غفران الله المجاني والكامل، لكنهم لم يصبحوا كاملين بعد (في 3: 7- 14). وقد أصبح الموت ملكهم بالفعل (1كو 3: 22)، ولكنهم لم يصبحوا غير قابلين للموت بعد (في 3: 20- 22).
كانوا يعيشون بالروح بالفعل، لكنهم لم يسلموا بعد من هجمات الشيطان (مثلاً غل 5: 16- 26) إذ كانوا لا يزالوا يعيشون في العالم. وكانوا قد تبرروا بالفعل إذ لا تنتظرهم أية دينونة (رو 8: 1)، لكن وقوفهم أمام عرش المسيح لنوال استحقاق أعمالهم لم يكن قد حدث بعد (2كو 5: 10)، لقد كانوا شعب الله المستقبلي وكان مستقبلهم قد تحدد بالفعل. وقد أدركوا فوائده وعاشوا في ضوء قيمه، إلا أنهم توجب عليهم الحياة في العالم الحاضر وفقاً لمزايا مستقبلهم وقيمه. لقد بدا الإطار اللاهوتي الأساسي لفهم العهد الجديد كما يلي:
الرجاء الإسخاتولوجي
الإسخاتون (النهاية)
ابتداؤها اكتمالها
هذا الدهر الدهر الآتي
ينقضي لا نهاية له
الصليب والقيامة المجيء الثاني
تم بالفعلليس بعد
بر بر تام
سلام سلام كامل
صحة لا مرض ولا موت
روح في كمال تام
يتمثل المدخل المؤدي إلى تفسير معظم العهد الجديد، وبخاصة خدمة الرب يسوع وتعليمه، في هذا النوع من التوتر. (بين ما تحقق بالفعل وما لم يتحقق بعد) فبالتحديد لأن الملكوت، أي زمن مُلك الله، قد ابتدأ فعلاً بمجيء الرب يسوع نفسه، فنحن إذاً مدعوون لأن نحيا في الملكوت، أي أن نحيا تحت ربوبية الرب يسوع، الذي قبلنا وغفر لنا مجاناً، على أن نلتزم بأخلاقيات الدهر الجديد، وأن نعمل على إظهارها في حياتنا وفي العالم في هذا الدهر الحاضر.
وهكذا، فنحن عندما نصلي قائلين: “ليأت ملكوتك” نصلي أولاً كي يتم الاكتمال. ولكن بما أن الملكوت الذي نتوق أن نحيا فيه قد ابتدأ فعلاً، فهذه الصلاة نفسها مليئة بالمعاني الضمنية التي تخص الوقت الحاضر.
لكل دراسة مرمى تسعى للوصول إليه، فنجد أن التاريخ السياسيّ يرمي إلى معرفة وسائل استهواء الجماهير، ومسببات الثورات وكيفية التحكم فيها، ابتغاءً للسيطرة على العالم، والتاريخ المدنيّ يهدف إلى دراسة حياة الشعوب قديماً لمعرفة طرق النهوض والارتقاء بها، ليصل بهم إلى الراحة الفكرية والجسمية، كذلك يبحث التاريخ الطبيعيّ العلميّ في العلوم قديماً وحديثاً لكي ما يصل إلى أقصى استفادة من الموارد الطبيعية[1].
التاريخ عند الآباء:
دراسة تاريخ الكنيسة إنما هو دراسة لموضوع ملكوت الله على الأرض، ويجسم تطور هذا الملكوت، فهو تفسير مستمر لمثل رب المجد عن حبة الخردل، والخميرة التي خمرت العجين كله (مت 13: 31-33)، فمثل حبة الخردل يُظهر مدى وكيفية انتشار المسيحية في العالم، بينما مثل الخميرة يُظهر فاعلية المسيحية القوي في تقديس الحياة الداخلية.
كذلك تاريخ الكنيسة له قيمة كبرى لكلّ مسيحي كمستودع للتحذير والتشجيع، والتعزية والنصح…. فالتاريخ يقدم لنا المسيحية في أمثلة حية[2].
أيقن الآباء أن تاريخ الكنيسة بكل أحداثه، يكشف لنا يد الله الخفيّة التي تعمل فوق الكل، ويكشف لنا خطة الله للخلاص عبر الأجيال، فهو يهدف إلى استعلان مُجدّد لروح الله، وأبعاد الأبدية مع المخلّص، التي تسلمناها من الرسل والآباء الذين خلفوهم. كذلك ربط الآباء التاريخ بالأبدية، فهو يمتد إلى الأمام ليربط الزمن بالأبدية.
كل هذه النقاط جعلت الآباء يدرسون التاريخ ليصلوا بكل أحداثه إلى السيد المسيح وعمله في البشرية، فالتاريخ بالنسبة للآباء ليس أحداثاً ماضية جافة أو وقائع منتهية بل حياة متصلة بين المسيح والكنيسة، فالمسيح هو ” الْكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي” (رؤ 1: 8).
التاريخ والكتاب المقدس:
الكتاب المقدس ذكر حوادث تاريخية، رغم أنه ليس كتاباً تاريخياً، ولكن ما جاء به صادق وحقيقيّ، ولم يأت ذكر الأمور التاريخية به لمجرد التأريخ، لكن هناك مغزى منها، فمثلاً الأصحاحات الأولى من سفر التكوين جاء فيها تاريخ الخلقة، ولم تُكتب من أجل العلم أو كتاريخ مدنيّ، بل كتاريخ مقدس يحوي إعلان حقائق تربط الإنسان بالله، فهو تاريخ مرتبط بعمل الله في البشرية، ويوضح خطة العناية الإلهية من أجل العالم…
والمغزى من ذلك إعلان أن الله واحد ويفوق كل الوجود، وأنه خلق العالم من لا شيء، وأنه هو الذي يسود على كل العالم والخليقة “لأَنَّ كُلَّ مَا سَبَقَ فَكُتِبَ كُتِبَ لأَجْلِ تَعْلِيمِنَا، حَتَّى بِالصَّبْرِ وَالتَّعْزِيَةِ بِمَا فِي الْكُتُبِ يَكُونُ لَنَا رَجَاءٌ” (رو 15: 4)، فهو ليس سرد أحداث ماضية ميتة، أو وقائع وأحداث انتهت لكنه علم كنسيّ حي نكتشف من خلاله يد الله العاملة في الكنيسة عبر الأجيال والعصور.
فهو تاريخ حيّ لأن:
1- أصل ومركز التاريخ الكنسيّ هو السيد المسيح، فالتاريخ السابق له كان إشارات ونبوات ورموزاً عنه، والشخصيات السابقة له كانوا يعيشون على رجائه ويتطلعون ليوم مجيئه “أَرَاهُ وَلكِنْ لَيْسَ الآنَ. أُبْصِرُهُ وَلكِنْ لَيْسَ قَرِيبًا. يَبْرُزُ كَوْكَبٌ مِنْ يَعْقُوبَ، وَيَقُومُ قَضِيبٌ مِنْ إِسْرَائِيلَ، فَيُحَطِّمُ طَرَفَيْ مُوآبَ، وَيُهْلِكُ كُلَّ بَنِي الْوَغَى” (عدد 24: 17)، فهو خالق التاريخ، بل وباركه بتجسده “وَلِصِهْيَوْنَ يُقَالُ: «هذَا الإِنْسَانُ، وَهذَا الإِنْسَانُ وُلِدَ فِيهَا، وَهِيَ الْعَلِيُّ يُثَبِّتُهَا».
الرَّبُّ يَعُدُّ فِي كِتَابَةِ الشُّعُوبِ: «أَنَّ هذَا وُلِدَ هُنَاكَ»” (مز 87: 5، 6)، ولأنه هو الحياة “فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ” (يو 1: 4)، لذلك التاريخ الكنسي تاريخ حيّ، فالسيد المسيح هو ماضي الكنيسة وحاضرها ومستقبلها.
2- الله غير الزمني بتجسّده صار خاضعاً للزمن، وبارك تاريخنا الزمنيّ، وقدّس حياتنا على الأرض، وحول التاريخ المادي الزمني، إلى غير زمنيّ، فنحن انتقلنا من الزمن الماديّ إلى الانشغال الأبديّ بالإلهيات، وإن كنا نعيش بالجسد في هذه الزمنيات فهذه الأيام غربة حتى نرتبط في النهاية بالزمن الأبدي؛ كما نصلي في القداس الإلهيّ:
“ونحن أيضاً الغرباء في هذا العالم احفظنا في إيمانك؛ وأنعم علينا بسلامك على التمام”، ويقول القديس أغسطينوس “إن الكنيسة ركزت عبادتها الجمهورية في اليوم الثامن الأحد؛ أي بعد الانتهاء من الأسبوع السابق كله، وبداية أسبوع جديد، علامة دخولها مع المسيح الذي قام في هذا اليوم إلى الحياة الأخرى الجديدة”.
3- الشخصيات التي تناولها التاريخ شخصيات حيّة ” أَنَا إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ؟ لَيْسَ اللهُ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ” (مت 22: 32)، فالرسل والشهداء والقديسون وكل آباء الكنيسة الذين انتقلوا يسبحون الله ” بَارِكُوا الرَّبَّ يَا أَرْوَاحَ وَنُفُوسَ الصِّدِّيقِينَ، سَبِّحُوا وَارْفَعُوهُ إِلَى الدُّهُورِ ” (تتمة دا1: 86)، فالسيد المسيح بقيامته كسر شوكة الموت، لذا لم يعرف قاموس المسيحية معنى لكلمة “الموت” بل كنا نصلي في أوشية الراقدين: “ليس موتاً لعبيدك بل هو انتقال”.
4- لأن الإنسان ينسى: “هَلْ تَنْسَى الْمَرْأَةُ رَضِيعَهَا فَلاَ تَرْحَمَ ابْنَ بَطْنِهَا؟ حَتَّى هؤُلاَءِ يَنْسَيْنَ، وَأَنَا لاَ أَنْسَاكِ” (إش 49: 15)، لذلك ألهم الروح القدس الآباء والمعلمين أن يسجلوا التاريخ “تَعَالَ الآنَ اكْتُبْ هذَا عِنْدَهُمْ عَلَى لَوْحٍ وَارْسُمْهُ فِي سِفْرٍ، لِيَكُونَ لِزَمَنٍ آتٍ لِلأَبَدِ إِلَى الدُّهُورِ” (إش 30: 8).
يقول باروخ النبي: “بِفَمِهِ كَانَ يَقْرَأُ لِي كُلَّ هذَا الْكَلاَمِ، وَأَنَا كُنْتُ أَكْتُبُ فِي السِّفْرِ بِالْحِبْرِ” (إر 36: 18)، لذا نرى أن الآباء الذين سجلوا التاريخ اهتموا بالمفاهيم الروحية والفكر الكنسي الهادف، وسلوك الآباء خلال الحياة الكنسيّة فالتاريخ الماضي هو حاضر عامل في المؤمن.
التاريخ واللاهوت الكنسيّ:
يُعَرِّف الآباء التاريخ بأنه اكتشاف للعمل الكرازي والإيمان الرسوليّ والخدمة الرعوية وخبرة العبادة والشركة والشهادة والجهاد الروحيّ، فلم ينظر علم الباترولوجي للتاريخ على أنه سرد أحداث ماضية ميتة، أو تسجيل لوقائع منتهية، لكنه يرى التاريخ كعلم كنسيّ يحيط بحياة الكنيسة من كل نواحيها بترتيب متصل ومتواصل[3].
يرجع التواصل بين التاريخ وحياة الدهر الآتي، إلى نفس الرابطة التي تجمع بين الله والإنسان، وهذا هو عمل الإفخارستيا، فالقداس الإلهي هو اجتماع شعب الله كي يكونوا شعباً واحداً، فبواسطة الإفخارستيا تصبح هذه الوحدة حقيقية، حيث أن الاجتماع الإفخارستي الذي يتم في يوم الرب (الأحد)، أو يوم قيامة الرب، الذي هو اليوم الثامن أيّ يوم حياة الدهر الآتي ليس هو مجرد ذكرة تاريخية – تُستعاد فكرياً – للعشاء الأخير ولحياة السيد المسيح على الأرض وللصليب والقيامة، بل تحيا الكنيسة هذا كله لأن حياة الدهر الآتي ماثلة أمامها وحاضرة إذ تعبر عنها الصلوات والطقوس الكنسية[4].
كلمة الرب ” اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي” (لو 22: 19، 1كو 11: 24) تأتي باللفظ اليوناني # ولا يوجد لها أي مرادف في اللغات الأخرى، ومن بعد ترجمتها بدأ التشكيك في حقيقة الإفخارستيا من قبل الهراطقة، لعدم قدرة الكلمة المترجمة أن تصل بالمعنى الذي تشمله الكلمة اليونانية.
كلمة # تعني استعادة Recall، جاءت في دائرة المعارف البريطانية (لفظ يعبر عن أن الشيء الذي يوصف به، هو نفس الشيء الذي يشير إليه أي من عين الشيء)، كالمن الذي أمر الله موسى بحفظه في قسط من الذهب تذكاراً للمن، والشيء ذاته لا يكون تذكاراً بمعنى التذكار العقليّ لنفسه، بينما بمعنى الحضور الفعليّ، والسيد المسيح قال …
” أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ…. أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. آبَاؤُكُمْ أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ وَمَاتُوا. هذَا هُوَ الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ، لِكَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ الإِنْسَانُ وَلاَ يَمُوتَ. أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ” (يو 6: 41، 48-52)، وهي تختلف جوهرياً عن الكلمة اليونانية # التي تعني العقليّ، بينما # تعبر عن الحضور الفعلي…
مثالاً على ذلك خروف الفصح لم يكن يتكرر بل يعيشون نفس الفصح الواحد. الإفخارستيا أيضاً ليس تكراراً لذبيحة الصليب بل هي امتداد لذبيحة الصليب نفسها. فالإفخارستيا تُعلن حقيقة تاريخ التدبير الإلهي، فكل ما سُلم في التقليد (1كو 11: 23) يُمارس في الإفخارستيا وبالتالي تصبح الإفخارستيا هي التاريخ الخاص بحياة وصلب وموت وقيامة المسيح “آمين آمين آمين بموتك يا رب نبشر وبقيامتك المقدسة وصعودك إلى السموات نعترف”، وهذا ما يربط كل كنيسة محلية بكنية الرسل في سلسلة تاريخية متصلة الحلقات…
يقول القديس أغناطيوس الأنطاكيّ في رسالته إلى فيلادلفيا “إياكم والحضور بغير الاشتراك في سرّ الشكر والواحد، لأنه لا يوحد غير جسد واحد لربنا يسوع المسيح، وكأس واحدة توحدّنا بدمه ومذبح واحد، كما يوجد أسقف واحد مع متقدمين (قسوس ) وشمامسة رفقتي في الخدمة، وهكذا يصير كل ما تقولونه، إياه تفعلونه حسب إرادة الله[5].
تناول الآباء التاريخ الكنسيّ منذ القرون الأولى منذ أن بدأ القديس لوقا الطبيب كتابة سفر أعمال الرسل، وبعد ذلك عصر الآباء الرسوليين وعصور الاستشهاد والرهبنة والمجامع المسكونية التي وضعوا فيها كل أنظمة الكنيسة الروحية وحددوا من خلالها تعاليم الكنيسة اللاهوتيّة والطقسية والقوانين الكنسية.
1- بدأ التاريخ الكنسي بتسجيل القديس لوقا الطبيب لسفر أعمال الرسل.
2- اقتصر التاريخ في القرون الأولى للكنيسة على التقليد فكان الآباء يحفظون أقوالهم ويسلمونها، وإن كان هناك كتابات للعظات الأسبوعية أو أقوال الآباء، فلم يكن الهدف منها حفظ التاريخ على قدر ما كان الهدف منها الحفاظ على هذه الأقوال، أو تسجيل تلميذ لسيرة معلّمه، الذي عاش معه كرائحة عطرة عرفاناً لمعلمه الذي استفاد من تعاليمه وسيرته فيكتبها لكي يُعلنها ويرويها لينتفع بها هو وإخوته، لذا نجد أن سير الآباء تتميز ببساطة أسلوبها…
ومن التاريخ الآبائي أيضاً تسجيل أقوال الآباء فنجد نحو ثلاثة آلاف قولاً آبائياً رداً على سؤال تقليدي في البرية: قل لي كلمة منفعة يا أبي. كذلك بعض المقالات مثل هيبوليتوس الرومانيّ (170-235م) الذي كتب “تاريخ العالم” يقدم فيه تاريخاً شاملاً للعالم، كذلك مقاله “تحديد تاريخ الفصح”[7].
3- في بداية القرن الرابع بدأ يوسابيوس أسقف قيصرية الذي لُقب “بأبي التاريخ الكنسيّ”، الذي أسس مدرسة المؤرخين وكتب كتاب التاريخ الكنسيّ والذي يُعتبر مؤسساً لفكرة نشر أقوال الآباء وكتاباتهم، قدّم فيه خلافات الرسل القديسين مع تسجيل لكتاباتهم ومقتطفات منها.
وهكذا نشأت مدرسة من المؤرخين، تم فيها كتابة عدد من الأعمال المُكمَّلة لتاريخ يوسابيوس، ومن هذه الأعمال وصلنا منها:
تاريخ فيلبس المؤرخ: أصدر عملاً ضخماً من ستة وثلاثين كتاباً باسم (التاريخ المسيحيّ) عن تاريخ الفترة من خلقه العالم حتى 426م.
تاريخ فلاستورجيوس: وضع فلاستورجيوس كتاباً باسم (تاريخ الكنيسة) عن تاريخ الفترة من 300 حتى 425م.
تاريخ هيسيخيوس: كتب هيسيخيوس أيضاً عن تاريخ أورشليم.
تاريخ سقراط: أفضل مؤرخي القرن الخامس المسيحيّ كتب في “تاريخ الكنيسة” عن الفترة من 64م إلى 433م.
تاريخ سوزمين: محام قسطنطيني ومؤرخ مسيحي ألف كتاب تاريخ الكنيسة في القسطنطينية ما بين 439 -450م.
تاريخ ثيؤدوريت: كتب عن تاريخ الرهبان، التاريخ الكنسيّ، تاريخ الهرطقات، مجمع خلقدونية، وقد جاءت أعماله متقاربة إلى حدّ ما مع التاريخ الكنسيّ ليوسابيوس القيصريّ، والذي اعتبر أبا التاريخ الكنسيّ ومن أول مؤسسي علم الباترولوجي.
تاريخ روفينوس: حوالي 345-410م الذي ألفه في الغرب، حيث قام بترجمة تاريخ يوسابيوس إلى اللاتينية، وأضاف إليه بعض الأحداث حتى عصر ثيؤدوسيوس الكبير حتى عام 392م، كما كتب أيضاً عن تاريخ الآباء البطاركة والآباء الرهبان.
القديس جيروم: وضع كتاب (مشاهير الرجال)، ذكر فيه أشهر الرجال الذين وضعوا كتباً دينية من فجر المسيحية حتى أيامه.
أهم الكتابات التاريخية في كنيستنا:
السنكسار القبطي: الذي وضعه القديس يوليوس الأقفهصيّ كاتب سير الشهداء، وأكمله القديس يوحنا أسقف البرنس في القرن السابع في عهد البابا دميانوس (البابا الـ 35)، ثم أكمله القديس ميخائيل أسقف أتريب، ثم القديس بطرس الملقب بالجميل أسقف مليج.
القديس يوحنا النيقوسيّ: (القرن السابع الميلادي) الذي كتب تاريخاً من بدء الخلقية إلى عصره (بعد دخول العرب بقليل) باللغة القبطية ثم تُرجم إلى الحبشية وكتب أيضاً عن تاريخ البطاركة من مار مرقص إلى البابا بنيامين 38.
الأنبا ساويرس بن المقفع أسقف الأشمونين: (القرن العاشر) يعتبر أول كاتب قبطيّ يكتب باللغة العربية، ساعده في الكتابة باللغة العربية الشيخ الواضح ابن الرجا الذي تنصر وصار راهباً وسيم كاهناً باسم بولس بن الرجا، جمع الأنبا ساويرس بن المقفع تاريخ البطاركة الأقباط من مار مرقص حتى الأنبا شنودة البابا الـ 55، ثم أضاف الأنبا ميخائيل أسقف تانيس على هذا الكتاب تاريخ البطاركة حتى عام 1243م.
الشيخ المؤتمن أبو المكارم سعد الله بن جرجس: الذي وضع كتاباً في تاريخ الأديرة والكنائس القبطية عام 925ش (1209م) وأكمل سيرة البطريركين مرقص الثالث البابا 73، والبابا يؤانس السادس البابا 74.
أولاد العسال (الأسعد أو الفرج الصفيّ أبو الفضائل، المؤتمن أبو أسحق) الذين وضعوا جداول تاريخية في القرن الثالث عشر.
أبو شاكر ابن الراهب أبي الكرم بطرس بن المهذب (1270م) شماس كنيسة المعلقة بمصر القديمة، والذي وضع كتاباً عن التاريخ (كتاب التواريخ) منذ آدم وحتى عام 1257م في ثلاثة أجزاء 51 باباً، في تاريخ العالم والتاريخ الكنسيّ والمجامع.
ابن كبر (شمس الرئاسة أبو البركات) قسيس المعلقة (1234م)، الذي كتب كتاب (مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة) وهو موسوعة دينية عظيمة في العقائد والطقوس والكتاب المقدس والقانون تعق في 24 باب، وبآخر الكتاب جداول تاريخية لسنكسار الصعيد وسنكسار الوجه البحري، وكان من أول ما كتب هو كتاب الميرون، وصف فيه المواد التي يتألف منها وكيفية طبخه بدقة متناهية.
أهم كتابات الآباء في التاريخ الرهباني القبطي:
التاريخ اللوزياكي (419-420م) Historia Lausiaca كتبه بلادوس أسقف هلينوبوليس، كتبه إلى لوسيوس وترجم تحت اسم فردوس الآباء The Paradise of The Fathers، حيث يعتبر من مصادر التاريخ الرهبانيّ.
الهستوريا موناخورم (التاريخ الرهبانيّ) في مصر وينسب إلى روفينوس (394-395م) وهذا العمل يتضمن سير الرهبان.
مناظرات يوحنا كاسيان (360-435م): كتاب المعاهد Institutes وكتاب المؤتمرات Conferences.
كتب جيروم سيّراً كثيرة من الآباء الرهبان مثل: الأنبا بولا أول السواح والقديس إيلاريون والقديس يوحنا الأسيوطي ومار أورغريس.
البابا أثناسيوس الرسولي كتب عن حياة الأنبا أنطونيوس الكبير.
القديس إغريغوريوس أسقف نيصص كتب عن ماكرينا أخته ومار أفرام والأربعين شهيداً، وعن أخيه باسيليوس وإغريغوريوس العجائبي.
القديس إغريغوريوس الناطق بالإلهيات كتب عن باسيلوس وأثناسيوس وكبريانوس.
كتابات الآباء في النسكيات والحياة الرهبانية:
أشهر مَن كتب في النسكيات هو مار إسحق أسقف نينوى، وقد أخذ كتاباته عن مار أوغريس والقديس يوحنا الأسيوطي.
كتب القديس باسيليوس الكبير (329 -379) كتابات نسكيّة، فقد كتب “الأخلاقيات” وهي عبارة عن 80 وصية أخلاقية تنظم الحياة في العالم، خاصة حياة الإكليروس، كما كتب مجموعتان في القوانين النسكية.
كذلك القديس أمبروسيوس (339-397م) من كتاباته النسكية والسلوكية كتابه عن شرف البتولية، وآخر عن الترمل إلخ… كتب القديس أثناسيوس الرسولي (328-373م) عن “حياة الأنبا أنطونيوس” عام 357م، أي في السنة التالية لنياحة القديس الأنبا أنطونيوس، كذلك كتب عدة مقالات في البتولية[8].
كما كتب إيفاجردوس (مار أوغريس 345-399م): الذي تلقى تعليمه على يد الآباء الكبار القديس باسيليوس الكبير والقديس إغريغوريوس الناطق بالإلهيات والقديس إغريغوريوس أسقف نيصص، سيم مار أوغريس شماساً وحضر مجمع القسطنطينية، الذي دافع فيه عن الإيمان، ثم ترهب في برية شهيت وعاصر القديس مقاريوس الكبير، وتقدم في الفضيلة وحياة الوحدة وصار معلماً لكثيرين، كتب في الحياة النسكية ومقاتلة الأفكار ووضح الأفكار الثمانية التي تحارب الإنسان وهي البطنة والزنا ومحبة الفضة والغضب والحيرة والكآبة والمجد الباطل والكبرياء، وقد ترجم جيروم هذه الكتابات إلى اللاتينية.
القديس يوحنا الأسيوطي (405م): أب متوحد، عاش في جبل أسيوط حبيساً، كان يتحدث مع زائريه يوماً واحداً في الأسبوع، زاره بلاديوس وكتب سيرته، كتب هذا القديس ميامر في حياة السكون (قام دير السريان بنشرها في الجزء الثاني من كتاب الآباء الحاذقين في العبادة)، كان يلقب بالنبي إذ كانت له موهبة النبوة.
القديس يوحنا سابا[9] (المعروف بالشيخ الروحاني) من الآباء السريان ولد عام 507م في نينوى[10]… كان راهباً أرثوذكسياً بدير في دلياتا التي تقع على شاطئ الفرات… بعد أن أكمل قوانين المجمع انفرد في برية صعبة… وكان يشقى وسط الحيوانات والحيات متكلاً على الله عابداً إياه بكل إيمان وحرارة. كان نسطورياً من ميلاده، ويعتقد أنه صار راهباً في أحد الأديرة النسطورية.
وعندما أدرك انحراف العقيدة النسطورية ترك الكنيسة النسطورية وأسس ديراً يلتزم بالعقيدة الأرثوذكسية.
وكان اخوه الراهب الذي بمجمع الدير دائم الحزن من أجله بسبب حياته الشاقة ووحدته القاسية… وكان يوحنا سابا يرسل إليه بعض الرسائل من حين لآخر يطمئنه فيها على نفسه ويشرح له مقدر عزائه في البرية كمن يعيش في حضن أمه الرؤوم.
كتب القديس يوحنا سابا 30 عظة، و48رسالة، تتميز كتاباته بالبلاغة والإقناع. ويعنون كتاباته بالجملة التالية: “في العطايا الإلهية والتعزية الروحية الممنوحة للرهبان من أجل راحتهم وبهجتهم”[11].
القديس يوحنا الدرجي (يوحنا كليماكوس 525-600م) عاش هذا القديس في حياة الوحدة والتأمل أربعين عاماً، لذلك كان يدعى “ملك البرية”، من أشهر الكتب النسكية التي وضعها كتاب “السلم الدرجي” يضم ثلاثين مقالاً أو درجة، تعقبه “رسالة إلى الراعي” تشتمل توجيهات هامة للرؤساء والآباء الروحيّين.
يتناول الكتاب الحديث عن فضائل النسك وممارسته الفضائل المسيحية، مثل الزهد، والغربة، والطاعة، والوداعة، والسهر، والإفراز، والصلاة، وسكون النفس والجسد في أول الطريق (الخروج عن العالم)، فشمل حياة الراهب منذ خروجه من العالم… منطلقاً نحو القيامة مع المسيح في إيمان مملوء رجاء وتسنده المحبة، إذ كان قد اتسم الكتاب بالجانب النسكي الرهباني، اختصر ابن العسال هذا الكتاب وقام بنشره الأرشيدياكون حبيب جرجس.
القديس إشعياء المتوحد (400م) الذي كان مسئولاً عن حياة القديس أرسانيوس في بداية رهبنته، تسلم تدريب حياة الكثيرين من الرهبان في بدء حياتهم الرهبانية، وقد جاءت تعاليمه للرهبان المبتدئين حية ورائعة.
ضمت مجموعة Philokalia مجموعة كبيرة من الآباء، منهم القديس برصنوفيوس وتلميذه دوروثيئوس، كتابات القديس نسلس السينائي والقديس مرقص الناسك.
[1] يسطس الدويري (المتنيح الأنبا ديسقورس) موجز تاريخ المسيحية – أكتوبر 1949 – ص9.
[2] مثلث الرحمات نيافة الأنبا يؤنس – الكنيسة المسيحية في عصر الرسل – الطبعة الخامسة 2003م – ص 18، 19.
[3] القص أثناسيوس فكري – حياة وفكر كنيسة الآباء 2000م – ص110.
[4] المطران يوحنا زيزيولاس – الوجود شركة – الناشر مركز دراسات الآباء – 2006 – ص 29، 30.
أدب نجع حمادي: يسوع مفشي المعرفة الخفية – يسوع التاريخي
أدب نجع حمادي: يسوع مفشي المعرفة الخفية – يسوع التاريخي
لقد أحدث اكتشاف مكتبة نجع حمادي عام 1945 تغييراً كاملاً في معرفتنا بالأدب الغنوصي[1]. علاوة على ذلك، وكما كتب يوهانس فان أورت، فإن هذا الاكتشاف أحدث إلى حد كبير تغييراً فيما نعرفه عن بداية المسيحية. الآن أصبح بإمكان العلماء قراءة ما كان يقوله الغنوصيون لأنفسهم حول رؤيتهم ليسوع وحول شكل المسيحية الخاصة بهم، دون الحاجة للاعتماد على شهادات محدودة ومثيرة للجدل حولهم من ممثلي “الأرثوذكسية” الناشئة، أي، المهرطقين مثل إرينيوس وتيرتوليان.
على الرغم من أن الغنوصيين أنفسهم أطلقوا على معظم كتاباتهم “أناجيل” وألفوها إلى حد ما لتكون مطابقة لأناجيل خصومهم في الكنيسة العظمى، إلا أن هذه الأناجيل غير سردية بصورة ملحوظة. فمعظمها منسجم إلى حد أبعد بكثير حتى من “ق” مع نمط “إنجيل الأقوال” الخالصة. وغرضهم من ذلك نقل المعرفة الخفية “الغنوصية” للمسيح المرفوع، وليس سرد حياة يسوع وموته ووضع تعاليمه بذلك السياق السردي[2].
بالنسبة للجزء الأكبر، ينظر الغنوصيون إلى الخلاص خارج التاريخ، لذلك يبحث المرء عبثاً عن الروايات السردية التي تتحدث عن حياة يسوع وآلامه وقيامته في أناجيلهم التي ما تزال على قيد الحياة. فهل يعني هذا الغياب للروايا السردية عن الآلام أن الغنوصيون يتجاهلون دائماً موت يسوع ويسقطون قيمته من أجل معتقدهم؟ هذا ما يتهمهم به قادة التيار الذي سيصبح التيار السائد، ألا وهم قادة المسيحية الأرثوذكسية. بالنسبة للأرثوذكس، تعد آلام يسوع مركز المسيحية.
فأناجيلهم روت ذلك على نحو كامل، وقد تم سرد نسخة أقصر من تلك الواردة في العقائد المتطورة في كل احتفال من احتفالات القربان المقدس. وقد أظهرت الدراسات البحثية مؤخراً بعض التنوع المهم داخل رؤية الغنوصيين لموت يسوع.
ففي حين أن معظم الوثائق الغنوصية تنكر بالفعل أي أهمية خلاصيّة تتعلق بموت يسوع، مفسرين ذلك على نحو غنوصي عندما لا يتجاهلونه كلياً أو يقللون من شأنه، إلا أن هناك القليل من الكتابات الغنوصية التي تنظر بإيجابية إلى الآلام. ربما جاء أبرزها في القرن الثاني او الثالث من خلال أوبوكريفا جيمس، حيث يقوم يسوع المرفوع بتعليم جيمس:
إذا كان الشيطان يضطهدك ويضايقك، وقمت بتنفيذ وصيته (وصية الآب)، أقول إنه سوف يحبك ويجعلك مساوياُ لي…. لذا ألن تتوقف عن محبة اللحم؟ والخوت من التعرض للمعاناة؟ ألست تعلم أنك ستتعرض لسوء المعاملة؟ وتتهم ظلماً وعدواناً وترمى في السجن، وتدان بصورة غير مشروعة، وتُصلب من دون مسوغ، وتدفن كما دفنت، على أيدي الشر؟ هل تجرؤ على الحفاظ على اللحم؟ الروح من أجلك هي الحائط المسور، بصدق أقول لك: لن يتم إنقاذ أحد حتى يؤمن بصلبي….
لذلك، قم بازدراء الموت وفكر في الحياة! تذكر صلبي وموتي، سوف تعيش. (4: 37-5: 35).
يربط هذا التعليم معاناة يسوع وموته بمعاناة أتباع الغنوصية وموتهم. ويؤكد على واقع آلام يسوع ويعتبره نمطاً للأتباع الذين تعرضوا للاضطهاد. فموت يسوع ليس تضحية للتكفير عن الخطيئة، لكنه نموذج يمثل كيف أن أحداً من خلال الشهادة يدمر الجسد ويحرر الروح.
إن ظهور هذه الرؤية الغنوصية الإيجابية للشهادة في كتاب سري موجه إلى يعقوب ليس من قبيل الصدفة. هذا هو يعقوب البار، أخو يسوع، حيث كان زعيماً في كنيسة القدس الأولى، وكان معروفاً في القرون اللاحقة بالشهيد الشهير (على الرغم من أن استشهاده ليس صريحاً في هذا الكتاب).
لقد درست إلين باجلز بعناية وجهات نظر شخصية لآلام يسوع في المسيحية الأرثوذكسية الناشئة وفي الغنوصية، وقد خلصت إلى أن وجهات النظر هذه هي بمثابة “نماذج للردود المسيحية على الاضطهاد”. وقد وافق المسيحيون الأرثوذكس على الشهادة وربطوها بالموت المنقذ ليسوع، لكن المسيحيين الغنوصيين تجاهلوا الشهادة وأنكروا كلاً من واقع موت يسوع وأهميته الافتدائية. إن تحليل باجلز منحص بالقرنين الثاني والثالث ويعني أن الفهم الأرثوذكسي لتقليد موت يسوع يظهر من جديد في القرن الثاني رداً على الغنوصية.
وبذلك يثار السؤال: هل يعكس هذا النقاش الأخير قلق المسيحية في القرن الأول من علاقة موت يسوع واضطهاد المسيحيين واستشهادهم؟ وتربط الكتابات الأولى للعهد الجديد، رسالة ثيسالونيانز الأولى، “محاكاتنا مع الرب” بالمعاناة (1: 6، 2: 14-16[مصداقيتها محل نزاع]، 3: 3-5).
أما “ق” فيربط بصورة أوثق بين الاثنين في كلام يسوع حول حمل الصليب واتباعه (لوقا 14: 27). ويؤكد إنجيل مرقص على الاتباع عن طريق الصليب (8: 34). في البداية، يربط بطرس معاناة المؤمن الصادقة بمعاناة يسوع المسيح، قائلاً” من أجل هذه [المعاناة] استدعيت، لأن يسوع المسيح عانى من أجلك أيضاً، تاركً لك مثالاً تحتذي به.” (2: 21).
يمكن إيراد الكثير من هذه الأمثلة، لكن قيل ما فيه الكفاية لإظهار أن المسيحيين في القرن الأول كانوا يربطون بصورة وثيقة بين موت يسوع وبين موت المسيحين تحت الاضطهاد، مؤكدين على أهمية (وضمنياً، حقيقة) كليهما. لا يوجد دليل واضح من العهد الجديد يظهر كيف كان المسيحيون الغنوصيون الأوائل ينظرون إلى الاستشهاد، فلم تظهر وجهة نظرهم حتى القرن الثاني.
فأي تحليل لهذا الموضوع في القرن الثاني والثالث لين يكون كاملاً دون تتبع أسلافه في كتابات مسيحية سابقة، حيث تمتاز هذه الأسلاف بأهمية خاصة إذا ما سعى أحد ما لاستخدام هذه القضية للإجابة عن سؤال أهم وأشمل فيما إذا كانت الغنوصية التي تطورت بصورة كاملة في القرن الثاني هي الوريثة الشرعية لفرق المسيحية في القرن الأول. ويصبح هذا السؤال دقيقاً عند تقييم إنجيل توما الذي سنناقشه الأن.
إنجيل توما
عن إنجيل توما الذي فُقد لفترة طويلة، وكان هيبوليتوس وأوريجانوس قد روياه تم اكتشافه من جديد في عام 1945 بين وثائق نجع حمادي. ويقول التذييل المكتوب باللغة القبطية: “إنجيل توما”، وهو يبدأ: “هذه هي الكلمات الخفيّة التي نطق بها يسوع الحي، ودوّنها يهوذا توما التوأم”. وتضم هذه الوثيقة 114 قولاً ليسوع وفقاً للتقسيم العلمي للحديث. وتأتي هذه الأقوال بأشكال متعددة: أمثال وغيرها من أقوال الحكمة، حكايات رمزية، أقوال نبوية، وحوارات مختصرة جداً.
ويتطابق عملياُ نحو ربع هذه الأقوال، عادة الأقوال القصيرة، مع أقوال واردة في الأناجيل السينوبتية. ويتشابه تقريباً نحو نصف الأقوال مع تلك الواردة في الأناجيل الكنسية، وما يتراوح بي ربع وثلث الأقوال هي أقوال غنوصية واضحة لكن بصورة لاهوتية مختلفة عن البقية، وكثيراً ما تنظم كلمات تثير الاهتمام هذه الأقوال.
فإنجيل توما لا يحتوي على عناوين مسيحانية، ولا مواد سردية، ولا يشير أي ذكر ضمن الأقوال الواردة فيه إلى أي عمل قام به يسوع ولا يشير إلى أي حادث في حياته. فهو مؤرخ بعد الـ 70 وقبل 140 تقريباً، الفترة التي حددها علماء الآثار للوثائق المكتوبة على ورق البردي، حيث يصعب التوصل إلى المزيد من الدقة خلال هذه الفترة، على الرغم من أن أغلبية المفسرين حددوا تاريخ كتابته في القرن الثاني، مدركين أن الكثير من تقاليده الشفهية تعود لفترة أقدم بكثير من تلك الفترة.
وحددت الأغلبية أن كتابته تمت في سوريا، حيث كانت تقاليد توما، المؤلف المتخيل لهذا الكتاب، قوية. كما يظهر العمل في القولي 12 أصلاً يهودياً مسيحياً عندما يتم مدح يعقوب أخي يسوع، ومن هناك ينتقل إلى ما هو أبعد: المسيحية اللايهودية (القول 53، التطهير الروحاني).
من بين الأناجيل غير المدرجة في القانون الكنسي، يعد إنجيل توما، على أكثر تقدير، بأنه الإنجيل الذي يدعي أنه يحتفظ بعدد كبير من أقوال يسوع الحقيقية. ويمكنك هنا ان تقرأ نصه الكامل: نص إنجيل توما الغنوصي المنحول بالغة العربية
الإنجيل بحسب توما
يعتمد البرهان على استقلالية ومن ثم قيمة تقاليد أقوال يسوع في إنجيل توما على ثلاثة عوامل رئيسية.
العامل الأول: وهو النوع الأدبي، بصفته مجموعة من الأقوال يمثل إنجيل توما النوع الأدبي الذي جُمعت فيه مواد يسوع الأولى ومن ثم انتقلت، كما هو الحال في “ق”، فلا يمكن العثور على مثل هذه المجموعات بعد عام 150م تقريباً، فقد تم استيعاب النوع الأدبي للأقوال في شكل حواري. لذا، فمن المحتمل أن تكون جذور إنجيل توما منبثقة عن مجموعة سابقة يعود تاريخها إلى القرن الأول.
العامل الثاني: هو ترتيب الأقوال، حيث أن الأقوال الواردة في إنجيل توما مستقلة عن الترتيب الوارد في الأناجيل السينوبتية. ويعود سبب ذلك إلى تركيبة كلماته المثيرة للاهتمام، فهي كلمات نمطية للتقليد الشفهي. وإلى بنيته غير السردية البتة، بالإضافة إلى عوامل أخرى.
وهذا الترتيب المختلف يجعل من غير المرجح أن يكون توما من الناحية الأدبية اعتمد على الأناجيل السينوبتية. وأحياناً يتوافق إنجيل توما وإنجيل لوق في الترتيب خلافاً لإنجيل مرقص، لكن هذا التوافق لا يعني أن توما استخدم إنجيل لوق، بل يمكن أن يفسر على أنه شكل مختلف لتقاليد “ق” المشتركة بين لوقا وتوما.
العامل الثالث: يقول تاريخ الجدال حول التقاليد أن إنجيل توما عادة ما يقدم أقوال يسوع بشكل يسبق ذاك الشكل الموجود في الأناجيل السينوبتية، فعلى سبيل المثال، قصص يسوع في إنجيل توما أقل مجازاً بكثير من تلك الموجودة في الأناجيل السينوبيتة، كما في القول 65/ قصة الأزواج الأشرار.
وإن الشكل الموجود في إنجيل توما أبسط وأقصر من تلك الأشكل الموجودة في الأناجيل السينوبتية (مرقص 12: 1-12 على نحو متساو)، كما أنها لا تشير إلى أشعيا (5: 1-2)، ولا يظهر أي أثر للمجازية. وهكذا، فإنه يمكن القول إن الشكل الوارد في إنجيل توما قد يكون أقرب إلى الشكل الأول للقصص التي طرحها يسوع.
إن معالجة أقوال يسوع في إنجيل توما محكومة بأهدافه اللاهوتية، التي يمكن وصفها بأنها “شبه غنوصية”، أو “جعلها غنوصية” أي على طريق الغنوصية (الأقوال 18، 29، 83-84). فحتى هذه اللحظة لا تتوفر الكوزمولوجيا (علم الكون)، ولا الميثولوجيا (علم الأساطير) الرسمية الخاصة بالغنوصية. ويظهر السياق السردي القصير لعدد قليل من الأقوال (22، 60، 100) أن إنجيل توما لا يحتوي على مشاهد ما بعد القيامة، كما هو الحال في جميع الأناجيل الغنوصية تقريباً.
فيسوع هو حصراً كاشف التعاليم الخفية الذي يجلب الخلاص عن طريق تعاليمه فقط. وكما تقول العبارة الأولى في إنجيل توما: “من يكتشف تأويل هذه الأقوال لين يذوق الموت”. إن العالم وجسم الإنسان أشرار تماماً وإلى الأبد (27، 56، 80، 111)، الأنوثة تتساوى مع السقوط: “فأن كل أنثى تجعل نفسها ذكراً تدخل ملكوت السموات” (114، قارن مع 22). إن المسيحانية متاحة فملكوت الله خارج الزمان والمكان، ولكن دائماً موجودة، ويدخلها الناس عن طريق معرفة الذات (3، 49، 50، 113).
التلمذة فردية، وليست مسألة مجتمع، فكلمة “أنت” في إنجيل توما دائماً تأتي بصيغة المفرد، في حين أنها تأتي دائماً بصيغة الجمع في الأناجيل السينوبتية. فالفرد يجب أن يطوف هذه الحياة رافضاً جميع أشكال التملك، والجنس، والأسرة، والأعمال الدينية الرسمية مثل الصوم والصلاة والتضحية والتطهير والختان (6، 14، 42، 53، 55، 60، 89، 99، 101، 104).
ماذا يقدم إنجيل توما لدراسة يسوع التاريخي؟ من الواضح أنه لا يقدم أي سرد عن حياة أو موت أو قيامة يسوع التاريخي. ومع ذلك، تلتقي المجموعة الغنية من الأقوال الواردة في إنجيل توما، حيث تعود أكثر تلك الأقوال إلى مراحل مبكرة من تقاليد يسوع، تلقي بالضوء على مقاطع مشابهة في الأناجيل السينوبتية. ويرى العديد من العلماء تياراً مستقلاً من التقاليد في هذه الأقوال، وهذه هي القيمة الأساسية في إنجيل توما فيما يتعلق بدراسة يسوع.
لكن يجب تحليل هذ الأقوال كل قول على حدة، ومن الصعب أن تصدر حكماً عامً على قيمة تلك الأقوال. كما يجب الأخذ بعين الاعتبار بُعدها عن يسوع لاهوتياً وزمنياً. ومن الواضح وجوب إسقاط الأقوال التي تعكس إي اتجاه غنوصي واضح من الاعتبار، وما يتبقى هو ذو قيمة ممكنة لفهم تعاليم يسوع، ولفهم الأقوال الفردية والمعنى العام.
على سبيل المثال، قد يشير عدم وجود ألقاب مسيحانية في إنجيل توما إلى أن يسوع لم يطالب بتلك الألقاب لنفسه. أيضاًن لو قمنا بتصفية الروحانية الغنوصية من تعاليم يسوع لتلاميذه، سيكون لدينا المزيد من الأدلة على الجذابين المتجولين المتطرفين الذين، مع آخرين، بشروا بالرسالة الأولى حول يسوع. قد يكون الموقت الاجتماعي المتطرف لبعض فرق المسيحية الأولى وجد موطناً جديداً في المسيحية الغنوصية في القرن الثاني.
[1] إن أجزاء من هذا القسم ومن الأقسام أدناه حول إنجيل بطرس والأدب اليهودي المسيحي مأخوذة من مقالة المؤلف: “أوصاف لموت يسوع التاريخي من خارج إطار القانون الكنسي” في موت يسوع التاريخي في المسيحية المبكرة، تحرير جون كارول وجويل ب غرين (بيبودي، ماساتشوستس: هندريكسون، 1995) 148-161.
[2] عندما نسب الغنوصيون تعاليمهم إلى يسوع، كان يسوع التاريخي المتأله هو الذي تفوه بتلك التعاليم. وحتى الأقوال التي تشهد تقاليد أخرى بأنها تعود ليسوع الدنيوي. فيما أصبح يعرف بالمسيحية الأرثوذكسية، ترد معظم تعاليم يسوع على أنها مستمدة من فترة دعوته العامة، قبل موته وقيامته. وتقول بعض الأبحاث الحديثة بأن الأعراف التي تجمعت في الأناجيل الكنسية تميل إلى إرجاع أشكال معينة لكلام السيد المسيح الألوهي والتي جاءت عن طريق الأنبياء إلى حياة يسوع الدنيوية، الأمر الذي يتعارض مع الغنوصية.
أدب نجع حمادي: يسوع مفشي المعرفة الخفية – يسوع التاريخي
هل كان شخص يسوع المسيح موجوداً حقاً، أم أنّ المسيحيّة أسطورة مبنيّة على شخصيّة وهميّة مثل شخصيّة هاري بوتر؟
منذ حوالي ألفي سنة اعتبر معظم عالمنا يسوع المسيح بأنه رجل حقيقيّ لهشخصيّة استثنائيّة، وقيادة، وسلطة على الطبيعة. ولكن اليوم يقول البعض بأنه لم يكن موجوداً أبداً.
بدأت المجادلة ضدّ وجود يسوع، والمعروفة بنظريّة “أسطورة المسيح”،بعد سبعة عشر قرناً منذ أن قيل أنّ يسوع سار على التلال الصّخرية في اليهودية.
تلخّص إلين جونسون، رئيسة منظمة المُلحدين الأمريكان، وجهة نظر أسطورة المسيح على شاشة تلفزيون سي إن إن في برنامج لارّي كينغ لايف كما يلي:
“لا توجد أيّة ذرّة من الدّلائل العلمانيّة بأنّه كان يوجد شخص يسوع المسيح إطلاقاً… يسوع هو عبارة عن تجميع من الآلهة الأخرى… الذين كان لديهم نفس الأصول، ونفس اختبار الموت مثل الأسطوري يسوع المسيح.”
فأجابها مضيف البرنامج وهو في غاية الذّهول: “إذاً أنتِ لا تؤمنين إنه كان هناك يسوع المسيح؟”
فأطلقت جونسون صرختها، “لم يكن هناك… لا يوجد أيّ دليل علماني أنّ يسوع المسيح قد وُجد على الإطلاق.” فطلب كينغ على الفور فاصِلاً لعرض الإعلانات. وتُرك مشاهدو برنامج التلفزيون العالمي في حالة من الإستغراب. [1]
في سنواته الأولى كمُلحد، كان عالم الأدب بجامعة أوكسفورد، سي إس لويس، يعتبر يسوع المسيح كأسطورة أيضاً، ظناً منه أنّ كلّ الدّيانات كانت مجرّد تلفيقات. [2]
وبعد سنوات، كان لويس يجلس قرب النار في غرفة النوم بأوكسفورد مع صديق له كان يصفه كـ “أقسى مُلحد هائج من كلّ المُلحدين الذين عرفتهم على الإطلاق.” وفجأة باغته صديقه بهذه الكلمات، “كان الدّليل على تاريخيّة الأناجيل عظيماً حقاً وبصورة مدهشة… لقد بدا تقريباً كأنّ الأمر حدث فعلاً مرّة واحدة فقط.” [3]
فصُعق لويس لسماعه ذلك. إنّ ملاحظة صديقه بأنّ هنالك دليلاً حقيقيّاً عن يسوع دفعت لويس ليتقصّى الحقيقة بنفسه. فكتب ابحاث عن الحقيقة حول يسوع المسيح في كتابه الكلاسيكي “المسيحيّة المُجرّدة.”
فما هو الدّليل الذي اكتشفه صديق لويس عن يسوع المسيح؟
التاريخ القديم يتكلّم
دعونا نبدأ بسؤال أساسي بمستوى أعمق: كيف يمكننا أن نميّز شخصيّة خرافيّة من إنسان حقيقي؟ على سبيل المثال، ما هو الدّليل الذي يقنع المؤرّخين أنّ الأسكندر الأكبر كان شخصاً حقيقياً؟ وهل هناك مثل هذه الأدلّة عن وجود يسوع؟
لقد وُصف كلّ من الإسكندر ويسوع بالقادة اللذين تمتعا بالشّعبيّة. وكُتب عن كليهما أنهما كانا يحظَيان بمِهَنٍ بسيطة، وقد توفّيا في أوائل الثلاثينات من العمر. قيل عن يسوع أنه كان رجل سلام وكان يغلب بمحبّته، بينما الأسكندر كان رجل حرب وكان يسيطر بقوّة السّيف.
في سنة ٣٣٦ قبل الميلاد، أصبح الإسكندر الأكبر ملك مكدونيّة. وإذ كان عسكرياً عبقريّاً، اجتاح هذا القائد الوسيم والزعيم المتعجرف القرى، والمدن، والممالك من اليونان وبلاد فارس، حتى صار يحكم الكلّ. ويقال أنه بكى عندما لم يبقَ هنالك عوالم أخرى ليقهرها.
لقد سُجّل تاريخ الإسكندر من خمسة مصادر قديمة، كُتبت ثلاثمئة سنة أو أكثر من بعد وفاته. [4] ولا يوجد شاهد عيان واحد لقصص الأسكندر على الإطلاق.
ومع ذلك، فالمؤرّخون يعتقدون أنّ الإسكندر عاش حقاً، وذلك يعود إلى حدّ كبير لأنّ قصص حياته قد تأكّدت صحّتها من خلال علم الآثار، وتأثيره على التاريخ.
كذلك، لتحديد ما إذا كان يسوع شخصاً حقيقيّاً، علينا أن نبحث عن أدلّة تثبّت وجوده في النواحي التالية:
١- علم الآثار ٢- قصص لغير المسيحيّين الأوائل ٣- قصص للمسيحيّين الأوائل ٤- مخطوطات العهد الجديد الأوليّة ٥- أثـر تاريخي.
علم الآثــار
لقد دفنت رمال الزّمن الكثير من الأسرار عن يسوع والتي أظهرت للنور في الآونة الأخيرة فقط.
ولعلّ أهم الاكتشافات هي عدّة مخطوطات قديمة اكتُشفت بين القرنين الثامن عشر والعشرين. سوف ننطرّق بأكثر تمعّن الى هذه المخطوطات في جزء لاحق.
وقد اكتشف علماء الآثار أيضا العديد من الأماكن والأثار التي تتفق مع قصص يسوع في العهد الجديد. وكان مالكولم ماجيريدج، الصحفي البريطاني، يعتبر يسوع أسطورة حتى رأى مثل هذا الدّليل خلال مهمّة تلفزيونيّة لشاشة البي بي سي إلى إسرائيل.
بعد إبلاغه عن ذات الأماكن الموجودة في قصص يسوع بالعهد الجديد،كتب ماجيريدج، “لقد شدّني أمرٌ يقينيّ بخصوص ولادة يسوع، إرساليّته وصلبه… أصبحتُ أدركُ أنّه كان هناك حقاً شخصاً، يسوع…” [5]
غير أنه، قبل القرن العشرين لم يوجد أيّ دليل ملموس للحاكم الرّوماني،بيلاطس البنطي، ورئيس الكهنة اليهودي، يوسف قيافا. وكان كلا الرّجلين من الشخصيّات الأساسيّة في المحاكمة التي أدّت الى صلب المسيح. وأشار المشكّكون الى هذا النقص الواضح في الأدلّة كذخائر لنظريّتهم عن أسطورة المسيح.
ومع ذلك، ففي عام ١٩٦١ اكتشف علماء الآثار كتلة من الحجر الجيريمنقوش عليها اسم “بيلاطس البنطي حاكم اليهوديّة.” وفي عام ١٩٩٠اكتشف علماء الآثار أيضاً صندوقاً لعظام الموتى (علبة عظام) مع نقش لاسم قيافا. وقد تمّ التحقّق من أنها أصليّة “من دون أدنى شكّ.” [6]
كذلك حتي عام ٢٠٠٩، لم يكن هناك دليل ملموس أنّ مدينة الناصرة التي نشأ فيها يسوع كانت موجودة خلال حياته. فاعتبر المشكّكون، أمثال رينيه سالم، أنّ نقص دليل مدينة الناصرة للقرن الأول يشكّل ضربة قاضية على المسيحيّة. وفي كتابه “أسطورة الناصرة” كتب سالم في عام ٢٠٠٦،“احتفلوا، أيّها المفكرين الأحرار… فالمسيحيّة كما نعرفها قد تكون قادمة أخيراً الى النهاية.” [7]
إلاّ أنه في ٢١ ديسمبر ٢٠٠٩، أعلن علماء الآثار اكتشاف شظايا من الطين تعود للقرن الأول في مدينة الناصرة، مؤكدين أنّ هذه القرية الصّغيرة كانت موجودة في زمن السّيد المسيح ورغم أنّ هذه الاكتشافات الأثرية لا تثبّت أنّ يسوع عاش هناك فعلاً، إلاّ أنها تدعم قصص الإنجيل عن حياته. كما يلاحظ المؤرّخون أنّ هذه الأدلّة المتزايدة من قبل علماء الآثار تؤكد قصص يسوع بدل أن تعارضها.” [8]
قصص لغير المسيحيّين الأوائل
يذكر المشككون، أمثال إيلين جونسون، أنّ النقص في التاريخ العلماني عن يسوع يُعتبر دليلاً بأنه لم يكن موجوداً.
الا أنه لا يوجد سوى القليل جداً من الوثائق عن أيّ شخص منذ زمن المسيح. فمعظم الوثائق التاريخيّة القديمة قد تمّ إتلافها على مرّ القرون، منخلال الحروب، والحرائق، والنهب، أو بكل بساطة، من خلال العوامل الطقسيّة والاهتراء.
بالنسبة لـ إ. م. بليكلوك، الذي جمع معظم كتابات الغير مسيحيّين للإمبراطوريّة الرّومانية، “عمليّاً، لا يوجد شيْ منذ زمن المسيح،” حتى لأعظم القادة العلمانيين كيوليوس قيصر. [9] ومع ذلك لا يتساءل أيّ مؤرّخ عن وجود القيصر.
وبما أنه لم يكن زعيماً سياسيّاً أو عسكريّاً كبيراً، فإنّ دارّيل بوك يدوّن، “من المثير للدّهشة والاهتمام أنّ يسوع يظهر في كلّ المصادر التي لدينا.” [10]
إذاً، ما هي تلك المصادر، يذكر بوك؟المؤرّخين الأوائل الذين كتبوا عن يسوع الذي لم يكن لديهم ميل مسيحي؟ قبل كلّ شيء، دعونا نلقي نظرة على أعداء يسوع:
المؤرّخون اليهـود: كان اليهود أكثر الناس استفادة من إنكار وجود يسوع. لكنهم طالما اعتبروه شخصاً حقيقيّاً. “فالعديد من الكتابات اليهوديّة تشير الى أنّ يسوع المسيح شخص حقيقيّ وأنهم عارضوه. [11]
كتب المؤرّخ اليهودي المعروف فلافيوس جوزيفوس عن يعقوب، “أخو يسوع المدعو المسيح.” [12] لو لم يكن يسوع شخصاً حقيقّياً، لماذا لم يقل جوزيفوس شيئاً عن ذلك؟
وفي مقطع آخر، مثير للجدل إلى حدّ ما، يتحدّث جوزيفوس على نطاق أوسع عن يسوع[13] .
في هذا الوقت كان هناك رجل يدعى يسوع. كان سلوكه جيّداً، وكان معروفاً بأخلاقه الفاضلة. وأصبح كثير من الناس من بين اليهود والأمم الأخرى تلاميذه. بيلاطس حكم عليه بالصّلب، ومات. والذين أصبحوا تلاميذه لم يتخلوا عن كونهم تلاميذه. وأفادوا أنه كان قد ظهر لهم بعد ثلاثة أيام من صلبه وأنه كان حيّاً. وبناءً على ذلك، كان يُعتقد أنه المسيّا.” [14]
وعلى الرّغم من أنّ بعض كلماته لا تزال محض النزاع، إلا أنّ تأكيد جوزيفوس هنا عن وجود يسوع مقبول على نطاق واسع من قبل العلماء. [15]
يكتب الباحث الاسرائيلي، شلومو باينز، “حتى أكثر المعارضين مرارة في المسيحيّة لم يعبّروا إطلاقاً عن أيّ شك حول ما إذا كان يسوع قد عاش حقاً.” [16]
ويلاحظ المؤرّخ العالمي، وويل ديورانت، أنه لا يوجد أيّ شخص يهودي أو أممي من القرن الأول قد أنكر وجود يسوع على الإطلاق.[17]
مؤرّخون رومان: كتب المؤرّخون الرّومان الأوائل في المقام الأوّل عن الأحداث والأشخاص المهمّين لإمبراطوريّتهم. وبما أنّ يسوع لم يكن له أهميّة مباشرة في الشؤون السّياسيّة أو العسكريّة لروما، فإنّ القليل جداً من التاريخ الرّوماني يشير إليه. ومع ذلك، فاثنين من المؤرّخين الرّومان المهمّين، تاسيتوس وسيوطونيوس، يعترفون بيسوع كشخص حقيقي.
تاسيتوس (٥٥ – ١٢٠م)، أعظم المؤرّخين الرّومان الأوائل، كتب أنّ كريستوس (تعني باليونانيّة المسيح) قد عاش في عهد طيباريوس و “تألم على أيدي بيلاطس البنطي، وأنّ تعاليم يسوع قد انتشرت بالفعل إلى روما، وأنّ المسيحيّين كانوا يُعتبروا مُجمرمين وقد تعرّضوا لشتى أنواع التعذيب، بما في ذلك الصّلب.” [18] سيوطونيوس (٦٩ – ١٣٠م)، كتب عن “كريستوس” كمحرّض. معظم العلماء يعتقدون أنّ هذا إشارة الى السّيد المسيح. كما كتب سيوطونيوس أيضاً عن المسيحيّين وكيف تعرّضوا للإضطهاد من قبل نيرون في عام ٦٤م. [19]
مسؤولون رومان: كان المسيحيّون يُعتبرون أعداء روما بسبب عبادتهم ليسوع كربّ بدلاً من قيصر. وقد كتب المسؤولون الحكوميّون الرّومان، التالية أسماءهم، ومن بينهم اثنان من القياصرة، رسائل من هذا المنظور، مُشيرين الى يسوع وأصول المسيحيّين الأوائل. [20]
كان بليني الأصغر قاضي الإمبراطوريّة تحت الإمبراطور تراجان. وفي عام ١١٢م، كتب بليني الى تراجان عن محاولاته لإجبار المسيحيّين أن ينكروا المسيح، الذي كانوا “يعبدونه كإله.”
كتب الإمبراطور تراجان (٥٦ – ١١٧م) رسائل يذكر فيها يسوع المسيح وأصول المسيحيّين الأوائل.
كتب الإمبراطور هادريان (٧٦ – ١٣٦م) عن المسحيّين باعتبارهم أتباع يسوع.
مصادر وثنية: هناك العديد من الكتاّب الوثنيّين الأوائل الذين كتبوا بإيجاز عن يسوع وعن المسيحيّين قبل نهاية القرن الثاني. من ضمن هؤلاءثالّوس، فليغون، مارا بار سيرابيون، ولوسيان السّاموساطي[21]. وقد دُوّنت ملاحظات ثالّوس عن يسوع في عام ٥٢م، حوالي عشرين سنة بعد المسيح.
وبالإجمال، تسعة من الكُتاب العلمانيّين الأوائل، الغير مسيحيّين، ذكروا يسوع كشخص حقيقي في غضون ١٥٠ سنة من موته. ومن المثير للإهتمام، أنّ هذا هو نفس العدد من الكُتاب العلمانيّين الذين ذكروا طيباريوس قيصر، الإمبراطور الرّوماني في خلال حياة يسوع. وإذا كنا لنعتبر المصادر المسيحيّة وغير المسيحيّة، فيوجد اثنان وأربعون مصدراً ذكروا يسوع، مقابل عشرة فقط لطيباريوس. [22]
حقائق تاريخيّة عن يسوع:
هذه المصادر الأوليّة الغير مسيحيّة توفر لنا الحقائق التالية عن يسوع المسيح:
كان يسوع من الناصرة.
عاش يسوع حياة حكيمة وفاضلة.
صُلب يسوع في اليهوديّة على أيدي بيلاطس البنطي في أيام حكم طيباريوس قيصر في وقت عيد الفصح، وكان يُعتبر ملك اليهود.
كان تلاميذ يسوع يؤمنون أنه مات وقام من الموت بعد ثلاثة أيّام.
اعترف أعداء يسوع بأنه أنجز مهارات خارقة.
تزايد عدد تلاميذ يسوع بشكل سريع، وامتدّوا حتى روما.
عاش تلاميذ يسوع حياة أخلاقية وعبدوا يسوع المسيح بمثابة الله.
هذا الموجز العام لحياة يسوع يتوافق تماماً مع العهد الجديد. [23]
يدوّن جاري هابارماز، “بالإجمال، نحو ثلث هذه المصادر الغير مسيحيّة يعود تاريخها للقرن الأول، وأغلبيّتها نشأ في موعد لا يتجاوز منتصف القرن الثاني.” [24] ووفقاً لموسوعة البريطانية“هذه القصص المستقلة تثبّت أنه في العصور القديمة حتى أعداء المسيحيّة لم يشكّوا أبداً بتاريخيّة يسوع.” [25]
قصص المسيحيّين الأوائل
كتب المسيحيّون الأوائل الآلاف من الخطب والرّسائل والتعليقات حول يسوع. كما ظهرت قوانين الإيمان التي تتحدّث عن يسوع المسيح في وقت مبكّر لا يتعدّى الخمس سنوات من صلبه. [26]
هذه المخطوطات الغير كتابيّة (ليست من الكتاب المقدّس) تؤكد معظم تفاصيل العهد الجديد عن يسوع، بما في ذلك صلبه وقيامته. [27]
وممّا لا يصدّق، فقد تمّ اكتشاف أكثر من ٣٦٠٠٠ من هذه المخطوطات المماثلة، بشكل كامل أو جزئيّ، وبعضها يعود للقرن الأول. [28] وهذه المخطوطات الغير كتابيّة يمكنها إعادة بناء كلّ العهد الجديد باستثناء عدد قليل من الآيات. [29]
كلّ من هؤلاء المؤلفين يكتب عن يسوع المسيح كشخص حقيقي. تجاهل مختلقوا اسطورة المسيح هذه القصص واعتبروها متحيّزة. ولكن السؤال الذي يجب أن يجيبوا عليه هو: كيف يمكن ليسوع الأسطوري أن يُكتب عنه بهذا القدر الكبير في غضون بضعة عقود من حياته؟
العهد الجديد
يرفض المشككون، أمثال إلين جونسون، العهد الجديد كدليل على يسوع، ويصفوه بأنه “منحاز”. ومع ذلك، فإنّ معظم المؤرّخين الغير مسيحيّين يعتبرون مخطوطات العهد الجديد القديمة كأدلّة دامغة عن وجود يسوع.ومؤرّخ جامعة كامبريدج، مايكل غرانت، وهو ملحد، يحاجّ بأنّه ينبغي اعتبار العهد الجديد كدليل بنفس الطريقة التي نعتبر فيها أيّ تاريخ قديم آخر:
إن كنا نطبّق على العهد الجديد، كما ينبغي علينا، نفس النوع من المعايير التي يجب أن نطبقها على الكتابات القديمة الأخرى التي تحتوي مواد تاريخيّة، فلا يمكننا إذاً أن نرفض وجود يسوع أكثر ممّا يمكننا رفض وجود كتلة من الشخصيّات الوثنيّة التي لم يشكّ أحد أو يتساءل عن حقيقتها إطلاقاً. [30]
إنّ الأناجيل (متى، مرقس، لوقا، ويوحنا) هم القصص الأساسيّة لحياة يسوع وكلامه. يبدأ لوقا إنجيله بهذه الكلمات إلى ثاوفيلس: “رأيت انا ايضا اذ قد تتبعت كل شيء من الاول بتدقيق ان اكتب على التوالي اليك ايها العزيز ثاوفيلس.” [31]
في الأصل، رفض عالم الآثار الشّهير، السّير وليام رامزي، قصّة لوقا التاريخيّة عن يسوع. إلاّ أنه عاد في وقت لاحق واعترف قائلاً، “إنّ لوقا هو مؤرّخ من الطراز الأول… ويجب أن يوضع هذا المؤلف جنباً إلى جنب مع أعظم المؤرّخين على الإطلاق… فتاريخ لوقا لا يسبقه تاريخ آخر فيما يتعلق بإخلاصه الشّديد والثقة به.” [32]
كتبت قصص الإسكندر المبكرة بعد ٣٠٠ سنة من موته. ولكن كم كانت الأناجيل قريبة من حياة يسوع حين كتبت؟ هل كان لا يزال هناك شهود عيان ليسوع على قيد الحياة، أم كان هناك وقت كاف لكي تتطوّر حينذاك أسطورة؟
في ما يقرب عام ١٨٣٠، جادل العلماء الألمان أنّ العهد الجديد كُتب في القرن الثالث، وهو وقت متأخر جداً ليكون قد كتب بواسطة رُسُل يسوع. ومع ذلك، فقد أثبتت نسخ المخطوطات التي اكتشفت في القرنين التاسع عشر والعشرين، بواسطة علماء الآثار، أنّ قصص حياة يسوع هذه قد كُتبت قبل ذالك بكثير.
وقد سجّل ويليام آلبرايت تاريخ جميع كتب العهد الجديد لحوالي ما بين ٥٠م و٧٥م [33]“ أما جون أ. ت. روبنسون، من جامعة كامبريدج، فيسجّل تاريخ جميع كتب العهد الجديد لما بين ٤٠م و٦٥م. فتاريخ مبكر من هذا القبيل يعني أنها كتبت عندما كان لا يزال هناك شهود عيان على قيد الحياة، وهو وقت مبكر جدّاً كيما تتطوّر خرافة أو أسطورة[34].
بعد أن قرأ سي. إس. لويس الأناجيل، كتب، “والآن، كمؤرّخ أدبيّ، أنا مقتنع تماماً أنّ… الأناجيل… ليست أساطير. لقد قرأت الكثير من الأساطير وأنا مستوضح جدّاً أنّ هذه الكتب ليست من نفس النوع.” [35] إنّ كميّة المخطوطات للعهد الجديد هائلة. فأكثر من ٢٤٠٠٠ نسخة، كاملة أو جزئيّة، من نسخ المخطوطات لا يزال موجوداً، مما جعلها أعلى بكثير من جميع الوثائق القديمة الأخرى. [36]
لم يتم دعم أيّ شخص تاريخي قديم آخر، ديني أو علماني، بنفس كميّة الأوراق الثبوتيّة مثل يسوع المسيح. ويصرّح المؤرّخ بول جونسون، “إذا اعتبرنا أنّ تاسيتوس، على سبيل المثال، نجا في مخطوطة واحدة فقط في القرون الوسطى، فإنّ كمية مخطوطات العهد الجديد المبكرة لافتة للنظر.” [37]
أثـر تاريخي
ليس للأساطير إلاّ القليل، إن وجد، من التأثير على التاريخ. فقد قالالمؤرّخ توماس كارمايكل، “إنّ تاريخ العالم ليس إلاّ سيرة الرّجال العظماء.” [38]
ليس هناك أمة أو نظام يدين بتأسيسه أو تراثه لشخص أو إله أسطوري.
ولكن ماذا كان تأثير يسوع المسيح؟
لم يشعر المواطن الرّوماني العادي بتأثيره إلاّ بعد مضي سنوات عديدة من وفاته. فيسوع لم ينظّم جيشاً. ولم يكتب أيّ الكتب ولم يغيّر القوانين. وكان زعماء اليهود والقياصرة الرّومان يأملون في محو ذكراه، وبدا كأنهم سينجحوا.
أمّا اليوم، فكلّ ما نراه من روما القديمة هو الأطلال. فقد تلاشت جحافل القيصر العظيمة وأبّهة السّلطة الأمبراطوريّة الرّومانية وأصبحت في غياهب النسيان. مع هذا، كيف لا يزال يسوع يُذكر اليوم؟ ما هو تأثيره الدّائم؟
كُتِبَ عن يسوع كمّية أكثر ممّا كُتِبَ عن أيّ شخص آخر في التاريخ.
استَخدمت الأمم كلماته بمثابة الأساس الوطيد لحكوماتهم. وبالنسبة لديورانت، “لقد كان انتصار المسيح بداية الدّيموقراطيّة.” [39]
أنشأت موعظته على الجبل نموذجاً جديداً في الأخلاق والآداب العامّة.
وقد تأسّست مدارس ومستشفيات وأعمال إنسانيّة تحت إسمه. كما أنشأ أتباعه أكثر من مئة جامعة عظيمة – بما في ذلك هارفارد وييل وبرنستون ودارتماوث وكولومبيا وأوكسفورد. [40]
إنّ دور النساء المرتفع في الثقافة الغربيّة يعود جذوره إلى يسوع. (فكانت النساء في أيّام يسوع تُعتبر في منزلة أدنى، وفي الظاهر نكرة، الى حين اتباع تعاليمه.)
تمّ إلغاء الرّق في بريطانيا وأمريكا بسبب تعاليم يسوع أنّ حياة كلّ إنسان هي قيّمة.
والمثير للدّهشة، أنّ يسوع المسيح حقّق كل هذا التأثير كنتيجة لفترة ثلاث سنوات فقط من الإرساليّة العامّة. عندما سُئِل الكاتب والمؤرّخ العالمي المشهور، هـ. ج. ويلز، من الذي ترك أعظم تراث في التاريخ، أجاب، “من خلال هذا الإختبار، يسوع يقف الأول.” [41]
كتب مؤرّخ جامعة ييل، ياروسلاف بيليكان، “بغض النظر عمّا يظنّ أو يعتقد أيّ شخص عنه، فقد كان يسوع الناصّري الشّخصيّة البارزة في تاريخ الثقافة الغربيّة لما يقرب من عشرين قرناً من الزّمان… إنه منذ ولادته ومعظم الجنس البشري يؤرّخ تقويماته، إنّه باسمه يصلي الملايين.” [42]
لو لم يكن يسوع المسيح موجوداً حقاً، فعلى المرء أن يتساءل كيف يُمكن لأسطورة أن تغيّر شكل التاريخ بهذا الشكل.
أسطورة أم حقيقة
في حين وُصفت الآلهة الأسطوريّة كالأبطال الخارقين الذين يعيشون أوهام بشريّة وشهوات، تصِف الأناجيل يسوع المسيح بأنه رجل تواضع ورحمة وشخصيّة ذات أخلاق معصومة من الخطأ. ويقدّمه أتباعه على أنه شخصٌ حقيقي وقد قدّموا حياتهم له عن طيب خاطر.
ذكر العالم الغير مسيحي، ألبرت آينشتاين، “لا أحد يستطيع قراءة الأناجيل دون أن يشعر بوجود يسوع الفعلي. فشخصيّته تنبض في كلّ كلمة. ليس هناك خرافة ممتلئة بمثل هذه الحياة… لا يستطيع أيّ إنسان أن ينكر الحقيقة أنّ يسوع عاش فعلاً، ولا أنّ أقواله جميلة.” [43]
هل يمكن أن يكون موت يسوع وقيامتة قد انتُحلا من هذه الخرافات؟ لقد عُرضت قضيّتهم ضدّ يسوع المسيح في فيلم اليوتيوب، “روح العصر” ، حيث يدّعي المؤلف بيتر جوزيف بكل جرأة،
الواقع هو، أنّ يسوع كان… شخصيّة أسطوريّة…. فالمسيحيّة، جنباً الى جنب مع كلّ أنظمة المعتقدات التوحيديّة الأخرى، هي خداع العصر. [44]
بينما يقارن الإنسان يسوع المسيح في الأناجيل مع آلهة الأساطير، يصبح لديه تمييزاً واضحاً. وعلى النقيض من واقع يسوع المكشوف في الأناجيل،فإنّ القصص عن الآلهة الأسطوريّة تصوّر آلهة غير واقعيّة مع عناصر من الخيال:
ميثرا من المفترض أنّها وُلدت من صخرة.[45]
حورس وُصفت بأنّ لديها رأس صقر. [46]
باخوس وهرقل وغيرهما تمّ نقلهم الى السّماء على الحصان بيغاسوس. [47]
أوزوريس قـُـتِـل، وتقطع الى ١٤ قطعة، ثم إعيد تجميعها من قبل زوجته، إيزيس، وأعيد الى الحياة. [48]
ولكن هل يُمكن أن تكون المسيحيّة قد نسخت موت يسوع المسيح وقيامته من هذه الخرافات؟
بالتأكيد لم يظنّ أتباع يسوع ذلك، بل أعطوا حياتهم عن طيب خاطر مُعلنين أنّ قصّة قيامة يسوع المسيح كانت حقيقيّة.
علاوة على ذلك، “فإنّ قصصاً عن إله يموت ويقوم، والتي توازي نوعاً ما قصّة قيامة يسوع المسيح، قد ظهرت بفترة لا تقلّ عن مئة سنة بعد إعلان قيامة يسوع.” [49]
وبعبارة أخرى، إنّ القصص التي تُروى عن حورس، أوزوريس، وميثرا بأنهم ماتوا وقاموا من الموت، لم تكن في أساطيرهم الأصليّة، ولكن تمّ أضافتها بعد أن كتبت قصص يسوع في الأناجيل.
يكتب ت.ن.د. متّينغر، أستاذ في جامعة لوند، “إنّ إجماع الرّأي بين العلماء العصريّين – وهو رأي عالميّ تقريباً – هو عدم وجود آلهة تموت وتقوم فيما قبل المسيحيّة. بل جميعهم في مرحلة ما بعد تاريخ القرن الأوّل.”[50]
بالنسبة لمعظم المؤرّخين، ليس هناك توازي حقيقي بين أيّ من هذه الآلهة الأسطوريّة ويسوع المسيح. ومع ذلك، فكما يلاحظ سي. إس. لويس، هناك بعض المواضيع المشتركة التي تتحدّث إلى رغبة الإنسان في الخلود.
يروي لويس محادثة دارت بينه وبين ج.ر.ر. تولكين، مؤلف كتاب “سيّد الخواتم” الثلاثيّ الحلقات. “قصة المسيح،” قال تولكين، “هي ببساطة أسطورة صحيحة: أسطورة… بهذا الإختلاف الهائل الذي حدث فعلاً.” [51]
يُخلص الباحث في العهد الجديد، ف.ف. بروس، بقوله “بعض الكُتّاب قد يعبثوا بنزوة ʼأسطورة المسيحʻ، ولكنهم لا يفعلون ذلك على أساس من الأدلة التاريخيّة. فتاريخيّة المسيح هي بديهيّة للمؤرخ الغير مُتحيّز كما هي تاريخيّة يوليوس قيصر. وليس المؤرخون هم الذين يبثون نظريّات ʼأسطورة المسيحʻ.”[52]
كـان هُـنــا رجـل
إذاً، هل يؤمن المؤرّخون أنّ يسوع كان رجلاً أم أسطورة؟
يعتبر المؤرّخون كلّ من الإسكندر الأكبر ويسوع المسيح بمثابة رجال حقيقيّين. ومع ذلك، فإنّ أدلة المخطوطات عن يسوع هي أكبر بكثير وأقرب بمئات السّنين لحياته ممّا هي الكتابات التاريخيّة عن حياة الإسكندر. وعلاوة على ذلك، فإنّ التأثير التاريخي ليسوع المسيح يفوق أكثر بكثير ممّا للإسكندر.
يذكر المؤرّخون الأدلة التالية لإثبات وجود يسوع:
الإكتشافات الأثريّة التي لا تزال تؤكد صحّة قصص الإنجيل عن الناس والأماكن التي سجّلت، وكان آخرها عن بيلاطس وقيافا ووجود الناصرة في القرن الأول.
آلاف الكتابات التاريخيّة التي توثق وجود يسوع. في غضون ١٥٠ سنة من حياة يسوع، يذكره ٤٢ كاتب في كتاباتهم، بما في ذلك تسعة مصادر غير مسيحيّة. خلال تلك الفترة الزمنيّة نفسها، فقط خمسة كتّاب علمانيّون ذكروا طيباريوس قيصر، وفقط خمسة مصادر أبلغوا عن فتوحات يوليوس قيصر. مع ذلك، لا يوجد أيّ مؤرّخ ينفي وجودهم. [53]
يعترف المؤرّخون، علمانيّون ومتديّنون، بكلّ سهولة أنّ يسوع المسيح أثّر على عالمنا أكثر من أيّ شخص آخر.
بعد التحقيق في نظريّة أسطورة المسيح، استنتج المؤرّخ العالمي الكبير، ويل ديورانت، أنّ يسوع، خلافاً لآلهة الأساطير، كان شخصاً حقيقيّاً. [54]
وينصّ المؤرّخ بول جونسون أنّ كلّ العلماء الجادّين يعترفون بيسوع كحقيقة. [55]
يكتب المؤرّخ المُلحد مايكل غرانت، “لنلخّص القول، أنّ الأساليب الحديثة الحرجة تفشل في دعم نظريّة خرافة المسيح. فقد تمّ الرّد عليها مراراً وتكراراً وأبيدت من قِبَل علماء من المرتبة الأولى.” [56]
ولعلّ المؤرّخ الغير مسيحي، هـ. ج. ويلز صاغ أفضل تعبير بخصوص وجود يسوع المسيح:
كان هنا رَجُل. هذا الجزء من القصّة لا يُمكن أن يكون قد لفّق. [57]
هل قام يسوع حقاً من الأموات؟
لقد تكلم شهود عيان يسوع المسيح وتصرّفوا على أساس اعتقادهم أنه قام من بين الأموات بعد صلبه. فلم يكن لأيّ إله من الأساطير، أو لأيّ عقيدة أخرى، أتباعاً بهذا الشّكل من الحماس الموطّد.
ولكن هل علينا أن نأخذ قيامة يسوع المسيح فقط بالإيمان، أم أنّ هناك أدلّة تاريخيّة صلبة؟ لقد بدأ العديد من المشككين تحقيقاتهم في السّجلاّت التاريخيّة لكي يثبّتوا أنّ قصّة القيامة كاذبة. فماذا اكتشفوا؟
7. Rene Salm, “The Myth of Nazareth: The Invented Town of Jesus,” AmericanAtheist.org, December 22, 2009,http://www.atheists.org/The_Myth_of_Nazareth,_Does_it_Really_Matter%3F.
8. Paul Johnson, “A Historian Looks at Jesus,” speech to Dallas Seminary, 1986.
9. Quoted in Josh McDowell and Bill Wilson, Evidence for the Historical Jesus (Eugene, OR: Harvest House, 1993), 23.
10. Darrell L. Bock, Studying the Historical Jesus (Grand Rapids, MI: Baker, 2002), 46.
11. D. James Kennedy, Skeptics Answered (Sisters, OR: Multnomah, 1997), 76.
12. Flavius Josephus, Antiquities of the Jews (Grand Rapids, MI: Kregel, 1966), 423. The quote is from book 20 of the Antiquities.
13. Ibid., 379. Quotation is from the Arabic translation of Josephus’ words about Jesus because some scholars believe the Christian version, which affirmed Jesus’ resurrection as historical, was altered. However, the Arabic translation cited here was under Islamic control, where alterations by Christians would have been virtually impossible.
14. Bock, 57.
15. McDowell and Wilson, 42-43.
16. Ibid., 44.
17. Will Durant, “Caesar and Christ,” vol. 3 of The Story of Civilization (New York: Simon & Schuster, 1972), 555.
18. Quoted in Durant, 281. The quote is from Annals 15:44.
22. Gary R. Habermas and Michael R. Licona, The Case for the Resurrection of Jesus (Grand Rapids, MI: Kregel, 2004), 127.
23. Norman Geisler and Peter Bocchino, Unshakable Foundations (Grand Rapids, MI: Bethany House, 2001), 269.
24. Habermas, “Was Jesus Real”.
25. Quoted in Josh McDowell, Evidence That Demands a Verdict, vol. 1 (Nashville: Nelson, 1979), 87.
26. Habermas and Licona, 212.
27. McDowell and Wilson, 74-79.
28. Norman L. Geisler and Paul K. Hoffman, eds., Why I Am a Christian (Grand Rapids, MI: Baker, 2001), 150.
29. Bruce M. Metzger, The Text of the New Testament (New York: Oxford University Press, 1992), 86.
30. Michael Grant, Jesus: An Historian’s Review of the Gospels (London: Rigel, 2004), 199-200.
31. Luke 1:1-3.
32. Quoted in Josh McDowell, The New Evidence That Demands a Verdict (Nashville: Thomas Nelson, 1999), 61.
33. William Albright, “Toward a More Conservative View,” Christianity Today, January 18, 1993.
34. John A. T. Robinson, Redating the New Testament (Philadelphia: Westminster Press, 1976), 352-3.
35. C. S. Lewis, God in the Dock (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1970), 158.
36. F. F. Bruce, The Books and the Parchments (Old Tappan, NJ: Revell, 1984), 168.
37. Paul Johnson, Ibid.
38. Quoted in Christopher Lee, This Sceptred Isle (London: Penguin, 1997), 1.
39. Will Durant, The Story of Philosophy (New York: Pocket, 1961), 428.
40. Quoted in Bill Bright, Believing God for the Impossible (San Bernardino, CA: Here’s Life, 1979), 177-8.
41. Quoted in Bernard Ramm, Protestant Christian Evidences (Chicago: Moody Press, 1957), 163.
42. Jaroslav Pelikan, Jesus through the Centuries (New York: Harper & Row, 1987), 1.
43. Quoted in “What Life Means to Einstein: An Interview by George Sylvester Viereck,”Saturday Evening Post, October 26, 1929, 17.
44. Peter Joseph, Zeitgeist, http://zeitgeistmovie.com/http://vimeo.com/13726978. In the YouTube ********ary, Zeitgeist, Peter Joseph uses hand-picked sources (Gerald Massey and Acharya S.), attempting to build a case that Jesus is a “copycat” of the ancient Egyptian god, Horus. RegardingZeitgeist’s sources, Dr. Ben Witherington notes, “Not a single one of these authors and sources are experts in the Bible, Biblical history, the Ancient Near East, Egyptology, or any of the cognate fields….they are not reliable sources of information about the origins of Christianity, Judaism, or much of anything else of relevance to this discussion.”http://benwitherington.blogspot.com/2007/12/zeitgeist-of-zeitgeist-movie.html. The alleged parallels between Jesus and Horus are analyzed and systematically refuted in the following website: http://kingdavid8.com/Copycat/JesusHorus.html.
45. Lee Strobel, The Case for the Real Jesus (Grand Rapids, MI: Zondervan, 2007), 170-71. Mithraism developed too late to have influenced Christianity. “Mithraism was a late Roman mystery religion that became a chief rival to Christianity in the second century and later.” Quoted in Strobel, 166-76.
50. Quoted in Strobel, 160-61. [In his interview with Strobel, Michael Licona states that Mettinger takes exception to that nearly universal scholarship by claiming that there are at least three and possibly as many as five dying and rising gods that predate Christianity. However, after combing through all these accounts and critically analyzing them Mettinger adds that “none of these serve as parallels to Jesus.” Mettinger writes, “There is, as far as I am aware, no prima facie evidence that the death and resurrection of Jesus is a mythological construct, drawing on the myths and rites of the dying and rising gods of the surrounding world.… The death and resurrection of Jesus retains its unique character in the history of religions.”]
51. Quoted in Chuck Colson, “Jesus Christ and Harry Potter,” Breakpoint, July 29, 2011,http://www.breakpoint.org/bpcommentaries/entry/13/17568.
52. F. F. Bruce, The New Testament Documents: Are They Reliable? (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1997), 119.
53. Habermas and Licona, 127.
54. Quoted in Durant, 553-4.
55. Paul Johnson, Ibid.
56. Grant, 200.
57. H. G. Wells, The Outline of History (New York: Doubleday, 1949), 528.