عقيدة الروح القدس والفهم الثالوثي لله في الكنيسة

عقيدة الروح القدس والفهم الثالوثي لله في الكنيسة

عقيدة الروح القدس والفهم الثالوثي لله في الكنيسة

شهادة مجمع نيقية عن الروح القدس

لقد تكلَّم الآباء في مجمع نيقية عام 325م عن الروح القدس في جملة واحدة فقط وهي الجملة الأخيرة من قانون الإيمان: “نؤمن بالروح القدس”. ورغم قصر هذه العبارة إلاّ أنها أبرزت بوضوح تأكيد إنجيل العهد الجديد على طبيعة الروح القدس الإلهية والأقنومية، والذي مع الآب والابن هو موضوع وهدف الإيمان، ومن خلاله وفيه نؤمن بيسوع المسيح وننال الخلاص.

ففي الروح القدس، الله ذاته يكون حاضرًا مباشرة في وسطنا، وعاملاً بطريقة إعجازية من أجل خلاصنا، ومن خلال الروح القدس يعلن الله عن ذاته بكونه “ربًا”؛ إذ إن الله نفسه يكون هو محتوى (أو مضمون) كل ما يفعله الروح لنا أو ينقله إلينا. فالروح القدس ليس مجرد شيء إلهي، أو شيء شبيه بالله ينبعث منه، ولا هو عمل يتم بعيدًا عن الله أو عطية منفصلة عن نفسه، لأن في الروح القدس الله ذاته يعمل مباشرةً فينا، وعندما يعطينا الله روحه القدوس فهو لا يعطينا إلاّ ذاته، حيث إن مُعطي الروح وعطية الروح هما واحد[1]، ولذلك نجد في قانون الإيمان النيقي أن الإيمان بالروح القدس اقترن بالإيمان بالآب وبالابن باعتباره إيمانًا بإله واحد ورب واحد[2].

 

شهادة الكتاب المقدس عن الروح القدس

ولقد شهد الرسل بوضوح منذ البداية عن طبيعة الروح الإلهية والأقنومية بكونه “الرب”، وذلك من خلال تفرده بلقب “القدس” (γιος) أي (القدوس) كترجمة للكلمة العبرية “قادوش” (קָדוֹשׁ) التي كانت قد استخدمت في أسفار العهد القديم للتحدث عن طبيعة الله الفائقة الإدراك، وعن مجده وجلاله الذي لا يُدنى منه: “قدوس، قدوس، قدوس رب الجنود، مجده ملء كل الأرض[3]“.

ولذا نجد أن كلمة “قادوش” (קָדוֹשׁ) استخدمت في سفر إشعياء للإشارة إلى الرب باعتباره “قدوس إسرائيل”، وخاصةً في التعبير عن عمله الخلاصي في حياة وتاريخ شعبه[4]، كما اُستخدمت هذه الكلمة أيضًا في أحيان أخرى للإشارة إلى روح الله بوصفه “الروح القدس”[5]. ومما لا شك فيه أنه نظرًا لطبيعة الروح الفريدة والتي لا تُضَاهى، فإن كلاًّ من العهد القديم (في ترجمته السبعينية إلى اليونانية) والعهد الجديد لم يستخدما الكلمة اليونانية الأكثر شيوعًا “يروس” (ερός) بل فَضَّلا استخدام الكلمة النادرة نسبيًّا “أجيوس” (γιος) للتعبير عن القداسة والتميُّز الفائق الخاص بالألوهية، ولذلك فإن مصطلح “الروح القدس” كان يعبِّر عن الإدراك بأن حلول الروح هو حلول “للروح” في سموه وعلوه الفائق.

 

وعلاوة على ذلك، كانت الكلمة العبرية المستخدمة للتعبير عن الروح “رُوَح” (רוּחַ) تحمل معنى محدَّدًا وديناميكيًّا، وهو الأمر الذي لم يكن كذلك بالنسبة الكلمة اليونانية “بنفما” (πνεύμα) التي تُستخدم في الفكر والأدب اليوناني القديم[6]. ولذلك عندما ربط العهد القديم كلمتي “روح” (רוּחַ) و”قدس” (קָדוֹשׁ) معًا فقد قصد بذلك الإشارة بوضوح إلى الله الحي القدير، وإلى أن حضور روحه القدوس يجب أن يُفهم في الحال على أنه هو الحضور الشخصي الحقيقي والفعَّال لله.

إن روح الله ليس هو انبعاث لبعض القوة الإلهية المنفصلةً عن الله، بل هو تقابل الله نفسه مع البشر ومع شئونهم، حيث يؤثر الله بقوته الإلهية وقداسته ويعمل بصورة مباشرة و”شخصية” في حياتهم. وقد تأكد جدًّا هذا المفهوم عن روح الله من خلال العلاقة الحميمة بين “كلمة” الله و “روح” الله في عمله الإعلاني والخلاصي[7]. وكانت هذه النظرة العبرية هي ما ميَّز تعليم إنجيل العهد الجديد عن الروح القدس، باعتباره وصول الله إلى البشر لتقديسهم وفدائهم وإعطائهم الحياة بواسطة كلمته، جاذبًا إياهم إلى الشركة وجهًا لوجه مع نفسه[8].

وكما يُنظر إلى القداسة والطبيعة الفائقة لكل من الله (الآب) في العهدين القديم والجديد والرب يسوع المسيح، وتُقدم لهما العبادة والسجود، فكذلك أيضًا روح الله، الذي بفضل طبيعته الذاتية المقدسة يستوجب نفس العبادة والسجود. لأن في الروح القدس لا يكون إلاّ الله ذاته القدوس الضابط الكل حاضرًا بصورة شخصية مع شعبه، يجتمع بهم ويتحدث معهم.

 

علاقة عقيدة الروح القدس بعقيدة الآب والابن في الكنيسة

لقد كان إيمان آباء نيقية بالروح القدس متمشيًا مع تعليم الكتاب المقدس حينما اعترفوا قائلين: “نؤمن بإله واحد … وبرب واحد يسوع المسيح … وبالروح القدس”، حيث قد أكدوا بذلك أن الإيمان بالروح القدس هو في داخل إطار الثالوث القدوس، طبقًا لطقس المعمودية المقدسة التي تتم بالاسم الواحد: الآب والابن والروح القدس، وطبقًا للإيمان المسلَّم لهم من الرسل. وكما عبَّر عن ذلك القديس باسيليوس: “إننا ملتزمون بأن نُعمِّد بالأحكام التي تسلَّمناها، وبأن نعلن إيماننا بالأحكام التي تعمَّدنا بها[9]“.

إذن فإن التأكيد الواضح على العبارة الخاصة بالروح القدس في قانون الإيمان، قد أظهر كمال فهم الكنيسة لله، كما أنه أعطى مركزية لعقيدة الثالوث القدوس. وحيث إن تعليم إنجيل العهد الجديد عن الله أنه روح، وأنه يُعرف بالحقيقة ويُسجد له بكونه روحًا لأن طبيعة جوهر الله الأزلي أنه روح: سواء آب أو ابن أو روح قدس فلذلك ينبغي علينا أن نفهم الآب والابن والروح القدس في ذاتهم وفي علاقاتهم الداخلية المتبادلة بطريقة روحية فقط.

ويمكننا أن نفهم تأثير عقيدة الروح القدس بالنسبة لعقيدة الآب والابن من العبارة التي قالها القديس أثناسيوس: “وبينما أن المسيح هو “الهيئة” (Εδος) الوحيدة أو “الشكل” الوحيد أو “الصورة” الوحيدة للاهوت الآب، فإن الروح هو “هيئة” (Εδος) أو “صورة” الابن[10]“. والقول بأن الروح هو “صورة” الابن قد يكون محيرًا بعض الشيء إلى أن ندرك أن الروح نفسه بلا صورة، وحيث إن الآب والابن والروح القدس لهم ذات الطبيعة الواحدة[11]، فيتعين أن يكون تفكيرنا فيهم وفي علاقاتهم المتبادلة داخل الثالوث القدوس بطريقة فائقة وروحية تمامًا ولا تصوير فيها (imageless)[12].

ويقول القديس إبيفانيوس في هذا الصدد: (في تعاملنا مع الله) علينا أن نستخدم آذاننا بدلاً من أعيننا، لأننا نعرفه فقط من خلال كلمته ونراه فقط بالذهن[13]، لأن “الله روح” ويُعرف فقط بالمسيح، كلمة الله الحي و”الهيئة” الوحيدة أو “الصورة” الوحيدة لله غير المنظور[14]. وقد أشرنا في الفصل الثاني إلى أن الوحي الإلهي عندما يستخدم مصطلحي “آب” و”ابن الله”، فإننا يجب أن نفكر في هذين المصطلحين بكونهما يشيران إلى الآب والابن بطريقة لا تصوير فيها، وبدون إقحام أي نوعٍ من الصور (أو الأمثلة) المخلوقة أو أي شكل من أشكال الفكر المادي[15].

بل المقصود هو أن نربط معًا في أذهاننا صورة الآب بالابن، وصورة الابن بالروح القدس، وهكذا نستطيع أن نشير بصور مأخوذة من علاقاتنا البشرية إلى اللاهوت بطريقة روحية وليس بطريقة مادية بشرية[16].

وكان تطبيق مفهوم ال “هوموأووسيوس” (ὁμοούσιος) مع الروح القدس في خلال الفترة التي بين مجمعيّ نيقية والقسطنطينية[17] إنما يعني أن الابن له ذات جوهر الله بالضبط كما هو الحال بالنسبة للروح القدس، وكذلك أن الروح القدس له ذات جوهر الله بالضبط كما هو الحال بالنسبة للابن.

وكان تطبيق مفهوم ال “هوموأووسيوس” (ὁμοούσιος) مع الروح القدس بالطبع مع ما تضمَّنه ذلك من التأكيد التام على ألوهية الروح القدس قد ساعد الكنيسة على أن تدرك بشكل أعمق مفهوم “الوحدانية في ذات الجوهر” (ὁμοούσιος) التي للابن المتجسد مع الآب، وكذلك العلاقات الجوهرية داخل الثالوث القدوس. وهكذا اكتمل التعبير عن عقيدة الروح القدس بوضوح كامل من داخل إيمان الكنيسة بالثالوث، واحتلت هذه العقيدة مكانًا راسخًا في ذهن الكنيسة، بالضبط كما هو الحال بالنسبة لعقيدة الابن[18].

 

الهدف من وراء الاستخدام الثلاثي لفعل “نؤمن” في قانون الإيمان النّيقيّ

وكان القديس أثناسيوس قد أكد على هذه النقطة الأساسية في خطابه المجمعي عام 369م والذي سبق الإشارة إليه وذلك في تعرضه لتعاليم أنصاف الأريوسيين وإنكارهم لألوهية الروح القدس، حيث قال: “لأن مجمع نيقية هذا، قد فَضَح بالحقيقة كل هرطقة، كما أنه يحبط أولئك الذين يجدِّفون على الروح القدس ويدعونه مخلوقًا. لأن الآباء بعد حديثهم عن الإيمان بالابن أضافوا على الفور “ونؤمن بالروح القدس”، لكي باعترافهم الأمين والكامل بالثالوث القدوس يعلنون الشكل الدقيق لإيمان المسيح وتعليم الكنيسة الجامعة.

فمن الواضح لكم وللجميع ولا يمكن لأي مسيحي أن يساوره شك في هذا أننا لا نؤمن بمخلوقٍ بل بإله واحد؛ الآب ضابط الكل خالق كل شيء ما يُرى وما لا يُرى، وبرب واحد يسوع المسيح ابنه الوحيد، وبروح قدس واحد: إله واحد يُعرف في الثالوث الكامل القدوس، الذي به (باسمه) نعتمد، وفيه نتحد بالإلوهة (بالله)[19]“. وقد ذكر القديس باسيليوس وق. إبيفانيوس[20] أنه في مجمع نيقية، لم يكن هناك أي جدال بالنسبة للروح القدس، لأنه على مدى حياة الكنيسة وتسبحتها وإيمانها: كان الروح القدس مرتبطًا بالآب والابن بغير انفصال في العبادة والتمجيد (الذي تقدِّمه الكنيسة) باعتبار أن الروح القدس هو المصدر الإلهي للخلاص والتجديد[21].

ولكن حينما تفجَّر الخلاف بعد عام 350م، رفض القديس أثناسيوس الادعاء القائل بأن الروح القدس مخلوق، واعتبر أن هذا الكلام يقوِّض أسس الإيمان لأنه يقسِّم الثالوث القدوس ويهدم سر المعمودية المقدسة. واستند القديس أثناسيوس في ذلك ليس فقط إلى تقليد الكنيسة الجامعة، بل أيضًا إلى التعليم الرسولي والكتابي المتضمَّن في هذا التقليد، والذي كان قد كرَّس نفسه (أي القديس أثناسيوس) لشرحه وتوضيحه[22].

وكما قال القديس غريغوريوس النزينزي في وقت لاحق، أنه فقط بعد أن أعطانا الله معرفة واضحة عن الآب وعن الابن، كان في تدبير إعلان الله عن ذاته أن تصبح معرفتنا عن ألوهية الروح القدس الساكن في الكنيسة معرفة جليّة، وأن يتضح أيضًا أن عبادتنا لله الآب والله الابن والله الروح القدس، هي مقدمة لثلاثة أقانيم ولاهوت واحد[23].

 

النصوص الكتابية التي ساهمت في فهم الكنيسة لعقيدة الثالوث

وكانت الوصية التي أعطاها المسيح القائم للكنيسة كلها والتي كانت ذات أهمية قصوى في تقليد الكنيسة هي أن تعمِّد باسم الآب والابن والروح القدس كما جاء في الإنجيل بحسب القديس متى وذلك استنادًا إلى ما حدث في معمودية المسيح نفسه في نهر الأردن عندما أعلن الآب أنه ابنه الحبيب، ونزل عليه الروح معلنًا أنه المسيح. وفي العهد الجديد، كانت هناك ثلاثة نصوص ذات أهمية لاهوتية خاصة، وقد دخلت تلك النصوص في صلب الإيمان الرسولي والتعليم والعبادة والتقليد، وتجلى مضمونها داخل الفكر اللاهوتي للكنيسة الأولى. وهذه النصوص هي:

  1. صيغة المعمودية كما وردت في (مت 19:28) “باسم الآب والابن والروح القدس”.
  2. البركة الرسولية كما وردت في (2كو 14:13) “نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس مع جميعكم”.
  3. الفقرة المأخوذة من (1كو 4:12-6) والتي نوقشت كثيرًا في الكنيسة الأولى: “فأنواع مواهب موجودة، ولكن الروح واحد. وأنواع خِدَم موجودة، ولكن الرب واحد. وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد، الذي يعمل الكل في الكل”.

ويلفت نظرنا كارل لودويج شميدت في وقتنا المعاصر وقد سبقه في ذلك كل من القديس غريغوريوس النزينزي وديديموس في القرن الرابع إلى أنه في تلك النصوص الثلاثة، هناك تنوع في الترتيب الذي ذُكر به كل من “الآب” و”الابن” و”الروح القدس”[24]. وحقيقة أن كل من “الآب” و”الابن” و”الروح القدس” قد ذُكر أولاً (في الترتيب) في أحد هذه النصوص، إنما يشير إلى أن الترتيب الذي اُستخدم في أي منها لا ينتقص من المساواة الكاملة بين الثلاثة أقانيم الإلهية.

فبينما في الليتورجيا الكنسية وفي طقس المعمودية يُذكر الآب أولاً، نجد أنه في البركة الرسولية المذكورة في الإنجيل والتي سادت في عصر ما بعد الرسل كما أشار أوسكار كولمان[25] يأتي ذكر الابن أولاً لأن الإيمان بالله الآب والله الروح القدس كان متضمنًا في الإيمان بيسوع المسيح كرب ومخلِّص، بيد أنه في حياة أبناء الكنيسة وفي خدمتهم الروحية، كان التركيز المباشر على عمل ومواهب الروح القدس.

ورغم أن القديس أثناسيوس اعترف بهذا التنوع في ترتيب ذكر الأقانيم وفقًا لفهمه للإيمان المسيحي والحياة المسيحية، إلاّ أنه حذَّر من تغيير ترتيب أقانيم الثالوث عن الترتيب الذي ذُكر في صيغة المعمودية المقدسة، وذلك في مواجهة هرطقة سابليوس[26]. وهناك شواهد أخرى عن الثالوث القدوس في العهد الجديد كان لها قدر من التأثير على نمو الفكر اللاهوتي في فترة ما قبل نيقية وما بعد نيقية[27]، ومن أهم هذه الشواهد ما يلي:

  1. 1. (أع32:2-33): “فيسوع هذا أقامه الله، ونحن جميعًا شهود لذلك. وإذ ارتفع بيمين الله، وأخذ موعد الروح القدس من الآب، سكب هذا الذي أنتم الآن تبصرونه وتسمعونه”.
  2. (1بط2:1): “إلى…. المختارين بمقتضى علم الله الآب السابق، في تقديس الروح للطاعة، ورش دم يسوع المسيح: لتكثر لكم النعمة والسلام”.
  3. (2تس13:2-14): “وأما نحن فينبغي لنا أن نشكر الله كل حين لأجلكم أيها الإخوة المحبوبون من الرب، أن الله اختاركم من البدء للخلاص، بتقديس الروح وتصديق الحق. الأمر الذي دعاكم إليه بإنجيلنا، لاقتناء مجد ربنا يسوع المسيح”.
  4. (أف18:2): “لأن به (يسوع المسيح) لنا كلينا قدومًا في روح واحد إلى الآب”.
  5. (أف4:4 7): “جسد واحد، وروح واحد، كما دعيتم أيضًا في رجاء دعوتكم الواحد. رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة، إله وآب واحد للكل، الذي على الكل وبالكل وفي كلكم. ولكن لكل واحد منا أعطيت النعمة حسب قياس هبة المسيح”.

 

الإيمان بالثالوث كان مستقرًّا في عبادة الكنيسة وخبرتها قبل صياغته في مجمعيّ نيقية والقسطنطينية

وتبين تلك النصوص أن تعاليم الإنجيل التي تسلَّمناها بواسطة التقليد الرسولي كانت تعلن الإيمان الراسخ بالآب والابن والروح القدس، وهو الإيمان الذي استقر في خبرة الكنيسة التي أسسها المسيح. ونجد الدليل على هذا، في التسابيح الأولى المتبقية لدينا من فترة ما بعد العصر الرسولي مثل: تسبحة باكر “المجد لله في الأعالي…” (Δόξα εν υψίστοις Θεώ) التي وُجدت في المخطوطة السكندرية للكتاب المقدس (Codex Alexandrinus)، وقد وُجدت ملحقة بسفر المزامير[28]، وكذلك تسبحة المساء “النور الساطع للمجد المقدس” (Φως ιλαρόν αγίας δόξης) التي ذكرها القديس باسيليوس في كتابه “عن الروح القدس”[29]. كما تتضح أيضًا عمومية هذه النظرة الثالوثية في الكنيسة من كتابات أخرى ترجع إلى العصور الأولى[30].

وقد وجد آباء نيقية أن الشهادة (التعاليم) الإنجيلية عن الآب والابن والروح القدس، تتضمَّن بالفعل فهمًا ثالوثيًّا لجوهر الله الواحد. وهذه الشهادة لا يمكن فهمها بعيدة عن عقيدة الثالوث، تلك العقيدة التي نشأت عن تفسير أمين وصادق للعهد الجديد ونمت في حياة الكنيسة الليتورجية وخبرتها الإنجيلية منذ البداية. ومن هنا يمكننا القول أنه قد تم بالفعل استجلاء ما كانت تتضمَّنه وديعة الإيمان الأساسية[31] من خلال صياغة مصطلح “هوموأووسيوس”؛ إذ قد تم توضيح وإظهار العلاقة الجوهرية بين الابن والآب والتي تقوم عليها رسالة الإنجيل.

وبتطبيق نفس مفهوم “هوموأووسيوس” على الروح القدس للتعبير عن وحدانيته في ذات الجوهر مع الآب والابن فإن الفهم الثالوثي لله يكون قد اكتمل وترسَّخ بشدة في ذهن الكنيسة. وكان مفهوم الوحدانية في ذات الجوهر يحمل في طياته أيضًا مفهوم التواجد (الاحتواء) المتبادل للثلاثة أقانيم الإلهية داخل جوهر الله الواحد[32]. وهكذا بواسطة مفهوم ال “هوموأووسيوس” تم تتبع إعلان الله عن ذاته كآب وابن وروح قدس والذي حدث في التجسد ودخلت الكنيسة بالفعل من خلاله إلى معرفة الله وفقً “لما هو” الله أقنوميًّا في جوهره الذاتي الأزلي[33].  

 

التلازم المتبادل بين عقيدة الابن وعقيدة الروح القدس

وفي أعقاب مجمع نيقية، وفي ظل الحرب المستمرة ضد الأريوسية والتي ظلت قائمة نتيجة وجود بعض التدخلات اللاهوتية للقادة السياسيين في تلك الفترة أصبح واضحًا أن إنكار إلوهية الابن يترتَّب عليه إنكار لإلوهية الروح القدس، لأن رسالة وتعاليم الإنجيل قدَّمت الابن والروح القدس معًا بشكل متلاحم جدًّا، حتى أن الاعتراف بإلوهية الابن الكاملة كان يحمل معه الاعتراف بإلوهية الروح القدس الكاملة.

ولذلك كان لا بد للإيمان التقليدي بالروح القدس بكونه “الرب” من أن يُعطَى الصياغة اللاهوتية المناسبة، أسوة بما حدث بالنسبة للابن، وهذا يفسر إلى حد ما السبب وراء تأكيد عقيدة الروح القدس انطلاقًا من عقيدة الابن[34]. وكانت الأولوية في هذا السياق أيضاً، لإيمان الكنيسة وصلاتها وعبادتها لله من خلال المسيح وفي الروح القدس*، والذي انعكس على شكل تسبيحها الدائم أي أن الأولوية كانت للدخول إلى الآب بالمسيح وفي روح واحد.

وقد أوضح لنا القديس باسيليوس هذا الجانب من عقيدة ما بعد نيقية في كتابه “عن الروح القدس”[35]، حيث قام اللاهوتيّون في الفترة التي تلت نيقية، بوضع صياغة قانونية لما كان مستقرًّا ومُتَفقًا عليه بالنسبة للروح القدس بالضبط مثلما فعل آباء نيقية بالنسبة للابن في علاقته بالله الآب إذ قد صار واضحًا أن حقيقة الإنجيل وفاعليته لا تعتمد فقط على الوحدانية في ذات الجوهر والفعل بين الابن المتجسد والله الآب، بل أيضًا على الوحدانية في ذات الجوهر والفعل بين الروح القدس وكل من الابن والآب.

ولذلك علَّم القديس كيرلس الأورشليمي طالبي العماد قائلاً: “آمنوا أيضًا بالروح القدس، وتمسكوا بالنسبة له بنفس التعليم الذي أخذتموه عن الآب والابن … فهو مع الآب والابن ممجد بمجد اللاهوت[36]“.

 

1 Athanasius, Ad Ser., 1.30; Epiphanius, Haer., 74.7.

[2]  انظر تركيز القديس إبيفانيوس على الاستخدام الثلاثي لفعل ’نؤمن‘ مع كل من الآب والابن والروح القدس في قانون الإيمان: Haer., 73.25; 74.14; and Basil, Ep., 236.6 .

[3]  إش 3:6؛ انظر أيضاً لا 45:11؛ 2:19؛ 7:20؛ إلخ.

[4]  إش 4:1؛ 19:5،24؛ 17:10،20؛ 6:12؛ 7:7؛ 19:29،23،23؛ 11:30؛1:31؛ 23:37؛ 25:40؛ 14:40،16،20؛ 3:43،14؛ 11:45؛ 4:47؛ 17:48؛ 7:49؛ 5:54؛ 9:60،15؛ مر 24:1؛ لو 34:4؛ يو 69:6؛ أع 14:3؛ 1يو 20:2.

[5]  إش 10:63؛ مز 11:51.

[6] الكلمة اليونانية ’بنفما‘ (πνεμα) مثلها مثل العبرية، تعني حرفيًّا’ريح‘ أو ’نفس – نفخة‘، ولكن بينما خَفُتَ هذا الصدى الأصلي للكلمة في الأدب اليوناني، نجد أنه قد أُبقي عليه إلى حد كبير في العبرية وبالتالي في الاستخدام الإنجيلي للكلمة كما في يو 3: 8، أع 2: 1؛ انظر أيضًا: Gregory Nyss., Or. Cat., 2.

[7] إش 1:11؛ 1:42؛ 3:44؛ 16:48؛ 21:59؛ 61؛ 7:63.

8 Cf. K. L. Schmidt, ‘Das Pneuma Hagion als Person und als Charisma’, Eranos Jahrbuch, 1945 (XIII), pp. 190ff; and A. I. C. Heron, The Holy Spirit, 1983, pp. 1-60.

9 Basil, Ep., 125.3.

10 See Con. Ar., 3.6, 10; Ad Ser., 1.19f; cf. Didymus, De Trin., 2.5, 11, and John of Damascus, De Fide, 1. 13.

11 Cf. Cyril of Jer., Cat., 16.3:

“الآب الواحد، والابن الواحد، والروح القدس الواحد ينتمون جوهريًّا وبلا انفصال بعضهم إلى البعض الآخر (أو يخصون بعضهم البعض الآخر)”.

12 Cf. Eusebius, De eccl .theol., 1.12; Gregory Naz., Or., 24.4; 28.12; 29.2, 8; 30.17; 31.7, 33; Basil, Hom., 111; Cyril of Jer., Cat., 11.11, 19; Epiphanius, Haer., 70.5.

13 Epiphanius, Haer., 70.4-8.

14 Cf. Ps. Athanasius, Con. Sabellianos, 5ff (MPG, 28.105f) which is evidently a variation on Basil’s Homily 111.

15 See Athanasius, Con. Ar., 1.15, 21; De decr., 24; De syn., 42& 51. See Basil, Con. Eun., 2.16; De Sp. St., 15, 84; Gregory Nyss., Con. Eun., 11.6, 4; Didymus, De Sp. St., 57.

إن عدم تصوير الله (imagelessness) كان متضمنًا في مفهوم أن الله ’نور‘ وأنه ’روح‘:

Athanasius, Ad Ser., 1.19, 30; Basil, De Sp. St., 47. 64; Epiphanius, Haer., 70.5, etc.

[16] وهذا قد يمنع أي تفكير سخيف عن وجود نوع للجنس (أي ذكر أو أنثى) في الله:

Gregory Naz., Or., 31.7.

17 Cf. Epiphanius, Anc., 7, 46, 69f; Haer., 69.17f, 32f; 74.6, etc.

18 See Didymus, De Trin., 2.6ff; Epiphanius, Haer., 73.15ff, 24f, 34f, and especially the long refutation of the ‘Pneumatomachians’, 74.1-14.

19 Athanasius, Ad Afr., 11; see Ad Ant., 3; and Epiphanius, Haer., 73.34.

20 Basil, Ep., 125, 159.2, 226.3; Ep. ad Epiph., 258.2; Epiphanius, Haer., 74.14.

[21] ومن هنا كان هذا التركيز على التمجيد الواحد (μία δοξολογία) الذي يُقدم للثالوث:

Epiphanius, Anc., 24; Haer., 62.3, 8; 69.29, 33, 56, 75; 74.14; 76. Ref. Aet., 10, 21, 30; Exp. fidei, 17, etc.

22 Athanasius, Ad Ser., 1.1-33; cf. Epiphanius, Anc., 65ff & Haer., 74.2ff.

23 Gregory Naz., Or., 34.26-28.

24 K.L. Schmidt, op. cit., pp. 215f. See Gregory Naz., Or., 36.15; and Didymus, De Trin., 1.18.

25 O. Cullmann, Early Christian Confessions.

26 Athanasius, Ad Ser., 4.5. Also Basil, Ep., 125.3.

27 See K.L. Schmidt, op. cit., pp. 209f, 216ff.

[28] انظر أيضًا التسبحة التي وردت في (Apost. Const., 7.47): “المجد لله في الأعالي… الله الآب ضابط الكل، وابنه الوحيد ربنا يسوع المسيح، والروح القدس الرب الإله”. ارجع كذلك إلى القديس إبيفانيوس في (Haer., 74.10.).

29 Basil, De Sp. St., 73.

30 See Didache, 7.1; Ignatius, Magn., 13. 1; Polc. martyr., 14.3; Justin Martyr, Apol., 1.6, 13, 61, 65; Athenagoras, Leg., 6, 10, 12, 24; Irenaeus, Adv. haer., 1.2ff, vol. 1, p.90ff; 3.1f, 4, vol. 2, pp. 22ff; 4.1f, pp. 146ff; 4.53.1, p. 261f; 5.20.1f, pp. 377f; Dem., 5f; Hippolytus, Apost. Trad., 3, 8, 21; Novatian, De Trin., 7, 16, 29f; Tertullian, Adv. Prax., 2-5, 8f, 11ff, 25, 30, etc.; Origen, De prin., 1.3.5, 7f; 4.2f; 6.2; 2.2.2; 3.5.8; 4.3.14f; 4.1, 3; In Jn., 2.6; 6.17, etc.

[31] هذا بالتأكيد كان هو القصد وراء الحاشية التي وُجدت في ’الترجمة اللاتينية للكتاب المقدس والمعروفة ب الفولجاتا‘ على 1يو 7:5-8 وهي: “فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب، والكلمة، والروح القدس. وهؤلاء الثلاثة هم واحد. والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة: الروح، والماء، والدم. والثلاثة هم في واحد”.

32 See Athanasius, Ad Ser., 1.27; 2.3, 5; 3.1; Epiphanius, Haer., 63.6; 65.1ff; 74.12; 76.2; 76.35; Exp. fidei, 14.

33 Athanasius, Con. Ar., 3.1ff; Epiphanius, Anc., 2-7, 10, 67, 72, 81; Haer., 62.1ff; 64.9; 72.11; 73.20; 74.9, 11ff; 76.30; 77.22; Gregory Naz., Or., 29.16, 20; 31.10; Schol., MPG, 36. 911; Ep., 58; Or., 43.68.

34 Athanasius, Ad Ser., 3.1ff.

* أي إن الاعتراف بالروح القدس بكونه ’الرب‘ بدأ في عبادة الكنيسة وتسبيحها قبل أن يظهر في صورة صياغة رسمية قانونية. (المترجم)

[35] وقد لجأ القديس باسيليوس لتعضيد آرائه إلى كل من إيرينيئوس وكليمندس وأوريجانوس وديونيسيوس السكندري انظر: (De Sp. St., 72.).

36 Cyril of Jer., Cat., 4.16. Thus also Amphilochius, Ep. Syn., 2.

انظر أيضًا الليتورجيا البيزنطية (F.E. Brightman, Eastern Liturgies, p.382): “هلّم نحب بعضنا بعضًا حتى ما نعترف بذهن واحد بالآب والابن والروح القدس، الثالوث غير المنقسم والواحد في ذات الجوهر”.

عقيدة الروح القدس والفهم الثالوثي لله في الكنيسة

الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟

الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟

الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟

4- الكائنات الحية لا تأتي إلا من كائنات حية

ج: لقد أخطأ الذين ظنوا أن الكائنات الحية – مثل البكتيريا التي تظهر على الخبز، أو الديدان التي تظهر في الجبن أو اللحوم، أو الديدان التي تظهر في الأرض الرطبة – تأتي من غير كائنات حية، وقد أوضح ” باستير ” هذه الحقيقة عندما أستخدم أسلوب التعقيم، ولو أن الحياة نشأت من التوالد الذاتي، فلماذا لا يحدث مثل هذا التوالد الآن؟ لماذا لا نرى مادة حية تخرج من الجماد..؟!

هل أصيبت القوى الطبيعية بالعقم فلم تعد قادرة على إيجاد كائنات حية من الجماد..؟! هل تغيرت نواميس الطبيعة للأضعف؟! ويقول د. حليم عطية سوريال ” ولكن تجارب العلامة ” باستير ” صدمت نظرية التوالد الذاتي صدمة قاتلة، فإن ذلك الباحث العبقري ” باستير ” اكتشف أعظم ناموس حيوي وهو أن الكائنات الحية لا يمكن أن تأتي إلا من كائنات حية مثلها، وهذا الناموس يسري على أصغر الميكروبات كما يسري على الحيوانات الكبيرة، وغني عن البيان أن هذه القاعدة قبلت بالإجماع، ولم يسع المكابرون سوى التسليم بها..

وعلى ذلك نرى أنه كان يجب أن لا يكون مجال للتكلم عن التوالد الذاتي بعد باستير، ولكن عقلية الماديين غريبة مدهشة لا تقبل التسليم بالواقع.. يناقضون أنفسهم تناقضا بينا ويخلقون لأنفسهم مشاكل لا يمكنهم حلها لأن قبولهم نظرية التوالد الذاتي يضع أمامهم معضلات أعظم من معضلة الاعتقاد بالخلق الخاص، ويمكننا أن نشير إلى بعض تلك المعضلات:

(أولا) إنهم يعترفون أن التوالد الذاتي لا يحدث الآن.. فإن كان التوالد الذاتي لا يحدث الآن ألا يحق لنا أن نسأل ما الذي جعل قوة الطبيعة والمادة تشيخ وتهرم – ما لها عقمت وعجزت عن خلق كائنات حية من الجمادات كما فعلت سابقا؟ إذا نواميس الطبيعة متغيرة متقلبة لا تثبت على حال فإذا قالوا بذلك يواجهون مشكلة أخرى، لأن القول بعدم ثبات نواميس الطبيعة يترتب عليه انهيار العلم كله.

(ثانيا) إنهم يقولون أن أول الكائنات الحية أعني التي نشأت بالتوالد الذاتي كانت صغيرة جدا وعلى غاية البساطة.. وتولدت منها المخلوقات الكبيرة، وهذا القول لا يتفق مع الحقائق العلمية لأن المخلوقات الحية مهما كانت صغيرة الحجم لا يعتبرها العلم بسيطة لأن البساطة لا تتفق مع مميزات الحياة، لأنه بين أصغر خلية حيوانية أو نباتية وبين المواد الغير عضوية الجمادية هوة عميقة لا يمكننا أن نتصور عبورها.. إن الخلايا الحية مهما صغر حجمها فهي عالم في ذاتها.. لها جميع مميزات الحياة الجوهرية الأساسية، فإنها تأخذ المواد الغذائية التي تصلح لها من الوسط الذي تعيش فيه وتهضمها كما نهضم طعامنا بواسطة عصارات متشابهة.

وبعد هضمها تنبذ فضلات الطعام بطرق غاية في الدقة، وبعد ذلك تستخدم الطعام المهضوم لنفس الأغراض التي يستعمل فيها عند الحيوانات الكبيرة، فإنها تخلق منه مادة برتوبلازمية تشبه المادة المكون منها جسمها وتعوض بذلك المواد التي استهلكت في العمليات الحيوية.. على أن أروع وأبدع ما تشاهده في تلك المخلوقات الصغيرة هو عملية التوالد بالانقسام.. لأنها تنقسم بعملية غاية في الدقة إلى نصفين متساويين تمام المساواة يصير كل منهما فردا مشابها تمام المشابهة لوالده.. ولقد قال الأستاذ ولسن بصدد هذه الحقائق أن تقدم العلم قد وسع الهوة التي بين الكائنات الحية ذوات الخلية الواحدة وبين المواد الغير عضوية”(1).

وقد قام عالم الكيمياء ” لافوازييه ” Lavoisier في القرن التاسع عشر بتقسيم المواد الكيميائية إلى مجموعتين أحدهما لا يستطيع أن يصنعها إلا الأحياء من إنسان وحيوان ونبات، وأتفق على تسميتها بالكيمياء العضوية، والثانية هي المواد الكيميائية التي تنتشر في الطبيعة من تربة وماء

ثم اكتشف ” فوهلر ” Wahler سنة 1828م أنه يمكن تحضير البول معمليا، لذلك قالوا أن الكيمياء العضوية هي التي يدخل في تركيبها الكربون، وذرات الكربون لها قدرة فذة على الإتحاد بغيرها من العناصر، حتى وصلت مركبات الكربون إلى أكثر من ربع مليون مركب، ولا أحد يستطيع أن يدعي أن المواد غير الحية يمكن أن تجتمع معا لتكوين حياة، لأن الحياة لا تولد إلا من حياة، ولم ينجح للآن أي إنسان في تكوين خلية حية بالجمع بين المواد غير الحية!! وهذا ما يقر به علماء التطور أنفسهم.

أما القول بأن الحياة وجدت من تلقاء ذاتها فإنه يشبه القول بأن هذا المبنى وجد من ذاته بالصدفة بكل ما فيه من تجهيزات كهربائية وصحية ودهانات ونجارة وأثاث.. إلخ ومن يقدر أن يتصور أن الصدفة تدخلت في قطع الأشجار وتصنيعها أبوابا وشبابيك وأثاثات فاخرة بدون تدخل يد إنسان، والصدفة تدخلت أيضا فاختارت المواد التي يصنع منها السيراميك ووصلت به إلى هذه الدرجة من الجودة بدون تدخل إنسان.. إلخ ومع كل هذا فإن إمكانية وجود مبنى ضخم بكل ما يحويه من تحف وأثاث وأجهزة بمجرد الصدفة لهو أهون من وجود خلية حية واحدة!!

_____

(1) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 71 – 77.

الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟

هل الحياة مجرد تفاعلات كيميائية؟ وما هي مظاهر الحياة؟

هل الحياة مجرد تفاعلات كيميائية؟ وما هي مظاهر الحياة؟

هل الحياة مجرد تفاعلات كيميائية؟ وما هي مظاهر الحياة؟

3- الحياة ليست مجرد تركيب كيميائي

ليست الحياة مجرد تركيبا كيميائيا، والمظهر الكيميائي واحد من ثلاث مظاهر للحياة، والمظهران الآخران هما المظهر التشريحي والمظهر الفسيولوجي، ويقول د. حليم عطية سوريال ” أما القول بأن الحياة نشأت تدريجيا من المواد.. تمشيا مع ناموس النشوء والارتقاء على نحو ما ذكره الأستاذ شيفر في خطبته بالمجمع العلمي البريطاني سنة 1912م فلا يقبله العقل بتاتا، ويكفي لدحضه أن نذكر أن الحياة ليست مركبا كيميائيا، وأن لها ثلاثة مظاهر، وهو المظهر الكيميائي والمظهر التشريحي، والمظهر الفسيولوجي. أما المظهر الكيميائي فقد أشرنا إليه ويمكن فهمه إذا منعنا عن الكائن الحي عنصرا واحدا من العناصر التي يتركب منها فإنه ينهار بنيان حياته لا محالة.

ومن الوجهة التشريحية يلاحظ أن أجزاء الكائن الحي مرتبطة ببعضها ارتباطا في غاية الدقة والترتيب وحتى الخلية البسيطة ترينا أن أجزاءها ليست مبعثرة في داخلها خبط عشواء بل نرى أجزاءها الدقيقة وضعت بعناية فائقة في مواضع مخصوصة كعجلات وأتراس الساعة كذلك من الوجهة الفسيولوجية نرى أنه مع تعدد وظائف الحياة واختلافاتها، اتفاقا لغاية مخصوصة هي حفظ الحياة وحفظ النوع..

وتعدد مظاهر الحياة يبين استحالة توصل الإنسان إلى تكوين مخلوقات حية، ولا عبرة بالقول أن بعض الكيماويين توصل إلى صنع مواد عضوية مثل التي تصنعها البروتوبلازما وكان يجب على الذين يحاولون أن يصنعوا خلية حية أن يلموا بأسرار الحياة وأسرار البرتوبلازم التي مازالوا يجهلون عنها أكثر مما يعلمون. وهب أنهم توصلوا إلى صنع مادة كيماوية تشبه البروتوبلازما فهل تعتبر هذه خطوة نحو صنع كائن حي؟! وهل الكائن الحي مجرد مركب كيماوي؟! من ذلك يتضح أن محاولة صنع كائن حي هي إضاعة للوقت ومقضى عليه بالفشل”(1).

فمن جهة المظهر الكيميائي نجد الخلية تتركب من البروتوبلازم (وهو عبارة عن سيتوبلازم ونواة) واشتقت كلمة البروتوبلازم من البروتين، لأن البروتين هو الذي يكون البروتوبلازم، وتتكون مادة البروتين من خمس عناصر (كربون – أيدروجين – أكسجين – نيتروجين – كبريت) لا يمكن الاستغناء عن عنصر منها، ويقول د. ” فرانك اللن”.. ” أن البروتين الذي يدخل في تركيب الخلية الحية نباتية أو حيوانية يحتوي على خمسة عناصر الكربون والأيدروجين والنيتروجين والأكسحين والكبريت، ويبلغ عدد الذرات في الجزيء البروتيني الواحد 40 ألف ذرة، ولما كان عدد العناصر في الطبيعة نحو 103 عنصر، فإن احتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة في كل هذه الأعداد ضئيلا جدا لدرجة المستحيل”.

ومن جهة المظهر التشريحي فالخلايا تختلف بحسب وظيفتها، فالخلايا العصبية تختلف عن العضلية، والاثنتان تختلفان عن خلايا عضلة القلب، وخلايا الدم تختلف عن كل ما سبق وهلم جرا.. وجميعها تعمل في انسجام تام، فالخلية الواحدة لا توجد قط في حالة فوضى وتبعثر، إنما توجد في غاية من النظام والدقة، وأيضا تختلف أجهزة الإنسان وأعضائه، ولكن كلها تعمل في انسجام تام في منتهى الدقة والبراعة.

ويقول ” كريسي موريسون ” في مقاله ” كيف بدأت الحياة؟”.. ” ونحن بوصفنا كائنات بشرية يتكون كل منا من أمم منتظمة من بلايين فوق بلايين من أمثال تلك الخلايا، وكل خلية فينا كأنها مواطن صالح يؤدي نصيبه الكامل من الخدمة الخالصة، كأنه في ذكاء.. ففي أي مخلوق حي يجب أن تكيف نفسها لتكون جزءا من اللحم أو تضحي بنفسها كجزء من الجلد الذي لا يلبث أن يبلى..

وهذه الخلية ترغم كل نسلها على أن يؤدي الخدمات وأن يتبع دون انحراف.. أن مئات الآلاف من الخلايا تبدو كأنها مدفوعة لأن تفعل الشيء الصواب، في الوقت الصواب، وفي المكان الصواب، والحق أنها طائعة.. بيد أنك قد تقول الآن، ولكن كل هذا لا يفسر لنا كيف بدأت الحياة، أو كيف جاءت إلى هذه الأرض، والكاتب لا يعرف كيف إلا أن يكون هناك خالق قد أوجدها”(2).

أما المظهر الفسيولوجي فيتجلى في أنه رغم اختلاف الوظائف الحيوية لخلايا وأعضاء وأجهزة الإنسان، إلا أنها لا تتعارض قط، إنما تتكامل معا لحفظ حياة النوع من الأحياء.

_____

(1) تصدع مذهب داروين ص 80 – 83.

(2) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 213.

 

هل الحياة مجرد تفاعلات كيميائية؟ وما هي مظاهر الحياة؟

هل استطاع العلماء للآن التوصل إلى المادة الحية؟

هل استطاع العلماء للآن التوصل إلى المادة الحية؟

هل استطاع العلماء للآن التوصل إلى المادة الحية؟

2- فشل المحاولات للوصول للمادة الحية

لم يتمكن العلماء رغم كثرة التجارب التي أجروها من التوصل للمادة الحية، وجميع نظريات التوالد الذاتي فشلت في تفسير كيفية تكون الجزئيات الحية، فيقول د. أنور عبد العليم ” لم يتوصل أحد من العلماء حتى اليوم إلى تكوين جزئيات حية أو شيئا قريبا منها على الإطلاق، كما أن ثمة فراغات في هيكل نظرية نشأة الحياة لا بد من ملئها حتى تكتمل الصورة، وذلك الأمر لا ينكره العلماء المعاصرون أنفسهم الذين وضعوا أسس النظرية بل هم يسلمون به”(1).

وقال ” الكسندر ايفانوفيتش أوبارين ” A. I. Oparin أستاذ الكيمياء الحيوية بمعهد باخ بموسكو وعضو أكاديمية العلوم في المؤتمر الدولي الأول لعلوم البحار بنيويورك سنة 1959م والذي حضره مئات العلماء لبحث نشأة الحياة ” أن جميع المحاولات التي أجريت لتوليد الحياة من المواد غير العضوية سواء تحت ظروف طبيعية أو في المعمل قد باءت بالفشل”(2) كما قال “اسكندر أوبارين” أيضا (وهو أحد دعاة التطور) في كتابه ” أصل الحياة ” سنة 1936م ” لسوء الحظ، مازال أصل الخلية سؤالا يشكل -في الواقع- أكثر نقطة مظلمة في نظرية التطور بأكملها”(3)(4).

وقال الأستاذ ” كلاوس دوز ” رئيس معهد الكيمياء الحيوية بجامعة جوهانز جوتنبيرج ” لقد أدت أكثر من ثلاثين سنة من إجراء التجارب عن أصل الحياة في مجالات التطور الكيميائي والجزيئي إلى الوصول إلى إدراك أفضل لضخامة مشكلة أصل الحياة على الأرض بدلا من حلها، وفي الوقت الحالي فإن المناقشات الدائرة حول نظريات وتجارب أساسية في هذا المجال إما أن تنتهي إلى طريق مسدود أو إلى اعتراف بالجهل(5)(6).

ويقول الكيميائي الجيولوجي ” جيفري باد”.. ” ونحن نترك القرن العشرين اليوم، نواجه أكبر مشكلة لم يتم حلها استمرت معنا منذ دخولنا القرن العشرين، ألا وهي: كيف بدأت الحياة على الأرض”(7)(8).

إن العلم لا يدرك ماهية الروح، ولا يدرك سر الحياة، كل ما يدركه العلم هو مظاهر الحياة من تغذية ونمو وحركة وتنفس وانفعالات، وتكاثر.. إلخ، ويقول ” جون ألدر”.. ” عندما يموت الكائن الحي، فإننا لا نرى شيئا يخرج من جسده المنظور، ولكننا نعرف أنه مات أو فقد الحياة. إن جسده هو هو في مظهره بعد مضي ساعة على موته، كما كان قبل موته، ولكننا نعرف أن الحياة قد فارقته. فإن كانت الحياة موجودة ولو أنها غير منظورة، فلا غرابة على الإطلاق إن كان مصدرها موجودا ولو كان غير منظور، فالعقل والعلم ينتهيان من جهة الحياة إلى الله كأصلها ومنشئها”(9)(10) وقد سبق ” جورج ” ابن ” تشالز داروين ” وقال ” إن سر الحياة سيظل كما هو.. لا يسبر غوره”(11).

وحتى لو فرضنا جدلا أن الإنسان نجح في تصنيع خلية حية، فسيظل السؤال: ومن الذي خلق العناصر التي كونت هذه الخلية؟ وحتى لو فرضنا المستحيل أن العلماء نجحوا في تكوين جسم إنسان، فمن أين لهم بالروح سر الحياة..؟

لقد نجح العالم الروسي الملحد ” اسكندر أوبارين ” في تكوين يشبه إلى حد كبير البروتوبلازم، ولكنه فشل في أن يجعل هذا التجمع يقوم بالوظائف الحيوية التي تقوم بها الخلية الحية، وأيضا فشل الإنسان تماما في التغلب على قضية الموت وحفظ الحياة، حتى عندما أعلن عالم روسي أنه اخترع جهازا كهربائيا يعيد للغدد البشرية حيويتها، أعترف في نفس الكتاب قائلا ” أن الموت هو الصعوبة الوحيدة التي أعيت حيل العلم وأثبطت همم العلماء، وهو العدو الوحيد الذي لا يستطيع الإنسان قهره أو صده”(12)(13) كما أن الاستنساخ لا يعني أبدا قدرة الإنسان على خلق الحياة، لأن النعجة دوللي مثلا لم يتم استنساخها من مجرد مواد كيميائية، بل من خلية حية.

_____

(1) قصة الحياة ونشأتها على الأرض ص 153.

(2) المرجع السابق ص 112.

(3) Alexander I , Oparin , Origint of Life , P. 196.

(4) أورده هارون يحيى – خديعة التطور ص 106.

(5) Klaus Dose , the Origin of Life: More Questions than Answer – Jnterdis ciplimary Science Revieus , Vol 13 , No. 4 , 1988 , P. 348.

(6) المرجع قبل السابق ص 106.

(7) Jeffery Bada , Earth , P. 40.

(8) المرجع قبل السابق ص 106.

(9) الإيمان بالله ص 23.

(10) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 58.

(11) المرجع السابق ص 48.

(12) أسرار الحياة ص 112.

(13) نيافة الأنبا بولا أسقف الغربية – الكتاب المقدس والعلم ص 35.

هل استطاع العلماء للآن التوصل إلى المادة الحية؟

لاهوت الآباء – مدخل إلى علم الآباء

لاهوت الآباء – مدخل إلى علم الآباء

لاهوت الآباء – مدخل إلى علم الآباء

لاهوت الآباء – مدخل إلى علم الآباء

الكنيسة الأرثوذكسية هى كنيسة كتابية وآبائية بأن واحد . فهى كنيسة الآباء الذين تكلموا بإلهام الروح القدس نفسه الذى ألهم الرسل القديسين ، فعمل الروح القدس لم ينته بانتهاء عصر الرسل بل استمر ويستمر إلى الأبد، إذ أنه مقيم فى الكنيسة حسب وعد المسيح (أنظريو17:14) . إنه يعمل فيها على الدوام ويعطى أعضاءها مواهب العنصرة وخبراتها ويعلن لهم الحق الإلهى إن هم استجابوا لندائه . الرب نفسه قال لتلاميذه : ” أما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم ” (يو26:14،27) . وأيضًا : ” متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق ” (يو13:16،14) .

فبنعمة الروح الذى يعمل فيهم ، يعبّر الآباء عن الحقيقة الإنجيلية نفسها ، كما أنهم يحصلون على خبرة روحية عميقة ويعيشون حياة النعمة ، ويحدثون بعظائم الله ولذلك فعلى الرغم من أن كتاباتهم مكتوبة بأسلوب منطقى وأحيانًا بلغة فلسفية ، إلاّ أنها بسيطة ونابعة كما قلنا من خبرة حقيقية . فتعليمهم غير منفصل عن الحياة فى المسيح وعن حياة التأمل والصلاة .

لاهوت الآباء ينبع من نقاء النفس وشفافية الوجدان والتخمير بخميرة المسيح ، ومن قهرهم لقوى الشر التى فى هذا العالم ، هو ناتج من عمل الروح القدس ، إذ أنهم مستنيرون من الروح القدس وملهمون من الله .

+ علم اللاهوت لا ينمو إلاّ بالعمل الروحى من ناحية والمشاركة الإنسانية من الناحية الأخرى ، لذلك ، نجد أن كل أب من آباء الكنيسة يقدم، بنور الروح القدس العامل فيه ، شيئًا جديدًا ، أو خبرة جديدة ، أو توضيحًا جديدًا، أو معرفة جديدة ، على أن هذه المعرفة هى امتداد للمعرفة الإنجيلية والآبائية السابقة عليه . فالجديد الذى يحمله كل أب هو جديد من ناحية التعبير ، سواء تعبيرات الإنجيل أو تعبيرات الآباء السابقين له ، لكنه ليس بدعة جديدة أو تعليمًا جديدًا ، لأن تعليمه مماثل لتعليم الكنيسة المستقر من قبل هذا التعبير الجديد . بل أن خبرة كل أب تصبح خبرة الكنيسة نفسها لأنه كأب يتكلم من قلب الكنيسة . وهذه التعبيرات الجديدة التى يقدمها كل أب ليست خارجية فقط إنما هى مرتبطة باختباره للحقيقة التى يعلنها الله له.

+ إنه قول تنقصه الدقة أن يُقال أن كل أب له خط لاهوتى خاص به ، لأن هذا القول سيقودنا إلى إنكار أنهم يعلنون جميعًا الحق الواحد وسيعطلنا عن الاستفادة من الخبرة الإلهية التى حصل عليها كل أب .

طبعًا نحن لا ننكر أنه توجد فى بعض الأحيان اختلافات بين أب وأب ، لكن هذه الاختلافات لا تمس الأساس نفسه . بل هى دليل على أن الروح القدس لا يسلب الإنسان حريته ولا يلاشى شخصيته .

ونحن نسلم بأن بعض الكُتاب الكنسيين وقعوا فى بعض الأخطاء غير الجوهرية ولكن الكنيسة لم ترفضهم بل رفضت هذه الأخطاء .

الإيمان وموجباته المنطقية بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله

الإيمان وموجباته المنطقية بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله

الإيمان وموجباته المنطقية بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله

الإيمان وموجباته المنطقية  بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله

تؤمن الكنيسة المسيحية الحقة بأن الكتاب المقدس هو كلمة إعلان من عالم آخر، مصدرها الله، إله السماء المثلث الأقانيم. الدليل على كونها كلمة معلنة، منتشرة على صعيد واسع ومتكرر على صفحات الأسفار المقدسة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مصدرها الإلهي، وعصمتها، وحقيقة كونها منزهة عن الخطأ.

كنت في الفصل الثاني تناولت تعليم يسوع بخصوص المصدر فوق الطبيعي للكتاب المقدس، واكتساب تعليمه بالطبع أهمية بالغة. وفي هذا الفصل الثالث، أود الاستفاضة أكثر في شهادة الكتاب المقدس عن نفسه، الأمر الذي يظهر أنه فعلاً كلمة الله المعلنة والموحى بها. سنرى كيف أن الكتاب المقدس ولو أقدم رجال على كتابته بأكمله، فهو يظهر لنا أيضاً على أنه كلمة الله بالتمام، ذلك لأن روح الله الحي هو الذي أوحى لرجال كتابته على صعيدي الكل والأجزاء. إلا أن العلاقة بين كُتاب الكتاب المقدس من جهة وروح الله من جهة أخرى.

لم تكن من قبيل مجرد التعاون أو المشاركة في التأليف. فالرجال ما كان بوسعهم أن يكتبوا الكتاب المقدس (ولا كانوا ليحاولوا الإقدام على ذلك) بمعزل عن عمل الإشراف الذي قام به الروح القدس. فالروح القدس هو مؤلف الأسفار المقدسة بشكل أساسي وأعمق مما كان بمقدور الكتاب البشريين أن يكونوا عليه (أو يتمنون ذلك). كان الله هو المؤلف الرئيس للأسفار المقدسة (أوكتر بريماريوس سكريبتورا ساكرا). أما الكتاب البشريون فيعتبرون كتاب الكتاب المقدس على قدر ما كلفهم الروح القدس بذلك، وأطلقهم ودفعهم إلى الكتابة (مانداتم أوت إمبلسم سكريبندي). فالكتاب المقدس في الكل أو في الجزء، لم يكن ليوجد للحظة واحدة لولا تكليف الروح القدس وطابع الوحي فيه.

لذا، فإن اعتبار الكتاب المقدس مجرد مكتبة من الوثائق القديمة الجديرة بالثقة على وجه العموم (كيف بوسع أحدهم التحقق من هذا؟) من نتاج مؤلفين بشر، كما يرغب بعض المدافعين الإنجيلين في القيام به (على الأقل في البداية) كجزء استراتيجيتهم الدفاعية[1]، فإن هذا ينطوي على تجاهل الحقيقة الأكثر جوهرية حول الكتاب المقدس مع الادعاء الرئيس للكتاب المقدس حول نفسه.

إن اقتناع الكنيسة بكون الروح القدس هو المؤلف الرئيس للأسفار المقدسة يحتم اقتناعاً آخر، هو أن تأثير إشراف الروح القدس في أذهان الكتاب فيه الضمان على أنهم سيكتبون بكل دقة ما أرادهم الله أن يقولوه. بكلام آخر، بما أن إله لاحق، من خلال روح الحق، أوحى إلى كتاب الكتاب المقدس كتابة ما أرادهم أن يكتبوا، فيكون قد أسفر عن ذلك في النهاية نتاجاً منزهاً عن الخطأ في صيغته الأصلية.

أما الشخص الذي يؤمن بأن الله، إله الحق، أوحى بالكتاب المقدس، لكن الكتاب المقدس لم يكن منزهاً عن الخطأ في صيغته الأصلية، فأقل ما يقال فيه أنه يعاني مشكلة رئيسية من زاوية فلسفة المعرفة. إلى ذلك، إن فاتنا إدراك صوت السيد من خلال الأسفار المقدسة وهو يخاطبنا بحقه المعصوم من عالمه إلى عالمنا، نحن بذلك ندمر نفوسنا ليس من زاوية المعرفة وحسب، بل شخصياً أيضاً.

ذلك لأننا بفعلنا هذا إنما نتخلى عن الأساس الأوحد لمعرفتنا اليقينية “والركيزة ذات معنى” الوحيدة التي تمكننا من المعرفة الحقة لله الواحد اللامتناهي والشخصي، وبالتالي أنفسنا كأشخاص أصحاب كرامة وقيمة[2]. والآن، لماذا على المسيحيين أن يؤمنوا بكل هذا؟ ولماذا عليّ أنا وأنت ان نؤمن به؟

[1] راجع

Benjamin B. Warfield, The Inspiration and Authority of the Bible (Philadelphia: Presbyterian and Reformed, 1948), 210; John Warwick Montgomery, History and Christianity (Downers Grove, Illinois: InterVarsity Press, 1972) 25-26; R. C. Sproul, John Gerstner, and Lindsley, Classical Apllogetics (Grand Rapids: Zondervan, 1984), 137-55.

[2] راجع كتابي

The Justification of Knowledge (Phillipsburg, N. J. : Presbyterian and Reformed, 1976)

حيث حاججت حول كون الكتاب المقدس يبقى الأساس الأوحد للمعرفة اليقينية عند الإنسان. إن جزءًا ضرورياً من كامل حجتي هناك، هي أن الكتاب المقدس كإعلان إلهي، يقوم بالضرورة بإثبات صحته بنفسه أو يصادق بنفسه على نفسه، بما أنه يحمل في طياته مؤشراته الإلهية (انديسيا) (15-16؛ راجع في هذا الصدد Westminster Confession of Faith I/v أنا أصر أيضاً على أن الكتاب المقدس، بفضل عقيدته عن الخلق، يمنح الإنسان الأساس الأوحد لتسويغ وجود وقيمة لشخصه وسنسهب أكثر في الحديث عن هذا لاحقاً.

الروح والحرف 10 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 10 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 10 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 10 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

 الفصل (51): الإيمان هو أساس كل بر

 

          اقترح بر الناموس في تلك النصوص التي كل من يفعلها يحيا فيها؛ ويكون الغرض هو أن عندما يكتشف كل فرد ضعفه لا يقدر بقوته الذاتية ولا بحرف الناموس (الذي لا يقدر أن يفعله) ولكن بالإيمان جامعا بين الله الذي يبرر، فيدركه، ويفعله، ويعيش فيه.

إذ أن العمل الذي يعيش فيه من يقوم يفعله لا يتم إلا بواسطة الشخص الذي تبرر ومع ذلك فإن تبريره قد حصل عليه الإيمان ومكتوب بخصوص الإيمان “وأما البر الذي بالإيمان فيقول هكذا لا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء أي ليحد المسيح أو من يهبط إلى الهاوية أي ليصعد المسيح من الأموات.

لكن ماذا يقول. الكلمة قريبه منك في فمك وفي قلبك أي كلمة الإيمان التي نكرز بها لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت” (رو10: 6-9)

          وكلما خلص كلما كان بارا لأن بهذا الإيمان نثق أن الله سيقيمنا من الموت حتى الآن في الروح لكي يمكننا في هذا العالم الحاضر أن نعيش بتعقل وبر وتقوى في تجديد نعمة الله وعما قريب في جسدنا الذي سيقوم ثانية للخلود

          وهو في الحقيقة ثواب الروح الذي يسبقه قيامة تخص الله ويكون هذا بالتبرير “لأننا دفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضا في جده الحياة” (رو6: 4)

          لذلك فإننا ننال الخلاص بالإيمان بيسوع المسيح سواء المسيح سواء كان هذا بالحقيقة في داخلنا وفي حد ترقب إتمامه: “لأن كل من يدعو باسم الرب يخلص” (رو10: 13) ويقول المرتل: “ما أعظم جودك الذي ذخرته لخائفيك وفعلته للمتكلين عليك تجاه بني البشر” (مز31: 19″). بالناموس نخاف الله وبالإيمان نرجو في الله.

          ولكن النعمة تختفي في الذين يخافون العقاب- والنفس التي تعمل تحت هذا الخوف بما أنها لم تتغلب على شهوتها الشريرة والتي لم يختف منها هذا الخوف الذي يشبه سيدا قاسيا- ليتها تلتجيء إلى رحمة الله لكي يعطيها ما يأمر به ملهما فيها عذوبة نعمته بروحه القدوس يجعل النفس تبتهج أكثر بما يعلمها الله مما تبتهج بما يعارض إرشاداته بهذه الطريقة تكون أن عذوبة الله الوفيرة التي هي ناموس الإيمان- محبة الله التي هي في قلوبنا، ومنسكبة فيها ويكون الرجاء في الله كاملا فيها- هذا الصلاح يمكن أن تصنعه النفس- لا يبرأ بالخوف من العقاب ولكن بمحبة الب

 

 الفصل (52): النعمة تثبت الإرادة المطلقة

 

          أفنبطل إذاً الإرادة المطلقة بالنعمة؟ حاشا كلا فإننا نثبت الإرادة المطلقة لأنه حتى ناموس الإيمان لا يبطل الإرادة المطلقة بل يثبتها. لأنه لا يتم الناموس إلا بإرادة مطلقة ولكن بالناموس معرفة الخطية، بالإيمان إحراز النعمة ضد الخطية، بالنعمة شفاء النفس من مرض الخطية، بصحة النفس حرية الإرادة، بالإرادة الحرة محبة البر، بمحبة البر إتمام الناموس.

وبناءاً على ذلك فإن الناموس لم يبطل بل أثبت بالإيمان لأن الإيمان ينال النعمة التي بها يتم الناموس لذلك فإن الإرادة الحرة لا تبطل بالنعمة بل تثبت لأن النعمة تعالج الإرادة التي بها يصبح البر محبوبا جدا.

          والآن فكل المراحل التي جمعتها مما في ربط متوالٍ لها أصواتها الخاصة في الكتب المقدسة: يقول الناموس “لا تشته” (خر20: 17) ويقول الإيمان “اشف نفسي لأني قد أخطأت إليك” (مز 41: 4) ويقول النعمة: “ها أنت قد برئت فلا تخطيء أيضا لئلا يكون لك أشر” (يو5: 14) وتقول الصحة: “يا رب إلهي استغثت بك فشفيتني” (مز30: 2) وتقول الإرادة المطلقة: “أذبح لك منتدبا” (مز54: 6)

          وتقول محبة البر: “المتكبرون قد كروا لي حفائر ذلك ليس حسب شريعتك ” (مز119-85). إذاً كيف يجرأ هؤلاء الناس المساكين أن يفتخروا إما بإرادتهم الحرة قبل أن يتحرروا أو بقوتهم الذاتية لو كانوا قد تحرروا؟

          أنهم لم يدركوا أن مجرد ذكرهم للإرادة الحرة ينطقون اسم الحرية. ولكن “حيث روح الرب هناك حرية” (كو3: 17) فلذلك لو كانوا عبيدا للخطية فلماذا يفتخرون بالإرادة الحرة؟ لأنه ما انغلب منه أحد فهو لو مستعبد أيضا (2بط2: 19) ولكن إذا تحرروا لماذا يفتخرون بأنفسهم كما لو كان هذا من فعلهم ويفتخرون كما لم يأخذوا؟ أو هل يتحرون لدرجة أنهم لا يختارون الله رباً لهم الذي يقول لهم: “بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً” (يو15: 5)

          “وإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارا”؟ (يو8: 36)

 

 الفصل(53): الإرادة والمقدرة

 

          بيسأل البعض هل الإيمان نفسه الذي يبدو منه أن يكون إما بذاته الخلاص أو بداية لتلك السلسلة التي تقود إلى الخلاص التي ذكرتها سابقا- يكون في مقدرتنا يمكننا أن نرى ذلك بسهولة إذا درسنا جيدا معنى كلمة “مقدرتنا” إذاً يوجد شيئان: الإرادة والمقدرة..

من المتبع أن ليس كل من عنده الإرادة عنده بناءاً عليها المقدرة أيضا لأننا أحيانا نريد شيئا لا نقدر أن نفعله وكذلك أيضا أحيانا يمكننا عمل شيء لا نريده وعندما نتأمل جيدا الكلمات نفسها سنكتشف أن كلمة “volition” مشتقة من willingness –

وكلمة “ability” مشتقة من “ableness” [that is, in the Latin “volutes” choice, will, volition comes from “velle” (to wish, desire, determine) and patestas (power, ability) from posse” (to be able).-w] ” بناءاً على ذلك فإن الإنسان الذي يرغب له الإرادة، كذلك أيضا الذي يقدر له المقدرة- ولكن لابد أن توجد الإرادة لكي يتم فعل شيء بالمقدرة.

إذ أن عادة لا يفعل أي إنسان شيئا بمقدرته لو فعله كرها بالرغم من، في نفس الوقت، لو لاحظنا بأكثر تدقيقا- حتى الشيء الذي أجبر الإنسان أن يفعله كارها فهو يفعله بإرادته؛ إلا أنه يدعي فاعل غير راغب أو يفعل ضد إرادته لأنه يفضل شيئا آخر. أنه بالحقيقة مجبرا ببعض التأثير السماء أن يفعل ما يفعله تحت إجبار راغبا في تخلصه أو إزالته من طريقة. لأنه لو كانت إرادته قوية جدا حتى أنه يفضل أن لا يفعل هذا لكي لا يعاني من تلك وفوق كل شك فإنه يعارض النفوذ الإجباري ولا يفعله.

وبناءاً على ذلك لو فعله فلا يكون بإرادة كاملة وحرة. ولا يقبله أيضا بدون إرادة وبما أن الإرادة يتبعها تأثيرها فلا نقدر أن نقول أنه يحتاج إلى المقدرة على فعله- وإذا رغب في الحقيقة أن يفعله مستسلما للإجبار ولكنه لم يستطع بالرغم من أننا لو سمحنا بوجود إرادة مجبرة فسوف نقول أيضا أن المقدرة لم تكن موجودة.

ولكن عندما لم يفعل الشيء لأنه كان غير راغب إذاً بالطبع كانت المقدرة موجودة ولكن الإرادة لم تكن موجودة لأنه لم يفعله بصده للتأثير المجبر. لهذا فإن حتى الذين هم يجبرون أو يقنعون اعتادوا أن يقولوا لماذا لم تفعل ما في مقدرتك، لكي تتجنب هذا الشر؟

بينما الذين هم غير قادرين تماما أن يفعلوا ما أجبروا على عمله لأنهم افترضوا أن يكونوا قادرين دائما ويجيبون مشتكين أنفسهم ويقولون كنت أحب أن أفعله لو كان ذلك في مقدرتي. فماذا نطلب أكثر لأننا نسمي المقدرة عندما تضاف إلى الإرادة كفاءة العمل؟ بناءاً على ذلك يقال أن كل فرد يفعل ما في مقدرته إذا أراد- وأن لا يفعل إذا لم يرد.

 

 الفصل (54): هل الإيمان في مقدرة الإنسان

 

          أصغ الآن إلى النقطة التي نطرحها للمناقشة: هل الإيمان في مقدرتنا؟

          نحن نتكلم عن ذلك الإيمان الذي نستعمله عندما نصدق أي شيء وليس ذلك الذي نعطيه عندما نصنع وعدا، لأن هذا يسمى إيمان.

          نحن نستعمل الكلمة بمعنى عندما نقول: “ليس عنده ثقة فيَّ” وبمعنى آخر عندما نقول:”لا يحفظ الثقة معي” وتعني الجملة الأولى” أنه لا يصدق ما أقوله” وتعني الجملة الثانية “أنه لم يفعل ما وعد به”

          بموجب الإيمان الذي نؤمن به فإننا نكون أمناء لله ولكن بموجب ذلك الذي به يمر الشيء الذي يتعهد به الله نفسه يكون أمينا لنا، لأن الرسول يصرح: “الله أمين الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون” (1كو10: 13)

          إن الأول هو الإيمان الذي نسأل عنه هل هو في مقدرتنا؟ حتى الإيمان الذي به نصدق الله أو نؤمن بالله إذ أنه مكتوب عن هذا: “آمن إبراهيم بالله فحسب له براً” (رو4: 3-تك15: 6)

          تأمل الآن إذا آمن أي شخص وكان كارها أو إذا لم يؤمن وكان يرغب ذلك مثل هذا الوضع في الحقيقة يعتبر غير معقول (لأن الذي يعتقد بل راضيا بصدق ما قيل؟ وهذا الرضى هو بكل تأكيد إراديا) لذلك فإن الإيمان هو في مقدرتنا. ولكن مثل ما يقول الرسول: “لأنه ليس سلطان إلا من الله” (رو13: 1) فماذا يكون السبب إذاً لماذا لم يقل لنا حتى عن هذا: “لماذا تفتخر كأنك لم تأخذ؟” (1كو4: 7) لأنه حتى الله هو الذي يعطينا أن نؤمن. ومهما كان فإننا نجد أصلا هذا التصريح في الكتاب المقدس مثل: ليست مشيئة إلا وتأتي من الله.

          وبالحقيقة لم تكتب كذلك لأنها ليست صادقه. وإلا سيكون الله منشيء الخطايا (حاشا!) وإذا لم تكن هناك إرادة أخرى سوى التي تأتي من الله نظرا لأن أي إرادة شريرة هي وحدها خطية إذا كانت بدون سبب- بمعنى آخر إذا لم تكن لها المقدرة. ولكن إذا أخذت الإرادة الشريرة المقدرة على إتمام غرضها فإن هذا يصدر عن حكم الله الذي به لا يوجد شر (رو9: 14) ويعاقب الله على هذا النمط، ولا يكون قصاصه غير عادل لأن هذا سرا

          مع أن الإنسان الشرير لم ينذر بأنه سيعاقب إلا عندما يكتشف بغير إرادته بعقاب مكشوف كم ارتكب الشر بإرادته كثيرا.

          هذا تماما ما قاله الرسول عن بعض الناس: “أسلمهم الله في شهوات قلوبهم…. ليفعلوا ما لا يليق” (رو1: 24، 28)

          لذلك قال الرب أيضا لبيلاطس: “لم يكن لك علىَّ سلطان البتة لو لم يكن قد أعطيت من فوق” (يو19: 11) ولكن أيضا عندما تعطى المقدرة، فبكل تأكيد ليست هناك ضرورة مفروضة.

لذلك مع أن داود أخذ المقدرة على قتل شاول إلا أنه فضل مصارعته عن ضربه (1صم24: 7، 26: 9) لذلك أن الناس الأشرار يأخذون المقدرة لأجل الدينونه على إرادتهم الدنيئة بينما يأخذ الناس الصالحين المقدرة لكي يختبروا إرادتهم الصالحة.

 

 الفصل (55): ما هو الإيمان الحميد

 

          بما أن الإيمان إذاً هو في مقدرتنا نظراً إلى أن كل فرد يؤمن عندما يريد وعندما يؤمن يكون ذلك طوعاً ويكون تحقيقنا التالي الذي يجب أن نجريه بعناية: ما هو الإيمان الذي يمدحه الرسول بغيرة كبيرة؟ إذ أن الإيمان الذي لا يميز لا يعتبر صالحا.

          لذلك نجد هذا التحذير: “أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله” (1يو4: 1) ولا يجب أن عبارة مدح المحبة “التي تصدق كل شيء” (1كو8: 7) تفهم كذلك كما لو كنا تستخف بمحبة أي إنسان إذا رفض أن يصدق ما يسمعه في الحال لأن نفس المحبة تحذرنا أنه لا يجب علينا أن نصدق بسرعة أي شيء يقال على الأخ. وإذا قيل شيء من هذا النوع عنه فهل عدم تصديقه هذا يحسب مناسبا جدا لسجيته؟ أخيرا نفس المحبة “التي تصدق كل شيء” لا تصدق كل روح.

          بناءاً على ذلك فإن المحبة تصدق كل شيء بدون شك ولكن تثق في الله. لاحظ أنه لم يقل أنها تثق في كل الأشياء لذلك لا يمكن أن يشك في أن الإيمان الذي يمدحه الرسول هو الإيمان الذي به نثق في الله (رو4: 3)

 

 الفصل (56): يختلف إيمان الذين تحت الناموس من إيمان الآخرين

 

          ولكن مع ذلك يوجد اختلاف آخر يجب أن نلاحظه

          بما أن الذين هم تحت الناموس كل يسعى ليعمل بره خلال الخوف من العقاب، ويفشلون في عمل بر الله لأن هذا تم بواسطة المحبة للذي يسر فقط بما هو ليس شرعياً، وليس بالخوف الذي يجبر بأن يكون في عمله الشيء الشرعي- بالرغم من أنه عنده شيئاً آخر في إرادته الذي يفضله إذا كان هذا ممكنا أن هو ليس شرعياً يصبح شرعياً.

هؤلاء أيضاً يثقون في الله لأنهم لو لم يكن عندهم إيمان بالله بالطبع أيضاً لا يكون عندهم أي خوف من عقاب ناموسه ومع ذلك فليس هذا هو الإيمان الذي يمدحه الرسول فهو يقول: ” إذا لم تأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبانا الآب” (رو15:8)

          إذاً فالخوف الذي نتكلم عنه هو استعبادي ولذلك مع وجود إيمان بالرب إلا أنه لا يحب البر به بل يخاف العقاب. مع ذلك ينادي أولاد الله: “أبانا الآب” إحدى الكلمات التي ينطق بها الختان، والأخرى إحدى كلمات الغرلة. اليهودي أولا ثم اليوناني (رو9:2) “لأن الله واحد هو الذي سيبرر الختان بالإيمان والغرلة بالإيمان” (رو30:3)

          وفي الحقيقة عندما نطقوا هذا النداء فإنهم يطلبون شيئاً، وماذا يطلبون غير ذلك الذي يجوعون ويعطشون إليه؟ وماذا يكون هذا غير ذلك الذي قيل عنهم: “طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون” ؟ (مت6:5) –

دع إذاً هؤلاء الذين تحت الناموس يجتازوا إلى هنا ويصبحوا أبناء بدل العبيد، وأيضاً لا يبطلون أن يكونوا عبيداً فقط بل أيضاً بينما هم أبناء مازالوا يخدمون ربهم وأبيهم بحرية لأن Only begotten : “وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه” (يو12:1) وقد نصحهم الله أن يسألوا ويطلبوا ويقرعوا لكي يعطوا ويجدوا ويفتح لهم (مت7:7)

          لذلك فإن ذلك الناموس الذي هو قوة الخطية يشعل شوكة الموت وحتى الخطية وهي متخذه فرصة بالوصية أنشأت كل شهوة فيهم، فمن الذي يجب أن يطلبون منه عطية العفة تسوى الله الذي يعرف كيف يعطي أولاده عطايا صالحة؟

          ربما مع ذلك يكون إنسان في حماقته غير دارٍ بأن لا أحد يستطيع عفيفاً إلا إذا أعطاه الله هذه العطية وفي الحقيقة لكي يعرف هذا فهو يطلب الحكمة نفسها (الحكمة 21:8) لماذا إذاً لم ينصت لروح أبيه متكلما على لسان رسول المسيح أو حتى المسيح نفسه الذي يقول في إنجيله ” اطلبوا تجدوا ” (مت7:7) والذي يقول أيضاً بواسطة رسوله:

” إن كان أحدكم تعوزه حكمة فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعير فسيعطي له ولكن ليطلب بإيمان غير مرتاب البتة” (يع 5:1، 6) هذا هو الإيمان الذي يحيا به البار (رو 1: 17) هذا هو الإيمان الذي به يؤمن بالذي يبرر الفاجر (رو5:4) – هذا هو الإيمان الذي بواسطته انتفى الافتخار (رو27:3) إما بتقهقر ذاك الذي به نصبح منتفخين بأنفسنا أو بقيامة ذاك الذي معه نتمجد في الرب.

هذا أيضا هو الإيمان الذي به ننال هبة “الروح” الذي قيل عنها: “فإننا بالروح من الإيمان نتوقع رجاء بر” (غلا5:5) ولكن هذا يسلم أيضا بسؤال إذا قصد “برجاء بر” ما يرجوه البر أو الذي به يكون البر هو نفسه ما نرجوه؟ لأن البار الذي يحيا بالإيمان يرجو الحياة الأبدية دون أدنى شك وكذلك الإيمان الذي يجعل الجياع والعطاش إلى البر يتقدمون به بتجديد الداخل يوما فيوما (2كو16:4) ويرجو أن يشبع به في الحياة الأبدية. حيث يتحقق ما قيل عن الله في المزمور: “الذي يشبع بالخير عمرك” (مز5:103).

          وأيضا هذا هو الإيمان الذي به خلصوا والذين قيل عنهم: “لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان وذلك ليس منكم هو عطية الله. ليس من أعمال كي لا يفتخر أحد. لأننا نحن مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها”(أف8:2-10) وهذا باختصار هو الإيمان الذي لا يعمل بالخوف بل بالمحبة (غلا6:5) ليس بالخوف من العقاب ولكن بمحبة البر.

لذلك من أين تنشأ هذه المحبة – أي الود – بأي إيمان تعمل إذا لم يكن من نفس المصور الذي يأخذ منه الإيمان نفسه؟ لذلك لا يمكن أن يكون داخلنا حتى تتسع فينا إلا إذا انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا (رو5:5).

          والآن “محبة الله” وقد انسكبت في قلوبنا ليس لأن الله يحبنا ولكن لأنه جعلنا أحباء له بالضبط مثل “بر الله” (رو21:3) تستعمل بمعنى أننا نصير أبراراًَ بواسطة عطية الله.”وأيضاً خلاص الرب” (مز3: 8) بمعنى أننا به نخلص وأيضاً “الإيمان بيسوع المسيح” (غلا16:2) لأنه يجعلنا مؤمنين به – هذا هو بر الله الذي لا يعلمنا إياه فقط بوصية ناموسه بل أيضا يمنحنا إياه بروحه القدوس.

 

 الفصل (57): من أين تأتي الإرادة التي تجعلنا نؤمن

 

          باختصار يبقى لنا أن نسأل, هل الإرادة التي بها نؤمن تكون نفسها عطية من الله أم إنها تنشأ من تلك الإرادة المطلقة التي غرست طبيعيا فينا؟

          إذا قلنا إنها ليست عطية من الله فلابد إذاً أن نتعرض للخوف من افتراضنا إننا اكتشفنا بعض الإجابة على نداء الرسول التوبيخي: “لأنه من يميزك وأي شيء لم تأخذه. وإن كنت قد أخذت فلماذا تفتخر كأنك لم تأخذ؟ (1كو7:4) وحتى مثل هذه الإجابة: “انظر أن لدينا الإرادة أن نصدق الذي لم نأخذه انظر في أي شيء تفتخر حتى فيما لم نأخذ!

          ومع ذلك سيكون سخيفا لو قلنا أن هذا النوع من الإرادة لا يعتبر شيئا بجانب عطية الله كي لا يستطيع الغير المؤمنين والفجار أن يجدوا بعض العذر لعدم إيمانهم في حالة رفض الله إعطائهم هذه الإرادة والآن هذا الذي يقوله الرسول:

“لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة” (في13:2) يخص تلك النعمة التي يحميها الإيمان لكي تكون الأعمال الصالحة في مقدرة الإنسان حتى الأعمال الصالحة التي يتممها الإيمان بالمحبة التي تنسكب في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا إذا آمنا إنه يمكننا أن ننال هذه النعمة (وطبعا نؤمن اختياريا) حينئذ يظهر السؤال. من أين نحصل على هذه الإرادة؟ إذا كانت من الطبيعة فلماذا لا تكون تحت أمر كل إنسان لأن الله هو وحده خلق كل الناس؟

          وإذا كانت من عطية الله, فلماذا إذاً لم تتح (تمنح) هذه العطية للجميع لأن: “الله يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون”؟ “(1تي4:2).

 

 (الفصل 58): إرادة الإنسان الحرة هي قوة متوسطة

 

          دعنا أول كل شيء نطرح هذا الاقتراح ونرى هل يكفي الموضوع الذي هو أمامنا: الإرادة الحرة التي هي طبيعيا أعطاها الله لعقلنا السديد في مثل هذه القوة المتوسطة مثل استطاعتها أما أن تميل ناحية الإيمان أو تتحول إلى عدم الإيمان ونتيجة لذلك فلا يمكن أن يقال أن الإنسان له تلك الإرادة التي بها يؤمن بالله دون أن يأخذها لأن هذا صور في نداء الله بعيدا عن الإرادة الحرة الذي يأخذها الإنسان طبيعيا عندما خلق.

لأن الله بدون شك يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون (1تي4:2) ولكن مع ذلك لا ينتزع منهم الإرادة المطلقة لأن الاستعمال الصالح أو السيئ لما يستطيعون عمله لابد أن يقدر على أساس من البر وتكون هذه هي حالة من لا يؤمنون الذين يفعلون ضد إرادة الله عندما لا يؤمنون بإنجيله ومع ذلك لا يخضعون لإرادة ولكن يسلبون أنفسهم من الصلاح العظيم بل الأعظم ويومتون أنفسهم في استحقاقات العقاب وبالخبرة مقضي عليهم بسلطان الله في العقاب الذين استهانوا برحمته في عطاياه.

          وهكذا فإن إرادة الله لا تقهر على الأبد ولكن تقهر إذا لم تدبر ماذا تفعل مع مثل هؤلاء الذين يستهينون بها أو إذا استطاع هؤلاء المستهينون بأي طريقة الهروب من العقاب الذي رسمه الله لمثل هؤلاء وعلى سبيل المثال. افترض أن سيدا جاء يقول لخدامه أريدكم أن تعملوا في كرمي. وبعد إتمام العمل ستعيدون وتأخذون الراحة.

ولكن الذي في نفس الوقت يستدعى آخر رفض أن يعمل في المعصرة على الدوام. من الواضح أن الذي أهمل مثل هذا الأمر سيتصرف عكس (ضد) إرادة السيد, ولكنه سيفعل أكثر من ذلك ويقهر تلك الإرادة إذا هرب من المعصرة.

ومع ذلك فإن هذا لا يمكن أن يحدث تحت تدبير الله لذلك كتب “الكلمة كان عند الله” وهذا لا ينقض بالرغم من أن العبارة يمكن أن تشير إلى “كلمة الله الواحدة” (يو1:1) وحينئذ يضيف ما نطقه الله والذي لا ينقض قائلا: “مرة واحدة تكلم الرب وهاتين الاثنتين سمعت أن العزة لله ولك يارب الرحمة لأنك تجازي الإنسان كعمله” (مز12,11:62).

          وبناءاً على ذلك سيكون مذنبا عند دينونة الله تحت سلطانه, من يفكر بازدراء لرحمة الله لكي يؤمن به. ولكن كل من يثق في الله ويخضع له لأجل غفران كل خطاياه, لأجل شفاء كل فساده, لأجل تحسين وإضاءة نفسه بحرارة الله ونوره سينال أعمالا صالحة بنعمته وبهذه الأعمال (Exquilus) سوف يكون متخلصا من فساد الموت حتى في جسده, راضيا بالبركات ليس وقتيا بل أبدياً. أكثر مما يطلب أو يدرك.

الروح والحرف 10 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 9 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 9 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 9 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 9 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الفصل (48): إن صوت الله لم تمح كليه من هؤلاء الغير مؤمنين- خطايا بسيطة

 

          ومع ذلك بالنسبة للبعض الذين يفعلون بالطبيعة الأشياء التي في الناموس لا يجب اعتبارهم بعد ضمن هؤلاء الذين تبررهم نعمة المسيح بل على العكس فبين هؤلاء البعض الذين لا يمكننا فقط لومهم (على الرغم من أنهم ضمن الناس الذين لا يعبدون الله بالصدق والحق)، بل أيضا مدحهم بالعدل والحق- منذ فعلوها كما نقرأ أو نعرف أو نسمع وتبعا لقاعدة البر مع أننا في نفس الوقت يجب أن نناقش السؤال لمعرفة ما الدافع على فعلهم هذا أنهم بالكاد يجب أن يوجدوا هكذا كمستحقي المدح والحماية التي ترجع إلى تدبير البر.

وأيضا بما أن صورة الله لم تمح تماما من عقل الإنسان بوصمة المشاعر الأرضية كما لو ترك باقيا هناك لا يتعدى نفس ملامحها لذلك كان لابد أن يقال بالضبط أن الإنسان حتى في حياته الشريرة يفعل أو يستحسن بعض الأشياء التي يحتوي عليها الناموس إذا كان هذا هو ما يقصد بالتقرير أن “الأمم الذين ليس لديهم الناموس” (الذي هو ناموس الله) يفعلون بالطبيعة ما في الناموس” (رو2: 14) وهؤلاء الناس الذين لهم هذه الصفة هم ناموس لأنفسهم ويظهرون على الناموس مكتوبا في قلوبهم.

هذا ليعبر عن أن الشيء الذي ختم في قلوبهم عندما خلقوا في صورة الله لم يمح كليه: حتى بالنظر إلى هذا الموضوع، هذا الاختلاف العريض لا يشوش ما يفرق بين العهد الجديد والقديم وأنه في الحقيقة بواسطة العهد الجديد كتب ناموس الله في قلوب المؤمنين بينما نقش في العهد القديم على ألواح من الحجارة.

ولأن هذه الكتابة في القلب تمت بالتحديد بالرغم من أنها لم تمح تماما بالطبيعة القديمة لأنه بالضبط كما أن صورة الله تجددت في عقل المؤمنين بالعهد الجديد. الذي لم يمنع تماما الإلحاد به (إذ أنه بدون شك كان باقيا هناك ما لا يفهمه عقل الإنسان) لذلك فإن ناموس الله أيضا الذي لم يمح منها بواسطة الشر كتب عليها متجددا بواسطة النعمة.

          ولدى اليهود الآن أن الناموس الذي كتب على ألواح لا يمكنه صنع مثل هذا النقش الجديد الذي هو التبرير، ولكن فقط التعدي هو ما يستطيع صنعه لأنهم أيضا كانوا بشر وهذه القوة الطبيعية كانت ملازمه فيهم والتي تمكن العقل السديد من ملاحظة وفعل ما هو مباح.

ولكن التقوى التي تنقل إلى حياة أخرى سعيدة ودائمة لها “ناموس الرب كامل يرد النفس” (مز19: 7) لكي يمكنهم أن يتجددوا بالنور الذي منه ولكي يتم فيهم ما هو مكتوب “أرفع علينا نور وجهك يا رب” (مز4: 6) مطرودين مما يستحقون أن يزدادوا في الكبر طالما هم عاجزين عن التجديد إلا بنعمة المسيح وبمعنى آخر، بدون شفاعة الوسيط الذي بكونه “إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع” (1تى2: 5، 6)

فهل هؤلاء غرباء عن نعمة الله التي نبحثها الآن والذين (وبعد الطريقة التي تكلمنا عنها بما فيه الكفاية) “يفعلون بالطبيعة ما في الناموس” (رو2: 14) فماذا يستفيدون من أفكارهم التي يشتكون بها “في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس” (رو2: 15، 16) ما لم ترتب لهم عقوبة معتدلة (مناسبة)؟

          لأنه بينما، من ناحية، يوجد بعض الخطايا البسيطة التي لا تمنع الإنسان البار من بلوغه الحياة الأبدية والتي لا مناص منها في هذه الحياة، لذلك من الناحية الأخرى توجد بعض أعمال صالحة والتي ليس لها فائدة لإنسان شرير تجاه بلوغه الحياة الأبدية بالرغم من أن يكون من الصعب جدا اكتشاف حياة أي إنسان شرير آخر مهما كان خارجا عنهم كليه.

ولكن بما أن في ملكوت الله يختلف القديسين في المجد كما يختلف نجم عن آخر (1كو15: 41)- فكذلك في دينونه العقاب الأبدي سيكون أكثر احتمالا لسدوم مما لتلك المدينة (لو10: 12) بينما بعض الناس سيكونون أضعاف من أبناء جهنم (مت23: 15)

          وهكذا في حكم الله فحتى هذه الحقيقة سيكون لها تأثيرها- لدرجة أنه إذا أخطأ إنسان أكثر أو أقل من آخر وحتى لو غرق كلاهما في الشر فيكون مستحقا لعذاب الجحيم.

 

 الفصل (49): النعمة التي وعد بها النبي للعهد الجديد

 

          إذاً ماذا قصد الرسول ليكني عن- بعد صد تفاخر اليهود بقوله لهم أن “ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون (رو2: 13) ثم تكلم عنهم بعد ذلك مباشرة “الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس” (رو2: 14)

          إذاً لم يفهم من هذا الوصف الذين لهم نعمة الشفيع بل العكس الذين بينما لا يعبدون الإله الحقيقي بتقوى صادقه فهل يظهرون بعض الأعمال الصالحة في الأسلوب العام لحياتهم الشريرة؟ أو ربما اعتبر الرسول أنه من المحتمل لأنه قال سابقا: “ليس عند الله محاباة” (رو2: 11) وقد قال بعد ذلك: “أم الله لليهود فقط أليس للأمم أيضا.

بلى للأمم أيضا” (رو3: 29) وحتى مثل أعمال الناموس هذه القليلة كما افترضت لم تكتشف بالطبيعة كما لم يستلمها الناموس. ما عدا نتيجة بقاء صورة الله التي لم يزدرِ بها عندما يؤمنون به الذي ليس عند محاباة؟

ولكن أي هذه الآراء مقبولا فإنه من الواضح أن نعمة الله التي وعد بها النبي للعهد الجديد. وأن هذه النعمة كان يجب حتميا أن تأخذ هذه الصورة. كان يجب أن يكتب ناموس الله في قلوب الناس؛ وكان يجب عليهم أن يصلوا إلى مثل هذه المعرفة لله، حتى لا يعلم بعد كل واحد صاحبه وكل واحد أخاه قائلين اعرفوا الرب لأنهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم” (إر31: 33-34)

          هذه هي عطية الروح القدس التي بواسطته تنسكب المحبة في قلوبنا (رو5: 5) ليس بالحقيقة أي نوع من المحبة ولكن محبة الله “من قلب طاهر وضمير صالح وإيمان بلا رياء” الذي يقود الإنسان البار الذي يحيا في هذه الحالة الغريبة بعد درجات “المرآة” و “اللغز” و “بعض المعرفة” إلى الرؤيا الحالية والتي هي وجها لوجه يستطيع أن يعرف كما عرف (1كو13: 12) واحدة سأل من الرب وإياها يلتمس وهي أن يسكن في بيت الرب كل أيام حياته لكي ينظر جمال الرب “(مز27)

 

 الفصل (50): البر هو عطية الله

 

          لذلك لا تدع أي إنسان يتفاخر بما يبدو له أنه يمتلكه كأنه لم يأخذه (1كو4: 7) ولا تدعه يظن أنه أخذه فقط لأن حرف الناموس الخارجي إما أظهر له لكي يقرأه أو يرن في أذنه لكي يسمعه.

لأن “أن كان بالناموس بر المسيح إذاً مات بلا سبب” (غلا 2: 21) ومع ذلك فإنه إذا يمت المسيح بلا سبب فقد صعد إلى العلاء وسبي سبيا وأعطى عطايا للناس (مز68: 18) وتلي ذلك أن كل من له يعطي من هذا المنبع. والذي يفكر أن ما عنده هو من الله، إما لا يكون له وإما يكون في خطر عظيم بأن يحرم مما عنده (لو8: 18)

          “لأن الله واحد هو الذي سيبرر الختان بالإيمان والعزلة بالإيمان” (رو3: 30) حيث لا يوجد اختلاف حقيقي في معنى الكلمات كما لو تعني الكلمة”by faith” معنى خاص وتعني “through faith” معنى آخر ولكن فقط هي تنوع في التعبير لأنه في عبارة واحدة عند الحديث عن الأمم – الذي هوعن العزلة- قال:

“والكتاب إذ سبق فرأى أن الله يبرر الأمم “by faith” (غلا3: 8) وأيضا عند الحديث عن الختان الذي يخصه هو أيضا يقول: “نحن بالطبيعة يهود ولسنا من الأمم خطاه إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس بل “through faith”  يسوع المسيح آمنا نحن أيضا بيسوع المسيح” (غلا2: 15، 16)

          لاحظ أنه يقول أن كل من الغرلة والختان يتبرر بالإيمان، إذا حفظ الختان بر الإيمان. لأن الأمم التي لم تتبع البر قد نالوا البر، حتى البر الذي هو الإيمان (رو9: 30) وقد حصلوا عليه من الله وليس من أنفسهم. ولكن إسرائيل وهو يسعى في إثر ناموس البر لم يدركوا ناموس البر. ولماذا؟ لأنهم طلبوه ليس بالإيمان ولكن كأنه بالأعمال (رو9: 31، 32) وبمعنى آخر.

باحثين عنه كما لو كان بأنفسهم دون إيمانهم أن الله هو الذي يعمل داخلهم.

“لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة” (فى2: 13) وبهذا “اصطدموا بحجر الصدمة” (رو9: 32) لأن ما قاله “ليس بالإيمان بل كأنه بالأعمال” (رو9: 32) شرحه شرحا واضحا في الكلمات الآتية: “لأنهم إذ كانوا يجهلون بر الله ويطلبون أن يثبتوا بر أنفسهم لم يخضعوا لبر الله لأن غاية الناموس هي المسيح للبر لكل من يؤمن” (رو10: 3، 4) فهل نظل إذاً في شك عن ماذا تكون أعمال الناموس هذه التي بها لا يتبرر الإنسان إذا ظنها أعماله هم “كأنها” بدون مساعدة وعطية الله التي تكون “بالإيمان بيسوع المسيح”؟

وهل نقترح أنها هي الختان والفروض الأخرى المشابهة، لأن مثل هذه الأشياء في عبارات أخرى تقرأ من نحو تلك الطقوس الدينية أيضا؟ في هذا الوضع، مع ذلك، ليس هو الختان بالتأكيد الذي يطلبون أن يثبتوه كأنه برهم الخاص لأن الله أثبت هذا بأمره هو نفسه أم هل يكون من الممكن لنا أن نفهم هذا التقرير لتلك الأعمال التي بخصوصها يقول الرب لهم “حسنا رفضتم وصية الله لتحفظوا تقليدكم” (مر 7: 9) لأنه كما يقول الرسول:

“إسرائيل وهو يسعى في إثر ناموس البر لم يدرك البر” (رو9: 31) أنه لم يقل وهو يسعى في أثر تقاليدهم- منظما إياها ومعتمدا عليها. هذا هو الاختلاف الوحيد أن نفس الوصية ” لا تشته” ووصايا الله الصالحة والمقدسة الأخرى، نسبوها لأنفسهم بينما يمكن لذلك الإنسان حفظها لابد أن يعمل الله فيه بالإيمان بيسوع المسيح الذي هو “غاية الناموس للبر لكل من يؤمن” (رو10: 4)

          هذا لكي يقول أن كل من أنضم لله وبقى عضوا في جسده يكون قادرا على عمل البر بواسطة إعطاء الله له البركة في داخله- ومثل هذه الأعمال هي ما قال عنها المسيح نفسه “بدوني لا تقدرون أن تنفعلوا شيئا” (يو15: 5)

الروح والحرف 9 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 11 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 11 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 11 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية 11

الفصل (59) الرحمة والعطف في حكم الله

          هذا هو الأمر الذي رأيناه في المزمور، حيث قيل: “باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته. الذي يغفر جميع ذنوبك الذي يشفي كل أمراضك الذي يفدي من الحفرة حياتك الذي يكللك بالرحمة والرأفة الذي يشبع بالخير عمرك فيتجدد مثل النسر شبابك (مز2:103-5) ولئلا بأي فرصة تضيع هذه البركات العظيمة لعيب إنساننا العتيق وهذا يكون حالة مميتة ويقول المرتل في الحال: “يتجدد مثل النسر شبابك” (مز5:103) وكأنه يقول أن كل ما سمعته يخص الإنسان الجديد والعهد الجديد.

          والآن لنتأمل معا باختصار هذه الأشياء وبتأمل مفرح  مدح الرحمة التي هي لنعمة الله. فهو يقول: “باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته” لاحظ إنه لم يقل بركاته (Non tributiones sed retributions) لأن الله يجازي عن الشر بالخير.

          “الذي يغفر جميع الذنوب” وقد تم هذا في سر العماد. “الذي يشفي جميع أمراضك” وهذا يتأثر به المؤمن في الحياة الحاضرة بينما الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد حتى لا نفعل الأشياء التي نريدها وبينما أيضا ناموسا آخر في أعضاءنا يحارب ناموس ذهننا. (رو23:7) بينما في الحقيقة الإرادة حاضرة عندنا ولكن ليست لعمل ما هو صالح (رو18:7) هذه هي أمراض الإنسان ذو الطبيعة القديمة الذي مع ذلك لو تقدمنا بفرض مثابر سنشفى بنمو الطبيعة الجديدة يوما فيوما بالإيمان العامل بالمحبة (غلا6:5).

“الذي يفدي من الحفرة حياتك” وسيكون هذا عند قيامة الأموات في اليوم الأخير “الذي يكللك بالرحمة والرأفة” وسيتم ذلك في يوم الدينونة إذ عندما يجلس ملك المجد على عرشه ليجازي كل واحد حسب أعماله, حينئذ من سيفتخر بأن له قلبا نقيا. أو من سيفتخر بأنه نظيفا من الخطية؟

بناءاً على ذلك فإنه من الضروري أن نذكر رحمة الله ورأفته هناك حيث يتوقع الإنسان مطالبة ديونه ومكافأة ثوابه بطريقة دقيقة جداً كأنه لا يكون موضع للرحمة.

لذلك فهو يكلل بالرحمة والرأفة ولكن أيضا حسب الأعمال لأنه سيقف على اليمين الذين قيل لهم: جئت فأطعمتموني”   (مت 35:25) ومع ذلك فسيكون أيضا: “الحكم بدون رحمة” ولكن لأجله “الذي لم يعمل الرحمة” (يع13:2) ولكن “طوبى للرحماء لأنهم يرحمون” من الله (مت7:5) حينئذ بينما يذهب من هم على اليسار إلى النار الأبدية سيذهب الأبرار أيضا إلى الحياة الأبدية (مت46:25) لأن الله يقول: “هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته” (يو3:17)

وبهذه المعرفة وبهذه النظرة وبهذا التأمل ستشبع رغبة نفوسهم لأنها لا ترغب في شيء غير ذلك فلا يكون لها هناك شيئا أكثر من ذلك لترغبه, تشتاق إليه أو تطلبه. لقد كان اشتياقا بعد هذا السرور الكامل حتى أن قلبه اشتعل الذي قال للرب يسوع: “أرنا الآب وكفانا” وكان رده عليه: “الذي رآني فقد رأى الأب” لأنه الله نفسه هو الحياة الأبدية لكي يعرف الناس الإله الحقيقي وحده ويسوع المسيح الذي أرسله.

ومع ذلك لو أن الذي رأى الابن فقد رأى الآب أيضا إذاً بكل تأكيد أن الذي يرى الآب والابن يرى أيضا الروح القدس للأب والابن. لذلك لا نبطل الإرادة الحرة مادامت نفوسنا تبارك الرب ولا ننسى كل حسناته (مز2:103) ولا يجهلها ببر الله تريد إثبات برها الخاص (رو3:10)

ولكنها تؤمن بالله الذي يبرر الفاجر (رو5:4) وعندما تصل إلى الاضطلاع تحيا بالإيمان بل الإيمان العامل بالمحبة (غلا6:5)

وهذه المحبة تنسكب في قلوبنا لا بمقدرة إرادتنا ولا بحرف الناموس ولكن بالروح القدس المعطي لنا (رو5:5)

الفصل (60) الإرادة التي تجعلنا نؤمن هي من الله

          ليت هذه المناقشة تكفي لو قابلت المشكلة التي يجب علينا حلها طبق المرام. مع ذلك قد يكون هناك معارضة في الإجابة حتى أنه يجب أن نتخذ حذرنا لئلا يفترض البعض أن الخطية التي ترتكب بإرادة مطلقة ننسب إلى الله لو في العبارة التي فيها يكون السؤال:

“لماذا تفتخر كأنك لم تأخذ”؟ (1كو7:4) نفس الإرادة التي بها نؤمن تحسب كعطية من الله لأنها تقوم من الإرادة المطلقة التي أخذناها عن خلقتنا ومع ذلك ليت الذي يعارض يدرك جيداً أن هذه الإرادة تنسب إلى العطية الإلهية ليس فقط لأنها تنشأ من إرادتنا المطلقة التي خلقت معنا طبيعيا..

ولكن أيضا لأن الله يؤثر فينا بدوافع شعورنا أن نريد وأن نؤمن إما خارجيا بواسطة نصائح إنجيله حيث تفعل أوامر الناموس شيئا لو أنها للآن تنذر الإنسان بضعفه حتى أنه يسلم نفسه للنعمة التي تبرر بالإيمان. أو من داخلنا حيث لا يكون لأحد حكما على ما يدخل من أفكاره بالرغم من كونها تقبل أو ترفض بإرادته الخاصة.

          لأن الله لذلك في مثل هذه الطرق يؤثر في الفعل السديد لكي يؤمن به ( بالتأكيد ليس هناك مقدرة للإيمان مهما تكن في الإرادة المطلقة إذا لم يكن هناك إقناع أو أوامر تجاه من نؤمن به) وبالتأكيد فإن الله هو الذي يحرك في الإنسان الرغبة للإيمان ويمنعنا برحمته من كل الأشياء. وفي الحقيقة إن تسليمنا لأوامر الله أو مخالفتنا لها هو (كما قلت) من عمل إرادتنا وهذا لا يبطل فقط ما قيل‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! “لماذا تفتخر كأنك لم تأخذ ” (1كو7:4 ) ولكنه في الحقيقة يؤكدها ويثبتها.

لأن العقل لا يقدر أن يأخذ ويملك هذه العطايا التي أشير إليها هنا إلا بتسليمه رضاه وهكذا كل شيء يملكه وكل شيء يأخذه يكون من الله وأيضا بالطبيعة عمل الأخذ والملكية يرجع لمن يأخذ ولمن يملك.

          والآن لعل أي إنسان يمنعنا من دراسة هذا السر العميق لماذا هذا الشخص اقنع حتى الاستسلام وشخص آخر لم يقتنع, يوجد شيئان يخطران لي وهما ما أحب تقديمهما كإجابة: “يا لعمق غنى الله” (رو33:11).

          “وألعل” عند الله ظلما؟” (رو14:9).

          إذا لم يرض أي إنسان بمثل هذه الإجابة فيجب عليه أن يطلب مناظرات أكثر علما ولكن ليته يحذر لئلا يكون مناظرات جسوره.

الفصل (61)   خاتمة العمل

          وأخيرا دعنا نضع نهاية لكتابنا – اعتقد أننا أكملنا غرضنا كله بإسهابنا الكثير – ليس هذا الشك من جهتك يا “مرسيلينوس” إذ إنني أعرف إيمانك ولكن من جهة عقول أولئك الذين لأجلهم طلبت مني أن اكتب الذين يعارضون دائما فكرتي ولكن (أن أتكلم دون  ذكر الله الذي يتحدث عن رسله) وخصوصا ضد ليس فقط أن الرسول العظيم بولس.

ولكن أيضا ضد غيرته القوية وجداله العنيف مفضلين التمسك بإصرار على وجهة نظرهم دون الاستماع لله عندما “يطلب منهم برأفة الله” ويخبرهم قائلا: “بالنعمة المعطاة لي لكل من هو بينكم أن لا يرتئي فوق ما ينبغي أن يرتئي بل يرتئي إلى التعقل كما قسم الله لكل واحد مقداراً من الإيمان” (رو3,1:12).

الفصل (62)   عودته إلى السؤال الذي وجهه إليه مارسيلينوس

          لكني أرجوك أن تلتفت إلى السؤال الذي وجهته لي وأيضا إلى ما استخدمناه من الأساليب المطولة لهذه المناقشة إنك كنت مرتبكا لما قلته بأنه كان من الممكن للإنسان أن يكون بدون خطية بمساعدة الله إذا أراد – بالرغم من أن لا أحد في الحياة الحاضرة يمكنه أن يحيا, كان حيا أو سيحيا بمثل هذا وقد قلت: “لو سئلت هل من الممكن لإنسان أن يكون بدون خطية في هذه الحياة.

فإنني سأسمح بالإمكانية بنعمة الله وبإرادة الإنسان المطلقة وبدون شك فإن الإرادة المطلقة هي في حد ذاتها من نعمة الله التي هي ضمن عطايا الله ليس فقط بالنسبة لوجودها بل أيضا من جهة صلاحها. التي هي تلتمس بنفسها تنفيذ وصايا الله ولذلك فإن نعمة الله لا تبين فقط ما يجب أن يفعل بل أيضا تساعد على إمكانية فعل ما تبينه”.

          (see his work preceding this, De peccat Meritis 11.7.)

          يبدو أنك تظن أنه غير معقول أن شيئا كان ممكنا لا يكون له مثالا من هنا نشأ الموضوع الذي نعالجه في هذا الكتاب.

          وهكذا قد دار في نفسي أن أظهر شيئا كان ممكنا بالرغم من عدم وجود أي مثال له. ولذلك فقد اقتبسنا بعض حالات من الإنجيل ومن الناموس في بداءة هذا العمل. مثل مرور جمل من ثقب أبره (مت24:19).    

والاثنى عشر جيشا من الملائكة الذين يقدرون الدفاع عن المسيح. إذا أراد (مت53:26) وأيضا تلك الأمم الذين قال عنهم الله أنه يقدر أن يبيدهم في الحال من وجه شعبه – لم  تتحول أبدا إحدى هذه الاحتمالات إلى حقيقة ويمكن أن يضاف إلى هذه الحالات تلك التي أشير إليها في كتاب الحكمة (حكمة16) مفترضا كثرة الآلام والعذابات التي كان الله قادرا أن يستعملها ضد الفجار باستخدام المخلوق الذي كان طوع إشارة الله. ومع ذلك لم يستعملها.

وأيضا يستطيع إنسان أن يشير إلى ذلك الجبل الذي بالإيمان يطرحه في البحر. بالرغم من أنه لم يتم أبدا لغاية ما قرأنا وسمعنا.

وقد رأيت كيف أنه يكون الإنسان غافلا وجاهلا إذا قال أن إحدى هذه الأشياء غير مستطاعة عند الله. وكيف تكون معارضته لمعنى الكتاب المقدس هي تأكيده – وحالات أخرى كثيرة من هذا النوع يمكن أن تخطر لأي إنسان يقرأ أو يفكر في مقدرة الله التي لا يمكننا إنكارها بالرغم من عدم وجود أي مثال لها.

الفصل (63)   معارضة

          ولكن نظرا لأنه قد يقال أن تلك الحالات التي ذكرتها الآن هي أعمال إلهية بينما رغبتنا في الحياة الباره هي عمل من اختصاصنا. وقد تعهدت بأن أظهر أن حتى هذا أيضا هو عمل إلهي. وقد فعلت هذا في الكتاب ربما بتقرير قصار عن أن يكون ضروريا. بالرغم من أنه يبدو لي إنني تحدثت قليلا جدا ضد معارضي نعمة الله.

وأنني لم أسر أبدا في معالجتي لموضوع مثل هذا عندما جاء الكتاب المقدس بغزارته لمساعدتي وعندما يطلب السؤال المطروح للمناقشة أن “من يفتخر فليفتخر بالرب” (2كو17:10) وأننا يجب أن نترك قلوبنا ونعطي الشكر للرب إلهنا الذي منه “كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق نازلة من عند أبي الأنوار” (يع17:1).

والآن إذا كانت عطية ليست عطية الله لأننا نصنعها بأنفسنا أو لأننا نعمل بعطية الله ثم لا يكون عملا من الله أن “جبلا يطرح في البحر” نظرا لأن, بناءاً على تقرير الرب أنه بإيمان الناس يكون هذا ممكنا.

          وعلامة على ذلك فإن الله ينسب الفعل إلى عملهم الحالي: لو كان إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر فينتقل ولا يكون شيء غير ممكن لديكم [قارن (مت20:17), (مر23:11), (لو6:17)] لاحظ كيف أن الله قال: “لديكم” وليس “لدى الله” أو “لدى الآب” ومع ذلك فإنه من المؤكد أنه لا أحد يستطيع أن يفعل مثل هذا لاشيء بدون عطية وعمل الله.

انظر أن حالة البر الكامل ليس لها مثال بين الناس وأيضا هي ليست مستحيلة لأنها ممكن أن تتم إذا طلبت كثيرا كما يتطلب مثل هذا الشيء العظيم ومع ذلك يمكن أن يكون حسنا جدا لو خفي عنا إحدى تلك الظروف التي تخفي البر, وفي نفس الوقت أن هذا يبهج عقلنا حتى أنه مهما كان عائق السرور أو الألم قد يحدث هذه البهجة في القداسة سيشمل كل محبة منافسة

          وإن هذا لا يتحقق ولا ينشأ من أي استحالة ذاتية ولكن ينشأ من عمل الله القضائي لأن من يقدر أن يكون جاهلا حتى أن ما يجب أن يعرفه ليس هو في مقدرة الإنسان, ولا يتبع ما قد اكتشف أن يكون موضوعا مرغوبا فيه هو الآن مطلوبا إذا لم يشعر هو أيضا بالبهجة في هذا الموضوع مطابقا بحقوقه على محبته؟. إذ أن هذا يخص حالة النفس.

 

الروح والحرف 11 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 8 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 8 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 8 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

 

الروح والحرف للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية 8

الفصل (40): كيف تكون هذه المكافأة للجميع، لذلك يدافع الرسول بحماس عن النعمة

          إذاً ماذا يكون مضمون “كلهم” من صغيرهم إلى كبيرهم ولكن كل هذا يخص روحيا بيت إسرائيل وبيت يهوذا- الذي هو أولاد اسحق ونسل إبراهيم؟

لأن مثل هذا هو الوعود. الذي قيل فيه له: “باسحق يدعى لك نسل أي ليس أولاد الجسد هم أولاد الله بل أولاد الموعد يحسبون نسلا لأن كلمة الموعد هي هذه: “أنا آتي نحو هذا الوقت ويكون لسارة ابن وليس ذلك فقط بل رفقه أيضا وهي حبلى من واحد وهو اسحق أبونا لأنه وهما لم يولدا بعد ولا فعلا خيرا أو شرا لكي يثبت قصد الاختيار ليس من الأعمال بل من الذي يدعو.

قيل لها أن الكبير يستعبد للصغير (رو9: 7-12) هذا هو بيت إسرائيل أو بالأحرى بيت يهوذا بسبب المسيح  الذي جاء من سبط يهوذا هذا هو بيت أولاد الموعد ليس بسبب استحقاقهم ولكن بسبب شفقة الله لأن الله يعد بالشيء الذي يعمله هو نفسه: الله نفسه لا يعد وآخر يتم الذي لم يستمر في الوعد ولكن يستمر في التنبؤ.

لهذا فهي “ليس من الأعمال بل من الذي يدعو” (رو9: 11) لئلا تكون النتيجة لهم وليست لله؛ ولئلا تنسب المكافأة لاستحقاقهم وليست لنعمة الله ولذلك سوف لا تعد النعمة نعمة التي دافع عنها وتمسك بها بكل حماس أنه أصغر الرسل وتعب أكثر منهم جميعهم ليس هو نفسه ولكن نعمة الله التي كانت معه (1كو15: 9، 10) ويقول الله: “كلهم سيعرفونني” (إر31: 34) “كلهم” بيت إسرائيل وبيت يهوذا.

“كلهم” ومع ذلك ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون (رو9: 6) ولكنهم فقط الذين قيل لهم في المزمور الذي يتعلق “بأيله الصبح” (أنظر عنوان مزمور 22) (الذي يخص النور المبهج الجديد ويقصد به العهد الجديد)، يا خائفي الرب سبحوه. مجدوه يا معشر ذرية يعقوب واخشوه يا زرع إسرائيل جميعا” (مز22: 23) كل الذرية دون استثناء وحتى كل ذرية الموعد والدعوة، ولكن فقط للذين هم مدعوون حسب قصد الله (رو8: 28) الذين سبق فعينهم فهؤلاء دعاهم أيضا والذين دعاهم فهؤلاء بررهم أيضا والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضا” (رو8: 30)

“لهذا هو الإيمان كي يكون على سبيل النعمة ليكون الوعد وطيدا لجميع النسل ليس لمن هو من الناموس فقط”- الذي جاء من العهد القديم إلى الجديد- “بل أيضا لمن هو من إيمان” … الذي كان في الحقيقة سابقا للناموس- “إيمان إبراهيم” يقصد الذين يقلدون إيمان إبراهيم- “الذي هو أب لجميعنا كما هو مكتوب أني قد جعلت أبا لأمم كثيرة” (رو4: 16، 17) والآن وبنعمة العهد الجديد كل الذين سبق فعينهم والذين دعاهم والذين بررهم والذين مجدهم سيعرفون الله من صغيرهم إلى كبيرهم.

الفصل (41) الناموس المكتوب علي القلب، ومكافأة التأمل الأبدي لله يخص العهد الجديد       الذي هو الأصغر والأعظم بين  القديسين.

          كما أن ناموس الأعمال الذي كتب على ألواح حجرية وأجرته هي أرض الموعد التي تسلمها بيت إسرائيل الجسدي بعد خروجهم من مصر، يخص العهد القديم لذلك فإن ناموس الإيمان المكتوب على القلب وأجرته المنظر السعيد الذي سيعانيه بيت إسرائيل الروحي عندما ينجو من العالم الحافز تخص العهد الجديد.

ثم سيحدث ما يصنعه الرسول: “أما النبوات فستبطل والألسنة فستنتهي والعلم فسيبطل” حتى هذه المعرفة القاصرة “للطفل” (1كو13: 11) التي تمر فيها هذه الحياة الحاضرة والتي هي “بعض المعرفة” بواسطة “مرآة في لغز” (1كو13: 12)

وفي الحقيقة يكون التنبوء ضروريا بسبب هذا إذا أنه مع بقاء الماضي ينجح المستقبل وبسبب ذلك أيضا توجد الحاجة “للألسنة”- التي هي عديد من العبارات لأنه بواسطة عبارات مختلفة منها فإن تلك الأشياء المختلفة توعز إليه الذي لم يتأمل إلى الآن النور الدائم للحقيقة الواضحة بعقل كامل الصفاء.

“ولكن متى جاء الكامل فحينئذ يبطل ما هو بعض” (1كو13: 10) ثم ما ظهر للجسد في شبه جسد سيظهر ذاته كما هو لكل الذين يحبونه وحينئذ سيكون لنا حياة أبدية أن تعرف الإله الحقيقي وحده” (يو17: 3) حينئذ سنكون مثله (1يو3: 2) لأننا حينئذ سنعرفه كما عرفنا” (1كو13: 12) حينئذ لا يعلمون بعد كل واحد صاحبه وكل أخاه قائلين اعرفوا الرب لأنهم كلهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم يقول الرب” (إر31: 34) والآن يمكن أن يفهم هذا بوسائل متعددة.

إما أنه في تلك الحياة سيختلف القديسين في المجد الواحد عن الآخر. كما يختلف نجم عن آخر. ولا يهمنا كيف ينتشر التعبير سواء كان (كما في العبارة السابقة) “من الصغير إلى الكبير” أو الطريقة الثانية، من الكبير إلى الصغير.

وبمثل هذه الطريقة لا يهمنا حتى إذا فهمنا “الصغير” بقصد الذين يؤمنون ببساطة، “والكبير” الذين هم أبعد من أن يفهموا- بعيدا كما يمكن أن يكون في هذا العالم. النور الذي هو غير مادي وغير متغير.

أو “الصغير” يمكن أن تعني هؤلاء الذين تأخروا في العمر. بينما يعني “بالكبير” هؤلاء الذين تقدموا في العمر.

لأنهم جميعا لهم رؤية المنظر الذي وعد به الله بعد ذلك لأنه كان لفائدتنا أنهم سبقوا فنظروا المستقبل الذي يجب أن يكون أفضل من حاضرهم، لكي لا يكملوا بدوننا (عب11: 40)

وهكذا يكون الأولون آخرون لأنهم تأخروا في الوقت؛ كما في الحادثة التي جاءت في الإنجيل: “دينار في اليوم” الذي أعطى للتوضيح- والذين جاءوا أخيرا إلي الكرام هم أول من أخذوا هذا الدينار.

أو “الصغير والكبير” ربما يجب أن تؤخذ بمغزى آخر لا يحظر علي فكري الآن.

الفصل (42): الاختلاف بين العهد القديم والجديد

          مع ذلك أرجوك أن تلاحظ جيدا على قدر استطاعتك ما أسعى الآن بجهد كبير إلى إثباته.

فعندما وعد النبي بعهد جديد لا يرتبط بالعهد الذي أبرمه سالفا مع شعب إسرائيل عندما تحرروا من مصر لم يقل شيئا عن الذبائح أو أي شعائر دينية بالرغم من أن مثل هذا التغيير أيضا كان يجب أن يتبع ذلك بدون شك كما نرى في الحقيقة أنها تتبعه حتى مثل نفس نبوءة الكتاب تبين في عبارات أخرى كثيرة ولكنه بكل بساطة وجه انتباهه إلى هذا الاختلاف أن الله سيجعل شريعته في داخل هؤلاء الذين لهم هذا العهد وسيكتبها على قلوبهم (إر31: 32، 33)

من حيث استنتج الرسول نتيجة – “لا بحبر بل بروح الله الحي لا في ألواح قلب لحميه” (2كو3: 3) وإن المكافأة الأبدية لهذا البر لم تكن هي الأرض التي طرد منها الأموريون والحثيون والأمم الأخرى التي تسكن هناك (يشوع12) ولكن الله لنفسه “الذي هو حسن الاقتراب منه” (مز73: 28) لكي يمكن أن يكون خير الله الذي يحبونه هو الله نفسه الذي يحبونه الذي لا يفرق بينه وبين الناس سوى الخطية وقد خف هذا بواسطة عمل النعمة.

بناءاً على ذلك، بعد قوله: “كلهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم” يضيف الله في الحال “لأني أصفح عن أثمهم ولا أذكر خطيتهم بعد” (إر31: 34) ثم بواسطة ناموس يقول الرب “لا تشته” (خر20: 17) ولكن بناموس الإيمان يقول الله: بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيء” (يو15: 5) لأنه كان يبحث عن الأعمال الصالحة حتى ثمر أغصان العنب.

لقد ظهر إذاً الاختلاف بين العهدين القديم والجديد-  أنه في الأول كتب على القلوب لكي ما ينذر في الأول من الخارج ويبهج في الثاني من الداخل وفي الأول يصبح الإنسان متعديا بواسطة الحرف الذي يقتل، بينما يصبح في الآخر محبا بواسطة الروح المحي.

لذلك يجب أن تتجنب ادعاء أن الطريقة التي بها يساعدنا الله لكي نعمل البر “لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة” (فى2: 13) تكون بواسطة توجيه خارجي لقدراتنا للقداسة لأن الله يعطي محصوله من الداخل (1كو3: 7) “فإنه يسكب المحبة في قلوبنا بالروح القدس المعطي لنا” (رو5: 5)

الفصل (43):  جدال بخصوص عبارة الرسول عن الأمم الذين قيل عنهم أنهم يفعلون بالطبيعة ما هو في الناموس الذين قيل عنهم أيضا أن لهم الناموس مكتوبا في قلوبهم

          والآن يجب أن نفهم معنى قول الرسول: “لأنه الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ماهر في الناموس فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم، الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبا في قلوبهم” (رو2: 14، 15) لئلا يبدو أن لا يكون هناك اختلاف في العهد الجديد في ذلك وعد الرب أنه سيكتب ناموسة على قلوب شعبه نظرا لأن الأمم تم لهم هذا طبيعتنا. لذلك فهذه المسألة يجب أن تفحص كمسألة ذو أهمية عظيمة.

إذا أن البعض يمكنه أن يقول “إذا فضل الله العهد الجديد على القديم بهذه الحالة حتى أن الله في القديم كتب ناموسة على ألواح ولكن في الجديد كتبه على قلوبهم وبهذا يتميز مؤمن العهد الجديد عن الأمم الذين كتبت أعمال الناموس على قلوبهم التي بها يفعلون بالطبيعة ما هو في الناموس (رو2: 14)، كما لو كانوا بالحقيقة أفضل من الشعب القديم، الذي أخذ الناموس مكتوبا على ألواح وقبل الشعب الجديد الذي وهب هذا الناموس بواسطة العهد الجديد والذي خلعته (منحته) عليهم الطبيعة؟  

الفصل (44): والإجابة هي أن العبارة يجب أن يفهمها مؤمن العهد الجديد

العل الرسول ذكر هؤلاء الأمم كأن لهم الناموس مكتوبا في قلوبهم الذين لهم العهد الجديد؟ يجب أن ننظر إلى النص السابق- ويقول بالإشارة إلى الإنجيل “لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن لليهودي أولا ثم لليوناني لأن فيه معلن بر الله بإيمان لإيمان كما هو مكتوب أما البار فبالإيمان يحيا” (رو1: 16، 17) ثم استمر في حديثه عن الخطاة الذين بسبب كبريائهم وليس بمعرفتهم الله لأنهم لم يمجدوه أو يشكروه كإله. (رو1: 21) ثم انتقل إلى هؤلاء الذين يفكرون ويفعلون نفس الأشياء التي تدينهم- مع اليهود نصب أعيننا. الذين افتخروا بناموس الله.

ولكن مع ذلك لا نذكرهم بأسماء؛ ثم قال: “وأما الذين من أهل التحزب ولا يطاوعون للحق بل يطاوعون للإثم فسخط وغضب شده وضيق على كل نفس إنسان يفعل الشر اليهودي أولا ثم اليوناني ومجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح اليهودي أولا ثم اليوناني لأن ليس عند الله محاباة. لأن كل من أخطأ بدون الناموس فبدون الناموس يهلك وكل من أخطأ في الناموس فبالناموس يدان لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس يبررون” (رو2: 8-13)

ثم استمر في حديثه ليخبرنا من هم الذين يتكلم عنهم في تلك الكلمات “لأنه الأمم الذين ليس عندهم الناموس يفعلون بالطبيعة ما هو في الناموس” ( رو2: 14) و هلم جرا في العبارة التي ذكرتها- لذلك وكما يظهر جمليا أن الذين يعني بهم “الأمم” ليسوا سوى هؤلاء الذين دعاهم قبلا باسم “اليونانيين” عندما قال:

“اليهودي أولا ثم اليوناني” (رو1: 16) لأن  الإنجيل إذاً هو: “قوة الله للخلاص لكل من يؤمن لليهودي أولا ثم لليوناني” (رو1: 16) ولأن سخط وغضب، شده وضيق على كل نفس إنسان يفعل الشر اليهودي أولا ثم اليوناني ولكن مجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح اليهودي أولا ثم اليوناني لأن علاوة على ذلك “اليوناني” اتضحت بواسطة كلمة “الأمم” الذين يفعلون بالطبيعة ما هو الناموس والذين لهم ناموس الأعمال مكتوبا في قلوبهم وتلي ذلك أن مثل هؤلاء “الأمم” بينما كتب الناموس في قلوبهم بالإنجيل فيكون لهم عند إيمانهم، قوة الله للخلاص.

مهما وعد أي أمم بالمجد الكرامة والسلام في قلوبهم في فعلهم الصلاح لو عاشوا بدون نعمة الإنجيل؟ لأن ليس عند الله محاباة” (رو2: 11) ولأن ليس الذين يسمعون الناموس بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون (رو2: 13) وتبعا لذلك فإن أي إنسان من أي أمه يهوديا كان أم يونانيا ويؤمن فسينال الخلاص دون الإنجيل. وكما يقول بعد ذلك “لأنه لا فرق إذا الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله. متبررين مجانا بنعمته” (رو3: 22-24)

          كيف يمكنه إذاً أن يقول أن أي شخص أممي كان يعمل بالناموس يتبرر بدون نعمة المخلص؟

الفصل (45): يتبرر العاملون بالناموس ليس بأعمالهم بل بالنعمة يتبارك أسم الله و قديسيه في معانٍ مختلفة

        ولم يقصد الآن أن يناقض نفسه في قوله: “الذين يعلمون بالناموس هم يبررون” (رو2: 13) كما لو كان تبريرهم يأتي بأعمالهم وليس بالنعمة؛ لأنه يصرح أن الإنسان يتبرر مجانا بنعمة الله بدون أعمال الناموس (رو3: 24، 28) قاصدا بكلمة “مجانا” أن الأعمال لا تسبق التبرير إذا أنه في عبارة أخرى يقول بصراحة: “فإن كان بالنعمة فليس بعد بالأعمال والإ فليست النعمة بعد نعمة” (رو11: 6) ولكن تقريره أن: “الذين يعملون بالناموس يتبررون” (رو11: 13)

يجب أن يفهم كذلك كما نعرف أنهم خلافا إلى ذلك لا يعملون بالناموس إذا لم يتبرروا لكي لا ينالون التبرير فيما بعد لكونهم عاملون بالناموس ولكن التبرير يسبقهم كعاملون بالناموس. فماذا تعني كلمة “تبرروا سوى أصبحوا أبرارا” بواسطة الله طبعا الذي يبرر الإنسان الشرير إلى أن يصبح إنسانا تقيا؟

لأننا إذا أردنا أن نعبر عن حقيقة معينه بأن يقول: “الرجال سيتحررون” فإن هذه الجملة ستفهم بالطبع كأنها تؤكد أن التحرير سيمنح لهؤلاء الذين أصبحوا الآن رجالا ولكن إذا أردنا أن نقول الرجال سيخلقون فلا تفهم بالتأكيد كأننا نؤكد أن الخلق سيحدث للذين هم الآن في الوجود ولكن أنهم أصبحوا رجالا بعملية الخلق نفسها، وإذا قيل بمثل هذه الطريقة أن العاملين بالناموس سيكرمون فإننا سنفسر التقرير بطريقة سليمة إذا افترضنا أن الكرامة كانت يجب أن تمنح لهؤلاء الذين كانوا يعملون بالناموس سابقا:

ولكن عندما يكون البرهان: “الذين يعملون بالناموس يتبررون” فماذا تعني سوى أن الإنسان المستقيم سيتبرر؟ إذ أن الذين يعملون بالناموس هم أشخاص مستقيمون (أبرار)

وهكذا تصل إلى نفس الشيء كما لو قيل أن الذين يعملون بالناموس سيخلقون. ليس الذين خلقوا سابقا ولكن لكي يقدروا أن يصيروا هكذا. لكي بهذا يفهم اليهود الذين كانوا يسمعون الناموس أنهم يريدون نعمة الله الذي يبرر لكي يمكنهم أن يعملوا بها أيضا. أو أن تعبير “يتبررون” استعمل بمعنى “أنهم يعتبرون أو يحسبون كأنهم أبراراً.

كما نسب إلى إنسان معين ذكر في الإنجيل: “وأما هو فإذا أراد أن يبرر نفسه” (لو 10: 29) بمعنى أنه أراد أن يعد ويحسب نفسه باراً وبمثل هذه الطريقة تضيف معنى إلى التقرير “الله يقدس قديسيه” ومعنى آخر إلى الكلمات “ليتقدس اسمك” (مت6: 9) 

إذا أنه في الحالة الأولى نفترض أن الكلمات تعني أن الذين لم يكونوا قبلا قديسين يجعلهم الله قديسين. وفي الحالة الأخرى أن الشخص الذي يصلي يجب أن يعتبر ما هو مقدس دائما في ذاته مقدسا أيضا بالنسبة للناس- وبكلمة يكون مخوفا برهبة مقدسة.

الفصل (46): كيف أن العبارة التي جاءت في الناموس تتفق مع تلك التي ذكرها النبي

          إذاً قصد الرسول بناءاً على ذلك عندما ذكر أن الأمم يفعلون بالطبيعة الأشياء التي في الناموس ولهم أعمال الناموس مكتوبا على قلوبهم (رو2: 14، 15) هؤلاء الذين يؤمنون بالمسيح. الذين لم يأتوا إلى الإيمان مثل اليهود بواسطة ناموس سابق- ليس هناك سببا أفضل يعلل سبب سعينا في تميزهم عن هؤلاء الذين بواسطة النبي وعدهم الرب بالعهد الجديد قائلا لهم أنه سيكتب ناموسة على قلوبهم وعلاوة على ذلك فهم أيضا بواسطة التطعيم الذي يقوله ضعفوا من الزيتونة البرية ينتمون إلى زيتونتهم الخاصة (رو11: 24) وبمعنى آخر إلى نفس شعب الله.

لذلك فإنه يوجد موافقة كبيرة بين عبارة الرسول هذه وبين كلمات النبي لدرجة أن من له العهد الجديد يعني أن لديه ناموس الله ليس مكتوبا على ألواح بل على القلب. الذي هو يشمل بر الناموس مع المشاعر العميقة حيث الإيمان العامل بالمحبة (غلا5: 6) لأن الله بالإيمان يبرر الأمم. سبق فبشر إبراهيم قائلا: “فيك يتبارك جميع الأمم” (غلا3: 8- تك22: 18) لكي بنعمة هذا الوعد تطعم الزيتونة البرية في الزيتونة الصالحة والأمم التي تؤمن سيكونون أولاد إبراهيم: “في نسل إبراهيم الذي هم المسيح” (غلا3: 16)

تابعين إيمانه الذي بدون أخذه الناموس المكتوب على ألواح ولا أيضا أخذ الختان فآمن بالرب فحسبه له براً (تك15: 6) (رو4: 3) والآن ماذا ينسب الرسول إلى الأمم من هذه الصفة.

كيف أن لهم الناموس مكتوبا في قلوبهم” (رو2: 15) يجب أن يكون شيئا آخر مثل الذي قاله لأهل كورنثوس: “لا في ألواح حجرية بل في ألواح قلب لحميه” (2كو3: 3) وهكذا يضمون من بيت إسرائيل، عندما تعد عزلتهم ختاما بحقيقة أنهم لا يسندون بر الناموس إلى فناء الجسد ولكنهم بمحبة القلب يحفظونه. ويقول “إن كان الأعزل يحفظ أحكام الناموس أفما تحسب عزلته ختاناً”؟ (رو2: 26)

لذلك فإن بيت إسرائيل الحقيقي الذي لا غش فيه (أنظر يو1: 47) فهم يعتبرون مشتركون في العهد الجديد لأن الله يصنع ناموسة في عقلهم ويكتبه في قلوبهم بإصبعه، الروح القدس، الذي بواسطته تنسكب في قلوبهم المحبة (رو5: 5) التي هي تكميل الناموس (رو13: 10)

الفصل (47): الناموس “معمولا به بالطبيعة” يعني العمل به بالطبيعة وتجديده بواسطة النعمة

          يجب أن لا يزعجنا وصف الرسول لهم كعاملين بالناموس بالطبيعة- ليس بواسطة روح الله، ليس بواسطة الإيمان ولا بواسطة النعمة لأن روح النعمة هي التي تفعل ذلك لكي تجدد فينا نحن صوره الله التي خلقنا عليها (تك1: 26) وتعتبر الخطية بالحقيقة ضد الطبيعة والنعمة هي التي تبرئها وعلى حساب ذلك يتقدم المصلي لله: “يا رب ارحمني. اشف نفسي لأني قد أخطأت إليك” (مز41: 4) لذلك أنه بالطبيعة يقبل الناس ما في الناموس (رو2: 14) إذ أنهم الذين لا يعملون ذلك يغسلون في عمل ذلك بسبب تصورهم الشرير.

ونتيجة لهذا الشر فإن ناموس الله محي من قلوبهم وبناءاً على ذلك عندما يبرأوا من الخطية فيكون مكتوبة هناك، فيتم فرض الناموس بالطبيعة التي لا تنكرها النعمة ولكن على العكس من ذلك فإن الطبيعة تصلح بواسطة النعمة من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع” (رو5: 12)

لأنه لا فرق إذ أخطأ الجميع وأعوزهم مجد الله متبررين بنعمته مجاناً (رو3: 22-24) بهذه النعمة يوجد البر الذي محته الخطية مكتوبا في الإنسان الباطن الذي تجدد وهذه الرحمة تأتي على الجنس البشري بربنا يسوع المسيح لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح” (1تى2: 5)

الروح والحرف 8 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

Exit mobile version