التعليم العام والخاص في الكتاب المقدس – التعرف على الأشخاص المقصودين بالرسالة

التعليم العام والخاص في الكتاب المقدس – التعرف على الأشخاص المقصودين بالرسالة

التعليم العام والخاص في الكتاب المقدس – التعرف على الأشخاص المقصودين بالرسالة

التعليم العام والخاص في الكتاب المقدس – التعرف على الأشخاص المقصودين بالرسالة

المبدأ الإرشادي: كل تعليم في الكتاب المقدس يجب أن نقبله بصورة عامة، إلا إذا قام الكتاب المقدس نفسه بتحديد الأشخاص الموجه لهم هذا التعليم، سواء في سياق المقطع نفسه أو في تعليم كتابي آخر.

بعد التأكد من معنى مقطع ما، يجب أن يتم تطبيقه على الحياة. وفي الفصل الأخير سنقوم بدراسة الإرشادات الخاصة بتطبيق الكتاب المقدس. لكن قبل أن نستطيع القيام بذلك، يجب الإجابة على سؤال أساسي، وهو: “هل الرسالة الموجودة في هذا المقطع موجهة للناس في كل الأزمنة، أم أنها موجهة لشخص معين أو لجماعة معينة من الناس لا تشملني؟”

للإجابة على هذا السؤال الجوهري، سنتجه الآن إلى المعايير المبنية على الافتراض المسبق بأن الكتاب المقدس وحده هو السلطة المطلقة والنهائية للإيمان والحياة. ولذلك فإننا يجب أن نتجه إلى الكتاب المقدس نفسه لكي نقرر من هم المتلقين الذين كان الله يقصدهم في أي مقطع من المقاطع الكتابية. توجد عدة طرق لتحديد الأشخاص الموجهة لهم الرسالة، وهي: السياق، الأشخاص الذين حددهم مؤلف السفر نفسه، التاريخ، والأجزاء الكتابية الأخرى.

السياق

قد يوضح السياق المباشر للمقطع أشخاصاً محددين. فقد يذكر المؤلف بوضوح المتلقي المقصود للرسالة التي يقولها، أو قد يكون من الممكن فهم ذلك ضمنياً من السياق.

الأشخاص الذين عينهم مؤلف السفر الكتابي

حدد إنجيل متى الأشخاص المتلقين لرسالته عندما سجل كلمات يسوع: “طوبى للمساكين بالروح” (مت 5: 3). فكل من هم مساكين بالروح مؤهلون لنوال البركة. وعندما سجل إنجيل لوقا كلمات يسوع، “طوباكم إيها المساكين لأن لكم ملكوت الله” (لو 6: 20)، كان يحدد المتلقين من بين كل المساكين مادياً في العالم، فهؤلاء الناس الذين كان يسوع يخاطبهم كانوا مباركين. لكن بالتأكيد ليس كل الفقراء والمساكين مباركين، وقد نشأ ارتباك كبير من تفنيد هذين المقطعين، الذين تم فيهما بوضوح تحديد المتلقين.

كان كل من يسوع وبولس أعزباً، وقد علما أسباباً لتفوق هذه الحالة من العزوبية (مت 19: 12؛ 1كور 7: 8). لكن كل من يسوع وبولس، في سياقي هذين المقطعين، قد قصر تطبيق ذلك التعليم على فئة معينة. فقد قال يسوع، في إجابته على ملاحظة التلاميذ بأنه من الأفضل أن يظل المرء عازباً (حيث أن خيار الطلاق قد تم استبعاده)، “ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين أعطي لهم”.

كما قال بولس أنه رغم أنه سيكون جيداً لو كان الجميع غير متزوجين مثله، إلا أنه ليس كل إنسان لديه القدرة على أن يظل عازباً. وهكذا فإن هذا التعليم ليس موجهاً لجميع المسيحيين، بل فقط لمن أعطيت لهم هذه القدرة. لذلك من المهم أن نحدد من السياق نفسه، وليس بحسب تفضيل المرء اللاهوتي أو الثقافي أو الشخصي، الأشخاص الذين قصدهم المؤلف، سواء كانوا الناس كلهم أم المؤمنين فقط؛ مسيحيي القرن الأول أم جميع المسيحيين؛ الأشخاص الموجه لهم الكلام فقط أم الآخرين أيضاً.

التاريخ كإعلان

هناك سجل موحى به لتاريخ الفداء، وهو مدون كمثال لنا ولأجل إنذارنا (1كور 10: 11). فكل ما يدونه الكتاب المقدس هو حق وصحيح؛ والتاريخ قد حدث بالطريقة المذكورة فعلاً في الكتاب المقدس. لكن يكون التاريخ سلطوياً كنموذج للسلوك – باعتباره معياراً معطى من الله لجميع الناس في كل الأزمنة – فإن أي حدث تاريخي يجب أن يتم تعيينه بهذا الاعتبار بواسطة شخص مخول بسلطة التحدث باسم الله. فمجرد تدوين حدث ما وقع بالفعل، لا يجعل منه بالضرورة اعلاناً لمشيئة الله العامة الشاملة.

غالباً ما يتم تدوين الأحداث التاريخية بدون تعليق عن رضى الله أو عدم رضاه عنها، كما في حالة بنات لوط والأمر المحرم الذي فعلتاه (تك 19: 34). فحتى عندما يتم عمل تقييم أخلاقي – بإدانة فعل ما أو مدحه – فإن السبب في ذلك التقييم قد لا يكون مدوناً. لهذا السبب، ربما لا تشير الكتب المقدسة في أي مكان فيها لأي حدث، بسبب وجوده في الكتاب المقدس، أنه قد أصبح معيارياً لجميع الناس في كل الأزمنة.

فكم بالحري تكون الدلائل أقل، على أن الأنشطة غير المدونة فيه يجب أن تكون محظورة. ومع ذلك فالدارسين المتحمسين للكتاب المقدس يقومون باستمرار بوضع معايير للسلوك من سفر الأعمال مثلاً. فمبادئ النشاط الارسالي الأصيل، التي تشمل ما يجب فعله وما لا يجب فعله، يتم استنتاجها مما كان الرسل يفعلونه أو لا يفعلونه.

فالمعمودية الفورية للمنضمين إلى المسيحية، وحظ الآلات الموسيقية في أبنية الكنيسة، والكثير من الأمور المحددة غير ذلك، قد أصبحت معيارية على أساس كونها موجودة أو غير موجودة في الكنيسة الرسولية. كثيرون من الناس يستخدمون سفر أعمال الرسل بهذه الطريقة مثلاً لبناء عقيدة أن التكلم بألسنة هي علامة ضرورية للملء بالروح القدس.

لكن هذا استخدام غير سليم للتاريخ المدون في الكتاب المقدس. (يوجد استخدام سليم للتاريخ، والذي سندرسه فيما بعد). فكر مثلاً في نوعين من التعاليم المرتبطة بالتاريخ: الأحداث التاريخية والتعاليم الموجهة إلى شخص معين أو إلى جماعة معينة.

الأحداث التاريخية. حديث أليهو إلى أيوب مثلاً، قد يكون له معنى أو قد لا يكون، إذ ليست له سلطة كحق معلن. فالوحي المعطى في سفر أيوب يقصد به فقط أن تدوين حديث أليهو صحيح ودقيق.

إننا نقوم باستمرار باعتبار رد بولس على السجان معيارياً “آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك” (أع 16: 31)، ولكننا نرفض بإصرار أن نجعل رد المسيح على سؤال مماثل من الشاب الغني معيارياً، “اذهب وبع أموالك وأعط الفقراء وتعال اتبعني”. ونحن نرفض ذلك رغم أن المسيح يكرره في لوقا 12: 33 كعبارة معيارية.

ولماذا نميل لاعتبار أن سلوك بولس هو نموذجي دائماً، بينما سلوك بطرس (في معظم الأحيان) هو عكس ذلك دائماً؟ ربما كان بعض مما فعله بولس سيئاً، وربما كان بعض ما فعله بطرس جيداً!

وهكذا فأي حدث أو سلوك معين يجب ألا يتم اعتباره معيارياً بالنسبة لنا اليوم، فقط لأنه مدون في الكتاب المقدس، إذ يجب أن يتم تقييمه في ضوء التعليم الكتابي المباشر.

التعاليم الموجهة إلى شخص معين أو جماعة معينة. توجد العديد من المقاطع في الكتاب المقدس موجهة لفرد أو لجماعة معينة. فعندما تتفق هذه الأوامر والتعاليم الموجهة إلى شخص أو جماعة معينة وتتوازى مع التعاليم العامة الموجودة في مكان آخر. يمكن عندئذ اعتبارها معيارية، ولكن لا يجوز القيام بهذا الأمر على أساسها هي وحدها.

فعندما قال الله لموسى “اخلع حذاءك من رجليك لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة” (خر 3: 5)، أو عندما قال المسيح للتلميذين “تجدان أتان مربوطة وجحشاً معها فحلاهما وأتياني بهما” (مت 21: 2)، يتفق الجميع على أن هذه الأوامر كان أموراً تاريخية معينة، وليس يجب أن يتم تطبقها على أي إنسان غير موسى أو التلميذين. لكن هذا المبدأ يمكن أن يساء استخدامه، بحيث أن كل تعاليم المسيح أو تلك التعاليم الموجودة في الرسائل يعتبرها البعض معينة تاريخياً، وليس معيارية.

فالبعض يعتقد أن المسيح كان يتحدث إلى تلاميذه فقط أو لأناس معينين، وبالتالي فإن مثل هذه التعاليم لا تنطبق بالضرورة علينا اليوم. كما يسعى البعض للتمييز بين الرسائل، فيعتبرون بعض الرسائل أقل سلطوية من غيرها، لأنها كانت مكتوبة لمواقف محددة ولم تكن موجهة للكنيسة عامة، ولهذا السبب لا يعتبرها البعض أنها سلطوية بالنسبة لنا اليوم.

هناك سؤال مشابه يثار بخصوص مزامير اللعنات، والسؤال هو، هل نموذج كاتب المزمور هذه صحيح أم خاطئ؟[1] فتلك المزامير تدعو الله لكي يلعن أعداء كاتبي هذه المزامير. لكن الحقيقة أن هذه المزامير هي كشف أصيل عن مشاعر واختبارات مؤلفيها. لكن البعض يتساءلون إن كان أمراً سليماً أن نمنح هذه الأجزاء مكانة الشهادة الموحى به أم لا.

إلا أننا مرة أخرى يجب أن نصر على أن أي اتجاه نحو الكتاب المقدس لا بد أن يكون هو الاتجاه الذي يأخذه الكتاب المقدس عن نفسه، وإلا لن يكون الكتاب المقدس هو السلطة النهائية المطلقة. وقد تعامل الرسل مع تعاليم المسيح باعتبار أن لها سلطة مطلقة. والأكثر من ذلك، لا يوجد شيء داخل الكتاب المقدس يفترض أن هناك تمييز بين الرسائل وبعضها البعض أو بين شهادة كاتب المزمور وإعلان إرادة الله.

فالعهد الجديد يتعامل مع المزامير باستمرار باعتبارها إعلانات عن إرادة الله. كما يتعامل بطرس مع كتابات بولس بنفس الطريقة (2بط 3: 15-16).

يجب أن نتعامل مع المزامير، ومع تعاليم المسيح، ومع تعاليم الرسائل باعتبارها شاملة وعامة في تطبيقها ومعيارية بالنسبة لنا اليوم لأنه هذه هي الطريقة التي تعامل بها الرسل الأوائل مع تلك التعاليم. ويجب أن يظل هذا الأمر صحيحاً إلا إذا أظهر السياق نفسه قصراً تاريخياً واضحاً على الشخص أو الجماعة التي يخاطبها.

فمثلاً، عندما يقدم بولس قائمة بالتحيات والتعليمات الخاص في نهاية كل رسالة، فإن يكون من الواضح أن السياق يقصر تطبيق هذا الأمر على شخص ومناسبة معينة. وفي الحالات التي يكون من الصعب فيها التمييز، فلأجل الحفاظ على السلطة المستقلة للكتاب المقدس، يجب أن نفترض الطبيعة المعيارية لتعاليم الكتاب المقدس بدلاً من الاستغناء عنها بمنتهى السهولة.

إذ أن توسيع مجال هذا المبدأ سيكلفنا الكثير فيما يختص بالسلطة المستقلة للكتاب المقدس.

باختصار، يمكن للكتاب المقدس نفسه أن يقوم بتحديد الأشخاص الموجه لهم الكلام في السياق المباشر من خلال عبارة معينة يقولها المؤلف أو من خلال مطلب واضح للخلفية التاريخية.

الإعلان اللاحق

يمكن للإعلان اللاحق أن يقوم بتوضيح الأشخاص المتلقين لأي تعليم ما. فعلى سبيل المثال، لا تنطبق جميع تعاليم العهد القديم على المسيحيين في العهد الجديد.

وأوضح مثال على ذلك هو نظام الذبائح بأكمله الذي انتهى بمجيء المسيح (عب 9-10). لكن الكتاب المقدس نفسه هو الذي يجب أن يحدد أي تغيير في المتلقي يقصده المؤلف، وإلا يفقد الكتاب المقدس سلطته المستقلة، لصالح الشخص الذي يقوم باستبعاد أي تعليم دون الرجوع إلى السلطة الكتابية.

إلا أن البعض يقومون بعدم السماح باستخدام أي تعليم من العهد القديم باعتباره معيارياً، إذ يعتقدون أنه لا يوجد أي تعليم ملزم في العهد القديم بالنسبة للمسيحي إلا إذا تكرر في العهد الجديد. لكن الحاجة إلى تكرار العهد الجديد للتعاليم هو إلزام خطير لا ينص عليه العهد الجديد في أي موضع فيه. فقد تعامل مؤلفو العهد الجديد ويسوع نفسه مع العهد القديم (وكان هو الكتاب المقدس الوحيد الذي لديهم حينئذ) باعتباره كلمة الله السلطوية الجديرة بالثقة.

لذلك فليس من الصواب أن نستبعد أي تعليم من العهد القديم بدون تخويل الإعلان اللاحق في العهد الجديد. فالعديد من وصايا العهد القديم، مثل تلك الوصايا التي تناهض البهيمية والاغتصاب، لا يتم تكرارها في العهد الجديد، فهل لذلك لم تعد معيارية؟! لا بد أن نقوم بالتعامل مع الكتاب المقدس كما يتعامل هو مع نفسه، باعتباره كلمة الله التي لها السلطة المطلقة على حياة المسيحي.

بالطبع، يمكن للعهد الجديد أن يستبعد فئة كاملة من التعاليم، لأنه ليس من المعقول أن يتم استبعاد كل التفاصيل المحددة واحدة فواحدة. فمثلاً، جميع التعاليم التي تلخص طريقة الله في التواصل مع شعبه كمواطنين في الدولة (إسرائيل) يتم تعديلها بواسطة تعاليم العهد الجديد عن الكنيسة. فقد قال المسيح “إن مملكتي ليست من هذا العالم”، وهو أمر لا ينطبق بنفس الطريقة على زمن العهد القديم.

والتفاصيل داخل تلك الفئة من التعاليم يمكن رفضها، وكمثال على ذلك، أوامر المسيح الخاصة باستبعاد السيف، فالكنيسة يجب ألا تتقدم بالسيف، كما كان يحدث بالنسبة لإسرائيل القديمة. لكن هناك الكثير من التعاليم الأخرى في العهد القديم هي من نفس هذه الفئة، والتي لا نقوم باستبعادها بالتحديد في العهد الجديد، ولكن هذه التعاليم لم يعد لها فائدة لأن كل هذه الفئة من التعاليم قد تم تعديلها في العهد الجديد.

فمثلاً، القوانين الخاصة بتعاقب الملوك هي مقصورة في تطبيقها على إسرائيل، ولا تنطبق على الكنيسة أو على الحكومة المدنية اليوم، لأن مملكة المسيح “ليست من هذا العالم”.

وفي غلاطية، لم يقم بولس فقط بمنع الختان كعلامة ضرورية على عهد العلاقة مع الله، ولكنه استبعد النظام بأكمله بما فيه الختان. وأعيد تصنيف جميع أنواع الطعام باعتبارها صالحة ومحللة بالنسبة للمسيحيين (مر 7: 13؛ أع 10: 15)، ولذلك فإن القواعد الغذائية، رغم أنها قد تكون مفيدة، لم تعد معيارية بالنسبة للمسيحيين اليوم.

بهذه الطريقة، فإن مناطق معينة من تعاليم العهد القديم – مثل السمة الطقسية للناموس، وعلاقة العهد مع شعب معين من خلال الختان، والحكومة المدنية، والقوانين الغذائية – قد تم بالتحديد استبعادها في العهد الجديد.

إن ظاهرة التعديل اللاحق يتم رؤيتها أيضاً داخل العهد الجديد نفسه. ففي متى 10: 9-10، لم يكن المسيح يخبر المسيحيين في القرن العشرين أن يسافروا بلا نقود، ونحن نعرف ذلك فيما بعد قام المسيح بإلغاء هذا التعليم الأولي (لو 22: 36). لكن ضعف الحجة المعروف، فيما يختص بصمت الكتاب المقدس تجاه أمر كتابي ما، يجب ألا يكون له مكان هنا.

فعندما نعتقد أن التكلم بألسنة لم يعد قائماً، على أساس أن مؤلفي أسفار العهد الجديد توقفوا عن الحديث عنه بعد كتابة بولس لأهل كورنثوس، فهذا معناه أننا نفرض معايير خارجية خاصة بتغيير المتلقين لتعليم كتابي واضح.

لكن ماذا لو أن هناك مبدأ أو سلوك تم تعليمه في جزء معين من الكتاب المقدس كان يبدو أن يتناقض مع ما تم تعليمه في مكان آخر؟ كيف يمكن توجيه كل من التعليمين إلى الكنيسة المعاصرة؟ في عدة مرات، كان هناك مقطعان أو أكثر من الكتاب المقدس يبدو أنهم يقدمون عبارات متناقضة. لكن حيث أننا ملتزمون بالعقيدة الأساسية بأن كل الكتاب هو موحى به من الله، وبالتالي أنه حق وصادق كله، فإن التناقضات الظاهرية يجب أن يتم حسمها بقدر الإمكان.

قم باستخدام جميع مبادئ التفسير لكي تتأكد من المعنى المقصود، وافحص الغرض الذي قصده المؤلف، والأشخاص الموجه إليهم هذا الكلام، والنحويات والقواعد، والخلفيات التاريخية والثقافية للكتابة. فإن ظل المعنى أو المتلقي أو التطبيق غير أكيد، يمكن للمرء أن يطبق ما يطلق عليه “قياس الإيمان” (انظر الفصل 16 للتعرف على التفاصيل الخاصة بهذا المفهوم). يعرف سيليرير هذا المصطلح في دليله التقليدي عن التفسير بالقول:

إن وسيلة التفسير التي يطلق عليها “قياس الإيمان” تلجأ إلى السمة العامة للحق عند تفسير مقطع معين. وبرهانها وسلطتها تختلف بحسب عدد وإجماع ووضوح وتوزيع المقاطع التي تبنى عليها هذه الوسيلة.[2]

بكلمات أخرى، فإن التعليم الذي يجب قبوله للإيمان والطاعة، عندما يكون هناك تناقض ظاهري غير محسوم، هو التعليم الذي يحظى بتأكيد وتركيز ووضوح شديد.

كل هذه المناهج سليمة عند السعي لحسم التناقضات الظاهرية بين تعاليم الكتاب المقدس. ومن المناهج السليمة لتوفيق التعاليم المتناقضة هو أن نرى إن كان كل من هذه التعاليم موجه لنفس الأشخاص أم لا. فمثلاً، يبدو أن بولس يشير إلى أن الشعر الطويل للرجال هو منافي للطبيعة (1كو 11: 4).

لكن الشعر غير المقصوص كان من علامات القداسة بالنسبة للنذير في العهد القديم (قض 13: 5؛ اصم 1: 11). لكن الأشخاص الموجه لهم الكلام في العهد القديم يختلفون عن أولئك الموجه لهم الكلام في العهد الجديد، وهذا الأمر يساعد على تخفيف التوتر والتناقض بين هذين التعليمين. لكن هذا بالطبع لا يحسم مسألة أي من هذين الأمرين، إن كان، ينطبق علينا اليوم.

إذ يجب أن نقوم بتطبيق العديد من الإرشادات التي درسناها في السعي للإجابة على هذا السؤال. لكن المقارنة ستكون مفيدة، إذ تشير إلى أن الشعر الطويل ليس مسألة أخلاقية في جوهرها بالنسبة لكل الرجال في كل الأزمان.

لاحظ أن تطبيق أي من التعاليم التي لم يتم حسمها يجب أن يكون مؤقتاً، وليس بسلطة العقيدة. إن موضوع هذا الفصل واضح، وهو: يجب أن نقبل كل الكتاب المقدس باعتباره معيارياً لكل إنسان في كل المجتمعات وفي كل الأزمنة، إلا إذا قام الكتاب المقدس نفسه بتحديد الأشخاص الموجه لهم الكلام وهذا التحديد يمكن أن يحدث إما في السياق المباشر أو في أجزاء أخرى من الكتاب المقدس.

لكن هناك الكثيرون من الناس الذين يقومون بقصر الأشخاص المتلقين للكلام على الأشخاص الذين كانوا في زمن الكتاب المقدس فقط، بحسب أسس أخرى. لكن إذا كان المرء يقبل السلطة المطلقة والنهائية للكتاب المقدس، فإن أي منهج مثل ذلك لن يكون صائباً. لذلك، قبل المواصلة في دراسة الإرشادات الخاصة بتطبيق التعاليم الموجهة لنا اليوم، دعونا ندرس بعضاً من هذه المناهج، غير الصائبة.

مناهج خاطئة

لتحديد الأشخاص المقصودين بالكلام، وتعيين التطبيق

يعتقد البعض أنه إذا كان الكتاب المقدس صحيحاً، فلا بد أن نؤمن به ونطيعه، لكنه حيث يخطئ لا يكون معيارياً. فعندما تكلم الكتاب المقدس عن خلق الزوجين الأوائل، وعندما تعامل المسيح مع الشياطين باعتبارها موجودة، وعندما أعطى بولس دوراً مميزاً للزوج في الزواج، فإن هذه التعاليم كانت خاطئة، ولذلك فإنها غير ملزمة لنا في الإيمان والسلوك.

أما النظرة الأكثر تطرفاً، فينتهجها اللاهوتيون المتحررون، الذين يقومون بدراسة اللاهوت بالبدء بما يفعله الله في العالم اليوم، ويقولون إن عمل الله في التاريخ، في الثورة الاجتماعية مثلاً، هو إعلان إرادته. وبذلك يستخدم الكتاب المقدس فقط كمصدر لأمثلة أخرى عن عمل الله في التاريخ. وعلى الرغم من أن هذه المناهج تستبعد سلطة الكتاب المقدس، فقد نادى بكل منها أناس يدعون أنفسهم إنجيليين.

كما توجد مناهج أخرى لا تبدو أنها غير كتابية بمثل هذا الوضوح الشديد، ولكننا لا نستطيع أن ندرسها جميعاً، بل سنقوم بالتعرف على المناهج التي لها أكبر تأثير بين من يؤمنون بالكتاب المقدس. سنقوم باختصار بفحص منهجين يستخدمان عوامل ثقافية لتحديد المعنى أو الأشخاص الموجه لهم الكلام أو لتحديد التطبيق. ثم نقوم بعد ذلك بدراسة منهجين يستخدمان مبادئ معينة لتحديد المعنى أو الأشخاص الموجه لهم الكلام أو لتحديد التطبيق.

استخدام الثقافة لتحديد المعنى، أو الأشخاص المعنيين بالكلام، أو لتحديد التطبيق

الاستجابة التي يرغب فيها الله اليوم. يقوم هذا المنهج بفحص كلمات الكتاب المقدس لتحديد المعنى. والهدف من ذلك هو الوصول إلى ما وراء معنى المقطع، لكي نميز ما الاستجابة التي كان يرغب فيها المؤلف من سامعيه الأصليين.

وعندما يتم التعرف على هذه الاستجابة، من خلال عملية يطلق عليها “تفسير المكافئ الديناميكي”، يقوم المفسر المعاصر بطرح السؤال التالي، “كيف يمكنني انتاج هذه الاستجابة في سامعي اليوم؟” الإجابة على هذا السؤال ستكون هي الإعلان عن مشيئة الله، وستكون هي الرسالة السلطوية اليوم.

بالنسبة لمن يتبعون هذا المنهج، فإن المفاهيم هي، كما يقولون، مرتبطة بالثقافة. ومهمة المفسر هي أن يميز الثقافة العامة في البيانات الكتابية، وينتج التأثير الذي كان يرغب فيه الله في المجتمع المعاصر.

في هذا المنهج، يعكس الكتاب المقدس كله – مثل كل الكتابات البشرية الأخرى – ثقافة الكاتب. لذلك، تكون مهمة دارس الكتاب المقدس هي أن يحرر من ثقافته التي تغلفه، بحيث يمكن تطبيقه على الحياة المعاصرة. ولكي يقوم بذلك فإنه يستخدم كل أدوات علم دراسة الإنسان وثقافته. وعندما يكون واضحاً ما قصد المؤلف أن يحدثه في خلفيته الثقافية من خلال كتاباته، عندها نكون مهيئين لأن نطلب نفس الاستجابة في سامعينا اليوم بالطريقة التي تناسب ثقافتنا.

فمثلاً، علم بولس أن القادة الروحيين يجب أن يكون لهم زوجة واحدة فقط (1تيمو 3: 2؛ تي 1: 6). هذا هو ما قاله بولس، ولكنه في الحقيقة ما يبدو أنه كان يعنيه. لكن، ترى إلام كان يرمي؟ قد يقول أحد المفسرين أنه يحاول أن يضمن أن الكنيسة سيكون بها قادة مؤهلين للقيادة، في عيني رفاقهم المؤمنين، إذ كان يضع معايير لقيادة كانت مرتبطة ثقافياً بمجتمعهم.

لكن ماذا عن اليوم؟ في إحدى القبائل الأفريقية المعينة، نجد أن متطلبات القيادة لديهم هي عكس ذلك تماماً، إذ لا يكون الرجل مؤهلاً للقيادة إلا إذا استطاع أن يتزوج على الأقل بامرأة ثانية ويعولها. والآن كيف يمكن للمرء أن يتفق مع أمر بولس لتيموثاوس وتيطس؟ في هذه القبيلة، لا بد للرجل لكي يخدم كشيخ أو شماس في الكنيسة أن يكون لديه زوجتين على الأقل. لا يهم إذا كان ذلك عكس ما قاله بولس، إذ أنه لا بد من اكتشاف الهدف من الوصية من خلال التحليل الثقافي وتطبيقه اليوم بطريقة تتفق مع الثقافة الحالية في مكان معين.

من خلال هذا المنهج في دراسة الكتاب المقدس، يكون الفهم الثقافي الحالي قد حل محل الرسول كسلطة في حياة الكنيسة. وهكذا تكون النتيجة النهائية ليس مجرد أن تكون الكنيسة حرة في أن تعمد أم لا، بحسب ما تتطلبه الثقافة، أو أن يتم تنظيم حكم الكنيسة بما يتفق مع معايير الثقافة المحلية، بل أن التعاليم اللاهوتية الأساسية كذلك يتم تعديلها من خلال الفهم الثقافي.

فمثلاً، يتم تعليم أن الناس يمكن أن يخلصوا بدون معرفة يسوع المسيح، من خلال الإيمان بما يعرفوه بالفعل عن الله، وبما تسمح ثقافتهم أن يقبلوه.

النمط الثقافي العام. التعليم الكتابي الذي يعكس نمط ثقافي عام هو فقط التعليم المعياري بالنسبة لجميع البشر في كل المجتمعات. هذا الاتجاه يقبل أن يتم تطبيق اليوم فقط تلك التعاليم الموجودة في الكتاب المقدس (بسلطان باعتبارها مشيئة الله الأكيدة) التي تعكس معاييراً ثقافية عامة. كمثال على ذلك، الوصية القائلة “لا تسرق” (خر 20: 15). أما بقية التعاليم الكتابية فهي مرتبطة بالثقافة، وتتحدث عن أمور خاصة بثقافة معينة فقط.

مهمة المفسر إذاً هي تحرير التعليم من قيوده الثقافية لأجل تقرير حق أو مبدأ عام وشامل. وبحسب رأي المفسر، فإن تعاليم المسيح ضد الطلاق، وتعاليم بولس ضد الجنس المثلي، والمعايير الكتابية لدور المرأة في الزواج، هي جميعها تعاليم مرتبطة بالثقافة، وغير معيارية. ولذلك، فهي لا تتطلب الطاعة في كل الثقافات وفي كل الأزمنة.

يشبه هذا الاتجاه الاتجاه السابق، فيما عدا أن المفسر لا يحاول أن يذهب إلى ما وراء معنى المقطع، لكي يكتشف التأثير الذي يقصد المؤلف أن يحدثه. بل بدلاً من ذلك، إنه يسعى للمبدأ الثابت الباقي في المعنى نفسه. في هذا الاتجاه، يكون المعنى نفسه سليماً، ولكنه يكون معيارياً (أي يمكن تطبيقه بصورة عامة) فقط عندما يتم تعليم حق عام ثقافياً.

جلست في إحدى المرات على مائدة غداء مقابل أحد الرواد اللغويين في الكتاب المقدس. وكنا نناقش مسألة أي من تعاليم الكتاب المقدس معيارية.

فسألته، “ماذا في رأيك الأمور التي يجب أن تُطلب من جميع الناس في كل قبيلة وثقافة؟”

فأجاب على الفور، “تلك التعاليم التي تكون عامة ثقافياً”.

فقلت له، “هل يمكن أن تعطيني مثالاً؟”

فقال بتردد، “حسناً… لست متأكداً تماماً.”

فاقترحت قائلاً، “هل شيء مثلاُ مثل حظر القتل؟”

فقال، “نعم، هذا أمر عام ثقافياً.”

فأجبته، “إني مندهش لسماع هذا الأمر، كنت أعتقد أن القتل، وربما أكل الضحية أيضاً، هو فضيلة في بعض المجتمعات”.

فقال، “نعم، أعتقد أنك على حق.”

واستمر الحوار في نفس المسار، بقدر كبير من عدم اليقين مما إذا كانت هناك أية معايير ثقافية عامة على الإطلاق. وحيث أن الكتاب المقدس نفسه لا يضع أي تمييز بين الأمور العامة ثقافياً والأمور الخاصة بثقافات ما، فإننا عندما نسعى نحن لعمل ذلك التمييز، ونقوم بالمهمة الضخمة لتعريف الأمور العامة ثقافياً، فإن هذا أمر يقترب من المستحيل.

وعندما نحاول القيام بهذا التمييز فإن هذا سيؤدي إلى جعل التعليم النسبي ثقافياً لا يتفق مع معظم الكتاب المقدس، وبذلك نستبعد السلطة المستقلة للكتاب المقدس.

في الفصل الثامن ناقشنا استخدام السياق الثقافي في فهم المعنى الذي يقصده المؤلف، وفي مقدمة هذا الفصل افترضنا منهجاً يحدد الأشخاص الموجه لهم الكلام بواسطة التعرف على الخلفية التاريخية. فكيف تختلف هذه المناهج عن النسبية الثقافية التي انتقدناها للتو؟

الاستخدامات المشروعة وغير المشروعة للثقافة

واحد من المناهج الأخرى غير السليمة في تحديد المستمعين والتطبيق هو الاستخدام الخاطئ للثقافة فدعونا نفكر في التمييز بين الاستخدام المشروع وغير المشروع للثقافة.

التاريخ والثقافة. هل هناك تمييز سليم بين التاريخ والثقافة؟ أليس التاريخ هو تسجيل للسلوك كما للأحداث أيضاً؟ أليست الثقافة جزءًا من التاريخ؟ إن كلاً منهما يتداخل مع الآخر، ويظهر تفاعلاً كبيراً معه، حتى أنه في بعض الأحيان يكون من الصعب التمييز بينهما. ولكني أعتقد أن التمييز هو أمر جوهري لأجل التوصل إلى التفسير الكتابي السليم.

ما هي الثقافة؟ رغم وجود العديد من التعريفات، إلا أن المفسرين المعاصرين يستخدمون مصطلح الثقافة بالمعنى الفني للتعبير عن اللغة والسلوك والأخلاقيات والقيم وطرق القيام بالأشياء، لدى أية جماعة معينة من البشر.

دعونا نتفق في البداية على أن العناصر الثقافية التي لم يتم تقييمها أو تفسيرها في الكتاب المقدس قد لا تكون معيارية مثلها مثل الأحداث التاريخية التي لم يتم تقييمها أو تفسيرها، لكن الاختلاف بينهما عظيم. فالكثير من تاريخ الكتاب المقدس لم يتم تقييمه وتفسيره، وبالتالي، يجب ألا يكون معيارياً بالنسبة لأناس آخرين في أزمنة أو أماكن أخرى.

ومع ذلك، فكل تعاليم الكتاب المقدس تقريباً تقدم تقييماً ثقافياً. فيتم باستمرار تقييم السلوك البشري والأخلاقيات والقيم وطرق القيام بالأمور، سواء باستهجانها أو بمدحها. لذلك فليس كثيراً أن نقول إن هدف الإعلان الإلهي هو خلق ثقافة، وشعب مميز لله. يعمل الله على تغيير الثقافة، ولكنه يعمل في نفس الوقت على استخدام الثقافة البشرية كأداة لإعلان نفسه وحقه.

إن تعاليم الكتاب المقدس في معظم الأحيان لا تكون تاريخاً “نسعى إليه”. ورغم أنه يتم إظهار أحداث التاريخ في كثير من الأحيان باعتبارها أعمال الله، لكن الإعلان يقوم ببساطة بتدوين الخلفية. أما معظم التعاليم الكتابية فهي ثقافية “نسعى إليها” مباشرة، وهذا لأن السلوك البشري هو موضوع وهدف الإعلان.

إنني أعتقد أن السياق التاريخي للتعاليم يكون معيارياً فقط إذا تعامل معه الكتاب المقدس هكذا، بينما السياق الثقافي لا يكون معيارياً إلا إذا تعامل معه الكتاب المقدس باعتباره محدداً. فكما رأينا، أن التاريخ غالباً ما يتم تدوينه بدون أي تقييم لما إذا السلوك جيداً أم سيئاً، فيجب على الله أن يأخذ المبادرة من خلال الإعلان لكي يجعله معيارياً.

فتعدد زوجات داود، والذي لم يدنه الكتاب المقدس، يجب ألا يتم اعتباره نموذجاً معيارياً اليوم. لكن رد الرسل بالقول، “ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس” (أع 5: 29)، رغم أنه لم يتم تقييمه في السياق المباشر، فإنه من الواضح أنه يعتبر نموذجاً يجب اتباعه بسبب التعاليم الكثيرة التي تتفق معه في أجزاء أخرى من الكتاب المقدس.

كما أنه من الصحيح كذلك أن الثقافة يمكن أيضاً أن تدون بدون تقييم ما إذا كانت تؤخذ باعتبارها معيارية أم لا. في مثل هذه الحالات، لا تعتبر الثقافة معيارية مثلها مثل السجل التاريخي. فهل سلوك السيد في جعل عبيده يعدون المائدة بعد العمل في الحقول طوال النهار – دون تقديم الشكر لهم – هو نموذج معياري يجب اتباعه في العلاقة بين العامل والمدير (لو 17)؟ لا يمكننا أن نستنتج ذلك.

لكن السلوك الثقافي الذي لم يتم تقييمه هو أقل شيوعاً بكثير من الأحداث التاريخية التي لم يتم تقييمها، وهذا لأن الغرض من الإعلان هو خلق نمط للسلوك، وثقافة جديدة. ولذلك فإن السجلات النسبية ثقافياً للسلوك ليست نموذجية، بل أن التغيير الثقافي هو هدف الإعلان، ولا بد أن يأخذ الله المبادرة من خلال الإعلان لكي يجعل التعليم الثقافي غير معياري.

ولذلك تعاليم الله الخاصة بالسلوك البشري هي نهائية في سلطتها، ولا يجب أن يتم استبعادها إلا إذا قام الكتاب المقدس نفسه بتحديد الأشخاص الموجه لهم الكلام أو الاستجابة التي يرغب فيها الله. فإن قام أي شخص آخر بوضع مثل هذه التعاليم “الثقافية” جانباً واستبعادها، فإن يصبح بذلك هو السلطة التي تفرض حكمها على الكتاب المقدس.

قد يتفق معظمنا على أن غسل قدمي شخص آخر عند العشاء، وترك شعر النساء بدون قص، وغيرها من الوصايا الأخرى، هي تفاصيل ثقافية وبالتالي لا يجب تطبيقها بصورة عامة، فهي بالتحديد، لا تنطبق علينا! ومع ذلك، فقد اكتشفنا أن نفس المبدأ يمكن أن ينطبق تقريباً على أي تعليم من تعاليم الكتاب المقدس.

لكن أن نقوم باستبعاد أي جزء من الكتاب المقدس، فقط على أساس أنه ثقافي، وبالتالي فهو ينطبق فقط على خلفية ثقافية واحدة محددة، فهذا معناه تأسيس مبدأ يمكن استخدامه لاستبعاد أي تعليم أو حتى كل التعاليم الكتابية. بمثل هذه النظرة تصبح سلطة المفسر فوق سلطة الكتاب المقدس. فيقوم باعتبار أن الأمور المعيارية للإيمان والسلوك البشري هي فقط عناصر التعليم الكتابي أو تلك المبادئ التي تم استنتاجها من التعليم الكتابي، والتي يثبت أنها سليمة على وجه العموم بحسب نوع من المعايير الثقافية.

 وبسبب الاختلاف بين السجل التاريخي والتعليم المؤسس على الثقافة، يمكننا أن نقول إن الأحداث التاريخية التي لا يقيمها الكتاب المقدس، يجب ألا تكون معيارية. لكننا نقول بالنسبة للسلوك الإنساني (ما يجب أن يحدث، بتمييزه عما حدث بالفعل) أننا يجب أن نخلص إلى أن السلوك المطلوب معياري، إلا إذا قام الكتاب المقدس بتحديد المتلقي أو التطبيق.

فالكتاب المقدس ليس سجيناً للثقافة، بل أن الثقافة بلغة مؤلفي الكتاب المقدس، والسياق الذي كتبوا فيه، هي أداة ووسيلة للإعلان، وفي نفس الوقت، فإن نفس هذه الثقافة هي هدف التغيير الذي يسعى إليه الكتاب المقدس. فعندما نرفض أي تعليم كتابي لأنه ثقافي، فهذا معناه أننا نجعل الكتاب المقدس كله مهدداً بهذا المنهج النسبي.

البرهان الثقافي السليم. هل السياق الثقافي إذاً ليس له قيمة على الإطلاق؟ ألا يمكن أن تستخدم الثقافة على الإطلاق لتحديد المتلقي أو الاستجابة التي يرغبها الله؟ ربما تكون الثقافة مهمة عندما يعطي الكتاب المقدس نفسه سبباً مبنياً على الثقافة لتعليم معين. فمثلاً، استخدم بولس برهان ثقافي لتأييد حثه على أن يعمل المرء بيديه (1تس 1: 11).

فقد لا يعطي الكتاب المقدس سبباً لتعليم ما، لكنه عندما يعطي، فإن هذا السبب يصبح جزءًا من التعليم. وهنا، السبب الذي يقدمه بولس ليس نوعاً من المبدأ الأخلاقي الأبدي، ولكن برهان ثقافي، “لكي تسلكوا بلياقة عند الذين هم من خارج ولا تكون لكم حاجة إلى أحد” (1تس 4: 12). بكلمات أخرى، يتم إعطاء المبدأ الثابت وهو أن المسيحي يجب أن يكسب قوته بعمله كشهادة لغير المسيحيين. وهذا يعكس النمط الثقافي “بلياقة”، والذي بالنسبة للمسيحيين في تسالونيكي كان يعني العمل اليدوي.

فحيث أن البرهان مبني على الثقافة، فإن لم يكن هذا الموقف الثقافي موجوداً، فإن المبدأ فقط (وليس الوصية أو الأمر) هو الذي يجب أن يكون معيارياً. وفي هذه الحالة، لا يكون العامل الثقافي مفروضاً من الخارج، ولكنه يكون جزءًا من برهان بولس. لم يقم بولس بجعل السياق الثقافي للأمر معيارً عاماً، ونحن كذلك غير ملزمين بأن نقوم بعمل نسخة مطابقة من السياق الثقافي للوصية الخاصة بالعمل.

توجد حالة أخرى يمكن فيها وضع العامل الثقافي في الاعتبار عند تحديد المتلقي، دون التعدي على سلطة الكتاب المقدس. يمكن للكتاب المقدس أن يخاطب الناس من خلفيات ثقافية أو مواقف تاريخية ليست موجودة في ثقافات أخرى. فإذا عبر الكتاب المقدس عن عدم وجود أمر أخلاقي بتكرار الموقف من جديد، فإن المبدأ العام الذي يكمن خلف الأمر الكتابي، وليس الأمر الثقافي أو التاريخي المحدود نفسه، هو الذي يجب تطبيقه على المواقف الأخرى.

وهذا مبدأ إرشادي من السليم أن نتبعه إلا إذا تعامل الكتاب المقدس نفسه مع الشكل الثقافي باعتبار أن له أهمية ثابتة. مثال على ذلك، الأوامر الكتابية التي تحث على المعاملة الرفيقة للحيوانات أو للعبيد، لا تتطلب أن يكون لدى الشخص حيوانات أو عبيد، بل أن مبدأ العطف والترفق يجب تطبيقه على أي إنسان أو مخلوق يحس، ممن يكون معتمداً على مؤمن القرن العشرين. فليس عليه أن يكون مزارعاً أو سيداً لديه عبيد، لكي يطيع هذه الوصية.

تمييز المعنى الذي قصده المؤلف. قد يفيد فهم العوامل الثقافية التي تقدم خلفية للمقطع الكتابي في توضيح معنى المقطع إن لم يكن واضحاً أو أكيداً، أو يحوي عدم توافق ظاهري مع تعليم كتابي أوضح (انظر الفصلين 8، 15 لمناقشة هذا الأمر). لكن الفهم الثقافي يجب ألا يستخدم لتعديل المعنى الواضح الذي قصده المؤلف؛ أو أن يستخدم لتحديد متلقي المقطع الذي كان الله يقصده. إذ يجب أن تتحكم البيانات الكتابية في هذه القرارات، لأن الكتاب المقدس نفسه هو سلطتنا.

الثقافة الحالية. يفيد فهم أنماط الثقافة الحالية بطريقتين:

أولاً، أن الحقائق الحالية تتحدى دارس الكتاب المقدس لكي يعيد فحص التفسيرات المقبولة. فمثلاً، دفعتنا النظرية العلمية لكي نلقي نظرة أدق على التفسيرات التقليدية لسفر التكوين. كما أجبرتنا الحركة الاجتماعية على إعادة دراسة دور المرأة، كما أجبرت إحدى الحركات أسلافنا على إعادة تقييم مشيئة الله بشأن العبودية.

ثانياً، إن الفهم الدقيق لعوامل الثقافة الحالية هو أمر أساسي إن كان المرء يريد أن يصنع تطبيقاً سليماً في ثقافته للحق الأبدي. لكن العادات المعاصرة ونظريات الدارسة الإنسانية يجب ألا يتم استخدامها كالمعيار الذي يجبر المعنى الواضح للكتاب المقدس على أن يتكيف معه. فمثلاً، الأمر بأن يحب الزوج زوجته ويرعاها (أف 5: 25، 28-29) يجب تطبيقه بطرق متنوعة بحسب الثقافات المختلفة.

ففي أمريكا، إذا لم يمدح الزوج زوجته أمام الآخرين ورفض أن يعانقها عندما يودعها قبل أن يغادر صالة المطار، فإنه ربما يكون بذلك مخالفاً للأمر الرسولي. لكن بالنسبة للزوج الياباني، فإن فعل هذه الأمور قد لا يكون تعبير عن الحب قدر كونه فضيحة عامة تجلب العار على اسم العائلة. لذلك يجب أن يتم تطبيق الحق بطريقة أصيلة بحسب كل سياق ثقافي معين، بحيث أنه بفعل ذلك لا يتم تجاهل التعاليم الواضحة للكتاب المقدس.

أخيراً، لا بد أن نمارس الاتضاع في استخدام الأدوات الثقافية، حيث أننا بعيدون للغاية عن لغة وتاريخ وثقافة وجغرافية الخلفية التي جاء منها الإعلان الأصلي. لذلك يجب أن نستخدم نحن هذه الأدوات، لكن نرفض أن تقوم هي باستخدامنا أو استغلالنا.

استخدام مبادئ معينة لتعريف المعنى، أو لتحديد المتلقي، أو لتقرير المعنى

المبادئ فقط هي التي تسري. فالمبادئ فقط هي التي تسري، وليس التعليم المحدد نفسه. هذا الاتجاه هو عكس الرأي السائد بأن الأوامر والوصايا المباشرة فقط هي التي تكون سلطوية بالنسبة لسلوك المسيحي المعاصر، وبالطبع فإن ذلك الزعم الأخير غير سليم، حيث أن الكتاب المقدس مليء بالتعاليم التي تكون في شكل مبادئ عامة، وليست أوامر محددة.

فالحقيقة أن الكتاب المقدس يعتبر كتاب مبادئ أكثر منه مجموعة من الحكم والقواعد المحددة. إلا أن الزعم المضاد يبدو أنه يحظى بمؤيدين، وهو أن التعليم المحدد والأوامر المباشرة لا يتم تطبيقها بطريقة عامة، لكن الذي يطبق فقط هو المبادئ التي تكمن خلف التعليم المباشر.

هذا المنهج مغري للغاية، ليس فقط لأنه يجعل الحياة أسهل، من ناحية، لكن لأن هناك عنصر قوي في المنهج يتفق مع سلطة الكتاب المقدس. إن منهج قصر التعليم المعياري على المبادئ المستقاة من التفاصيل الكتابية لا يجب أن يكون محاولة للإفساد أو للالتفاف حول الكتاب المقدس، لكنه يمكن أن يعمل على تحقيق سلطة الكتاب المقدس.

لكن، أين يتم تعليم مثل هذا المنهج في الكتاب المقدس؟ أين يخبرنا الكتاب المقدس أن الإعلانات المحددة لحق الله ومشيئته للإنسان ليس معيارية، لكن فقط المبادئ التي تكمن خلفها؟ إن الإعلانات الواضحة للكتاب المقدس يتم التعامل معها باعتبارها معيارية سواء في العهد القديم أو الجديد.

لذلك فإن رفض سلطة العبارات الواضحة على هذا الأساس معناه ألا نسمح للكتاب المقدس بأن يقوم بالاختبار، إذ أن الكتاب المقدس يقدم كل من المبادئ المحددة والعامة.

من الصواب أن نشتق مبادئ عامة من تعليم معين، لكن المبدأ يجب ألا يرجع عندئذ إلى التعليم المعين لكي يعدله أو يمنع تطبيقه اليوم. فعملية استبعاد أي تعليم معين من الكتاب المقدس، والسماح فقط للمبدأ الذي تم استنتاجه أن يكون معيارياً، معناه فرض مفهوم غير كتابي والتعدي على سلطة الكتاب المقدس.

التعاليم التي تكون مؤسسة على طبيعة الله هي فقط المعيارية. فقط التعاليم المؤسسة على طبيعة الله أو على نظام الخلق هي المعيارية للجميع. فالتعاليم الأخرى قد تكون عابرة أو مؤقتة، بمعنى أنها لا تنطبق على المؤمن اليوم. لكن المشكلة هنا هي نفس مشكلة الحالة السابقة: أن الكتاب المقدس نفسه لا ينص على مثل هذا المبدأ للتمييز بين تعاليمه، ولذلك فإن المفسر يصبح هو السلطة التي تحكم على تعاليم الكتاب المقدس التي لا يراها قائمة على طبيعة الله أو على نظام الخليقة.

الأكثر من ذلك، توجد مشكلة في تطبيق هذا المبدأ، وهي: هل سقوط الإنسان مبني على طبيعة الله أم على نظام الخليقة؟ يبدو أنه غير مبني على أي منهما، رغم أنه بطبيعته لاهوتي. وهل التعليم الخاص بالعشاء الرباني واتباعه مؤسس على أي شيء إلا على كلام المسيح السلطوي؟ إنه غير مؤسس بالطبع لا على طبيعة الله ولا على نظام الخليقة، بل هو نمط ثقافي جعله المسيح معيارياً.

وماذا عن الوصية التي تنادي بخضوع الزوجة لسلطة زوجها، أو بأن الجنس المثلي خاطئ؟ إن كانت كل التعاليم الواضحة التي لم يقصرها الكتاب المقدس نفسه على فئة معينة يتم اعتبارها معيارية، فإن تلك التعاليم معيارية. ومع ذلك، لو أن تلك التعاليم التي يمكن أن تظهر أنها لاهوتية في طبيعتها أو تكون مبنية بالتأكيد على طبيعة الله أو على نظام الخليقة هي فقط التي يتم اعتبارها معيارية، فإن تلك التعاليم والوصايا السابق ذكرها، بجانب الكثير غيرها، تصبح قضايا مشروعة خاضعة للمناقشة.

إن السعي نحو الأسس اللاهوتية لأي تعليم أو البحث عن أساسه في طبيعة الله أو في نظام الخليقة مفيد جداً من عدة نواح. فإظهار هذا النوع من الأسس يمكنه أن يدعم أو يوضح تعليم معين، كما أنه يساعد على التمييز بين المبادئ العامة التي تكمن خلف تعليم معين.

يمكن استخدام هذا المنهج بجانب مؤشرات أخرى في النص نفسه لكشف تلك الأمور التي لم يقصد الكتاب المقدس أن تكون معيارً عاماً. لكن استبعاد أي تعليم محدد لمجرد أننا لا نستطيع اثبات طبيعته اللاهوتية، فهذا معناه ادخال مبدأ تفسيري غير كتابي، يتعدى على السلطة المستقلة للكتاب المقدس.

ملخص

الكتاب المقدس نفسه هو الذي يجب أن يقرر من الذي يريده الله أن يؤمن بتعليم معين ويطيعه. فإن لم يوضح السياق نفسه هذا الأمر، يمكن الرجوع إلى مقاطع أخرى. لكن في النهاية، يجب ألا يتم فرض معايير خارجية على الكتاب المقدس تقوم بمنع تطبيق تعاليمه على الحياة المعاصرة.

فالكتاب المقدس هو إعلان الله عن مشيئته لجميع البشر؛ ولذلك، أي تعليم في الكتاب المقدس يجب أن يتم التعامل معه باعتباره معيارياً للإيمان والحياة المعاصرة، إلا إذا أوضح الكتاب المقدس نفسه خلاف ذلك. ومع ذلك فالتعرف على المتلقي المقصود لتعليم معين لا يشير تلقائياً إلى آثار ذلك المحددة على التلمذة الأمينة. فما الاستجابة التي يرغب فيها الله؟ سيقوم الفصل العشرون بالإجابة على هذه السؤال.

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

– كارسون، دونالد إيه. Biblical Interpretation and the Church: Test and Context. Grand Rapids: Baker، 1988.

– لاركين، ويليام جي. Culture and Biblical Hermeneutics: Interpreting and Applying the Authoritative Word in a Relativistic Age. Grand Rapids: Baker، 1988.

[1] انظر تي نورتون ستيريت، How to Understand Your Bible (Downers Grove, 1III.: InterVarsity, 1974)، صفحة 176.

[2] إم سيلير، Biblical Hermeneutics (New York: Randolph, 1981) ترجمة تشارلز إليوت الصفحات 172-181.

التعليم العام والخاص في الكتاب المقدس – التعرف على الأشخاص المقصودين بالرسالة

النبوة الكتابية – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

النبوة الكتابية – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

النبوة الكتابية – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

النبوة الكتابية – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

المبدأ الإرشادي: لكي تفهم النبوات المستقبلية في الكتاب المقدس، يجب مراعاة الإرشادات الكتابية بأمانة.

يمكن أن نطلق على أي نبي في الكتاب المقدس أنه متحدث رسمي باسم الله، وأي إعلان مباشر من الله في الكتاب المقدس يمكن أن نطلق عليه نبوة. وحيث أن الكتاب المقدس بأكمله هو من تأليف إلهي. يمكننا أن نطلق على الكتاب المقدس كله أنه الكلمة النبوية، وعلى كل مؤلف من مؤلفية أنه نبي. ومع ذلك، فهناك استخدام خاص لمصطلحات مثل النبوة، والنبي. فالنبوة المستقبلية بوجه خاص تحمل علامة الأصل الإلهي. والكثير من الكتاب المقدس هو عبارة عن نبوات مستقبلية.

وكما رأينا من قبل، يوجد هدفان للنبوة المستقبلية. فالهدف الرئيسي منها هو التأثير في سلوك أولئك الذين يسمعون النبوة. أما الهدف الثاني فهو يتم فقط عندما تتحقق النبوة، ويتحقق هذا الهدف بأن يبنى الإيمان، وتتعمق الثقة في الله الذي تنبأ بالأحداث بطريقة معجزية (يو 13: 19؛ 14: 29؛ 16: 4).

إن النبوة المحققة هي علامة إلهية، فالحقيقة هي أننا مدعون لتقييم أصالة وصدق النبي على أساس ما إذا كانت نبوته قد تحققت أم لا (تث 18: 22؛ إش 41: 23؛ 44: 6-8؛ حز 33: 33).

في بداية السبعينات من القرن الماضي، تلقيت نبوة مكتوبة تقول الآتي:

إن ولاية جورجيا في خطر التعرض لزلزال شديد العنف قبل نهاية أكتوبر 1972. وهذا الزلزال سيؤثر تأثيراً ضخماً على جنوب كارولينا.

هكذا يقول الرب، سيسقط الثلج هنا في كولومبيا، وفي جنوب كارولينا في مايو 1972.

وقد فهم مؤلف هذه النبوة الآثار المترتبة عليها، فقال:

إني أشعر أنني دعيت من الله لكي أكون نبياً. وأنا أطلب منك أن تحتفظ بهذا الخطاب كسجل لديك إلى أن ترى الدليل على حدوث هذه الأمور.

وحيث قد مضى عام 1972 ولم تتحقق أي من هذه النبوات أو ثبت صدقها، لم يحتاج المرء أن يأخذ بجدية النبوة الإضافية التي كانت تقول، “يقول الله أن الولايات المتحدة سوف يتم تدميرها بواسطة أحد الأعداء في غضون حوالي 10 سنوات. “فلو كانت قد أمطرت في جنوب كارولينا في مايو، لكان المرء يُنصح بأن يأخذ بجدية أية توقعات من ذلك المصدر!

وهكذا فالهدف من تحقيق النبوة هو إثبات صدق أو أصالة النبي، وبالتالي بناء الثقة في الله الذي فعل المستحيل، بأن كشف عن الأحداث قبل وقوعها. لذلك فإن نبوات العهد القديم التي تحققت في العهد الجديد بخصوص ميلاد وحياة وموت وقيامة يسوع المسيح لها قيمة هائلة في توكيد الإيمان، ليس فقط في الله الذي كشف هذه الأحداث قبل وقوعها بمئات السنين، بل أيضاً في الشخص الذي تم التنبؤ بمجيئه مسبقاً.

لكن ماذا عن النبوات التي لم تتحقق؟ قدر كبير من النبوات المستقبلية في الكتاب المقدس لم يتحقق بعد. إن القصد من الوقت الذي يسبق تحقيق النبوة هو أن تؤثر النبوة على فكر الشخص وسلوكه، وليس أن يُشبع فضوله بخصوص المستقبل. لكن لكي يكون لأي نبوة تأثير على أفكارنا وأفعالنا، يجب فهم معناها. فهل هناك أية سمات مميزة للنبوة المستقبلية في الكتاب المقدس يجب أن نفكر فيها؟ إن النبوة المستقبلية هي شكل متفرد ومتميز من التواصل، وتوجد إرشادات تساعدنا على فهم هذا الجزء من إعلان الله.

اللغة الحرفية

إن أول مبدأ إرشادي لفهم النبوة المستقبلية في الكتاب المقدس هو المبدأ الذي يقودنا في تفسير كل الكتاب المقدس: تعامل مع المقطع بمعناه البسيط والمباشر والعادي، إلا إذا كانت هناك أسباب تلزمك بغير ذلك. بكلمات أخرى، إن المقاطع النبوية، مثل أي تواصل بشري آخر، يجب التعامل معها باعتبارها حرفية إلا إذا كانت هناك أسباب تلزمنا بأن نفهمها بمعنى مجازي. وسوف نقوم هنا بمراجعة هذه الأسباب الملزمة، والتي تعتبر سليمة ومشروعة. لكن من المهم أولاً أن نبدأ بمبدأ النظر إلى اللغة المباشرة والعادية. لنفكر مثلاً في النبوة التالية:

“وأرد سبي شعبي إسرائيل فيبنون مدناً خربة ويسكنون ويغرسون كروماً ويشربون خمرها ويصنعون جنات ويأكلون أثمارها وأغرسهم في أرضهم ولن يقلعوا بعد من أرضهم التي أعطيتهم قال الرب إلهك” (عا 9: 14-15).

لا يوجد دليل في ذلك المقطع على أنه يجب التعامل مع اللغة مجازياً. ورغم أن العديد من المفسرين يتعاملون معه كذلك، إلا أنه لا توجد أسباب ملزمة هنا، سواء في القواعد العادية للغة البشرية أو في الإعلان الكتابي التالي، لفهم هذا المقطع مجازياً. فلا بد أن نبدأ بافتراض أن النبوة يجب فهمها حرفياً. لكننا عندما نبدأ بذلك ليس من الضروري أن ننتهي كذلك أيضاً، لأن قدراً كبيراً من النبوات تكون مجازية بالفعل، ولا بد أن نتمكن من التمييز بين ما هو حرفي وما هو مجازي.

اللغة المجازية

أما المبدأ الإرشادي الثاني لفهم النبوة فهو التعرف على المقاطع المجازية عن طريق اتباع القواعد العادية للغة في التمييز بين ما هو حرفي وما هو غير حرفي. وعلى سبيل المراجعة (انظر الفصل 12)، دعونا نطبق الإرشادات الثلاث الأساسية الخاصة بموضوع التنبؤ في الكتاب المقدس.

1 – بعض التعبيرات يكون من الواضح أنها مجازية لأنها ستكون غريبة لو فهمناها بطريقة حرفية. فيمكن للقمر حرفياً أن يتحول إلى بحيرة كبيرة من الدم (يؤ 2: 31)؛ ويمكن لقضيب غصن أن يخرج من إنسان (إش 11: 1)؛ ويمكن لجبل حرفي أن يصير سهلاً (زل 4: 7) – لكن ولا واحد من هذه الأشياء محتمل الحدوث. فهي على السطح، لا تبدو أنها تنبؤات حرفية لأحداث حرفية ستأتي. فقد قصدها المؤلف وفهمها قراؤها الأصليون كما نفهمها نحن اليوم، باعتبارها لغة تصويرية مجازية. وهكذا فإن مهمة المفسر هي أن يكتشف المعنى الحرفي المقصود من تلك الصورة المجازية.

كما أن الأحلام هي واحدة من طرق الإعلان في الكتاب المقدس، خاصة في التنبؤ. فعندما حلم فرعون أن هناك سبع سنابل رقيقة من الذرة ستأكل سبع سنابل قوية وحسنة، لم يستطع ولا الفرعون ولا أي واحد من رجاله أو حكمائه أو “أنبياءه” أن يفهم هذا الأمر باعتباره نبوة عن أمر سيتحقق حرفياً. فعلى السطح كان المقصود بها أن تشير إلى حدث بشري عادي، لذلك كان على المفسر أن يبحث عن تفسير للنبوة، لكي يجد المعنى الحرفي لصورة واضحة.

كل من سفر دانيال وسفر الرؤيا مليء بتشبيهات غريبة عن مخلوقات خيالية تشبه الحيوانات، لا توجد على الإطلاق. فعندما نتعامل مع هذه النبوات باعتبارها تشير إلى ظهور وحوش حرفية تشبه هذا الوصف، فإن هذا الأمر لا يقوم فقط بجعل عمل النبي تافهاً، ولكنه يعد كذلك احتقاراً لا يغتفر لعقل الإنسان. وهكذا فالعديد من المقاطع النبوية تكون مجازية.

2 – عندما تكون هناك تعبيرات مجازية أخرى واضحة للغاية في السياق نفسه. يخبرنا دانيال عن أربعة وحوش عظيمة خرجت من البحر. كان أولها مثل أسد بجناحي نسر؛ وكان الثاني مثل دب؛ والثالث مثل نمر بأربعة أجنحة وأربعة رؤوس؛ بينما كان الرابع شديد الغرابة بحيث لم يمكن التعرف عليه في شكل أي حيوان معروف للقارئ. فإلى أي شيء تشير هذه الكائنات؟ في السياق نفسه يقول دانيال؛ “هؤلاء الحيوانات العظيمة التي هي أربعة ملوك يقومون على الأرض”.

وعندما وقف يسوع أمام الهيكل، تنبأ قائلاً: “انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه” (يو 2: 19). كان يمكن أن تكون هذه نبوة لحدث حرفي، وقد فهمها سامعوه بهذه الطريقة. ولكن في السياق القريب المباشر كان يوجد تفسير لها “وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده” (ع21). وكانت النتيجة أن تلاميذه تذكروا هذه النبوة بعد تحقيقها، “فآمنوا بالكتاب والكلام الذي قاله يسوع” (ع 22).

كما فسر يوحنا العديد من الرموز في سفر الرؤيا. “فالكواكب السبع هي ملائكة السبع الكنائس، والمناير السبع هي سبع كنائس” (1: 20) “وجامات الذهب المملوءة بالبخور هي صلوات القديسين” (5: 8). ونفس هذا المقطع يقوم بتعريف “الأسد الخارج من سبط يهوذا، أصل داود، والحمل” باعتبارها إشارات ليسوع المسيح.

وأولئك المتسربلون بثياب بيض هم القادمون من الضيقة العظيمة، والثياب البيض هي إشارة للغفران الذي نالوه في المسيح (7: 13-14). ويطلق على أورشليم مجازياً “مصر، وسدوم” (11: 8). والتنين العظيم، أو الحية القديمة، هي إشارة لإبليس الشيطان، الذي يضل العالم (12: 9). الرؤوس السبعة هي سبعة جبال (17: 9)، والقرون العشرة هي عشرة ملوك (17: 15). والمياه هي شعوب وجموع وأمم (17: 15)، والمرأة هي المدينة العظيمة، عاصمة العالم كله (17: 18).

وهكذا فإن اللغة الرمزية غالباً ما يتم تعريفها في السياق بوضوح كامل، لذلك يجب على المفسر ألا يفرض معاني حرفية أو معاني أخرى على هذه الرموز.

3 – هناك أجزاء أخرى من الكتاب المقدس يمكن أن تعرف عبارة حرفية ظاهرياً باعتبار أن لها معنى مجازي. ليس هذه هي القاعدة العادية لفهم اللغة البشرية، ولكنها تسري هنا فقط لأن كل الكتاب المقدس هو موحى به من الله. وكما رأينا من قبل، فإن الكتب المقدسة اللاحقة يمكنها أن تفسر الكتب المقدسة السابقة بطريقة سليمة، لأن الروح القدس هو المؤلف الحقيقي خلف مؤلفي الأسفار المقدس.

لكن هذا لا يعني أنه من الصواب بالنسبة للمفسرين المعاصرين أن يأخذوا مقاطع حرفية ويفرضوا عليها معنى مجازياً. فنحن نؤمن أن الكتاب المقدس وحده هو الموحى به من الله بهذه الطريقة الفريدة. فالأشخاص الذين كتبوا الكتاب المقدس هم فقط المخولون بأن يكونوا متحدثين باسم الله في تقديم إعلان كلي الحق والصدق. أما مفسرو العصر الحالي فإنهم مستنيرون بالروح القدس، ولكن تفسيرهم قابل للخطأ، ويجب أن يكون هدفه التعرف على ما قصده المؤلف من معنى.

لكن، ما هو غير مشروع بالنسبة للمفسر المعاصر، هو أمر سليم ومشروع للغابة لابن الله، او للذين خولهم أن يكونوا متحدثين باسمه عن الإعلان الإلهي، أي الرسل في العهد الجديد. فمثلاً عندما تنبأ الله بأنه ستكون هناك عداوة بين نسل المرأة وبين نسل الحية (تك 3: 15)، فإن الفهم الحرفي لذلك سيقودنا إلى توقع أن يكون هناك حرب مستمرة بين البشر وبين الحيات، وفيها يسحق البشر رؤوس الحيات، وتقوم هي بسحق عقبه.

ومع ذلك فإن الكتب المقدس فيما بعد لا تظهر أن هناك مثل هذه المعركة بين الناس والحيات. ولكنها من ناحية أخرى، تظهر كموضوع رئيسي لها، الحرب بين الشيطان وقوى الشر، وبين قوى الله، حيث نسل حواء هم أرض المعركة. فالحية تستخدم في الكتاب المقدس كرمز للشيطان (رؤ 12: 9؛ 20: 2).

فالحقيقة أنه في رواية سفر التكوين، لم يكن الحيوان هو محور التركيز، بل قوى الظلام الشيطانية التي تجسدت في الحية. بل أن نسل المرأة، رغم أنه يصور عادة بأنه أنسال المرأة، أصيح له بالتدريج معنى خاصاً وصل إلى ذروته في تفسير بولس: “وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله لا يقول وفي أنسال كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحد وفي نسلك الذي هو المسيح” (غلا 3: 16). وقد تحقق الوعد لحواء في العهد الجديد في الشخص الذي يعبر عن هذا النسل، المسيح، المخلص الذي قهر الشيطان وسحق قوته.

ويبدو أن كل الإعلان اللاحق نبع من تلك النبوة الأصلية، وهكذا فإن الإعلان اللاحق يفسر النبوة في معناها العميق، وبآثارها الكونية.

نلاحظ مرة أخرى أن كلمة “مجازية” لا تعني “خرافية” أو أسطورية. فأعمق الحقائق يمكن التعبير عنها بلغة غير حرفية، والهدف من التفسير هو تمييز ما تشير إليه الصورة التشبيهية، لأن الشيء الذي يتم تصويره يكون له تحقيق حرفي في التاريخ. لذلك يجب أن نتعامل مع النبوات بطريقة حرفية كما تظهر، فإن لم تكن هناك أسباب تلزمنا بأن نفهمها بطريقة غير حرفية، يجب قبول المعنى الحرفي لها، وحيث أن الأسباب الملزمة مقصورة على ما سبق ذكره، فإن المفسرين المعاصرين اليوم ليسوا أحراراً في أن يعينوا معاني مجازية أو “روحية” للنبوة، لأن الكتاب المقدس نفسه هو السلطة المرجعية، وليس المفسر.

إن قيامنا بروحنة أية مفردات في الكتاب المقدس مرتبطة بمملكة العهد القديم، يشمل أية نتيجة خاصة أو أي معنى أكثر اتساعاً او ثراء، يعطيه الروح القدس لهذه المفردات، بغية تحقيق مملكة العهد القديم النموذجية، في مملكة العهد الجديد غير النموذجية، التي هي الكنيسة، سواء هنا أو فيما بعد في الأبدية.[1]

إن “مبدأ” وينجاردرن هذا غير منصوص عليه في الكتاب المقدس، وهو في الحقيقة منهج يعنى بالتحويل إلى المجازية (انظر الفصلين 3، 12). لكن هذا المنهج الخاص لا يتعامل مع كل الكتاب المقدس مجازياً، لأنه يقوم بتحويل بعض النبوات المختارة فقط إلى المجازية، وجميعها يتم التعامل معها بنفس التشبيه، باعتبار أن إسرائيل تمثل الكنيسة. وكما رأينا، لكي يكون هذا المنهج “المروحن” للأمور سليماً، يجب على مؤلف السفر الكتابي نفسه أن يعرف تعليمه باعتباره مجازياً أو أن يقوم بذلك التعريف مؤلفين لاحقين للأسفار المقدس.

فحتى لو كان يبدو أن العهد الجديد يقوم بتحويل مقطع ما من العهد القديم إلى المجازية، فإن هذا لا يعطي المفسر المعاصر الحرية في أن يتعامل مع مقاطع أخرى بنفس الطريقة. فإن قام أحد مؤلفي أسفار العهد الجديد ببناء قطاع كامل يقوم بوضوح بتحديد شيء ما في العهد القديم باعتباره مجازياً، فإن الإشارات الأخرى في العهد القديم لنفس هذا الأمر يمكن أن تكون لها سمات مجازية. فمثلاً، يتم ذكر خيمة الاجتماع وهو يضع هذا الأمر في الاعتبار. لكن بدون هذا التخويل الكتابي، يجب تفسير المقاطع الحرفية حرفياً.

دراسة الرموز

عند التفكير في النبوات المجازية، نحتاج أن نعطي اهتماماً خاصاً لموضوع “النماذج”، كقطاع رئيسي من قطاعات النبوة. تنتشر النماذج في الكتاب المقدس – وعادة ما يساء فهمها. فالشعب والطقوس، والاحتفالات، والأفعال، والأحداث، والأشياء، والمناصب (مثلاً، النبي، الكاهن، والملك) تستخدم جميعها في الكتاب المقدس كنماذج. وكما رأينا في الفصل 12، يمكن تعريف النموذج باعتباره “رمزاً نبوياً”. لذلك فلكي نفهم النماذج الكتابية، من المفيد أن نقارنها بالرموز العادية.

الرمز هو شيء يستخدم لتمثيل شيء آخر، وعادة ما يستخدم شيء مادي لتمثيل غير مادي. فمثلاً، هناك عدة رموز تمثل الكتاب المقدس. فيشار إلى الكتاب المقدس باعتباره لحم، ولبن، وخبز، ونار، وماء، وبذرة، وسيف، ونور. واللغة الرمزية، مثلها مثل صور المقارنة الأخرى، لا تحاول أن تصنع مقارنة كاملة من جميع النواحي بين العديد من نقاط التشابه، ولكنها تستخدم أمراً ما لتحديد سمة واحدة مشتركة بين الرمز والشيء الذي يرمز إليه. ومهمة المفسر هنا هي التعرف، ليس عن طريق خبرته أو ثقافته الخاصة، بل من الثقافة الكتابية، على النقطة المشار إليها.

إن عملية فهم الرموز هي أمر مهم، لأنها تكثر في الكتاب المقدس. فمثلاً، توجد أرقام رمزية في الكتاب المقدس، لكن هذا لا يعني أنه في كل مرة يستخدم فيها الرقم يكون له معنى رمزي، ومع ذلك، فغالباً ما يكون للأرقام معنى معيناً، مثلما يستخدم رقم أربعين ليرمز إلى الاختبار، ورغم ستة للإشارة إلى الإنسان، وسبعة للإشارة إلى الكمال أو الاكتمال. كما توجد رموز مادية مثل النحاس، والماء، والخميرة.

والحيوانات مثل الخروف، والكلب، والحيات، يمكن أيضاً أن تستخدم رمزياً؛ والأماكن مثل بابل أو مصر غالباً ما تستخدم رمزياً. حتى الأشخاص يمكن أن يتم استخدامهم رمزياً، فمثلاً، يرمز إبراهيم إلى الإيمان. والأحداث مثل الخروج، والطقوس الخاصة، مثل الختان، تستخدم باستمرار رمزياً.

يجب أن يتم فهم الرموز في الكتاب المقدس بنفس القواعد التي يتم بها فهم أية لغة رمزية. لكن عندما يستخدم الرمز للتنبؤ عن حدث مستقبلي، فإنه يأخذ سمة فوق طبيعية، ويشترك في طبيعة النبوة. وتستخدم المبادئ الخاصة بفهم النبوات، عندما تستخدم الرموز النبوية في الكتاب المقدس

لكن قبل أن ندرس معاً المنهج الخاص بفهم الرموز، قد يكون من المفيد أن نلاحظ الفرق بين الرموز والنماذج.

مقارنة بين الرمز والنموذج

التعريف

الرمز

شيء يستخدم لتمثيل شيء آخر؛ غالباً ما يستخدم شيء مادي لتمثيل شيء غير مادي.

 

النموذج

الرمز النبوي.

 

الجوهر

عادة ما يمثل الرمز شيئاً مختلفاً في الجوهر عما يرمز إليه. فالكتاب والخبز متميزان تماماً في الجوهر، لكن الخبز يستخدم لكي يرمز إلى الكتاب المقدس.

 

النموذج قد يختلف في الجوهر عن الشيء المرموز إليه، كرمز عادي، ولكنه يمكن أن يكون شيئاً مشابهاً أو أن يكون هو حتى نفس الشيء. فالذبيحة الحيوانية ونظام الذبائح تم تصميمها للتنبؤ عن عمل المسيح الفدائي كذبيحة. والموت متشابه في كل من النموذج والشيء الذي يرمز إليه. فكل من ملكيصادق وداود يستخدمان كنماذج ترمز إلى المسيح، وكل من النموذج ومن يشير إليه بشر.

 

العلاقات الزمنية

الرمز لا زمن له، فيمكن أن يرمز إلى شيء ماضي، أو حاضر أو مستقبل.

 

النموذج، كتعريف له، يشير إلى المستقبل. وهو عادة نموذج من العهد القديم يصور مسبقاً شيئاً عن الفداء في العهد الجديد.

 

المشار إليه

قد يشير الرمز الواحد إلى أكثر من مرموز إليه. فالبذرة يمكن أن تشير إلى الكلمة (مت 13: 19) أو إلى أبناء الملكوت (مت 13: 38). ويمكن أن يشير الماء إلى التطهير، أو الشبع والرضى، أو إلى الكتاب المقدس، أو إلى يسوع. الخروف يمكن أن يرمز إلى الوداعة، أو إلى الغباء، أو إلى التضحية الطواعية. ويمكن أن تشير الحمامة إلى السلام، أو إلى عدم الضرر، أو إلى شعب الله، أو إلى الروح القدس. والحية يمكن أن ترمز إلى الشر، أو إلى الشيطان، أو إلى الحكمة.

 

النموذج يشير إلى تحقيق أمر واحد محدد، أو الشيء المرموز إليه. وعادة ما يشير النموذج الرمزي الكتابي إلى الفداء، وهكذا تستخدم خيمة الاجتماع في سفر العبرانيين.

 

 

العناصر المتشابهة

عادة ما يقصد أن يكون هناك عنصر واحد للشبه بين الرمز والشيء المرموز إليه. وكما أشرنا من قبل، يمكن استخدام رمز واحد لكي يشابه العديد من الأشياء المختلفة الأخرى.

 

يمكن للنموذج أن يشبه عدة نواحي في المرموز إليه. والفصح هو صورة مفصلة للعديد من العناصر الخاصة بالفداء. وبالمثل، يشمل كل من نظام الذبائح وخيمة الاجتماع الكثير من الأمور المتوازية مع حق العهد الجديد.

____________________________

لاحظ أن النموذج كثيراً ما يحتوي على رموز. فخيمة الاجتماع يتم التعامل معها في العهد الجديد باعتبارها ترمز إلى فداء المسيح. لكن يوجد في خيمة الاجتماع العديد من الرموز، مثل الماء، الذي يصور التطهير الروحي. النموذج من الناحية التعريفية، هو نبوة إلهية مخططة بوضوح. وعندما يذكر المفسر أشياء لم يتم تعيينها في الكتاب المقدس باعتبارها نماذج، ويعتبرها نماذج، فإنه بذلك يكون هو السلطة المرجعية وليس الكتاب المقدس. وهكذا تُكسر الحدود، بحيث تصبح “الروحنة” واستخدام التعبيرات الكتابية رمزياً، بابين مفتوحين إلى اساءات لا حد لها في استخدام الكتاب المقدس.

فعندما نطلق على كل شرح أو تطبيق أنه “نموذج” أو رمز، فإننا بذلك نسبغ عليه السلطة الكتابية، عندها يصبح أي نقاش غير ممكن، لأن “الله” (بحسب رأينا) هو الذي أعلن عن ذلك. إلا أن هذا المنهج يجب رفضه. من السليم تماماً أن نرى تشابهات وأن نستخدم مواد توضيحية، لكن في تلك الحالة، يجب على المفسر أن يعلن بوضوح أنه يقوم بذلك بسلطته هو، وليس بسلطة الكتاب المقدس.

إننا نقع كثيراً في إغراء تجاهل الرموز والنماذج، لكن المشكلة هي أن الكتاب المقدس مليء بالرموز. أما الإغراء المضاد فهو أن نفرح باستغلال فكرة الرموز ونقوم بارتجالها بحرية. لكننا يجب أن نرفض كلا الإغرائيين، وأن نقبل النماذج كعطية الله الصالحة التي يوجد هدف من ورائها، ونعمل باجتهاد لفهم المعاني المقصودة منها بواسطة المؤلفين. لاحظ إنني استخدم كل من الرمز والنموذج بمعانيها الفنية، أما إذا تحدثنا عن دراسة التمثيل والتشبيه والنماذج بصورة أعم وأشمل، فإن المعاني ستتسع أكثر، وربما نقوم بتعيين نفس الأفكار التي لأجلها استخدمنا المجاز والروحنة في الفصل الثالث.

لكننا نختم الآن بأن الطريقة الوحيدة السليمة للروحنة أو استخدام المجاز والرمز، هي عندما يقدم مؤلف السفر الكتابي نفسه، أو ربما مؤلف آخر من مؤلفي أسفار الكتاب المقدس اللاحقين، معنى ثان أو خفي، فإن لم يحدث ذلك، نكون ملزمين بأن نستخدم الكلمات بمعناها العادي الحرفي. وعندما يفترض المفسر أن العهد القديم مليء بالإشارات الرمزية والمجازية التي لا يقوم الكتاب المقدس نفسه بتعريفها، فإنه بذلك يقوض سلطة الكتاب المقدس.

 والآن، عندما يقوم الكتاب المقدس بتعريف العبارة باعتبارها رمزاً أو نموذجاً، كيف نتعرف على المعنى؟ ما المعنى الذي قصده المؤلف، أو في حالة النماذج، ما المعنى الذي قصده الروح القدس؟ يمكننا أن نتبع في ذلك ثلاثة إرشادات:

1 – اعمل على مراعات السياق. السياق هو أمر مهم بصفة خاصة في حالة الرموز والنماذج، لأنه في السياقات المختلفة قد يكون للرمز معان مختلفة. فالسياق في متى 16: 6 يقول بوضوح أن الخميرة ترمز إلى التعليم الخاطئ. لكن، ماذا يقول السياق في متى 13: 33 عن الخميرة؟ هل امتداد ملكوت الله أمر خاطئ؟ كلا بالطبع، فالسياق هنا يشير إلى انتشار وامتداد أمر جيد.

2 – ارجع إلى أجزاء أخرى من الكتاب المقدس. كما تعلمنا، يمكن للإعلان اللاحق أن يقوم بتعريف شيء ما باعتباره رمزي، رغم أنه لم يشر إليه كذلك في مقطع العهد القديم. فحيث أن يوسف لم يتم تعريفه باعتباره نموذج للمسيح، يجب ألا يدعوه المرء كذلك. أنه أمر سليم تماماً أن نرى تشابهات بينه وبين المسيح في ارتحاله إلى مصر، وخيانة اخوته له، وبيعه، وارتقائه حتى وصوله لموضع السيادة، وروحه الغافرة.

نعم، هذه التشابهات موجودة، ولكن هناك عناصر أخرى لدى يوسف لا يمكن أن تكون مشابهة لتجربة المسيح، مثل زواجه من ابنه كاهن وثني، واختياره أسماء وثنية لأبنائه، وتكبره على اخوته، واخراجه لعائلته من أرض الموعد. بالإضافة لذلك، فقد أنشأ يوسف واحداً من أكثر الأنظمة القمعية في تاريخ البشرية. لذلك من الأفضل أن نستخدم يوسف كمثال توضيحي عن أن نستخدمه كنموذج.

فإذا استخدم جزء آخر من الكتاب المقدس كلمة ما رمزياً، فمن الصواب أن نجرب استخدام هذا الرمز في المقاطع التي لا يكون فيها المعنى واضحاً. لكن السياق نفسه هو الذي يجب أن يحدد ما إذا كان الرمز يمكن استخدامه أم لا. فمثلاً، يقال أن رقم 6 يشير إلى الإنسان (رؤ 13: 18)، لكن هل يكون له دائماً هذا الاستخدام؟ يجب على السياق أن يقرر ذلك.

وفي إشعياء 53، يرمز الغنم (بضلاله) إلى البشر، وفي نفس المقطع يرمز (بوادعته واستسلامه) إلى الرب يسوع. لذلك، عندما يستخدم مصطلح غنم بطريقة رمزية، فمن الصواب أن نسأل، أي من المعنيين هو المقصود، أم إن كان هناك معنى آخر في ذهن المؤلف.

3 – قصد المؤلف هو الذي يجب أن يسود في التعرف على معنى رمز ما، يجب أن يكون وجه التشابه متفقاً مع طبيعة الموضوع، كما كان يراه مؤلف السفر الكتابي والمتلقين المباشرين. فحيث أن العلاقة التي توصف في سفر نشيد الأنشاد، لا يتم تعريفها في أي مكان كنموذج للمسيح والكنيسة، يجب على المفسر ألا يفترض أن سليمان والروح القدس كانا يقصدان أن تكون كنموذج. ومن ناحية أخرى، يستخدم كل من العهدين القديم والجديد تشبيه الزواج لكي يعكس العلاقة النموذجية المثالية بين الله وشعبه. لذلك فمن الصواب أن نجد في نشيد الأنشاد تشابهات وشروحات للعلاقة الروحية بين الله وشعبه.

ومع ذلك، يجب على المفسر أن يتعامل مع النص بهدف محوري وهو تحديد ما كان يقصد المؤلف توصيله. فإن كان سليمان يقصد أن يكتب أنشودة عن المحبة البشرية، فيجب أن يكون هذا هو المعنى الذي يسعى المفسر إليه في كل الرموز الغنية الموجودة في السفر. وعلى أية حال، إن احتاج الأمر، يمكن الإشارة إلى التشابهات الموجودة فيه مع المحبة الإلهية، واستخدامها كتوضيح، لكن ليس كتفسير، للمعنى الذي كان يقصده سليمان.

يمكننا أن نرى هذه القاعدة اللغوية بوضوح في حالة الرموز. فعندما يخبرنا الكتاب المقدس بألا نطرح دررنا قدام الخنازير، وألا نطرح القدس للكلاب (مت 7: 6)، فإنه بذلك يؤذي مشاعر الكثيرين من معاصريه. فكيف يمكن لهذا المقطع أن يشير إلى إعطاء الحق الروحي إلى أناس ليسوا مستعدين لتلقيه بحكمة؟ وكيف يمكن أن نطلق على الناس “خنازير” أو “كلاب”؟ الإجابة على مثل هذه الأسئلة لا تكمن في الرمز الذي نجده في شيء معين، بل في وجه الشبه الذي كان يراه السامعون الأصليون.

ففي هذه الحالة، لم يكن سامعو يسوع يقومون بتحليل السمات الكثيرة للخنزير ويطبقوها جميعها على الشخص، بل كانوا يأخذون الصورة الشاملة بأكملها التي تشير إلى التنافر وحماقة الإتلاف في إعطاء جوهرة ثمينة إلى حيوان يعنى فقط بالطعام. إن المبدأ الإرشادي السابق للتفسير باستخدام الفهم الثقافي للمتلقي الأصلي، يكون ضرورياً للغاية في حالة الرموز، حيث تمثل الرموز الاستخدام الطبيعي للغة. كما ينطبق نفس هذا المبدأ الإرشادي على النماذج الكتابية.

فهل كان الشعب اليهودي يرى تاريخه كنموذج للرحلة الشخصية لكل مؤمن في الأجيال اللاحقة؟ وهل البرية ترمز إلى الحياة المسيحية العادية، أم أنها صورة للحياة المسيحية المنهزمة؟ وهل كنعان هي رمز للحياة المسيحية المنتصرة أم إلى السماء؟

إن التيهان في البرية، خاصة لأن هناك قدر كبير من التفسيرات المعلنة عن أهمية هذا الحدث، يمكن عن صواب أن تستخدم لتوضيح العناصر المختلفة للحياة المسيحية، لكن هذه الأحداث التاريخية لم يتم تعريفها باعتبارها نموذجاً بنفس الطريقة التي تم بها تعريف الفصح، ونظام الذبائح، وخيمة الاجتماع، والتي كانت معينة لكي تعكس أحداثاً خاصة.

لذلك فليس من الحكمة أن نستخدم هذه التطبيقات كما لو كانت تفسيرات للمعنى الذي قصده المؤلف. فأن ندعوها نماذج، فهذا يعني أننا نقصد بها أن تكون هي المعنى الذي قصده المؤلف، أو أنها معلنة إلهياً وبذلك تكون تفسيرات سلطوية. وهكذا فإن لم يعرف الكتاب المقدس شيء ما باعتباره نموذج، قد يكون من الصواب أن نستمد منه أوجه للشبه، ونستخدم هذا الشيء أو الحدث أو الشخص كتوضيح، لكن ليس أن نعينه كنموذج.

لقد درسنا بنوع من التفصيل إرشادات لتميز اللغة المجازية في النبوات المستقبلية، والإرشادات الخاصة بفهم اللغة المجازية، وخاصة النماذج. وقد كان هذا الأمر ضرورياً، لأن الكثير من النبوات يكون مجازياً، وقد تم إساءة فهم واستخدام هذه الأجزاء من الكتاب المقدس أكثر من غيرها. وسوف نتجه الآن إلى سمة معينة ومميزة للنبوة، وهي الإشارات الزمنية.

السمات الزمنية الخاصة

الكثير من التعاليم الكتابية لا زمن لها ولا تتقيد بالوقت، فمثلاً، الوصايا الأخلاقية تنطبق على جميع الناس في كل العصور والأزمنة. والرموز، كما رأينا، لا ترتبط بزمن معين. لكن النبوات المستقبلية تربط بالمستقبل. ولا يمثل ذلك مشكلة عندما يتم التنبؤ بحدث محدد، مثل موت يسوع المسيح. لكن العهد الجديد أوضح أمراً واحداً بشأن النبوات في العهد القديم: وهو أن المسيا الذي تم التنبؤ به قد جاء ومضى، أنه آت ثانية.

فنبوات العهد القديم التي ترتبط بمجيء المسيا يمكن أن تشير إما إلى مجيئه الأول، أو إلى مجيئه الثاني، أو إلى الاثنين معاً. بل الأكثر من ذلك، بعض نبوات العهد القديم التي تشير إلى حدث في المستقبل القريب، تستخدم أيضاً بواسطة العهد الجديد للإشارة إلى المسيا بعد ذلك بعدة قرون.

“وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل هو ذا العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا” (متى 1: 22-23).

يقول متى أن نبوة إشعياء (7: 14) كانت عن الميلاد العذراوي للمسيا، رغم أن المقطع يبدو بالنسبة لمعظم المفسرين أنه يتحدث عن ابن النبي نفسه (7: 16؛ 8: 3، 18). فكيف يمكن للنبوة أن تشير إلى كل من حدثين مستقبليين في نفس الوقت؟ هذه هي واحدة من السمات الخاصة المتعلقة بالزمن في النبوات المستقبلية.

الإشارات المتعددة

كما ناقشنا من قبل في الفصلين (1، 3)، من الصواب تماماً أن يكون لدينا أكثر من معنى واحد في العبارة، وهذه أداة شائعة ومعروفة، وهذا هو جوهر لغة الفكاهة واللغة الرمزية. ومع ذلك، إذا لم يكن الشخص يحاول أن يخادع، يجب أن يصبح المعنى الثانوي واضحاً سواء في السياق المباشر (كما في حالة المزحة، لئلا تصبح كذبة) أو في سياق أوسع. فمثلاً، يمكن إعطاء الشفرة للمتلقين بحيث يتمكنوا من فهم المعنى الثاني. ويمكن إعطاء تفسير لاحق، سواء شفهي أو بالأفعال.

يوجد نوع من الجدل فيما إذا كان لدى الأنبياء بالفعل في ذهنهم فكرة عن كل من التحقيق الأولي والتحقيق الأوسع للنبوة، أم أن الروح القدس كشف للأنبياء اللاحقين إشارة ثانية أو ثالثة. ومع ذلك، يجب أن نتفق جميعاً أنه يوجد العديد من الإشارات في بعض النبوات الكتابية، بحيث أن أي تحقيق أوسع أو ثاني للنبوة يجب أن يقوم به الروح القدس من خلال مؤلف السفر الموحى له بالروح القدس. لكن المفسر اليوم لا يتلقى إعلاناً معصوماً أو معلومات إضافية لم يتم إعلانها من خلال مؤلف السفر الكتابي.

يدعو بعض الناس تلك الإشارات المتعددة “التحقيق الجزئي”؛ فالنبوة واحدة، ولكن لها تحقيق جزئي وتحقيق أكثر كمالاً. فمن ناحية ما، يوجد فقط معنى واحد؛ ومن وجهة نظر أخرى، يوجد معنيان أو أكثر. ويتفق أنصار كلا النظرتين على أن الروح القدس لا بد أن يوضح أية إشارة إضافية للنبوة. بينما هناك آخرون يدعو هذا “تحقيق تدريجي” للنبوة. ويركزون على أن النبوة واحدة، ولكن لها تحقيق أكبر أو أوسع في وقت لاحق. يمكن تصوير هذه الظاهرة المرتبطة بالزمن في النبوة، كما هو موضح في الرسم أسفله.

 

دعونا الآن نفكر في بعض الأمثلة على الإشارات المتعددة.

يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتك مثلي. له تسمعون. حسب كل ما طلبت من الرب إلهك في حوريب يوم الاجتماع قائلا: لا أعود أسمع صوت الرب إلهي ولا أرى هذه النار العظيمة أيضا لئلا أموت. قال لي الرب: قد أحسنوا فيما تكلموا. أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به. (تث 18: 15-18).

إن كانت الإشارة الأولية هي إلى يشوع، فإن الإشارة النهائية هي إلى المسيح (يو 1: 21، 45؛ 6: 14؛ أع 3: 22-23؛ 7: 37). وبالمثل، كانت مزامير داود المسيانية تشير في أغلب الأحيان إلى اختباره هو الشخصي، لكن التحقيق النهائي الكامل لها تم في نسله الذي هو المسيا. ويبدو متى 24 أنه مثال لإشارات متعددة في نبوة واحدة. فدمار أورشليم يبدو هو الأمر الواضح في الذهن، لكن التحقيق النهائي للنبوة هو مستقبلي بالتأكيد.

الإشارات المقسمة

واحدة من السمات المشابهة الأخرى المتصلة بالزمن هي ما يمكن أن نطلق عليه الإشارات المقسمة. فجزء من النبوة قد يشير إلى إحدى الأحداث المستقبلية، وجزء منها قد يشير إلى حدث آخر لاحق. ففي الإشارات المتعددة أو “التحقيق الجزئي” للنبوة، تشير نفس النبوة إلى أكثر من تحقيق واحد لها، ويكون الحدث الثاني هو الأكثر كمالاً وهو التحقيق النهائي لنفس النبوة، بينما في الإشارات المقسمة، يشير جزء من النبوة إلى حدث مستقبلي ما (قريب) والجزء الآخر من النبوة يشير إلى حدث مستقبلي آخر (أكثر بعداً). وأكثر الأمثلة الشهيرة تعبيراً عن ذلك هو النبوة الموجودة في إشعياء 61: 1-3:

“روح السيد الرب عليّ لأن الرب مسحني لأبشر المساكين أرسلني لأعصب منكسري القلب لأنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق لأنادي بسنة مقبولة للرب وبيوم انتقام لإلهنا لأعزي كل النائحين لأجعل لنائحي صهيون لأعطيهم جمالاً عوضاً عن الرماد ودهن فرح عوضاً عن النوح ورداء تسبيح عوضاً عن الروح اليائسة فيرعون أشجار البر عرس البر للتمجيد”.

لقد تم التنبؤ في هذه النبوة بكل من سنة الرب المقبولة ويوم انتقام الرب، في نفس المقطع.  لذلك فعندما قرأ الرب يسوع هذا المقطع (لو 4: 16-21)، توقف في منتصف المقطع وعلق قائلاً، “اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم” (ع21). فمن الواضح أن بقية المقطع لم يكن قد تحقق بعد، وهو لا يزال حدث مستقبلي. وهذا مثال نموذجي للإشارات المقسمة.

وبالمثل، فكر أيضاً في نبوة إشعياء عن مجيء المسيا:

“لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام”. (إش 9: 6)

مرة أخرى، نرى هنا المجيء الأول والمجيء الثاني للمسيح مدمجين في نبوة واحدة. فمن المفهوم بالطبع أن مفسري الكتاب المقدس قبل زمن المسيح لم يروا أي اختلاف أو فاصل زمني بين النبوات التي تتحدث عن مجيء المسيا الوديع الهادئ، بل وحتى المتألم، وتلك التي تتحدث عن مجيء الملك المنتصر الغالب. ليس الأمر ببساطة أن الشخص بالطبيعة يفضل الخلاص المادي من العبودية ونصرة الملك الغالب، بل أن النظرة السائدة إلى الأسفار المقدسة النبوية في زمن المسيح كانت مبنية على التركيز على ما نعرفه نحن الآن بأنه المجيء الثاني للمسيا.

لكن يجب ألا تدهشنا عناصر الإشارات المتعددة والإشارات المقسمة، فعندما يتم التنبؤ بالمستقبل، ويتم توقع سلسلة كاملة من الأحداث، فإنه من المعقول أن نرى النظرة العامة تحوي عدداً من العناصر التي يمكن التمييز بينها في وقت لاحق. وهكذا الأمر مع النبوات الكتابية. لذلك يجب أن نضع هذه السمات في اعتبارنا عند تفسير نبوة معينة، سواء تحققت بالفعل، أو لم تتحقق بعد.

لكن الميزة التي لدينا هي أننا نقف بين المجيء الأول والمجيء الثاني للمسيح، وهكذا يمكن أن يكون هناك نوع من التمييز بسهولة بين الحدثين. لكن من ناحية أخرى، يجب أن نكون مستعدين لاكتشاف أن ما يبدو في نبوة ما أنه حدث منفرد، فإنه عند تحقيقه يمكن أن ينقسم إلى عناصر متعاقبة. ولكن إذا كنا نعتقد أننا نميز بين أحداث منفصلة وأن هناك تتابع زمني معين غير مرئي بوضوح بواسطة مفسرين آخرين، فإن خبرة المفسرين قبل زمن المسيح يجب أن تنبهنا لكي نكون متضعين بشأن السلطة التي نستخدمها في تفسيرنا الخاص.

توجد مشكلة في التفاصيل العقائدية للأحداث المستقبلية وهي أن نفس هذه التفاصيل الجازمة بحسب رأينا، إذا لم تكن في مكانها الصحيح، قد تؤدي بنا إلى الضلال عندما تتكشف الأحداث بغير ما كنا نتوقعها، كما حدث في حالة الدارسين للأسفار النبوية في العهد القديم في القرن الميلادي الأول. فالحقيقة أنه عندما يثبت بطلان آراء كان يعتنقها المرء بشدة، فإن سوء الفهم الناتج يمكنه أن يقوض الإيمان بدلاً من أن يبنيه ويدعمه.

ملخص

يمكن فهم الهيكل العظيم للنبوات المستقبلية في الكتاب المقدس عندما نقوم باتباع الإرشادات التالي: ابدأ بافتراض أن النبوة يقصد أن يتم فهمها حرفياً؛ واستخدم الإرشادات الخاصة بالتعرف على الأجزاء المجازية وتفسيرها؛ وكن منتبهاً للسمات الزمنية الخاصة باحتمال وجود إشارات متعددة أو مقسمة.

وإذا قمت بالتفكير بنوع من التفصيل في الإرشادات التي ستساعدك على تفسير الهيكل الضخم للنبوات الموجودة في الكتاب المقدس، من الأفضل أن تعود إلى الفكرة الأصلية التي تتحدث عن الغرض. فالغرض الأساسي والأول للنبوات التي لم تتحقق بعد، هي أن تؤثر على الطريقة التي نفكر ونسلك بها اليوم. لهذا السبب، دعونا نركز في تفسيراتنا على تمييز كيف كان الروح القدس يقصد أن نستجيب في الأصل لتلك النبوة بالتحديد.

فإن قال المسيح أن بشارة الملكوت سوف تعلن وتمتد في كل العالم كشهادة، ثم يأتي المنتهى بعد ذلك، فما الفائدة إذاً من الجدل بشأن تتابع الأحداث المستقبلية؟ أليس من الأجدى كثيراً أن ندرس الهيكل العظيم لتعاليم العهد الجديد الخاصة بإعلان بشارة الملكوت، وأن نقوم بتلك المهمة الموكلة إلينا؟ إن حقيقة أن كل من الأحياء والموتى سيشاركون في مجد مجيء المسيح (1تس 4: 16-17)، يقصد بها أن تمنحنا تعزية عظمية، وليس أن تفرق بيننا بسبب الجدل حول التصوير الدقيق لتتابع الأحداث.

أما الهدف الآخر من النبوات، أي أن تبني إيمان الشخص عند تحققها، فهو سبب آخر يحثنا على دراسة النبوات باجتهاد. فتلك النبوات التي تحققت بالفعل، يجب أن تقوي إيمان المسيحيين وتثير التحدي لدى المتشككين وغير المؤمنين. أما النبوات التي لم تتحقق بعد، فيجب التعرف عليها، خاصة في شكلها الأوسع والأوضح، بحيث عندما تتكشف الأحداث فعلياً، يمكن أن تتوطد ثقتنا ونستجيب بطاعة لما تتطلبه منا.

 

مراجع مختارة للمزيد من الدراسة

المراجع العامة

  • كلوز، روبرت جي، محرر. The Meaning of the Millennium: Four Views. Downers Grove, I11.: InterVarsity، 1977.
  • إيركسون، ميلارد. Contemporary Options in Eschatology: A Study of the Millennium. Grand Rapids: Baker، 1977.
  • لدويجسون، آر. A Survey of Bible Prophecy. Grand Rapids: Zondervan، 1973.

فحص نصوص الكتاب المقدس

  • بيدرولف، ويليام إي. The Second Coming Bible. Grand Rapids: Baker، معاد طبعه 1977.
  • باين، جي بارتون. Encyclopedia of Biblical Prophecy: A Complete Guide to Scriptural Predictions and Their Fulfillment. Grand Rapids: Baker، 1980.

ما قبل العصر الألفي

  • فاينبيرج، تشارلز إل. Millennialism: The Two Major Views. Moody: Chicago طبعة منقحة 1980.
  • كايزر، والتر سي. Back Toward the Future: Hints for Interpreting Biblical Prophecy. Grand Rapids: Baker، 1989.
  • لاد، جورج إلدون. The Blessed Hope. Grand Rapids: Eerdmans، 1956.

نظرة ما بعد العصر الألفي

  • هوكيما، أنتوني إيه. The Bible and the Future. Grand Rapids: Eerdmans، 1979.
  • بويتنر، لورين. The Millennium Phillipsburg, N. J.، 1957.

موضوعات خاصة

  • هنجسينبيرج، إي دبليو. The Christology of the Old Testament. Grand Rapids: Kregel مجلدان، معاد طبعه 1970.
  • موريس، ليون. Apocalyptic. Grand Rapids, Eerdmans، 1977.

[1] إم جي وينجاردرن، The Future of the Kingdom in Prophecy and Fulfillment (Grand Rapids: Baker, 1955)، صفحة 85.

النبوة الكتابية – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

تناقضات الكتاب المقدس؟ نظرة إلى التناقضات المزعومة – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

تناقضات الكتاب المقدس؟ نظرة إلى التناقضات المزعومة – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

تناقضات الكتاب المقدس؟ نظرة إلى التناقضات المزعومة – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

تناقضات الكتاب المقدس؟ نظرة إلى التناقضات المزعومة – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

المبدأ الإرشادي: حيث أننا نؤمن أن الكتاب المقدس موحى به من الله، وصادق في كل أجزائه، عندما تبدو عبارة ما أنها خاطئة، فإننا ملزمون بأن نبحث عن تفسيرها.

إننا نقترب من الكتاب المقدس بثقة لأن يسوع قد وثق فيه. فقد كان موقف يسوع تجاه الكتب المقدسة شديد الاختلاف عن موقفه من المكان المقدس (الهيكل)، والشعب المقدس (القادة الدينيين). فلم يجد يسوع أية صعوبة في النطق بالويلات على أولئك الذين كانوا يعتبرون أكثر الناس براً في الشعب، كما لم يتردد في أن يتنبأ بدمار الهيكل. ولكن بالنسبة للكتب المقدسة، كان يسوع يعتبرها راسخة وجديرة بالثقة تماماً.

إلا أن الدفاع عن الكتاب المقدس ليس هو هدف دراستنا الحالية – فهذا يخص المدافعين عن الإيمان أو من يقومون بتقديم دراسة تمهيدية عن الكتاب المقدس. لذلك فعلى الرغم من أننا لن ندرس التناقضات المزعومة بتعمق، إلا أننا يجب أن نحدد منهجاً للتعامل مع مثل هذه التناقضات، أثناء دراستنا للإرشادات الخاصة بتفسير الكتاب المقدس. (للمزيد من الدراسة، انظر المراجع المختارة في نهاية الفصل، والتي تتعامل مع الأنواع المختلفة من المشاكل الكتابية، بما فيها التناقضات المزعومة). وسنقوم هنا باستخدام أمثلة كتابية فعلية، ولكننا لن نسعى بالضرورة إلى حل نهائي لكل مشكلة. ولكننا بدلاً من ذلك، سوف نشير إلى الطريق الذي يقود إلى الحل الممكن.

وحيث أن افتراضنا المسبق هو أن الكتاب المقدس صادق في كل أجزائه، فإننا نسعى إلى حلول عندما يبدو لدينا أن هناك خطأ ما؛ وعندما لا نتمكن من حل مشكلة ما، فإننا نعترف بذلك. ولكننا لا نستنتج من ذلك أنه لا حل لها، بل بسبب الإخلاص المبني على الأساس الصلب للبرهان القوي بمصداقية الكتاب المقدس، ومواجهة البدائل بأمانة – تلك البدائل التي لم يكن ليتركها لنا عدم الإخلاص – فإننا نقوم بتعليق تلك المشاكل التي لم يتم حلها.

لكننا لا نسلم بأن المشكلة لا يمكن حلها ثم نواصل تفسير المقطع كما لو كان به خطأ ما. وأكثر من ذلك، فإننا نعتقد بوجود حل محتمل، ولكن لا يكون علينا أن نثبت أن هذا التفسير المحتمل هو الصحيح، بل نقول ببساطة أن هناك حل معقول للمشكلة الظاهرية. وحيث أن الكتاب المقدس قد ثبتت مصداقيته وصحته على مدى العصور، فإننا نعتبره بريئاً إلى أن تثبت إدانته. وهكذا يكون على المشتكي إثبات هذا الخطأ. فعندما تكون هناك مشاكل غير محسومة، لا يكون الخطأ في الكتاب المقدس، بل في فهمنا لها. ولذلك فإننا ننتظر إما مزيداً من الأدلة، أو نظرية أفضل لتفسير النص باتساق أكثر.

المشاكل التاريخية الداخلية

هناك بعض الروايات المتوازية في كل من العهد القديم والأناجيل يبدو أنها تعرض روايات متناقضة. ولا بد أن يتم حسم كل من هذه المشاكل بصورة فردية. ومع ذلك، فإن المنهج العام للتعامل مع هذا القطاع من المشاكل يكون مفيداً، وعلينا أن نتذكر خمسة إرشادات في هذا الصدد.

أولاً، عندما نقول إن الكتاب المقدس موحى به وبكل كلمة فيه، وأنه لا يوجد به خطأ، وهذا لا يعني أن التطابق اللفظي هو أمر ضروري. فالضروري فقط هن أن تكشف الكلمات عن الحقيقة. فمثلاً، عندما يقتبس كاتب أحد الأناجيل كلمات المسيح بأنه يتحدث عن ملكوت الله، بينما يقتبس كاتب آخر أنه يتحدث عن ملكوت السماوات، فهذا لا يعتبر خطأ بأي حال من الأحوال، فملكوت الله وملكوت السماوات يشيران إلى نفس الشيء، وهكذا فإن كلا الكاتبين اقتبس القول الحقيقي عن يسوع.

ومن الأمثلة القاطعة على ذلك تلك التي نجدها في الرواية الخاصة بصلاة يسوع في بستان جثسيماني، “يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عن هذه الكأس. ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت” (متى 26: 39). وفي مرة ثانية صلى، “يا أبتاه إن لم يمكن أن تعبر عني هذه الكأس إلا أن أشربها فلتكن مشيئتك” (متى 26: 42).

وهنا نرى أن الصلاتين لا تحويان بالضبط نفس الكلمات، ولكنهما تكشفان عن نفس الفكرة، ولذلك فمن المقبول تماماً بالنسبة لمتى أن يقول “ومضى أيضاً وصلى ثالثة قائلاً ذلك الكلام نفسه” (متى 26: 44). يشير هذا بوضوح إلى النظرة إلى الاقتباسات في الثقافة الكتابية. فليس من الضروري أن تكون الكلمات بها تطابق لفظي حرفي؛ بل تحتاج فقط أن تكشف عن الحق بدقة.

فكر مثلاً في اعتراف بطرس بالمسيح:

“أنت هو المسيح

ابن الله الحي”

(متى 16: 16)

“أنت المسيح”

(مرقص 8: 29)

“مسيح الله”

(لو 9: 20)

 

فهل هناك اثنان من هذه الاقتباسات على خطأ؟ كلا بالطبع، لأن جوهر الاعتراف هو هو. من الواضح أن متى يقدم الاقتباس بصورة أكمل، ومرقص يذكر العنصر الجوهري فيه، ويقدم لوقا ملخصاً. ولكن الثلاثة قالوا الحق.

هناك مثال آخر يشير إلى اختلاف أكبر – لكن بدون تناقض.

“ولما جاءوا إلى الجمع تقدم إليه رجل جاثياً له وقائلاً يا سيد ارحم ابني فإنه يصرع ويتألم شديداً ويقع كثيراً في النار وكثيراً في الماء وأحضرته إلى تلاميذك فلم يقدروا أن يشفوه”

(مت 17: 14-16)

 

“فأجاب واحد من الجمع وقال يا معلم قد قدمت إليك ابني به روح أخرس وحيثما أدركه يمزقه فيزبد ويصر بأسنانه وييبس. فقلت لتلاميذك أن يخرجوه فلم يقدروا”.

(مر 9: 17-18)

 

“وإذا رجل من الجمع صرخ قائلاً يا معلم أطلب إليك انظر إلى ابني. فإنه وحيد لي. وها روح يأخذه فيصرخ بغتة فيصرعه مزبداً وبالجهد يفارقه مرضضاً إياه. وطلبت من تلاميذك أن يخرجوه فلم يقدروا”.

(لو 9: 38: 40)

 

فأي من هذه العبارات هي التي قالها الرجل؟ ربما قالها كلها، بينما اختار أحد كاتبي الأناجيل جزءًا من حديثه، واختار كاتب ثان جزء آخر منه، وربما يمكننا أن نقول بنفس الدقة أنه لم يقل أي منها. فبلا شك أنه كان يتحدث الآرامية، ونحن نقرأ ترجمة انجليزية للترجمة اليونانية لما قاله. وبهذا يكون تطابق اللفظ غير ممكن، مع ذلك، فإن معنى الكلام النهائي متشابه.

إننا لا نعتقد أن كل ما هو مدون يجب أن يكون رواية لفظية حرفية محددة، فالحقيقة هي أنه لو أدلى الشهود في المحكمة بشهادة حرفية، لتم الاشتباه بهم في الحال. لذلك فحقيقة أن من كتبوا الأناجيل يختلفون في كلماتهم وألفاظهم لهي دليل أكثر على استقامتهم وأصالتهم واستقلاليتهم الكاملة. فالتطابق اللفظي ليس ضرورياً للحصول على الدقة. وهذا الأمر ليس معناه التفريق بين الكلمات والمعاني – إذ أن المعنى الصحيح يتم التعبير عنه من خلال الكلمات، فلا يمكن أن يكون هناك معنى صحيحاً بدون كلمات دقيقة لتعبر عنه. لكن قد تكون هناك أكثر من طريقة للتعبير عن نفس المعنى بدقة.

ثانياً، الغرض الذي يسعى إليه أحد الكتاب قد يختلف عن غرض الكاتب الآخر. لهذا السبب تكون هناك الكثير من التفاصيل التي لا تتعلق بهدفه، لذلك فإنه ستجاهلها. لذلك عندما نرغب في إعادة بنية القصص الخاصة بميلاد المسيح، وآلامه، وصلبه، وقيامته، يكون من الضروري أن نقوم بتجميع كل الروايات الخاصة بذلك لكي نحصل على السجل الكامل. فإنجيل متى يذكر اللصين اللذين كانا يتحدثان ضد المسيح (متى 27: 44)، بينما يذكر إنجيل لوقا أن لصاً واحداً كان يتحدث ضده (لو 23: 39).

وهذا لأن هدف متى كان أن يركز على المعارضة التي لاقاها المسيح، لذلك فإنه يذكر فقط الموقف الأولي لكلا اللصين، والذي تغير خلال ساعات الصلب. أما هدف لوقا من ناحية أخرى فقط كان التركيز على التوبة والخلاص لأحد اللصين. فالمؤلف الكتابي لم يكن يضيف أشياء لم تحدث، ولكنه، وبصورة مشروعة تماماً، كان ينتقي ويختار ما يدونه.

ثالثاً، قال المسيح أشياء مشابهة في مواقف مختلفة (كما أشرنا إلى ذلك في الفصل 15). وهو لم يقل فقط أشياء متشابهة، بل أنه فعل أيضاً أموراً متشابهة. وإنني على ثقة من أنه لو لم يشر المسيح نفسه إلى حادثة إطعام الخمسة آلاف، وحادثة إطعام الأربعة آلاف باعتبارهما حدثين منفصلين، لافترض بعض المفسرين أنهما نفس الحادثة، وكانوا سيلاحظون اختلافاً بين الروايتين.

رابعاً، لم تكن قواعد كتابة التاريخ هي نفسها في كل من الثقافة العبرية اليونانية في زمن الكتاب المقدس، كما هي اليوم. فقط كانت تستخدم اللغة العادية اليومية، ولم يكن هناك شعور بالاحتياج لأن يكون هناك نسخة مضبوطة كتلك التي نطلبها في سجلات المحاكم اليوم. فقط استخدم من كتبوا الكتاب المقدس ما يطلق عليه “اللغة العامية”، أو لغة الحياة اليومية التي كانت تتحدث عن الأمور كما تبدو عليه.

فلم تكن المصطلحات العلمية الدقيقة هي الوسط الذي يتم فيه التواصل والحديث. لذلك فعندما يصف أحد كاتبي الكتاب المقدس شروق الشمس، فإنه لا يتحدث بطريقة علمية، تماماً كما لا نفعل نحن عندما نتحدث عن شروق وغروب الشمس. وبالمثل، يتحدث الكتاب المقدس عن أطراف الأرض دون أن يعني بذلك أن الأرض مسطحة ومربعة.

وعندما أشار المسيح إلى حبة الخردل باعتبارها أصفر البذور (متى 13: 32؛ مر 4: 31)، لم يكن بذلك يعلم علم النبات. بل يبدو حديثه هذا مثل حديثنا عندما نقول إن لاعبي كرة السلة هم أطول النا. فهذا لا يعني أنه لا يوجد أناس أطول منهم في أي مكان آخر ولا يلعبون كرة السلة. هذه هي ببساطة لغة الحياة اليومية التي تتحدث عن الأشياء كما تظهر، والتي يختبرها الناس الذين يتكلمون بها ويسمعونها.

خامساً، توجد أخطاء في النسخ. فالرقم الذي يشير إليه في إحدى روايات العهد القديم يختلف في بعض الأحيان عن الرقم المسجل في رواية أخرى. واللغة العبرية تكون معرضة على وجه الخصوص لهذا النوع من الأخطاء في النسخ، حيث أن الحروف فيها تستخدم للتعبير عن الأرقام. لكن أن نسلم بأن هناك اختلافات لا تزال موجودة في المخطوطات المنسوخة باليد، لا يعني ذلك بصورة تلقائية أنه لا بد أن يكون هناك خطأ في النسخ، بل يجب البحث عن حل لهذا الاختلاف بطرق أخرى أولاً.

لكن على الرغم من أنه هذه الأخطاء في النسخ عددها قليل للغاية، فإن هناك اختلافات معروفة بين المخطوطات لا تزال موجودة، وهذا يعني أن واحدة من هذه المخطوطات على خطأ. إن مهمة الناقد النصي هي أن يقارن بين هذه المخطوطات ويسعى لتحديد بأكبر قدر ممكن من الدقة أيها هي الأصلية. إلا أن معظم الاختلافات النصية، مثل اختلافات الهجاء، لا تؤثر على المعنى.

فقد قيل أن جميع الاختلافات النصية في العهد الجديد، والتي تؤثر على معنى المقطع، يمكن طباعتها على صفحة واحة من العهد الجديد اليوناني، وأنه ولا واحد منها يؤثر على عقيدة أساسية. إلا أنه ليست لدينا كميات ضخمة من المخطوطات القديمة للعهد القديم، لذلك فلا يمكننا دائماً المقارنة بين النصوص. لكن عندما تكون هناك نصوص متوازية ولكنها غير متفقة، فمن المنطقي أن نفترض أنه ربما كان هناك خطأ في عملية النسخ.

اقتباسات العهد الجديد من العهد القديم

لقد درسنا من قبل وجود مقاطع من العهد القديم في العهد الجديد، وكما لاحظنا، فإن أكثر من 250 اقتباس من العهد القديم تظهر في العهد الجديد. وفي معظم الأحيان لا تتفق هذه الاقتباسات في الصياغة مع الصياغة المحددة لها في العهد القديم. فلماذا؟

1 – معظم الاقتباسات مأخوذة من الكتاب المقدس الشائع في زمن المسيح، الذي هو ترجمة يونانية للعهد القديم العبري. لذلك فإن اقتباس العهد الجديد من تلك النسخة (الترجمة السبعينية) تشبه اقتباسنا من نسخة معاصرة بالإنجليزية، لأن الترجمة اليونانية كان في الأغلب شرحاً أكثر منها ترجمة حرفية.

2 – في كثير من الأحيان لا توجد محاولة لعمل اقتباس مباشرة، بل يتم اختصار المقطع المقتبس من العهد القديم، أو مجرد إظهار الفكرة الموجودة فيه.

3 – كما أوضحنا من قبل، فإن الله باعتباره هو المؤلف، له الحق في أن يقدم المعنى أو تفسيره الخاص لما يقصده في الإعلان الأصلي.

4 – يوجد عدد قليل من الاقتباسات أو الإشارات التي تأتي من أسفار ليست في أسفارنا القانونية في الكتاب المقدس، أو ربما من كتابات لم تعد موجودة الآن. فمثلاً، تم الاقتباس عن أخنوخ أنه قال “هوذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه” (يهوذا 14، مقتبس من 1أخنوخ). كما تم اقتباس ما قاله ميخائيل “لينتهرك الرب” (يهوذا 9)، وهو اقتباس من كتابات غير معروفة بالنسبة لنا.

مشاكل عقائدية

وقد تم تحديد منهج لدارسة التناقضات الظاهرية في تعاليم الكتاب المقدس في الفصل 16.

التناقضات المزعومة مع السجلات التاريخية الأخرى.

الكتاب المقدس هو واحد من الكتب الكثيرة للتاريخ القديم. لذلك فعندما لا يتفق الكتاب المقدس مع كتاب آخر للتاريخ القديم، فقد يفترض أحد أعداء الكتاب المقدس أن السجل التاريخي هو الأكثر دقة. لكن بحسب افتراضاتنا المسبقة، فإننا نؤمن أن السجل الكتابي هو الأكثر دقة. وحتى من المنظور المضاد للكتاب المقدس، فإن الكتاب المقدس هو أدق السجلات التاريخية المتاحة للتاريخ القديم. فعلم الآثار كان يصدق دائماً على السجلات الكتابية حتى الآن.

فمثلاً، كان نقاد الكتاب المقدس يعتقدون لفترة طويلة أن موسى لم يكن في إمكانه كتابة التوراة لأنه لم تكن هناك كتابة في زمن موسى. ولكن علم الآثار اكتشف الآن أن الكتابة يرجع تاريخها إلى قبل زمن موسى بوقت طويل. ولذلك فعندما يتعارض الكتاب المقدس مع السجلات القديمة الأخرى، فإننا نجيب ببساطة بأن ليست كل المعلومات متوفرة الآن، وأننا سننتظر. وفي الوقت الحالي، إننا نثق في السجل الكتابي الذي لدينا.

التناقضات العلمية المزعومة

المعجزات

إن أعظم الخلافات بين الناس الذين يعتبرون أنفسهم ذوي فكر علمي، وبين أهل الإيمان، هي مسألة المعجزات. فالمعجزات هي حجر عثرة بالنسبة لأصحاب المنهج الطبيعي. فما هو المنهج الذي نتخذه مع هؤلاء المتشككين؟ توجد ثلاثة عناصر جديرة بالذكر في الرد على النقاد.

أولاً، يجب ملاحظة أن المشكلة فلسفية، وليست علمية، في طبيعتها. فافتراضات الشخص المسبقة بشأن طبيعة الواقع تحدد نظرته بالنسبة لإمكانية حدوث المعجزات. فإن كان الله موجوداً فإنه يكون حراً في أن يعلم بأية كيفية، وإن كان مثل هذا الإله موجوداً واختار أن يفتقد العالم الطبيعي، فسيكون شيئاً لا يصدق ألا يمتلك أكثر من مجرد القدرة البشرية. ومن ناحية أخرى، إن كانت افتراضات الفرد المسبقة تسيطر على مجال الروح أو على الإله الذي هو حر في التدخل في شؤون البشر، فلا يوجد قدر من البراهين التاريخية أو حتى “العلمية” يمكنه أن يأتي بمثل هذا الشخص إلى الإيمان.

ثانياً، إن مسألة المعجزات هي أمر تاريخي، وليس أمر علمي بمعنى أنه يمكن إظهارها تجريبياً. فالعالم يلاحظ ويختبر ويجري التجارب، وهكذا فالدليل تجريبي. أما بالنسبة للدليل التاريخي، بهذا المعنى، فهو ببساطة لا يوجد، إذ أن الدليل التاريخي يعتمد على مصداقية الشهود، وليس على الاختبار والملاحظة. فهل أولئك الذين يشهدون على حدث ما هم مؤهلون لتقييمه، وأهل للثقة لكي يبلغوا عنه بأمانة؟

نعم، فنحن نجد أن البرهان التاريخي على أية معجزة من معجزات الكتاب المقدس هو من أعلى المستويات، والشهود عديدون، ومؤهلون جيداً، ولديهم أعلى درجات الأمانة والاستقامة. وهكذا فالمسألة هي مسألة تاريخية وليست عملية.

ثالثاً، لم تكن المعجزات في الكتاب المقدس دائمة ومستمرة وتافهة كما في الأساطير، بل كان لها هدف وكانت مرتبطة بالرسالة. والأكثر من ذلك، أنها مدونة باعتبارها حدثت على شكل مجموعات. إذ يبدو أن المعجزات قد تجمعت في مقدمة حقبة معينة لأجل التثبيت والمصادقة على تدخل الله. فقد صاحبت المعجزات ابراهيم وموسى ويشوع والأنبياء في المملكة المنقسمة والمسيح والكنيسة الرسولية. لكن هذا لا يعني أن المعجزات لم يكن من الممكن أن تكون أحداثاً مستمرة، لكن أهمية التدخل الإلهي يمكن أن تقل لو أصبحت هي الأمر المعتاد. فحتى الأحداث المميزة، عندما تحدث كثيراً، لا تكون مميزة لمدة طويلة، فسريعاً ما يصبح غير المعتاد معتاداً، وفوق الطبيعي هو التوقع الطبيعي.

فالجدية والغرض هي من الأمور المميزة للمعجزات الكتابية. فتقديم الخبز للجموع الجائعة كان يشير إلى خبز الحياة. وإقامة الموتى كانت تظهر قوة الله وتشير إلى النصرة النهائية للحياة على الموت. وجميع معجزات المسيح كانت علامات تظهر من هو – فتظهر ألوهيته وشخصيته كالشخص الذي كان يتحنن على الجموع. وقد رفض يسوع إغراء أن يستخدم قوته لإطعام نفسه، أو أن يجري حيلة سحرية ليحصل على إعجاب البشر. لذلك فقد كانت المعجزات الكتابية مليئة بالمعاني.

النظريات العلمية

وماذا عن النظريات العلمية التي تتعارض مع العبارات الكتابية، والحقائق العلمية التي تتناقض مع التفسيرات الكتابية؟ هناك اثنان من الإرشادات التي يكون علينا أن نتذكرها عندما نفكر في السجل الكتابي والنظريات العلمية، وهما:

1 – لم يتم إعطاء الكتاب المقدس ليكون ككتاب دارسي في العلوم. فإن تعاملنا معه بهذه الطريقة فإننا نسيء استخدامه. وليس علينا أن نحاول صنع نص بيولوجي مناسب من المعلومات المرتبطة بالأمور البيولوجية في الكتاب المقدس. فعندما يقوم الكتاب المقدس بلمس أمر بيولوجي أو غيره من الأمور العلمية، فإنه يكون دقيقاً، لكن ليس هدف الإعلان الكتابي أن يقوم بتدريس هذه الأمور.

2 – ليست كل نظرية علمية يتم إثبات صحتها. من الخطأ أن نقوم بعمل مقارنة بين جاليليو ومسألة أن الأرض مسطحة، وبين داروين ومسألة التطور العضوي. فنظرية تطور أصول الجنس البشري هي مسألة فرضية، كما أن نظريات العلماء تتعارض فيما بينها بصورة كبيرة. أما من ناحية شكل الأرض، فقد ثبت شكلها بصورة قاطعة. فهذا أمر مثبت. لذلك فعندما نسعى للحسم بين المعلومات الكتابية والبيانات العلمية، يجب أن نبدأ ليس بالنظرية العلمية بل بالحقائق المثبتة في عالمنا الطبيعي.

فعندما نسعى للحسم عند اختلاف الكتاب المقدس مع العلم، يجب أن نتيقن من أن تفسيرنا للكتاب المقدس الذي يبدو أنه يتناقض مع البيانات المستمدة تجريبياً، وهو تفسير نهائي وجدير بالثقة. فمثلاً، المقاطع الكتابية التي تبدو وكأنها تشير إلى تسطح الأرض أو أن العالم يتكون من ثلاثة طوابق أو درجات، لا تمثل التفسير الصحيح الوحيد لتلك المقاطع. كما لا يمكن الزعم بأن التفسير الذي يرجع تاريخ الخليقة إلى 4004 عام قبل الميلاد، هو فقط التفسير الوحيد الصحيح للمعلومات الكتابية.

والأهم من ذلك، هو أن الحقائق العلمية والكتابية لا يمكن أن يتناقضا، لأن الله هو إله الحق الكامل، وكل من “كتاب الطبيعية”، و”كتاب الإعلان الإلهي” هما منه. لذلك فعندما يبدو أنهما يتعارضان، فإما أن حقائق الطبيعة يساء فهمها أو أن تفسيرنا للكتاب المقدس به خطأ ما.

التناقضات الظاهرية مع الطبيعة البشرية

تبدو بعض تعاليم الكتاب المقدس وكأنها تتناقض مع إمكانيات الطبيعة البشرية. فقد اعتقد التلاميذ ذلك عندما أخبرهم المسيح أنهم يجب أن يغفروا للآخرين 490 مرة في اليوم الواحد. وقد قدم لنا مارك توين الحل لمعظم المشاكل من هذا النوع، عندما قال: “إن مشكلتي ليست مع أجزاء الكتاب المقدس التي لا أفهمها بل مع تلك الأجزاء التي أفهمها!” فالحقيقة هي أن معظم المشاكل من هذا النوع لا تتعلق بالفهم، بل تتعلق بالإيمان أو بالإرادة.

فعندما نثق بالله لكي يمدنا بالموارد اللازمة لنا لكي نطيعه ونختار طريق الطاعة، فإن معظم المشاكل الخاصة بفهم مشيئته سوف تحل. “إن شاء أحد أن يعلم مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلم أنا من نفسي” (يو 7: 17). ومع ذلك، فهناك بالفعل قدر كبير من الصراع بين تفسيرات معينة للكتاب المقدس وبين الاختبار البشري. فإن كان الشخص يؤمن أن الكتاب المقدس يعلم عن إمكانية العيش حياة كاملة بدون خطية، فإن الدعوة قد لا تكون للثقة بالله أكثر، أو لطاعته بكمال أكثر، بل لإعادة فحص ودراسة المعلومات الكتابية. فلا بد أن نتأكد من أن تفسيرنا لا يخضع للشك، قبل أن نطلب من شعب الله أن يطيعوه.

ملخص

الكتاب المقدس هو من الله، ولذلك لا يوجد به أي خطأ. نتيجة لذلك فإننا نقترب من المشاكل الكتابية بثقة بأن هناك حل ما، ونرفض أن نفسر أي مقطع كما لو كان به خطأ ما. ورغم أننا لا نشعر أننا ملزمون بحل كل مشكلة فيه، فإننا نحتاج أن نسعى باجتهاد للتوصل إلى حل لتلك المشاكل الخاصة بالتناقضات المزعومة التي تتضمن أحداثاً تاريخية، نستخدم مناهج تتناسب مع كل نوع من هذه المشاكل.

وعندما لا يبدو حل المشكلة قريباً، يجب أن نتوقف عن الحكم ونعلقه، في انتظار مزيد من الضوء على المشكلة، بدلاً من التعامل مع المقطع باعتبار أن به نوع من الخطأ. إن القبول بوجود خطأ في الكتاب المقدس هو ثمن باهظ للغاية ندفعه لنشعر بالرضى، عندما نحل المشكلة بطريقة سهلة، بإعلان أن المقطع الكتابي على خطأ. فإن تم الاعتراف بوجود هذا الخطأ عندها تتحول السلطة إلى الشخص الذي يقرر ما هو الصواب.

بذكر بعض المناهج العامة للتعامل مع بعض من المشاكل الكتابية المحددة، لا أقصد بذلك أن أقول إن معظم المشكلات الكتابية يمكن حلها بسهولة. كما لا أود أن أقول إن كل المشاكل يمكن حلها عن طريق الاجتهاد والذكاء. فإننا نهب عقولنا للبحث الجاد، لكننا مهما تعبنا واجتهدنا، “فإننا ننظر الآن في مرآة في لغز لكن حينئذ وجهاً لوجه. الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عرفت” (1كور 13: 12).

وفي الوقت الحالي، فإن التزام الشخص الذي يحب الله هو الذي سيحدد كيف سيتعامل مع المعلومات والبيانات الكتابية. فبالنسبة لوثيقة مكتوبة منذ زمان طويل، في ثقافة بعيدة وغريبة عنا، وبلسان ولغة مختلفة، على مدى فترة زمنية تمتد إلى حوالي 1600 عام، بواسطة أكثر من أربعين كاتباً، وتتعامل مع أمور تختص بالحق المطلق، تكون المعجزة هي أن يوجد بها هذا العدد القليل من المشاكل!

مراجع مختارة للمزيد من الدراسة

– أرشر، جليسون إل. Encyclopedia of Bible Difficulties. Grand Rapids: Zondervan,، 1982.

– بروش، مانفريد تي. The Hard Sayings of Paul. Downers Grove, I11. InterVarsity، 1989.

– بروس، إف إف. The Hard Sayings of Jesus. Downers Grove, I11. InterVarsity، 1983.

– هالي، جون دبليو. Alleged Discrepancies of the Bible. Grand Rapids: Zondervan، 1988.

– كايزر، والتر سي. Hard Sayings of the Old Testament. Downers Grove, I11.: InterVarsity، 1988.

– أوبرين، ديفيد إي. Today’s Handbook for Solving Bible Difficulties Minnneapolis: Bethany House، 1990.

– ساير، جيمس دبليو. Scripture Twisting: Twenty Ways the Cults Misread the Bible. Downers Grove, 1II.: InterVarsity، 1980.

– ستين، روبرت إتش. Difficult Passages in the New Testament: Interdreting Puzzling Texts in the Gospels and Epistles. Grand Rapids: Baker، 1990.

تناقضات الكتاب المقدس؟ نظرة إلى التناقضات المزعومة – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

اتساق وترابط الحق – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

اتساق وترابط الحق – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

اتساق وترابط الحق – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

اتساق وترابط الحق – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

المبدأ الإرشادي: اعمل على اتساق وترابط الحق المعلن.

من الخطوات الضرورية في فهم إعلان الله عن نفسه وعن مشيئته للإنسان، هو أن نأخذ أجزاء متنوعة من التعليم الكتابي في موضوع ما ونضعها جميعاً معاً في وحدة متسقة.

والخطوة الأولى لعمل دراسة موضوعية أو بناء هيكل نظامي للتعليم الكتابي، هي أن نقوم بتحليل كل مقطع وفحصه، لتحديد المعنى الذي يقصده المؤلف. ومع ذلك، فكما رأينا في الفصل السابق، عندما نقوم بدراسة عنصر واحد من الحق المعلن في مقطع واحد فقط، قد يقودنا ذلك إلى تشويه هذا الحق.

فالتناقضات، والحذف، والتركيز الخاطئ على نقاط معينة، قد يمضي دون أن نلاحظه. وعلى سبيل المثال، أن نبدأ وننهي دراستنا لشخصية الله بالمقاطع التي تتعامل فقط مع محبته، لن يعطينا ذلك فهماً كاملاً أو دقيقاً لشخص الله، إذ أن هناك صفات أخرى لله، مثل قداسته وعدله، لا بد أن نضعها في الاعتبار كذلك.

لقد تم إعطاء الكتاب المقدس لنا بواسطة الأنبياء والرسل الذين كانوا، في معظم الأحيان، يوصلون جزءاً واحداً فقط من حق الله إلى شخص محدد أو جماعة معينة. لذلك فقد جادل البعض بأن الرغبة في تنظيم كل الأجزاء المتنوعة داخل وحدة متسقة ليست ضرورية، وفي الحقيقة، قد لا تصح بالنسبة للأسفار المقدسة كما أعطاها لنا الله. فالتحليل أمر مشروع بمثل هذه النظرة؛ لكن التوليف ليس كذلك.

يعتقد البعض أن محاولة تنظيم أو توليف العناصر المتنوعة للمبدأ الكتابي أو لجميع المبادئ الكتابية ووضعها معاً، تأتي من أسلوب غربي في التفكير في تصنيفات منطقية، بينما ليس هذا هو الأسلوب الوحيد في التفكير، أو ربما لا يكون هو أفضل أساليب التفكير. لأنه إن كان كذلك، فلماذا لم يعط لنا الكتاب المقدس بصيغة نظامية؟

في الحقيقة أنه كما رأينا من قبل (في الفصل الخامس)، لا يعتبر هذا الجدل مؤسس جيداً. فلكنا نفكر عن طريق ربط أفكار جديدة بالأفكار التي قبلناها بالفعل من قبل. وقد يكون من الممكن بالنسبة للإنسان العاقل أن يعتنق فكرتين متناقضتين في نفس الوقت، بأن يبقى كل منهما منفصلة عن الأخرى في تفكيره، ولكنه يكون من المستحيل بالنسبة له أن يتعامل مع جميع مفاهيمه وأفكاره بتلك الطريقة.

جميعنا لاهوتيون نظاميون، بمعنى أن لدينا أفكاراُ متنوعة عن الله تتفق معاً بطريقة أو بأخرى. واللاهوتي الضعيف هو الشخص الذي يكون لديه نظرة محدودة أو غير صحيحة عن الله لأنه لا يعي إلا بعض من عناصر الحق المعلن، أو لأن لدينه نظرة مشوهة لله لأنه يفتقر إلى المنظور الكتابي الشامل. أما اللاهوتي الجيد من ناحية أخرى، فهو الشخص الذي يضع في اعتباره كل الحق المعلن عن الله، ويقوم بربط كل جزء فيه داخل إطار كلي واحد.

فإن كان هذا هدف جيد للدراسة الكتابية، لماذا لم يعطينا الله الحق بطريقة منظمة؟ رغم أنه ليس هناك تفسير لذلك في الكتاب المقدس، إلا أن هناك العديد من الإجابات المحتملة. أولاً، الكثير من حق الله معطى لنا بطريقة منظمة. فسفر رومية هو مثال تقليدي للعرض المنظم للحق.

 

لكن عند تعليم الأطفال، لن يكون هناك توصيل جيد للفكرة لو أن كل المنهج المعد لتعليمهم كان مقدماً في شكل كتلة واحدة من المادة المنظمة. فمن الضروري أن نبدأ من حيث هم، وأن نبني مفاهيمهم خطوة بخطوة. وبالمثل، أعلن الله عن نفسه وعن مشيئته للإنسان على مراحل، عندما كان البشر مستعدين لاستقبال تلك المعرفة.

ورغم أننا لا نستطيع أن نثبت ذلك، فإن السبب الآخر الذي لأجله كشف الله عن حقه في الكتاب المقدس بطريقة تاريخية وقصصية، هو أنه ربما كانت هذه هي أفضل طريقة يمكن بها فهمه بواسطة أكبر عدد ممكن من البشر. يتم تقديم الإعلان الكتابي في كثير من السياقات، وبصيغ متعددة، بحيث توجد في صلبه إمكانية لأن يتكلم مرات ومرات لجميع أحوال وأوضاع الناس في كل العصور.

بلا شك توجد أسباب أخرى لذلك. إلا أن ولا واحد من هذه الأسباب يعفينا من مسؤولية أن نتيقن من أننا نفهم ونميز كل ما يقصده الله لنا أن نفهمه بشأنه وبشأن إرادته. فإن الله لم يخلق العالم وبه كميات ضخمة من المنتجات الجاهزة، ولكنه قدم لنا المواد الخام، وسمح للإنسان أن يبحث في منجم كنوز خليقته. وبنفس الطريقة، قدم لنا الله في كلمته المادة الخام التي يمكن لكل الأجيال أن تستقي منها كنوز الحق.

إن دراسة الموضوعات هي لاهوت نظامي مصغر، بمعنى أن قطاعاً صغيراً فقط من كل التعليم الكتابي يتم فصله والتعامل مع كوحدة واحدة. فمثلاً، في اللاهوت النظامي لعقيدة الله، يتم تنظيم كل ما يعلمه الكتاب المقدس ويختص بشخص وعمل الله، في وحدة واحدة مستقلة، فيتم فحص جميع صفاته باستفاضة.

لكن عند الوعظ في خدمة صباح الأحد، أو في دراسة الكتاب المقدس يوم الأحد مثلاً، لا يمكن للمرء أن يتحدث عن كل صفات الله. لذلك يمكن مثلاً دراسة موضوع ثبات الله وعدم تغيره. بل يكن كذلك تضييق نطاق الموضوع، بالحديث عن معنى عدم تغير الله وأثر ذلك على معايير الأخلاق البشرية. فتتم دراسة السلوك الأخلاقي البشري كانعكاس لصفات الله، في ضوء حقيقة أن صفات الله الأخلاقية ثابتة ولا تتغير على الإطلاق.

وهكذا عند عمل لاهوت نظامي، يواجه المسيحيون أعظم اختلافاتهم. فكيف يمكن أن يوضع الحق الكتابي في صورة نظامية، بحيث نكون أقرب إلى حق الله، كما هو في الواقع المطلق، ولا نجد أنفسنا في الواقع أبعد عنه؟ هل توجد إرشادات تمكننا من الوصول إلى هدفنا في البحث عن حق الله بأكمل صورة ممكنة، مع ارتباط كل من هذه الأجزاء معاً في تناسق واتفاق؟

إني أومن بوجود مثل هذه الإرشادات، ولكن الأمر الأهم من أي مبدأ إرشادي هو المنهج الذي يتبعه الفرد في دارسة الموضوعات أو العقائد الكتابية. لذلك فإننا سنقوم بفحص المنهج اللازم لتحقيق هذا الهدف، ثم نقوم بعد ذلك بفحص الإرشادات الخاصة بتطوير لاهوت سليم فعلياً.

منهج سليم

إننا إذ نقترب من قصد الكتاب المقدس في أن نكتشف كل الحق الذي يريدنا الله أن نفهمه، سنقوم بفحص توقعاتنا واتجاهاتنا، حيث توجد حدود لما يمكننا أن نفهمه.

الهدف من الدراسة اللاهوتية

أولاً، يجب ألا تكون الدراسة اللاهوتية بحثاً أكاديمياً عقيماً عن الحق المطلق. فالله في الأغلب لا يهتم بما أعرفه، بقدر اهتمامه بهويتي، وبكيفية سلوكي. كما عبر أندرو موراي عن هذا الأمر ذات مرة قائلاً، “لم يعط الكتاب المقدس لنا لزيادة معرفتنا، بل لتغير سلوكنا”.

فالكتاب المقدس لم يقدم لنا فقط لكي يعلمنا ما يجب أن نؤمن به، وما لا نؤمن به، ولكنه أعطي لنا أيضاً لكي يوضح لنا كيف يجب أن نسلك، وما الأمور التي يجب أن نمتنع عنها (2تي 3: 16). وهكذا فكل دراستنا الكتابية يجب أن تكون لأجل غرض تطبيقها في الحياة، وتحويل الحق إلى الحياة اليومية.

لنأخذ مثلاً العقيدة الكتابية الخاصة بالنبوة. يخبرنا الكتاب المقدس عن سبب إعطاء النبوة – وهو بالطبع ليس الغرض الشائع الذي تستخدم لأجله. “أقول لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون أني أنا هو” (يو 12: 19)، “وقلت لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون” (يو 14: 29). هذا هو بوضوح الهدف من التنبؤ بعد أن تتحقق النبوة. أن نؤمن بالمسيح. لكن ماذا عن الكم الكبير من النبوات التي لم تتحقق – هل لها أي غرض بالنسبة لنا اليوم؟ النبوة هي أساساً تسبق وتخبر برسالة الله.

وليست تتنبأ بالمستقبل. فمن ضمن 164 مقطع تنبؤي في العهد الجديد (باستثناء سفر الرؤيا، المخصص بالكامل للنبوات) يرتبط 141 منها بطريقة مباشرة بالسلوك، وهي معطاة بوضوح للتأثير على السلوك وليس لزيادة المعرفة، وحوالي 23 مقطع منها فقط، معطى أساساً للإخبار عن المستقبل.

لذلك يجب أن تكون دراسة نبوات الكتاب المقدس في الأساس لأجل غرضين:

(1) دراسة النبوات التي تحققت لتوطيد إيماننا.

(2) دراسة النبوات التي لم تتحقق بعد للتأثير على سلوكنا.

يا له من أمر يريحنا من التدريبات الفكرية الشاقة، ويا لها من فائدة روحية سننالها إذا قمنا بدراسة النبوات بهذه الطريقة، وإذا فرض دارسو الكتاب المقدس أن يدرسوا لأجل هدف إشباع فضولهم، والتعرف على الأحداث المستقبلية بتخطي التعليم الأساسي الواضح للكتاب المقدس.

يا له من سلام سيشعر به الإخوة إذا رفض دارسو الكتاب المقدس أن يبنوا شركتهم مع بعضهم البعض على أساس الاعتناق الشديد لنوع معين من التفاصيل التنبؤية! فلو كان غرض الله أن يشبع فضولنا بشأن المستقبل، لكان هذا الأمر بالتأكيد لا يزيد صعوبة عن إعطائنا التعاليم الأساسية العظيمة التي يتفق عليها شعبه.

أما بالنسبة لهدفه الأساسي من إعطاء النبوات – هو أن يؤثر على سلوكنا – نجد أن تعاليم الكتاب المقدس الواضحة أكثر من كافية لهذا الأمر. “ليس لكن أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه. لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليهم وتكونون لي شهوداً” (أع 1: 7-8).

ففي مجال الدارسة الكتابية على وجه الخصوص، يمكن للمعرفة الزائدة أن تكون أمراً خطراً. فالعلم الكلي ليس مطلوباً، لكن الأمانة والإخلاص مطلوبان. وهذا يتطلب الأمانة فيما نعرفه، هذا لأننا مسؤولون بصورة خاصة أن نعيش بحسب ما نعرف (لو 12: 47-48). لذلك يجب ألا يكون السعي للحق اللاهوتي هو غاية في حد ذاته، بل وسيلة لمعرفة الله وطاعته بكمال أكثر.

الدافع وراء الدراسة اللاهوتية

لكن لو أن كل من درسوا الكتاب المقدس وضعوا تطبيق الحق كهدف بالنسبة لهم أسمى من السعي نحو الحق الافتراضي الأكاديمي، هل كانت كل الاختلافات الطائفية ستتوقف، تشفى الانقسامات المذهبية؟ كلا، وهذا لأن اتجاهات أساسية أخرى في المنهج الكتابي.

فما هو إذاً العلاج للانقسامات العميقة في جسد المسيح الواحد؟ الإجابة التي يقدمها بولس على ذلك بسيطة: العلم ينفخ ولكن المحبة تبني (1كور 8: 1)، هذا هو الحل باختصار. فالله يهتم أساساً ليس بما نعرفه، بل بهويتنا وبكيفية سلوكنا، والمحبة تتضمن كل مشيئته الخاصة بهذا الأمر. فكورنثوس الأولى 13 لم يعط فقط كمجرد وصف للمحبة، بل تم إعطاؤه أساساً كدينونة مباشرة للانقسامات التي كانت في جسد المسيح. هذا هو الحل الإيجابي: المحبة.

ولكن ليس هذا هو الحل بالكامل، إذ يوجد جانب سلبي، وهو أن العلم ينفخ، تقدم لنا الأصحاحات من 1-3 من كورنثوس الأولى، وفيلبي 2، الدواء الناجع: الاتضاع، بمعنى أن يكون لنا فكر واحد بأن يكون لنا فكر المسيح، الذي إذ كان لدينه كل شيء، أصبح لا شيء.

وهذا نموذج بسيط لتلك العملية. فبعد أن ينفخ العلم ويفرق، يأتي المسيح، الذي هو غير محدود في كل شيء – بينما نحن فارغون ومتضعون ولا ندعي لأنفسنا أية معرفة، بطموحنا الشخصي، وغيرتنا، ومحدوديتنا. ثم تأتي المحبة، ليست كعاطفة، بل كأسلوب يشمل الحياة بأكملها – والتي تستطيع أن تعمل وتغير، فيتجه بناء جسد المسيح الواحد إلى الأمام (راجع أف 4). فالمعرفة الكتابية التي لا يتم تطبيقها تدمر؛ بينما المعرفة التي تطبق تعطي حياة.

الاتجاه في الدراسة الكتابية

 الاتضاع هو واحد من العناصر الأساسية في دراسة مبادئ الكتاب المقدس. فالاتضاع يجب أن يفسح الطريق للمحبة لكي تقوم بعملها. لكن حجر الأساس في الاتضاع، وهو أن نحسب بعضنا البعض أفضل من أنفسنا (في 2: 3) – ليس سهلاً دائماً. فكيف يمكننا أن نصل إلى ذلك؟ يأتي الاتضاع فيما يختص بدراسة مبادئ وعقيدة الكتاب المقدس كنتيجة لمواجهة حقائق معينة. فالدارس المخلص للكتاب المقدس يدرك الآتي:

(1) أن الإعلان هو جزئي فقط.

(2) أننا محدودون.

(3) أننا ساقطون.

(4) أننا نحتاج ذهناً مفتوحاً.

(5) وأنه لا بد أن يكون لدينا استعداد للطاعة.

الإعلان جزئي فقط. إن الغرض من الكتاب المقدس وطبيعته المحددة هو أن يكشف، وليس أن يخفي أو يشوه أو يفرق. وكان يمكن لله بالطبع أن يكشف بوضوح عن الكثير من التفاصيل. لكن لسبب ما اختار الله ألا يكشف عن التفاصيل بمثل وضوح قيامه بذلك بالنسبة للحقائق الأساسية العظيمة. فمجد الله إخفاء بعض الأمور (أم 25: 2). “السرائر للرب إلهنا” (تث 29: 29).

وبالتأكيد أن الأمور التي يؤكد عليها الكتاب المقدس والحقائق الأساسية تقدم لنا معيناً لا ينضب، يشبعنا ويحفزنا. وهذه الأمور المعلنة هي “لنا ولبينينا إلى الأبد بجميع كلمات هذه الشريعة” (تث 29: 29). ومع ذلك، لا يرضى الإنسان بأن يترك الأمور هكذا. لذلك نرى أن الفكر المتضع هو أمر أساسي.

لماذا لم يكشف لنا الله أكثر من ذلك؟ ولماذا لم يشبع فضولنا في المعرفة؟ هذا لأن هناك بعض الأمور لا نحتاج أن نعرفها. فقد قال يسوع للتلاميذ: “ولم أقل لكم من البداية لأني كنت معكم” (يو 16: 4). عند هذه المرحلة في رحلتهم الروحية لم يكن التلاميذ في حاجة أن يعرفوا كل شيء كانوا يرغبون في معرفته.

بل الأهم من ذلك، هو أن الله لا يكشف لنا شيئاً نكون غير مستعدين لقبوله: “إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن” (يو 16: 12). وهكذا يتضح أن الله كشف لنا فقط عن تلك الأجزاء القليلة، من أموره العظيمة الهائلة، والتي يعتبرها ضرورية لخيرنا.

تحدث الانقسامات الكبيرة في أغلب الأحيان لأن الناس يجادلون فيما يعتقدون أنه توازن للحق غير المعلن. فعلى سبيل المثال، كثير من أنواع اللاهوت النظامي تأخذ موضوع سيادة الله ومسؤولية الإنسان إلى ما هو أبعد من حدود الإعلان، بواسطة استخدام المنطق.

وقد علق الأسقف التقي مول على هذه المشكلة بقوله: “دعونا مثل الكتاب المقدس، “نذهب إلى كلا النقيضين”؛ عندما سنكون أقرب ما يمكن – ربما بحسب ما يسمح لنا بذلك فكرنا المحدود في الوقت الحاضر – إلى الحق الكامل وهو يتحرك ليشكل محيط الدائرة الكاملة في الله”.[1]

نحن محدودون. حتى لو كان الإعلان شاملاً، لن نستطيع أن نفهمه بالكامل، وهذا لأننا محدودون، والحق غير محدود. فأفكار الله تبعد عن أفكارنا مثل بعد السماوات عن الأرض (إش 55: 9). لذلك فإن كل حكم نقوم به هو خارج هذا النطاق. إن لدينا قصر نظر، كما أننا محدودون في الوقت والمكان والمعرفة والخبرة والقدرات العقلية.

في أول مرة طرت فيها فوق جبال بلو ريدج، أدركت قدراً ضئيلاً من الاختلاف العظيم الذي تصنعه وجهة نظر الإنسان في رؤيته للأشياء. فالسماء حقاً شديدة البعد والارتفاع عن الأرض، وبعض الجبال المعروفة التي كانت تبدو شديدة العظمة، عندما تسلقتها أو قدت السيارة فوقها، لمن يكن ممكناً التفريق بينا بعضها البعض.

وفي الحقيقة أنني سألت الملاح، بعد أن عبرنا فوق هذا الجبل، عن الزمن الذي تبقى لنا للوصول إليه! فكل ما هو كبير أو صغير، يأخذ عندئذ معنى مختلفاً تماماً. عندها سألت نفس متعجباً إن كنا قد رأينا حقاً أي شيء من المنظور الإلهي – كما يراه الله، وكما سنراه نحن في يوم من الأيام! إننا بالتأكيد لا نرى أي شيء بصورة كاملة، فمجال رؤيتنا شديد الضحالة.

وعندما نركز على أمر واحد، فإن أموراً أخرى في الواقع الحقيقي يبدو أنها تخرج من مجال تركيزنا. الله وحده في مجال رؤيته غير المحدود هو الذي يمكنه أن يرى كل الواقع أمام عينيه. يعبر سي إس لويس عن محدودية الإنسان كالتالي:

خمسة حواس؛ فكر تجريدي؛ ذاكرة انتقائية عشوائياً؛ مجموعة هائلة من المفاهيم والافتراضات المسبقة التي من فرط كثرتها لا أستطيع أن أفحص أكثر من قلة قليلة منها – بل أني لا أعيها كلها مطلقاً. فكي هو قدر الحقيقة الكلية التي يمكن لمثل هذا الجهاز أن يستوعبها؟[2]

وقد كتب إيه دبليو توزر أيضاً عن هذا الموضوع:

يقول ماثيو أرنولد أن روح الإنسان هي مرآة مشدودة على حبل، تتحول مع كل نسيم في أي اتجاه، وهي تعكس دائماً ما هو أمامها، ولكنها لا تعكس أبداً أكثر من جزء صغير من الكل.

ويختلف حجم هذه المرآة من إنسان إلى آخر. لكن لا يستطيع أي إنسان أن يستوعب البانوراما الواسعة التي تقع أمامنا وحولنا. أما الأمر الأكيد فهو أن العملاق الفكري لديه مرآة أوسع، لكن حتى أوسع هذه المرايا يعتبر صغيراً بصورة تثير الشفقة.

لكن طالما أننا نعرف أن نظرتنا للحق جزئية، يمكننا أن نحتفظ بذلك الاتضاع الفكري الذي يتناسب مع هذه الحالة؛ فبمجرد أن تكون لدينا فكرة أن نظرتنا شاملة، عندئذ نصبح لا نطاق فكرياً. وبمجرد أن نصبح مقتنعين أن نظرتنا هي الوحيدة المعقولة، عندها تموت في الحال قدرتنا على التعلم.

في رأيي أن الوحدة بين المسيحيين لن تتحقق إلا قبل المجيء الثاني بوقت قصير. فهناك العديد من العوامل التي تعمل ضدها. لكن يمكن لقدر عظيم من الوحدة أن يتحقق إذا اقتربنا جميعاً من الحق باتضاع أعمق. فلا يوجد إنسان يعرف كل شيء، سواء كان قديساً أو عالماً أو مصلحاً أو لاهوتياً.[3]

إننا نعرف بعض العلم – كأطفال (1كور 13: 9-12). اقتربت إحدى المرات من ابنتي البالغة الرابعة من العمر وصديقتها وهما تبنيان أشكالاً بالمكعبات.

وسمعتهما تتشاجران مع بعضهما البعض، “أنه ليس بيت، إنه مدرسة”

“كلا إنه ليس مدرسة، إنه بيت”.

واستمر الجدال كثيراً، فابتسمت لنفسي، ثم بدأت أتساءل، ترى كم من مرة يبتسم أبونا السماوي وهو يرى اعلاناتنا العقائدية التي في كثير من الأحيان تذهب إلى ما هو أبعد من مجال معرفتنا؟ كانت كل من الطفلتين محقة في حدود رؤيتها – عندما حاولت كل منهما بناء بيت من المكعبات، لكنهما أصبحتا غبيتان عندما حاولتا الجدل فيما هو أبعد من نطاق خبرتهما المحدود.

لكن الأخبار السارة هي أننا لن نظل أطفالاً إلى الأبد، بل سوف ننضج ونصبح بالغين. إننا لن نصبح غير محدودين بالطبع، ولكننا سنعرف أكثر كمالاً، كما صرنا معروفين، عندما لن نعد ننظر في مرآة باهتة، بل وجهاً لوجه وعيناً لعين. “يرفعون صوتهم يترنمون معاً لأنهم يبصرون عيناً لعين عند رجوع الرب إلى صهيون” (إش 52: 8).

العقل المتضع الخاضع يرضى ويقنع عندما يصل أثناء دراسته لعقيدة ما، إلى مكان للانفصال، حيث ينفصل حق الله غير المحدود عن مجال الرؤية المحدودة ويأتي إلى ما وراء الحجاب، إلى ما هو غير محدود. عندها يكون السعي وراءه أو الحنق لانفصاله أمراً غير حكيم. فعندما يرى المرء حقاً مدى محدوديته مقابل خلفية من اللانهائية، يكون الاتضاع أمراً حتمياً، والجدل العقائدي مستحيلاً.

نحن ساقطون. إننا لسنا فقط محدودين، ولكننا ساقطون أيضاً. فالخطية قد أعمت وغطت رؤيتنا وفهمنا للإعلان الذي لدينا، لذلك فإننا قابلون للخطأ. “ومن المتوقع أن الروح القدس لا يعفي تماماً من الخطأ تلك الأذهان التي لم يطهر قلوب أصحابها بالكامل من الخطية”.[4]

إننا نختار التفسيرات التي تدعنا نفعل ما نرغب في فعله. كما أننا نقوم بتحريف وتغيير المعنى، وإلى العقلانية، إلى أن يصل الكتاب المقدس إلى أن يعني ما نريده أن يعنيه. كما أننا شديدو العناد والتشبث بآرائنا اللاهوتية. فرغباتنا الخاطئة وعنادنا يشوهان فهمنا لكلمة الله.

هذه العناصر الثلاث الأولى للاتضاع في دراسة الكتاب المقدس يجب أن تذكرنا أن الاتضاع والمحبة هي أكثر صحة وجاذبية من الجزم بالرأي بغطرسة. فالاعتراف السليم باللا أدرية أو بعدم العلم بكل ما يتخطى الحقائق المؤكدة، يحافظ على وحدة الروح بين أبناء الله، وعلى السلام الشخصي في قلب الإنسان. فلا يوجد شيء يكسر الوحدة بين الإخوة أو سلام الفرد الداخلي أكثر من الاختلاف في الرأي في المسائل التي تتعلق بعقائد الكتاب المقدس.

قال أوغسطينوس: “الوحدة، هي من الأساسيات؛ والحرية، من الأمور الثانوية؛ أما المحبة، فيجب أن تكون في كل شيء. “تأتي المشكلة بالطبع في الفصل بين الأساسيات والأمور الثانوية. فإن استطاع الفرد فقط أن يرضى بالحقائق العظيمة المعلنة بوضوح في كلمة الله، وأن يرفض أن يحرك مجرد رأي ما من وضعه في “الأمور الثانوية” إلى “الأساسيات”، فيالها من وحدة وتناغم واتساق وبركات تنتج عن مثل هذا الاتجاه!

لذلك يجب أن يكون الاتضاع فيما يتعلق بالمعرفة، اتجاهاً حتمياً عندما يواجه المرء الحقائق السابقة. ومع ذلك، فإني لم أجده حتمياً. كان يمكن أن يكون كذلك إذا كان الاتضاع هو نتيجة للمنطق وحده، ولكنه ليس كذلك، فالاتضاع هو من ثمر الروح. فمواجهة الحقائق بعقلانية هو أمر ممكن فقط بالنسبة للشخص الذي لديه قلب منكسر وتائب، والذي لديه إرادة خاضعة بالكامل لله.

نحتاج ذهناً مفتوحاً. إن التسليم الكامل هو أمر سلبي وإيجابي معاً. فسلبياً، هو يعني الانفتاح الكامل في القلب والفكر. ولكن في تطوره الكامل، لا يكون هذا الانفتاح في الذهن مجرد عقل يوافق على فكرة يتم اقتراحها، بل على العكس، إنه اتجاه متعمد يصعب تبنيه، ويصبح هو العامل المتحكم في تفكير الشخص.

مثل هذا الاتجاه الذهني لا يمكن استدعاؤه في مناسبة ما، ثم التخلي عنه عندما يحقق هدفه، بل هو عبارة عن استقامة وأمانة فكرية عميقة التأصل، تُعنى بحماس بالفحص الموضوعي لجميع البراهين لاكتشاف الحقائق واستبعاد أي شيء آخر دونها.

إن الانفتاح هو إطار فكري شديد الصعوبة في تطويره، رغم أن القليلين هم الذين يتعمدون إغلاق ذهنهم، وجميع الناس تقريباً يزعمون أن لديهم ذهن مفتوح. فأصعب شيء في الوجود هو أن يكون المرء أميناً ونزيهاً بالكامل في تفكيره الخاص، وأن يتمتع بصفاء وشفافية وسلامة الفكر.

وهذا لأن عدم الأمانة لا يكون عادة أمراً متعمداً، إذ أننا نرى الأشياء من خلال عدسات خبراتنا وتجاربنا، أو من خلال ما نقرأه ونسمعه، أو من خلال أسلوب حياتنا، أو من خلال نظام عقائدي قائم مسبقاً.

تتضح تلك الحقيقة من خلال التجربة المثيرة التي قام بها عالم بحث نفساني. فقد قام بوضع صورتين مختلفتين في مجسم، بحيث كانت العين اليسرى ترى مصارع ثيران؛ بينما ترى العين اليمنى لاعب بيسبول. ثم قام بسؤال بعض المكسيكيين وبعض الأمريكيين في التجربة أن ينظروا من خلال الجهاز ويقولوا ما رأوا.

فرأى معظم المكسيكيين مصارع الثيران، بينما رأى معظم الأمريكيين لاعب كرة البيسبول. فما في عقولنا غالباً ما يكون له علاقة بما نراه أكثر مما هو أمام أعيننا.

لذلك لا بد أن نقوم بتطوير شك سليم في أنفسنا وفي أفكارنا، ونظرة للكتاب المقدس تفصله عن فكرنا وخبرتنا الشخصية السابقة (بقدر الإمكان، بحسب ما هو متاح لنا كبشر)، لكي ندعه يتحدث ليس بما نعتقده بالفعل أو بما نريد أن نعتقده، بل بما يقوله الكتاب حقاً.

فالشك في أفكارنا الخاصة سيقودنا إلى الاستعداد لرفض حتى الأفكار التي تربينا عليها والتي اعتنقناها بعمق، وطرق المعيشة، والصداقات، والأفكار المرتبطة بهذه الأمور، دون تردد، بمجرد أن تأتي كلمة الله إلى بؤرة التركيز الواضحة.

إن القلب الخاضع المسلم لله يرغب في أن يعرف ما يقوله الكتاب المقدس، وليس ما يمكن أن نجعله يعنيه. فقبول المعنى الممكن، بدلاً من المعنى الأكيد، يتم دائماً بهدف صنع نظام ينسجم مع تفكير الشخص نفسه، لكن يجب ألا يفرض النظام على الكتاب المقدس قالبه المنطقي.

فالكتاب المقدس يعطي النظام كل ما يمكن له أن يأخذه بطريقة مشروعة، فإن احتاج النظام إلى المزيد لكي يكتمل، فيجب أن ينتظر النور الأكمل والأشمل في الأبدية. كما قال تشارلز سيميون من جامعة كامبريدج:

إن سعيي هو أن أستخرج من الكتاب المقدس ما هو موجود فيه، وليس أن أقحم عليه ما أعتقد أنه قد يكون فيه. إن لدي حماسة عظيمة لهذا الأمر، وهو ألا أتحدث أقل أو أكثر مما أعتقد أنه فكر الروح القدس في المقطع الذي أشرحه. وهكذا فإني لا أسعى لملاحقة شيء ما، ولا أتجنب أي شيء.

لا بد أن يكون لدينا استعداد للطاعة. إلا أن التسليم ليس مجرد انفتاح سلبي للذهن، ولكنه أيضاً رغبة واستعداد للإيمان والطاعة. ونرى هذا الأمر في الاتجاه الإيجابي، وهو جوع القلب الذي يسعى ويبحث عن الحق بشغف. فعندما يقترب المرء من الكتاب المقدس برغبة في التعلم والطاعة، فقط عندما يكون في وضع حرج، أو عندما يكون خائفاً من أن يقوم الكتاب بتغيير آرائه وتعديل سلوكه، فإن هذا الشخص يبرهن على عناده وقلبه غير الخاضع، ولا يمكنه أن يثق في أنه سيكتشف حق الله.

إن العقل الساعي بجدية لمعرفة الحق يفترض فرضيات جديدة ويفحصها ويختبرها بلا رحمة في الضوء الواضح لما يقوله الكتاب المقدس حقاً. فهو يقوم باستمرار بالفحص وإعادة الاختبار، ويرغب بالكامل في اكتشاف الحق الذي يتعارض مع ما يقر به التقليد. فيقوم عن عمد باستبعاد الآراء – حتى الآراء التي يتم اعتناقها بصورة واسعة – ويطلب فقط العودة إلى الأمور الموثقة بالبرهان الكتابي القوي.

فهو يخشى المستنقع الراكد للآراء المتعصبة، والعبارات والمصطلحات التقليدية التي تخفي أو تشوه العبارات الكتابية الواضحة، أو تلك التي فقدت صحتها ودقتها من خلال الاستخدام الشائع لها أو سوء استخدامها.

إن البحث المتحمس عن الحق الجوهري هو دليل على التسليم الإيجابي للقلب، الذي يعتبر والداً مسؤولاً عن مولد الاتضاع. وهذه الروح التي تسلم تسليماً غير مشروط يصحبه مواجهة أمينة للحقائق، تنتج الاتضاع. فالعقل المتضع لا يتطلع إلى العم الكلي المطلق، ولا إلى أية درجة يمكن قياسها فيه.

فهو يقوم بالبحث في الحقائق بفكر منفتح وخاضع، مدركاً الفارق بين الحقيقة القائمة وبين الأمور التي تخضع للاعتقاد أو الرأي، ويبقى كل منهما منفصلاً عن الآخر، ويقتنع بترك الأمور، التي لم يكشف عنها بوضوح، خارج مجال اليقينيات. كما يعلن المرنم عن ذلك بحكمة قائلاً: “يا رب لم يرتفع قلبي ولم تستعل عيناي ولم أسلك في العظائم ولا في عجائب فوقي. بل هدأت وسكت نفس كفطيم نحو أمه” (مز 131: 1-2).

وللتلخيص، يمكننا أن نقول إن الاتجاهات الثلاثة الأساسية لبناء نظام لاهوتي، هي:

1 – اليقين الكامل بأن المعرفة تكون مشروعة فقط عندما تقود إلى تغيير الهوية والسلوك.

2 – الوعي بأن المحبة تلخص وتجمع بين كل من الهوية والسلوك.

3 – الاتضاع العميق المبني على التسليم غير المشروط، والمواجهة الأمينة للحقائق الخاصة بمحدودية الإنسان ونظرته القاصرة والساقطة.

فبسبب السمة الجزئية للإعلان، ومحدوديتنا وقابليتنا للخطأ، وقلوبنا الخاطئة، يجب ألا نتطلع إلى الفهم الشامل لكل الحق، بل على العكس أن نؤمن بأن الأساسيات واضحة، يقول تيري: “إلى حد كبير، يعتبر معظم العهدين القديم والجديد شديد الوضوح بصفة عامة، بحيث لا يوجد مجال للجدال.

وتلك الأجزاء التي تبدو غامضة، لا تحوي أية حقيقة أو عقيدة أساسية لا تتواجد في مكان آخر بصورة أوضح”[5]. ولكي نميز ذلك الحق، سنقوم الآن بالتعرف على الإرشادات التي يجب اتباعها.

إرشادات لبناء لاهوت نظامي

ابن العقيدة الكتابية على التفسير السليم لكل نص

لا بد أن نقوم بتطبيق جميع الإرشادات التي كنا ندرسها حتى الآن، لأجل تحديد المعنى الذي قصده المؤلف في كل نص. وعملية التفسير هذه تشكل حجارة البناء لأية عقيدة أو مبدأ كتابي. هذا هو أول وأهم مبدأ إرشادي أساسي لبناء عقيدة أصيلة أو نظام عقائدي سليم.

إن الفكرة الشائعة عن العظات التي تتناول موضوعات، هي أنها تكون أكثر سهولة في إعدادها من العظات التفسيرية التي تكون مبنية مباشرة على تحليل مقاطع معينة. ومع ذلك فإن العظة أو الدراسة الموضوعية السليمة، أو البحث الذي يتعامل مع موضوع واحد من الكتاب المقدس، يكون في الحقيقة أكثر صعوبة في إعداده، حيث أنه يجب أن يتأسس على تفسير سليم لكل المقاطع التي تستخدم فيه.

بكلمات أخرى، فإن العظة التي تتعامل مع موضوع ما، لكي تكون عظة أصلية وسليمة حقاً، لا بد أن تمثل فهماً شديد الاتساع للعديد من مقاطع الكتاب المقدس. لكن بالنسبة للدراس الناضج للكتاب المقدس الذي يكون قد قام بالفعل بدراسة دقيقة لمعظم المقاطع الخاصة بالموضوع، قد لا يكون إعداد عظة موضوعية أمراً شديد الصعوبة، لكن إلى أن تتم هذه العملية الدقيقة، يجب اتخاذ الحيطة الشديدة عند تطوير وإعداد موضوع من عدة نصوص كتابية.

ابن العقيدة من خلال الكتاب المقدس بأكمله

أما ثاني مبدأ إرشادي لبناء هيكل عقائدي سليم فيهو يستخدم الإرشادات التي أوضحناها في الفصل السابق. فلا يصلح أن نبني عقيدة على مقطع واحد فقط، أو على عدد قليل من المقاطع التي تتحدث عن موضوع معين. وعلى الرغم من أن المنهج الأساسي تم عرضه في الفصل السابق، إلا أن العديد من الإرشادات تحتاج إلى أعادة توكيدها والتركيز عليها مرة أخرى.

لا بد أن يتم تجميع البيانات وتنظيمها. يجب التعرف على جميع البيانات الخاصة بالموضوع الذي تدرسه. وبعد ذلك، يجب تنظيم هذه البيانات داخل وحدة متسقة بحيث تتضح العلاقة بين العناصر المختلفة للمبدأ الكتابي. ولكي نقوم بذلك، يجب التفكير في كل المقاطع الموازية والمشابهة، وفحص كل المقاطع التي تحوي تعليماً مماثلاً، ودراسة كل المقاطع التي تحوي تعليماً مناقضاً، وتكميلها معاً.

بكلمات أخرى، كل شيء يقوله الكتاب المقدس عن هذا الموضوع لا بد من وضعه في الاعتبار وتحت الدراسة. فعندما نترك بعض المقاطع الجوهرية أو بعض عناصر الحق الذي يكشفه الله، فإن هذا يؤدي إلى تشويه ذلك الحق.

عندما يتم تجميع جميع البيانات، يجب أن يتم تنظيمها داخل وحدة متسقة حتى يمكن رصد الأمور غير المتفقة، والتعرف على الكلمات التي حذفت، والتوصل إلى التوازن الكتابي.

فمثلاً، عند التعرف على جميع التعاليم المرتبطة بموضوع أن نحيا كما عاش المسيح، يكون من الضروري أن ندرس على الأقل ثلاثة أمور رئيسية في هذا الموضوع: مقياس الله للحياة المسيحية، تدبير الله لعيش الحياة المسيحية، ومسؤولية الإنسان في التعامل مع تدبير الله. ويمكن أن يتعامل موضوع مقياس الله مع قسمين أساسيين، هما: الأخلاقيات الكتابية الشخصية والأخلاقيات الكتابية الاجتماعية.

ومن ضمن الأخلاقيات الكتابية الشخصية، يجب أن تكون المحبة واحداً ضمن العديد من المقاييس التي يجب التفكير فيها. ولكن موضوع المحبة نفسه، يتم التعامل معه في الكتاب المقدس بصورة موسعة ويتطلب دراسة دقيقة. فلكي نفهم المحبة الكتابية تماماً، لا بد أن نقوم بالتعرف على الآتي: العلاقة بين المحبة كاسم يصف كيف يشعر المرء، وبين المحبة كفعل يصف كيف يتصرف المرء؛ وكيف يجب تعريف المحبة؛ وأساس المحبة الكتابية؛ وموضوعات المحبة الكتابية؛ وبرهان المحبة؛ وحدود المحبة.

وبالتالي، يصبح هذا الأمر واحداً من ضمن العديد من العناصر الأخرى في التفكير اللاهوتي في الأخلاقيات الكتابية الشخصية، التي تعد جزءًا من موضوع أكبر عن الأخلاقيات الكتابية أو المقاييس الأخلاقية. ومرة أخرى نجد أن موضوع المقاييس الكتابية بأكمله، هو مجرد جزء فقط من الموضوع الأشمل لعيش الحياة المسيحية (عقيدة التقديس).

وفي النهاية يبدأ دارس الكتاب المقدس في بناء وحدة متناسقة من خلال أحجار البناء التي جمعها، والتي هي عبارة عن الحقائق الفردية التي اكتشفها في المقاطع المتنوعة التي قام بدراستها.

فإن لم يتم اعتبار المحبة جزءًا من مقياس الله للحياة المسيحية، أو إذا كان التعليم عن المحبة يتناول جزءًا واحداً فقط من المعلومات الكتابية عن هذا الموضوع، يمكن أن يتكون لدى المرء مقياس مشوه في التعليم الخاص بالحياة المسيحية. لذلك يجب أن يشمل المقياس التعليم الكتابي الكامل الخاص بموضوع ما، ويجب استخدام جميع البيانات المتوفرة لدينا حوله.

يجب التعامل بطريقة نظامية مع مبدأ كتابي محدد. يجب أن يرتبط المبدأ أو الموضوع الكتابي المحدد بجميع التعاليم الأخرى التي يمكن أن تؤثر على ذلك المبدأ الكتابي المعين. وبهذه الطريقة، يتم دمج النواحي المتنوعة من هذا المبدأ داخل ما يكن أن نطلق عليه لاهوت نظامي. فمثلاً، في المبدأ الكتابي الخاص بالحياة المسيحية الذي ذكرناه سابقاً، لا يمكننا أن نحصل على الفهم الكامل له بدون التفكير في النواحي الأخرى لهذا المبدأ، مثل عقيدة الخلاص.

فكيف يرتبط الغفران والتبرير والتجديد والمبادئ الكتابية الأخرى للخلاص، بالحياة المسيحية الكتابية؟ أو لنفكر مثلاً في طبيعة الله. إن كانت مشيئة الله أن يتم استعادة شبهه الأخلاقي في البشر الذين خلصهم، أليس من الضروري أن ندرس طبيعة الله الأخلاقية لكي نفهم بالكامل كيف يرغب الله أن يكون عليه الشخص المسيحي، وكيف يرغب في أن يسلك؟

لذلك فمن أجل الفهم الكامل لموضوع أو لمبدأ كتابي معين، يجب أن نربطه بكل الموضوعات الكتابية الأخرى التي تؤثر فيه.

تختلف البيانات من حيث أهميتها. ليس لجميع البيانات نفس الأهمية في بناء الموضوع أو المبدأ الكتابي إلا أن جميع البيانات الخاصة بموضوع ما يجب وضعها في الاعتبار، وذلك الموضوع يجب أن يرتبط بموضوعات أخرى تتعلق به. ومع ذلك فيجب ألا تعطى نفس الأهمية لكل نص يقدم حجر بناء في هذا المبدأ الكتابي. لذلك فهناك أربعة معايير يتم تطبيقها في تقديم أهمية البيانات التي لدينا:

1 – يجب تفضيل المقطع الواضح عن المقطع الغامض. فإن لم يكن الأمر الذي قصده المؤلف واضحاً تماماً، ويكون المفسرون عندها في حيرة بشأن معناه، عندها لا يكون هذا النص مثالياً كحجر بناء للمبدأ الكتابي. فيجب أن يرتكز ثقل المبدأ أو التعليم الكتابي على أساس صلب لتعليم واضح. فمثلاً، الآية الموجودة في 1بط 3: 19، هي آية شديدة الصعوبة في فهمهما، وتوجد في مقطع شديد الصعوبة كذلك: “الذي فيه أيضاً ذهب فكرز للأرواح التي في السجن”.

واجه الكثيرون من المفسرين صعوبات كبيرة في التعرف على المعنى الأكيد لهذه الآية، واتفق على معناه عدد قليل من المفسرين. وهكذا، فعندما نبني مبدأ كتابي مهم مثل فكرة المطهر على مثل هذا النص الغامض، لا يكون هذا البناء على أساس صلب.

لكن دعونا نلاحظ أن كلمة غامض لا تعني “غير متفق مع نظامي”. فالمقاطع الغامضة هي تلك المقاطع التي يكون فيها المعنى غير واضح، حتى مع الاستخدام الجاد لإرشادات تفسير الكتاب المقدس. فالمقاطع التي بها هذا النوع من الغموض يجب ألا تكون هي الأساس لبناء المبدأ الكتابي.

2 – يجب إعطاء أهمية أكبر للتعاليم التي تتكرر كثيراً. ليس من الحكمة أن نبني مبدأ كتابياً على نص منفرد – رغم أنه من الحقيقي أن الله لا يحتاج أن يتكلم مرتين لكي يجعل عباراته جديرة بالثقة. لكن يجب إعطاء أهمية أكبر للتعاليم التي تتكرر كثيراً ويتم التركيز عليها في الكتاب المقدس.

“يمكن إلغاء الحجة من كل نص، أو استبعادها بصورة كبيرة، عندما تكون منفردة؛ لكن العدد الكبير والمتنوع من مثل هذه الدلائل والحجج، عندما يتم التعامل معه ككل بحيث يظهر تناسقاً واضحاً، لا يجب استبعاده.”[6]

يمكن للشاهد الموجود في أعمال 22: 16 أن يبدو وكأنه يعلم عن التجديد بالمعمودية: “والآن لماذا تتوانى. قم واعتمد واغسل خطاياك داعياً باسم الرب”. ولكن الكم الكبير من تعاليم العهد الجديد الخاصة بأساس خلاصنا يبدو أنه يعرف الإيمان بأنه المعيار الوحيد للخلاص. وهكذا فإن العقيدة، وخاصة مثل هذه العقيدة الرئيسية، يجب أن تبنى على أساس واسع يتكون من العديد من النصوص والتوكيدات الكتابية. وهكذا فإن إجماع شهادة العديد من المقاطع يقدم أساساً صلباً للمبدأ الكتابي.

3 – التعليم المباشر والحرفي يجب أن تكون له الأولوية. يجب أن يبنى المبدأ الكتابي على أساس صلب وأكيد من المقاطع الحرفية التي تحوي تعليماً مباشراً. فيجب ألا يبنى على مقاطع مجازية أو شعرية أو تاريخية، إلا إذا كانت هذه اللغة المجازية أو تلك المقاطع التاريخية يتم تفسيرها حرفياً بواسطة الكتاب المقدس نفسه.

لذلك فليس من الضروري أن يتم استبعاد المقاطع التاريخية أو المجازية من الاعتبار في بناء المبدأ الكتابي، بل يجب أن يتم استخدامها بحذر شديد. أما بالنسبة للإرشادات الخاصة باستخدامها فسيتم دراستها فيما بعد.

4 – الإعلان اللاحق يأخذ أسبقية عن الإعلان السابق في بناء المبدأ الكتابي. رغم أنه قد لا يكون من السليم استخدام العهد الجديد كأساس لمبدأ كتابي بصورة مستقلة عن تعاليم العهد القديم، إذ أن إعلان العهد الجديد ينمو من العهد القديم، وحتى المصطلحات التي تستخدم فيه هي مشتقة في الأساس من استخدام العهد القديم لها، إلا أن العديد من تعاليم العهد القديم حلت محلها تعاليم العهد الجديد، بسبب تطور الفداء في التاريخ وتطور الإعلان في الكتاب المقدس.

لذلك يجب إعطاء أهمية أكبر للإعلان اللاحق، خاصة عندما يحل إعلان العهد الجديد محل إعلان العهد القديم، كما في حالة عمل المسيح الفدائي.

لكن هذا لا يعني أن تعليم العهد القديم يجب تركه جانباً بدون تصديق العهد الجديد عليه. ولكنه يعني حقاً أن بنية المبدأ المسيحي يجب أن تقوم أساساً على العهد الجديد وعلى تعاليم العهد القديم ومقاطعه التي تركز وتقدم أساساً لتعاليم العهد الجديد. وقد أوضح المسيح ذلك بجلاء في متى 5: 21-22: “قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تقتل، ومن قتل يكون مستوجب الحكم.

وأما أنا فأقول لكم: إن كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب الحكم، ومن قال لأخيه: رقا، يكون مستوجب المجمع، ومن قال: يا أحمق، يكون مستوجب نار جهنم.”

ومع ذلك فإن تعاليم العهد الجديد يمكن أن يتم فهمها بطريقة سليمة فقط عن طريق الإعلان الأسبق، كما أكد المسيح على ذلك بقوله: “لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل”. (متى 5: 17-18).

ينسب الكتاب المقدس لنفسه فقط الحق والسلطان، فهو لا يمنح أي منهما لأية كتابات أخرى. فالكتاب المقدس وحده هو الذي يُلزم ضمير المؤمن، والكتاب المقدس وحده هو الذي يجب أن يكون أساس كل بنية لاهوتية.

لا تبن مبدأ على استدلال أو استنتاج. إن القوى العقلية هي عطية من الله، ومهمتنا هي أن ندرس بدقة لكي نستطيع أن نتعامل بصورة سليمة مع كلمة الله. لكن حيث أن الإعلان محدود للغاية، فمن المحتم أن تظهر العديد من الفجوات في أي نظام يسعى إلى الكمال أو الشمولية. فقد يكون من المشروع أن نستنتج منطقياً العناصر المفقودة، لكن إن كان الكتاب المقدس هو سلطتنا الوحيدة، يجب ألا نستخدم الاستنتاج المنطقي مع السلطة الإلهية.

فمثلاً، يعلم الكتاب المقدس أن الله الآب هو الإله الواحد الوحيد، كما أنه يعلم كذلك أن يسوع المسيح هو ابن الله، وأن الروح القدس هو الله. فكيف يمكن لهذا التعاليم أن ترتبط ببعضها البعض؟ من الضروري أن نسعى للتوصل إلى وحدة متسقة، وأن نبني نظريات عن كيفية الربط بين الثالوث وبين الوحدة الإلهية.

الحقيقة هي أن عقيدة الثالوث هي نموذج لمثل هذا الاستنتاج، فالطريقة التي بها يرتبط الثالوث معاً في النهاية ليست معلنة في الكتاب المقدس، لذلك فإن نظرياتنا لربطهم معاً يجب أن نعتنقها باعتبارها مؤقتة أو غير نهائية.

فعند القيام ببناء لاهوت نظامي، استطاع القليلون أن يقاوموا إغراء عبور هذه الفجوة بالاستنتاجات المنطقية. لكن أن نبني بنية فوقية على استدلال مأخوذ من البيانات المحدودة في الكتاب المقدس، ثم أن نطلب الاتفاق عليها باعتبارها حق الله الأكيد، فهذا معناه أننا لا نسمح للكتاب المقدس نفسه بأن يكون هو السلطة النهائية. يعبر تيري عن هذا الأمر جيداً بقوله:

معظم الاختلافات الكبيرة في العقائد المسيحية نشأت نتيجة محاولة تعريف ما لم يعرف الكتاب المقدس.[7]

لكن الكتاب المقدس يحوي كل ما هو ضروري للخلاص؛ لذلك فإن كل ما ليس موجود فيه، ولم يتم اثباته فيه، ليس من المطلوب من أي إنسان أن يؤمن به كبند من بنود الإيمان، أو يحسب من المتطلبات الضرورية للخلاص.[8]

إنني لا أنتقص من حتمية وقيمة “ملء” نظام مبني على بيانات ومعلومات كتابية بأجزاء من المنطق إلا أننا يجب أن نصر على عدم استخدامه مع السلطة الكتابية.

لا تبن مبدأ كتابي على التقليد. من المفيد للغاية أن ندرس تاريخ العقيدة أو تاريخ عقيدة محددة. فمعظم الهرطقات تم ابتداعها بالفعل ودحضها. لكن ليس من الضروري لكل دارس للكتاب المقدس أو حتى لكل جيل، أن يعيد الكرة بدراسة هذا التاريخ مرة أخرى.

فمن الحكمة أن نبني على جهود أولئك الذين سبقونا، فإن كان اتجاه الاتضاع يميز دارس الكتاب المقدس، فإنه لن يستخف بجهود الآخرين أو يفشل في إدراك عمل الروح القدس في كنيسته. لكن في التحليل النهائي، يجب أن تبنى العقيدة على الكتاب المقدس بمفرده، وليس على تقليد ما، مهما كان قدر القداسة الذي أسبغ عليه بالزمن أو مدى سعة انتشاره.

إن المفسر النظامي لعقيدة الكتاب المقدس يتوقع منه أن يعرض، بتحديد واضح ومصطلحات دقيقة، مثل هذه التعاليم، باعتبار أن لها ضمان أكيد في كلمة الله. لذلك يجب ألا ندخل على نص الكتاب المقدس أفكار أزمنة لاحقة، أو أن نبني على أية كلمات أو مقاطع عقيدة لا تقوم بتعليمها من الأساس.[9]

لا تبن مبدأ كتابي على أية مصادر خارجية أخرى. كما رأينا من قبل، لقد تم إعطاء الكتاب المقدس لنا لأجل غرض محدد – وهو إعلان خلاص الله – فهو غير مصمم لكي يعلمنا كل ما يختص بمعرفة الله أو حتى الناس. لذلك فإن الإنسان، المخلوق على صورة الله والذي أوكل إليه أن يشارك في رعاية جزء من خليقة الله (تك 1: 28)، يجد أن مجده في أن يبحث عن المعرفة (أم 25: 2).

إلا أن مثل هذا التحقيق والتنظير التجريبي لا يمكن استخدامه بنفس السلطة باعتباره إعلان من الله، ولكنه يمكن بالتأكيد أن تكون له فائدة عملية للبشرية.

كيف يرتبط ذلك ببناء لاهوت نظامي؟ إنه أمر سليم تماماً أن نلجأ إلى التجربة البشرية والتحقيق العلمي للتحقق من التفسيرات التقليدية للكتاب المقدس. فالتفسيرات التقليدية للكتاب المقدس التي كانت تعلم أن الأرض هي مركز الكون، تم تحديها علمياً، وهكذا تم إعادة فحص الكتاب المقدس.

كما أنه أمر سليم تماماً بالنسبة للإنسان أن يدرس عملياته الذهنية وعلاقاته الاجتماعية الخاصة لكي يميز طرقاً أفضل للحياة الفعالة. ولكنه ليس من المنطقي أن يستخدم مصادر غير كتابية مثل السجلات التاريخية غير الكتابية، والنظريات العلمية، أو الخبرات البشرية لتحل محل التعليم الكتابي الواضح.

فتلك المفاهيم المأخوذة من مصادر غير كتابية يجب ألا تختلط مع البنية العقائدية كما لو كانت جزءًا من حق الله المعلن السلطوي. بعض من هذا المزج الشخصي يكون حتمياً، لكن الدارس الحريص يظل منتبهاً حتى يستعبد ذلك بقدر الإمكان. فلكي نقوم ببناء نظام سلطوي للحق الإلهي المعلن، لا بد أن نحتفظ بالبنية العقائدية، متميزة عن أية بنية علمية أو ثقافية أو تقليدية أو فكرية أخرى.

من الصواب بالنسبة لنا أن نطرح أسئلة عن الكتاب المقدس متعلقة باختبارنا البشري. فمثلاً، ربما أكون قد استنتجت من الكتاب المقدس مبدأ يقول إن الشفاء الجسدي يحدث دائماً للشخص الذي لديه إيمان. لكن بفحص اختبارات المسيحيين عامة، واختبارات الناس الذي يعلمون عن المبدأ بأكثر قوة، نكتشف أن أولئك الذين يبدو أن لديهم إيمان قوي، في معظم الأحيان، لا ينالون الشفاء.

تلك الحقيقة بمفردها يجب ألا تتسبب في جعل الشخص يرفض هذا المبدأ، وذلك لأن الخبرة البشرية ليس هي الحكم الأخير في القضية. ومع ذلك، فإنه من السليم تماماً بالنسبة للمسيحي أن يعيد فحص الكتاب المقدس لكي يرى إن كان الاعتقاد الذي يعتنقه هو تعليم كتابي بالحق أم لا.

يجب أن يعكس المبدأ الكتابي تركيزاً وتأكيداً كتابياً. إن خدمة التبشير والتعليم يجب أن تركز على تلك العناصر من الحق الكتابي التي يحتاجها السامعون أكثر. فالتعليم الكتابي القوي عن عدم التقيد بحرفية الناموس قد لا يكون مناسباً للسامع الذي يكون بالفعل غير مقيد بالشريعة، لكن التركيز في تلك الحالة يمكن أن يكون على الشريعة. لكن بالنسبة للسامع الذي لديه شعور بالذنب، يكون التعليم عن عدم التقيد بحرفية الشريعة هو الأمر الأكثر ملائمة للتركيز عليه.

وقد يكون من المستحيل الفصل تماماً بين عملية تفسير الكتاب المقدس وتطبيقه. فالسياق الحالي لدارس الكتاب المقدس يؤثر حتمياً على عمله في الكشف عن معنى الكتاب المقدس في سياقه القديم. وهكذا فالتفسير والتطبيق دائماً ما يؤثر أحدهما على الآخر. ولكن هذا التأثير يجب أن ينتج تدرجاً تصاعدياً يتجه نحو المزيد من الفهم والطاعة لمشيئة الله.

كما أن المواقف الحالية قد تطرح أسئلة على سياق الكتاب المقدس القديم، ونوع هذه الأسئلة تؤثر على الطريقة التي تأتي بها الإجابة، حتى بالنسبة لأكثر الدارسين موضوعية وحذراً. وهكذا بالنسبة للشخص الملتزم بسلطة الكتاب المقدس، فإن طاعته للحق الذي تم اكتشافه في الكتاب المقدس يعمل على الفور على تغيير موقفه الشخصي، بحيث يصبح نوع السؤال المطروح على الكتاب المقدس بعد ذلك مختلفاً عن السؤال الذي تم طرحه من قبل. لذلك فإن كل دورة من التفاعل ستقود المرء أقرب تجاه الحق.

وهكذا يؤثر السياق والمحيط الحالي على مجال تركيز المرء. ومع ذلك، في البنية العقائدية للمرء، يجب على الدارس أن يتبع الإرشادات الخاصة بالتركيز على ما يركز عليه الكتاب المقدس. فالحقيقة أنه ليس من السهل فقط، بل من الشائع أيضاً أن يتم تشويه تعاليم الكتاب المقدس ببساطة عن طريق التركيز على عنصر أو جانب واحد فقط من الحق، والفشل في التركيز على جانب آخر. وهذا بالفعل واحد من أكبر مصادر الخلافات والاختلافات الطائفية.

فمثلاً، لقد كان بولس يحاج المسيحيين في كورنثوس لأنهم كانوا يركزون كثيراً على موهبة الألسنة بحيث كانوا يشوهون العقيدة الكاملة الخاصة بالمواهب والقدرات التي يعطيها الروح القدس وخدمة الكنيسة. وهكذا فإن أي تعليم ثانوي في الكتاب المقدس، أو حتى استنتاج مبني على معلومات كتابية، يمكن أن يتم التركيز عليه بصورة كبيرة بحيث يصبح أساساً للانقسام في جسد المسيح.

دعونا نفكر أيضاً في مثال آخر. بالنسبة للمسيحي الذي يتصرف مثل غير المسيحيين، هناك عدة أمور ضرورية بالنسبة له. فهو يحتاج أن يعود إلى العلاقة التي كانت له من قبل، بالثقة في يسوع المسيح كسيد على حياته، ويطلق على هذه العودة مصطلح “اختبار الأزمة”. وهذا التحول هو أمر ضروري بالفعل، ولكن من الممكن أن يكون التركيز على هذا الالتزام والتسليم أو التوبة شديداً، بحيث يتم تجاهل بقية العقيدة الكاملة للنمو المسيحي، ويتم تشويه القوة الشاملة للتعليم الخاص بالحياة المسيحية.

ومن ناحية أخرى، من الممكن التركيز على النمو المسيحي فقط وتجاهل العلاقة الأساسية مع الله، بحيث يفترض الناس أنهم ينمون، بينما هم في الحقيقة ليسوا في وضع النمو على الإطلاق.

في هذين المثالين التوضيحيين، لم يتم تبني أي تعليم باطل داخل نظام المبادئ الكتابي، ومع ذلك فإن التركيز الخاطئ، أي الذي لم يكن هو تركيز الكتاب المقدس نفسه، يكون له نفس النتيجة النهائية – وهي تشويه الحق الكتابي.

لذلك يجب أن يتم بناء المبدأ الكتابي على الأساس الصلب لما يعلمه الكتاب المقدس، لأن هذا التعليم وحده هو الذي له سلطان من الله لكي يدعم المبدأ الكتابي. أما الاستنتاج والتقليد والخبرة البشرية والسجلات التاريخية غير الكتابية والنظريات العلمية فهي جميعها مصادر قيمة ومفيدة للمعرفة، ولكنها كلها قابلة للخطأ، ولا يمكن أن يتم دمجها كجزء من بنية المبادئ الكتابية التي لها سلطان باعتبارها الحق الإلهي المعلن.

ملخص

يمكننا أن نقوم بثقة بتجميع كل ما يعلمه الكتاب المقدس حول موضوع ما، أو كل ما يكشفه الكتاب المقدس عن الحق الإلهي، وننظمه داخل وحدة متسقة. ويمكن أن نقوم بذلك عن طريق إقامة المبدأ الكتابي على أساس:

(1) التفسير السليم لكل مقطع.

(2) على أساس الكتاب المقدس كله.

(3) وعلى أساس الكتاب المقدس وحده.

كانت الدراسة اللاهوتية في القرون السابقة تعتبر “ملكة العلوم”. وربما لا يكون هذا الأمر بعيداً تماماً عن الواقع، فالدراسة اللاهوتية للموضوعات قد لا تكون أمراً يطلبه الكتاب المقدس، ولكن الكتاب المقدس يسمح بها بالتأكيد، كما تتطلبها حالتنا البشرية.

فهي تساعدنا على فهم حق الله ومشيئته لنا بصورة أشمل، بل أنها تساعدنا أيضاً على تفسير المقاطع الفردية بدقة أكثر، لأن الكتاب المقدس يتم فحصه في ضوء بعضه البعض. “بنورك نرى نوراً” (مز 36: 9). وبرغم أن دراسة الموضوعات والمبادئ الكتابية لا تحل كل المشاكل، إلا أنها تحل بالفعل الكثير من المشاكل الظاهرية في الكتاب المقدس.

 

مراجع مختارة للمزيد من الدراسة

– ديفيز، جون جيفرسون. Handbook of Basic Bible Texts: Every Key Passage for the Study of Doctrine and Theology. Grand Rapids: Zondervan، 1984.

– إلويل، والتر إيه، محرر. Evangelical Dictionary of Theology. Grand Rapids, Baker، 1984.

– جونستون، روبر كي، محرر. The Use of the Bible in Theology: Evangelical Options, Atlanta: John Knox,، 1985.

[1] إتش سي جي مول، (London: Pickering & Inglis) Romans، صفحة 306.

[2] سي إس لويس، (London: Faber and Faber, 1961) A Grief Observed، صفحة 51.

[3] إيه دبليو توزر، Our Imperfect View of Truth, The Allianess,، 11 مارس 1959، صفحة 2.

[4] جورج سالمون، Infallibility of the Church (Grand Rapids: Baker, 1957)، صفحة 285.

[5] ميلتون إس تيري، Biblical Hermeneutics (Grand Rapids: Zondervan, 1974)، صفحة 583.

[6] نفس المرجع السابق. صفحة 587.

[7] نفس المرجع السابق، صفحة 585.

[8] نفس المرجع السابق، صفحة 583.

[9] نفس المرجع السابق.

اتساق وترابط الحق – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

وحدة الكتاب المقدس – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

وحدة الكتاب المقدس – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

وحدة الكتاب المقدس – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

وحدة الكتاب المقدس – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

المبدأ الإرشادي: قارن الكتاب المقدس ببعضه البعض لإلقاء الضوء على كل مقطع، واكتشف وحدة تعاليمه.

مقدمة

حيث أن الكتاب المقدس حق وصحيح في كل أجزائه، فعندما نقوم بدراسة مقطع معين، يجب على الدارس أن يسعى لوحدة ذلك المقطع مع كل التعاليم الكتابية الأخرى المرتبطة به. فلا يصلح أن نحدد معنى مقطع بصورة مستقلة عن بقية الكتاب المقدس. في بعض الحالات، عندما نقوم بذلك، يمكننا أن نجد تعليماً كتابياً يتناقض مع تعليم كتابي آخر دون مبرر. لكن بدلاً من ذلك، يجب على الدارس أن يتعامل مع الكتاب المقدس باعتباره أفضل شرح للكتاب المقدس نفسه.

وكما قال المصلحون، يجب أن يتم تفسير الكتاب المقدس بواسطة الكتاب المقدس نفسه. فعندما نقارن مقطعاً ندرسه بمقاطع أخرى فإن ذلك في الأغلب سيقوم بتوضيح المعنى وتصحيح سوء الفهم الأولي، أو بتكميل التعليم كجزء من الكتاب المقدس ككل.

فمثلاً، عندما نكتشف أن “ملكوت الله” يستخدم بواسطة واحد من كاتبي الأناجيل، وفي نفس القصة يتحدث كاتب إنجيل آخر عن “ملكوت السماوات”، فإن معنى كلا المصطلحين يصبح أكثر وضوحاً (انظر متى 13: 31 ومرقص 4: 26-31). فهذه المصطلحات يجب ألا تعني شيئاً مختلفاً عندما يستخدمها المؤلفون المختلفون للكتاب المقدس كمترادفات. فالموعظة على الجبل مثلاً، لا يمكن أن ترجع إلى “ملكوت سماوات” في الماضي أو المستقبل مختلف عن “ملكوت الله”.

والأمر الآخر هو أنه يمكن للمرء أن يأخذ تعليم المسيح عن الصلاة المستجابة، “لكي يعطيكم الآب كل ما طلبتهم باسمي” (يو 15: 16)، باعتباره وعداً غير مقيد. لكن دراسة التعاليم الأخرى الخاصة بالصلاة، في مقاطع أخرى، سوف تقوم بتصحيح الفهم الأولي الظاهر ووضعه في منظوره الصحيح كجزء من التعليم الكتابي الكامل عن الصلاة، خاصة فيما يتعلق بالصلاة المستجابة.

وهكذا، في سعينا نحو وحدة تعاليم الكتاب المقدس، لا بد أن نفكر في ثلاثة أنواع من النصوص الكتابية: المقاطع المتوازية، والأفكار المتشابهة، والأفكار المتضادة.

المقاطع المتوازية

المقاطع المتوازية هي عبارة عن مقطعين أو أكثر يرويان نفس الحدث أو يقدمان نفس التعليم. فمثلاً، عندما يتم رواية حديث ليسوع في اثنين من البشائر، فإن هذين المقطعين يعتبران متوازيان. كما أن نفس الحدث الذي يدون في صموئيل الأول أو الثاني أو في أخبار الأيام الأول أو الثاني، يعتبران متوازيان.

لذلك لا بد أن نقوم بدمج كل عناصر المقاطع التي تدون نفس الحدث لكي نصل إلى التوافق، بينما لا يكون هذا الأمر ضرورياً بالنسبة للمقاطع التي يكون بها تشابهات فقط. فعندما تحوي المقاطع فقط أفكاراً متشابهة، فإننا نسعى للمزيد من النور في تفسير كل مقطع، ولكننا يجب ألا نضع هذه المقاطع في توازي قاطع مع بعضها البعض.

المقاطع المتوازية بواسطة نفس المؤلف

الخطوة الأولى في تحديد المقاطع المتوازية هو البحث عن مقاطع متوازية بواسطة نفس المؤلف. إذ يميل المؤلف إلى استخدام نفس مصطلحاته وتعبيراته، وفي بعض الأحيان يكرر نفس التعليم. فمثلاً، مقارنة واحدة من رسائل بولس بأخرى يمكن أن تساعد كثيراً في تحديد معاني الكلمات والتعبيرات والمقاطع بأكملها. فأفسس 6: 5 – 9، وكولوسي 3: 22 – 4: 1، يلقيان الكثير من الضوء على أحدهما الآخر، إذ يتعامل كل من المقطعين مع موضوع السادة والعبيد.

فنتيجة الأمانة أو عدم الأمانة من جانب كل من العبد أو السيد يتم التعامل معه فقط من وجهة نظر إيجابية في أفسس، مما يجعل الأمر غامضاً بالنسبة لتعليماته إلى السادة. بينما في كولوسي يقدم بقوة ووضوح شديدين النتائج السلبية للفشل في تلك العلاقة “أيها السادة قدموا للعبيد العدل والمساواة” (كو 4: 1). وهكذا يقوم كل مقطع بإلقاء الضوء على معنى المقطع الآخر وتوسيع معناه.

المقاطع المتوازية بواسطة مؤلفين مختلفين

كل من الأحداث التاريخية في كثير من الأحيان بتغطية نفس الحدث. فصموئيل الأول والثاني، وملوك الأول والثاني، يمكن مقارنتهم بأخبار الأيام الأول والثاني في كل النقاط تقريباً. فقد تم كتابة أخبار الأيام الأول والثاني لتقديم تركيز أكبر على المعنى الروحي للأحداث التاريخية. فمثلاً، بشأن عقاب داود لعده لشعب إسرائيل، قد يعتقد البعض أن الدراسات الإحصائية لتحليل نمو الكنيسة هي ضد إرادة الله. لكن ذلك التفسير يصبح قابلاً للشك تماماً عندما تتم دراسة الروايات الموازية في صموئيل الثاني 24 وفي أخبار الأيام الأول 21، للحصور على صورة مجمعة لكل العناصر الداخلة في هذه العملية.

وفي العهد الجديد، تقوم الأناجيل برواية حياة المسيح من زوايا مختلفة. لذلك فعندما تتم دراسة نفس الحدث في أكثر من إنجيل، تزيد وتتضح أهمية هذا الحدث المحدد. فمثلاً، بالجمع بين روايات القيامة في الأناجيل المختلفة، فإننا نحصل على فهم هائل، ويمكن أن يساعدنا هذا الأمر في تصحيح الكثير من التفسيرات الخاطئة المحتملة لتلك الروايات لو أننا تعاملنا مع كل منها بمعزل عن الأخرى.

الأفكار المتشابهة

كثير من المقاطع لا تكون متوازية، من حيث أنها لا تروي نفس الحدث، لكن يكون لها نقاط متشابهة. على سبيل المثال، علم يسوع تلاميذه أنه “إن كان أحد يأتي إليّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته حتى نفسه أيضاً فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً” (لو 14: 26). يعتبر هذا مقطعاً صعباً بالنسبة للناس في أي مجتمع، ولكنه يكون أصعب بوجه خاص في مجتمع شرقي، حيث تكون مشيئة الله بأن يكرم الأبناء والديهم هي في الأغلب الوصية العظمى.

إننا سنقوم فيما بعد بدراسة الإرشادات الخاصة بالتعامل مع التعاليم المتضادة، ولكننا عند هذه النقطة نلاحظ أن المعنى الذي يقصده المسيح يتضح عندما تتم مقارنته بالمقاطع الأخرى التي بها نقاط مشابهة. ففي متى 10: 37، يقول المسيح، “من أحب أباً أو أماً أكثر مني فلا يستحقني. ومن أحب ابناً أو ابنه أكثر مني فلا يستحقني” فعندما يتم مقارنة التعليمين معاً، يبدأ معنى “البغض” في الوضوح أكثر. فمن الواضح أن هذا التعليم له علاقة بالمقارنة، باختيار أن نعطي الأولوية لمتطلبات الله من حياتنا.

دعونا نفكر في مقطعين آخرين بهما بعض النقاط المتشابهة. يشير لوقا 14 إلى بغض النفس، ويوضح يوحنا 12: 25 هذه الفكرة. “من يحب نفسه يهلكها ومن يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبدية” يتضح أكثر فأكثر أن معنى “يبغض” لا يركز على مشاعر الشخص بل بالأحرى على اختياراته وسلوكه.

بهذه الخلفية من بعض المقاطع التي تتعامل مع موضوع البغض، بدأنا تدريجياً في التوصل إلى استنتاج أن هذا المصطلح يستخدم في بعض الأحيان في الكتاب المقدس لوصف علاقة ما، ويتم اختياره عن عند لغرض معين. ففي حالة العلاقات البشرية، يكون هذا الغرض هو مجد الله الأسمى، عندما يكون الاختيار هو بين حقوق الله وحقوق شخص آخر في علاقة بشرية. هذا بدوره يلقي بالضوء على التعليم بأن عيسو كان “مبغضاً” من الله (ملا 1: 2-3؛ رو 9: 13). لذلك فإن المقاطع التي تتعامل مع نفس الموضوع، وتلمس أفكاراً تتداخل معه، كثيراً ما تلقي بالضوء على معنى كل مقطع من هذه المقاطع.

عندما تتم دراسة أفكار متشابهة، يمكن اكتشاف حقائق يتم التشديد والتركيز عليها. فبعد قيامته من الأموات، عاد المسيح إلى موضوع الإرسالية العظمى مرات ومرات. وبذلك نعرف أن هذا الموضوع أبعد من أن يكون نص اثبات منفرد للمتطرفين المنحازين للإرساليات التبشيرية. فقد تحدث يسوع عن هذا الغرض لتلاميذه في الليلة التي قام فيها من الأموا (يو 20: 21)، وعلى جبل الجليل (مت 28: 18-20)، وعند عودته إلى أورشليم (لو 24: 46-48)، وعند صعوده (أع 1: 8).

وحتى لو تم تفسير مقطع لوقا بأنه حدث في نفس وقت رواية يوحنا (وهذا غير مرجح)، فإن مسؤولية الشهادة لا تزال هي الموضوع المحوري في كل مرة كان المسيح يلتقي بهم فيها. أضف إلى تلك المقاطع المقطع الشهير للغاية الخاص بالإرسالية العظمى (مر 16: 15)، ويكون لدينا بذلك تأكيد وتدعيم آخر لهذا الموضوع. وهكذا، كم يبدو هذا الموضوع مهماً عندما نقوم بتجميع كل هذه التعاليم المتشابهة في وحدة واحدة! فالحقيقة يبدو أن توازي هذا الموضوع مع إرسالية المسيح نفسه شخصياً هو الطريقة الوحيدة المناسبة لفهم غرض المسيح لأجلنا: “كما أرسلني الآب أرسلكم أنا” (يو 20: 21).

في بعض الأحيان يكون أمراً شديد الأهمية أن نعرف إن كان المقطعان هما حقاً روايتان متوازيتان، أم أن الروايتين مختلفتين لكن بهما نقاطاً متشابهة. فمثلاً، يصر بعض المفسرين على أن الموعظة على الجبل المدونة في متى 5-7 هي مقطع موازي للوقا 6، على أن كلاً من كاتبي الإنجيلين يسجلان نفس المناسبة. ولكن الحقيقة أن هناك اختلافات بينهما ولكنها لا تظهر على السطح، ففي المناسبة المدونة في متى، أعطى المسيح مبادئ عامة للتلاميذ.

لكن إن اعتبرنا التعليم المدون في لوقا مبادئ عامة، فإنه سيبدو عندئذ كما لو أنه يعلم كل الفقراء سعداء، بل حتى أنه يعلم أنك لو لم تصبح فقيراً، لا يمكنك أن تكون سعيداً. إلا أن كلاً من هذين الأمرين غير صحيح بالطبع، في ضوء كم كبير من التعاليم الكتابية الأخرى. لكن الصحيح هو أن بعض الفقراء سعداء بالرغم من فقرهم، وأن بعضاً من هؤلاء الفقراء هم الذي كان المسيح يخاطبهم في لوقا 6: 20، “طوباكم أيها المساكين لأن لكم ملكوت السماوات” فمن وجهة نظر العالم، ليس من المنطقي أن يكون الفقراء سعداء، لكن يسوع كان يعلم أن هذا الأمر ممكن تماماً.

إننا نعرف أن يسوع تحدث هنا عن الفقر المادي، وليس الفقر الروحي، لأنه قارن تلك الحالة بنقيضها، “ولكن ويل لكم أيها الأغنياء لأنكم قد نلتم عزاءكم” (ع 24). لكن من ناحية أخرى، في متى قدم المسيح حقيقة عامة بأن كل المساكين بالروح هم سعداء. بمعنى أن الله يبارك الناس عندما يكونون مساكين بالروح، وهي حالة يجب أن نرغب فيها وننميها فينا. بينما الفقر المادي لا يتم التعامل معه مطلقاً بهذه الطريقة في الكتاب المقدس.

فكيف يمكن التوفيق بين هذين المقطعين؟ لا توجد مشكلة في ذلك لو أننا اعتبرنا أنهما يصفان مناسبتين مختلفتين، وأن بهما فقط مجرد تعاليم متشابهة، رغم أنها متداخلة. فالسياق يوضح ذلك عندما يخبرنا في متى أن يسوع صعد إلى الجبل، بينما يقول في لوقا أنه نزل إلى موضع سهل. لكنها ممارسة شائعة بالنسبة للواعظ أن يستخدم أجزاء من رسالة ما في رسالة أخرى؛ وأن يأخذ شرحاً أو عبارات من سياق معين ويستخدمها في سياق آخر. لكن البعض يجدون صعوبة في اعتقاد أن يقوم الرب يسوع بذلك.

لذلك فإننا عند مقارنتنا بين الأفكار المتشابهة، نجد أن أكثر الأدوات نفعاً هي فهارس الكتاب المقدس، والكتب المقدسة ذات الموضوعات. ومع ذلك فإن تلك الأدوات لن تمكن الشخص من اكتشاف جميع المقاطع التي بها احداث أو أفكار متشابهة. لكن الشخص الذي يدرس الكتاب المقدس على مدى فترى زمنية طويلة سيكتشف الكثير من مثل هذه المقاطع عبر السنين، ويجد مقارنات مثمرة تلقي بضوء إضافي على المقطع موضوع الدارسة. لذلك فمن المهم بالنسبة للدارس أن يحتفظ بسجل لهذا المقاطع التي تتعامل مع موضوعات تهمه بصورة خاصة.

الأفكار المتضادة

في كثير من الأحيان لا نتمكن من فهم مقطع ما فهماً تاماً إلا عندما يضاد التعليم الموجود فيه التعليم الموجود في مقاطع أخرى. وحيث أن ثقتنا في مصداقية الكتاب المقدس تعني أنه لا يمكن أن يكون هناك تناقض نهائي بين أجزائه، فلا بد أن نبذل المحاولات لحسم التناقضات الظاهرية بين المقاطع. وسوف ندرس الإرشادات الخاصة بذلك بتفصيل أكثر في الفصل التالي، عندما نقوم بدراسة إحدى وسائل بناء لاهوت نظامي. لكننا يجب أن نذكر الآن أن هناك العديد من التعاليم في الكتاب المقدس لا تقف بمفردها بمعزل عن بقية التعاليم الأخرى. يعبر عن ذلك جيداً، أيه دبليو توزر، الناقد الثاقب للتفكير الهزيل، فيقول:

إن الحقائق التي نجبرها على الوقوف بمفردها لا تستمر سليمة ومستقيمة على الإطلاق، ومن غير المرجح أن تدوم طويلاً. فالحق واحد، ولكن الحقائق كثيرة. والحقائق الكتابية متشابكة ويعتمد أحدها على الآخر. وهكذا فالحقيقة نادراً ما تكون سليمة وصحيحة بمفردها بمعزل عن غيرها. فالعبارة قد تكون صحيحة في علاقتها بالحقائق الأخرى، لكنها تكون أقل من صحيحة عندما تنفصل عنها.

قال المسيح: “لا تدينوا لكي لا تدانوا” (مت 7: 1). وقد أكد بولس على نفس الحق: “من أنت الذي تدين عبد غيرك” (رو 14: 4). اعتبر الكثيرون هذا الأمر هو القاعدة المطلقة للسلوك المسيحي، مصرين على أنه ليس من حق أي مسيحي أن يحكم على إنسان آخر. لكن هناك مقاطع مضادة لذلك، واحد منها موجود أيضاً من الموعظة على الجبل: “احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكن بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة. من ثمارهم تعرفونهم” (مت 7: 15-16).

بل أن المسيح قال بوضوح، “لا تحكموا حسب الظاهر بل احكموا حكماً عادلاً” (يو 7: 24)، ويوحنا يدعم هذا الأمر بقوله: “أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله… من هذا نعرف روح الحق وروح الضلال” (1يو 4: 1، 6). وهكذا لكي نفهم كل ما يريد الله أن يعلمنا إياه بخصوص الحكم أو الامتناع عن الحكم على الآخرين، يجب القيام بدراسة نظامية لجميع التعاليم الكتابية الخاصة بهذا الموضوع. لكن عند هذه النقطة، من المهم أن نشير إلى أننا لا يمكن أن نفهم أي من هذه التعاليم بطريقة صحيحة بدون الرجوع إلى المقاطع المضادة.

مثال تقليدي على ذلك هو الجدل الخاص بقضية سيادة الله ومسؤولية الإنسان. فعندما نقوم بتفسير آيات يبدو أنها تعلم عن واحدة من تلك الحقائق أكثر من الأخرى، يكون من الضروري أن نفكر في المقاطع المضادة للوصول إلى فهم متوازن وكامل للحق الكتابي. بكلمات أخرى، يمكن للمرء أن يدرس عن سيادة الله في أفسس 1، ويوحنا 6، ورومية 9، فيخلص إلى نتائج تعفي الشخص من مسؤوليته عن اختباراته الشخصية.

وعندما يحدث ذلك فهذا معناه أننا نسيء فهم الحق الكامل. لكن حيث أن الكتاب المقدس حق وصادق في كل أجزائه، فإن الدارس الملتزم بالسعي نحو وحدة الكتاب المقدس يجب أن يجتهد وأن يدرس ما يقوله الكتاب المقدس عن مسؤولية الإنسان أيضاً. ولكنه يجب ألا يدرس ذلك بمعزل عن الحقائق الأخرى، وإلا فإنه سيشوه حق الله المتوازن. لكن للأسف، يبدو أنه من الأسهل أن يذهب الناس إلى تطرف ثابت عن أن يظلوا في مركز التوتر الكتابي.

كما أن هناك الكثير من الوعود والوصايا يبدو أنها غير مشروطة، لكن من المهم أن نراجع ونفحص إن كانت هناك شروط موجودة في مكان آخر. فالوعود الخاصة بنسل داود وعرشه، كثيراً ما تبدو غير مشروطة، لكن مزمور 132: 12 يقول “إن حفظ بنوك عهدي وشهاداتي التي أعلمهم إياها فبنوهم أيضاً إلى الأبد يجلسون على كرسيك”. في كثير من الأحيان يقدم الشرط في نفس المقطع الذي يذكر فيه الوعد، لكن في أحيان أخرى، يجب البحث عن الشروط في مكان آخر، لأن كل الكتاب المقدس هو صادق وأهل للثقة. لذلك يجب السعي نحو تجانس وتوافق الحق الكتابي.

في مرات قلية، نجد التضاد في نفس المقطع الكتابي. ففي أمثال 26: 4-5، نرى التضاد واضحاً بصورة مباشرة “لا تجاوب الجاهل حسب حماقته لئلا تعدله أنت. جاوب الجاهل حسب حماقته لئلا يكون حكيماً في عيني نفسه”. في هذا المقطع يكون المفسر ملزماً بأن يفسر أحد التعاليم في ضوء التعليم المتوازن.

لكن ماذا عن المقاطع التي تحوي تعاليم متضادة والتي لا توجد معاً؟ توجد طريقتان لاكتشاف هذه المقاطع. الأولى هي أن نقوم بدراسة لاهوت نظامي يتعامل مع الموضوع الذي ندرسه. ومن إحدى الطرق العملية لاكتشاف كل المقاطع التي قد تكون مهمة لدراسة التناقضات، هي مراجعة اللاهوتيين الذين يعتنقون نظرة مضادة للمعنى الظاهري للنص.

فمثلاً، إذا كان المقطع يبدو أنه يعلم عن قدرة الإنسان على اختيار مصيره الشخصي، ويرغب المرء في اكتشاف مقاطع مضادة خاصة بسيادة أغراض الله وبتحكمه في كل شيء، فإن اللاهوتيين الذين يناصرون هذا الأمر يمكن الاعتماد عليهم في تنظيم كل الأدلة الموجودة لصالح الاعتقاد المضاد. لذلك سيحتاج المرء أن يذهب إلى كتابات لاهوتيين من الاتجاه المضاد لكي يتأكد من تعرفه بالكامل على النصوص المحتملة التي تركز على مسؤولية الإنسان عن اختياراته.

أما الوسيلة الثانية لاكتشاف كل التعاليم المهمة المتضادة ظاهرياً عن موضوع ما، فهي أن يقوم الدارس بتطوير ملف دراسي شخصي عن هذا الموضوع. فمثلاً، في الإعداد لعظة من ثلاثين دقيقة عن التوازن الكتابي، يكون من الضروري بالنسبة لي أن أقوم بتجميع البيانات الكتابية على مدى فترة زمنية تمتد لحوالي عشرة سنوات.

فلو بدأ دارس الكتاب المقدس في الاحتفاظ بملف دراسي لتجميع البيانات والشواهد الكتابية عن كل موضوع يعتبر مهما بصفة خاصة بالنسبة له، فإنه على مدى عدة سنوات، وبعد أن يكون قد قرأ الكتاب المقدس عدة مرات، يمكنه أن يثق في معرفته على الأقل بالمقاطع الرئيسية التي تلمس الموضوع.

إن الكتاب المقدس هو أفضل تفسير للكتاب المقدس نفسه. إلا أن هذه ليس هي الطريقة الطبيعية للنظر إلى كتاب كتبه العديد من المؤلفين على مدى أكثر من 1600 عام. فإن كتاباً كهذا يمكن أن تتوقع أن يكون مليئاً بالمتناقضات، وأنه من الحماقة حقاً أن تحاول التوفيق بين أفكاره المتضاربة. لكن الكتاب المقدس ليس مجرد كتاب بشري عادي. فالنظرة الصحيحة إلى كتاب موحى به بالكامل بروح الله تكون بالبحث عن وحدته، فالله لا يناقض نفسه. فقد أعطانا إعلاناً مكتوباً، وليس خليطاً مشوشاً من الأفكار المتضاربة. فالكتاب المقدس متسق ومتوافق، ولا بد أن نقوم بتفسيره على هذا الأساس.

ملخص

يجب على الدارس أن يقارن الكتاب المقدس بالكتاب المقدس نفسه، وأن يسمح للكتاب المقدس بأن يلقي بالضوء على كل أجزائه. ويجب عليه أن يبحث عن المقاطع التي تتعامل مع نفس الحدث أو تقدم نفس التعليم، وعن المقاطع التي تقدم تعليماً مضاداً ظاهرياً. وهو يقوم بذلك لكي يفهم معنى المقطع الذي يقوم بدراسته. ولكي يتيقن من أن تفسيره يتفق وينسجم مع بقية الكتاب المقدس. إن المنهج الذي أشرنا إليه في هذا الفصل هو أساس القيام بدراسة الموضوعات أو بناء لاهوت نظامي. والآن سنتجه إلى تلك الدراسة نفسها.

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

التوافق والانسجام في الكتاب المقدس

– كروكيت، ويليام دي: A Harmony of the Books of Samuel, Kings, and Chronicles: The Book of the Kings of Judah and Israel. Grand Rapids: Baker 1951.

– دانيال، أورفيل إي. A Harmony of the Four Gospels: The New International Version. Grand Rapids: Baker، 1987.

– جودوين، فرانك جي. A Harmony of the Life of Paul: According to the Acts of the Apostles and the Pauline Epistles. Grand Rapids: Baker، 1973.

– نيوسم، جيمس دي. محرر. A Synoptic Harmony of Samuel Kings, and Chronicles: With Related Passages from Psalms, Isaiah, Jeremiah, and Ezra. Grand Rapids: Baker، 1990.

– بنتيكوست، جي دوايت. A Harmony of the Words and Works of Jesus Christ. Grand Rapids: Zondrvan، 1981.

– توماس، روبرت إل، وستانلي إن جندري. The NIV Harmony of the Gospels. Grand Rapids: Zondervan، 1988.

– A Harmony of the Gospels: New American Standard Bible. Grand Rapids: Zondervan، 1978.

وحدة العهدين القديم والجديد

– أرشر، جليسون إل، وجرجيوري سي شيريكيجنو. Old Testament Quotations in the New Testament. Chicago: Moody، 1983.

– جونسون، إس لويس. The Old Testament in the New: An Argument for Biblical Inspiration, Grand Rapids: Zondervan، 1980.

– كايزر، والتر سي. The Uses of the Old Testament in the New Chicago: Moody، 1985.

دراسة الموضوعات

– إلويل، والتر إيه، محرر. Topical Analysis of the Bible: Using the New International Version. Grand Rapids: Baker، 1990.

– جيسلر، نورمان، إل، Christ, the Theme of the Bible. Chicago: Moody The New Nave’s Topical Bible. Grand Rapids: Zondervan، 1986.

– سويهارت، ستيفين دي. Wheaton, III: Victor, The Victor Bible Sourcebook، 1977.

وحدة الكتاب المقدس – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

الشعر العبري – كيفية فهمه في ظل الكتاب المقدس؟

الشعر العبري – كيفية فهمه في ظل الكتاب المقدس؟

الشعر العبري – كيفية فهمه في ظل الكتاب المقدس؟

الشعر العبري – كيفية فهمه في ظل الكتاب المقدس؟

المبدأ الإرشادي: استخدام أشعار عبرية موازية لفهم المعنى المطلوب

يمتلئ الشعر بالتعبيرات المجازية، لذلك لا بد أن نستخدم الإرشادات التي درسناها لفهم معنى التعبيرات غير الحرفية.

ويختلف الشعر عن النثر من ناحية أخرى، وهي أن بنية اللغة تكون مختلفة في كل منهما. فمثلاً، يكون الشعر الإنجليزي مميزاً بإيقاع الكلمات. فالعدد المحسوب من مقاطع الكلمات يعطي سمة موسيقية للغة. وتقليدياً، يوجد كذلك إيقاع يمكن به مطابقة نهايات الكلمات المتشابهة. في النطق على فترات منتظمة. أما في اليابانية، يتم تمييز الشعر عن النثر العادي بأن به عدداً محدداً من مقاطع الكلمات.

وفي الهايكو، يشكل البيت الشعري سبعة عشر مقطعاً – لا أكثر ولا أقل. وفي كل من الإنجليزية واليابانية، حيث يكون الشعر مميزاً لصيغة اللغة، يكون من غير الممكن ترجمة الصيغة الشعرية نفسها. فالشعر الذي يتم ترجمته من تلك اللغات إلى لغات أخرى إما أن يصبح نثراً أو يتم صياغته في قالب اللغة الأخرى الذي سيترجم إليها.

ورغم أن القصيدة في العبرية قد يكون بها عناصر القياس هذه، إلا أن تلك العناصر ليس هي السمات الرئيسية فيها. ولكن السمة المميزة للشعر العبري هي التوافق أو التشابه في الفكر، بين السطر والسطر الذي يليه، أو بين قسم واحد والقسم الذي يليه. وهذا الأمر مفيد بالفعل، لأن يعني أن الصيغة الشعرية للعهد القديم يمكن أن تكون متاحة تماماً بالنسبة لنا في اللغة الإنجليزية. فيكون فهم هذا التوافق، أو التوازي في الفكرة، هو مفتاح تفسير العديد من المقاطع.

لقد تعلمنا أن اللغة الإنجليزية الجيدة تعنى بتجنب التكرار، لكن بالنسبة للعبرية، يعتبر التكرار صيغة أدبية يجب وضعها بعناية. والحقيقة أن التكرار المنظم هو مثال الكلام الجيد فيها، وهذا هو ما يميز الشعر عن النثر العادي.

التكرار هو مقياس التأكد والتوقع – بمعنى أنه كلما كانت صياغة الرسالة بها تكرار، كلما كان من الأسهل بالنسبة للمتلقي أن يخمن ما الذي سيأتي بعد ذلك. لذلك يستطرد سكرام قائلاً: “في العديد من الحالات، تؤدي زيادة التكرار إلى المزيد من التواصل الفعال”. كما يذكر نيدا وتابر أنه يبدو أن هناك اتجاه ثابت نسبياً للغات لأن يكون بها تكرار تقريباً بنسبة 50٪.[1]

ورغم أن التكرار ليس أمراً متفرداً خاصاً بالتفكير العبري، إلا أن الطريقة التي يتم بها بناؤه رسمياً في الشعر العبري تساعد كثيراً في فهم معناه. الأمر المماثل لذلك في الأهمية هو أن العهد الجديد رغم أنه مكتوب باليونانية، إلا أنه كتب بواسطة أناس كان أسلوب تفكيرهم مشكل بالكامل بواسطة طرق التفكير العبرية في العهد القديم. وهكذا، فرغم أن صياغة وبنية اللغة اليونانية مختلفة، إلا أن نفس نوع التوازي في الأفكار ينتشر في أنحاء العهد الجديد كذلك.

ما مدى أهمية الشعر العبري في العهد القديم؟ بحسب ميلتون تيري، نصف العهد القديم تقريباً هو عبارة عن أشعار. ومع ذلك فإن بعضاً من هذا الشعر قد فقط بالنسبة لما في معظم الترجمات لأن ليس كل الصيغ الشعرية في العبرية تم ترجمتها بصيغة شعرية في الإنجليزية، ولكن يمكن تمييز هذه الصيغ بسهولة من خلال الأفكار المتوازية.

التوازي في الشعر العبري

توجد ثلاثة أنواع أساسية من الأفكار المتوازية في الشعر العبري: توازي المترادفات، والتوازي التركيبي وتوازي المتضادات.

توازي المترادفات

في توازي المترادفات، يتم التعبير عن نفس الفكرة مرة ثانية أو ثالثة.

“الحكمة تنادي في الخارج

في الشوارع تعطي صوتها

قائلة إلى متى أيها الجهال تحبون الجهل

والمستهزئون يسرون بالاستهزاء

والحمقى يبغضون العلم

حينئذ يدعون فلا أستجيب

يبكرون إلي فلا يجدونني.

لم يرضوا مشورتي.

رذلوا كل توبيخي.

فلذلك يأكلون من ثمر طريقهم

ويشبعون من مؤامراتهم”.

(أم 1: 20، 22، 28، 30-31)

لاحظ أن تكرار الفكرة بكلمات مختلفة كثيراً ما يكون شديد الأهمية في تمييز المعنى الذي يقصده المؤلف. كما أنه يفيد أيضاً في دراسة الكلمات. فمثلاً، الحكمة هي موضوع موجود ليس فقط في الأصحاح الأول من سفر الأمثال، ولكن في كل أنحاء السفر، وفيما يطلق عليه “أدب الحكمة”.

بكلمات أخرى، إن فهم كلمة الحكمة هو أمر شديد الأهمية لفهم أجزاء كبيرة من الكتاب المقدس. ففي أمثال 1: 29، نرى فهماً لمعنى الحكمة، لأن “المعرفة” تتوازى مع “مخافة الرب”، والحكمة هي التي تتحدث في هذا المقطع، ونرى أن المعرفة مرتبطة بالحكمة، حيث لا يشير أي منهما إلى الفهم العقلي للحقائق. بقدر ما يشير إلى العلاقة الصحيحة مع الله.

فمخافة الله هي المعرفة والحكمة الحقيقية. وهكذا نرى أن تكرار الفكرة في العبرية يجعل هذا الأمر شديد الوضوح في هذا المقطع.

توازي التركيبات

في توازي التركيبات، يقوم الشاعر بإضافة فكرة إلى المفهوم الأًصلي. فكر مثلاً في العددين الأولين من مزمور 1:

“طوبى للرجل الذي لم يسلك

في مشورة الأشرار

وفي طريق الخطاة لم يقف

وفي مجلس المستهزئين لم يجلس

لكن في ناموس الرب مسرته

وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً”.

توجد فكرة وضدها في العددين 1، 2؛ فالعدد الأول يتحدث بأسلوب النفي عما لا يقوم الرجل السعيد بفعله، بينما عدد 2 يصف بالإيجاب ما يفعله هذا الرجل. وكل عبارة في العدد تضيف فكرة إضافية. فالمشي مع الأشرار قد يكون هو المرحلة الأولى؛ والوقوف مع الخطاة يكون أسوء؛ أما الجلوس مع المستهزئين فهو أسوء الأمور على الإطلاق. ومرة أخرى، نجد في عدد 2 أن السرور بناموس الله هو المرحلة الأولى، ويتم امتدادها لإظهار ما يقود إليه هذا السرور – إلى التأمل واللهج في ناموسه نهاراً وليلاً. بهذه الطريقة تتم إضافة أفكار جديدة

وفي أشعياء 55، يمكننا أن نرى كلاً من التوازي البسيط والمركب في الأفكار ممتزج معاً.

“اطلبوا الرب ما دام يوجد

ادعوه وهو قريب

ليترك الشرير طريقه

ورجل الإثم أفكاره

وليتب إلى الرب فيرحمه

وإلى إلهنا لأنه يكثر الغفران” (إش 55: 6-7)

لاحظ أن الأفكار المتوازية يمكن أن تكون بسيطة ويتبع أحدها الآخر مباشرة، أو قد تكون أكثر تركيباً ومنفصلة بأفكار أخرى. والأكثر من ذلك، نجد أن المقطع السابق مباشرة هو مثال لكيفية دمج الكاتب لأنواع مختلفة من التوازيات. فمثلاً، في الجملة الأولى، توضع أفكار متشابهة بجانب بعضها البعض: “طلبوا الرب، وأدعوه” تعبر كل منهما عن نفس الفكرة لكن بكلمات مختلفة، وكذلك أيضاً، “ما دام يوجد” و “هو قريب”. وفي الجملة الثانية، نجد كلمتي “الشرير” و”رجل الإثم” متشابهتين كذلك.

لكن المقطع ككل يمثل نوعاً مختلفاً من التوازي، وهو التوازي الذي يضيف إلى الفكرة الأساسية. فقد قام إشعياء ببناء فكرة على أخرى، وأضاف التوبة إلى فكرة “طلب الله”. وأكثر من ذلك فقد أضاف إلى الأمر بالتوبة فكرة أن هذا التحول ليس فقط مجرد الترك السلبي للشر، ولكنه تحول ورجوع إيجابي إلى الرب. كما أضاف إلى مفهوم الرحمة المعنى الكامل للعفو والغفران الكثير. وهكذا، غالباً ما يعني التوازي في الشعر العبري الإضافة إلى الأفكار الأصلية.

 

توازي المتضادات

في توازي المتضادات يقوم الشاعر بمناقضة فكرة مع غيرها. ويحوي الكثير من سفر الأمثال مثل هذه التضادات:

“لسان الحكماء يحسن المعرفة

وفم الجهال ينبع حماقة”

(أم 15: 2)

يساعد التضاد على فهم معنى كلمات معينة. فمثلاُ، الحماقة هي كلمة مفتاحية في سفر الأمثال – بل قد تكون موضوعاً كاملاً. لذلك نلاحظ أن معناها ليس مجرد الغباء البسيط، ولكنها في هذا المقطع تقف في تضاد مع المعرفة الحقيقية.

كما أن المعرفة ليست مجرد معلومات، بل أكثر من ذلك بكثير. لذلك فإن الأحمق هو الشخص الذي يرفض العلاقة الصحيحة مع الله (أو “المعرفة” الكتابية)، وبالتالي، فإن ما يخرج من فمه يكون حماقة. بل أنه يبدو أنه حتى المعرفة، إن كانت بدون معرفة لله، هي في النهاية حماقة. وهذا هو التضاد في هذا المقطع وفي كل أنحاء سفر الأمثال.

في المزامير نجد أيضاً آية لا تشكل معنى كبيراً إذا وقفت بمفردها:

“عابرين في وادي البكاء يصيرونه ينبوعاً

ايضاً ببركات يغطون مورة” (أيضاً الأمطار تملأ الينابيع)

(مز 84: 6)

ما هو وادي البكاء (Baca في الإنجليزية) هذا؟ لا يساعدنا الأطلس في هذا الأمر – ولا أحد يعلم أين كان هذا الوادي. لكن دراسة الكلمة تخبرنا أن الكلمة العبرية تعني حرفياً “البكاء”. فهل هذه الفكرة مشابهة لفكرة السطر الثاني؟ بمعنى، هل هناك شيء ما بشأن هذا الوادي (حرفياً أو مجازياً) يذكر الكاتب وسامعيه بينابيع المياه؟ هل هناك رابطة بين الدموع والأمطار؟ أم أن هذه فكرة متضادة؟

حيث أن الإرشادات الخاصة بدراسة الكلمة والخلفية المادية الجغرافية لم تساعدنا، دعونا نفكر في السياق. يعتبر مزمور 84 صرخة شوق لشخص يرغب في الذهاب إلى الهيكل في أورشليم.

وهذه الرحلة لا تكون سهلة دائماً، بوجود المناخ الجاف ووعورة التضاريس (المبدأ الإرشادي الخاص بالخلفية المادية). ومع ذلك ففي عدد 5، يقول كاتب المزمور أنه بالنسبة للشخص الذي تكون طرق بيت الرب في قلبه، فإن الرب يعطيه قوة خاصة. والحقيقة أنه في الآية التي تتبع مباشرة هذا النص، عدد 7، يقول “يذهبون من قوة إلى قوة” لكي يروا قدام الله في الهيكل.

بهذه الطريقة، يعطينا السياق مفتاحاً قوياً للمعنى. والتوازي هنا هو التضاد: إذ عندما يجتاز الشخص في أوقات صعبة (وادي البكاء)، ويصمم على الذهاب إلى الله، فإن الرب يجعل هذه التجربة القاحلة في الصحراء مثل ينابيع المياه؛ ويرسل إليه الأمطار حتى تملأ الينابيع. وبذلك فإنه يعطي الشخص الذي يشتاق إليه القوة التي تمكنه من الوصول إلى الله.

وهكذا يمكن فهم المقطع من خلال السياق. وبالتالي، يلقي العدد بالضوء مرة أخرى على بقية المقطع. ولكن الموضوع المفتاحي هو الطريقة التي يقوم بها الكاتب بتوصيل فكرته. فعندما يكون هناك تضاد، فإنه يكون هو المفتاح الذي يكشف عن اللغز المعقد ويوضح معنى المقطع بأكمله.

تطبيق الإرشادات

يقول إشعياء، “وتكون كجنة ريا وكينبوع مياه لا تنقطع مياهه” (إش 58: 11). والآن عند وصفه للوعد بالحياة الفياضة، هل يستخدم إشعياء فكرة مشابهة بكلمات مختلفة؛ ويضيف للفكرة الأصلية؛ أم أنه يقوم بعمل تضاد بين الجنة الريا وينبوع المياه؟ لو اعتبرنا الصياغة هنا أنها فكرة مشابهة، فإن الكاتب هنا يقوم ببساطة بتدعيم الفكرة الأساسية للحياة الغنية المزهرة الفياضة. لكن إن كان هناك فارق بين الجنة الريا وبين ينبوع المياه، فإن ذلك يؤدي إلى اختلاف في المعنى.

فكيف يمكن للمرء أن يحدد أي تفسير هو الصحيح؟ مرة أخرى، سنعود إلى الإرشادات الأخرى لتفسير الكتاب المقدس. فبدراسة الخلفية الثقافية، سنعرف أنه كان هناك نظام للري يستخدم للحدائق (الجنات).

كان هذا النظام يتطلب قدراً كبيراً من الطاقة والمجهود البشري، يستلزم العمل على جعل الطاحونة ترفع المياه إلى الحديقة لجعلها تنمو. بينما، من ناحية أخرى، كان هناك عدد قليل من الينابيع الارتوازية، أو ينابيع المياه التي تنتج ماء متدفقاً باستمرار. فللوهلة الأولى، يبدو المقطع أنه يقدم تضاداً.

لإلقاء مزيد من الضوء على المقطع، دعونا نفكر في مبدأ إرشادي آخر، وهو مقارنة الكتب المقدسة ببعضها البعض، أو البحث عن المقاطع الموازية. في هذه الحالة، ربما كان الرب يسوع يشير إلى هذا المقطع من إشعياء عندما قال: “وفي اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادى قائلاً إن عطش أحد فليقبل إلي ويشرب من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي” (يو 7: 37-38).

أما أين قال الكتاب هذا، فهو أمر غير واضح، وربما يكون المقطع الموجود في إشعياء قريب من هذا المعنى. على أية حال، فإن وعد الرب يسوع مشابه لوعد الله من خلال نبيه إشعياء. فالله سيعطي حياة فياضة يكون فيها تدفق دائم لروحه من داخلنا. (لاحظ تفسير يوحنا: “قال هذا عن الروح” (يو 7: 39)).

باستخدام هذه الإرشادات لفهم المقطع، نرى في إشعياء بنية تتصاعد حتى تصل إلى الذروة، من الجنة الريا المثمرة التي تتطلب العمل الشاق التي قد تكون جيدة بما يكفي، إلى حياة أكثر فيضاً وغنى، التي فيها معين لا ينضب من مياه الحياة الارتوازية. فالتوازي هنا يضيف إلى المعنى بدلاً من أن يكرر ببساطة نفس الفكرة بكلمات مختلفة. ورغم أنه قد يوجد عنصر ضئيل من المقارنة، إلا أن الصيغة الشعرية ليست فكرة متضادة، لأن كلاً من الجنة الريا ونبع المياه الذي لا ينتهي هما وعود جيدة. الأكثر من ذلك، فإن كلمة الربط “و” يبدو أنها تطبق كلاً من البركتين إلى نفس الأشخاص.

ملخص

هناك ثلاثة أنواع أساسية من التوازي – توازي الأفكار، والأفكار الإضافية، والأفكار المتضادة – والتي قد توجد بجانب بعضها البعض في المقطع الواحد. ويمكن لدارس الكتاب المقدس أن يستفيد بها عندما يصبح حساساً للفكرة العبرية عن الشعر: وهي تشابه وتوافق الأفكار. والحقيقة أن هذا النوع من التفكير ينطبق على النثر كذلك. لذلك فإن الدارس الجاد للكتاب المقدس يجب أن ينمي داخله حساسية لأسلوب التفكير العبري، لأنه من خلاله سيجد مصدراً مفيداً لفهم كلمة الله.

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

– ألتر، روبرت. The Art of Biblical Poetry. New York: Basic، 1985.

– برلين، أديل. The Dynamics of Biblical Parallelism. Bloomington: Indianan U.  1985.

– بولوك، هازيل سي. An Introduction to the Poetic Books of the Old Testament, Chicago: Moody، 1979.

– كوجيل، جيمس إل. The Idea of Biblical Poetry: Parallelism and Its History, New Haven: Yale U.، 1981.

– روبينسون، تيودور إتش. The Poetry of the Old Testament. London: Duckworth، 1947.

– يودر، سانفورد سي. Poetry of the Old Testament. Scottdale, Pa.: Herald، 1948.

[1] جون بيكمان وجون كالو، Translating the Word of God (Grand Rapids: Zondervan, 1974)، صفحة 43.

الشعر العبري – كيفية فهمه في ظل الكتاب المقدس؟

اللغة المجازية في الكتاب المقدس بحث موسع

اللغة المجازية في الكتاب المقدس – بحث موسع

اللغة المجازية في الكتاب المقدس – بحث موسع

اللغة المجازية في الكتاب المقدس – بحث موسع

المبدأ الإرشادي: تعرف على اللغة المجازية وحدد معناها الحرفي

حيث أن الكتاب المقدس قد كتبه بشر، فلا بد أن يتم التعامل معه مثل أية معلومات بشرية أخرى عند تحديد المعنى الذي قصده المؤلف. وقد قمنا بدراسة إرشادات مشتقة من ذلك المبدأ، وتلك الإرشادات هي التي تمكن الدارس الجاد من تحديد المعنى المباشر والحرفي للغة. ومع ذلك فهناك الكثير من الأساليب اللغوية الأخرى في الكتاب المقدس، غير التعبيرات الحرفية.

فبالإضافة إلى الأقسام التاريخية والتعليمية، يحوي الكتاب المقدس الشعر، والمسرحية، وأقوال الحكمة، والاستعارات والتشبيهات، والأمثال، وهذه أساليب شائعة ومشتركة في جميع اللغات البشرية. والكتاب المقدس، حيث أنه كتاب كتبه بشر، مليء بمثل هذه الأساليب الأدبية.

إلا أنه توجد إرشادات لفهم معاني التعبيرات الخاصة، كما توجد إرشادات لفهم التعبيرات الحرفية المباشرة. ولذلك فإن التفسير ينحرف عندما يساء فهم الأسلوب اللغوي، وبالتالي يتم التعامل معه بطريقة غير سليمة لذلك فمن المهم للغاية أن نتعرف على أسلوب اللغة في مقطع معين، وأن نقوم بتفسيره باستخدام الإرشادات المناسبة لفهم هذه النوع المحدد من الأساليب.

وعلى الرغم من أن الكتاب المقدس يحوي كل أنواع الأساليب الأدبية، فإننا سندرس فقط تلك الأساليب التي لها أهمية رئيسية في فهم المعنى. أولاً، سنقوم بدراسة الأنواع المتنوعة من اللغة المجازية. وحيث أن معظم العهد القديم تمت كتابته بصياغة شعرية، والكثير من تعاليم المسيح مكتوبة في صيغة أمثال، فسوف ندرس الشعر العبري والأمثال باعتبارهما صيغتين أدبيتين منفصلتين.

فهم التعبيرات المجازية

تشير التعبيرات المجازية إلى أية كلمات يتم استخدامها بمعنى آخر غير المعنى الشائع والحرفي. فعندما نستخدم كلمة كلب للإشارة إلى إنسان (مثلاً في فيلبي 3: 2)، فإنه لا يقصد بها تعريف الحيوان بالمعنى العادي أو الحرفي. وأيضاً تعبير “فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة” (يوحنا 21: 25)، لا يقصد به أبداً تقديراً علمياً لمساحة العالم الموجدة.

الكتاب المقدس مليء بهذا النوع من التعبيرات المجازية، ومثل هذه الصور غير الحرفية تعد واحدة من أعظم مشاكل التفسير. وهكذا فإن تعاملنا مع التعبيرات المجازية باعتبارها تعبيرات حرفية، والعكس، أي تعاملنا مع التعبيرات الحرفية باعتبارها مجازية، يشكل اثنين من أكبر المعوقات لفهم معنى الكتاب المقدس. بل الأكثر من ذلك، حتى عندما يتم التعرف على المقطع باعتباره مجازي فعلاً، يمكن الخطأ في فهم معناه من خلال استخدام مبادئ أو إرشادات غير مناسبة لتفسير المقطع. إننا سنقوم أولاً بدراسة أسباب استخدام اللغة المجازية، ثم سنقوم بعدها بدراسة الإرشادات الضرورية لفهم معاني المقاطع غير الحرفية.

أسباب استخدام اللغة المجازية

لماذا يستخدم الكتاب المقدس لغة مجازية من الأساس؟ ألن يكون التواصل أكثر سهولة ووضوحاً لو كان الإعلان كله قد تمت كتابته بلغة حرفية مباشرة؟ توجد عدة أسباب لاستخدام اللغة المجازية في الكتاب المقدس:

تستخدم اللغة المجازية كثيراً لأن كل لغة بشرية تحوي تعبيرات غير حرفية.

يعبر سي إس لويس عن هذا الأمر بقوله:

في كثير من الأحيان عندما نتحدث عن شيء لا يتم استيعابه بالحواس الخمسة، فإننا نستخدم كلمات تشير إحدى معانيها إلى أشياء أو أفعال مجازية. فعندما يقول إنسان ما أنه يفهم فكرة معينة، فإنه يستخدم الفعل “يفهم” (grasp بالإنجليزية، التي تعني حرفياً الإمساك بشيء في اليد، ولكنه بالتأكيد لا يعني أن عقله له يدان يمسك بهما الفكرة).

وهكذا، فلكي يتجنب كلمة “grasp”، يمكنه أن يغير الصياغة فيقول، “I see”، (حرفياً بمعنى أنا أرى) ولكنه مرة أخرى لا يعني أن شيئاً محدد قد ظهر في مجال رؤيته، بل أنه قد فهم، ولذلك فقد يجرب صيغة ثالثة فيقول، “I follow you” (حرفياً بمعنى أنا أتبعك)، وبهذا أيضاً هو لا يقصد أنه يمشي خلفك في الطريق، ولكنه يقصد أنه يفهم، جميعنا معتادون على هذه الظواهر اللغوية، والتي يطلق عليها علماء النحو “الاستعارات”.

لكن هناك خطأ بالغ في أن نفكر أن الاستعارة هي أمر اختياري، قد يستخدمه الشعراء والمؤلفون في أعمالهم كنوع من الزخرفة، بينما الأشخاص العاديون يمكنهم أن يستغنوا عنه أثناء حديثهم. فالحقيقة هي أننا لو أردنا أن نتحدث عن أية أمور لا يتم فهمها بالحواس، فإننا نكون مجبرين على استخدام اللغة استعارياً أو مجازياً. إن الكتب الخاصة بعلم النفس أو بالاقتصاد أو بالسياسة، تستخدم تعبيرات مجازية باستمرار مثلها مثل الكتب الشعرية أو التعبدية. فلا توجد طريقة أخرى للكلام… فكل كلام عن أمور تفوق الحواس لا بد وأن يكون استعارياً ومجازياً في المقام الأول.

فأي شخص يتحدث عن أمور لا يمكن رؤيتها أو لمسها أو سماعها، من المحتم أن يتحدث عنها كما لو كان يمكن رؤيتها أو لمسها أو سماعها (مثلاً، لا بد أن نتحدث عن العقد النفسية والاكتئاب، كما لو كانت رغبات يمكن حقاً ربطها في حزم أو “عقد”، ودفعها للوراء في اللاوعي؛ كما نتحدث عن “النمو” و”التطور” كما لو كانت المؤسسات يمكنها حقاً أن تنمو مثل الأشجار أو تتفتح مثل الأزهار؛ ونتحدث عن الطاقة باعتبارها “تُطلق” كما لو كانت حيواناً يُطلق من قفصه).[1]

وهكذا فإن كل اللغات البشرية تمتلئ بتعبيرات غير حرفية، ولكن اللغات الشرقية على وجه الخصوص تمتلئ بالاستعارات والتشبيهات. وحيث أن تلك اللغات غريبة عنا، فهذا من شأنه أن يجعلنا نجتهد أكثر لفهم المعنى الذي كان في ذهن المؤلف بالضبط فهناك حاجز البعد اللغوي والثقافي، وهناك حاجز التعبيرات المجازية كذلك. فكر مثلاً في محنة شخص أجنبي يسعى لفهم الكلمة الإنجليزية “hang”. من السهل القيام بالتعريف الحرفي للكلمة (يعلق أو يشنق……)، لكن نرى كيف سيفكر، عندما يسمع، كشخص غريب عن اللغة الإنجليزية، تعبيرات مثل “hang-ups”، أو “hang loose”، أو “hangover”، أو “hang out”، أو “hang on”، أو “hang in”؟

غالباً ما تستخدم التعبيرات المجازية لتأكيد أمر ما. فعندما يقول يسوع في لوقا 13: 32، “قولوا لهذا الثعلب”، فإن هذا التعبير هو أكثر قوة مما لو كان قد قال “قولوا للملك”. وبالمثل قوله، “من لا يبغض أباه وأمه” هو تعبير أقوى من “لا بد أن تحبني أكثر مما تحب أباك وأمك”. فالتعبيرات المجازية تحدث انطباعات أقوى.

التعبيرات المجازية يمكن استخدامها لتحفيز الشخص نحو القيام بفعل معين. فتعبير “ها أنذا واقف على الباب وأقرع”، يحدث تأثيراً عاطفياً أكبر بكثير من تأثير مجرد القول ببساطة، “إنني منتظر استجابتك” ففي الشرق، حيث العشاء معاً هو ختم الصداقة، يكون التأثير العاطفي كبيراً لمعنى الوقوف في الخارج في انتظار الدعوة للدخول. ولذلك فإن التعبيرات المجازية تكون قوية في تحفيز الشخص على الاستجابة والقيام بفعل معين.

كما أن التعبيرات المجازية قد تساعد على التذكر. إن تعبيرات مثل “لا تخف سراجك تحت المكيال”؛ أو “لا تدفن وزنتك”؛ أو “إنه كالسامري الصالح”؛ أو “إنها ملح الأرض”، جميع هذه التعبيرات الشائعة في اللغة الإنجليزية المستخدمة اليوم، تثبت أن اللغة المجازية تشدد على معنى معين بطريقة لا يسهل نسيانها. بل أنها قد تصبح جزءًا من اللغة كما في الأمثلة التي ذكرناها.

التعبيرات المجازية تكون مؤثرة في التفسير والشرح. عندما قال السيد المسيح “أنا هو خبز الحياة” (يوحنا 6: 48)، كان يوضح حقيقة أساسية خاصة بعلاقته مع الأشخاص الذين ينتمون له، فهو يشبع ويغذي. “يشبه ملكوت السماوات خميرة” (متى 13: 33) يثير هذا التعبير في الحال معنى النمو التدريجي والثابت الذي يتخلل الكل. وعندما نعرف أن المسيحي هو جندي أو فلاح، فإن هذا التشبيه التوضيحي يساعدنا على فهم مسؤولياتنا. وهكذا فإن التعبيرات المجازية شديدة الفعالية في توضيح وتفسير الحق الروحي.

التعبيرات المجازية مفيدة في التوضيح. فالأمر المعتاد يمكن أن يستخدم لتوضيح الأمر غير المعتاد أو غير المألوف. وهذا الأمر مفيد وضروري بصفة خاصة عندما يكون من اللازم أن يتم تبسيط حق الله غير المحدود بما يكفي لأن يفهمه الإنسان محدود الفهم. فعندما نتحدث عن الله كزوج أو كأب فإن هذا يأتي لمجال فهمنا المحدود للغاية بالحقائق الأساسية عن العلاقة التي يرغب الله أن يشاركها معنا.

فكيف يمكن لله غير المحدود والذي ليس له كيان مادي، أن يشرح لنا عملية خلق كائن محدود ومادي، وقيامه مع ذلك بخلق هذا الكائن على صورة وطبيعة الله نفسه؟ لذلك قال الله أنه “نفخ في أنف آدم نسمة حياة” (تكوين 2: 7). بذلك نجد أن التعبيرات المجازية تكون مفيدة في التوضيح، وفي جعل الحقائق الروحية وغير المحدودة متاحة ومفهومة للبشر المحدودين.

فالحقيقة هي أنه، كما أشار سي إس لويس من قبل، كلما أراد المؤلف أن يتحدث عن أمور غير مدركة بالحواس، فإنه قد يكون مجبراً على استخدام تعبيرات غير حرفية. فبعض الحقائق المجردة لا يمكن توصيلها إلا باستخدام نماذج ملموسة ومادية – فنحن نحتاج إلى أمثلة يمكننا أن نراها لكي نفهم ما هو غير مرئي.

كما يمكن استخدام التعبيرات المجازية كنوع من الشفرة. ففي حالة أمثال السيد المسيح، يخبرنا أن الأمثال تم اختبارها كوسيلة لجعل الأمور غامضة عن عمد:

“فتقدم التلاميذ وقالوا له “لماذا تكلمهم بأمثال”. فأجاب وقال لهم “لأنه قد أعطي لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات، أما لأولئك فلم يعط. فإن من له سيعطى ويزاد، وأما من ليس له فالذي عند سيؤخذ منه. من أجل هذا أكلمهم بأمثال لأنهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون فقد تمت فيهم نبوة إشعياء القائلة: تسمعون سمعاً ولا تفهمون ومبصرين تبصرون ولا تنظرون لأن قلب هذا الشعب قد غلظ وآذانهم قد ثقل سماعها.

وغمضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم. ولكن طوبى لعيونكم لأنها تبصر ولآذانكم لأنها تسمع فإني الحق أقول لكم أن أنبياء وأبراراً كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا. وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا” (متى 13: 10-17).

وهكذا تستخدم اللغة المجازية أحياناً “كلغة شفرة”. فهي تعطي نوراً للأشخاص الطائعين، وتعتيماً للأشخاص غير الطائعين. لا يعتبر هذا فقط نوع من الدينونة بسبب عدم الطاعة، بل أنه في الحقيقة لخيرهم هم شخصياً، لئلا يجلب لهم المزيد من النور مزيداً من المسؤولية وبالتالي مزيداً من الدينونة. وبذلك تستخدم التعبيرات المجازية في بعض الأحيان للتعتيم والغموض.

إلا أن هناك سبب آخر لاستخدام التعبيرات الغامضة المبهمة. ففي بعض الأحيان يتم عرض النبوات بصورة مبهمة لكي تظل خفية حتى وقت اتمامها. وسوف نقوم بدراسة هذا الأمر بتفصيل أكثر عندما نقوم بالحديث عن إرشادات فهم النبوات. ومع ذلك فإننا نجد مثالاً واضحاً لهذا الأمر في كلمات السيد المسيح لليهود:

“أجاب يسوع وقال لهم: انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه. فقال اليهود في ست وأربعين سنة بني هذا الهيكل، أفأنت في ثلاثة أيام تقيمه. وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده، فلما قام من الأموات تذكر تلاميذه أنه قال هذا فآمنوا بالكتاب والكلام الذي قاله يسوع” (يوحنا 2: 19-22).

هناك عدة أسباب إذاً تدعو لاستخدام التعبيرات المجازية في الكتاب المقدس، ومسؤوليتنا هي أن ندرس باجتهاد حتى نستطيع أن نتعامل مع هذا النوع من الأساليب بطريقة صحيحة.

اللغة المجازية في الكتاب المقدس بحث موسع

إرشادات تفسير اللغة المجازية

إن الهدف من دراسة اللغة المجازية في الكتاب المقدس هو نفس الهدف من دراسة اللغة الحرفية: أي أن نميز المعنى الذي قصده المؤلف، وأن نطبقه في حياتنا. لكن في حالة اللغة المجازية، توجد خطوة سابقة، وهي أننا يجب أولاً أن نتيقن من أن التعبيرات مجازية وليست حرفية، ثم نقوم بعد ذلك بالتعرف على أسلوب أو نوع اللغة المجازية. فبعد أن نتوصل إلى أن معنى المقطع غير حرفي، نكون مستعدين للتفسير والتطبيق. بكلمات أخرى، هناك خطوة وسطية ضرورية في حالة المقطع المجازي: وهي التوصل إلى حقيقة أنه مجازي وتحديد نوع التشبيه الذي يستخدم فيه.

التعرف على اللغة المجازية

هناك مبدآن إرشاديان يساعدانك في التعرف على اللغة المجازية

المبدأ الإرشادي الأول.

إن لغة الكتاب المقدس، مثل لغة الصحف اليومية أو أية لغة بشرية عادية، يجب أن يتم تفسيرها بمعناها الحرفي، إلا إذا كان هناك سبب من ثلاثة أسباب ملزمة لاعتبارها غير حرفية:

1 – لو كان من الواضح أن العبارة ستكون غير معقولة، أو غير منطقية، أو غريبة ومبهمة إذا تم التعامل معها باعتبارها حرفية، فإن الفرضية هي أن تكون استعارة أو تشبيهاً. مثال لذلك، “أنا هو الباب” و”أنتم ملح الأرض”، فهذان التعبيران من الواضح أنهما غير معقولين إذا تم التعامل معهما حرفياً.

2 – السياق نفسه قد يشير إلى أن اللغة مجازية. فعندما يؤخذ بمفرده، قد يكون التعبير أو العبارة إما مجازية أو حرفية، ولكن في السياق نفسه يشير المؤلف إلى أنه لا يقصد أن يؤخذ المعنى حرفياً. فعندما قال بولس، “وإن كنت قد كتبت إليكم فليس لأجل المذنب” (2كو 7: 12)، فإن السياق المباشر وسياق الحدث بأكمله يمتد إلى الأصحاحات الأولى، كما يمتد بعده إلى الأصحاحات التالية في رسالة كورنثوس الثانية، مما يظهر بوضوح أنه كان يبالغ لإيقاع تأثير معين. فقد كتب الكثير جداً لأجل الشخص الذي ارتكب الخطأ وتحدث عدة مرات عن هذا الأمر بوضوح شديد. فماذا كان يعني هنا؟ لقد كان يعني، “أنني لم أكتب فقط لغرض خلاص الشخص الذي ارتكب الخطأ”.

3 – إن كان هناك تناقض مع أمر أكثر وضوحاً وبقاء وتأكيداً في الكتاب المقدس، فمن المشروع أن نسأل ما إذا كنا سنتعامل مع هذا المقطع بصورة حرفية أم لا. فمثلاً أن يبغض المرء أباه وأمه (لوقا 14: 26) فهذا يتعارض مع كل من العهدين القديم والجديد في تعليمهما الواضح والقوي والثابت بأن الإنسان يجب أن يحب والديه ويكرمهما. لذلك فليس فقط من المسموح، بل من الضروري أن نبحث عن معنى مجازي هنا. يعتمد هذا المبدأ الإرشادي فعلياً ليس على الاستخدام العادي للغة البشرية، بل على حقيقة أن الكتاب المقدس هو أيضاً كتاب فوق طبيعي. وسوف نتعامل مع هذا الأمر بتفصيل أكثر عندما ندرس العلاقة بين التعاليم المتنوعة في الكتاب المقدس

ورغم أنه أمر سليم أن نبحث عن فهم أصيل غير حرفي، فإن الدارس يجب عليه ألا يقحم معنى مجازياً على اللغة. بعض المقاطع المعينة الحرفية يتم اعتبارها مجازية بواسطة الأشخاص الذين يؤمنون بالكتاب المقدس ويحاولون أن يجدوا تناسقاً بين جميع تعاليمه. فقد يحاولون بذلك أن يجعلوا مقطعاً صعباً يتسق مع مقاطع أخرى حرفية واضحة ومع التعاليم السائدة والواضحة في الكتاب المقدس، كما أوضحنا ذلك للتو.

ومن ناحية أخرى، يوجد أشخاص لا يؤمنون بالكتاب المقدس، والذين يتعاملون مع العبارات الحرفية باعتبارها مجازية. فالخلق، والأرواح النجسة، والقيامة، ومجيء المسيح الثاني، هي أمور غير مقبولة بالنسبة لأولئك الذين يعتنقون افتراضات عقلانية مسبقة. لذلك فإنهم ينظرون إلى هذه التعاليم باعتبارها مجازية أو خرافية، لكي يتجنبوا الاعتراف بما هو فوق طبيعي. وهكذا فإن افتراضات الشخص المسبقة بشأن الكتاب المقدس هي التي تثير الأسئلة بشأن ما إذا كان مقطع معين سيتم التعامل معه حرفياً أم مجازياً.

بوضع هذه الاستثناءات في الاعتبار، لا يزال يجب على المرء أن يتذكر أن القاعدة الأساسية هي أن نتعامل مع كل مقطع في الكتاب المقدس باعتباره حرفياً. فالأسباب الملزمة فقط هي التي تجعل الكلمات مجازية.

المبدأ الإرشادي الثاني.

إن وجهة نظر المؤلف والمتلقي الأصلي، وليس فهمنا الخاص، هو الذي يجب أن يتحكم في فهمنا لما هو من السليم أن يكون حرفياً أو مجازياً. فقد نعتقد أنه من المناسب أن نستخدم الحمل أو الأسد لتعريف شيء يختص بيسوع المسيح، ولكننا نرفض استخدام لفظ اللص أو الجثة لتصويره. لكن الأمر لا يعتمد علينا في أن نقيم مدى ملائمة تشبيهات معينة من غيرها.

ولكننا لا بد أن نقيم اللغة في ضوء ما كان يقصده المؤلف. فعندما يتم مقارنة الناس بالخراف أو الغنم مثلاً، فلن يفيدنا أن ندرس عن رعاة الغنم وسلوك الغنم في أيامنا الحالية لكي نحدد ما كان في ذهن المؤلف. فغنم الوقت الحالي قد تلقي بالضوء فقط على احتمالات للمعنى، ولكن الطريقة التي كان ينظر بها المؤلف ومعاصروه للغنم هي التي يجب أن تحدد وجه المقارنة.

فالحقيقة هي أن المؤلف قد يقوم بتغيير وجه المقارنة في المقطع الواحد نفسه. فالآية. “كلنا كغنم ضللنا” (إش 53: 6) تستخدم مقارنة مختلفة عن غيرها في نفس المقطع، “كنعجة صامتة أمام جازيها” (ع7). فمن الواضح أن المؤلف كان في ذهنه شيء مختلف في استخدامه لهاتين المقارنتين.

أخبرنا المسيح أننا ملح الأرض، لذلك فإننا غير أحرار في اختيار ما نفضل أن يكون عليه وجه المقارنة الذي كان يقصده. فلا بد لنا أن نجتهد لكي نميز وجه المقارنة الذي كان يقصده. سمعت ذات مرة عظة مدهشة ذكرت فيها عدة سمات مميزة للملح في هذا التشبيه، لحث المسيحيين نحو التصرف بطريقة كتابية أكثر. قال الواعظ أن الملح كان يستخدم لحفظ السمك الذي تم صيده في الجليل أثناء نقله إلى أورشليم لحفظه من الفساد، كما أن الملح يعطي طعماً ونكهة للمجتمع عديم الطعم.

وفي العهد القديم كانت هناك تقدمة الملح، والتي تشير إلى أن الله هو إله العهد، وأنه إله آمين. وبالتالي، فإن الشهادة بالحياة المعجزية والحياة المتغيرة، هي أعظم دليل على وجود الله. الأكثر من ذلك، فإن الملح لا يجب أن يكون معزولاً في قالب بل أن ينتشر في كل مكان، فيفقد فرديته وعزلته. وأخيراً فإن الملح تأثيره يفوق حجمه بكثير.

فهل من المشروع أن نقوم بكل أوجه المقارنة هذه، ونحن متأكدون أن يسوع كان في ذهنه كل هذه النقاط عندما قال، “أنتم ملح الأرض؟ كلا، وهذا لأن أول مهمة للمفسر هي أن يميز ما كان في ذهن المؤلف من وجه المقارنة، وليس ما يمليه علينا اختبارنا الشخصي في ثقافة أخرى أو تفكيرنا وابتكارنا الخاص. فالمبدأ الإرشادي هو هذا: إن قصد المؤلف يجب أن يتحكم في فهمنا لما يعنيه.

اللغة المجازية في الكتاب المقدس بحث موسع

التعرف على أنواع الاستعارات

من المهم قبل أن نقوم بتفسير تعبير مجازي أن نحدد نوع الاستعارة التي تم استخدامها. في كثير من الأحيان يكون هذا التحديد نفسه هو مفتاح تفسير المعنى، كما سنرى.

لقد حدد التحليل الأدبي عدداً كبيراً من الاستعارات المختلفة المميزة. في إحدى المطبوعات المخصصة للاستخدام بواسطة مترجمي الكتاب المقدس، تم تحديد ثمانية وعشرين نوعاً من الاستعارات، بما فيها عدد من الأنواع الغريبة غير المألوفة. لكننا بدلاً من أن نحاول تعريف كل أنواع الاستعارات في دراستنا هذه، فإننا سنركز على عدد قليل يستخدم كثيراً وله أهمية عظيمة في فهم الكتاب المقدس.

استعارات المقارنة. معظم الاستعارات الشائعة في التعبيرات المجازية في الكتاب المقدس هي استعارات مقارنة. وهي قد تتكوم إما من مقارنة بسيطة أو مركبة، كما في الأمثال أو التشبيهات. وقد تستخدم المقارنة في مناسبة واحدة، أو تستخدم كمقارنة دائمة، كما في استخدام الرمز. كما أن الرموز النبوية، التي تسمى نماذج، هي أساسية في فهم الكثير من أجزاء الكتاب المقدس. وسوف نقوم بذكر الأقسام التصنيفية الرئيسية للمقارنة كل على حدة، ولكن نوع اللغة المجازية الذي نشرحه في هذا القسم هو أساساً نوع المقارنة.

التشبيه. وهو استعارة مقارنة شائعة، حيث يتم فيها المقارنة بوضوح بين شيئين مختلفين عن بعضهما البعض. وكمثال على ذلك الآية “كلنا كغنم ضللنا” (إش 53: 6). ومن ناحية أخرى، ففي الاستعارة، قد تكون المقارنة متضمنة فقط، مثال على ذلك قول المرنم: “إننا…. غنم مرعاه” (مز 100: 3). ببساطة فإن التشبيهات والاستعارات هي تعبيرات تظهر أوجه الشبه بين شيئين أو فكرتين تكونان، في أغلب الأحيان، مختلفتين.

عند فحص تشبيهات المقارنة، علينا أن نتذكر أنه في المعتاد يكون هناك وجه شبه واحد فقط في المقارنة هو المقصود. فالمقارنة محدودة، ولا يُسمح للقارئ بأن يرتجل أو يقرر أي وجه للمقارنة يفضله أكثر أو يجده متفقاً مع هيكل عقيدته أو مع محتوى عظته. وكما أشرنا من قبل، في تشبيه الناس بالملح، فإن السؤال هو، ما الأمر الذي كان في ذهن يسوع وسامعيه، وليس ما يمكن لخيالنا الخصب أن يحدده من معان إضافية.

لذلك فإن لم نأخذ حذرنا، لن يصبح الكتاب المقدس بعد ذلك سلطة مستقلة، تحكم على أفكارنا، ولكن السلطة عندها ستصبح في يدنا نحن المفسرين، فنبني عقائد غير سليمة على فهم خاطئ للتعبير الاستعاري الكتابي.

هناك نوع آخر من تشبيهات المقارنة وهي التصوير التمثيلي – بأن نأخذ شيئاً ما لكي يمثل شيئاً آخر، ومثال على ذلك، الرموز. وغالباً ما يمثل الشيء المادي شيئاً آخر غير ملموس. فالنحاس في الكتاب المقدس يرمز إلى الدينونة. والرمز عبارة عن مقارنة ضمنية (استعارة)، لكنها ع خاص من الاستعارات. فهي تكون أكثر عمومية ورمزية.

وتشيع التعبيرات الرمزية في الكتاب المقدس، كما في اللغات الأخرى، لكن حيث أن الكتاب المقدس له أصل إلهي أيضاً، يوجد به قدر كبير من الرموز النبوية. والمصطلح الفني للرمز النبوي هو النموذج أو المثال. الرمز والنموذج هما أمران شديدا الأهمية لفهم الكتاب المقدس، لذلك فإننا سندرسهما بتوسع أكثر فيما بعد. لكن لكي نأخذ فكرة عامة عن الأنواع المختلفة لتشبيهات المقارنة، فإننا سنقوم بعرضها هنا كالآتي:

الرسم الموجود على الصفحة التالية يوضح العلاقة بين الأنواع المختلفة لتشبيهات المقارنة.

استعارة الربط. تختلف تشبيهات الربط عن تشبيهات المقارنة كالآتي: ففي تشبيهات المقارنة يتم المقارنة بين شيئين مختلفين، بينما في استعارة الربط، يتم استخدام اسم شيء أو فكرة ما لشيء أو لفكرة أخرى مرتبطة بها. ويطلق على هذا الترابط metonomy. لقد أعطانا المسيح مثالاً لهذا النوع من التشبيهات عندما قال: “ومن حلف بالسماء فقد حلف بعرش الله وبالجالس عليه”. (متى 23: 22).

كان على الفريسي ألا ينطق باسم الله باطلاً، فكان الفريسي يستخدم تشبيه الربط لكي يتجنب هذه الضرورة، لكن المسيح منع هذا الأمر، مشيراً إلى أن التعبير باستعارة الربط يعني نفس الشيء أو المفهوم الذي ترمز إليه.

اللغة المجازية في الكتاب المقدس بحث موسع

 

بالمثل، “وخرج إليه جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم واعتمدوا جميعهم منه (من يوحنا)”. فإن هذه الآية لا تعني أن المدينة كلها تحركت حرفياً، بل أن الناس الذين كانوا يعيشون في المدينة، والذين ارتبطوا باسم “أورشليم”، خرجوا لكي يعتمدوا من يوحنا.

في بعض الأحيان يتم الحديث عن استعارة الربط، والتي فيها يتم الحديث عن جزء من شيء كما لو كان الشيء كله؛ أو يمكن أن يشير الشيء بأكمله إلى جزء فقط من شيء آخر. فكثيراً ما يشير “الناموس” إلى العهد القديم بأكمله. كيف يمكن ذلك؟ إن وصايا الناموس قد تم إعطاؤها بواسطة موسى، الذي كتب أول خمسة أسفار من العهد القديم (التوراة).

ولذلك فإن كلاً من موسى والناموس مرتبطان بالتوراة، وكثيراً ما يتم استبدالهما أو “اختزالهما” في هذا الجزء من الكتاب المقدس. والتوراة بدورها ترتبط في بعض الأحيان بالعهد القديم كله، كما ترتبط بالجزء الأول منه، لذلك فإن “الناموس” كاستعارة ربط أصبح يتم استخدامه إما للإشارة إلى التوراة أو إلى العهد القديم بأكمله. لذلك فإن السياق هو الذي يجب أن يحدد أي منهما هو المقصود.

الاستعارة التشخيصية. في كثير من الأحيان يستعير الكتاب المقدس صفة بشرية وينسبها إلى الله، أو يأخذ صفة بشرية وينسبها لشيء لكي يصنع تجسيداً للصفة. فعندما نقول إن الله “مد ذراعه” وأن “الأشجار تصفق بالأيادي” أو أن “الجبال تقفز”، يمكننا أن نطلق على مثل هذه التشبيهات استعارات تشخيصية.

من ناحية، هذا النوع من الربط يكون مقارنة ضمنية، ويمكن معاملته باعتباره استعارة مقارنة، كما وصفناها من قبل. ومع ذلك، توجد فائدة في فصل هذا النوع المحدد من الاستعارة عن غيره، عند تفسير مقاطع معينة من الكتاب المقدس. فعلى سبيل المثال، نجد في الأصحاحات الأولى من سفر الأمثال أنه يتم الحديث عن الحكمة كما لو كانت إنساناً. فهل هذا يجعل القسم بأكمله يتحدث عن المسيح، كما يعتقد البعض؟

وماذا كان قصد المؤلف من تشخيص الحكمة؟ فكر أيضاً في الطريقة التي يتحدث بها الكتاب المقدس عن الله مستخدماً صفات مادية بشرية. فسر سي إس لويس هذا الأمر توضيحياً كالآتي:

الله هو الحقيقة الأساسية أو الفعلية، وهو مصدر كل الحقائق الأخرى، لذلك فيجب ألا يتم التفكير فيه بأي حال من الأحوال باعتباره حقيقة عمومية بلا ملامح. فإنه لو كان الله موجوداً من الأساس، فسيكون هو الأكثر واقعية من أي شيء آخر، والأكثر تفرداً وشخصية، “منظم بمنتهى الدقة والوضوح”. فهو لا يمكن وصفه، لي لكونه غير محدد، لكن لأنه شديد التحديد بالنسبة لغموض اللغة الذي لا يمكن تجنبه. لذلك فإن الكلمات المادية وغير الشخصية مضللة، لأنها تفترض أنه يفتقر إلى نوع من الواقعية التي نمتلكها نحن. لذلك فمن الأسلم أن ندعوه “ما وراء المادي، أو ما وراء الشخصي”.

فالجسد والشخصية كما نعرفهما هما السلبيات الحقيقية – فهما ما يتبقى من الكيان الإيجابي عندما يتم تخفيفه بما يكفي لكي يظهر في هيئة مؤقته أو محددة. بل وحتى الجنس يجب أن ننظر إليه باعتباره تحول إلى مفتاح ثانوي لذلك الفرح الخلاق في الله، والذي لا يتوقف ولا يمكن مقاومته. إن الأشياء التي نقولها عن الله، نحوياً، هي “استعارية”: ولكن بمعنى أعمق، سنجد أن طاقاتنا المادية والنفسية هي التي تعتبر مجرد “استعارات” للحياة الحقيقية التي هي الله. لذلك يمكننا أن نقول إن البنوة الإلهية هي المجسم الخالص، الذي تعتبر بجانبه البنوة البشرية مجرد تمثيل بياني على مسطح.[2]

الحقيقة أن “كل، أو معظم اللغة المستخدمة في الكتاب المقدس للإشارة إلى الله هي استعارية (الاستثناء المحتمل الوحيد هو كلمة “قدوس”)”[3]. لذلك فلكي نفسر الاستعارات الخاصة بالله، من الضروري أن نميز وجه المقارنة المقصود بواسطة الكاتب، وليس أن نفرض وجه مقارنة نشعر أنه “فهماً جديداً”. فعندما “نفخ” الله في هيئة آدم التي بلا حياة مثلاً، ما الذي فعله حقاً؟ كم من المهم أن نميز ما هو المقصود بتلك الاستعارة التشخيصية، وبذلك النسب المحدد للصفات البشرية إلى الله! إن تقرير معنى هذا الأمر يؤثر على لاهوت الخلق بأكمله.

الاستعارة الوهمية. هناك الكثير من العبارات في الكتاب المقدس ستكون غير حقيقية لو فسرناها حرفياً. فعلى سبيل المثال، السخرية هي تعبير يقول فيه الكاتب عكس ما يعنيه في الحقيقة. كما أن المبالغة لأجل خلق انطباع معين هو أمر شائع في الكتاب المقدس (يشتق من الكلمة اليونانية hyperbole). فقد كان بولس يتحدث بسخرية أو تهكم عندما قال، “سامحوني بهذا الظلم” (2كور 12: 13). إذ يتضح من السياق أنه لم يكن يعتبر صنعه للخيام لكسب العيش شيئاً خاطئاً أخلاقياً، بل قد كان يقول عكس الحقيقة لكي يخجل أهل كورنثوس ويحثهم على التوبة. كل من بولس وأنبياء العهد القديم استخدموا أسلوب السخرية والتهكم. لذلك يجب التعرف على هذه الصور باعتبارها وهمية، وإلا سيتم فهم وبناء المعنى بصورة خاطئة.

عندما يشير الكاتب مثلاً إلى أنه “خرج إليه جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم واعتمدوا جميعهم منه”، قد لا يكون الأمر ذا أهمية كبيرة أن نتأكد ما إذا كان كل فرد في أورشليم قد خرج بالفعل إلى البرية لكي يعتمد من يوحنا المعمدان. لكن، عندما يقول الكتاب المقدس، “أن كل من يؤمن بالمسيح سوف يخلص”، يكون من الأهمية العظمى أن نكتشف ما إذا كانت هذه العبارة حرفية أم مجازية.

أما أسلوب المبالغة فهو شائع في كل اللغات، لكنه بين الشعوب السامية، وبالتالي في الكتاب المقدس يكون شديد الانتشار. بل يبدو أنه يأتي غالباً من أسلوب تفكير أساسي. يقتبس جي بي كيرد من تي إل لورنس، الذي كان يعيش وسط العرب خلال الحرب العالمية الأولى، ما يلي:

لم يكن لدى الساميين “نصف درجة نغمة” في تسجيلهم للرؤية. بل كانوا أناساً ذوي ألوان أساسية، أو بالأحرى، يفكرون إما بالأبيض أو بالأسود، ويرون العالم محدداً بخطوط دائماً. كانوا شعباً عقائدياً، يحتقرون الشك، الذي هو تاج تفكيرنا الحديث. لم يفهموا صعوبات الميتافيزيقا الخاصة بنا، أو تساؤلاتنا الاستبطانية. بل كانون يعرفون فقط أن هناك الحق والكذب، الإيمان والكفر، بدون أن يكون لديهم حاشية الظلال الأدق للمعاني.[4]

وإننا إذ نقترب من الكتاب المقدس، لا بد أن نكون على حذر دائم من احتمالية وجود المبالغة، وألا نتعامل مع هذه الصور البلاغية باعتبارها عبارات حرفية تذكر حقائق.

الأسئلة التي تهدف إلى تأكيد حقيقة ما (أسئلة التقرير). يطلق على هذه الأسئلة البلاغية، التي تكون فيها الإجابات واضحة بالنسبة للسامعين. فكر مثلاً في الآيات التالية:

“إن كان الله معنا فمن علينا؟” (رو 8: 31)

ألعل الجميع رسل؟” (1كور 12: 29)

“وكيف يسمعون بلا كارز؟” (رو 10: 14)

إن الإجابات على تلك الأسئلة معروفة ولا شك فيها، ولكن المؤلف يصيغ هذه الحقائق في شك أسئلة لكي يزيد من وقعها على المتلقي. بل ولا بد أن يتم التعامل معها باعتبارها توكيدات أقوى للحقائق المقصود طرحها. فإن كان الله معنا، فلا يمكن لأي شخص أن يكون علينا. وبالتأكيد ليس جميع المؤمنين رسلاً، ولا الجميع أنبياء أو معلمين ولا الجميع يتكلمون بألسنة. ولا بد أن يكون هناك مبشر لكي يسمع الناس كلمة الله. هذه هي التوكيدات المتضمنة، والمقاطع نفسها يجب التعامل معها بهذه الطريقة.

التعبيرات الاصطلاحية. توجد العديد من التعبيرات التشبيهية والاصطلاحية الأخرى. فعلى سبيل المثال، يمكن للمؤلف أن يستخدم الحذف، بأن يحذف كلمة أو كلمات من الجملة كان يمكن أن تكملها (خر 32: 32)، أو الألغاز (قض 14: 14)، أو القصص الخرافية (قض 9: 8-15)، أو الكناية. لكننا لن نتعامل مع كل ذلك بتوسع لأن عددها ليس كثيراً، وعادة ما يكون كل من التعبير المجازي وتفسيرها واضح للغاية.

إلا أن واحداً من الأمثلة غير الواضحة تماماً، هو تعبير، “حسن للرجل ألا يمس امرأة” (1كور 7: 1). بحسب سياق المقطع والاستخدام الاصطلاحي في هذا الزمن، يجب أن يتم التعامل مع هذا التعبير باعتباره كناية عن العلاقات الجنسية، وفي ذلك المقطع، عن الزواج كان أن مصطلح مثل “يكشف…. عورتها” هو تعبير أخف لوصف العلاقات الجنسية غير الأخلاقية (لا 18: 8، 12).

لا يتم فهم مثل هذه المقاطع بسهولة بدون دراسة الكلمات أو استكشاف الخلفية الثقافية. لكن في معظم الأحيان، لا تكون هذه التشبيهات كثيرة العدد كما أنه يسهل فهمها. لذلك لا بد من التعرف على نوع التشبيه قبل البدء في محاولة التفسير. في كثير من الأحيان يكون المعنى شديد الوضوح، بمجرد تحديد نوع التشبيه. ومع ذلك فهناك بعض الإرشادات الخاصة التي تفيدنا في تفسير تشبيهات معينة.

تفسير التعبيرات المجازية

لا بد أن يتم التعرف على ما يقصد المؤلف أن يشير إليه في التعبير المجازي. وأول خطوة في التفسير هي نقل التعبير المجازي إلى معناه الحرفي. فمن هن “الثيران”، و”الأسود”، و”الكلاب” الذين كانوا يحيطون بداود (مز 22: 12-13، 16)؟ بمجرد أن نفهم العناصر المجازية، يجب أن نقوم باستخدام الأدوات التفسيرية بأكملها لنقل التعبير المجازي إلى معناه الحرفي، ولتفسير المقطع بأكمله. ففي كل مرحلة، يجب استخدام جميع الإرشادات؛ فالخلفية الثقافية، ودراسة الكلمات، ودراسة السياق هي أدوات لا يمكن الاستغناء عنها لفهم اللغة المجازية.

لكن دعونا نفكر في ثلاثة إرشادات خاصة لتفسير الأنواع المعينة من التعبيرات المجازية.

1 – تشبيهات المقارنة غالباً ما تتطلب إرشادات خاصة. أكثر مبدأ إرشادي مفيد هنا هو أن نتذكر أننا عندما نقوم بعقد مقارنة بين شيئين مختلفين، تكون أوجه المقارنة محدودة للغاية. والحقيقة هي أنه عادة ما يكون في ذهن المؤلف وجه واحد للمقارنة، كما رأينا.

لذلك يجب على المفسر أن يقاوم إغراء أن يقوم بإقحام أوجه للمقارنة من خياله الخاص. بل عليه أن يقوم من خلال دراسة الكلمات، ودراسة السياق والخلفيات الثقافية والتاريخية، بتمييز وجه المقارنة الذي قصده المؤلف. أما في المقارنات المركبة، كما في الأمثال، والنماذج، تصبح هناك إرشادات أخرى ضرورية، والتي سوف ندرسها فيما بعد بتفصيل أكثر.

2 – من المهم أن نميز بين تشبيه الربط وتشبيه المقارنة. فقد تحدث داود عن “وادي ظل الموت” (مز 23: 4). فهل هذا تشبيه مقارنة أم تشبيه ربط؟ يخبرنا بعض المفسرين أن تعبير “وادي ظل الموت” كان مصطلحاً يشير إلى الخطر. المقارنة هي مع وهدة عميقة يعبر من خلالها المسافر وهو يخشى فيها على حياته. ومن ناحية أخرى، يمكن أن يتم اعتباره تشبيه ربط، حيث يتم استخدام المكان الذي يرتبط بالموت للإشارة إلى العبور المخيف في الموت. هذا هو المعنى التي يعطى للآية في العديد من الجنازات.

فأي معنى منهما هو الذي كان يقصده داود؟ بفحص السياق نجد أن داود كان يقوم بعقد مقارنة ممتدة للعلاقة بين الراعي والخراف، وعلاقة الله بداود. فالمعنى الطبيعي إذاً هو تشابه آخر بين الخروف وبين داود. فيمكن لداود أن يجتاز أي تجربة مخيفة أو مجهولة بدون خوف لأن الرب معه. وبالطبع، يمكن أن يكون الموت نفسه هو واحد من هذه التجارب، ولكن المعنى سيكون أكثر اتساعاً لو تم اعتبار هذا التعبير أنه مقارنة.

لكننا نحتاج كذلك إلى تطبيق إرشادات أخرى. بفحص البنية النحوية للمقطع، يمكن للمرء أن يلاحظ أن داود يغير الحديث من ضمير الغائب غير الشخصي في الأعداد الأولى “في مراع خضر تربضني”، إلى الحديث بصورة شخصية بضمير المخاطب “لأنك أنت معي”، فهل هذا يعني ضمنياً التحول من تشبيه الخروف بداود إلى العلاقة الحرفية بين داود والرب؟ إن كان كذلك، فقد يكون من الأفضل اعتبار أن الوادي يشير إلى الموت، أي تشبيه ربط. فهل هذا التفسير يدعمه رمز قديم للموت، كما نرى ذلك في سفر قديم آخر من أسفار الكتاب المقدس (أي 10: 21-22)؟

لكن الجزء اللاحق من العدد ينفي مثل هذا التفسير بعودته إلى المقارنة بالخروف: “عصاك وعكازك هما يعزيانني” بمقارنة ذلك بكتابات داود الأخرى، وبفحص الخلفية الثقافية (كيف كان الناس يفكرون في الموت) تتدعم فكرة أن داود كان في ذهنه كل أنواع المخاطر، وليس الموت فقط. والأكثر من ذلك، أن الفكرة السارية في هذا المزمور بأكمله، تجعل الموت لا مكان لن في المقطع، حيث يتبعه مائدة ومسح للرأس بالزيت، وتعبير “كل أيام حياتي”، و”بيت الرب إلى مدى الأيام”.

بهذه الطريقة، نكون قد استخدمنا العديد من الإرشادات في نقل هذا التشبيه إلى معناه الحرفي. وهكذا يمكن أن يكون هذا تشبيه مقارنة، والذي فيه يواجه داود، مثل خرافه الخاصة، أكثر التجارب المرعبة في حياته بلا خوف، لأن الرب معه ليحميه منها.

3 – قم بفحص التشبيهات الوهمية. في بعض الأحيان تكون المبالغة هي تشبيه وهمي واضح. فعندما يقال أن المسيح لم يكون يكلم الناس إلا بأمثال (متى 13: 34)، فإن الكاتب كان يعني بوضوح أن الأمثال كانت هي وسيلته الرئيسية في التواصل مع الناس. ولكنه لم يكن يعني أن يسوع لم يكن يتحدث مطلقاً بطرق أخرى، لأنه حتى متى نفسه يسجل الكثير من تعاليم المسيح التي لم تكن بأمثال، مثل الموعظة على الجبل.

وعندما قال داود بشأن خطيته ضد بثشبع وأوريا، “إليك وحدك أخطأت” (مز 51: 4) كان من الواضح أنه يقصد التشيديد على أن خطيته العظمى في النهاية هي موجهة ضد الله.

لكن ليست جميع المبالغات ظاهرة وواضحة هكذا. فعندما يقول الكتاب المقدس “إلى الأبد”، فهل هذا يعني دائماً “بدون نهاية”؟ يقول الكتاب “المؤسس الأرض على قواعدها فلا تتزعزع إلى الدهر والأبد” (مز 104: 5). ومع ذلك، فمنذ مزمورين سابقين قال المرنم: “من قدم أسست الأرض والسماوات هي عمل يديك هي تبيد وأنت تبقى وكلها كثوب تبلى كرداء تغيرهن فتتغير” (مز 102: 25-26).

هذان المقطعان لا يعتبران متناقضان على الإطلاق، عندما يضع المفسر في الاعتبار أن كلمة “إلى الأبد” تعني في بعض الأحيان “بدون نهاية” ولكنها كثيراً ما تعني “لفترة زمنية طويلة”. وهكذا فإننا نستخدم أيضاً هذا التعبير مجازياً. كان الفصح والكهنوت اللاوي إلى الأبد (خر 12: 14؛ 1أخ 15: 2)، لكن عندما أصبح المسيح هو فصحنا (1كور 5: 7)، وهو كاهننا (في سفر العبرانيين)، فقد انتهت عندئذ كلمة “إلى الأبد”. وهكذا فإن “إلى الأبد” تعني عادة “بدون نهاية”، ولكن ليس في كل حالة.

يجب على المفسر أن يضع في الاعتبار دائماً أن الناس كانوا يعيشون في زمن الكتاب المقدس لم يكونوا ملتزمين بالاحتفاظ بمقياس معين في الأسلوب، بالطريقة الحديثة، وأن المبالغات لإحداث وقع وتأثير كانت أسلوباً أدبياً شائعاً. ولذلك فإن السياق وتعاليم الكتاب المقدس الأخرى هي مصادر تساعدنا في معرفة ما إذا كانت العبارة تفسر حرفياً أم تفهم كمبالغة.

ملخص

يمتلئ الكتاب المقدس بتعبيرات غير حرفية. واللغة المجازية شديدة الأهمية والقيمة للعديد من الأسباب، كما رأينا. لكن لكي نستطيع تطبيق الكتاب المقدس في حياتنا، يجب تحديد ما قصده المؤلف. وقد قمنا بدراسة الخطوات اللازمة لذلك: بتحديد ما إذا المقطع مجازياً، وتحديد نوع التشبيه، ثم استخدام الإرشادات العامة والخاصة بعد ذلك لتحديد المعنى الذي قصده المؤلف عندما اختار أن يتحدث “بلغة تصويرية”.

سنقوم فيما بعد بدراسة مبادئ تطبيق الحقائق الكتابية. ومع ذلك، فعند هذه النقطة دعونا نتذكر أن كلمة مجازي أو تشبيهي لا تعني “غير حقيقي” أو “أقل أهمية”. فاللغة المجازية تعلم أمور حقيقية ومهمة. وبعد أن يقوم المرء بتحديد المعاني الحقيقية للغة المجازية، يجب أن يقوم بتطبيقها بثقة.

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

– بولينجر، إثيلبيرت ويليام. Figures of Speech Used in the Bible: Ecplainned and Illustrated معاد طباعتهGrand Rapids: Baker, 1968.

– لامسا، جورج إم. Idioms in the Bible Explained. New York: Harper & Row 1985.

– تيري، ميلتون، Biblical Hermeneutics. معاد طباعته. Grand Rapids: Zondervan 1974.

[1] سي إس لويس، (New York: Macmillan, 1947) Miracles، الصفحتان 88 – 89.

[2] نفس المرجع السابق. الصفحتان 110-111.

[3] جي بي كيرد، The Language and Imagery of the Bible (Philadelphia: Westminister, 1980)، صفحة 18.

[4] نفس المرجع السابق. صفحة 110.

اللغة المجازية في الكتاب المقدس بحث موسع

فحص السياق – كيفية فحص السياق لمعرفة ما يقصده الكتاب المقدس؟

فحص السياق – كيفية فحص السياق لمعرفة ما يقصده الكتاب المقدس؟

فحص السياق – كيفية فحص السياق لمعرفة ما يقصده الكتاب المقدس؟

فحص السياق – كيفية فحص السياق لمعرفة ما يقصده الكتاب المقدس؟

المبدأ الإرشادي: قم بفحص السياق القريب: المقطع ككل؛ والسفر ككل.

كما رأينا، المصدر الأساسي لفهم خلفية مقطع ما هو سياقه. وأهم عنصر في دراسة كلمة هو استخدام تلك الكلمة في سياقها. مرة أخرى، فإن الغموض الذي قد يتواجد في البنية النحوية غالباً ما يتم حسمه من خلال الرجوع إلى السياق. في الإرشادات التي سنقوم بدراستها الآن. سيكون السياق جوهرياً، سواء تضمن لغة مجازية، أو أمثال، أو شعر عبري. وفي الحقيقة، يمكننا أن نقول إن “السياق هو الملك”.

فمن خلال سياق أي مقطع، في التحليل النهائي، نستطيع أن نحدد المعنى.

لقد استخدمنا في الفصل الخامس مصطلح “السياق” بمعناه الواسع، مشيرين إلى الخلفية التاريخية والأدبية كلها التي كان المؤلف يكتب فيها. بهذا المعنى الواسع، يُشتق سياق الكاتب من حقيقة أن الكتاب المقدس قد قام بشر بكتابته.

وقد استخدمنا هذا المصطلح بمعنى آخر في الفصل الثاني عندما تحدثنا عن الأشخاص الذين يقتربون من الكتاب المقدس من وجهة نظر النسبية الثقافية. واكتشفنا مستويات متنوعة من “تكييف السياق”. وذلك الاستخدام الأضيق للمصطلح تم ذكره مرة أخرى في الفصل الثامن، عندما ناقشنا الخلفية الثقافية، أو السياق الثقافي.

وحيث أننا سنستخدم كلمة “سياق” بالطريقة التقليدية في هذا الفصل، فيمكننا أن نقسمها إلى ثلاثة عناصر: الغرض من السفر الكتابي؛ وتخطيط السفر؛ والسياق القريب (المباشر).

الغرض من السفر

رغم أننا ندرك أن كل سفر من الكتاب المقدس يشترك في غرض واحد مع بقية الأسفار وهو إعلان الله وخلاصه، إلا أن كل سفر غالباً في الكتاب المقدس يختلف في هدفه عن بقية الأسفار الأخرى. لذلك فمن الأهمية البالغة أن نعرف لماذا كتب المؤلف سفره الخاص. بعض الأسفار يبدو وكأن لها أكثر من هدف واحد – بل حتى عدة أهداف. لكن معظم الأسفار يكون لها هدف رئيسي، أو موضوع محوري.

كيف يمكن للمرء أن يكتشف الهدف من سفر من أسفار الكتاب المقدس؟ عدد قليل من الأسفار تكشف بوضوح عن هدفها. فمثلاً، يقول سفر يوحنا: “وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه” (يوحنا 20: 31). تساعدنا العديد من العناصر المفتاحية في هذا الهدف على فهم سفر يوحنا. فكلمة “هذه” تشير إلى المصطلح الذي يستخدمه يوحنا لوصف المعجزات، ويطلق عليها “آيات” (عدد 30).

فهي ليست مجرد أعمال عظيمة مدهشة، لكن لها هدف. فهي آيات تشير إلى ألوهية المسيح: “أن يسوع هو المسيح ابن الله” (عدد 31). وهذا يعني أن يوحنا كان ينتقي بصورة خاصة في اختياره للمعجزات التي أدرجها. فالحقيقة أنه دون كيف استخدمها يسوع لكي يعلم حقائق محددة.

يبدو أن هذا كان أسلوبه في كل أنحاء السفر. فأولاً، يكتب عن إعطاء المسيح “آية” (مثلاً، إطعام الخمسة آلاف)؛ ثم يتبع رواية المعجزة بتفسير للمعنى الذي تشير إليه هذه “الآية”. في هذه الواقعة، كان المعنى هو حديثه الرائع عن نفسه كخبز الحياة. الأكثر من ذلك، تنبهنا عبارة يوحنا الخاصة بتوضيح الهدف إلى موضوع مزدوج – أي ألوهية المسيح ومعنى الإيمان.

فبدون شك، كل من ألوهية المسيح ومعنى الإيمان يتم تعليمهما بوضوح في سفر يوحنا أكثر مما يحدث في أي مكان آخر من الكتاب المقدس. وهكذا فإن فهم هدف يوحنا من كتابة إنجيله يساعدنا على فهم معنى مقاطعه المحددة.

لكن كيف يمكن للمرء أن يحدد هدف السفر إن لم يكن مذكوراً بوضوح؟ في معظم أسفار الكتاب المقدس، لا يذكر الهدف المفتاحي أو المحوري بكلمات كثيرة. لذلك قد يكون من الضروري قراءة السفر بأكلمه بتركيز، مع تتبع مسار الفكرة، والبحث عن الموضوع. بهذه الطريقة، يكون من الممكن في معظم الأحيان تمييز الهدف من السفر.

فمثلاً، في غلاطية يركز بولس على مشكلة التأثيرات اليهودية على الكنيسة في غلاطية. وكان تصحيح هذا الخطأ واحداً من الأهداف الواضحة للكتابة إليهم. وذلك الهدف، بدوره، يؤثر على تفسير مقاطع معينة. فمثلاً، إلى أي شيء تشير كلمة “ناموس” في غلاطية؟ لا بد أنها ترتبط بنظرة المتهودين.

لذلك فإن الناموس في الرسالة إلى كنيسة غلاطية لا يمكن أن يشير إلى أي ناموس، أو إلى جميع النواميس بصفة عامة. وهكذا فإن هدف السفر يساعدنا على فهم المعاني المحددة للكلمات.

كما توجد مفاتيح أخرى مفيدة لتمييز الهدف. ففي الرسائل يمكننا أن ندرس الشكر الافتتاحي، والتحية والسلام (رو 1: 1-7؛ كو 1: 2؛ 1تس 1: 1-4؛ يع 1: 1)، والوصف الختامي (رو 15: 14-16؛ يع 5: 19-20). وفي الأناجيل أيضاً، قد يكون هناك مفاتيح في البداية وفي النهاية. أما في الأسفار التي يكون بها مجموعة من المواد المختلفة، فقد يكون للسفر موضوعاً، مثل الحكمة العملية (الأمثال)، أو تسبيح الله (المزامير)، ولكن الهدف من كل وحدة (مثلاً، من كل مزمور) يجب أن يكون هو الدليل في السعي نحو الفهم.

في بعض الأحيان يقوم المؤلف بتوضيح المناسبة التي تمت فيها الكتابة، ويمكن أن يكون هذا مفتاحاً لتمييز هدفه. لكن يجب مراعاة الحذر، فمثلاً، كتب بولس رسالة شكر للكنيسة في فيلبي، وكانت هذه هي مناسبة الكتابة. فمن ناحية، يمكن أن يكون هذا هو هدفه من الكتابة، لكن من الصعب أن نرى هذا على أنه الهدف الأسمى الذي كان في ذهن بولس أثناء كتابته للسفر بأكمله.

لهذا السبب يكون علينا أن نبحث عن موضوع، أو تركيز محوري، للتعليم. فموضوع “الفرح في الآلام”، وهو الموضوع الذي كان بولس يعود إليه من وقت إلى آخر، يبدو أنه هو الموضوع السائد في رسالة فيلبي.

الأسفار التي لها أكثر من هدف واحد

في بعض الأحيان يكون للسفر عدة أهداف، كما في حالة الرسالة الأولى إلى كورنثوس، التي تتعامل مع سلسلة من القضايا. في مثل هذه الحالات، يجب التعرف على كل هدف، ويجب عدم فرض أي هدف رئيسي على مقطع معين بطريقة تتعدى على المعنى الواضح في السياق المباشر.

لذلك فمن المهم أن نسعى لفهم الهدف من خلال القراءة المباشرة للسفر قبل الرجوع إلى آراء الآخرين. لكن سيكون من الخطأ أن نتخذ القرار النهائي بدون الرجوع إلى ما استنتجه المتخصصون. فإذا كان هناك كتاب عن مقدمة للكتاب المقدس، ودليل للكتاب المقدس، ومقدمة للسفر الكتابي، في واحد أو اثنين من التفاسير يتفقون جميعاً على هدف السفر، يمكن للمرء أن يتابع بنوع من الثقة على هذا الأساس أثناء دراسته للسفر.

لكن إن لم يكن هناك اتفاق عام بين المتخصصين، فربما يرجع ذلك إلى أنه لم يكون هناك هدف محدد واضح تماماً. في تلك الحالة، لا يجب استخدام أي هدف كمبدأ إرشادي لتفسير مقطع معين، إلا بطريقة عامة.

لكن هناك استثناءات. فمثلاً، يوجد رأيان شديدا التباين بشأن الهدف من سفر نشيد الأنشاد، فالحقيقة أن سفر نشيد الأنشاد ربما يكون هو السفر الوحيد في الكتاب المقدس الذي يوجد خلاف كثير حوله. فهل كتبه سليمان كأنشودة محبة. موضحاً فيه جمال العلاقة الكتابية الحبية بين الزوج وزوجته؟ أم أنه كتبه خصيصاً لكي يعلم حقيقة روحية خفية؟ فإن تفسير كل أصحاح، وتقريباً كل عدد، سيتحدد بواسطة الإجابة على ذلك السؤال الأولي الأساسي المتعلق بالهدف.

في مثل هذه الحالة، من الضروري أن نفحص السبب في التباين. فيجب على الدارس أن يبحث في السفر عن أي تلميح كان مقصود به أن يكشف عن معنى روحي. فإن كان السفر نفسه يظهر أنه يتحدث عن أنشودة محبة جميلة، فيجب إذاً أن يكون هناك دليل خارجي دامغ يجعلنا نفترض هدفاً آخر له.

كما يجب على السياق أن يقرر الهدف. فهل يخبرنا سليمان، في أي موضع من السفر، أن معناه يعبر عنه برموز روحية؟ إن لم يكن كذلك، يجب ألا يفرض المفسر رموزه الروحية باعتبارها هدف السفر، ثم يستمر في تفسيره على هذه الضوء.

أما بالنسبة لسفري أخبار الأيام الأول والثاني، فإنهما يهدفان إلى ما هو أكثر من مجرد رواية لتاريخ شعب الله. فقد كان هدفهما تقديم تفسير للمعنى الروحي للأحداث التاريخية. فغالباً يقوم الكاتب بتقديم “القصة من الداخل”، أي رؤية الحدث من وجهة نظر الله.

وهذا أمر مفيد ليس فقط في تفسير الأحداث كما هي مدونة في أخبار الأيام الأول والثاني، بل أيضاً في إعطاء فهم أعمق لنفس الأحداث التي في أغلب الأحيان يتم تقديمها بصورة أكثر “موضوعية” في روايات صموئيل الأول والثاني، وملوك الأول والثاني. على سبيل المثال، تسجيل كلمات داود الأخيرة بخصوص الهيكل وتحميل مسؤوليته إلى سليمان (1أخ 28-29) يقدم بعداً روحياً غير موجود في رواية صموئيل. كما أن النهضة التي حدثت في عهد حزقيا (2أخ 29-31) وتقييم الله لحزقيا (2أخ 32) مملوءان بالفهم لوجهة نظر الله.

وهكذا فإن الهدف الذي يكون في ذهن المؤلف عند كتابته للسفر يؤثر في كل مقطع من مقاطع هذا السفر. وعندما يمكن تمييز هدفه، فإن ذلك يقدم السياق الأوسع الذي يجب أن يوضع فيه كل مقطع قبل التوصل إلى النتائج النهائية بشأن المعنى الذي يقصده المؤلف. كما أنه من المنطقي أن نفترض أن تفسير كل مقطع يجب أن يتفق مع هدف السفر ككل.

تخطيط السفر

إن العقل البشري، الذي يعمل بحسب نموذج الله في التفكير، يسعى للفهم عن طريق تفسير الأشياء بطريقة متسقة ومترابطة، أي بإظهار العلاقات بينها. تلك العلاقات قد تكون تتابع أحداث تاريخي بسيط، أو ترتيب شعري للجمال أو للتأثير العاطفي، أو حديث لاهوتي منطقي مباشر. لكن يمكن للمؤلف ببساطة أن يكتب مجموعة من الحكم التي لا ترتبط ببعضها البعض، أو ينظم أشعار ليست لها علاقة ببعضها البعض.

كما يمكن للسفر أن يكون عبارة عن سلسلة من الرؤى. وقد يكون ترتيب الأحداث مسلسلاً زمنياً أو مسلسلاً بحسب ترتيب آخر لكي يؤدي إلى تأثير معين. بعض المؤلفين يكونون منطقيين بعناية في عرض أفكارهم، بينما آخرون قد تكون أفكارهم غير مترابطة. ويمكن لأحد المؤلفين أن يستخدم عدداً من الخطط أو الصيغ الأدبية، فيجب على المفسر أن يسعى لفهم كل مقطع بما يتفق مع الصيغة التي اختارها المؤلف.

على سبيل المثال، يبدو أن سفر الأمثال ليست له خطة كلية عامة. فأن نقوم بفرض مسار للفكر أو رابطة بين عدد معين والعدد التالي له، هذا الأمر قد يقود المفسر إلى الضلال بعيداً عن المعنى المقصود. فإن كان الأرجح ألا يكون هناك اتصال وعلاقة بين الأعداد وبعضها البعض، يجب اعتبار تلك الأعداد مستقلة عن أحدها الآخر.

تبدو خطة إنجيل متى أنها تعنى بالموضوع أكثر مما تعنى بالترتيب الزمني للأحداث. لذلك فعندما يسعى المفسر للربط بين حدثين كما لو أن أحدهما قد قاد أو سبب الآخر، أو عندما يفسر كما لو كان في السياق التاريخي لذلك المقطع الذي يسبقه أو يتبعه، فإنه قد يضل في تفسيره.

فإنجيل متى لم يكتب بتسلسل زمني دقيق، لكن هذا لا يعني أن متى لم تكن لديه خطة. فهو غالباً يقوم بتجميع الأحداث أو الأمثال للإشارة إلى علاقاتها الموضوعية أو اللاهوتية. تلك المقاطع مفيدة في فهم المعنى الداخلي للأحداث والعلاقة بين تعاليم المسيح المتنوعة.

تأثير خطة المؤلف

تؤثر خطة السفر على التفسير. فالفكرة الفردية لا يمكن تفسيرها بمعزل عن ارتباطها بالأفكار المجاورة لها. فمثلاً خطة بولس في رومية كان أن يبني فكرة على أخرى، فيقوم بترتيب المبدأ الأساسي نظامياً في ترتيب منطقي. فلا يمكن أن تنتزع فكرة واحدة وتعامل بمفردها عندما نتعامل مع رسالة رومية، وإلا فإن المعنى الذي يقصده بولس يصاب بالتشويه.

لتوضيح هذا المبدأ، دعونا نفكر في تفسير 1كورنثوس 12: 31 “ولكن جدوا للمواهب الحسنى” فما هي المواهب الحسنى؟ في عدد 28 يصف هذه المواهب: “فوضع الله أناساً في الكنيسة أولاً رسلاً ثانياً أنبياء ثالثاً معلمين ثم قوات وبعد ذلك مواهب شفاء أعوناً تدابير وأنواع ألسنة” يعتقد البعض أن “أولاً… ثانياً… ثالثاً” هو ترتيب بحسب التسلسل الزمني؛ بأنه أولاً يأتي مبتدئو الكنيسة الرسوليون، ثم يأتي الأنبياء المتجولون، وأخيراً يأتي المعلمون المقيمون.

لكن بحسب خطة السفر، لن يثبت هذا التفسير. فمقطع 1كورنثوس 12-14 بأكمله تمت كتابته لتصحيح إساءة حدثت في كنيسة كورنثوس. وكانت هذه الإساءة تركز على موهبة معينة (الألسنة) التي قال بولس أنها لم تكن شديدة الأهمية. المقطع بأكمله إذاً، يتعامل مع الأهمية المتأصلة للمواهب المتنوعة. فعندما يتحدث بولس عن “المواهب الحسنى”، فإنه يقصد أن بعضاً من المواهب أكثر أهمية من غيرها.

وهذا واضح تماماً عندما يتم التفكير في السياق. في هذه الحالة، يعني “السياق” سياق السفر بأكمله. فأن ننتزع من ذلك القسم عدد يقول “أولاً، وثانياً، وثالثاً” ونجعله يعني شيئاً آخر مختلف عن موضوع السفر بأكمله، فهذا معناه أن نفقد النقطة الأساسية التي يقصدها المؤلف.

التصميم

لكي نميز خطة السفر، نحتاج أن نقوم بعمل تصميم له. وهذا أمر مهم فقط بالنسبة للخطة الكلية للسفر لكن أيضاً بالنسبة للمقطع المحدد الذي نقوم بدراسته. فكيف يمكن للمرء أن يقوم بتصميم مقطع أو سفر من الكتاب المقدس؟

أولاً، تحذير: لا تستخدم التقسيم بحسب الأصحاحات والأعداد. فهذه التقسيمات ليست موضع سلطة أو ثقة بالنسبة للفكرة، فهي لم تكن في النص الأصلي، ولكن تم إضافتها بعد ذلك بكثير. إن فائدتها الكبيرة هي أنها تمكن جميع الناس الذين يتعاملون مع الكتاب المقدس من تحديد نفس المقطع. لكن عند تصميم مسار الفكرة، لا تكون الأصحاحات والأعداد مفيدة دائماً.

فمثلاً، المقطع الرائع عن المحبة الذي يبدأ بيوحنا الأولى 4: 7 لا ينتهي بنهاية أصحاح 4. فالحقيقة أن القارئ يجد تعريفاً مفتاحياُ في أصحاح 5: 3 “وهذه هي محبة الله ان نحفظ وصاياه” فإذا أنهى المرء دراسته بنهاية الأصحاح الرابع، فسوف يفقد الجزء المكمل لتحليل يوحنا للمحبة، بما فيه هذا التعريف.

كيف يمكن للمرء إذاً أن يقوم بتصميم مسار الفكرة؟ ببساطة، بأن يبحث الشخص عن التغيير. فإن كان هناك تغير في الأحداث، بأن تنتهي مثلاً قصة ما وتبدأ قصة أخرى، فإن التصميم يكون شديد البساطة. لكن في الأناجيل، يجب على المرء أن يكون حذراً لكي يدمج الوعظ أو التعليق التالي مع الحدث نفسه. قد يكون من السهل تتبع تغير الحدث، لكن تغير الفكرة، رغم أنه أكثر صعوبة، إلا أن أهميته أعظم بكثير.

في رسالة أفسس، الفاصل بين الأصحاحين 3، 4 واضح للغاية. فقد كان بولس يتعامل مع أمور تختص بالعقيدة، وخاصة بالكنيسة. وفي أفسس 3: 21، يختتم صلاته بالقول: “له المجد في الكنيسة في المسيح يسوع إلى جميع أجيال دهر الدهور. آمين”، والعدد التالي (4: 1) يقول: “فأطلب إليكم أنا الأسير في الرب أن تسلكوا كما يحق للدعوة التي دعيتم بها”. لقد انتقل بولس بوضوح هنا من المبدأ إلى الممارسة العملية، تاركاً القسمين الرئيسيين للسفر متميزين بوضوح.

أما بالنسبة للتغيرات الأٌقل جذرية في الفكرة، والتي فيها قد تتداخل فكرة واحدة تدريجياً مع فكرة أخرى، فيكون تمييزها أكثر صعوبة. وتشكل التقسيمات الفرعية تحت التصميم الأساسي.

ففي حالة رسالة أفسس، على سبيل المثاال، قد يتعرض المرء لإغراء أن يقوم بعمل فاصل بين أصحاحين 5 و6، لأن أصحاح 5 يتعامل مع الأزواج والزوجات، بينما أصحاح 6 يبدأ بالعلاقة بين الأبناء والوالدين. ومع ذلك، فالنظر إلى العلاقة بين الأصحاحين تفترض وجود موضوع مشترك، وهو الخضوع لبعضنا البعض.

وهكذا يمكن للمرء أن يبدأ بأية نقطة في النص ويتحرك منها للخلف أو للأمام للبحث عن تغيير في الفكرة. فإذا بدأ الشخص بنهاية الأصحاح الخامس في أفسس واتجه للوراء، فسوف يجد الموضوع يتركز على العلاقة بين الزوجات والأزواج كتشبيه لعلاقة الكنيسة بالمسيح.

هناك فاصل واضح بين العددين 21 و22، لأن عدد 21 يتحدث عن خضوعنا بعضنا لبعض في مخافة المسيح. لذلك فإن معظم الترجمات تقوم بعمل مقطع جديد عند هذه النقطة. المقطع الجديد هو بلا شك مشروع، لكن العلاقة بين خضوعنا لبعضنا البعض في عدد 21، والتعليم الذي يبدأ في عدد 22، بأن الزوجات يجب أن يخضعن لأزواجهن، من الواضح أن بينهما علاقة ما.

عندما نعود إلى 6: 1، ونبدأ بالنظر في اتجاه مضاد بتغيير الفكرة، فإننا نجد في الحال مثالاً آخر للخضوع. هذه المرة نجد خضوع الأبناء للوالدين. وبتتبع مسار الفكرة أكثر، يحدث فاصل بين 4: 4 و6: 5، حيث يتغير الموضوع من الأبناء والوالدين إلى العبيد والسادة.

ومع ذلك، يستمر خيط الفكرة في أن العبيد يجب أن يخضعوا لسادتهم. حتى نصل إلى عدد 10، حيث نجد انفصالاً كاملاً عن الفكرة الأصلية للخضوع لبعضنا البعض في مخافة المسيح. وعندما نقوم بتصميم مسار الفكرة بهذه الطريقة، فإننا نجد أن هذا يلقي بالضوء بوضوح شديد على مقطع عليه كثير من الخلاف.

وفيما يلي إحدى التصميمات الممكنة لرسالة أفسس، مع إعطاء قدر كبير من التفصيل للقسم الثاني منها:

مقدمة (1: 1-2)

1 – عقيدة: وضع ومقام المؤمن (1: 3 – 3: 21).

2 – الممارسة العملية: مسيرة المؤمن (4: 1 – 6: 20)

      أ) الحياة والخدمة (4: 1 – 6: 9)

      1-6. ستة موضوعات (4: 1 – 5: 20)

  1. الخضوع المتبادل (5: 21 – 6: 9)

               أ – الزوجة / للزوج (5: 22 – 33)

               بـ – الابن / للوالدين (6: 1 – 4)

               جـ – العبيد / للسادة (6: 5 – 9)

      ب) الحرب الروحية (6: 10 – 20)

الختام (6: 21 – 24).

لاحظ أن نقطة التقسيم بين العقيدة والممارسة العملية تمثل تغييراً رئيسياً في الفكرة، وهي شديدة الوضوح. وقد ميزنا هذه القسمين برقمي 1، 2. وداخل القسم الثاني (2) نجد التغيير من فكرة لأخرى أكثر مهارة وأقل تحديداً. لكن يوجد على الأقل موضوعان متميزان (الحياة والخدمة (أ)؛ والحرب الروحية (ب)). وقد وضعناهما معاً تحت تقسيم رئيسي واحد (2) لأن كل منهما يشتركان في فكرة الحياة المسيحية الفعلية – وليس المقام اللاهوتي او علاقة المؤمن بالله (1).

مرة أخرى، داخل قسم “الحياة والخدمة” توجد عدة موضوعات. وقد قمنا بتقسيمها إلى نقاط فرعية لأنها متميزة عن بعضها البعض (1 – 7). وداخل النقطة الفرعية “الخضوع المتبادل”، نجد ثلاثة أمثلة أو تطبيقات لنفس المبدأ، لذلك فقد قمنا بتجميعها تحت عنوان واحد، لكننا عرفنا كل منها بطريقة منفصلة (أ، بـ، جـ).

باستخدام التصميم السابق، أصبح مسار الفكرة واضحاً بإظهار التقسيمات الأساسية والفرعية، أو التغيير في الفكرة. نتيجة لذلك، يمكن للمفسر أن يستخدم تلك البنية في تحليل معنى أي مقطع كتابي محدد. يتضح من ذلك أن تصميم بنية سفر بكل المقاطع التي يحتويها أهم بكثير من مجرد تقديم إطار للفكرة لتذكير المحتوى بسهولة. إنها وسيلة منظمة لتتبع مسار الفكرة. ولذلك فإن مسار الفكرة، بالتالي، له أهمية عظيمة في تفسير كل فكرة داخل السفر ككل.

السياق القريب (المباشر)

إن تمييز هدف وخطة سفر يفيد في وضع كل مقطع في سياقه الأوسع. لكن السياق المباشر هو أهم وسيلة إرشادية لتحديد معنى المقطع؛ ومما يثير السخرية، إن هذا الأمر ربما يعتبر من أكثر الأمور التي يتم تجاهلها. لكن دراسة السياق المباشر يساعد القارئ على فهم المعنى الذي قصده المؤلف بصورة أفضل، كما سنرى في دراسة ثلاثة مقاطع مختلفة من غلاطية ورومية وتسالونيكي.

غلاطية 5: 4: السقوط من النعمة

عندما تحدث بولس عن السقوط من النعمة (غلاطية 5: 4)، هل كان يتحدث عن شخص فقد خلاصه؟ إن الفحص السريع للسياق يوضح أن هذا أبعد ما يكون عن المعنى الذي يعبر عنه هذا المقطع. لقد كان بولس يتحدث عن جماعة الختان (اللذين كانوا يسعون للإتيان بالمؤمنين تحت عبودية العهد القديم)، وكان يحذر أهل غلاطية أنه إذا سعى الشخص للتبرير من خلال إطاعة الناموس، فإنه يكون قد رفض طريق النعمة، وهكذا يكون قد سقط من النعمة.

رومية 14: 13 – 15: 1 القوي والضعيف

ربما نظن أن الشخص القوي هو الشخص الذي يكون قوياً في آرائه أو معتقداته او شخصيته أو في روحانيته. والشخص الضعيف هو الذي يكون ضعيفاً في واحد أو أكثر من هذه المجالات. هذه نظرة مشروعة، لكن هل هذا هو ما كان بولس يقارن بينه في رومية 14، عندما تحدث عن القوي والضعيف؟ يجب على السياق أن يقرر ذلك. لقد كان بولس يتحدث عن الشخص القوي أو الضعيف في الإيمان.

فالشخص القوي في الإيمان لديه ثقة في أنه يستطيع أن يأكل أي شيء. أما الشخص الضعيف في الإيمان فإنه يفتقر إلى تلك الثقة. في حالة بولس هذه، كان بولس هو الشخص القوي والكتابي في اقتناعاته. ومع ذلك، فمن الممكن جداً أن يكون الشخص قوياً ولكن على خطأ. فمثل هذا الشخص قد يكون ضعيفاً في الشخصية أو ضعيفاً روحياً، ولكنه لا يزال “قوياً” بالمعنى الذي استخدم به بولس هذا المصطلح هنا.

من المهم بالنسبة لمفسر المقطع بأكمله أن يعرف من السياق ما هو المعنى المقصود. وها هو على سبيل المصادفة، مثال جيد آخر لكيفية امتداد السياق إلى ما هو أبعد من تقسيم الأصحاحات. ففي رومية 15: 1 نجد حثاً إضافياً وتضاداً بين القوي والضعيف: “فيجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل أضعاف الضعفاء ولا نرضي أنفسنا” ثم يقدم لنا بولس المسيح كمثال لكي يظهر لنا أن الوصايا الصعبة يمكن إطاعتها – كل هذا في أصحاح آخر تماماً ولكنه يعتبر جزء من نفس الفكرة.

تسالونيكي الأولى 5: 2: يوم الرب

هنا يخبرنا بولس أن يوم الرب سيأتي كلص في الليل. فكيف يأتي اللص في الليل؟ يتعامل الكثيرون من الناس مع هذا المقطع ليك يوضحوا أن الرب سوف يأتي بصورة خفية أو متلصصاً. لكن مرة أخرى، يجب على السياق أن يتحكم في المعنى. فالعدد التالي يستخدم رمزاً آخر، فالطريقة التي تلد بها المرأة تأتي فجأة، وبدون إنذار.

إذاً في عدد 4، يستخدم التضاد بين النهار والليل بطريقة أخرى، ولكنها طريقة تلقي بالضوء على طبيعة اللص بحسب استخدام بولس لها: “وأما أنتم أيها الإخوة فلستم في ظلمة حتى يدرككم ذلك اليوم كلص”.

نجد هنا بولس يتحدث مرة أخرى عن اللص الذي يقتحم أو يأتي فجأة. لذلك فإنه يبدو من السياق أن سمة الص الذي يأتي في الليل لا تشير إلى الخفاء أو السرية، كما لا تشير أبداً إلى السلوك غير الأخلاقي للص، بل إلى فجائية وعدم توقع مجيئه.

لمزيد من النور، يبدو السياق السابق أنه يقول عكس التلصص أو السرية تماماً: “لأن الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس ملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء والأموات في المسيح سيقومون أولاً”. (1تس 4: 16).

فإن كان 1تسالونيكي 5: 2، يؤخذ بمعنى أن مجيء اللص يشير إلى السرية، فلا بد إذاً أن هذين العددين يشيران إلى حدثين مختلفين، ولكان سيتم تدعيم التفسير بأن “يوم الرب” و”مجيء الرب” هما حدثان مختلفان. لكن إن كان تشبيه اللص بمجيء المسيح لا يمت بصلة إلى سمة اللص إلا بأن مجيئه غير متوقع، عندها إذاً يتفق العددان معاً تماماً. لقد استخدمت العديد من الوسائل الإرشادية في تحليل هذه العبارة، لكن السياق أساساً هو الذي حدد فهماً أكثر دقة للمعنى.

ملخص

لقد رأينا أمثلة للأهمية الاستراتيجية للفحص الدقيق للسياق، حيث أن كلاً من هدف وتخطيط السفر، وتدفق مسار الفكرة في مقطع معين، والسياق المباشر، في التحليل النهائي، هو الذي يحدد ويقرر المعنى: إن أشهر أخطاء التفسير الشائعة هي التعدي على المبدأ البسيط والأساسي القائل بأن “السياق هو الذي يجب أن يتحكم في المعنى.

وحيث أن السياق هو الذي يحب أن يتحكم، فإننا يجب أن نبدأ بالغرض الذي كان في ذهن المؤلف عندما كتب سفره.  ويجب أن نسمح لغرضه وهدفه، وليس لأهدافنا وأغراضنا نحن، أن تتحكم في التفسير. وعندها، لكي نفهم أين يمكن أن يتفق المقطع مع مسار الفكرة، فإننا يجب أن نقوم بتصميم بنية للسفر، وأن نعطي أهمية عظمى للتغيرات الواضحة في الفكرة التي تقع قبل وبعد المقطع مباشرة.

وأخيراً، يجب أن نركز على السياق المباشر، وأن نسمح له بأن يتحكم في التفسير. ونستطيع أن نقوم بذلك عندما نرفض أن نقحم معنى على كلمة، أو عبارة، أو وحدة فكر، بما يتعدى على أي معنى واضح للسياق.

ليست فقط الوسيلة الإرشادية الخاصة بالسياق هي أكثر الوسائل وضوحاً وبساطة، ولكنها وسيلة عندما يتم التعدي عليها تكون عواقب ذلك بعيدة المدى. وذلك لأن الشخص الذي يتجاهل السياق دون مبالاة أثناء إعداده لعظة مثلاً أو لتخطيط لدراسة، يكون قد عصى الوصية القائلة: “اجتهد أن تقيم نفسك لله مذكى عاملاً لا يخزى مفصلاً كلمة الحق بالاستقامة” (2تيمو 2: 15). إنه لأمر مخجل أن نتجاهل السياق بإهمال. أما أن نتعمد التعدي على السياق فهو أمر أكثر من مخجل، إنه خطية، لأنه استبدال متعمد لكلمة الله بكلامنا نحن الشخصي.

إن دارس الكتاب المقدس، رغم أنه قد لا يفهم اللغات الأصلية، إلا أن لديه تحت تصرفه أهم أداة للفهم – السياق. فليته يستخدمها باجتهاد!

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

– كيشولم، روبرت بي. Interpreting the Minor Prophets. Grand Rapids: Zondervan, 1990.

– جولدنجاي، جون. Approaches to Old Testament Interpretation. Downers Grove, 1II.: InterVarsity, 1981.

– لونجمان، تريمبر، Literary Approaches to Biblical Interpretation . Grand Rapids: Zondervan, 1987.

– ماكنايت، سكوت، محرر. Introducing New Testament Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1990.

– مارشال، آي هوارد. New Testament Interpretation: Essays on Principles and Methods. Grand Rapids: Eerdmans, 1977.

– شريندر، توماس آر. Interpreting the Pauline Epistles. Grand Rapids: Baker, 1990.

– ستيوارت، دوجلاس Old Testament Exegesis: A primer for Students. and Pastors. Philadelphia: Westminster, 1980.

فحص السياق – كيفية فحص السياق لمعرفة ما يقصده الكتاب المقدس؟

تحليل بنية الفكرة – كيفية فهم مقطع ما في الكتاب المقدس؟

تحليل بنية الفكرة – كيفية فهم مقطع ما في الكتاب المقدس؟

تحليل بنية الفكرة – كيفية فهم مقطع ما في الكتاب المقدس؟

تحليل بنية الفكرة – كيفية فهم مقطع ما في الكتاب المقدس؟

المبدأ الإرشادي: قم بتحليل بنية الوحدة الأساسية للفكرة، الجملة.

الكلمات الفردية لا تكون معلقة في عزلة عن بعضها البعض، ولكنها تكون مرتبطة معاً بالكلمات الأخرى لكي تشكل وتصيغ بنية الفكرة. وحيث أن الهدف المبدئي الأولي لدراسة الكتاب المقدس هو تحديد المعنى المنفرد الذي يقصده المؤلف، فإننا قد فكرنا في إرشادات لاكتشاف الخلفية التاريخية والمادية والثقافية للمقطع، ولتحديد الكلمات الفردية التي لها أهمية خاصة، أو التي لا تفهم بسهولة. ونحن الآن نتجه إلى الإرشادات لفهم المعنى من خلال تحليل بنية الفكرة.

هناك عاملان يشكلان بنية الفكرة: الجملة والسياق. فالوحدة الأساسية للفكرة في البنية النحوية هي الجملة، والتي سوف ندرسها في هذا الفصل. لكن الجمل بدورها، ترتبط معاً ببعضها البعض. لذلك، فلكي نتتبع مسار الفكرة، يجب دراسة أيضاً سياق كل جملة. وذلك السياق سيكون هو موضوع دراستنا في الفصل الحادي عشر.

وحدة الفكرة الأساسية: الجملة

إننا نقوم بدراسة بنية الجملة لكي نحلل مسار تدفق الفكرة ونحصل على فهم لمعناها. ويعتمد التحليل النحوي، أكثر من أي جزء آخر في الدراسة الكتابية، على معرف اللغة الأصلية.

فمسار الفكرة لا تحدده البنية في اللغة الإنجليزية، بل البنية في اللغة الأصلية. بالطبع، تلك البنية تكون ظاهرة بالنسبة للمترجم ويمكن أن تتم ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية. في بعض الأحيان لا يكون مسار الفكرة واضحاً في اللغة الأصلية أيضاً، لكن في أحيان أخرى يكون واضحاً في النص العبري أو اليوناني لكن حيث أن الإنجليزية ليس في مثل بنية هاتين اللغتين، يكون من الصعب الترجمة بوضوح.

لهذه الأسباب فإن المفسر الذي لا تكون لديه معرفة عملية باللغات الأًصلية، يعتمد على المترجم وعلى المعلق في تحليل مسار الفكرة في بنية الجملة. هذا الأمر ينطبق على الدراسة النحوية أكثر مما ينطبق على أي من الإرشادات الأخرى التي تستخدم لتحديد معنى المقطع. وعلى الرغم من أن المعرفة العملية باللغات مفيدة مع الإرشادات الأخرى، ومهمة في دراسة الكلمات، إلا أنها أساسية بالنسبة للتحليل النحوي.

في معظم الأحيان يكون مسار الفكرة واضحاً بما يكفي في اللغة الأصلية، ولكن قد تنشأ المشاكل في بعض الأحيان. وغالباً ما تكون هذه المشاكل واضحة بطريقة مباشرة في الترجمة، حيث أن المترجم الجيد يكون مسؤولاً عن مهمة جعل سير الأفكار مفهوماً.

فكيف يمكن لقراء الإنجليزية (أو العربية) أن يعي مثل هذه المشاكل؟ بطريقتين، أساساً: (1) عن طريق المقارنة بين ترجمات مختلفة، و(2) بمراجعة التفاسير النقدية. فإذا لم تتفق عدد من الترجمات على مسار الفكرة المعين، يمكنك أن تتأكد تماماً أن النص الأصلي به نوع من الغموض الذي يحتاج إلى البحث.

لكن توجد أخبار سارة للدارسين باللغة الإنجليزية (أو العربية)، والذين يشعرون بالإعاقة عند هذه النقطة.

أولاً، حيث أنهم محدودون في قدرتهم على تحليل البنية النحوية، فإنهم من المحتمل أن يعطوا اهتماماً أكبر للإرشادات الأخرى لتحديد معنى المقطع. وبالطبع فإن هذه الإرشادات الأخرى متاحة كذلك للدراس باللغات الأصلية. لكن أولئك الذين لديهم معرفة باللغات الأًصلية يكون لديهم اتجاه للتركيز أكثر من التحليل النحوي.

نتيجة لذلك، قد يتعرضون لإغراء ألا يعطوا اهتماماً مماثلاً للمهارات والإرشادات الأخرى التي قد تكون حتى أكثر جوهرية في تحديد معنى مقطع محدد. بكلمات أخرى، إن الدراس بالإنجليزية قد يجد من الأسهل أن تكون له عدة كاملة من الأدوات إذ يقوم ببناء فهم للمقطع.

ثانياً، إن الإرشادات الأساسية الأخرى متاحة بالكامل للدارس بالإنجليزية (أو العربية)، لذلك فإن يكون معتمداً بالكامل فقط في مجال التحليل النحوي. فمن المهم أن نؤكد على أن قارئ الإنجليزية لا بد أن يستشير الآخرين لأجل التوصل إلى أي قرار نهائي أو تفسيرات مهمة مؤسسة على البنية النحوية.

وعلى الرغم من أن التحليل الموثوق به للبنية النحوية قد لا يتم بدون معرفة باللغة الأًصلية إلا أنه في الغالبية العظمى من مقاطع الكتاب المقدس يمكن للدارس أن يحلل بثقة مسار الفكرة في الترجمة الإنجليزية الجيدة.

لكن ما هي الترجمة “الجيدة”؟ لا بد لكل المترجمين أن “يفسروا” أو يفهموا ويميزوا المعنى الذي قصد المؤلف لكي يقوموا بصياغة هذا المعنى في لغة أخرى. لكن ماذا يفعل المترجم عندما يكون المعنى غير واضح؟ يقوم بعض المترجمين بالتركيز على الصياغة، ويسعون لإعادة استنتاج اللغة الأصلية بأقرب صورة ممكنة.

فإن كان هناك عدم يقين أو غموض في اللغة الأصلية، يقوم المترجمون بالسعي لإظهار ذلك في الترجمة. وبالنسبة للدارس الجاد، تكون هذه ترجمة “جيدة” حيث أنها تنبه لأسئلة تتعلق بالتفسير، وتعطيه الفرصة لاستخدام إرشاداته ومهاراته لتحديد المعنى. وتعتبر الترجمات: الطبعة القياسية الأمريكية (ASV)، والكتاب المقدس القياسي الأمريكي الجديد، والطبعة القياسية المنقحة (RSV) أمثلة لهذا النوع من الترجمة.

بينما يقوم مترجمون آخرون بالتركيز على المعنى أكثر من النقل الحرفي من النص الأصلي إلى الترجمة. فبالنسبة لهم تكون مهمة المترجم هي تقرير المعنى وصياغته في اللغة الأخرى.

وهكذا يتم القيام بمهمة التفسير بأكبر قدر ممكن بالنسبة للقارئ بالإنجليزية. وبالنسبة للقارئ العادي للكتاب تعتبر هذه ترجمة “جيدة” حيث أنها تفسر مقاطع صعبة ومبهمة بالنسبة له. تعتبر إعادة الصياغة من هذا النوع. ونجد مثالاً لهذا المنهج في الترجمات: الأخبار السارة للإنسان الحديث (الطبعة الإنجليزية اليوم TEV)، الكتاب المقدس الإنجليزي الجديد (NEB)، وترجمة كتاب الحياة (TLB).

الترجمات الأخرى تقع فيما بين هذين النوعين. فترجمة الطبعة الدولية الجديدة هي مثال للترجمة المتوسطة، وهي جيدة باعتبارها تنقل أكثر دقة من الأصل، أكثر منها إعادة صياغة، ولكنها ليست هي الأفضل بالنسبة للدراسة الجادة.

في مسار الفكر التالي، من المفيد أن نطرح الأسئلة التالية بشأن كل وحدة من وحدات الفكرة:

1 – ما هو أو من هو الفاعل الأساسي للفكرة؟ وهذا الفاعل سيكون إما اسماً، أو ضميراً أو عبارة تحل محل الاسم.

2 – ما الفعل الذي يقوم به الفاعل؟ الفعل يشير إلى العمل، أو الحالة، أو الظرف، ويطلق عليه المسند.

3 – ما أو من هو المفعول به أو الذي وقع عليه فعل الفاعل؟ يمكن لهذا إما أن يكون مفعول به مباشرة أو مفعول به غير مباشر.

4 – كيف يتم وصف أجزاء الفكرة بواسطة كلمة أو عبارة؟ المقيدات النحوية تشمل الصفات والظروف.

5 – ما هي الصلات بين الأجزاء المختلفة للفكرة؟ حروف الجر وأدوات الربط هي كلمات توضح العلاقات.

6 – كيف ترتبط الفكرة الأساسية بالأفكار التي قبلها والتي بعدها؟

دعونا ننظر إلى بعض الأمثلة التي فيها يؤثر مسار الفكرة وبنية الجملة على معنى النص. لن أحاول أن أحل كل مشكلة في كل نص، ولكني سأوضح ببساطة كيف يكون من الأساسي أن نحلل البنية النحوية لو أردنا أن نتأكد من المعنى.

يقوم فاعل الجملة والفعل الذي يقوم بتعريف عمل أو حالة الفاعل بتشكيل نواة كل جملة، فكل جملة بها كل من الفعل والفاعل، وهما يحتاجان أن يكونا العنصرين الأولين اللذين يتم التعرف عليهما في بنية الجملة.

الفاعل

في بعض الأحيان يكون الفاعل مفهوماً ضمنياً ولا يُذكر أو يعبر عنه مباشرة، كما في الوصايا. فمثلاً في الآية “فاطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده” (لو 10: 2)، من هم بالضبط الذين سيطلبون؟ لا يتفق جميع المفسرين في ذلك. ويمكن للفاعل أن يكون جمعاً، حيث يقوم أكثر من شخص واحد أو شيء واحد بفعل الفعل.

قد يكون هناك عمل إضافي آخر ضروري بالنسبة للمفسر، عندما يكون الفاعل ضميراً. فعندما تستخدم الضمائر، هو، هي، أنتم، نحن، وغيرها، يكون من المهم أن نعرف من أو ما هو المشار إليه، وما إذا كان الفاعل مفرداً أو جمعاً، مؤنثاً أم مذكراً. فمثل هذه الأمور لا تكون واضحة دائماً في الترجمات الإنجليزية.

فمثلاً، يخبرنا يوحنا أن يسوع “إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله” (1: 11). لاحظ الطرف التالية التي تترجم بها الآية بالإنجليزية:

“جاء إلى خاصته، وخاصته من تقبله”. (KJV).

“جاء على ذلك الذي كان خاصته، ولكن خاصته لم تقبله” (NIV).

“جاء إلى وطنه الخاص، ولكن شعبه لم يقبله” (RSV).

“حتى في أرضه الخاصة وبين شعبه، لم يكن مقبولاً” (TLB).

“دخل إلى عالمه الخاص، ولكنه لم يقبله” (NEB).

هذه الترجمات الخمس توضح أن فاعل الفكرة ليس واضحاً تماماً. فمن هم أو ما هو “خاصته”؟ وبالرجوع إلى التفسير يمكن للمرء أن يكتشف أن “خاصته” لها جنس مختلف في المرتين المذكورتين في تلك الآية. فأول مرة نجد “خاصته” متعادلة الجنس ويمكن ترجمتها “أموره الخاص”، بينما المرة الثانية التي تذكر فيها كلمة “خاصته” هي في صيغة المذكر، وتشير إلى الشعب.

في بعض الأحيان لا يكون هذا واضحاً لكن التفسير يتوقف على هذا الإدراك: إن شعبهن الشعب اليهودي الذي كان يجب أن يقبله كانوا هم نفس الأشخاص الذين رفضوه.

الفعل

تمتلك الأفعال عدة خواص تجعل تحليلها ربما من أكثر النواحي أهمية في فحص بنية الفكرة. يحتاج المفسرون أن يطرحوا الأسئلة التالية: هل الفعل في الزمن الماضي أم المضارع أم المستقبل؟ هل الفعل يعبر عن حقيقة واقعية، أم أمر، أم تخمين، أم اقتراح؟ هل الفاعل هو الذي يقوم بأداء الفعل أم أنه يستقبل الفعل (هل هو مبني للمعلوم أم مبني للمجهول؟)، وهل الفعل تام أم ناقص؟

على سبيل المثال، في المقطع الشهير رومية 12: 1-2، من المهم ملاحظة تغير الزمن في الأفعال اليونانية:

“فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية. لا تشاكلوا هذا الدهر بل تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة”.

إنه أمر أساسي أن نعرف أن العدد الأول يتحدث عن فعل بسيط يمكن تتميمه، “فأطلب إليكم… أن تقدموا أجسادكم”. من ناحية أخرى، فإن الأفعال في عدد 2 هي في صيغة المضارع المستمر، بالتوقف عن التشكل بحسب تأثيرات هذا العالم، والاستمرار في مقاومة ضغط مسايرته ومشاكلته.

ومرة أخرى، فإن الفعل “تغيروا” ليس شيئاً يتم القيام به على مذبح الكنيسة، مرة واحدة وإلى الأبد، أو بقرار فوري سريع. فقوة الفعل تكمن في استمراريته: “استمروا في التغيير عن شكلكم بتجديد أذهانكم”. الأكثر من ذلك، إن الفعلين في عدد 2 هما في صيغة الأمر. فالطاعة ليست اختيارية.

إن نوع الفعل الذي يوصف قد لا يكون دائماً واضحاً في الترجمة الإنجليزية لأن اللغة الإنجليزية ليس بها نفس أنواع الفعل في اللغة الأصلية. لذلك فإن الدارس بالإنجليزية لا بد أن يطور حساسية تجاه الفروق الدقيقة الخفية في معنى أي فعل. فإذا كان معنى جملة ما سيتأثر كثيراً، بحسب احتمالية تأثير الفعل في اللغة الأصلية في اتجاه معين مختلف، فيجب عليه أن يتأكد من مراجعة ذلك في أحد التفاسير.

المفعول به

في معظم الحالات، يقوم الفاعل بالقيام بالفعل الذي يقع على مفعول به مباشر أو غير مباشر. فعندما قال يسوع “وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات” (مت 16: 19)، فإن المفاتيح هي مفعول به مباشر، إذ يتم إعطاؤها، والضمير المستتر “أنت” هو المفعول به غير المباشر الذي يتلقى نتيجة الفعل.

لكن من هو المقصود بـ “أنت”؟ وهل “أنت” هي في صيغة المفرد أم الجمع “أنتم”؟ هل يسوع يخاطب بطرس ومن سيأتون بعده، كما تعتقد ذلك الكنيسة الرومانية الكاثوليكية؟ أم أنه يخاطب قادة الكنيسة أم جميع المسيحيين؟

بالرجوع إلى التفسير أو إلى النص اليوناني، سنكتشف أن الضمير في صيغة المفرد في الأًصل، “أنت”. فيكون السؤال إذاً ما إذا كان يشير إلى بطرس وحده أم إلى أشخاص مثل بطرس. في السعي للوصول إلى إجابة، من المفيد أن ننظر إلى مقاطع موازية بعد ذلك بأصحاحين، حيث يتكرر نفس هذا الوعد. “كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء.

وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء” (مت 18: 18). في هذه الحالة نجد الضمير المستتر “أنتم” في صيغة الجمع. ويتبعه ما يبدو أنه تفسير، يوضح أنه إذا اتفق اثنان على الأرض في أي شيء يطلبانه فإنه سيكون لهما بواسطة الآب الذي في السماء. ويتبع ذلك مباشرة الوعد بأنه “حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم” (مت 18: 20).

أليس هذا الوعد إذاً هو لمن يصلون باتحاد باسم المسيح، وفي حضور ربهم؟ فبطرس، ومن هم مثله يستطيعون، من خلال الصلاة، أن يتحدثوا مع الله بخصوص أهدافه. يمكن هنا استخدام مبادئ أخرى أو إرشادات أخرى لتحديد ما هو المفعول به، بمجرد أن يتقرر من البنية النحوية ما هي الاختيارات أو الموانع.

كما أن هناك تفسيرات مختلفة تعطى للوعد “وتلذذ بالرب فيعطيك سؤل قلبك” (مز 37: 4). هل المرنم يريد أن يوضح أن الله سيجيب الصلاة بأن يعطي الشخص ما يرغب فيه؟ أم يعنى أن رغبة أو “سؤل” الشخص الذي يجب أن يكون لديه، هو الذي سوف يُعطى له؟

يمكن حسم الإجابة على هذا السؤال بواسطة دراسة بسيطة للكلمة والتي توضح أن الكلمة العبرية المترجمة “سؤل تعني في الحقيقة “التضرعات والتوسلات”. الطريقة الأخرى لتحديد المعنى تكون بفحص المقاطع المشابهة. فعلى سبيل المثال، يقول مزمور 78: 29: 31: “فأكلوا وشبعوا جداً وأتاهم بشهوتهم لم يزوغوا عن شهوتهم طعامهم بعد في أفواههم فصعد عليهم غضب الله وقتل من أسمنهم وصرح مختاري إسرائيل”.

يتضح من ذلك المقطع أنه لم يكن لديهم نوع السؤل أو الرغبة الصحيحة، ولكنهم أخذوا ما توسلوا في طلبه. لذلك فإن المرنم يعد بأن أولئك الذين يتلذذون بالرب هم الأشخاص الذين سوف تستجاب صلواتهم.

المقيدات النحوية

المقيدات النحوية مثل الصفات والظروف تعدل أو تغير معنى الكلمات الأخرى. فالصفات قد تخبرنا بالإجابة على أسئلة مثل “أي منها”؟ أو “كم عدد؟” أو “ما نوع؟”.

والظروف ستجيب على أسئلة مثل متى؟ أين؟ كيف؟ وإلى أية درجة؟ فحتى أبسط المقيدات النحوية يمكن أن تكون لها أهمية عظيمة. فمثلاً، بنوتنا لله يتم تمييزها عن بنوة المسيح لأنه، بحسب يوحنا 3: 16، يسوع هو ابن الله الوحيد. وهكذا فإن معنى وأهمية ذلك المقيد النحوي هو الفارق بين الهرطقة والحق. كما يمكن لعبارات كاملة أن تعمل كصفات.

أما الظروف أو الأحوال فإنها غالباً تكون مقيدات للفعل من كلمة واحدة. فمن المثير للاهتمام أن يهوه يخبر قراءه بأن “تجتهدوا لأجل الإيمان” (عدد 3)، وأن يسوع يعد بأن “يأتي سريعاً” (رؤ 22: 20). ويمكن للظروف والأحوال أن تكون عبارة كاملة أيضاً، مثال على ذلك، أننا نعرف أن الكمال في تشبهنا بصورة المسيح ينتظر حدثاً مستقبلياً محدداً لأن يوحنا يقول “أنه إذا أظهر نكون مثله”. (1يو 3: 2).

لذلك يجب ملاحظة الحالات التي تفرضها الظروف والأحوال والصفات بعناية.

الكلمات التي تظهر العلاقات

الكلمات التي تظهر العلاقات بين الكلمات الأخرى التي تأتي قبلها والتي بعدها يجب أن تحظى باهتمام خاص.

حروف الجر. إنها تسبق الأسماء أو الضمائر بهدف إظهار العلاقة بين ذلك الاسم أو الضمير

بفعل أو حالة معينة، أو بكلمة أخرى في الجملة. فمثلاً “إله الرجاء” في الإنجليزية (the God of Hope) يمكن أن يعنى أن الله هو إله كله رجاء، وأن الرجاء هو واحد من صفاته؛ أو أن هذا الإله هو مصدر رجائنا والسبب الذي لأجله يكون لدينا رجاء. نحوياً، كل من التفسيرين مسموح به، لكن المفسر يجب أن يفحص السياق ويختار التفسير المناسب.

أدوات الربط. غالباً ما تكون أدوات الربط هي مفتاح الفهم، لأنها تربط بين الأفكار. وهذه الأفكار قد تكون كلمات أو أجزاء قصيرة من الجملة، أو وحدات كبيرة من الفكرة. غالباً ما توضح أدوات الربط العلاقة بين الأفكار التي تصل بينها. ومن أدوات الربط التي تستخدم في التعرف على هذه العلاقات، الأدوات التي تعبر عن:

1 – الزمن: بعد، بينما، قبل، الآن، ثم، حتى، عندما.

2 – المكان: حيث، حيثما، في.

3 – السبب: لأن، لأجل، حيث، بينما.

4 – النتيجة: لذلك، إذاً.

5 – التفسير: لذلك، لأن.

6 – الهدف: من أجل، بحيث، أن.

7 – التضاد: لكن، مع ذلك، بينما.

8 – المقارنة: أيضاً، مثل، بالمثل، الأكثر من ذلك، أكثر من.

9 – الاستمرارية: و، أو، إما…أو، ولا هذا… ولا ذاك.

10 – بالرغم من، رغم.

11 – الشرط: إذاً.

12 – التأكيد: بالحقيقة، فقط.

كمثال لكيفية استخدام أدوات الربط نجد في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس: “لكي لا يكون انشقاق في الجسد بل تهتم الأعضاء اهتماماً واحداً بعضها لبعض” (1كو 12: 25).

والآن هل كلمة “لكي” تشير فقط إلى عدد 24، أم إلى الفكرة السابقة بأكملها؟ هل خطط الله لأن يعطي كرامة أعظم لتلك الأجزاء الضعيفة حتى لا يكون هناك انشقاق في الجسد؟ إن كان كذلك، فإن “لكي” لا بد وأنها تشير فقط إلى الفكرة السابقة لها مباشرة. لذلك يكون المفسر ملزماً بأن يعرف لماذا يكون إعطاء الكرامة للأعضاء الأضعف يحفظ الجسد من الانشقاق.

نحوياً، يمكن أن تشير “لكي” أيضاً إلى الفكرة السابقة بأكلمها، وهكذا يكون المعنى هو أن كل عضو مصمم ليؤدي وظيفته في اندماج مع الكل، مما يمنع حدوث الانشقاقات في الجسد. لذلك من المهم أن نكون حساسين إلى كلمات الربط بحيث يمكن فحص كل الاختيارات.

السياق

بالتفكير في البنية النحوية، يجب أن نضع في الاعتبار السياق المباشر. فيجب أن نحدد كيف ترتبط الفكرة المفتاحية بالأفكار الأخرى داخل السياق.

في كثير من الأحيان تكون الجمل طويلة ومعقدة. فكولوسي 1: 9-20 هي مثال لجملة طويلة في اليونانية. لذلك فبعد أن تمت ترجمتها إلى الإنجليزية كجملة واحدة طويلة (حتى رغم تقسيمها أجزاء أصغر باستخدام الفصلة، والفصلة المنقوطة) لا يزال تتبعها شديد الصعوبة. تستخدم ترجمة الكتاب المقدس القياسي الأمريكي الجديد سبعة جمل لهذه الفقرة، بينما تستخدم ترجمة كينج جيمس ثلاثة جمل فقط. وغالباً ما تساعد المقارنة بين عدة ترجمات، الدارس بالإنجليزية (أو العربية) على فهم تسلسل الفكرة.

رسالة بطرس الثانية أصحاح 1 هي مثال آخر لسلسلة طويلة ومعقدة ومترابطة من الأفكار. ويجب على المفسر أن يتتبع هذه العلاقة من آية إلى أخرى، مميزاً مسار الفكرة من عدد 1 وحتى عدد 11. فمثلاً، يقول عدد 4: “اللذين بهما قد وهب لنا المواعيد العظمى والثمينة لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية”

فماذا يمكن أن يكون له أهمية أعظم من معرفة ما يمكننا من أن نصبح شركاء الطبيعة الإلهية؟ هل هو معرفة الله الآب ويسوع ربنا (ع2)؟ أم قوته الإلهية (ع3)؟ هل هو كل الأمور التي أعطتها لنا القدرة الإلهية (ع3)؟ أم هو مجده وفضيلته (ع3)؟ الإجابة الوحيدة على هذا السؤال الحيوي هي أن نتتبع مسار الفكرة منذ البداية وحتى النهاية، ملاحظين الكلمات الرابطة.

قم بفحص تسلسل الفكرة في صلاة بولس الجميلة في أفسس 3: 14-19:

“بسبب هذا أحني ركبتي لدى أبي ربنا يسوع المسيح الذي منه تسمى كل عشيرة في السماوات وعلى الأرض لكي يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة بروحه في الإنسان الباطن ليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله”.

لاحظ كلمتي الربط “لكي”، “حتى”، وكيف تقومان ببناء تصاعد للغرض في صلاة بولس، وفيها يقود كل طلب إلى احتمال الوصول إلى غرض أعلى وأعظم. نحوياً، يمكن لكلمة “لكي” أن تقدم ثلاثة طلبات صلاة منفصلة، ولكن الأفكار نفسها يبدو أنها تشير إلى رابطة تُبنى فيها كل فكرة على الفكرة السابقة لها. عملياً، بمثل هذا التصاعد في الطلبات والذي فيه تقود كل طلبة إلى نتيجة أعظم، يكون لدينا خطة عمل.

التحليل بالرسم التخطيطي

لقد سعيت فيما سبق، لتحديد منهج بسيط لمساعدة الدارس للكتاب المقدس بالإنجليزية على أن يطرح النوع الصحيح من الأسئلة عن مسار الفكرة، كما رأينا في البنية النحوية. وهناك مناهج أخرى، إلا أن البعض ممن لديهم معرفة قوية بقواعد اللغة الإنجليزية سيفضلون أن يبدأوا بتحليل للأجزاء المختلفة من الكلام.

لكن بطريقة أو بأخرى، لكي يفهم الدارس المعنى الذي كان في ذهن المؤلف، يجب عليه أن يفهم كيف يتفق كل جزء من الكلام مع الرسالة العامة للمقطع بأكمله. فكل فكرة يجب أن يتم فهمها كجزء من الخيط المتصل للمقطع كله. هناك منهجان مفيدان لتحليل بنية أو مسار الفكرة وتسلسلها، هما (1) تمثيل المقطع تخطيطياً، (2) تطويره في “تصميم ميكانيكي”.

الرسم التخطيطي النحوي

التخطيط النحوي يساعد الدارس على إعادة ترتيب كلمات المقطع بطريقة يمكنه بها أن يرى من نظرة واحدة الموضوع المحوري والبنية النحوية والفكرية الفعلية للمقطع. يجب أن يوضح هذا التخطيط العلاقات بين الكلمات والعبارات والجمل.

يستخدم الرسم التخطيطي، فقط الكلمات الموجودة في المقطع نفسه، في إعادة بعث للنص بدون اقحام تعليق من الخارج. يتطلب هذا النوع من التخطيط تغيير ترتيب الكلمات. الأشخاص الذين لديهم مهارة في استخدام هذا المنهج قد يفضلون أن يحللوا بنية الفكرة بهذه الطريقة.

التصميم الميكانيكي

من الأنواع المبسطة للتخطيط، التصميم الميكانيكي للنص. فبخلاف التخطيط النحوي، يتم ترك الكلمات في التصميم الميكانيكي في نفس ترتيبها الذي وجدت به في النص. مثل هذا التصميم يركز على العلاقة بين أجزاء الجملة، أكثر مما يركز على الوظيفة النحوية للكلمات الفردية.

هناك هدفان لتطوير تصميم ميكانيكي. الأول، هو أن النتيجة النهائية تسمح للدارس بأن يرى، من نظرة واحدة، العناصر الرئيسية للمقطع وعلاقتها ببعضها البعض. فيمكنه على الفور أن يرى الجزء الأساسي من الجملة، والمقيدات النحوية، وعلاقتها ببعضها البعض كذلك.

ثانياً، إن عملية تطوير التصميم تجبر المفسر على طرح أسئلة والقيام بملاحظات عن بنية المقطع. فإن كانت هناك أجزاء مبهمة من مسار الفكرة، لا بد وأن يجتهد لكي يقرر أين هو مكان الفكرة في التصميم.

ويكون عليه أن يقدم أحكاماً بخصوص كل جزء من أجزاء الجملة. وهذا سيمنعه من افتراض أنه يفهم مسار الفكرة قبل أن يكون قد درس بالفعل كل جزء من الجملة ومن المقطع. وهكذا تصبح التفاصيل كثيرة – وهذا أمر حيوي في دراسة الكتاب المقدس، حيث أن كل كلمة موحى به من الله.

لذلك فإن التصميم الميكانيكي له فائدتان عمليتان: (1) أنه يصبح ورقة عمل مثالية لتسجيل الملاحظات والتعليقات الناتجة عن تطبيق الارشادات التفسيرية على النص؛ (2) كما أنه خطة وسيطة جيدة بين دراسة النص وتكوين مخطط التعليم من المقطع. فكل جزء أساسي من الجملة والمقيدات النحوية الخاصة به، والمتصل بكل أدوات الربط، يساعد المرء على التفكير في النقاط الأساسية والثانوية التي يعرضها المؤلف.

لا توجد طريقة واحدة فقط هي الصحيحة لتصميم كل مقطع من الكتاب المقدس، رغم أن الدارسين الحذرين والمتمرسين سيتفقون على العلاقات بين معظم أجزاء الجمل وبعضها البعض. ومع ذلك، يجب على المرء أن يكون ثابتاً في الطريقة التي يقوم بها بهذا العمل لكي يحتفظ بثمار الدارسة لاستخدامها في المستقبل.

تعتمد الدقة التي يتم بها عمل التصميم على المقطع وعلى الغرض من الدراسة. فبعض المقاطع مثل معظم الروايات التاريخية، تتطلب تصميماً بسيطاً أو لا تتطلب تصميماً على الإطلاق.

وبعض المقاطع قد تصبح واضحة بتصميم بسيط، لكن العديد من المقاطع الأخرى في الرسائل مثلاً، تكون شديدة التعقيد. فالجدل فيها يكون شديد الإقناع والترابط والشمولية. تصيح هذه المقاطع واضحة، ومسار الفكرة فيها أكثر تأكيداً، من خلال تصميم ميكانيكي تفصيلي مخطط بعناية.

بالرغم من أن ميكانيكيات التصميم بسيطة للغاية، فإنها تتطلب قدراً من الوعي النحوي. فكر في الهياكل النحوية الثلاثة التالية.

أجزاء الجمل ذات الفكرة المستقلة. قم بوضع أجزاء الجملة ذات الفكرة المستقلة (أفكار كاملة) على يسار الهامش، وفي نفس السطر قم بكتابة الفاعل، والفعل، والكلمة أو العبارة التي تشير إلى المفعول به المباشر. سيمثل هذا السطر ما تتحدث عنه الجملة بصورة أساسية.

أجزاء الجملة ذات الفكرة غير الكاملة. وتوضع في السطر المقابل تحت الكلمة التي تصفها. المقيدات النحوية تشمل الجمل الظرفية، والأحوال، وأشباه الجمل، وجمل الربط. وهذه الأجزاء قد تشمل أيضاً مقيدات لغوية أخرى يمكن وضعها تحتها، بحيث قد تظهر النتيجة النهائية مدرجة تحت بعضها البعض.

حروف العطف وأدوات الربط. يمكن وضعها فوق السطر أو ربطها بجزء الجملة التي تربطه مع توصيل الأداة بالجزئيين اللذين تربطهما بخطين.

بالإضافة لذلك، يجب على الدارس أن يترك مسافة كافية بين الأسطر بحيث يمكنه أن يكتب فيها ملاحظاته وتعليقاته. ومن الأفضل أن يكتب ملاحظاته بلون مختلف بحيث عندما يتم استخدام الدراسة في وقت لاحق، يمكن أن يكون النص الكتابي مميز وواضح بلون مختلف عن تعليقات المفسر.

نص متى 6: 1 – 4

إن دراسة المثال التالي للتصميم بعناية سيكون هو أفضل وسيلة لتعلم ما تتضمنه عملية صنع التصميم.

متى 6: 1 – 4

(عدد 1)
(عدد 2)
(عدد 3)

والآن بعد أن اختبرت القيام بهذه العملية، قد يكون من المفيد تجربتها على مقطع بسيط تهتم به اهتماماً خاصاً، قبل أن تفكر في المثال التالي الأكثر تعقيداً.

نص فيلبي 1: 9 – 11

فكر الآن في النص المهم والصعب والجميل في فيلبي 1: 9 – 11. هناك مشاكل أساسية في هذا المقطع، فمسار الفكرة ليس واضحاً تماماً، رغم أنه قد يبدو كذلك للوهلة الأولى.

فيلبي 1: 9 – 11:

(عدد 9)

 

تعليق على فيلبي 1: 9 – 11

يصور التصميم السابق مسار الفكرة كما حددها أحد المفسرين. ولكن هناك احتمالات أخرى. فكر في الخمسة أسئلة الأساسية الخاصة بالبنية في هذا المقطع.

1 – “أن” (عدد 9) عندما قال بولس أنه كان يصلي “أن”، ربما كان يعني:

1) “إنني أصلي الأمور التالية”.

2) “إنني أصلي لكي تتحقق الأمور التالية”.

فالقصد الواضح في التخطيط لا يشير أي من الاختيارين هو الصحيح، كما لا تشير إلى ذلك بنية الجملة. لذلك فربما يتم اتخاذ القرار على أسس أخرى، مثل لاهوت الشخص في الصلاة. فمثلاً، الشخص الذي يؤمن بقوة بقرارات الله السيادية من الأرجح أن يختار الاختيار الأول.

2 – “حتى” (عدد 10). هل هذا يعني أن القدرة على تمييز ما هو متخالف هي نتيجة للمحبة التي ستزداد في المعرفة والفهم؟

يشير التصميم إلى مثل هذا المعنى. لكن، من ناحية أخرى، إن كان بولس يقصد بذلك أن تكون طلبة ثانية، فإنه سيتم وضعها تخطيطياً في نفس مستوى الطلبة الأولى مبتدئاً من نفس مكان هامش الطلبة الأولى، كالآتي:

أن تزداد محبتكم

                      حتى تميزوا الأمور.

3 – “لكي تكونوا” (عدد 10). يشير التصميم إلى أن كونهم مخلصين وبلا عثرة إلى يوم المسيح هو نتيجة تمييز الأمور المتخالفة. لكن إن كان بولس يعني أن الحالة الجيدة إلى يوم المسيح هي نتيجة ازدياد المحبة، كان يجب كتابة هذه العبارة في توازي مع العبارة السابقة، “حتى تميزوا الأمور”، كما يلي:

أن تزداد محبتكم

                     حتى تميزوا الأمور

                                             لكي تكونوا مخلصين وبلا عثرة.

4 – “مملوئين من ثمر” (عدد 11). يتم فهم الفاعل هنا باعتباره الضمير “أنتم”، أي المسيحيون في كنيسة فيليب. لاحظ أنهم لا يملؤون أنفسهم. لاحظ أيضاً أن الحالة كاملة وتامة – “مملوئين”. لكن تلك الحالة سوف يتم تكميلها في يوم المسيح بعد أن تكون صلاة بولس لأجلهم قد استجيبت.

التصميم الأصلي، بجعل “مملوئين” متوازية مع “لكي تكونوا مخلصين”، وهو المقصود أن يكون نتيجة “حتى تميزوا الأمور”، يشير إلى معنى أن كونهم مملوئين من ثمر البر هي حالة أو شرط مسبق لقدرتهم على تمييز الأمور المتخالفة. ويمكن القراءة كالآتي: “يمكنكم أن تميزوا الأمور المتخالفة، إذ تمتلئون من ثمر البر”. ولكنها يمكن أن تعني أنهم سيكونون مخلصين وبلا عثرة لأنهم قد امتلئوا من ثمر البر. فإن كان ذلك هو المعنى، لكان سيتم التخطيط كالآتي:

إلى يوم

           المسيح

                      مملوئين من ثمر

                                           البر.

5 – “الذي بيسوع المسيح” (عدد 11). هل الثمر هو الذي يأتي بيسوع المسيح، أم البر؟ يشير التصميم الأصلي إلى أن الثمر هو الذي يأتي من خلال المسيح. وقد تم اختيار هذا المعنى بسبب اتفاق الحالة في النص اليوناني. أما المعنى الثاني غير الصحيح هنا، بأن بولس يتحدث في هذا المقطع عن البر من خلال المسيح، فيمكن تخطيطه كالتالي؟

مملوئين من ثمر

                     البر

                          الذي

                                 بيسوع المسيح

وهكذا يتم التعبير عن مسار الفكرة كما تم تخطيطها كالآتي:

أصلي أن تنمو محبتكم وتزداد أكثر فأكثر، في كل من المعرف والفهم الحقيقي. نتيجة ذلك أنكم ستتمكون من تمييز الأمور المتخالفة. وهذا بدوره، سوف يؤدي إلى حياة مخلصة وبلا لوم أو عثرة، تمتد حتى يوم مجيء المسيح. كيف يمكنكم أن تعيشوا هذا النوع من الحياة؟ فقط لأنكم قد امتلأتم بالفعل من ثمر البر. وكيف حدث ذلك؟ لقد حدث ذلك من خلال يسوع المسيح. والغرض من ملئه لكم بهذه الطريقة هو أن يأتي المجد والحمد لله.

ملخص

لقد ذكرنا في هذا الفصل أربعة مناهج مختلفة لتتبع مسار الفكرة في مقطع، وقد قمنا بعمل شرح مفصل لاثنين منهم: (1) أسئلة أساسية يتم طرحها بخصوص المقطع، و(2) التصميم الميكانيكي. في الحقيقة أنهما يكونان أكثر فعالية عندما يتم دمجهما معاً كمنهج واحد، رغم أن كل منهما يمكن استخدامه بمفرده بطريقة مستقلة. وعندما يتم دمجهما معاً في منهج واحد، يتم طرح الأسئلة الخاص بالمقطع، ثم تصوير الإجابات على شكل تصميم ميكانيكي.

لكن أياً كان المنهج الذي سيستخدم من الأمور الأساسية أن نقوم بتتبع تدفق الفكرة بأكثر دقة ممكنة. وعندما يكون هناك غموض أو إبهام بشأن مسار الفكرة، فإن الدارس بالإنجليزية يمكنه أن يتأكد تماماً من الاختيارات المشروعة في تفسير معنى النص عن طريق مقارنة عدد من التفاسير النقدية أو الترجمات المختلفة للكتاب المقدس.

في بعض الأحيان يستمر الغموض لأن سير الفكرة قد لا يكون واضحاً تماماً في اللغة الأصلية. وفي الحالات التي تسمح فيها البنية النحوية بأكثر من معنى واحد، يكون تقرير أي معنى هو المقصود بواسطة المؤلف مبنياً عادة على إرشادات أخرى، بمجرد أن تتضح الاختيارات الأخرى. لكن لا يجب القيام بالاختيار أبداً بناء على ما يرغب المرء في أن يقوله المقطع، بل على أساس الاستخدام الحريص للإرشادات مثل دراسة السياقين القريب والبعيد، والمقاطع الموازية المشابهة، ودراسة الكلمات، والخلفية التاريخية والمادية والثقافية للمقطع.

فإن لم يكن لدينا عدة الأدوات الكاملة، سنكون معاقين عن الفهم الصحيح، حيث أن كل الإرشادات مترابطة معاً. فمثلاً، إننا نحتاج إلى السياق لكي نفهم معنى الكلمة، ونحتاج إلى معنى الكلمة لكي نفهم مسار الفكرة. لكن حيث أننا لا نستطيع أن ندرس كل الإرشادات في نفس الوقت، لا بد أن نكون صبورين، ونعمل على اتقان تلك المهارات الواحدة تلو الأخرى إلى أن نتمكن من استخدامها كلها معاً.

 

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

– جنسن، إيرفينج إل. Chicago: Moody, 1963. Independent Bible Study.

– كايزر، ولتر سي. Toward an Exegetical Theology: Biblical Exegesis for Preaching and Teaching. Grand Rapids: Baker, 1981.

– ترينا، روبرت إيه. Methodological Bible Study: A New Approach to Hermeneutics. Wilmore, Ky.: Robert A. Traina, 1952.

– والد، أوليتا. The Joy of Discovery. طبعة منقحة. Minneapolis: Augsburg, 1975.

تحليل بنية الفكرة – كيفية فهم مقطع ما في الكتاب المقدس؟

كيفية دراسة كلمة من كلمات الكتاب المقدس بشكل سليم

كيفية دراسة كلمة من كلمات الكتاب المقدس بشكل سليم

كيفية دراسة كلمة من كلمات الكتاب المقدس بشكل سليم

كيفية دراسة كلمة من كلمات الكتاب المقدس بشكل سليم

المبدأ الإرشادي:

 قم بعمل بحث خاص لمعنى كل كلمة غير واضحة ومهمة.

الكلمات هي وحدات البناء الأساسية لفهم معنى أي مقطع. وفي البحث عن المعنى الذي قصده المؤلف، لا بد أن نفكر في معاني الكلمات الفردية، فإن معانيها في كثير من الأحيان لا تكون دائماً بديهية وواضحة.

مثال على سوء فهم الكلمات جاء على لسان إحدى الطالبات في كلية اللاهوت، التي كانت تتحدث في فترة العبادة عن آية في تكوين 24: 27 “إذ كنت أنا في الطريق هداني الرب إلى بيت إخوة سيدي”.

فقد أخذت تعبير “كنت أنا في الطريق” للإشارة إلى مقاومتها الشخصية لمشيئة الله. فقالت إنها على الرغم من شعورها كثيراً بأنها كانت تعرقل بعناد أغراض الله بكونها عقبة “في الطريق”، إلا أنها شعرت أن الله قادها على الرغم من مقاومتها لأنها كانت ابنته! وهكذا بسبب إساءة فهم معنى الكلمات، توصل المفسر إلى معنى معاكس للمعنى الذي قصده المؤلف.

فقد استنتجت أن الله سيقود الإنسان حتى عندما يقاوم هذا الإنسان مشيئته، بينما الآية تقول إنه سيقوده عندما يتبع وصاياه وتعاليمه.

لماذا تسبب الكلمات مثل هذا الارتباك والمتاعب؟ لأنه نادراً ما يكون لها معنى محدد مماثل في جميع السياقات. بل على العكس، فالكلمات يكون لها مدى واسع من المعاني، بحيث أنه في سياق واحد يختلف التركيز على كلمة ما، أو حتى على معنى ما، عن المعنى الذي يقصده المؤلف باستخدام نفس الكلمة في سياق مختلف. بل أنه حتى في اللغة الأصلية للمرء، يكون فهم الإنسان لشخص آخر هو تدريب مستمر على التفسير.

أما في الترجمة فتصبح المشكلة أكثر تعقيداً وتركيباً، حيث أن الكلمة في إحدى اللغات نادراً ما تعني بالضبط ما تعينه هذه الكلمة في لغة أخرى. على سبيل المثال، عندما يحثنا بولس على الصلاة دائماً، يقول حرفياً “كل وقت” (أفسس 6: 18)، وعندما قال المسيح أنه سيكون معنا دائماً، نجد الكلمات المستخدمة حرفياً هي “كل الأيام” (متى 28: 20).

فبالنسية لفهمنا للمعنى المقصود، ربما كنا سنعكس اختيارنا للكلمات، فإننا نميل إلى التفكير بأن المسيح معنا بدون انقطاع في (كل وقت)، وأننا يجب أن نصلي بصورة يومية، وليس كل الوقت (أي أربع وعشرين ساعة يومياً). لكن حدود الفهم لكلمات بولس “كل وقت” يمكن أن تتراوح ما بين المعنى الحرفي بدون انقطاع إلى معنى يومياً، أو كعادة عامة في الحياة اليومية. لذلك يجب على المفسر أن يميز أي من المعنين المحتملين هو الذي كان يقصده بولس عندما أعطانا هذا الحث والتحفيز.

وهكذا فإن مهمة المترجم هي أن يعرف بأقصى دقة ممكنة معنى الكلمة بالطريقة التي استخدمها بها المؤلف في سياقها المحدد، ثم أن يقوم بعد ذلك بالبحث عن كلمة أو تعبير في لغته الأصلية يعطي نفس المعنى بقدر الإمكان.

وعلى المترجم أن يقوم بذلك بأقصى قدر ممكن من العناية. لكن حيث أن المهمة أساساً هي التفسير، فإن الدارس الجاد للكتاب المقدس يقوم بعمل دراسة مباشرة لكل كلمة جوهرية بالنسبة لمعنى المقطع الذي يقوم بدراسته. ففي بعض الأحيان لا تقوم الكلمة المنفردة في الترجمة بتوضيح المعنى؛ وهنا قد يكون التفسير ضرورياً.

إلا أن قولنا أن هناك حدود للمعنى لا يعني أن المرء يمكنه أن يتعرف على كل حدود المعنى ثم يختار منها أفضل معنى يرغب هو في أن يكون المؤلف قد قاله. كلا، فالمؤلف يقصد معنى محدداً في ذهنه.

ودراسة الكلمة سوف تساعد المفسر على تحديد مدى وحدود المعاني للكلمة الواحدة. ومن خلال الفحص الجيد للسياق، يمكن للدارس أن يتعرف على المعنى المقصود في نص معين. فإن كان الله الروح القدس قد اهتم بأن يوحي بالكلمات بعينها، فلا بد لنا أن نكون مهتمين بالبحث عن قصد المؤلف في اختياره للكلمات.

الكلمات الكتابية المستخدمة بمعنى خاص

حيث أن هذه الكلمات تستخدم بمعنى خاص، فإن كلمات فنية مثل “التبرير”، وكلمات استعارية مثل “الموت”، وكلمات عميقة مثل “الخطية” يجب دراستها باهتمام. فمثلاً المجتمع غير المسيحي لا توجد لديه كلمة تعبر عن المفهوم الكتابي للمحبة.

كما أنه لم تكن هناك مثل هذه الكلمة في زمن العهد الجديد. كانت كلمة “Agapē” تستخدم أحياناً في الكلاسيكيات، وكانت تركز على القيمة العظيمة للشيء أو الشخص موضع المحبة، رغم أنها كانت تميل لأن تكون باردة وفكرية. لكن الروح القدس اختار تلك الكلمة بدلاً من الكلمات Philia, eros, storge، وسكب المعنى الإلهي داخلها. فعن طريق الوصية والوصف والمثال، تم إعطاء معنى جديد لكلمة قديمة.

هناك العديد من العناصر في المفهوم الكتابي للمحبة، لم يكتشفها العالم غير المتجدد على الإطلاق. فعلى سبيل المثال، يعتمد السلوك المحب على نوعية أو صفات الشخص الذي يقدم الحب، وليس على قيمة أو أهلية الشخص المستقبل للمحبة. مرة أخرى، ينتقل التركيز من “المحبة” كاسم يصف كيف يشعر المرء، إلى الفعل الذي يصف كيف يتصرف الشخص تجاه الآخر. هذا الانتقال الأساسي في المعنى يضع أساساً لحقيقة جوهرية أخرى تختص بالمحبة.

إذ يمكن للشخص أن يتصرف بطريقة بها محبة رغم أن مشاعره قد لا تقوده للتصرف بهذه الطريقة. هناك العديد من العناصر الأخرى في المفهوم الكتاب للمحبة، ولكنها لا يمكن أن تصبح معروفة للمفسر بدون دراسة دقيقة للكلمة.

إن الدارس الجاد للكتاب المقدس يجب أن يجعل هدفه هو الدراسة العميقة لكل الكلمات العظيمة في الكتاب المقدس. وهذا النوع من الدراسة يمكن أن يكون مهمة تستغرق الحياة بأكملها، ولكنها واحدة من أكثر المهام الممتعة والمفيدة في الدراسة الكتابية

الكلمات التي لها أكثر من معنى

قد لا تكون الكلمة مفهومة في الحال أو بصورة تامة لأن المدى الواسع من معانيها قد يمتد لمفاهيم شديدة الاختلاف. فمثلاً كلمة “الموت” يمكن أن تكون مربكة للغاية لأنها تستخدم بمعاني كثيرة مختلفة. ففي مقطع قصير يقع بين كولوسي 2: 12 و3: 5، يتم استخدام هذه الكلمة بأربعة معاني مختلفة. فهي تشير (1) إلى الموت الجسدي للمسيح؛ (2) إلى حقيقة أن الناس “موتى” قبل أن يصبحوا مسيحيين؛ (3) إلى الناس الذين يموتون إذ يصبحون مسيحيين؛ (4) إلى فكرة أن أولئك الذين ماتوا عليهم الآن أن “يميتوا” أعمال الجسد. وهذه هي فقط البداية.

هناك العديد من الاستخدامات الأخرى لكلمة “موت” في الكتاب المقدس. فمثلاً بولس “يموت يومياً”، وهناك “الموت الثاني”. لذلك فإنه من الأهمية بمكان أن نعرف المعنى المقصود. لقد حل ارتباك عظيم بالكنيسة بشأن كيفية عيش الحياة المسيحية، لأن دارسي الكتاب المقدس لم يهتموا بدراسة المعاني المختلفة للكلمات لتحديد أي معنى هو الذي قصده الكاتب في مقطع معين. لذلك يجب على المرء أن يعرف كل المعاني المحتملة للكلمة لكي يفهم المعنى المحدد المقصود داخل ذلك المقطع.

الكلمات غير الواضحة بسبب مشاكل الترجمة

بعض المشاكل الأساسية تكون متأصلة لأننا لا ندرس الكتاب المقدس في لغته الأصلية. لكن حتى لو كنا ندرسه بلغته الأصلية فإن المشاكل المتأصلة في الترجمة لا تزال موجودة في الأناجيل لأنها ترجع إلى اليونانية أو الآرامية الأصلية التي كان المسيح وتلاميذه يتحدثونها عادة.

الكلمات المختلفة في اللغة الأصلية يمكن ترجمتها بنفس الكلمة الإنجليزية (أو العربية)

ربما تكون الكلمة التي تم ترجمتها “محبة” في يوحنا 21: 15-19 هي أشهر توضيح لهذه المشكلة. فعندما سأل المسيح بطرس إن كان يحبه. أجاب بطرس بكلمة مختلفة. والاختلاف هنا يصعب في الحقيقة ترجمته إلى الإنجليزية (أو العربية)، ونتيجة لذلك، فإنه لا يترجم عادة. لكن من المهم أن ندرس الكلمتان اللتان تم استخدامهما. يشرح ميلتون تيري أن هناك أربعة مجموعات من المترادفات في هذه الأعداد، وليس فقط الكلمات المتعلقة بالمحبة، التي تعتبر شائعة عامة.[1]

فكلمة “جديد” (New) هي كلمة أخرى مهمة تحت هذا التصنيف. ففي النص اليوناني، تشير كلمة neos إلى وجود جديد (مثلاً، علامة تجارية جديدة)، بينما تشير كلمة kainos إلى جانب جديد، إلى عمق جديد، إلى ملء جديد، أو إلى مجال أو هدف جديد. فعندما يقول المسيح، “وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضاً” (يوحنا 13: 34)، من المهم لفهم ذلك المقطع أن نعرف أن يوحنا استخدم كلمة kainos، بمعنى “جانب جديد” للوصية القديمة.

مثال آخر للصعوبة في الترجمة يكمن في استخدام كلمة “كامل” (perfect). يشعر المرء في الحال بالأهمية اللاهوتية العظيمة لمعرفة أن كلمة “كامل” لا تعني دائماً “عدم وجود أي خطأ أو عيب على الإطلاق”. لكن لكي نحدد ذلك، من الضروري أن ندرس كل الكلمات التي تم ترجمتها “كامل” في الكتاب المقدس باللغة الإنجليزية (أو العربية). فكر مثلاً في النصوص التالية:

“فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل” (مت 5: 48).

“قوتي في الضعف تكمل” (2كور 12: 9).

“أبعد ما ابتدأتم بالروح تكملون الآن بالجسد” (غلا 3: 3).

“تكمل نقائص إيمانكم” (1تس 3: 10).

“لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح” (2تيمو 3: 17).

“لأني لم أجد أعمالك كاملة أمام الله” (رؤ 3: 2).

سنجد أن كلمة “كامل” أو “يكمل” في كل من هذه المقاطع يتم ترجمتها من كلمة يونانية مختلفة تماماً. بالطبع سيختلف المعنى اختلافاً بسيطاً مع كل كلمة مستخدمة، رغم أنه قد يكون هناك تداخل في المعنى في بعض الأحيان.

الكلمة في الأصل يمكن ترجمتها بكلمات انجليزية (أو عربية) مختلفة

تماماً كما أن عدة كلمات يمكن ترجمتها “كامل” بالإنجليزية (أو العربية)، فإن الكلمة الواحدة في الأصل يمكن ترجمتها “كامل” في أحد المقاطع، وترجمتها بكلمات مختلفة في مقاطع أخرى. وفيما يلي بعض الأمثلة على ذلك:

“يصلحان شباكهما” (مت 4: 21).

“بل كل من صار كاملاً يكون مثل معلمه” (لو 6: 40).

“آنية غضب مهيأة للهلاك” (رو 9: 22).

“فأصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة” (غل 6: 1).

وهكذا بقراءة النص الإنجليزي (أو العربي) فقط، سيكون من الصعب أن نتخيل أن الكلمة الواحدة في اليونانية يمكن ترجمتها بكلمات كثيرة مختلفة في الإنجليزية (أو العربية). ومع ذلك فإن هذا الاختلاف هو الذي يحتاج أن ننتبه له لكي نفهم بالكامل معنى الكلمات الفردية.

من الأمثلة الجوهرية الخاصة باللاهوت والدفاع عن الأديان، الكلمة العبرية “yom”، والتي تترجم “يوم” (day) في الآيات القليلة الأولى من سفر التكوين. أولئك الذين يقولون إن أيام الخلق ليست أياماً تحوي أربع وعشرين ساعة، يشيرون إلى أن “yom” تترجم أيضاً “زمن”، “عصر”، “فترة زمنية”، “فصل” في سفر التكوين فقط.

الأكثر من ذلك، فحتى عندما تترجم يوم، فإنها يمكن أن تشير إلى فترة اليوم أي أربع وعشرين ساعة، أو إلى فترة من الزمن “يوم عمل الرب الإله الأرض والسماوات” (تك 2: 4)، أو إلى نقطة محددة في الزمن “لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت” (تك 2: 17). لكن مهما كانت نتيجة المناقشة المستمرة في الدوائر الإنجيلية، عما إذا كان الله قد خلق في ستة أيام كل منها أربع وعشرين ساعة، أو ستة فترات زمنية، من المهم أن ندرك أن اليوم يمكن أن تكون له معان مختلفة.

باختصار، قد يستخدم الكتاب المقدس كلمات بمعنى خاص، أو قد تستخدم كلمة فردية بمعان متعددة مختلفة. ومرة أخرى، بعض الكلمات تكون غير واضحة بسبب مشاكل الترجمة حيث تترجم كلمات مختلفة في الأصل بنفس الكلمة الإنجليزية (أو العربية)، أو أن كلمة واحدة في الأصل قد تترجم بكلمات مختلفة في الإنجليزية (أو العربية). بسبب هذه العوامل، من الأمور الأساسية أن نصبح ماهرين في التعرف على معاني الكلمات الفردية.

من الممكن القيام بدراسة خاصة للكلمة بدون معرفة كافية باللغات الأصلية. لكن إذا استطاع الدارس المجتهد أن يتعلم بسرعة كل من الحروف الأبجدية العربية واليونانية، وترجمتها القياسية إلى الإنجليزية (أو العربية)، فإنه عندئذ يكون مؤهلاً لأن يستخدم الفهارس والقواميس والشروحات بأكثر فعالية وكفاءة. الإجراء هو إجراء مقترح لتحديد معنى الكلمات المهمة أو غير الواضحة في الكتاب المقدس للذين ليست لديهم معرفة كافية باللغات الأصلية.

استخدام الكلمة في الكتاب المقدس

أولاً، لكي نجد كل الأماكن التي ذكرت فيها كلمة ما، علينا بالرجوع إلى فهرس حصري للكتاب المقدس، مثل فهرس سترونج (فيما يتعلق بترجمة KVJ، انظر الشكل رقم 1)، أو The New American Standard Exhaustive concordance، للتعرف على الكلمة في اللغة الأصلية.[2] وحيث أن هناك أكثر من كلمة واحدة في العبرية أو الآرامية أو اليونانية يمكن ترجمتها بنفس الكلمة الإنجليزية (أو العربية)، كما رأينا، فعلينا أن نهتم بأن نراجع فقط تكرار الكلمة المستخدمة في اللغة الأصلية. ويمكن القيام بهذا الأمر بسهولة بملاحظة الرقم المكتوب في الهامش الأيمن.

ففي حالة كلمة “كامل” في متى 5: 48، نجد الرقم المكتوب هو 5048. فكل الكلمات التي لها نفس هذا الرقم تترجم نفس الكلمة من اللغة الأصلية. فإذا اختلف الرقم، يمكن أن تكون الكلمة في اللغة الأصلية مختلفة تماماً. تشير تلك الأرقام إلى المعجم الموجود في مؤخرة الفهرس، حيث يمكنك أن تجد الكلمة المستخدمة في النص الذي تدرسه. لاحظ كل الكلمات المكررة (التي تم التعرف عليها بواسطة الرقم الصحيح) لتلك الكلمة المدرجة في الفهرس.

بالنسبة لكلمة “كامل”، ستجد نفس الكلمة في يوحنا 17: 23؛ 2كورنثوس 12: 9؛ فيلبي 3: 12؛ وفي كل أنحاء الرسالة إلى العبرانيين ورسالتي يعقوب ويوحنا الأولى. (لاحظ أيضاً أن الكلمات التي لها رقم مختلف في Strong’s Concordance of the Bible يمكن في الحقيقة أن يكون لها نفس الأصل. ويمكن اكتشاف ذلك بسهولة كما هو موضح في حالة كل كلمة في المعجم). من الممكن أن نفحص بسرعة تكرار كلمة ما، وأن نقرأ جزء النص المقتبس في الفهرس.

في معظم الأحيان يكون من الممكن أن نعرف من خلال السياق المختصر للنص المقتبس في الفهرس ما إذا كان استخدام الكلمة في المقاطع الأخرى يتفق مع استخدامه في المقطع الذي تدرسه أم لا. عندما يكون هناك تكرار قليل للكلمة في الكتاب المقدس، كما في حالة كلمة “كامل”، من الحكمة أن نفحص كل المقاطع التي تستخدم هذه الكلمة.

أما عندما يكون تكرار الكلمة كثيراً، ولا يكون عليك أن تجري دراسة حصرية للكلمة، ستحتاج أن تختار فقط تلك المقاطع التي يبدو أن بها احتمال اختلاف بسيط في المعنى أو معان مختلفة. قم بتدوين شواهد تلك المقاطع وافحص السياق الخاص بكل استخدام لها. هذه الدراسة المقارنة البسيطة ستمكنك من معرفة قدر كبير من معنى الكلمة التي تدرسها.

لكنك قد تواجه مشكلة الآن. فكما رأينا، إن الكلمة في النص الأصلي يمكن أن تتم ترجمتها إلى كلمات مختلفة في الإنجليزية (أو العربية) في مقاطع أخرى. فلكي تقوم بدراسة دقيقة للكلمة، تحتاج أن تفحص الكلمة كما يتم استخدامها في تلك المقاطع الأخرى.

دراسة كلمة عبرية. لكي تقوم بدراسة تواجد هذه الكلمة وتكرارها في العهد القديم، تكون أول خطوة هي الرجوع إلى The Englishman’s Hebrew and Chaldee Concordance، أو إلى فهرس دراسة الكلمات. قرب مؤخرة The Englishman’s Hebrew Concordance، ستجد قاموساً انجليزياً يظهر فيه رقم الصفحة التي يمكنك فيها أن تجد الأصل العبري لكلمتك الإنجليزية (انظر الشكل رقم2)[3].

ورغم أنك قد لا تتمكن من قراءة العبرية، يمكنك أن تجد بسرعة الشاهد الكتابي الذي تجد فيه الكلمة التي تدرسها. ففي حالة كلمة “يوم”، ستجد في محاولتك الثانية، صفحة 508، الكلمة التي تسعى لدراستها (انظر الشكل 3).[4] وهذا يقوم بتعريف الكلمة العبرية المحددة، ويمكنك في الحال أن تقارن بينها وبين تكرارها في جميع الأماكن الأخرى في العهد القديم.

دراسة كلمة يونانية. أما بالنسبة لكلمات العهد الجديد، فتكون المهمة أكثر بساطة. فيمكنك أن تذهب مباشرة من الرقم المدون في فهرس سترونج إلى نفس الرقم الموجود في فهرس دراسة الكلمات، وهناك ستجد مدوناً كل تكرار لتلك الكلمة في العهد الجديد (انظر الشكل 4).[5]

في الحقيقة أنه في حالة العهد الجديد، من الممكن استخدام فهرس دراسة كلمات العهد الجديد، والذي فيه يذكر رقم الكلمة اليونانية مباشرة تحت الكلمة الإنجليزية في ترجمة كينج جيمس للعهد الجديد (انظر الشكل 5).[6] هذا الرقم يأخذك مباشرة لذكر الكلمة اليونانية في فهرس دراسة الكلمات (انظر الشكل 4).

عندما يتم استخدام الكلمة عدد محدود من المرات، فإن كل مقطع تستخدم فيه الكلمة يجب دراسته. نتيجة لذلك، يتمكن الدارس من صياغة تعريف تجريبي مشتق من أهم مصدر لتعريف الكلمة، وهو السياق الذي تستخدم فيه الكلمة. يطلق على ذلك “usus loquendi”، أو الطريقة التي كانت تستخدم بها الكلمة في الوقت الذي كتبت فيه. لكن الاستخدام الذي يقدمه مؤلف المقطع هو الأهم، لذلك فإن استخدامه في كل كتاباته يستحق اهتماماً خاصاً.

في بعض الأحيان يتم استخدام الكلمة كثيراً حتى أنه يبدو من غير العملي دراسة كل مقطع تتواجد فيه. في هذه الحالة، من المفيد أن نصنع قائمة بمقطع تمثيلي واحد على الأقل لكل معنى مختلف للكلمة تم اكتشافه من خلال فحص موجز للمقاطع المذكورة في الفهرس، ثم يجب عندئذ دراسة تلك المقاطع.

ليس من المهم فقط دراسة استخدام الكلمة في كل أنحاء العهد الجديد، والتركيز على استخدام المؤلف لها، لكن أي استخدام للكلمة في العهد القديم يستحق الدراسة كذلك، إذ يمكن للكلمة العبرية أن تكون شديدة الأهمية لفهم الكلمة اليونانية، لأن أسلوب التفكير لدى معظم مؤلفي العهد الجديد يتجه إلى العبرية أكثر منه إلى اليونانية.

وبالتالي، فإن استخدام الكلمة عادة ما يصاغ بواسطة التفكير العبري. يمكن تمييز ذلك الأمر فقط من خلال دراسة استخدام العهد القديم للكلمة. وهكذا، فبالنسبة للكلمات اللاهوتية والكلمات الأخرى التي لها أهمية خاصة، يكون من الضروري أن نتتبع المفاهيم حتى أصولها في العهد القديم.

فبدون معرفة باللغات الأصلية يكون من غير الممكن أن نقوم بدراسة مقارنة للكلمات التي لها استخدام محدود. لكن بالنسبة للكلمات الكتابية مثل “المحبة”، والتي تستخدم في كل أنحاء العهدين القديم والجديد، يكون من الممكن عمل دراسة دقيقة للكلمة باستخدام فقط ترجمة انجليزية وفهرس سترونج. وبدراسة استخدام كل من العهد القديم والعهد الجديد، سيتضح العهد الجديد أكثر من خلال العهد القديم. كما أن العهد القديم قد يزداد عمقاً بواسطة استخدام العهد الجديد.

فعلى سبيل المثال، لكي ندرك مفهوم العهد الجديد للإيمان، فإن المرء ينأى عن خطأ كبير وعن فهم أحادي للكلمة إذا دراس مفهوم العهد القديم بجانب مفهوم العهد الجديد لها. فالعهد الجديد يستخدم الإيمان باستمرار في صيغة المفعول، ويمكن ترجمته “أمانة”. فترجمة “البار بإيمانه (بأمانته) يحيا” (حبقوق 2: 4) تركز على المعنى الحقيقي.

وحيث أن بولس قد اقتبس هذا المقطع مرتين، كما اقتبسه كاتب العبرانيين مرة، فإنه أمر شديد الأهمية أن نعرف أنهما لم يستبعدا استخدام العهد القديم، ولكنهما وسعاه بإضافة الاختلاف البسيط في المعنى باليونانية لصيغة الفاعل – بمعنى الاعتماد على الله. ومع ذلك فإن كان فهمنا للإيمان في العهد الجديد محدود بحالة الفاعل فقط، فإن المفسر يكون قد ضل كثيراً عن واحد من المفاهيم اللاهوتية الأساسية، ويكون قد قام بذلك بتجاهل العهد القديم، الذي أتى منه ذلك المفهوم.

البحث في كلمة

بعد أن يستكمل الدارس دراسته لكلمة معينة، يجب عليه أن يتجه إلى المعاجم ودوائر المعارف والمعاجم اللاهوتية والتفاسير والترجمات الخاصة بالكتاب المقدس. لكن الدراسة الشخصية الأولية مهمة للحصول على الحكم الشخصي المستقل، إن حدث والتقى الدارس بتفسيرات مختلفة. إن الترجمات، من ناحية، هي شروحات لمعنى النص حيث أنه من المستحيل الترجمة بدون القيام بنوع من التفسير. لذلك فإنه من المهم أن نفحص أكبر قدر ممكن من الترجمات الإنجليزية.

تتبع تاريخ كلمة

تتبع تاريخ كلمة يمكن أن يساعد الشخص على فهم معناها. ومعاني الأصول قد تكون مفيدة في إلقاء الضوء على معنى الكلمة في الوقت الذي استخدمت فيه في الكتاب المقدس، لكن اشتقاق الكلمة يمكن أن يكون شديد التضليل في حد ذاته. فعلى سبيل المثال، كلمة “كنيسة” بالإنجليزية تعني، حرفياً، “مدعوين”.

لكن هذا لا يساعدنا إلا قليلاً في فهم الطريقة التي يستخدم بها هذا المصطلح في العهد الجديد. فالمرء لن يعتقد مطلقاً أن الكلمة تعني جماعة مدعوة من الله”. قد يكون هذا صحيحاً لاهوتياً، لكن الكلمة، وليس في معناها الأصلي أو في اشتقاقها. وكلمة Agapē هي مثلا آخر لكلمة تقود دراسة الاستخدام الكلاسيكي لها المرء بعيداً تماماً عن فهم استخدام العهد الجديد لكلمة “محبة”.

وكلمة “توبة” في معناها الأصلي قد تشير إلى تغير بسيط في الفكر، لكن، هل هذه هي الطريقة التي يستخدمها العهد الجديد؟ بعض الوعاظ المعاصرين والمفسرين السطحيين يسيئون فهم الكلمات الكتابية العظيمة مثل “يعترف” و”رب”، بالاستخدام المبسط للأصل التاريخي، دون السماح للنص الكتابي نفسه بأن يعرف المعنى.

لكننا يمكن أن نلقي الضوء على معنى كلمة بالبحث عن اشتقاقها ومعناها الأصلي، بشرط أن يستخدم هذا المنهج بحيطة وحذر كبيرين. فمثلاً، دراسة المعنى الأصلي للكلمات المتنوعة التي تترجم “مجد”، و”مجيد”، و”يمجد”، في العهد القديم، يمكن أن يلقى بالضوء على كل أوجه هذه الصفة الخاصة بالله. ففي العهد القديم العبري، هناك عشرة كلمات مختلفة تأتي من أصول مختلفة تماماً يتم ترجمتها في نسخة كينج جيمس، “مجد”.

هناك كلمة واحدة لها فكرة الأصل الجذري التي تعني “العظمة”، و”المظهر المهيب”، و”الجلال”. وقد جاءت الفكرة في النهاية لتعني “رائع الجمال” أو “روعة وسناء”، وهناك كلمة أخرى مشتقة من جذرها تعني “الثقل النوعي”. في الحقيقة، أن عدداً من الكلمات العشرة لها الفكرة الأصلية لمعنى “الثقل”. وهكذا فإن كرامة ومهابة الله هي الفكرة السائدة في تلك الكلمات.

هناك كلمة أخرى تأتي من الفكرة الأصلية “الوضوح والصفاء”، سواء للصوت أو للون، وقد أتت لتعني “اللمعان”، أو “الاشراق”، أو “مرئي بوضوح شديد” وواضح للغاية. بالمثل، هناك كلمة أخرى لها في الأصل فكرة “النقاء”، وتأتي لتحمل معنى “خالص” أو “صرف”، أو “طاهر” أو “بار”، أو “لامع”. كما أن كلمة مثل “مرتفع” أو “واضح وبارز”، تضمنت بالتدريج فكرة “النصرة والتسبيح”.

فعندما نضع جميع هذه المعاني معاً، يمكن للمرء أن يكتشف أنه لكي يمجد الله فهذا يعني أن يجعل روعته وجماله الباهر ظاهر وواضح بطريقة جلية وبارزة. إن تتبع جذور هذه الكلمات يعطي بعداً أعظم وتأثيراً عاطفياً لتلك الكلمة الكتابية المفتاحية التي تستخدم لوصف الله.

المقارنة بين الفروق الدقيقة في المعنى

من المفيد كثيراً لكي نفهم الفروق الدقيقة في معنى كلمة أن نقارنها بكلمات أخرى، سواء كانت مترادفات أو متضادات. ويمكن القيام بدراسة بسيطة من هذا النوع عن طريق فهرس سترونج. فيمكننا أن نراجع كل الكلمات المختلفة في الأصل والتي تمت ترجمتها بنفس الكلمة الإنجليزية. على سبيل المثال، هناك أكثر من عشرين كلمة مختلفة في العبرية واليونانية والتي تتم ترجمتها “كامل” أو “perfect” في فهرس سترونج (انظر الشكل 1).

وهذا النوع من الدراسة له فائدة إضافية حيث أن الدارس لن يقع في الخطأ من خلال استخدامه بصورة غير نقدية مقطع واحد لتفسير مقطع آخر تستخدم فيه نفس الكلمة الإنجليزية لكن كلمة يونانية مختلفة.

إن مقارنة الكلمات التي لها معنى متداخل مفيدة للتركيز على المعنى الدقيق للكلمة المعينة التي نقوم بدراستها. فمثلاً، كلمتي سلطة وقوة يرتبطان ببعضهما البعض ارتباطاً وثيقاً في كل من اليونانية والإنجليزية. وقد بنى يسوع مأموريته العظمى على حقيقة أنه قد دفع إليه كل سلطان في السماء وعلى الأرض (متى 28: 18).

كما أنه صحيح أيضاً أن لديه كل القوة والقدرة. ربما نعتقد أن هذا هو الأساس لتحقيق مهمتنا الصعبة في تلمذة جميع الأمم، لكن بمقارنة ودمج الكلمتين معاً، والتي يمكن لكلاهما أن تترجم “power” فإن هذا يعطينا السبب العميق الكامن لثقتنا عندما نطيع أمره ووصيته. فإطلاق يسوع لقوته وقدرته الديناميكية من خلالنا مبني أساساً على سلطته الكاملة على كل شيء وهكذا فإن دراسة المترادفات تساعدنا على تحديد بأكثر عناية مجال المعنى المقصود.

ملخص الخطوات

دعونا إذاً نلخص الخطوات التي يجب على المرء اتباعها في تحديده للمعنى الذي قصده المؤلف بالنسبة لكلمة معينة. فلكي نقرر المعنى المحدد لكلمة معينة، علينا بتحديد الآتي:

1 – السياق المباشر.

2 – تكرار الكلمة في أماكن أخرى في نفس السفر.

3 – تكرار الكلمة في كتابات أخرى بواسطة نفس المؤلف.

4 – استخدام الكلمة بواسطة مؤلفين آخرين.

5 – المفهوم الأصلي في العهد القديم لكلمات العهد الجديد.

6 – الاستخدامات الأخرى خارج الكتاب المقدس.

جميع هذه الخطوات موجهة نحو العثور على استخدامات الكلمة من خلال دراسة السياقات المختلفة التي وردت بها تلك الكلمة. كما أن هناك مصادر أخرى خارج السياق تشمل:

1 – المعنى الأصلي التاريخي الموجود في المعاجم والتفاسير.

2 – المترادفات والمضادات التي يمكن أن تلقي الضوء على حدود استخدام المعنى.

بعد دراسة الكلمة قد يكون من المفيد أن نضع نتائج الدراسة داخل الصياغة التالية:

1 – قم بتعريف الكلمة بأكثر دقة ممكنة. لكن حاول ألا تقع في خطأ تعريف كلمة بطريقة آلية موحدة. فالكلمات الموجودة في الكتاب المقدس، مثلها مثل الكلمات الموجودة في الصحف اليومية، تختلف في ظلال المعنى من سياق إلى آخر. وتتغير في معناها من جيل إلى جيل. لذلك معنى ذلك المقطع في سياق مدى المعنى الذي اكتشفه بأكمله.

2 – اذكر المشاكل التي سيتم حلها بعد ذلك.

3 – قم بذكر مراجع السفر والمادة الدورية التي استرشدت بها في دراسة هذه الكلمة بحيث تتمكن من مراجعة مصادرك والقيام بمزيد من الدراسات عند اللازم.

4 – لاحظ كل الأفكار التعبدية والتطبيقات، والمواد الوعظية، التي ربما تكون قد استخلصتها من دراستك.

نموذج لدراسة كلمة “طماع”: (Covetous)

لكي نقوم بتطبيق الإرشادات أعلاه بطريقة عملية، دعونا نتتبع هذه الخطوات في كلمة “طماع”. إننا لن نقوم بدراسة الكلمة بالكامل، ولكننا سنوضح كيفية استخدام كل من تلك الإرشادات. إذا استخدمت المصادر التي ذكرناها من قبل، فإن هذا الإجراء سيكون شديد النفع.

السياق المباشر

ستكون رسالة كورنثوس الأولى 6: 9-10 هي نقطة الانطلاق في دراستنا لكلمة “طماع”:

“أم لستم تعلمون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله. لا تضلوا لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعو ذكور ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله.”

نفهم هنا أن المقطع نفسه لا يلقي بالكثير من الضوء على المعنى المحدد للكلمة لأنها مذكورة ضمن قائمة من الكلمات المختلفة التي تصف الشخص غير التقي. لذلك فلا توجد أية إشارة إلى ما تعنيه كلمة “طماع”. لكن هناك شيء واحد يمكننا أن نعرفه من السياق: وهو أن الطماع يكون ضمن رفقة سيئة للغاية! فالخطية التي قد يعتبرها معظم الناس شائعة للغاية وليس شديدة السوء، تذكر بجانب الزنى وعبادة الأوثان ومضاجعة الذكور والسرقة.

بل الأكثر من ذلك، فإن السياق يجعلنا نعرف أن الله يراها باعتبارها شديدة الخطورة: فالشخص الطماع لن يدخل أبداً ملكوت الله. هناك فكرة أخرى من سياق أبعد: وهو أن المقطع كله يتعامل مع أولئك الذين كانوا يرفعون قضايا ضد رفاقهم المسيحيين. فيسأل بولس: “لماذا لا تظلمون بالحري. لماذا لا تُسلبون بالحري”. بكلمات أخرى، فإن الطمع ليس أمراً عرضياً في تلك القائمة المريعة – بل يبدو أنه هو الخطية الأساسية التي كانت في ذهن بولس.

لكن السياق لا يساعدنا على تعريف معنى الكلمة، لذلك يجب أن نبحث عن استخدامها في مكان آخر.

استخدام الكلمة في بقية السفر

والآن دعونا نستعين بفهرس سترونج، ونكتشف أن كلمتنا pleonekēs، هي رقم 4123. وسنجد في الحال أن نفس الكلمة تذكر مرتين في كورنثوس الأولى 5: 10-11. ففي ذلك السياق نجد الآتي:

“وليس مطلقاً زناة هذا العالم أو الطماعين أو الخاطفين أو عبدة الأوثان وإلا فيلزمكم أن تخرجوا من العالم. وأما الآن فكتبت إليكم إن كان أحد مدعو أخاُ زانياً أو طماعاً أو عابد وثن أو شتاماً أو سكيراً أو خاطفاً أن لا تخالطوا ولا تؤاكلوا مثل هذا”.

استخدام بولس هنا في المقطع المجاور يدعم شعورنا بأن خطية الطمع – أياً كان معناها – هي خطية شديدة الخطورة. فهي تدرج هنا في قائمة خطايا مشابهة، وقد حذرنا بولس ألا تكون لنا علاقة بالشخص الذي يدعو نفسه مسيحياً، ولكنه يكون طماعاً. كما أن لدينا فكرة أنه من علامات هذه السمة الخاطئة هو أن يأخذ المسيحي أخاه للمحكمة لكي يعوض خسائره المالية أو المادية.

قبل أن نتجه إلى الخطوة إلى الخطوة التالية، سنلاحظ في فهرس سترونج أن هناك كلمة أخرى (برقم مختلف) تظهر في صيغة (covet) بالإنجليزية، في 1كورنثوس 14: 1 “لكن جدوا للمواهب الروحية”، و”جدوا للتنبؤ” (14: 39).

إننا عادة نتساءل إن كانت كلمة “covetous”، وكلمة “covet”، تأتيان من نفس الجذر. فكلمة covet في هذا المقطع هي رقم 2206، وعندما نفحصها سنجد أن لها جذراً لغوياً مختلفاً – ولا توجد صلة بينهما. وعلى الرغم من أن هذا الأمر لا يساعدنا على تعريف كلمتنا، إلا أننا سنتمسك به لاحتمال استخدامه عندما نأتي إلى المترادفات.

استخدامات أخرى بواسطة نفس المؤلف

يستخدم بولس كلمة pleonekēs (رقم 4123) في أفسس 5: 5، والسياق يساعدنا على تحديد معنى هذا المصطلح. فهو يقول إن الشخص الطماع هو عابد أوثان. فالشخص الطماع يعبد شخصاً أو شيئاً غير الله. لا عجب إذاً أن يتعامل بولس مع هذه الخطية بمثل تلك الجدية! ففي نفس هذا المقطع نجد كلمة covetousness ولاحظ أنها رقم 4124 في فهرس سترونج. عندما تفحص الكلمة، ستجد أنها صيغة أخرى لنفس الكلمة، وهكذا فإن ذلك يعطينا مقاطع أخرى لكي نفحصها.

هناك العديد من الأمثلة مثل هذه، مثل كورنثوس الأولى 5-6 (السابقة)، والتي هي عبارة عن قوائم من الخطايا. هناك حقيقة مدهشة يجب أن نلاحظها وهي أن الطمع يظهر عادة في قائمة من الخطايا الجنسية. فربما يكون هناك تلميح فيه للشهوة الجنسية أيضاً. ففي كولوسي 3: 5، نجد مرة أخرى فكرة أن “الطمع هو عبادة أوثان”. الأكثر من ذلك، يوضح هذا المقطع أن غضب الله يأتي على غير المسيحيين لأجل هذا النوع من السلوك (أو الاتجاه؟)، وأن المسيحيين يجب أن يطرحوا عنهم هذه الأمور.

إلا أن بولس يستخدم هذه الكلمة في 2كورنثوس 9: 5 بطريقة غريبة. ففي المقطع الذي يحث فيه المؤمنين على العطاء بسخاء، يخبرهم بأن يعدوا تقدمتهم مقدماً. لماذا؟ لكي العطية كنوع من البركة “bounty”، وليس البخل “covetousness”. يبدو من ترجمة كينج جيمس أن هناك تضاد بين البركة والبخل (أو الطمع).

لكن هذا ليس له معنى، حيث أنه يبدو وكأنه يعني أن الشخص يمكنه أن يعطي الكثير لأنه طماع “covetous” – وهذا عكس المعقول أو المنطقي! لكن الفحص السريع للمعجم اليوناني في فهرس سترونج يعطينا معنى آخر محتمل: هو الابتزاز “extortion”. وبالنظر إلى ترجمات أخرى نجد أن الكلمة تتفق بالفعل مع ما يعنيه بولس هنا: أعطوا بسخاء لأنكم تريدون ذلك، وليس لأنكم مجبرون (كنوع من الابتزاز).

وهكذا فإن الكلمة التي كثيراً ما يتم ترجمتها “covetousness” (أي طمع أو شهوة)، يجب في الحقيقة أن تترجم بطريقة أخرى هنا. فلا تقع في خطأ محاولة استخدام هذا المقطع في تعريف الطمع.

يساعدنا بولس على فهم أن الطمع هو أمر مريع وأنه شكل من أشكال عبادة الأوثان. ويمكننا أن نراه في شخصية الإنسان الذي يحتال على شخص آخر أو يصارع بطريقة خاطئة لكي يحافظ على ممتلكاته أو يستردها. وكثيراً ما ترتبط هذه الخطية بالخطايا الجنسية. لكن، حتى الآن لا يوجد لدينا تعريف لكلمة الطمع.

استخدام الكلمة بواسطة مؤلفين آخرين

عندما نفحص أكثر استخدام العهد القديم للكلمة، سنجد نفس هذا الأمر: قوائم من الخطايا بدون تعريفات. فيبدو أننا في طريق مسدود في محاولة العثور على تعريف لتلك الكلمة. لكن، هل هناك أي ظهور لتلك الكلمة في مواضع أخرى يتم فيها ترجمتها بكلمات إنجليزية أخرى؟ إن كان كذلك، فإنها ستتيه منا في ترجمتنا الإنجليزية، إذ أنها لن تظهر تحت كلمة covetous في فهرس سترونج.

لكن الفحص السريع لفهرس دراسة الكلمات سيظهر أنه لا يوجد هناك ظهور آخر لهذه الكلمة في ترجمة كينج جيمس. وهذا يعني أنه بالنسبة لكلمة طماع “covetous”، إذا كنت تستخدم ترجمة كينج جيمس، فإنك ستتمكن من فحص كل تكرار لهذا الكلمة بواسطة فهرس سترونج. لكن، إذا كنت تستخدم ترجمة أخرى، فإن هناك احتمال أن تحتاج لفحص دراسة الكلمات لكي تجد كل تكرار آخر للكلمة.

عندما نقوم بدراسة المترادفات، سنجد مصادر وفيرة ومتعددة لتعريف كلمة “covetous” من خلال مقاطع العهد الجديد التي تحوي قدراً كبيراً من التفصيل الخاص بمعانيها، ودلائلها، وعواقبها. ففي رسالة بطرس الثانية (2: 14)[7]، نجد تلميحاً مفيداً عن معناها. وهنا نجد قائمة أخرى، ولكن القائمة تكون في سياق مثال بلعام.

يعود بنا بطرس مرة أخرى إلى العهد القديم للحصول على التعريف. فهناك الكثير من أفكار العهد الجديد تأتي من العهد القديم. كان بلعام هو النموذج الأولي للطمع. فصراعاته، وهزيمته، وهلاكه من خلال طمعه هو صورة بيانية واضحة لمعنى هذه الكلمة، ولنتائج هذه الخطية. فدعونا نعود إلى العهد القديم.

استخدام العهد القديم للكلمة

سنجد تعريفات لهذا المصطلح بمجرد أن نعود إلى العهد القديم. فمن بين الوصايا العشر نقرأ: “لا تشته بيت قريبك ولا تشته امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئاً مما لقريبك” (خروج 20: 17). ففي كنعان، قال عاخان أنه رأى غنيمة، فاشتهاها، وأخذها (يشوع 7: 26). فنرى هنا تعريفاً يظهر من استخدام الكلمة في العهد القديم – أن تشتهي شيئاً ليس من حقك.

هذا المعنى يتم تدعيمه في استخدامات أخرى في العهد القديم. فنجده مثلاً في “اليوم كله يشتهي شهوة أما الصديق فيعطي ولا يمسك” (أمثال 21: 26). فشهوة الحصول على شيء تتناقض مع العطاء بكرم وسخاء، ولذلك فإن الاشتهاء يتم تعريفه بعكسه وضده. يخبرنا النبي ميخا عن نوع من الاشتهاء، حتى الأمريكيين الماديين يمكن أن يمقتوه:

“ويل للمفتكرين بالبطل والصانعين الشر على مضاجعهم في نور الصباح يفعلونه لأنه في قدرة يدهم فإنهم يشتهون الحقول ويغتصبونها والبيوت ويأخذونها ويظلمون الرجل وبيته والإنسان وميراثه” (ميخا 2: 1-2).

وهناك بعد جديد يضاف في مزمور 10: 3. فليس يجب علينا أن نمتنع نحن أنفسنا عن الشهوة، ولكننا يجب أن نشترك مع الله في مقت الذين يشتهون! يثور الأنبياء ضد الطمع والشهوة ويربطونها باستمرار بخطايا أخرى. وهكذا فإن بولس لم يكن يفعل أكثر من اتباع سابقة العهد القديم. ومع ذلك، فعندما نفحص كل الشواهد الواردة في فهرس سترونج لكلمة يشتهي “covet”، فإننا في الحقيقة لن نجد الكثير منها.

فهل من الممكن أن تكون هنا مقاطع أخرى التي فيها تترجم نفس الكلمات العبرية بكلمات انجليزية غير covet؟ لكي نعرف ذلك، لا بد أن نعود إلى Englishman’s Hebrew and Chaldee Concordance. ففي قائمة الكلمات الإنجليزية التي تندرج تحت كلمة covet، سنجد أرقام الصفحات: 29، 263-64، 437.

لقد وقعنا الآن على منجم ذهب! فالكلمة التي ترجمت covet أو يشتهي، في الوصايا العشر، تستخدم في كل أنحاء العهد القديم، وفي معظم الأحيان تقريباً بمعنى جيد: فالعروس في نشيد الأنشاد تقول “تحت ظله اشتهيت أن أجلس” (نش 2: 3)، وكلمة الله هي “أشهى من الذهب” (مز 19: 10)، والله نفسه يشتهي، “الجبل الذي اشتهاه الله لسكنه” (مز 68: 16)، أيضاً خليقته “شهية للنظر وجيدة للأكل” (تك 2: 9).

كما أن هناك أيضاً المعنى السلبي للشهوة الجنسية (أم 6: 25). هناك كلمة أخرى تم ترجمتها “covet” مرتين فقط، يتم استخدامها سبعة وعشرين مرة بمعنى “الشهوة”، أو “الرغبة”، أو “الشوق”. أما ثالث كلمة أساسية تبدو أقرب لاستخدامنا الكتابي فهي كلمة bâtsa (ص 263)، والمذكورة في مزمور 10: 3. في أغلب الأحيان تقريباً يكون لها المعنى السلبي، وتصف مشاعر الله تجاه الطماعين، الذين يسعون وراء كسب المال. وفي بعض الأحيان (لكن ليس دائماً) يتم ترجمتها “كسب غير مشروع”.

إن الدراسة السليمة لاستخدام العهد الجديد للكلمة ودراسة سياق المقاطع المفتاحية، هي أبعد من مجال هذا النموذج الموجز لدراسة كلمة. لكننا بفحص مجرد الفهرس، اكتشفنا المصدر الجذري لمعنى كلمة شهوة أو طمع. فيبدو أن الله يمقت الطمع بقدر ما يمقت عبادة الأوثان والزنى، اللتان تعتبران خطيتان عظيمتان في العهد القديم.

استخدام الكلمة خارج الكتاب المقدس

يقوم معجم A Greek-English Lexicon of the New Testament and Other Early Christian Literature[8]، يقوم باقتباس العديد من المصادر من خارج الكتاب المقدس للكلمة التي تستخدم في رسالة كورنثوس الأولى 6: 9-10، “pleonekēs”. ويبدو فيها أن الفكرة أقوى من استخدامنا الشائع لكلمة الطماع: الجشع، والنهم الذي لا يشبع، والبخيل.

تاريخ الكلمة

يشير فهرس سترونج إلى دمج جذر كلمتين، اللتين تعبران عن فكرة “المزيد”، و”الامتلاك”. لا يوجد هنا الكثير من الفهم الإضافي، إلا في أن الفكرة الجذرية هي أقوى من مجرد الرغبة في الحصول على شيء ما ليس لدى المرء.

المترادفات والمتضادات

باعتبار كل من المترادفات اليونانية والعبرية، لقد ألقينا الضوء بقدر كبير بالفعل على المعنى، والآن بالعودة إلى إشارات سترونج إلى covet, coveted, coveteth, covetous covetousness، فإننا نكتشف مترادفات إضافية شديدة الأهمية. ربما يكون المقطع المفتاحي في كل الكتاب المقدس عن موضوع الطمع هو لوقا 16.

ففيه يوصف الفريسيون بأنهم طماعون ومحبون للمال (رقم 5366؛ في الطبعات السابقة كان الرقم 5566، خطأ مطبعي). فالكلمة نفسها، مثلها مثل المقطع، مفيدة لإظهار المعنى. فجذر كلمة philarguros مركب من كلمتين “محبة” و”الأشياء البراقة”، وقد جاءت لتشير إلى العملات الفضية أو المال. وهكذا فقد كان الفريسيون حرفياً، محبون للمال. يخبرنا لوقا 16 الكثير عن النتيجة النهائية لهذا النوع من الحياة – بل بالأكثر بعكس ما كان يعلمه اللاهوت اليهودي في ذلك الوقت.

وهناك استخدام آخر لهذا الترادف وهو أن يكون هناك alpha في بداية الكلمة (a في اليونانية)، مما يجعلها سلبية: unavaricious. وتعتر هذه واحدة من مؤهلات الأساقفة والشيوخ (1تيمو 3: 3). كما يوجد مرادف آخر لا يستخدم كثيراً، وهو hēdone (رقم 2237). وهذه الكلمة مهمة لأن المقطع المفتاحي الذي يفحص طبيعة ونتائج الطمع يستخدم تلك الكلمة، في يعقوب 4: 1-4.

تتم ترجمة هذه الكلمة شهوة “lust” في نسخة كينج جيمس، لكنها تترجم covet في الطبعة الدولية الجديدة (NIV)[9]. وكما رأينا من قبل، فإن عكس الطمع والشهوة هو العطاء بسخاء. كما يوجد تضاد آخر لها هو “الاكتفاء” أو “القناعة”، “أما التقوى مع القناعة فهي تجارة عظيمة” (1تيمو 6: 6).

الاستعانة بالمعاجم والتفاسير

يخصص أشهر القواميس،[10] The Theological Dictionary of the New Testament ثماني صفحات لكلمة “طماع”. لكننا في مجال دراستنا هنا يمكننا أن نشير فقط إلى أمثلة لتلك المفاهيم. في العالمين اليونانيين غير اليهودي وغير المسيحي، كانت الكلمة تعني في الأصل “الحصول على المزيد”، ثم أتت لتعني بعد ذلك، “تلقي المزيد”، وأخيراً أصبحت تعني “الرغبة في المزيد”.

لقد كانت تعني الرغبة القوية ليس فقط في المزيد من الممتلكات، بل أيضاً في مزيد من القوة؛ والمزيد من الشهرة؛ والمزيد من المتعة، خاصة المتعة الجنسية. كانت الكلمة تستخدم كثيراً في الذهاب إلى ما هو أبعد من الرغبة، إلى أخذ فعلياً ما هو ملك الآخرين. وقد تم اعتبارها أعظم الشرور لأن التوازن والتوافق الداخلي للشخص وللمجتمع الإنساني يقع ضحية للطمع. فالأمر المثالي هو الاكتفاء والاعتدال.

في الأدب اليهودي المكتوب باليونانية، مثل الترجمة السبعينية، تكون الفكرة هي “الكسب غير المشروع”. إن استخدام العهد الجديد لتلك الكلمة اليونانية بالتحديد يتم عادة بواسطة بولس (خمسة عشرة مرة من إجمالي تسعة عشر)، ويكون فيها معنى “الكفاح لأجل الحصول على الممتلكات المادية” محتمل وجوده في كل حالة (بعيداً عن 2 كور 2: 11). فاستغلال الإنسان لأخيه هو بالتأكيد الفكرة الأساسية فيها. أما فكرة عدم الاعتدال والإسراف في الطعام والشراب، فهي تدخل أيضاً ضمن استخدام العهد الجديد.

هناك نقطتان فقدناهما في دراستنا السابقة قد ظهرتا للعيان بواسطة القاموس اللاهوتي للعهد الجديد. ففي رومية 1: 29، نجد أن الشهوة هي “واحدة من الحقائق الأساسية التي فيها تحقق ترك الله الكلي للجنس البشري”.[11] فالحقيقة أن الله تخلى عن الجنس البشري لأن الناس لم يكونوا شاكرين. وهنا نتعرف كذلك عن التركيز الخاص على الشهوة كخطية للقادة المسيحيين. لقد رأينا من قبل أن غياب تلك الخطية كان هو الشرط المسبق لشغل منصب القائد أو الأسقف. لكن بالإضافة إلى ذلك، عانى بولس آلاماً عظيمة لكي يوضح أن دافعه الشخصي لم يكن الطمع أو الشهوة (2كور 7: 2؛ 8-9؛ 1تس 2: 5).

ملخص ما تم اكتشافه

من الدراسة لكلمة شهوة أو طمع، يمكننا أن نستخلص عدة حقائق بشأن تلك الكلمة وعملة دراسة الكلمة نفسها:

1 – التعريف: أن تشتهي يعني أن تسعى للحصول على شيء أو شخص أو منصب أو اعتبار أو متعة ليست هي مشيئة الله بالنسبة لك. لاحظ أنني استخدمت كلمة يسعى، وليس يرغب. بالتأكيد، تبدأ هذه الخطية بالرغبة، ولكنها تنمو حتى تصل إلى الفعل. وهي تكمن في جذور كل أنواع الخطايا المختلفة (1تيمو 6: 10). فهي ليس مجرد الرغبة في المزيد، ولكنها السعي لتحقيق ذلك واشتهائه والعمل لأجل امتلاكه.

2 – المشاكل المتبقية: المشكلة الرئيسية هي تعريف بالتحديد درجة الشهوة المقصودة عندما يتم ذكرها مع تلك الخطايا الخطيرة التي تمنع الشخص من دخول ملكوت الله. هل هي الرغبة البسيطة في الحصول على شيء ليس لدى المرء؟ هل هي أسلوب حياة جشع ونهم؟ هل هي الاثنين معاً أم شيء ما بينهما؟

3 – المراجع: المصادر التي استرشدت بها مذكورة في كل أنحاء نموذج دراسة الكلمات السابق.

4 – التطبيق: كما يمكن أن نرى في مسار هذه الدراسة، فإن التطبيقات متعددة. ولكي نذكر القليل من الأمثلة نقول أن الشهوة هي خطية شديدة البشاعة حتى أنها تفصل الشخص عن الله، وتدمر المجتمع، وتكسر الشركة في الكنيسة، وهي الموضوع العادل لتأديب الكنيسة، كما أنها تأتي بغضب الله على البشر في هذا الزمن وبغضبه على الطماعين في الأبدية. إنها إغراء خاص للخادم المسيحي، وهي تحرمه، عن حق، من الخدمة. إنها شكل من أشكال عبادة الأوثان، عن طريق استبدال الله الحي بأشياء أخرى.

إن الرغبة في الحصول على أشياء والاستمتاع باللذة، والنجاح ليست شراً في حد ذاتها. ولكن تشويه تلك الرغبات التي أعطاها لنا الله، والسعي لما هو ليس مشيئة الله تجاهنا هو خطية مريعة ومدمرة. تصبح روح الشهوة والطمع مرئية في الأشخاص الذين يسرقون ويشهرون بالآخرين، ويشتهون شهوات جنسية، ويتشاجرون مع إخوتهم المسيحيين لأجل استرداد خسائر مادية.

كما تسود روح الطمع كذلك أولئك الذين يخططون للحصول على مكاسب ظالمة وغير مشروعة، والذين يسعون لنوال التقدير والاعتبار، والذين يعطون بشح وتذمر. لا عجب إذاً أن يتعامل الكتاب المقدس مع الشهوة والطمع بمثل هذه القسوة!

لقد غطينا في هذا الفصل تقرير عملي لدراسة كلمة بصورة فعلية، وسجلناه خطوة بخطوة. ولكنه ليس منتج كامل بنتائج نهائية، إنه مجرد نموذج لدراسة كلمة يمكنك أن تقوم به الآن بالأدوات التي لديك. فإذا اتبعت الإرشادات، ستجد دراسة كلمات الكتاب المقدس واحدة من أكثر الأشكال الممتعة والمثيرة لدراسة الكتاب المقدس.

 

مراجع مختارة لمزيد من الدارسة

– بالز، هورست، وشنيدر، جيرهارد، محرران. Exegetical Dictionary of the New Testament المجلد الأول، ترجمة فيرجيل بي هوارد وجيمس دبليو تومسون. Grand Rapids: Eerdmans, 1990.

– بوترويك، جي جوهانز، وهيلمر رينجرين، محرران. Theological Dictionary of the Old Testament 6 مجلدات. ترجمة جون تي ويليز Grand Rapids: Eerdmans 1978.

– بروان، كولين، محرر. Word Meanings in the New Testament. Grand Rapids: Baker, 1986.

– جودريك، إدوارد دبليو، وجون آر كولينبرجر، NIV Exhaustive Concordance. Grand Rapids: Zondervan, 1990.

– هاريس آر إل، جليسون آرشر، وبروس كي ولتيك، محررون. Theological Workbook of the Old Testament مجلدان. Chicago: Moody, 1980.

– كيتل، جيرهارد، وفريدريك جيرهارد، محرران. Theological Dictionary of the New Testament 10 مجلدات. ترجمة جيوفري دبليو بروميلي. Grand Rapids: Eerdmans, 1964.

– كولينبرجر، جون، محرر. The Expanded Vine’s Expository Dictionary of New Testament Words. Minneapolis: Bethany House, 1984.

– The New American Standard Exhaustive Concordance of the Bible. Nashville: Holman, 1981.

– روبرتسون، إيه تي. Word Pictures in the New Testament. 6 مجلدات. Grand Rapids: Baker, 1982.

– تيري، ميلتون إس. Bible Hermeneutics. أعيد طبعه عام 1909. Grand Rapids: Zondervan, 1974.

– ويجرام، جورج في، ورالف دي وينتر Word Study Concordance. Pasadena, Calif: William Carey Library, 1978.

– وينتر، رالف دي، وروبرتا إتش وينتر. Word Study New Testament. Pasadena, Calif. William Carey Library, 1978.

– ويست، كينيث، Wuest’s Word Studies of the New Testament. 4 مجلدات Grand Rapids: Eerdmans, 1966.

[1] ميلتون إس تيري، Biblical Hermeneutics (معاد طبعه 1909؛ Grand Rapids: Zondervan, 1974) صفحة 200.

[2] جيمس سترونج، Exhaustive Concordance of the Bible طبعة منقحة (Nashville: Abingdon, 1980) وThe New American Standard Exhaustive Concordance of the Bible (Nashville: Holman, 1981). بالإضافة لذلك يوجد أيضاً، The NIV Exhaustive Concordance (Grand Rapids: Zondervan, 1990) تخدم نفس الهدف بالنسبة لمن يستخدمون ترجمة الطبعة الدولية الجديدة.

[3] Englishman’s Hebrew and Chaldee Concordance (Grand Rapids: Zondrvan, 1976).

[4] نفس المرجع السابق.

[5] جورج في ويجرام ورالف دي وينتر، Word Study Concordance (Pasadena, California: William Carey Library, 1978).

[6] رالف دي وينتر وروبرتا إتش وينتر، Word Study New Testament (Pasadena, Calif.: William Carey Library, 1978).

[7] جيمس بار، Semantics of Biblical Language (New York: Oxford U., 1961)، ص 107.

[8] ويليام إف ارنت ووليبور إف جينجريتش، A Greek-English Lexicon of the New Testament and Other Early Christian Literature (Chicago: U. of Chicago, 1952).

[9] The Holy Bible: New International Version (Grand Rapids: Zondervan, 1984).

[10] جيرهارد كيتل وجيرهارد جينجريتش، The Theological Dictionary of the New Testament. 9 مجلدات (Grand Rapids: Eerdmans 1964).

[11] نفس المرجع السابق 6: 272.

كيفية دراسة كلمة من كلمات الكتاب المقدس بشكل سليم

Exit mobile version