المسيح خبز الحياة – دكتور جوزيف موريس

المسيح خبز الحياة – دكتور جوزيف موريس

المسيح خبز الحياة – دكتور جوزيف موريس

المسيح خبز الحياة – دكتور جوزيف موريس

مقدمة عامة:

+ الخبز

الخبز ـ عطية الله ـ هو مصدر لطاقة الإنسان (الخبز يسند قلب الإنسان مز 14:104، وهو يُمّثل وسيلة هامة وضرورية لحياة الإنسان حتى أن غيابه يعنى الهلاك (عاموس6:4، خر20:28). لهذا نجد في الصلاة التى علّم السيد المسيح تلاميذه أن يُصلّوا بها ـ أن الخبز يُجمل كل الهبات المعطاة لنا من الله (لو 3:11) “خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم“. بل أن الخبز صار هو علامة عطية الله العظمى (مر 22:14).

وتوصف الحياة اليومية بالطعم الذى نعطيه للخبز: فمن يعانى ويشعر وكأن الله قد تركه، يأكل خبزه “بدموع”، “صارت لي دموعي خبزًا” (مز3:42)، ” قد أطعمتهم خبز الدموع” (مز4:80) أو بالرماد ” إنى أكلت الرماد مثل الخبز” (مز10:102) أو بالضيق “ويعطيكم السيد خبزًا في الضيق وماء في الشدة” (إش20:30). ومَن يكون فرحًا يأكل الخبز وهو مسرور.

وبالنسبة للخاطئ يقال أنه يأكل خبز الشر “لأنهم يطعمون خبز الشر” (أم17:4) وغير ذلك، فإن الخبز ليس فقط وسيلة حفظ الحياة، فالهدف منه هو أن يقسّم، فكل مرة تقدم فيها مائدة لشخص يُفترض وجود علاقة وشركة معه. فعندما يأكل أحد باستمرار مع آخر خبزًا، هذا يعنى أنه صديقه ومن أهل بيته كما يقول المزمور “رجل سلامتى الذى وثقت به آكل خبزى” (مز10:41، يو18:13). وواجب الضيافة واجب مقدس، فالخبز المقدم للضيف هو مرسل من الله “.. فآخُذَ كسرة خبز فتسندون قلوبكم ثم تجتازون” (تك5:18)، (لو5:11) “.. أقرضنى ثلاثة أرغفة لأن لي صديقًا جاءني من سفر وليس لي ما أقدم له“.

وعلى العموم، فإنه بعد السبى كان من الضرورى أن يقتسم المرء الخبز مع الجائع، والتقليد اليهودى كان يعتبر هذا الفعل أفضل تعبير عن المحبة الأخوية (أم9:22) ” الصالح العين هو يبارك لأنه يعطى من خبزه للفقير” (حز7:18، 16 أيوب 17:31، إش7:58) وبولس الرسول عندما يكتب إلى أهل كورنثوس عن خدمة القديسين يوضح أن كل عطية، بدءً من الخبز هى من عند الله “والذى يُقدم بذارًا للزارع وخبزًا للأكل سيقدم ويكثر بذاركم وينمى غلات بركم” (2كو10:9).

وكان “كسر الخبز” يعنى في الكنيسة الأولى صلاة الشكر الإفخارستى للخبز الذى كان يكسر عن الجميع، حيث يصبح جسد الرب المكسور هو سبب وحدة الكنيسة.(أع42:2)، (1كو17:10) ولقد أعلن الله للإنسان بعدما خلقه (تك29:1) وبعد الطوفان (3:9)، ماذا يستطيع أن يأكل. والإنسان الخاطئ سيحصل على خبزه بعرق جبينه (تك19:3).

وهكذا فإن توافر الخبز أو عدمه سيكون له معنى ورمز. توافر الخبز سيرمز لبركة من الله (مز25:36، 15:132، أم11:12). كما أن ندرة الخبز ترمز إلى عقاب للخطية (إرميا17:5، حز16:4) وهكذا فلابد للإنسان أن يطلب الخبز من الله بتواضع، وأن ينتظره في ثقة. ومن هنا فإن الروايات التى تحدثت عن معجزات إشباع الجموع (2مل 42:4). تعبر بكل وضوح عن عطية الله غير المحدودة ” أكلوا وفضل عنهم“.

المسيح خبز الحياة في قراءات الكنيسة

تضع الكنيسة ـ بوعى شديد ـ ما جاء في الإصحاح السادس لإنجيل يوحنا عن حقيقة أن المسيح هو خبز الحياة أو الخبز الحى، تضعه في قراءاتها خلال عبادتها الليتورجية في القداس الإلهى أى في سر الإفخارستيا. فنجد أن الكنيسة وهى تستعد لاستقبال فترة الصوم الأربعينى المقدس، حيث ينبغى على الإنسان فيه أن لا يهتم بالخبز والماء، بل يقدس صومًا وهو يتطلع باستمرار إلى خبز الحياة .. إلى المسيح، نجدها تضع أمامنا آيات يو6 كالتالى:

في شهر طوبة:

عشية الأحد الرابع: يو47:6ـ58

في شهر أمشير:

الأحد الأول: يو22:6ـ27

الأحد الثانى: يو5:6ـ14

الأحد الثالث: يو46:6ـ47

في الخماسين:

وتُعيد الكنيسة على مسامعنا نفس القراءات في الخماسين المقدسة تأكيدًا على نفس الحقيقة التى تحتفل بها الكنيسة في فترة الخماسين المقدسة، ألا وهى حقيقة قيامة الرب المحيية هذه الحقيقة هى معاشة ومحققة في جسد الرب ودمه .. في المسيح خبز الحياة. لهذا نجد أن قراءات الخماسين هى كالآتى:

الأحد الثانى: يو35:6ـ45

الأيام: اثنين الأسبوع الأول: لو13:24ـ35 (تلميذى عمواس)

الجمعة من الأسبوع الثانى: يو54:6ـ58

السبت من الأسبوع الثانى: يو1:6ـ14

السبت من الأسبوع الثالث يو47:6ـ56

حول الآيات

أنا هو خبز الحياة … أنا هو الخبز الحى” وردتا هاتين الآيتين في نص ص6 لإنجيل يوحنا اللاهوتى في نهاية حديث طويل للرب مع اليهود في مجمع كفر ناحوم (59:6) ويمكننا أن نقسم هذا الحديث إلى ثلاثة أقسام يبدأ كل قسم فيها عبارة من اليهود

أـ الجزء الأول (25:6ـ40):

ويبدأ بسؤال يبدو بسيطًا ” ولما وجدوه في عبر البحر قالوا له يا معلم متى صرت هنا “؟

ب ـ الجزء الثانى (41:6ـ51):

ويبدأ بتذمر بسؤال استنكارى “فكان اليهود يتذمرون عليه لأنه قال أنا هو خبز الحياة الذى نزل من السماء وقالوا أليس هذا هو يسوع ابن يوسف الذى نحن عارفون بأبيه وأمه

ج ـ الجزء الثالث (52:6ـ58):

ويبدأ اثر منازعة فيما بينهم (فخاصم اليهود بعضهم بعضًا) قائلين: “كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده لنأكل“؟ ولقد عبّر السيد المسيح عن بعض الحقائق الإلهية من خلال إجاباته على أسئلة اليهود، وكان إظهار هذه الحقائق هو الهدف الذى سعى إليه السيد المسيح خلال هذا الحوار، كما نجد أن القديس يوحنا، وقد أدرك أهمية هذه الحقائق، نجده يسجلها لنا في إنجيله بكل تدقيق وعناية فائقة كالآتي:

أ ـ الجزء الأول من الحديث:

1ـ إثبات ألوهية الابن المتجسد “لأن هذا قد ختمه الآب

2ـ استعلان الحياة الأبدية في جسد المسيح “أنا هو خبز الحياة

3ـ إيضاح عمل الله “هذا هو عمل الله أن تؤمنوا بالذى هو أرسله“.

ب ـ الجزء الثانى من الحديث:

1ـ إيضاح علاقة الابن بالآب “ليس أحدًا رأى الآب إلاّ الذى من الله هذا قد رأى الآب“.

2ـ التأكيد على حقيقة أنه هو “خبز الحياة” وأنه هو “الخبز الحى” بعكس أى خبز آخر مثل المن الذى أكله الآباء في البرية وماتوا.

ج ـ الجزء الثالث :

الشركة مع المسيح “من يأكل جسدى ويشرب دمى فله حياة أبدية..فمن يأكلنى فهو يحيَ بى” إذ أنه هو بالحقيقة المسيح … خبز الحياة.

وسوف نتناول بالشرح الوافي ما قد علّم به آباء الكنيسة والقديس كيرلس عمود الدين أساسًا بخصوص هذا الإيمان بهذه الحقائق الجوهرية، وذلك من خلال شرحه لإنجيل يوحنا الإصحاح السادس[1].

1ـ يوحنا 32:6

فقال لهم يسوع:” الحق الحق أقول لكم، ليس موسى أعطاكم الخبز من السماء بل أبى يعطيكم الخبز الحقيقى من السماء“. لقد افترض اليهود أن المن هو ” الخبز الذى من السماء” وبالتالى فقد عقدوا مقارنة بين موسى والسيد المسيح أو كما يذكر القديس كيرلس أن اليهود دون أن يتعرفوا على كرامة المتعلم، يندفعون دون ترو إلى تكريم موسى فقط ودونما سبب معقول كما يبدو، تمت مقارنة موسى بمن يفوقه[2].

لقد كانت عطية المن ظِلاً في القديم لذلك الخبز الحقيقى الذى من السماء والذى أعطى للبشرية حين أشرف زمان الحق على أبوابنا[3]. وفي مجال تعليقه على رد السيد المسيح على اليهود، يذكر القديس كيرلس أن المسيح قد اتهم اليهود بالتصاقهم بالإشارات الرمزية رافضين أن يفحصوا جمال الحق[4]. ثم يفسر القديس كيرلس معنى رد السيد المسيح فيقول ” لم يكن ذاك هو المن بل كلمة الله الوحيد نفسه، الذى هو من جوهر الآب، إذ هو بالطبيعة الحياة ويحي كل الأشياء لأنه هو إذ قد (صدر) من الآب الحى، فإنه هو أيضًا بالطبيعة الحياة.

وحيث أن عمل ذاك الذى هو بالطبيعة الحياة، أن يُحي، فالمسيح يُحي كل شئ، ولما كان خبزنا الأرضى الذى يخرج من الأرض لا يتأثر بهشاشة طبيعة الجسد الذى يُبلى، فإنه هو أيضًا من خلال فعل الروح يحي أرواحنا وليس ذلك فقط، بل هو يحفظ أجسادنا ذاتها أيضًا من الفساد[5]. وينتهى القديس كيرلس إلى القول بأن “المن الحقيقى هو المسيح ذاته مُدركًا باعتبار أن الله الآب قد أعطاه تحت رمز المن إلى أولئك الذين في القديم”[6]. وبأنه “ليس هناك خبز وطعام للقوات الفعلية في السماء سوى ابن الله الآب الوحيد، إذن فهو المن الحقيقى، والخبز الذى من السماء لكل الخليقة العاقلة الذى يعطيه اله الآب.

وتجدر الملاحظة أن في هذه الآية يرد المسيح على اليهود قائلاً إن ” أبى يعطيكم الخبز” وليس أبانا. ويسجل لنا القديس يوحنا في موضع آخر من إنجيله نفس هذا القول وذلك عندما أجرى السيد المسيح شفاء مريض بيت حسدا في يوم السبت ” أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل” (يو17:5) ولقد آثار هذا القول حقد اليهود وأرادوا أن يقتلوا المسيح. والمقصود في قول السيد المسيح في كلا الحالتين هو لفت نظر اليهود لعلاقته بالله الآب والتى هى مختلفة تمامًا عن علاقة الآب مع أى من البشر فالعلاقة بين الآب والابن هى علاقة جوهرية، فالابن واحد مع الآب في الجوهر أما علاقتنا نحن كبشر بالله هى علاقة بنوية، نحن أبناء الله بالتبنى بينما الابن هو ابن بالطبيعة.

كما نلاحظ أن زمن الفعل يعطيكم هو زمن المضارع وليس مثل فعل أعطاكم الذى هو زمن الماضى، فالزمن المضارع للفعل إذن يدل على استمرار العطاء للخبز الحقيقى من السماء. والخبز الحقيقى هو “من السماء” كما كان المن أيضًا من “السماء” غير أن الخبز هنا يوصف بأنه خبز حقيقى، والمسيح الذى هو ” الخبز الحقيقى” يصفه القديس يوحنا بأنه هو ” النور الحقيقى “(يو9:1).

لأن خبز الله هو النازل من السماء الواهب الحياة للعالم” (يو33:6). المسيح خبز الحياة .. هو خبز الله النازل من السماء والواهب الحياة للعالم. ومن الملاحظ أن الفعل “نزل” يتكرر 6مرات في هذا الإصحاح في الآيات 58،51،50،42،41،33. ويطلق القديس يوحنا ذهبى الفم على حقيقة أن المسيح هو خبز الله الواهب الحياة Zw»n didÒuj tù kÒsw فيقول أن المن أعطى تغذية Trof»للشعب لكى لم يعطه حياة، وبالتالى كانت هذه العبارة على فم المسيح سبب اندهاش للشعب اليهودى عند سماعها.

فقالوا له يا سيد “اعطنا كل حين هذا الخبز” (يو34:6) نلاحظ تغير لهجة اليهود في مخاطبتهم للمسيح له المجد فعندما جاءوا إلى كفر ناحوم كى يطلبونه، “ولما وجدوه في عبر البحر قالوا له يا معلم متى صرت هنا” (يو26:6) أما الآن وبعد أن خاطبهم عن الخبز الحقيقى فإنهم يدعونه قائلين “يا سيد”Kur…e، ” أعطنا في كل حين هذا الخبز“. وغير واضح سبب التحول في لهجة مخاطبة اليهود للسيد المسيح، وهل قصدوا شيئًا بهذا اللقب أم لا؟ غير أنه توجد مقابلة في الحوار الذى جرى هنا مع اليهود والحوار الذى تم مع السامرية عند البئر (يو13:4 ،14) أو كما يقول القديس كيرلس عمود الدين في تعليقه على هذه الآية “وستجدون مثل هذه اللغة متسعة مع هذه المرأة السامرية “[7].

فلقد طلبت المرأة من المسيح له المجد قائلة ” يا سيد أعطنى هذا الماء لكى لا أعطش ولا آتى إلى هنا وأستقى” (يو15:4) واليهود قالوا: ” يا سيد اعطنا في كل حين هذا الخبز” والمقابلة ليست فقط في قول كل منهم للمسيح ” يا سيد”، بل أيضًا في طلب اليهود والمرأة السامرية أن يُعطوا الخبز والماء باستمرار. وهذا يتضح في قول اليهود ” كل حين ” وفي قول السامرية ” لكى لا أعطش ولا آتى إلى هنا لاستقى“.

هذا ولقد ربط السيد المسيح بين عطية الخبز والماء عندما قال ” مَن يقبل إليّ فلا يجوع ومَن يؤمن بى فلا يعطش أبدًا” (يو35:6). ونلاحظ أيضًا أن الفعل الذى استخدمه كل من اليهود والمرأة السامرية ” أعطنا ـ أعطنى” هو فعل أمر وهو نفس الفعل الذى جاء في الصلاة الربانية كما ذكرها القديس متى في الإنجيل (مت 11:6).

فقال لهم يسوع: أنا هو خبز الحياة” (يو35:6) ™gî e„m… Ð ¥rtoj tÁj ZwÁj هذه الإجابة الواضحة من الرب يسوع كانت بداية لسخط جموع اليهود عليه. لقد ربط الفيلسوف اليهودى فيلون ـ في نطاق مقارنة رمزية ـ بين المن والكلام الإلهى Qe…oj lÒgoj . غير أن ما قاله السيد المسيح هنا هو بعيد كل البعد عن الغموض الرمزى الذى كان يتحدث به فيلون. ففي الأناجيل الإزائية الثلاثة الأولى (مت26:26، مر22:14، لو19:22) استخدم السيد المسيح كلمة خبز ¥rtoj ليعبر بها عن جسده. وفي الإنجيل الرابع لمعلمنا يوحنا البشير نجد أن المسيح يقدم نفسه بدلاً من الخبزات والسمك الذى جاء اليهود ليبحثوا عنه (26،24). ولذلك فالمسيح خبز الحياة في معنيين:

1ـ ففيه الحياة من ذاته: الخبز الحى (يو51:6)

2ـ يعطى الحياة للآخرين (وهو أيضًا الماء الحى، وشجرة الحياة). كما أننا نجد أن يوحنا البشير هو الذى يسجل لنا باستمرار تعبير المسيح عن نفسه قائلاً أنا هو، وبالطبع لا تغيب عن أذهاننا الأهمية اللاهوتية لهذا التعبير والذى يرد في: (يو41:6 ،48، 51، يو21:8، يو7:10، 9، 11، 14، يو25:11، يو6:14، يو21:15).

ويشرح القديس كيرلس هذه الحقيقة الإيمانية التى غابت عن أذهان اليهود وهم يحاورون السيد المسيح ويتمسكون بالرموز دون النظر إلى بهاء الحق فيقول أن السيد المسيح قال لليهود لا تفتكروا إذن أن ذلك الخبز هو الخبز الذى من السماء لأننى ” أنا هو خبز الحياة” الذى سبق وتنبأ عنه في القديم لكم كما بوعد وأخبر عنه كما في رمز لكننى الآن حاضر أحقق وعدى في حينه.

أنا هو خبز الحياة” وليس خبزًا جسدانيًا والذى لا يسد الإحساس بالجوع فقط، ويحرر الجسد من الهلاك الناشئ عنه، بل إنه يعيد تشكيل كل الكائن الحى بالكامل إلى حياة أبدية، ويصير الإنسان الذى خلقه ليحيا إلى الأبد، يصّيره يسود على الموت[8]. ويوضح القديس كيرلس بعد ذلك أن السيد المسيح كان يشير بهذه الكلمات إلى “الحياة والنعمة التى بواسطة جسده المقدس، الذى به تنتقل إلينا خاصية الابن الوحيد هذه أى الحياة “[9].

وبطبيعة الحال، فإن الذين قد دعوا إلى ملكوت السموات بالمسيح، لم يعد المن الرمزى يمثل بالنسبة لهم قوتًا، بل يجب أن يقتاتوا دائمًا بالمسيح .. الخبز الحقيقى.. خبز الحياة، وها ما عبّر عنه القديس كيرلس في ختام شرحه لهذه الآية إذ يقول “إن المن الرمزى لم يعد يخصنا (لأنه ليس بحرف موسى نفقات بعد) بل (لنا) الخبز الذى من السماء أى، المسيح، يقوتنا إلى حياة أبدية، بواسطة زاد الروح القدس، وبشركة جسده الخاص، الذى يسكب فينا شركة الله ويمحو الموت الذى حل بنا من اللعنة القديمة”[10].

مَن يُقبل إليّ فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا” إن أول عمل للنفس هى أن تأتي للمسيح. ومن يقبل إليه:

1ـ لا يجوع:

وتجدر الملاحظة أنه في بعض المخطوطات وردت كلمة p£ntote التي تعني “أبدًا” بعد الفعل المنفي “لا يجوع” أى بمعنى لا يجوع بالمرة أو مطلقًا. واستخدام أداتى النفى لنفى فعل الجوع (الذى هو في زمن الماضى) في جملة شرطية مرتبطة بفعل “مَن يقبل” يجعل إمكانية ترجمة الآية كالآتى “مَن يقبل إليّ سوف لا يصبح جائعًا بالمرة “.

2ـ ومَن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا:

هنا استمرار ارتباط العطش بفعل الإيمان والذي يأتي في زمن المضارع. ونلاحظ أيضًا أن القديس يوحنا يورد لمرة أخرى توبيخ السيد المسيح لليهود على عدم الإيمان به إذ كان قد سبق وقال لهم ” هذا هو عمل الله أن تؤمنوا بالذى هو أرسله” (يو29:6). كما أنه في الإصحاح 37:7 نجد أن الفعلين “يقبل” و”يشرب” مرتبطين معًا في قول السيد ” إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب“.

واليهود في مجادلتهم للسيد المسيح يحاولون دائمًا أن يقارنوه بنبيهم موسى، في كل ما يقول وكل ما يفعل “متعالين عليه ولا يفتكرونه عظيمًا إذ في كل مناسبة يقدمون عليه واضع ناموسهم موسى ويؤكدون دومًا أن عليهم أن يتبعوا أوامره لا تعاليم المسيح”[11].

ويعتبر القديس كيرلس أن السيد المسيح عندما أجاب اليهود بهذه الآية ” مَن يقبل إليّ فلا يجوع، ومن يؤمن به فلا يعطش أبدًا كأن به يقول “أجل إنى اتفق معكم أيضًا أن المن قد أُعطى بواسطة موسى، لكن الذين أكلوا آنذاك جاعوا، وأقر معكم أن من جوف الصخر خرج لكم ماء، لكن الذين شربوه قد عطشوا، وتلك العطية التي سبق الحديث عنها لم تعطهم سوى تمتعًا مؤقتًا، لكن ” من يقبل إليّ فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا“[12].

فالمسيح كما سبق القول هو خبز الحياة .. لأن فيه الحياة من ذاته وأيضًا هو الخبز الحى (يو51:6)، الواهب الحياة للآخرين. فمن يقبل إلى المسيح ومَن يؤمن به يعده “بذلك (السر) البركة ـ الألوهية ـ في شركة جسده ودمه الأقدسين، الذى يستعيد الإنسان بكليته إلى عدم الفساد فلا يحتاج أبدًا إلى أى شئ من تلك التي ترفع الموت عن الجسد أعنى الطعام والشراب” وأخيرًا يعطى القديس كيرلس بُعدًا خرستولوجيًا في تفسيره لهذه الآية.

فالمسيح إذ هو خبز الحياة وليس سواه هو القادر أن يهبنا حياة وشركة معه وذلك بسبب اتحاد الطبيعتين الإلهية والبشرية في شخص المسيح بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغير. وهذا ما تردده الكنيسة في صلاة اعتراف الكاهن في سر الإفخارستيا حيث نتناول جسد الرب ودمه المحيين، غفران لخطايانا وحياة أبدية لكل من يتناول منهما.

فيقول القديس كيرلس “إن جسد المسيح المقدس إذن يعطى حياة لأولئك الذين يكون الجسد فيهم، فيحفظهم جميعًا في عدم فساد، إذ يختلط بأجسادهم، لأننا ندرك أنه ما من جسد آخر سوى جسده هو الذى بالطبيعة هو الحياة، الذى فيه كل فضل ” الكلمة ” المتحد به والذى لا يعادله جسد آخر، أجل أو بالحرى الذى يتحقق مع قدرته الفاعلة، التى بواسطتها تحيا كل الأشياء وتبقى كائنة “[13].

1 أنظر شرح إنجيل يوحنا ج3 للقديس كيرلس: من إصدارات المركز الأرثوذكسى لدراسات الآباء رقم 42 لسنة 1998

2 القديس كيرلس المرجع السابق ص 83ـ84

3 المرجع السابق ص 85

4 المرجع السابق ص 85

5 المرجع السابق ص 85

6 المرجع السابق ص 85

7 القديس كيرلس المرجع السابق ص 96

8 القديس كيرلس المرجع السابق ص 98

9 المرجع السابق ص 98

10 القديس كيرلس المرجع السابق ص 99

11 القديس كيرلس المرجع السابق ص 100

12 القديس كيرلس: المرجع السابق ص 101

13 القديس كيرلس المرجع السابق ص 101

المسيح خبز الحياة – دكتور جوزيف موريس

المسيح المتألم – دكتور مجدي وهبه

المسيح المتألم – دكتور مجدي وهبه

المسيح المتألم – دكتور مجدي وهبه

المسيح المتألم – دكتور مجدي وهبه

مقدمة:

 من بداية خدمة السيد المسيح العلنية، بعد معموديته مباشرة، وهو يواجه ردود أفعال مضادة، وحسد، وكراهية، وهجوم على شخصه، منها من هو من الشيطان نفسه (أنظر مت1:4ـ11، لو1:4ـ13) ومنها ما هو من شعبه الخاص، الشعب اليهودى (أنظر يو11:1) وبالذات من الرؤساء الدينيين (أنظر على سبيل المثال مر 1:3ـ6، لو 9:20ـ19، يو1:9ـ34).

وترجع أسباب هذه المقاومة إلى العوامل التالية:

1ـ عمل السيد وسلطانه الذى ظهر في إتمام المعجزات الكثيرة في الوقت الذى لا نسمع ولا نقرأ فيه عن عمل مقابل من جانب الرؤساء الدينيين، الأمر الذى أربكهم وجعلهم في خوف على فقدان مراكزهم ووضعهم أمام الشعب (أنظر يو17:12ـ19).

2ـ تعليم السيد الذى ركز فيه أساسًا على الحياة حسب الروح وليس حسب الحرف، الأمر الذى اعتبره الحرفيين من اليهود أنه خطر على تقاليدهم وعلى ميراثهم الآبائى (أنظر مر1:3ـ6، يو1:9ـ34، يو1:11ـ44).

3ـ شخصية السيد كابن لله، حيث إنه كلما أعلن السيد عن نفسه أنه “ابن الله” وساوى نفسه بالله الآب، كلما جاء في صدام مباشر مع اليهود الذين بحسب مفاهيمهم الدينية المطلقة، اعتبروا أن السيد إنسان يساوى نفسه بالله بل واعتبروا أن كلامه هو تجديف على الله (أنظر يو1:5ـ18، 22:10ـ39).

ولكن على مدى ثلاثة سنوات متواصلة، ورغم خطط الزعماء الدينيين للقبض على السيد بطرق مختلفة، إلاّ أن أحد لم يستطع أن يلقى عليه الأيادى. لأنه بحسب، الإنجيليين الثلاثة الأُّول، إن رؤساء اليهود الدينيين قد خافوا من الشعب الذى احترم السيد المسيح وآمن به كنبى (أنظر مت 45:21ـ46، مر12:12، لو19:20). وبحسب الإنجيلى الرابع ” لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد” (يو25:7ـ30). أما في السنة الرابعة لخدمته وقبل آلامه وصلبه بقليل وقع حدثان كبيران جعلا قرار القبض عليه وقتله واجب التنفيذ الفورى، هذان الحدثان هما:

1 ـ إقامة لعازر :

بحسب الإنجيلى يوحنا كانت معجزة إقامة لعازر بعد أربعة أيام من موته ودفنه (يو1:11ـ45). فمن المعروف أن رؤساء كهنة اليهود كانوا من الصدوقيين الذين لم يكونوا يؤمنون بقيامة الأموات (أع17:5، 23:6ـ8)، وبالتالى كانت إقامة لعازر بالنسبة لهم، ضربة قوية لتعاليمهم ووضعهم أمام الشعب، ولذا نجدهم من بعد هذه المعجزة مباشرة، يدعون لاجتماع عاجل، أفتى فيه قيافا رئيس كهنة اليهود في تلك السنة ” إنه خير أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمّة كُلّها” (يو50:11) ومن ذلك اليوم “أصدروا أمرًا أنه إن عرف أحد أين هو (المسيح) فليدل عليه لكى يمسكوه” (يو57:11)[1].

2ـ دخول المسيح أورشليم :

وبحسب الإنجيليين متى ومرقس ولوقا، كان دخول السيد الانتصارى لأورشليم وتطهيره للهيكل من باعة الحمام والصيارفة ومن كل الذين يبيعون ويشترون، الإجراء الذى اعتبرته القيادات الدينية وقتئذ تعديًا صارخًا على واجباتهم وتحديًا قويًا لسلطانهم.(مت1:21ـ13، مر1:11ـ10، 15ـ17، لو29:19ـ40، 45ـ46)، وطلبوا من ذلك اليوم كيف يهلكونه (مر18:11، لو47:19)[2].

وسنقتصر هنا على معالجة موقفين فى ليلة آلام السيد المسيح هما:

1 ـ القبض على السيد .

2 ـ محاكمة السيد الدينية أمام مجمع السنهدريم.

أولاً: القبض على السيد المسيح في بستان جثسيمانى:

(قراءات الساعة التاسعة من ليلة الجمعة العظيمة). ” فأخذ يهوذا الجند وخُدّامًا من عند رؤساء الكهنة والفريسيين وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح (يو3:18، تث47:26، مر43:14). ” في تلك الساعة قال يسوع للجموع كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصى لتأخذونى ..” (مت55:26، مر48:14، لو52:22) كل مشهد القبض عليه يفسره السيد على أنه:

1ـ إعلان لسلطان الظلمة أى سلطان الشيطان (لو53:22). وذلك لأن كل الذين جاءوا للقبض عليه كانوا تحت قيادة الشيطان. فالتلميذ الخائن يهوذا قال عنه السيد ” أليس أنى أنا اخترتكم الاثنى عشر وواحد منكم شيطان” (يو70:6، أنظر يو23:13ـ27، لو3:22ـ4).واليهود ورؤسائهم قال عنهم سابقًا السيد ” أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا..” (يو44:8).

هذا وبقول السيد “.. وسلطان الظلمة” يعنى أن إرادة الشيطان واليهود في ساعة القبض عليه كانت واحدة. يسوع يصف الفترة الزمنية لسلطان الظلمة على أنها “ساعة” وذلك لأن كل سلطان الظلمة للشيطان هو في حقيقته وقتى، ففي حالة آلام السيد، ظهر هذا السلطان في منتصف ليلة الخميس بالقبض عليه وتلاشى تمامًا مع الساعات الأولى لفجر يوم الأحد بقيامته المقدسة.

2ـ تكميل للكتب (مر49:14، مت56:26) أى أن كل ما يحدث له، لا يحدث بالصدفة ولكن كل شئ قد تم التنبؤ به منذ القديم في الناموس والأنبياء والمزامير (أنظر لو 26:24ـ27، 44ـ46).

ثانيًا: محاكمة السيد المسيح الدينية أمام مجمع السنهدريم اليهودى:  (قراءات الساعة الحادية عشر من ليلة الجمعة العظيمة وباكر من يوم الجمعة).

1ـ تحقيق رئيس الكهنة السابق حنان مع يسوع (يو12:18ـ13، 19ـ24). هذا الإجراء كان أساسًا غير قانونى، لأن حنان لم يكن هو رئيس الكهنة الرسمى لليهود، رئيس الكهنة الرسمى كان قيافا صهر حنان ـ والذى اعترافًا بجميل حماه عليه ـ (رفعه إلى هذا المنصب وزوجّه ابنته) أعطى له إمكانية التحقيق مع المسيح أولاً [3].

لقد وجّه حنان سؤالاً مزدوجًا إلى السيد عن تلاميذه وعن تعليمه. وهو بالتأكيد لا يسأل لكى يعرف مَن هم تلاميذ المسيح، فهو يعرفهم جيدًا وواحد منهم (يوحنا) كان ماثلاً أمامه (أنظر يو15:18)، ولكنه يسأل لكى يعرف:

أ ـ هل تعليم السيد هو وفق الناموس الموسوى

بـ وهل يُعلّم السيد تلاميذه تعليم آخر جديد غريب عن الناموس، لأن هؤلاء بدورهم سيقومون بتعليم الشعب بهذا التعليم الجديد. وبالتالي لو تأكد حنان من صحة ما يظنه عن المسيح، فهذا سيكون لديه بمثابة سبب قوى لا لاتهام السيد فقط أنه مخالف للناموس بل ولاتهام تلاميذه أيضًا. وتكون الفرصة مواتية جدًا بالتالي لهم للتخلص النهائي من السيد وتلاميذه في مرة واحدة[4].

نلاحظ في إجابة السيد على حنان أنه لم يقل شيئًا يخص تلاميذه لأنه دائمًا يحافظ عليهم (أنظريو12:17)، بينما عن تعليمه قال ” أنا كلمت العالم علانية. أنا علَّمت كل حين في المجمع وفي الهيكل حيث يجتمع اليهود دائمًا. وفي الخفاء لم أتكلم بشئ. لماذا تسألني أنا أسأل الذين قد سمعوا ماذا كلمتهم هوذا هؤلاء يعرفون ماذا قلت أنا” (يو20:18ـ21). وهنا قَبِل السيد لطمة على خده من أحد خدام رئيس الكهنة (أنظر يو22:18).

وأعتقد أنه من المناسب هنا أن نبحث عن السبب الذي جعل ذلك الخادم يتجاسر ويضرب يسوع الذي لم يجب على السؤال بإجابة غاضبة، بل أجاب في وداعة، وأيضًا مع ملاحظة أن رئيس الكهنة لم يطلب من هذا الخادم أن يضرب المسيح. بحسب رأى ق. كيرلس الأسكندرى أن هذا الخادم كان من ضمن الخدام الذين أرسلهم رؤساء الكهنة والفريسيون مرة للقبض على يسوع (أنظر يو32:7)، ولكنهم اندهشوا من تعليمه وعادوا وهم يقولون لرؤسائهم “لم يتكلم قط إنسان هكذا مثل هذا” (يو46:7). ولذلك حنق الفريسيون عليهم بشدة وقالوا لهم ” ألعلكم أنتم أيضًا قد ضللتم..” (يو47:7).

وهكذا أعادت كلمات المخلص إلى ذاكرة الرؤساء غضبهم السابق على خدامهم، خاصة عندما أشار إليهم كشهود على تعليمه “..هوذا هؤلاء يعرفون ماذا قلت أنا” (يو21:18). وهكذا صار هذا الخادم بالذات أحد المتهمين أمام رؤسائه بأنه معجب بالمسيح، وبالطبع كان عليه أن يبعد هذه الشبهة عن نفسه. ولكي يوجه أنظار رؤسائه إلى عدم إعجابه بالمسيح، ضربه على فمه لكي لا يقول شيئًا يحرج أيًا من الخدام! متعللاً في نفس الوقت بالتبرير غير المقنع ” أهكذا تجاوب رئيس الكهنة” (يو22:18). في حين ـ كما قلنا سابقًا ـ أن السيد في إجابته لم يقل كلام يثير غضب رئيس الكهنة[5].

2ـ تحقيق قيافا رئيس الكهنة والمجمع اليهودى مع يسوع (مر 53:14ـ65، مت 57:26ـ68، لو 54:22 ، 63ـ65).

أـ الجلسة المسائية

وفقًا لمرقس53:14ـ65 ، متى57:26ـ68 نعلم أن رئيس الكهنة قيافا، قد دعى أعضاء المجمع اليهودى (السنهدريم) ليلاً في بيته لكى يبدأ في إجراءات محاكمة يسوع. كان المجمع اليهودى يتكون من (71)عضوًا (70 شيخًا من شيوخ الطوائف الدينية اليهودية ويرأسه رئيس الكهنة)[6] وكانت الاجتماعات تتم صباحًا في المكان المخصص لذلك في الهيكل والمسمى “بالمجلس”، ولكن ربما لأن هذا المكان كان يشغله في ذلك الوقت القائد الرومانى المختص بحفظ النظام في الهيكل والهدوء في المدينة أيام عيد الفصح الكبير، لذلك فقد اجتمع الأعضاء في بيت رئيس الكهنة. هذا ووفقًا للأبحاث الأثرية لمدينة أورشليم القديمة أمكن معرفة أن دار حنان ودار رئيس الكهنة قيافا كانت دارًا واحدة[7].

1ـ اجراءات المحاكمة

طلب الشهود

حسب تعليم الكتاب في تثنية (15:19)، فإن الشهود أمر ضرورى في المحاكمات التى من هذا النوع. هذا وبينما وفقًا للتشريع القضائى اليهودى في المحاكمة، يُستدعى أولاً شهود الدفاع، بهدف المساعدة على تبرئة المتهم، نجد في محاكمة يسوع أنه قد حدث العكس تمامًا، إذ استدعوا أولاً شهود الاتهام[8]. وعلى الرغم من أن هؤلاء كانوا كثيرين وأطلقوا على السيد اتهامات عديدة إلاّ أن اتهاماتهم كانت كلها باطلة ولم تتفق فيما بينها.

وحتى الشاهدان اللذان قالا: ” نحن سمعناه يقول أنى أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادى وفي ثلاثة أيام أبني آخر غير مصنوع بأياد” (مر 58:14 ، مت 61:26)، لم يقولا الحقيقة. فالسيد أولاً لم يقل هذا من نفسه بل كان ردًا على سؤال اليهود “أيّة آية تُرينا حتى تفعل هذا” (يو18:2) وثانيًا أن السيد أجاب اليهود قائلاً ” انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه” (يو19:2) وثالثًا أن السيد كان ” يقول هذا عن هيكل جسده” (يو21:2)[9]. ولذا وُصف هذان الشاهدان من الإنجيليين بأنهم شاهدى زور.

صمت يسوع أمام شهادات الزور، يذكرنا بنبوة إشعياء عنه ” ظُلم أمَّا هو فتذلّل ولم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاهُ” (53:7). فهو المسيح المتألم الذى يسير بإرادته نحو الآلام والموت، وقد عرف جيدًا أن الدفاع عن نفسه لن يأتِ بأية نتيجة إيجابية مع قضاة وشعب قد قرروا قتله.

2ـ سؤال رئيس الكهنة قيافا واعتراف السيد المسيح بأنه المسيا:

السؤال الذي وجهّه رئيس الكهنة قيافا ليسوع ” أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله“؟ (مت63:26، مر61:14). كان يحوي ثلاثة احتمالات ويضمن ثلاثة ضمانات لمحاكمة يسوع:

أـ ففي حالة عدم إجابة يسوع، سيحكم عليه عندئذ أنه مزدرى بالقسم الإلهى.

ب ـ وفي حالة إجابة يسوع سلبيًا، أى أنه ليس ابن الله، سيُتهم عندئذ انه كاذب ومضلّل للشعب إذ قد علّم أكثر من مرة أنه ابن الله (أنظر مثلاً يو35:9ـ38 ، 30:10ـ39).

ج ـ وفي حالة إجابة السيد المسيح إيجابيًا، أى قبل وأعلن أنه حقيقة المسيح ابن الله، سيتهم أيضًا بالتجديف. وهذا ما حدث[10]، فأجابة يسوع وكما يظهر في الأناجيل الثلاثة ” قال له يسوع أنت قلت وأيضًا أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة وآتيًا على سحاب السماء” (مت 64:26) ” فقال يسوع أنا هو. وسوف تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة وآتيًا في سحاب السماء” (مر 62:14).

فقال لهم إن قلت لكم لا تصّدقون وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني. منذ الآن يكون ابن الإنسان جالسًا عن يمين قوة الله. فقال الجميع أ َفأنت ابن الله. فقال لهم أنتم تقولون أنى أنا هو” (لو 67:22ـ70)، إذن كانت إجابة المسيح إيجابية تمامًا، لأنه بغير ذلك لا يمكن تعليل غضب رئيس الكهنة والمجمع وتمزيق رئيس الكهنة ثيابه واتهام يسوع بالتجديف والحكم عليه انه مستوجب الموت (انظر مت 65:26ـ66 مر 63:14ـ64 ، لو 71:22).

هذا الاتهام يعني أن يسوع تجاوز بحسب المفاهيم الدينية لليهود حدود الطبيعة البشرية، طالما هو يعلن بنوته لله الآب (أنظر يو16:5ـ18). وهذا قول غير مقبول إطلاقًا عند اليهود إذ وهو إنسان ـ بحسب فكرهم ـ يساوى نفسه بالله، ولذا فإن هذا القول يعتبر عندهم تجديفًا على الله وعاقبته الموت رجمًا (أنظر لا16:24يو30:10ـ34). يضاف إلى هذا انه قد جرت العادة انه في حالة تجديف إنسان ما على الله أمام الكهنة، فهؤلاء يقومون بتمزيق ثيابهم معبرين بذلك على مدى بشاعة هذه الخطية وعلى انهم في نفس الوقت أبرياء منها (انظر مثلاً أع 13:14ـ18)[11].

هكذا حُكم على السيد أنه مذنب ذنب الموت. ولكن من الجدير بالذكر هنا، أنه في قرار المحاكمة هذه لم يكن هناك اتفاق كامل بين أعضاء المجمع، فيوسف الرامى على سبيل المثال ” لم يكن موافقًا لرأيهم وعملهم” (لو 51:24) وأيضًا نيقوديموس (أنظر يو50:7ـ53 ، 39:19).

الاستهزاءات بيسوع:

من بعد انتهاء الجلسة المسائية للمجمع مباشرة واتهام السيد فيها بالتجديف وإصدار الحكم عليه بالموت، وقبل أن تصير الجلسة الثانية في الصباح تسجل لنا الأناجيل الثلاثة (مت67:26، مر65:14، لو67:22) أن السيد سيق إلى ساحة دار رئيس الكهنة حيث بدأ هناك في تقبل صنوف من الاستهزاءات ووابل من اللطم والبصق واللكم والجلد وذلك من الخدام والرجال الذين كانوا ضابطين له، وهو يظهر أمام كل هذا احتمال عظيم وصبر كبير. وعلى الرغم من أن التاريخ يعلمنا أن جلد المتهمين بعد إصدار قرار المحاكمة كانت عادة ـ ومازالت ـ عند الشعوب الشرقية القديمة، وذلك حتى يكونوا درسًا وعبرةً للآخرين، إلاّ أن كل هذا سبق وتنبأ عنه الكتاب المقدس تفصيليًا عن ابن الإنسان كما في إشعياء (6:50، 1:53ـ12)[12]

مجمع اليهود السنهدريم وحقه في إصدار قرارات الحكم بالموت:

في نهاية حديثنا نتعرض للسؤال التالي:

هل كان للمجمع اليهودى وقتئذ حق إصدار قرار حكم بالموت في قضية ما وتنفيذه دون الرجوع للسلطة الحاكمة الرومانية؟ أم أن دور المجمع كان ينحصر فقط في جمع أدلة الاتهام لتقديمها بعد ذلك مع المتهم عند مثوله لدى القضاء الرومانى؟

في الحقيقة أن اليهود أيام السيد المسيح ورغم أنهم كانوا تحت قبضة السلطة الرومانية إلاّ أنهم كانوا يمتلكون، في نظام مجمعهم الدينى (السنهدريم) الحق في إصدار أحكام بالموت وتنفيذها أيضًا وذلك فيما يخص الجرائم أو القضايا الدينية فقط، أما القضايا الأخرى (القتل، الفتنة) فكانت من اختصاص الحاكم الرومانى. وهذا يظهر من :

أـ قول بيلاطس لهم عندما ساقوا إليه السيد المسيح ليحاكمه “خذوه أنتم واحكموا عليه حسب ناموسكم” (يو31:18). وحتى عندما ردوا على بيلاطس بقولهم “لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا” (يو31:18)، قالوا هذا بسبب مناسبة عيد الفصح والتى يجب عليهم أن يكونوا فيها أنقياء ليتمكنوا من ذبح الخروف وأكله (أنظر يو14:19). ولم يكن قولهم ذلك راجعًا إلى أنه لم يكن مسموحًا لهم بتنفيذ عقوبة الموت في شخص ما.

ب ـ يذكر لنا العهد الجديد أكثر من حادثة تكشف لنا أن اليهود عندما كانوا تحت الحكم الرومانى لم يفقدوا إمكانية إصدار قرارات بالموت وتنفيذها في حالة القضايا الدينية فعلى سبيل المثال لدينا محاولة اليهود رجم المرأة الزانية في (يو 1:8ـ11)، رجم اسطفانوس رئيس الشمامسة وأول الشهداء (أع7) ومحاولاتهم قتل بولس الرسول (أع 12:23ـ15).

ج ـ القضايا التى كانت تخص الأمن والنظام في الدول الخاضعة للحكم الرومانى كانت من حق الحاكم نفسه، على سبيل المثال قضية باراباس ورفقائه الذين كانوا قد طرحوا في السجن بسبب فتنة حدثت في المدينة وقتل (أنظر مر 7:14 ، لو 19:23)[13].

وبالتالى فاليهود كان في استطاعتهم وبسهولة قتل السيد المسيح وبالتحديد عن طريق الرجم، كما حُددت هذه الطريقة كعقوبة للمجدف في لاويين (16:24). لكننا نجد أنهم لم يفعلوا أى شئ من هذا، بل في الجلسة الثانية لمجمعهم في صباح يوم الجمعة تشاوروا على قتل يسوع وأوثقوه ومضوا به إلى الوالى بيلاطس البنطى (أنظر لو66:22ـ71 ، 1:23 ، مر 1:15 ، مت 1:27ـ2). وهم قد فعلوا هكذا للأسباب التالية:

1ـ كان هدفهم التأكد من موت السيد، موت الصليب المهين ولذا اتهموه لدى الرومان بتهمة سياسية “وجدنا هذا يفسد الأمّة ويمنع أن تُعطى جزية لقيصر قائلاً أنه هو مسيح ملك” (لو 2:23).

2ـ لكى يقتله القائد الرومانى وليس هم، وبالتالى سيظهرون أمام الشعب أنهم أبرياء من دم المسيح، وأمام الحكام الرومان أنهم يعملون لصالح الإمبراطورية.

3ـ من المحتمل جدًا أنهم تخوفوا من استخدام طريقة الرجم، وذلك لأنه ربما لن يجرؤ أحد أن يلقى ولو حجر واحد على السيد.

4ـ لا شك أنهم فكروا أنه بموت السيد المسيح على الصليب سيضمنون بذلك محو كل أثر طيب وتأثير حسن تركه السيد في قلب الشعب اليهودى الذى سيأتى من كل مكان إلى أورشليم بسبب عيد الفصح (أنظريو55:11).

ومما ساعد رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على تحقيق خطتهم الشريرة العوامل الآتية:

1ـ وجود بيلاطس البنطى الوالى الرومانى في أورشليم في ذلك الوقت لأجل الإشراف والمحافظة على النظام أيام عيد الفصح، (إذ أن المقر الرئيسى له كان في قيصرية فلسطين، وفي فترة الأعياد كان ينتقل إلى أورشليم لكى يحافظ بنفسه على الأمن فيها)[14].

2ـ أن القيادات الرومانية لن تتوان في القبض على أى إنسان ومحاكمته إذا أُتهِمَ بأنه يهيج الشعب على أحكام قيصر.

3ـ كانوا يعلمون أن الوالى الرومانى سوف يُطلق في عيد الفصح واحدًا من المتهمين كما جرت العادة وسيقدم الآخرين للصلب (أنظر مر6:15، مت15:27، لو17:23، 32، يو39:18). وهو ما اعتبروه بمثابة فرصة ذهبية لهم لتحقيق هدفهم الشرير بسرعة. لكن السيد كان بالطبع يعرف كل هذا جيدًا وسبق وأخبر تلاميذه عدة مرات كيف وبأى طريقة سوف يموت (أنظر مثلاً مت 18:20، مر 32:10ـ34، لو 31:18ـ33). كما أن العهد القديم سبق ورمز لموت المسيح بالصليب بالحية النحاسية التى رفعها موسى النبى في البرية (أنظر عد 9:21 ، يو14:3ـ15). وهكذا يتأكد لنا أكثر وأكثر أنه بإرادته قبل الصليب بسببنا ولأجلنا.

ويقول القديس ألكسندروس أسقف الأسكندرية (ق3 م) “لماذا كان يجب أن يموت المسيح ؟ هل كان مذنبًا ذنب الموت!.. إنه من محبته غير المحدودة لصورته ومثاله ـ لخليقته ـ الإنسان الذى فقد هدف وجوده. لهذا أراد أن يعيده بنفسه مرة أخرى إلى مسيرته السليمة ” [15].

[1]  أنظر تفسير إنجيل يوحنا (ج2) للأب متى المسكين ـ دير القديس أنبا مقار 1990 ، ص698.

[2]  أنظر تفسير إنجيل متى للأنبا أثناسيوس ـ بنى سويف 1985 ص 227

[3] Hengstenberge E.W., “ Commentary on the Gospel of St John”, Edinburgh, 1871,P.351

4 أنظر تفسير إنجيل يوحنا للقديس كيرلس الأسكندرىP.G. M:74,600؛ أنظر أيضًا تفسير إنجيل يوحنا لأمونيوس الأسكندرىP.G.M:85,1505.

5  أنظر P.G.M:601-604

[6] E. Sclurer, “A History of Jewish people in the Time of Jesus Christ”, Edinburgh, 1901, part II,  P. 163-195.

[7] Westcott, B.F., “ the Gospel according to st. John “, Eerdmans, 1962, P.267.

8 أنظر تفسير إنجيل يوحنا ج2 ، للأب متى المسكين ص 1138

9 أنظر القول الصحيح في آلام المسيح بطرس السدمنتى القاهرة 1872 ص 184.

10 أنظر ” البيان في كشف ما استتر من لاهوت المسيح.. “، للشماس أبو شاكر أبو الكرم ـ إصدار الأب جرجس السريانى القاهرة 1905 ص 254ـ255؛ أنظر أيضًا ” القول الصحيح.. ” بطرس السدمنتى ص 196ـ197.

[11] A. Eedersheim “ The life and Times of Jesus the messiah “, Eerdmans, 1965, vol. II, P. 561.  

[12] Bl. Iw. KarabidÒpoulou, « TÒ k£ta M£rkon Euaggšlio» Qes|n…kh1988 s. 477.

13 أنظر شرح إنجيل يوحنا للقديس كيرلس الأسكندرى (إصحاحات 21:18) د. جورج حبيب، القاهرة 1977، ص 44.

[14] Bl. Iw. KarabidÒpoulou, « TÒ k£ta M£rkon Euaggšlio» Qes|n…kh1988 s. 429.

[15]  من مقالة عن آلام السيد (ترجمة عن السريانية) P.G 18, 596.

المسيح المتألم – دكتور مجدي وهبه

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

المسيح المعلّم – دكتور جورج عوض

المسيح المعلّم [1] (1) الدكتور جورج عوض إبراهيم

المسيح المعلّم [1] (1) الدكتور جورج عوض إبراهيم

المسيح المعلّم [1] (1) الدكتور جورج عوض إبراهيم

مقدمة:

يُلقب المسيح فى الأناجيل بلقب “معلّم Διδάσκαλος”. ويُلاحظ أن هذا اللقب أُطلق على المسيح أكثر من أى لقب آخر. لكن بينما يوجد استخدام دائم للقب “معلّم”، إلاّ أن لقب “الرب κύριος طغى، بسبب النبوات عن مجئ الماسيا، فى كل أسفار العهد القديم والعهد الجديد[2]. ونرى فى مخطوطات وادى قمران التى تشير إلى نُساك كانوا يعيشون ربما فى عصر المسيح، أنه كان يوجد انتظار وشوق لمعلّم البر، هذا الذى سوف يعلّم الناموس بالحق، وسوف يفسر الكتاب باستقامة. هذه الصورة كانت مسيطرة فى فكر الشعب وكان هناك شوق لتحقيقها.

لقد اقترب الناس إلى المسيح وهم يحملون مشاكل وتساؤلات تتعلق بالناموس، لقد كانوا ينادونه بلقب ” يامعلم Διδάσκαλε”، لأنهم أرادوا معرفة الإجابات على كل تساؤلاتهم هذه.

إن تعليم المسيح امتد عبر الأزمنة واحتفظ حتى اليوم ببريقه وجاذبيته. وبالرغم من التقدم التكنولوجى المذهل والتطور العلمى الهائل الذى يهدف إلى جعل الإنسان قادرًا على إيجاد حلولاً لمشاكله اليومية، إلاّ أن الواقع يعلن لنا العكس. فالإنسان يوميًا ينقاد إلى أزمات أعمق نراها على كل المستويات المعيشية ونسمعها من خلال صرخات القلق التى تنتاب الإنسان المعاصر الذى كاد يغرق وسط أمواج الحياة المتلاطمة.

مازال تعليم المسيح له فاعليته الفريدة، ومازال يفتح آفاقًا جديدة. إنه دعوة مستمرة: ” تعالوا إلىَّ يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم” (مت28:11)، ” الكلام الذى أكلمكم به هو روح وحياة” (يو63:6).

لكن ما الذى أعطى لتعليم المسيح هذه الجاذبية الدائمة؟ وكيف احتفظ هذا التعليم بفاعليته فى كل العصور؟ للإجابة على هذه التساؤلات نجد أنفسنا فى احتياج لمعرفة الملامح الخاصة والفريدة لتعليم المسيح. سوف نتناول هذا الأمر فى العناصر التالية:

القسم الأول:              

1 ـ المسيح المُعلّم: فى الأناجيل

2 ـ التربية فى عصر المسيح    

3 ـ محتوى التنشئة التربوية فى المجتمع العبرى

القسم الثانى:

1 ـ البيئة التربوية فى عمل المسيح.

2 ـ ملامح تعليم المسيح.          

3 ـ الحرية والمسئولية فى تعليم المسيح:

أ ـ الخوف والحرية

ب ـ الحرية كشهادة حياة

ج ـ المسئولية كتعبير لإدراك الحرية.

القسم الأول

1 ـ المسيح المعلّم في الأناجيل:

أ ـ المسيح المعلّم فى الإنجيل بحسب القديس مرقس :

لقد ركز القديس مرقس اهتمامه على شخص المسيح وعمله مظهرًا الطريقة التي علّم بها وعمل[3]. وقدَّم لنا المسيح الرب والمعلّم الجديد المختلف جوهريًا عن معلّمى عصره. إن كلمة “تعليم” “didac»” ذُكِرت فى بشارته أربع مرات، وفعل “أُعلّم” did£skw ذُكر سبعة عشر مرة. أما كلمة “معلم” rabb… فقد ذُكرت إحدى عشر مرة:

          1 ـ مرة واحدة من معارضيه (مر14:12)

          2 ـ خمس مرات من التلاميذ (مر38:4، 38:9، 35:10، 1:13، 14:14)

          3 ـ مرتين من المرضى (35:5، 17:9)

          4 ـ ثلاث مرات من الذين طلبوا منه تفسير الناموس (17:10، 20، 32:12)

لقد لجأ المعلمون اليهود في عصره إلى التقليد لإقناع الناس بتعاليمهم، وكانوا يقتبسون اقتباسات كثيرة من سابقيهم. وكان المبدأ الثابت للمعلم اليهودى هو: ” لن أقول شيئًا لم أسمعه من الذين علمونى“. كان يميلون دائمًا للتوسع في المناقشات. لكن المسيح علّم بسلطان ولم يستند إلى تعاليم معلّمين سابقين ليستمد منها بمصداقية ما يعلّم به، لكن استند على شخصه وسلوكه وحياته. لذا نجد أن هناك علاقة مباشرة بين شخصه وأقواله وأعماله.

لقد كان تعليم المسيح يمس الحياة ولم يكن عملاً مجردًا. لذا نجد في تعليمه أمورًا تتعلق بالحياة مثل غفران الخطايا، شفاء الأبرص، شفاء المقعد. إن هدف عمله التعليمى كان تحرير البشر، لذلك نجد أن الناس من كل الطبقات والفئات يخاطبونه يا “معلّم” مثلما فعل الشاب الغنى (مر17:1)، ومجنون قرية الجرجسيين (مت28:8) والفريسيون والهيرودسيون (مر14:12)، كما أن التلاميذ كانوا يخاطبونه يا “معلّم” أثناء هيجان البحر قائلين: ” يا معلّم ألاّ يهمك أننا نغرق” (مر39:4).

وهكذا كان هناك يقين لدى الناس أنه “معلّم”. لقد علّم المسيح في المجامع وفي أماكن خالية (صحراء) وفي الهيكل (مر49:14). لقد أوصى تلاميذه أن يبلغوا رسالة إلى رب البيت الذي سيتمم فيه العشاء العظيم مستخدمين لقب “معلّم” كلقب معروف: ” فقولا لرب البيت إن المعلم يقول أين المنزل حيث آكل الفصح مع تلاميذى” (مر14:14).

بالتالى فإن ظهور المسيح “كمعلّم” يكشف تدريجيًا سر شخصه الإلهى، وأن رسالته توجهت إلى أماكن مختلفة، وأيضًا فى مناسبات الحياة المتنوعة مثل الاحتفالات العرسية وموائد الأغنياء والفقراء. كما أن الناس كانوا يُبدون استعدادًا ورغبة في سماع أقواله.

لقد رأى القديس مرقس البشير، المسيح كمعلّم يهتم بمشاكل مجتمعه. وكتب إنجيله لكى يساهم في إصلاح وتقويم المجتمع الذي كان يعانى من مشاكل عديدة؛ مثل مشكلة الفجوة الكبيرة بين الأغنياء والفقراء، أو سعي البعض نحو الزعامة لإرضاء ذواتهم. وقدم مرقس، المسيح المعلّم الذي اخبرنا عن الله: ” فنظر إليهم يسوع وقال. عند الناس غير مستطاع. ولكن ليس عند الله لأن كل شئ مستطاع عند الله” (مر27:10).

حقًا علّم المسيح بسلطان فائق لا تستند على تفسيرات الناموسيين السابقين. لم يستشهد بأى كتاب أو مصدر لكى يعطى قوة ومصداقية لكرازته، فيما عدا العهد القديم الذي استخدمه كإشارة نبوية لعمله الخلاصى.

حرص القديس مرقس أن يقدم تعليم المسيح فى ثلاثة أشكال مميزة تبرهن على أن المسيح كان حريصًا على تقديم تعليمه إلى الجموع بطريقة جذابة وليست مملة. وهذه الأشكال أو الملامح هى:

1 ـ الملمح النقدى لتعليمه، وقد استخدمه مع الفريسيين والكتبة.

2 ـ الأمثال: عندما يتوجه إلى الجموع.

3 ـ تحليل وتفسير الأمثال: عندما ينفرد بتلاميذه (مر34:4).

ب ـ المسيح المعلّم في الإنجيل بحسب القديس متى

يصف القديس متى البشير العمل الماسيانى للمسيح بإعلانات ثلاث(مت23:4، 35:9، 1:11)، والتي فيها يقر بأن المسيح “يعلّم”، و “يكرز” و “يشفى”. وفي الثلاث حالات نلاحظ عنصرين:

1 ـ رصد متتابع لأنشطة المسيح.

2 ـ المسيح هو معلم إسرائيل الذي يفسر طريق الله وفق ناموس الله المُعلن.

دائمًا نجد في إنجيل متى التعليم عن المسيح (الخريستولوجية) في إطار القيامة، لذا عندما يتوجه التلاميذ إلى المسيح بالنداء لا يستخدمون لقب “يا معلّم” لكن لقب: “أيها الرب kÚrie”. وكلمة “kÚrioj” اُستخدمت 61 مرة في إنجيل متى(قارن مر38:4، لو24:8، مت25:8). لكن متى البشير يذكر لقب معلّم “did£skaloj” أو “rabb…” باللغة العبرية على لسان الذين لا يتبعون المسيح بانتظام، أو الذين لا يعرفونه معرفة صحيحة (على سبيل المثال: يهوذا يستخدم لقب “rabb…” في (مت25:26، 49، انظر أيضًا 11:9، 38:12، 16:19، 24:22).

 يتميز متى عن الإنجيليين الآخرين في أنه يتناول “تعليم” المسيح بطريقة منظمة إذ وضع هذه التعاليم فى ثلاثة أحاديث:

1 ـ تعليمه في الموعظة على الجبل حيث نجد وصفًا لنموذج، أو مثالاً للإنسان المنتمى لملكوت الله (متى من إصحاح 5 إلى 7).

2 ـ تعليمه في إرشاداته للرسل بخصوص الكرازة الإنجيلية (مت10).

3 ـ تعليمه في حديث عن مجئ ملكوت الله والدينونة (مت23 إلى 25).

بحسب إنجيل متى يوجد معلّم واحد فقط له سيادة حقيقية، إنه المسيا المنتظر (مت8:23). الذى أرسل الرسل لكى يعلّموا كل الأمم بكلمة الإنجيل.

يُنهى متى إنجيله بإرسالية “تعليمية” عظيمة، علينا أن ندرسها بتدقيق لكى نفهم كل الإنجيل: ” فتقدم يسوع وكلمهم قائلاً: دُفِع إلىّ كل سلطان فى السماء وعلى الأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت18:28ـ20). والتلمذة ـ في هذه الأرسالية التعليمية ـ تعنى الخضوع إلى تعليم الكلمة المتجسد، القادر وحده أن يحمي التلاميذ من الأنبياء الكذبة والذئاب الخاطفة حتى يثمر عملهم ويقدمون الثمار التي يريدها الله (مت12:7 وما بعده).

المسيح ـ بحسب القديس متى الإنجيلى ـ هو مفسر الناموس ومعلن إرادة الله للبشر، وسوف يكون له دورًا حاسمًا في أثناء مجيئه في يوم الدينونة وفق المعيار الذي وضعه هو نفسه (مت25:24، 31:25)[4].

لقد نظّم القديس متى الإنجيلى محتوى إنجيله في وحدات موضوعية وليس بحسب جدول زمنى. وهذا يساهم في الفهم الكامل لتعليم المسيح، خاصةً أنه يلفت نظر القارئ إلى الموضوع المحورى في هذه الوحدات، أى أن المسيح هو المسيا ـ معلّم إسرائيل الجديد، لأجل هذا لم يبتعد المسيح عن الكنيسة بل ظل حاضرًا وفاعلاً كمعلّم وقائد في حياة الكنيسة ” ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” (مت20:28).

ج ـ المسيح المعلّم في الإنجيل بحسب القديس لوقا:

قدم لوقا المسيح كمعلّم متألم يتجاوب مع مشاكل واحتياجات الناس في عصره. ويستخدم لوقا بجانب لقب “معلّم” كلمة “ناظر أو مراقب” epist£thj، بينما القديس مرقس ـ كما سبق أن أشرنا ـ استخدم كلمة “رابىrabb…”، والقديس متى كلمة “رب أو سيد kÚrioj”.

لقد أراد القديس لوقا الإنجيلى أن يشدد على عمل المسيح كمدبر ومعتنى بالعالم، لذا استخدم كلمة “مراقب أو ناظر” لتعلن أنه مسئول عن عملية “تعليمية”، وهذا يُفهم في إطار المجتمع اليونانى. ولأن القديس لوقا كتب إنجيله لجماعات مسيحية من الأمم، فإنه لم يستخدم  لقب “رب ραββί” المألوف بالنسبة لليهود والغريب بالنسبة للأمم.

كتب القديس لوقا الإنجيل وسفر أعمال الرسل مقدمًا المسيح بطريقة مُميزة عن بقية الإنجيليين، خاصةً في “أعمال الرسل”. فقد أظهر كيف أن الروح القدس نقل رسالة الخلاص إلى أقاصى الأرض وأن المسيح كان يعلّم بواسطة أنبيائه (أع27:11ـ28، 1:13، 1بط 10:1ـ11).

فبينما يقدم القديس متى الإنجيلى، المسيح كموسى العظيم مقسّمًا إنجيله إلى خمسة أحاديث تتماثل مع الخمس كتب الأولى للعهد القديم المكتوبين بواسطة موسى، نجد أن لوقا يقدم المسيح كإيليا الجديد. إنه النبى الحار بالروح القدس. الروح رافقه طوال مسيرته حتى الصعود كما حدث مع إيليا. لقد ذكر القديس لوقا أن المسيح أقام ابن أرملة نايين من الموت (لو11:7ـ17) ليذكِّرنا بإيليا الذى أقام ابن أرملة صرفة صيدا (1مل17 وانظر أيضًا لو26:4و27).

أيضًا قدم القديس لوقا المسيح كمعلّم يقوم برحلة عظيمة من الجليل إلى أريحا وأورشليم (لو51:9ـ45:19). وبحسب القديس لوقا فإن أورشليم هى مركز جغرافى له مغزى خلاصى للعالم، إنها المكان الذي منه سوف يصعد المسيح إلى السموات، ومن هناك أيضًا أرسل يسوع تلاميذه ليحملوا رسالة الإنجيل إلى أقاصى المسكونة.

 

أعطت هذه الرحلة العظيمة للقديس لوقا مادة تعليمية متنوعة تمس الحياة اليومية، فيقدم لنا مثل السامرى الصالح (لو25:10ـ37)، والابن الضال (لو11:15ـ32)، ووكيل الظلم (1:16ـ13)، والفريسى والعشار (9:18ـ14). وأيضًا يركز القديس لوقا على إشارات المسيح لمواضيع خاصة مثل الصلاة (1:11ـ13)، والغنى (13:12ـ34)، والفقر (1:16ـ31)، والبُعد الأخروى للحياة (38:12ـ59)، والأربع أمثلة المرتبطة بالموائد والأكل (لو1:14ـ24)، وفي الأمثال الثلاثة عن التبعية الحقيقية للمسيح (لو25:14ـ35). ويعطى القديس لوقا اهتمامًا خاصًا بموضوع التلمذة الحقيقية، ويكتب لنا عن الشروط التي وضعها المسيح للتلمذة، وكيف أن المسيح استخدم خبرات الحياة اليومية لكى تُفهم هذه الشروط (لو25:14ـ35).

 ونستطيع أن نلاحظ أن لوقا يُظهر يسوع وهو في الاثنى عشر ربيعًا يعلم في الهيكل (لو45:2ـ48)، ويقدم لنا بداية حياة المسيح الجهارية بالإشارة إلى أنه كان يعلّم في المجامع (لو14:4ـ15). ويقدم لوقا في أعمال الرسل تلخيصًا لإنجيله مشيرًا بدقة إلى كل ما علّمه المسيح وفعله (أع1:1، لو5:23).

ومن الجدير بالملاحظة أن القديس لوقا بعد العدد الثالث من الإصحاح السابع يستخدم لقب الرب kÚrioj ثمانية عشر مرة عندما يشير إلى المسيح. هذا اللقب نادرًا ما يُستخدم قبل قيامة المسيح، لكن من المرجح أن جماعة القديس لوقا كانت تستخدم هذا اللقب عندما كتب إليها إنجيله. نجد أيضًا في إنجيل القديس لوقا أنه يسرد روايات متوازية تخص رجل وامرأة معًا لكى يؤكد على وجودهما معًا وأنهم متساويان أمام الله بالنعم والعطايا والواجبات.

فعلى سبيل المثال: زكريا وإليصابات (5:1)، سمعان وحنة (25:2ـ28)، أرملة صيدا ونعمان السريانى (25:4ـ28)، شفاء الممسوس وحماة بطرس(31:4ـ39)، سمعان الفريسى والمرأة الخاطئة (36:7ـ50)، الإنسان وحبة الخردل وخميرة المرأة(لو18:3ـ21)، السامرى الصالح ومريم ومرثا (29:10ـ42)، الإنسان والمائة خروف والمرأة والعشرة دراهم (لو4:15،30) القاضى الظالم والأرملة (لو1:18ـ14)، النساء عند القبر وتلميذى عمواس (لو55:23،1:24ـ11، 13:24ـ32).

د ـ المسيح المعلّم في الإنجيل بحسب القديس يوحنا الإنجيلى:

يتناول القديس يوحنا الإنجيلى تعاليم المسيح بطريقة مميزة، فبحسب البشير يوحنا، عصر المسيح هو الذي سبق وتنبأ عنه إشعياء، حيث الكل يعمل مع الله ويقبل كلمته: ” إنه مكتوب في الأنبياء ويكون الجميع متعلمين من الله. فكل مَن سمع من الآب وتعلم يقبل إلىّ” (يو45:6).

يقدم القديس يوحنا، المسيح بعد قيامته مثلما فعل القديس متى، فهو يتوجه إلى الجماعة المسيحية، وليس إلى الذين يريدون أن يتعرفوا على تعليمه.

إن القديس يوحنا الإنجيلى هو تلميذ المخلّص، المتأمل والعميق في نظرته للحوادث الكثيرة التي فعلها المسيح، وأيضًا يرى ويميز في تقليد وتعاليم إسرائيل الإشارات التي تخص المسيح. لقد ركز يوحنا على أهمية وحتمية مجئ الباراقليط وعمله في الكنيسة، فالروح القدس هو الذي يحفظ رسالة وأقوال المسيح، وهو نفسه الذي ينير الفهم الحقيقى لتعليم المسيح، فهو يعلم ويرشد أعضاء الكنيسة ” إلى كل الحق ” (يو26:14).

 لكن المطلب الذي يريده يوحنا هو أن يتعرف الإنسان على ضعفه ويعترف بنقائصه (يو 35:9ـ39)، حتى يتم شفاؤه ويأتى إلى المعلم الوحيد الذي لديه أقوال الحياة الأبدية (يو 69:6)، هذا هو الذي يقدم الحياة (يو40:5) وعلى الإنسان أن يحيا مثلما عاش المسيح بالمحبة وعلّم عنها.

لقد حفظ لنا القديس يوحنا تعليم المسيح المؤثر الذي حدد فيه ملامح ممارسة العمل الإنجيلى للرسل: ” أنتم تدعوننى معلّمًا وسيدًا وحسنًا تقولون لأنى أنا كذلك. فإن كنت وأنا السيد والمعلّم قد غسلت أرجلكم فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض. لأنى أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضًا. الحق الحق أقول لكم إنه ليس عبد أعظم من سيده ولا رسول أعظم من مرسله. إن عملتم هذا فطوباكم إن عملتموه” (يو13:13ـ17).

يذكر القديس يوحنا (في الاصحاح الأول) دعوة التلاميذ وأيضًا ألقاب المسيح الخاصة بـ: الكلمة، المسيا، ابن الله، ابن الإنسان، مخلّص العالم، الرب، الله. وفي (11:2) يعلن المسيح مجده، والتلاميذ يؤمنون به. بينما يوحنا يستطرد فى إنجيله بطريقته الفريدة، إذ يتعرف الدارسون في إنجيله على شهادة تاريخية لحياة وعمل المسيح. نتحقق في النصف الأول من إنجيل القديس يوحنا (1ـ12) على أن التلاميذ يستخدمون دائمًا مصطلحات مثل معلم “رابى” rabb… بالعبرية وباليونانية  did£skalojفي الاشارة إلى المسيح، بالرغم من أهمية استخدام مصطلح “رب” kÚrioj.

استخدم القديس يوحنا كلمة معلّم بالعبرية “رابى” ثماني مرات. وهذا اللقب كان يُنسب إلى المسيح تقديرًا من التلاميذ لدوره التعليمى (يو13:13)، لذا أخذ اليهود موقف عدائى ضد المسيح. وعندما كان يستخدم القديس يوحنا كلمة “عالم” kÒsmoj فهو يقصد البشر على وجه الخصوص، لكى يظهر العداء الذى كان بين العالم والمسيح. لذلك في مقدمة إنجيله عن الكلمة المتجسد، يقول ” كان في العالم والعالم لم يعرفه” (يو10:1).

لكن الله أحب العالم حبًا لا نهائي ” حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل مَن يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو16:3)، فالله أرسل ابنه إلى العالم (17:3، 36:10، 18:17) كمخلّص له (42:4، 1يو14:4). لكن “العالم” أخذ موقفًا عدائيًا تجاهه، حتى أنه وصل إلى مستوى كان يحقد فيه على المسيح وتلاميذه (يو8:15). فالعالم يوجد في الظلمة ولم يقبل نور حياة وتعليم المسيح، وهذا لأنه تحت سلطان ” رئيس هذا العالم” (يو3:12، 30:4، 11:16) فالعالم “وضع في الشرير” (1يو 19:5). العالم لم يدرك أن المسيح هو ” نور العالم” (يو12:8). لكن هو الذى انتصر على الظلمة، لذلك مَن يؤمن به ينتصر على قساوة وعداوة العالم، يكفى أنه لا يحب العالم (1يو 15:2)، لأن العالم يمضى وشهوته (1يو17:2).

          يركز البشير يوحنا في إنجيله على نتائج ابتعاد الإنسان عن الله، أيضًا يبرز التضاد بين النور والظلمة، الحق والكذب، الموت والحياة. وهذا التضاد أو الثنائية تنطلق ـ في إنجيله ـ من التعليم عن المسيح (الخريستولوجية). فالمسيح هو نور العالم (يو12:8) حيث ” النور يضىء في الظلمة” لكن ” الظلمة لم تدركه” (يو5:1). ” لتصيروا أبناء النور..” (يو36:12). الاستجابة لهذه الدعوة لن تكون فقط بالمعرفة العقلية لكن بالإيمان. فالعقل بمفرده لن يستطيع أن يخرج الإنسان من الظلمة لأنه قد يكون هو نفسه مظلم، لكن الإيمان هو الذي يخرج هذا الإنسان من الظلمة إلى النور. فالإيمان يجعلنا نصير أبناء النور، والنور ضرورى لحياة الإنسان، لأن ” مَن يمشى في الليل يعثر لأن النور ليس فيه” (يو35:12).

المعرفة ليست معرفة ذهنية مجردة، لكن حياة مؤسسة على الشركة ” وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته” (يو3:17). والمعيار الواضح لهذه المعرفة هو المحبة: ” الذي يحبنى يحفظ وصاياى” (يو15:14). وكل الوصايا تتلخص في وصية واحدة: ” هذه هى وصيتى أن تحبوا بعضكم بعضا كما أحببتكم” (يو12:15).

بتأنس الكلمة، قدم الله للإنسان “النعمة والحق” (يو14:1). عمل المسيح ـ بحسب اعلانه ـ هو شهادة الحق (يو37:18).

كان هناك تصادم بين جماعة القديس يوحنا الإنجيلى والمجمع اليهودى، وهذا الوضع توجد جذوره في الصراع الذي كان بين المسيح وخصومه من اليهود. ولا يشكك القديس يوحنا في الناموس، لكن يركز على أن اعلان المسيح يتخطى الناموس، وفهم الناموس مرهون بإيمان المرء بالمسيح أو بعدم إيمانه. ويشدد القديس يوحنا على حضور المسيح الفعّال ولا يكتفى بالإشارة إلى أحاديثه.

لا يذكر إنجيل القديس يوحنا مثل الأناجيل الثلاثة الأولى، تعليم المسيح فيما يخص أمورًا متنوعة فى الحياة اليومية، لهذا لا نجد فى رواية إنجيل يوحنا تعاليم وردود المسيح على تساؤلات الناس بخصوص ملكوت السموات. لقد وصف يوحنا المسيح كمعلّم بطريقة سريعة موجزة (يو14:7، يو20:18) لكن ليس كالإنجيليين الباقين (مثلاً متى 29:7، 16:22). لقد وصف مدى دقة تعليم المسيح ومدى تأثير سامعيه حين قال: ” فتعجب اليهود قائلين كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلم ” (يو15:7).

يتحقق المرء في إنجيل القديس يوحنا من حضور الباراقليط الذي هو بالحرى المعلّم. وهدفه التعليمى هو أن يُذَّكر المسيحيين بالمسيح وبتعليمه: ” وأما المعزى الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمى فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم” (يو25:14).

هكذا نستطيع أن نرى بوضوح:

1ـ أن الكلمة المتجسد بواسطة كلمته يهدف إلى تفعيل قدرات الإنسان النفسية والجسدية[5].

2ـ تعليم المسيح يمثل الأساس والوسيلة التي بها يتجه الإنسان الساقط إلى قرار بشأن تغييره الكيانى.

في هذا الإطار يكتسب عمل المسيح التعليمى والتربوى أهمية عظيمة لأن هذا العمل يمثل دافعًا لكل باحث تربوى ليفتش على العناصر التي تساهم في مثل هذا التغيير الجذرى للمواقف والسلوكيات، الأمر الذي يهدف إليه علم النفس التربوى الحديث بأشكال متنوعة.       

بالتأكيد إن الأناجيل الأربعة لم تخطط مسبقًا لتقديم المسيح كمعلّم بتحليل ووصف لقدراته ومهاراته التعليمية. لكن قدمت شهادتها لحياة وعمل المسيح بوعى وإدراك التلاميذ. فعلاقتهم كانت علاقات اختبارية بين المعلم والتلاميذ.

إن تناول عمل المسيح التعليمى لا يمكن أن يصير خارج المعطيات التاريخية والاجتماعية للعصر الذي كتب فيه الإنجيليون، طالما أن عمل الخلاص يخص الإنسان الذى يعيش فى التاريخ. على الجانب الآخر لا يمكن أن نأتى إلى البُعد الأخروى للتعليم إن لم نقبل وجود واقع تاريخى كبداية لهذا البعد الأخروى.

(يتبع)

[1] انظر إلى المرجع الأساسى: قسطنطين يوكارينى، تعليم وتربية المسيح في ضوء علم النفس التربوى الحديث، إصدار “خبز الحياة”، أثينا 1998 (باللغة اليونانية).

[2]على سبيل المثال ميخا2:4،خر12:24،مز11:27،إش9:11،20:30، 13:54،إر3:31، يو54:6، 1تس9:4، عب11:8.

[3] سافا أغوريدس، مقدمة في العهد الجديد، أثينا 1991 الطبعة الثالثة، ص16 (باللغة اليونانية).

[4]  انظر أغوريدس، المرجع السابق، ص127.

[5]  انظر كليمندس الأسكندرى، المربى G/, XII, BEPES 7, 232.

المسيح المعلّم [1] (1) الدكتور جورج عوض إبراهيم

ضرورة تلمذة الأمم وتعليمهم

تفويض المسيح كنيسته ضرورة تلمذة الأمم وتعليمهم

تفويض المسيح كنيسته ضرورة تلمذة الأمم وتعليمهم

تفويض المسيح كنيسته ضرورة تلمذة الأمم وتعليمهم

العمود الثاني الذي يرتكز عليه تسويغ اللاهوت المسيحي كمادة تعليمة وفكرية، هو تفويض المسيح المقام كنيسته ضرورة تلمذة الأمم وتعليمهم. فالمسيح الممجد، وبعد تحديده لكنيسته النمط والغرض من كل عملية لاهوتية صحيحة، عاد وأمر كنيسته أن يتلمذوا الأمم ويعمدوهم ويعلموا أتباعه أن يحفظوا جميع ما أوصاهم به (متى 28: 18-20). كما أن وعده بأن يلازم تلاميذه “كل الأيام إلى انقضاء الدهر”، فيه الإشارة الضمنية إلى أنه كان يتوقع أن يبقى هذا التفويض ساري المفعول ويستمر إلى ما بعد حياة معاصريه.

إذاً، المأمورية العظمى التي نطق بها المسيح، حملت كنيسته مسؤولية القيام باستمرار بثلاثة متطلبات أو واجبات فكرية: الواجب التبشيري الذي يتطلب منها البلوغ بفعالية بالرسالة المختصة بالمسيح لكل جيل ولكل ثقافة. ثم هناك الواجب التعليمي الذي يفترض ربط معلومات الكتاب المقدس المتشعبة ضمن نظام متماسك، ومن ثم تطبيق هذه المعرفة المنظمة على كل أطوار التفكير والسلوك البشريين لتتميم التفويض الثقافي.

وأخيراً، عندنا الواجب الدفاعي لتسويغ، أمام عالم معاد، وجود المسيحية بصفتها الديانة الوحيدة المعلنة من الله، وأيضاً لصون رسالتها من أي غش أو تشويه (راجع تيطس 1: 9).

لتنفيذ هذه المتطلبات الحسية للمأمورية العظمى – هذه المهمة التي أوكد لكم أنها ليس بالسهلة على الإطلاق – نشأ علم اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية وفكرية، واستمر طيلة حياة الكنيسة. سأكتفي هنا بذكر بعض القوم الذين تجاوبوا مع توصية المسيح، أقصد بذلك المجموعات الثلاثة من الكنيسة القديمة والتي تبدأ أسماؤها بالإنكليزية بحرف A. Apostolic Fathers (الآباء الرسوليون)

(برنابا الاسكندري، هرمس، إقليمندس الروماني، بوليكاريوس، بابياس من هيرايابوليس، وإغناطويس الإنطاكي). Apologists (الدفاعيون) (يوستينوس الشهيد، تاتيان، إيريناوس، أثيناغوراس، وثاوفيلس الأنطاكي).

Antignostic Fathers (الآباء الذين ردوا على التيار الغنوصي) (إيرينايوس وترتليانوس)، وقد تلاهما أوريجانوس الإسكندري، وأثناسيوس، و”العظماء الثلاثة الكبدوكيون” أي باسيليوس والشخصان الحاملان اسم غريغوريوس، وأيضاً أغسطينوس الذي من هيبو.

ثم في العصور الوسطى، ظهر الراهبان الأغسطينيان غوتستشوك وتوماس برادواردين، وقد تلاهما في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، جون وكلف وجون هس. بعد هذا، ظهر في القرن السادس عشر، المصلحون العظماء مارتن لوثر، فيليب ملانكتن، وليم فاريل، جون كالفن، مارتن بوسر، أولريخ زوينغلي، جوهان هاينريخ بولينجر، ثيودور بيزا، جون نوكس، كاسبر أولفيانوس، وزكرياس أورسينوس.

في القرن الثامن عشر، جوناثان إدواردس الذي سيطر على الساحة اللاهوتية الأمريكية، وفي القرن التاسع عشر، جايمس بانرمان، جايمس بوكانان، وليم كانغام، روبرت لويس دابني، جايمس هنلاي ثورنويل، تشارلس وأ. أ. هودج. وفي القرنين العشرين والحادي والعشرين، ابراهام كوبير، وهرمن بافينك، ب. ب. وارفيلد، غرهاردس فوس، غريت س. بركوفر، لويس برخوف، جون موراي، لوران بوتنر، غردون هـ. كلارك، كارل ف. هـ. هنري، روجيه نيكول. جايمس باكر، هنري بلوشيه، جيرالد براي، دونالد أ. كارسن، وأو. بالمر روبرتسن.

يعوزني الوقت إن أخبرت عن أكثر من حفنة من جملة الآلاف من الرعاة – اللاهوتيين الموقرين من أمثال تشارلس سبرجن، مارتن لويد – جونس، جايمس مونغومري بويس، وبيتر ماسترس إلى جانب العدد الذي لا يحصى من المرسلين الذين تجاوبوا مع مأمورية المسيح خلال الحركة الإرسالية الحديثة في القرن التاسع عشر من أمثال وليم كاري والمعمدانيين في إنكلترا، هنري فن وكنيسة إنكلترا، أدونيرام جدسن، هدسن تايلر، دايفد لفنغستون وكنيسة اسكوتلندا، وفي أيامنا د. جايمس كنيدي، مؤسس “الإنفجار التبشيري”. هذا مع العلم أن هؤلاء كانوا، في معظمهم، كالفينيين في لاهوتهم، إلى جانب كونهم أيضاَ رابحي نفوس عظماء.

هل من متهور بهذا المقدار حتى يوحي بأن هؤلاء العمالقة اللاهوتيين أضاعوا وقتهم ومواهبهم عن جهل بصفتهم خداماً للمسيح؟ لذا، باقتفائنا لآثار هؤلاء القوم من خلال طاعتنا المستمرة لمأمورية المسيح، علينا نحن اليوم أن نقتني الحق الذي أعلنه الله في الأسفار المقدسة عن نفسه وعن العالم الذي خلقه والناس الساكنين فيه. ونشرح هذا الحق ونذيعه. وننشره، وندافع عنه بشكل منطقي ومتماسك. إننا بفعلنا هذا، نمارس اللاهوت المسيحي.

النموذج الرسولي

العمود الثالث الذي يرتكز عليه تسويغ اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية وفكرية، هو النموذج الرسولي. إن نشاطاً كهذا أدى في نهاية المطاف إلى انخراط الكنيسة في اللاهوت، لا يقتصر على تعليم المسيح ومثاله ومأموريته العظمى، بل يتعدى ذلك ليشمل أيضاً العهد الجديد بأكمله. فلقد نشط الرسل جميعهم في حقل اللاهوت. فبطرس استنتج من ذاكراته الحية عن المسيح المقام الذي كان قبل خمسين يوماً قد نفخ على تلاميذه في العلية، أن المسيح الذي صعد إلى السماء هو الذي نفخ بروحه القدوس على الكنيسة في اليوم الخمسين.

وبولس بدوره، لم يضيع أي وقت بعد معموديته، بل راح حالاً “يبرهن” من العهد القديم لجماعته اليهود أن يسوع هو ابن الله ومسيا العهد القديم (أعمال 9: 20-22). ثم لاحقاً، وكمرسل صاحب خبرة، دخل المجمع في تسالونيكي و”حاج” معهم على مدى ثلاثة سبوت من الأسفار المقدس شارحاً ومبيناً أنه كان على المسيا أن يتألم ويقوم من الأموات (أعمال 17: 2، 3). كما أن أبلوس الضليع من الشؤون الدينية، أفحم اليهود باشتداد خلال مناظرة علنية، مبيناً بالكتب أن يسوع كان هو المسيا (أعمال 18: 28).

لم يكن نشاط بولس اللاهوتي مقتصراً على المجمع. فبينما كان سيلا وتيموثاوس في أثينا، لم “يجادل” بولس في المجمع مع اليهود واليونانيين الخائفين الله فقط عن يسوع والقيامة، بل أيضاً مع جميع الذين كان يصادفهم في السوق (أعمال 17: 17، 18). على أثر ذلك، دعي إلى أريوس باغوس حيث عرض هناك “الصورة الكبيرة” حتى يفهمها الفلاسفة الأبيقوريون والرواقيون المحتشدون هناك، لكن من دون إدخال أي تعديل على رسالته حتى تتلاءم مع ما كانوا على استعداد للإيمان به.

ثم، إلى جانب فترة الثلاثة أشهر التي قضاها في أفسس مجاهراً في المجمع ومحاجاً بشكل مقنع حول ملكوت الله (أعمال 19: 8)، كان يحاور الناس يومياً داخل قاعة للمحاضرات تخص تيرانس، حيث لم يتردد قط، كما سيذكر لاحقاً في محضر شيوخ أفسس الذين كان قد جمعهم في ميليتس، لم يتردد في الكرازة لهم بكل ما كان مساعداً لهم، أو في تعليمهم جهاراً ومن بيت إلى بيت كل مشورة الله، معلناً لكل من اليهود واليونانيين عن ضرورة رجوعهم إلى الله بالتوبة، وإلى يسوع المسيح بالإيمان (أعمال 20: 20، 21). من الواضح أن بولس لم يكن مجرد رسول وحسب، بل مرسلاً لاهوتياً أيضاً.

نرى أيضاً في رسالة بولس إلى رومية كلاً من شرحه اللاهوتي لعقيدة التبرير بالإيمان، فقط مع المنهج اللاهوتي الذي اعتمده. من الضروري ملاحظة “الجريان اللاهوتي” البارع في رسالته إلى كنيسة رومية، وكيف أنتقل بشكل منطقي ونظامي من المحنة الرهيبة التي يتخبط فيها البشر (رومية 1: 18- 3: 20)، مستعيناً بالعهد القديم لتوصيل نقطته (رومية 3: 10-18)، حتى بلوغه تدبير الله للخلاص في المسيح، أي التبرير بالإيمان فقط بالمسيح، وذلك بمعزل عن أعمال الناموس (رومية 3: 21-31).

وقد استشهد أيضاً بإبراهيم كأفضل مثال من العهد القديم (رومية 4). ومن ثم انتقل لعرض نتائج التبرير (رومية 5). كما تطرق إلى الاعتراضين الرئيسين اللذين كان يواجههما باستمرار بخصوص عقيدة التبرير، بمعنى أن عقيدته للتبرير بالإيمان فقط، تمنح الناس الحرية لكي يخطئوا (رومية 6-8)، وأيضاً كون عقيدته التبرير بالإيمان فقط، تبطل المواعيد التي كان الله قد قطعها لشعبه (رومية 9-11).

وقد رد على كلا الاعتراضين بتفسيره لكتب العهد القديم. وأخيراً وصل إلى الأخلاق المسيحية التي تنبع من هذه العقيدة المركزية للإيمان المسيحي (رومية 12-16).

لا يقلل بأي شكل من “وحي” كتابات بولس (راجع 1تسالونيكي 2: 13؛ 2تيموثاوس 3: 16؛ 2بطرس 3: 15، 16) إقراره بأنه خلال بسطه لإدراكه العقيدي لإنجيل الله تحت إشراف الروح القدس. تأمل في خلاصاته اللاهوتية ودعمها في سياق أبحاثه، بالاستناد إلى خلاصات سابقة، وإلى تاريخ من العهد القديم، وحتى إلى علاقته الشخصية بالمسيح.

يجد أحدنا هذه التأملات اللاهوتية والاستنتاجات المنطقية راسخة في رسالة رومية، وبالتحديد في صلب بعض أكثر التصريحات تطرفاً التي أدلى بها الرسول. مثلاً، بولس وبعد بلوغه نقطة محددة في سياق تطويره لحجته، يسأل عشر مرات: “فماذا نقول؟” (رومية 3: 5، 9؛ 4: 1؛ 6: 1، 15؛ 7: 7؛ 8: 31؛ 9: 14، 30؛ 11: 7)، ثم بناء على مراجع جيدة وضرورية، يقدم على استنتاج خلاصات لاهوتية يريد لقرائه تبنيها.

أيضاً في رومية 4، يصل إلى الخلاصة اللاهوتية عن عدم ضرورة الختان لنيل بركة التبرير، وكيف أن إبراهيم يعد الأب الروحي للمؤمن غير المختون من الأمم، وذلك استناداً إلى الملاحظة البسيطة المبنية على تاريخ العهد القديم حيث نقرأ: “فأمن بالرب فحسبه له براً” (تكوين 15: 6) وذلك قبل نحو أربع عشرة سنة على حصوله على الختان (تكوين 17: 24).

يا لها من استنتاجات مدهشة حقاً يقدم عليها الرسول ضمن محيطه الديني والثقافي مستنداً في ذلك ببساطة إلى العلاقة “قبل وبعد” بين حدثين تاريخيين! ثم بولس، ولبرهان كيف أن في “الزمان الحاضر أيضاً قد حصلت بقية حسب اختيار النعمة” (رومية 11، 5)، يكتفي بالرجوع إلى موقعه الخاص كيهودي مسيحي (رومية 11: 1). أمامنا هنا تصريح لاهوتي مدهش يستخلصه بولس ببساطة من حقيقة إيمانه الشخصي بيسوع.

هذا النموذج الرسولي لشرح الأسفار المقدسة لاهوتياً، والتأمل فيها لاهوتياً، والخروج منها باستنتاجات لاهوتية، إنما يدعم حاجتنا الراهنة إلى الانخراط في العملية اللاهوتية. وفي حال أردنا مساعدة جيلنا على فهم الأسفار المقدسة ورسالتها الخلاصية، نحتاج نحن أيضاً إلى ترتيب خلاصات لاهوتية واستنتاجها مما نكتسبه من جهودنا في مجال تفسير الأسفار المقدسة، قبل وضعها في أطر تحت شكل وعظ أو تعليم، مع استعدادنا “للتحاور” لاهوتياً مع هذا الجيل. متى فعلنا هذه الأمور، نحن بذلك نقوم بعمل لاهوتي!

ضرورة تلمذة الأمم وتعليمهم

منهج الرب يسوع المسيح اللاهوتي نفسه

منهج الرب يسوع المسيح اللاهوتي نفسه

منهج الرب يسوع المسيح اللاهوتي نفسه

منهج الرب يسوع المسيح اللاهوتي نفسه

العمود الأول الذي يرتكز عليه تسويغ اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية وفكرية، هو منهج المسيح اللاهوتي نفسه. ونظراً لمدى أهمية شهادة هذا العمود، سأتناوله بأكثر إسهاب من الأعمدة الأخرى.

يصف البشيرون الأربعة جميعهم يسوع المسيح الذي بعد قيامته في الجسد في اليوم الثالث أظهر “نفسه حياً ببراهين كثيرة” (أعمال 1: 3). وكان الله الآب قد وضع ختمه (إمبراماتور) على خدمته الأرضية من خلال إقامته من بين الأموات (غلاطية 1: 1؛ رومية 8: 11)، معلناً بذلك بقوة بأنه الكائن الإلهي، ابن الله (رومية 1: 4)، ومنعماً علينا بكل كلمة لابنه على اعتبار أنها حق أنا أصرح بأن البشيرين جميعهم يصفون المسيح الإلهي بأنه منخرط في العمق في أسفار العهد القديم المقدسة في القلب والفكر، طيلة فترة خدمته الأرضية.[1]

موقف يسوع من تاريخية العهد القديم

بات من المألوف اليوم انتقاد تاريخية العهد القديم وإعادة بنائه على أسس حرجة. ادعى “مارتن نث” مثلاً، بأنه من غير الممكن معرفة أي شيء بالتأكيد عن ماضي أمة إسرائيل قبل دخولها إلى كنعان عبر مراحل متنوعة.[2] “جون برايت”، ولئن يبدو أكثر اعتدلاً من “نث” في إعادة بنائه لتاريخ العهد القديم، ظل يشكك في تاريخية حقبة ما قبل الآباء للتاريخ الكتابي.[3] لكن، لم يكن هذا موقف يسوع من تاريخية العهد القديم.

ففي الواقع، لحظ “ج. و. ونهام” ما يلي: “الغريب بما فيه الكفاية أن الروايات التي تحظى بأقل قدر من القبول لدى ما كان يعرف قبل جيل أو جيلين “بالفكر الحديث” هي نفسها تلك التي كان [يسوع] على ما يبدو أكثر ما يهوى اختيارها في سياق إيضاحاته.”[4] مثلاً، فيما يخص إنجيل متى وحده، نجد كيف أن يسوع يشير فيه إلى الأحداث التاريخية التالية. ومن الواضح كيف اعتبر أنه لا يرقى إليها أي شك من الزاوية التاريخية.

– خلق آدم وحواء بفعل مباشر من الله (متى 19: 4، 5).

– مقتل هابيل (متى 23: 23).

– أزمنة نوح وطوفان سفر التكوين (متى 24: 37).

– خراب سدوم وعمورة (متى 10: 15).

– كلمة الله التي جاءت إلى موسى (متى 28: 32).

– داود الذي أكل خبز التقدمة (متى 12: 3، 4).

– زيارة ملكة سبأ لسليمان (متى 12: 40).

– عملية رجم زكريا (متى 23: 35).

– ابتلاع الحوت ليونان (متى 12: 40).

– كرازة يونان وتوبة نينوى (متى 12: 41).

– الإشارات إلى شخصيات أخرى من العهد القديم من أمثال إبراهيم، واسحق، ويعقوب، وإشعياء، ودانيال (متى 8: 11؛ 13: 14؛ 15: 7، 8؛ 24: 15)[5].

موقف يسوع من وحي العهد القديم

يحوي إنجيل متى عدة مؤشرات على أن يسوع آمن وعلم أن أسفار العهد القديم كانت كلمات الله عينها. ففي متى 19: 5 علم يسوع أن الكلمات التي نطق بها آدم أو موسى (على الأرجح هذا الأخير) في تكوين 2: 24 صدرت بشكل نهائي أكثر عن الله (“الله خلق… وقال…”). كما أن يسوع في محاججته مع الصدوقيين بشأن قيامة الجسد (متى 22: 31، 32)، سألهم: “أفما قرأتم ما قيل لكم [هومن] من قبل الله القائل: أنا إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب؟” ثم ذكر كلمات كان الله قد وجهها إلى موسى (خروج 3: 6).

إذاً، اعتبر يسوع أن هذه الكلمات من الكتاب المقدس هي كلمة الله الموجهة إلى كل من موسى ومعاصريه. إلى ذلك، بنى يسوع قضيته في الدفاع عن قيامة الجسد على فعل الكينونة “to be” في الزمن الحاضر: “أنا [إيمي] إله إبراهيم”، وليس “كنت إله إبراهيم”. الإشارة الضمنية هنا هي أولاً إلى أن إبراهيم كان لا يزال حياً وسيقام ذات يوم من الأموات، وثانياً كون كلمات الأسفار المقدسة كان الله قد أشرف على صياغتها في غاية الدقة، ما يمكن أحدنا من بناء حجة على زمن الفعل.

وفي متى 22: 43-45 بنى يسوع حجته لكونه ابن الله على اقدام داود على دعوة ابنه بحسب الجسد ربه “بالروح”. المقصود هنا هو أن كلمات المزمور 110، ولئن كان داود قد دونها، فمصدرها في الأصل هو روح الله. أما التركيز هنا فهو على الانسجام الرائع بين الله والإنسان في انتاج الأسفار المقدسة (راجع 2بطرس 1: 20، 21). ومن جديد، يبني يسوع حجته على كلمة واحدة: اعتماد داود اللفظة “رب” (أدهن) لوصف ابنه.

موقف يسوع من سلطة العهد القديم

لا يستطيع أحد التشكيك بشكل جدي فيما كان يكتسبه العهد القديم من سلطة في نظر يسوع، في كل ما يؤكده. ففي العظة على الجبل، علم يسوع تلاميذه: “لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل” (متى 5: 17، 18).

وفي لوقا 16: 17، صرح بأن أصغر جزء من الأحرف المكتوبة للأسفار المقدسة، لن يسقط أبداً. وقد اعتاد أن يشير مراراً وتكراراً إلى الناموس والأنبياء (متى 5: 17؛ 7: 12؛ 11: 13؛ 22: 40) مقتبساً منها لحسم مسألة ما (متى 12: 5؛ 15: 3-6؛ 21: 31، 42؛ 22: 42، 43).

إنه يشير ضمناً من خلال هذه العبارة إلى قانون ثابت من المواد التي لها سلطة، قاصداً بذلك العهد القديم برمته. في متى 4: 4-10، صد المجرب من خلال اقتباسه تثنية 8: 3؛ 6: 16و6: 13 بهذا الترتيب، مؤكداً في كل مرة إيمانه بنهائية سلطة العهد القديم من خلال تصديره اقتباسه صيغة الفعل التام باليونانية (أو بالأرامية “ما يعادله في القوة”): “مكتوب [ولا يزال ساري المفعول]” (راجع أيضاً متى 11: 10؛ 21: 13؛ 26: 24، 31).

ويسوع من خلال جعله كلمة الله مقابل التقليد اليهودي في مرقص 7: 13، إنما أشار بذلك ضمناً إلى أن الله هو الذي يقف وراء سلطة العهد القديم بجملته. كرر مرات عدة سؤاله الاستفهامي: “أما قرأتم” (متى 12: 3؛ 19: 4؛ 21: 16؛ 22: 31). كما أنه أمر الأبرص الحاصل على التطهير، بضرورة إطاعته الشريعة الموسوية المتعلقة بحالات التطهير (متى 8: 4).

كذلك اتهم الصدوقيين بالضلال بشأن قيامة الجسد لأنهم لا يعرفون الكتب (متى 22: 29). أثنى على إطاعة الكتبة والفريسيين لشريعة التعشير مع أنه شجب إهمالهم أثقل الناموس: العدل، والرحمة، والإيمان (متى 23: 23). وفي متى 26: 53-56، أعرب يسوع عن تقديره الكبير للأسفار المقدسة النبوية برفضه طلب المساعدة من أكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة لإنقاذه من الصليب، بقوله: “أتظن أني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيقدم لي أكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة؟ فكيف تكمل الكتب: أنه هكذا ينبغي أن يكون؟”.

وعند موته، كانت أفكاره مركزة على الأسفار المقدسة بما أنه اقتبس المزمور 22: 1 قبل لحظات فقط من موته (متى 27: 46). هذه المادة من إنجيل متى، إلى جانب الأناجيل الثلاثة الأخرى، تدعم المسألة نفسها، بما أنها تبرهن، بما لا يرقى إليه أي شك، بأن العهد القديم في نظر يسوع كان له سلطان من دون أي ريب.

موقف يسوع من الصفة النبوية لنبوات العهد القديم

ركز يسوع باستمرار على الصفة البنوية لنبوات العهد القديم. ففي متى 11: 10 علم كيف أن خدمة يوحنا المعمدان تممت ملاخي 3: 1. كما نبه إلى أن نبوة دانيال عن رجسة الخراب سرعان ما ستتم (متى 4: 15). كذلك نظر إلى موته هو، بصفته الحدث الافتتاحي لتتميم نبوة إرميا بشأن “العهد الجديد” (متى 26: 28).

لكن أهم ما في الأمر أن يسوع استخرج من أسفار العهد القديم استخلاصات لاهوتية رائعة عن نفسه. ففي تسع وأربعين مناسبة مختلفة بحسب حساباتي، بعد إسقاط النصوص المتوازية من حساباتي، اقتبس يسوع في الأناجيل أو أشار إلى العهد القديم. كما أن العديد من هذه الاقتباسات طبقها على نفسه، كما يظهر في الأمثلة التالية:

بحسب لوقا 4: 16-21، يسوع وجاء إلى الناصرة حيث كان قد تربى. ودخل المجمع حسب عادته يوم السبت وقام ليقرأ، فدفع إليه سفر إشعياء النبي. ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبا فيه: روح الرب علي، لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحرية، وأكرز بسنة الرب المقبولة. ثم طوى السفر وسلمه إلى الخادم، وجلس. وجميع الذين في المجمع كانت عيونهم شاخصة إليه. فابتدأ يقول لهم: إنه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم”. هنا ادعى يسوع بأنه مسيا العهد القديم.

بحسب يوحنا 5: 46، 47، أكد يسوع صراحة للقيادة الدينية اليهودية في أيامه في مناسبة أخرى: “لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدفونني، لأنه هو كتب عني. فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك، فكيف تصدقون كلامي؟” هنا ادعى يسوع بأنه نبي كموسى. وفي يوحنا 10: 35 أعلن يسوع بعد اقتباسه المزمور 82: 6 دفاعاً عن كونه ابن الله “… ولا يمكن أن ينقض المكتوب”، أي بما أن الأسفار المقدسة لا تتغير لا يمكن ابطالها – وفي هذا إعلان مدهش عن مقدار ما اعتبر يسوع أن هذه الأسفار قالت الحق فيه.

بحسب لوقا 18: 31-33، وفي مناسبة أخرى بعد، أعلم يسوع تلاميذه بما يلي: “ها نحن صاعدون إلى أورشليم، وسيتم كل ما هو مكتوب بالأنبياء عن ابن الإنسان….” كذلك علم في متى 26: 24، 31، 53-56: “إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه… “كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة، لأنه مكتوب: أني أضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية…. أتظن أني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيقدم لي أكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة؟ فكيف تكمل الكتب: أنه هكذا ينبغي أن يكون”.

بحسب لوقا 22: 37، وفي مناسبة أخرى، يسوع وفي معرض اقتباسه إشعياء 53: 12، “وأحصي مع أثمة” علق على ذلك بالقول: “… إنه ينبغي أن يتم فيّ أيضاً هذا المكتوب… لأن ما هو من جهتي له انقضاء”. هنا ادعى يسوع بأنه عبد الله المتألم فيما يعرف بـ “النشيد الرابع للعبد” في إشعياء.

ثم بحسب لوقا 24: 26، 27 على طريق عمواس عشية قيامة الرب يسوع في الجسد من الأموات، مكتوب عن يسوع أنه “ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب”. (راجع أيضاً يوحنا 13: 18؛ 19: 24، 28، 36، 37؛ 20: 9). يسوع في انشغاله الذهني الواسع في تفسير الأسفار المقدسة، كان بذلك يقوم بنشاط لاهوتي، بأسمى ما في الكلمة من معنى. وبالمناسبة، أقول إن المسيحيين غالباً ما تمنوا لو يتسنى لهم الإصغاء إلى خطاب يسوع على طريق عمواس.

لكن، بإمكانهم التيقن من أن عظات الرسل المدونة في سفر أعمال الرسل كما رسائلهم الرسولية، تحمل طابع الخصائص الرئيسة لتفسير المسيح، وذلك من خلال الطريقة التي بها يفسرون العهد القديم من زاوية المسيح. إذاً، نعرف جوهر ما نطق به يسوع، حتى إن قلوبنا يجب أن تلتهب فينا، كما كان قد حصل مع قلبي ذينك التلميذين، عندما يفسر الروح الكتب المختصة بالرب.

ثم بحسب لوقا 24: 44 في تلك العشية عينها، أعلن يسوع لتلاميذه الذين كانوا قد احتشدوا في العلية مع آخرين: وقال لهم: “هذا هو الكلام الذي كلمتكم به وأنا بعد معكم: أنه لا بد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير”.[6]

علم يسوع من خلال هذه الادعاءات أن العهد القديم بأكلمه تحدث عنه بصفته نسل المرأة، ونسل إبراهيم الفريد، والنبي الذي تكلم عنه موسى، والكاهن حسب رتبة ملكي صادق الذي تكلم عنه داود، وعمانوئيل المولود من العذراء، والابن الحامل الألقاب الرفيعة الأربعة “المشير العجيب”، و”الله القدير”، و”الأب الأبدي”، و”رئيس السلام”، والعبد المتألم، وكل هذا بحسب إشعياء، والغصن الذي تحدث عنه إرميا، وابن الإنسان في نبوءة دانيال، ومرسل العهد بحسب ملاخي. لذا بالنسبة إلينا، متى قرأنا العهد القديم بالشكل الصحيح، يجب أن يقرأ في ضوء خدمته وبصفته التتميم النبوي للوعد النبوي خلال عصر العهد القديم.[7]

يسوع ومصادقته المسبقة على كُتاب العهد الجديد

أخيراً، صادق يسوع على رسله كمعلمين للعقيدة أصحاب سلطة، وذلك بإعلانه لهم: “وأما المعزي، الروح القدس، الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم” (يوحنا 14: 26). ثم علمهم: “إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية. [هنا المسيح يصادق مسبقاً على نبوات العهد الجديد]. ذاك يمجدني، لأنه يأخذ مما لي ويخبركم” (يوحنا 16: 12-14)[8].

إذاً المسيح نفسه هو الذي أرسى لكنيسته النمط والهدف من كل لاهوت صحيح. النمط؟ كيف يجب أن يكون عليه؟ لجعل من التفسير السليم للأسفار المقدسة الأساس للاهوتنا. وماذا عن الهدف من جهودنا اللاهوتية؟ ماذا يجب أن يكون عليه؟ أن نبلغ إليه في نهاية المطاف من خلال جهودنا التفسيرية[9].

 

 

[1] حتى معشر الدارسين المنقدين، يقرون بما يعرف بالمصادر في الأصل للأناجيل الأربعة، أور ماركس، Q, M, L، ويوحنا التي تظهر يسوع وهو يعلم بجدية تامة موثوقية العهد القديم، وسلطانه ووحيه.

[2] Martin Noth, The History of Israel (New York: Harper & Row, 1960)

[3] John Bright, A History of Israel (Philadelphia, Westminster, 1959.

[4] J. W. Wenham, Our Lord’s View of the Old Testament (London: Tyndale, 1953), 9.

[5] يجب الآن أن أتناول مسألة أزعجت العديد من الناس والمختصة بتأييد يسوع بالكامل لتاريخية أحداث العهد القديم: ألم يطلب الله، إله العهد القديم من شعبه الأمر عينه الذي يجده المسيحيون بغيضاً ومثيراً للاشمئزاز اليوم في أديان أخرى – قتل كائنات بشرية أخرى، وذلك لدواع دينية؟ كان بوسعي الإسهاب أكثر في الكلام عما يعرف “بالمعضلة الأدبية” في العهد القديم (للمساعدة هنا، رجاء الرجوع إلى James Orr, The Problem of the Old Testament).

يصر المنتقدون على أن الله، إله العهد القديم طلب فعلاً من الشعب أحياناً تدمير أعدائهم. مهما كان السبب. كيف كان باستطاعته فعل ذلك إن كان هو إله المحبة؟ أليست مزامير صب اللعنات (من الأفضل الحديث عن “اللعنات في المزامير”) (5: 10؛ 10: 15؛ 55: 15؛ 69: 23-25؛ 109: 9-13) من هذه الروح نفسها؟ إن كان يسوع قد أيد تاريخية العهد القديم، ألم يؤيد بذلك القيام بهكذا نشاط؟

صحيح أن الله في العهد القديم دعا من حين إلى آخر إلى تدمير إحدى المدن، وذلك عملاً بمبدأ العهد القديم المعروف بـ حرم (“مكرس” للرب وبالتالي “محظور”).

مثلاً، في معرض قهر سيحون، ملك الأموريين، أخذ الشعب القديم “كل مدنه في ذلك الوقت، وحرمنا من كل مدينة الرجال والنساء والأطفال. لم نبق شارداً” (تثنية 2: 34)، “محرمين (ححاريم) كل مدينة: الرجال والنساء الأطفال” (تثنية 3: 6). لماذا؟ كان موسى قد وعد: “لا نميل إلى حقل ولا إلى كرم ولا نشرب ماء بئر. في طريق الملك نمشي حتى نتجاوز تخومك” (عدد 21: 22). لكن سيحون لم يرفض أن يسمح للشعب بالمرور في نطاق مملكته وحسب، بل عمل تعبئة عامة بين صفوف جيشه وحارب الشعب (عدد 21: 23) مهدداً بذلك استمرار شعب الله وتتميم الوعد لإبراهيم.

وهكذا نشهد الأمة القديمة في تطبيقها لمبدأ حرم، القرار المبرم القاضي بتقديس الأشخاص والأشياء للرب، غالباً من طريق قتلهم. بالطبع، اللاهوتيون الليبراليون والمفكرون الأحرار، وجدوا هذا المبدأ كريهاً ومقيتاً، الأمر الذي دفعهم إلى استخلاص أن الله، إله العهد القديم، هو بربري إلى آخر حدود تتحكم به آداب بعيدة كل البعد عن المسيحية. ولا يتطابق بالتالي بأي شكل من الأشكال مع “الله وأبو ربنا يسوع المسيح” المحب.

لكن “ميريدث كلاين” يعلن عن حق في كتابه (“معاهدة الملك العظيم”)

Treaty of the Great King (Grand Rapids, Eerdmans, 1963)

“في الواقع يتعلق الشعور بالإساءة هنا بلاهوت وديانة الكتاب المقدس ككل. فالعهد الجديد أيضاً يحذر الناس من مكابدة اللعنة الأبدية حيث الأشرار الذين جُعلوا للغضب يلزمهم تعظيم العدل الإلهي الذين كانوا قد كرهوه. دينونات الجحيم هي مبدأ حرم في العهد القديم وهو يتجلى في ملء وآخر مظهر له…”

أما فيما يخص اللعنات في بعض المزامير، فلا يستطيع أحدنا، بل لا يجوز له صرف النظر عنها لكونها تعكس ببساطة مستوى أدبياً متدنياً في العهد القديم، وبالأخص عندما يتذكر أحدنا كيف أن العهد القديم يمنع الأخذ بالثأر (لاويين 19: 17، 18)، كما أنه يعلم أن الله يكره العنف (المزمور 5: 6)، ويصر على ضرورة ترك النقمة له (المزمور 7: 4).

عندما يلحظ أحدنا أن كل اللعنات هي صلوات فيها يستودع المرنم مشكلته لله تاركاً له الانتقام. وليست، وليست تصريحات لنوايا المرنم، فهي تظهر إيماناً مطيعاً بالله وقصداً لا يبتغي الثأر من الإنسان. كما أنها تعبر عن غضب مقدس حيال تباهي أعدائهم بتدنيس اسم الله القدوس، وفيها تبرئة لاسم الله وتعبير عن كراهية لأعدائهم، كراهية من الصنف الكامل والنقي أدبياً، وليس غير الكامل (المزمور 139: 21، 22).

إلى ذلك، أيد يسوع إنزال عقوبة الإعدام بالشخص الذي يلعن والديه (متى 15: 4) وصب لعنات على أعدائه (متى 23: 13 والأعداد التالية). كذلك بولس التمس من الله أن ينزل لعنته على الذين شوهوا إنجيله (غلاطية 1: 8، 9؛ راجع أيضاً رؤيا 6: 10؛ 19: 20). إذاً، تشكل أخلاقية العهدين القديم والجديد، قطعة واحدة هنا: فكلا العهدين يعكسان ببساطة الحق القائل إن الله سوف يدين أعداءه بعقاب أكيد وعادل إلى حد ما في هذه الحياة وبالكامل في الحياة العتيدة: راجع

Louis Berkhof, Principles of Biblical Interpretation (Grand Rapids: Baker, 1966), 157.

[6] التقسيم الثلاثي للعهد القديم الذي يشير إليه يسوع هنا، إنما يعكس قانون العهد القدي للديانة اليهودية الفلسطينية. فيهود فلسطين لم يقبلوا أبداً أسفار الأبوكريفا المنتحلة، بل قانونهم هو نفسه قانون البروتستانت للعهد القديم. (راجع Josephus, Against Apion, 1. 41: Babylonian Talmud, Yomah 9b, Sota 48 b, Sahedrin 1Ia).

ولا يسوع أو كتاب العهد الجديد اقتبسوا قط هذه الأسفار. إذاً، عندما أعلن بوسل أن اليهود كان عندهم “أقول الله” (رومية 3: 2)، كان يقصي ضمناُ الأسفار المنتحلة من هذه “الأقوال”. Merrill F. Unger, Introductory Guide to the Old Testament (Grand Rapids: Zondervan, 1956), 81-114، يعالج ظاهرة الأبوكريفا بطريقة تظهر أن هذه الأسفار ليس من نتاج الوحي بالروح القدس.

راجع أيضا، R. Laird Harris Inspiration and Canonicity of the Bible (Grand Rapids: Zondervan, 1957). Chapters 6, 8, and Roger Beck with, The Old Testament Canon of the New Testament Church ans Iths Background in Early Judaism (Grand Rapids: Eerdmans, 1986), 338-437.

[7] عليّ أن أصرح بالمناسبة أن رفض العالم اليهودي اليوم ليسوع بصفته المسيح. إنما مرده بالتحديد إلى كونهم لا يفهمون أسفارهم المقدسة بشكل صحيح. يعلن بولس في 2كورنثوس 3: 7-16 أن “برقعاً” (كألما) غير مرفوع يغطي قلوب اليهود غير المؤمنين لدى قراءتهم موسى، أي العهد القديم، هذا البرقع الذي يرفع فقط بواسطة المسيح.

العمى الذي اختبرته إسرائيل لدى معاينتها وجه موسى الذي كان يلمع. يكتب بولس، أنه يستمر “إلى هذا اليوم” كبرقع على قلوبهم لدى قراءتهم العهد القديم. لذا، فإن اليهود لن يتسنى لهم اليوم ولا فيما بعد إلى الأبد أن يقرأوا العهد القديم بالشكل الصحيح ما داموا يقرؤونه بمعزل عن تتميمه في يسوع المسيح وفي عمله الخلاصي.

هم لا يدركون أن مجد الله الذي كانوا قد بحثوا عنه في التوراة قد تخطاه المجد الأعظم المتجلي في المسيح الذي هو صورة الله. الأمر الذي يحتم ضرورة قراءة العهد القديم من زاوية المسيح، أي في ضوء التتميم الراهن له في شخص المسيح. حقيقة الأمر الفعلية هي أن لا أحد، يهودياً كان أم أممياً، سمع عن المسيا وعن عمله الخلاصي الفدائي ومن ثم رفضه، يفهم العهد القديم.

[8] المسيح أيضاً علم تلاميذه “ألا يهتموا كيف أو بما يتكلمون” لدى القبض عليهم واحضارهم أمام مجالس وولاة وملوك. “لأنكم تعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به. لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم” (متى 10: 19، 20؛ مرقص 13: 10). كذلك وعدهم يسوع في ظروف كهذه “لأني أنا أعطيكم فماً وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها” (لو 21: 35).

[9] كل هذا يعني أن المسيح، بما أنه الوحيد الذي باستطاعتنا معرفة أي شيء عنه بشكل واثق، هو الذي يتحدث عنه العهدان القديم والجديد. لذا، من الضروري ألا يفصل أحدنا شهادة العهدين القديم والجديد حوله عن شهادة المسيح الإله حول هذين العهدين، أو فصل شهادة المسيح الإله حول هذين العهدين عن شهادة العهدين القديم والجديد بشأنه. فكل شهادة تصادق على صحة الشهادة الأخرى.

بالطبع، ثمة أدلة أخرى تصادق على ذلك إلى جانب شهادة المسيح الإلهية حول الأسفار المقدسة والتي بموجبها “تبرهن حقاً بوفرة عن نفسها كونها كلمة الله”. هذا ما يدعوه “بنجامين ب. وارفيلد” المؤشرات الإلهية التي تدخل في صلب الأسفار المقدسة. وهي من صنف: “الطابع السماوي للمادة، وفعالية العقيدة، سمو الأسلوب، تماسك جميع الأقسام، مجال الموضوع بأكمله (وهو إعطاء كل المجد لله)، الاكتشاف [الكشف] بالكامل المعروض عن السبيل الأوحد لخلاص الإنسان، الكمالات العديدة الأخرى التي لا تضاهى، والكمال بالتمام لمضمونها (Westminster Confession of Faith, I/v) (اعتراف الإيمان “وستمنستر”).

بكلام آخر، يبرهن الكتاب المقدس بحد ذاته على كونه كلمة الله، كما أنه يثبت ذلك بحد ذاته، ويصادق على ذلك بحد ذاته. وكي لا يتفق أحدنا مع هذا التصريح، فإنه يلزمه امتلاك مصدر سلطوي للمعلومات عن الله غير الكتاب المقدس. لنأخذ مثلاً العقيدة الكتابية المختصة بالفداء.

إن كان لا يوجد في حيازة أحدنا مصدر سلطوي آخر للمعلومات حولها، فكيف يعرف إن كان تعليم الكتاب المقدس مغلوطاً؟ لكن رب سائل: “كيف يعرف أحدنا إن كانت عقيدة الكتاب المقدس على حق؟ الجواب الأول في كتاب (“الاعتراف هو التالي: إن سلطة الأسفار المقدسة، والتي على أساسها يجب الإيمان بها وإطاعتها، لا تعتمد على شهادة أي إنسان أو كنيسة، بل بالكامل على الله (الذي هو الحق نفسه)، مؤلفها؛ وبالتالي يجب قبولها لأنها كلمة الله” iv/I)

أما الجواب الثاني في البند التالي فهو: “إن اقتناعنا وتأكدنا بالكامل من الحق المعصوم من الخطأ ومن السلطان الإلهي [للعهدين القديم والجديد] يرتكزان على عمل الروح القدس في داخلنا، إذ يشهد من خلال الكلمة ومعها في قلوبنا”. بكلام آخر، الله نفسه هو الذي يجعل أحدنا يؤمن بأن الكتاب المقدس هو كلمته.

هذا الإيمان هو بعمله في قلوب المختارين، وبواسطة هذا الإيمان “يؤمن المسيحي بأن كل ما هو معلن في الكلمة هو حق، بما أن سلطان الله نفسه هو المتكلم فيها” (Confession XIV.2). أعلن المرنم: “طوبى للذي تختاره وتقربه ليسكن في ديارك. لنشبعن من خير بيتك، قدس هيكلك”. غردن هـ كلارك” في كتابه:

 What do Presbyterians Believe? (Philadelphia: Presbyterian and Refomed, 1965, 18)

أحسن عندما لحظ ما يلي:

منطقياً، ليست عصمة الكتاب المقدس بمثابة نظرية [اقتراح مستنتج من اقتراحات أخرى؛ حق بالإمكان برهانه] يجب استنتاجها من بديهية سابقة [حق واضح وجلي بحد ذاته مسلم به كأساس للاستنتاجات]. تعد عصمة الكتاب المقدس البديهية التي منها تستنتج العقائد المتعددة كنظريات. فكل ديانة وكل فلسفة يجب تأسيسها على مبدأ أول ما. وبما أن المبدأ الأول هو الأول، لا يمكن

“برهانه” أو “تثبيت صحته” على أساس أي شيء سابق.

المبدأ الأول في المسيحية هو هذا: الله موجود وقد خاطبنا بشكل معصوم عن الخطأ في كلمته ومن خلالها.

منهج الرب يسوع المسيح اللاهوتي نفسه

الشك في الكمين – ١٨ – هل قام المسيح وظهر لتلاميذه أم كانت مجرد هلاوس؟

الشك في الكمين – ١٨ – هل قام المسيح وظهر لتلاميذه أم كانت مجرد هلاوس؟

الشك في الكمين – ١٨ – هل قام المسيح وظهر لتلاميذه أم كانت مجرد هلاوس؟

 

الشك في الكمين – ١٨ – هل قام المسيح وظهر لتلاميذه أم كانت مجرد هلاوس؟

 

ديدات يقول إن المسيح فقد سلامه، فهل يصدق ديدات أمام الكتاب المقدس؟

 

ديدات يقول إن المسيح فقد سلامه، فهل يصدق ديدات أمام الكتاب المقدس؟

ديدات

ديدات يقول إن المسيح فقد سلامه، فهل يصدق ديدات أمام الكتاب المقدس؟

    في ص24 تحت عنوان “حكم قضائي قبل نظر القضية” كتب ديدات “كان الموضوع فوق احتمال يسوع، لم يحتفظ بسلامه”

    المسيح لم يحتفظ بسلامه؟ وهل هذه من الإنجيل المقدس أيضًا؟ باتأكيد لا، لأن الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد يشهد بأن السيد المسيح هو رئيس السلام ونبعه، فكيف يفقد نبع السلام سلامه؟ إنها عدم مسؤلية ديدات فيما يكتب، فلا تسأله عن المراجع…

     قبل حوالي سبعمائة سنة قبل الميلاد، كتب إشعياء النبي بالوحي الإلهي عن المسيح “لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ” (إشعياء 9: 6) فرئيس السلام ونبعه، لا يفقد السلام.

   فعندما  وُلد المسيح في بيت لحم، غنت الملائكة قائلة ” الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّة”ُ (لوقا 2: 14) فمن يعطي الأرض بمولده السلام، لا يمكن أن يفقد سلامه.

    فهو الذي قال لتلاميذه “سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا” (يوحنا 14: 27) هو معطي السلام لكل من يريد، فكيف يفقد هو سلامه؟

   وقال الوحي المقدس عنه “فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (رومية 5: 1).

   وغير ذلك الكثير من المفاهيم في الإنجيل المقدس التي تذكر أن منبع السلام وأصله؛ هو المسيح…فمن ذاك الذي يستطيع أن يمنح سلامًا لكل من يريد أن يُمنح له؟ إنه المسيح وحده القادر على كل شيء فهو الوحيد الذي صرح بذلك، لأنه رب الأرباب وملك الملوك.

   إن غيظ ديدات كثيرًا ما طفا على صفحات كتابه، واضطر ليكتب كلامًا بلا مسؤلية، فها هو هنا، كتب عبارة لا وجود لها في الإنجيل المقدس إطلاقًا، ولا في التاريخ، فهو يكتب بلا مرجع وبلا دليل، يكتب بلا مسئولية.

سؤال موجه لديدات أين قبر المسيح؟

سؤال موجه لديدات أين قبر المسيح ؟

ديدات

سؤال موجه لديدات أين قبر المسيح ؟

هذا السؤال أوجهه لمنطق ديدات ومن يتبناه.. أين قبر عيسى؟ إنه سؤال وجيه ومنطقي جداً، لأن عقيدة ديدات: هي عقيدة الحمدية في هذا الشأن… وهي: أن عيسى أنزلوه عن الصليب في حالة إعماء، وتم وضعه في القبر، ومن ثم علاجه، ثم خرج بعد ذلك وعاش حياته العادية، ثم مات وتم دفنه مثل كل الناس… وهنا يظهر أهمية السؤال: فأين قبر عيسى؟

يعني نبي بحجم عيسى، يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً.. يقيم الميت بكلمة… يشفي المريض بلمسة… الخ، كيف نبي بهذا الحجمن لا يُعرف أين قبره، بينما هناك من هم أقل من عيسى بكثير، وقبورهم معروفة حتى اليوم؟ أما أن يوجد قبر فارغ للمسيح، فهذه هي الحقيقة التاريخية الحية، والتي تتماشى مع الإنجيل المقدس…

ثم: نجد الكتب اليهودية المقدسة – العهد القديم – قد ضمت عدداً هائلاًمن النبوات عن السيد المسيح، وذلك قبل ولادته الجسدية، ثم يبدأ العهد الجديد بأحداث قبل ولادته أيضاً، ثم يذكر لنا أمه العذراء، ثم ولادة المسيح، ثم يذكر لنا نَسَبه البشري، ثم يحكي لنا أحداث هذا الميلاد العجيب والفريد، ويذكر لنا أنه مخلص البشرية، ويتسلسل الإنجيل المقدس في سرده لحياة المسيح وتعليمه والمعجزات التي قام بها حى يصل بنا إلى خيانة تلميذه يهوذا الاسخريوطي ثم صلبه، وكل هذه الأحداث، استشهد بها ديدات في كتابه… ثم وبعد كل هذه الأحداث المتسلسلة تنقطع الأخبار فجأة عن المسيح بععد صلبه حسب زعم ديدات… كيف للمسيح الذي اهتمت السماء بسرد كل حياته قبل أن يولد بآلاف السنين، تأتي عند أهم نقطة في رسالته ثم تقف! إنه منطق ديدات…. فكما اهتم الوحي بطريقة دخول المسيح المعجزية للعالم، فلا بد أنه يهتم أكثر بطريقة خروجه عن هذا العالم… وهذا المنطق يتوافق مع الإنجيل الذي أكمل المشوار مع المسيح، ولم يتوقف عند الصليب بل دخل القبر مع المسيح، وخرج منه في قوة القيامة ومجها، وصعد إلى السماء في كمال المجد وقوته، وعرفّنا بمجيء المسيح لمحاسبة كل العالم ودينونته… فكل كاتب واعٍ لابد أن ينهي قصته التي بدأها، فكم وكم الرب الإله… فالنهاية التي ذكرها الإنجيل المقدس، هي التي تناسب المنطق والعقل، وتناسب التسلسل الطبيعي والحقيقي الذي جرت فيه الأحداث، وتتفق مع البداية التي بدأها الوحي الإلهي، منذ آلاف السنين… كما أنه من غير المعقول، أن يتوقف الوحي الذي رافق شخصية المسيح الأزلي… هذه الشخصية العظيمة “مشتهى الأجيال” عند مرحلة معينة، ويترك البشر دون أن يكمل لنا الحقيقة الكاملة..

فإن كان هذا السلوك غير مقبول من أي مؤرخ يؤرخ لحقبة ما، فكم يكون إنجيل الحق الإلهي، الذي سار بأحداث حياة المسيح، من قبل ولاتده، وبدون خجل عبر به صليب المهانة والعار، وبكل هيبة إلى الفجر العظيم يوم أحد القيامة المجيد، ثم الصعود إلى السماء.

وعود على بدء، فأنا أسأل: أين قبر المسيح اليوم؟

أجيب: هناك قبر واحد، يزوره ملايين المسيحيين من سنة لأخرى… ولكنه قبر فارغ… يا للعظمة الإلهية… نعم إنه قبر فارغ، لن الميت الذي كان فيه قد قام من الموت في اليوم الثالث، وصعد إلى السما، وهو الآن حي هناك في السماء، وهو متأهب الآن للمجيء مرة ثانية لأرضنا، وسيأخذنا لنعيش معه الأبدية السعيدة إلى أبد الآبدين… وسيظل هذا القبر الفارغ شاهداً لكل متشكك في حقيقة القيامة، وهكذا بقيامة الرب يسوع من الموت، لم تشهد الملائكة فقط بقيامته، ولم يشهد التلاميذ فقط بها، ولا العالم المسيحي كل يوم، بل أيضاً صخور القبر الفارغ، تصرخ وتعلن هذه الحقيقة: أن الرب قام بالحقيقة قام…

نعم فصخور القبر تشهد مشاركة بشهادتها، شهادة الملائكة، وعالم البشر الحي، عالم اللحم والدم، ذلك لأن في ثنايا صخور القبرن نام من قام فيها، ونوره الساطع لمع فيها، وهو من يحمله المؤمنون الآن بين ضلوعهم، ليس نائماً: بل قام حياً فيهم، وقائم يسطع من خلالهم بنوره العجيب، إنه بذاته من تخشع أمام عرشه الملائكة سُجداً في السماء… إنه رب الأرباب وملك الملوك، يسوع المسيح الحي إلى أبد الآبدين… آمين.

ديدات يسب ويستهزء بالمسيح وتلاميذه والمسيحيين عمومًا

ديدات يسب ويستهزء بالمسيح وتلاميذه والمسيحيين عمومًا 

ديدات

ديدات يسب ويستهزء بالمسيح وتلاميذه والمسيحيين عمومًا 

 

“ولكم ضمير صالح، لكي يكون الذين

يشمتون سيرتكم الصالحة في المسيح يخزون

في ما يفترون عليكم كفاعلي شر”

(1بط3: 16)

لم تقتصر إهانات ديدات وشتائمه على المسيحيين، ولا على الإنجيل المقدس، ولا على تلاميذ المسيح فقط، بل تمادى في كتابه، لإهانة عيسى شخصياً…تلك الإهانات التي ما كنا سنذكرها هنا، لو أنها استندت على نصوص كتابية، بل ما هي إلا تلفيق وكذب، تفنن فيه ديدات، ليهين به عيسى….

المسيحيون

تحت عنوان “سبب الخوف في ص 54 كتب ديدات عن المسيحيين” لن تجد إجابة: لا ينطقون، ساعدهم بالله عليك، حررهم من تحريفهم” الرجل يسقط علينا تحريفه، ونحن لا نستغرب هذا الأسلوب الديداتي… وفي ص 59 تحت عنوان “من القائل بهذا؟” كتب “سيقول الصليبي المجادل..” وماذا أقول؟ ربما نحن لسنا لدينا حرمة في عيني ديدات… لنرى ما الذي قاله عن:

تلاميذ السيد المسيح

أيضاً تلاميذ السيد المسيح قام ديدات بإهانتهم، وقد اخترت بعض هذه الإهانات وليست كلها.

تحت العنوان الاستهزائي “الأتباع العباقرة” ص 55 كتب ديدات عن تلاميذ المسيح “فإنني أتحرج من تسمية اولئك بتلاميذ أو حواري أو أتباع السيد المسيح عليه السلام” ديدات يتحرج … لا أدري ما هي الكلمات المناسبة، سأتركها للقارئ.. إنما أريد أن أقول: إن كان ديدات يتحرج، فنحن نفتخر بمسيحنا العظيم الذي حول ضعف هؤلاء التلاميذ غلى قوة وشجاعة وتضحية وبذل، ونشروا كلمة المسيح، واليوم فأنا ارد على ديدات، بنفحات روح المسيح التي نقلها إلينا هؤلاء التلاميذ، الذين عاشوا بأمانة لسيدهم، باذلين كل غالٍ ونفيس، حتى حياتهم لم يبخلوا بها على مسيحهم، الذي رأوه أولاً، أمام عيونهم يبذل حياته لأجلهم ولأجل كل العالم…

وأعتقد أن وصول رسالة المسيح، إلى كل العالم اليوم، قد بدأت بزخمها الكبير في حياة هؤلاء التلاميذ، وبعددهم القليل جداً، إنما يعكس لنا مدى عمل روح المسيح فيهم وبهم، ولا شك في أنهم قد اصبحوا في الكنيسة أو في العالم المسيحي مكان فخر واعتزاز وإكرام… وليعش ديدات الآن إحراجه الكبير، ليس من تلاميذ المسيح، بل من أجل تحريفه الذي يواجهه الآن…

أما في ص 57 وتحت عنوان “إسم جديد ولعبة قديمة” كتب ديدات عن يوحنا تلميذ المسيح “فيعطيه القديس يوحنا أكذوبة بقولة….

حينما كتبت أنا عن ديدات أنه كاذب، قدمت الأدلة من كتابه، وكيف قطع وألصق وزاد وأنقص… أما هو: فإنما ينعت تلاميذ المسيح بالكذب: دون حرمة ودون دليل… إنه ديدات… لا يخجل وهو يملأ كل كتابه بالكذب، ثم يتهم الآخرين بالكذب… ومن؟ القديس يوحنا..

 

الإنجيل المقدس

تحت عنوان “من أين نبدأ” ص8 يتهكم ديدات على الإنجيل المقدس، فكتب “عندما هبت العواصف وكسفت الشمس، ووقع الزلزال، وانشق الصخر وتمزقت ستائر المعبد من أعلاها إلى أسفلها، (والقبور١ تفتحت وقام الراقدون ودخلوا شوراع أورشليم) كما هو مأثور عن أولئك الشهود المسيحيين يا له إذاً من “سيناريو” يساوي مليون “دولار” ويحطم الرقم القياسي لدى إنتاجه “كفيلم سينمائي”.

الحقيقة السيناريو هو كتاب ديدات المعجون بالقصص الخيالية العبثية، والتي رددنا عليها، وليس الإنجيل الواضح في رسالته، والسهل فهمه لكل من يريد…

أولاً: لم يرد بالإنجيل المقدس إطلاقاً أن هناك عواصف، ساعة صلب المسيح… فهي سيناريوهات ديدات، ومع أنه المؤلف لها، لا يخجل أن ينسبها للإنجيل… إذاً العواصف من اختراعات ديدات، ولغرض واضح في قصته، ولعجزه، أجبره غرضه أن يقحمها في الأكذوبة التي ينسجها….

ثانياً: لقد خلط ديدات متعمداً بين حادثتين، واحدة بعد موت المسيح مباشرة وهو على الصليب، والأخرى بعد قيامته من الموت في اليوم الثالث… ثم يضع الحادثتين في نص واحد…

فهو صاحب هذه السيناريوها، وليس الإنجيل..ز ولك يتضح من حذفه المتكرر والمتعمد في كل مرة لكلمة (القيامة): إنها الكلمة التي لا يحتمل سماعها ولا رؤيتها. وبالتالي يخترع ديدات نصوص وينسبها للإنجيل: حتى يضلل القارئ….

فالآيات الإنجيلية الواردة بعد موت المسيح مباشرة، هي “وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسف، والأرض تزلزلت والصخور تشققت، والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة وظهروا لكثيرين، وأما قائد المئة والذين معه يحرسون يسوع فلما رأوا الزلزلة وما كان خافوا جداً وقالوا حقاً كان هذا إبن الله (متى 27: 51-54).

ما تحته خط، يحوي أحداثاُ وقعت بعد قيامة المسيح من الموت، فمع قيامة الرب يسوع من الموت، اقام معه بعض القديسين من الموت ودخلوا مدينة أورشليم وظهروا لكثيرين.. إن ديدات يخلط الأحداث ويفبركها، ثم يقول انظروا السييناريو، الذي يقدمه الإنجيل….

 

شتم ديدات للمسيح وتلقيبه للمسيح بأسماء الطيور والحيوانات

يصل ديدات هنا لقمته، وأنا لا استغرب أن ينحدر إلى مستوى الاستهزاء بالمسيح نفسه.. وسأتدرج معه حسب ترتيب صفحاته، لأكشف ثمرة قلمه…

فتحت عنوان” كان يهوذا متذمراً” ص11 كتب ديدات “ولو تم استفزاز يسوع كان رد فعله سيكون عبارة عن معجزات، وسيجلب النار والحمم من السماء على أعدائه وبالطبع سيستدعي كوكبة الملائكة التي كان يفخر بأنهم تحت تصرفه ليمكنون وأتباعه أن يحكموا العالم

لا يختلف إثنان على الطريقة التهكمية التي يكتب بها عن المسيح….

ثم يواصل الاستهزاء بالمسيح، في ص38 فكتب عنه هذه القائمة المحزنة لا تكتمل إلا إذا قام نادي أو جمعية يكون الشرط الوحيد للعضوية هو الموت والعودة من بين الموتى. ونقول لو ان كل شيء حدث “كما تقول الكتب المقدسة لدى المسيحيين” فإن يسوع يمكن ان يكون رئيس هذا النادي أو تلك الجمعية” المقصود الإستهزاء بالمسيح وقيامته من الموت..ز وإن اللبيب بالإشارة يفهم….

ثم يصل ديدات لأقصى درجات إهانة المسيح… فتحت عنوان “تغيير في السياسة” ص12، يلقب ديدات المسيح، بماذا؟ لنرى، فقط كتب “لن يظل يسوع جالساً كبطة قابعة..” وتكرر ذلك في ص13 تحت عنوان “أستاذ التكتيك كتب “لم يكن ذلك وقت يقبع فيه يسوع كالبط مع تلاميذه”..

ألم يجد ديدات في قاموسه اللغوي، غير هذه الشتائم؟ إن قصده التجريح والتشويه من الأساس، هذه هي رسالته، فهو كأحمدي، ينتمي لطائفة الأحمدية، يتمتع بقدر كبير من الكراهية للمسيح، مهما كذب وقال أي كلام مخالف لذلك..

وذات الأسلوب المنحدر يواظب عليه ديدات في ص43 حيث كتب عن المسيح “كانوا يريدون غلق الحظيرة على الحصان بعد أن نحجوا في إدخاله إليها”.

لم يكف أن يلقبه بالبطة، فكم الكراهية الكبير ينحدر به، ليلقبه بالحصان أيضاً…

ثم يواصل في ص52 في عنوان “الأرنب والسلحفاه” إهانة أخرى للسيد المسيح وتلقيبه بالسلحفاة وتلميذي عمواس بالأرنب.

بطة، حصان، سلحفاة… ثم ترتفع معه درجة الكراهية الأحمدية للمسيح، نقرأها في ص23 حيث كتب نوعاً جديداً من السباب… كتب عن المسيح “إنه أبأس الرسل حظاً”.

هل من أقام الميت بكلمة، أبأس الرسل حظاً… هل من خلق وشفى وأمر فكان أمره.. الخ، هو أبأس الرسل حظاً؟… ما هو البؤس وما هو الحظ في عُرف ديدات؟ واضح أننا نختلف مع ديدات اختلافاً جذرياً في معنى كل المصطلحات…

أما في ص27 فكتب عن المسيح “لكن هذا الرجل المسكين البائس اليائس كان يبدو غير مسبب لأي خطر”

لا أعرف بأي وجه سيقف ديدات، أمام عرش المسيح، يوم الحساب؟

 

 

ديدات ملفوفًا في ملائة ويتكلم عن كفن المسيح

ديدات ملفوفًا في ملائة ويتكلم عن كفن المسيح

ديدات

ديدات ملفوفًا في ملائة ويتكلم عن كفن المسيح

تحت عنوان “الكفن خال من الجسد يعد إزالة الحجر” ص 45 كتب ديدات “نعم يثور ثمة سؤال يقول: لماذا إزيح الحجر (من باب المقبرة؟) الجواب على ذلك: أنه بالنسبة لشخص يعود إلى الحيا، ليس من الضروري أن يتزحزح الحجر كي يخرج من المقبرة، كما لم يكن ضرورياً للملاءة الملفوف بها جسده، أن تلف لكي يخرج منها.

بالنسبة لموضوع الحجر: فقد تم الرد عليه سابقاً.. واظهرنا تحريف ديدات للنصوص كعادته…

أما هنا فأريد أن أتكلم عن الملائة الملفوفة… يقول الإنجيل المقدس “ثم جاء سمعان بطرس يتبعه، ودخل القبر، ونظر الأكفان موضوعة، والمنديل الذي كان على رأسه، ليس موضوعاً مع الأكفان، بل ملفوفاً في موضع وحده. فحينئذ دخل أيضاً التلميذ الآخر الذي جاء أولاً إلى القبر ورأى فآمن. لأنهم لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب: أنه ينبغي أن يقوم من الأموات” (يوحنا20: 6-9).

بالطبع لم يتجاسر ديدات ان يكتب هذه الآيات: هو فقط أشار لها… فهنا الأكفان موضوعة والمنديل ملفوف أو مطبق، كل شيء مرتب بعناية ونظام وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على:

  • الأكفان الموضوعة: فهي موضوعة بترتيبها الذي كان عليه جسد المسيح أثناء موته… أي في مكانها وبأربطبتها… وماذا يعني هذا؟ يعني أن قيامة المسيح لا تحتاج لفك الأكفان، فقد خرج المسيح من الأكفان وهي مربوطة كما هي… مثلما خرج من القبر والحجر ما يزال موجوداً على بابه: وهنا طبيعة القيامة بجسد ممجد…
  • المنديل ملفوف لوحده: والمنديل الذي كان على رأسه، ليس موضوعاً مع الأكفان، بل ملفوفاً في موضع وحده” إذاً فحتى المنديل الذي كان رأس المسيح ملفوفاً به، فهو ما يزال في ترتيبه وفي نفس المكان الذي كان فيه رأس المسيح أثناء موته بالجسد، وما يزال ملفوفاً أي مربوطاً كما كان مربوطاً على رأس المسيح… مما يؤكد أن القيامة قد حدثت وبالجسد الممجد، الذي لا يحتاج لفتح باب، أو لرفع حجر، أو لفك أكفان…
  • وكل هذا الترتيب لأكفان المسيح، والذي يتكلم عنه الوحي الإلهي هنا، وبعناية فائقة، حتى يؤكد حقيقة القيامة، وأيضاً ينسف من الأساس، أكذوبة سرقة التلاميذ لجسد المسيح، كما لفق ذكل كهنة اليهود، لأن السارق، ليس لديه وق ليرتب أو ينظم، بل يترك كل شيء مبغثراً والفوضى هي الغالبة.

إن المسيح الذي له كل المجد، والذي جعل الخرس يتكلمون، هكذا سمح لديدات أن يسقط ويستخدم الآيات التي تنطق بمجد المسيح، وموته وقيامته….

Exit mobile version