أينشتاين وأحمد ديدات – شاهد كيف يسقط ديدات في أبجديات المعرفة الكتابية – المسيح في القبر

أينشتاين وأحمد ديدات – شاهد كيف يسقط ديدات في أبجديات المعرفة الكتابية – المسيح في القبر

أينشتاين وأحمد ديدات – شاهد كيف يسقط ديدات في أبجديات المعرفة الكتابية – المسيح في القبر

أينشتاين وأحمد ديدات – شاهد كيف يسقط ديدات في أبجديات المعرفة الكتابية – المسيح في القبر

لمن يريد تحميل الرد، إضغط هنا

في أحد المقاطع المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي واليوتيوب للشيخ أحمد ديدات الذي يُلقبه المُسلمون بألقابٍ فلكية مثل “أسد الدعوة” فكنت في مشاهدتي لهذا الفيديو في حالة اختبار لمخالب هذا الأسد المزعوم، كنت أظنه كما سمعت عنه، لم أكنْ أتخيل أن الشخص الذي سحر عقول كل هؤلاء سيكون شخصًا ليس فقط ينقصه العلم الكتابي بل أيضًا ينقصه معرفته بنقصِه العلمي ذاته؛ لكي يبدأ في إكمال هذا النقص!! وفي أحد المقاطع المنشورة باسم “أينشتاين يعجز أن يساعد النصارى على حل هذه المعادلة” فإنك تجد العنوان يوحي عند قراءته أن الفيديو سيكون به شيء معضل حتى على مثل أينشتاين، بينما عندما يبدأ المرء في مشاهدة الفيديو بحركات ديدات البهلوانية والخداعية والجذابة جداً سيرى في الموضوع إستحالات إن كان قليل العلم، لكن على العكس، إن ديدات من طرحه _الذي قاله_ يظهر لأي شخص لديه معرفة، وإن كانت بسيطة، بالكتاب المُقدس بأن ديدات هو من لديه مشاكل معرفية هي التي يصعب على أينشتاين حل واحدة منها، ولذلك وقع ديدات في أخطاء ليست بقليلة على الرغم من بساطتها.

 

اقتباس:

1:- في الثانية 30 من الفيديو يقول ديدات

“لم يكن أحد يتوقع أن يموت (أي يسوع) خلال 3 ساعات على الصليب”

 

الرد:

 في حين إن المسيح لم يبقَ 3 ساعات على الصليب بل 6 ساعات!، فما هذا المستوى! فأن الشيخ أحمد ديدات ليس مُلم بأي شيء فيما يتحدث عنه ولا حتى قرأ الرواية الإنجيلية التي يعرفها بتدقيق الأطفال في مدارس الأحد، فمن هذا لكي ينتقد وهل وهو بذلك المستوى المعرفي الضحل يستطيع حتى أن يُقدم نقد من أي نوع كان؟ فالعهد الجديد لم يقل ما أدعاه ذلك “الأسد”، فمن أين له هذه المعلومات الخاطئة؟ عمن ينقل ومن ماذا يقرأ؟ ربما عن أوهامه وتخيلاته الفكرية ولكن أي كان فهو ليس بمرجع مسيحي مُطلقاً، فالعهد الجديد يقول:

 

وَكَانَتِ السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ فَصَلَبُوهُ. (مرقس 15: 25)

– وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: «إِيلِي إِيلِي لَمَا شَبَقْتَنِي”(أَيْ: إِلَهِي إِلَهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟) فَقَوْمٌ مِنَ الْوَاقِفِينَ هُنَاكَ لَمَّا سَمِعُوا قَالُوا: «إِنَّهُ يُنَادِي إِيلِيَّا». وَلِلْوَقْتِ رَكَضَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَأَخَذَ إِسْفِنْجَةً وَمَلَأَهَا خَلاًّ وَجَعَلَهَا عَلَى قَصَبَةٍ وَسَقَاهُ. وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَقَالُوا: «اتْرُكْ. لِنَرَى هَلْ يَأْتِي إِيلِيَّا يُخَلِّصُهُ». فَصَرَخَ يَسُوعُ أَيْضاً بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ (متى 46-50 :27)

هذه هي بشائر المُعادلة الصعبة التي يدعي ديدات أن أينشتاين سيعجز عن مساعدتنا في حلها! بينما تجده لا يجيد كتابة رموز المعادلة!

 

إقتباس:

2:- يقول ديدات في الثانية 35 حتى الثانية 40

“يجب أن يكون الموت بطيئًا ومؤلمًا هذا هو الغرض، ليس القتل فقط، من الممكن إماتته بالغرق أو بالزيت المغلي… الخ، لكنهم يريدون شخصًا ما يموت ببطئ شديد، فمن الممكن أن يظل الانسان مصلوبا 4،5،6 أيام مصلوباً، والسجلات التاريخية تخبرنا ربما يظل حتى 6 ايام، إن الصلب مُعد للموت البطيء المؤلم وهذا هو الغرض من الصلب، لكنهم يقولون إنه مات”

 

الرد:

بالطبع هنا يُحاول ديدات أن يدعي عدم معقولية موت يسوع في مثل هذه الفترة القصيرة (التي هي 6 ساعات وليست 3 ساعات كما كان يعتقد)، وهنا السؤال الهام لماذا مات يسوع في وقت قصير؟ أليس ممكننا أن المسيح يم يمت بل كان في حالة إغماء فقط؟ هذا فكر ديداتي هش جداً وذلك لأن المسيح لم يُصلب فقط بل أنه تعرض لإجهادات وعذابات وجروح من خلال إساءة الحكام وكهنة اليهود الذين أسلموه مروراً باللطم الذي كان من الخُدام والجلد الذي أمر به بيلاطس لكي يمتص غضب اليهود الذين كانوا يريدون صلب يسوع وضُربَ يسوع على رأسه بالقصبة ووضع إكليلاً من الشوك في رأسه… إلخ حتى أن يسوع كان يصعب عليه أن يحمل الصليب الذي كان سيُصلب عليه وساعده ”بأمر” سمعان القيرواني، والجنود الرومان لم يكسروا ساق يسوع ولكنهم كسروا سيقان اللصين اللذان صُلبا معه ليُسرعوا في موتهم، هذا لم يحدث مع يسوع وكان السبب لذلك أنه مات حقاً فلم يكن هُناك سبب لكي يُسرعوا موت يسوع لأنه مـــات! فنعرف من كل هذا أن الرب يسوع المسيح قد تعرض لعذابات ونزف دماء كثيرة قبلما يصل لمرحلة الصلب الفعلية ثم تم صلبه، فليس من الغريب أن يموت خلال 6 ساعات، فما هذا العقل النابغ يا سيد ديدات؟، فنعتقد ان أينشتاين سيعجز أن يُفهِم ديدات بما لم يفهمه رغم قراءته لتفاصيل رحلة صلب المسيح!

 

وارنر والاس الذي كان مُلحدًا حتى كان عمره 35 عامًا وبدأ ينظر نظرة جادة وواسعة في الأدلة المسيحية وأصبح مسيحيًا، وحصل على درجة الماجستير في الدراسات اللاهوتية، قام بكتابة مقالة بحثية نُشرت في ابريل عام 2014 بعنوان:

Why Jesus Died So Quickly on the Cross?

 

يقول وارنر والاس:

  • تذكر أن يسوع تم تسليمه إلى الصلب من خلال الحُكام اليهود الذين أساءوا معاملته قبل الصلب، لم يكن هذا هو الحال بالنسبة لكل ضحية صًلبت، بدأت معاملة السيد المسيح بالاعتداء الجسدي من البداية عندما رفض الإجابة على الكاهن بالطريقة التي كانوا يتوقعونها، فضُرب من الضابط: لِمَاذَا تَسْأَلُنِي أَنَا؟ اِسْأَلِ الَّذِينَ قَدْ سَمِعُوا مَاذَا كَلَّمْتُهُمْ. هُوَذَا هَؤُلاَءِ يَعْرِفُونَ مَاذَا قُلْتُ أَنَا». وَلَمَّا قَالَ هَذَا لَطَمَ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنَ الْخُدَّامِ كَانَ وَاقِفاً قَائِلاً: «أَهَكَذَا تُجَاوِبُ رَئِيسَ الْكَهَنَةِ؟” (يوحنا 21-22 :18).
  • أستمر الإيذاء البدني ليسوع على أساس مزاعمه للألوهية، لم يقم كل سجين بهذه الأنواع من التأكيدات، ادعاءات يسوع تسببت في أن معاملة الذين أسروه له كانت أكثر قسوه وتعذيب وسخرية له لفظيًا وأيضاً جسديًا: فَابْتَدَأَ قَوْمٌ يَبْصُقُونَ عَلَيْهِ وَيُغَطُّونَ وَجْهَهُ وَيَلْكُمُونَهُ وَيَقُولُونَ لَهُ: «تَنَبَّأْ». وَكَانَ الْخُدَّامُ يَلْطِمُونَهُ. (مرقس 14:65).
  • هناك تحول بشكل غير عادي للأحداث، تلقى بيلاطس يسوع من الحُكام اليهود وظهروا مضطربين بشأن الحكم على يسوع بالصلب، في الواقع لم يجد بيلاطس أي شيء يستحق الصلب وحاول استرضاء اليهود الغاضبين من وجود يسوع فجلده: قَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «مَا هُوَ الْحَقُّ؟». وَلَمَّا قَالَ هَذَا خَرَجَ أَيْضاً إِلَى الْيَهُودِ وَقَالَ لَهُمْ: «أَنَا لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً. وَلَكُمْ عَادَةٌ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ وَاحِداً فِي الْفِصْحِ. أَفَتُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ مَلِكَ الْيَهُودِ؟». فَصَرَخُوا أَيْضاً جَمِيعُهُمْ: «لَيْسَ هَذَا بَلْ بَارَابَاسَ». وَكَانَ بَارَابَاسُ لِصّاً.(يوحنا 38-40 :18).

فَحِينَئِذٍ أَخَذَ بِيلاَطُسُ يَسُوعَ وَجَلَدَهُ. فَخَرَجَ بِيلاَطُسُ أَيْضاً خَارِجاً وَقَالَ لَهُمْ: «هَا أَنَا أُخْرِجُهُ إِلَيْكُمْ لِتَعْلَمُوا أَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً». فَخَرَجَ يَسُوعُ خَارِجاً وَهُوَ حَامِلٌ إِكْلِيلَ الشَّوْكِ وَثَوْبَ الأُرْجُوانِ. فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «هُوَذَا الإِنْسَانُ». فَلَمَّا رَآهُ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْخُدَّامُ صَرَخُوا: «اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ! ” قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاصْلِبُوهُ لأَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً». (يوحنا 19: 1، 4-6)

بيلاطس جلد يسوع بعنف كمحاولة منه في تهدئة الحشد (فمعنى ذلك لكي يُعوض الصلب بعقوبه جلد فسوف يتم جلد يسوع بشكل قاسً جداً لكي يُرضي بذلك الحشد الكبير المُطالبين بصلب يسوع رغم خروج شخص أخر أجرم إلى مُجتمعهم!) الذي يُريد أن يصلب يسوع، وجلد يسوع بوحشية باستخدام الأفة الرومانية وتُسمى flagrum كانت عادة سوط متعدد الأسنان أو رمش يحتوي على قطع من الحجر أو العظام في أطراف الرموش. وأدى الضرب بالبلاء الرومانى إلى إصابة الضحايا بجروح بليغه. وبالنظر إلى رغبة بيلاطس في استرضاء الحشد اليهودي الذي يدعو إلى موت يسوع، تعرض السيد المسيح للضرب الوحشي الذي لم يتجاوز عقوبة الإعدام.

  • عقب هذه الأفة، لم يكف الجنود السخرية من يسوع وتعذيبه جسديًا فدفعوا تاجًا على رأسه وضربوه في النهاية على رأسه بقصبه: وَبَصَقُوا عَلَيْهِ وَأَخَذُوا الْقَصَبَةَ وَضَرَبُوهُ عَلَى رَأْسِهِ. (متى 27:30).
  • أصيب يسوع الآن بشكل كبير، لكن الجنود الرومانيين طالبوا بحمل صليبه إلى موقع الصلب على الرغم من حالته، ومن الواضح أنه لم يتمكن من فعل هذا الأمر ونتيجة ذلك أنه تم الضغط على سمعان القيرواني لمساعدة يسوع على حمل الصليب: وَفِيمَا هُمْ خَارِجُونَ وَجَدُوا إِنْسَاناً قَيْرَوَانِيّاً اسْمُهُ سِمْعَانُ فَسَخَّرُوهُ لِيَحْمِلَ صَلِيبَهُ.(متى 27:32).
  • ثم تم صلب يسوع جنبًا إلى جنب مع لصين، كان طريقه إلى الصليب مختلفًا جدًا عن طريقهما، كان الضرب قبل صلبه مدفوعًا بعوامل فريدة من نوعها لهوية يسوع وتأكيداته: وَلَمَّا صَلَبُوهُ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ: «اقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً». (متى 27:35)

 

عانى يسوع من ضرب مُبرح وفريد قبل صلبه، ومن المؤكد أن أي شخص يتعرض للضرب على هذا النحو السيء مثلما حدث مع يسوع في الساعات التي سبقت صلبه قد عانى من صدمة في الدورة الدموية وفشل في القلب في فترة قصيرة من الزمن على الصليب، في الواقع، فإن الأدلة على ملاحظات يوحنا التي تتعلق بتدفق المياه من جنب يسوع حينما تم طعن يسوع من الجندي (31-34 : 19) تتفق مع هذا الشكل من الموت، توفى يسوع بسرعة أكبر من غيره من ضحايا الصلب بسبب تجربته الفريدة قبل الصلب، ونتيجة لذلك فإن وفاته المُبكرة معقولة ومنطقية، يُمكننا أن نثق بأن يسوع توفى على الصليب وأقيم بدلاً من انه تعرض للإغماء وقام[1]

 

فكلام ديدات غير صحيح وغير علمى وغير منطقي وغير كتابي، فهو مُجرد ظهورات لمخيلاته الفكرية العقيمة التي ليس لها أي مرجعية يُنظر فيها بعين النقد لأنها لا تستحق ومع ذلك نتنازل لإنخداع الكثير فيما يٌروجه ديدات من أفكار واهية.

 

 اقتباس:

3: يقول ديدات في الدقيقة 3:40 حتى 5:50

“إن المسيح في مساء الجمعة المفترض أنه داخل القبر وكذلك أيضاً في صباح السبت المفترض أنه كان بداخل القبر، ومساء السبت كان المفترض أيضاً مازال يسوع بداخل القبر، وصباح الأحد هو بداية الأسبوع عندما ذهبت مريم المجدلية إلى القبر ووجدت القبر فارغًا، إني أقرأ من كتابكم كلمة بكلمة ونصًا بنص، (تكرار) مساء الجمعة كان في القبر صباح السبت، وكان في القبر مساء السبت، وكان في القبر صباح الأحد -وهو بداية الأسبوع- الاحد وليس الإثنين عندما ذهبت مريم المجدلية وجدت القبر خاليًا، وأنا أسال كم كان عدد الأيام والليالي؟ إنه أمر بسيط إن كنت مصاب بطلقه نارية في عينك فستتمكن من الرؤية، كم عدد الأيام والليالي (يسأل الحاضرين)، ليلتان ويوم واحد، مساء الجمعة ثم صباح الأحد لم يكن في قبره، ليلتان ويوم واحد فقط، فماذا قال يسوع، انه قال:

لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ هَكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْبِ الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ. (متى 12:40)

لقد قال ثلاث أيام وثلاث ليالٍ، وما نراه الان ليلتين ويوم واحد، وأريدكم ان تجاوبوني أيها المسيحيون، إن كان ثلاث أيام وثلاث ليالٍ تساوى ليلتين ويوم، أتعلمون حتى أينشتاين لن يتمكن من مساعدتكم!!”

 

يصف ديدات الأمر الذي يطرحه أنه بسيط ورغم بساطه ما يطرحه فعلاً إلا انه لم يستطع فهمه فديدات سقط كثيراً فيما قاله. وذلك ناتج عن عدم إلمام ديدات بالخلفية الحضارية لحياة يسوع وحسابات اليهود أنفسهم لليوم. فمن المؤسف ألا يعرف ديدات كيف كان يحسب اليهود أوقاتهم وأيامهم، فالمسيح كان إنسان يهودي يتكلم بما يفهمه الشعب اليهودي وفقا لتلك الفترة الزمنية وتلك الثقافة، فكيف يفترض ديدات أن المسيح كان يتكلم بحسابات القرن العشرين؟ بل والأنكى، كيف يفترض ديدات أنه وعلى مدار 20 قرنا من الزمان لم يتفطن أحد من العلماء المسيحيين أو الشعب المسيحي البسيط لهذه الحسبة التي يعرضها؟ كان ينبغي على ديدات أن يشك في شكه لأنه غير منطقي ان ينطلي على مليارات البشر في هذه الحقبة الزنية الطويلة. فمثلاً:

 

  1. يظن ديدات أن يسوع دُفن مساء يوم الجُمعة أى مع بدايه يوم السبت (بحسب الحساب اليهودي) وهذا خطأ لأن يسوع دُفن قبل بداية يوم السبت فجزء من يوم الجمعة يُحسب من يوم اليوم السابق (ليلة يوم الخميس) فبذلك يكون يوماً كاملاً في القبر، وليس بدايه من مساء الجمعة أى بدايه يوم السبت كما ظن ديدات أو كما يجهل ديدات!
  2. بكلمات أخرى، مات المسيح في يوم الجمعة، وعند اليهود يحسب الجزء من اليوم، مهما كان صغيرا أنه يوم كامل، فهذا إذن أول يوم كامل، ثم بقى المسيح في القبر اليوم التالي كاملا، وهو يوم السبت إلى الغروب، إذن فهذا يوم آخر كامل، إذن إلى الآن يومين كاملين، ثم قام المسيح في فجر يوم الأحد، أي بعد بداية يوم الأحد اليهودي، لأن بداية اليوم عند اليهود تبدأ منذ غروب شمس اليوم السابق (السبت) فالمسيح قال في فجر يوم الأحد، إذن قد قام في يوم الأحد، فهذا أيضا يوم كامل ثالثا، فهذه هي الثلاثة أيام التي قالها المسيح: يوم الجمعة (جزء) + يوم السبت من الغروب للغروب + يوم الأحد (جزء)، والجزء عند اليهود يحسب يوما كاملا.
  3. يُكرر ديدات نفس الخطأ في ذهاب مريم المجدلية للمسيح يوم الأحد صباحاً كيف تجد القبر فارغ واليوم لم يكتمل فأن اليوم ينتهي في غروب الشمس ويبدأ من هنا يوما جديداً، نفس الخطأ فأن ديدات يُكرره ذاته فأن جزء من يوم الأحد هو كيوم الأحد كله وليس من بدايه وحتى نهايه يوم الأحد يصبح يوماً. فمريم المجدلية وجدت القبر فارغًا لأنه قد انقضت فعليا الثلاث أيام الكاملة.
  4. لكن دعونا نفترض جدلاً، رغم هذا الشرح، صحة كلام ديدات أن المسيح لم يبق في القبر ثلاث أيام وثلاث ليال كما وعد، فأن اليهود الذي يُحاولون أن يمسكوا أي خطأ ليسوع أو للمسيحيين، كان هذا أفضل سلاح لكي يبرهنوا أن يسوع نبي كاذب، لكن هذا لم يحدث فصمت الأعداء أنفسهم هو دليل على عدم وجود خطاً.

 

عجيب الأمر جداً أن الذي يُصاب بطلقة في عينه سيتمكن من الرؤية وديدات الذي لم يكن مًصابًا في عينه لم يستطع الرؤية!! الحقيقة أن ما عرضه ديدات وطريقه حسابه للأيام، تثبت جهل ديدات بطرائق اليهود وعاداتهم وثقافاتهم ويثبت أيضًا أنه هو الذي سيعجز أينشتاين أن يساعده! فإن ديدات يعتقد أن الثلاث أيام والثلاث ليالٍ يجب أن تكون 72 ساعة لكي يكونوا ثلاث أيام وثلاث ليالٍ جاهلا بذلك الحساب اليهودي لليوم في عصر يسوع وكيف كان اليهود يفهمون هذين المصطلحين. ورغم أنني أرى ان ما قلته كافياً ولكنى سأدعم ما اقوله بأقوال الكثيرين من العلماء.

 

يقول ويليام أدى:

كان اصطلاح اليهود في تلك الأيام أن يحسبوا الجزء من النهار نهاراً كامل والجزء من الليل ليلاً كاملاً (أنظر 1صم 30:2 او 13، تك 43:17 و18، 2 اي 10 :5 و12، هو 6:2). وعلى ذلك يصح أن يكون معنى قوله “ثلاث أيام وثلاث ليال” يومًا كامل أي 24 ساعة وجزئيين من يومين آخرين مهما كانا ذلك الجزئيين صغيرين، وليس هذا التفسير من اختلاق المسيحين كما يزعم اعداء الدين للتوفيق بين نبوءة المسيح وإتمامها فإن ذلك مبدأ في كتاب التلمود (اقدس كتب اليهود بعد كتاب الله) ففيه “إن إضافة ساعة إلى اليوم تُحسب يوما آخر وإضافة يوم الي السنه يُحسب سنه أخرى” وكذا كان الامر في زمن استير (اس 16:4، 5:1) ولولا ذلك لاعترض اليهود على المسيحين وادعوا كذب مسيحهم لعدم إتمام وعده بقيامته صباح اليوم الثالث ولكنهم لم يأتوا بهذا الاعتراض قط[2].

 

ويقول المُفسر أنطونيوس فكري:

ثلاث أيام وثلاث ليالي = التلمود يعتبر جزءا من اليوم يومًا كاملًا واليهود يعبرون عن اليوم الكامل بقولهم ليلاً ونهاراً = مساء وصباح (تك 1:5،8 + (تك 7:4+12) + (إس 4:16)[3].

 

ويقول الأب متى المسكين:

أما تعليقنا على الثلاث أيام والثلاث ليالٍ ففي هكذا : النهار الأول (نهار يوم الجمعة) أخذ ضمنًا الليل السابق (ليل يوم الخميس) لأن اليوم اليهودي يُحسب من الغروب إلى الغروب، وأي جزء من النهار أو الليل يُحسب يومًا كاملًا، والمسيح استودع جسده في القبر قبل الغروب ثم دخل ليل اليوم الثاني (ليل يوم السبت) وهكذا يُحسب ما كان قبل الغروب يومًا كاملًا بليلته السابقة، فأول يوم هو يوم الجمعة لأنه حُسب له في القبر لأنه دُفن قبل الغروب + (ليلة السبت صابح السبت + نهار السبت = اليوم الثاني) + (ليلة الأحد صابح الأحد + الفجر = اليوم الثالث)[4].

 

في تعليق NKJV نقرأ:

إن ثلاثة أيام وثلاثة ليالي لا تُشير بالضرورة إلى ثلاث أيام كاملة، في إسرائيل القديمة كان يتم اعتبار جزء من اليوم على إنه يوماً كاملاً (انظر إس 4:16، 5:1)، بحيث يُمكن أن يُطلق على مُدة 26 ساعة “ثلاثة أيام”[5].

 

يقول المُفسر ألبرت بارنز:

إن حساب وقت وجود يسوع في القبر يتفق تمامًا مع طريقه الحساب اليهودية، ولو لم يكن الأمر كذلك لكان اليهود سيتفهمون ذلك الأمر وكانوا سيتهمون مخلصنا أنه نبي كاذب، لأنه كان معروفاً لهم أنه تحدث عن تلك النبوة (متى 27:63)، غير أن هذه التهمة لم تُطرح نهائيًا، وبالتالي إن ما كان المقصود من النبوءة قد حدث، ويتم احتساب جزء من اليوم أنه يومًا كاملًا أنظر (2اخ 10:5،12، تك 42:17،18، إس 4:16، 5:1)[6].

 

يقول تشارلز كالدويل:

ثلاث أيام وثلاث ليال، هذه العبارة لا تتطلب بالضرورة تحقيق 72 ساعة بين موت المسيح وقيامته، لأن اليهود اعتبروا أن جزءًا من اليوم كيوم كامل، وهكذا يتم تحقيق هذه النبوءة بشكل صحيح إذا كان صلب يسوع حدث يوم الجمعة[7].

 

إيرل رادماشر يقول:

ثلاث أيام وثلاث ليالي لا تشير بالضرورة إلى ثلاثة أيام كاملة في إسرائيل القديمة اعتبر جزء من اليوم على انه يوم كامل (إيس 4:16، 5:1) لذلك يمكن ان يُطلق على فترة 26 ساعة “ثلاثة أيام”[8].

 

ويليام ماكدونالد يقول:

كما كان يونان في بطن الحوت، لذلك تنبأ ربنا بأنه سيكون ثلاثة أيام وثلاث ليالي في قلب الأرض، وهذا يُسير مُشكلة، إذ كما كان يُعتقد عموماً أن يسوع دُفن يوم الجمعة وقام يوم الأحد صباحًا، كيف يمكننا القول بأنه كان ثلاثة أيام وثلاث ليال في القبر؟ الجواب هو إنه في الحساب اليهودي أي جزء من يوم وليلة يُحتسب كفترة كاملة، وجزء من اليوم يُعتبر يومًا كاملاً[9].

 

 دافيد تيرنر يقول:

هذه اللُغة لا تُعنى أن يسوع سيكون في القبر لمده 72 ساعة لأنه في الحساب اليهودي كان أي جزء من اليوم يُمكن اعتباره كيوم واحد” (راجع. تك 17-18: 42، 1مل 20:29، إس 4:16، 5:1)[10].

 

تعليق ESV يقول:

ثلاثة أيام وثلاث ليالي في الحساب اليهودي تم اتمامهم، وهذا لا يعنى أكثر من ثلاثة أيام أو مزيج من أي جزء في ثلاثة أيام مُنفصلين عن بعض، وقد قام يسوع “في ثلاثة أيام” على الرغم من أنه دُفن بعد ظُهر يوم الجمعة وقام صباح يوم الأحد (أي جزء من يوم الجمعة هو أول يوم، وكل يوم السبت هو اليوم الثاني، وجزء من اليوم الثالث هو اليوم الثالث)[11].

توم كونستابل يقول:

كما كان اليهود يحسبون الوقت، ثلاثة أيام وثلاث ليال يعني ثلاثة أيام كاملة أو أي أجزاء من ثلاثة أيام، كان يسوع في القبر لأجزاء من ثلاثة أيام[12].

 

بعض أقوال الآباء:

 

يقول ثيؤدور أسقف هيراقليه:

المسيح يقول إنه سيبقى ثلاثة أيام وثلاث ليال في جوف الأرض. مُشيراً إلى نهاية يوم الجمعة ويوم السبت كامل وبقية يوم الأحد مُحافظًا على نفس طريقه فهم الناس لبداية اليوم ونهاية اليوم، ونحن نُقيم ذكرى الأموات ثالث يوم وفاتهم وليس عند اكتمال ثلاثة أيام وثلاث ليال، لكننا نعد اليوم الذي مات فيه المتوفي يومًا كاملًا بصرف النظر عن ساعة وفاته. ونعد يوما آخر حينما نقوم بتوديع الشخص الذي انتقل من العالم بالتراتيل عند القبر، إن الرب بإتباعه هذه الطريقة للعد أعلن أنه سيكون في جوف الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال وهذا نموذج واضح عن أن النسوة وصلن إلى القبر في هذا الوقت لكي يتممن ما أمرت به الشريعة بفعله للميت في اليوم الثالث[13].

 

يقول القديس أوغسطينوس:

أشار المُخلص إلى أن يونان النبي الذي تم قذفه في البحر فغاب في بطن الحوت ثم خرج في اليوم الثالث. كان رسمًا لابن الإنسان الذي كان يتألم ويقوم في اليوم الثالث، يُعنف الشعب اليهودي ويُقارنه بأهل نينوى الذين أرسل الله إليهم النبي يونان ليُوبخهم، فاسترضوا غضب الله بتوبتهم وقد حصلوا على رحمة الله، قال يسوع وهنا الآن أعظم من يونان مُشيرًا إلى نفسه، سمعوا اهل نينوى إلى خادم الله وغيروا من أنفسهم ونهج حياتهم أما اليهود فسمعوا الرب ولكنهم لم يغيروا نهج حياتهم بل قتلوه[14].

ملخص

 حساب ديدات لوجود يسوع في القبر خاطئ تمامًا، ويتضح فيه ان لديه قصر معرفي شديد للبيئة الحضارية لحياة يسوع وتاريخ العهد القديم والكتاب المُقدس ككل. فيسوع رغم أنه صلب يوم الجمعة وليس من بداية ليلة الخميس (كما شرح ديدات نفسه ان اليوم يبدأ من الغروب أو الليل) إلى ان الجزء الذي صلب ودفن فيه يسوع في يوم الجمعة يعتبر يوم لأنه محسوب معه ليلة يوم الخميس (أول يوم) ومن بداية ليل الجمعة حتى بداية ليل السبت (يوم كامل صباحا وليلاً) ومن بداية ليلة يوم السبت حتى صباح يوم الأحد يوم كاملاً، لأن جزء من صباح يوم الأحد مع ليل يوم السبت يُحسب يوماً أيضاً، وفي ظل مجتمع يسوع اليهودى إذا كان يسوع تنبأ عن موته وقيامته بعد فترة محددة وهذه الفترة لم تتم كانوا سيتهموا يسوع إنه نبي كاذب ولكن هذا لم يحدث.

 

اقتباس:

4- من الدقيقة 7 حتى 7:45 يقول احمد ديدات

“صباح الأحد وهو بداية الأسبوع ذهبت مريم المجدلية إلى القبر وأنا اسأل لما ذهبت إلى هناك؟ يخبرنا الكتاب المقدس أنها ذهبت لتمسحه “وَبَعْدَمَا مَضَى السَّبْتُ اشْتَرَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَسَالُومَةُ حَنُوطاً لِيَأْتِينَ وَيَدْهَنَّهُ.” مرقس 16:1 وأنا اسأل لما ذهبت هذه المرأه إلى هناك لكي تمسحه وتدهنه؟ وأنا اسأل، هل يمسح اليهود موتاهم بعد ثلاثة ايام؟”

 

الرد:

يقع هنا ديدات في خطأ منطقي شهير جداً وكثيرين يقعون في هذا الخطأ المنطقي تحديداً وهو   او (عدم الترابط Non Sequitur وفيه، يتم ربط حدث ما أو حقيقة ما بفكرة أخرى ليس لها علاقة بهذا الحدث أو الحقيقة.

 

مثال: المدرسين يقوموا بالتدريس في المدارس، يوسف يعمل في مدرسة، إذن يوسف مُدرس!! هل هذه حجة منطقية سليمة؟ بالطبع لا، لأن عمل يوسف في المدرسة لا يعني أنه حتمًا يعمل كمدرس، فلربما يعمل عامل نظافة أو ربما يعمل رجل أمن. وهذا الخطأ الساذج جدا، هذا ما وقع فيه ديدات “أسد الدعوة” لأنه ليس معنى أن المريمات ذهبوا ومعهم الحنوط ليطيبوا به جسد يسوع فهذا يعني أن هذه عادة المجتمع اليهودي في اليوم الثالث! فمن أين حصل ديدات على هذه المعلومة من خلال قراءته للنص؟ النص لا يذكر ان هذه عادة اليهود بل فقط يذكر ما فعلته مريم، والذي يؤكد هذا أن بقية التلاميذ والرسل لم يكونوا معها، فلو كانت هذه عادة اليهود لكانت هناك مراسم يذهب إليها كل التلاميذ والرسل وليس مريم وحدها، لكن هذا حادث إستثنائي لضيق الزمن وعدم وجود وقت كافي لإتمام طقوس الدفن فالسبب لذهابهم هو الظروف الوقتيه وليس لأنه عُرف يهودي او ما شابة ذلك.

يقول باري ميرشون:

مات يسوع حوالي الساعة الثالثة مساءً بعد ظهر يوم الجمعة، ومنذ بداية يوم السبت في غروب الشمس (حوالي 6 مساء) كان الوقت قد فات لاستكمال جميع تحضيرات الدفن العادية حتى بعدما السبت مضى (أي صباح الأحد) اشترى عدد من النساء اللواتي كُنّ أتباع يسوع الحنوط وذهبن ليمسحن[15].

 

اقتباس:

5:- يقول ديدات في الدقيقه 8:25 حتى 8:50

“ماذا كانت تريد أن تصنع هناك؟ إلا لو كانت تبحث عن شخص ما حي، لابد وأنها كانت تبحث عن شخص حي لأنها المرأة الوحيدة التى كانت مع يوسف الرامي ونيقوديموس الذين شاهدوا يسوع في الأخير لقد كانت المرأه الوحيدة لذا فقد كانت على علم أنه حي اذ كانت عملية الصلب قد تمت كما يزعمون إذًا فقد رأت أنه كان حي إذًا فبعد ثلاثة أيام جاءت لتعالجه”

 

الرد:

  1. لم تكن مريم المجدلية هي الوحيدة التي مع يوسف الرامي: فَاشْتَرَى كَتَّاناً فَأَنْزَلَهُ وَكَفَّنَهُ بِالْكَتَّانِ وَوَضَعَهُ فِي قَبْرٍ كَانَ مَنْحُوتاً فِي صَخْرَةٍ وَدَحْرَجَ حَجَراً عَلَى بَابِ الْقَبْرِ. وَكَانَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يُوسِي تَنْظُرَانِ أَيْنَ وُضِعَ. (مرقس 15:46،47).
  2. يتناقض ديدات مع ما قاله في النقطة السابقة حيث أنه يقرأ من العهد الجديد أنهم ذهبوا لكي يمسحونه! فكيف يقول ديدات في النقطة السابقة أن مريم ذهبت لتطيب جسد يسوع، وهو في هذه النقطة يعتقد أن مريم نفسها تعتقد أن يسوع حي؟ فهل الحي يطيب بهذه الأطياب أم جسد الميت؟ وهكذا نرى فكر ديدات مشوشًا كما رأينا منذ الفكرة الأولى في الفيديو التي لم يكن يعرف فيها كم ساعة بقي المسيح على الصليب!
  3. إن كان ديدات قارئ لما حدث فيما بين الصلب والقيامة على ضوء السرد الإنجيلي كان قد عَلم ان بيلاطس تأكد من قائد المئه أن يسوع قد مات بالفعل قبل تسليم الجسد ليوسف الرامى الذي طلب أن يدفن هو جسد يسوع، بل يقول النص الإنجيلي ان قائد المئة سلم “جثة” يسوع ليوسف الرامي!

 

وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ إِذْ كَانَ الاِسْتِعْدَادُ – أَيْ مَا قَبْلَ السَّبْتِ – جَاءَ يُوسُفُ الَّذِي مِنَ الرَّامَةِ مُشِيرٌ شَرِيفٌ وَكَانَ هُوَ أَيْضاً مُنْتَظِراً مَلَكُوتَ اللَّهِ فَتَجَاسَرَ وَدَخَلَ إِلَى بِيلاَطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ. فَتَعَجَّبَ بِيلاَطُسُ أَنَّهُ مَاتَ كَذَا سَرِيعاً. فَدَعَا قَائِدَ الْمِئَةِ وَسَأَلَهُ: «هَلْ لَهُ زَمَانٌ قَدْ مَاتَ؟ ”وَلَمَّا عَرَفَ مِنْ قَائِدِ الْمِئَةِ وَهَبَ الْجَسَدَ لِيُوسُفَ. (مرقس 42-45: 15)

 

يقول كريج إيفانز [16]:

45 καὶ γνοὺς ἀπὸ τοῦ κεντυρίωνος ἐδωρήσατο τὸ πτῶμα τῷ Ἰωσήφ ،”And learning from the centurion [that he was dead]، he gave the corpse to Joseph.”When Pilate learns from the centurion، very probably the same centurion who had witnessed Jesus’ dramatic death (in 15:37–39)، that Jesus is indeed dead، he releases the corpse (τὸ πτῶμα) into Joseph’s charge.

كلمه “جسد” يسوع تُعنى في اليوناني “جثة” أي قائد المئة تأكد أيضًا أن يسوع قد مات وسلمهم “الجثة”.

 

يقول عنها قاموس Analytical lexicon of the Greek New Testament[17]:

πτῶμα، ατος، τό what has fallen; of people and other animated creatures corpse، dead body، carcass.

وأيضا قاموس Dictionary of Biblical Languages with Semantic Domains [18]:

4773 πτῶμα (ptōma)، ατος (atos)، τό (to): n.neu.; ≡ Str 4430; TDNT 6.166—LN 8.7 corpse، dead body، carcass (Mt 14:12; 24:28; Mk 6:29; 15:45; Rev 11:8، 9(2×)+)

 

أمثلة كتابية:

Mar 6:29 وَلَمَّا سَمِعَ تَلاَمِيذُهُ جَاءُوا وَرَفَعُوا جُثَّتَهُ وَوَضَعُوهَا فِي قَبْرٍ. 

29 καὶ ἀκούσαντες οἱ μαθηταὶ αὐτοῦ ἦλθον καὶ ἦραν τὸ πτῶμα αὐτοῦ καὶ ἔθηκαν αὐτὸ ἐν μνημείῳ.

 

Rev 11:9 وَيَنْظُرُ أُنَاسٌ مِنَ الشُّعُوبِ وَالْقَبَائِلِ وَالأَلْسِنَةِ وَالأُمَمِ جُثَّتَيْهِمَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَنِصْفاً، وَلاَ يَدَعُونَ جُثَّتَيْهِمَا تُوضَعَانِ فِي قُبُورٍ. 

9 καὶ βλέπουσιν ἐκ τῶν λαῶν καὶ φυλῶν καὶ γλωσσῶν καὶ ἐθνῶν τὸ πτῶμα αὐτῶν ἡμέρας τρεῖς καὶ ἥμισυ καὶ τὰ πτώματα αὐτῶν οὐκ ἀφίουσιν τεθῆναι εἰς μνῆμα.

 

Mat 24:28 لأَنَّهُ حَيْثُمَا تَكُنِ الْجُثَّةُ فَهُنَاكَ تَجْتَمِعُ النُّسُورُ. 

28  ὅπου ἐὰν ᾖ τὸ πτῶμα، ἐκεῖ συναχθήσονται οἱ ἀετοί.

 

Rev 11:8 وَتَكُونُ جُثَّتَاهُمَا عَلَى شَارِعِ الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تُدْعَى رُوحِيّاً سَدُومَ وَمِصْرَ، حَيْثُ صُلِبَ رَبُّنَا أَيْضاً. 

8 καὶ τὸ πτῶμα αὐτῶν ἐπὶ τῆς πλατείας τῆς πόλεως τῆς μεγάλης، ἥτις καλεῖται πνευματικῶς Σόδομα καὶ Αἴγυπτος، ὅπου καὶ ὁ κύριος αὐτῶν ἐσταυρώθη.

 

 فيوسف الرامي استلم “جثة” يسوع بعدما تم التأكد من أن يسوع قد مات ويصف الكتاب أن يوسف الرامي تجرأ وطلب أن يأخذ جسد يسوع.

 

  1. ورد في يوحنا 20:15 قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «يَا امْرَأَةُ لِمَاذَا تَبْكِينَ؟ مَنْ تَطْلُبِينَ؟ “فَظَنَّتْ تِلْكَ أَنَّهُ الْبُسْتَانِيُّ فَقَالَتْ لَهُ: «يَا سَيِّدُ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَدْ حَمَلْتَهُ فَقُلْ لِي أَيْنَ وَضَعْتَهُ وَأَنَا آخُذُهُ».

 

استخدام لفظه “وضعته” اليونانية (εβαστασας) وذلك التعبير له خلفية تاريخية حيث يتم استخدام هذا التعبير في سياق التخلص من “الجثة”[19] فمعني ذلك إن مريم المجدلية حينما ذهبت وكانت في البُستان صباح يوم الأحد كانت تقصد إين تم وضع جثة يسوع وتم استخدام هذا التعبير في ذلك السياق (التخلص من الجثة) في موضوعين للمؤرخ يوسيفوس:

 

الأول[20]:

(210) Accordingly they died in this manner. And Moses bid their father and their brethren to take up their bodies، to carry them out of the camp، and to bury them magnificently. Now the multitude lamented them، and were deeply affected at this their death، which so unexpectedly befell them.

الثاني[21]:

(287) but because the body lay on the road، and all the multitude came running to it، and،, as is usual with the multitude،, stood wondering a great while at it، he that guarded it removed it thence، and carried it to a certain place that was very remote from the road، and there laid it، and covered it with his garment. When this was done, all the people followed Joab.

 

اقتباس:

يقول ديدات من الدقيقة 9:55 حتى 10:30

“قد كان يسوع هناك فقد رأى هذه المرأة وكان يعلم من هي ولذا تقدم نحوها من خلفها ووجدها تبكي فقال لها لماذا تبكين من تطلبين (يوحنا 20:15) ألم يكن يعلم السبب؟ كان يعلم اذًا لماذا سأل مثل هذا السؤال السخيف؟ كلا لم يكن هذا سؤال سخيف كان يجر قدميها مجازيًا وليس فيزيائيًا

الرد:

  1. ليس معنى السؤال هو فتح وإستكمال نقاش ولكن سببه هو عدم منطق هذا البكاء فالملاكان قد سألوا نفس السؤال

Joh 20:13 فَقَالاَ لَهَا: «يَا امْرَأَةُ لِمَاذَا تَبْكِينَ؟ “قَالَتْ لَهُمَا: «إِنَّهُمْ أَخَذُوا سَيِّدِي وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ». 

ومع ذلك لم يكن بعد ذلك حوار بينهما!

 

  1. لم تجب مريم على تساؤل يسوع (لماذا تبكين من تطلبين) ولكنها سألته أيضاً ان كنت انت قد حملته فقل لي أين وضعته؟ وهذا يعنى انها فهمت أن تساؤل يسوع ليس للإستفسار أو فتح باب للحديث ولكن للتعجب مما تفعله، ولكنها تواصل في فكرها وتسأل عن موضع الجسد! وبمعنى أبسط يسوع يقول “لماذا تبكي ألم تعلمي ان الحي ليس مكانه بين الأموات؟”

 

يقول الدكتور القس إبراهيم سعيد:

سؤال المسيح وجواب مريم يا امرأة لماذا تبكين؟ من تطلبين؟ هذه هي أولى كلمات المسيح التى نسمعها بعد القيامة، سؤالان عجيبان أولهما ممهد لثانيهما، وثانيهما مؤيد ومُفسر لأولهما “لماذا تبكين؟ من تطلبين؟ بهذه الكلمات سأل المسيح مريم عن بكائها وسبب عذابها الذي هو أيضًا مصدر بكائها، “لماذا تبكين من تطلبين؟، وهل تخلو هذه الكلمات من تنبيه ضمني من المسيح لمريم على خطأها ببكائها؟ فكأنى به يقول لها اخطأتِ بطلبك الحي بين الأموات[22].

 

اقتباس:

7:- يقول ديدات (مُجملاً) عن يوحنا 20:15 قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «يَا امْرَأَةُ لِمَاذَا تَبْكِينَ؟ مَنْ تَطْلُبِينَ؟ ”فَظَنَّتْ تِلْكَ أَنَّهُ الْبُسْتَانِيُّ فَقَالَتْ لَهُ: «يَا سَيِّدُ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَدْ حَمَلْتَهُ فَقُلْ لِي أَيْنَ وَضَعْتَهُ وَأَنَا آخُذُهُ». 

يتسائل ديدات لماذا ظنت أنه البستاني هل الموتى حين يقومون سيكونون مرتدين زي عامل الحقل؟ بالطبع لا ولكن يسوع كان متنكرًا من اليهود! انتهى.

 

النص يقول “ظنت” وظنها ذلك لعدة أسباب:

  1. المكان التي كانت به فهى ف بُستان فمن الطبيعى أنها تظن أنه البُستانى بسبب وجودها في ذلك المكان.
  2. كانت مريم هُناك باكراً جداً وربما كان الضوء لم يَبزُغ كاملا بعد.
  3. الدموع كانت تملأ أعينها وربما كنّ يبكين على يسوع منذ موته على الصليب ولم ينالوا قسطا من الراحة الكافية والنوم منذ ذلك الوقت، وربما ذلك جعلها لم تستطع التحكم في رؤيتها بشكل جيد.

 

نُقطه هامشيه:

لا يُمكن أن يكون موت قيامة يسوع غير حقيقة بسبب هذه النصوص. لسببين رئيسيين:

الأول: أن يسوع بنفسه قد أنبأ مرات كثيرة عن موته وصلبه وقيامته في اليوم الثالث، فكيف إذن لا يموت؟ بل وقبل صلبه مباشرة قال أكثر من مرة أن ساعته قد جاءت، فهو بذلك حدد أيضا الوسيلة التي يزمع ان يموت عليها، فكيف لا يكون قد مات وقام؟

الثانية: إن من أول علم أن يسوع قد قام من الأموات هم نساء، وأول من بشر يالقيامة هم النساء في حين إن المجتمع اليهودى مجتمع ذكوري، فكون إن العهد الجديد يذكر أن أول من يعلم بالقيامه هم نساء ويخبرن بها هذا يقوى ويدعم مصداقية العهد الجديد. أنظر ما قاله تيد كابال[23].

 

وختاماً إنني اتفق مع ديدات جداً مع جملة اوجهها لك عزيزي القارئ إذ يقول ديدات

 

دعونا نتناظر ونتناقش ونجعل الناس تستمع ودعوهم يُحَكموا عقولهم ليعلموا الحقيقة من الأكاذيب

عليك الآن أن تحكم بنفسك وتعلم الحقيقة من الأكاذيب.

 

[1] http://coldcasechristianity.com/2014/why-jesus-died-so-quickly-on-the-cross 

[2] الكنز الجليل في تفسير الانجيل – الدكتور ويليام ادي – الجزء الأول شرح بشارة متى، اصدار مجمع الكنائس في الشرق الأدنى ببيروت صـــ 199.

[3] تفسير العهد الجديد، القس أنطونيوس فكري. نسخه إلكترونية.

[4] الإنجيل بحسب القديس متى، دراسة وتفسير وشرح، الأب متى المسكين، دير القديس الأنبا مقار- الطبعة الأولي صــــــ 412، 413.

[5] The NKJV Study Bible. 2007 (Mt 12:40). Nashville، TN: Thomas Nelson.، 12:40 Three days and three nights does not necessarily indicate three full days. In ancient Israel، a part of a day was considered a whole day (see Esth. 4:16; 5:1); so a period of 26 hours could be called ”three days.”

[6] Barnes، A. (1884-1885). Notes on the New Testament: Matthew & Mark (R. Frew، Ed.) (134). London: Blackie & Son.، 40. Three days and three nights. It will be seen in the account of the resurrection of Christ that he was in the grave but two nights and a part of three days. See Mat. 18:6. This computation is، however، strictly in accordance with the Jewish mode of reckoning. If it had not been، the Jews would have understood it، and would have charged our Saviour as being a false prophet، for it was well known to them that he had spoken this prophecy، Mat. 27:63. Such a charge، however، was never made; and it is plain، therefore، that what was meant by the prediction was accomplished. It was a maxim، also، among the Jews، in computing time، that a part of a day was to be received as the whole. Many instances of this kind occur in both sacred and profane history. See 2 Ch. 10:5، 12; Ge. 42:17، 18. Comp. Es. 4:16 with 5:1.

[7] Ryrie، C. C. (1994). Ryrie study Bible: King James Version (Expanded ed.) (1438). Chicago: Moody Press.، 12:40 three days and three nights. This phrase does not necessarily require that 72 hours elapse between Christ’s death and resurrection، for the Jews reckoned part of a day to be as a whole day. Thus this prophecy can be properly fulfilled if the crucifixion occurred on Friday.

[8] Radmacher، E. D.، Allen، R. B.، & House، H. W. (1999). Nelson’s new illustrated Bible commentary (Mt 12:40). Nashville: T. Nelson Publishers.12:40 Three days and three nights does not necessarily indicate three full days. In ancient Israel، a part of a day was considered a whole day (Esth. 4:16; 5:1); so a period of twenty-six hours could be called ”three days.”

[9] MacDonald، W.، & Farstad، A. (1997، c1995). Believer’s Bible Commentary: Old and New Testaments (Mt 12:40). Nashville: Thomas Nelson.، Just as Jonah was three days and three nights in the belly of the great fish، so our Lord predicted that He would be three days and three nights in the heart of the earth. This raises a problem. If، as generally believed، Jesus was buried on Friday afternoon and rose again on Sunday morning، how can it be said that He was three days and nights in the tomb? The answer is that، in Jewish reckoning، any part of a day and night counts as a complete period.”A day and a night make an onah، and a part of an onah is as the whole” (Jewish saying).

[10] Turner، D.، & Bock، D. L. (2005). Cornerstone biblical commentary، Vol 11: Matthew and Mark.”With the entire text of the New Living Translation.”(176). Carol Stream، IL: Tyndale House Publishers.. This language need not mean that Jesus would be in the grave for seventy-two hours، since in Jewish reckoning any part of a day could count as a day (cf. Gen 42:17–18; 1 Kgs 20:29; Esth 4:16–5:1).

[11] Crossway Bibles. (2008). The ESV Study Bible (1846). Wheaton، IL: Crossway Bibles.12:40 Three days and three nights in Jewish reckoning is inclusive، meaning no more than three days or the combination of any part of three separate days. Jesus was raised ”in three days” although he was buried Friday afternoon and resurrected Sunday morning (i.e.، part of Friday is day one، all of Saturday is day two، and part of Sunday is day three).

[12] Tom Constable. (2003; 2003). Tom Constable’s Expository Notes on the Bible (Mt 12:39). Galaxie Software.، As the Jews reckoned time، three days and three nights meant three full days or any parts of three days.513 Jesus was in the grave for parts of three days.

[13] Simonetti، M. (2001). Matthew 1-13. Ancient Christian Commentary on Scripture NT 1a. (256). Downers Grove، Ill.: InterVarsity Press.The Three Days of Jesus’ Death and Resurrection. Theodore of Heraclea: Christ says he will spend”three days and three nights in the heart of the earth.”He is referring to the end of Friday، all of Saturday and the beginning of Sunday [of the passion week]، in keeping with the way people understood the beginning and ending of days. For we too commemorate the third day of those who have died، not when three days and three nights، completed in equal measure، have gone by. But we reckon as a single، complete day that day on which the person died، regardless of what hour the death occurred. We count as another day that on which we take our leave of the departed in hymns before the tombs. Following this same kind of sequence، then، the Lord announced that he would spend a full three days and nights under the earth. A clear indication of this is the fact that the women arrived at that very time، in order to fulfill those things that the law prescribed to be done for the dead upon the third day. Fragment 90- MKGK 81–82.

[14] Simonetti، M. (2001). Matthew 1-13. Ancient Christian Commentary on Scripture NT 1a. (256). Downers Grove، Ill.: InterVarsity Press. Jonah Prefigured the Son of Man. Augustine: The Savior pointed out that Jonah the prophet، who having been tossed into the sea was caught in the belly of the whale and emerged on the third day، prefigured the Son of Man who would suffer and rise on the third day. The Jewish people were censured in comparison with the Ninevites، for the Ninevites، to whom Jonah the prophet had been sent by way of reproof، placated God’s wrath by repenting and gained his mercy.” And behold،”he said،”something greater than Jonah is here،”13 the Lord Jesus implying himself. The Ninevites heard the servant and amended their ways; the Jews heard the Lord and not only did they not amend their ways but moreover they killed him. Sermon 72a.1- MA 1:155–56; WSA 3 3:281.

[15] Mershon، B.، Jr. (2010). The Gospel according to Mark. In R. N. Wilkin (Ed.)، The Grace New Testament Commentary (R. N. Wilkin، Ed.) (215). Denton، TX: Grace Evangelical Society.، 16:1. Jesus died around 3 p.m. on Friday afternoon. Since the Sabbath began at sundown (around 6 p.m.)، it was too late to complete all the normal burial preparations until after the Sabbath was past (i.e.، Sunday morning). Thus a number of women who were followers of Jesus bought spices، that they might come and anoint Him.

[16] Evans، C. A. (2002). Vol. 34B: Word Biblical Commentary: Mark 8:27-16:20. Word Biblical Commentary (520). Dallas: Word، Incorporated.

[17] Friberg، T.، Friberg، B.، & Miller، N. F. (2000). Vol. 4: Analytical lexicon of the Greek New Testament. Baker’s Greek New Testament library (338). Grand Rapids، Mich.: Baker Books.

[18] Swanson، J. (1997). Dictionary of Biblical Languages with Semantic Domains: Greek (New Testament) (electronic ed.) (DBLG 4773). Oak Harbor

[19] Arnold، C. E. (2002). Zondervan Illustrated Bible Backgrounds Commentary Volume 2: John، Acts. (188). Grand Rapids، MI: Zondervan.

[20] Josephus، F.، & Whiston، W. (1996، c1987). The works of Josephus: Complete and unabridged. Includes index. (Ant 3.209-210). Peabody: Hendrickson.

[21] Josephus، F.، & Whiston، W. (1996، c1987). The works of Josephus: Complete and unabridged. Includes index. (Ant 7.286-287). Peabody: Hendrickson.

[22] شرح بشارة يوحنا. تأليف القس إبراهيم سعيد صــــــ 812.

[23] Cabal، T.، Brand، C. O.، Clendenen، E. R.، Copan، P.، Moreland، J.، & Powell، D. (2007). The Apologetics Study Bible: Real Questions، Straight Answers، Stronger Faith (1502). Nashville، TN: Holman Bible Publishers.16:1 All the Gospels agree that Mary Magdalene went to the tomb along with other women (see Lk 24:10; Jn 20:2). The first three Gospels agree that one of the others was named Mary. Mark tells us Salome was also present، and Luke that Joanna was present. See notes on Mt 28:9–10 and Jn 20:1–2. If the story of the empty tomb were invented by the early church or by Mark، it is hardly likely that it would feature women as the primary witnesses، especially in the way Mark portrayed the incident. John’s (and perhaps Luke’s) apparently independent version corroborates this judgment. The women presumably supplemented the supply of spices they had prepared earlier (Lk 23:56) by buying more on Saturday night، after the Sabbath had ended. Conversely, Mark may have compressed the events of Lk 23:56 since his point was that they bought spices to anoint the body on Sunday morning.

أينشتاين وأحمد ديدات – شاهد كيف يسقط ديدات في أبجديات المعرفة الكتابية – المسيح في القبر

تحليل الكذب – كذبة داود على اخيمالك – هل تحلل المسيحية الكذب؟

تحليل الكذب – كذبة داود على اخيمالك – هل تحلل المسيحية الكذب؟

تحليل الكذب – كذبة داود على اخيمالك – هل تحلل المسيحية الكذب؟

الرد على شبهة تحليل الكذب كذبة داود على اخيمالك – هل تحلل المسيحية الكذب؟

يقول المعترض جاء في صموئيل الاول 21

1 فَجَاءَ دَاوُدُ إِلَى نُوبٍ إِلَى أَخِيمَالِكَ الْكَاهِنِ، فَاضْطَرَبَ أَخِيمَالِكُ عِنْدَ لِقَاءِ دَاوُدَ وَقَالَ لَهُ: «لِمَاذَا أَنْتَ وَحْدَكَ وَلَيْسَ مَعَكَ أَحَدٌ؟».

2 فَقَالَ دَاوُدُ لأَخِيمَالِكَ الْكَاهِنِ: «إِنَّ الْمَلِكَ أَمَرَنِي بِشَيْءٍ وَقَالَ لِي: لاَ يَعْلَمْ أَحَدٌ شَيْئًا مِنَ الأَمْرِ الَّذِي أَرْسَلْتُكَ فِيهِ وَأَمَرْتُكَ بِهِ، وَأَمَّا الْغِلْمَانُ فَقَدْ عَيَّنْتُ لَهُمُ الْمَوْضِعَ الْفُلاَنِيَّ وَالْفُلاَنِيَّ.

تفسير أصحاح 21 من سفر صموئيل أول للقمص تادرس يعقوب:

لقد خارت قوى داود فاستخدم الخداع والمواربة ونوعًا من الكذب ليبرر موقفه أمام أخيمالك إذ قال له: “إن الملك أمرني بشيءٍ، وقال لي: “لا يعلم أحد شيئًا من الأمر الذي أرسلتك فيه وأمرتك به، وأما الغلمان فقد عينت لهم الموضع الفلاني والفلاني” [2]. كان داود رجلًا حسب قلب الله، لكنه في ضعفه كان يخطئ؛ وقد أدى ضعفه هذا وكذبه إلى عواقب وخيمة؟ [18-19].

طلب داود من خبز الوجوه، الخبز المقدس (لا 24: 5-9)، الذي كان الكهنة يضعونه جديدًا كل سبت ويأكلون القديم، ولا يحل تقديمه لغير الكهنة. ومع ذلك فقد قبل أخيمالك أن يقدمه لداود ورجاله إن كانوا طاهرين حتى من العلاقات الزوجية، ذلك لأنهم جاعوا ولم يكن يوجد خبز آخر.

استخدم السيد المسيح الحادثة ليوضع لليهود كيف أنه يحل للتلاميذ أن يقطفوا السنابل ويفركوها بأيديهم ويأكلوا منها يوم السبت (مر 2: 25؛ مت 12: 3-4؛ لو 6: 3-5).

يقول القديس كيرلس الكبير: [مع أن داود سلك مسلكًا مغايرًا للناموس ولكن له في نفوسنا كل إكبار وإجلال، فهو قديس ونبي… يجب أن نلاحظ أن خبز التقدمة الوارد ذكره في رواية داود يشير إلى الخبز النازل من السماء الذي تراه على موائد الكنائس المقدسة وأن جميع أمتعة المائدة التي نستعملها في خدمة المائدة السرية لهي رمز للكنوز الإلهية الفائقة[158]

لم يفعل داود النبي ذلك عن تهاون بالوصية أو تراخ، لكن لم يكن أمامه طريق آخر، لذا لم يُحسب أكله هو ومن معه من هذا الخبز كسرًا للوصية[159].

الرد على الشبهة

لسنا في خلاف مع ما اورده الكاتب من تفاسير فهو وضع الشبهة والرد عليها في آن واحد. وهذا ليس عجيب فبالتالي هو لم يقرئ ما وضعه لانشغاله بالنسخ.

فهذا النموذج الذي يطلعنا عليه الكتاب من وجود الضعف البشري فالكتاب لا ينفي الكذب فقط بحسب تص في جملة فقط. مثل ما جاء في اللاويين 19 لاَ تَسْرِقْ، وَلاَ تَكْذِبْ، وَلاَ تَغْدُرْ بِصَاحِبِكَ والعديد من النصوص الأخرى التي تكلمت عن خطية الكذب. لكن الكتاب لا يقف عند هذا الحد فقط بل يوضح عواقب الكذب من خلال نموذج كتابي ومثال فالإنسان دائماً يحتاج للنموذج والمثال ومن خلال هذا الحدث يطلعنا الكتاب عن كذب داود وعواقب ما يفعله الكذب في الانسان. فالخطية ليست مبررة في عيني الرب ولا نجد قولاً ان الرب امر داود بالكذب.

يخبرنا كتاب:

Adeyemo, T. (2006). Africa Bible commentary (363). Nairobi, Kenya; Grand Rapids, MI.: WordAlive Publishers; Zondervan.

كان يجب على داود من تجاربه السابقة ان يعلم ان ما يفعله من كذب هو امر غير ضروري. فالله بإمكانه انقاذه إذا قال الحقيقة.

وذكر كتاب

 MacDonald, W., & Farstad, A. (1997, c1995). Believer’s Bible Commentary: Old and New Testaments (1 Sa 21:1-6). Nashville: Thomas Nelson.

عندما تخوف الكاهن وسال داود لماذا انت وحدك كذب داود وقال انه في مهمة سرية للملك وساله داود عن بعض الخبز فقال ان كل ما هو متوفر هو الخبز المقدس خبز الوجوه فعرض الكاهن على داود الخبز بشرط ان الرجال لا يكونوا قد حفظوا أنفسهم. وكان رد داود ان النساء بالفعل منعت عندهم والامتعة ايضا مقدسة.

يقول كتاب:

Chrispin, G. (2005). The Bible Panorama: Enjoying the Whole Bible with a Chapter-by-Chapter Guide (135). Leominster, UK: Day One Publications.

خدع داود اخيمالك وقال انه في مهمة من قبل شاول واعطاه اخيمالك الخبز ولعل داود فكر ان اخيمالك لم يعاقب بسبب وجود رئيس راعاه شاول وهو دواغ الأدومي.

ويذكر كتاب:

Willmington, H. L. (1997). Willmington’s Bible handbook (156). Wheaton, Ill.: Tyndale House Publishers.

ان داود هرب الي نوب وسعي الي الطعام هو ومن معه من الرجال من الكاهن وكذب ولم يقل انه هارب. فمن الواضح هنا ان داود لم يثق في كلمة الرب انه سيكون ملك.

وكان داود يصلي ان يبعد عنه الرب طريق الكذب ويرحمه

وهذا ما اكده كتاب:

Wesley, J. (1999). Wesley’s Notes: First Samuel (electronic ed.). Logos Library System; Wesley’s Notes (1 Sa 21:2). Albany, OR: Ages Software.

أعلن داود التوبة من خطية الكذب في مزمور 119: 29

29 طريق الكذب أبعد عني ، وبشريعتك ارحمني

فداود يعلم ان الكذب هو خطية وان الرحمة هي بشريعة الرب وبالتالي يعلم انه قد كذب. وان هذه خطية لذلك قال العديد من المفسرين ان النص الوارد في المزمور هو عن طلب التوبة عن الخطايا التي فعلها داود في الكذب. والاجماع ان داود فعل خطية بالفعل هي خطية وخطية سيئة جداً ولعل الكتاب ذكرها ليبرز عواقب الكذب.

وذكر الكتاب انه بسبب الكذب قتل اخيمالك والكهنة وهذا ورد في اصحاح 22

فيقول كتاب:

 The Reformation Study Bible: English Standard Version. 2005 (R. C. Sproul, Ed.) (410). Orlando, FL; Lake Mary, FL: Ligonier Ministries.

كان لما فعله داود كارثة لأخيمالك والكهنة في نوب وهذا جاء في صموئيل الاول 22

7 فقال شاول لعبيده الواقفين لديه: «اسمعوا يا بنيامينيون: هل يعطيكم جميعكم ابن يسى حقولا وكروما؟ وهل يجعلكم جميعكم رؤساء ألوف ورؤساء مئات، 8 حتى فتنتم كلكم علي، وليس من يخبرني بعهد ابني مع ابن يسى، وليس منكم من يحزن على أو يخبرني بأن ابني قد أقام عبدي على كمينا كهذا اليوم؟» 9 فأجاب دواغ الأدومي الذي كان موكلا على عبيد شاول وقال: «قد رأيت ابن يسى آتيا إلى نوب إلى أخيمالك بن أخيطوب. 10 فسأل له من الرب وأعطاه زادا. وسيف جليات الفلسطيني أعطاه إياه». 11 فأرسل الملك واستدعى أخيمالك بن أخيطوب الكاهن وجميع بيت أبيه الكهنة الذين في نوب، فجاءوا كلهم إلى الملك.

12 فقال شاول: «اسمع يا ابن أخيطوب». فقال: «هأنذا يا سيدي». 13 فقال له شاول: «لماذا فتنتم على أنت وابن يسى بإعطائك إياه خبزا وسيفا، وسألت له من الله ليقوم على كامنا كهذا اليوم؟». 14 فأجاب أخيمالك الملك وقال: «ومن من جميع عبيدك مثل داود، أمين وصهر الملك وصاحب سرك ومكرم في بيتك؟ 15 فهل اليوم ابتدأت أسأل له من الله؟ حاشا لي! لا ينسب الملك شيئا لعبده ولا لجميع بيت أبي، لأن عبدك لم يعلم شيئا من كل هذا صغيرا أو كبيرا». 16 فقال الملك: «موتا تموت يا أخيمالك أنت وكل بيت أبيك».

17 وقال الملك للسعاة الواقفين لديه: «دوروا واقتلوا كهنة الرب، لأن يدهم أيضا مع داود، ولأنهم علموا أنه هارب ولم يخبروني». فلم يرض عبيد الملك أن يمدوا أيديهم ليقعوا بكهنة الرب. 18 فقال الملك لدواغ: «در أنت وقع بالكهنة». فدار دواغ الأدومي ووقع هو بالكهنة، وقتل في ذلك اليوم خمسة وثمانين رجلا لابسي أفود كتان. 19 وضرب نوب مدينة الكهنة بحد السيف. الرجال والنساء والأطفال والرضعان والثيران والحمير والغنم بحد السيف.

20 فنجا ولد واحد لأخيمالك بن أخيطوب اسمه أبياثار وهرب إلى داود. 21 وأخبر أبياثار داود بأن شاول قد قتل كهنة الرب. 22 فقال داود لأبياثار: «علمت في ذلك اليوم الذي فيه كان دواغ الأدومي هناك، أنه يخبر شاول. أنا سببت لجميع أنفس بيت أبيك. 23 أقم معي. لا تخف، لأن الذي يطلب نفسي يطلب نفسك، ولكنك عندي محفوظ».

فهل يوجد اوضح من هذا النموذج لتوضيح مساوئ الكذب وعواقبه؟ كم من مقالاً عن الكذب ذكر هذه الحادثة ككراهية للكذب ولعواقب الكذب؟

– فللكذب عواقب يمكن ان تكون وخيمة: عندما هرب داود ليحتمي من شاول كذب على اخيمالك “الكاهن في نوب” لا نجد في الكتاب المقدس تبريرا لهذه الكذبة. بل لقد ادت الى قتل 85 كاهنا (1صم 22: 6-23). وقد لا تبدو كذبة داود الصغيرة ضارة جدا، ولكنها ادت الى كارثة. والكتاب المقدس يبيّن بوضوح ان الكذب خطاْ (لا 19:11). فهو مثل سائر الخطايا خطير في نظر الله، وقد يؤدي الى عواقب اليمة. وعلينا ان لا نقلل من قيمته، بل ان نتجنبه، بغض النظر ان تمكنّا من رؤية عواقبه الكامنة فيه او لم نتمكن.

والعجيب ان المعترض وضع السؤال والاجابة في سؤاله لكن للتوضيح أكثر اذكر له لماذا يذكر الرب لنا خطايا الاتقياء. واستخدم الرب يسوع ما فعله داود في العهد الجديد في اشارة الي انه يريد رحمة لا تطبيق حرف الشريعة في الجانب الخاص بالطعام فقط. فهل لا نعطي الجائع بسبب ان الشريعة تمنع وهو لا يوجد لديه بديل اخر سوي خبز الوجوه الخاص بالكهنة؟ باي منطق. وضرب لنا مثال رائع ايضا في الرحمة التي ينبغي ان تغلب حرف الوصية.

يحتاج اليوم الانسان لنماذج لا لكلام نظري فقط. فكل شخصية في الكتاب المقدس هي نحن…! فعندما تكتئب تذكر ارميا وحينما تكون سارق واصابك الضعف تذكر شاول وحينما لا تصدق الرب تذكر ضحك سارة …. الى اخره.

فذكر الكتاب خطايا الاتقياء لأكثر من سبب:

1- لم يخفي الكتاب المقدس او يزين ضعف اتقاؤه. سواء كان ابراهيم او اسحق او موسي او داود وغيرهم. فكل البشر اصابهم الضعف وهذا ما تذكره لنا رسالة رومية 3: 10 – 23.وقد كان يسوع هو الاستثناء الوحيد بحسب رسالة العبرانيين 4: 15، بطرس الاولي 2: 22. فما ذكره الكتاب عن خطايا الابطال هو أحد ادلة وحي الكتاب المقدس.

2- ان ذكر الخطايا وتسجيل الضعفات تأكيد هام على تأثير هذه الضعفات على الشخص فكتبت لتعليمنا لنري مدي شوهة الخطية الانسان بقصص واقعية حية. لا كلام نظري او نصائح بل حياة حقيقية واقعية. وايضاً عدم تغاضي الرب عن الاعمال فتجاوز موسي منعه من دخول كنعان وخطية داود مع بتشبع عوقب عليها وكان الامر كريه في عيني الرب وقدم توبة.

3- اعطاء نموذج على الجهاد ضد الضعف وثقتهم الكبيرة في الرب ومحاولة الحياة تحت مشيئته طوال الوقت. فلا أحد منا او منهم سيصل الي الكمال التام فنحن ما زلنا في هذا الجسد وسوف نعمل افعال خاطئة لكن حياة الجهاد تساعدنا على التغلب على نقاط الضعف باستمرار والنقاء باستمرار حتى نصل الي ابهي صوره لشركة المسيح. في رومية 15: 4 • 4. لأَنَّ كُلَّ مَا سَبَقَ فَكُتِبَ كُتِبَ لأَجْلِ تَعْلِيمِنَا حَتَّى بِالصَّبْرِ وَالتَّعْزِيَةِ بِمَا فِي الْكُتُبِ يَكُونُ لَنَا رَجَاءٌ.

4- ذكر خطية شاول الطرسوسي اعطي امل ونموذج لكل فاسد وخاطئ لكي يصبح بولس وليس شاول. وامثلة مثل الابن الضال وغيرها تكشف لنا محبة الله لنا وغفران الله الرائع فالخطية تمحي وتعود العلاقة من جديد.

5- مواجهة عيوبنا بقوة وشجاعة فنحن نجد عيوبنا في عيوبهم في قصة نعمان السرياني نموذج قاد نعمان الي الشفاء الايمان بالله وقصر زكا البدني قاده الي اللقاء بيسوع الذي وصفه بانه ابن ابراهيم. وشاول أصبح بولس كل ما جاء هو لنا نحن فنحن السامرية والمرأة الخاطئة وكل شخصية في الكتاب.

6- قد يعتقد القارئ ان هذه القصص لكوكب اخر…! لكن مع التأني نجد انها لنا فهذه قصص لأشخاص ارتكبوا الخطية ولم يظهروا نوعاً ما من الايمان سوي القليل بالرغم من بركات الله لهم. فهؤلاء مثلنا لكن برؤية ضعفهم يمكننا الشعور بمدي ضعفنا فالإنسان لا يشعر بخطاياه الا عندما يفعلها اخر او يتأملها في اخر قد ينتقد الانسان يهوذا بشكل صارخ ماذا فعل هذا؟ وهو يفعل افعال يهوذا! فالقصص تساعدنا على وضعنا في نطاق صحيح نحن مثل هؤلاء والله يعمل فينا.

7- نتذكر رحمة الله وان الله يختار الضعفاء ليخزي بهم الحكماء و اختار الله ادنياء العالم و المزدرى و غير الموجود ليبطل الموجود بحسب كورنثوس الاولي 1: 26 – 31.

8- وضع كل هؤلاء في ميزان يسوع الانسان الكامل الرحمة الكاملة الحكمة الكاملة. فنضع ثقتنا كامله في يسوع وحده دون ان يقول لنا اتبعني فنتبعه.

ليكون للبركة.

الرد على شبهة تحليل الكذب كذبة داود على اخيمالك – هل تحلل المسيحية الكذب؟

المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

المسيح – كيف عرفنا يسوع – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

كيف عرفنا يسوع – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

 

ما هي الأناجيل

في البابين الأولين من هذا الكتاب، ذكرنا الكثير عن حياة المسيح وتعليمه، ولكننا لم نتحدث إلا القليل جداً عن الكيفية التي عرفنا بها يسوع المسيح. ومن الطبيعي أن الصورة التي تخيلناها عنه قامت على أجزاء العهد الجديد التي تحدثت عن حياته وعمله، وهي الأسفار الأربعة التي نطلق عليها “الأناجيل” والتي ترتبط عادة بأسماء: “متى ومرقص، ولوقا، ويوحنا.

إلا أنه يتعين أن يكون واضحاً الآن أنه في فهمنا للأناجيل قمنا بعمل عدة افتراضات، وبشكل أو بآخر، تخيلنا صورة يسوع المسيح التي قدمت هنا. وعلى سبيل المثال، افترضنا أن الأناجيل ليست سيراً ذاتية للمسيح، بقدر ما هي عرض لمختارات من نواحي حياته وتعليمه التي بدت ذات أهمية بالغة لأولئك الذين كتبوها لأول مرة. وعلاوة على ذلك، افترضنا أن هناك الكثير من التداخل والتكرار في الروايات العديدة لحياة يسوع، ولذلك ربما يستخدم إنجيل لتوضيح أو تفسير التعليم الذي ورد في إنجيل آخر.

ثم لمحنا أيضاً إلى أنه من الممكن في الواقع معرفة شيء عن يسوع المسيح من دراسة الأناجيل، وأنه على الرغم من أنها فعلاً من نتاج الكنيسة الأولى، إلا أنها لا تحدثنا عن كاتبيها فقط، بل عن يسوع المسيح نفسه.

وقد حان الوقت الآن لدراسة بعض هذه الافتراضات، بشيء أكثر تفصيلاً لشرح الأسباب التي دفعتنا على افتراضها، ولاستكشاف تداعياتها.

ما هو الإنجيل؟

لماذا ندرس الانجيل

القارئ الحديث الذي يرى أحد الأناجيل لأول مرة قد يعتقد أنه يشبه إلى حد كبير سيرة ذاتية للمسيح. إلا أن لمحة خاطفة لأي منها، ستبين أن الأمر ليس كذلك. فالسيرة الذاتية الجيدة تبدأ عادة برواية عن سنوات طفولة الشخصية التي تتناولها، ثم تعرض بالتوالي إلى مرحلة المراهقة ثم البلوغ، كي تبين كيف نما الشخص الناضج استجابة للتأثيرات المختلفة في بداية حياته والبيئة التي نشأ فيها.

وعلى النقيض من ذلك، نرى أن التأكيد الرئيسي في الأناجيل لا ينصب على مجرى حياة يسوع المسيح، بل على أحداث الأسبوع الأخير منها على وجه التقريب. وهذه سبقتها تقارير عن تعليم يسوع، ورواية عن بعض الأحداث القليلة ترجع إلى فترة الثلاث سنوات السابقة لوفاته، مع عدم أي ذكر في الواقع لطفولته وفترة مراهقته. ولو كانت هذه سيرة ذاته، فإنها لا ريب سيرة ذاتية غير عادية.

وبمقدورنا وبمنتهى السهولة أن نعرف حقيقة الأمر بالرجوع إلى الأناجيل ذاتها. وعوض أن نحاول تصنيفها كما يفعل أي أمين مكتبة الآن، علينا أن نسأل، ماذا اعتقد كاتبوها بخصوص ما يفعلون وهم يكتبونها؟ لنأخذ على سبيل المثال إنجيل مرقص، وهو الإنجيل الذي يعتقد بوجه عام أنه أقدم الأناجيل الأربعة. والكتاب يصف عمله في العبارة الافتتاحية على أنه “بدء إنجيل يسوع المسيح”[1].

وهذا القول يأتي كعنوان أو مقدمة لما سيتبعه، ونجد هنا كلمتين هامتين لفهم الغرض من هذا الإنجيل، والكلمتان هما: “بدء” و”إنجيل”. وكلمة “إنجيل” هي ببساطة ترجمة لكلمة مرقص اليونانية “Evangilion” وقد اختيرت أساساً لأن للكلمتين معنى واحد هو: “أخبار سارة”. إذاً، فقد كان مرقص يكتب عن “بدء الأخبار السارة”.

وماذا يعني هذا؟ لقد سمع مرقص وكتبة الأناجيل الأخرى “الأخبار السارة” عن يسوع المسيح [2]. ولقد تقبلوا مصداقيتها واعترفوا بالمسيح كسيد لحياتهم[3]. ومرقص نفسه أصبح بناء على ذلك منخرطاً بشكل عميق في عمل الكنيسة، وتضمن جزءًا هاماً من عمله كلاً من الكرازة وتعليم الرسالة مما غير مجرى حياته هو شخصياً[4].

والكرازة والتعليم المشار إليهما سجلا في العهد الجديد، وفي صيغته الأساسية الخالصة يتكون من أقوال لخصها “دود” في تعريفه في كتابه “الكرازة الأولى”.

وبالنسبة لمرقص ومعاصريه لم تكن هذه الرسالة مجرد ذكر للحقائق المتعلقة بالإيمان المسيحي، بل كانت بمعنى أهم “الأخبار السارة” لإيمانهم، لأنهم فيما قبلوا دعوتها للتوبة وجودها اختبار تغيير حياة.

ولذلك حين وصف مرقص إنجيله بأنه “بدء الأخبار السارة” فهو بهذا كان يقول إن هدفه هو أن يصف المرحلة الأولى من تطور الرسالة التي استجاب لها هو وآخرون. والقصة التي يرويها تشكل جزءًا هاماً لا يتجزأ من قصتهم واختبارهم كمسيحيين، وكان للوقا غرض مماثل: فهو يكتب ليعرف قراءه المضامين الكاملة للرسالة المسيحية التي كثيراً ما سمعوا عنها[5]. والواقع أن لوقا شعر أنه من الواجب عليه أن يؤكد استمرارية حياة الكنيسة بحياة المسيح، وذلك بكتابة سفر آخر (سفر أعمال الرسل) ليجعل القصة كاملة تماماً.

وحين نطلق على كتبة الأناجيل لقب “إنجيليين” فإننا بذلك نصف قصدهم الحقيقي. لأنهم كانوا مهتمين بالدرجة الأولى بأن يوصلوا رسالتهم عن يسوع المسيح إلى معاصريهم، ثم بعد ذلك – بصفة ثانوية – يتناولون الاهتمامات العادية لكاتب السيرة، ولو أنهم لم يهتموا بهذه النقطة الأخيرة. وهذه الحقيقة لها على الأقل ثلاث نتائج هامة لفهمنا للأناجيل التي كتبوها:

يجب النظر إلى الأناجيل على اعتبار أنها تتضمن أقوالاً أو أحداثاً انتقائية تتعلق بحياة يسوع المسيح وتعليمه. وفي كرازتهم للرسالة لا ريب أن الرسل وآخرين تحدثوا عن أحداث من حياة المسيح بنفس الطريقة التي قد يستخدم بها الكارز الحديث توضيحات ملائمة لتفسير نفس النقاط اللاهوتية التي يعرض لها.

ولا ريب أن مرقص والإنجيليين الآخرين كانوا قد سمعوا عن هذه الأحداث التي استعملت لتوضيح كثير من المواعظ، وضمنوها أناجيلهم لأغراض مماثلة وبشكل أوسع. والواقع أن “بابياس Papias” وهو أباء الكنيسة الأولى زعم أن إنجيل مرقص يتكون من مادة استخلصت من كرازة بطرس نفسه.

وحقيقة أن المعلومات التي تتضمنتها الأناجيل التي استعملت أولاً لتوضيح رسالة الكنيسة تفسر لنا أيضاً بعض الصعاب التي كثيراً ما نستشعرها عما يبدو لنا من عدم اكتمال بعض روايات الإنجيل. وإذا جمعنا بين الأناجيل الأربعة معاً فبالكاد تحوي المعلومات الكافية لتسجيل ثلاث سنوات من حياة أي شخص، فما بال أن يكون هذه الشخص نشيطاً كالمسيح، إلا أنه إذا ما عرفنا أن المعلومات المتوافرة لنا قد حفظت بسبب ارتباطها بحياة أولى الكنائس، سنفهم بسهولة السبب في أن الكثير مما كنا نود معرفته قد ترك دون تدوين.

وهذا يفسر لنا السبب في أننا لا نجد أي ذكر في العهد الجديد لطفولة يسوع المسيح المبكرة، بل ولا أية أوصاف بالنسبة لشبهه أو من أية نوعية من الأشخاص كان. ولو كان الإنجيليون يكتبون لمجرد إشباع فضول الناس ورغبتهم في معرفة كل شيء عن يسوع المسيح، لضمنوا أناجيلهم هذه النوعية من المعلومات. ولكن هذا لم يكن قصدهم، لأنهم كانوا مهتمين بصفة أساسية بربح الناس للإيمان بربهم وسيدهم، ولهذا السبب لم تكن مثل هذه التفاصيل تهمهم من هذه الناحية.

إذا كانت الأناجيل توضيحات للكرازة الرسولية، فهذا معناه أن ليس بوسعنا النظر إلى محتوياتها على اعتبار أنها قصص بسيطة عن يسوع المسيح. فلا بد وأن يكون لها صلة وثيقة بالفكر اللاهوتي لكتاب الإنجيل. وقد جاء وقت انتشرت فيه فكرة افتراض أنه من الممكن أن نستخلص من الإنجيل صورة لمعلم جليلي بسيط، غيرها بولس وآخرون في وقت لاحق إلى رسالة لاهوتية عن ابن الله.

إلا أنه أصبح من المعروف الآن، وعلى نطاق واسع أن الأناجيل نفسها هي بذاتها من بين أكثر الوثائق اللاهوتية الهامة للكنيسة الأولى، وأن الحقيقة هي أنها ليس بوسعنا إطلاقاً اكتشاف صورة للمسيح كمعلم بسيط من الجليل. وبقدر ما استطعنا الرجوع إلى المصادر القديمة، فإن يسوع المسيح الذي وجدناه على صفحات العهد الجديد هو دائماً شخص يزعم لنفسه أموراً عظيمة، ويدلي بأقوال محددة عن علاقة الإنسان بالله. وكل تعاليمه، وكل حدث سجلته الأناجيل يتضمن بصفة خاصة شيئاً لاهوتياً يريد قوله لنا.

ç وكما سبق لنا القول، فإنه إذا كان كتبة الأناجيل قد اختاروا مادة للكتابة ليخدموا أهدافهم الشخصية، فمعنى هذا أنه قد يكون بوسعنا اكتشاف شيء عنهم وعن قرائهم بمقارنة اختيار كل منهم للمعلومات المتعقلة بالمسيح واستخدامه لها. وبالنسبة للأناجيل الثلاثة الأولى بمقدرونا عمل ذلك بكل يسر، لأنها على وجه التقريب تروي لنا نفس القصة وبنفس الترتيب، وكل منها يكرر أجزاء كبيرة من المادة التي نجدها في الأناجيل الأخرى.

وبمقارنة الطرق المختلفة التي استخدم بها كل من متى ومرقص ولوقا أعمال يسوع المسيح وتعليمه في رواياتهم، يمكننا بسهولة أن نعرف شيئاً عنهم والوضع الذي عاشوا وعملوا فيه.

وعلى هذا، فإنه لكي نفهم الأناجيل فهماً تاماً فإن ذلك يشكل عملية معقدة. فنحن نحتاج إلى معرفة السبب في أن الإنجيليين كتبوا بالطريقة التي كتبوا بها، ومتى كان ذلك. فإننا سنحتاج إلى محاولة فهم الطريقة التي جمعوا بها مادتهم، ولماذا استخدموها بطريقة معينة دون أخرى. كما أننا علينا أن نتذكر وبصفة دائمة أن أناجيلهم لم تكتب إلا بقصد المهمة الكرازية للكنيسة: وهي لم تكتب كسيرة ذاتية أو تاريخ، أو حتى كمادة لاهوتية بالمعنى المألوف.

الكرازة والكتابة

هناك سؤال واضح يمكن طرحه فيما يختص بالأناجيل وهو: من أين استقى كُتاب الأناجيل معلوماتهم، وما الذي عملوه بها؟ وللوهلة الأولى قد يبدو هذا سؤالاً خارجاً إلى حد ما عن الموضوع، أو نوعاً من تسلق قمة جبل إفرست بالنسبة للاهوتي، يجب عليه قهرها لا لشيء سوى أنها موجودة. لكنه سؤال مفيد يؤدي إلى فهم مقنع لطبيعة الأناجيل. فتتبع مصادر كاتب ما وفحص أسلوبه في استخدامها يمكن أن يشكل جزءًا هاماً لفهم ما يقوله.

فإذا كنا نعرف ما يعلمه، فبإمكاننا أن نفهم وبوضوح أكثر، ما الذي يهدف إليه. وإذا أسأنا فهم طريقته، فمن المحتمل تماماً أننا سنفشل في فهم رسالته الأساسية.

وبالنظر إلى أنه من المؤكد أن الأناجيل قد كتبت في سياق كرازة الكنيسة الأولى، فلنا أن نتوقع وجود بعض إلماحات إلى أصلها، وذلك بفحص رسالة الكنيسة. وهذا ما يتضمن بالضرورة ثلاثة موضوعات رئيسية، أولاً: الإنجيل المسيحي مرتبط بالمواعيد المذكورة في العهد القديم. ثانياً: سلسلة من الأقوال عن يسوع المسيح وأهميته. وأخيراً: كانت هناك دعوة للناس أن يتوبوا أو يقبلوا الرسالة.

نصوص العهد القديم

بدأت الرسالة بالقول إن المواعيد التي تضمنها العهد القديم قد تحققت في حياة يسوع المسيح. وفي ملخصات العهد الجديد لهذه الكرازة، كثيراً ما يقدم هذا القول بطريقة عامة إلى حد ما. إلا أنه في مواقف الحياة الواقعية لا بد وأنه كان إعلاناً جاء أكثر وضوحاً. فأي شخص ملم بالعهد القديم لن يقتنع إلا بعد أن يعرف تماماً ما هي النبوات التي كان من المفترض أن تتم بالمسيح. ونعرف من دليل آخر من بين الأعمال المفضلة لدى اليهود هي جمع قوائم لفقرات العهد القديم التي سيتممها المسيا حين يأتي.

وعلى سبيل المثال نجد أن أهل قمران كانوا يحتفظون بمثل هذه القوائم، وهكذا فعلت جماعات يهودية أخرى. وهذه القوائم يشير إليها العلماء عادة بكلمة “شهادات”.

وهناك عدد من الإشارات في العهد الجديد بأن قوائم النصوص هذه كان المسيحيون يستعملونها بشكل منتظم منذ البداية. فنجد في إنجيلي متى ويوحنا كثيراً من نصوص العهد القديم قد ذكرت للاستشهاد بها، مع إشارة إلى أنها تحققت في حدث معين في حياة يسوع المسيح. ومع ذلك ومما هو لافت للنظر أنهما بالكاد يستعملان نفس الفقرات. ولعل ذلك يرجع إلى أنهما كانا يستعملان مجموعات مختلفة من الشهادات.

كذلك في بعض رسائل بولس، نجد أيضاً نصوصاً من العهد القديم جمعت معاً في فقرات متصلة فيما يبدو أنها جاءت عشوائية، ومن المعقول أن نعتقد أن بولس وجدها أساساً وهي مجمعة معاً تحت نفس العنوان في مجموعة نصوص العهد القديم الخاص به. ولعل جمع هذه النصوص من العهد القديم كان من أوائل النشاط الأدبي للكنيسة المسيحية. فقد كانت من أجل تسهيل عمل الكارزين المسيحين، حتى يكون بمقدورهم أن يستشهدوا بنماذج معينة منها لدعم أقوالهم بأن يسوع المسيح أكمل مواعيد العهد القديم الخاصة بالمسيا.

 

كلمات يسوع

إن العنصر الرئيسي في الكرازة Kyrgma هو سلسلة الأقوال التي ذكرت عن يسوع المسيح نفسه. ومن المؤكد أنه في الأيام الأولى من وجود الكنيسة لم يكن من المستطاع إعلان الرسالة إلا بإشارة عابرة إلى حياة المسيح وتعليمه. ذلك أن معظم المسيحيين كانوا أصلاً من اليهود، وكانت الكنيسة لا تزال شيعة محلية فلسطينية، ولا بد أن كثيرين في فلسطين قد عرفوا شيئاً عن المسيح، مهما كان قليلاً.

إلا أنه لم يمر وقت طويل إلا وكان المرسلون المسيحيون ينتشرون في أماكن خارج فلسطين، حاملين تعليمهم إلى أجزاء الإمبراطورية الرومانية حيث لم يكن أحد يعرف شيئاً عن يسوع. ولا بد أنه كان من الضروري في هذه المرحلة، بالنسبة للكارزين بالأخبار السارة أن يضمنوا رسالتهم بعض المعلومات الحقيقية عن يسوع المسيح نفسه، حتى وإن اقتصرت على أحداث موته وقيامته.

وما أن يصبح الناس مسيحيين إلى ويحتاجون إلى تعليم بخصوص إيمانهم الجديد. وهذا التعليم يتضمن معلومات عن المعتقدات المسيحية، وكذلك نصيحة عن السلوك المسيحي من النوعية التي كثيراً ما نجدها في رسائل العهد الجديد. ومن مصادر هذا التعليم الواضحة والهامة لا بد وأن تكون الأقوال التي يذكرون أن يسوع المسيح نفسه قالها. وليس من الضروري أن تقدم هذه كمعلومات عن يسوع، وهذا ما نستطيع معرفته من نصيحة بولس إلى أهل رومية (12-13). فالكثير مما يقوله قريب جداً من تعليم يسوع المسيح في العظة على الجبل حتى أنه من الصعب الاعتقاد أن الاثنين لم يستندا إلى نفس المصدر.

ومع ذلك لم يقل بولس مطلقاً إن نصيحته مستمدة من تعليم المسيح نفسه. وهناك أجزاء أخرى من كتابات بولس تبين أيضاً أن تقاليد تعاليم يسوع المسيح كانت معروفة لدى كنائس الأمميين الأولى[6]. لذلك فمن المحتمل جداً أنه قبل كتابة الأناجيل بصورتها الحالية بوقت طويل كانت أقوال يسوع المسيح قد جمعت معاً كدليل لإرشاد المعلمين في الكنيسة الأولى. ولا شك أنه كان هناك عدد من مجموعات تعليم يسوع المسيح هذه، عملت لأغراض ومناسبات مختلفة في حياة الكنيسة، والدارسون كثيراً من يطلقون على هذه المجموعات كلمة “Logia” أي أقوال السيد المسيح.

وعلاوة على الاعتبارات العامة السابق ذكرها، هناك العديد من المبررات الأساسية الهامة للاعتقاد بأن هذه كانت من أول أنماط الكتابة المسيحية عن يسوع المسيح.

ç ونعرف أنه كانت توجد مجموعات لاحقة من هذه النوعية، حتى بعد كتابة أناجيل العهد الجديد بفترة طويلة. وهناك عدد من قصاصات البرديات التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث الميلادي، والتي وجدت في البهنسا في مصر، تحتوي على أقوال للمسيح، بعضها مختلف عن تلك الموجودة في الأناجيل.

وقد وجد كتاب كامل لمثل هذه الأقوال مكتوب باللغة القبطية تم العثور عليه في مصر. وقد عرف باسم “إنجيل توما”. وهو يحتوي على أقوال للمسيح ليست موجودة في العهد الجديد، ومع ذلك قد تكون حقيقية. ومع هذا وسواء كانت حقيقية أم لا، فإن هذه الوثائق لا تظهر بوضوح تام أنه كان من عادة الكنيسة الأولى أن تعمل هذه المجموعات الخاصة بأقوال السيد المسيح.

ç وفي الفترة 130-140م، كتب بابياس أسقف هيرابوليس، Papias the bishop of Hierapolis كتاب “شرح أقوال الرب” من خمسة أجزاء. ومع أن معظم هذا الكتاب مفقود الآن، إلا أنه لدينا بالفعل قصاصات قليلة منه على شكل مقتبسات وردت في كتابات أناس آخرين. وإذا كتب بابياس عن “متى قال إنه جمع أقوال المسيح “Logia” باللغة العبرية، وكل واحد فسرها بحسب ما استطاع. والمقصود بهذا القول على وجه الدقة أمر غير مؤكد، لكن معظم الباحثين يعتقدون أن اللوجيا “أقوال يسوع المسيح ” التي يشير إليها هي مجموعة من أقوال المسيح وليست السفر الذي نعرفه باسم “إنجيل متى”.

ç تنظيم المادة في الأناجيل كثيراً ما تشير إلى أن أقوال يسوع المسيح جمعت معاً قبل أن توضع في سياقها الحالي. وهناك مجموعات كثيرة من الأقوال بينها الصلة ضعيفة، ولا تشكل أي حجة مترابطة منطقياً. على سبيل المثال الأقوال عن الملح في إنجيل مرقص، تبدو في الواقع مختلفة تماماً بعضها عن بعض، ولعلها جمعت معاً لمجرد أنها كلها تذكر الملح[7].

ç ثم أمامنا العظة على الجبل بكاملها[8]. ولو حاول أي شخص في أي عصر أن يكتشف حجة الموعظة سيدرك استحالة المهمة، لأنها لا تتضمن حجة مترابطة منطقية. وما لدينا هو مجموعة تعاليم للمسيح جمعت معاً لأنها كلها تتناول مجموعات أخلاقية. ولكنها لا تتواصل بنفس الطريقة التي يتوقع أن تكون عليها العظة الحديثة. وطبقاً لما يقوله بروفسور جيرمياس Jeremias، أن السبب في ذلك يرجع إلى أن العظة في الأصل كانت تشكل مجموعة من أقوال يسوع المسيح، نظمت على هذا النحو لكي تكون سهلة التناول بالنسبة للمنضمين حديثاً في الإيمان المسيحي.

ç وهناك سبب قوي لافتراض وجود مجموعات من أقوال يسوع المسيح في وقت مبكر من تاريخ الكنيسة، يتمثل في حقيقة أنه كان لدى متى ولوقا كمية كبيرة من المادة المشتركة بين إنجيل كل منهما، ولكنها لا توجد إطلاقاً في إنجيل مرقص[9]. وتكاد هذه المادة تتكون في جملتها من تعاليم يسوع، ولكنها تتضمن أيضاً قصة عماده[10]. كما تتضمن التجربة وقصة معجزة واحدة هي شفاء عبد قائد المئة[11]. والتفسير العام المقبول لهذه المادة المشتركة هو أن متى ولوقا، استعمل كلاهما نفس مجموعة أقوال يسوع وأدمجها كل منهما في إنجيله[12].

والمفسرون يطلقون على هذه الأقوال المصدر (َQ). وربما كانت وثيقة مكتوبة، أو ربما تكون مجموعة من التقاليد الشفهية. ومن المؤكد أن وجودها في شكل ما أمر حقيقي، ولا سيما أن محتوياته تشابه إلى حد كبير مجموعات الأقوال النبوية التي نجدها في العهد القديم. وإلى جانب كلمات النبي التي تجمع معاً ويقوم تلاميذه بتحريرها، فإن الأسفار النبوية كثيراً ما تتضمن أيضاً رواية عن دعوة النبي، وحدثاً أو اثنين من الأحداث البارزة في حياته.

وهذا هو بالضبط ما نجده في التقليد المسمى (Q). فنجد قصة معمودية المسيح وتجربته في البرية (اللتان يمكن القول إنهما بمثابة دعوته)، كما نجد توضيحاً لأكثر أنشطته النمطية: معجزة وشفاء. إلا أن التأكيد الرئيسي إنما يكون على تعليمه.

وبناء على الدليل الذي تم جمعه حتى الآن، بوسعنا الاستنتاج انه من بداية وجود الكنيسة كان اهتمامها الرئيسي منصباً على نوعيتين من الكتابة هما: الشهادة Testimonia وأقوال يسوع المسيح Logia. ولعلهم أيضاً كان لديهم مخطط مشترك متفق عليه بالنسبة لمجرة حياة المسيح وتعليمه. إلا أنه قبل وقت طويل بدأت تبرز الحاجة إلى ضرورة جمع كل هذه المادة معاً في صورة تقبل الاستمراربة بشكل أكثر. وهذه العملية لم تتم بالطبع بين عشية وضحاها.

والواقع أنها ربما لم تكن في الحقيقة منفصلة على الإطلاق، بل كانت مجرد توسع وإكمال للعمل الذي سبق أن بدأ بعمل مجموعات من “الشهادة” و”أقوال يسوع”. غير أن المحصلة النهائية تمثلت في الوثائق الأربع التي نعرفها الآن بأسماء: إنجيل متى وإنجيل مرقص، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا.

وضع الأناجيل معاً

الأناجيل الثلاثة الأولى تسمى “المتشابهة Synoptics” لأنها تتشابه إلى حد كبير، والطريقة ذاتها التي حول الكتبة بها “أقوال يسوع” إلى أناجيل هي أساس مشكلة التشابه Synoptic Problem”.

وهذه الأناجيل في الواقع ما هي إلا ثلاث طبعات مختلفة لنفس المادة الأساسية تقريباً. وكثير من هذه التشابهات يمكن بالطبع تفسيره بافتراض أن هؤلاء الإنجيلين كانوا يستعملون نفس مجموعة الأقوال التي كانت متداولة بين مجموعة مختلفة من المسيحيين. ولكن التشابهات أكثر من ذلك تعقيداً، لأنه توجد أمثلة كثيرة جداً، حيث استعملت الأناجيل الثلاثة نفس اللغة بعينها من حيث المفردات اللغوية والتركيبات النحوية، الأمر الذي حمل معظم الباحثين على الاعتقاد بأنه لا بد وأنهم كانوا يستعملون نفس المصادر المكتوبة.

أما التفسير الذي قيل بوجه عام فيما يتعلق بهذه التشابهات فيتمثل في “نظرية المصدرين” والتي تفترض أن متى ولوقا استخدما نفس وثائق المصدرين في كتابة قصتيهما عن حياة يسوع المسيح وتعليمه. وكانت هذه هي المصادر التي نعرفها الآن بإنجيل مرقص والمصدر المفترض (Q). ومن المؤكد بالطبع، أن لوقا على الأٌقل استخدم مصادر متنوعة في كتابة إنجيله، ذلك لأنه يقول صراحة إنه فحص عمل أناس آخرين، واختار منها تلك الأجزاء التي كانت تناسب هدفه من الكتابة. وعلى ضوء العلاقات الأدبية الوثيقة بإنجيلي مرقص ولوقا، يبدو أن متى استخدم نفس الأسلوب في كتابة إنجيله.

وإذ توصل الباحثون إلى استنتاج أن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقص كمصدر لهما، فقد حللوا نص الأناجيل الثلاثة المتشابهة مستخدمين على الأقل خمس معايير مختلفة:

ç الصياغة: مقارنة الكلمات المستخدمة في نصوص مختلفة تعد طريقة بسيطة جداً لتحديد العلاقة الأدبية بينها. وأكثر من نصف المفردات اللغوية المستخدمة فعلاً في إنجيل مرقص، نجدها متضمنة في إنجيلي متى ولوقا، وكلاهما يحتويان على أجزاء متطابقة لا نجدها في إنجيل مرقص. ولذا فإنه من الواضح أنه كان هناك مصدر واحد معروف لهم جميعاً، كما أن هناك مصدر واحد استخدمه متى ولوقا فقط.

ç الترتيب: إذا اتفقت ترتيب أحداث في قصة موجودة في أكثر من إنجيل واتفقت الأجزاء التي بها نفس الصياغة، نستطيع أن نخطو خطوة إلى الأمام ونفترض وجود مصدر مشترك اتبع ترتيبه واستخدمت كلماته بواسطة الإنجيليين الثلاثة جميعاً. وهنا أيضاً يوجد دليل كاف على هذا. فإن متى ومرقص ولوقا اتبعوا كلهم نفس الترتيب العام للأحداث. فهم يبدأون بخدمة يوحنا المعمدان، ثم ينتقلون إلى الحديث عن معمودية المسيح وتجربته في البرية.

بعد هذا تأتي خدمة عمل المعجزات والتعليم في الجليل، والتي بدأت تثير مقاومة من الرؤساء اليهود. ثم يقوم المسيح برحلات صوب الشمال ليعطي تعليماً لتلاميذه على انفراد. وأخيراً يتوجهون إلى أورشليم، ونجد قصة أيامه الأخيرة هناك، محاكمته، صلبه، ثم قيامته.

وفي هذا الإطار العام، هناك أحداث معينة سجلت أيضاً في كثير من الأحيان بنفس الترتيب.

وسمة الأناجيل المتشابهة هذه، تتضح على أفضل نحو إذا افترضنا أن إنجيلي متى ولوقا كانا يستخدمان إنجيل مرقص، كمصدر لهما وليس العكس. لأنه مما يلفت النظر أنه حين يخرج متى عن نهج نظام مرقص، نجد أن لوقا يحتفظ بنفس ترتيب مرقص، وحين يخرج لوقا عن نظام مرقص، نجد أن متى يتبع نهج مرقص. وهناك حدث واحد يضعه كل منهما بنظام يختلف عن ترتيب مرقص وهو: تعيين الاثني عشر[13].

فأحياناً يتخلى متى أو لوقا عن نمط قصة مرقص كي يضيف شيئاً جديداً[14]، غير أنهما بعد هذه الإضافة يعودان إلى النقطة التي في إنجيل مرقص، والتي كانا قد توقفا عندها[15]. وهذه من أقوى الدعامات التي تدعم الاعتقاد أن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقص وليس العكس.

ç المحتويات: تحليل محتويات القصص كشف أيضاً عن استخدام مصادر مختلفة. فإذا سجل أحد الكتبة نفس القصة بنفس الكلمات والترتيب الذي استخدمهما كاتب آخر، فإنه يكون بوسعنا افتراض إما أن أحدهما استخدم عمل الآخر، وهذا ما حدث بالنسبة للأناجيل المتشابهة، فمن بين 661 آية الموجودة في إنجيل مرقص، نجد في متى منها 606 آيات بنفس صيغتها، ونصفها أيضاً نجده في إنجيل لوقا.

ç الأسلوب: هذا معيار صعب جداً من ناحية استعماله بطريقة مرئية، فأسلوب الكاتب يمكن أن يعتمد على أمور كثيرة، ومنها الوضع الذي يكتب أثناءه، والقراء الذين يقصدهم، وما إذا كان يستخدم سكرتيراً أم لا، وهكذا.

ومن المؤكد أن هناك اختلافات بارزة في الأسلوب بين مرقص والإنجيلين المتشابهين الآخرين. وإنجيل مرقص، على وجه العموم، كتب بلغة يونانية أقل مستوى من اللغة التي كتب بها الإنجيلان الآخران. على سبيل المثال، تراه كثيراً ما يصف الأحداث بالفعل المضارع التاريخي (يستخدم الفعل الحاضر للحديث عن شيء وقع في الماضي). ومع ذلك نجد أن متى ولوقا يستخدمان دائماً الفعل الماضي، وهذه بالطبع هي الصيغة الأدبية الصحيحة.

وكثيراً ما ثار الجدل بأن هذا الاختلاف يبين أن متى ولوقا كانا يستخدمان إنجيل مرقص – وليس العكس – وهي حقيقة مؤكدة أنه إذا كان مرقص قد اطلع على إنجيلي متى ولوقا لكان يعد أمراً شاذاً للغاية أن يقوم بتغير قواعد النحو الجيدة بأخرى رديئة.

ولكن هذه الحجة تعتمد على افتراض أن الإنجيليين استخدموا مصادرهم بطريقة خرقاء، حيث كانوا ببساطة ينقلون النص كلمة كلمة. غير أنه ليس هناك باحثون كثيرون ممن يتبعون مصدراً بحذافيره بحيث يسمحوا لأسلوبه بأن يعتم على أسلوبهم. وإذا كان مرقص ضعيف الكتابة باليونانية، فإن قواعد لغته المستعملة ستكون رديئة سواء كان ينقل عن مصدر آخر أم لا.

ولسوف نكون على صواب حقاً حين نلاحظ أنه في ثمان حالات سجل فيها مرقص أقوالاً للمسيح باللغة الآرامية، لا نجد لها مثيلاً في لوقا. ولا نجد سوى مثالاً واحداً لها في متى. والاحتمال الأكيد هو أن متى ولوقا حذفا الأقوال الآرامية، إلا أن مرقص تعمد ذكرها.

ç الأفكار واللاهوت: إذا أمكن بيان أن قصة أحد الأناجيل تتضمن فكراً لاهوتياً أكثر تطوراً من قصة أخرى، هنا يبدو من المعقول النظر إليها على أنها أحدث الاثنين. ويبدو هذا اختباراً بسيطاً، غير أنه من السهل تطبيقه من الناحية العملية، فكثيراً ما يكون من الصعب التأكد من أن ما يبدو أنه اختلاف في الوضع يكون بالفعل اختلافاً حقيقياً. وعلى أي حال، من الذي يحدد ما هو “فكر لاهوتي متطور”، وكيف لنا أن نكون واثقين أن هذا لا بد وأن ينتمي إلى وقت لاحق ولا يرجع إلى نظرة “أولية”؟

وحين نتذكر أن فكر بولس المتطور بدرجة عالية، كان موجوداً بالتأكيد في الوقت الذي كانت تتشكل فيه الأناجيل، وهنا يكون بوسعنا أن ندرك أن تحديد مثل هذه الاختلافات، وعلاقة ترتيبها الزمني بعضها ببعض، لا بد وأن يكون أمراً موضوعياً للغاية.

وهناك بالطبع عدد من التأكيدات المختلفة في الأناجيل. إلا أنه من الصعوبة أن نعرف على وجه اليقين ما هي أهميتها من ناحية كتابة الأناجيل. فعلى سبيل المثال، يبدو أن متى ولوقا عدلاً أو حذفاً أقوالاً معينة جاءت في إنجيل مرقص يمكن الاعتقاد أنها تشين يسوع. فقول مرقص الفظ إن المسيح في الناصرة: “لم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة”[16]، جاء في متى على هذا النحو: “ولم يصنع هناك قوات كثيرة”[17]، أما لوقا فقد حذف هذا القول بجملته.

ونفس الشيء يقال عن سؤال المسيح في إنجيل مرقص: “لماذا تدعوني صالحاً”[18]، جاء في متى على النحو التالي: “لماذا تسألني عن الصالح”[19]، بحسب إحدى الترجمات.

وهذه النقاط الخمس ليست جميعها على نفس القدر من الأهمية. فهناك صعبات في تقدير قيمة الاثنتين منها على الأقل. ولكنها إذا أُخذت معاً فإن محصلة الدليل الذي تشكله يمكن تفسيره بسهولة إذا افترضنا أن متى ولوقا استخدما قصة مرقص، إلا أن متى كان الإنجيل الأساسي الذي لخصه مرقص والذي اختار منه لوقا بعض المقتطفات.

مصدران أم أربعة

وما ذكر حتى الآن عن الطريقة التي يمكن أن تكون الأناجيل قد كتبت بها يمكن أخذه على أنه تقريباً الرأي الذي اتفق عليه باحثو العهد الجديد بشكل عام. وعلى الرغم من أنه قد توجد نقاط اختلاف بالنسبة للتفاصيل، إلا أن أغلبية من الخبراء اتفقوا على الخطوط العريضة للحقائق.

وبالإضافة إلى فكرة أن الأناجيل المتشابهة تعتمد بصفة أساسية على مصدرين: إنجيل مرقص والمصدر (Q) فقد قيل إن هذين لم يكونا المصدرين الوحيدين اللذين اعتمدت عليهما أناجيلنا. وكان “ستريتر B. H. Streeter” هو أول دارس بريطاني يقدم الحجج، على أن متى ولوقا استخدم كلاهما إنجيل مرقص، ولكنه ذهب إلى أبعد من ذلك، وقال إنه لكي نفهم كل تفاصيل الأناجيل (المتشابهة) فنحن في حاجة إلى نظرية أكثر دقة، لا تتناول مصدرين فحسب بل أربعة مصادر أساسية.

فإلى جانب إنجيل مرقص والمصدر (Q) حدد مصدرين أطلق عليها الحرفين (M) و(L). والواقع أن هذه المادة هي ببساطة ما تبقى من قصص متى ولوقا بعد استبعاد المادة من مرقص ومادة المصدر (Q). غير أن “ستريتر” قال إن مجموعتي المواد هذه كانت هي نفسها تشكل مصدرين منفصلين ولكن مترابطين منطقياً، ومن أصل مستقل.

مسودة لوقا

يبدأ “ستريتر” ملاحظاته من حقيقة أنه يبدو أن متى ولوقا استعملا إنجيل مرقص بطرق مختلفة، فمتى اتبع بشكل دقيق ترتيب إنجيل مرقص وإطاره العام، مع أنه في ذات الوقت كثيراً ما كان يعيد كتابة المادة الفعلية، وغالباً ما كان يوجز المادة المأخوذة من إنجيل مرقص لإفساح المجال لمزيد من المعلومات الإضافية. كان من شأن ذلك أن إنجيل متى بدا بالأحرى مثل طبعة جديدة ومبكرة من إنجيل مرقص. أما بالنسبة للوقا فكان الأمر مختلفاً. ففي حين أن متى انتفع تقريباً بك المادة الموجودة في إنجيل مرقص، نجد أن إنجيل لوقا لا يحتوي إلا على نص مادة إنجيل مرقص.

والأكثر من هذا أن “ستريتر” اكتشف أنه إذا ما نحينا جانباً كل المادة المأخوذة من مرقص من إنجيل متى نجد أن المادة المتبقية غير مترابطة، وينهار السفر إلى قطع متناثرة. ولكننا إذا فعلنا الشيء نفسه بإنجيل لوقا، فلسوف تبقى لنا قصة معقولة متماسكة ومتواصلة. وهذا ينطبق بصفة خاصة على القصص المتعلقة بموت يسوع وقيامته في إنجيل لوقا، والتي يبدو أنها دعمت بمعلومات من إنجيل مرقص، ولم تتخذ قصة مرقص أساساً لها.

ولذلك يرى “ستريتر” أنه قبل أن يكتب إنجيل مرقص كان لوقا قد كتب مسودة أولى لإنجيله، تقوم على أساس مجموعة الأقوال التي تضمنها المصدر (Q)، والمادة التي أطلق عليها الحرف (L) والتي تعلمها من الكنيسة في قيصرية حيث أقام بها حينما كان بولس في السجن (أع 23: 23 – 27: 2).

وأطلق “ستريتر” على هذه المسودة الأولى للإنجيل “مسودة لوقا Porto-Luke”، وقال إنه حين كان لوقا مقيماً في روما في تاريخ لاحق بعد ذلك بقليل، تعرف على إنجيل مرقص الذي كان قد كتب في السنوات التي تخللت ذلك، وقد ضمن مقتطفات منه في مسودة إنجيله التي كانت موجودة معه بالفعل، والتي أطلقنا عليها “مسودة لوقا”. وفي الوقت ذاته، ربما كان قد أضاف أيضاً المقدمة (لوقا 1: 1-4) وقصص ميلاد المسيح في الأصحاحين الأول والثاني.

وهناك عدد من الحقائق تتناسب تماماً وهذه النظرية. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما يذكر لوقا قصة مختلفة تماماً عن نص القصة الموجودة في إنجيل مرقص. فقصة رفض يسوع في الناصرة تعد مثالاً طيباً لذلك (مرقص 6: 1-6؛ لوقا 4: 16-30). ومن الواضح أن الإنجيلين كليهما يذكران نفس الحدث، غير أن قصة لوقا أكمل بكثير ومن ثم فمن الواضح أنه لا بد وأن يكون قد استخدم مصدراً مختلفاً للمعلومات التي ذكرها.

ثم إن هناك الطريقة التي وضعت بها أقسام صغيرة من قصة مرقص وبنفس ألفاظها تقريباً في وسط مادة أخرى في إنجيل لوقا، وتظهر كما لو أنها وضعت في وقت لاحق تقريباً، ومما يلفت الانتباه أيضاً أن كماً كبيراً من المعلومات التي تضمنها إنجيل مرقص محذوفة بكل بساطة في لوقا.

وينادي “ستريتر” بأنه إذا كان لوقا قد عرف بأمر عمل مرقص حين قام بعمل أول مسودة لإنجيله، لكان قد أضاف إليها المزيد من مادة مرقص. كذلك كثيراً ما لوحظ أن إنجيل لوقا يبدو وكأن له بدايتين. هناك بدايته الحالية (1: 1-4)، ولكن بعد قصص ميلاد يسوع، يبدو أنه يبدأ من جديد في (3: 1) مع تأريخ لوقا بحرص لخدمة يسوع، التي اتبعها بقائمة أسلافه في (3: 23-38). ويوضح “ستريتر” هذه السمة غير الطبيعية بافتراضه أن (3: 1) كان يشكل البداية الأصلية “لمسودة لوقا”، التي استهلها لوقا بعد ذلك بما يعرف الآن بالأصحاحين 1، 2 من إنجيله.

وأهمية نظرية “ستريتر” فيما يتعلق بالطريقة التي كتب بها لوقا إنجيله تكمن في حقيقة أنه إذا كان هناك بالفعل ما يسمى بمسودة لوقا فإنها ستشكل مصدراً مبكراً مستقلاً آخر لمعرفتنا لحياة يسوع وتعليمه. ومع ذلك فإن هذا لم يلق ما يشبه الموافقة الشاملة على الرغم من أن الكتاب المعاصرين قبلوا وجهة النظر هذه بشكل آو بآخر.

ولعل من أضعف النقاط في هذا الاقتراح هو ما افترضه عن طبيعة تقاليد الإنجيل في الكنيسة الأولى. ذلك أن “ستريتر” افترض أننا نتعامل مع عملية أدبية محددة على وجه حسن. وهو يميل إلى النظر إلى الإنجيلين كمحرري صحف، وقد جلسوا وأمامهم عدداً من المصادر المكتوبة يستخرجون منها أجزاء عديدة من الوثائق المختلفة.

وكان هذا يشكل مفهوماً شعبياً في الوقت الذي كتب فيه “ستريتر” اقتراحه (1924)، وكان يطبق على نطاق واسع على دراسة العهدين القديم والجديد، غير أن البحث اللاحق أثبت أن هذا تبسيط مفرط للموضوع، وربما كان لوقا على معرفة بالمادة المأخوذة من مرقص، ولكن ليس من خلال إنجيل مرقص بشكله الحالي.

وهذا أيضاً يشكل نقطة ضعف في اقتراحات أخرى قدمها “ستريتر”، فقد جادل ليس فقط في أنه يمكن تعريف أربعة مصادر تشكل خلفية للأناجيل المتشابهة، بل قال أيضاً إن كل منها قامت بتقديم تقاليد حياة يسوع وتعاليمه، كما حفظت في الأماكن الأربعة الأكثر أهمية في المسيحية الأولى: مرقص كُتب في روما، المصدر (Q) كُتب في أنطاكية، المصدر (M) في أورشليم، والمصدر (L) في قيصرية. ومع ذلك، هناك عدد من الصعاب التي تكتنف هذا الرأي.

افترض “ستريتر” أن المصدرين L وM مصدرين مترابطين منطقياً. ولكن هذا الأمر يصعب التمسك به. فحين أبعدت المادة المرقصة، ومادة المصدر (Q) من إنجيل متى، فما تبقى لم يشكل مجموعة مترابطة بأي شكل كان. ونفس الشيء يقال وبدرجة أقل عن المصدر (L)، والذي هو عبارة عن إنجيل لوقا بعد استبعاد مادة المصدر (Q) والمادة المأخوذة من مرقص.

يبدو أن هذه النظرية تفترض نوعاً من التعاقب الخطي في تطور الأناجيل، والذي بواسطته تقدم التقاليد من أشكال بدائية تقريباً إلى جمع أناجيلنا الأربعة الحالية بتطور أدبي خالص.

إلا أنه أصبح من المعروف الآن وعلى نطاق واسع، أنه ليس بوسعنا أن نتحدث بعد بثقة كبيرة عن هذه النوعية من التطور من قصص بدائية إلى قصص أكثر حنكة.

أضواء جديدة على مشاكل قديمة

ربي والهي – هل آمن توما بلاهوت المسيح حينما قال ربي والهي؟ Trent Horn

كثير من تركيز الدارسين للعهد الجديد الآن ينصب على هجر فكرة التحليل الآلي للأناجيل. ومع أن نظرية المصدرين الخاصة بأصل الإنجيل لا تزال مقبولة على نطاق واسع، إلا أن عدداً من الأسئلة الجديدة بدأ يطرح الآن على الساحة، بعضها قد يكون له تأثير حاسم على فهمنا للطريقة التي تم كتابة العهد الجديد بها.

وبين آونة وأخرى يتواصل طرح الأسئلة حول نظرية المصدرين نفسها، هل كان إنجيل مرقص فعلاً أول ما كتب من الأناجيل؟ وهل من الضروري حقاً افتراض أن المصدر (Q) يمثل مجموعة محددة من أقوال يسوع، أم أنها مجرد مجموعة غير مترابطة من التقاليد التي كانت معروفة لكل من متى ولوقا؟ وبالنظر إلى قوة الدليل لكل من أسبقية المادة المأخوذة من مرقص، والشكل الثابت لمصدر (Q)، فالأمر يتطلب حججاً قوية جداً لدحض وجهة النظر العامة.

والتشابهات اللفظية واللغوية الوثيقة بين الأناجيل المتشابهة الثلاث يبدو أنها تتطلب أن يكون إنجيل مرقص هو الأول، وأن المصدر (Q) له شكل ثابت تقريباً. وإذا تقبلنا الاقتراح القائل أن المصدر (Q) له شكل مماثل لشكل الكتابة النبوية في العهد القديم، إذاً لا بد وأن شكله كان له مادة مكتوبة أيضاً.

والفكرة الأقدم الخاصة بتطور خطى من الشهادة Testimonia وأقوال يسوع Logia والكرازة Kerygma إلى إنجيل تام، أصبحت الآن مصدر تساؤل. وما نعرفه عن الكنائس الأولى يوحي أنها كانت في الغالب مستقلة عن بعضها البعض. ولذلك فإن الكنائس في مختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية، كانت تتطور بحسب قدرتها، ومن المحتمل تماماً أن المسيحيين في المواقع الجغرافية المختلفة لن يكونوا في نفس مرحلة التطور في ذات الوقت.

وهذا معناه أنه ليس واقعياً افتراض أنه في مختلف التقاليد عن يسوع كانت هناك فترة كان كل الاهتمام فيها مركزاً على جمع أقوال يسوع، وأن هذه الفترة اتبعت بعد ذلك بفترة نشاط أدبي مكثف تم كتابة الأناجيل أثناءها. ومن المحتمل أن نمط المعلومات المعروفة عن يسوع الآن في أية كنيسة، كان يختلف بحسب احتياجات كل كنيسة على حدة.

وكان لذلك تأثير هام على موضوع تحديد تاريخ الأناجيل. وإذا كانت هناك ضرورة لافتراض تاريخ طويل للتطور من اللوجيا (أقوال يسوع) إلى الإنجيل، هنا يجب أن نأخذ في الاعتبار وقتاً لهذا عند تحديدنا تواريخ الأناجيل. ولكن إذا كانت أقوال يسوع والإنجيل كلاهما تكون في نفس الوقت، لمواجهة متطلبات الكنائس المختلفة، هنا لا يكون هناك سبب يحول دون نسبة تاريخ الأناجيل سابق إلى حد ما عن التواريخ المعتادة.

وثمة نقطة أخرى أثيرت فيما يتعلق “بالتطور اللاهوتي”، الذي يقول البعض إنه يمكن تتبعه في الأناجيل. ولقد أشار د. جون روبنسون Dr. John Robinson في كتابه “إعادة تحديد تواريخ العهد الجديد” أن الفكر اللاهوتي المصقول لا يشير بالضرورة إلى تاريخ أقدم بأكثر مما يشير إلى ذلك الفكر اللاهوتي البدائي.

وعلى سبيل المثال، فإن إنجيل مرقص بلا شك أقل تعقيداً من إنجيل يوحنا، وكان هذا من بين الأسباب (وليس بالطبع السبب الوحيد) التي تم الاستناد إليها في نسبة تاريخ قديم بصفة عامة إلى إنجيل مرقص، واعتبار يوحنا آخر الأناجيل. ولكن هذا يتطلب بالطبع تقدماً متطوراً مباشراً بالنسبة لكل الأناجيل.

ومع ذلك، فإنه إذا ما كانت الأناجيل المختلفة قد كتبت لخدمة احتياجات كنائس مستقلة وفي أماكن مختلفة، فليس من العسير أن الكنائس ذات الفكر اللاهوتي البدائي لابد وأنها كانت موجودة في ذات الوقت إلى جانب كنائس ذات عقيدة راسخة، وعلى هذا فإن تطور الفكر اللاهوتي، لا يشكل بالضرورة مفهوماً نافعاً للغاية في دراسة الأناجيل المتوافرة لنا الآن.

ولذلك يوجد عدد من الأسئلة الجديدة التي طرحت عن الأناجيل في أيامنا هذه، وهو من نوعية أصعب إلى حد ما عن تلك التي طرحتها الأجيال الأولى. فقد صار من المعترف به على نطاق واسع الآن، بغض النظر عن الجهة التي استقيت منها المعلومات، فإن كل إنجيلي كتب ما هو بالضرورة عمل أصلي، مميز من نواح هامة عن عمل أي من الآخرين، وكثير من اهتمامنا مركز الآن على “ما” كان الإنجيليون يعملون، وليس على معرفة كيف كانوا يعملونه. وهذا سؤال يتطلب إجابة لاهوتية لدعم الاكتشافات الأولى لنقاد الأدب.

نقاد الصيغ

ما أن قبلت نظرية المصدرين على نطاق واسع باعتبارها أكثر التفسيرات احتمالاً بالنسبة “للصناع” المختصين بكتابة الإنجيل، إلا وانهالت سلسلة عريضة من الأسئلة الجديدة، لأن عزل المصادر المختلفة التي كان يستخدمها الإنجيليون في كتابة قصصهم عن حياة يسوع وتعليمه، لم يجب إلا على السؤال: من أين جاءت الأناجيل؟ إلا أنه هناك سؤال آخر: من أين جاءت مصادرهم؟ وماذا كان يحدث للتقاليد التي كانت تتحدث عن يسوع خلال الفترة بين موته وقيامته، وحفظها كتابة في الأناجيل؟

لقد خطرت هذه الأسئلة على فكر بعض الباحثين في ألمانيا حتى قبل أن ينشر “ستريتر” كتابه العظيم عن مصادر الإنجيل.

وفي محاولتهم الإجابة عليها، استخدموا طريقة جديدة لتحليل أسفار الكتاب المقدس وأطلقوا عليها عبارة “تاريخ الصيغ” إلا أنه يشار إليها عادة في اللغة الإنجليزية بعبارة “نقاد الصيغ”. تم تطبيق هذا الأسلوب أولاً على العهد القديم بواسطة هيرمان جونكل Herman Gunked وهو مفكر ألماني، وعلى الرغم من أن بعض باحثي العهد الجديد البارزين كانوا الأسرع في معرفة مناسبته لدراسة الأناجيل. وكان أشهر هؤلاء ك. ل. شميدت K. L. Schmidt، م. ديبليوس M. Dibelus، ر. بولتمان R. Bultmann.

ولقد بدأ هؤلاء من ملاحظة أن الأدب القديم بصفة عامة يتطلب صيغة أدبية معينة، تعتمد على نوعية الكتابة. ولقد تم اختبار هذا المبدأ بطريقة متقنة للغاية في دراسة الكتابات الشعبية التقليدية لشمال أوروبا، التي يمكن تصنيفها إلى قصص خرافية، تاريخ، سير ذاتية، حكم وما إلى ذلك، وذلك بكل بساطة بملاحظة الطريقة التي كتبت بها. وقد افترض نقاد الصيغ أن نفس الشيء ينطبق على العهد الجديد.

فوحدات التقليد التي كون الإنجيليون منها أناجيلهم، كما يقولون، تطلبت صيغاً أدبية معينة للموقت الحياتي التي استخدمت فيها في الكنيسة الأولى. وعلى ذلك فبفحص الصيغة الأدبية لقصة ما، ادعوا أنهم قادرون على اكتشاف الاستخدام الأساسي لها من خدمة تعليم الكنائس الأولى.

وإذا أمكن عمل ذلك بنجاح، فلسوف يشكل ذلك عوناً قيماً لفهمنا للأناجيل. لأنه إذا كان بمقدورنا معرفة شيء عن استخدامات تقاليد الإنجيل في الكنيسة الأولى، نكون في وضع جيد لفهم علاقتها بحياة الكنيسة، من ثم نكتشف معناها الأساسي.

ومع ذلك، فإنه مما يؤسف له أن الذين درسوا الأناجيل بهذه الطريقة أخفقوا في الاتفاق عند نقطة واحدة حاسمة. فلا يوجد اتفاق مقبول على نطاق واسع عن أي الأنماط الأساسية يمكن أن توجد بالفعل في الأناجيل. ولقد ادعى مارتن ديبليوس أنه قادر على تمييز خمسة أشكال مختلفة، كل منها يتناغم مع موقف معين في حياة الكنيسة الأولى. غير أن اثنين فقط من بين هذه الأشكال الخمسة لم يعترف بهما إطلاقاً على نطاق واسع من قبل مفكرين آخرين وهما: الأمثلة والحكايات.

الأمثلة: وقد أطلق عليها فنسنت تايلر Vincent Taylor – وهو أحد نقاد الصيغ الإنجليز – “قصص إعلان”. وهذا التعبير يشير بشكل أدق إلى محتوياتها، لأنها على وجه العموم قصص صغيرة تصل في ذروتها إلى قول رائع قاله المسيح، أو قيل عنه، وطبقاً لما يقوله ديبليوس يرجع أصل هذا الشكل إلى الكنيسة الأولى التي استخدمت فيها مثل هذه القصص كأمثلة وتوضيحات.

وثمة قصة إعلان نمطية نجدها في الحدث الذي قطف فيه يسوع المسيح بعض سنابل القمح يوم السبت، وفسر عمله لليهود بقوله: “السبت إنما جعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت. وابن الإنسان هو رب السبت أيضاً” (مرقص 2: 23-28؛ متى 12: 1-8؛ لوقا 6: 1-5). وقصص من هذا القبيل كثيراً ما كانت تقال في الوعظ قبل أن تكتب في الأناجيل بوقت طويل. ونقاد الصيغ يميزون بشكل عام بين سمتين رئيسيتين في مثل هذه القصص:

ç دائماً تختتم بقول رائع للمسيح، وطبقاً لما يقوله البعض، كان هذا يعد وسيلة مفضلة لدى وعاظ الكنيسة الأولى. وفي حين أن الواعظ الحديث يبدأ عادة بالنص الذي اختاره، وربما احتفظ الرسل بنصهم إلى النهاية كي يستخدموه كذروة طبيعية لما حدث قبلاً.

ç وهذه قصص تحتوي على معلومات وصفية قليلة جداً، مجرد حقيقة بسيطة إلى أقل قدر ممكن لتهيئة الوضع للعنصر البالغ الأهمية وهو قول يسوع المسيح. وحين تقال أية قصة شفاهة فهناك أمران يمكن أن يحدثا لها. إما أنها تبلى من كثرة التكرار حتى إنه لا يتبقى منها إلا أكثر الحقائق ضرورة، ويعبر عنها بطريقة موجزة ورائعة. وإما أن يتم توضيحها أثناء سردها، وذلك حيث يضاف إليها المزيد من التفاصيل حتى تكتسب المزيد من الواقعية والإثارة. وطبقاً لما يقوله معظم نقاد الصيغ، فقد بقيت القصص المتضمنة إعلانات ولم يتبق منها إلا الضروريات عوض أن توضع أثناء تسلمها.

الحكايات: أطلق عليها تايلور Taylor قصص المعجزات، على الرغم من أنها لم تكن جميعاً مهتمة بالمعجزات. وكما يقول ديبليوس فإن الملح المميز لهذه القصص أنها توضحت ولم تبل أثناء تداولها. والواقع إنه يقول إن هذه القصص ربما وضعت في صياغتها الحالية بواسطة شخص من نوعية معينة في الكنيسة الأولى “راوي القصة” والذي كانت وظيفته صياغة قصص عن يسوع المسيح على نفس نمط قصص آلهة اليونان. وكانت قصصاً قصد بها أن تربح متجددين في الإيمان المسيحي بتوضيحها أن المسيح أسمى من الآلهة الأخرى.

ولا يوجد بالطبع أي شيء في العهد الجديد يشير إلى أمثال هذا الشخص. ومما يلفت النظر بوجه خاص أن بولس الذي ذكر أكثر من قائمة بأسماء أناس لهم وظائف خاصة في الكنيسة، لم يذكر إطلاقاً رواة قصص (1كو 12: 1-11؛ 28-30؛ رو 12: 6-8؛ أف 4: 11).

وربما تكون التفصيلات الرائعة في هذه القصص مأخوذة من مصدر مختلف تماماً. ولعلها كانت رواية شهود عيان، كانوا يتذكرون في الواقع تفاصيل كل الأحداث التي كانوا يصفونها، وبالنظر إلى حقيقة أن الأناجيل نفسها لم تكتب إلى بعد مرور ما لا يقل عن جيل على الأحداث التي تصفها، فمن الصعوبة تصديق أي رواة قصص محترفين أمكنهم بكل سهولة أن يخترعوا تفاصيل خيالية في الوقت الذي كان فيه كثيرون من شهود العيان الذين عاصروا يسوع المسيح ما زالوا على قيد الحياة.

ولقد عين ديبليوس ثلاث صيغ أخرى للقصة في الأناجيل، غير أن باحثين كثيرين لم يقبلوا رأيه بشأن هذه النقطة. وهذه الصيغ هي:

الخرافات: يشبهها ديبليوس بالقصص التي كثيراً ما ترتبط بقديسي العصور الوسطى. وعرفها بأنها “قصص دينية عن قديس تم الاهتمام بأعماله ومصيره”… والغرض منها تقديم أساس لتكريم القديس. ولا يحتاج الأمر اختلاق هذه القصص، على الرغم من أن ديبليوس يقول إنها تختلق في معظم الأحيان، ووظيفتها تمجيد الشخص الذي بصفة لا أن تقدم أية معلومات حقيقية عنه.

الأساطير: وهو الاسم الذي خلعه ديبليوس على أية قصص تتضمن شخصيات أو أحداث خرافية. وقصص العماد والتجربة والتجلي تنخرط تحت هذه النوعية.

النصائح التحذيرية: كانت بالضرورة التعليم الذي تضمنته الأناجيل، وكانت تستخدم لتعليم المتجددين في الكنيسة الأولى، وتابع آخرون دراسة قصص الأناجيل بعد العمل الرائد الذي قام ديبليوس، وليس من شك في أن هذا ألقى بعض الضوء على أصل الأناجيل. فهناك عدد من الأفكار الرائعة التي نسلم بها الآن جاءت كنتيجة مباشرة لعمل نقاد الصيغ.

ç وبمقدورنا أن ندرك الآن أنه لم يقصد بالأناجيل أن تكون سيراً ذاتية للمسيح. بل هي رواية منتقاة من أجزاء معينة من حياته وتعليمه حفظت لنفعها لخدمة الكنائس الأولى.

ç وبسبب هذا، أصبح من المعروف الآن أن تفاسير الأناجيل مرتبطة بشكل وثيق بالمفهوم الكلي للكنيسة الأولى. ولكن لنفهم علاقة الأناجيل ومعناها، ترانا في حاجة إلى فهم الأشخاص الذين كتبوها.

ç وهذه العملية أدت بدورها إلى فهم إيجابي مؤقت لما كان يدور في الفترة السابقة على كتابة أي من وثائق العهد الجديد، حيث كان تعليم يسوع المسيح يفسر ويطبق على مواقف جديدة في حياة أتباعه.

ولا شك أن هذه الأفكار لها قيمتها، ولا يجب التقليل من أهميتها – ولا سيما الرأي الأول، والذي أثر بشكل جذري في أسلوب تناولنا للأناجيل من جميع نواحيه. ومع ذلك يوجد عدد من النقاط كان عمل نقاد الصيغ بالنسبة لها أقل فائدة. وهناك ثلاثة انتقادات رئيسية يمكن توجيهها لعملهم. ولا سيما في الفترة المبكرة.

الصيغة والمحتوى: الكثير من تصنيفات ديبليوس كانت تعتمد في الواقع، ليس على الصيغة الأدبية، بل على المحتوى. فعلى سبيل المثال، لا يوجد سبب أساسي لوصع القصص التي تتضمن شخصيات خارقة في نوعية مختلفة عن القصص الأخرى. وإذ كانوا يضعون مثل هذه النوعية من التفريق كان نقاد الصيغ متأثرين بافتراضاتهم المسبقة القائمة على مذهبهم العقلاني.

وكما سبق أن ذكرنا، فإن اثنتين فقط من صيغ ديبليوس تم الاعتراف بهما، بل وأن بعض الباحثين شككوا فيما إذا كانت هاتين الصيغتين واضحتين على هذا النحو. هناك أمثلة عديدة لا نجد فيها فرقاً واضحاً بين الأمثال والحكايات وكثير من مادة الإنجيل يصعب تصنيفها. وحين يكون الاتفاق ضئيلاً بالنسبة لماهية الصيغ بالفعل، لا يمكن أن تتوافر لدينا ثقة كبيرة في التراكيب التي قامت عليها.

التقليد والإنجيل:

هناك مشكلة أساسية أخرى، وهي أن نقد الصياغة أقيم على افتراض أن تطور كتابة العهد الجديد يماثل تطور الفولكلور في شمالي أوربا. غير أنه توجد اختلافات هامة بين الاثنين. ولقد رأت الكنيسة الأولى أن مهمتها الرئيسية هي الكرازة بالأخبار السارة عن يسوع المسيح، وليس تسليم قصص تقليدية. فقد كانوا مهتمين بالحاضر بأكثر من اهتمامهم بالماضي.

وفيما يتعلق بموضوع اهتمامهم بالماضي، فقد كان ذلك ينصب على الماضي القريب، وليس – كما في حالة التقاليد الأوروبية – بالماضي السحيق الذي تم نسيانه منذ أمد طويل. ومعرفة الكنيسة بيسوع لم تأت من قصص تقليدية كانت تسلم من جيل إلى جيل، بل من التجربة المباشرة لبعض أعضائها، وهذا معناه أن المجال الفعلي لتطور التقاليد إلى صيغ معيارية لا بد وأنه كان في الحقيقة محدوداً للغاية.

الصيغ والحقائق:

كثيرون من نقاد الصيغ لم يكتفوا بإبداء ملاحظاتهم على الصيغة الأدبية للأناجيل، بل نزعوا إلى إصدار أحكام تاريخية على محتوياتها، على أساس نقد الصيغ. إذ يشير أرنست كيزمان Ernst Kasemann إلى نقاد الصيغ الأولي فقد كتب يقول إن عملهم الأساسي “كان يستهدف بيان أن رسالة يسوع المسيح كما قدمتها الأناجيل المتشابهة، ليست أصلية في معظم أجزائها بل غلب عليها إيمان المجتمع المسيحي البدائي في مراحله المختلفة.

وهذا الهدف واضح حتى من الأسماء التي أطلقها ديبليوس على بعض الصيغ التي اكتشفها كانت عبارتي “أسطورة” و”خرافة” من الكلمات التي تحمل معان كثيرة – بل أنه حتى في مناقشته ما أسماه “بالحكايات”، تكاد تكون بديهة أساسية عنده أنه بالنظر إلى وجود تشابهات أدبية بالقصص التي قيلت عن آلهة الوثنيين، هي الأصل الأساسي للقصص التي ذكرت على يسوع المسيح.

ولكن نقدين هامين يمكن توجيههما لهذا الإجراء:

ç الدليل المستمد من “صيغة أدبية ليس له قيمة على الإطلاق في صياغة الأحكام التاريخية. وهذا يصبح واضحاً تماماً إذا ما أخذنا مثالاً ما. فنحن في أيامنا هذه لا نفرق بوجه عام بين أنماط مختلفة للقصة بإعطائها صيغاً أدبية خاصة.

وقد عرض بروس F. F. Bruce مثالاً نافعاً بالمكان الوحيد الذي ما يزال القصة صيغة معينة. وهذا يكون في ساحة القضاء. فحين يدلي شرطي بشهادته في المحكمة، فهو لا يدلي بقصة أدبية بليغة عما رآه، بل نراه يلتزم وبشكل وثيق بقدر الإمكان بصيغة محددة – حتى إنه، بغض النظر عن التغيرات الخاصة بتفاصيل مختلفة – فإن وصف حادثة وقعت في الطريق سيبدو على وجه التقريب – كوصف أي حادثة أخرى – والأمل هو أنه باستخدام صيغة قالب Stereotyped، فإن أهم الحقائق يمكن إنجازها على نحو دقيق وبقدر الإمكان.

وما من عاقل يعتقد بأنه نظراً لأن الشرطي يصف حادثين بلغة متطابقة، فإنه كان يدلي بقصة مختلفة لحدث واحد فقط، ناهيك عن القول بأن أي منهما لم يحدث في الواقع، وأن الأقوال مختلفة من صيغة قانونية مألوفة. وسواء كان الحدث قد وقع أم لا، فإن هذا يعتمد على محك من نوعية مختلفة تماماً. ونفس الشيء ينطبق على الأناجيل. فليس بوسعنا أن نصدر ببساطة حكماً عن مصداقيتها التاريخية على أساس صياغتها الأدبية.

هناك أيضاً عدد من الأسباب القوية تدعو للشك في أن الكنيسة الأولى اختلقت قصصاً عن يسوع، كما زعم بعض نقاد الصيغ:

أولاً: هناك موضوع شهود العيان. وكثيرون منهم لا بد وأنهم كانوا على قيد الحياة في الوقت الذي كتبت فيه الأناجيل، والذين كانوا قد عارضوا كل الأحداث المختلفة والتي نسبت إلى حياة يسوع، ثانياً: ثمة افتراض أساسي لديبليوس وبولتمان هو أن الكنيسة الأولى لم تبذل أي جهد للتمييز بين تعليمها وتعليم يسوع المسيح. وعلى أي حال، هم يجادلون، بأن روح يسوع كان عاملاً في الكنيسة، وما قاله الرسل باسمه كان يعد شيء قاله يسوع المسيح أثناء خدمته.

ولكن هذا الاستدلال لا يدعمه العهد الجديد نفسه. لأن هناك أمثلة كثيرة أظهر كتابها أنهم ميزوا بالفعل بين تعليمهم وتعليم يسوع المسيح. وأبرز مثال على هذا نجده في (1كو 7)، حيث خرج بولس عن طريقه ليميز بين آرائه وكلمات يسوع. لكنه حتى في الأناجيل نفسها نجد أمثلة حيث التعليقات التحريرية للإنجيلين قد توضحت تماماً عن تعليم يسوع المسيح (مر 7: 19).

ثانياً: ثمة حقيقة أخرى تشير إلى نفس الاتجاه وهو الفرق بين الأناجيل وبقية العهد الجديد. فعلى سبيل المثال، دعي يسوع المسيح “ابن الإنسان” في الأناجيل، مع استثناء واحد وهو أن هذا اللقب وجد في موضوع آخر في العهد الجديد. وفضلاً عن ذلك فالموضوعات التي تناولتها الأناجيل ليست هي نفس الموضوعات التي أزعجت كتبة الرسائل. لنأخذ على سبيل المثال موضوع العلاقة بين اليهود وغير اليهود.

كانت هذه مسألة ملحة في الكنيسة الأولى، ولكن الأناجيل لم تتعرض لها في أي موضوع منها. وهذه الحقائق تشير إلى أن الكنيسة لم تشعر أنه لها الحرية إطلاقاً أن تضع أفكارها وتنسبها إلى يسوع المسيح، بل كانت إلى حد كبير تهتم بحفظ التقاليد التي تسلمتها من فترة سابقة.

هناك نقاد صيغ أكثر حداثة تعرفوا على هذه المشاكل في عمل أسلافهم وأصبحوا الآن لا يهتمون بالموضوعات الأدبية الشكلية. وموضوع مصداقية الأناجيل يفصل الآن فصلاً تاماً وبشكل تدريجي عن نقاد الصيغ. وبعد ذلك جاء تطور آخر هو من بعض النواحي يعد وريثاً لنقد الصيغ السابق. وهذا هو النظام الذي عرف باسم “نقاد التنقيح”.

ومع معرفتنا أن تاريخ الأناجيل لا يشبه تماماً تاريخ الفولكلور الأوروبي، أصبح من الواضح، أن أفضل سؤال نافع يمكن طرحه عن الأناجيل يجب أن يركز على كيفية استعمال الإنجيليين للمواد التي في مصادرهم. ما الذي كان يفعله هؤلاء الناس فيما كانوا يكتبون أناجيلهم؟

ولماذا احتاجوا أن يكتبوا أربعة أناجيل بدلاً من أن يكتبوا إنجيلاً واحداً متفقاً عليه؟ وما هي الظروف الخاصة التي سادت كنائسهم والتي حملتهم على الكتابة بهذه الطرق المعينة التي اتبعوها؟ هذه هي الأسئلة التي يحاول نقاد التنقيح الإجابة عليها. وهذا تطور حديث نسبياً في دراسة الأناجيل، ولا توجد على أية حال أية نتائج متفق عليها بعد. إلا أن كثيراً من توجهاته سيكون لها قيمة في الفصل التالي، وهو اكتشاف معنى وجود أناجيل مختلفة وأهمية ذلك.

 

 

[1] مرقص 1: 1.

[2] أعمال 12: 25 – 13: 13؛ 15: 36-40.

[3] كولوسي 4: 10.

[4] 2تيموثاوس 4: 11.

[5] لوقا 1: 4.

[6] 1كورنثوس 7: 10-11.

[7] مرقص 9: 49-50.

[8] متى 5-7.

[9] متى 3: 13 – 4: 11.

[10] لوقا 3: 21-22، 4: 1-13.

[11] متى 8: 5-13.

[12] لوقا 7: 1-10.

[13] مرقص 3: 13-19.

[14] متى 10: 1-4.

[15] لوقا 6: 12-16.

[16] مرقص 6: 5.

[17] متى 11: 58.

[18] مرقص 10: 18.

[19] متى 19: 17.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

ميلاد المسيح والسنوات الأولى من حياته – جون ديرين

ميلاد المسيح والسنوات الأولى من حياته – جون ديرين

ميلاد المسيح والسنوات الأولى من حياته – جون ديرين

ميلاد المسيح والسنوات الأولى من حياته – جون ديرين

 

نعرف من القصص التي تتناول كيفية ولادة يسوع أن الناس العاديين، وليس الخبراء في النواحي الدينية هم الذين كانوا أول من عرفوا المخلص الذي وعد به الله حين ولد[1]. ويرسم لنا الإصحاح الأول من إنجيل لوقا صورة حية رائعة عن زكريا الكاهن، الذي لم يكن يعرفه إلا القليلون وزوجته أليصابات اللذين كانا ينتظران أن يخلص الله شعبه[2]، وقد كوفئا على يقظتهما بالإعلان عن ميلاد ابنهما الذي يعرف باسم “يوحنا المعمدان”. وكانت مريم أم يسوع تنتمي إلى نفس هذه العائلة. ومن ترنيمة الشكر الرائعة التي نطقت بها مريم، المعروفة باسم “تسبحة مريم”، يمكننا أن نلمس كيف كان هؤلاء الناس ينتظرون بشغف أن يعمل الله في حياتهم. لقد تهللت مريم وأصدقاؤها لأن الله سيعمل بطريقة جديدة وقوية.

تم التأكيد على نفس هذه الموضوعات من خلال جميع القصص المعروفة التي تتناول هذا العيد الأول لميلاد المسيح[3]. وكان أول من سمع الأخبار السارة بأن مواعيد الله قد تحققت بميلاد يسوع[4]، هم بعض الرعاة في بادية اليهودية، ثم سمعان وحنة في الهيكل. ولم تكن لأي من هؤلاء الناس أهمية في العالم على إطلاقه. والقصص التي عرض لها الأصحاح الأول من إنجيل لوقا تؤكد أن كبار الموظفين – سواء السياسيين أو الدينيين – لم تكن لهم بصيرة ليعرفوا بها يسوع. ولقد تكرر هذا الدرس طوال قصة حياة يسوع، حيث أصبح واضحاً أنه لكي تتوافر لك معرفة حقيقية عن أعمال الله في المسيح، فإنه حتى أعظم الناس عليهم أن يصيروا مثل الأطفال الصغار[5].

متى وُلد المسيح؟

ليس بالموضوع السهل بحسب ما يبدو لنا أن نحدد التاريخ الذي ولد فيه يسوع على نحو من الدقة. والشيء الواضح الذي يمكن افتراضه هو أن يسوع ولد بين سنة 1ق.م وسنة 1م. هذا الافتراض الذي أُخذ به لفترة طويلة غير صحيح، وذلك نتيجة أخطاء وقعت منذ فترة طويلة مضت تعود إلى القرن السادس في حساب مدى الحقبة المسيحية. وهناك أربعة أدلة يجب مناقشتها:

ç طبقاً لما ذكره متى، فقد ولد يسوع: “في بيت لحم اليهودية أيام هيرودس الملك” (متى 2: 1)، أي قبل موت هيرودس الكبير عام 4 ق.م.

ç اهتم لوقا بالأكثر بوضع قصته في الإطار الأوسع لشؤون الإمبراطورية الرومانية، وهو يقول بأن يسوع ولد أثناء “الاكتتاب الأول” إذ كان كيرينيوس والياً على سوريا (لوقا 2: 2). أما يوسيفوس فيذكر لنا أن رجلاً يدعى كيرينيوس أرسل بالفعل إلى سوريا واليهودية لعمل اكتتاب في مستهل الحقبة المسيحية. ولكن هذا الاكتتاب كان جزءًا من عملية التغيير التي جرت عقب خلع أرخيلاوس، وهو ابن هيردوس الكبير. ولا بد وأن ذلك كان في سنة 6 أو 7م، ولا يمكن أن يكون قبل موت هيرودس الكبير سنة 4ق.م.

ونتيجة لهذا قال البعض إن الرجل الذي ذكره لوقا باسم كيرينيوس، لم يكن في الواقع سوى ساترنينوس النائب الإمبراطوري في سوريا، الذي عمل اكتتاب سنة 6ق.م. ومع ذلك، لا يتوافر لنا دليل على الإطلاق يبين كيف خلط لوقا بين هذين الرجلين. ولا سيما أنه في بقية إنجيله، وفي كتابه الثاني “سفر أعمال الرسل” كان حريصاَ للغاية، وكان دقيقاً جداً في استخدامه أسماء الموظفين الرومانيين وألقابهم. وعلى أية حال، ليس لدينا دليل على الإطلاق يؤكد بصفة قاطعة أن المدعو ساترنينوس قام فعلاً بعمل اكتتاب.

ç ثم أن لوقا، وفي الوقت ذاته، يذكر بيانات أخرى عن تاريخ الأحداث الهامة في حياة يسوع. فهو يذكر لنا – على سبيل المثال – أن يسوع كان قد بلغ الثلاثين من عمره تقريباً حين تعمد. وأن ذلك كان في “السنة الخامسة عشرة من سلطنة طيباريوس قيصر” (لوقا 3: 1).

وقد أصبح طيباريوس حاكماً للإمبراطورية الرومانية سنة 14م، على ذلك فإن السنة الخامسة عشرة من حكمه ستقع عام 28م. ولكن الحقيقة هي أن طيباريوس شارك سابقه أوغسطس الحكم ابتداء من سنة 11م تقريباً، ولذلك فإنه على الرغم من أنه لم يصبح إمبراطوراً إلا بعد موت أوغسطس سنة 14م إلا أنه كان في الحكم طوال السنوات الثلاث السابقة. ومن المحتمل أن لوقا قام بحساب السنة الخامسة عشرة من حكم طيباريوس بداية من سنة 11م، وهذا يعني أن يسوع يكون قد بلغ الثلاثين من عمرة سنة 25-26م. ويعنى أيضاً أنه لا بد وأن يكون قد ولد سنة 5 أو 4 ق.م.، وهكذا يكون قد ولد قبل موت هيرودس الكبير.

ç حاول البعض أن يكونوا أكثر تحديداً بأخذهم في الحسبان أنه كانت هناك حالة اقتران بين الأجرام حوالي سنة 6ق.م، وأن هذا الحدث الفلكي قد يفسر لنا النجم اللامع الذي ذكر في إنجيل متى. إلا أن هذه النوعية من الحجج تتطلب خيالاً واسعاً لتكون مقنعة.

ومن هذا بمقدورنا أن نرى أن هناك دليلين يشيران إلى أن تاريخ ميلاد يسوع يقع حوالي عام 4ق.م.

وهناك معلومة أخرى ذكرها لوقا بخصوص الاكتتاب الذي تم على عهد كيرينيوس يبدو أنها لا تتفق مع هذا التاريخ. وهناك ثلاثة تفسيرات محتملة لهذه المشكلة:

 ç لقد أُسيء فهم لوقا. وهناك عدد من الباحثين قالوا بأن المشكلة على النحو الذي عرضناها به ليس لها وجود. وهم يقولون إنه من الممكن، وعلى أساس عوامل لغوية أن يتم ترجمة (لو 2: 2) على النحو التالي: “هوذا الاكتتاب كان قبل ذاك الذي جرى، إذ كان كيرينيوس والي سوريا”، وذلك بدلاً من الترجمة الحالية: “وهذا الاكتتاب الأول جرى إذ كان كيرينيوس والي سوريا”. ومن المؤكد أن فهم هذه العبارة على هذا النحو أمر ممكن، على الرغم من أن ذلك ليس بأية حال المعنى الواضح لهذه العبارة، والأمر يتطلب تعديلاً في النص. ولقد أيده بعض مفسري العهد الجديد المرموقين، وظلوا يأخذون به، ولكن تفسير الموضوع بهذا الشكل لم يلق إجماعاً.

ç ارتكب لوقا خطأ. ومعظم الباحثين في الواقع يميلون إلى رفض المعلومة الواردة في لوقا 2: 3 على اعتبار أنها خاطئة. وهذا أسلوب سهل للتهرب من المشكلة.

غير أن ذلك لا يحل أيضاً بعض الصعوبات. لقد سبق أن ذكرنا أنه في مواضع أخرى من الإنجيل، وسفر الأعمال حيث كان لوقا يهتم بالأشخاص والأحداث المتعلقة بالإمبراطورية الرومانية، أظهر أنه مؤرخ جدير تماماً بالثقة. ولذلك فإنه ليس من المحتمل والحال هذه أن يكون قد ذكر هذه الإشارة الواضحة ما لم تكن لديه مبررات قوية يستند إليها في ذلك. كما رأينا أيضاً أن ما ذكره عن التاريخ الذي تعمد فيه يسوع بمعرفة يوحنا يتناغم مع القول بأن يسوع ولد إبان حكم هيرودس الكبير، وهذا ما يقرب من عشر سنوات قبل حكم كيرينيوس الذي ذكره يوسيفوس.

ومن المؤكد أنه من غير المحتمل بالنسبة لأي مؤرخ ذكي بأن يدلي بقولين متعارضين في فترة زمنية قصيرة في قصته. وإذا افترضنا أن لوقا استخدم مصادره بعناية وكتب بحسن تمييز وفكر ثاقب، فلسوف تظهر عدة صعاب إذا ما قلنا ببساطة أنه كان مخطئاً بالنسبة للاكتتاب الذي تم على يد كيرينيوس.

ç لوقا لم يسرد القصة بكاملها. ويمكننا أن نجد تفسيراً أفضل إلى حد ما إذا ما تأملنا حقائق الحياة العملية في الإمبراطورية الرومانية. فحكم اليهودية الذي كان يجري من روما سنة 7م، لم يكن على الحال الذي قد نجده عليه الآن. ذلك أننا في أيامنا هذه تتوافر لنا وسائل اتصالات فورية بين أجزاء العالم المختلفة. فهيئة الأمم المتحدة في نيويورك بوسعها اتخاذ قرار يتعلق ببلد في الجانب الآخر من العالم، ويمكن لقرارها أن يسلم في غضون دقائق معدودات.

إلا أن الأمور كانت تختلف عن ذلك في روما القديمة. فحتى في الظروف المثالية، فقد يستغرق الأمر شهوراً لوصول مرسوم وقعه الإمبراطور في روما لكي يسلم إلى مقاطعة نائية مثل اليهودية – وكان هناك دائماً احتمالات غرق السفينة التي تحمل الرسول، فتتأخر أوامر الإمبراطور فترة أطول أو تفقد تماماً – وفي فترة لاحقة – على سبيل المثال أرسل الإمبراطور كاليجولا أوامر بأنه يجب وضع تمثاله في الهيكل في أورشليم. وكان الحاكم المحلي أكثر حكمة من الإمبراطور، وأدرك أن هذا الأمر ستنشأ عنه مقاومة شديدة من اليهود. وعلى ذلك كتب إلى الإمبراطور يطلب منه إعادة التفكير في هذا الأمر.

لكن كاليجولا أصر على تنفيذ خطته، وكتب إلى الحاكم يخبره بذلك، ولقد استغرقت السفينة التي تحمل الرسول الذي أرسله ثلاثة أشهر في رحلتها من روما إلى اليهودية. غير أنه في أثناء ذلك اغتيل كاليجولا، ووصلت السفينة الأخرى التي غادرت روما بعد ذلك بكثير والتي كانت تحمل أخبار موته ونهاية سياساته، قبل السفينة الأولى بسبعة وعشرين يوماً.

وحين نفكر في التفصيلات العملية المتعلقة بإجراء الاكتتاب في إمبراطورية ما، في ظر مشاكل الاتصالات ووضع الحكومة، فإنه يكون بمقدورنا أن ندرك أن الصعوبة بشأن التاريخ الدقيق لاكتتاب كيرينيوس ليس بالضخامة التي نتصورها، وذلك إذا ما نظرنا إليها في إطار حديث فحسب. وهناك حقيقة معروفة تماماً أن الاكتتابات الرومانية (التي تجري لغرض الضرائب) كثيراً ما كانت تلقى مقاومة في أنحاء عديدة من الإمبراطورية. واكتتاب مثل هذا جرى في بلاد الغال (فرنسا) على سبيل المثال، لقى مقاومة عنيدة من الشعب حتى أنه استغرق أربعين سنة قبل أن يكتمل.

أضف إلى ذلك المشاكل المتعلقة بالاكتتاب، ومن الواضح أن اكتتاباً استكمله كيرينيوس سنة 6 أو 7م، لا بد وأنه قام على أساس معلومات جمعت قبل ذلك بكثير. وكان الإمبراطور أوغسطس ذكياً في جمع الإحصاءات، وربما كان قد اقنع هيرودس الكبير بإجراء اكتتاب.

ولقد أُرسل كيرينيوس سنة 6م كي يزيل الفوضى التي خلفها أرخيلاوس، ومن المحتمل جداً أنه استعمل معلومات جمعت في وقت سابق عوضاً عن أن يشرع في القيام بهذه العملية المملة من جديد. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا يكون هناك مبرر حقيقي لافتراض أن معلومات لوقا عن الاكتتاب تتعارض بالضرورة مع بقية الدليل الذي يشير إلى أن يسوع ولد سنة 5 ق.م. تقريباً. وعلى أية حال، فإن لوقا كان مهتماً بذكر ميلاد يسوع أكثر من تفسير تعقيدات السياسات اليهودية المحيطة بهذا الموضوع.

يسوع ينمو:

قليل جداً هو الذي نعرفه عن حياة يسوع كطفل. ومن المفترض أن بيته كان من النمط ذي السقف المسطح، والذي يتكون من حجرة واحدة، والمبني من الطين وهو النموذج الذي كان سائداً في ذلك الحين. ولعل يوسف كان يمارس عمله ويساعده يسوع، في هذا البيت. وربما كانا يعملان أدوات زراعية أو أثاثات، أو لعلهما كانا يعملان في مشروعات البناء. فكل قرية صغيرة في حجم الناصرة، لا بد وأن يكون لديها النجار الخاص بها، والذي ربما كان من نوعية الرجل الذي يقوم بأعمال مختلفة فضلاً عن كونه عاملاً بارعاً في أعمال النجارة. والصورة التي نشاهدها أحياناً ليسوع وهو طفل يقوم بحمل النير الخفيف الذي يوضع على ظهور الثيران من المؤكد أنها لا تمثل كل ما كان يعمله، وبمقدورنا أن نكون متأكدين من أنه كان يعمل بتحصيص الجدران فضلاً عن عمله بالتجارة.

ومع ذلك، وعلى الرغم من البساطة النسبية لحياته في بيته، إلا أنه لا بد وأن يسوع تلقى تعليماً طيباً. فقد اعتبروه شخصاً مناسباً ليقرأ العهد القديم باللغة العبرية في المجمع الذي في الناصرة، وليس كل شخص في سنه يستطيع قراءة اللغة العبرية، وحتى وإن كان بمقدوره التكلم بهذه اللغة[6]. وكانت العادة أن يتكلم الأولاد اليهود في المجمع المحلي، ولا بد أن يسوع كان واحداً من أكثر التلاميذ ذكاءً في فصله.

والناصرة ذاتها، لا بد وأنها كانت بصفة خاصة مكاناً محفزاً لصبي ذكي لأن ينمو فيها. وحقيقة أنها لم تكن لها أهمية كبيرة، ولم يذكر إطلاقاً في بقية الكتاب المقدس، أو في أية كتابات أخرى معاصرة، فلعل ذلك سببه أن اليهود المتزمتين للغاية شعروا أن أهل الجليل – والتي كان الناصرة جزءًا منها – كانت لهم اتصالات كثيرة جداً مع شعوب غير يهودية. والجليل نفسها كانت تسمى “جليل الأمم” لأن غير اليهود بها كانوا يفوقون اليهود عدداً.

والشعب الموجود في مقاطعة اليهودية الجنوبية – كانوا على النقيض من ذلك – معزولين عن الجميع فيما خلا مجتمعهم، وبذلك أصبحوا انطوائيين، أنانيين، مرائين، يتفاخرون ببرهم الذاتي. لكن الجليل كانت على العكس من ذلك تماماً – فالطرق الكبيرة التي كان يسلكها التجار الآتين من الشرق، والجنود الرومانيون الآتين من الغرب كانت تمر عبر الجليل. وفي الناصرة أتيح ليسوع أن يتقابل ويختلط مع أناس كثيرين من غير اليهود، وليس من شك في أنه أمضى الكثير من وقته يفكر ويتحدث عن أفكار اليونانيين والرومان، وكذلك التراث الديني الخاص بشعبه.

ومن بين الميزات الخاصة لنشأته في الجليل، هي أن يسوع سيكون بمقدوره أن يتكلم ثلاث لغات. وسبق أن لاحظنا أنه كان يستطيع أن يتكلم العبرية ويقرأها. ولكن العبرية لم تعد بعد اللغة العادية للشعب اليهودي. ولعدة قرون قبل زمانه استخدم اليهود لغة أخرى مشابهة للعبرية، وهي اللغة الآرامية. وهذه هي اللغة التي كان يسوع يتكلم بها في بيته ومع أصدقائه. وبالنظر إلى أنه كان هناك كثيرون من غير اليهود في الجليل، فلربما كان يتكلم اليونانية أيضاً، لأنها كانت اللغة العالمية المستخدمة في كل مكان من الإمبراطورية الرومانية.

وبغض النظر عما يمكننا أن نستدل عليه من معرفتنا بنوعية المجتمع الذي تربى فيه يسوع، فإن العهد الجديد لا يقول لنا في الواقع شيئاً عن حياته قبل أن يبلغ الثلاثين من عمره. ولقد اعتقد الكتاب المسيحيون في القرن الثاني أن هناك خطأ ما، وأمراً غير طبيعي بالنسبة لهذا الموضوع ولم يدخروا وسعاً في تعويض ما اعتقدوا أنه نقص في العهد الجديد. ولدينا عدد من القصص التي تتناول طفولة يسوع، لها عناوين مثل: “إنجيل مولد مريم، تاريخ يوسف النجار، أو إنجيل الطفولة لتوما”، وليس من حاجة لأن نأخذ بجدية أياً من هذه القصص التي تعرض لطفولة يسوع والتي نجدها في هذه الأناجيل المزعومة.

فكلها من نوعية الأساطير التي كثيراً ما تنسج حول الشخص المهم بعد أن يموت أولئك الذين يعرفونه بالفعل. غير أنه توجد بعض الكتابات التي صدرت في القرن الثاني، والتي عادة ما يطلق عليها “أناجيل الأبوكريفا”، ربما تتضمن أقوالاً حقيقية ليسوع. وكتابات مثل “إنجيل توما”، و”إنجيل فيلبس”. وهذه الكتب عرضنا لها بشيء من التفصيل في الباب الثالث.

ويصف لوقا طفولة المسيح ببساطة شديدة بقوله إنه كان “ينمو ويتقوى”(لوقا 2: 40)، مثل أي صبي آخر. ولكنه يستطرد ويضيف أن يسوع كان “ممتلئاً حكمة وكانت نعمة الله عليه” (لوقا 2: 41-52). ثم يذكر قصة واحدة كتوضيح لما قصده.

والقصة تعرفنا كيف أن يسوع فقد في أورشليم حين كان في الثانية عشرة من عمره. وكان قد ذهب إلى هناك في رحلة دينية مع مريم ويوسف، وذلك للاشتراك في أحد الأعياد اليهودية الكبرى. وحين وجده أبواه أخيراً في الهيكل سألهما: “ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون فيما لأبي؟”. فحتى وهو في هذه السن، كان يسوع ينمو ليس من الناحيتين البدنية والذهنية فحسب، بل من الناحية الروحية أيضاً. وكان له إحساس غير عادي بمحضر الله في حياته. وأن الله هو أبوه، وكانت هذه العلاقة عند أهم من أي شيء آخر.

أما المرة الثانية التي نقرأ فيها شيئاً عن يسوع فكانت حين بلغ الثلاثين من عمره. وكان ابن خالته – يوحنا المعمدان – قد بدأ حركة دينية وجذب أتباعاً كثيرين. وكان يوحنا يعيش عيشة بسيطة في برية اليهودية، وكانت ثيابه من شعر الجمل، وكان لا يتناول سوى طعام البرية “جراداً وعسلاً برياً” (مرقص 1: 6).

وكان يوحنا هو النبي المتحول الوحيد في ذلك الحين. وكان كثيرون من الناس يتحدثون عن مجيء المخلص الموعود به من الله لكي يفتتح ما يعد مجتمعاً جديداً. وإذا توغلنا جنوباً في نفس هذه البرية نجد أن أهل قمران يتحدثون عن أمر مماثل. بل وحتى بعد ذلك، نجد أن كثيرين من مثيري الناس والأنبياء قد كونوا لأنفسهم اسماً في نفس المكان.

أما الاختلاف بالنسبة ليوحنا فهو أنه لم يكن يسعى وراء الشهرة. ولقد كان لفلسطين النصيب الأكبر من المعتوهين، والذين كان كل منهم يدعى أنه المخلص الذي وعد به الله. وأنه عين للقضاء على كل المظالم السياسية والاجتماعية السائدة، وأنه أعطي سلطاناً لإقامة مجتمع جديد. إلا أنه لم تصدر عن يوحنا مثل هذه الادعاءات. وكل ما قاله هو أنه ملاك (رسول) و”صوت”[7] أرسل بالأخبار السارة، وأن المجتمع الجديد كان على وشك أن يبدأ.

وأولئك اليهود الذين كانوا يتطلعون إلى المجتمع الجديد تعلموا من العهد القديم أن يتوقعوا مجيء مثل هذا الرسول الذي سيكون مثل إيليا نبي العهد القديم. ولم يترك لنا كتبة الإنجيل أي شك من ناحية أنهم رأوا أن يوحنا المعمدان هو نفس هذا الشخص. فوصفهم لأسلوب حياته ورسالته صيغ على نمط القصص الخاصة بإيليا الواردة في سفري الملوك في العهد القديم.

ثم إن كلا من العهد الجديد، والمؤرخ اليهودي يوسيفوس يصفان عمل يوحنا على أنه دعوة لليهود بأن ينظموا حياتهم حتى يصبحوا مهيئين من الناحية الأخلاقية لمقابلة الشخص الذي كان عليه أن يقيم المجتمع الجديد. والأنبياء الذين حفظت أقوالهم في العهد القديم كثيراً ما رأوا أنه على الرغم من أن اليهود هم شعب الله إلا أنهم لم يكونوا في حالة مناسبة لمقابلة إلههم. وإذا كان لله أن يعمل يوماً في حياتهم، فإن مجيئه لا بد وأن يبدأ بدينونة – ولسوف تكون الدينونة في غاية الشدة بالنسبة لأولئك الذين كان لهم أعظم امتياز.

ورسالة يوحنا كانت تتضمن الشيء نفسه. فقد دعا الشعب اليهودي للاستعداد لتغير أسلوب حياتهم، حتى يكونوا مهيئين للقاء إلههم. وأولئك الذين كانوا مستعدين لأن يواجهوا هذا التحدي ببسالة أظهروا استعدادهم للتغير وذلك بأن “اعتمدوا”. والكلمة اليونانية التي حصلنا منها على لفظة “يعمد” تعني ببساطة “يغطس”. وكثيراً ما كانت تستخدم – على سبيل المثال – في صياغة الملابس حيث كانت تغمر أو تغطس في حوض أو إناء. والمعمودية بالمعنى الروحي، هي نفس الشيء، فيما عدا أن الناس هم الذين يتم تغطيسهم، وهم لا يغطسون في صبغة، بل في ماء نظيف. ولعل يوحنا استخدم نهر الأردن كمصدر للماء في متناول اليد.

ومعظم اليهود لا بد وأنهم كانوا يعرفون ما هي المعمودية. وربما كانت تستخدم كوسيلة لقبول غير اليهود في الديانة اليهودية. ومن المؤكد أنها استخدمت بهذه الطريقة فيما بعد. وهناك دليل كاف أيضاً من لفائف البحر الميت يفيد أن الأسينيين كانوا يستخدمون المعمودية بانتظام كوسيلة لحفظ نقائهم الأخلاقي والديني.

ومن أبرز ملامح الآثار المتبقية للدير في قمران هو النظام المعقد لقنوات جر المياه، والأحواض التي كانت توفر مياهاً كافية في البرية لشعب هذه الجماعة حتى يتمكنوا من القيام بطقوس معموديتهم. ومن الطبيعي أن طقوس طائفة مثل الأسينيين لم تكن هي نفس طقوس المعمودية التي تجرى لغير اليهود حين اعتناقهم الديانة اليهودية. فالمعموديات والغسلات الطقسية كانت تجرى مراراً وتكراراً في قمران. غير أن معمودية المتجددين الذين اعتنقوا اليهودية كانت تجري مرة واحدة فقط.

ومن الصعوبة القول، إذا كان الطقس الذي اتبعه يوحنا كان يقوم على أساس غسلات متعددة مثلما كان يفعل الأسينيون، أم كان عبارة عن معمودية تجري مرة واحدة مثلما كان الحال بالنسبة للمتجددين من الأمم. أما الطبيعة المتشددة لرسالة يوحنا، والمعارضة التي أثارها فيسهل فهمها إذا ما كان يدعو اليهود للاشتراك في شيء لم يتم وضعه من أجل شعب الله المختار بل للوثنيين. ولقد رأى يوحنا أنه إذا كان لليهود أن يشتركوا في المجتمع الجديد الذي أوشك على المجيء فإنهم سيكونون في حاجة أيضاً إلى البداية من جديد كما لو كانوا وثنيين أمميين بدأوا يعرفون الله لأول مرة.

ومع ذلك فلم ير يوحنا التداعيات الكاملة لذلك المجتمع الجديد. فقد كان يقف في منطقة مشاع بين مواعيد الله في العهد القديم، وتحقيق هذه المواعيد الذي أوشك أن يتم. ولقد رأى أن مجيء المسيا سيتحقق في إطار النظرة التقليدية للمحاكمة والدينونة. وقد وُصف المخلص الذي وعد به الله كشخص سيقطع بفأسه كل شجرة لا تأتي بثمر[8]، ويحرق التبن بنار بعيداً عن القمح.

وما لا يمكن إنكاره هو أنه رأى بوضوح وبأكثر مما كان بالنسبة للفريسيين والغيورين. فقد كانوا يعتقدون أن دينونة الله ستحل بالرومان، أما يوحنا فأصر على أن الله سيدين شعبه وفي مقدمتهم الفريسيين.

وفي الوقت نفسه، لم يدرك تماماً حقيقة المجتمع الذي كان الله على وشك أن يبدأه. ذلك أن مجتمع الله الجديد لن يقوم على أساس اللعنة والدينونة، بل على أساس المحبة والمغفرة والاهتمام الأبوي لكل الناس. وهذا هو الأمر الوحيد الذي وجد الشعب اليهودي صعوبة في فهمه. بل إنه حتى في وقت لاحق، لم يفهم تلاميذ يسوع سيدهم تماماً حين تحدث عن مجتمع يقوم على أساس الخدمة والمعاناة[9]. وطبيعة أعمال الله على نجه التحديد لم تكن واضحة إلا بعد موت يسوع وقيامته.

يسوع يتعمد:

جاء يسوع إلى يوحنا وطلب أن يتعمد. وفي البداية لم يرد يوحنا أن يسمح ليسوع بالمشاركة في هذه المعمودية التي ليست سوى رمز للتوبة[10]. وعلى أية حال، إذا كانت ليسوع بالفعل هذه العلاقة الخاصة بالله، المر الذي كان يؤمن به يوحنا، فما الذي يكن أن يتوب عنه؟ لكن يسوع أكد ليوحنا أنه يجب أن يشارك في هذه المعمودية. وقال له: “… لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر”.

فما الذي كان يعنيه يسوع بقوله هذا؟ والتفسير البسيط هو أن يسوع شعر بأنه ينبغي عليه أن يضع نفسه في مكان أولئك الخطاة التائبين الذين سيكونون باكورة تلاميذه. فالعلاقة الخاصة التي شعر أنها تربطه بالله كانت سبباً قوياً لأن ينخرط بشكل تام في حياة أبسط الناس، عوض أن تفصل بينه وبين الناس الآخرين. إلا أن البعض قالوا إن هناك ما هو أبعد من ذلك فيقولون إن يسوع نظر إلى معموديته باعتبارها الخطوة الأولى في طريقه نحن الصليب، الذي يعتبر ذروة وهدف حياته كلها[11]. والحقيقة المؤكدة أنه بعد ذلك وصف موته بأنه “معمودية”، وأنه فيها أتم حقيقة وفعلاً مشيئة الله.

وربما كان من خلال اختبار معموديته أن يسوع بدأ يدرك وعلى وجه الدقة طبيعة علاقته الخاصة بالله. وطبقاً لما جاء في إنجيل مرقص، فقد سمع يسوع هذا القول: “أنت ابني الحبيب الذي به سررت” (مرقص 1: 11). وهذه مجموعة أقوال توجد في فقرتين في العهد الجديد. فمن ناحية نجد صدى لما جاء (مز 2: 7): “أنت ابني، أنا اليوم ولدتك”. وهذا القول يشير في سياقه الأساسي إلى ملوك إسرائيل القدامى. إلا أنه في زمن يسوع، كان ينظر إليه، وعلى نطاق واسع بأنه نبوة عن المسيا الآتي. ومن ناحية أخرى، توجد أيضاً إشارة واضحة إلى قصيدة العبد المتألم في إشعياء حيث وُصف العبد بأنه “مختاري الذي سرت به نفسي” (إشعياء 42: 1). وفكرة العبد هذه لم ترتبط إطلاقاً بتوقع مجيء المسيا قبل زمن يسوع.

وعلى هذا يبدو أنه من المحتمل أن يسوع عند معموديته عرف أمرين: أولهما أنه تأكد من علاقته الخاصة بالله كالشخص الذي اختير بصفة خاصة ليبدأ مجتمع الله الجديد، ثانيهما أنه تمت تذكرته أيضاً بأن كونه المخلص الموعود به من الله، وهذا يعني شيئاً مختلفاً تماماً عما كان معظم الناس يتوقعونه، فهذا معناه قبول الآلام والخدمة كجزء لا بد منه في حياته. وكان هذا أمراً بالغ الصعوبة، وهذا ما كان سيكتشفه يسوع على نحو من السرعة. ولكنه واجه المشكلة بقوة الله نفسه، وهو بعض ما تذكره حين نزل عليه الروح القدس في هيئة حمامة.

يسوع يقرر أولوياته:

تخبرنا الأناجيل أنه بعد أن اعتمد يسوع، تقدم يسوع في الحال ليقوم بأدواره بحسب الأولويات، كما وعده الله ليكون المحرر والمسيا. فكل تجربة من التجارب التي واجهها لم تكن من النوع الذي يحمل في طياته المعاناة، أو التواضع وهما شيئان كان يدرك يسوع أنه في مشيئة الآب ولا بد أن يجتاز فيهما.

ç أول كل شيء واجه تجربة قيام مجتمع جديد عن طريق وسائل اقتصادية، وذلك بتحويل الحجارة إلى خبز. ومما لا شك فيه أن هناك كثيرين من الجوعى في العالم كانوا يرحبون بأن يحصلوا على خبز من أي مصدر[12]. وكان يسوع نفسه في البرية، ولا بد أنه كان يعاني من شدة الجوع. وفضلاً عن ذلك، كثيراً ما صور العهد القديم المجتمع على أنه زمن يتحقق فيه الازدهار المادي حيث يشبع الجوعى ويجد كل إنسان احتياجاته.

ومن ثم فهناك مبررات قوية تدفع يسوع إلى ضرورة الاهتمام بمثل هذه الأمور. لكنه كان يعرف أن الشهرة والشعبية التي تأتي نتيجة المعجزات ليست كتلك التي تأتي نتيجة الآلام والخدمة.

وهناك كلمة وجهها الله لشعب إسرائيل في لحظة حاسمة من تاريخهم الماضي ساعدته على التغلب على هذه التجربة: “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”[13]. وليس معنى هذا أن يسوع قلل من شأن احتياجات الناس المادية. ولكنه أدرك أن هذه ليست أهم احتياجاتهم من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذا ما لم يقصده الله بأن يكون موضع التركيز الشديد في عمله[14]. والواقع أن يسوع فيما قدم طعاماً للجياع. ولكنه كان يعرف أن هذا ليس الهدف الرئيسي للحياة.

ç والتجربة الثانية وهي أن يطرح نفسه من جناح الهيكل إلى أسفل أي إلى الفناء المزدحم بالجماهير دون أن يجرح نفسه. وكان من اليسير عليه جداً أن يبين أنه المسيا من خلال عمل المعجزات، لأن المعجزات والأمور غير المألوفة تلقى قبولاً خاصاً من الشعب ممن كان يسوع يعرفهم حق المعرفة. ولقد قال بولس، وهو الذي يعرف اليهودية أفضل من كثيرين غيره، قال إنه من طباع اليهود أنهم “يسألون آية”[15]. وحتى في عصرنا هذا الذي يشهد تقدماً علمياً مذهلاً، كثيرون منا لا يزالون ينجذبون نحو ما هو غريب ومثير. وأي شخص يدعي أن بمقدوره عمل المعجزات لا يجد صعوبة في جذب الأتباع.

فهنا أيضاً نجد أن التجربة تتجاوز مجرد منطق الموقف أو الحدث. لأنه توجد بالفعل نبوة في العهد القديم عن ظهور المسيا بشكل فجائي ودراماتيكي مثير في الهيكل. كما أنه يوجد وعد أيضاً في مزمور 91 يشير إلى أن الله سيحمي أولئك الذين يختبرونه. أليس هذا هو الوقت الذي نجرب فيه الله؟ وإذا كان يسوع هو حقاً مسيح الله. فمن المؤكد إذاً أن بمقدوره أن يتوقع أن يفي الله بوعوده. وهذا فكر جذاب حقاً.

ولكن الرد عليه جاء في نفس الوقت العصيب الذي اختبره شعب إسرائيل. “لا تجربوا الرب إلهكم”[16]. ويظهر في سياق مزمور 91 أن وعد الله لا ينطبق إلا على الذين يعيشون في طاعة وخدمة مشيئة الله. وعمل مشيئة الله بالنسبة ليسوع معناه الخدمة والألم، وليس استخدام وعود الله بشكل اعتباطي لخدمة مصالحة الأنانية.

وهكذا رفض يسوع تجربة إعلان أنه المخلص الموعود به من الله وذلك عن طريق استعراض قدرته على علم المعجزات. ولكنه قام فعلاً بعمل المعجزات. إلا أنه – كما سنرى فيما بعد – أوضح أيضاً أن المعجزات هي علامات حية على رسالته. ولكنها لا تشكل رسالته نفسها.

ç التجربة الثالثة أن يكون مسيحاً سياسياً[17]. وهي التجربة الثانية عند لوقا، غير أن متى جعلها الثالثة. ولعله عمل هذا ليؤكد أهميتها. وليس من شك في أنه لابد وأن هذه التجربة كان أقوى من كل ما عداها. وعلى أية حال، فإن هذا على وجه الدقة هو كل ما كان معظم اليهود يتوقعونه من المسيح. وكانوا على وجه العموم يؤمنون أيضاً أنهم سيحكمون كل الأمم الأخرى في العهد الجديد الذي أوشك أن يبدأ – وقد جُرب يسوع في أن يقبل سلطان الشيطان لكي تكون له السلطة على العالم.

ولقد أضفى الشيطان على هذه الفكرة مزيداً من الإثارة برؤية بهاء ممالك العالم. لكن يسوع أدرك أن هذا أمر مختلف تماماً عن نوعية المجتمع الذي كان عليه أن يبدأه. وليس معنى هذا أن يسوع لم يكن معاطفاً مع رغبة شعبه الملحة وتلهفه إلى الحرية. وعلى أي حال، فإنه هو نفسه ذاق طغيان الرومان. ولقد عمل بيديه لكي يحصل على ما يكفي لدفع الضرائب للرومان. وكان يعرف جيداً حالة البؤس التي كان يعيش مواطنوه في ظلها.

ولكنه عارض انخراطه في الأمور السياسية باعتباره المسيا المنتظر لسببين. أولاً: رفض الشروط التي عرضها عليه الشيطان. وطبقاً لما ذكره الإنجيل فقد عرض الشيطان أن يشارك يسوع في السيادة. وإذا ما قبل يسوع أن يكون للشيطان سلطان على العالم ككل، فإنه سيعطي في مقابل ذلك سلطة سياسية محدودة. وهذا أمر ما كان سيقبله يسوع. فالتزامه الشخصي، والالتزام الذي طلبه فيما بعد أتباعه، هو أن الله وحده هو السيد والرب. والاعتراف بسلطان الشيطان في أي ناحية من نواحي الحياة معناه إنكار سلطان الله المطلق.

وعلاوة على ذلك. فقد عرضت على يسوع إمكانية أن يحكم بسلطان ومجد إمبراطور مثل الإمبراطور الروماني. ولكن يسوع كان يعرف أن هذا ليس عمله. وكان يعلم أن حكم الله في حياة البشر والمجتمع لا يمكن أن يُفرض من خارج. وإذا كان هناك درس واحد ينبغي أن يتعلمه من تاريخ شعبه، فهذا هو الدرس. فقد كانت لديهم كل الأحكام، في العهد القديم، ولكنهم بين آونة وأخرى كانوا يظهرون عجزهم عن العمل بها. ولقد رأى يسوع أن ما يحتاجه الناس هو أن يقدموا مشيئتهم وطاعتهم التامة لله، وبهذا يعطون الحرية الأدبية لخلق نوعية المجتمع الجديد الذي يريده الله لهم.

ولهذا فإنه من المؤكد أن التجربة الثالثة كانت أقوى التجارب أكثرها إلحاحاً. وقد رفضت أيضاً بأقصى قدر من الحسم والقطع “اذهب عني يا شيطان”. فما كان ليسوع أن يحاول أن يفرض على العالم نظاماً فاشستياً ليحل محل النظام الفاشستي العتيق الذي كانت تفرضه روما. فمجتمعه الجديد لن يكون حكماً يتسم بالطغيان والقسوة كما تصور كثيرون من اليهود، بل سيكون حكماً تابعاً من الطبيعة الجديدة الداخلية لأولئك الذين يشكلون جزءًا منه، فيما يخدمون ويعبدون الله وحده.

قصص ميلاد يسوع:

مما لا شك فيه أن القصص التي تتناول كيفية ولادة يسوع ليس بالقطع هي أسهل أجزاء الأناجيل فهماً. وسبق أن رأينا كيف أنه حتى تاريخ ميلاد يسوع تكتنفه العديد من المشاكل. ولكن هذه الصعوبة يغطى عليها الكثير من الأسئلة الأصعب التي تدور حول طبيعة هذه القصص. ولقد افترضنا حتى الآن أن قصص الإنجيل تقدم لنا معلومات كافية يعتد بها لكي تكشف على الأقل الإطار الصحيح للأحداث. غير أن بعض الباحثين يميلون إلى أن يتجاهلوا تماماً كل القصص التي ذكرها متى ولوقا عن ميلاد المسيح.

وقد اعتبروها قصصاً وضعتها الكنيسة الأولى في وقت لاحق لتقدم يسوع في صورة الشخص كما أرادوه بعد أحداث الفصح الأول، وليس من نوعية الشخص الذي كان عليه بالفعل “يسوع التاريخي”.

بالنسبة للمسيحيين الأوائل، كان يسوع هو ربهم المقام وابن الله. فلم يكن مجرد ابن مريم ويوسف، نجار من الناصرة. فلن يكن يسوع سوى الله نفسه. والحجة تذهب إلى أنه بالنظر إلى معتقدات المسيحيين الأوائل فإنهم أدركوا أن شخصاً كهذا ما كان له أن يولد ولادة عادية، ولهذا ألفوا القصص التي نجدها الآن في الأناجيل.

والمشكلة الخاصة بهذه القصص تتركز حول ما ذكره كل من متى ولوقا من أنه لم تكن ثمة علاقة جنسية بين مريم ويوسف حين ولد يسوع (متى 1: 18، لو 1: 26، 27). وبالنظر إلى أننا نعرف من خبرتنا الشخصية أن هذا أمر مستحيل. فإن كثيرين من المسيحيين وغير المسيحيين أنكروا وجود أية حقيقة تاريخية بالنسبة هذه القصص. وعوضاً عن ذلك رأوا فيها محاولات رمزية لنقل الحقائق الدينية في قالب شعري رائع للتأكيد على أن يسوع كانت له علاقة خاصة بالله من بداية وجوده كإنسان، بل وحتى قبل ذلك.

والإجابة على أسئلة كهذه سوف تعتمد بشكل رئيسي على مواقفنا الأساسية وافتراضاتنا المسبقة في فهم العهد الجديد. فأولئك الذين يأخذون هذه القصص على أنها تمثل حقائق دينية لا تاريخية، يبدأون من حقيقة أنه لا يمكن أن يكون لنا أولاد بدون العلاقة الجنسية بين رجل وامرأة. وعلى هذا تراهم يقولون إن ذلك ما كان ليحدث بشكل مختلف عن هذا، لأن الأمر لن يتم بطريقة أخرى، فإذا بدأ من الوضع الأساسي بأن أي شيء يتعارض مع خبرتنا في هذه الحياة يستحيل أن يكون له وجود، فمن الطبيعي والحال هذه، أنه علينا أن ننتهي إلى أن القصص التي قيلت عن ميلاد المسيح في العهد الجديد ما هي إلا إضافات أسطورية للقصص الحقيقية. ومع ذلك يبدو لي أن هذه ليست الطريقة المثلى لمعالجة هذه المشكلة.

وما من أحد منا يجد أن الإيمان بالمعجزات والأمور الخارقة للطبيعة أمر سهل، ناهيك عن فهمها. ولذلك فإن السؤال المعقول الذي يجب توجيهه هو ليس ما إذا كانت خبرتنا الشخصية تؤدي بنا إلى تصديق حدوث المعجزات، بل ما إذا كان الدليل المتوافر لنا يقودنا إلى أن تنتهي بالنسبة لحالة معينة إلى ما نسميه معجزة قد وقعت بالفعل. وهذا معناه أن السؤال المتعلق بميلاد يسوع بدون تدخل بشري (“الميلاد العذراوي”) يجب أن يكون: هل الدليل المستمد من الأناجيل يصلح لأن يكون دليلاً تاريخياً؟

فإذا تبين أن الإجابة على هذا السؤال كانت بالنفي، فهنا علينا أن ننظر إلى القصص التي ذكرها متى ولوقا على أنها محاولات لاحقة لبيان كيف أن الميلاد المعجزي يمكن أن يكون أمراً صحيحاً بالنسبة لشخص رائع. وإذا تبين أن الإجابة كانت “نعم”، هنا يتعين علينا – وبنفس الطريقة – أن نكون مستعدين لأن نقبل ما يشير إليه هذا الدليل.

ولكن هذا يختلف عن قولنا إنه يتعين علينا أن نتقبل ببساطة كل الأقوال التي جاءت في جميع قصص الإنجيل كحقيقة تاريخية. وما أريد قوله هو أنه يجب علينا أن نكون على استعداد لفحص كل دليل في إطار حالته الموضوعية. وإذا وجدنا أنه يوجد دليل تاريخي يشير إلى شيء خارق للطبيعة، فهنا لا يجب أن نرفض الدليل على أنه غير ذي صلة بالموضوع.

وكما حدث، فإن قصص ميلاد يسوع العذراوي تعطينا مثالاً طيباً بصفة خاصة عن نوعية الموضوعات التي يتعين علينا أن نتعامل معها. وهنا نجد حججاً عديدة:

فيما عدا الأصحاحات القليلة الأولى من إنجيلي متى ولوقا. لا يوجد قول صريح في بقية العهد الجديد كله أن يسوع ولد من عذراء. ولا يوجد ذكر لهذا في موضوعات كرازة التلاميذ الأوائل في سفر أعمال الرسل. فبولس لم يذكر هذا إطلاقاً. ولا نجد ذكراً لهذا في إنجيلي مرقص ويوحنا، على الرغم من أن هذين الإنجيلين لم يتعرضا لميلاد يسوع على الإطلاق.

ولذلك يبدو أنه كان من الممكن للمسيحيين الأوائل أن يفهموا فهماً كاملاً ما عمله الله من أجلهم بيسوع المسيح دون أي ذكر لميلاد يسوع من عذراء. وكثيراً ما حاول الكتاب المسيحيون اللاحقون أن يثبتوا أن ميلاد يسوع من عذراء أمر ضروري إذا كان للمسيحيين أن يؤمنوا أن يسوع كان بلا خطية، وأنه إنسان وإله. غير أن الرسول بولس – ضمن آخرين – أمن بكل هذه الأمور دون أن يحاول إطلاقاً أن يقيم أدلته على الأسلوب الخاص الذي ولد به يسوع.

وقد يبدو هذا دليلاً قوياً للشك في مصداقية القصص الواردة في إنجيلي متى ولوقا. غير أن الحقيقة هي أنها حجة ذات حدين. فبالنظر إلى أن فكرة الميلاد العذراوي لم تكن ضرورية للفهم التام لطبيعة شخص يسوع على وجه الدقة. فما الذي يحمل متى ولوقا، إذاً على اختلاقها؟ وهذا سؤال ملح على وجه الخصوص، بالنظر إلى أن القصص لم تتضمن نقاطاً لاهوتية صريحة تصف ميلاد يسوع.

فعلى سبيل المثال لم يقل متى ولوقا إطلاقاً أن يسوع كان بلا خطية لأنه ولد بهذه الطريقة، أو أنها جعلته ابن الله. وكذلك كونه شخصاً من البشر. وما يذكران ذلك ببساطة كحقيقة واقعة بالنسبة للطريقة التي ولد بها يسوع. ومن الصعوبة جداً أن تجد أن دافع ديني لاختلاف هذه القصص.

والواقع أن الأمر أيسر بكثير أن يُفترض أن أتيح لمتى ولوقا الاطلاع على تقاليد تاريخية من نوع ما، وكانت تتضمن هذه القصص الخاصة بميلاد يسوع، وأنهما ضمناها قصصهما المختلفة إلى حد ما في إنجيلهما.

ç في بعض الفقرات في الأناجيل يشار إلى يسوع باعتباره “ابن يوسف” (لو 4: 22، يو 1: 45؛ 6: 42)، والقوائم في كل من (متى 1: 2-16)، (لو 3: 23-38) تتبع سلسلة نسبه من خلال يوسف، ولذلك يقال أحياناً أنه حتى في الأناجيل نفسها لا نجد تناغماً. لأنه كيف يكون يوسف والد يسوع إذا كانت مريم عذراء حين حبلت به؟ ولكن هذا ليس بالاعتراض الخطير كما يبدو لنا.

ذلك أنه حين تزوج يوسف مريم، فلا بد وأن يصبح في نظر الرأي العام والشريعة اليهودية، الأب الشرعي ليسوع وفضلاً عن ذلك، لا توجد كلمة “أب بالتربية” في العبرية أو اليونانية، ولذلك فإن كتبة الأناجيل ربما كانوا يسجلون الوصف العام ليسوع على أن “يسوع بن يوسف” فحسب. ومن المؤكد أن لوقا اعتقد أن هذا هو ما عمله (3: 23). ومن غير المحتمل على أي حال أن أي كاتب للإنجيل كان سيناقض نفسه بهذه الطريقة الواضحة.

ç قيل أحياناً أن فكرة الولادة من عذراء استخلصت من قصص يونانية أو شرقية عن آلهة اتصلت جنسياً بنساء من البشر وأنجبت أطفالاً. وهذه ليست بالحجة الخطيرة، وقصص الأناجيل تتحرك في إطار مختلف تماماً عن القصص التي قيلت عن آلهة اليونانيين. فلسنا في حاجة سوى أن نقرأ إعلان ولادة يسوع من مريم (لوقا 1: 26-28) ونقارنها بقصص الفسوق التي تتناولها الأساطير اليونانية كي ندرك أنه لا يوجد علاقات وثيقة بينها. وإضافة إلى ذلك، فكل ما جاء في لوقا 1-2، له طابع بدائي إذا ما قورن ببقية كتابات لوقا. وعلى الرغم من أن بعض الباحثين يعتقدون أن هذا يتم عن طريقة متعمدة لجأ إليها لوقا تقليداً لأسلوب الترجمة اليونانية للعهد القديم (الترجمة السبعينية).

وقال آخرون إن اللغة اليونانية التي كتب بها لوقا لها طابع متناغم بما فيه الكفاية للقول بأنه هنا كان يقتبس أو يعتمد على مصدر آرامي. وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد والحال هذه أن يكون قد حصل على قصص ميلاد يسوع هذه من أول جماعة من المسيحيين بفلسطين ذاتها، وهم المسيحيون الوحيدون اللذين كانوا يتكلمون الآرامية على وجه الإطلاق.

ç أما قصة متى فتثير بالأحرى مشكلة من نوعية مختلفة. ذلك أنه تدعيماً لقصته جاء باقتباسات من العهد القديم: “وهذا كله لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعون اسمه عمانوئيل” (متى 1: 22، 23). والأكثر من ذلك، أن هذه الفقرة المأخوذة من إشعياء النبي في العهد القديم لها معنى مختلف تماماً في الترجمة اليونانية للعهد القديم عن المعنى التي وردت به في الأصل العبري. وقد اقتبس متى من النسخة اليونانية. غير أنه في النص العبري لإشعياء 7: 14 قيل “شابة”، ولم توصف بالتعبير الفني “عذراء”. ولذلك قال البعض إن فكرة الميلاد العذراوي كلها قد اخترعت من هذه الترجمة الخاطئة لفقرة إشعياء في الترجمة السبعينية.

وهناك ثلاثة أمور يجب ذكرها هنا:

أولاً: هذه الحجة يمكن أن تنطبق على إنجيل متى فقط نظراً لأن لوقا لم يستشهد بالعهد القديم تدعيماً لقصته عن الولادة من عذراء، ولذلك، وحتى لو فرض أن هذه الحجة صحيحة، فإنها تؤثر في قصة متى فقط وليس في قصة لوقا

ثانياً: إذاً، فإنه حقاً وبلا ريب، أن السبب الوحيد الذي حمل متى على قبول واستخدام النسخة اليونانية بدلاً من النص العبري هو انه كان مناسباً بالأكثر لقصده بخلاف النص العبري. غير أن هذه سمة عامة من سمات إنجيل متى. فكثيراً ما يختار متى نصوصاً من العهد القديم ويقول إنها تحققت في حياة يسوع وخدمته وبطريقة تبدو لنا غير ذات صلة وعديمة الأهمية. وهذا أمر شبه مؤكد لأنه كان يكتب أساساً للقراء اليهود.

وكان اليهود يعتقدون بأن مسيح الله سوف يحقق وعوداً معينة في العهد القديم، وهكذا كان متى يشير إلى العهد القديم بأكثر مما فعله كتبة الأناجيل الآخرون. وذلك ليقنع القراء اليهود بأن يسوع كان حقاً المسيا الذي كان ينتظرونه.

ثالثاً: من المحتمل تماماً ألا يكون كاتب إنجيل متى الحقيقي هو الذي اختار هذه الآية بالذات من النص من سفر إشعياء، وهناك دليل كاف يشير إلى أن الكنيسة في مرحلة مبكرة جداً من تاريخها بدأت تجمع معاً نصوصاً من العهد القديم بدت لها أنها تتنبأ عن بعض النواحي من حياة يسوع. وهذه هي مجموعة النصوص التي يطلق عليها باحثو العهد الجديد اسم “شهادات”.

وربما كانت هناك مجموعات عديدة مختلفة بعد موت يسوع بزمن ليس بطويل. ومفهوم الولادة من عذراء كان غير مقبول بالمرة من اليهود الأرثوذكس، ونحن نعرف أن كثيرين من أعضاء الكنائس الأولى ظلوا يهوداً صالحين بعد أن أصبحوا مسيحيين. وبالنظر إلى أنه ما من أحد سوى اليهود المقتنعين سوف يهتم بإثبات أنه في يسوع تحققت نبوات العهد القديم، فمن غير المحتمل على الإطلاق أنهم اكتشفوا هذه الفكرة هناك ما لم يكونوا يعرفون أساساً تاريخياً لذلك.

فما الذي نتوصل إليه إذاً عن ميلاد يسوع من هذه القصص الواردة في إنجيلي متى ولوقا؟ من المؤكد أنه بمقدورنا أن نعرف بالتأكيد أنه حين نطبق عليها القواعد العادية للبحث التاريخي، فإن الموضوع لن يكون واضحا المعالم كما يبدو حين ننظر إليه من وجهة نظر فلسفية ونسأل ببساطة: هل من الممكن أن تكون قد حدثت مثل هذه المعجزة؟ ومن الواضح أن متى ولوقا كانت لديهما بالأحرى تقاليد مختلفة عن ميلاد يسوع.

ومع ذلك فإنها يتفقان من ناحية أن مريم كانت عذراء حين حبلت به، ويجب علينا ألا ننسى أن الإنجيلين الآخرين لا يعرضان لميلاد يسوع إطلاقاً. والقصص لم تتضمن ادعاءات لاهوتية، ومع أن فكرة الولادة من عذراء لم تذكر في أي موضع آخر في العهد الجديد، فإنه لا يوجد شيء يناقضها في أي موضع.

وفضلاً عن ذلك، فالتقليد الخاص بالكنيسة المسيحية بجملته بدءًا من القرن الثاني وما بعد ذلك يؤيد الاعتقاد بأن يسوع ولد من عذراء، بل أنه حتى في أناجيل الأبوكريفا التي صدرت في تاريخ لاحق لا توجد قصة أخرى عن ميلاد يسوع. وعلى هذا يبدو أن أغلبية المحاولات التي استهدفت إنكار أي طابع تاريخي لقصص الإنجيل بالنسبة لهذه النقطة قامت على افتراضات لا تفسح المجال للأمور الخارقة للطبيعة، وليس على أساس فحص الدليل من الناحيتين العلمية والتاريخية.

هل استغرقنا وقتاً طويلاً دون أن نثبت شيئاً؟ إذا كانت المحصلة الوحيدة لبحثنا هي أن نبين أن يسوع قد ولد دون أب بشري، فإننا لم نقل شيئاً عميقاً جداً، أو له صلة بالموضوع. لكن المسيحيين الأوائل أرادوا أن يقولوا ما هو أكثر من ذلك. ويسوع نفسه أراد أن يقول أكثر من ذلك بكثير، وهذا ما سوف نلمسه في الفصل الثاني.

هل كان يوحنا عضواً في جماعة قمران؟

بالنظر إلى التشابهات بين ما نعرفه عن يوحنا المعمدان وأنشطة جماعة قمران، لم يكن ثمة مفر من أن نسأل هل كانت هنا علاقة بينهما؟ وهناك تشابهان رئيسيان بينهما نجد انه ينبغي علينا النظر فيهما.

في برية اليهودية:

 طبقاً لما ذكره لوقا، عاش يوحنا المعمدان في البرية حتى بدأ خدمته العلنية (لو 1: 80، 3: 2). وبالنظر إلى أنه كان يعمد في نهر الأردن، فإنه من الطبيعي افتراض أن البرية المشار إليها هي برية اليهودية المحيطة بالبحر الميت، والتي يتدفق فيها نهر الأردن. وهذا يعني انه ربما كان يعيش في نفس البرية التي كان يعيش فيها أهل قمران، وفي نفس الفترة تقريباً. ومن حيث أن ديرهم لا بد وأنه كان من الأمكنة القليلة التي يمكن أن يعيش الإنسان فيها في البرية، فقد قيل إن يوحنا ربما كان على معرفة جيدة بهم، بل وربما كان عضواً في جماعتهم.

ومن المؤكد أنه ليست هناك صعوبة في الاعتقاد بأن يوحنا كان يعرف بوجود الدير في قمران. إلا أن البعض قالوا إنه كان عضواً في هذه الجماعة، وأنهم قاموا بتربيته منذ حداثته. وقد أقاموا حجتهم هذه على ما جاء في (لو 1: 80) من أنه كطفل كان “ينمو ويتقوى بالروح” وأنه كان في البراري إلى يوم ظهوره لإسرائيل” وهذا القول يمكن أن يضاف إلى معلومة ذكرها يوسيفوس عن الأسينيين. فقد قال إنهم كثيراً ما كانوا يتبنون أبناء الآخرين لتلقينهم أفكار شيعتهم، ولكن وجهة النظر هذه تكتنفها صعوبات كثيرة:

ç الكلمات اليونانية المستعملة في لوقا 1: 80، 3: 2 لا توحي بالضرورة أن يوحنا نشأ بالفعل كصبي في البرية يتأمل عمل حياته، وذلك قبل قيامه بتعميد الناس مباشرة، إذ أن المضمون الطبيعي لقصة ميلاده يظهر أنه تربى بالطريقة العادية على يدي والديه.

ç كما أنه من غير المحتمل أيضاً أن يكون والداه قد سمحا لجماعة مثل جماعة قمران بأن تتبنى ابنهما. ولا يرجع ذلك إلى أنهما كانا يتلهفان بأن يكون لهما ابن، بل لأن أباه زكريا كان كاهناً – ومن بين المعتقدات البارزة لجماعة قمران أن كهنة أورشليم كانوا فاسدين. ومن الصعوبة الاعتقاد بأن والدي يوحنا قد قدما ابنهما لجماعة كانت تعادي كل ما كانا يمثلانه.

ç علينا أيضاً أن نتذكر أن برية اليهودية كان شاسعة وليس من الضروري أن كل من يعيش فيها كان لا بد وأن يعيش في قمران. ذلك أن الشواطئ المحيطة بالبحر الميت عامرة بالكهوف التي تصلح لتكون مأوى مثالياً للنساك، مثلما كانت بالنسبة للغيورين الذين كانوا يقاومون الرومان بعد تدمير أورشليم سنة 70م. بل إن يوسيفوس يقول لنا كيف أنه ذات مرة انضم إلى رجل اسمه (بانوس Bannus)، كان يعيش عزلة في البرية. وإغراء مثل هذه النوعية من الحياة كان دائماً قوياُ بالنسبة لأناس لهم ميول معينة. وبمقدورنا أن نكون واثقين تماماً من أنه لا بد وأنه كان هناك أفراد كثيرون يعيشون هكذا في البرية المحيطة بالبحر الميت.

المعمودية:

من الصعوبة إيجاد أية علاقة بين يوحنا والأسينيين على أساس أسلوب حياتهم، ومن المؤكد أنه ليس من السهل عمل ذلك استناداً إلى طقوسهم الدينية. ونحن نعرف أن يوحنا وأهل قمران أيضاً استخدموا الماء في طقوسهم الدينية، إلا أنه ليس هناك ما نستطيع قوله أكثر من ذلك. والواقع أنه توجد اختلافات كبيرة بين مفهوم المعمودية عند يوحنا، والغسلات الطقسية التي كانت تمارس في قمران:

ç كان هناك اختلاف بالنسبة للناس الذين كانوا يشاركون فيها. فيوحنا كان يعمد الذين أرادوا أن يغيروا من أسلوب حياتهم. أما جماعة قمران فلم تكن تقبل إلا الذين يستطيعون اثبات أنهم قد غيروا بالفعل أسلوب حياتهم. والذي يريد الانضمام إليهم كثيراً ما كان عليه أن ينتظر مدة سنة أو سنتين قبل أن يسمح له بالاشتراك في الغسلات الطقسية في قمران، في حين أن يوحنا كان على استعداد لأن يعمد فوراً أي شخص كان يريد التوبة.

ç طابع الطقس كان مختلفاً. فالذي يعمده يوحنا، لم يكن في حاجة إلى أن يتعمد مرة أخرى على الإطلاق. أما في قمران، فالغسلات الطقسية كانت تكرر مراراً كثيرة. والواقع أن البروفسور راولي H. H. Rowley أشار إلى أن “المعمودية” بالمعنى الذي نفهمه نحن في العادة ليس هي الكلمة الصحيحة لوصف ما كان يحدث في قمران. فمعموديات الأسينيين كانت وسيلة للطهارة الطقسية لحياة أعضاء هذه الشيعة وليست طقساً يجب أن يمارس كشرط للقبول فيها.

ç معنى الطقس كان مختلفاً. فمعمودية يوحنا كانت تجرى كجزء من الاستعداد لمجيء المسيا المنتظر. لكن غسلات قمران لم يكن لها علاقة بالانتظار المسيا، أو أي شخص آخر. بل كانت مجرد وسائل للتعبير رمزياً عن النقاء الأخلاقي والروحي الذي كانت الجماعة تأمل حفظه بين أعضائها.

إذاً، هل كان يوحنا عضواً في جماعة البحر الميت؟ يبدو أن أفضل إجابة هي أنه لو كان عضواً بها في أي وقت فمن المؤكد أنه كان قد غير نظريته العلنية. ولكن الحجج التي تؤيد ذلك ليس قوية، ومن المؤكد أننا سنكون في حاجة إلى دليل آخر لو حدث وتبين في أي وقت من الأوقات أنها كانت حججاً سليمة بشكل مؤكد.

 

[1] لوقا 1: 5-28؛ 57-80.

[2] لوقا 1: 46-55.

[3] لوقا 2: 8-20.

[4] لوقا 2: 25- 38.

[5] لوقا 18: 17.

[6] لوقا 4: 16-20.

[7] مرقص 1: 2-3.

[8] لوقا 3: 7-17.

[9] مرقص 8: 31-33.

[10] متى 3: 15.

[11] مرقص 10: 38.

[12] لوقا 4: 1-4.

[13] تثنية 8: 3.

[14] مرقص 6: 30-44.

[15] 1كو 1: 22.

[16] تثنية 6: 16.

[17] متى 4: 8-10.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

فتاة مسيحية تتعرض لقص شعرها في مترو الأنفاق من إمراة منقبة

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

بالفيديو عمرو أديب يرد على سالم عبدالجليل بعد تكفير الأقباط : داعش تلاميذكم .. و هو امتى المسيحيين داسوا علي طرف اى حد؟

بالفيديو عمرو أديب يرد على سالم عبدالجليل بعد تكفير الأقباط : داعش تلاميذكم .. و هو امتى المسيحيين داسوا علي طرف اى حد؟

بالفيديو عمرو أديب يرد على سالم عبدالجليل بعد تكفير الأقباط : داعش تلاميذكم .. و هو امتى المسيحيين داسوا علي طرف اى حد؟

بالفيديو عمرو أديب يرد على سالم عبدالجليل بعد تكفير الأقباط : داعش تلاميذكم .. و هو امتى المسيحيين داسوا علي طرف اى حد؟

استنكر الإعلامي عمرو أديب، تصريحات الشيخ سالم عبدالجليل، والتي زعم فيها أن الأقباط كفار وسيذهبون إلى الجحيم، موضحًا: “ده مش أول مرة نسمع الكلام ده”.

وتابع “أديب” في برنامجه “كل يوم” المذاع على قناة “أون إي” الفضائية، مساء الأربعاء: لدي سؤال عقلي بعيد عن الشريعة والسنة، المسيحيين “بقالهم 2000 سنة في مصر إية الفكرة نناقش السنة دي إنهم كفار؟؟ والسؤال التاني: إية الفايدة؟؟ إحنا استفدنا إية؟؟؟ ولكن الأضرار كثيرة جدا، وإية اللي عاد على أمة الإسلام إن المسيحيين كفار”.

وأضاف: “أفهم إنك تحضني على الجهاد في العمل، والعطف على اليتيم، وإية الميزة في مناقشة ده دلوقتي”، متابعًا: “وبعدين الراجل مصر بطريقة غريبة جدا.. ما تسيبوا الناس في حالها، أنت حر، ولكن كل يوم الصبح تصحى تقولي يا كافر، أنت عايز تعمل إية”.

ولفت مقدم البرنامج إلى أنه ضد قانون إزدراء الأديان، ولكن “دا أسمه إية؟؟ أنا عارف إنه فيه ناس بتكره الأقباط، إحنا بنزوده؟؟ حط نفسك مكان المسيحي.. طب انت بتعاملني كدة لية؟؟ هو أمتى المسيحيين داسوا على طرف لأي حد؟؟”.

وأكد “أديب”: “انتوا تغلبوا 100 داعش، داعش دول تلاميذكم، دا أنت عالم.. يعني إية تعاملهم كويس دول مواطنين.. يا أخي ارحمنا وأرحم البلد”، لافتًا إلى أن الدولة لن تسقط إلا بعد أن يتم تقسيمها.

 
 
 
 
 
 
 

الإيمان وموجباته المنطقية بقيامة يسوع المسيح بالجسد

الإيمان وموجباته المنطقية بقيامة يسوع المسيح بالجسد

الإيمان وموجباته المنطقية بقيامة يسوع المسيح بالجسد

الإيمان وموجباته المنطقية بقيامة يسوع المسيح بالجسد

بعد أن أقدمت على تسويغ الإيمان المسيحي على صعيدي كل من اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية فكرية، والكتاب المقدس بصفته كلمة الله، سأدافع الآن، كما كنت قد صرحت في الفصل الأول عن اضطراري للقيام بذلك، عن بعض الظواهر التاريخية للإيمان المسيحي، بحيث تُبرهن كل واحدة منها أن يسوع كان ولا يزال المسيح الخارق للطبيعة. في هذا الفصل، سأدافع عن الحدث التاريخي المركزي في المسيحية، ألا هو تاريخية قيامة المسيح في الجسد من بين الأموات، والنتيجة التابعة لها، أي صعوده إلى السماء في الجسد. أما في الفصول الثلاثة التالية، فسأدافع عن حبله العذراوي في رحم العذراء مريم، وعن عجائبه المقتدرة، وعن حادثة اهتداء بولس على طريق دمشق بالطريقة التي ذكرها لوقا في سفر الأعمال. وقد يسأل القارئ، لماذا هذه العقائد؟ حسناً، لنعد رجوعاً إلى تاريخ الكنيسة المشيخية قبل أقل بقليل من قرن من اليوم لنرى الأسباب.

في العام 1924، تبنت الجمعية العمومية للكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة الأميركية PCUSA “التوكيد أوبرن” The Auburn Affirmation والتي حظيت بتوقيع 1274 خادماً مرسوماً. تناولت هذه الوثيقة القرارات من خمس نقاط المختصة بالعقيدة، والتي كانت قد أقرتها الجمعيات العمومية للأعوام 1910، 1916، 1923، والتي كانت قد أكدت أن عصمة الكتاب المقدس، وولادة المسيح العذراوية، وفداءه البديلي، وقيامته في الجسد من بين الأموات، وعجائبه المقتدرة “تعد كل واحدة منها عقيدة أساسية من كلمة الله”. هذه القرارات الثلاثة من خمس نقاط، شكلت المجهود المحافظ ضمن PCUSA، على الأقل، على بعض الشبه بالإيمان الحق في كنيسة كانت تبتعد رويداً رويداً، لكن بخطى ثابتة، عما يعرف باسم “أركان الأيمان”. لكن، وفيما أعلن الموقعون على توكيد 1924 تمسكهم “بكل جدية بهذه الحقائق وبالعقائد العظمى”، عادوا ليعلنوا أيضاً:

ينظر بعضنا إلى النظريات المحددة المتضمنة في إقرار الجمعية العمومية للعام 1923 كتفاسير لهذه الحقائق والعقائد. لكننا مجمعون على الاعتقاد أن ليست هذه النظريات الوحيدة التي تسمح بها الأسفار المقدسة، كما أن معاييرنا لا تصلح وحدها كشروحات لهذه الحقائق والعقائد في ديانتنا. إلى ذلك، جميع المتمسكين بهذه العقائد، مهما كانت النظريات التي قد يعتمدونها لتفسيرها، هو أهل لكي نوليهم كل الثقة وتكوين شركة معهم (الخط المائل لأجل التركيز).

بالطبع، ما أقدم أحدهم على عرض “نظريات” تفسيرية بديلة لهذه العقائد كما كان قد جرى شرحها تقليدياً وتاريخياً، إلا وأنكرها بالتمام أو بلاها بآلاف الأوصاف والنعوت. مثلاً، ما من نظرية تفسير أخرى لقيامة يسوع في الجسد من الأموات، إلا وتنكرت لها؟ برأي، كان ينبغي حصول تقص رئيس للقضية، إن لم نقل محاكمة جماعة على ارتكاب هرطقة، تطال الموقعين مع العديد من مؤيديهم من فريق الوسطيين في الجمعية.

كل ذلك لأن المحافظين في الكنيسة كان عددهم قليلاً، كما أن روح المسالمة السائدة خلال مرحلة ما بعد الحرب، كان منتشراً على نطاق واسع في البلاد وفي الكنيسة. كل هذا جعل PCUSA ببساطة أضعف من خوض “حرب” داخل الكنيسة. لذا، فإن المحافظين الذين كانوا قد تبنوا هذه “الأركان الخمسة للإيمان”، أخفقوا في معرض ما بذلوه من جهد جريء لرد PCUSA عن منحدر عدم الإيمان الذي كانت قد انحدرت إليه على مدى سنين طوال. لذا، أقدم بعضهم في نهاية المطاف على الشهادة ضد ارتداد[1] PCUSA من خلال خروجهم من تلك الكنيسة، كما في اعتقادهم تعلمهم 2كورنثوس 6: 14-18 أن يفعلوا، لكي ينشئوا الكنيسة الأرثوذكسية المشيخية. أقدموا على ذلك لأنهم آمنوا أن هذه العقائد، كما كانت الكنيسة قد فهمتها تقليدياً وتاريخياً، هي أساسية، ليس لخير الكنيسة وحسب، بل أيضاً حتى لوجودها.

سبق لنا أن تناولنا عقيدة عصمة الكتاب المقدس، هذه العقيدة التي بالمناسبة، أعلن عنها توكيد أوبرن:

  • † أولاً، أن الكتاب المقدس لا يؤكد في أي مكان على صفحاته كون كُتابه جرى صونهم “من الخطأ”.
  • † ثانياً، أن اعتراف الإيمان وستنستر لا يلحظ هذا التوكيد[2].
  • † ثالثاً، أن عقيدة العصمة “تنتقص في الواقع من سلطة [الكتاب المقدس] العليا للإيمان والحياة، كما أنها تضعف شهادة الكنيسة عن قوة الله للخلاص من خلال يسوع المسيح”[3]. هذا التصريح لو صح، يعني أن عقيدة العصمة الكتابية هي شر إيجابي!

يا لها من تصريحات مدهشة للغاية! يكفيني القول إن السبب الرئيس وراء قبول عصمة الكتاب المقدس هو الولاء البسيط ليسوع. من أجل هذا، سأتناول العقائد المتبقية على التوالي، للدفاع عنها ولإظهار كيف أن كل واحدة منها تشكل جانباً من السيني كوانن (“الذي من دونه لا يبقى أي شيء”) للمسيحية.

قيامة يسوع المسيح في الجسد

نبدأ من عقيدة قيامة يسوع في الجسد من الأموات، هذا الحدث الرئيس من جملة أحداث عديدة تفرزه وتميزه عن كل شخصية دينية أخرى من الماضي. هناك قاسم مشترك يجمع بين سائر القادة الدينين من الماضي، وهو أنهم ماتوا جميعهم واستمروا أمواتاً. أما يسوع المسيح فهو الذي قام وحده من بين الأموات. بالطبع، يجب أن يعنى هذا شيئاً في نظر العالم! كما أن بولس، في معرض تناوله قيامة المسيح في 1كورنثوس 15، يستنتج في الأعداد 14-19 سبعة انعكاسات على الكنيسة لو أن الله لم يقم المسيح في الجسد من الأموات:

وإن لم يكن المسيح قد قام، [1] فباطلة كرازتنا و[2] باطل [أي وهمي وخادع، كيني] أيضاً إيمانكم، [3] ونوجد نحن [الرسل] أيضاً شهود زور لله، لأننا شهدنا من جهة الله أنه أقام المسيح… وإن لم يكن المسيح قد قام، [4] فباطل إيمانكم [أي غير فعال: ماتايا]. و[لاحظوا جيداً: لم يقل “وبالتالي، لا وجود لله، لذا لا داعي للقلق عندما تموتون”؛ لكنه يقول بالحري] [5] أنتم بعد في خطاياكم! إذاً [6] الذين رقدوا في المسيح أيضاً هلكوا! [7] إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح، فإننا أشقى جميع الناس.

يُظهر هذا النص وحده مدى أهمية الإيمان المسيحي بقيامة المسيح في الجسد من الموت. من هنا أهمية إيلائنا الدفاع عنها مكانة مركزية. سأبدأ ببعض الحقائق الكتابية الأساسية.

صلبت السلطات الرومانية يسوع كصانع شغب بإيعاز من قادة اليهود الدينين. [قليلون، حتى إن وجدوا، هم الذين ينكرون هذا اليوم. كما أن هنا يكمن السبب وراء سخط العالم اليهودي على فلم “مل غبسن” Passion of The Christ (“آلام المسيح”) بحيث اعتبروا أنه “مناهض للسامية[4].] لكن، وبكلمات بولس، “قام في اليوم الثالث حسب الكتب” (1كورنثوس 15: 4)[5]. يسلط هذا الاقتباس الضوء على التعليم الرئيس في كل من العهد الجديد وفي كرازة الكنيسة.

على المسيحيين التسليم بأنه في ضوء الجو اليهودي السائد لدى حصول قيامة المسيح، لم يكن ذلك على الإطلاق ما كانت تتوقعه أمة إسرائيل. أنا لا أقصد من وراء هذا التعليق، الإيحاء بخلو العهد القديم من عقيدة القيامة بما أنها حضارة فيه حقاً (راجع إشعياء 26: 19؛ دانيال 12: 2)، أو كون اليهود في القرن الأول ما كانوا ليؤمنوا بقيامة الأموات، لأنها لحقيقة معروفة جداً أن العديد من اليهود كانوا حقاً يؤمنون بالقيامة (راجع أعمال 23: 6-8). إنما كانوا يؤمنون بأن القيامة من الأموات سوف تحدث في المستقبل في نهاية الزمن (راجع يوحنا 11: 24). لكن قامت شلة صغيرة من الرجال لتعلن، ليس في مكان قصي مثل “أزوتس”، بل في أورشليم نفسها – المركز السياسي والديني للأمة – أن الله أقام يسوع من الأموات. لم يكن وقع هذا التعليم غريباً جداً على الأذن اليهودية وحسب، لكنه كان أيضاً تعليماً مهيناً جداً للقيادة الدينية اليهودية، بمن فيهم شاول الطرسوسي، ذلك لأن يسوع كان قد أعدم كمجدف على صليب روماني، ما يعني أنه مات تحت لعنة الله (تثنية 21: 23)، وبموافقة السهندريم الذي يعد أعلى وأرفع محكمة في الأمة.

غير أن تلاميذ يسوع آمنوا بوجود أسباب موجبة لهكذا كرازة، ذلك لأنهم في وجه التهديدات، والاضطهاد الجسدي، والاستشهاد، ظلوا ينادون بأنه قام في الجسد من بين الأموات. ما هي هذه الأسباب؟ أنا أقر بوجود مجموعتين متشابكتين من الدلائل عملت على أقناعهم فوق كل الشكوك المنطقية بأن يسوع قام من الأموات تماماً كما كان قد أعلن، وذلك في جسد حقيقي له خصائصه الروحية الجديدة التي تمكنه من اختراق الأبواب الموصدة. هاتان المجموعتان هما القبر الفارغ وحقيقة ظهوراته العديدة في الجسد بعد صلبه وطبيعتها. كل واحدة منهما تدفعنا إلى التعليق عليها بعض الشيء.

أول مجموعة عظمى من الدلائل: القبر الفارغ

تذكر الأناجيل الأربعة جميعها كيف أنه في اليوم الثالث بعد صلب يسوع ودفنه، اكتشف تلاميذه أن جسده اختفى من القبر حيث كان قد وضع وأن القبر فارغ (متى 28: 6؛ مرقص 16: 5، 6؛ لوقا 24: 3، 6، 22-24؛ يوحنا 20: 5-8). مباشرة بعد هذا تقريباً، كما لاحظنا قبلاً، شرع التلاميذ في إعلان اقتناعهم بأن يسوع قام من بين الأموات. الآن لو كان القبر في الواقع، لا يزال يحتوي جسده – بحيث تكون النساء ولاحقاً بطرس ويوحنا جميعهم قد قصدوا القبر المغلوط (الأمر الذي حدوثه غير محتمل جداً في ضوء متى 27: 61؛ مرقص 15: 47؛ لوقا 23: 55) – لكان من المؤكد أن تلجأ السلطات، اليهودية والرومانية، إلى تصويب خطأ التلاميذ من خلال توجيههم إلى القبر الصحيح وإلى حقيقة كون القبر لا يزال يحتوي على بقايا جسد يسوع.

العديد من الدارسين النقاد عبر السنين، الذي لم يسلموا بتاريخية قيامة يسوع في الجسد، شعروا بضرورة قبول أن القبر كان، بلا شك، فارغاً، لكن إذعانهم هذا للواقع، عادوا وأفسدوه بتقديمهم نظريات من صنف نظرية الجسد المسروق ونظرية الإغماء لتفسير لماذا كان فارغاً.

 

 

نظرية الجسد المسروق

فيما يخص هذه النظرية، بوسعنا استنتاج بكل ثقة أنه لو كانت بعض الأيدي البشرية هي التي أخرجت يسوع من القبر، فهذه الأيدي يجب أن تكون لتلاميذه، أو لأعدائه، أو لشلة من سالبي القبور المحترفين. الآن، إن كان تلاميذه هم الذي سرقوا جسده، وهو الاحتمال الأول المعروض لتفسير ظاهرة اختفاء الجسد (متى 28: 12-15)، على أحدنا مواجهة مسألة كيف كان بإمكان تلاميذه تخطي صفوف الحراس الرومان (والذين بحسب متى 27: 62-66 كانوا قد جعلوا هناك لهذا القصد المحدد بالذات، أي منع تلاميذه من سرقة جسده). ثم كيف كان بوسعهم دحرجة الحجر من دون أن يكتشف أحد أمرهم. ويبقى التفسير المحتمل الأوحد هو أن كتيبة الحراس بأكملها كانت قد غطت في نوم عميق، الأمر الذي يشكل من جديد أول تفسير معروض.

لكن من غير المحتمل أبداً أن يجرؤ التلاميذ غير المنظمين والخائفين حتى على محاولة خوض هكذا مغامرة. كما أنه من غير المحتمل أكثر بعد، أن يخلد الحراس الرومان جميعهم إلى النوم معاً، وذلك خلال تأديتهم للواجب، بما أنه سيترتب عليهم من جراء ذلك عقاب محتم وصارم. إلى ذلك، كان على هذين الأمرين غير المحتملين أن يحصلا معاً لكي يحظى هذا التفسير للقبر الفارغ بالدعم اللازم. وبالنسبة إلى هذا التفسير الأول المعروض، من الواضح أن أي سامع عنيد وصلب العود سوف يرفض فوراً التفسير الخاص بالحراس فيما يتعلق بجسد يسوع، لأنهم لو ناموا فعلاً لما تسنى لهم معرف هوية سارقي الجسد (راجع متى 28: 13).

ثم هناك مشكلة أخرى يترتب على هذا الحل مواجهتها: لو كان تلاميذ يسوع هم المسؤولون عن اختفاء جسده – هذا الأمر غير المحتمل جداً في ضوء ردة فعلهم على كل ما كان قد حل لتوه بيسوع (راجع يوحنا 20: 19)، علينا تصديق أنهم خرجوا بعد ذلك وأذعنوا كحقيقة تاريخية مجرد وهم كانوا قد استنبطوه هم. كما أنهم أمام الاضطهاد والتهديدات بالقتل، جميعهم وليس مجرد واحد منهم، وحتى لدى مواجهتهم الاستشهاد، لم يتراجعوا عن إعلانهم هذا، مبينين أن الأمر كان ينطوي على خدعة. أنا أقر بأن هكذا سيناريو، ليس غير محتمل وحسب، بل حتى قل غير محتمل بدرجة عالية؛ ذلك لأن الكذبة والمرائين ليسوا من الطينة الصانعة للشهداء!

ثم، إن كان أعداء يسوع (القيادة الدينية اليهودية) هم الذين دبروا عملية رفع الجسد، يترتب على أحدنا التساؤل عن السبب وراء إقدامهم على هذا الفعل الذي ساهم في دعم الفكرة نفسها التي كانوا حريصين أشد الحرص على منع حصولها (راجع متى 27: 62-66). ولو كانوا في الواقع، حازوا على جسده أو عرفوا مكان تواجده، يتساءل أحدنا لماذا لم يحضروا الجسد أو شهوداً جديرين بالثقة بوسعهم تفسير ظاهرة اختفاء الجسد، وبرهان أن التلاميذ كانوا على خطأ لدى شروعهم في إعلان أن يسوع كان قد قام من الموت.

أخيراً، نسب حقيقة القبر الفارغ إلى سالبي القبور، أمر حصوله يحظى بأقل نسبة ممكنة من الاحتمال. فهذا بمثابة إقحام في واقع الحدث تفسير لا يقف وراءه ولا حتى ذرة واحدة من الدلائل. إلى ذلك، لم يكن الحراس الرومان ليحولوا دون حصول ذلك وحسب، لكن ولو افترضنا أنه كان بإمكانهم، بشكل أو بآخر، من تجنب اكتشاف أمرهم وأمعنوا في نهب القبر، كان بإمكانهم بالجهد بعد فتحه، أن يأخذوا جسد يسوع العاري معهم، مخلفين وراءهم الأكفان مرتبة في مكانها وكأن أحد ما لم يمسها (يوحنا 20: 6، 7).

نظرية الإغماء

أما فيما يتعلق بنظرية الإغماء، إن كنا نسلم بحكم “ألبرت شوايتزر” (راجع إصداره فوم رايمارس زو وريدي [1906]، تحت عنوان بحسب الترجمة الإنجليزية The Quest of the Historical Jesus)، كان “دايفد شتوارس” قد صوب على هذه النظرة “الضربة القاضية” قبل أكثر من مئة وخمسين سنة، مع أن أحدنا قد لا يزال يسمع اليوم، من حين إلى آخر، عن عرضها كاحتمال ضمن الأوساط الشعبية. هذه النظرية التي يرفض أحد تصديقها، تعتبر أن يسوع لم يمت فعلياً على الصليب، إنما أصيب بحالة أشبه بالإغماء. لكنه عاد وانتعش خلال مكوثه في القبر، وفي اليوم الأول من الأسبوع استطاع بطريقة ما من شق طريقه عبر الحراس للانضمام إلى تلاميذه في العلية، الذين استخلصوا من ذلك أنه قام من الموت. ثم ما لبث أن مات بعد هذا بوقت قليل.

لكن تصديق هذا، يدفع بدرجات التصديق إلى ما بعد جميع الحدود المشروعة. إنه يستلزم أن يصدق أحدنا أن المسؤولين عن قتله على الصليب (ناهيك أيضاً بأصدقائه الذين أعدوا فيما بعد جسده للدفن) ظهروا بشكل يرثى له ويدعو إلى الشفقة، إنهم غير أكفاء كمنفذين لحكم الإعدام وكحكام على حالة ضحاياهم المصلوبين لدى تنفيذهم فيهم الكروريفراجيوم (كسر السيقان) (راجع يوحنا 19: 31-33). كما أنه يفترض من أحدنا تصديق أن يسوع – بالرغم من مكابدته الآلام المبرحة الناجمة عن الجراح الثخينة في كل من اليدين والقدمين، ناهيك أيضاً بخسارة الدم. وما كان يعانيه من ألم جسدي مع الاختلال الذي من الطبيعي أن يصيب كامل جهازه على أثر الصلب الرهيب نفسه وفي غياب أية عناية بشرية أو تغذية جسدية – تمكن بطريقة ما من البقاء على قيد الحياة بالرغم من الجرح في جنبه والجو البارد داخل القبر.

ثم، ومن دون أية مساعدة بشرية، تمكن من إزاحة الحجر الهائل عن مدخل القبر بواسطة يديه الجريحتين لكي يجتاز عبر جمهور الحراس على قدمين جريحتين إلى داخل المدينة حيث كان تلاميذه مختبئين. وهناك، أقنع أتباعه بأنه – بجسمه المنهك والمرهق – هو رب الحياة! هذا السيناريو يبقى حصوله فوق كل احتمال ولا يستحق أن يوافق عليه أي شخص يفكر. إن كتباً من صنف The Passover Plot (“مؤامرة الفصح”) للكاتب “هاغ سكونفيلد”، وThe Jesus Scroll (“بيان يسوع”) للكاتب “دونوفان جويس”، يعدان صيغتين مختلفتين بعض الشيء عن هذا الموضوع، ولا يأخذ معشر الباحثين هذا الصنف من الكتب على محمل الجد.

لكن، إن كان بعض الدارسين النقاد قد أقروا بحقيقة القبر الفارغ وحاولوا (عبثاً) تقديم تفسيرات له، اكتفى آخرون بإعلان أن القبر الفارغ لم يكن جزءًا أساسياً من رواية القيامة في الأصل، لكن الكنيسة لاحقاً فقط ابتكرت “الحقيقة” لتعزيز رواياتها عن ظهورات القيامة. هذا غير صحيح. ذلك لأن القبر الفارغ شكل جزءًا من مناداة الكنيسة منذ البدء (راجع أعمال 2: 31؛ 1كورنثوس 15: 4). كما أنه لتعليم مغلوط ببساطة، التأكيد بأن التلاميذ الأوائل آمنوا بإمكانية حصول قيامة فعلية من دون القبر الفارغ. قال “ج. س. بركوفر” الصواب عندما لحظ ما يلي:

لم يكن القبر الفارغ بل قيامة المسيح هي التي شكلت الحقيقة الخلاصية العظمى. لكن القيامة بحد ذاتها ترتبط بشكل لا ينفصل عن القبر الفارغ، لأنه من غير الممكن التفكير فيها بمعزل عنه. إنه لأمر مناف في المطلق للأسفار المقدسة الإقدام على حذف رسالة القبر الفارغ والاستمرار في الكلام عن الرب الحي. فالأناجيل تصور القيامة بالارتباط بمعلومات، ولحظات، وأماكن تاريخية تخص ظهوراته. كما أن الأسفار المقدسة لا تدعم في أي مكان منها كونه حياً. بمعزل عن قيامته في الجسد والقبر الفارغ[6].

الخلاصة بديهية: اللاهوتي الذي يصرف النظر عن القبر الفارغ كأمر عرضي لا صلة له بالرسالة المسيحية، ومع هذا يبقى يتحدث عن “قيامة يسوع”، فهذا الشخص لا يقصد “بقيامته” هذه ما يقصده العهد الجديد أو ما قصدته الكنيسة تقليدياً بذلك. لقد أمسى الأمر “فكرة” خلاصية أكثر منه حدثاً خلاصياً. لكن هذه النظرة إلى قيامة يسوع كانت الكنيسة الأولى لترفضها فوراً على اعتبار أنها ليست قيامة على الإطلاق (راجع 2تيموثاوس 2: 17، 18: “هيمينايس وفيليتس، اللذان زاغا عن الحق قائلين: إن القيامة قد صارت”).

نحن دافعنا عند هذا الحد عن حقيقة القبر الفارغ. لكن علينا الآن الإشارة إلى كون هكذا وصف غير دقيق بالتمام. ذلك لأن القبر لم يكن فارغاً بالكلية. فلم يظهر ملائكة فقط للنساء في القبر معلنين لهن أن يسوع قد قام (مرقص 16: 5-7؛ لوقا 24: 3-7)، بل يتحدث أيضاً كل من لوقا (24: 12) ويوحنا (20: 5-7) عن وجود داخل القبر أكفان يسوع الفارغة. فقطع الكتان التي كان جسد يسوع ملفوفاً بها، لا تزال هناك، مع المنديل الذي كان يلف رأسه موضوعاً على حدة، وبشكل منفصل عن الأكفان. توحي هذه الأكفان داخل القبر الفارغ بأن الجسد لم يكن لتمسه أية أياد بشرية وحسب، (لأنه من غير المحتمل جداً أن يقدم الأصدقاء أو الأعداء على السواء على نزع الأكفان أولاً قبل أخذ الجسد)، بل كونه أيضاً بعد أن كان ملفوفاً بالأكفان قد اختفى ببساطة. تاركاً الأكفان وراءه أشبه بغلاف اليرقانة الفارغ. هذا الأمر هو من الأهمية بمكان، لأن بحسب شهادة يوحنا نفسه (يوحنا 20: 3-9)، لم يدرك هو نفسه أن يسوع قد قام من الأموات إلا بعد معاينته الأكفان داخل القبر.

ثاني مجموعة عظمى من الدلائل: ظهورات يسوع العديدة بعد صلبه

ثاني مجموعة عظمى من الدلائل، بعد حقيقة قبر يسوع الفارغ، هي الظهورات العديدة التي قام بها ربنا لتلاميذه في ظروف متنوعة وأماكن مختلفة. يدون العهد الجديد أحد عشر ظهوراً على الأقل، خمسة منها حصلت في ذلك “الفصح” الأول، والخمسة الباقية خلال فترة الأربعين يوماً التالية وحتى يوم صعوده، بما فيها هذا اليوم، إلى جانب ظهروه لشاول (أعمال 9: 1-5).

ظهر أولاً للنساء اللواتي كن قد تركن القبر (متى 28: 8-10)[7]، ومن ثم لمريم المجدلية التي كانت قد رجعت إلى القبر بعد إعلامها بطرس ويوحنا ما رأته مع النساء الأخريات (يوحنا 20: 10-18). بعد هذا ظهر لكلوباس وللتلميذ الآخر الذي لا ذكر لاسمه، وذلك على طريق عمواس (لوقا 24: 13-35)، ومن ثم لبطرس، بلا شك، في وقت ما من بعد ظهر ذلك اليوم عينه (لوقا 24: 34؛ 1كورنثوس 15: 5). إن ما يكتسب أهمية بالغة في تلك المناسبة الأخيرة، هو دعوة يسوع التلاميذ إلى لمسه للتأكد من كونه هو الذي في وسطهم. كما أنه أكل أمامهم قطعة من السمك المشوي كبرهان على الطابع المادي الحقيقي لجسده، وأنه لم يكن مجرد خيال أو شبح.

بعد أسبوع من هذا، عاد ليظهر مجدداً لتلاميذه، مع توما هذه المرة الحاضر مع التلاميذ العشرة الآخرين (يوحنا 20: 26-29). في سياق الكلام الموجز المتعلق بتوما في الإنجيل الرابع (11: 16؛ 14: 5؛ 20: 24)، يصوره يوحنا على أنه شخص بعض الشيء متشائم. وبليد روحياً، ومشكك خال من العاطفة، والمستمد لمواجهة بشكل مباشر المغزى من كون يسوع قد صلب وهو مطروح في هذه اللحظة، بحسب اعتقاده، في قبر يوسف. لم يكن بالتأكيد ذلك الشخص الساذج الذي يصدق كل شيء، أو بالإمكان إقناعه بتصديق أي شيء تقريباً. كان توما في ذلك الحين المشكك المقتنع بأن اللعبة قد وصلت إلى نهايتها، وأن “الرحلة كانت جميلة” طوال الفترة التي استغرقتها.

من هنا يتحتم عليهم الانتقال إلى شيء مفشل أقل ويعد بتحقيق نجاح أوفر! لا بد أنه سأل نفسه أكثر من مرة: “لماذا لا يرى الآخرون بوضوح ما أراه أنا؟” من هنا الصفة التي لصقت به “توما المشكك” بحسب التقليد المسيحي. هو يستحق ذلك فعلاً، لكنه في الواقع لم يكن يختلف كثيراً عن سائر التلاميذ، هؤلاء الرجال الطبيعيين، والعقلانيين، والأصحاء عقلياً، وعما كانوا عليه قبل أيام قليلة فقط! ومن جديد، شجع يسوع على الثقة بحقيقة قيامته وبواقعها من خلال دعوته توما إلى فعل بالتحديد ما كان قد اعتبر قبلاً التلميذ المشكك أنه ضروري لكي يؤمن بأن يسوع قد قام في الجسد من الأموات، أي بوضع إصبعه في جراحات يدي يسوع وجنبه: “هات إصبعك إلى هنا وأبصر يدي، وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً” (يوحنا 20: 27). لا يخبرنا يوحنا إن كان توما فعل هذا أم لا.

أنا أميل إلى الاعتقاد أنه لم يقدم على ذلك، بما أن امتحاناً كهذا، كان حقاً غير ضروري. ألم يشر المسيح المقام من خلال كلماته بالذات، إلى الامتحانات التي طالب بها توما، وذلك قبل أن يسأل هذا أي شيء؟ وبذلك، يكون يسوع قد برهن على طريقته هو، لا على طريقة توما، أنه كان هو فعلاً. توما، بلا شك، ضُرب بشيء آخر في تلك اللحظة: فجراح مسيح الجلجثة المقام (يوحنا 20-29) كلمته بقوة، حتى زالت كل شكوكه. من ثم، تلفظ توما فوراً بأحد أعظم الإعلانات في الكتاب المقدس، وبكل تأكيد الإعلان الأعظم في أي من الأناجيل: [أنت] ربي وإلهي!” لنلاحظ كلمات توما بالتحديد ليس مجرد “[أنت] رب والله” بل [أنت] ربي أنا وإلهي أنا.

لم يكن كافياً في نظر توما معرفة أن يسوع كان سيداً وإلهاً. لقد بات الآن يسوع هذين الأمرين بالنسبة إلى توما هو شخصياً! ثم ظهر يسوع لسبعة تلاميذ (توما من جملتهم) عند بحر الجليل. إنها المرة الثالثة التي فيها يظهر لتلاميذه. كما أنه أعد طعام الفطور وأكل معهم (يوحنا 21: 1-22). ثم ظهر للأحد عشر على جبل من الجليل (متى 28: 16-20). ولعل هذه المناسبة هي نفسها عندما ظهر لأكثر من خمسمئة تلميذ دفعة واحدة، كان العديد منهم لا يزالون على قيد الحياة عندما كتب بولس 1كورنثوس (1كورنثوس 15: 6). ثم ظهر ليعقوب غير المؤمن (يوحنا 7: 5)، هادياً إياه بذلك إلى الإيمان (1كورنثوس 15: 7)، وأخيراً للأحد عشر من جديد بمناسبة صعوده إلى السماء (لوقا 24: 44-52؛ أعمال 1: 4-9؛ 1كورنثوس 15: 7). وبعد هذا بسنوات، ظهر لعدو الكنيسة اللدود شاول الطرسوسي، هادياً إياه إلى الإيمان (أعمال 9: 1-5)، وربما لحنانيا أيضاً (أعمال 9: 10).

صحيح أن حقيقة القبر الفارغ، إذا نظرنا إليها من زاوية “الدليل”، لا تبرهن وحدها أن يسوع قام من الموت، لكنها تشير حقاً إلى حدوث شيء ما لجسد يسوع بعد دفنه. ثم تأتي ظهورات يسوع العديدة بعد موته لتفسر على أفضل حال ما كان قد حل بجسده: لقد قام في الجسد من بين الأموات. لأنه متى وُجد لاحقاً قبر رجل ميت فارغاً، وهو يظهر في كل مكان لأناس مختلفين، يبقى التفسير الأفضل لهذه الظاهرة أن هذا الرجل حصل على قيامة في الجسد! كما أن حقيقة كون هذه الظهورات حصلت (1) لأفراد (مريم، بطرس، يعقوب)، ولتلميذين، ولمجموعات صغيرة، ولجماعات كبيرة، (2) ولرجال ونساء على السواء، (3) في العلن وعلى صعيد شخصي، (4) وفي كل ساعات اليوم – في الصباح، خلال النهار، وفي الليل، و(5) وفي كل من أورشليم والجليل. كل هذا يزيل أي احتمال أن تكون هذه الظهورات مجرد ضروب من الهلوسة. فالإنسان الفرد قد يشعر بالهلوسة، لكن من غير المحتمل جداً، بل إنه لضرب من المستحيل أن تصاب مجموعات بأكملها بل حشود كبيرة من الناس بالهلوسة عينها في الوقت عينه!

من الضروري ملاحظة جانب آخر في غاية الأهمية من روايات الإنجيل لظهورات يسوع: إنها تفتقر إلى التصنع السلس الذي يحصل دائماً لدى تآمر بعض الرجال المخادعين لجعل رواية مركبة تبدو منطقية. فالواحد منا يواجه على الفور صعوبة في إيجاد توافق وتطابق بين الروايات الأربع لظهورات يسوع المتعددة بعد صلبه. إلى ذلك، وبحسب التدوين داخل الأناجيل، النساء هن اللواتي أول من اكتشفن القبر الفارغ، كما أن يسوع ظهر أولاً لنساء بعد قيامته. وحيث إن شهادة النساء لم تكن تكتسب مبدئياً أية قيمة في المحاكم في ذلك الزمان، من غير المحتمل جداً لو أن التلاميذ كانوا قد تآمروا معاً لتلفيق الروايات المتعلقة بالقبر الفارغ وبظهورات يسوع العديدة بعد صلبه، أن يبدؤوا سردهم بتفصيل هام كان من شأنه إضعاف الثقة به منذ البداية.

لذا، كان من المرغوب فيه أكثر من وجهة نظر التلاميذ – لجعل مناداتهم منطقية أكثر – أن يكون بإمكانهم التصريح بأن رجالاً هم الذين أول من اكتشفوا القبر الفارغ، وأن رجالاً هم الذين أول من ظهر يسوع لهم، فهذا العامل كما يظهر في روايات الأناجيل، يفرض علينا استخلاص أن الأمور ببساطة لم تجر على هذا النحو. بل كان جل اهتمامهم تدوين ما حصل فعلاً لأنهم كانوا رجالاً مخلصين. وهكذا اكتفى التلاميذ بنقل الأحداث كما هي، رافضين تجميلها أو التغيير فيها كما كان سيفعل الكُتاب الكلاسيكيون. هذه الظاهرة في السرد الموجود في الإنجيل، تضفي على التدوين طابع الحق.

هاتان المجموعتان العظيمتان من المعلومات في العهد الجديد – القبر الفارغ وظهورات يسوع المتعددة بعد صلبة – أوكد أنهما تدعمان فوق كل شك شرعي، حقيقة قيامة يسوع في الجسد من الموت وتاريخها.

إلى جانب هذه الخطين من الحجج مع ما يحملانه من قيمة لدعم تاريخية قيامة يسوع في الجسد من الموت، بوسع أحدنا أن يذكر ثالثاً، التغيير الجذري الذي طرأ على التلاميذ من خلال تحولهم من الفشل الذي يشل بعد موت الرب مباشرة إلى الإيمان واليقين بعد هذا بثلاثة أيام. رابعاً، عندنا اهتداء كل من يعقوب وشاول الطرسوسي الذي حصل لاحقاً، وخامساً هناك المؤسسة المنظورة في هذا العالم، أقصد بها كنيسة يسوع المسيح، من كان أعضاؤها قد دأبوا منذ البداية على عبادة يسوع المسيح بصفته الله، في اليوم الأول من الأسبوع بدل اليوم السابع[8]. كل واحدة من هذه الحقائق تستلزم لتفسيرها حدثاً وراءه، كحدث قيامة المسيح في الجسد.

قد يقر أحدهم بأن كل ما قيل حتى الآن من المسلم به أنه يدعم بقوة قضية قيامة المسيح في الجسد بالنسبة إلى المؤمنين بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله، بما أن البحث بجملته تمركز واستمد جوهره من تعليم الكتاب المقدس حول هذا الحدث. لكن قد يزعم أحدهم أن الحجة لا تعني شيئاً في نظر الذين لا يؤمنون بشهادة الكتاب المقدس. كيف أرد على هذا؟ حسناً، ألحظ أن الذين لا يتأثرون بهذه الحجة، ثمة كيان، غير الكتاب المقدس، عليه تفسيره. وهذا يتمثل بوجود الكيان المنظور من خارج الكتاب المقدس والمعروف بكنيسة يسوع المسيح التي دأبت منذ البداية على عبادة المسيح بصفته الله. والأكثر من هذا، أقدمت الكنيسة من قبيل مجرد الصدفة على عبادة المسيح بهذا الشكل جهاراً في اليوم الأول من الأسبوع.

كيف عسانا تفسير هذه الحقائق؟ كيف ولماذا ظهرت كنيسة يسوع المسيح في العالم؟ وأية قوة تقف وراء نشوئها في الأصل؟ ولماذا تعبد المسيح، ولماذا تعبده جهاراً في اليوم الأول من الأسبوع؟ لا يمكن لغير المؤمن، بل يجب ألا يتجاهل هذه الأسئلة؛ بل يترتب عليه مواجهتها مباشرة لعرض تفسير لا يقل منطقياً عن الذي يعرضه الكتاب المقدس. لكن، هذا ما يعجز عنه. وكل محاولة من الزاوية الطبيعية لنشوء الكنيسة في العالم، بمعزل عن قيامة يسوع المسيح في الجسد، تفتقر إلى المعقولية، وقد وجدت ناقصة. وكما يصرح “ن. ت. رايت”: “كل التفسيرات البديلة [للقبر الفارغ و”للقاءات مع يسوع”] تخفق، الأمر المتوقع لها”.[9] باختصار، يعرض الحدث التاريخي لقيامة يسوع المسيح في الجسد في اليوم الأول من الأسبوع، السبب ليس فقط وراء إقدام الكنيسة على عبادة المسيح بصفته الله وحسب، بل لعبادته أيضاً في اليوم الأول من الأسبوع.

يظهر كل هذا التجديف الفارغ من أي معنى للمخرج “سمشا جاكوبوفيتشي” من خلال إنتاجه في العام 2007 الفيلم المسمى “وثائقي” تحت العنوان The Last Tomb of Jesus (“القبر الفارغ ليسوع”)، والذي فيه يحاول زعم أن عشرة صناديق صغيرة لحفظ عظام الموت، كان قد تم اكتشافها في ضواحي أورشليم عام 1980، من شأنها أن تكون قد احتوت عظام يسوع وعائلته. بمعزل عن كون الأسفار المقدسة الموحى بها تشهد لما هو نقيض هذا، احتمال أن تكون صناديق العظام هذه تحوي عظام يسوع، هي ضئيلة إلى أقصى الحدود، بل قل لا وجود لها. إنه لأمر محزن حقاً رؤية على أية حدود من الجهل والغباء قد يبلغ بعض القوم، لسلب البشرية وحرمانها من رجائها الأوحد، لأنه بمعزل عن قيامة يسوع المسيح في الجسد، لا يكون للبشرية أي رجاء بالفداء، حتى إنهم لا يزالون في خطاياهم.

أكرر أن التلاميذ كانوا مقتنعين في المطلق. من كون يسوع المسيح قام في الجسد من الموت في اليوم الثالث، وذلك في ضوء حقيقة قبر يسوع الفارغ والعديد من ظهوراته بعد صلبه. وعلى هذا الأساس كانوا على استعداد لمكايدة الاضطهاد، وحتى الموت من أجل اقتناعهم هذا. لو كانت شهادتهم مجرد ضرب من ضروب الخيال، يكون من الصعب تفسير لماذا لم يقدم ولا حتى واحد منهم، لدى مواجهتهم الاستشهاد، على إعلان أن روايتهم كانت مجرد حيلة مصنعة ليس إلا.

الرد على آراء النقاد

إن روايات ظهورات المسيح المدونة في الأناجيل، هي أساطير في نظر العديد من النقاد. لكن المحير في الأمر هو أن هؤلاء الدارسين أنفسهم غير المستعدين للتسليم بقيامة يسوع في الجسد من الموت، هم في معظمهم، إن لم نقل جميعهم، يقرون بتاريخية موت المسيح صلباً على عهد بيلاطس البنطي، وبحالة اليأس التي أصابت التلاميذ، وباختبارات “الفصح” التي اعتبروها بمثابة ظهورات المسيح المقام لهم، وما ينتج من ذلك من تغيير فيهم، وصولاً إلى اهتداء شاول الذي تلا ذلك. باختصار، بالنسبة إلى العديد من الباحثين اليوم، بينما لا يجب اعتبار قيامة يسوع بمثابة حدث تاريخي، يقرون بأن التلاميذ حصلوا على بعض الاختبارات الشخصية والوهمية، والتي راحوا على أساسها ينادون بأن يسوع قام من الأموات وقد ظهر لهم. كيف علينا الرد على هؤلاء؟

بالنسبة إلى الزعم بأن روايات الظهورات كانت مجرد أساطير لاحقة ابتدعتها الكنيسة الأولى، من الأهمية بمكان ملاحظة كيف أن دارسي العهد الجديد يؤيدون بأعداد متزايدة كون تصريحات بولس في 1كورنثوس 15: 3-5 (أول رواية مكتوبة لظهورات القيامة، بما أن كتابة 1كورنثوس حصلت قبل الأناجيل القانونية) إنما تعكس مضمون معتقد مسيحي قديم شبه رسمي، وهو أقدم من 1كورنثوس نفسها (هذه الرسالة التي كانت قد كتبت على الأرجح في ربيع عام 56م. من أفسس) والتي كانت قد انتشرت ضمن جماعة المؤمنين المحلية[10].

يبنى هذا التوكيد على (1) إشارات بولس إلى “تسليمه” الكورنثيين ما كان قد “تسلمه” هو، الأمر الذي يوحي بأننا هنا أمام قطعة من “التقليد”، (2) التطابق في الأسلوب للمواد نفسها التي جرى “تسليمها” (راجع الجمل الأربع هوتي، مع تكرار العبارة كاتا تاس غرافس في الأولى والثالثة بينها)، (3) اللفظة الأرامية “صفا” بالإشارة إلى بطرس، والتي توحي ببيئة محلية أبكر، وليس ببيئة يونانية – رومانية لاحقة لهذا التقليد، (4) الوصف التقليدي لمعشر التلاميذ “كالاثني عشر”، و(5) حذف من القائمة الظهورات للنساء. إن كان بولس، في الواقع، قد “تسلم” بعضاً من هذا “التقليد” مثلاُ، ما يتعلق بظهورات يسوع لبطرس ويعقوب (المشار إليها في 15: 5، 7: راجع أيضاً أعمال 13: 30، 31) مباشرة من بطرس ويعقوب نفسيهما خلال زيارته الأولى إلى أورشليم بعد ثلاث سنوات على هدايته (راجع أعمال 9: 26-28؛ غلاطية 1: 18، 19)، الأمر الذي من المحتمل جداً أن يكون قد حصل، فهذا النص يعكس ما كان يعلمه على التراب المحلي أوائل شهود العيان للأحداث الحاصلة في أورشليم، وذلك في غضون أيام بعد الصلب.

الإشارة الضمنية الواضحة هنا هي إلى كون المادة في 1كورنثوس 15: 3ب-5 هي مبينة على شهادة فلسطينية باكرة لشهود عيان، وتعد بالجهد انعكاساً لتقارير اسطورية كانت قد نشأت بعد وقت طويل ضمن ما يعرف بجماعات الإيمان اليهودية – الهلينية أو الأممية الهلينية. لم يكن هناك ببساطة الوقت الكافي، مع أخذ بعين الاعتبار التلاميذ الأولين الذين كانوا لا يزالون متواجدين في أورشليم لتصحيح روايات مغلوطة قد تكون قد نشأت عن يسوع، حتى تكون إضافات اسطورية من هذا الصنف قد نشأت وباتت بمثابة ظاهرة مقبولة ضمن “التقليد”. يثير وجود هذا “الاعتراف الباكر” بدوره اعترافات جدية حول ما إذا كانت روايات الظهور ضمن الأناجيل القانونية هي قصص اسطورية مبنية على مصادر غير محلية، كما أصر على ذلك العديد من الدارسين “البلتمانيين”. تأتي الحقائق لتوحي بقوة بما هو عكس ذلك. أي أن رايات الظهورات في الأناجيل ليس من قبيل القصص الأسطورية، كما يزعم هؤلاء الدارسون “البلتمانيون”.

الآن، من الأهمية بمكان أن كل النقاد مبدئياً اليوم، كما لاحظنا قبلاً، هم على استعداد للتسليم بأن التلاميذ بعد وقت قصير على موت يسوع – لسبب أو لآخر – قد جرى لهم تغيير عاطفي ملحوظ ورائع بحيث حل عندهم اليقين والثقة فجأة مكان الفشل واليأس اللذين كانا يمتلكانهم. وحتى “بلتمان” نفسه يقر بتاريخية اختبارهم “الفصح”[11] ويسلم بأن هذه الثقة الحديثة العهد هي التي أنشأت الكنيسة كحركة إرسالية. ما الذي أحدث هذا التغيير؟ إن كان أحدنا يجيب، على نسق بعض الدارسين، بأن اعتقادهم أنهم رأوا يسوع حياً، هو السبب الذي أجرى هذا التغيير فيهم من الخوف إلى الثقة، فعليّ الإشارة إلى أن في هذا تكراراً للمعنى ذاته: هنا يزعم أحدنا في نهاية المطاف أن اعتقادهم بأنهم قد رأوا يسوع الحي، هو الذي أنشأ فيهم إيمانهم بقيامة يسوع. نحن لا نزال أمام السؤال عينه: ما الذي أنشأ فيهم اعتقادهم أنهم رأوا يسوع الحي وعلى صعيد شخصي؟ لعل حدثاً سابقاً هو الذي أثر في اعتقادهم أنهم رأوا الرب المقام.

ترى، ما كان ذلك الحدث؟ إن كان أحدنا يجيب بالقول إن الأمر كان ينطوي على اختبار رؤيوي، أي على هلوسة، كان الحدث الذي أسفر عنه إيمانهم الفصحي، علينا أن نسأل عما تسبب بهذا الاختبار الرؤيوي. هنا، تختلف الآراء بالطبع. بعض الدارسين (“لامب”، “شوايتزر”، و”بورنكم” مثلاً) رأوا أن ظهورات القيامة كانت بمثابة صور ذهنية للذات الروحية ليسوع من دون جسده، والتي قد تواصل من خلالها مع تلاميذه من السماء. بكلام آخر، كانت ظهورات القيامة أنشطة فعلية من قبل يسوع “المروحن” والتي من خلالها دخل في علاقة حقيقية فعلية مع تلاميذه. اعتبر آخرون أن اختبار رؤية يسوع بعد صلبه، كانت ظاهرة طبيعية بحتة، جاءت ببساطة نتيجة عمل الإيحاء الذاتي.

يوحي “بلتمان”، مثلاً، بأن علاقة يسوع “الحميمة والشخصية” بهم إبان أيام خدمته بينهم، هي التي كانت قد شرعت في تغذية هكذا ذكريات طيبة فيهم حتى بدؤوا باختبار “رؤى شخصية وغير موضوعية” له، مع تخيلهم كونهم قد رأوه حياً من جديد[12]. “مايكل غولدر” في الأولى من مساهمتية في كتاب The Myth of God Incarnate (“أسطورة الله المتجسد”)، يعيد الإيمان بقيامة يسوع إلى بطرس الذي نعته نفسياً بأنه “mumpsimus” (مامبسيمس) أي من كانت معتقداته تقوى بدل أن تضعف، على قدر ما تتعرض أكثر فأكثر للدحض[13]. فبطرس هذا حصل على “اهتداء اختبره تحت شكل رؤيا” وتخيل أنه رأى يسوع في صبيحة أول يوم فصح ذاك. وفي تلك الليلة نقل اختباره إلى التلاميذ الآخرين، وهكذا.

…. سرت قوة الهستيريا بشكل عظيم داخل جماعة صغيرة حتى أنه في المساء، وتحت تأثير [السحر المنوم (؟)] لنور الشمعة مع [حالة التوتر العاطفي الشديد السائدة] من جراء خشيتهم من احتمال إلقاء القبض عليهم، وقد بدأت تنمو فيهم براعم الأمل بالعزم والإقدام أيضاً [لكن، على أي أساس؟]، بدأ لهم كأن الرب أتاهم عبر الباب الموصد، قبل أن غادرهم. [والآن، لنلاحظ كيف انتقل “غولدر” إلى خلاصته من دون بذل أي جهد]… أضرم اختبار الفصح إيماناً رفع يسوع إلى مصاف الألوهية، وحمل تعاليمه إلى كل زوايا المعمورة[14].

ينظر “غرد لودمن” إلى قصة القيامة كضرب من التخيل الوهمي الناتج من حزن الرسل وشعورهم بالذنب[15]. لكن فعلياً الآن، هل هذه تفسيرات منطقية تقف وراء وجود الكنيسة وإيمانها؟ بالجهد كذلك. أضف إلى ذلك حقيقة كون كل هذه الآراء (1) تترك حقيقة القبر الفارغ من دون تفسير (ولسنا نبالغ إن قلنا إنها تتحطم على “صخرة” القبر الفارغ، و(2) يفوتها تقبل التنوع في التفاصيل المجردة للروايات المتعددة للظهورات نفسها. أصاب جداً “جورج أ. لاد” من خلال إشارته إلى كون:

…. الرؤى لا تحصل بشكل عشوائي. فاختبارها يستلزم بعض الشروط المسبقة عند الأشخاص المعنيين، هذه الشروط المسبقة الغائبة بالتمام عن تلاميذ يسوع. أن نتصور التلاميذ وهم يراعون ويغذون ذكريات حميمة عن يسوع بعد موته، ويشتاقون إلى رؤيته مجدداً، ولا يتوقعون له أن يموت فعلاً. كل هذا هو نقيض الدلائل التي في حوزتنا. كما أن تصوير التلاميذ على أنهم مشبعون بهذا المقدار من الرجاء من جراء ما خلفه يسوع فيهم من تأثير، ما مكن إيمانهم من التغلب بسهولة على حاجز الموت لكي ينصبوا يسوع كربهم الحي والمقام. كل هذا يفترض إعادة صياغة جذرية للتقليد الإنجيلي. وبينما قد لا يكون من المطري للتلاميذ، التصريح بأن إيمانهم كان بإمكانه فقط أن ينتج من اختبار حقيقي بتجرد، هذا ما تدونه الأناجيل فعلاً[16].

عدد من تلامذة “بلتمان” بمن فيهم “غيرهارد إيبلينغ” و”إرنست كازمان” و”غنثر بورنكام” و”إرنست فاكس” رفضوا عملية تذويب معلمهم للروابط التي تجمع بين الإيمان والتاريخ العلمي، وذلك على أساس أنها تجعل من غير الممكن التمييز بين الإيمان المسيحي والتزام رب أسطوري. يسلم “بورنكام” أحد تلامذة “بلتمان” الأكثر نفوذاً، “بعدم وجود تفسير مرض لمعجزة القيامة في طبيعة التلاميذ الداخلية”:

الرجال والنساء الذين يقابلون المسيح المقام [في الأناجيل] وصلوا إلى نهاية حكمتهم. كانوا في حالة اضطراب وانزعاج من جراء موته. راحوا يسيرون كمفجوعين على غير هدى حول قبر سيدهم في محبتهم العاجزة عن فعل أي شيء، محاولين بوسائل تدعو إلى الشفقة – على غرار النساء عند القبر – أن يوقفوا العملية وانبعاث رائحة النتانة. كان هؤلاء التلاميذ متجمهرين معاً على نسق الحيوانات في العاصفة (يوحنا 20: 19 والأعداد التالية). هكذا كانت أيضاً حال التلميذين على طريق عمواس عشية يوم الفصح، بعد أن كانت قد تحطمت آخر آمالهم. يحتاج أحدنا إلى قلب جميع روايات الفصح هذه رأساً على عقب في حال أراد إظهار هؤلاء القوم بكلمات “فاوست”: “إنهم يحتفلون بقيامة الرب من الأموات، لأنهم هم قاموا من الأموات”. كلا، هم لم يقوموا من الأموات. فما يختبرونه هو الخوف والشك، كما أن الشيء الوحيد الذي يوقظ الفرح والسرور في قلوبهم هو مجرد هذا: التلاميذ في يوم الفصح هم الذين يتميزون بالموت، فيما المصلوب والمدفون هو الحي[17].

يواصل “بورنكام” كلامه بالقول إن “رسالة قيامة يسوع، لم تكن بأي شكل من الأشكال، من نتاج الجماعة المؤمنة وحدها”. ثم يستخلص أنه “لمن المؤكد أن ظهورات المسيح المقام مع كلمة شهوده، هي التي أنشأت هذا الإيمان في المرتبة الأولى”[18]. أنا أوافق، بل أصر على أن “الاختبار الحقيقي بتجرد” الذي كان قد حصل عليه التلاميذ، والذي كان “لاد” قد تحدث عنه قبلاً، جاءهم نتيجة “البراهين المقنعة الكثيرة” (أعمال 1: 3) على قيامته في الجسد من خلال ظهوراته العديدة لهم بعد صلبه. إذ لا شيء أقل من القيامة الفعلية في الجسد من الموت، باستطاعتها تفسير ظاهرتي كل من القبر الفارغ والتحول الجذري الذي حصل للتلاميذ والذي نقلهم من حالة الشك والغم إلى الإيمان وفرح الشهيد. لذا، لا داعي للبحث عن تفسير آخر يصلح كأساس لإيمانهم الفصحي.

مكانة قيامة يسوع في الجسد على صعيد المناداة المسيحية في الكنيسة الأولى

اعتمدت الكنيسة الأولى حق قيامة يسوع في الجسد من الأموات “كالمدخل” لإعلان بشارة الإنجيل. يوضح المسح الشامل السريع للعظات المدونة في أعمال 2: 14-39؛ 3: 13-26؛ 4: 10-12؛ 5: 30-32؛ 10: 36-43؛ 13: 17-41؛ 17: 22-31 إلى جانب تعاليم رسائل العهد الجديد (رومية 1: 2-4؛ 2: 16؛ 8: 34؛ 9: 5؛ 10: 8، 9؛ 1كورنثوس 15: 3، 4) كيف أن اعتماد الرسل قيامة يسوع في الجسد من الأموات، لم يكن بالأمر الشاذ على الإطلاق. استخدموه بسبب ما يحدثه من صدمة، وهنا تكمن قيمته.

حقاً، كان التركيز في “الكريغما” (المناداة) البدائية دائماً على قيامة المسيح في الجسد من الأموات. لا يلحظ أي من هذه العظات المدونة إقدام الواعظ على التوقف أمام الحاضرين للتركيز على ما ينطوي عليه موت المسيح من أهمية خلاصية. لكنهم يشددون جميعهم على أن الله كان قد قلب رأساً على عقب حكم الناس من خلال إقامته من الأموات رجلاً – يسوع المسيح – والذي كانت السلطات الرومانية قد صلبته كمجرم، وذلك بإيعاز من السنهدرين اليهودي. وفي هذا السياق، يؤكد “ولبر م. سميث” ما يلي: “يشهد سفر الأعمال لحقيقة أنه من خلال الكرازة بقيامة المسيح [وليس الصليب] قد جرى قلب العالم رأساً على عقب”[19]. وبأكثر دقة، فإن الانعكاسات التي كان الرسل قد استنتجوها من هذا الحدث الجلل، هي التي هزت العالم الروماني من القرن الأول حتى جذوره. والمقصود بذلك كون:

  • † قيامة المسيح في الجسد من الأموات، أظهرت هويته الإلهية (رومية 1: 3، 4)[20].
  • † قيامة المسيح في الجسد، السبيل لجلوسه على العرش في السماء رباً على بني البشر (أعمال 2: 36؛ 10: 42؛ رومية 14: 9).
  • † المسيح بفضل قيامته في الجسد تبرهن أنه مخلص الناس الأوحد (أعمال 4: 12). وبالتالي أبرزت جميع ديانات العالم الأخرى على أنها على خطأ وغير أهل لكي يعطيها الناس ولاءهم.
  • † قيامة المسيح في الجسد من الأموات، أظهرت كيف أن الله جعل ختم رضاه على عمل المسيح الفدائي (رومية 4: 25؛ عبرانيين 9: 24، 25؛ 13: 20).
  • † قيامة المسيح في الجسد من الأموات، جعلت منه “موقع الهيكل” الحقيقي حيث بإمكان الناس العثور على الله وعبادته (يوحنا 2: 19، 21؛ مرقص 14: 58).
  • † قيامة المسيح في الجسد من الأموات، تشكل جانباً أساسياً من الإيمان الذي يخلص الخطاة (رومية 10: 9).
  • † قيامة المسيح في الجسد من الأموات، تؤكد للمسيحيين مدى مصداقية تعليمه (متى 16: 21) وتحثهم على البقاء أمناء له لدى تعرضهم للاضطهاد من أجل إيمانهم (2تيموثاوس 2: 8).
  • † قيامة المسيح في الجسد من الأموات، بصفته “باكورة الراقدين”، تؤكد للمسيحيين، وضمناً لجميع الشعوب الأخرى، أن قيامة الأموات في نهاية الأيام قد بدأت، وأنهم بالتالي سيقامون في الجسد ذات يوم إما لسرورهم، وإما لويلهم (يوحنا 5: 28، 29؛ أعمال 24: 15؛ رومية 8: 19 والأعداد التالية؛ 1كورنثوس 15: 20 والأعداد التالية؛ 1تسالونيكي 4: 14؛ 1بطرس 1: 3، 4).
  • † قيامة المسيح في الجسد من الأموات، وما تلى ذلك من صعود وارتقائه إلى الربوبية، قد ثبتاه دياناً لكل الناس (أعمال 17: 31).
  • † كان على الكنيسة الاحتفال بحقيقة قيامة المسيح في الجسد من الأموات، من خلال اجتماعها معاً في كل أول يوم من الأسبوع، على مدار السنة، وحتى نهاية العالم! على الكنيسة ألا تدع البشرية تنسى السبب وراء انتقال السبت من اليوم السابع إلى اليوم الأول.

بينما يبقى أحدنا غير متأثر بالإعلان عن أحد الأشخاص الذي يدعي بأنه مسيا اليهود، كون صلب على صليب روماني، بما أن آلافاً من الناس لقوا هذا المصير نفسه، لا يمكن لأحدنا البقاء محايداً حيال الإعلان بأن الله قد أقام يسوع هذا في الجسد من الأموات. لا يستطيع أحدنا أن يقول متثائباً: “ما أروع هذا”، قبل أن يهز رأسه ويمضي في طريقه بلا مبالاة! لكن قيامة يسوع كانت ولا تزال معجزة! فإما أن تكون قد حصلت، وإما ألا تكون قد حصلت! فلا مكان للحياد هنا! هذا الجانب من المناداة في بدايتها، استحوذ على اهتمام السامع، واستلزم منه قراراً فكرياً. وفي حال رفضها، عرض بذلك نفسه للخطر من خلال تنكره للرب المرفع والمزمع ذات يوم أن يدينه. وإن قبلها، فإنه يكون بذلك قد تحول إلى مخلص البشرية الأوحد الذي مات من أجل خطاياه. وعندما شرح له بولس تلك “الأخبار السارة”، شرحها، رجاء ملاحظة هذا جيداً، من زاوية التبرير بالإيمان وحده!

هذا “المدخل” على طريقة مناداة الكنيسة الأولى بالإنجيل، كنت قد أشرت إليها في محاضراتي على مر السنين. ولئن تأثر تلامذتي في حينه دائماً بهذه الحقيقة. لا أحد منهم، كما أعلم، خرج لتطبيق أسلوب الكنيسة الأولى هذا في التبشير على الذين لا يعرفون الكتاب المقدس. صلاتي أن يقدم على ذلك أحدهم في يوم من الأيام. ومن يعلم؟ فهذا الشخص قد يفتن المسكونة من جديد، كما حصل مع الكنيسة الأولى!

 

 

[1] أحد المؤشرات على استمرار في PCUSA هو ما حصل خلال الجمعية العمومية في دورتها التي تحمل الرقم 217، والملتئمة في “برمنغهام”، “ألاباما”، خلال صيف 2006. فلقد “قيلت” بناء على اقتراع 282-212 وثيقة بحث تلحظ أن المعروف بلغة الكنيسة التقليدية بشأن الثالوث (والذي يصدف أنه لغة الكتاب المقدس) تصور الله على أنه ذكر، الأمر الذي يشير ضمناً إلى تسامي الرجال على النساء (“ونحن نندم على هذا التشويه”، كما صرح التقرير). هذا يسمح لكل كنيسة بمفردها بتقرير لنفسها إن كانت تفضل التحدث عن “التجسيدات الثلاثة” لله تحت شكل “الأم الحنونة”، و”الطفل المحبوب”، و”الرحم الواهب الحياة”، أو “المحب”، و”المحبوب”، و”المحبة” التي تربط المحب بالمحبوب، أو “قوس قزح الوعد”، و”تابوت الخلاص”، و”حمامة السلام” أو “الصخرة”، و”حجر الزاوية”، و”الهيكل”، أو “الشمس”، و”النور”، و”الشعاع المحرق”، أو “المتكلم”، و”الكلمة”، و”النفس”.

[2] إلا أنه يتحدث عن “الحق المنزه عن الخطأ” للأسفار المقدسة في 1,5، كما يعلن أن “القانون المنزه عن الخطأ لتفسير الأسفار المقدسة، هي الأسفار المقدسة نفسها” في 1,9. هذا مع العلم أن “القانون” يفترض عدم وجود أخطاء فيه.

[3] لا يعرض التوكيد أي تفسير منطقي لماذا عقيدة العصمة تنتقص من سلطة الكتاب المقدس أو تضعف شهادة الكنيسة للإنجيل. أنا أفترض أن التوكيد يقصد بذلك القول إن عقيدة عصمة الكتاب المقدس تحول الاهتمام بعيداً عن “الكلمة الحي” (المسيح) إلى “الكلمة المكتوبة” (الكتاب المقدس). في الواقع، نقيض ذلك هو الصحيح: لأننا في حال راعينا نظرة أدنى إلى الكتاب المقدس، لا نضفي بذلك أهمية أكبر على المسيح؛ بل بالحري ننتقص من شهادته. إلى ذلك، فالكتاب المقدس الذي هو عرضة للخطأ وغير معصوم، من شأنه الانتقاص من سلطة هذا الكتاب وإضعاف شهادته للمسيح الكلمة الحي. بوسعي فقط استخلاص أن الذهن الليبيرالي هو ذهن مشوس.

[4] غالباً ما يجري التأكيد بشكل مغلوط على أن السلطات الرومانية، أي بيلاطس وهيرودوس، هما المسؤولان عن صلب يسوع المسيح، مع النظر إلى القيادة الدينية اليهودية، على الغالب، كمجرد ممثلين متواطئين في هذا الحدث. لكن واقع الأمر يظهر عكس ذلك تماماً؛ لم يكن للسلطات الرومانية أي اهتمام بسوع قبل إقدام القيادة الدينية اليهودية على إرغامهم على النظر في قضيته. وحتى بعد ذلك، وجد القائدان الرومانيان يسوع بريئاً من التهم التي وجهها إليه اليهود. لكن القيادة الدنية اليهودية ظلت متصلبة في رفضها قرار الرومان القاضي بإطلاقه، وطالبت بصلبه. حقاً، أمن الرومان “السكين” في صلب يسوع، أي أسلوب القتل، في حين ظهرت القيادة الدينية اليهودية بمثابة “اليد التي دفعت السكين”. إذاً، القيادة الدينية اليهودية هي التي حرضت على صلب المسيح فيما قامت روما بدور الممثل المتواطئ.

[5] تستلزم العبارة “في اليوم الثالث”. بعض التعليق. أين يعلم العهد القديم أن يسوع سيقوم من الأموات في اليوم الثالث بعد موته؟ يحاجج “أندرو ثيسلتن” في تفسيره

(NIGTC; Grand Rapids: Eerdmans, 2000), 1196-97) The First Epistle to the Corinthians

في كون العبارة “بحسب الكتب” لا تتعلق “باليوم الثالث” بل فقط بالعبارة “قام”. لكن يسوع نفسه أعلن في لوقا 24: 44-46 أن العهد القديم شهد لكون المسيا سوف يموت ويقوم في اليوم الثالث. تأمل الباحثون لوقت طويل في هذه المسألة وذلك في غياب العديد من نصوص العهد القديم من أجل الاختيار منها. في معظم الأحيان، يتم اختيار هوشع 6: 2 وأحياناً يجري عرض يونان 1: 17 و2ملوك 20: 5. لكن المشكلة مع هوشع 6: 2 هي أنه يتحدث عن قيامتنا نحن، لا عن قيامة المسيا. كما أن المشكلة مع يونان 1: 17 هي أنه يستلزم متى 12: 40 كرابط أما المشكلة مع 2ملوك 20: 5 فهي أنه لا يتحدث قط عن القيامة.

أنا أقترح أن حادثة المريا في تكوين 22، والتي قليلاً ما تؤخذ بعين الاعتبار، تبقى على الأرجح الخيار الأفضل بعد التفكير بكل شيء آخر. فتصريح إبراهيم في تكوين 22: 5 يشير ضمناً بوضوح إلى أن إبراهيم آمن بأن اسحق سوف يقام من الأموات في اليوم الثالث بعد أن كان الله قد أمره بتقريبه. في ذلك الوقت، كان إبراهيم يعتبر اسحق كأنه ميت، كما صرح كاتب العبرانيين بوضوح أن إبراهيم “من الزاوية الرمزية” استرجع اسحق من الموت في ذلك الوقت. يحتاج أحدنا فقط أن يفهم رمزية “موت وقيامة” اسحق، وينظر إليها كرمز لموت المسيح وقيامته الفعليين من أجل استيعاب ما كتبه بولس عن المسيح الذي “قام في اليوم الثالث حسب الكتب”.

[6] G. C. Berkouwer, The Work of Christ, translated by Cornelius lambregste (Grand Rapids: Eerdmans, 1965), 184.

[7] بحسب مرقص 16: 9، يسوع “ظهر أولاً لمريم المجدلية” وقد يكون هذا ما حصل فعلاً. لكن هذا التصريح من خلال وروده ضمن الخاتمة الطويلة لمرقص 16، تثار بعض التساؤلات حول مدى مصداقيته وصحته. برأي، روايات الظهور هذه يكون من الأسهل تنظيمها. إن كان يعتبر أحدنا أن يسوع ظهر أولاً للنساء اللواتي خرجن بسرعة من القبر (متى 28: 8, 9)، ومن ثم لمريم التي تبعت بطرس ويوحنا رجوعاً إلى القبر بعد اخبارهما أن القبر فارغ (راجع يوحنا 20: 1-18). لكن هذا التنظيم يبقى ممكناً حتى ولو ظهر يسوع لمريم أولاً.

[8] فيما يتعلق بتحول الكنيسة لجهة حفظ يوم السبت من اليوم السابع إلى اليوم الأول من الأسبوع، أؤكد وجود عنصرين أساسيين في الترتيب المتعلق بيوم السبت في العهد القديم: أولاً، كونه يجب أن يكون يوماً يستريح فيه المرء من أعماله، وثانياً، ضرورة تخصيصه لعبادة الله وفي خدمة الدين. وكل شيء آخر كان ظرفياً وقابلاً للتغيير. وحتى اليوم المحدد من الأسبوع كان قابلاً للتغيير (1) لسبب وجيه، و(2) من قبل سلطة أهل لذلك. حقاً، مع توافر هذه العنصرين، كان التغيير إجبارياً. هل حضر هذان العنصران في القرن الأول، ما يضفي شرعية على تبديل حفظ يوم السبت من اليوم السابع إلى اليوم الأول من الأسبوع؟ كانا حاضرين حقاً! فإن سبباً وجيهاً توافر بوضوح: الحدث الجليل المتمثل بقيامة يسوع من الموت في اليوم الأول من الأسبوعّ! كما أن السلطة الجديرة حضرت أيضاً بوضوح: مثال المسيح نفسه وكلماته، رب السبت، ورسله (يوحنا 20: 1، 19، 26؛ أعمال 20: 7؛ 1كورنثوس 16: 2؛ عبرانيين 10: 25؛ رؤيا 1: 10).

كانت الخلاصة الحتمية التي توصلت إليها الكنيسة المسيحية، أن التبديل في الأيام لم يكن ملائماً وحسب، بل حظي أيضاً بالموافقة الصريحة من قبل المسيح ورسله. فلو كانت الكنيسة لتواصل حفظها السبت في اليوم السابع، لكان في هذا التأكيد ضمناً أن حدث الفداء الرمزي في سفر الخروج مع الوصية المتعلقة باليوم السابع مقابل عمل المسيح الفدائي المرموز إليه، شكل الحدث الفدائي الأهم بينما لم يكن حدث الخروج سوى ظل لعمل المسيح الفدائي. أو تكون الكنيسة بذلك قد أنكرت حدث القيامة بجملته. ثانياً، إن حفظاً كهذا كان سيعني رفض سلطة المسيح ورسله (ناهيك أيضاً بأسفار العهد القديم النبوية أيضاً) على الكنيسة. بكلام آخر، مواصلة الكنيسة حفظها السبت في اليوم السابع، كان سيعني تجاهل طبيعة الإعلان التدريجي الذي كان هنا سيد الموقف. يشرح “غيرهاردس فوس” نقطتي هذه في كتابته Biblical Theology (Grand Rapids: Eerdmans, 1954, 158).

على قدر ما كان العهد القديم لا يزال ينظر قدماً إلى أداء العمل المسياني، من الطبيعي أن تأتي أولاً أيام العمل التي تصب في هذا الاتجاه، وفي هذه الحال، يقع يوم الراحة في نهاية الأسبوع. أما نحن تحت العهد الجديد، فننظر رجوعاً إلى العمل الذي كان قد أكمله المسيح. لذا، نحتفل أولاً بالراحة التي كان المسيح مبدئياً قد أمنها لنا، هذا مع كون السبت لا يزال علامة تنظر قدماً على الراحة النهائية في آخر الأيام. كان على شعب الله في العهد القديم أن يرمزوا من خلال حياتهم إلى التطور العتيد للفداء. من هنا، كان على أسبقية العمل ونتيجته الراحة أن يجد تعبيراً له ضمن روزنامتهم. أما كنيسة العهد الجديد فليس عليها تتميم هكذا عمل رمزي، ذلك لأن الرموز قد تمت.

لكن عندها حدث تاريخي عظيم عليها تذكره، إنجاز العمل بواسطة المسيح، ودخوله هو وشعبه من خلاله، حالة الراحة التي لا نهاية لها. نحن يفوتنا إدراك بما فيه الكفاية، الأبعاد العميقة التي كانت لدى الكنيسة الأولى بشأن الأهمية العظمى لظهور المسيا، ولا سيما لقيامته. لم يكن هذا الحدث الأخير في نظرهم أقل من إحضار خليقة جديدة، الخليقة الثانية، فشعروا بضرورة التعبير عن ذلك من خلال جعلهم السبت مقابل أيام الأسبوع الأخرى. عرف المؤمنون أنفسهم أنهم، إلى حد ما، شركاء في تتميم السبت. إن كان أحد أعمال الخلق يستلزم تسلسلاً معيناً، فعمل الخلق الآخر في هذه الحال يستلزم تسلسلاً آخر.

[9] Nicholas T. Wright, The Resurrection of the Son of God (Minneapolis, 2003), 717.

[10] يشير “غنثر بوونكام”، مثلاً، على تعداد بولس لظهورات المسيح المقام في 1كورنثوس 15: 3-7 على أنها “النص الفصحي الأقدم والأكثر موثوقية… والذي كانت قد جرت صياغته قبل بولس بوقت طويل”. يصرح بشأن هذه “الصيغة القديمة” أنها تبدو أشبه “بسجل رسمي”.

(Jesus of Nazareth [New York: Harper and Brothers, 1960], 182)

 راجع أيضاً” ولفهارت بانتبرغ”.

Jesus – God and Man (Philadephia: Westminster, 1968), 90, 91.

هذه النظرة المقبولة على وجه العموم، جرى تناولها بشكل مميز في الكتب التالية:

George E. Ladd, “Revelation and Tradition in Paul,” in Apostolic History and the Gospel, eds, W. Ward Gasque asn Ralph P. Martin (Exeter: Paternoster, 1970), 233, 30, particularly 244, 25; Grant R. Osborne, The Resurrection Narratives: A Redactional Study (Grand Rapids: Baker, 1984), 221 -25; and Gary R. Habermas, Ancient Evidence for The Life of Jesus (Nashville: Thomas Nelson, 1984), 124-27.

 

[11] يكتب “رودلف بلتمان” ما يلي: “ليست القيامة بحد ذاتها حدثاً من التاريخ الماضي. كل ما بإمكان النقد التاريخي إقراره هو حقيقة كون التلاميذ الأوائل آمنوا بالقيامة”

“New Testament and Mythology” in Kerygma and Myth, ed. Hans-Werner Bartsch [London: Spck, 1972], I, 42].

بالمقابل، “دونالد غثري” هو على حق بالكامل في إصراره عند هذا الحد على تفسير “إيمانهم الفصحي” هذا: “تنشأ فوراً الحاجة الملحة لتفسير “حدث نشوء الإيمان الفصحي”. إن واقع تشكيك “بلتمان” بأهمية البحث التاريخي في الأساس وراء الإيمان المسيحي، ينفي إمكانية عرض تفسير مرض لأي حدث، سواء أكان القيامة بحد ذاتها، أو نشوء إيمان الفصح. فالواحد بينهما لا يختلف في موقعه عن الآخر. إن نشوء الإيمان يستلزم نشاطاً خارقاً وفوق الطبيعية بالمقدار عينه للقيامة نفسها، وبالأخص بما أنها نشأت في أصعب الظروف”.

(New Testament Theology [Leicester: Inter-Varsity, 1981], 183).

[12] الكلمات الفعلية التي اعتمدها “بلتمان” في هذا السياق هي التالية: “لعل باستطاعة المؤرخ، إلى حد ما، تفسير ذلك الإيمان في ضوء تلك العلاقة الشخصية الحميمة بيسوع، التي كان التلاميذ يستمتعون بها إبان حياته الأرضية، وبذلك نحصر ظهورات القيامة بسلسلة من الظهورات الشخصية وغير الموضوعية” (Kerygma and Myth, 42).

[13] “المامبسيمس” هو الشخص الذي يتمسك برأيه بعناد، بالرغم من أوضح الدلائل على كونه على خطأ هذه اللفظة بالإنجليزية أول ما وردت عام 1530 في كتاب “وليام تندايل” The Practice of Prelates (“ممارسة الأساقفة”). يبدو أن راهباً إنجليزياً من القرون الوسطى، كان قد أصر على استخدام جملة من الافخارسيتا اللاتينية بطريقة مغلوطة إما لأنه كان أمياً وإما لكون نسخته من الطقس كانت قد نقلت مشوبة بالأخطاء. فعوضاً عن كود، إن أور سامبسيمس، بمعنى “ما تناولناه داخل الفم” كان يقول كود إن أور مامبسيمس، هذه العبارة الخالية من أي معنى. ما يجعل خطأه محفوراً في الذاكرة، هو ما قاله لدى تصحيح لغته اللاتينية. فحسب “ريتشارد بايس” عام 1517. والذي أصبح فيما بعد عميد كاتدرائية مار بولس في لندن، صرح الراهب بالقول: “تلوت الإفخارستيا بهذه الطريقة على مدى أربعين سنة. لن أبدل مامبسيمس القديمة عندي بـ سامبسيمس الحديثة التي عندكم”.

[14] Michael Goulder, “Jesus, The Man of Universal Destiny” in The Myth of God Incarnate, edited by John Hick14 (Philadelphia: Westminster, 1977), 59.

[15] Gerd Ludemann, The Resurrection of Jesus: History, Ecperience, Teheology, translated by John Bowden (Minneaplis, 1994).

[16] George E. Ladd, “The Resurrection of Jesus Christ” in Christian Faith and Modern Theology, edited by Carl F. H. Henry (Grand Rapids: Baker, 1964), 270-71.

[17] Bornkamm, Jesus of Nazareth, 184-85.

[18] Bornkamm, Jesus of  Nazareth, 183.

لكن على القارئ تذكر أن “بورنكام” يتبنى فكرة أن ظهورات يسوع بعد القيامة، كانت بمثابة رؤى مرسلة من السماء، وليست بطبيعتها مادية.

[19] Wilbur M. Smith, “Resurrection” in Baker’s Dictionary of Theology (Grand Rapids: Baker, 1960), 453.

في سفر الأعمال الذي كتبه لوقا، “دم” المسيح مذكور مرة واحدة، وذلك في سياق كلام بولس إلى شيوخ أفسس (20: 28)، كما أن حقيقة “مقتل” يسوع مذكورة مرة واحدة (3: 15)، وحقيقة “صلبه” مرتين (2: 5؛ 4: 10). أما الخشبة التي مات عليه فمذكورة ثلاث مرات (5: 30؛ 10: 39؛ 13: 29) فيما لا ذكر على الإطلاق “للصليب”؛ بالمقابل، قيامته مذكروة 10 مرات. وحقيقة كونه “أقيم” في الجسد من الأموات، مذكروة 14 مرة. كما أن الشهادة الرسولية لحقيقة قيامته في الجسد من الأموات وانعكاساتها.

[20] راجع تفسيري لهذا النص في كتابي

Jesus, Divine Messiah: The New and Old Testament Witness (Ross – shire, Scotland: Mentor, 2003), 372-84.

فاعلية قيامة المسيح – بحث موسع

فاعلية قيامة المسيح – بحث موسع

فاعلية قيامة المسيح – بحث موسع

 فاعلية قيامة المسيح – بحث موسع

المسيح باكورة الراقدين:

نتحدث الآن عن فاعلية قيامة المسيح فى المؤمنين به أو بالأحرى فى أجسادهم، فالمسيح هو بذاته الحياة الذى يعطى الحياة لكل المخلوقات، كما ذكرنا فى القسم الأول. ولذلك فإن قيامة المسيح هى بداية القيامة للجميع من بين الأموات كما يعلن الرسول بولس فى الإصحاح الخامس عشر فى رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس. فالرسول بولس يربط ربطًا وثيقًا بدون أدنى إنفكاك بين قيامة المسيح وقيامة الأموات. حتى أنه يقول إنه ” لو لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام، وإن لم يكن المسيح قد قام فكرازتنا باطلة وباطل أيضًا إيمانكم” (انظر 1كو13:15و14).

وهو بهذا يجعل الإيمان بقيامة المسيح وحدة واحدة مع قيامة المؤمنين من بين الأموات، حتى إذا افترضنا أنه لن تكون هناك قيامة للأموات فى المستقبل فهذا يلغى حقيقة أن المسيح قد قام فعلاً. فلا يمكن الإيمان بأن المسيح قام إلاّ إذا كان هذا معناه أن تكملة قيامته ستكون بإقامة أجساد الراقدين عند مجيئه الثانى.

وهكذا يعلّم الرسول أنه بدون وجود رجاء عند المؤمنين بأنه ستكون هناك قيامة للأموات فإن الكرازة بإنجيل المسيح ستصير باطلة، ويكون إيمان الذين آمنوا بالمسيح باطل، لأنه لو كانت قيامة المسيح تتوقف عند مجرد ظهوره هو حيًا لتلاميذه ولا تمتد إلى نهاية الدهر الحاضر وتظهر فاعليتها فى إقامته لأجساد الراقدين، فإن الإيمان بالمسيح يكون عديم الجدوى والفاعلية.

حتى أن الرسول بولس يقول لأهل كورنثوس: ” وإن لم يكن المسيح قد قام فباطل إيمانكم أنتم بعد فى خطاياكم” (1كو17:15). أى كل ما عمله المسيح بالصلب والقيامة الظافرة من الموت لا يكون له فاعلية لنوال الغفران إن لم نؤمن أن الموتى سيقومون امتدادًا لقيامة المسيح. وهكذا نجد الرسول يتهلل بتسبحة النصرة قائلاً: ” ولكن الآن قد قام المسيح من بين الأموات وصار باكورة الراقدين” (1كو20:15).

الرسول يستعمل كلمة “باكورة” عن قيامة المسيح، والباكورة كلمة مستعارة من حصاد القمح فى العهد القديم. فالحقل الذى يتم حصاده تكون أول حزمة من هذا الحصاد “باكورة”. والباكورة تبشر بأنه سيتلوها حزم حصاد متوالية إلى أن يكتمل حصاد الحقل. فالمسيح هو باكورة الراقدين، أى أول من قام بالجسد الذى لا يسود عليه الموت.

فهناك موتى قاموا فى العهد القديم وموتى قاموا فى العهد الجديد قبل قيامة المسيح، ولكن هؤلاء ليسوا باكورة لأنهم ماتوا مرةً أخرى واضمحلت أجسادهم بعدما أُقيموا بعمل معجزى مثل لعازر الذى أقامه الرب بعدما أنتن فى القبر، فإنه بعد أن عاش فترة وصار أسقفًا، فإنه تنيح ودُفن جسده، ونعيد بتذكار نياحته حسب السنكسار. وهذا التذكار هو غير تذكار إقامة الرب للعازر الذى ذكره القديس يوحنا البشير فى إصحاح 11 من إنجيله.

وهذا هو الفرق بين قيامة المسيح والقيامات الأخرى، أن كل القيامات الأخرى التى حدثت لبشر، مات أصحابها مرة أخرى، أما المسيح فهو باكورة قيامة الأجساد التى لا تموت لأنها أجساد الخلود والحياة الأبدية.

ويقول الرسول بعد ذلك إنه كما ” أن الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات، لأنه كما فى آدم يموت الجميع هكذا فى المسيح سيُحيا الجميع. ولكن كل واحد فى رتبته. المسيح باكورة ثم الذين للمسيح فى مجيئه” (1كو21:15ـ23).

فكما دخل الموت إلى طبيعتنا البشرية بآدم الأول، إذ أن آدم هو الذى ورثنا الموت، هكذا فإن المسيح يعطينا القيامة فى المستقبل مبنية ومؤسسة على قيامته الشخصية، ولذلك يقول الرسول ” هكذا فى المسيح سيُحيا الجميع” وهو يقصد أن المسيح سيقيم أجساد جميع المؤمنين فى المستقبل عند مجيئه. أى أن قيامة المسيح وقيامة المؤمنين هى حصاد واحد ولكن باكورة الحصاد هى قيامة المسيح نفسه.

وهذا يعبّر عنه الرسول ” كل واحد فى رتبته” أى فى دوره. المسيح “باكورة” أى المسيح هو الباكورة والبكر للراقدين كما ورد فى رسائل أخرى، ثم بقية الحصاد للذين للمسيح أى المؤمنين به عند مجيئه الثانى، أى أن الباكورة المسيح هو رأس الجسد قام أولاً، ثم ” الذين للمسيح” أى أعضاء الجسد سيقيمهم عند مجيئه، والفرق بين الاثنين هو فى توقيت حدوث القيامة فقط، هو قام أما هم فسيقيمهم. وهذا هو رجاء قيامة الأموات الذى نردده كلما نصلى ونقول ” ننتظر قيامة الأموات “.

فبفعل القوة المحوّلة النابعة من قيامة المسيح ستتغير أجسادنا فتصير أجسادنا الطبيعية أجساد روحانية، ولا يُقصد “بروحانية” أنها غير جسمية، بل أنها تحيا بالروح القدس وليس بمصادر الحياة البيولوجية التى تحيا بها أجسادنا على الأرض. ” والفاسد سيلبس عدم فساد والمائت عدم موت” كما يقول الرسول (1كو53:15).

وهذا التغيّر الذى سيتم للأجساد يرتبط بانعتاق الخليقة نفسها من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله (انظر رو21:8). لقد بيّنَ الرسول أنه يوجد جسم طبيعى وجسم روحانى هكذا أيضًا ” يُزرع جسمًا حيوانيًا (طبيعيًا) ويُقام جسمًا روحانيًا… هكذا مكتوب أيضًا صار آدم الإنسان الأول نفسًا حية وآدم الأخير روحًا محييًا” (1كو44:15و45). ويستعمل الرسول تشبيهات من العالم الطبيعى مثل حبة الحنطة أو أحد البواقى، ولكن رغم كل هذه التشبيهات فإن القيامة العامة من بين الأموات فى حقيقتها الكاملة تظل سرًا يعلو على الفهم.

اكتمال إعلان القيامة فى اليوم الأخير:

ستظهر قيامة المسيح بقوتها الكاملة فى النهاية عندما يكمل المسيح إخضاع كل الأعداء حتى آخر عدو وهو الموت. فبالرغم من أن المسيح غلب الموت وقام حيًا ظافرًا بالموت فى اليوم الثالث، إلاّ أن الموت لا يزال يملك فى اجسادنا نحن. فلابد أن يكمل المسيح نصرته بأن يُبطل الموت من أجسادنا نحن أيضًا وهذا ما يخبرنا به الرسول بولس فى نفس الإصحاح المذكور:

هوذا سر أقوله لكم لا نرقد كلنا ولكننا كلنا نتغير في لحظة في طرفة عين عند البوق الأخير. فإنه سيُبوق فيقام الأموات عديمي فساد ونحن نتغير. لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد وهذا المائت يلبس عدم موت. ومتى لبس هذا الفاسد عدم فساد ولبس هذا المائت عدم موت فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة ابتُلع الموت إلى غلبة. أين شوكتك يا موت أين غلبتك يا هاوية” (1كو51:15ـ55).

كلام الرسول هذا متصل طبعًا بمجئ المسيح ثانيةٌ من السماء بالمجد العظيم لكى يلاشى سلطان الموت والفساد عند البوق الأخير. هذا هو بوق القيامة، وعندما يأتى الرب من السماء فبصوته ـ حسب قوله (يو29،28:5) ـ يقيم جميع الذين فى القبور، فيُقام المؤمنون الذين رقدوا، عديمى فساد، أى بأجساد عديمة الاضمحلال. أما المؤمنون الذين يكونون أحياء على الأرض عند ظهوره الثانى، فإنه سيغير أجسادهم من حالة الضعف والهوان إلى حالة المجد أى الأجسام الروحانية.

وكل هذا فى لحظة فى طرفة عين، أى يلاشى الموت والفساد (أى الاضمحلال) من الأجساد التى سبق أن ماتت كما يلاشى القابلية للفساد والاضمحلال من أجساد الذين كانوا أحياء عند مجيئه. وهكذا يُبتلع الموت ويُغلب، إذ أن حياة المسيح تبتلع الموت بصورة كاملة، ليس موته هو فقط فهذا قد انتهى منه منذ أن قام من الأموات، بل إن حياته ستبتلع موتنا نحن أيضًا. وهكذا يكون هتاف النصرة الذى يتهلل به الرسول بولس: ” ابتلع الموت إلى غلبة. أين شوكتك يا موت“. قد كُسرت شوكة الموت، ” أين غلبتك يا هاوية” هُزمت قوات الجحيم والهاوية التى استعبدت الإنسان.

ويقول القديس أثناسيوس عن إبطال الموت والفساد بفاعلية قيامة المسيح فى أجساد المؤمنين: [نحن الذين نؤمن بالمسيح لن نموت بالموت الذى كان سابقًا حسب وعيد الناموس، لأن هذا الحكم قد أُبطل وبما أن الفساد قد بَطُلَ وأُبيد بنعمة القيامة فإننا من ذلك الوقت وبحسب طبيعة أجسادنا المائتة ننحل فى الوقت الذى حدده الله لكل واحد، حتى يمكن أن ننال قيامة أفضل] (تجسد الكلمة 1:21).

وبعد هذا القول يستشهد القديس أثناسيوس بحديث الرسول بولس عن القيامة (1كو15) الذى أوردناه فى الآيات السابقة. ويقول أيضًا إن أجساد المؤمنين فى القيامة ستكون فى حالة أفضل من الحالة التى كان عليها الإنسان فى الفردوس قبل السقوط، إذ يقول: [ فى المسيح كُمِل الجنس البشرى وأُعيد تأسيسه كما كان فى البدء، بل بالأحرى بنعمة أعظم من الأول… لأننا بعد القيامة من بين الأموات لا نخاف الموت بعد، بل سنملك مع المسيح على الدوام] (ضد الآريوسين67:2، ص104 الطبعة العربية الأولى).

قوة قيامة المسيح تعمل فى حياتنا الحاضرة:

القوة المُحيية والمُخلصة التى تفيض من قيامة المسيح والتى ذكرنا أنها ستُعلن إعلانًا كاملاً عند مجيئه الثانى المخوف والمملوء مجدًا، فى القيامة العامة من بين الأموات، هذه القوة نفسها تعمل بطريقة غير منظورة فى العالم منذ قيامة المسيح وقد وصل عملها الخلاصى إلى قمته فى صعود الرب إلى السماء، إذ جلس ابن الله المتجسد عن يمين الله الآب وبذلك أجلس إنسانيته المتحدة بلاهوته، فى عرشه مع الاب. وهذا الجلوس فى يمين الاب بالجسد المُقام والمُمجد والصاعد إلى السماء يعنى تمجيد ناسوت المسيح بذات القوة والمجد الذى للاهوته مع الآب.

فعندما يقول الإنجيل ونقول أيضًا فى قانون الإيمان، إن ” المسيح صعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب” فهذا لا يعنى تحديدًا مكانيًا للمسيح لأن الله ليس له يمين ويسار بالمعنى البشرى وليس له عرش مادى محدود يجلس عليه كما يجلس البشر، حتى يجلس المسيح الصاعد إلى السماء عن جانبه اليمين، بل كما يقول القديس يوحنا ذهبى الفم إن يمين الله تعنى قدرة الله وعظمته.

فجلوس المسيح فى يمين الله يعنى أن تصير لناسوته المُمجد نفس القوة والعظمة التى للاهوته مع الآب والروح القدس. وقد تكلم كثيرون من الآباء عن ابن الله نفسه فى تفسيراتهم أنه يمين الله أو قوة الله. وهذه كلها تعبيرات بشرية لكى تنقل إلينا الإحساس الفائق الذى يعلو عن الفهم عن قوة الله وعظمته وجلاله.

وبجلوس المسيح فى يمين الله أخذ موعد الروح القدس من الآب كما يقول بطرس الرسول فى سفر الأعمال (33:2) وأرسل الروح القدس وسكبه على الكنيسة، والروح يعمل فيها منذ يوم الخمسين بلا توقف وسيظل فاعلاً إلى أن يأتى المسيح ثانيةً من السماء.

هذه القوة الخلاصية قوة الروح القدس المُؤسسة على قيامة المسيح والنابعة منها تخلق على الأرض بداية الحياة الأبدية وتُعِد البشر للقيامة من بين الأموات. فالحياة الأبدية تبدأ هنا من الآن رغم أنها ستُعلن بكمالها فى الدهر الآتى. ونعرض هنا بعض فاعليات قيامة المسيح فى حياتنا الحاضرة:

أ ـ القيامة والإيمان:

وهذا ما نجده كثيرًا فى كلمات إنجيل يوحنا ” من يؤمن بى فله حياة أبدية” (يو47:6). ” من يسمع كلامى ويؤمن… فله حياة أبدية ولا يأتى إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى الحياة” (يو24:5). وقال الرب أيضًا إن صوته عندما كان على الأرض بالجسد، يسمعه الأموات روحيًا فيحيون ” والسامعون يحيون” (يو25:5). أى يحيون بقوته وهم ينالون حياة منه فى داخلهم وهم لا يزالون فى الجسد.

وآيات أخرى كثيرة يَرد فيها هذا المعنى مثل قول القديس يوحنا فى رسالته الأولى إن الحياة الأبدية كانت عند الآب وأُظهرت لنا” (1يو2:1)، ويقصد المسيح نفسه الإله الحى الذى جاء فى الجسد وجعل الحياة الأبدية تسكن فى قلوب الذين يؤمنون به. وقول الرب لمرثا: ” أنا هو القيامة والحياة من آمن بى ولو مات فسيحيا. وكل من كان حيًا ويؤمن بى فلن يموت إلى الأبد” (يو 26،25:11).

وكلمة ” من يؤمن بى وهو حي“، أى وهو على الأرض فلن يموت، وهذا معناه أنه بالإيمان بالمسيح ينال حياة أبدية منذ الآن تجعل نفسه لا تموت، أما الجسد فبالتأكيد سيموت لكى يقوم فى حالة المجد كما شرحنا سابقًا.

إذن فأول فاعلية لقيامة المسيح بعمل الروح القدس فى العالم تتم عن طريق الإيمان بالمسيح. كما يقول القديس يوحنا إن القيامة والآيات الأخرى التى صنعها يسوع قد كُتبت ” لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكى تكون لكم إذا آمنتم حياة (أبدية) باسمه” (يو31:20).

ب ـ القيامة والمعمودية:

وفاعلية القيامة تظهر فى أسرار الكنيسة، وأولاً فى المعمودية، ففى سر المعمودية بالتغطيس فى الماء والصعود منه ثلاث مرات نحن نشترك فى موت المسيح ودفنه ثم نشترك فى قيامته أيضًا. وهذا ما يكتبه الرسول بولس فى رسالته إلى رومية ” أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته؟ فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أُقيم المسيح من الأموات، هكذا نسلك نحن أيضًا فى جِدة الحياة” (رو3:6ـ5).

وهذا معناه أننا بمعوديتنا للمسيح قد دخلنا إلى موته ثم بقوة الروح القدس العامل فى المعمودية نلنا شركة فى قيامة المسيح وصرنا نملك جدة الحياة أى قوة الحياة الجديدة أو الحياة الأبدية التى تعمل فينا لكى نغلب بقايا الموت التى لا تزال موجودة فى إنساننا العتيق. ولكن موتنا وقيامتنا مع المسيح فى المعمودية تكون صادقة وحقيقية فقط حينما نموت فعلاً عن الخطية ونعيش حياة جديدة. ولهذا يقول الرسول ” كذلك أنتم أيضًا احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطية ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا” (رو11:6).

فالمعمودية هى ولادة روحية إلى حياة أبدية بالروح القدس ” الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله” (يو5:3) وهذه الولادة نابعة من قيامة المسيح كما يقول الرسول بطرس: “… الله حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانيةً لرجاء حى بقيامة يسوع المسيح من بين الأموات” (1بط3:1).

ج ـ القيامة والتوبة:

قيامة المسيح التى تفيض بالحياة الأبدية علينا وننالها بالإيمان والمعمودية كما قال الرب ” من آمن واعتمد خلص” (مر16:16)، هذه الحياة إذًا حدث وتوقف سريانها فى الإنسان الذى اعتمد فيحتاج أن يستعيد هذه الحياة التى سبق وأخذها فى المعمودية، بالتوبة. فالرب عندما كلم التلاميذ قبل صعوده عرّفهم أنه ينبغى بعد أن قام المسيح ” أن يُكرز باسمه للتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم…” (لو47:24).

وعندنا سُئل بطرس يوم الخمسين من الجموع ماذا يفعلون لكى يخلصوا أجابهم: ” توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس” (أع38:2). فالذى ينال نعمة الحياة والخلاص بالمعمودية فى طفولته يحتاج إذا فقد شركة الحياة مع المسيح والإيمان به واتباعه، أن يستعيد فاعلية القيامة التى كان قد حصل عليها بالمعمودية وطُمرت فلم تعد فاعلة فى حياته ولا ظاهرة فى سلوكه. ينبغى أن يرجع بالتوبة وهذا أيضًا مجال لعمل الروح القدس كما فى المعمودية. فالتوبة هى معمودية ثانية كما قال مجمع قرطاجنة فى القرن الرابع.

إذ بالتوبة يتجدد فينا فعل الروح القدس الذى قد حصلنا عليه أولاً فى المعمودية. وكما يقول القديس أنطونيوس: [ إن الروح القدس المعزى المأخوذ فى المعمودية يعطينا العمل بالتوبة ليردنا ثانيةً إلى رئاستنا الأولى] (الرسالة السابعة).

فعندما تحدث التوبة الصادقة والرجوع بقلب مخلص إلى المسيح تفيض عطية الروح القدس فى القلب من جديد. عمل الروح هذا الذى كان متعطلاً فى داخلنا لعدم التوبة. فعندما يستجيب الإنسان لنداء التوبة ويرجع تظهر فيه جدة الحياة الكامنة فيه بعمل الروح القدس. ويبدأ الإنسان يعيش الحياة الجديدة مرة أخرى، هذه الحياة التى هى حياة المسيح القائم من بين الأموات.

د ـ القيامة والإفخارستيا:

وقيامة المسيح تعمل فى حياتنا الحاضرة من خلال سر الإفخارستيا. ففى الإفخارستيا نحن نأخذ جسد المسيح المُحيى أى المُعطى للحياة الأبدية. وهذا الجسد الذى نأخذه فى الكنيسة والدم الذى نشربه بفعل حلول الروح القدس على القرابين فى القداس الإلهى، هو نفسه جسد المسيح الذى غلب الموت وقام ظافرًا. ومن المسيح الحي فى يمين الآب ـ كما ذكرنا ـ يأتى الروح القدس لكى يجعل الخبز والخمر الموضوعان على المائدة المقدسة جسد المسيح ودمه اللذين يفيضان بقوة قيامة المسيح ويعطيان الحياة الأبدية لكل من يتناول منهما.

كما أن الإفخارستيا أيضًا هى إخبار بعمل المسيح الخلاصى بالموت والقيامة والصعود انتظارًا لمجيئه الثانى المجيد ” فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن أجئ” (1كو26:11). والاشتراك فى جسد المسيح ودمه هو ينبوع قيامتنا وهو عربونها، كما يقول الرب نفسه: ” إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليست لكم حياة فيكم. من يأكل جسدى ويشرب دمى فله حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم الأخير… من يأكل هذا الخبز يحيا إلى الأبد” (يو 58،54،53:6). ولهذا يقول القديس إغناطيوس الإنطاكى إن جسد المسيح ودمه هما ” دواء عدم الموت” أى الدواء أو المصل أو الترياق الذى نأخذه لكى يحفظنا من الموت (انظر رسالة إغناطيوس إلى أفسس 2:20).

هـ ـ قوة قيامة المسيح تعمل فى بقية الأسرار:

قوة قيامة المسيح تعمل أيضًا فى بقية الأسرار، فحياة المسيح الأبدية هى التى تفعل فى سر مسحة المرضى كما تفعل فى المعمودية ووسر التوبة والإفخارستيا. فشفاء النفس وشفاء الجسد يتم بقوة تخرج من جسد المسيح كما يخبرنا معلمنا لوقا البشير: ” أن الجمع طلبوا أن يلمسوه لأن قوة كانت تخرج منه وتشفى الجميع” (لو19:6). كما قال الرب نفسه عندما لمست نازفة الدم هُدب ثوبه: ” قد لمسنى واحد لأنى علمت أن قوة قد خرجت منى” (لو46:8).

هذه القوة هى الحياة الإلهية التى أقامت جسد المسيح بعد أن مات، وهى التى غلبت الموت كما سبق أن ذكرنا، وهى لا تزال تفيض من جسد المسيح الحي المُمجد فى السماء بعمل الروح القدس فى صلاة مسحة المرضى. وعن طريق “ صلاة الإيمان التى تشفى المريض والرب يقيمه، وإن كان قد فعل خطية تُغفر له” (انظر يع15:5).

وهكذا أيضًا تعمل قوة قيامة المسيح فى سر الإكليل لتوّحد العروسين بعمل الروح القدس بالصلاة. هذا الروح الذى ـ كما ذكرنا أكثر من مرة ـ هو نفسه المُنسكب من السماء يوم الخمسين بفضل قيامة المسيح وصعوده. وهو الذى يُعد الزوجين المسيحيين لنوال إكليل الملكوت بالجهاد الروحى فى الحياة اليومية بمعونة الروح القدس.

وهكذا ايضًا فقوة قيامة المسيح هى التى تعمل فى سر الكهنوت بدرجاته المتعددة لإعطاء مواهب الروح القدس الساكن فى الكنيسة جسد المسيح لكل من يُسام فى أى درجة من درجات الخدمة الكهنوتية حتى تصير له القدرة بعمل الروح فيه على إتمام الخدمة التى يؤتمن عليها.

و ـ وهكذا تعمل قوة قيامة المسيح بالروح القدس فى كل خدمة مسيحية، وتعمل قيامة المسيح بالروح القدس أيضًا فى حياة الصلاة الحقيقية. وهكذا تفعل قيامة المسيح فى إعطائنا القوة لطاعة وصايا المسيح، وفى السلوك حسب الروح وليس حسب الجسد.

ز ـ القيامة والمحبة:

تظهر قوة قيامة المسيح بنوع خاص فى تغيير قلب الإنسان من الأنانية وحب الذات إلى المحبة الأخوية والعطاء. فالرسول يوحنا يعلمنا أن الدليل والبرهان على قيامتنا مع المسيح أو انتقالنا من الموت إلى الحياة هو محبة الاخوة، إذ يقول: ” نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحب الاخوة… من لا يحب أخاه يبقى فى الموت” (1يو14:3). فالبرهان على أن حياة المسيح موجودة فينا وأن قوة قيامته موجودة فينا هو قوة المحبة التى غلب بها المسيح الموت بأن بذل ذاته للموت.

هذه القوة التى غلب بها المسيح تصير موجودة فى المؤمنين به. إذن فمحبة الاخوة هى شهادة على قيامة المسيح التى جعلتنا ننتقل من الموت إلى الحياة، واعطتنا القوة أن نحب ونبذل.

ح ـ قوة قيامة المسيح والشهادة:

تظهر قوة قيامة المسيح فى مواقف الشهادة الحرجة، وهنا يظهر كيف أن موت المسيح وقيامته قد غيّرا صور الموت، فلم يعد الموت مرعبًا بل رأينا الشهداء يزدرون بالموت ويقبلونه بفرح بقوة قيامة المسيح العاملة فيهم. وهذا ما يقوله القديس أثناسيوس فى كتابه “تجسد الكلمة”: [ قديمًا، قبل المجئ الإلهى للمخلص، كان الموت مرعبًا حتى بالنسبة للقديسين، وكان الجميع ينوحون على الأموات كأنهم هلكوا.

أما الآن بعد أن أقام المخلص جسده، لم يعد الموت مخيفًا لأن جميع الذين يؤمنون بالمسيح يدوسونه كأنه لا شئ، بل بالحرى يُفضلون أن يموتوا على أن ينكروا إيمانهم بالمسيح لأنهم يعرفون  بكل يقين أنهم حينما يموتون فهم لا يفنون بل بالحرى يحيون عن طريق القيامة ويصيرون عديمى فساد] (تجسد الكلمة2:27، وانظر أيضًا 4،3:27).

وقوة قيامة المسيح لازمة لنا أيضًا فى كل مواقف الشهادة فى الحياة اليومية حتى إن لم نواجه خطر الموت الجسدى. فقوة القيامة تجعلنا لا نكذب، ولا نخاف سلطان البشر بل نتكلم بالحق ولا ننكره وندافع عن الضعيف والمظلوم والفقير ونتعب فى خدمتهم، هؤلاء الذين هم أولى الناس بمحبة الاخوة التى هى علامة انتقالنا من الموت إلى الحياة.

ط ـ قوة القيامة وحياة العفة والطهارة:

يحدثنا القديس أثناسيوس عن وجود براهين على قوة قيامة المسيح فى حياة العذارى والشبان الذين يؤمنون بالمسيح فيقول: [ هناك اختبارات فعلية تشهد بذلك فمن يَرد دعه يذهب ليرى برهان الفضيلة فى عذارى المسيح والشبان الذين يعيشون حياة العفة المقدسة ] (تجسد الكلمة2،1:48). وأيضًا يقول إن الذين آمنوا بالمسيح يعيشون حياة أكثر عفة من اليونانيين (أى الوثنيين) (انظر تجسد الكلمة 2:53).

ي ـ قيامة المسيح تهبنا رجاء لا يضمحل منذ الآن:

يقول القديس بطرس الرسول إن الله ولدنا ثانية لرجاء حى بقيامة يسوع المسيح من بين الأموات (1بط3:1). فبقوة القيامة يتوّلد فينا رجاء حار من جهة الميراث الذى لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل الذى هو ميراث الملكوت السماوى المحفوظ لنا. وهذا الرجاء النابع من قيامة المسيح يتحدث عنه القديس يوحنا ذهبى الفم فى عظته عن قيامة الأجساد، إذ يشرح معلقًا على قول الرسول بولس ” عالمين أن الذى أقام الرب يسوع سيقيمنا أيضًا ويُحضرنا معكم.. لذلك لا نفشل بل وإن كان إنساننا الخارج يفنى فالداخل يتجدد يومًا فيومًا” (2كو 14:4، 16).

إن إنساننا الخارج يفنى أى جسدنا يضمحل طالما نحن فى غربة هذا العالم، ولكن بينما نحن نسير فى حياتنا وتقابلنا ضيقات وصعوبات وآلام تساهم فى اضمحلال الجسد أى إنساننا الخارج الذى يفنى، نستمد من قيامة المسيح رجاءً وقوة. فحتى إن كنا ” متحيرين إلاّ أننا غير يائسين، وإن كنا مضطهدين لكن غير متروكين، وإن كنا مطروحين لكن غير هالكين” بل إن رجاء القيامة يجدد إنساننا الداخلى فى وسط هذه الآلام والضيقات ” لأن الذى أقام الرب يسوع سيقيمنا نحن أيضًا” (2كو14:4). وهذا يعنى أنه من الآن وقبل القيامة الآتية فإننا ننال مكافأة احتمال الأتعاب بأن ” تتجدد النفس فى وسط الضيق وتصير أكثر قوة وأكثر إشراقًا” (ذهبى الفم، عظة عن قيامة الأجساد، ص 18،17).

8 ـ فاعلية قيامة المسيح فى إنساننا الداخلى منذ الآن:

نجد فى الكتابات الروحية للقديسين شهادات عديدة عن قيامة المسيح التى تعمل منذ الان فى نفوس وأجساد القديسين بصورة سابقة على القيامة العامة. فيقول القديس مقاريوس فى عظاته الرائعة أن [ مملكة النور والصورة السماوية أى يسوع المسيح يضيئ الآن سرًا داخل النفس، ويملك فى نفوس القديسين ولكنه مُخفى عن عيون الناس، وعيون النفس فقط هى التى ترى المسيح حقًا إلى أن يأتى يوم القيامة، فإنه حينئذٍ ستكتسى أجسادنا بنور الرب وتتمجد به، ذلك النور المختفى الآن فى نفس الإنسان، حتى أن أجسادنا تملك هى أيضًا مع نفوسنا التى تكون قد نالت ملكوت المسيح منذ الآن، وتستريح مستنيرة بالنور الأبدى] (عظات القديس مقاريوس5:2).

ويقول سمعان اللاهوتى الحديث فى عظته عن القيامة: [ إن سر قيامة المسيح إلهنا لا تكف عن أن تحقق نفسها فى داخلنا بطريقة سرية، إن كنا نرغب فى ذلك]. ويشرح [ كيف أن المسيح مدفون فى داخلنا كما فى قبره، وكيف إذ يصير متحدًا مع نفوسنا يقوم من الأموات ويقيمنا معه] (عظة36:3ـ40). [وحينما يكون حاضرًا فينا بالروح فإنه يقيمنا من الأموات، يحيينا ويعطينا الإمكانية أن نراه تمامًا فى داخلنا، حيًا وغير مائت وغير قابل للزوال] (عظة120:13). هذه الأقوال لهؤلاء القديسين حاملى الروح تكشف الجانب الشخصى لقوة قيامة المسيح، أى عربون القيامة وتذوقها مقدمًا فى داخل كل شخص.

ويقول الله فى سفر الرؤيا: ” ها أنا أصنع كل شئ جديدًا” (رؤ5:21). فإن الله يخلق كل شئ جديدًا ابتداءً من قيامة المسيح وفاعليتها فى الكون كله، فى الكون المنظور والكون غير المنظور، حتى لو كان هذا التجديد والتغيير يُرى فقط الآن بواسطة عين الإيمان. ونختم بقول القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات: [ قيامة المسيح، فصح العهد الجديد، هى انتقال إلى وجود جديد. لقد نقلنا المسيح إلهنا من الموت إلى الحياة ومن الأرض إلى السماء] (عظة2:45).

فاعلية قيامة المسيح – بحث موسع

المسيح القيامة والحياة – دكتور نصحي عبد الشهيد

المسيح القيامة والحياة – دكتور نصحي عبد الشهيد

المسيح القيامة والحياة – دكتور نصحي عبد الشهيد

المسيح القيامة والحياة – دكتور نصحي عبد الشهيد

1ـ إنجيل قداس سبت لعازر : يُقرأ إنجيل يوحنا (1:11ـ45).

هذا الفصل من الإنجيل يتحدث عن مرض لعازر وعن موته، ثم عن إقامة الرب يسوع له بعد أربعة أيام.

نلاحظ فى هذا الفصل أن يسوع هو أول من تحدث عن الموت على أنه نوم عندما قال للتلاميذ ” لعازر حبيبنا قد نام لكنى أذهب لأوقظه. فظن التلاميذ أنه نوم عادى بمعنى نوم المرض، ولكن يسوع كان يتحدث عن موته” (يو11:11ـ14).

          وفى الحوار الذى جرى بين مرثا أخت لعازر وبين الرب يسوع قال لها يسوع سيقوم أخوكِ. فظنت مرثا أنه يقصد القيامة فى اليوم الأخير، لذلك قالت له : ” أنا أعلم أنه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير” (يو23:11ـ24). لذلك أعلن يسوع في هذه المناسبة أنه هو القيامة والحياة , أي أن قوة القيامة ـ التي سيقوم بها الأموات في اليوم الأخير ـ نابعة منة هو لأنه هو القيامة . فالأموات لا يستطيعون أن يقوموا من أنفسهم , بل يقيمهم من له سلطان القيامة , أو بالحرى من هو القيامة ذاتها .

          وبعد ذلك قال يسوع جملتين في غاية الأهمية . الجملة الأولي ” من أمن بي ولو مات فسيحيا” (يو25:11). وهذه الجملة تعني أن لعازر آمن بالمسيح قبل أن يموت والآن سيحيه المسيح أي سيحي جسده بعد أن مات . كما أنها تعني أن كل من يؤمن بالمسيح فبعد أن يموت بالجسد فإن جسده سيقوم في القيامة . ولكن لو أراد المسيح أن يقيمه في وقت قبل القيامة فإنه يستطيع أن يقيمه كما حدث مع لعازر, مع أبنه يايرس رئيس المجمع, وابن أرملة نايين وغيرها.

          أما الجملة الثانية وهي ” وكل من كان حياً وأمن بي فلن يموت إلى الأبد ” (يو26:11). وهذه الجملة تعني أن كل من ينال حياة من المسيح في داخله أي حياة أبدية للنفس، فهذه النفس التي نالت حياة من المسيح بالإيمان به لن تموت إلي الأبد .وهذه هي الحياة الأبدية التي تبدأ من الآن والمؤمن لا يزال موجودا ًفي الجسد. وهذه الحياة التي ينالها المؤمن الآن، قال عنها الرب في (يو25:5). ” الحق الحق أقول لكم أنه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت أبن الله والسامعون يحيون” ويسمعون صوت أبن الله أي يؤمنون به فينالون الحياة التي لا موت فيها .

وبهذا نستطيع أن نقول أن المسيح يُحيّ النفس من الداخل لأنه هو القيامة والحياة ,كما أنه يقيم أجساد من يؤمنون به في الميعاد الذى يحدده هو.

          وبهذا السلطان نادي يسوع علي لعازر بعد أن أنتن وصرخ بصوت عظيم ” لعازر هلم خارجاً ” فقام في الحال.., فقال لهم يسوع ” حِلوه ودعوه يذهب

2ـ إنجيل قداس سبت الفرح : يقرأ إنجيل متي (1:28ـ20)

          يحدثنا البشير متي عما حدث في فجر الأحد الذي بعد السبت ويذكر أن زلزلة عظيمة حدثت عند القبر لأن ملاك الرب نزل من السماء وجاء ودحرج الحجر عن باب القبر وجلس عليه . وواضح من سياق الحديث في هذا الفصل أن المسيح قام قبل أن ينزل الملاك ويدحرج الحجر. لأن الملاك يقول للمرأتين : مريم المجدلية ومريم الأخرى : ” لا تخافا أنتما فإني أعلم أنكما تطلبان يسوع المصلوب ليس هو هاهنا لأنه قام كما قال“. وكأن الملاك يؤكد أني دحرجت الحجر لأكشف لكما أن المسيح قد قام قبل أن أدحرجه. ودعاهم الملاك أن يأتوا لينظروا الموضع الذي كان الرب مضجعاً فيه. وأوصاهم أن يذهبوا سريعاً ويقولوا لتلاميذه أنه قد قام من الأموات .

          أما المرأتين فخرجنا سريعاً من القبر بخوف وفرح عظيم لتخبرا تلاميذه .والخوف الممزوج بالفرح العظيم هذا ناتج عن رهبة ظهور الملاك مع الفرح بخبر قيامة يسوع. ويخبرنا الإنجيل بعد ذلك، أن الرب يسوع لاقاهما في الطريق وأعطاهما السلام ” وامسكتا بقدميه وسجدنا له. وقال لهما يسوع لا تخافا “.

          يظهر في هذا الفصل أن يسوع هو القيامة والحياة بطريقة عجيبة تفوق العقل لأنه قام بقوة لاهوتية وخرج من القبر بجسده الحي والقبر مغلق. وهذا هو سر القيامة. والمسيح الحي  بظهوره يعطي الفرح والسلام للذين يحبونه . ويطمئن المؤمنين ” لا تخافوا ” وفي نهاية الفصل يخبرنا البشير متي عن ظهور يسوع للأحد عشر في الجليل علي الجبل . وذهابه إلي الجليل طبعا ًكان بعد فترة ظهوراته في أورشليم التي حدثت منذ يوم القيامة ولأسبوع علي الأقل بعدها.. وفي ختام الفصل حدّث يسوع التلاميذ: بأن كل سلطان في السماء والأرض  قد دفع إليه وأوصاهم أن يذهبوا ويتلمذوا جميع الأمم ويعمدوهم… وهذا يعني أن السلطان بأمر تلاميذه بالكرازة يتبع من القيامة. والإيمان بالمسيح الحي يعطي حياة أبدية لمن يؤمن كما ورد في مواضع عدة من الإنجيل .

 

3 ـ أحد القيامة: باكر : مرقس (2:16ـ11)

          وهذا يَرِد فيه نفس الخبر عن رؤية المريمات للملاك بعد دحرجتة الحجر . ولكن يضيف علي ما ورد في إنجيل معلمنا متي أن يسوع بعدما قام باكرا ًفي أول الأسبوع ظهر أولاً لمريم المجدلية وفي هذا يتفق معلمنا مرقس مع يوحنا البشير في رواية ظهورات المسيح بعد القيامة .

4 ـ إنجيل قداس أحد القيامة : يوحنا (1:20ـ18)

          يتحدث هذا الفصل عن مجيء مريم المجدلية إلي القبر باكرا ًوالظلام باق. فلما وجدت الحجر مرفوعاً عن القبر ركضت وجاءت إلي سمعان بطرس وإلي التلميذ الأخر (يوحنا) وأخبرتهما بأن الرب غير موجود في القبر .فلما جاء بطرس ويوحنا إلي القبر وأنحني ونظر الأكفان موضوعة ولكنه لم يدخل ثم جاء سمعان بطرس ودخل القبر ونظر الأكفان موضوعة والمنديل الذي كان علي رأسه ليس موضوعاً مع الأكفان بل ملفوفا ًفي موضع رجله وبعد ذلك دخل يوحنا الذي كان قد دخل أيضاً ورأي فأمن . وكل هذا الوصف التفصيلي يعطيه معلمنا يوحنا لوضع الأكفان والمنديل لكي يبين أن المسيح الرب قام بقوته الذاتية ولم يقمه أحد من الناس لأن الأكفان موضوعة أي مثل قالب مجوف فارغ. فقد كانت هذه الأكفان ملفوفة حول جسم يسوع وحول رجليه ممزوجة بالأطياب فصنعت قالباً حول جسم المسيح . وما رآه يوحنا استدل منه علي أن يسوع انسحب من الأكفان من عند الرأس وظلت الأكفان موضوعة مكانها. أما المنديل الذي كان علي الرأس فلم يكن مع الأكفان وهذا يدل علي أن لما خرج بحركة واحدة سقط المنديل في موضع رجله. ويوحنا آمن نتيجة هذه الملاحظة علي شكل الأكفان . وفي هذا يقول القديس كيرلس ” رغم أنهما لم يتقابلا بعد مع المسيح قائماً من الأموات إلا أنهما استدل من وضع اللفائف والكتان أنه تسلل وقام من بينها وأنه مزق رباطات الموت “.

(شرح إنجيل يوحنا للقديس كيرلس إصحاح 20 عدد 8)

          ومن هنا تظهر قوة المسيح الذي هو القيامة والحياة في إقامة جسده من الموت وخروجه من وسط الأكفان ثم خروجه من القبر وهو مغلق دون أن يرفع الحجر وهذا سر قيامة المسيح.

ونجد المسيح في القيامة يستطيع أن ينفذ في الأجسام المادية دون أن يكسرها أو تؤذيه، ولكن بسر فائق هو يجوز فيها أو يدخل ويخرج كما سنري في الأحد الأول من الخماسين.

وبعد ذلك يُخبرنا الإنجيل عن مريم المجدلية وحديثها مع الملائكة عند القبر وكيف أنها نظرت يسوع واقفاٌ خلفها عندما التفتت إلى الوراء ولم تعلم أنه يسوع. ولما كلمها يسوع وقال لها من تطلبين ظنت أنه البستاني ولم تعرف يسوع إلا عندما ناداها بإسمها وقال لها “يا مريم ” ويقول القديس كيرلس ” لماذا لم تعرفه مريم المجدلية  يقول ربما يكون الرب أخفي نفسه عنها ولم يسمح لها أن تتعرف عليه بسهولة ” ويمكننا أن نلمح هنا في ظهور المسيح لمريم المجدلية أن المسيح بعد القيامة لا يُعرف بالحواس الطبيعية، مثلما كان قبل القيامة ولكن يحتاج الأمر أن يعلن المسيح نفسه لكي يعرفه الشخص. وهذا ما حدث مع مريم المجدلية التى لم تعرفه إلا عندما ناداها باسمها. ونفس الأمر حدث مع تلميذي عمواس فلم يعرفا يسوع طوال رحلة السفر ويقول إنجيل لوقا 24 ” أُمسكت أعينهما عن معرفته” (لو16:24) وأنهما لم يعرفاه إلاّ بعد أن اتكأ معهما وبارك الخبز وكسر وناولهما. (لو 30:24ـ31).

          وهكذا يمكننا أن نري أن المسيح الذى هو القيامة والحياة، هو في حالة تفوق حالة العالم الطبيعي، أى عالم الحواس. ولذلك يذكر إنجيل يوحنا في إصحاح 21 أن يسوع هو الذي يُظهر نفسه بعد القيامة ” بعد هذا أظهر أيضاً يسوع نفسه للتلاميذ علي بحر طبرية ” (لو1:21).

ولما حاولت مريم المجدلية أن تلمس يسوع أو تمسكه قال لها لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلي أبي . ويرفض القديس كيرلس بشدة الرأي الذي يقول ” الرب رفض أن تلمسه المرآة حتي لا يتدنس بلمستها . ويقول إن من يعتقد هكذا يجب أن يوصف بالغباء والجنون , لأن طبيعة الله لا يمكن أن تتدنس ” ونري أن المسيح نفسه يذكر السبب في عدم لمسها له إذ يقول لأني لم أصعد بعد . وهذا يمكن أن يعني أن المسيح كان في طريقه للصعود للأب عندما قابل مريم المجدلية ولم يرد أن تعطله من إتمام عمل الفداء بالصعود للآب بعد القيامة، لكي بدخوله إلي الأقداس كرئيس كهنة يَكمُل عمل الفداء. وهو يريد أن يعطله أحد عن تكميل الخطوات المتتابعة حتي أخرها وهي الصعود. وهذا معناه أن المسيح صعد إلي الآب أكثر من مرة لأن الإنجيل يذكر لنا بوضوح فقط عن صعوده بعد أربعين يوماً من القيامة . ولا يجب أن يكون في هذا الأمر غرابة لان المسيح الحي القائم بجسده الممجد إنما ينتمي إلي السماء أكثر من انتمائه للأرض في فترة الأربعين يوماً. إن كان يظهر خلال هذه الفترة آتيًا من العالم السماوي قبل أن يستقر نهائياً في العرش بعد صعوده الأخير, وأمر مريم المجدلية أن تذهب للتلاميذ تقول لهم ” إني أصعد إلي أبي وأبيكم وألهي وألهكم “.

          يقول القديس كيرلس لا تعثر إذا سمعته يدعوا الله ” إلهي”, بل تأمل كلماته بروح مستعدة أن تقبل التعاليم وأبحث عن معانيها الحقيقية. وعندما يقول عن الله أنه آباه وإلهه فكلا اللقبين حقيقي. فإن إله هذا العالم هو الآب الخاص بالمسيح. وهو ليس أبانا بالطبيعة , بل هو إلهنا لأنه الخالق والسيد والرب . ولكن الابن نزل إلينا وأتحد بنا عندما تجسد فأعطي لطبيعتنا المقام الفريد الخاص به , ودعا الأب الذي ولد منه هو أب مشترك له ولنا. وكذلك أيضاً عندما أخذ شكلنا وطبيعتنا أصبح يدعو أباه معنا “إلهى”. هذا يعنى أنه بسبب محبته ورحمته لم يرد أن يحتقر شكلنا الذى أخذه. (شرح إنجيل يوحنا 17:20).

5 ـ إنجيل الأحد الأول من الخماسين المقدسة : (يو19:20ـ31)

فى هذا الفصل يخبرنا الإنجيل عن ظهور الرب للتلاميذ فى مساء أحد القيامة وأنه بينما كانت الأبواب مغلقة جاء يسوع ووقف فى الوسط.

          يقول القديس كيرلس ” إن المسيح بشكل معجزى فائق يظهر لهم والأبواب مغلقة لأنه بقوته الإلهية الخارقة يعمل ما يراه مناسباً. فهو يستطيع وله جسد مادى أن يدخل دون أن تفتح له الأبواب. فالإنجيلى لا يتحدث عن واحد مثلنا بل عن الجالس عن يمين الآب الذى له القدرة أن يفعل ما يشاء. ” فيقول أيضاً أن المسيح يؤكد للتلاميذ أنه هو نفسه الذى عاش معهم لأنه يكشف لهم عن جنبه الجريح ويظهر لهم آثار المسامير فى رجليه. وبهذا أعطانا البرهان الكامل أنه قام بجسده أى الهيكل الذى عُلق على الصليب. وأنه أحيا ذلك الجسد الذى لبسه وبذلك سحق الموت.

          المسيح الحى يهب السلام بقيامة بظهوره حياً ويملأ تلاميذه بالفرح “قال لهم سلام لكم”. (يو19:20). ” ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب ” (يو20:20).

ولما قال للتلاميذ ” كما أرسلنى الآب أرسلكم نفخ وقال اقبلوا الروح القدس “، ويقول القديس كيرلس عن هذا الأمر ” وهكذا اشتركوا فى الروح عندما نفخ قائلاً اقبلوا الروح القدس، ومن المستحيل أن يكذب المسيح، ومن المستحيل أن يقول اقبلوا دون أن يعطى، أما فى أيام العنصرة المقدسة فقد أعلن الله نعمته علانية وأظهر مجئ الروح القدس للكل وليس للتلاميذ فقط، ولذلك ظهر الروح القدس بشكل ألسنة نارية. ولم يكن هذا بالنسبة للتلاميذ هو بداية نعمة الروح القدس الذى سكن فى قلوبهم ولكن بداية نعمة التكلم بألسنة. وهذا يعنى بداية التكلم بألسنة وليس بداية التقديس. لأن العنصرة هى بداية عمل المواهب المتنوعة (لاسيما الألسنة المختلفة) “. (شرح إنجيل يوحنا 22:20).

ثم قال لهم : ” من غفرتم خطاياه تُغفر له ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت” يقول القديس كيرلس ” لقد دبر الرب أن الذين مُنحوا الروح القدس تصبح لهم القوة على أن يغفروا ويمسكوا الخطايا… والذين لهم روح الرب يغفرون أو يمسكون الخطايا بطريقتين :

أولاً :إنهم يدعون الناس للمعمودية الذين يستحقون المعمودية بسبب التوبة ونقاوة حياتهم بعد اختبار التصاقهم بالإيمان ينالون المغفرة. ولكن فى نفس الوقت يمنعون بل يطردون الذين لا يستحقون هذه النعمة الإلهية وهكذا يمسكون الخطايا.

ثانياً : إنهم يغفرون الخطايا أو يمسكونها عندما ينتهرون أبناء الكنيسة الذين يخطئون ويمنعون الصفح عمن لا يتوب. كما فعل بولس عندما سَلم الذى زنى فى كورنثوس لهلاك الجسد لكى تخلص الروح. (1كو5:5) وبعد هذا أعاده إلى الشركة لكى لا يُبتلع من فرط الحزن (2كو7:2) (شرح إنجيل يوحنا 23:20).

وبعد ذلك بثمانية أيام ظهر الرب للتلاميذ وتوما معهم ودعا توما ليبصر يده وبإصبعه وأن يضع يده فى جنبه وعندما قال له هذا صرخ توما قائلاً : ” ربى وإلهى” وهنا أعلن الرب يسوع أهمية الإيمان بدون رؤية ” لأنك اليوم رأيتنى يا توما آمنت. طوبى للذين آمنوا ولم يروا ” (يو29:20).

ويختم هذا الفصل بهذا التصريح كل الآيات التى صنعها أمام تلاميذه بما فيها القيامة نفسها، هدفها أن يؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله وأن الذين يؤمنون به تكون لهم حياة أبدية باسمه.

قيامة المسيح – دكتور نصحى عبد الشهيد

قيامة المسيح – دكتور نصحى عبد الشهيد

قيامة المسيح – دكتور نصحى عبد الشهيد

قيامة المسيح – دكتور نصحى عبد الشهيد

قيامة المسيح حقيقة تعلو فوق إدراك العقل البشري، وذلك لأن قيامة المسيح هي قوة ألوهيته غير المنظورة التي صارت ظاهرة في جسده الذى اتخذه من العذراء، أو هي لاهوته محسوسًا في جسم بشري، وبنوع خاص معلنًا في مواجهة موت الجسد.

 

1 ـ المسيح هو القيامة لأنه هو الحياة بطبيعته:

          ذكر المسيح كلمة “القيامة” في حديثه عن نفسه بقوله ” أنا هو القيامة والحياة” كإضافة إلى حقيقته الأصلية لكونه هو الحياة وذلك بسبب  اتخاذه جسدًا، ولكنه أصلاً هو “الحياة” بل هو خالق الحياة وأصل كل حياة كما قال ” أنا هو الحياة” (يو6:14)، فهو الحياة بألوهيته أزليًا مع الآب، فكما أن ” الآب له الحياة في ذاته” هكذا أيضًا فإن ” الابن له أيضًا الحياة في ذاته” (انظر يو26:5)، فهو الوحيد الذي له حياة في ذاته مع الآب، وهو الحياة الحقيقية والخالق لكل حياة ووجود، إذ ” به كان كل شئ وبغيره لم يكن شئ مما كان” (يو3:1).

          المسيح هو ينبوع الحياة ومصدرها قبل أن يوجد موت. فالحديث عن القيامة جاء نتيجة دخول الموت إلى الطبيعة البشرية، فهو الحياة في ذاته أزليًا ولكنه عندما جاء إلى بيت عنيا ليواجه موت لعازر، تحدث عن نفسه بقوله ” أنا هو القيامة والحياة” (يو25:11). ولكنه قبل ذلك صرّح بأنه هو الحياة، وأنه الخبز الحيّ وأنه خبز الحياة (انظر يو35:6 و48و51)، وأنه الخبز النازل من السماء الواهب حياة للعالم (انظر يو33:6)، فهو الذي له الحياة في ذاته. وعبارة له الحياة في ذاته تعنى أنه هو ذاك الذي له القدرة بطبيعته أن يعطى الحياة لغيره ولا يكتسبها من غيره. وإن حدث موت فهو وحده الذي له القدرة في ذاته أن يلاشى هذا الموت. يقول القديس أثناسيوس في كتابه “تجسد الكلمة”: [ المسيح كلمة الله هو الذي خلق منذ البدء كل شئ من العدم وهو وحده الذي يستطيع أن يجعل الإنسان المائت غير مائت لأنه هو الحياة ذاتها][1].

وكلمة “لأنه هو الحياة ذاتها” تعنى تمامًا ما قاله الرب عن نفسه: ” الابن له الحياة في ذاته” (يو26:5). “فالحياة ذاتها” أو “له الحياة في ذاته” لا تعنى فقط أنه مجرد شخص حيّ، فالإنسان كائن حيّ ومع ذلك يوجد موت في حياته رغم ما يُقال عن الإنسان إنه حيّ، إذ يأتى عليه وقت لابد أن يموت فيه لأنه يحمل بذرة الموت في داخله كأحد عناصر وجوده البشري المائت. أما الله فليس كذلك إذ يقول الرسول عن الله:   ” الذي وحده له عدم الموت ساكنًا في نور لا يُدنى منه” (1تي16:6). ونقول في صلاة التقديسات الثلاث ” قدوس الحيّ الذي لا يموت”، فهذا الحيّ الذي لا يموت، هو الذي تجسد من العذراء، الذي هو الحياة بطبيعته.

          فالمسيح هو الحياة وهو نبع الحياة، قبل أن يكون هناك موت وبالتالى قبل أن يكون هناك احتياج لإقامة موتى (كما في حالة لعازر). وهنا ينبغي أن نفهم معنى الحياة أنها ليست أى حياة بل هي حياة إلهية، أى لا يوجد بها موت بالمرة، وهي ما يسميّها المسيح في الإنجيل “الحياة الأبدية”. وهذه الحياة تُوصف بأنها أبدية، لأنها حياة الله الأبدي الذي لا يموت، وليس بمعنى أنها استمرار حياة الإنسان بدون موت جسدى. والرسول يوحنا قال في رسالته الأولى عن المسيح إنه:         ” الحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظهرت لنا” (1يو2:1).

          فالمسيح هو الحياة الأبدية، ولذلك فهو يحيى الكل سواء كانوا ملائكة أو بشر أو غيرهم من المخلوقات، فكل الكون وكل المخلوقات تستمد وجودها وحياتها منه، كما يقول الرسول “به نحيا ونتحرك ونُوجد” (أع28:17). وهكذا فإن استمرارنا في الحياة وفي الوجود لحظة بلحظة إنما يعتمد على إرادة ذاك الذي هو الحياة ذاتها والذى نستمد منه الحياة بصفة دائمة. ولهذا يقول عنه الرسول بولس ” الذي هو قبل كل شئ وفيه يقوم الكل” (كو17:1). بمعنى أن كل المخلوقات تستمر في الوجود وتُحفظ قائمة وموجودة فيه، وبدون إرادته لا تستمر في الوجود بل تتلاشى. وهنا ينبغي أن نذكر أنه لا يوجد كائن أيًا كان ـ حتى الملائكة ـ غير قابل للاضمحلال والتلاشة إلاّ الله وحده، لأنه هو الكائن بذاته، هو وحده الحياة والحيّ الذي لا يموت، هو الذي ” له وحده عدم الموت“. وقد يتساءل أحد، وهل الملائكة أيضًا يمكن أن يموتوا؟ نقول نعم يمكن أن يموتوا، فلو أن الله أراد أن لا يستمروا في الوجود فإنهم في هذه الحالة سيتلاشون. وهذا ينطبق أيضًا على النفس البشرية.

فالنفس ليست خالدة بطبيعتها ولكنها تستمد الحياة وهي في الجسد، بل وبعد موت الجسد من مصدر الحياة الذي لا يموت، وهو المسيح الذي يحيى الكل، كما قال في الإنجيل: ” من يؤمن بي فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير“، و” من يأكل جسدى ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير” (انظر يو54،40:6)، وأيضًا كما قال الرب قبل إقامة لعازر مباشرة: “.. وكل من كان حيًا وهو يؤمن بي فلن يموت إلى الأبد” (انظر يو26،25:11). أى أن نفس الإنسان تستمد عدم الموت والخلود من إيمانها بالمسيح الذي يعطى حياة أبدية للنفس منذ الآن وتستمر هذه الحياة إلى الأبد، كما أنه يعطى الخلود لأجساد المؤمنين به المتناولين من جسده ودمه بإقامتها ” إلى قيامة الحياة” (انظر يو29:5). فالمسيح ابن الله الحيّ هو وحده الحياة بطبيعته، هو “الحياة ذاتها”، هو الحيّ الذي لا يموت.

 

2 ـ القيامة والصليب متلازمان:

          في عبادة الكنيسة الأرثوذكسية وتقليدها يُنظر إلى القيامة على أنها لا تنفصل بالمرة عن صليب المسيح. تذكر الرسالة إلى العبرانيين أن ذبيحة المسيح على الصليب تعلن عن بداية تمجيده فالمسيح: ” بعدما قدَّم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله” (عب12:10)، وأيضًا ” من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينًا بالخزي فجلس في يمين عرش الله” (عب2:12). وفي الحقيقية فإن موت المسيح على الصليب مرتبط بلا انفصال بقيامته، ولا يمكن التفكير في موته بدون التفكير في قيامته، بل إن موته شرط لازم لقيامته، كما أن موته هو الطريق إلى قيامته. وأبسط توضيح للارتباط الوثيق بين الصليب والقيامة هو ما تسبح به الكنيسة في مديح القيامة “تنّاف” ” ننظر قيامة المسيح” الذي نقول فيه: ” تعالوا يا جميع المؤمنين لنسجد لقيامة المسيح لأنه من قِبل صليبه دخل الفرح إلى العالم كله”.

فالكنيسة لا تفصل ـ في العبادة والصلاة ـ بين الصليب والقيامة، فالفرح هو من قِبل الصليب، ومعروف طبعًا أن الفرح هو من القيامة. إذن قيامة المسيح وصلبه هما وجهان لعملة واحدة. فلا يمكن أبدًا أن تكون حقيقة الصلب موجودة ولا تكون معها حقيقة القيامة في نفس الوقت، رغم وجود فارق زمنى بين الصليب والقيامة.

فبسبب خبرتنا البشرية بالزمن نحتاج لعمل فاصل بين وقت الصلب ووقت القيامة، ولكن كما نعرف من تسبحة دورة القيامة أن المسيح داس الموت بالموت: ” بالموت داس الموت والذين في القبور أنعم عليهم بالحياة الأبدية”. فالمسيح داس الموت بموته على الصليب قبل أن يقوم في اليوم الثالث. إذن فقيامة المسيح كانت حاضرة ومختفية في جسده منذ أن غلب الموت بالصليب وانتصر على الشيطان بالصليب. ونعرف أن هذه التسبحة مأخوذة من الرسالة إلى العبرانيين في قول الرسول عن المسيح إنه: ” اشترك في اللحم والدم لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أى إبليس” (عب14:2). فالمسيح أباد الموت بصليبه أو اباد الشيطان صاحب سلطان الموت، وأنعم بالحياة الأبدية لنفوس أبرار العهد القديم بذهابه إليهم في عالم الأموات السفلى قبل أن تحدث القيامة، ونقلهم إلى الفردوس مع اللص حسب قول الرب له: ” اليوم تكون معى فى الفردوس” (لو43:23)، أي في يوم الصلب. وهكذا بصليب المسيح دخل الفرح إلى عالم ما فوق الأرض وأيضًا إلى عالم ما تحت الأرض.

وفي عبادة الكنيسة نلاحظ أن تكريم الصليب مرتبط بلا انفصال مع تمجيد القيامة. وهذا الارتباط نجده في مرد دورة عيد الصليب: ” من قِبل صليبه وقيامته المقدسة رد الإنسان مرة أخرى إلى الفردوس”، وأيضًا في صلاة رفع البخور: ” يسوع المسيح… اصعد ذاته ذبيحة مقبولة على الصليب عن خلاص جنسنا فاشتمه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثة.. من قِبل صليبه وقيامته المقدسة رد الإنسان مرة أخرى إلى الفردوس”. وايضًا في القداس الإلهي نصلى قائلين: ” آمين، آمين، آمين بموتك يارب نبشر وبقيامتك المقدسة وصعودك إلى السموات نعترف، نسبحك، نباركك…”.

          إذن فالصليب والقيامة مرتبطان بشكل وثيق، ولا يجب التفكير في أحدهما بدون الآخر، ولكن يحدث أحيانًا بسبب عجز عقلنا البشري أن نركز مثلاً على الصليب وننسى القيامة أو العكس نركز على القيامة وننسى الصليب. ولكن بدون القيامة لا يكون هناك غفران، لأن عمل الفداء لم يكتمل بالصليب وحده. وفي الاختبار المسيحي لا توجد قيامة وتمجيد بدون صليب وألم كما يقول الرسول: ” إننا وارثون مع المسيح، إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه” (رو17:8).

 

          وخلاصة الأمر، أن عمل المسيح الخلاصي وانتصاره على الخطية والموت يظهران بقوة فعّالة وببرهان واضح في القيامة. وهذا هو ما نخاطب به المسيح في صلاة الساعة التاسعة قائلين: ” أبطلت الموت بموتك وأظهرت القيامة بقيامتك”. إذن، فقوة القيامة كانت موجودة في جسد المسيح منذ أن غلب الموت بالصليب، ولكنها كانت خفية وغير ظاهرة إلى أن أُظهرت هذه القيامة المجيدة في اليوم الثالث بقيامته من بين الأموات. لذلك فإن قيامة المسيح هي كمال العمل الخلاصى وأعلى مرحلة في هذا العمل الذي عمله الرب الكلمة المتجسد. هذا العمل الخلاصي، أو كما يسميه الآباء “تدبير الخلاص” يبدأ بالتجسد ويصل ذروته في صعود المسيح بعد صلبه وقيامته وجلوسه في يمين الآب، كما يقول الرسول: “.. بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس (أي يمين عرش العظمة) فوجد فداءً أبديًا” (عب12:9).

 

3 ـ القيامة محور كرازة الرسل:

          ولهذا السبب صارت قيامة المسيح هي محور ومركز وأساس بشارة الرسل بالمسيح. فكانوا يبشرون الناس بأن يسوع قام من بين الأموات. وقد يتساءل أحد لماذا لم يكونوا يبشرون بصلب المسيح بدل التبشير بقيامته؟

 

          والجواب هو أن كل الناس في أورشليم واليهودية كانوا يعرفون أن يسوع صُلب ومات، ولا يوجد أمر معجزى في كونه صُلب. فالجميع يقولون قد صلبنا هذا الإنسان المدعو يسوع وتخلّصنا منه، ولكن لم يكن هناك أحد يقول إن يسوع الذي صلبه رؤساء اليهود قد قام، لأنه لم يكن أحد يصدق بالمرة أنه قام بعدما رأوه يُصلب علنًا ويموت أمام الجميع.

          فالبشارة هي بالمسيح الحيّ الذي قام من بين الأموات. وهذه هي البشارة الأبدية التي لا تزال الكنيسة تعلنها للعالم كله مقتفية آثار الرسل، بأن يسوع المسيح غلب الموت وهو لا يزال حيًا بمجد عظيم وله كل السلطان وكل القوة في السماء وعلى الأرض وفي حياة كنيسته وفي الحياة الخاصة للمؤمنين به، وكذلك له السلطان في الحياة العامة والسيادة على كل الأمم والرئاسات والسلاطين وفي جميع الأكوان، وفوق جميع السماوات. فيسوع حيّ وله كل السلطان والمُلك والربوبية في كل الخليقة كما يقول معلمنا بولس الرسول عن العمل العظيم الذي عمله الآب في المسيح: ” إذ أقامه من الأموات وأجلسه عن يمينه في السماويات فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة وكل اسم يُسمّى ليس في هذا الدهر فقط بل في المستقبل أيضًا” (أف19:1ـ21). أى له كل الرياسة والسيادة فوق كل ملك أو رئيس في هذا العالم أو ملاك أو شيطان في العالم غير المنظور. فهو فوق كل سلطان في كل الوجود في السماوات وعلى الأرض.

          ويخبرنا سفر الأعمال أن الرسل عندما أرادوا أن يختاروا واحدًا بدلاً من يهوذا الخائن قالوا ما يفيد بأن مهمة الرسل الأساسية هي أن يكونوا شهود لقيامة المسيح “.. يصير واحدًا منهم شاهدًا معنا بقيامته” (انظر أع22:1). كما يخبرنا سفر الأعمال أيضًا  بأن الرسول بولس عندما كرز في أثينا، كان يبشر للفلاسفة اليونانيين ” بيسوع والقيامة” (انظر أع18:17). لذلك فالكرازة هي بقيامة المسيح، وبأن المسيح قهر الموت والجحيم والخطية، فهو الذي أبطل سلطان الشيطان العامل في الموت والخطية والجحيم.

          فالمسيح أبطل الخطية بذبيحة صليبه، ثم أبطل الموت بموته، وأبطل سلطان الشيطان بالصليب. هذه الأعداء الثلاثة: الخطية والموت والشيطان أبطلها المسيح بقيامته ظافرًا بعد صلبه.

          إذن، فالإيمان هو بقيامة المسيح الذي أكمل هذه الغلبة المثلّثة لأجل خلاصنا. هذا الإيمان بالقيامة هو الأمر الأساسي والجوهرى جدًا في المسيحية، حتى أنه بدون هذا الإيمان بالقيامة لا تكون المسيحية سوى وهم لا جدوى منه، كما يقول الرسول بولس: ” وإن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا وباطل أيضًا إيمانكم أنتم بعد في خطاياكم” (1كو17،14:15). أى بدون الإيمان بقيامة المسيح أنتم لا تزالون في خطاياكم وهي لم تُغفر لكم بسبب عدم الإيمان  بقيامة المسيح، فالمسيح قام لأجل تبريرنا بعد أن أُسلِمَ لأجل خطايانا (انظر رو25:4).

 

4 ـ جسد المسيح في القيامة:

          لابد من الاعتراف أن طبيعة جسد القيامة تفوق الفهم والإدراك البشري، ولكن مما أخبرنا به الإنجيل يمكن أن نستمد نورًا وإلهامًا من قيامة المسيح عن طريق استيعابنا بقدر الإمكان لإعلانات الوحي في الإنجيل بقدر ما يساعدنا الروح القدس:

 

أ ـ الأكفان والقبر الفارغ:

          في الحقيقة إن قيامة المسيح حدثت بشكل سرى، فلم يرها أحد في العالم ـ لا المريمات ولا التلاميذ ولا حُرّاس القبر: فقبل الفجر وقبل أن تذهب المريمات لتطييب الجسد كان المسيح قد قام وانسحب من الأكفان، وترك الأكفان فارغة. فقد كانت الأكفان على شكل قالب يحيط بجسم المسيح منذ أن أنزلوه على الصليب ولفوه بالأكفان مع صب كميات ضخمة من الأطياب اللزجة التى تجعل من شرائط الأكفان المحيطة بالجسم كله، باستثناء الرأس، على شكل قالب صلب (مثل قالب الجبس)، أما الرأس فكما يقول القديس يوحنا في إنجيله فكان يوضع عليه منديل منفصل عن الأكفان. عندما قام المسيح وسرت حياته الإلهية في جسده، سَحَبَ الجسد من داخل الأكفان فترك الأكفان فارغة على شكل قالب مجوف وطُرِحَ المنديل الذي كان على الرأس بحركة الانسحاب، بعيدًا عن الأكفان. وهذا ما يمكن أن نفهمه من الإنجيل للقديس يوحنا عندما يقول: ” كان التلميذان يركضان معًا فسبق التلميذ الآخر (أي يوحنا نفسه) بطرس وجاء أولاً إلى القبر وانحنى فنظر الأكفان موضوعة ولكنه لم يدخل. ثم جاء سمعان بطرس يتبعه ودحل القبر ونظر الأكفان موضوعة والمنديل الذي كان على رأسه ليس موضوعًا مع الأكفان بل ملفوفًا في موضع وحده. فحينئذٍ دخل أيضًا التلميذ الآخر الذي جاء أولاً إلى القبر ورأى فآمن” (يو4:20ـ8).

فما الذي رآه يوحنا فآمن؟ إنه لم ير يسوع نفسه ولكنه رأى منظر الأكفان فارغة والمنديل مطروحًا بعيدًا عن الأكفان، فأدرك بحسه الروحانى أن يسوع قام، وآمن من شكل الأكفان أنه قام قبل أن يراه. وهذا ما يقول عنه القديس كيرلس في شرحه لهذا الإصحاح من إنجيل يوحنا: [ ورغم أن التلميذين لم يكونا قد ألتقيا بعد بالمسيح قائمًا من بين الأموات، إلاّ أنهما استدلا على قيامته من وضع الأكفان][2].

 

          ووضع الأكفان بهذه الصورة التى جعلت يوحنا يؤمن هو أنه من المستحيل أن يخرج الجسد من قالب الأكفان، والأكفان باقية موضوعة كما هي إلاّ إذا كان هذا الجسد قد قام بسلطان وقوة صاحبه… ولا يستطيع أي لصوص أو سُرّاق أن يسرقوا هذا الجسد مع بقاء الأكفان بهذا الشكل، أي دون أن تُفك شرائط الأكفان المحيطة بالجسم بحركة لف عكسية تمامًا. فمنظر الأكفان هو وحده أول إشارة موّحية بالإيمان بأن المسيح هو الذي أخرج جسده من الأكفان بالانسحاب من داخلها، وأزاح المنديل في موضع آخر بعيدًا عنها.

          وبعد أن خرج الجسد من الأكفان بقوة القيامة الإلهية فإن المسيح الحيّ بجسده الذي يفيض بالطاقات والقدرات الإلهية خرج من القبر، والقبر مغلق بالحجر والأختام الرومانية موضوعة عليه. وهذه اللحظة، لحظة قيامة المسيح وخروجه من القبر بمجد فائق لم يبصرها أحد كما ذكرت، ولا يعرف أحد أين ذهب المسيح بعد قيامته مباشرةً.

          وبعد أن قام المسيح وترك القبر، ” نزل ملاك الرب من السماء” ودحرج الحجر عن باب القبر وجلس عليه، وقال للمريمات: يسوع ” ليس هو هنا لأنه قام كما قال، هلم أنظرا الموضع الذي كان الرب مضجعًا فيه” (مت2:28ـ6). فالملاك لم يدحرج الحجر عن القبر ليسهل على المسيح الخروج من القبر، بل العكس، الملاك دحرج الحجر لكي يشهد للمريمات أن يسوع قام قبل أن يدحرج الحجر. وأصبح القبر فارغًا لأن يسوع كان قد تركه قبل نزول الملاك. ولذلك يقول الملاكان للنسوة: ” لماذا تطلبن الحيّ بين الأموات، ليس هو ههنا لكنه قام” (لو5:24ـ6).

 

ب ـ ظهور المسيح للتلاميذ والأبواب مغلّقة:

          مساء أحد القيامة كان التلاميذ مجتمعين في العُلّية والأبواب مغلّقة لسبب الخوف من اليهود. فجاء يسوع ووقف في الوسط وقال لهم سلام لكم. ثم ظهر لهم مرة أخرى بنفس الطريقة في الأحد التالى (أحد توما) (انظر يو19:20ـ29). لم يذكر الإنجيل كيف دخل يسوع والأبواب مُغلّقة. ومغلّقة تعنى أنها مغلقة بالغلق، والغلق هو عمود ضخم من الخشب يوضع خلف الباب من الداخل مثل أبواب الأديرة القديمة. بحيث لا يستطيع أي أحد أو أي أعداء مهاجمون أن يقتحموا المكان بدفعهم للباب. وكل هذا ـ كما يذكر الإنجيلي ـ بسبب الخوف من اليهود. فكيف جاء يسوع “ووقف في وسطهم فجأةً دون أن يكونوا متوقعين ذلك” كما ذكر القديس كيرلس في شرحه لهذه الآية[3]. هذا هو سر جسد قيامة المسيح الذي يفوق إدراكنا، فالمسيح بقوة ألوهيته أعطى لجسد قيامته القدرة أن يفعل ما هو مستحيل بالنسبة للأجساد الطبيعية. فهو يوجد في المكان الذي يريد أن يوجد فيه دون أى احتياج لأي فتحة أو نافذة أو باب. ويُظهر نفسه للتلاميذ ويتحدث معهم ويريهم يديه وجنبه ويعطيهم السلام… الخ. ثم بعد ذلك لا يذكر الإنجيل أين ذهب؟ وهذا ما يعبر عنه القديس كيرلس بقوله إن المسيح [أظهر في قيامته أنه قادر أن يستغنى عن أى خطة ووسيلة لتحقيق عمله. إذ أنه بقوته الإلهية الخارقة ارتفع فوق سلسلة الأسباب والنتائج][4].

          إذن، فجسد قيامة المسيح غير خاضع للحواجز المادية [رغم أنه قام بجسد مادي صلب.. وقد فعل المسيح هذا لأنه هو بالطبيعة الحياة وهو الله][5].

 

ج ـ طبيعة جسد المسيح في القيامة:

          نستدل من ظهورات المسيح المتعددة التى رواها الإنجيل أن المسيح بعد القيامة لم يكن يُرى بالطريقة العادية التى تُرْى بها الأجسام المادية. فقد كانت رؤية المسيح بعد قيامته متوقفة على إرادة المسيح أن يُظهر نفسه للمريمات أو التلاميذ فرادى أو مجتمعين. وهذا نلاحظه في كل الظهورات تقريبًا. فمثلاً، عندما ظهر لمريم المجدلية ظنت أنه البستانى ولم تعرف أنه الرب يسوع إلاّ عندما ناداها باسمها وقال لها: ” يا مريم” (انظر يو14:20ـ18). وعندما ظهر لتلميذى عمواس سار معهما عدة ساعات وهما يظنانه مسافرًا غريبًا ولم يتعرفا عليه إلاّ عندما اتكأ معهما وأخذ خبزًا وبارك وكسر وناولهما، فانفتحت أعينهما وعرفاه ثم اختفى عنهما (انظر يو13:24 ـ35). وهكذا أيضًا عندما ظهر لسبعة من التلاميذ على بحر طبرية عند الفجر وكان التلاميذ يصطادون في البحيرة، فوقف يسوع على الشاطئ ولكن التلاميذ لم يكونوا يعلمون أنه يسوع، وبعد أن تحدث إليهم من على الشاطئ وأرشدهم أن يلقوا الشبكة إلى جانب السفينة الأيمن ليجدوا سمكًا، فإنهم لم يعودوا يقدرون أن يجذبوها من كثرة السمك، وعند ذلك اكتشف يوحنا أن الشخص الذي يتحدث معهم من على شاطئ البحيرة هو يسوع، فقال لبطرس ” هو الرب“. وبعد أن جذبوا السفينة إلى الشاطئ والشبكة ممتلئة بالسمك، دعاهم المسيح أن يقدموا من السمك الذي أمسكوه… ولم يجسر أحد من التلاميذ أن يسأله من أنت؟.. (انظر يو1:21ـ14).

          ويصف القديس يوحنا هذا الظهور بقوله: ” بعد هذا أظهر أيضًا يسوع نفسه للتلاميذ على بحر طبرية. ظهر هكذا” (يو1:21). وبعد ذلك يصف تفاصيل الظهور الذي أشرنا إليه. ونلاحظ أن القديس يوحنا يقول عن هذا الظهور: ليس أن التلاميذ هم الذين رأوا يسوع بطريقة الرؤية العادية بل أن يسوع هو الذي أظهر نفسه لهم. وهذا هو تحقيق ما سبق الرب أن وعدهم به في ليلة آلامه، ففي تلك الليلة قال لهم: “عندكم الآن حزن ولكنى سآراكم أيضًا فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم” (يو26:16). فهو لم يقل لهم ” إنكم ستروننى بعد قيامتى” ولكنه قال “سآراكم“، أي أنه هو الذي سيظهر لهم ويُريهم نفسه، وهذا ما حدث فعلاً. وهو نفس التعبير الذي استعمله القديس لوقا في سفر الأعمال عن المسيح بعد القيامة إذ قال عن الرسل ” الذين آراهم أيضًا نفسه حيًا ببراهين كثيرة بعدما تألم وهو يظهر لهم أربعين يومًا..” (أع3:1). فالمسيح هو الذي أراهم نفسه حيًا، ولم يروه هم من أنفسهم.

 

          وهذا يأتى بنا إلى حقيقة هامة عن رؤية المسيح بعد قيامته. فهو لم يظهر بعد قيامته لجميع الناس كما كانوا يرونه في شوارع اليهودية والجليل قبل صلبه، بل ظهر فقط للرسل وغيرهم من الشهود المختارين، لكي يشهدوا ويكرزوا للعالم بأن يسوع الذي صُلب عن خطايا العالم قام وأنه حي وقد ظهر لهم، وهذا ما قاله بطرس الرسول بكل وضوح في بيت كرنيليوس ” يسوع هذا أقامه الله في اليوم الثالث وأعطى أن يصير ظاهرًا ليس لجميع الشعب بل لشهودٍ سبق الله فانتخبهم، لنا نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الأموات” (أع40:10ـ41).

 

+ التعرف على شخص يسوع بعد القيامة:

          نلاحظ في عدة ظهورات أنه كانت هناك صعوبة في التعرف على شخص المسيح بعد قيامته، بمجرد ظهوره، فمريم المجدلية مثلاً ظنت في البداية عندما ظهر لها أنه البستانى، وما الذي جعلها تظن هذا، ولا تعرف أن الشخص الذي أمامها هو الرب يسوع الذي كانت تعرفه قبل صلبه. لا نستطيع أن نجزم بشيء أكيد من جهة شكل المسيح بعد القيامة، لكن بلا شك أن بهاء لاهوته كان يفيض بمهابة غير مألوفة على وجهه مما جعل مريم لا تعرفه إلاّ عندما ناداها باسمها فعرفته من الصوت بمبادرة منه. وهكذا أيضًا في حالة تلميذي عمواس، فقد ظناه مسافرًا غريبًا رغم أنه مشى معهما عدة ساعات في الطريق، و” لكن أُمسكت أعينهما عن معرفته” (لو16:24). هذا الإمساك عن المعرفة هو متصل بطبيعة جسد قيامة المسيح. ونحن نعجز عن شرح كيفية حدوثه. ولم يعرفاه إلاّ بعد أن ” انفتحت أعينهما عند كسر الخبز فاختفى عنهما” (لو31:24).

          وفي ظهور المسيح للتلاميذ مساء الأحد حسب رواية القديس لوقا يقول: ” وقف يسوع نفسه في وسطهم وقال لهم سلام لكم“، فلما رأوه في وسطهم ” جزعوا وخافوا وظنوا أنهم نظروا روحًا. فقال لهم ما بالكم مضطربين ولماذا تخطر أفكار في قلوبكم. انظروا يدي ورجليَّ إني أنا هو. جسونى وانظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما تروننى. وحين قال هذا أراهم يديه وجليه” (لو36:24ـ40).

          فما الذي جعل الرسل يجزعون ويظنون أنهم رأوا روحًا؟ وما الذي جعل يسوع يقول لهم ما بالكم مضطربين ولماذا تخطر أفكار في قلوبكم؟ بلا شك كان هناك نوع من الجلال والمهابة الإلهية تشع من وجه يسوع حتى أنهم ظنوا أن الشخص الذي أمامهم ليس له جسد حقيقي. بل ظنوا أنه خيال أو شبح. وهذه هي التصورات والأفكار التي خطرت في قلوبهم التي يشير إليها الرب. لذلك قال لهم: ” جسونى” أي امسكوا يدي ورجلي لكي تتأكدوا إني قُمت بجسد حقيقي له لحم وعظام وليس مجرد روح فأنا لست خيالاً بل إن لى جسد حقيقي.

 

+ التغييرات في جسد القيامة:

          فالمسيح قام بجسد حقيقي مادى صلب وبدون هذا فلا تكون هناك قيامة حقيقية. وهذا الجسد الذي قام هو نفس الجسد الذي تألم به ولكن حدثت فيه تغييرات بقوة القيامة لا نستطيع أن نحصرها ونحددها بعقولنا، ولكن بلا شك أن شكل جسد القيامة والجمال الفائق المناسب له يفوق بما لا يُقاس كل ما أظهره المسيح خلال الأربعين يومًا. ولكن الرب كان مهتمًا بأن يخفى هذا المجد العظيم لسببين كما يقول القديس كيرلس: السبب الأول هو [ أنه رغم أن الوقت كان مناسبًا جدًا أن يغير المسيح جسده إلى شكل وجمال فائق يناسب القيامة، إلاّ أنه قرر بتدبيره وعنايته أن يظهر جسده بشكله كما كان منذ البداية، لكي لا يتصور أحد أنه يلبس شكلاً آخر غير ذلك الشكل الذي صُلِبَ به][6].

          والسبب الثاني كما يقول القديس كيرلس: [ إن عيوننا نحن البشر لم تكن لتستطيع أن تحتمل مجد جسد القيامة لو أن المسيح أراد أن يعلن مجد القيامة للتلاميذ قبل أن يصعد إلى الآب][7].

          ولكي يؤكد أنه هو نفسه يسوع الذي عرفوه قبل الصلب، وأنه قام بجسد حقيقي، فإنه إضافة إلى قوله “جسونى” طلب منهم طعامًا ليأكل قائلاً: ” أعندكم ههنا طعام… فناولوه جزءً من سمك مشوى وشيئًا من شهد عسل فأخذ وأكل قدامهم” (لو41:24ـ42). فجسد المسيح في القيامة لا يحتاج للطعام أو الشراب إذ هو جسم روحاني سماوى لا يتغذى على الأطعمة الأرضية، لكنه طلب طعامًا ـ كما هو واضح من رواية الإنجيل ـ لكي يأكل أمام عيونهم لكي يؤكد لهم أنه قام بجسد حقيقي يمكن أن يتناول طعامًا .

          ويحدثنا القديس كيرلس عن التغييرات التي حدثت في جسد المسيح بالقيامة فيقول: [ وبعد القيامة كان له نفس الجسد الذي كان قد تألم، سوى أن الضعفات البشرية لم تعد موجودة فيه، لأنه لم يعد قابلاً للجوع أو التعب أو شئ آخر مثل هذه، ومن ثم غير قابل للفساد. وليس هذا فقط بل ايضًا صار معطيًا للحياة، لأنه جسد الحياة أى جسد الوحيد الجنس. وهو أيضًا جُعلَ يلمع بالمجد اللائق بلاهوته، ويعرف أنه جسدالله. لذلك حتى إن قال البعض إنه إلهي، كما أنه بالبديهة هو جسد بشرى لإنسان، فإنه لم يضل عن التفكير اللائق. ولذلك اظن أن بولس الحكيم جدًا قال: ” وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد لكن الآن لا نعرفه بعد” (2كو16:5). وحيث إنه جسد الله الخاص ـ كما قلت ـ فهو يتعالى على كل الأجساد البشرية ][8].

          ومن كلام القديس كيرلس نعرف أن جسد قيامة المسيح لم يعد قابلاً للجوع أو التعب أو أي شئ آخر من الضعفات البشرية (طبعًا يقصد الضعفات غير الخاطئة)، وهكذا صار جسد المسيح بالقيامة غير قابل للاضمحلال والموت بل العكس [ صار معطيًا للحياة لأنه جسد الحياة ]، ولهذا فإننا ننال حياة من جسد المسيح الذي نناله في الإفخارستيا.

 

وإن تساءل أحد ماذا حدث للسمك المشوى والعسل الذي أكله المسيح بعد القيامة، وجسده ليس كالأجساد التي تجوع وتأكل وتهضم؟ نجيبه قائلين إنه كما حوّل المسيح جسده في القيامة من الطبيعة الترابية القابلة للاضمحلال إلى جسد سماوى روحاني (ولكنه جسم حقيقي مادى صلب)، هكذا فإن الطعام الذي يأخذه بعد القيامة يستطيع أن يحوّله في لحظة من طعام أرضي إلى طبيعة الجسد السماوى بدخول هذا الطعام في جسد قيامته.

وهذا يمكن أن يعطينا مؤشرًا ـ وإن كان غير مفهوم لعقولنا ـ كيف يحوّل المسيح بروحه الخبز والخمر اللذين من نتاج الأرض إلى جسده ودمه الإلهيين المعطيين للحياة في الإفخارستيا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش: 

[1] القديس أثناسيوس الرسولى: تجسد الكلمة، ترجمه عن اليونانية وتعليقات د. جوزيف موريس فلتس، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية بالقاهرة، أغسطس= =2002م، فصل 1:20 ص 56

[2] قيامة المسيح (من شرح إنجيل يوحنا) للقديس كيرلس عمود الدين، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، القاهرة،أبريل 2003، ص6.

[3] المرجع السابق، ص 18.

[4] المرجع السابق، ص 18.

[5] المرجع السابق، ص 18و19و20.

[6] المرجع السابق، ص 20.

[7] المرجع السابق، ص20.

[8] رسائل القديس كيرلس الأسكندري، ترجمة د. موريس تاوضروس ود. نصحي عبد الشهيد، إصدار مركز دراسات الآباء، القاهرة 1995، الجزء الثالث، 12:45، ص 93.

المسيح نور العالم – دكتور عصام سامي

المسيح نور العالم – دكتور عصام سامي

المسيح نور العالم – دكتور عصام سامي

المسيح نور العالم – دكتور عصام سامي

مقدمة:

أثمن شئ للإنسان في هذا الوجود المادى هو نور العينين. وحينما يفقد الإنسان نور بصره يمشى متخبطًا، إذ يكون العالم كله حوله مظلمًا، فهو لا يرى بالمرة، حتى أنه لا يدرك جمال خليقة الله. هكذا نحن أيضًا إذا لم تكن عيون قلوبنا مستنيرة بنور المسيح، وإذا لم يكن نور المسيح داخل عقولنا وأفهامنا فسنرى كل شئ مظلمًا حتى أن أجمل الأشياء ستبدو لنا عندئذ قبيحة، وهذا هو الفرق بين إنسان عرف كيف يستخدم الإمكانيات التى أعطاها المسيح له، وبين آخر لا يعطى اهتمامًا لهذه الإمكانيات. فالأول تراه سعيدًا فرحًا مسرورًا بكل شئ ويجد جمالاً في كل شئ، بينما الآخر عكس ذلك تمامًا.

لذا رتبت الكنيسة القبطية الواعية، ضمن قراءتها، عددًا من القراءات، بها تُذكّر المؤمن بضرورة السلوك في النور الإلهى. ومن بين هذه القراءات:

1ـ عيد الغطاس (11طوبة):

(يو18:1ـ34) المسيح يسوع نور العالم هو الذى خبّر

الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذى هو في حضن الآب هو خبر .. وشهد يوحنا قائلاً أنى قد رأيت الروح نازلاً مثل حمامة من السماء فاستقر عليه … هو الذى يعمد بالروح القدس“. فالابن الكائن في حضن الآب، قد استعلن الله لنا بالرؤية والسمع، ” الذى رآنى فقد رأى الآب ” (يو9:14) ويقول أيضًا القديس يوحنا الإنجيلى ” الكلام الذى تسمعونه ليس لى بل للآب الذى أرسلنى” (يو24:14).

فالمسيح يسوع قد أنار علينا بنور معرفة الآب، وأشرق بالنور الإلهى على قلوبنا، وأثناء عماده فى نهر الأردن نزل الروح مثل حمامة من السماء واستقر عليه وأصبح معروفًا منذ ذلك الوقت لدى يوحنا المعمدان أنه ابن الله الحى الذى يرفع خطايا العالم، والذى كان ينتظره ليكمل المكتوب، كما قال ” إنى أعمد بالماء أما الذى يأتى بعدى فسيعمد بالروح القدس ” (مت11:3).

وقد أرسل تلاميذه إلى المسيح له المجد، لكى يتحولوا إلى المسيح، بعد أن أنهى رسالته بمجيء المخلص. فحينما أرسل يوحنا تلاميذه إلى المسيح ليسألوه، ” مَن أنت“، كان يقصد من هذه الإرسالية أن يسلم تلاميذه إلى هذا المخلص، فمهمته قد انتهت. يالها من رسالة عظيمة من خادم عظيم مثل يوحنا المعمدان، الذى يسلم تلاميذه إلى المسيح المعلم الحقيقى، لكى يضئ حياتهم بنوره.

ومن ناحية أخرى يقول القديس كيرلس الكبير، يجب أن ندرك انه لا يمكن أن يحسب مثل المخلوقات أو أن له طبيعة مخلوقة، بل له أقنومه المتميز عن الآب والذى في الآب فإذا كان حقًا هو ” الإله الابن الوحيد” فكيف لا يكون مختلفًا في الطبيعة عن الذين هم بالتبنى أبناء[1]؟ لأن بولس الرسول يقول ” لكن لنا إله واحد الآب الذى منه كل الأشياء ورب واحد يسوع المسيح الذى به كل الأشياء” (1كو 6:8).

2ـ الأحد الرابع من الخماسين: (يو35:12ـ50)

فقال لهم يسوع النور معكم زمانًا قليلاً بعد فسيروا مادام لكم النور لئلا يدرككم الظلام. والذى يسير في الظلام، لا يعلم إلى أين يذهب، مادام لكم النور، آمنوا بالنور لتصيروا أبناء النور“. يحاول المسيح هنا أن يلفت أنظار الجمع لشرح الوصية وأن يعطيهم فرصة جديدة لتطبيقها وذلك بمعنى أن الزمان والوقت يعبران بسرعة، ولابد من انتهاز واستغلال الفرصة الموجودة، طالما النور قائم وموجود، فالنور قد ظهر ويجب عليهم أن يؤمنوا به ويسيروا معه، كما سار قديمًا آباءهم بواسطة عمود النور، الذى كان يضئ لهم الطريق لئلا تدركهم الظلمة.

وطريق النور الذى يقودنا إلى الملكوت فالذين يسيرون فيه هم ظاهرون للجميع وهم يضيئون لغيرهم، ليس بكلامهم فقط، وإنما بحياتهم وسلوكهم وتصرفاتهم اليومية، وطريق الظلام الذى يؤدى إلى الهلاك، فالذين يسيرون فيه قد لا يكونوا ظاهرين تمامًا مثل السابقين، ولكن هم يعرفون أنفسهم ويعلمون أيضًا إلى أين يذهبون. يطلب القديس غريغوريوس النيسى في أحد مقالاته، من شعبه المؤمن أن يصلوا لكى يكتشفوا ويعرفوا الأشرار للابتعاد عنهم لأنهم كما يقول بولس الرسول إنهم ذئاب خاطفة مختفية في ثوب الحملان. والخبرات اليومية تظهر لنا صدق كل هذا الكلام.

3 ـ الأحد الثالث من شهر بشنس: (لو 25:10ـ37)

“.. تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قدرتك ومن كل فكرك، وقريبك مثل نفسك … افعل هذا فتحيا“. المسيح نور العالم، جاء لكى ينير كلمات الوحى الإلهى ويعطيها قوة، وسهولة في التنفيذ، فلا يمكن لشخص أن يحب الرب، من كل القلب والنفس والقدرة والفكر، والقريب مثل النفس، إلاّ بعد أن ينير له المسيح قلبه وهذه الإمكانية لم تكن متاحة في الماضى بهذه السهولة كما في الحاضر بعد أن جاء مخلص العالم الذى أحب البشرية أولاً وأعطى حياته لها ويكون إتمام هذه الوصية الآن هو نتيجة للحب الذى قُدِم على الصليب.

وهذه الآية تُظهر بوضوح علاقة الإنسان بالله. فمَن أحب الرب يسوع بصدق، يحب قريبه كما يحب نفسه، وهو الأمر الذى لا ينبغى أن يغيب عن اهتمامنا في هذه الأيام.

4 ـ أحد الرابع المولود أعمى :

وفيما هو مجتاز رأى إنسانًا أعمى منذ ولادته، فسأله تلاميذه قائلين يا معلم مَن أخطأ هذا أم أبواه حتى وُلِدَ أعمى …. مادمت في العالم فأنا نور العالم“.

يقول القديس كيرلس الأسكندرى[2] في شرحه لهذه المعجزة إن الرجل لم يولد أعمى بسبب خطاياه الشخصية أو بسبب خطايا والديه، ولكن حيث إنه قد حدث أنه ولد أعمى، فمن الممكن أن يتمجد الله فيه. لأنه حينما يتحرر ويُشفي من المرض المزعج الذى حلّ به، فمن الذى لا يعجب بذلك الطبيب الذى شفاه؟ ومن هو الذى لا يعترف بسلطان الشفاء الذى أظهر في المسيح؟ ينبغى أن أعمل أعمال الذى أرسلنى مادام نهار، يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل.

بهذه الكلمات، يسمى الرب زمن الحياة في الجسد ” نهارًا ” وزمن وجودنا في الموت يسميه ” ليلاً ” لأنه حيث أن النهار جُعل لتتميم الأعمال والليل جُعل للراحة والنوم، لذلك فإن زمن الحياة الذى ينبغى أن نعمل فيه ما هو صالح يسميه الناس (نهار).

بالطبع كان المسيح يعمل نهارًا وليلاً، فهو الذى يتحكم في الكون ويرعاه، وعيونه على جميع أركان العالم. فلا وجود لشئ كائن إلاّ بوجود الرب يسوع المسيح ملك السماء والأرض. ولكن لكى يوضح المسيح المكتوب ويشرح ببساطة لهذا الشعب ضعيف الإيمان والذى يتحكم فيه الشيطان، قال لهم ” أعمل أعمال الذى أرسلنى مادام نهار“. فتكلم بلغتهم وعل قدر فهمهم. وقدم الشفاء للمريض الأعمى منذ ولادته، وقال لهم “مادمت في العالم، فأنا نور العالم“.

المسيح كان نور العالم، وكل مكان كان يتواجد فيه كان ينيره، سواء بكلماته القوية الصادقة الحقة التى كانت تدخل القلوب فتبكت السامعين فيعودون إليه، وأما بمعجزاته التى كانت تهدف أول ما تهدف إلى إظهار حبه الفياض تجاه البشرية المتألمة.

ولا أتصور أن المسيح كان يهدف في عمل معجزاته إلى إظهار قوته، فهو ليس بسوبر مان (أو بهلوان)، وإنما الدافع الأول والأساسى كان حبه الفياض وحنانه على المتألمين، أما كونه يقول ” لا هذا أخطأ، ولا أبواه .. ولكن لتظهر أعمال الله فيه” أمر لا يلغى إطلاقًا ما أشرنا إليه، بل يؤكده ويؤكد الحب الذى لله لكى يُظهره فيه. كما أن المسيح حينما قال: ” أنا نور العالم” أراد أن يوضح لنا أنه جاء لكى ينير عيوننا وقلوبنا لندرك رسالة الفداء التى جاء لأجلها.

والمعجزة في حد ذاتها تؤكد إننا حينما نكون فاقدين البصيرة الداخلية وعمل الروح القدس، سوف نتخبط ونقع في الحُفر والطرقات وأى حجر صغير تحت أقدامنا سيُلقينا أرضًا وقد تنكسر عظامنا أو قد نُصاب بالشلل الدائم فهو يطالبنا بأن نكون متيقظين صاحين، ومستعدين أن نفتح عيوننا حيث نظن في كثير من الأحيان أننا نرى بوضوح، وفي حقيقة الأمر، نحن عميان بل وأسوأ من هذا الإنسان الذى فتح يسوع عينيه، وذلك عندما نتفاخر بأننا أفضل من الآخرين وأننا نرى كل شئ في حين أن الآخرين عميان، وقد ينطبق علينا ما قاله المسيح بأنه يجب أولاً أن نخرج الخشبة من عيوننا (الخطيئة) لنرى بوضوح.

الفريسيون يطردون الرجل الذى ولد أعمى:

هناك الكثير من الناس لا يحبون النور ولا يحبون الصلاح، بل يحبون الظلمة ويحبون عدم الشهادة للحق، ولذا بعد أن فتح المسيح عينى الأعمى وأصبح علامة واضحة على انتصار النور على الظلمة، نجد الفريسيين مثلاً بدلاً من أن يفرحوا مع الذى كان أعمى وأصبح الآن يبصر، حاكموه، إذ سمح لذلك الذى يُدعى المسيح أن يُفتح عينيه. وعلى الرغم من أن الأعمى قدم شهادة عملية عن إيمانه بهذه الشخصية (المسيح) التى فتحت عينيه، بل وحاول أن يقنعهم بأنه نبى وأنه جاء من قبل الرب.

وكان من الطبيعى أن يبشر الأعمى الفريسيين بالمسيح، وهو لا يستطيع أن يغلق فمه عن التحدث بالمجد والنور الذى أعطاه له المسيح. إذ لا يمكن لإنسان يرى النور الإلهى، ولا يخبر به الآخرين وبكل قوة وعدم خوف حتى لو طردوه. فكل من رأى النور الإلهى يصبح عاملاً وشاهدًا به، ولا يستطيع أن يوقفه أو يعطله أحد. والشئ المؤسف أن علماء الناموس وقضاته وحُماته وقفوا موقفًا مخالفًا للناموس، فبدلاً من دفاعهم هم بأنفسهم عن المسيح الذى جاء الناموس لأجله أدانوا المسيح، على عكس الأعمى الذى وقف موقف الحق والنور دفاعًا وحبًا للمسيح وصار بحق تلميذًا له أفضل من معلمى الناموس.

وفى قراءات هذا اليوم (أحد المولود أعمى ـ الأحد السادس من الصوم الكبير)، تقدم لنا الكنيسة منهجًا روحيًا عن كيف نعيش ونسلك فى النور، وترسمه لنا كما يقول الآباء فى ثلاثة مراحل هى :

أ ـ مرحلة المعرفة :

فى رسالة الكاثوليكون يكلمنا معلمنا الرسول يوحنا (1يو13:5ـ21) عن المعرفة وإدراك النور التى أعطاها لنا ابن الله ويقول ” نعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق … ” هذه البصيرة (المعرفة) التى  أخذناها فى المعمودية، بها ندرك معنى المعمودية، أننا نُصلب مع المسيح ونموت وندفن معه، وبالتالى نقوم معه بقيامته.

ب ـ مرحلة التطهير :

هذه المرحلة ـ التطهير ـ نجدها فى رسالة البولس (كو5:3ـ17)، وفيها يعلمنا الرسول بولس كيف نبدأ فى التطهير فيقول ” فأميتوا أعضاءكم التى على الأرض الزنى النجاسة الهوى الشهوة الردية الطمع الذى هو عبادة الأوثان… إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذى يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه“. ففى المعمودية خلعنا العتيق ولبسنا الجديد، لذا يجب علينا لكى نسلك فى النور ونعيش فى النور، أن نطهر أنفسنا، ونحفظ قلوبنا… كل هذا يحتاج إلى سهر ويقظة وجهاد التى هى سمات مرحلة التطهير، التى يطالبنا بها الرسول بولس.

ج ـ مرحلة الاستنارة :

وهو موضوع إنجيل القداس (الذى تكرره الكنيسة فى الأحد الرابع من شهر طوبة، لتؤكد على مسامعنا أهمية السلوك فى النور). فمادام المسيح فى العالم فهو نور العالم، ونحن الذين عرفنا وأدركنا ذلك؛ ونجاهد من أجل تطهير ذواتنا، نعرف أن سبيل استنارتنا هو الاتحاد بشخص المسيحمن هو يا سيد لأؤمن به… قد رأيته والذى يتكلم معك هو هو. فقال أؤمن يا سيد. وسجد له“. إن الاتحاد بشخص المسيح هو التجرد من كل شئ        ” أخرجوه خارجًا “، والالتصاق بالمسيح ” فوجده“.

وهكذا بتطهير القلب يشرق فينا نور المسيح بشكل واضح ونصير أبناء النور كما يقول الرب ” آمنوا بالنور لتصيروا أبناء النور ” (يو35:12).

*  “أنت يا سيدنا ومخلصنا يسوع المسيح، تأتي إلى النفوس حيث يخيم الظلام. ولا يدرك نورك إلاّ بعض الناس، فالرجاء أن تزيد نورك لكى ندركك نحن أصحاب النفوس الضعيفة”

1 أنظر القديس كيرلس الكبير، في تفسيره وشرحه لإنجيل يوحنا الجزء الأول، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1989 ص 144.

2 أنظر أحد المولود أعمى للقديس كيرلس الأسكندرى. ترجمة د. نصحى عبد الشهيد. مركز دراسات الآباء القاهرة ، 2000 ، ص 3.

المسيح نور العالم – دكتور عصام سامي

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

Exit mobile version