الصليب فخرنا – للقديس كيرلس الأورشليمي ترجمة د جورج عوض
العظة الثالثة عشر للمؤمنين حديثًا [1] “صُلِب وقُبر” للقديس كيرلس الأورشليمي ترجمة د جورج عوض
الصليب فخرنا – للقديس كيرلس الأورشليمي ترجمة د جورج عوض
الصليب فخرنا
1ـ صليب الرب هو فخرنا العظيم
إن كل عمل فعله المسيح هو بمثابة فخر للكنيسة الجامعة، لكن أكثر الأعمال فخرًا هو صليبه. وبولس الرسول يعرف هذا الأمر، لذا قال: ” وأما من جهتي فحاشا لي أن أفتخر إلاّ بصليب ربنا يسوع المسيح ” (غلا14:6).
لأنه كان أمرًا عجيبًا أن يرى المولود أعمى في بركة سلوام (انظر يو7:9)، لكن هذا الأمر العجيب والمدهش لم يحمل أى فائدة لعميان المسكونة كلها. وكان بالتأكيد أمرًا مدهشًا وعظيمًا وفوق طبيعي، أن يقوم لعازر بعد أربعة أيام من موته، لكن نعمة القيامة قد انحصرت فقط فيه.
وأتساءل ما هي نتيجة قيامته على الذين كانوا أمواتًا بالخطايا في كل المسكونة؟ أيضًا لهو أمر عجيب أن يُطعِم المسيح خمسة آلاف نفس من خمس خبزات (انظر مت21:14)، لكن ما نتيجة هذه المعجزة بالنسبة للذين يجوعون جهلاً ـ جهل معرفة الله ـ في كل المسكونة؟ (انظر عا11:8).
كذلك أمر عجيب أن تنحل المريضة المربوطة منذ ثمانية عشر عامًا من الشيطان وتنفك قيودها، لكن ما نتيجة ذلك بالنسبة لنا نحن المقيدون بشدة بحبال خطايانا؟ (انظر أم22:5).
2ـ مات المسيح لأجلنا على الصليب وفدَّى كل العالم
مات المسيح لأجلنا على الصليب وفدَّى كل العالم لأن الذي مات لأجل الجميع لم يكن مجرد إنسان بل ابن الله وحيد الجنس. إن كانت الخطية تمكنّت بإنسان واحد ـ آدم ـ أن تحمل الموت إلى العالم، أي بخطية الإنسان الواحد ـ آدم ـ ساَّد الموت على العالم، كيف لا تملك الحياة بالأكثر ببر الإنسان الواحد ـ المسيح؟ (انظر رو17:5).
وإن كان الأبوين الأولين طُردا من الفردوس بسبب أنهما أكلا من ثمار الشجرة (انظر تك24:3). فكم بالحري يدخل بسهولة كل الذين يؤمنون إلى الفردوس بفضل شجرة صليب يسوع؟ إن كان المخلوق الأول من الأرض جلبَّ الموت إلى كل المسكونة، كيف لخالقه الذي كوّنه من الأرض (راجع تك2) لا يُحضِر الحياة الأبدية، إذ أنه الحياة؟ (يو6:14).
إن كان فينحاس الذي قتل ـ من غيرته ـ الذي فعل أفعالاً قبيحة وأوقف غضب الله (راجع عد11:8)، أليس المسيح الذي لم يقتل أحدًا بل أعطى ذاته فدية (انظر 1تيمو6:2) لا يستطيع أن يُزيل الغضب المضاد للبشر؟
3ـ ذبيحة المسيح على الصليب أبطلت كل الذبائح ومنحت الخلاص
إذًا دعونا لا نخجل من صليب المخلّص بل بالحري نفتخر به. لأن الافتخار بالصليب هو عثرة لليهود وجهالة للأمم (انظر 1كو18:1ـ23)، لكن بالنسبة لنا هو خلاص إذ بالنسبة لأولئك الذين يتبعون طريق الهلاك هو جهالة، أما بالنسبة لنا نحن الذين خلصنا هو قوة الله (انظر 1كو18:1). لأنه لم يكن المسيح مجرد إنسان مات لأجل كل البشر بل هو ابن الله الذي تأنس.
إن كان في زمن موسى طَرد حمل الفصح الملاك الذي أراد أن يُهلك البشر ـ بعيدًا (انظر خر23:12)، ألا يُحرّر بالأكثر حمل الله، المسيح، الذي يرفع خطية العالم، من الخطايا؟ أيضًا إن كان دم الحمل غير العقلي منَّح نجاة، ألا يخلص بالحري جدًا دم ابن الله وحيد الجنس؟
إن كان أحد لا يؤمن بقوة المسيح الذي صُلِب، فليرى ما صار للشياطين. إن كان المرء لا يؤمن بالأقوال، فليؤمن من جراء الأمور التي ظهرت عيانًا. كثيرون في كل المسكونة صُلبوا، لكن ولا واحد من هؤلاء أخافوا الشياطين، بل بمجرد أن يروا علامة صليب المسيح الذي صُلِب لأجلنا يرتعدون خوفًا.
هذا صار لأن الآخرون ماتوا على الصليب بسبب خطاياهم، أما المسيح فمن أجل خطايا الآخرين. لأنه يقول: ” الذي لم يفعل خطية ولا وُجِد في فمه مكر ” (1بط22:2). وليس بطرس فقط يقول هذا، حتى لا يرتاب أحد ظانًا أنه يتفضل على معلّمه، إذ أن إشعياء النبي يقول هذا الأمر، إشعياء، الذي لم يكن حاضرًا جسديًا مع المسيح، قد رأى مقدمًا مجيء المسيح كإنسان (انظر إش9:53).
ولماذا أقدم الآن شهادة النبي؟ خُذ شهادة بيلاطس الذي حكم عليه، يقول: ” لم أجد في هذا الإنسان عِلة مما تشتكون به عليه ” (لو14:23). وبينما هو يُسلّمه ليُعاقب ـ بعد أن غسل يديه ـ قال: ” إني بريء من دم هذا البار ” (مت24:27).
يوجد شهادة أخرى من المسيح البار، الذي لم يفعل خطية، شهادة اللص الذي هو أول مَن دخل الفردوس، والذي وبّخ اللص الآخر، وقال له: ” أما نحن فبعدلٍ لأننا ننال استحقاق ما فعلنا. وأما هذا فلم يفعل شيئًا ليس في محله ” (لو41:23).
4ـ المسيح خلّصنا بالحقيقة وليس ظاهريًا لأن موته كان موتًا حقيقيًا:
لقد تألم المسيح بالحقيقة لأجل كل البشر، فالصليب لم يكن خياليًا، إذ يترتب على ذلك أن الفداء سيكون خياليًا. لن يكون الموت خيالي، لأنه سيكون الخلاص أيضًا أسطورة. لو كان الموت خياليًا، فأولئك، الذين قالوا ” قد تذكرنا أن ذلك المُضِل قال وهو حيّ إني بعد ثلاثة أيام أقوم ” (مت63:27) هم على حق.
إذًا الألم كان حقيقي لأنه حقًا صُلِب المسيح ولا نخجل من هذا الأمر. لقد صُلِب ولا أنكر المصلوب بل بالحري أفتخر وأنا أقول هذا. وإذا أنكرته الآن فإن الجلجثة، التي نحن مجتمعين بالقرب منها، تقنعني. أيضًا تقنعني خشبة الصليب التي وُزعت قطعة ـ قطعة على كل المسكونة. أعترف بالصليب لأني أؤمن بالقيامة.
لأنه لو ظل مصلوبًا ولم يقم لما كنت أعترف بها، وكنت سوف أخفيها مع سيدي. لكن لأن القيامة أعقبت الصليب لا أخجل من الإفصاح عنه.
5ـ المسيح الذي تألم على الصليب كان بلا خطية في كل شيء:
هكذا صُلِب كإنسان مثلنا لكن ليس بسبب خطايا اقترفها، لأنه لم ينقاد إلى الموت من جراء محبته للفضة، لأنه كان يُعلم بعدم التملك، ولا حُكم عليه بسبب شهوة جسدية لأنه هو الذي قال بكل وضوح: ” إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه ” (مت28:5).
ولا لأنه بوقاحة تشاجر أو ضرب أحد، إذ أنه أدار خده الآخر إلى الذي ضربه (انظر مت39:5، 7:26). ولا احتقر الناموس، إذ كان متممًا له. ولا استهزأ بأي نبي، لأن الأنبياء قد سبق وتنبأوا عنه. ولا أخذ أجرًا من أحد، إذ كان يشفي بدون أجرٍ أو مكافأة. لم يُخطئ بالأقوال ولا بالأعمال ولا بالأفكار ” الذي لم يفعل خطية ولا وُجد في فمه مكر.
الذي إذ شُتم لم يكن يُشتم عوضًا. وإذ تألم لم يكن يُهدد بل كان يُسلّم لمن يقضي بالعدل ” (1بط22:2ـ23). لقد تألم بإرادته. وحين توسّل إليه أحد وقال: ” حاشاك يا رب. لا يكون هذا ” (مت22:16)، قال له: ” اذهب عني يا شيطان ” (مت23:16).
6ـ المسيح مات بإرادته لذلك كان الصليب مجده:
وهل تريد أن تقتنع أنه أتى إلى الألم بإرادته؟ كل البشر الآخرين لا يعرفون تمامًا متى يموتون، لذا هم يموتون بدون إرادتهم. لكن المسيح قال مقدمًا: ” ابن الإنسان يُسلّم ليُصلب ” (مت2:26).
وهل أدركت لماذا لم يتجنب مُحب البشر الموت؟ لكيلا يهلك العالم في خطاياه. لقد قال: ” ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يُسلّم ” (مت18:20)، إذ مكتوب أيضًا: “ثبت وجهه لينطلق إلى أورشليم” (لو51:9).
هل تريد أن تعرف جيدًا أن الصليب هو مجد يسوع؟ لقد سمعته يتحدث وليس أنا، حين خان يهوذا وأنكر عرفان سيده. لقد خرج من المائدة وبدلاً من أن يتبارك بشراب الخلاص شرّع في أن يسكب دم البار: ” الذي وثقت به آكل خبزي رفع عليَّ عقبه ” (مز9:41) وبينما هيأ نفسه ليخون المسيح لأجل المال، قال له المسيح: ” أنت قلت ” (مت25:26) أي أنت قلت إنك خائن، خرج بعدها لكي يخونه. ثم بعد ذلك قال المسيح: ” قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان ” (يو23:12).
وهذا لا يعني أنه قبل ذلك لم يكن له مجد، لأنه كان ممجدًا بالمجد الأبدي، وبكونه إله كان ممجدًا دائمًا، ولم يمت إذ ذبحوه عنوة، بل كل ما صار له حدث بإرادته. اسمع ماذا قال: ” لم يكن لك عليّ سلطان البتة ” (يو11:19) لأنني بإرادتي سوف أقدم ذاتي ذبيحة واغفر للأعداء لأنني إن كنت لا أريد أن يحدث هذا لما كان حدث شيئًا مما حدث.
إذًا لقد أتى مهيئًا ذاته ومستعدًا للأم، مسرورًا لتتميم هذا الحدث لابسًا تاج الشوك وهو مملوء بالسرور من أجل خلاص البشر، لم يخجل من عار الصليب لأن به خلّص المسكونة. هذا الذي تألم لم يكن مجرد إنسانًا مهمشًا بل كان الله الذي تأنس متسلحًا بالصبر من أجل الجهاد الموضوع أمامه.
7ـ رفض اليهود المصلوب إذ صار الصليب عثرة بالنسبة لهم، وهكذا أُعطيت النعمة إلى الأمم:
لقد اعترض اليهود، هؤلاء الذين هم دائمًا متأهبون للاعتراض وخاملون من جهة الإيمان، لدرجة أن النبي إشعياء قال: ” مَن صدّق خبرنا ” (إش1:53).
يا للعجب، الذين هم من أهل فارس يؤمنون، بينما اليهود لا يؤمنون ” الذين لم يخبروا به سيصبرون والذين لم يسمعوا سيفهمون ” (رو21:15)، اليهود الذين يدرسون الكتب المقدسة يناقضون ما يدرسونه هؤلاء يعترضون قائلين: بناء على ذلك هل تألم الرب؟
هل الأيدي البشرية هي أقوى كثيرًا من سلطانه؟ اقرأ مراثي إرميا ـ لأنه وهو يرثي لحالكم بسبب الأمور الجديرة بالرثاء، رأى دماركم وشاهد سقوطكم ورثى وقتذاك أورشليم لأن أورشليم الحالية لا تحتاج إلى رثاء. لقد صلبته أورشليم القديمة، أما الحالية فهي تعبد المسيح. لقد رثاها قائلاً: ” نفس أنوفنا مسيح الرب أخذ في حفرهم ” (مراثي إرميا 20:4).
هل أنا ابتدعت شيئًا من هذه الأقوال، ها هو النبي يشهد للمسيح الرب الذي قُبض عليه من البشر. وما هى النتيجة؟ أخبرني أيها النبي. يقول النبي: ” في ظله نعيش بين الأمم ” (مراثي إرميا 20:4). ليس بعد في إسرائيل. لقد أراد أن يقول من الآن فصاعدًا سوف لا تُعطى نعمة الله للشعب الإسرائيلي بل للأمم.
[1] ΒΕΠΕΣ 39, 152-171
الصليب فخرنا – للقديس كيرلس الأورشليمي ترجمة د جورج عوض
✤ بحسب التقليد اليهودي فإنه كما أن فرعون في وقت يوسف البار اضطرب من أحلامه (تك 41: 1-7) هكذا فإن الفرعون الجديد الذي ورد ذكره في بداية سفر الخروج (وقت موسى) قد حلم حلماً جعله مضطرباً. فما هو هذا الحلم؟
– من الترجوم المنسوب ليوناثان [1]
[وقال فرعون انه نام فرأى حلماً أن كل أرض مصر قائمة بأحد كفّي ميزان وخروف صغير في كفّ الميزان الآخر، فغلب كفّ الميزان الذي للخروف.. فدعا كل سحرة مصر وقصّ عليهم الحلم مباشرة ففتح يانيس ويمبريس [2] رئيسا السحرة أفواههم وقالوا لفرعون: أن طفلاً عتيد أن يولد في كنيس إسرائيل وعلى يديه عتيد أن تُخرب كل أرض مصر]
* هذا التقليد موجود في أماكن أخرى [3]، وبحسب بعض مما ورد في تلك النصوص فإن هذا المخلص سيطيح بمملكة مصر ويحرر إسرائيل من العبودية، وسيتعاظم في حكمته واسمه سيُذكر للأبد كونه مخلص إسرائيل.
✤ بالتأمل في باقي سفر الخروج سنجد أنه بمثابة تفسير لهذا الحلم. الرب الإله قدّم ملكاً (موسى) وبه دينت مصر، وكانت الدينونة الأعظم هي عن طريق الحمل (خر 12)، كانت الطريقة الوحيدة لتفادي غضب الله وقضاءه (في ضربة موت الأبكار) هو بالتغطية بدم الحمل. حمل الله بهذا أصبح نقطة ارتكاز لخلاص إسرائيل وأصبح لاحقاً نقطة ارتكاز أيضا للتطهير (بحسب الشريعة) في سيناء.
✤ لاحظ أن دم خروف الفصح كان يُدهن على قائمتي البيت والعتبة العليا، وهذا يشبه الحرف العبري (حيت-ח) الذي شكله بمثابة غطاء (ח) يمنع دخول الشر، أيضا هو الحرف الثامن في العبرية وبالتالي قيمته الحرفية (8) والرقم يرمز للحياة الجديدة كما أن الحرف هو مرتبط بالكلمة (حيّ-חי أو حييّم- חיים) والتي تعني حيّ أو حياة. فدم الحمل إذن لم يحمي اليهود فقط من قضاء الموت ولكن أيضاً كان بمثابة وسيلة لإعطاء الحياة. وكان الفيصل ما بين النجاة والموت هو مجرد الإيمان بدم الحمل الذي سينقذهم من ملاك الموت.
✤ يحكي العهد الجديد عن قصة مشابهة هي قصة هيرودس الملك الذي جمّع مُستشاريه ومعهم الكهنة ليسأل عن المسيح (الملك القادم) في محاولة للخلاص منه (مت 2: 1-6). أتى المسيح والذي قيل فيه أنه “حمل الله” (يوحنا 1: 29) وهذا أعلن أنه “الباب” الذي الدخول فيه نجاة من الموت المُحلق في الأفق (يوحنا 10: 9). في المسيح يتلاشى الغضب والقضاء الإلهي (يوحنا 3: 36)، وفيه نجد الحياة (يوحنا 11: 25). فقط آمن به وبسلطانه حينئذ به تخلص (فتخرج من عبودية الخطية) وبه تتطهر (فتتخلص من وسخ الخطية) فتصير من البقية الناجية التي ستخرج من هذا العالم منتصرة.
_____________________________________
[1] תרגום יונתן על שמות פרק א פסוק טו [ואמר פרעה דמך הוה חמי בחילמיה והא כל ארעא דמצרים קיימא בכף מודנא חדא וטליא בר בכף מודנא חדא והות כרעא כף מודנא דטלייא בגויה מן יד שדר וקרא לכל חרשי מצרים ותני להון ית חילמיה מן יד פתחון (פומהון) יניס וימברס רישי חרשייא ואמרין לפרעה ביר חד עתיד למיהוי מתיליד בכנישתהון דישראל דעל ידוי עתידא למחרבא כל ארעא דמצרים]
[2] هما ينيس ويمبريس اللذان ذكرهما بولس الرسول في العهد الجديد (2 تي 3: 8)
ما قصة الوثيقة المتداولة عن شراء كنيسة أجيا صوفيا – د. هشام حسن
ما قصة الوثيقة المتداولة عن شراء كنيسة أجيا صوفيا – د. هشام حسن
ما قصة الوثيقة المتداولة عن شراء كنيسة أجيا صوفيا – د. هشام حسن
– أستهل تدوينتي هذه “بالسلام عليكم – Ειρήνη Υμίν” وهو سلام الانجيل الذي نستخدمه نحن المسلمون منذ فجر الاسلام حتى وقتنا هذا في مشارق الأرض ومغاربها…
– أما بالنسبة للوثيقة التي يتم تداولها في وسائل التواصل الاجتماعي ونراها تتأرجح يميناً ويساراً وتتعلق بموضوع شراء محمد الفاتح من ماله الخاص لكنيسة أغيا صوفيا من القساوسة البيزنطيين بعد سقوط القسطنطينية (ولن أستخدم اصطلاح فتح) في يديه في 25 مايو 1435 فهذا أمر سوف أقوم بتفنيده من خلال النقاط التالية:
(1) هذه الوثيقة لا يوجد لها أي ذكر في وسائل الاعلام الأجنبية على الاطلاق !! ومن الممكن البحث عنها بأي لغة أجنبية قد يعرفها كل منكم ليتأكد أن الأمر برمته مفبرك وللاستخدام الشرقي فقط لأن من يروجون لهذا الهراء يعرفون تمام المعرفة أن الغرب لا يتسم بالعاطفة ولا تقوده المشاعر وأن المعيار دائماً عند الغرب هو العلم وتقصي الحقائق ولو كان وجود مثل هذه الوثيقة صحيحاً لوجدنا المتخصصين الأجانب هم أول من تكالبوا عليها لنشر كتب وأبحاث تتعلق بهذا الأمر … وحسم الأمر سهل للغاية في عصرنا الحديث عن طريق استخدام “الكربون المشع” لمعرفة عما إذا كانت الوثيقة “مضروبة” أم لا !!!
// إذن دعونا نتفق أن تداول الوثيقة الملفقة هو أمر متعمد بين المسلمين والمتأسلمين للعب على الوتر الحساس والهاب مشاعرهم بحلم الخلافة المنتظر !!!
// سيقول البعض منكم ولكن قناة الجزيرة “القطرية” تناقلت هذا الخبر !! وهنا أرد عليكم وأقول إلى متى ستظلون منساقين وراء أي شيء دون إعمال العقل فيه ؟!! ألا تعلمون مدى تعضيد قطر لتركيا في الوقت الراهن ؟ أنسيتم أن تركيا – أردوغان هو من أرسل قوات عسكرية تركية لقطر لحمياتهم من بطش دول التعاون الخليجي بعد العزل ؟!!
(2) دعونا نفند الحيثيات التاريخية وفقاً للمصادر البيزنطية والعربية والعثمانية التي كتبت عن سقوط القسطنطينة … المتخصصون يعلمون أنه لم يتم ذكر بيع للكنيسة تحت أي مسمى كان !!! وحتى المصادر العثمانية والعربية بعد السقوط بمئات السنين لم تتحدث خلال هذه الفترة عن وجود عقد بيع وشراء يتعلق بنقل ملكية الكنيسة !!! هل كل المؤرخين متواطئين ضد الإمبراطورية العثمانية حتى المؤرخون العثمانيون أنفسهم ؟!! طبعاً لا ..
(3) كما أن سقوط القسطنطينية في يد محمد الفاتح كان بعد حصار ومعركة كبيرة إذن لم يكن هناك صلح ؟؟ أو حتى مهادنة … البيزنطيون هُزموا وقُتلوا والمدينة أُخذت عنوة إذن كان بوسع محمد الفاتح أن يفعل فيهم ما يشاء ولا يوجد منطق يقول أنني كمغتصب للمدينة سأقوم بشراء شيء أصبح ملكي أنا وملك امبراطوريتي التي أرسي دعائمها !!!
#الفرق_بين_المسلمين_الأوائل_وأتراك_الأناضول
دعونا ننبش في مقبرة التاريخ للبحث عن حادث مماثل يتمثل في شراء دار عبادة من مسيحيي الشرق أثناء فترة الفتوحات/الغزوات الاسلامية لجعلها مسجداً للمسلمين ….
/// لن نجد اية اشارة لحدث مثل هذا في المصادر العربية ولن أقول البيزنطية على اعتبار ان العرب المسلمون هم من خطوا تاريخهم بأنفسهم دون وجود ضغوط خارجية كفاتحين أو غزاة
/// ولكنا سنجد اشارة جميلة جداً تتعلق ببناء مسجد في مدينة الرصافة – الأردن لصيقاً بكنيسة القديس سيرغيوس (في القرن الأول الهجري-السابع الميلادي) وأطلق العرب المسلمون على هذا المسجد “مسجد القديس سيرغيوس ولم يشعروا بالخزي والعار من تسمية المسجد على اسم القديس أنظر المرجع التالي:
Fowden K. E., “The Cult of St. Sergius after the Islamic Conquest”, in The Barbarian Plain: Saint Sergius between Rome and Iran, University of California 1999, pp. 174-183 here p. 179.
//// في عهد الوليد بن عبد الملك (705-715) اراد الوليد -وهو الخليفة بجلالة قدره وأمير المؤنين وهو الآمر الناهي في تحقيق مصير الشعوب التي تعيش في كنفه- أن يلحق كنيسة يوحنا المعمدان للمسجد الأموي !!! يعني يا مؤمن كان عاوز ياخد الكنيسة ويلحقها بالمسجد الأموي ومش أي كنيسة معاليك دي كنيسة يوحنا المعمدان نفسه !!!
//// أيوه سيادتك وهنزل لك بالمصادر والمراجع حالاً …. طيب الخليفة بجلالة قدره كان ممكن ياخد الكنيسة ويضرب كرسي في الكلوب ويقول للمسحيين اضربوا راسكم في الحيط !!! صح ؟ إنما الخليفة لم يفعل هذا وحدثت مفاوضات مع الطوائف المسيحية وعلى الأخص اليعاقبة السريان وبعد المفاوضات والمناقشات والحوارات وافق الجانب المسيحي على ترك كنيسة يوحنا المعمدان مقابل بناء أربع كنائس أخرى كتعويضٍ لهم !! والخليفة وافق معاليك وبنى لهم من بيت مال المسلمين أربع كنائس بالاضافة إلى صرف مبالغ مالي كمان عشان يبقوا مبسوطين…. إيه الجمال ده حضرتك … أنا نفسي سعيد والله ومبسوط … وخدوا المصدر كمان أهو : إبن عساكر (ت. 1175)، تاريخ مدينة دمشق، ج 2، ص ص: 245-255.
– طبعاً أنا لا أستطيع أن أعقد مقارنة بين تصرف الوليد ومحمد الفاتح لأن بينهما ثمانية قرون كما أن الأناضولي يختلف اختلافا كبيراً مع العربي من حيث الصفات ؛ ولكني أقول أن الوليد كان يمثل لي روح الإسلام الحقة والنقية وهو أقرب إلى عصر النبوة وخصال الاسلام الحقيقة وكان في أيديه سلطة وبامكانه أن يبطش بمن يبدي المعارضة أو المقارمة ولكنه لم يفعل ذلك … وشكراً
#الخلاصة:
الخلاصة سيادتك إنك لا تعمل العقل ولا تفكر ولست بقاريء لمصادرك العربية ولا للمصادر البيزنطية والسريانية وكمان الأرمينية .. وعندما تتشدق بصورة وثيقة واهنة طالعة من تحت السلم أول إمبارح ويبدو وكأن شخص تبول عليها ليصبغ عليها ملامح القدم يبقى إنت ممنوع من الصرف … ولا أتكلم هنا عن الصرف النحوي ولكنني أتحدث عن الصرف الصحي … وفي الواقع المرير هذا تشوف لك أي هواية على الفيس سواء التيك والتوك أو أغاني المهرجانات
انتصر المسيح على العالم، ونصره هو في خلق الكنيسة، لأنه وضع في فراغ التاريخ البشري وفقره وضعفه ومعاناته أسس “الكائن الجديد”. الكنيسة هي عمل المسيح على الأرض وهي صورة حضوره ومقامه في العالم. فعندما انحدر الروح القدس في يوم الخمسين على الكنيسة التي مثَّلها آنذاك الاثنا عشر والمجتمعون معهم، دخل العالم كي يسكن بيننا وكي يكون عمله فعَّالاً فينا أكثر منه فيما مضى: “ما كان الروح أُعطي حتى الآن” (يوحنا 7: 39). لقد انحدر الروح مرَّة انحداراً دائماً. وهذاسرّ عظيم لا يُسبر غوره. وبما أن الروح يقيم دائماً في الكنيسة، فإننا نقتني فيها روح التبني (رو 8: 15)، ونصبح أخصَّاء الله عندما نبلغ الروح ونقبله. ففي الكنيسة يكتمل خلاصنا ويتقدَّس الجنس البشري ويتغيَّر وجهه ويحصل على التأله (Theosis).
“لا خلاص خارج الكنيسة“ (Extra Ecclesiam salus). كل القوة القاطعة لهذا القول هو في الترداد الذي يوجد فيه. لا خلاص خارج الكنيسة، لأن الخلاص هو الكنيسة. فالخلاص إعلان عن الطريق القويم لكل من يؤمن باسم المسيح. وهذا الإعلان يوجد في الكنيسة فقط، ففيها، أي في جسد المسيح وفي الجسم (التعضّي organism) الإلهي – الإنساني، يتمّباستمرار سرّ التجسد، سرّ اتحاد “الطبيعتين”. في تجسد الكلمة يتمّ ملء الإعلان الإلهي والإنساني على حد سواء. يقول القديس ايريناوس: “صار ابن الله ابناً للإنسان، لكي يصير الإنسان ابناً لله” (ضد الهراطقة 3، 10، 2)، لأنه لم يُعلن في المسيح، الإله-الإنسان، معنى الوجود الإنساني وحسب، بل إنه بلغ غايته. ففيه بلغت الطبيعة الإنسانية كمالها وتجدَّدت وأُعيد بناؤها وخلقها.
والمصير الإنساني وصل إلى هدفه وصارت الحياة الإنسانية “مستترة مع المسيح في الله” (كولو 3: 3) على حد تعبير بولس الرسول. بهذا المعنى يكون المسيح ” آدم الأخير” (1كور 15: 45) والإنسان الحقيقي، الذي فيه مقياس الحياة الإنسانية وحدودها. فإنه قام من بين الأموات “بكراً للراقدين” (1كور 15: 20-22)، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب. فكان مجده مجداً للوجد البشري، لأنه دخل وهو إنسان المجد الأزلي ودعا الجميع لكي يقيموا معه وفيه. “ولكن الله بواسع رحمته وفائق محبته لنا أحيانا مع المسيح بعدما كنَّا أمواتاً بزلاتنا.
فبنعمة الله نِلْتُم الخلاص، وفي المسيح يسوع أقامنا معها وأجلسنا فيالسماوات” (أفسس 2: 4-6). هنا يكمن سرّ الكنيسة بكونها جسد المسيح. الكنيسة هي الملء (to pleroma)، أي الإنجاز والاكتمال (أفسس 1: 23). بهذه الطريقة يفسر الذهبي الفم كلمات الرسول، فيقول: “تكون الكنيسة ملء المسيح مثلما يكون الجسد ملء الرأس والرأس ملء الجسد. أنظر أيَّ ترتيب يستخدم بولس… لأنه يقول الملء.
فمثلما يكتمل الرأس بالجسد هكذا يتألف الجسد من كل الأعضاء ويحتاجإلى كلٍّ منها. أنظر كيف جعلالمسيح نفسه محتاجاً إلى جميعالأعضاء، لأننا لو لم نكن أعضاء كثيرين، أي لو لم يكن بعضنا يداً وبعضنا رجلاً وبعضنا أعضاء أخرى لما اكتمل الجسد كلُّه. إذن، الجسد يكتمل بجميع أعضائه. ونحن عندما نكون متحدين بعضاً ببعض ومتلاصقين يكتمل الرأس ويصبح الجسد كاملاً”. يكرِّر الأسقف ثيوفانس شرح الذهبي الفم فيقول: “تكون الكنيسة ملء المسيح، مثلما تكون الشجرة ملء الحبَّة. فكل ما هو موجود في الحبَّة على نحو مكثَّف يكتمل نموه في الشجرة… الله تام في ذاته وكليّ الكمال، لكنه لم يجتذب إلى نفسه الجنس البشري اجتذاباً نهائياً. فالجنس البشري يتحد به تدريجياً، وبهذا يعطي كمالاً جديداً إلى عمله فيبلغ الإنجاز التام “.
الكنيسة هي في حدِّ ذاتها الملء، واستمرار للإتحاد الإلهي-الإنساني واكتماله. وهي الجنس البشري الذي يتجدَّد ويتغيَّر وجهه. ومعنى هذا التجدد أن الجنس البشري يصبح في الكنيسة واحداً، في “جسد واحد” (أفسس 2: 16). فحياةالكنيسة وحدة واتحاد، لأن جسدها يتماسك بالأوصال و”ينمو” (كولو 2: 19) بوحدة الروح وبوحدة المحبة. عالم الكنيسة هو عالم الوحدة الداخلية والعضوية، وحدة الجسم الحي ووحدة الكيان العضوي. الكنيسة هي اتحاد لا لأنها واحدة وفريدة، بل لأنها تعيد في كيانها اتحاد الجنس البشري المفكَّك.هذه الوحدة تؤلِّف جماعية (Sobornost) الكنيسة وجامعيتها(Catholicity). ففي الكنيسة ترتفع الإنسانية إلى مقام آخر، وتبدأ حياتها بنمط جديد وتصبح الحياة الجديدة الحقة والكاملة والجامعة ممكنه “في وحدة الروح برباط السلام” (أفسس 4: 3). فيبدأ وجود جديد ومبدأ جديد للحياة: “ليكونوا واحداً فينا، أيها الآب مثلما أنت فيَّ وأنا فيك… ليكونوا واحداً مثلماأنت وأنا واحد”(يوحنا 17: 21-23).
هذا هو سرّ إعادة الاتحاد النهائي الذي هو على صورة اتحاد الثالوثالأقدس والذي يتحقَّق في حياة الكنيسة وبنيتها. إنه سر الجماعيّة(Sobornost)وسر الجامعية.
الميزة الداخلية في الجامعية: يغيب عن الجامعيَّة المفهوم الكمِّي أو الجغرافي، لأن الجامعيَّة لا تتوقَّف أبداً على مدى انتشار المؤمنين في العالم. فمسكونية الكنيسة نتيجة وإظهار لها، وليست سبباً أو أساساً لها. أي أن انتشار الكنيسة الواسع هو سمة خارجية وأمر غير ضروري بكل ما في هذه الكلمة من معنى.
فالكنيسة كانت جامعة، حتى عندما كانت الجماعات المسيحية جزراً منعزلة في بحر الوثنية وعدم الإيمان. وستبقى جامعة حتى انتهاء الزمان، عندما يظهر سرّ “الارتداد” وعندما تتقلَّص الكنيسة لتصير مرة أخرى “قطيعاًصغيراً”: “أيجد ابن الإنسان إيماناً على الأرض يوم يجيء” (لوقا 18: 8). يقول المتروبوليت فيلاريت في هذا الصدد: “إذا ما ارتدَّت مدينة أو منطقة عن إيمانه الكنيسة العالمية، فإن الكنيسة ستبقى من غير ريب جسداً كاملاً غير منتقص ولا فانٍ”. فجامعية الكنيسة لا تُقاس بمدى انتشارها العالمي، لأن لفظة Katholiki التي تشتق من Kath olou تعني بالدرجة الأولى الاكتمال الداخلي لحياة الكنيسة. إننا نتحدَّث عنا عن الاكتمال وليس عنالمشاركة، وفي أي حال إننا لا نتكلَّم على المشاركة الاختباريَّة.
فلفظة Kath olou لا ترادف لفظة Kath pantos لأنها لا تنتمي إلى مستوى الحواس أو إلى مستوى الاختار، بل إلى المستوى الكياني والمفهوم الذاتي، لأنها لا تصف الظواهر الخارجية، بل الجوهر نفسه. نجد هذه الألفاظ مستخدمة بهذا المعنى في العصور التي تسبق ابتداء من سقراط. فإذا دلَّت الجامعيَّة علىالمسكونيَّة أيضاً فإنها بكلّ تأكيد لا تدلّ على مسكونية اختبارية، بل على مسكونية مثالية. أي إنها تشير إلى المشاركة في الأفكار وليس إلى المشاركة في الوقائع. عندما استعمل المسيحيون الأوَّلون عبارة “الكنيسة الجامعة” (إغناطيوس الإنطاكي، الرسالة إلى أهل إزمير، 8: 2) (Ekklesia Katholiki) ما عنوا بها كنيسة ذات انتشار عالمي. والحق، أن هذه العبارة أظهرت أرثوذكسية الكنيسة وحقيقة “الكنيسة العظمى”، لأنها تغاير روح الانشقاق الطائفي وروح التخصصية، وتوضح فكرة الكمال والطهارة.
هذه الفكرة عبّر عنها بقوة القديس إغناطيوس الإنطاكي عندما قال: “حيثما يكون الأسقف فهناك يجب أن تكون الجماعة، كما أنه حيث يسوع المسيح، فهناك الكنيسة الجامعة”. هذه العبارات تعبِّر عن الفكرة نفسها التي ترد في إنجيل متى: “فأينما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، كنت هناك بينهم”. فلفظة “الجامعيَّة” تعبِّر عن سرّ الاجتماع (Mystirion tis sinakseos). يفسِّر القديس كيرلّس الأورشليمي عبارة “الكنيسة الجامعة” الواردة في دستور الإيمان وفقاً لتقليد كنيسته فيقول إن عبارة “كنيسة” تعني “اجتماع الكل في شركة واحدة” ولذلك تسمَّى “اجتماع” (ekklesia)، وإنها تسمَّى “جامعة” لأنها منتشرة في العالم كلّه ولأنها تخضع الجنس البشري إلى البرّ والحق، ولأن كلّ العقائد تعلَّم فيها بصورة “شاملة، وكاملة، وجامعة“ (katholikos kai anelipos)، ولأنها تعالج وتشفي “جميع أنواع الخطايا”. هنا تُفهم الجامعيَّ’أيضاً كصفة داخلية. لكن لفظة Catholica استُعملت في الغرب لتشير إلى “الكونية” أثناء الصراع ضد الدوناتيين، حتى تقاوم الاتجاه المحلِّي والجغرافي عندهم.[1]
وفي الشرق أيضاً أصبحت فيما بعد مرادفة لكلمة “المسكونيَّة”. لكن هذا الترادف جعل معناها في آخر الأمر محدوداً وأقل فاعليَّة، لأنه يلفت النظر إلى الشكل الخارجي دون المضمون الداخلي. غير أن الكنيسة جامعة بسبب امتدادها الخارجي أو على كل كل حال ليس فقط لهذا السبب، بل لأنها كيانيجمع الجميع تحت كنفه. الكنيسة ليست جامعة لأنها تجمع كلّ أعضائها إلى اتحاد واحد وتجمع كلّ الكنائس المحليِّة فقط، بل لأنها جامعة في أكثر أقسامها صغراً وفي كل عمل أو حدث في حياتها. فطبيعتها جامعة ونسيج جسدها جامع. هي جامعة لأنها جسد المسيح الواجد، ولأنها الوحدة في المسيح والوحدة في الروح القدس، ووحدتها هذه هي الكمال الأسمى. ومقياس هذه الوحدة الجامعة هو “أن جماعة المؤمنين كانوا قلباً واحداً وروحاً واحدةً” (أعمال 4: 32). وحيثما يكن الأمر مخالفاً لهذا الشيء تصبح حياتها محدودة. لذلك يجب أن يحصل الائتلاف الكياني للأشخاص في جسد المسيح حتى يزول الانغلاق والتمييز بين “ما لي” و”ما لك”.
فنموّ الكنيسة يتحقَّق في نموّ الميزة الداخلية الجامعيَّة للكنيسة وفي “اكتمال الجميع”: “لتكون وحدتهم كاملة” (يو 17: 23).
تغيير وجه الشخصية: إن لجامعيَّة الكنيسة وجهين: وجهاً موضوعياً ووجهاً ذاتياً. موضوعياً، تدل جامعيَّة الكنيسة على وحدة الروح: “نحن كلّنا قبلنا المعمودية بروح واحدة لنكون جسداً واحداً” (1كور12: 13). فالروح القدس الذي هو روح محبة وسلام لا يجعل الأفراد المنعزلين واحداً فقط، بل يكون في نفس كلّ واحد مصدر سلام داخلي وكمال. ذاتياً، تدلّ على أن الكنيسة وحدة حياة، وأخوَّة أو شركة، ووحدة حب، و”حياة مشتركة”. وما صورة الجسد الواحد سوى وصيَّة محبة: “فبولس يطلب منّا محبة كهذه، محبة تشدّ الواحد إلى الآخر إلى حدٍّ يجب فيه ألا ينفصل الواحد عن الثاني فيما بعد … أي يطلب أن يكون اتحاداً كاملاً، مثل اتحاد أعضاء الجسد الواحد”. الجديد في وصيَّة المحبة المسيحية هو أن نحب قريبنا مثلما نحب أنفسنا.
وهذا أمر أسمى من أن نضع قريبنا على مستوى مساوٍ لنا وأن نعتبره كائناً مماثلاً لنا، أي أن نرى أنفسنا في الآخر، في المحبوب، وليس في أنفسنا… هنا تقع حدود المحبة، لأن المحبوب هو “أنا آخر”، أنا عزيزة على القلب أكثر من الذات. في المحبة نندمج لنكون شخصاً واحداً: “في هذه المحبة لا يبقى المحب والمحبوب شخصين، بل يصيران شخصاً واحداً”. إن المحبة المسيحية الحقيقية ترى في كل واحد من إخوتنا “المسيح نفسه”. وهذا يتطلَّب إنكاراً للذات واحتفاظاً بالشخصية. وهذا لا يتحقق إلاَّ في تغيير النفس وانفتاحها “الجامع”. تُعطى وصيَّة “الجامعية” لكل إنسان مسيحي، فيكون مقياسالجامعيَّة مقياساً لقامته الروحيَّة. فالكنيسة جامعة في كل فرد من أفرادها، لأنالجامعيّة الكلية لا تُبنى إلا على جامعيَّة الأعضاء، ولأن مجموعة كبيرة من الأفراد لا تكون أخوَّة واحدة، إذا انغلق كلّ فرد على ذاته.
الوحدة لن تكن ممكنة إلاَّ عن طريق المحبة الأخوية المتبادلة عند جميع الأخوة. فالرؤية التي ظهرت فيها الكنيسة برجاً قيد الإنشاء تعبِّر بقوة عن هذه الفكرة (راجع الراعي هرماس). هذا البرج يُبنى بحجارة مختلفة ترمز إلى المؤمنين الذين هم “الحجارة الحيّة” (1بطر 2: 5). عندما شُيِّد البرج انتظمت الحجارة كلّها، لأنها كانت ملساء ومنسجمة ومتناسقة، حتى أصبحت أطرافها غير مرئية. ولذلك ظهر البرج وكأنه قد شُيِّد من حجر واحد. وهذا رمز الوحدة والاكتمال.
إننا نلاحظ أن الحجارة المربَّعة الملساء وحدها تصلح لهذا البناء، أمَّا الحجارة الأخرى النيِّرة لكن المستديرة فلم يفد منها البناء، لأنها كانت لا تنتظم بعضها مع بعض. ولذلك وضعت على مقربة من الحائط لأنها غير مناسبة (mi armazintes) (هرمس الراعي، الرؤية الثالثة 2، 6، 8). “فالاستدارة” في الرمزية القديمة كانت إشارة إلى الانعزال وإلى الاكتفاء والرضا بالذات(teres atque rotundus). فروح الرضا بالذات يعيقنا عن دخول الكنيسة. أولاً، يجب أن يكون الحجر أَملس حتى يكون ملائماً لحائط الكنيسة،أي يجب أن ننكر أنفسنا حتى نتمكَّن من أن نلتحق بجامعيَّة الكنيسة. ويجب أن نسيطر على أنانيتنا ونكتسب فكراً جامعاً حتى نستطيع الدخول إلى الكنيسة. ففي اشتراكما الكامل فيها يتحقق التغيير “الجامع” لوجه الشخصية الإنسانية.
لكنَّ نكران الذات لا يعني القضاء على الشخصية وذوبانها في الجماعة، لأن الجامعيَّة لا تقوم على مبدأ جسداني أو جماعي.
فنكران الذات يوسِّعمدى شخصيتنا، حتى نضمّ الجماعة إلى ذاتنا ونضعها في أنانتنا، وهكذا تشابه وحدتناوحدة الثالوث المقدس. إن الكنيسة بكونها جامعة تصبح صورة مخلوقة عن الكمال الإلهي. ولقد تحدَّث آباء الكنيسة بعمق كبير عن هذا الموضوع. في الشرق تحدَّث القديس كيرلّس الإسكندري وفي الغرب القديس إيلاريون.
أمَّا في اللاهوت الروسي المعاصر فتحدَّث المتروبوليت أنطوني على نحو ملائم فقال: “إن وجود الكنيسة لا يقارَن بأس شيء آخر على الأرض، لأننا لا نجد على الأرض اتحاداً، بل نجد انفصاماً.في السماء وحدها هناك ما يشبهها، لأن الكنيسة وجود كامل وفريد(unicm) على الأرض. لذلك لا نقدر أن نحدِّد هذا الوجود بفكرة نستقيها من حياة هذا العالم. هي صورة عن الثالوث الأقدس، صورة يكون فيها الكثيرون.لماذا يكون هذا الوجود جديداً وغير مفهوم عند الإنسان القديم مثلما يكون وجود الثالوث الأقدس؟ لأن الوجود الشخصي في وعيه الجسماني سجين ذاته ومختلف كلياً عن أية شخصية أخرى”. “يجب على المسيحي أن يحرِّر نفسهوفقاً لحجم التطور الروحي الذي بلغه، وأن يميِّز بين الأنا واللاأنا، وأن يبدِّل بصورة جذرية الخصائصالأساسية للوعي الذاتي الإنساني“. في هذا التغيير يكون التجديد “الجامع” للفكر.
إن للوعي الذاتي وجهين، وجهاً فردياً منعزلاً ووجهاً جامعيّاًفالجامعيّة لا تنكر الوجود الشخصي، والوعي الجامع لا علاقة له بعرق أو بقومية، وليس وعياً مشتركاً ولا وعياً جماعياً أو عاماً أو االـ “Bewusstsein uebergaupt” التي تكلَّم عليها الفلاسفة الألمان. الجامعيَّة لا تتحقَّق بالقضاء على الشخصية الحيَّة أو بالانتقال إلى عالم الكلمة المجرَّد. فهي اتحاد واقعي في الفكر والشعور، وأسلوب أو وضع من الوعي الذاتي الذي يرتفع إلى “مستوى الجامعيّة”. وهي “نهاية” (telos) الوعي الذاتي الذي يتحقَّق بالنموّ الخلاَّق، لا بمحق للشخصية.
في التحوّل الجامع تكتسب الشخصية قوة للتعبير عن وعي الجميع وعن حياتهم. وهذا لا يتمّ بطريقة غير شخصية، بل بفعل بطولي خلاَّق. يجب ألا نقول: “إن كلّ فرد في الكنيسة يبلغ مستوى الجامعيَّة”، بل: “إنه قادر على بلوغه ومن واجبهأن يبلغه، وإنه مدعو إلى ذلك“. ولكن لا يبلغ كلّ إنسان هذا المستوى. أمَّا الذين بلغوه فنسمِّيهم آباء ومعلِّمين. فمنهم لا نسمع المجاهرة الشخصية بالإيمان فقط، بل نسمع شهادة الكنيسة، لأنهم يكلِّمونا من كمالها الجامع ومن كمال الحياة الممتلئة بالنعمة.
[1] Pierre Batiffol, Le Catholicisme de St. Augustin, I, Paris 1920, p212.
“نذكر أن لفظة “جامعة” استعملت لنصف الكنيسة العظيمة ضد الهراطقة… وهذه اللفظة أوجدها غالباً الشعب وظهرت في الشرق في القرن الثاني. فسعى مجادلو (tractatores) القرن الرابع إلى أن يجدوا لها معنى اشتقاقياً علمياً وأرادوا أن تكون تعبيراً عن الكمال المطلق لإيمان الكنيسة إمَّا لكونها لا تحابي وجوه الناس ولا المراكز ولا الثقافة أوأخيراً وخاصة لأنها منتشرة في العالم بأسره من أطرافه إلى أطرافه. وأغوسطين لا يعترف إلا بهذا المعنى الأخير”. راجع:
Bishop Lightfoot, St. Ignatius, II, London 1889, p. 319.
إنا تاريخ الاستعمال المسيحي والقبول المسيحي للفظتي – ekklesia catholiki وcatholicos في عدة مواضع يستحق دراسة دقيقة، لأننا لا نجد أبحاثاً خاصة في هذا الموضوع. وفي المقالات الروسية نقدر أن نرجع إلى المقالة القيِّمة للأستاذ موريتوف M.D. Muretov في ملحق كتابه “الصلوات اليهودية القديمة المنسوبة إلى القديس بطرس” رغم أنها لا تستنفد الموضوع ورغم أنها غير معصومة من الخطأ. أنظر أيضاً:
Bishop Lightfoot, St. Ignatius, II, London 1889, p. 310.
اعداد العالم للخلاص – كيف أعد الله العالم للخلاص؟ القس كيرلس عبد المسيح
اعداد العالم للخلاص – كيف أعد الله العالم للخلاص؟ القس كيرلس عبد المسيح
اعداد العالم للخلاص – كيف أعد الله العالم للخلاص؟ القس كيرلس عبد المسيح
(أف3:1ـ14): نشيد ليتورجى على الأرجح يرنمه بولس الرسول بفخر وفرح مجيد. نشيد المفديين بالخلاص الكامل والعتيد، المعد لهم من قبل تأسيس العالم، ونحن أيضًا بفرح مجيد مع بولس نرنمه، ونرجع إليه لنتأمل في تدبير الخلاص، لأن تاريخ العالم والإنسان مع الله ما هو إلاّ تاريخ خلاص. والقديس أثناسيوس يقول شرحًا لهذه الفقرة:” الإرادة والتخطيط (للخلاص) قد أُعِدَّا منذ الأزل، أما العمل فقد تحقق عندما استدعت الحاجة، وجاء المخلّص إلى العالم “[1].
ونستطيع أن نُجمل مسيرة الخلاص من خلال هذه المراحل:
1 ـ ما قبل الخلق وخلق الإنسان.
2 ـ سقوط الإنسان وما ترتب عليه من تهيئة الخالق، العالم للخلاص.
3 ـ تجسد ابن الله ملء الخلاص.
وهذه المراحل غير منقطعة فيما بينها، بل هى متصلة ومندمجة معًا. إذ إنها تدبير الله الخالق، إله العهد، الفادى والمخلّص ” أنا الرب، وليس غيرى مُخلّص ” (إش11:43)[2]، فعلى (خروج42:12) ” هى ليلة تحفظ للرب لإخراجه إياهم من أرض مصر. هذه الليلة هى للرب” يذكر ترجوم أورشليم أنه ” كانت هناك أربعة ليالى مميزة تحفظ من جميع بنى إسرائيل في أجيالهم: تلك التي للخليقة، والتي للعهد مع ابرآم، والتي تم فيها أول فصح، وتلك المنتظرة لفداء العالم “[3].
إن تدبير الخلاص، هو تدبير مخفى مكتوم منذ الأزل[4]. لكن اليوم الذي وُلِد فيه ” في مدينة داود مخلّص هو المسيح الرب ” (لو11:2) هو ملء الأزمنة الأزلية والحاضر والدهور الآتية، وهو الوقت المعين من الله لإعلان وإظهار ” السر المكتوم منذ الدهور ومنذ الأجيال ” (كو26:1)[5].
أولاً: ما قبل الخلق وخلق الإنسان
1 ـ الخلق على صورة الله كنعمة وخلاص:
الله بما أنه ثالوث واحد قدوس، خلق الإنسان في أقنومه الثانى “الكلمة” الذي هو صورة الله غير المنظور و” الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره ” (كو15:1، عب3:1) و” الكل به وله قد خلق ” (كو16:1).
وكون أن يخلق كائن في الخليقة على صورة الله، يعنى أن الله يميز هذا الكائن عن بقية الخلائق، وأنه يرفعه إليه ويجعل ارتقائه وتطوره نحوه (أى نحو الله) وبهذا الارتقاء يجعله أيضًا مؤهلاً ليكون شريكًا للطبيعة الإلهية ” فإن الله خلق الإنسان لعدم الفساد، وجعله على صورة ذاته الإلهية” (الحكمة 23:2) ويقول القديس أثناسيوس أن “الخلق هو نعمة، والصورة الإلهية هى نعمة أخرى إضافية”، تجعل البشر “يحيون الحياة الحقيقية؛ حياة القديسين في الفردوس”.
هذا يعنى ضمنًا خلاص الإنسان من حدود العدم والفساد. ولأجل صلة القرابة والبنوة هذه، والتي مجّد بها الله الإنسان فإنه لن يكون هناك عائقًا أمام الخالق في مجيئه لخليقته متجسدًا[6].
ويقول الأب صفرونيوس:” عندما خُلقنا على صورة الله، كان الله الآب يرتب تدبير الخلاص بعطية الصورة الإلهية لنا .. وهكذا جاءت الحياة والوجود الإنسانى موازيًا ومثالاً للوجود الإلهى .. ورتب الله بذلك أن تحيا الخليقة، لكى تفهم ما سوف يعلن في آخر الدهور عن الحياة الإلهية[7].
2 ـ حفظ الخليقة كنعمة وخلاص[8]
” فإنك تحب جميع الكائنات، ولا تمقت شيئًا مما صنعت. فإنك لو أبغضت شيئًا لما كونته. كيف يبقى شيئًا لم ترده أم كيف يحفظ ما لم تدعه” هذه القراءة من (الحكمة24:11)، تعلن لنا بوضوح عن حفظ الله للخليقة التي دعاها الله للوجود.
ويشرح القديس أثناسيوس الرسولى هذا القول هكذا: “كلمة الآب القدوس الكلى القدرة، الكلى الكمال اتحد بالكون وكشف عن قوته في كل أرجاء الكون، إذ أنار الكل ما يُرى وما لا يُرى، وهو يمسك بكل الكائنات ويربطها به، وبذلك لم يترك شيئًا من المخلوقات محتاجة إلى قوته، بل بالعكس يحيى كل شئ في كل مكان”. الثالوث القدوس إذن، لم يترك الخليقة فارغة من قوته بعد تكوينها، وبذلك فهى تتلقى منه وجودًا وارتباطًا به وخلاصًا بقوته، لكى تبلغ المقاصد والمواعيد العتيدة المعدة لها في المسيح (أف10:1).
3 ـ الخلاص من خلال الشركة في حياة الله
خلق الله في الفردوس ” أشجارًا ذا ثمر ” ” ورأى الله ذاك أنه حسن” (تك11:1،12) وقال الله ” إنى قد أعطيتكم .. كل شجر فيه ثمر .. لكى يكون لكم طعامًا” (تك29:1) ولكنه ميز شجرة في الفردوس عن كل الأشجار، وتلك هى “شجرة الحياة.” إذ يمد (الإنسان) يده ويأخذ من شجرة الحياة.. ويأكل.. يحيا إلى الأبد ” (تك22:3). لهذا وضع الرب هذه الشجرة في وسط الجنة (تك9:2) لتكون أمام عينى آدم حتى تشغل مركز عقله واهتمامه وتملأ قلبه “ جعل الكل حسنًا في وقته، وأيضًا جعل الأبدية في قلبهم التي بلاها لا يدرك الإنسان العمل الذي يعمله الله من البداية إلى النهاية” (جا11:3).
وبالطبع فإن هذه الشجرة لا تُحيى بمجرد الأكل، وإلاّ حُسبت على قدر المساواة بذاك الذي غرسها، فينسى الإنسان بذلك مصدر حياته وخالقه. كان الواجب أن يكون الأكل من الشجرة مصاحبًا التأمل في الله. وكانت هذه الشجرة تؤكد وتعبّر من جانب، عن المسافة بين الله والإنسان، ومن جانب آخر، عن عطية الله للإنسان، وذلك ليكتشف الإنسان حاجته لما يسد تلك الهوة بينه، كمخلوق وبين الله الحى بذاته، فيحيا المخلوق القابل للموت، بالحى بذاته. كما أن الشجرة كانت تهدف أيضًا إلى أن لا يحيا آدم في الخلود من ذاته الذي هو أصل السقوط وكل خطية.
إذن لكى يحيا آدم حياة مغايرة، غير مائتة كان عليه، أن يقتنى التمييز بين حياة وحياة، أى أن لا يساوى نفسه بالمخلوقات الباقية من جانب، وأن يتجه نحو الحياة التي تأتى له من الله من جانب آخر.
يقول القديس أثناسيوس ” خلق مخلّصنا يسوع الجنس البشرى وجعل الإنسان قادرًا على رؤية وإدراك الحقائق بواسطة هذه المشابهة لشخصه.. عائشًا حياة الخلود كاملة ومباركة يقينًا.. إذ يتأمل في العناية الإلهية التي تمتد إلى الكون عن طريق “الكلمة”، مرتفعًا عن الأشياء الحسية والمظاهر الجسدية ومتصلاً بقوة عقله بالإلهيات والأشياء التي تدرك بالعقل في السموات.. وإذ يرى “الكلمة”، فإنه يرى فيه أيضًا أبا “الكلمة” متلذذًا بالتأمل فيه، ومكتسبًا التجديد من الانعطاف نحوه.
وذلك تمامًا كأول إنسان خُلق ـ الذي سُمى بالعبرية آدم ـ إذ وصف في الكتب المقدسة بأن عقله كان متجهًا نحو الله بحرية لا يعيقها الخجل. وبأنه كان يشارك القديسين في التأمل في الأمور التي يدركها العقل، والتي كان يتمتع بها في المكان الذي كان فيه الذي دعاه موسى رمزيًا بالجنة، لذلك فإن طهارة النفس كافية في حد ذاتها للتأمل في الله. كما يقول الرب أيضًا ” طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله“.
والقديس غريغوريوس العجائبى يعتبر أن غياب الاتجاه نحو الله، كان سبب الخضوع لغواية الحية: ” حواء التي استراحت في الفردوس كان عقلها عقيمًا بلا فكر ولا تأمل، ولذلك خضعت لغواية وكلام الحية أصل كل الشرور”. هذا يفسر ما جاء في (الحكمة10:9) فإن الجسد الفاسد يثقل النفس وللخيمة الترابية عبء للعقل الكثير الهموم.
خلاصة الأمر:
إن الحياة في الفردوس كانت تعنى لآدم أنه مدعو للبقاء إلى الأبد في نعمة الصورة الإلهية، وبذلك يكون بقاؤه ونجاته من الموت، وخلوده في الفردوس، هو في الشركة مع الله. فيدوم خلاصه وتحرره من الفساد والموت.
إن آدم قبل سقوطه كان حيًا ـ طالما كان هناك تأمل، وانعطاف فكر نحو الله، ومحبة، واتحاد بالله وتجديد حياة، فلم يملك عليه الموت وقتئذٍ. وكان ذلك له خلاصًا يحمل الوجهين المتلازمين كما لعملة واحدة: التجديد في الحياة والنجاة من الموت بآن واحد.
ثانيًا: سقوط الإنسان وما ترتب عليه من تهيئة الخالق العالم للخلاص:
تبدأ هذه المرحلة بالوعد الخلاصى بسحق الحية (تك15:3)، والممنوح لآدم وحواء أثناء خروجهما من الفردوس تحت سيطرة الموت والفساد. وبعد أن كساهما الله بالأقمصة الجلدية مفتتحًا بذلك أزمنة الذبائح. وطوال هذا التاريخ الذي يمتد من الوعد في جنة عدن (تك24:3) إلى ميلاد المسيح في قرية بيت لحم (مت1:2) كان الله يمهد كل الطرق لمجيء المخلص المسيّا الذي تدور حوله الأزمنة والمواعيد والعهود والعبادة.
وقد كان يوم مجيء المسيا هو النقطة التي تجمعت فيها كل خطوط الزمان، وما فوق الزمان، وما قبل الزمان، وهو النقطة التي جعلت لكل شئ معنى (أف10:1). منذ ذلك اليوم اعتبر الماضى، على أنه لم يكن خرابًا أو فراغًا بل مخاضًا لميلاد ملك الدهور الحاضرة والآتية، يقول القديس ايريناؤس: ” عبر كل ظهورات الله في تاريخ إسرائيل، كانت كلمة الله تعتاد أن تعيش مع أبناء البشر وتُعَوِّدهم أن يعيشوا معها “.
حقبة إسرائيل ورسالتها في إعداد العالم للخلاص:
“إن مفهوم العهد القديم عن الخلاص واسع ومتشعب.. وكلمة “الخلاص” تأتى دائمًا في تلك المقاطع التي ترجع إلى التحرير بالمعنى الحربي. وفي هذه المقاطع يمكن ترجمة الكلمة بـ “النصر” وفي الاستخدامات المماثلة تعتبر كلمة ” الخلاص ” مرادفة لأعمال التبرير أو دينونة الأمم المقاومة لإسرائيل. الخلاص يعنى أيضًا التحرير من أى تهديد لحياة أو سلامة الإنسان. في العالم القديم، الملك دائمًا هو المخلّص، إليه يتطلع الشعب للخلاص من أعدائهم من خلال الحرب أو من خلال الخلاص من الظلم الموجود في المجتمع؛ بعدله والتزامه بأحكام القانون[9].
عمليًا يبدأ تاريخ الشعب المقدس من ابراهيم (تك1:12). لكن العالم لم يكن بعيدًا عن تدبير الخلاص، إذ أن ابراهيم قد قبل المواعيد والبركة في نسله إلى الأبد ” لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح” (غل14:3)، فالاختيار الإلهي وقع على شعب إسرائيل، إلاّ أن تاريخ إسرائيل المقدس لم يكن دائرة مغلقة عليه، إذ أن العالم قد استُوعب داخل هذه الدائرة والتي كان مركزها المسيح الذي سيرسله الله في الوقت المناسب ” ليخلّص به الجميع ” (أنظر يو17:3).
حقبة تاريخ إسرائيل، عرض موجز[10]
توجه إبراهيم من أور إلى حاران قبل أن ينتقل إلى أرض كنعان.
نزح قسم من الإسرائيليين إلى مصر وبعد أن ذاقوا الأمرين فيها، خرجوا منها على يد موسى، فكان الخروج إيذانا بولادة شعب جديد وبداية التاريخ المقدس لهم.
دخل الشعب أرض كنعان بين سنة 1220، 1200 ق.م. وعاشوا في أيام القضاة الذين كان آخرهم صموئيل، ثم طلبوا ملكًا يوّحد كلمتهم وكان شاول البنيامينى.
خلف داود شاول وافتتح أورشليم وجعلها عاصمة مملكته، وخلفه سليمان ابنه الذي بنى الهيكل وكانت أيامه أيام سلام. لقد وصل الشعب إلى قمة انتظاره. وهكذا صار للشعب أرض وملك وهيكل.
لكن الملك الحكيم العظيم بانى الهيكل منعه الموت من البقاء. والمملكة انقسمت من بعده إلى قسمين، ثم سقطت السامرة أولاً سنة 721 ق.م على يد الأشوريين، ثم أورشليم سنة 587 ق.م على يد البابليين، فتبددت الآمال في الأرض والملك والهيكل.
في سنة 538 ق.م سمح الملك الفارسى كورش لليهود بالعودة إلى بلادهم، لقد تنقت الجماعة بالألم الذي احتملته في المنفى، وصارت تعيش في فقر يفتح قلبها على نداء الله.
في سنة 333 ق.م، احتل الاسكندر الأكبر الشرق الأوسط ونشر فيه الحضارة اليونانية.
في سنة 63 ق.م. سيطرت روما على الشرق وكان هيرودس ملكًا على فلسطين منذ سنة 40 ق.م إلى سنة 4 ق.م، وفي أيامه وُلِدَ المسيح.
من حقبة إسرائيل التاريخ إلى إسرائيل المعنى والغاية:
يحمل الرسول بولس في (رو4:9،5) الخلاصة اللاهوتية لتاريخ إسرائيل وغايته في هذه الكلمات: ” الذين هم إسرائيليون، ولهم التبنى والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد ولهم الآباء ومنهم المسيح حسب الجسد، الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد آمين“.
والقديسة مريم التي تربت منذ طفولتها على كلمة الله في العهد القديم أثبتت في تسبحتها الخالدة أن الكلمة الإلهية لإسرائيل القديم هي صادقة وأمينة، ولم ترجع فارغة؛ إذ نجحت في إعدادها نجاحًا تامًا لقبول كلمة الله المتجسد منها، باستجابتها “ هوذا أنا أمة الرب. ليكن لى كقولك” (لو38:1).
وعلى خطى القديسة والدة الإله لم تجد كنيسة العهد الجديد أى ردة أو انتكاسة في الاستقاء والاستناد على العهد القديم في ليتورجيتها وعبادتها، حتى صارت بحق الوريثة الحقيقية والوحيدة لتقوى العهد القديم، وهذه خلاصة بعض الأفكار اللاهوتية، والتقوية المتعددة التي احتواها العهد القديم والتي أعدت الطريق للرب.
1 ـ الإعلان عن طبيعة الله
أ ـ قلب الإيمان، الله الواحد:
العقلية العبرية مبنية على عبادة الله الواحد الذي أحب شعبه حبًا مجانيًا. لهذا لا تكون الطقوس عند المؤمن عملاً سحريًا يسيطر به الإنسان على آلهته، بل جواب الإنسان على نداء الله.” اسمع يا إسرائيل” (تث4:6ـ7)، المؤمن يردد هذا النص كل يوم. هذه هى صلاته وقلب إيمانه، أنه يؤمن أن الله هو وحده خالق السماء والأرض وهو سيد تاريخ الكون.
ب ـ الله الكائن:
الله موجود وحى وعامل بذاته، وفي خليقته أيضًا بكلمته وروحه وفي قصة العليقة (خر1:3ـ14)، حين سأل موسى الله عن اسمه فقال له: ” أنا يهوة الذي يهوة ” أى (انا هو الكائن الذي يكون).
ج ـ الله القدوس والبار:
وهذا يتضح من خلال الناموس المسجل في أسفار الخروج واللاويين والعدد والتثنية.
د ـ الله الرحوم والرؤوف:
انظر مثلاً (خر19:33 ، 9:15).
هـ ـ الله المحب:
انظر (2أى9:8، إر3:31 ، إش63:9 ، 1يو8:4ـ12).
2 ـ الإعلان عن طبيعة علاقة الله بالعالم
إن علاقة الله مع العالم تعتمد أساسًا على إقامة العهد معه، وهناك ثلاثة عهود تضمنتها أسفار موسى الخمسة:
1 ـ العهد الذي أعطى لنوح (تك1:9ـ17) وهو ممتد لكل الخليقة.
2 ـ العهد الذي أُعطى لإبراهيم (تك1:12ـ3 ، 18:15)
3 ـ العهد الذي أُعطى لبنى إسرائيل (خر24:19)
وقد قطع المسيح على مائدة العشاء الأخير معنا، عهدًا جديدًا بدمه الخاص الذي استوعب وأكمل كل العهود والمواعيد السابقة من جهة الله، ومن جهتنا، إذ أنه رسول اعترافنا الذي كمل كل بر لم نفعله.
3 ـ الإعلان عن الحاجة المصيرية إلى الذبيحة الكاملة
الناموس وبوضوح في (لا1ـ16) يتضمن صراحة وضمنًا عدم القدرة على الوصول إلى القداسة الإلهية، وهكذا يدعونا أن ندرك الوضع الذي نحن فيه والوضع الذي يريدنا الله أن نكون عليه، وأن نفهم أننا لن ندخل ملكوت السموات إلاّ بنعمة ورحمة ربنا يسوع المسيح. وعليه فإن غاية ناموس العهد القديم كانت تتمثل في قيادة أرواحنا إلى قبول حتمية فداء الله لنا في ” حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو29:1) وعلينا ألاّ ننسى هنا أن حمل الفصح كان من جهة يذّكر المؤمنين كل سنة، بانتصار عظيم في الماضى، ومن جهة أخرى كان يذّكرهم بالمواعيد التي ستتم في المستقبل.
4 ـ الإعلان والتمهيد لحضور الله وسط شعبه
الله الموجود في العالم، موجود كذلك وجود خاص في مسكنه: خيمة الاجتماع، الهيكل، قدس الأقداس، تابوت العهد.. ولما أراد يوحنا في إنجيله (يو14:1) أن يعبر عن حضور الله في الجسد واتحاده به قال:
“ والكلمة صار جسدًا وحل بيننا“. وهو يعنى باليونانية “سكن في المظلة”، أى في “الشاكيناه” بلغة العهد القديم. وفي هذا المسكن المخصوص اعلان أيضًا عن ” الكنيسة التي هى جسده ملء الذي يملأ الكل في الكل” (أف22:1). وقد كانت السيدة العذراء هى مثال الكنيسة التي حلت عليها سحابة المجد، جسدًا وعقلاً: ” الروح القدس يحل عليك وقوة العلى تظللك..” (لو35:1).
5 ـ الإعلان عن المسيا والمخلّص الآتى
المصطلح” المسيا “، والصورة المحددة له، يصعب استقصائها، لأنه لا يوجد مفهوم واحد عن كيف سيكون المسيا.. الكلمة تعنى ” الممسوح وحده”، لكن في العهد القديم كان الكهنة وأحيانًا الأنبياء ومثلهم الملوك ممسوحين أيضًا.. وجماعات قمران مثلاً كانت لها توقعات في كون المسيا كاهنًا مثل هارون، وملكًا لإسرائيل، بالإضافة إلى أنه النبى العتيد أن يأتى[11].
نحن هنا أمام انتظار شعبى عام. ولذا لما أعلنت كرازة يوحنا المعمدان عن قرب تدخل الله الحاسم، تحركت الجموع واعتمدوا، وصار عندهم يوحنا أعظم من نبى. هذا الرجاء سيلتقى به يسوع، وسيكشف عنه، ولكن خلوا من الشوائب، إذ أنه جمع في شخصه المبارك الكمال المطلق، الذي كانت ترمز إليه وظائف رجال العهد القديم: الملك، والكاهن، والنبى، والمحرر.. خلوا من هشاشة البشر الذين حملوا تلك الوظائف، واختبر الشعب قصورهم مثلما اختبر تمامًا هشاشة الحياة الأرضية الجسدية، فتطلع إلى الوطن السماوى الأفضل وتعّود أن ينظر إلى ما لا يرى “[12].
وانتهى زمان تربية الله لشعبه:
تحدث السيد المسيح إلى الفريسيين قائلاً: ” فتشوا الكتب.. وهى التي تشهد لى” (يو39:5)، وهكذا كان السيد المسيح نفسه يخبرنا أن العهد القديم ما هو إلاّ استعداد وظل لاعلان العهد الجديد. وقول بولس الرسول ” كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح” (غل24:3). يفهمنا أيضًا دور الشريعة الإيجابى، فقد قادتنا إلى المسيح وأهلتنا لسماع الإنجيل، وقد حررنا يسوع، ولن نعد بعد عائشين في حراسة المربى. بالإنجيل دخلنا نظام الحرية الذي يليق بأبناء الله. والتدبير الذي عرفه شعب العهد القديم سيدخل بالتجسد في تاريخ تدبير خلاص كل العالم، ويبلغ مرحلته الأخيرة وملئه من خلال يسوع المسيح.
تاريخ العالم العام تحت الاعداد للخلاص:
نميل هنا لننظر ونتتبع مسارات نعمة الخلاص في بقية فروع شجرة تاريخ العالم الملتهبة أيضًا بنار الإعداد الإلهى للخلاص.
1 ـ روما الدولة القوية
” كانت روما في القرن الأول قبل الميلاد هى القوة الوحيدة في عالم البحر المتوسط… وفي هذه الامبراطورية الشاسعة تجمع التراث الحضارى للعالم القديم، سواء كان اليونانى أو الشرقى أو السامى أو الغرب أوروبى، فاندمجت جميعها وانتشرت بين ربوع الامبراطورية. وقد أثر هدوء الحالة السياسية في انتشار دعائم السلام، واتجهت روما إلى مد الطرق الكثيرة التي كانت تربط أطراف العالم القديم … وفي ذلك الوقت سادت اللغة اللاتينية في الغرب واليونانية في الشرق. وهكذا بترتيب العناية الإلهية، تجمعت كل تلك الظروف لتكون أنسب الأوقات لميلاد المسيح وانتشار المسيحية في العالم[13].
2 ـ الفلسفات القديمة
في (أع16:17ـ34) نقرأ عن دخول بولس الرسول لآريوس باغوس ولم يكن قوله في (أع23:17) تفكيرًا توفيقيًا ما بين ثقافة اليونانيين والمسيحية. بل كان كشفًا لفكر البشر الباحث عن إله الحياة والحركة والوجود (أع28:17). فهناك حضور محتجب ومخفى للوغوس ينير كل العالم، لم يستعلن لنا بقوة إلاّ حينما صار الكلمة جسدًا. أدرج القديس بولس هذا الفكر الملهم في مسار الحق المتجه نحو (الأوميجا) أى ” الكلمة ” نهاية كل فلسفة ودين.
نتاج الفلسفة هو إشعاع من إلهام اللوغوس الذي طبع في الإنسان صورته عندما خلقه. ومع هذا فالمسيحية تتميز عن الفلسفة كتأمل موضوعى أو كفكر نظرى بكونها خبرة حياة المسيح فينا. الفلسفة تلتقى فقط مع المسيحية فيما أناره اللوغوس في بعض نواحيها. ولذلك فإن تحذير الرسول بولس من إغراء الفلسفة (كو6:2، 1يو19:1ـ25، 18:3ـ20) لا يدل على عدائه للفلسفة، بل على تمييز وإفراز لما هو باطل وملق في نتاجها أو في طرقها.
وآباء الكنيسة: كانت لهم بصفة عامة نفس الرؤيا اللاهوتية للعهد الجديد من نحو الفلسفة، إذ أن معظمهم تعلّم الفلسفات القديمة، ومنهم مَن كانوا فلاسفة وتحولوا إلى المسيحية، بل ومنهم مَن كان معلّمًا لفلاسفة. يوستينوس الشهيد مثلاً ينظر إلى الأفلاطونية كما لو كانت خير إعداد للعالم الوثنى لتقبل المسيحية. بل واعتبر أن نطق أفلاطون كان بقوة الكلمة (المسيح) … لكنه رأى أن الفلسفة الصحيحة هى في معرفة الله من خلال المسيح. أيضًا “يوسابيوس القيصرى” رأى أن التدبير الإلهى للخلاص شاء أن يجعل أفلاطون بمثابة نبى، تلقى الوحى فقط، ولكنه لم يدخل أرض الحق الموعودة[14].
ويقول كليمندس الأسكندرى في (المتفرقات 1ـ13) “إن الفلسفة في معناها هى عمل التدبير الإلهى” وفي (5:1) يقول أيضًا ” قبل مجيء المسيح كانت الفلسفة ضرورية.. لقد أُعطيت الفلسفة لليونانيين مباشرةً، وبطريقة بدائية، إلى أن يدعوهم الرب. وكما يقود الناموس العبرانيين للمسيح (غل24:3)، هكذا كانت الفلسفة إعدادًا، تهيئ الطريق للذين يتكلمون في المسيح” و “أن ما أنعم به على الأجيال وكان سببًا لحضارتها، أعطى في الوقت المناسب، وكان تمهيدًا وتدريبًا وتأهيلاً لسماع كلمة الرب في حينها “
3 ـ الترجمة السبعينية:
بدأت على يد بطليموس من القرن الثالث قبل الميلاد ترجمة كتب العهد القديم من العبرية إلى اليونانية وامتدت أربعة قرون، فقد قرأ العالم اليونانى القديم هذه الترجمة واستفاد منها ولاسيما أعظم فلاسفته، كما أكد لنا ذلك آباء الكنيسة. فقد ” توزع اليهود منذ السبى في القرن السادس ق.م، في منطقة الشرق الأوسط وفي شرقى البحر المتوسط، حتى ناهز عددهم في القرن الأول الميلادى المليون في مصر وحدها .. كما تواجد اليهود في معظم المدن الرئيسية، حيث كان لكل مدينة مجمعها الخاص”[15].
هذا ” جعل أبواب المجامع اليهودية مفتوحة منذ القرن الثالث ق.م أمام المتعاطفين مع اليهود، حتى يمكنهم فهم القراءات والعظات التي تلقى فيها باليونانية. وتؤكد الاكتشافات الأثرية صدق هذه الشهادات وهذا النجاح، ففي أكثر من 150 موضعًا في العالم القديم، ظهرت آثار لقيام مجامع يهودية “[16]. ورأى اليهود في هذا تدبيرًا إليها، لنقل الإيمان إلى الأمم ” ويلّخص الرابى لعازر هذه العقيدة بقوله الذي جاء في التلمود البابلى:” الله شتت اليهود ليسهل اهتداء الدخلاء”[17].
وهكذا دون قصد بشرى استعدت أمم العالم لاستقبال المخلّص مشتهى كل الأجيال.
ثالثا : تجسد ابن الكلمة ملء الخلاص
إن مفهوم الخلاص عند الآباء، لا يعنى مجرد التحرر من الذنب، بل هو مفهومًا أوسع وأكثر شمولا من تحديات الكنيسة الكاثوليكية الرومانية عن “الفداء”، أو الاسترضاء ومن المفهوم البروتستانتى عن التبرير. الكنيسة الأرثوذكسية تستخدم كلمة “الخلاص” لوصف كل العمل الذى أكمل بواسطة يسوع المسيح. والقديس أثناسيوس كان ذو فكر عميق, فيما يتصل بضرورة التجسد، إذ انطلق من الصفتين الأساسيتين لله وهما صلاحه وأمانته”.[18]
كان لصوم المسيح وصلاته ومعموديته، دور في تدبير الخلاص من قبيل التعليم، أو القدوة والمثل الاعلى للفضيلة: يقول عنه القديس كيرلس الكبير: ” الطبيعة التى تعللت قديما بدنس الخطية، والمخالفة فى الإنسان الأول بسبب الشهوات الدنيئة، كانت تتشكل فيه من جديد بالنسك على شكل القداسة”.
وعن معمودية ربنا يسوع المسيح يقول القديس أثناسيوس: ” لم يكن اللوغوس نفسه هو المحتاج لانفتاح أبواب السماء .. بل نحن الذين كنا نحتاج إلى ذلك, نحن الذين كان يحملنا فى جسده الخاص”.
وعن خروجه للبرية يقول القديس كيرلس: ” وأما هو فقد جاء لكى يجعلنا به وفيه نربح الغلبة, من نفس الموضع الذى فيه قد غُلبنا فى القديم وسقطنا فى أدم”. وعن الصلاة يقول أيضا” قدم طلبات وتضرعات للآب، لكى يجعل أُذن الآب صاغيًا لصلواتك أنت أيضا”. ان الخلاص والتجديد يعتمد فى الأساس على اكتساب الصفات الالهية, كقول القديس كيرلس” كل ما للمسيح صار لنا”. ولذا فالمفاهيم المجردة أو المحدودة للاسترضاء أو التبرير أو غيرها، كتعبير عن الخلاص، لا تستوعب ملء الخلاص كما تعيشه الكنيسة فى أسرارها وليتورجيتها وتقواها وقوانينها وحياتها .
1ـ سر الإفخارستيا وتشكيل الإنسان فى المسيح :
فى صلاة بعد القسمة فى قداس القديس كيرلس يصلى الكاهن هذه الصلاة “… لكى نتناول من هذه الأسرار النقية, ونظهر كلنا كاملين فى أنفسنا وأجسادنا وأرواحنا, اذ نصير شركاء فى الجسد وشركاء فى الشكل، وشركاء فى خلافة مسيحك..” هذه الصلاة من ضمن صلوات أخرى كثيرة، تؤكد أن التغيير والتشكيل الجديد لنا فى المسيح يتم من خلال سر الإفخارستيا, ويؤكد هذا القديس كيرلس بقوله: لقد تغيرنا إلى شكل المسيح روحيا, لأن المسيح يحل فينا أيضا بالروح القدس وبسر الأولوجيا”.
الإفخارستيا هى النقطة أو الذروة التى تتركز فيها عطايا الرب للإنسان منذ الخلق وإلى مجيء الرب. فكما أنه لا يمكن تصور الفردوس بدون شجرة الحياة التى ما هى إلا رمزًا ومثالاً لعطية الدهور الكاملة المذخرة فى سر الشكر ـ هكذا لا يمكن تصور الكنيسة بدون الإفخارستيا, شجرة الحياة الحقيقية .
فحيثما يوجد سر الشكر، توجد الكنيسة، وحيثما توجد الكنيسة، يوجد سر الشكر.
2ـ سر الشكر وقراءة جديدة لتاريخ اسرائيل والعهد القديم:
أسس المسيح إلهنا سر الإفخارستيا فى عشاء ليلة الخميس الكبير وسلمه للكنيسة حتى نهاية الزمان، علامة وبرهانا على أن جماعة المسيا (شعب الله) سوف تجتمع حوله إلى أن يجئ .
كان كسر الخبز و الصلوات و الكلمة أساس ليتورجيا القداس منذ ممارسته الأولي (أع42:2)، معتمدة في ذلك علي الطقس اليهودي للاجتماعات الدينية، ومن ثم كان الاجتماع الرسولي الملتف حول المخلص الحاضر حضوراً سرياً، ليس قاصرًا على التناول من وجبة خبز مكسور، بل هو أيضًا شركة صلاة ترفع إلي الرب القائم، أي تَذكّر عمل الخلاص الذي تحقق بالمسيح، ويسود الفرح عندئذ قلوب الجميع، إذ يسمح إيمانهم باكتشافهم سر المسيح القائم في وسط الذين وحدّهم القلب الواحد و الفكر الواحد، الذين يحدوهم الرجاء الصادق أن يومًا ما، ربما حالاً و قريبًا أقرب مما يتصورون سيرجع الرب إليهم ثانية.” فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس ، تخبرون بموت الرب إلي أن يجئ ” (1كو11: 26).
3ـ الإفخارستيا والكاهن والشعب معاً نحو ازدهار العالم بالحياة الجديدة:
” أصل هذه الكنيسة الحقيقي ـ أنها كنيسة كهنوتية ـ مولودة من المسيح الكاهن، الذي يقدم ذاته في الذبيحة، وقد عهد المسيح إلى الكاهن “ذكري” ذبيحته، ويأمر أن يقبلوا ما فعله حتى أواخر الدهور “[19]
وإن كان لكلمة “كاهن” اشتقاقاتها فى اللغات القديمة ولم نحصل على أية نتائج من جراء البحث عن التسمية، فإن الفعل السريانى “كاهين” بمفهومه الشائع يعني “صنع ازدهار أو تسبب حالة من الانتعاش والازدهار”[20].
فإن هذا المعنى مفيد ومعبر بالفعل عن كاهن العهد الجديد، الذى به يصنع الرب ازدهاراً وانتعاشاً بواسطة فلاحته فى فردوسه الجديد. “الكهنوت جزء لا يتجزأ من نظام العبادة الليتورجية, فالكهنوت خدمة, هى خدمة المسيح… ولا يوجد إلا كهنوت واحد هو كهنوت المسيح، الذي توجد الكنيسة كلها لتؤديه وتخدمه وتجعله واقعياً هنا والآن…”[21].
الكنيسة هي ليتورجيا دائمة، وذلك علي صورة رئيسها ومؤسسها الذي هو في السماء في حالة ليتورجية دائمة… غاية الكهنوت هي أن ينفتح هذا العالم علي الأبدية وأن لا يقتصر وجود الإنسان علي الأرض علي ما في هذه الدنيا وحسب… الكاهن هو الإنسان الذي بنعمة المسيح يقف دوماً بين عالمين، هما واحد في المسيح الذي ” جمعهما ” في ذاته. فانظروا ما أعظم سر الكنيسة و سر حياتنا فيها.
نحن من هذا العالم وفي الوقت نفسه لسنا من هذا العالم . إننا نقرب إلي الرب هذا العالم الذى هو له، وذلك في حالة إفخارستيا دائما. ولأننا نقرب هذا العالم، فهو يرسل إلينا عالمه، العالم الإلهي، نعمة الروح القدس”[22].
الكنيسة تعد الخليقة ليوم مجىء الرب يسوع، ولإدخالها الحياة الأبدية وتمتعها بها. والآن نحن لا نجتمع في الإفخارستيا علي مجرد تذكار يمضى ويطويه الزمن لأن:
1ـ الإفخارستيا أبدية تتجاوز الزمان المحسوب بالأيام والساعات، ولا تعود بنا إلى الماضى، بل تنطلق بنا وتعدنا إلى المجىء الثانى، إنها احتفالية الكنيسة باليوم الأول للخليقة الجديدة.
2ـ هناك إدراك قوى في ذهن المتناولين بإيمان للحضور السماوى وأن الأرض تتحول إلى سماء، كما يليق بجسد ذلك القائم في السماء والذي نمسكه بأيدينا، وأن الإفخارستيا هى ذبيحة المسيح المقدمة للأبد دون نقصان أو تأثير زمان.
وأخيرًا:
” يحتل التاريخ الدنيوى واجهة مسرح العالم. ولكن وراءه يسير تاريخ آخر هو تاريخ مخطط الخلاص الذي غايته فداؤنا الكامل في المسيح: اسمه التاريخ المقدس… ليس التاريخ المقدس والتاريخ الدنيوى واقعين منفصلين، فيسير الواحد بمحاذاة الآخر. بل هما متشابكان متداخلان. فليس هناك إلاّ تاريخ بشرى واحد يسير مساره على المستويين معًا.
فنعمة الفداء التي يشكل مسارها السرى التاريخ المقدس، تعمل في قلب التاريخ الدنيوى وتسعى لأن تنتزعه من الأخطار التي تتربص به… وبما أن مجيء الإنسان الجديد في المسيح هو الغاية الأخيرة التي يتجه إليها كل شئ، نستطيع القول أن التاريخ المقدس يستعيد التاريخ الدنيوى، ويعطيه غايته الأخيرة. كل أحداث الأرض ترتبط بالتاريخ المقدس والتاريخ الدنيوى معًا. ولكن من خلال التاريخ الدنيوى يبرز التاريخ المقدس من خلال أحداث رتبتها العناية الإلهية من أجل تحقيق الخلاص “[23].
إن تدبير الخلاص حى كامل في ضمير وتاريخ العالم كله، والدهر الآتى حاضرًا سريًا ومخفيًا فيه كخميرة صغيرة. ” تاريخ العالم هو تاريخ الكنيسة، التي هى الأساس السرى والفريد للعالم “[24].
ولا يزال الله يعد العالم ” لخلاص مستعد أن يعلَن في الزمان الأخير” (1بط5:1). آمين تعال أيها الرب يسوع.
تدبير الخلاص عند القديس كيرلس الأسكندرى – دكتور نصحى عبد الشهيد
تدبير الخلاص عند القديس كيرلس الأسكندرى – دكتور نصحى عبد الشهيد
تدبير الخلاص عند القديس كيرلس الأسكندرى – دكتور نصحى عبد الشهيد
مقدمة :
ضرورة الخلاص :
أ ـ من جهة الله:
خلاص الإنسان هو عمل إلهي حر نابع من محبة الله الأزلية والمخلِّصة، التي هي مصدر كل الأشياء. الخلاص عمل مجاني لرحمة الله، إذ أن ” الله محبة” (على يو17:10)[1]، والله “حرية”. لذلك فالله هو محبة مجانية حرة وحرية مملوءة محبة. في محبته المجانية قرر الله أن يخلص الإنسان وبحريته اختار الطريقة الفُضلى التي يصنع بها هذا الخلاص. الله لم يكن مقيدًا بأية ضرورة أن يخلص الإنسان المتعدي، كما أن الله ليس مسئولاً عن خطية الإنسان أو فساده. ولكن لم يكن يليق بالله ـ بسبب محبته ـ أن يكون غير مبالٍ بمعاناة الإنسان وفساده. خلاص الإنسان لم يكن فرضًا إجباريًا على الله. بل بالعكس فإن الله له كل الحق أن يحكم على المتعدي، فحكمه على الإنسان المتعدي صائب وعادل.
ب ـ من جهة الإنسان:
كان الخلاص ضروريًا جدًا للإنسان، فكل البشر كانوا تحت الخطية، وتحت الفساد وتحت الموت بعد سقوط آدم (شرح يوحنا35:8).
لم يكن يستطيع أحد أن يقدم هذا الخلاص للبشر، لأن جميع البشر كانوا خطاة، فكل واحد منهم كان يحتاج أولاً أن يخلص هو.
وأيضًا حتى الملاك أو أي كائن آخر لا يستطيع أن يقدم الخلاص لكل جنس البشر (على رو20:5). كانت الخطية هي العائق لعلاقة البشر مع الله، وكانوا يتطلعون ويشتاقون إلى الخلاص من ذنبهم وبؤسهم وخطيتهم. البشرية كانت تنتظر مخلصًا إلهيًا وتشتاق إليه.
ولم يكن ممكنًا لهم أن يتجنبوا طغيان الشيطان سوي بواسطة وسيط بين الله والإنسان ـ وسيط له قوة وسلطان إلهي، ويكون أيضًا ممثلاً لجنس البشر (على مزمور6:80س).
لذلك فإن كلمة الله الأزلي، (الأزلي بطبيعته الإلهية)، صار “إنسانًا” لأجل خلاص الإنسان ليفتح لنا طريقًا جديدًا فريدًا ودائمًا للخلاص. كل البشر كانوا ينتظرون المخلص ويشتاقون لمجيئه (على رو20:5).
هذا الاشتياق البشري الشامل للمخلص والخلاص، كان منتشرًا بين كل الشعوب وخاصة بين اليهود. لقد وعد الله مرات عديدة أنه سيرسل ابنه مخلصًا للبشر. والرب يسوع المسيح هو الشخص الذي وعد الله أن يرسله لخلاص الناس. وهكذا جاء المخلص وظهر في شخص الإله الإنسان الكلمة المتجسد الرب يسوع المسيح ابن الله.
الجزء الأول : الخلاص بالمسيح
القسم الأول: الله وتجسد الكلمة:
فصل 1: خلاص الإنسان وخطة الله الأزلية:
يقول القديس كيرلس إن التجسد الإلهي حدث في نقطة محددة التاريخ، وإن ” المسيح مات لأجلنا في نهاية أزمنة العهد القديم” وإن العهد الجديد تحقق بالمسيح، بعد نهاية ” العهد القديم “. ولكن القديس كيرلس يقول أيضًا إن فكرة هذا السر العظيم (التجسد للخلاص) لم تكن جديدة بالنسبة لله (على لو21:5). بل إن خطة الخلاص كانت خطة أزلية عند الله، وبذلك يكون حدث التجسد التاريخي هو تحقيق فى الزمن للخطة الإلهية الأزلية وللمشيئة الإلهية. ” سر المسيح ليس جديدًا. لقد كان معينًا سابقًا قبل خلقة العالم، لأن الله يعرف ما الذي كان سوف يحدث.
فحينما سقط آدم بل وقبل سقوطه، كان الله قد وجد أيضًا الطريق الذي يتمم به شفاء الإنسان في الزمن بالمسيح” (علي إشعياء3:41). بل إن الله نفسه هو الذي أعد هذا السر قبل خلق العالم (لو21:5). وتدبير الله للتجسد منذ القديم يوضح أن الله كان دائمًا يفكر في خلاص الإنسان بسبب محبته وصلاحه. ولهذا يتكلم القديس كيرلس عن “عناية الله” أي تدبيره لخلاص الإنسان. هذه المعرفة المسبقة والتدبير الأزلي تم التعبير عنه وتحقق ” في ملء الزمان “.
… والآن، ينبغي أن ندرك أن حكمة الله قد وُضعت لأجلنا أساسًا، قبل كل الدهور… وبطريق مماثلة فإن خالق الكل، جعل المسيح هو أساس خلاصنا حتى قبل خلق العالم، حتى إذا سقطنا، يمكن أن يُعاد بناؤنا من جديد، على المسيح. وهكذا، ففيما يخص فكر الآب وقصده، فقد جُعل المسيح هو الأساس قبل كل الدهور: ولكن تحقيق القصد أتى فى وقته الخاص، حينما استلزمت الحاجة ذلك. لأنه في زمن تجسد المسيح، فإننا نتجدد فيه هو (المسيح) ذلك الذي كان لنا منذ القديم، هو أساس خلاصنا” (الكنز15).
علاقة خطة الله الأزلية بما حدث فعلاً، لا يمكن أن تُفهم بمعنى أن التجسد حدث اضطراريًا بسبب خطة الله، بل بمعنى أن الله دبر وخطط هكذا لأنه عرف مسبقًا ما الذي سيفعله الإنسان وما الذي سيكون عليه الإنسان. فسقوط الإنسان كان معروفًا عند الله، ولكن حدوثه لم يكن بسبب أن الله كان يعرف مسبقًا بحدوثه.
ونفس الشيء يُقال عن التجسد، فإن الله عرف مسبقًا بالحاجة إلى التجسد وضرورته. القديس كيرلس لا يفصل التجسد عن معرفة الله وخطته. فتجسد الكلمة خُطط له بمشيئة الله الآب وعلمه السابق (على رو14:5). فالقديس كيرلس ينظر للتجسد على أنه عمل محبة الله المجانية. وأن التجسد تم في وقته الخاص، الوقت الذي أراده الله، هذا الوقت هو وقت الله الخاص الذي لا نستطيع نحن أن نعرفه (على رو14:5، والكنز15).
فصل 2: الثالوث القدوس وتجسد الابن فى عمل الخلاص:
رغم أن التجسد خاص بأقنوم الابن، فإن القديس كيرلس ـ بحسب تعليم الكتاب المقدس ـ يعلّم أن الابن جاء وتجسد ليحقق مشيئة الآب الأزلية والتي هي مشيئته هو أيضًا. الثالوث القدوس كله عامل فى خلاص الإنسان وفدائه : ” فالآب هو الذى أرسل ابنه مخلصًا للإنسان ” [2]. والقديس كيرلس يستعمل طريقتين للتعبير عن تجسد الابن وعمل الخلاص. فحينما يريد أن يؤكد على حقيقة أن تجسد الكلمة وخلاص الإنسان هما مشيئة الآب الأزلية فإنه يستعمل صيغة المبني للمعلوم حينما يكون الفاعل هو الآب ” الآب أرسل ابنه “[3]، وحينما يكون الابن هو الفاعل والآب هو العلة فى التجسد والخلاص، فإنه يستعمل صيغة المبني للمجهول، فيقول ” الابن أُرسِلَ في شبه جسد الخطية”[4]، ” لقب الابن الوحيد الخاص باللوغوس أُطلق أيضًا على اللوغوس متحدًا بالجسد “[5].
ويُعبّر القديس كيرلس عن عمل الآب والابن معًا فى التجسد والخلاص بقوله: ” الآب يعمل كل الأشياء بالابن” (Thesaurus 129). كما أن الروح القدس له دور فى التجسد والخلاص، فيقول: ” الروح الإلهى بنى هيكلاً فى العذراء مريم”، و”الجسد الكلى القداسة الذى كان متحدًا باللوغوس حُبل به بالروح القدس” [6].
وهكذا ففي سر التجسد، يعمل الثالوث القدوس ويظهر الثالوث ويُعلن بتجسد الابن لخلاص الإنسان. كما يقول القديس كيرلس: ” طبيعة الألوهة الواحدة تُعرف من خلال الثالوث القدوس والمساوي فى الجوهر”[7].
فصل 3: ضرورة التجسد :
1 ـ من جهة الله: يقول القديس كيرلس إن تجسد الابن لم يكن عن اضطرار بالنسبة لله، بل إن خلاص الإنسان كان من جهة الله هو محبة عمل محبة مجانية، ويعبر عن تسامح الله مع خطية الإنسان. ويستعمل القديس كيرلس تعبير “محبة البشر” (فيلانثروبيا)، ليعبر به عن توصيل محبة الله للإنسان بصفة خاصة[8]. وبما أن الإنسان كان عاجزًا بذاته عن أن يخلص، فإن محبة الله توصف بأنها “رحمة “. وهكذا فإن خلاص الإنسان يُقدم من الله للإنسان فقط كهبة إلهية ” وكثمرة لمحبة الله للبشر”[9]. وإن كان ” الخلاص ضرورة بالنسبة لله فذلك ليس معناه أن الله كان مجبرًا عليه، بل يعني أنه يليق بالله وبصفاته الإلهية، وهو المحبة وهو الرحوم أن يخلّص خلائقه. فالله لا يستطيع أن يناقض طبيعته المُحبة الرحومة.
2 ـ من جهة الإنسان: الخلاص ضروري جدًا للإنسان: فكل البشر خطاة، ولذلك فالكلمة اتخذ الطبيعة البشرية بالتجسد واحتمل كل الآلام والمعاناة التي يتعرض لها البشر حتى الموت نيابة عن البشر، فمات الكل فيه (2كو14:5) إذ أن جميع البشر ممثلين فى الكلمة المتجسد. فلو لم يكن الكلمة قد اتحد بطبيعتنا، وصار هو أصلنا الجديد لما استطاع البشر أن يخلصوا.
3 ـ لماذا الابن هو الذي تجسد وليس الآب أو الروح؟:
يقول القديس كيرلس: ” ذلك الذي استطاع أن يخلق كل الأشياء والبشر هو بلا شك يستطيع أيضًا أن ينقل الإنسان إلى تغير روحي حقيقي ويهبه الخلاص[10]. ويقول أيضًا ” الآب الذي يضبط كل الأشياء بيده اليمنى أى ابنه،، بقدرة إلهية، وهو الذي يعطي الوجود والحياة للأشياء غير الموجودة قبلاً، هو أيضًا يعطي “الحياة الصالحة”، أي حياة الخلاص الجديدة لأولئك الذين كان لهم وجود ككائنات، ولكنهم كانوا قد أخطأوا وسقطوا”[11]. أى أن الآب بالكلمة خلق غير الموجودات، وبه أيضًا يخلّص الذي كان موجودًا وسقط، وأن الله الابن هو الذي أتم المصالحة والفداء، وأعادنا إلى الله أبيه مرة أخرى[12].
هنا نلاحظ العلاقة الداخلية عند القديس كيرلس بين الخلق والفداء الذي أتمه الآب بالكلمة يسوع المسيح.
4 ـ عند القديس كيرلس أن المسيح تجسد وتألم ليخلص الإنسان من الخطية وسلطانها، ليجعل الإنسان شريكًا فى حياة جديدة فى الله وابنًا حقيقيًا ويقدم له ما كان قد فقده. فعنده أن هدف التجسد هو خلاص الإنسان . فلو لم يكن الإنسان قد أخطأ، لما كان المسيح قد جاء، ولو لكم تكن طبيعة الإنسان قد فسدت بالخطية، لما كان ضروريًا أن يتخذ ” كلمة الله ” الطبيعة البشرية ليفديها ويخلصها[13]. السبب الوحيد للتجسد العظيم عند كيرلس هو محبة الله الأزلية غير المحدودة لخلائقه، وللإنسان الساقط، الفاسد [ المسيح الذى بلا خطية أخذ على نفسه كل خطايا الناس ليحطم قوة الخطية ] [14]. [من عظمة محبة الله جاء المسيح ليخلص الإنسان الخاطئ ] [15].
القسم الثاني
يسوع المسيح وسيطنا ومخلصنا
+ الوساطة مبنية على التجسد: ” إن قلنا إن الكلمة لم يصر جسدًا، أى أنه لم يحتمل الولادة بالجسد، فإننا بذلك نهدم سر تدبير الله”[16].
+ القديس كيرلس يتحدث عن وساطة مزدوجة للمسيح:
1 ـ وساطة طبيعية: هو نقطة اللقاء بين الألوهية والبشرية في شخصه، إذ هو واحد مع الآب بالجوهر الإلهي، وواحد معنا باتخاذه طبيعتنا البشرية (الجسد) التي دمجها في حياته الخاصة.
2 ـ وساطة روحية: لأنه أيضًا هو نفسه فينا، لأننا قد صرنا شركاء له، ونناله ساكنًا في نفوسنا بواسطة الروح القدس، لهذا السبب قد صرنا شركاء الطبيعة الإلهية ودعينا أبناء، وهكذا أيضًا يصير لنا الآب نفسه فينا بواسطة الابن. ويشهد بولس ” لأنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا ابا الآب” (غلا6:4) (على يو20:14).
3 ـ وساطة المسيح هي بذبيحته الفريدة كرئيس كهنة:
[ حيث إنه رئيس كهنة ـ بسبب إنسانيته، ولأنه قدم نفسه ذبيحة بلا لوم لله الآب، فدية عن حياة جميع الناس ـ وإذ هو البداءة بكر من الأموات، لكي يكون متقدمًا في كل شئ كما يقول بولس، وهو يصالح جنس البشر المرفوض، الذين على الأرض مع الآب مطهرًا إياهم بدم نفسه، ومعيدًا تشكيلهم إلى جدة الحياة بواسطة الروح القدس؛ وحيث إنه ـ كما قلنا مرارًا ـ كل الأشياء تتم من الآب بالابن في الروح القدس؛ فإنه كوسيط ورئيس كهنة يخدم شفاعة الخيرات العتيدة من نحونا، رغم أنه متحد مع أبيه في إعطاء وإفاضة النعم الإلهية والروحية ][17].
4 ـ شفاعة المسيح كرئيس كهنة في السماء:
يقول القديس كيرلس إن وساطة المسيح كرئيس كهنة في السماء ضرورية جدًا بسبب أن المؤمنين به هنا على الأرض ضعفاء، وهم في احتياج شديد كل لحظة للنعمة الإلهية ومعونة رئيس كهنتهم المسيح[18].
يسوع المسيح هو رئيس الكهنة الدائم إلى الأبد، وسيظل رئيس كهنة في السماء، حيث إن ناسوته، الكامل والعديم الفساد بعد قيامته، سيظل متحدًا بالكلمة الأبدي في السماء.
ولن تتوقف وساطة المسيح السماوية إلاّ في نهاية العالم وبداية الدهر الآتي الأبدي، حينما يكون عمله لأجل البشر قد اكتمل. ولكن حتى بعد ذلك، فإن المسيح رئيس الكهنة من خلال شعبه المؤمنين به، سيقدم التسبيح الأبدي لله الآب، بينما كإله فإنه في الدهر الآتي سيتقبل هذا التسبيح من شعبه.
القسم الثالث : طبيعة الخلاص
فصل 1: العلاقات بين الله والإنسان : المصالحة
فصل 2: الخلاص من جهة الإنسان نفسه : الفداء
فصل 1: خلاص الإنسان من جهة علاقته بالله :
تعليم القديس كيرلس عن المصالحة Reconciliation
أ ـ يعلم القديس كيرلس ـ حسب الكتب المقدسة ـ أن المسيح صالح العالم مع الله (أنظر 2كو18:5ـ21) [الله صالحنا لنفسه بيسوع المسيح..]. الإنسان كان يحتاج للمصالحة لأنه قد اخطأ إلى الله، فهو مذنب، وأجنبى عن الله ولذلك كان تعيسًا جدًا. المصالحة تعنى إصلاح وتغيير العلاقة بين الله والإنسان، أى حالة جديدة من السلام مع الله والتبنى لله، المسيح جاء صانعًا سلامًا ” هو سلامنا “، أبطل العداوة التى كانت بيننا وبين الله. وبه حصلنا على قدوم إلى الآب ” [19].
ب ـ الشخص الذى يقوم بالمصالحة هو وسيط بين شخصين لمصالحتهما. هذا المصالح يجب أن يمثل كلا الطرفين. يسوع المسيح هو الشخص المصالح وهو الوسيط بين الله والإنسان. المسيح بسبب وحدته الأقنومية (بين لاهوته وناسوته) هو إله لأنه ” الكلمة الأزلى” الإله الحقيقى، وفى نفس الوقت هو إنسان، لأنه بالتجسد صار الكلمة إنسانًا كاملاً. وهكذا، فبسبب التجسد، فإن المسيح يمثل الله بالنسبة لنا، كما يمثلنا نحن أمام الله.
” الله ليس هو فقط ” مُصالح” بواسطة ذبيحته، بل هو أيضًا الشخص الذي تم التصالح معه، لأنه هو الذي حدثت الإساءة إليه”[20].
ج ـ لأن الله محبة وهو دائمًا يحب ، لذلك فالمصالحة فى المسيح هى تحقيق لمشيئة الله لأجل استعادة العلاقة بين الله والإنسان، وبهذه الطريقة يمكن أن يصير ابنًا لله.
يقول القديس كيرلس: ” إن طبيعتنا قد صارت مقبولة قبولاً حسنًا فى المسيح … لأننا نحن الذين كنا مطرودين بسبب تعدى آدم ، قد أُدخلنا الآن إلى الآب بالمسيح ” [21].
” بواسطة المسيح صرنا شركاء الطبيعة الإلهية، ورغم أننا كنا أجنبيين، قد صرنا الآن قريبين، ونحن متحدون مع الله الآب نسبيًا. وكل الذين هم متحدون بنفس الآب ومشتركون فى نفس الروح، هم أيضًا متحدون أحدهم بالآخر ” [22].
وبهذه المصالحة بين الله والإنسان يقدم المسيح للإنسان غفرانًا كاملاً لكل ” خطاياه التى كانت سبب انفصاله عن الله”، ” وأنقذ الناس من كل خطية ” [23]. وبذلك رفع الحاجز بيننا وبين الله بإبطاله للخطية [24]، ولذلك يُدعي المسيح ” عهد حياة وسلام “[25]. فالمسيح ” نفسه هو سلامنا ” (أنظر على إشعياء “ لا ترفع أمة على أمة سيفًا“)[26].
فصل 2: الفداء: الخلاص فيما يخص الإنسان نفسه: الفداء
ملحوظة هامة: القديس كيرلس ـ مثل الآباء قبله ـ يقصد بتعبير “التجسد” ليس فقط ميلاد المسيح بالجسد بل يقصد به عمومًا كل تدبير “الكلمة” أى كل عمله الخلاصى الذى عمله بالجسد.
القديس كيرلس يقدم لنا نسيجًا متناسقًا ورائعًا مجمعًا من الآباء الذين سبقوه، عن عمل المسيح الخلاصى:
أولاً : تعليم القديس كيرلس الخلاصى :
1 ـ اتحاد اللاهوت والناسوت :
القديس كيرلس يؤكد على حقيقة التجسد واتحاد اللاهوت بالناسوت، وعلى رفع الطبيعة البشرية وتأليهها. فالمسيح باتخاذه للطبيعة البشرية كاملة (نفسًا وجسدًا) يمكّن لهذه الطبيعة أن تخلص ” فالذى لا يُتخذ لا يخلص”[27]. وبسبب هذا الاتحاد، فإن الطبيعة البشرية كلها تُقدّم لها ” النعمة ” وتغتنى بهبات وكرامة من المسيح. وهكذا فإن نصرة المسيح على الشيطان تصير نصرة للإنسان أيضًا ” لأن المسيح كمنتصر قد سلمنا أيضًا القوة أن ننتصر”[28].
” الطبيعة البشرية تنال النعمة، والتقديس، والتأليه التي تحققت أولاً فى ناسوت المسيح”[29]. وهكذا فإن خلاص الإنسان يتألف من: رفع، وتقديس وتأليه الإنسان. وهذا الخلاص هو نتيجة وحدة الطبيعتين الإلهية والبشرية في شخص الكلمة المتجسد يسوع المسيح.
الطبيعة البشرية كاملة، قد خلصت باتخاذ المسيح لها. فالمسيح قدّم الخلاص لكل جنس البشر بدون أي استثناء، وأيضًا هو يخلص الطبيعة الكاملة لكل إنسان أي نفسه وجسده. الإنسان يتقدس في نفسه وجسده معًا. والجسد البشري يصير هيكلاً للروح القدس ويصبح مكرمًا بكرامة عظيمة. الشخصية الإنسانية افتديت بكاملها. وبواسطة شخص المسيح الإلهي الإنساني الكامل خلص البشر. وبسبب أن المسيح يمثلنا (representative character) بسر تدبيره، فإن الشخصية الكاملة لكل عضو في البشرية تنال فوائد تجسد المسيح وموته. ” الكلمة الذي تجسد مجّد طبيعة الإنسان بأنه لم يستنكف أن يأخذ على نفسه وضاعتها لكي يسكب عليها غناه”[30].
2 ـ بتعليمه وحياته القدوسة :
المسيح كان له ـ بواسطة كلماته وتعليمه وحياته القدوسة التى بلا لوم ـ تأثير فريد وحاسم على الناس “الابن الوحيد ـ وهو الإله ـ بسبب محبته ، أخلى نفسه وأخذ صورة عبد ، لكى يقودنا إلى معرفة كل فضيلة … لكى يقنع الذين كانوا فى جهل كامل، أن يصيروا حكماء، وأن لا يعبدوا المخلوق بل الخالق ” [31].
والمسيح أعلن لنا أن الله ليس فقط إلهًا، بل أيضًا إنه أب لنا.
وكان المسيح أيضًا هو المثال لحياة القداسة[32].
” كان ضروريًا أن كلمة الآب… يصير من أجلنا نموذجًا وطريقًا لكل عمل صالح “[33]. “والمسيح عندما صام في البرية لم يصم من أجل نفسه ـ فهو لم يكن محتاجًا إلى ذلك ـ بل لكي يعطينا نفسه نموذجًا ومثالاً للحياة الفُضلى “[34]. القديس كيرلس يري أن المسيح هو مثال ونموذج للبشر، في كل أعماله. وهذا نجده في نومه فى السفينة وانتهاره الريح[35]. وهكذا في حديثه عن السامري الصالح. فالمسيح هو مثل السامري قاد الإنسان إلى الفندق، أي كنيسته التي تقبل كل من يحتاجون للشفاء الروحي والمعونة[36]. المسيح إذن أظهر الله وأظهر الحياة الإلهية المقدسة للناس، لكي يستطيعوا أن يروا نموذجًا كاملاً وملموسًا لحياة القداسة.
3 ـ بذبيحة المسيح :
بصليبه وموته حقق المسيح عمله الخلاصى وتممه، وحطم قوة الخطية وصالح الإنسان مع الله، وحرر الإنسان من سلطان الشيطان، وقاده إلى حياة جديدة، وجعله ” خليقة جديدة ” مبنية على صليبه وموته.
أ ـ القديس كيرلس يعلّم بأن ” المسيح صُلب عن الجميع ولأجل الجميع، لكى ـإذ هو الواحد عن الجميع ـ يحيا الجميع فيه ” [37]. إذن فذبيحة المسيح هى ” ذبيحة كفارة” . فالمسيح صنع خلاص الإنسان بذبيحة واحدة. القديس كيرلس يؤكد أن المسيح ” لم يقدم ذبيحته من أجل نفسه ـ إذ هو كإله، بلا خطية ، ولا يحتاج إلى خلاص”[38]، بل قدم ذبيحته لأجلنا نحن الخطاة ليهبنا غفران الخطايا وبداية حياة جديدة. المسيح الذى بلا خطية ” صار خطية لأجلنا” (2كو21:5) لأن الله جعله يموت عوض الخطاة أى كخاطئ ممثلاً لكل البشرية الخاطئة [39]. وأيضًا فإن اتحاد اللاهوت بالناسوت هو الذى جعل ذبيحة المسيح تمثل جميع البشر أمام الله.
فالكلمة المتجسد مات بالجسد كأصل جديد لكل الطبيعة البشرية، وهو كإله كان قادرًا أن يقدم الخلاص لكل البشر. ” المسيح أخذ على نفسه كل العقاب الذى كان علينا، وبهذه الطريقة فإن خطايانا فقدت سلطانها ” [40]. بذبيحة المسيح وحدها حصلنا على الحرية من سلطان الخطية والشيطان .
ب ـ مثل آباء آخرين، فإن القديس كيرلس يتحدث عن تقديم يسوع المسيح ذاته على الصليب لله الآب ” فدية لأجل حياة الجميع ” [41]، ولأجل تحريرهم من سلطان الخطية والشيطان. الشيطان ليس له سلطان على البشر إلاّ بسبب الخطية، فسلطانه غير حقيقى وخاطئ. ” ولذلك فقد الشيطان سلطانه حينما انتصر عليه المسيح بالصليب، وهذا صواب تمامًا وحق” [42]. القديس كيرلس لا يقول إن المسيح قدم دمه للشيطان، بل أنه قدم دمه لأبيه. وهو يعبر عن حقيقة أن المسيح هو ” الحمل الذى قدم نفسه كذبيحة لكى ينقذ الناس من الخطية ويجعلهم أنقياء وبلا خطية ، ويقودهم إلى الآب ” [43]، وعمومًا لكى يخلصهم.
ج ـ المسيح يقدم الخلاص للناس هبة مجانية :
القديس كيرلس يؤكد أن المسيح قدم نفسه لأجل خلاص الناس رغم أنهم لا يستحقون ذلك. ” الناس لا يستطيعون أن يقدموا أى شئ مقابل فديته الإلهية “[44]. وهو يريد أن يوضح عظمة محبة المسيح المخلّصة، كما يوضح صغر وضعف البشر الخطاة واستحالة خلاصهم إلاّ بالمسيح .
+ حيث إن البشر لم يستطيعوا أن يشتروا خلاصهم بأنفسهم، لذلك قدم المسيح الخلاص لهم ” كهبة ـ هدية ” بسبب ” محبته للبشر ” . الله يحب كل خلائقه، ولكنه يحب الإنسان بطريقة خاصة، وإلى درجة خاصة أكثر من باقى المخلوقات. الله أظهر محبته الخاصة للبشر أساسًا بإرسال ابنه الذاتى. إلى الأرض لأجل خلاص الإنسان[45].
+ وأحيانًا يقول القديس كيرلس إن المسيح قدم ” نفسه “، وهو يستعمل كلمة ” نفس ” بدلاً من كلمة ” حياة ” كما يستعملها العهد الجديد أيضًا أحيانًا. وهذا يبين أن القديس كيرلس يبنى تعليمه على الكتاب المقدس حتى أنه يستعمل كلمات الكتاب بمعانيها الخاصة بها.
+ وحيث إن المسيح ” اشترى” البشر بذبيحته ودمه مخلصًا إياهم، ” فإن البشر إذن، لا يعودون ملكًا لأنفسهم، بل للمسيح الذى اشتراهم وخلّصهم ” أنظر 2كو15:5 ” ويطلق سبى شعبي لا بثمن ولا بهدية قال رب الجنود” (إش13:45)[46].
د ـ الإنسان كان حرًا قبل سقوطه، ولكنه بعصيانه لله استُعبد للشيطان. الشيطان هو الذي اخترع الخطية وصار طاغية متسلطًا على البشر ضد مشيئة الله وقصده من نحو البشر[47]، وكان يحتفظ بالبشر كأنهم ملك له وكان له سلطان وسيادة عليهم. وصار للشيطان هذه القوة على البشر بسبب خضوعهم له وارتكابهم للخطايا، مما جعله سيدًا عليهم لفترة قصيرة.
+ إذن فسبب سيادة الشيطان عليهم هو خطاياهم ـ التى صارت ناموسًا داخل الإنسان ـ ناموس الجسد. القديس كيرلس يتحدث عن ناموس الخطية. وأن الشيطان هو الذي قاد البشر إلى الخطية، لأنه عرف أنهم بهذه الطريقة فقط سيصيرون عبيدًا له ويرفضون الله[48].
+ ولكن سيادة الشيطان على البشر كانت خطأ وغير طبيعية، لأنه استعمل الخداع ليبعدهم عن الله ويجعلهم عبيدًا له، فليس له سلطان عليهم لا بالطبيعة ولا بالميلاد، لأنهم ملك لله خالقهم.
+ لذلك أدان المسيح الشيطان وخلص البشر: فأدان الشيطان ومنعه من التسلط على البشر، ولكنه رحم البشر الذين كانوا يعانون من طغيان إبليس[49]. ويؤكد القديس كيرلس أن المسيح لم يدن الشيطان فقط، بل كسيد حقيقي للبشر حارب ضد الطاغية الغريب، وانتصر في المعركة لنا، لأجل خلاص كل البشر، حتى أن نصرته صارت هي نصرتنا[50]. وحطم المسيح الشيطان لأجلنا ولأجل خيرنا.
+ الخطية كانت ترسل الناس إلى الموت وهذا حكم عادل، ولكن حينما أُدينت الخطية بواسطة الديان المسيح البار الذي بلا خطية، فإن الخطية (الشيطان) فقدت سلطانها فى الحال لأنها ظالمة. المسيح حرر الناس من العبودية، وانتهي طغيان الشيطان بعلامة نصرة المسيح، أي بالصليب.
+ إدانة الشيطان وانتزاع السيادة منه، وتحرير البشر من طغيان إبليس، وإدانة الخطية وإبطال مملكة الموت، كل هذه مرتبطة معًا بدون أي انفصال وهي كلها نتائج لنصرة المسيح على الشيطان وجنوده. هكذا لم يعد الإنسان عبدا للشيطان. وقوة الخطية قد حُطِمت. وصار ناموس الخطية الآن ليس له سلطان على الناس، لأنهم حصلوا على سلطان آخر، سلطان المسيح المنتصر، سلطان ناموسه الذي هو ناموس المحبة. والرب القوي حاضر في قلوب البشر ويظل فيهم، وقوته الخاصة تجعل البشر أقوياء أيضًا به.
+ ومن هنا يتضح أن القديس كيرلس لا يفصل بين نصرة المسيح وبين الكفارة. وخلاص الإنسان وتحريره كما رأينا هو الخطة الأزلية لمحبة الله المجانية للإنسان[51].
+ لا شك أن تعليم القديس كيرلس عن الخلاص هو ” كتابي تمامًا” . فهو ليس فقط يستعمل ألفاظ العهد الجديد مثل: ” فدية ” (مت28:20) ” فدية عن كثيرين “؛ و”مصالحة” (رو11:5) ” بربنا يسوع الذي نلنا به الآن المصالحة” و(2كو18:5) ” وأعطانا خدمة المصالحة” و”صولحنا” و”مصالحون” في (رو10:5)، بل إن أفكاره أيضًا هي نفس أفكار العهد الجديد وتعليمه، هو نفس تعليم العهد الجديد عن الخلاص.
ثانيًا: الإنسان خليقة جديدة فى المسيح:
عند القديس كيرلس، خلاص الإنسان هو هدف تجسد المسيح وذبيحته الخلاصية على الصليب. وبذلك يصير الإنسان خليقة جديدة. وهذه الحياة التي ينالها الإنسان في المسيح هي الحياة الحقيقية، فالإنسان يصير إنسانًا حقيقيًا فعلاً، في المسيح.
ونعرض هنا تعليم القديس كيرلس عن الإنسان كخليقة جديدة:
1 ـ المسيح بإبادته لقوة الشيطان جعل البشر أحرارًا حقًا من جديد، قادرين على عمل الصلاح وتحاشى الشر، الحياة المسيحية الجديدة هى حياة حرية حقيقية. والحرية تكون حقيقية فقط حينما يستعملها الإنسان فى عمل الصلاح.
2 ـ المسيح ، النور الحقيقى ينير عقل الإنسان ، ويعيد صورة الله فى الإنسان [52]. هذا الإيمان المسيحي هو التعبير الكامل عن النور، فهو ينير ذهن الإنسان، وبالمعرفة الكاملة يقود الإنسان إلى معرفة المسيح، وإلى الاتحاد به لكي يكون صورة حقيقية لله[53].
3 ـ باستعادة طبيعة الإنسان الأصلية والمواهب التي خُلق بها، والتي كانت قد فُقِدت بالخطية ـ فإن المسيح أعاد السيادة والملوكية للإنسان. فالإنسان ينال كرامة ملوكية من جديد في المسيح[54]. القديس كيرلس يفرق بوضوح بين ملوكية الله الخاصة بطبيعته الذاتية وجوهره الإلهي، وبين سيادة وملوكية الإنسان التي تُعطى له كهبة معطاة له من نعمة الله[55]. والقديس كيرلس يعلّم بأن ملكوت الإنسان سيصير حقيقيًا في الحياة الأبدية، لأن الدهر الآتي قد أعطى للمسيح الإله المتجسد[56].
4 ـ يتحدث القديس كيرلس أيضًا عن عدم الفساد (عدم الفناء) كوجه آخر للخليقة الجديدة ” كما أن آدم كان سبب فساد الإنسان وموته، جسديًا وروحيًا، هكذا المسيح كبداية ثانية لنا ختمنا بعدم الفناء[57]، الخلاص المسيحي لا يمكن أن يعني فقط عدم فساد الجسد، بل والنفس أيضًا. ففي هذه الحالة ـ أي عدم فساد الجسد فقط ـ يبدأ الخلاص فقط بعد الموت. لكن الخلاص المسيحي يبدأ من هذه الحياة. ” الله يجعل البشر شركاء في عدم الفساد، لأنه يجعلهم يشتركون في طبيعته” [58].
5 ـ نعمة التبنى: المسيح ابن الله الوحيد بالطبيعة، جاء لكي يشكّل البشر ويعطيهم بنوة إلهية حقيقية وجديدة، أي تبني إلهي. ويؤمن القديس كيرلس أن هذا التبني الإلهي كان هو سبب تجسد الكلمة[59]. الإنسان يصير جديدًا في المسيح ابن الله ـ ليس بالطبيعة بل بالتبني، أي بالنعمة.
+ (اختلاف كبير بين المسيح ابن الله بالطبيعة، وبين الإنسان كابن لله بالنعمة في المسيح. المسيح الابن يطبع علامته المميزة الخاصة بصورته على نفوس الذين يشتركون فيه، فيقول: [نحن نرتفع إلى هذه الكرامة الفائقة للطبيعة بسبب المسيح. ولكن نحن لن نصير بالضبط كما هو تمامًا، أبناء الله (بالطبيعة)، بل بالحرى نصير أبناء عن طريق علاقتنا بالمسيح من خلال النعمة، أي بالتمثل به. والسبب في ذلك أنه ابن حقيقي مولود من الآب بالطبيعة، أما نحن فإننا أبناء مُتبَنون بفضل لطفه ومحبته.
إننا ننال التبني كنعمة من الذي قال ” أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلي كلكم ” (مز6:81س). لأن المخلوق الذي تكوّن كعبد، يدعي إلى ما هو فوق الطبيعي بمجرد إرادة الآب. الطبيعة والتبني، والحقيقة والاقتداء، هي أفكار مختلفة. وحيث إننا قد دُعينا أبناء بالتبني والاقتداء (بالمسيح)، فإننا نتمتع بهذه البركة كفضل ونعمة، وليس ككرامة طبيعية ][60].
+ إذن فتبنينا الإلهي الذي أُنجز بواسطة الاشتراك في ابن الله، هو صورة للابن وبالتالي للآب. إنه إعادة صياغة طبيعتنا حسب الطبيعة الإلهية التي على مثالها خُلِقَ الإنسان في البدء. إنه نقل امتياز الله إلينا، وهو الذي يرفعنا فوق الطبيعة البشرية إلى دائرة ما هو إلهي، ويجعله ممكنًا للبشر أن يفلتوا من الفساد.
وحينما يبحث القديس كيرلس بنوة الإنسان هذه بالتفصيل فهو يتحدث عن مسيرة وتقدم :
بالتجسد يصير البشر اخوة للكلمة المتجسد؛ الابن، ولكن ليس اخوة بالطبيعة.
وكاخوة للابن يصير البشر أبناء لنفس الآب، بالنعمة أيضًا، أي أبناء متبنين لله[61].
ثم بعد ذلك ننال الروح القدس الذي يسكن فينا، وهو الروح الذي قبله كإنسان لكي يمكن للطبيعة البشرية أن تقبل روح الله بواسطته [62].
ثم يقدس المسيح البشر ويجعلهم خاصته.
نحن نتقدس بطريقتين:
أ ـ بأن يكون المسيح فينا ويحيا داخلنا بواسطة الروح القدس (روحه).
ب ـ وبأن ننال جسده المقدس في الإفخارستيا.
+ مرحلتان للتبني: الأولي: عند تجسد الكلمة ـ بالمعنى العام.
الثانية: نجدها في اشتراكنا الشخصي في الطبيعة الإلهية؛ بالروح القدس والإفخارستيا.
+ حياة الإنسان في المسيح أعظم جدًا من الحياة المقدسة التي كانت لآدم عند خلقته[63].
+ بالمعمودية يمنح المسيح للبشر نعمة التبني، فيصير البشر أبناء الله بالمعني الحقيقي. في المسيح يصير الإنسان إنسانًا حقًا.
+ ” لقد خُتمنا للبنوة بالابن في الروح؛ لأن صورة الابن هي البنوة، بينما صورة الآب هي الأبوة. لذلك نحن أبناء بالبنوة (بالابن)، ولكننا صورة الله ومثاله” [64].
” الناس قد خُلقوا على صورة الابن، الذي هو الصورة الطبيعية للآب ولهذا يُقال إن الإنسان قد خُلِق على صورة الله” [65].
الجزء الثانى : حصول الإنسان على الخلاص شخصيًا
القسم الأول: النعمة الإلهية فى عمل الخلاص
فصل 1: النعمة الإلهية وخلاص الإنسان:
أ ـ النعمة الإلهية رغم صفتها الشاملة لا تلغي إرادة الإنسان الذي يمكنه أن يقبل أو يرفض نعمة الله. القديس كيرلس يقول: ” حين يقبل الإنسان الروح القدس بالمعمودية لا تُنزع منه حرية إرادته، بل بالعكس فإن إرادته تظل موجودة”[66]، فالنعمة لا تعمل وحدها، وهي لا تعمل ضد إرادة الإنسان، وهكذا يكون الإنسان مسئولاً عما يفعله أو يختاره، إمّا للخلاص أو للدينونة. الله لا يعين مسبقًا أناسًا للخلاص وآخرين للدينونة الأبدية.
ب ـ في التعاون بين النعمة الإلهية وإرادة الإنسان، فإن الإرادة الإلهية تأتي أولاً، وهي العامل الرئيسي الفاعل في خلاص الإنسان[67]. ويقول ” إن البشر كانوا معروفين سابقًا من الله الآب أنهم يصيرون مشابهين لصورة ابنه” (رو29:8، 30)[68].
ج ـ القديس كيرلس يؤمن أن المختارين، يُختارون بحسب مشيئة الذي دعاهم ومشيئة المختارين معًا[69].
د ـ لأن الجسد والشهوة الخاطئة يقاومان عمل نعمة الله المخلّصة، فهناك احتياج كما يقول القديس كيرلس: ” لعمل أقوى وأكثر شدة للنعمة لكي يمكن للإنسان أن يتطلع إلى الله ويصير حرًا من الضلال السابق” [70].
هـ ـ لكن القديس كيرلس يتحدث بإلحاح أيضًا عن إرادة الإنسان ودوره في حياة الكمال ولذلك يقول: ” إنها خطية مرعبة وجريمة إذا كان أحد ـ بعد أن نال الغفران بالمسيح ـ يرجع مرة أخرى إلى حياة الخطية، ولا يحاول أن يتجنب الخطية”[71]. ” وإذا حاول الإنسان أن يحيا حسب مشيئة الله، فبذلك فقط يبرهن أنه جدير برؤية الله، وبأن يصير منزلاً للثالوث القدوس المساوي في الجوهر”[72].
و ـ ولهذا السبب يعتبر القديس كيرلس أن هذا العالم الحاضر هو وقت العمل والحياة الفاضلة، والعالم الآتي هو وقت المكافأة[73].
ز ـ القديس كيرلس يؤكد على أهمية التوبة الحقيقية التي “تخلّص” وذلك بسبب أن كل الناس خطاة وضعفاء ” المسيح نفسه هو الذي يدعو كل الناس لكي ينالوا الغفران بالتوبة “[74]. مما يبين أنه يعطي أهمية وقيمة لمجهودات الإنسان ـ من كل القلب ـ وتأثيرها في بلوغه لحياة الكمال. وحينما يتوب الإنسان حقًا، فإن الله يحيا معه ويغفر له ويقبله كابن له[75].
ح ـ القديس كيرلس يتحدث إما عن نعمة الله التي تبرر الناس، أو عن إيمان الإنسان الذي يبرر الإنسان ويحرره من الخطية[76]. ولكن الله لا يخلّصنا إن لم نقبل نعمته. ولذلك يؤكد القديس كيرلس على التعاون بين نعمة الله وإرادة الإنسان حينما يقول إن ” النعمة والفضيلة تجمعاننا مع الله”[77].
فصل 2: تبرير الإنسان :
1 ـ التهيئة والدعوة للتبرير :
نعمة الله تظهر بصورتين:
أ ـ نعمة عامة : مثل النعمة التي تُعطى في المعمودية، أي غفران الخطايا، وبذرة التقديس للمعمد دون أن يعي الشخص أنه عضو حي في الكنيسة[78]. أو النعمة التي تعمل عمومًا في الذين يسمعون عن المسيح لأول مرة[79].
ب ـ نعمة خاصة: النعمة التي تعمل بقوة في الأشخاص الذين يقبلونها ويصيرون أعضاء أحياء واعين في الكنيسة.
دعوة الإنسان: إمّا خارجية عن طريق سماعه كرازة الإنجيل.
أو داخلية في قلب الشخص.
وكلاهما عمل النعمة.
بعد الدعوة من الله وبعد أن يقبل الشخص الدعوة، ينتقل للمرحلة التالية: أي التوبة والتحوّل الداخلي، فيدخل في حالة التبرير الجديدة.
2 ـ جوهر تبرير الإنسان : وجهان للتبرير:
الأول: غفران الخطايا وتحطيم قوة الخطية.
الثاني: بدء حياة جديدة وبداية حالة التقديس.
والقديس كيرلس يتحدث عن وجهينللتبرير: الغفرانوالتقديس. والوجهان غير منفصلين، وكلاهما معًا يعبران عن جوهر التبرير.
يقول القديس كيرلس : ” نحن بواسطة المعمودية المقدسة نأتى إلى نعمة ذاك الذى يقدسنا، وننال غفران الخطايا، والولادة الروحية الجديدة، ومشابهة المسيح نفسه ” [80].
الوجه الأول : (سالبى) غفران الخطايا
الغفران يعني أن نصير أبرار فعلاً بالمسيح، وليس نحسب أبرارًا فقط. القديس كيرلس يستعمل أفعال: يغسل الخطايا، يمحو الخطايا، يزيل الخطايا، يحررنا من نجاساتنا، يطهرنا من كل خطايانا.
بفعل نعمة المسيح تنزع الخطية. الخطية تذهب بعيدًا فقط، حينما تدخل النعمة. يقول القديس كيرلس: ” بالمعمودية ننال غفران كل الخطايا، كل أنواع الخطية”[81]. ويقصد الخطايا الشخصية والخطية القديمة (الأصلية):
أ ـ بواسطة المعمودية المخلّصة نحصل على غفران الخطايا[82].
ب ـ وبالمعمودية تحررنا حتى من دينونتنا القديمة.
ج ـ بالمعمودية نفلت من كل عقاب الخطية.
د ـ بالمعمودية نُفك من كل نجاسات الخطية ومن كل أدناس التعديات”[83].
لذلك فبحسب القديس كيرلس، فإن التبرير يمحو الذنب والحالة الخاطئة، ولذلك حينما يقول إننا ننال الغفران بالمعمودية، فهو يقصد أننا نصير أحرارًا من الخطية ومن نتائجها. ولذلك فالمعمودية “مُخلّصة” حقًا”[84]. المسيح هو الذي يعمل في المعمودية ومن خلالها، وهو يقدم عطية الخلاص لكل واحد شخصيًا بواسطة المعمودية، هذا الخلاص الذي حققه موضوعيًا وبصفة عمومية بذبيحته الخلاصية كإله متجسد.
الوجه الثانى : (إيجابى) تقديس الإنسان .
أولاً : فى تعليم القديس كيرلس لا يوجد فصل بين غفران الخطايا وتقديس الإنسان :
أ ـ في المعمودية ننال غفران الخطايا وتقديسًا لنفوسنا، وبها ننال تجديدًا روحيًا (إعادة ولادة)[85].
ب ـ في المعمودية ” ننال النعمة الإلهية التي بها نصير أغنياء. فنحن نأخذ لباس العرس”.
ج ـ ولذلك فالمعمودية تعطينا قوة وتساعدنا للسير في الطريق العالي[86]. وهكذا تصير المعمودية طريقًأ للبركة الروحية وتقدم لنا النعمة.
د ـ “وبسبب ذلك نصير هياكل لله”.
هـ ـ وأكثر من ذلك، بالمعمودية نصير شركاء الطبيعة الإلهية[87].
و ـ “كل هذه الهبات تعطى للأشخاص الذين يُعمّدون بفضل الذى يدعوهم للخلاص”[88].
ثانيًا: تعبير التقديس له عدة معانى عند القديس كيرلس:
أ ـ التقديس يعنى التكريس للإله القدوس، أو رغبة الإنسان وميله أن يعمل مشيئة الله، وفي هذه الحالة يعني أن يقدم الإنسان ذاته ذبيحة. وهنا ينبغي أن نقول ـ بحسب القديس كيرلس ـ إن هذا الوجه الإيجابي للتبرير أي التقديس، يجعله ” صورة الله ” بالمعني العام لاصطلاح “صورة الله”.
[المسيح له اخوة مثله يحملون صورة طبيعته الإلهية عن طريق التقديس، لأن هذه هي الطريقة التي بها يتصور المسيح فينا، وذلك بقدر ما يحولنا الروح القدس، مما هو بشري إلى ما هو له][89].
ب ـ إذن، تقديس الإنسان في المسيح هو أساسًا اشتراك فى الطبيعة الإلهية. وهذا التحول والتقديس يحدث في الإنسان بقوة الروح القدس نفسه الذي ” يصور المسيح فينا” و”يجددنا لله”[90].
ج ـ التقديس يُعطى بالروح القدس لمن يستحقون.
والروح يعطيهم الاشتراك في الطبيعة الإلهية، وهذا الاشتراك ليس في الجوهر أو الكيان، بل ” يعني تصوير المسيح في النفس”[91]. وهذا التشكيل للنفس، وتقديس الإنسان يمكن أن يحدثا فقط عن طريق اتحاد الإنسان بالله.
د ـ قداسة الله طبيعية ـ أما قداسة الإنسان فهي مضافة إليه من خارجه، بالنعمة وحياة الفضيلة[92]. فالتقديس هو ” نزع الخطية أو التحرر منها”. وحتى هذه الحياة الفاضلة، هي مستحيلة بدون معونة المسيح، وهو الذي يساعد الإنسان للتمثل بالإله القدوس، بالأعمال والفضيلة[93].
هـ ـ ” فى المسيح يتحول الإنسان إلى حياة جديدة مقدسة، إلى حياة جديدة مجيدة”[94]. ويصير الإنسان خليقة جديدة ” لأننا نحن أغنياء بحضور المسيح نفسه فينا”[95].
و ـ القديس كيرلس يشرح أن القداسة تعنى مشابهة المسيح فى العمل والحياة الفاضلة[96]، وفى صورة صلاح الله[97].
3 ـ دور الله ودور الإنسان فى التبرير :
أ ـ دور الله فى التبرير:
يقول القديس كيرلس:
+ ” نتبرر مجانًا بنعمة المسيح دون أن نقدم شيئًا .. بل نربح هذه الهبة بلطف ربنا ومحبته للبشر [98].
3ـ الإيمان مرتبط بالمحبة. الإيمان يغذي المحبة، كما أنه يتغذى بالمحبة[100].
4 ـ لأن الإيمان والمحبة (الأعمال) مرتبطان معًا، فإن الخلاص يبدو أحيانًا أنه يعتمد على الإيمان وحده، وأحيانًا أخرى على الأعمال الصالحة وحدها. لذلك فالأعمال الصالحة ضرورية لخلاص الإنسان ” فلا فائدة من الإيمان بدون الأعمال الصالحة بل يكون ميتًا”[101].
فصل 3: تقديس الإنسان :
عند القديس كيرلس يُوجد طريقان لتقديس الإنسان في المسيح هما:
1 ـ سكنى الروح القدس فى الإنسان : شركة الروح القدس:
[ لقد كان ضروريًا لنا أن نصير شركاء للطبيعة الإلهية للكلمة، وبالحري أن نتغير إلى حياة أخرى وتتحول وتتغير عناصر كياننا إلى جدة الحياة، ونصير مُرضين لله. ومن غير الممكن البلوغ إلى هذا الهدف بأي طريقة أخرى سوى الاشتراك في الروح القدس… وبعد صعود المسيح إلى الآب، كان ضروريًا أنه يجمع نفسه مع عابديه بواسطة الروح، وأن يسكن في قلوبنا بالإيمان… لكي بحضوره فينا (حضور المسيح فينا بالروح) نتقدم بسهولة في كل فضيلة، ونصير أقوياء وغير مغلوبين أمام حيل الشيطان وهجوم الناس، لأننا نملك (في داخلنا) للروح الكلي القدرة][102].
طرق نوال الروح:
1 ـ بالمعمودية 2 ـ بالتوبة الحقيقية.
+ الخلاص وسكني الروح القدس في الناس هما حقيقتان لا تقبلان الانفصال. والروح يختم الإنسان للخلاص (يو8:16).. يقول القديس كيرلس؛ إن الثالوث يسكن في الإنسان[103]. الآب والابن والروح يعملون لخلاص الإنسان، والثلاثة يسكنون في الإنسان كثلاثة أشخاص في وحدة[104].
+ عمل الروح القدس في الإنسان يطهره من خطاياه ويبرره ويقوده إلى حياة جديدة في الله[105]. التبرير وعمل الروح لا ينفصلان. وبالروح ندخل في حالة التقديس (القداسة)[106]. ويصير الإنسان خليقة جديدة. وينمو الإنسان في الفضيلة إلي مستويات أعلى في القداسة.
2 ـ الإفخارستيا المقدسة:
+ بالإفخارستيا ينال الإنسان علاقة جديدة داخلية وحقيقية مع الله الابن. وبها يشترك الإنسان في الله، ويناله بطريقة سرية جديدة وحقيقية (على يو54:6).
+ الإنسان ينال المسيحنفسه بالإفخارستيا، وليس نعمة منه فقط، ينال جسده ودمه. فالإفخارستيا طعام روحي حقيقي، عطية روحية من الله.
+ المسيح هو الذي يعطي الحياة للناس، والروح أيضًا يعطي الحياة لهم.
+ الإفخارستيا هي سر خلاص، لأن المسيح بالإفخارستيا يدخل داخل المتناولين ويحيا فيهم. المسيح يأتي بواسطة جسده ويحيا في داخل الإنسان كله (على يو55:6).
+ الإنسان بتناوله جسد المسيح يصير واحدًا معه، ويحيا فيه، ويكون فيه. (تشبيه الخميرة والعجين في شرح يو57:6). هكذا المسيح يكون هو سبب فاعلية الإفخارستيا، ولذلك فهو سبب النعمة والحياة والتقديس التي ينالها المتناولون.
الله هو الحياة، فالبشر ينالون الحياة الحقيقية بنوالهم المسيح في الإفخارستيا، والمسيح هو قوة التقديس الفريدة، فيهبهم إمكانية القداسة ليحيوا حياة مقدسة.
القسم الثانى: اكتمال الخلاص
1 ـ اكتمال خلاص الإنسان هو فى الحياة الأبدية ” لأن المسيح هو بداية ونهاية كل الأشياء “[107].
2 ـ الحياة الأبدية واكتمال الخلاص مرتبطان بمجيء المسيح ثانية.
3 ـ حينما ينتهى هذا الدهر (العالم)، سيأتى الديان الإلهى (المسيح) مع ملائكته فى مجد أبيه. وهو سيدين دينونة عادلة .
4 ـ قيامة المسيح ـ الباكورة ـ هى سبب قيامة البشر. قيامة الأجساد عامة. ولكن ليس كل البشر يشتركون فى ” العيد الأبدى السماوى “[108]، بل فقط الذين هم خاصة المسيح، وهو رأس لهم هنا على الأرض وهم يعيشون حياة مقدسة، هؤلاء فقط يشتركون فى الفرح السماوى والقيامة للحياة.
5 ـ سماء جديدة وأرض جديدة ـ وسيصير العالم له وجه مختلف ـ وجه روحاني. الخليقة ستُعتق من عبودية الفساد.
6 ـ ” هناك (في الأبدية) لن نحتاج إلى رموز وأمثال، بل سوف نشاهد جمال الطبيعة الإلهية للآب والابن وجهًا لوجه وسنعرف المسيح، ونراه في كمال مجده ومجد أبيه[109].
7 ـ المعرفة الكاملة لله، والغبطة الكاملة، والمجد الكامل بالوجود الدائم مع الله سوف تكوّن حالة الإنسان الكاملة والمجيدة في الأبدية. نفس الإنسان سيكون لها استنارة كاملة وتمتلئ بالنور الإلهي الذي لا يُنطق به[110].
8 ـ أجساد المخلّصين أيضًا في السماء لن تظل لحمية، بل تصير روحانية حرة من الفساد، ومن الموت ومن الخطية.
الطبيعة البشرية سوف تلبس عدم الفساد. والجسد سيصير قويًا، خاليًا من أي ضعف أو عاهة طبيعية، أو أي نقص، خاليًا أيضًا من أي نقص أخلاقي، لأنه سيصير بلا خطية بالنعمة، ويصير مهتمًا فقط بالأمور الروحية[111]. فالجسد أيضًا سيكون ممتلئًا بالمجد الذي سيكون مجدًا أبديًا[112].
9 ـ المسيح بسبب إنسانيته سيظل في الأبدية، هو الرباط بين الله الآب وبين المغبوطين ، إذ هو رأس المفديين الآن وإلى الأبد، أي رأس الكنيسة السماوية.
1 يقصد بعبارة (على يو17:10) أن هذه الأفكار وردت في شرح القديس كيرلس على الآية 17 من إصحاح 10 لإنجيل يوحنا. وهكذا كل ما يرد بين قوسين بعد كلمة ” على ” يفيد أنه من شرح القديس كيرلس.
[2] Com. in Isai 14,3.
[3] Com. in Isai 14,3.
4 لوقا ج1، عظة2، ص35.
5 أنظر حوار حول الثالوث ـ المقال الأول ص40.
[6] Com. in Isai. 8,3.
[7] De Trinit. 6.
[8] Com. in Isai 43,22; in Isai. 1, 16.
[9] Com. in Isai 43,22.
[10] Com. in Isai 11,12.
[11] Glaphyra in Gensis, 3.
[12] Paschal Hom. 27.
[13] Com. in Joan. 10,14; Com. in 1Cor. 15,12; Do Adorat. B’; Thesaurus20.
[14] Com. in Isai 53,10.
[15] Com. in Isai 6,9.
[16] P.G. 75, 1268 المسيح واحد
17 من شرح يوحنا2:17.
18 من شرح يوحنا16:17.
[19] Com. in Isai 52,6-7.
[20] Thesaurus 15, De Adorat. 1.
[21] In Psalm. 15,8.
[22] Adv. Nestor. 5,1.
[23] In Duodec. Proph., Thesaurus 32.
[24] Com. in Isai. 1.
[25] In Malach. 2,5.
[26] In Isai 2,4.
[27] In Joan 12,27.
28 تفسير إنجيل لوقا ـ الجزء الأول عظة 12 ص 89 مركز دراسات الآباء 1990.
[29] Thesaurus 10.
30 أنظر عظة 81 على لوقا20:11 ـ تفسير لوقا ج3، ص73،72، مركز دراسات الآباء 1996 ترجمة د. نصحي عبد الشهيد.
[31] In Joan 14,28.
[32] In Joan 15,9.
33 أنظر عظة 11 على لو21:3ـ23، تفسير غنجيل لوقا ج1 ص 75 ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، مركز دراسات الآباء1990.
34 أنظر المرجع السابق: عظة 43 على لو22:8 ص84.
35 أنظر المرجع السابق: عظة 43 على لو22:8 ص245.
36 المرجع السابق: ج2، عظة 68 على لو34:10 ص 154.
37 شرح إنجيل يوحنا ج1 ـ يو11:2 ص 187، مركز دراسات الآباء 1989.
38 أنظر حرم 10 من رسالة 17 فى كتاب ” رسائل القديس كيرلس إلى نسطور ويوحنا الأنطاكى ” ص 27، 28، مركز دراسات الآباء طبعة ثانية 2000.
[39] Glaph. In Levit.
[40] In Isai 53,7.
[41] In Isai 24,23.
[42] In Joan 14, 30. يو30:14 ” رئيس هذا العالم يأتى وليس له فىَّ شئ “
[43] Thesaurus 29.
[44] In Isai 62, 6.
[45] Glaph. In Gens. 2.
[46] In Isai 45, 13.
[47] In Isai 10, 31.
[48] In Isai 9, 4.” لأن نير ثقله.. وقضيب سخرة كسرهن” (إش4:9)
[49] In Psalm. 7, 9.
[50] In Isai 10, 14.
[51] In Isai 9, 1-3.
[52] In Joan 3,5.
[53] De Ador. 8.
[54] De Ador. 2
55 أنظر شرح يوحنا ج2 على يو4:3، ص 18 مركز دراسات الآباء 1995.
[56] In Hebr. 2, 5-8. “.. العالم العتيد لم يُخضع لملائكة…. بمجد وكرامة كللته..” (عب5:2ـ8).
[57] In Gensis1.
[58] In Joan 9, 1.
[59] In Joan 9, 1.
[60] In Joan. 9, 1.
61 أنظر تفسير لوقا ج1 للقديس كيرلس على لو7:2 عظة 1 ص 29.
62 أنظر شرح يوحنا ج1 على يو32:1ـ33 ص168، 169.
[63] De Adorat. 17.
[64] De Trinit. Dail. 3.
[65] In Pusey: Ioan3.
[66] C. Julian.
[67] In Isai 45, 11-12.
[68] Thesaurus 11.
[69] In Rom. 8:28, 9:14.
70 أنظر تفسير لوقا ج4 عظة 104 ص 64، مركز دراسات الآباء 1998.
[71] De Adorat. 15.
[72] De Adorat. 14.
[73] In Matt. 24:51.
[74] In Psalm. LXVI, 5.
[75] In Aggaios 1, 3.
[76] De Adorat. 7, In Agg1:5-6.
[77] Thesaurus 12.
[78] In Psalm 50(51): 12.
[79] In Isai 1,18.
[80] In Isai 3,10.
[81] De Adorat. 11.
[82] In Isai. 1: 16.
[83] De Adorat. 9.
[84] De Adorat. 9.
[85] In Isai. 3: 1-2.
[86] In Isai. 7:3.
[87] Glaph. In Number.
[88] De Adorat. 9.
[89] Ad. Nestor. III. B’.
[90] De Trinit. Dail. 7.
[91] In Isai. 4:1.
[92] In Joan. 11: 9.
[93] C. Jul. 4.
[94] In Rom. 6,5.
[95] De Rect. Fide36.
[96] In Joan. 11:9.
[97] Pasch. Epist. 27, 2.
[98] De. Ador. 7.
[99] De Adorat. 15; Glaph. In Genses 6.
[100] De Adorat. 15.
[101] In Joan. 13:16-17.
102 على يوحنا7:15 P.G. 74, 433.
[103] Thes. 8; P.G. 75, 108.
[104] Thes. 8; P.G. 75, 108.
[105] In Malach. 33; P.G. 72, 336.
[106] Pasch. Hom. 10.
[107] Glaph. In Exod. 13
[108] In 1Cor. 15,51.
[109] In Joan 16:25.
[110] On Proph. Malach. 4:2.
111 أنظر تفسير إنجيل لوقا ج5 عظة 136، ص 71، مركز دراسات الآباء سنة 2001.
[112] Hom. Pasch. 10.
تدبير الخلاص عند القديس كيرلس الأسكندرى – دكتور نصحى عبد الشهيد
النعمة والإنسان في فكر القديس أثناسيوس الرسولى د. وهيب قزمان بولس
النعمة والإنسان في فكر القديس أثناسيوس الرسولى د. وهيب قزمان بولس
النعمة والإنسان في فكر القديس أثناسيوس الرسولى [1] د. وهيب قزمان بولس
تظهر ” النعمة ” (c£rij) كمفهوم لاهوتى وروحى عند القديس أثناسيوس في كتابيه “الرسالة إلى الوثنيين ” و” تجسد الكلمة ” في تأكيده على تفضل الله بنعمته على الإنسان لكى يخفف من الفارق الكبير الذي يفصل بين الله الخالق من جهة والطبيعة المخلوقة من جهة أخرى. تلك “الطبيعة المخلوقة التى أتى بها الخالق من العدم إلى الوجود، حيث ينعم الله على الخليقة الفقيرة ” بالشركة في كلمة الله “ (toà LÒgou metalamb£nousa)[2]. ومثل هذه الشركة، إنما تعكس قدرة الله وصلاحه في حفظ الخليقة وضمان اتساقها واستمراريتها. من هنا فإن الفارق الطبيعى بين الله والخليقة يصبح محكومًا في الحقيقة بهذه الشركة التى تحوره وتضبطه لصالح الخليقة ذاتها.
وهذا التحوير لا تظهر مفاعيله وتتأكد بوضوح، إلاّ في بشريتنا دون سائر الخليقة، وفى هذا الإطار فإن القديس أثناسيوس يتناول الحديث عن الله الذي ميَّز الإنسان عن باقى الكائنات المخلوقة من العدم بمنحه ” نعمة إضافية ” (plšon ti carizÒmenoj aÙtoij) إذ خلقه على صورته وأعطاه نصيبًا في قوة كلمته [3].
ويوضح قديسنا أن “النعمة الإضافية” التى وهبها الله للبشرية عند خلقتها، والتى هى بمثابة شركة على مستوى متميز في الكلمة، تجعل البشر شركاء اللوغوس، “عاقلين” (logikÒi)[4]. من هنا فإن البشر “المخلوقين من العدم” (t¦ dš ™x oÙk ×ntwn gegenÁsqai)[5] وإن كان الفارق الطبيعى بينهم وبين الله خالقهم، كان يمكن أن يساهم في عدم معرفتهم له، لكن الله يتحنن على البشرية ويمنحها أن تتجاوز هذا الفارق الطبيعى بنعمة الكلمة، بل وتستطيع أن تعرف الله، وأن ” تحيا حياة إلهية ” (tÕ kat¦ QeÕn zÁn) [6].
ولكن البشر في ضلالهم وتمردهم ” ازدروا بالنعمة التى نالوها ” (katoligwr»santej tÁj doqe…shj aÙto‹j c£ritoj) وتركوا الله كليةً [7]، ومن هنا أخذ الفارق الطبيعى الكبير بين الله الخالق والمخلوق يزداد، بل وأدى هذا الازدراء بالنعمة إلى ” الفساد الطبيعى ” (¹ kat¦ fÚsin fqor¦) [8]، وفقدان الإنسان لمعرفة الله. لذلك لاق ” بالكلمة ” الذي خلق البشرية على صورته، أن يتجسد ليجدد نعمة الخلقة بحسب الصورة الإلهية.
ودراسة رسائل قديسنا ضد الآريوسيين توضح كيف فهم القديس أثناسيوس تجديد صورة الله في الإنسان. فبينما نحن بالطبيعة ” أعمال ” الله و ” عبيد” الله الذي هو خالقنا وسيدنا قد أصبحنا ” أبناء ” الآب بالتبنى بتجسد الابن الوحيد الجنس، أى أن خالقنا قد أصبح أبانا بتجسد الابن الكلمة وصيرورته إنسانًا، إذ أخذنا أصل حياتنا من الله بتجسد ابنه الكلمة، وأصبح الله هو أصلنا [9].
ونحن إذ نتأمل تلك العلاقة الجديدة بين الله والإنسان من منظور إنسانى في إطار حياة النعمة، فإننا نستعين بكتابين أساسيين يبدو فيهما موضوع حياة النعمة متكاملاً هما: ” حياة أنطونيوس ” (The Life of Antony) و”الرسائل الفصحية ” (The Festal Letters).
سيرة الأنبا أنطونيوس
يقدم لنا القديس أثناسيوس في سيرة القديس أنطونيوس [10] نموذجًا مثاليًا لعمل النعمة في حياة الإنسان، أى للمسيحى المُفتدى. ومن هنا يمدنا القديس أنطونيوس بالنموذج العملى لمفهوم حياة النعمة، بالإضافة إلى الجانب اللاهوتى لحياة إنسان النعمة حتى يتكامل الجانب النظرى مع العملى المُعاش.
حياة النعمة والخلاص
يزعم الآريوسيين أن الابن مخلوق مثلنا، وأنه بإمكاننا أن ننمو في النعمة والقامة حتى نُكافأ ببنوة مساوية في المجد لذلك المجد الذي ناله المسيح مخلصهم الأرضى ورفيقهم في “الجهاد النُسكى ” على حد زعمهم [11]. بينما يؤكد تعليم القديس أثناسيوس عن النعمة والخلاص على عدم وجود أى تساوى بين المخلوقين وخالقهم الفادى غير المخلوق[12]. كما أن الفارق الآخر بين تعليم القديس أثناسيوس وهرطقة الآريوسيين يكمن في أن قديسنا لا يؤكد على عنصر الجهاد البشرى فقط لبلوغ الكمال، بل بالأحرى على الشركة مع المسيح والعون من الأعالى، إذ أن قداسة الأنبا أنطونيوس لم تتحقق بجهده الشخصى وحده بل بمؤازرة النعمة الإلهية [13].
إن قداسة أنطونيوس الناسك ليست نتيجة جهاده فقط [14]، لأن الله هو العامل فينا أن نريد وأن نعمل من أجل المسرة… هكذا يفند القديس أثناسيوس مزاعم الآريوسيين حول تفسيراتهم لنجاح القديس أنطونيوس وأعماله النسكية فيكتب ” حياة أنطونيوس ” على ضوء مفاهيم الخلاص فيما قبل نيقية، وفيها يدحض الزعم الآريوسى بأن تبنى الله لنا إنما هو ثمرة للنمو في الفضيلة والجهاد [15]، ليفصل بين تعليمين عن الخلاص: تعليم آريوسى باطل وتعليم أرثوذكسى مستقيم [16].
القديس أثناسيوس واضح ومحدد في قوله إننا نحن الذين أصبحنا ” أبناء بالنعمة ” لسنا متساويين مع ذاك الذي هو ” ابن بالطبيعة “، لكن هذا الاختلاف أو عدم المساواة لابد أن نفهمها، في ضوء العلاقة الإيجابية بين الله والبشر من خلال الابن الكلمة المتجسد، على أساس أننا نستمد بنوتنا لله بالنعمة من خلال بنوته هو لله بالطبيعة، وذلك بتجسده[17]. وقد أسهب القديس أثناسيوس في الحديث عن النعمة الإلهية والجهاد البشرى في الرسائل الفصحية كما سنرى فيما يأتى:
الرسائل الفصحية
ففى الرسائل الرعوية التى اعتاد بطاركة الأسكندرية إرسالها إلى شعبهم بمناسبة عيد القيامة، وفى ضوء ” نعمة القيامة “ (¹ c£rij tÁj ¢nast£sewj) التى يوضحها القديس أثناسيوس عمليًا بمناسبة العيد، فإن الموضوع الرئيسى في هذه الرسائل هو حث الشعب على شكر الله على نعمته والاعتراف بفضله. ولهذا يحذر شعبه من ” الازدراء بالنعمة ” [18]، كما يحذرهم من الاقتداء بجحود البُرص الذين بعد شفائهم لم يرجعوا ليقدموا الشكر لله [19] اعترافًا بنعمة الشفاء التى نالوها، ” لأنه لا رجاء لغير الشاكرين.. الذين أهملوا النور الإلهى ” [20]، لهذا يجب علينا بالأحرى ” أن نقر بالنعمة موضوع العيد، مدركين هبات الله ” [21].
فلا ننسى أبدًا ” صنيع الله معنا ” [22]. لأن العيد ما هو إلاّ ” اعتراف بعمل الله معنا وتقديم الشكر له ” [23]، والإقرار والعرفان بهذه النعمة يجب أن يتمثل في فعل ملموس “سلوك يتجاوب مع هذه النعمة ” [24]، مع ” ممارسة الفضيلة ” [25]. تلك الممارسة التى ” تتميز قبل كل شئ بالجهاد ” [26]. بهذه الطريقة لا نكون قد أخذنا النعمة عبثًا [27]، بل سنكون مثل أولئك الذين امتدحهم الرب لأنهم تاجروا بالوزنات واستثمروا النعمة التى أخذوها [28].
هكذا نرى القديس أثناسيوس في هذه الرسائل الخاصة بالقيامة منشغلاً باستجابتنا الصحيحة لنعمة الله، وفى هذا الإطار نجده يرسم لشعبه الطريقة المثالية للاحتفال بالعيد في شكل نصائح وتحذيرات. لو تأملناها فإننا نؤصل علاقتنا بالله في إطار نعمته الفياضة من منظور وجودنا وحياتنا العملية وعبادتنا الليتورجية.
النعمة والجهاد في الرسائل الفصحية
لا شك أن الرسائل الفصحية تؤكد على مبادرة النعمة من جانب إلهنا المحب والفادى. ومن هنا كان الشكر منا واجبًا، ويُلزمنا جميعًا بالاستجابة لمبادرة الله. وفى الحقيقة فإن النعمة الإلهية تحتم علينا الاستجابة لها بشكل لائق، لهذا يقول قديسنا في إحدى رسائله الفصحية (3:3) [29]: [على إرادتنا أن تتوافق مع نعمة الله، وألاّ تتخلف عنها، لئلا وإرادتنا خاملة، تبدأ النعمة المعطاة لنا في الرحيل عنا، وإذ يجدنا العدو فارغين وعراة يدخل فينا].
فعمل نعمة الله فينا مرتبط بتجاوب إرادتنا، وإن لم تحدث هذه الاستجابة من جانبنا لصارت النعمة بلا منفعة لنا. ولكى نتجنب فقدان النعمة والوقوع في الجفاف الروحى، من الضرورى أن نكون ” ساهرين ومهتمين ” [30]. ولا يرى القديس أثناسيوس أن هناك فصلاً تامًا بين النعمة واستجابتنا لها، بل بالحرى يرى أن الاستجابة البشرية تنبع أساسًا من المبادرة الإلهية.
وعند القديس أثناسيوس فإن سر النعمة هو سر ” أخذ المسيح ما لنا ” بمعنى أن المسيح قد أعطانا الذي له كإله، حين أخذ الذي لنا كإنسان. ولهذا حين يقول إن استجابتنا للنعمة ليست منا أصلاً، يقصد أن يوجه أنظارنا إلى ما أخذه المسيح الإله منا حتى جعل ما ليس له خاصًا به، ووهب البشرية الحياة الإلهية التى ليست خاصة بها أصلاً. ونقرأ في الرسالة الفصحية (4:5) [31]: [يتطلب هذا الموسم منا.. أن نحاكى أعمال القديسين.. حين نعترف بالذى مات، وأننا لم نعد نحيا لأنفسنا، بل للمسيح الذي يحيا فينا، حين نرد الجميل للرب بأقصى قدرتنا، رغم أننا حين نقدم له شيئًا فإننا لا نعطيه مما نملك أصلاً، بل تلك الأشياء التى نلناها منه قبلاً، خاصة من نعمته، حتى أنه يطلب منا عطاياه الخاصة، وهو يشير إلى ذلك حين يقول: “قرابينى (التى تقدمونها لى) هى عطاياى الخاصة ” (عدد2:28س) أى أن تلك القرابين التى تقدمونها لى هى عطاياى لكم، على أساس أنكم تقبلتموها منى].
هنا يتحدث القديس أثناسيوس عن التواصل بين الله والإنسان، والإنسان والله، أو المبادلة بين ما لله وما للإنسان Reciprocity. فالذى لنا هو لنا، كما أنه ليس لنا في نفس الوقت، هو ليس لنا لأن الله هو الذي منحنا إياه، بينما هو لنا لأننا قد ” أخذناه ” فعلاً وصرنا نملكه والله يطلبه منا. نجد هنا إذن تواصلاً بين الله والبشر، هو تبادل في تصاعد مستمر: فالله يعطينا النعمة ويطالبنا أن نقدم له ثمارها، ومن ثمّ فإن الفضيلة والقداسة، يُفهمان على ضوء هذا التبادل المتصاعد، أى على أساس رد ما ” أخذناه ” كهبة من الله.
وفى هذا الإطار فإن جهاد الإنسان لتنفيذ الوصية والقيام بأعمال المحبة، هو ببساطة إقرار بنعمة الله، ويرتبط أساسًا بشركتنا في هذه المبادلة من حيث رد العطايا لله التى هى عطاياه الخاصة، ومن ثم فإن القديس أثناسيوس يشرح الجهاد بمفهوم التواصل مع الله وفقًا لنعمته[32]. وعلى العكس فإن إهمالنا وتراخينا وغياب الجهاد الحسن هو بمثابة ازدراء بالنعمة[33]، والإرادة البشرية هى التى تقرر الاختيار بين الالتصاق بالنعمة أو الابتعاد عنها[34].
وللقديس أثناسيوس نص فريد يصف فيه حياة الإنسان في العالم، ويُشبّه الإرادة البشرية بقلع المركب، التى تحركها الريح، المحرك لمركب حياته، إما إلى بر الأمان بالمسيح، أو إلى الهلاك بعيدًا عنه، فيقول في الرسالة الفصحية (7:19):[نحن نبحر في هذا البحر (أى العالم) بإرادتنا الحرة كما بواسطة الريح، لأن كل واحد يوجه مساره حسبما يريد: إما أن يكون تحت إرشاد الكلمة فيدخل إلى الراحة وينعم بالمسرة، أو أن تتحطم سفينته ويهلك في العاصف] [35].
هنا يرى القديس أثناسيوس توافقًا بين توجيه حياة الإنسان بإرادته وبين توجيهها بإرشاد الله الكلمة، ومنتهى التناغم والانسجام بين مشيئة الله وإرشاده من جهة وإرادة الإنسان ورغبته في تسيير سفينة حياته من جهة أخرى. فالإرادة الإنسانية تظل حرة في اختيار طريق المسرة والنجاة، وهى أيضًا تحت إرشاد وتوجيه نعمة الكلمة في نفس الوقت.
المؤازرة والاشتراك في العمل (السنرجيا)
إن مساندة النعمة الإلهية للإنسان، وتوافق الإرادة البشرية الحرة معها في العمل، استجابة لفعل الروح القدس في الإنسان، يُسميها الآباء المؤازرة والتوافق في العمل والاشتراك فيه (sunerg…a). ولهذا يقول الأب الكاهن في أوشية المسافرين: ” اشترك (يارب) في العمل مع عبيدك في كل عمل صالح “.
وتؤازر النعمة الإلهية الإنسان في سائر أعماله وأقواله، مثل “عمل الخير” (eÙpo…a)، إذ يوضح القديس أثناسيوس في تعليقه على قول المخلص ” كونوا رحماء، كما أن أباكم الذي في السموات هو رحيم ” (لو36:6)، إننا بعمل الرحمة وصنع الخير إنما نقتدى بالله، فيقول:
[نحن أيضًا نصير أبناء لله، ليس مثل الابن الحقيقى الوحيد الجنس بالطبيعة وبالحق، بل بحسب نعمة ذاك الذي دعانا.. وكما سُرّ الله الذي قد وهبنا هذه النعمة ؛ هكذا نحن أيضًا نصير رحماء مثل الله، لا بأن نصير مساوين لله، ولا بأن نصير فاعلى خير بالطبيعة وبالحقيقة مثل الله، لأن صنعنا الخير(eÙpo…a) ليس من أنفسنا بل من الله، لأننا ننقل كل ما يعطيه الله لنا بالنعمة إلى الآخرين دون تمييز بينهم، بل ببساطة نمتد بأعمال الخير إلى الجميع، لأننا بهذه الوسيلة وحدها نصير متمثلين بالله] [36].
كما يوضح القديس أثناسيوس اشتراك نعمة الله ومعونته معنا في الفكر والعمل إذ يقول:
[كيف يجب أن يصيروا فيما بينهم واحدًا في الفكر.. بواسطة قوة الآب والابن يصيرون واحدًا ويقولون ” قولاً واحدًا ” (1كو10:1)، لكن هذا غير ممكن بدون معونة الله، وهذا المعنى يمكننا أن نجده أيضًا في الكتب الإلهية مثل: “ بالله نصنع ببأس ” (مز12:60)، و” بك ندوس أعداءنا ” (مز5:44)] [37].
ويؤكد القديس أثناسيوس في تعليقه على رومية (18:15،19) أن أعمال القديس بولس لم يعملها وحده، بل هى أعمال المسيح أيضًا بواسطته:
[لقد قال بولس إن الأعمال التى عملها بقوة الروح هى أعمال المسيح أيضًا: ” لأنى لا أجسر أن أتكلم عن شئ مما لم يفعله المسيح بواسطتى.. بالقول والفعل بقوة آيات وعجائب بقوة الروح القدس ” (رو18:15،19)] [38].
بل إن أقوال الأنبياء والرسل وشهادتهم، هى بالشركة في الروح القدس أيضًا، وفى هذا يقول قديسنا:
[فحينما يقول القديسون: ” هكذا قال الرب ” (أنظر عا3:1)، فإنهم لا يتكلمون إلاّ بالروح القدس. وإذ يتكلمون بالروح القدس فهم يتكلمون بهذا في المسيح. وعندما يقول أغابوس في الأعمال ” هذا يقوله الروح القدس ” (أع11:21)، فليس هذا إلاّ بواسطة الكلمة الآتى إليه، يمنح الروح أغابوس أيضًا القوة ليتكلم ويشهد عن الأمور التى تنتظر بولس في أورشليم، وهكذا أيضًا حينما يشهد الروح لبولس فكما قلنا قبلاً، فالمسيح عينه كان هو المتكلم فيه] [39].
ولكى نرى هذا التآزر بين نعمة الله وبين الإنسان، هذه النعمة التى صارت لنا كهبة بتجسد الابن الوحيد، نذكر ما يراه القديس أثناسيوس عن النعمة الإلهية التى حدثت بالتجسد.
يرى القديس أثناسيوس في التجسد فعلاً خلاصيًا ذا شقين:
1 ـ أباد المسيح الموت، ووهبنا جدة الحياة.
2 ـ الاستعلان الشخصى للكلمة وأبيه من خلال أعمال المسيح بالجسد ” بإعلان نفسه وتعريف ذاته، أنه كلمة الآب مدبر الكون وضابطه ” [40].
ويمتد عمل المسيح وانتصاره على الموت بقيامته، في تلاميذه وكنيسته: في تلاميذه الذين لم يهابوا الموت، وفى كنيسته المقدسة التى تستمد قداستها كهبة من المسيح القائم[41]. بل إن القديس أثناسيوس يؤكد أن أعمال تلاميذ الرب وشجاعتهم أمام الموت، هى دليل أكيد على قيامة المسيح، لأن أعمال التلاميذ مستمدة أساسًا من أعمال المسيح وقدرته (™nšrgeia) [42].
[لأنه إن كان المخلص يعمل الآن أعمالاً عظيمة كهذه بين البشر، ولا يزال كل يوم بطريقة غير منظورة، يجتذب الجماهير العديدة من كل ناحية،.. ليقبلوا إيمانه، ويطيع الجميع تعاليمه، فهل لا يزال يوجد من يتطرق الشك إلى عقله في أن القيامة قد أتمها المخلص، أو أن المسيح حى، أو بالحرى أنه هو نفسه الحياة؟ وهل يُتاح لشخص ميت أن ينخس ضمائر البشر؟
ويصد الأحياء عن حركاتهم وأعمالهم: فيكف الزانى عن زناه، والقاتل عن القتل والظالم عن الظلم والاغتصاب، ويصبح الدنس متدينًا؟ هذا لا يمكن أن يكون عمل شخص ميت، بل عمل شخص حى، بل هو عمل الله.
فمن ذا الذي يستحق أن يُدعى ميتًا؟
هل المسيح الذي يتمم أعمالاً كثيرة كهذه، في حين أن الميت لا يعمل؟! أم هو ذاك الذي لا يبذل أى مجهود على الإطلاق؟ بل هو مُلقى عديم الحياة، الأمر الذي ينطبق على الأوثان.. لأنها ميتة حقًا؟! لأن ابن الله حى وفعَّال يعمل كل يوم ويتمم الخلاص للجميع] [43].
ويوضح النص السابق كيف كان تأكيد القديس أثناسيوس قويًا ومقنعًا فيما يخص عمل المسيح كفعل سابق على أعمال التلاميذ. وعلينا على هذا الأساس أن نفسر شركة المسيح في العمل مع القديس أنطونيوس (sunerg…a)، حيث انتصارات القديس أنطونيوس هى هى انتصارات المسيح فيه. [44] وهو نفس ما قاله القديس أنطونيوس في إحدى عظاته لتلاميذه من أن جهادهم ضد الشيطان يقودهم إلى استنتاج أن انتصار المسيح جعل الشيطان عاجزًا وعديم القدرة.
وهنا يظهر منطق الفكر الروحى عند الآباء أثناسيوس وأنطونيوس من أن فعل الله وعمله هو الذي أمَّنَ وحفظ عمل الإنسان في جهاده ضد الشياطين. فإن كان الشيطان منهزمًا أمامنا، فلأن المسيح هو الذي انتصر عليه أولاً، وبنصرة المسيح على الشيطان وغلبته على قواته، نلنا نحن القدرة على مواجهته والانتصار عليه. وهذا ما أكده القديس أنطونيوس في إرشاداته الرعوية لأبنائه الرهبان، إذ يقول:
[إن المسيح قد قيد الشيطان أمامنا كالعصفور المربوط في الفخ، لكى نهزأ به..، لذا لا يليق بنا أن نخاف من الشياطين لأن كل محاولاتها فاشلة بنعمة المسيح] [45].
هنا يقدم لنا القديس أثناسيوس روحانية القديس أنطونيوس، مؤكدًا على ثقته في المسيح وعدم خوفه من محاربات الشيطان. والأساس في هذا الفكر هو أن المعركة التى دارت رحاها بين المسيح وإبليس، قد انتهت بنصرة المسيح وفوزه على الشيطان:
[لأن الرب حل في وسطنا، وسقط الشيطان وأُبيدت قواته. ولهذا السبب، حتى وهو عاجز عن أن يفعل فينا شيئًا، فإنه كطاغية سقط من جبروته، لم يحتمل سقوطه بهدوء، بل إنه يهددنا، مع أن تهديداته ليست سوى كلمات. لأنه كذاب وأبو كل كذاب. فليحفظ كل واحد منكم هذا الأمر، وسوف يقوى على احتقار الشياطين] [46].
وإن كان القديس أنطونيوس يحث تلاميذه الرهبان على عدم الاكتراث بضربات الشيطان العقيمة العاجزة، فإن عليهم أن يثقوا لا في قدراتهم هم، بل في النصرة التى ربحوها فعلاً بواسطة الرب، وعلى تلميذ المسيح أن يزدرى بمقاومة الشيطان له، فتصير حربه معه في شجاعة وفرح وبلا خوف:
[إن كان إبليس قد اعترف بنفسه أن قوته قد تلاشت، فيجب أن نحتقره مع شياطينه احتقارًا تامًا.. لهذا يجب ألاّ نيأس في هذا الطريق، وألاّ نخاف، وألاّ نصور المخاوف لأنفسنا قائلين: أنا خائف أن يأتى الشيطان ويحطمنى..، أو أن يثور علىَّ بغتة ويزعجنى؟ إن مثل هذه الأفكار يجب ألاّ تخطر ببالنا أبدًا، ويجب ألاّ نحزن كأولئك الهالكين، بل بالحرى نتشجع ونتهلل فرحين على الدوام، كأناس قد نالوا الفداء، ولنفكر في نفوسنا أن الرب معنا، هذا الذي طرد الأرواح الشريرة وأبطل قدرتهم، فلنتذكر هذا، ونضع في قلوبنا دائمًا أنه مادام الرب معنا، فإن أعداءنا لن يستطيعوا إيذاءنا] [47].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المرجع الرئيسى لهذا الموضوع رسالة دكتوراه:
Khaled Anatolios, Athanasius, The Coherence of his thought, London and New York, 1998, pp. 164-195.
[2]]Seeing that all created nature … is in a state of flux and dissolution … may be able to remain firm since it shares in the Word.[R. Thomson, Athanasius Contra Gentes and De Inccarnation, Oxford, 1971, p. 115 (P.G. 26:84A2- 14), الرسالة إلى الوثنيين41
[3]]God had special pity for the human race… he gave it an added grace… making them in his own image and giving them also a share in the power of his own Word.[Thomson, p.141 (P.G. 26:101B6-9), تجسد الكلمة 3.
]By the grace of the participation of the Word they could have escaped from the consequence of their nature.[Thomson p. 145 (P.G. 26:105A3, 4), تجسد الكلمة 5.
راجع د. وهيب قزمان: النعمة عند القديس أثناسيوس الرسولى، ج1، إصدار مركز دراسات الآباء بالقاهرة 1993، ص43ـ37.
[4] تجسد الكلمة 3: P.G. 26:101B12، المعروف أن اللوغوس كلمة يونانية تعنى نطق الله العاقل، أو عقل الله الناطق.
[7]] But men, despised the grace which had been given them, and so turned away from God [, R. Thomson p. 161 (P.G. 26:116B6-8): تجسد الكلمة11.
الازدراء بالنعمة تعبير يتميز به القديس أثناسيوس، وهو يحذر شعبه من هذا الازدراء بالنعمة عدة مرات في رسائله الفصحية 3:3 و4:6 و9:7 وغيرها، ولكن بعض الكتاب الغربيين يترجمون هذا التعبير على أنه سقوط من النعمة، كما فعل خالد أناتوليوس في كتابه: Athanasius, The Coherence of his thought ص 17.
[8] تجسد الكلمة 5 P.G. 26:104D1:.
[9] [بينما أخذ الرب جسدًا من مريم والدة الإله، فإن الذي أعطى الآخرين أصل حياتهم قيل عنه هو نفسه إنه قد وُلد، ليصبح هو ذاته أصلنا (الجديد)، فلا نعود نرجع إلى الأرض بعد باعتبارنا مجرد تراب من الأرض، لكن إذ اتحدنا باللوغوس الذي من السماء، فإننا نُحمل إلى السموات بواسطته]. ضد الآريوسيين 33:3 راجع، د. وهيب قزمان: النعمة عند القديس أثناسيوس، جـ2، إصدار مركز دراسات الآباء بالقاهرة 1994، ص 142ـ145.
[10] إن نسبة ” حياة أنطونيوس ” للقديس أثناسيوس كانت محل شك وتساؤل، لكن الدارس للفكر اللاهوتى المتماسك والرصين في هذا العمل، ومدى تماثله مع بقية النصوص الأخرى الخاصة بالقديس أثناسيوس إنما يقتنع تمامًا بأن قديسنا هو مؤلف هذه السيرة.
Barnes, “Angel of light or mystic initiate? The problem of the life of Antony”, Journal of theological studies 37, 1986, pp.353 -68. Louth, “St. Athanasius and the Greek Life of Antony”, Journal of theological studies 39, 1988, pp.504-9.
[11] Gregg & Groh, Early Arianism – A view of Salvation, Philadelvia, 1981.
[12] المرجع السابق ص 147. راجع أيضًا د. وهيب قزمان: النعمة عند القديس أثناسيوس الرسولى ج2، إصدار مركز دراسات الآباء بالقاهرة 1994، ص 70ـ75.
[13] Early Arianism – A view of Salvation, p. 147.
[14] المرجع السابق ص 148.
[15] المرجع السابق ص 139.
[16] ويعلق د. خالد أناتوليوس على تحليل الباحثين Gregg & Groh. ويفند آراءهما بخصوص فكر الآريوسيين حول تماثل المسيح معنا وأنه ببساطة ” مثلنا “، أنظر كتابه ص169 Athanasius, The Coherence of his thought. المستقر أن الآريوسية هاجمت مساواة الابن بالآب من أجل تأكيدها على وحدانية الله المطلقة Monist Conception of God، أى تمجيد الآب وحده على حساب اللوغوس، الذي زعم الآريوسيون أنه مخلوق وغير مساوٍ للآب في الجوهر، أنظر: Stead, “Arius in modern research”, Journal of theological studies 45:1, April 1994, p.36.
[17] [هذه هى محبة الله للبشر أنه بالنسبة لأولئك الذين صنعهم قد صار لهم أبًا أيضًا بعد ذلك بحسب النعمة.. عندما حصل هؤلاء الناس على “روح ابنه في قلوبهم صارخًا: أبانا أيها الآب” (غل6:4).. لكى يحدث هذا فقد ” صار الكلمة جسدًا ” لكى يجعل الإنسان قادرًا على تقبل الألوهية] ضد الآريوسيين 59:2.
[18] الرسائل الفصحية 3:3، 9:7.
[19] الرسائل الفصحية 3:6.
[20] الرسائل الفصحية 4:3 ((NPNF vol.4, p. 514.
[21] الرسائل الفصحية 3:5.
[22] المرجع السابق.
[23] الرسائل الفصحية 3:7 ((NPNF Vol.4, p.524.
[24] الرسائل الفصحية 1:6.
[25] الرسائل الفصحية5:5 و 3:7.
[26] الرسائل الفصحية 1:7.
[27] الرسائل الفصحية 4:6.
[28] الرسائل الفصحية 5:6، وأنظر متى14:25ـ30.
[29] NPNF Vol.4, p.513.
[30] المرجع السابق (3:3).
[31] NPNF Vol.4, p.518.
[32] الرسائل الفصحية 3:5 ,1:6.
[33] الرسائل الفصحية 3:3 ,4:6 و9:7.
[34] القديس أثناسيوس ليس باللاهوتى القدرى Predestinationist، ولا هو باللاهوتى الذي يعول بشكل أساسى على الإرادة البشرية في اكتساب النعمة والحفاظ عليها، أنظر:
Gregg, Athanasius: The Life of Antony and the Letters to Marcellinus, New York, 1980, p.21.
[35] NPNF Vol.4, p.547.
[36] الرسالة الثالثة ضد الآريوسيين:19: راجع د. وهيب قزمان: النعمة عند القديس أثناسيوس الرسولى، ج2 ص 102ـ104.
[37] الرسالة الثالثة ضد الآريوسيين:21.
[38] رسائل الروح القدس 19:1.
[39] رسائل الروح القدس 31:1.
[40] تجسد الكلمة 16ـ Thomson p.172.
[41] قابل تجسد الكلمة 27،29 ـ Thomson pp.198-190.
[42] الرسالة إلى الوثنيين 1:30.
[43] تجسد الكلمة 30ـ31: ـ Thomson pp.208-11.
[44] حياة أنطونيوس 8.
[45] حياة أنطونيوس 24: Gregg, pp.49-50.
[46] حياة أنطونيوس 28: Gregg, p.52.
[47] حياة أنطونيوس 42: Gregg, pp.62-63.
النعمة والإنسان في فكر القديس أثناسيوس الرسولى د. وهيب قزمان بولس
1 ـ تجسد ابن الله وموته على الصليب وقيامته هى محور الإيمان المسيحى والحياة المسيحية:
كان القديس أثناسيوس الرسولى يملك رؤية واضحة لرسالة المسيح في عمقها واتساعها. هذه الرؤية الواضحة كانت ثمرة للتسليم الذي استلمه من الآباء الذين سبقوه والذي تفاعل مع إختباره الروحى الحى. فهو يؤكد في كتاباته أن تجسد ابن الله الكلمة وموته على الصليب وقيامته، هذه الثلاث عناصر المرتبطة معًا هى محور الإيمان المسيحى كله والحياة المسيحية كلها، هى مركز الإيمان والتقوى.
أ ـ إذ يقول: ” إن أساس إيماننا هو أن نتحدث عن الهدف الذي من أجله جاء وعاش فيما بيننا بالجسد، وعن كيفية موت جسده”[1]. فأساس الإيمان هو الحديث عن تجسد المسيح وعن موت جسده.
ب ـ وأيضًا الكلمة ” ببذله لجسده الذي إتخذه لنفسه كتقدمة مناسبة، فإنه رفع الموت فورًا عن جميع نظرائه البشر… فقد كان لائقًا به أن يقدم هيكله الخاص فدية عن حياة الجميع موفيًا دين الجميع بموته. وهكذا.. بإتحاده بالبشر.. فإنه ألبس الجميع عدم الفساد بوعد القيامة من الأموات، ولم يعد الفساد الفعلى بالموت له أى سلطان على البشر بسبب الكلمة الذي سكن بينهم بواسطة جسده”[2].
فعندما يتحدث القديس أثناسيوس عن الفدية عن حياة الجميع فهو يقصد طبعًا أنه يخلّص البشر من الموت ويهبهم الحياة الأبدية وعدم الفساد. فهذا هو أول أهداف تجسده حسب شرحه في نفس كتاب تجسد الكلمة.
ج ـ التجسد لأجل خلاصنا: وأيضًا في تقديمه لكتاب تجسد الكلمة يقول: ” ولكونه هو الكلمة فإنه بسبب صلاح أبيه ومحبته للبشر، ظهر لنا في جسد بشرى لأجل خلاصنا “[3]. ويظهر مرات عديدة من كلام القديس أثناسيوس أن الدافع للتجسد وعمل الخلاص هو محبة الله للبشر وصلاحه. وهذا يوضح كما ذكرنا أنه استلم روح الإنجيل وخبرة الرسل من الآباء السابقين مع إختياره الروحى. أى أن محبة الله وحنان الله وصلاحه هى سبب التجسد، هى سبب البذل، هى سبب الخلاص. إذ يقول: ” لأجل قضيتنا تجسد لكى يخلّصنا، وبسبب محبته للبشر قبل أن يتأنس ويظهر في جسد بشرى”[4]. وأيضًا ” أتى (الكلمة) إلينا في تنازله، ليظهر محبته لنا ويفتقدنا (بخلاصه)”[5].
2 ـ معنى الخلاص عند القديس أثناسيوس:
لكى نعرف معنى الخلاص عند القديس أثناسيوس، يحسن أن نطرح 3 أسئلة:
أولاً: من ماذا نخلص؟ أى ما هو الذي يخلّصنا المسيح منه؟
ثانيًا: ما معنى موت المسيح وقيامته بالجسد عند القديس أثناسيوس؟ أى ما هو معنى موت الممسيح عنده؟
ثالثًا: ما هو المصير الذي يوصلنا إليه موت المسيح وقيامته؟ أى نتائج الموت والقيامة.
للإجابة على هذه الأسئلة من كتابات القديس أثناسيوس نلاحظ ما يلى:
أولاً: من ماذا نخلص؟
لكى نعرف ” من ماذا نخلص “، نحتاج أن نحصل على إيضاحات من كلام القديس أثناسيوس عن:
أولاً: أ ـ حالة الإنسان الأصلية قبل السقوط.
ب ـ وما هى الحالة التي صار عليها بالسقوط.
ج ـ ما الذي يحتاج إليه الإنسان لعلاجه من نتيجة السقوط.
أ ـ من جهة حالة الإنسان الأصلية قبل السقوط، يعرفنا القديس أثناسيوس أن الإنسان عند خلقته، هو قابل للموت والإضمحلال حتى قبل السقوط، وأنه بدون نعمة الخلق على صورة الله لم يكن ممكنًا للإنسان أن يحيا الحياة الحقيقية ويعيش في السعادة إلى الأبد وليس له خلود في ذاته بدون الكلمة. فالموت بالنسبة للجسد بل وحتى النفس هو أمر طبيعى للمخلوقات كلها. فيقول إن البشر ” إذ صاروا أشرارًا فليعلموا أنهم سيجلبون الموت على أنفسهم حسب طبيعتهم”[6].
ويقول القديس أثناسيوس، إن الإنسان ” كان عاجزًا بطبيعة تكوينه عند خلقته عن البقاء على الحالة التي خلق فيها .. ولذلك فإن الله تحنن عليه وأعطاه نعمة إضافية.. بأن خلقه على صورته.. حتى يستطيع وله بعض من ظل الكلمة أن يبقى في السعادة ويحيا الحياة الحقيقية في الفردوس “[7].
أى أن الإنسان خلق على غير فساد بكونه مخلوقًا على صورة الله ـ صورة الله الذي هو الكلمة اللوغوس. وعدم الفساد ليس من طبيعة الإنسان بل من صورة الله فيه. الله غير المائت غير الفاسد غير المضمحل، الخالد. وهنا يتميز تعليم القديس أثناسيوس عن نظرة اللاهوت الغربى الذي يقول إن الإنسان وُهب عطية فائقة للطبيعة بعد خلقته أى أن النعمة مخلوقة، ولذلك فيمكن أن يفقد النعمة تمامًا. أما القديس أثناسيوس فيقول إن النعمة الإضافية وهى الخلق على صورة الله هى عنصر رئيسى في تكوين طبيعة الإنسان منذ البداية. ومعنى كلامه هذا هو أن الإنسان يملك في داخله إمكانية إلهية بطبيعة خلقته، وأن النظرة الصحيحة للإنسان بحسب الكتاب المقدس هى أنه يكون إنسانًا بإرتباطه بالله وبدون الوجود في الله لا يكون الإنسان إنسانًا حقًا. فالإنسان الأصلى هو الإنسان الموجود في الله أو هذه هى حالة الإنسان الأصلية. ولذلك يرى القديس أثناسيوس أن الصورة لا يمكن أن تتلاشى تمامًا ولكن يمكن أن تتشوه أو تعتم أو تضعف، ولكن لا تفقد فقدانًا مطلقًا. وهذا ما يشرحه في كتاب تجسد الكلمة فصل14 عندما يعطى مثلاً بالصورة المرسومة على قماش ثم تلطخت من الخارج بالأقذار مما أدى لإختفاء ملامحها، فلابد من حضور صاحب الصورة نفسه لكى يمكن إعادة تجديد الصورة وعلى نفس القماش ولا يلقى بالقماش.. “[8].
كما يوضح القديس أثناسيوس أننا رغم أننا قد خلقنا على صورة الله، وندعى صورة الله، ومجد الله معًا، فهذا ليس من ذواتنا بل بسبب ذلك الذي هو صورة الله، وهو مجد الله الحقيقي الساكن فينا ـ الذي هو كلمته، الذي من أجلنا صار جسدًا فيما بعد ـ بسببه هو ننال نحن نعمة دعوتنا هذه[9]، أى نعمة كوننا على صورة الله وندعى صورة الله ومجده. فالمسيح هو “صورة الله غير المنظور ” كما يقول الرسول بولس في رسالة كولوسى15:1 أما الإنسان فهو مخلوق على صورة الله، أى هو صورة الصورة.
+ معنى الخلق على صورة الله:
1 ـ معرفة الله وكلمته ورؤيته في عقل أو قلب الإنسان وإدراك الأمور العقلية مثل الكائنات العقلية والأفكار والحقائق العقلية[10].
2 ـ الشركة مع الله الآب ومع الكلمة (اللوغوس) والحياة والخلود مع الله[11].
ب ـ الحالة التي صار عليها الإنسان بالسقوط:
1 ـ أى ما صار إليه بالعصيان بتحويل فكره إلى الأشياء الحسية المخلوقة بدلاً من النظر في الله والتأمل فيه[12]، وذلك بمشورة الشيطان.
2 ـ ونتج عن تحويل فكر الإنسان من النظر في الله أن البشر فقدوا معرفة الله.
3 ـ وعادوا إلى العدم. وعادوا تعنى أنهم خلقوا أصلاً من العدم، فعادوا إلى العدم، لأنهم كانوا يستمدون وجودهم من الله الذي هو “الكائن”، ولذلك فإنهم يُحرمون إلى الأبد من الوجود.
4 ـ والنتيجة هى الإنحلال والبقاء في حالة الموت والفساد (الفناء)[13].
+ ولكن مشابهة الإنسان لله ـ أى صورة الله فيه ـ فقدها الإنسان تدريجيًا، وبدأ الفساد يسود على البشر بصورة أقوى من سيادته الطبيعية، وذلك نتيجة عصيان الوصية .. والفساد يعتبر عملية Process خطيرة تؤدى إلى العدم مع مرور الزمن[14].
وفقدان الإنسان لصورة الله الكلمة الساكن فيه، أدى بالبشر إلى إزدياد جهلهم بالله، وإزدياد الجهل بالله يؤدى إلى السقوط في الشرور بكثرة وهذا بدوره يؤدى إلى إزدياد جهلهم أكثر بالله. وهكذا صارت الأمور عبارة عن خلقة خبيثة: خطأ يؤدى إلى فساد، فساد يؤدى إلى جهل بالله، جهل بالله يؤدى إلى شرور أكثر. وهذا يؤدى إلى فساد أكثر حتى يؤدى إلى العدم.
بفضل الكلمة وحده كان البشر يستطيعون أن يقرأوا في الكتاب المفتوح (أى الخليقة المنظورة) عن معرفة الله، وإظهاره لنفسه في الكون المخلوق[15].
فالقديس أثناسيوس يركز في وصفه لإنحراف الإنسان وسقوطه على النظرة المرضية أى التغيير المرضى الذي أصاب طبيعة الإنسان بسبب تحوله من النظر في الله، أكثر من النواحى الأخرى التي نتجت عن السقوط مثل الإنحرافات السلوكية والأخلاقية، وإن كان يذكر هذه الإنحرافات بإعتبارها أعراض طبيعية للمرض الروحى داخل نفس الإنسان في طبيعته وكيانه. وهكذا فإن إنحراف الإرداة وكذلك إنحراف السلوك بالتالى يدخلان ضمن الفكرة العامة عند القديس أثناسيوس ألا وهى fqÒra = الفساد[16] أى التحلل والإضحلال مما يؤدى إلى الفناء. فالفساد في طبيعة الإنسان الداخلية يؤدى إلى فساد في المعاملات والسلوك والأخلاق كنتيجة طبيعية لفساد الداخل.
ج ـ ما يحتاج إليه الإنسان:
يحتاج الإنسان أساسًا وقبل كل شئ إلى شفاء الطبيعة التي مرضت أى إلى تغيير جذرى في كيانه وطبيعته، أى بالأحرى إعادة غرس الطبيعة الإلهية السامية من جديد، وهى الحياة الإلهية التي كانت له، والتي فقدها تدريجيًا كما ذكرنا.
وهذا ما يشرحه القديس أثناسيوس في فصل كامل من تجسد الكلمة، يبين فيه لماذا كان من الضرورى أن يتجسد الكلمة، وأنه كما إلتصق الفساد بالجسد يحتاج الأمر أن تلتصق به الحياة بدلاً من الفساد، لابد أن تتحد الحياة بالجسد لتطرح عنه الفساد، ويتم تغيير الطبيعة البشرية وتجديدها بإتحاد الكلمة بالجسد[17].
ثانيًا: الخلاص بالتجسد والصلب والقيامة:
1 ـ يعتبر القديس أثناسيوس أن مجرد التجسد أى حضور الكلمة في الجسد هو في ذاته له دور في إعادة الحياة الإلهية إلى طبيعتنا البشرية .. فيعطى تشبيهًا بالمدينة التي سكن الملك في أحد بيوتها وكيف أنه لا يجرؤ أى عدو أو عصابة أن تدخل إليها بسبب سكنى الملك في أحد بيوتها وهكذا لأن الكلمة جاء وسكن في جسد بشرى فبدأت تبطل مؤامرة العدو ضد البشر وأبطل فساد الموت[18]، كل هذا بدأ بالتجسد ويكتمل طبعًا بالصليب والقيامة. كما يذكر في المقالة الثانية ضد الآريوسيين أن الإنسان المخلوق يتحد بالله عن طريق تجسد الكلمة خالق الجسد[19]. وفي نفس هذه المقالة يذكر أيضًا أن ” الكلمة قد لبس الجسد البشرى المخلوق لكى بعد أن يجدده فإنه يؤله هذا الجسد ففي ذاته. صار الإتحاد هكذا: أن يتحد ما هو بشرى بالطبيعة بهذا الذي له طبيعة الألوهية، ويصير خلاص للإنسان وتأليهه مؤكدًا[20].
2 ـ صلب المسيح وقيامته:
يقدم القديس أثناسيوس الخطوات التالية:
1 ـ معضلة سقوط الإنسان:
أ ـ الإنسان بعد أن خلقه الله على صورته ـ الكلمة الابن الوحيد ـ خالف الوصية، فساد عليه الموت سيادة شرعية، وفسدت طبيعة الإنسان وصار سلطان الفساد على كل الجنس البشرى أكثر من سلطانه الطبيعى وذلك بالموت والبقاء فى حالة الموت والفساد والحرمان من الوجود إلى الأبد ـ أى الحرمان من الوجود الحقيقى مع الله[21].
ب ـ لم يكن ممكنًا أن يترك الله الصالح المحب ـ فى صلاحه وحبه ـ الإنسان المخلوق على صورته ليهلك ويصير تحت سلطان الفساد والموت ويرجع إلى عدم الوجود[22].
ج ـ فإهمال الإنسان لا يتفق مع صلاحه ولا مع قدرته بل يعلن ضعفه[23].
د ـ ولكن فى نفس الوقت لابد أن يتم حكم الموت على الإنسان فهو عقوبة الخطية العادلة، فالإنسان ورط نفسه بالتعدى فوقع عدلاً تحت حكم الموت لذلك يلزم أن يتم الموت إيفاءً لمطلب الله العادل ـ “إيفاء الدين المستحق على الجميع”.[24]
هـ ـ التوبة بدون التجسد والفداء لا تكفى[25]:
1 ـ لأنها لا تستطيع أن توفى مطلب الله العادل الذى هو حكم الموت على المخالف.
2 ـ تعجز التوبة عن أن تغير وتجدد طبيعتة الإنسان. وتجديد خلقه على الصورة الإلهية التى هى حالته الأولى.
2 ـ حل المعضلة:
لذلك أخذ الكلمة من أجسادنا جسدًا مماثلاً لطبيعتنا (من العذراء ـ كهيكل له ـ وجعله جسده الخاص واتخذه أداة له، وفيه أعلن ذاته إذ حلّ فيه)[26]. وبذل جسده للموت عوضًا عن الجميع، وقدمه للآب. كل هذا فعله بمحبته لنا وشفقته علينا، وذلك لكى:
أولاً: يبطل الناموس الذى كان يقضى بهلاك البشر، إذ أن الكل قد ماتوا فيه، لأن قوة الموت قد استنفدت تمامًا فى جسد الرب، ولم يعد الموت يجد له أى أساس يمسك به ضد البشر نظراء الرب.
ثانيًا: لكى يعيد البشر الذين انحدروا فى الفساد، يعيدهم إلى عدم الفساد، ويحييهم من الموت بامتلاك جسده وبنعمة القيامة مبيدًا الموت منهم كما تلتهم النار القش[27].
” إذ أن الكلمة هو وحده الذى بطبيعته يستطيع أن يجدد خلقة كل شئ ويتحمل الآلام عن الجميع ويكون شفيعًا عن الجميع عند الاب” تجسد الكلمة[28].
3 ـ عند القديس أثناسيوس المسيح كلمة الله تجسد وقدم جسده ذبيحة بالصليب لسببين رئيسيين:
أولاً: ليوفى الدين علينا ـ وهو حكم الموت الناتج عن الخطية.
ثانيًا: ويبطل الموت والفساد ويجدد خلقة الإنسان على صورة الله بموته وقيامته، إذ يقول:
أ ـ [ لما كان ضروريًا أيضًا وفاء الدين المستحق على الجميع ـ وهو سبب جوهرى حقيقى لمجئ المسيح بيننا ـ لأجل هذه الغاية ـ قدم نفسه أيضًا ذبيحة عن الجميع، إذ سلم هيكله للموت عوضًا عن الجميع… لكى يحرر البشر من معصيتهم القديمة (أولاً)، (وثانيًا لكى يظهر أنه أقوى من الموت) بإظهار أن جسده عديم الفساد كباكورة لقيامة الجميع][29].
ب ـ وفى المقالة الثانية ضد الآريوسيين: [ لأجل ذلك فإن كلمة الله الكامل قد لبس الجسد الناقص… لكى بعد أن يوفى الدين بدلاً منا، يكمل بنفسه ما هو ناقص عند الإنسان، فالإنسان ينقصه الخلود والطريق إلى الفردوس]. [30]
ج ـ وأيضًا [ وعندما أراد الآب أن تُقدم فدية لأجل الجميع، وأن تُعطى النعمة للكل، … عندئذ أخذ هو جسدًا من الأرض.. حتى إذ يكون له ـ كرئيس كهنة شئ يقدمه، فهو يقدم نفسه للآب ويطهرنا جميعًا من الخطايا بدم نفسه ” ويقيمنا من بين الأموات” ][31].
د ـ [ لهذا أخذ الكلمة لنفسه جسدًا قابلاً للموت… وإذ قدم للموت ذلك الجسد… كمحرقة وذبيحة خالية من كل شائبة، فقد رفع حكم الموت فورًا عن جميع نظرائه، إذ قدم عوضًا عنهم جسدًا ممائلاً لأجسادهم..
ولأن كلمة الله متعالٍ فوق الكل، كان من الطبيعى بواسطة تقديم هيكله الخاص وأداته البشرية لأجل حياة الجميع، أن يوفى الدين بموته]. وإذ اتحد ابن الله عديم الفساد بالجميع بطبيعة مماثلة فقد ألبس الجميع عدم فساد كأمر طبيعى بوعد القيامة[32].
هـ ـ [ لأنه سابقًا إذ كان العالم ـ كمسئول ـ يُدان بواسطة الناموس، أما الآن فإن اللوغوس أخذ الدينونة على نفسه، وبتألمه لأجل الجميع بالجسد، وهب الخلاص للجميع ][33].
و ـ [ أرسل الله ابنه الخاص وصار ابن الإنسان باتخاذه الجسد المخلوق. وحيث إن الجميع كانوا خاضعين للموت، وكان هو مختلفًا عن الجميع (فى عدم الخضوع للموت) فقد قدم جسده الخاص للموت من أجل الجميع. إذن حيث إن الجميع ماتوا بواسطته هكذا قد تمت كلمة ذلك الحكم (إذ أن الجميع ماتوا فى المسيح). وهكذا فإن الجميع يصيرون بواسطته أحرارًا من الخطية ومن اللعنة الناتجة عنها، ويبقون على الدوام قائمين من الأموات ولابسين عدم موت وعدم فسادٍ ][34].
[… وحيث إن أعمال إبليس قد نُقضت من الجسد فقد تحررنا جميعًا بسبب علاقتنا بجسده، وصرنا متحدين مع الكلمة…][35].
4 ـ نظرة القديس أثناسيوس لموت المسيح:
أ ـ يرى القديس أثناسيوس أن المسيح سلم هيكله للموت عوضًا عن الجميع ليوفى العقوبة على المعصية (حسب إنذار الله)، وبذلك فإن الصليب وضع نهاية للموت كعقاب وكعرض من أعراض فساد الطبيعة البشرية. ولكنه لا يدخل فى النظرة القضائية للفداء التى نشأت فى اللاهوت الغربى منذ ترتليانوس ووصلت إلى ذروتها عند أنسلم فى القرن 11.
ورغم أن القديس أثناسيوس يذكر أن السبب الأول الذي من أجله قدم جسده للموت هو أن يوفى العقوبة على المعصية إلاّ أنه يركز أكثر فى شرحه للفداء على ناحية الكيان والطبيعة: إبطال الموت والفساد، تجديد الطبيعة، إعادة خلق الإنسان حسب الصورة التى خُلق عليها أصلاً [ والآن إذ قد مات مخلّص الجميع نيابة عنا فإننا نحن الذين نؤمن بالمسيح لن نموت (بحكم) الموت الذى كان سابقًاحسب وعيد الناموس لأن هذا الحكم قد أُبطل؛ وبما أن الفساد قد بَطُل وأُبيدَ بنعمة القيامة فإننا من ذلك الوقت وبحسب طبيعة أجسادنا المائتة ننحلّ فى الوقت الذى حدده الله لكل واحد، حتى يمكن أن ننال قيامة أفضل ] [36].
ب ـ الناحية التى يركز عليها أكثر فى موت المسيح هى أن قوة الموت قد استنفدت تمامًا فى جسد الرب، ولم يعد له سلطان على البشر، ولم يعد الموت يجد له أساسًا يمسك به ضد البشر، وأن فساد الجنس البشرى يستهلك فى جسد الرب، فيتلاشى الفساد والموت من طبيعة الإنسان، فقوة حياة الكلمة قد ابتعلت الموت فى موت جسده وحوّل فساد الإنسان إلى عدم فساد[37].
5 ـ انتصار المسيح هذا على الموت وعلى الشياطين تم بالموت، ولكن أُعلن وأُظهر بقيامته فالقيامة هى الدليل على الانتصار:
” أبطلت الموت بموتك، وأظهرت القيامة بقيامتك” (الساعة التاسعة)
لذلك فموت المسيح هو ” بداية جديدة للحياة “[38].
[ لأنه بذبيحة جسده وضع حدًا لحكم الموت الذى كان قائمًا ضدنا، ووضع لنا بداية جديدة للحياة αρχή Ζωής، برجاء القيامة من الأموات الذى أعطاه لنا… بطل الموت، وتمت قيامة الحياة بتأنس كلمة الله… وهكذا نحن الآن لا نموت بعد كخاضعين للدينونة بل كأناس يقومون من الموت ننتظر القيامة العامة للجميع، التى سيبينها فى أوقاتها الله، الذى أكملها ، والذى وهبنا إياها (1تى15:6)][39].
+ وبموت المسيح مات الموت حقيقة[40].
6 ـ [ الآن بعد قيامة المخلص بالجسد ـ لم يعد الموت مرعبًا والمؤمنون بالمسيح يدوسونه كأنه لا شئ، ويفضلون أن يموتوا عن أن ينكروا المسيح. لأنهم يعلمون يقينًا أنهم لا يهلكون بالموت، بل يبداون الحياة فعلاً، .. ويصبحون عديمى الفساد بفضل القيامة][41].
[ احتمل الموت لا من أجل نفسه بل من أجل خلود الجميع وخلاصهم][42].
ثالثًا: النتيجة التي يوصلنا إليها تجسد المسيح وموته وقيامته
أى ما نناله نتيجة إبطال الموت والفساد
يؤكد القديس أثناسيوس في مواضع عديدة جدًا من كتاباته على الحالة السامية جدًا التي يهبها المسيح للإنسان بفضل إبطاله لقوة الموت والفساد فهو يوضح أن الإنسان بفضل نعمة المسيح وعمل الروح القدس فيه كنتيجة للإنتصار على الموت وعلى الفساد ينال نعمة البنوة لله بسكنى المسيح في داخل الإنسان وفي مرات كثيرة يستعمل تعبير يؤلهنا بدلاً من تعبير يصيرنا أبناء، وأحيانًا يستعمل تعبير “نصير شركاء الطبيعة الإلهية” الوارد في رسالة بطرس الرسول الثانية.
وفي بعض الأحيان يستعمل تعبير الإتحاد بالله أو يوحدنا بالله بدلاً من تعبير التأليه أو يؤلهنا. كل هذه التعبيرات البنوة، التأليه، الشركة في الطبيعة الإلهية، الإتحاد بالله يقصد بها القديس أثناسيوس أن المسيح بعمله الفائق في تجديد الطبيعة البشرية يوصل الإنسان إلى حالة أسمى من الحالة التي كان عليها الإنسان قبل السقوط، وعندما يستعمل تعبير يؤلهنا لا يقصدإننا نصير من جوهر الله فهذا مستحيل طبعًا فلا يمكن أن يكون في جوهر الله أى أقنوم سوى الآب والابن والروح القدس الذين هم واحد في جوهر الألوهية. ولكنه يقصد بإشتراكنا في الله أو إتحادنا به أو تأليهنا إننا ننال فيضًا من غنى الحياة الإلهية التي تنسكب في داخلنا بالروح القدس الذي يعمل فينا من خلال الأسرار المقدسة.
والآن نذكر بعض أقوال القديس أثناسيوس عن نتائج إبطال الموت والفساد:
+ [ لأن كلمة الله صار إنسانًا لكى يؤلهنا نحن، وأظهر نفسه في جسد لكى نحصل على معرفة الآب غير المنظور وإحتمل إهانة البشر لكى نرث نحن عدم الموت (أى نرث الخلود)][43].
+ [ إذًا فقد كمل فيه الجنس البشرى وأُعيد تأسيسه كما كان في البدء (عند خلقته) بل بالأحرى بنعمة أعظم من الأول … وهذا لأن كلمة الله الذاتى عينه الذي من الآب قد لبس الجسد وصار إنسانًا … لأنه بدون ذلك لبقى الإنسان كما كان دون أن يتحد بالله ][44].
+ [ الكلمة صار جسدًا لكى يقدم جسده من أجل الجميع، ولكى إذا اشتركنا في روحه القدوس نصير آلهة ][45].
+ [ المخلص لم يكن إنسانًا ثم صار فيما بعد إلهًا، بل كان إلهًا وفيما بعد صار إنسانًا كى يؤلهنا ][46].
+ [ فهذه النعمة وهذا التمجيد العالى إنما هو لنا، فبالرغم من أنه صار إنسانًا … فإنه يُعبد. لذلك لن تدهش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا المتحدين معه في نفس الجسد داخلين إلى مناطقهم السمائية ][47].
+ [ حيث إننا أبناء وآلهة بسبب الكلمة الذي فينا هكذا أيضًا سنصير في الابن وفي الآب، وسوف نُحسب أننا صرنا واحدًا في الابن وفي الآب، بسبب وجود ذلك االروح فينا نحن، وهو الروح الذي في الكلمة الكائن في الآب ][48].
+ [ لأنه كما أن الرب نفسه بلبسه الجسد قد صار إنسانًا، هكذا نحن البشر فإننا نتأله بالكلمة بإتحادنا به بواسطة جسده، ولهذا فنحن نرث الحياة الأبدية ][49].
+ [ وكما أنه لو لم يكن الجسد الذي لبسه الكلمة جسدًا بشريًا لما كنا قد تحررنا من الخطية ومن اللعنة. هكذا لم يكن للإنسان أن يُؤله لو لم يكن الكلمة هو ابن طبيعى حقيقي وذاتى من الآب. لهذا إذًا صار الإتحاد هكذا: أن يتحد ما هو بشرى بالطبيعة بهذا الذي له طبيعة الألوهية، فيصير خلاص الإنسان وتأليهه مؤكدًا ][50].
التأليه يتممه الروح القدس:
+ [ ولكن إن كنا بالإشتراك في الروح نصير “شركاء الطبيعة الإلهية” فإنه يكون من الجنون أن نقول إن الروح من طبيعة المخلوقات وليس من طبيعة الله. وعلى هذا الأساس فإن الذين هم فيه، يتألهون. وإن كان هو يؤله البشر فلا ينبغى أن يُشك أن طبيعته هى طبيعة إلهية ][51].
بالمعمودية نصير أبناء بالحق:
+ [ حينما نعتمد باسم الآب والابن والروح القدس فإننا نصير أبناء بالحق وإذ ندعو اسم الآب فإننا نعترف بالابن الكلمة في الآب ][52].
التأليه بالتناول من جسد المسيح:
+ [ ونحن نتأله ليس باشتراكنا في جسد إنسان ما، بل بنوالنا جسد الكلمة ذاته ][53].
وفي الختام يتضح أن نتيجة التجسد والموت والقيامة أى البنوة أو التأليه تبدأ في الحياة الحاضرة بفعل الروح القدس في الإيمان والمعمودية والافخارستيا، وتصل إلى كمالها في الدهر الآتى بإكتمال البنوة بافتداء الجسد وتجديده والتمجيد مع المسيح عند مجيئه بالمجد العظيم من السماء حسب وعده.
[1] تجسد الكلمة 4:19، ص55 الترجمة الجديدة عن اليونانية، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية 2003.
[2] المرجع السابق 1:9، 2، ص23، 24.
[3] المرجع السابق 3:1، ص2.
[4] تجسد الكلمة 3:4، ص10.
[5] المرجع السابق 1:8، ص20.
[6] المرجع السابق 4:3، ص9.
[7] انظر تجسد الكلمة فصل 3 فقرة 3 كلها. وانظر أيضًا ضد الوثنيين 2:2ـ4 و 2:34ـ3.
التعليم عن الخلاص في القداس الغريغوري – د. رودلف مرقس يني
التعليم عن الخلاص في القداس الغريغوري – د. رودلف مرقس يني
التعليم عن الخلاص فى ليتورجية القديس غريغوريوس النيزينزي د. رودلف مرقس ينى[1]
مقدمة:
ليتورجية القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات هى إحدى الليتورجيات المستخدمة فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ، وهى من الليتورجيات القليلة الموجهة للابن والباقية إلى الآن. وقد ذكر جريجورى ديكس فى كتابه ” شكل الليتورجيا ” أن الليتورجيات التى تخاطب الابن كانت معروفة فى العالم القديم ، وهى تقليد قديم لدى السريان ؛ من ذلك ليتورجية القديس أداى ومارى (Adai and Mari) والليتورجيات الأخرى الكثيرة التى اشتُقت منها . وقد أحصى ديكس أيضًا ثلاث ليتورجيات إثيوبية، وليتورجية مصرية أخرى قديمة موجهة للابن، كما وجد أيضًا ما يدل على أن أمثال هذه الليتورجيات كانت معروفة فى الغرب [2].
وقد حُفظت ليتورجية القديس غريغوريوس فى اللغة القبطية وهى مُترجمة الآن للغات العربية والإنجليزية، وربما بعض اللغات الأخرى الحديثة لاستخدامها فى كنائس المهجر. كما توجد أجزاء من هذه الليتورجية فى مخطوطة يونانية ترجع إلى القرن الرابع عشر، اكتُشفت فى أوائل القرن العشرين فى دير القديس الأنبا مقار بوادى النطرون. ومن المحتمل أن الليتورجية كانت تُقام بهذه اللغة اليونانية ـ على الأقل فى بعض المناسبات ـ فى الدير فى ذلك الحين[3].
وقد ذكر بعض العلماء أن هذه الليتورجية ربما تعود إلى ما قبل مجمع نيقية، وأن بعض التغيرات أُضيفت إليها فى القرون التالية[4]. إلاّ أن آخرين يصرون على أنها تعكس تعاليم القديس غريغوريوس اللاهوتية. فهذا القداس هو شهادة من التقليد لتعليم آباء الكنيسة الشرقية فى القرنين الثالث والرابع عن الخلاص. وإن كانت كل إفخارستيا هى ذكرى (anamnesis) لعمل المسيح الخلاصى، إلاّ أن هذه الليتورجية تشرح لنا التعليم اللاهوتى عن عقيدة الخلاص بصورة حية لا تصل إليها أية ليتورجية أخرى . ولهذا أطلق عليها البعض اسم “ليتورجية المخلص ” [5]. وهذا المقال يتتبع موضوع الخلاص فى المراحل المختلفة من الليتورجية كما يوضح مطابقتها لتعليم آباء الكنيسة الشرقية بوجه عام، والقديس غريغوريوس بوجه خاص.
أولاً : صلاة الصلح
تتميز القداسات القبطية (قداس الإفخارستيا ، أو قداس المؤمنين) بوجود صلاة تمهيدية تُعرف باسم ” صلاة الصلح ” وفى هذه الصلاة التى يبدأ بها القُداس الغريغورى يوجد تعليم رئيسى عن الخلاص وهو يتعلق بظهور الرب بالجسد ، وهذا التعليم تتميز به كتابات الآباء الشرقيين بنوعٍ خاص. وقد أُطلق على هذا التعليم تعبير ” الخلاص بالتجسد ” .
[ أيها الكائن الذى كان الدائم إلى الأبد ؛
الذاتى والمساوى والجليس والخالق الشريك مع الآب ؛
الذى من أجل الصلاح وحده كوّنت الإنسان مما لم يكن ؛
ووضعته فى فردوس النعيم ؛
وعندما سقط بغواية العدو ومخالفة وصيتك المقدسة ؛
وأردت أن تجدده وترده إلى رتبته الأولى ؛
لا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا رئيس آباء ولا نبيًا إئتمنته على خلاصنا ؛
بل أنت بغير استحالة تجسدت وتأنست ؛
وشابهتنا فى كل شئ ما خلا الخطية وحدها ؛
وصرت لنا وسيطًا لدى الآب ؛
والحاجز المتوسط نقضته؛
والعداوة القديمة هدمتها ؛
وأصلحت الأرضيين مع السمائيين؛
وجعلت الاثنين واحدًا ؛
وأكملت التدبير بالجسد .. ] [6].
ثانيًا : الشكر
القسم الأول من الصلاة الإفخارستية (والذى دعاه علماء الليتورجيات المحدثين فى بداية هذا القرن ” المقدمة”) هو جزء لا يتجزأ من القداس والذى عُرف منذ القرون الأولى باسم “الشكر” (Eucharistia) . وبعد أن يبدأ القداس الغريغورى بشكر الله من أجل عمله فى الخليقة، ينتقل إلى عمله فى الخلاص مبتدئًا بالعهد القديم . وفى وصف الله المُحب يستخدم عددًا من الصور الكتابية . فهو الراعى الصالح ، والأب المحب، والطبيب الذى يستخدم “كل الأدوية المؤدية للحياة “. فهو الذى أرسل الأنبياء وأعطى الناموس :
[ أنت يا سيدى حولت لى العقوبة خلاصًا ؛
كراعٍ صالح سعيت فى طلب الضال ؛
كأب حقيقى تعبت معى أنا الذى سقط ؛
ربطتنى بكل الأدوية المؤدية للحياة ؛
أنت الذى أرسلت لى الأنبياء من أجلى أنا المريض ؛
أعطيتنى الناموس عونًا ] [7].
وبعد ذكر جميع هذه الوسائل التى استخدمها الله فى العهد القديم لمساعدة البشرية التى سقطت وتعرضت للفساد ، تستطرد الليتورجية فى الحال :
[ أنت الذى خدمت لى الخلاص لما خالفت ناموسك ؛
كنور حقيقى أشرقت لى أنا الذى أخطأت وعشت فى جهل ] [8].
وهنا تعود الليتورجية لتستأنف موضوع ” الخلاص بالتجسد ” الذى بدأته فى صلاة الصلح. ولكن قبل أن ندخل إلى العمق اللاهوتى الذى تبلغ إليه الصلاة هنا ، علينا ان نفهم معنى هذا التعبير من كتابات آباء شرقيين آخرين .
ما هو ” الخلاص بالتجسد ” ؟
هذا التعليم يمثل ركنًا أساسيًا فى مفهوم الخلاص لدى الآباء الشرقيين منذ القرون الأولى. فهو معروف لدى القديس إيريناوس (فى نهاية القرن الثانى)، والقديس أثناسيوس الرسولى، والقديس كيرلس الأسكندرى وغيرهم من الآباء .
لم تكن هناك وسيلة أخرى لخلاص الإنسان كما يقول القديس أثناسيوس : [ ماذا كان ممكنًا أن يفعله الله ؟ وماذا كان ممكنًا أن يتم سوى تجديد تلك الخليقة التى كانت على صورة الله؛ وبذلك يستطيع البشر مرة أخرى أن يعرفوه ؟. ولكن كيف كان ممكنًا أن يحدث هذا إلاّ بحضور نفس صورة الله ـ ربنا يسوع المسيح ؟. أتى كلمة الله بنفسه كى يمكنه وهو صورة الاب أن يخلق الإنسان على هذه الصورة من جديد .. ] [9]. فقد أخذ ابن الله جسدًا قابلاً للموت كى ينتصر فيه على الموت والفساد [10].
وهذه النقطة يشرحها القديس غريغوريوس بأكثر إسهاب ، فى عظته على الظهور الإلهى مستخدمًا نفس ألفاظ الليتورجية . وهناك مغزى عميق لتعرّض القديس لموضوع الخلاص فى عيد الظهور الإلهى، الذى كان فى ذلك الوقت، العيد الوحيد لتذكار التجسد الإلهى أى للميلاد والعماد معًا :
[ كان الإنسان قد نال التأديب بطرق كثيرة .. بالكلمة والناموس والأنبياء ، بالمنافع والإنذارات والأوبئة… وأخيرًا احتاج إلى ترياق قوى لأن علّله قد ازدادت سوءًا .. وإذ احتاجت هذه العِلل إلى خلاص أعظم ، جاء هذا الخلاص العظيم الذى هو كلمة الله نفسه ، الكائن قبل كل الأكوان ، غير المنظور ، غير المفحوص ، غير الجسدى ، بداية كل بداية ، النور الذى من النور ، مصدر الحياة والخلود .. الصورة غير المتغيرة ، كلمة الله ـ جاء إلى صورته ، وأخذ جسدًا من أجل جسدنا ، واتحد بنفس عاقلة من أجل نفسى ، كى يُطْهر المثيل بالمثيل . وصار إنسانًا كاملاً فى كل شئ ما خلا الخطيئة ] [11].
ويجب أن نؤكد هنا أن هذه العلاقة الوثيقة بين التجسد والخلاص التى كانت أحد المعالم الرئيسية لتعليم الآباء ، لم تكن واضحة فى تعليم الآباء الغربيين الذين كانوا يوجهون اهتمامهم بالأكثر إلى الناحية القانونية فى تعليمهم عن الكفارة . ويظهر هذا واضحًا فى تعليم ترتليان فى أوائل القرن الثالث . وقد انقطعت هذه العلاقة تمامًا فى العصور الوسطى حين أدخل أنسلِم أسقف كانتربرى تعليمه عن ” الترضية ” فى أوائل القرن الثانى عشر .
وإذ اتبع أنسلِم المبادئ القانونية المعروفة فى عصره، خَلُص إلى أن الترضية المطلوبة يجب أن يوفيها الإنسان ؛ وبذلك كان تعليمه، أن هذه الترضية قام بها المسيح كإنسان . فذبيحة المسيح التى قام بها كإنسان (حسب تعليم أنسلِم) هى تقدمة لله من جانب الإنسان على الأرض ، هى عمل بشرى للترضية . وواضح أن هذا يُناقض تمامًا تعليم الآباء الذين يتحدثون عن الله الذى تجسد ودخل إلى عالم الخطية والموت ، كى يغلب الأعداء الذين يستعبدون الإنسان ويقيدونه. وبذلك فإن الله نفسه هو الذى أتم العمل الخلاصى [12].
وبسبب تمسك المسيحيين الغربيين بضرورة قيام الإنسان بالترضية (لإيفاء العدل الإلهى حقه) أصبحت أى وسيلة أخرى لعلاج البشرية الساقطة تعنى تساهل الله وعدم عدله . وحسب هذه النظرية يجب أن يأخذ الله الترضية التى بدونها تصير المغفرة تساهلاً ؛ وهذه الترضية تمت بموت المسيح . على العكس من ذلك، نرى الآباء يعلمون بأن عمل الكفارة الذى عمله الله فى المسيح، هو تدبير إلهى يختلف تمامًا عن النظام القانونى . فالكفارة لا تقوم على أساس اتمام مطالب العدل حسب القوانين البشرية ولكنها أسمى منها. ومشكلة الإنسان لم تكن فى محاولة تقديم ترضية للآب الغاضب ، بل هى ـ كما ذكر الآباء مرارًا وتكرارًا ـ فى كيفية القضاء على الخطية والموت [13].
الإخلاء (Kenosis)
يتضمن عمل السيد المسيح فى الخلاص عدة مراحل . غير أن مجرد إخلائه لذاته ليأخذ جسدًا بشريًا يعتبر عملاً خلاصيًا فى حد ذاته ، كما يوضح القداس الغريغورى ، مستخدمًا كلمات الرسول فى (فى7:2) ” .. أخلى نفسه آخذًا صورة عبد .. ” إذ يقول :
[ أيها الغير المُحوى إذ أنت الإله لم تضمر اختطافًا أن تكون مساويًا لله ،
لكن أخليت ذاتك وأخذت شكل العبد ،
وباركت طبيعتى فيك ] [14].
والقديس غريغوريوس يعالج الموضوع نفسه فى عظته على الظهور الإلهى :
[ وهو الكامل أخلى ذاته ، إذ أنه أخلى نفسه من مجده لفترة قصيرة حتى يكون لى نصيب من ملئه . فيا لغنى صلاحه! ويا للسر المحيط بى ! لقد كان لى نصيب فى الصورة الإلهية ولم أحفظها . وها هو يشاركنى الجسد كى ينقذ الصورة ويهب الخلود للجسد ] [15].
ويوضح القديس أثناسيوس كيف تباركت البشرية كلها بمجرد تجسد ابن الله بالمثال التالى:
[ كما أنه إذا دخل ملك عظيم إلى مدينة كبيرة ، وسكن فى أحد بيوتها ، فإن مثل هذه المدينة تصير مستحقة لشرف عظيم فى جميع الأحوال ] [16].
ماذا يعنى تعبير ” الخلاص بالتجسد ” ؟
نرى فى تعليم الآباء الشرقيين أن خلاصنا هو فى قصد المسيح منذ الأزل، منذ وجوده فى حضن الآب إلى ميلاده ومعموديته وتعليمه وصلبه وقيامته وصعوده ومجيئه الثانى [17]. وعندما يذكر القداس الغريغورى أعمال المسيح على الأرض ، فإنه يستخدم الصور الآبائية القديمة التى تصف الرب بأنه المخلص والمعلم والغالب والتقدمة (أو الذبيحة) . ونلاحظ أن الليتورجية تجعل هذه العقائد الإيمانية مجالاً للتأمل وشكر الله وتمجيده من أجل عمله الخلاصى ، ذلك العمل الذى يبلغ ذروته فى سر الفصح الذى هو صلب المسيح وموته وقيامته . وإذ تستخدم الليتورجية فى هذا، كلمات إشعياء النبى فى أناشيد العبد المتألم (إش6،5:50)، فإنها تتبع تعليم الآباء الشرقيين، بأن المسيح كان فى ذلك ممثِلاً للبشرية وليس بديلاً عنها :
[ احتملت ظلم الأشرار ،
بذلت ظهرك للسياط ،
وخداك أهملتهما للطم ،
لأجلى يا سيدى لم تَرُد وجهك عن خزى البصاق .
أتيت إلى الذبح مثل حمل حتى إلى الصليب ،
أظهرت عظم اهتمامك بى ،
قتلت خطيتى بقبرك ،
أصعدت باكورتى إلى السماء .
أظهرت لى إعلان مجيئك .. ] [18].
ثالثًا : التذكار (الأنامنسيس) ” Anamnesis ”
تنتقل الليتورجيا من الشكر إلى التقديس والتذكار، حيث لا تستطيع أن تحصر ما تذكره الكنيسة وتعيشه فى الإفخارستيا ، والذى يلخصه الكاهن قبل صلاة حلول الروح القدس ذاكرًا مراحل عمل المسيح الخلاصى :
[ فإذن يا سيدنا فيما نحن نصنع ذكرى نزولك على الأرض ،
فى الذكرى (anamnesis) تعيش الكنيسة كل تاريخ الخلاص من التجسد إلى المجىء الثانى . وهذا يختلف تمامًا عن تعليم اللاهوت المدرسى الغربى الذى إذ يُقصر مشكلة البشرية على ناحيتها القانونية ، وهى دفع الدين وترضية الغضب الإلهى ، يعتبر الصليب نهاية عمل الرب الخلاصى بقوله “قد أُكمِل” (يو30:19). أما فى الكتاب المقدس وتعليم الآباء، فإننا نرى السيد المسيح هو مُمثل البشرية ورئيس كهنتها الذى قدم ذاته من أجلها، وقهر الشيطان وأبطل الخطيئة والموت. وإذ هو رئيس خلاصنا فقد صعد إلى السموات، وجلس (بجسده البشرى) عن يمين العظمة فى الأعالى . وسوف يأتى ثانية ” للخلاص للذين ينتظرونه ” (عب24:9). كل هذا تقوله الليتورجيا وتعيشه الكنيسة فى ” الأنامنسيس ” .
رابعًا : صلاة القسمة
وبعد ” الأنامنسيس ” وحلول الروح القدس تأتى الطلبات وتليها صلاة القسمة التى تُختم بالصلاة الربانية. وصلوات القسمة تنفرد بها القداسات القبطية ، وهى تختلف من قداس لآخر ومن مناسبة لأخرى. ولكن هدف كل صلوات القسمة هو إعداد الكنيسة للشركة المقدسة ، وهى تحوى تعاليمًا لاهوتية مختلفة . وصلاة القسمة فى القداس الغريغورى تخاطب الابن وتدعوه ” مخلص الكنيسة ” وتركز الكلام على الأسرار المقدسة التى عن طريقها يصل الخلاص الذى صنعه الرب إلى كل مؤمن، وفى ذلك تؤكد أن المعمودية والإفخارستيا تنبعان مباشرة من التجسد ومن الصليب :
[ مبارك أنت أيها المسيح إلهنا ضابط الكل مخلص كنيستك ! أيها الكلمة المتجسد ، الذى من قِبَل تجسدك غير المُدْرك أعددت لنا خبزًا سمائيًا ، جسدك المقدس هذا السرى والمقدس فى كل شئ.
مزجت لنا كأسًا من كرمة حقيقية التى هى جنبك الإلهى غير الدنس .
هذا الذى من بعد أن أسلمت الروح فاض لنا منه دم وماء ،
هذان الصائران طهرًا لكل العالم ..
أنت من أجل تحننك الجزيل جعلتنا كلنا أهلاً للبنوة بالمعمودية المقدسة .. ] [19].
بهذه الكلمات القليلة تسجل الليتورجية دور الأسرار فى الخلاص . ففى المعمودية والإفخارستيا نصير أبناء الله، وننال نعمة الشركة فى الحياة الإلهية التى كانت هدف الخليقة منذ البدء، وصارت الآن الغاية القصوى للخليقة الجديدة . ويؤكد القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات أن المعمودية هى الوسيلة الأولى التى يستخدمها الروح القدس كى يصل عن طريقها عمل المسيح لتأليه (Theosis) الإنسان ، فيقول : [ إذا لم يكن الروح القدس إلهًا نعبده، فكيف يمنحنا التأليه فى المعمودية؟]، كما يقول أيضًا [ كيف لا يكون الروح هو الله وهو الذى يقودكم إلى الله ] [20].
كذلك يشرح القديس غريغوريوس النيزينزى من ناحية أخرى، كيف أن الإفخارستيا تمحو الفساد الذى أدخلته الخطية للإنسان ، وبذلك تصير واسطة لنوال نعمة التأليه :
[بظهور الله اتحد بالطبيعة القابلة للموت ، كى تكون شركة الطبيعة البشرية مع الله وسيلة لمنحها نعمة الخلود معه . من أجل هذا كان تدبير النعمة الإلهية أن يتحد هو نفسه بالمؤمنين بواسطة هذا الجسد والدم اللذان من الخبز والخمر . وإذ يتحد بأجساد المؤمنين يصير الإنسان أيضًا خالدًا باتحاده مع الخالد ] [21].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] هذا البحث قُدم فى الدورة السنوية الثالثة عشر للجمعية الأمريكية لدراسات الآباء المُنعقد فى مدينة شيكاغو فى الفترة من 28ـ30 مايو 1998.
[2] Dix G: Shape of the Liturgy. London: Black, 1945: 180.
[3] Evelyn White HE: The Monasteries of the Wadi ‘N Natrun. Part I: New Coptic Texts from the Monastery of Saint Macarius. New York, 1926: 200-213.
[4] Furman JE: The Coptic Liturgy of Saint Gregory. In: Coptic Church Review, 1987: 16
[5] Ibid, 17.
[6] The Liturgies of St. Basil, St. Gregory, and St. Cyril (translated from a Coptic Manuscript of the 13th century), London: Rivingtons, 1870: 2.
[7] Ibid. 3
[8] Ibid.
[9] Athanasius: Incarnation of the Word (Inc.), 13:7. (NPNF, second series, vol.4).
[10] Inc. 13:7,8 (NPNF, op. cit. 43).
[11] Oration 38. On the Theophany: 13 (NPNF, second series, vol. 7: 348-9).
[12] Gustaf Aulen: Christus Victor. London :S.P.C.K., 1961: 103, 104.
[13] Ibid. 105-119.
[14] The Liturgies of St. Basil, St. Gregory, and St. Cyril, op. cit., 3& 4.
[15] On the Theophany: 13, op.cit.
[16] Inc. op. cit. 9:3.
[17] Bebawi G: St. Athanasios: The Dynamics of Salvation. In Sobornost, London, 1986: 8:2:29.
[18] The Liturgies of St. Basil, St. Gregory, and St. Cyril, op. cit., 4.
[19] Ibid, 8.
[20] Winslow, op. cit., 133. The quotations are from Gregory , Orations 40:42 respectively, and 31:8.
[21] Or. cat. 37. Translated in The Later Christian Fathers by H. Bettenson. London: Oxford University Press, 1970: 163.
التعليم عن الخلاص في القداس الغريغوري – د. رودلف مرقس يني
التعليم عن الخلاص للقديس كيرلس رئيس أساقفة الأسكندرية
التعليم عن الخلاص للقديس كيرلس رئيس أساقفة الأسكندرية
التعليم عن الخلاص للقديس كيرلس رئيس أساقفة الأسكندرية
د. ميشيل بديع عبد الملك غطاس
(الحلقة الثانية)
تحدثنا فى الحلقة الأولى[1] فى موضوع “المسيح وسيط الخلاص” كأحد تعاليم القديس كيرلس الأسكندرى عن الخلاص, وركزنا حديثنا حول “يسوع المسيح الإله المتجسد”. ورأينا أن “كلمة الله الأزلى” (LÒgoj) له طريقة إعلان جديدة من خلال التجسد وهى الاتحاد بالطبيعة الإنسانية الكاملة دون استحالته إلى الناسوت أو استحالة الناسوت إلى اللاهوت:
[ لأن الله المتحد بالناسوت بصورة لا ينطق بها قد حفظ الناسوت بصفاته الخاصة وهو نفسه (أى كلمة الله) بقى إلهاَ كما كان, غير أنه من بعد الاتحاد يعتبر واحداَ مع ناسوته لأنه اقتنى لنفسه ما لهذا الناسوت كما أشاع فى هذا الناسوت أيضًا قوة طبيعته “الإلهية” الخاصة].[2]
ففى تجسد كلمة الله الأزلى احتفظ “اللوغوس” فى خروجه من حضن الآب بنفس علاقته الأزلية بالآب وبالروح القدس.
كما تحدثنا أيضًا عن المسيح “آدم الثانى” باعتباره الأصل الثانى للجنس البشرى بعد سقوط آدم الأول, حيث استعرضنا مقارنات القديس كيرلس بين كل من طبيعة آدم الأول وآدم الثانى من حيث الاختلافات الجوهرية بينهما:
[المسيح هو “الأصل” (`r…za) الثانى للجنس البشرى والبداية الجديدة للبشرية التى ترجع بواسطة التقديس إلى كمالها الأول][3]؛ [لذلك يدعى المسيح آدم الثانى لأنه استطاع أن يوصل إلى طبيعتنا كل نعم السعادة والخلود والمجد, وذلك بالمثل كما استطاع آدم (الأول) أن يوصل إلى طبيعتنا لعنة الفساد والمذلة][4].
فى هذا المقال نستكمل حديثنا عن “المسيح وسيط الخلاص” ونتكلم عن النقطة الثانية :
II. يسوع المسيح الوسيط بين الله والبشر
1 ـ طبيعة ” وساطة ” المسيح
يتكلم القديس كيرلس عن أن موسى وإرميا وأنبياء آخرون من العهد القديم كانوا وسطاء بين الله والناس, حيث كانوا وسطاء بحكم الوظيفة, أما المسيح يعتبر “الوسيط الوحيد”[5] بحسب تعاليم القديس بولس الرسول: ” لأنه يوجد اله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح” (1تى2: 5)؛ وتبعاَ لذلك فإن وساطة المسيح مختلفة عن وساطة الأنبياء:
[ أما من جهة الوساطة, فقد كان موسى فى القديم صورة للمسيح, من حيث أنه استخدم (بشكل كامل) العطايا الإلهية التى مُنحت لشعب إسرائيل. ومع ذلك فإن وساطة موسى لم تكن سوى وساطة خادم, أما وساطة المسيح فقد كانت على العكس تتسم بالحرية وبعمق أكبر][6].
يمكننا أن نفهم وساطة المسيح فى أنها تنحصر فى مصالحة الإنسانية الخاطئة مع الله من خلال محو السيد المسيح للخطية, ولكن القديس كيرلس يرى أن فى وساطة المسيح معنى أعمق من حيث إنه جمع الطبيعة البشرية بالطبيعة الإلهية فى طبيعته وأقنومه الواحد وأصبح بذلك رباط الاتحاد بين البشرية واللاهوت:
[ هو الابن الوحيد والكلمة كمولود من الله والآب, وهو البكر بين اخوة كثيرين (رو8: 29) لأنه صار انسانًا, ولقب “بالابن الوحيد” الذى هو لقب خاص باللوغوس يطلق أيضاَ على اللوغوس متحداَ بالحسد. ونفس الأمر مع لقب “البكر” فهذا اللقب لم يكن لقبه قبل التجسد ولكنه صار لقبًا له بعد التجسد. وهو وسيط بهذا المعنى: إنه جمع ووحد فى شخصه أمورًا متباعدة فيما بينها, وهى اللاهوت والناسوت, الله والإنسان, وربطهما بوساطته بالله الآب لأنه واحد مع الآب فى الطبيعة لأنه يوجد فيه ويحيا فيه. وهو واحد مع البشر فى الطبيعة لأنه خرج من بينهم, وهو حاضر وسطهم, وذلك لأنه ليس غريبًا عنا فيما يخص إنسانيته وهو عمانوئيل الذى شابهنا فى كل شئ ما خلا الخطية][7].
من خلال بنية المسيح من اللاهوت الكامل والناسوت الكامل نفهم معنى وساطة المسيح, فهو الإله المتأنس الذى من جهة يكون مساويًا لنا بحسب الجسد, ومن جهة أخرى يكون مساويًا للآب بحسب اللاهوت. لهذا صار وسيطًا بين الله والإنسان لأنه وحد فى شخصه طبيعتين مختلفتين وأصبح بذلك “حلقة وصل” (meqÒrion) بين البشرية والألوهية المتباعدتين الواحدة عن الأخرى بعدًا لانهائيًا:
[ نحن نتحد بالآب بواسطة المسيح كما بوسيط وكأنه هو “حلقة الوصل” (meqÒrion) بين اللاهوت الفائق السمو وبين الناسوت, من حيث أن له الاثنين فى كيانه وكأنه يجمع داخل نفسه الذين تباعدوا بمثل هذا القدر, لأنه متحد من جهة بالله الآب نظراَ لأنه هو نفسه الله بحسب الطبيعة, ومن جهة أخرى متحد بالناس نظراَ لأنه بالحقيقة قد صار إنسانًا][8].
لقد كان للسيد المسيح ـ فى التجسد ـ القدرة على أن يجتاز ضعفات الطبيعة البشرية ويتمم عمل الخلاص[9] ويرفع الطبيعة البشرية المتحدة به:
[ كما أن الحديد إذا قربناه من نار شديدة يكتسب للوقت مظهر النار ويشترك فى صفات ذلك العنصر الغالب, هكذا أيضاَ طبيعة الجسد التى اتخذها لنفسه اللوغوس غير الفاسد والمحيى لم تبقَ على حالها الأول بل قد انعتقت من الفساد والفناء وسادت عليهما][10]؛ [لقد وضع نفسه لكى يرفع إلى رفعته الخاصة ما هو وضيع بحسب الطبيعة, ولبس صورة العبد مع كونه بحسب الطبيعة هو الرب وهو الابن، لكى يجعل الذى هو عبد بالطبيعة شريكا فى مجد التبنى الذى يشبه مجده الخاص, فقد صار مثلنا ـ أى إنسانا ـ لكى يجعلنا مثله ـ أى أبناء ـ وهكذا أخذ لنفسه خاصة ما هو لنا وأعطانا عوضا عنه ما هو له][11].
لقد تسمى المخلص بـ “عمانوئيل” الذى تفسيره “الله معنا”, ليس بمعنى أنه سيكون عاملاً معنا ومساعدًا لنا, بل إنه سيكون حاضرَا معنا أى واحدًا منا. لأن كلمة الله قد صار إنسانًا وفيه قد خلصنا جميعا وحطم رباطات الموت وخلصنا من فساد الخطيئة، حيث أن كلمة الله وهو فى صورة الله قد نزل إلينا وصار معنا[12]؛ لذلك لم يشأ الابن الوحيد أن يأتى إلينا فى مجده الإلهى بل صار مثلنا وأصبح وسيطا بين الله والناس من أجل أن يربى البشرية على معرفة إرادة الله[13].
ولكن كيف يكون عمانوئيل واحدًا؟
يجيب عن هذا السؤال القديس كيرلس الأسكندرى فى كتاب شرح تجسد الابن الوحيد:
[ قيل عن الله الكلمة مرة واحدة وإلى الأبد وفى آخر الدهور أنه صار إنسانا كما يقول بولس: “ظهر بذبيحة نفسه” (عب26:9) وما هى هذه الذبيحة؟ هى جسده الذى قدمه كرائحة بخور ذكية لله الآب. فقد دخل مرة واحدة إلى الأقداس, ليس بدم ماعز وتيوس بل بدم ذاته (عب 12:9). وهكذا حصل للذين يؤمنون به فداء أبديا. وكثيرون قبله كانوا قديسين ولكن ليس واحد منهم دعى عمانوئيل لماذا؟ لأن الوقت لم يكن قد حان بعد ليكون هو معنا أى أن يجيء إلى طبيعتنا عندما يتجسد, وذلك لأنه أسمى من كل المخلوقات. واحد إذا هو عمانوئيل لأنه هو الابن الوحيد الذى صار إنسانًا عندما وُلِدَ جسديًا من العذراء القديسة. لقد قيل ليشوع: “سأكون معك” (5:1), ولكن (الله) لم يُدع فى ذلك الوقت عمانوئيل. وكان قبل ذلك مع موسى ولم يدعى عمانوئيل لذلك عندما نسمع (اسم) عمانوئيل: “معنا الله” الذى أعطى للابن, فلنعتقد بحكمة أنه ليس معنا كما كان فى الأزمنة السابقة مع القديسين لأنه كان معهم كمعين فقط ولكن هو معنا لأنه صار مثلنا دون أن يفقد طبيعته لأنه هو الله غير المتغير][14].
2 ـ العمل الكهنوتى للوسيط
يؤكد القديس كيرلس الأسكندرى على أن المسيح كان ينوب عن البشرية كلها أمام الآب كرئيس كهنة استنادًا إلي تعاليم القديس بولس الرسول فى رسالته إلى العبرانيين. لذلك نجد أنه يذكر الآتى فى “الحرم” العاشر من الحرومات الاثنى عشر التى أرسلها إلى نسطور بطريرك القسطنطينية فى الرسالة الثالثة:
[ يقول الكتاب المقدس إن المسيح هو رئيس كهنة ورسول اعترافنا (عب3: 1), وأنه قدم نفسه من أجلنا رائحة طيبة لله الآب. لذلك فمن يقول أن رئيس كهنتنا ورسولنا ليس هو نفسه الكلمة الذى من الله حينما صار جسدًا وإنسانًا مثلنا, بل أن هذا الإنسان المولود من المرأة هو آخر على حده غير كلمة الله, أو من يقول أنه قدم نفسه كذبيحة لأجل نفسه أيضًا وليس بالحرى لأجلنا فقط (فهو لا يحتاج إلى ذبيحة لأنه لم يعرف خطية), فليكن محرومًا][15].
مثلما الوظيفة الكهنوتية هى عبارة عن “وظيفة” “وسائطية” لذلك نجد أن وظائف الوسيط تتركز فى عمله الكهنوتى. لأن العمل الكهنوتى يجعل الله والخليقة فى اتصال تبادلى فائق للطبيعة لأن المسيح منذ البدء دعى كاهن بحسب تدبير الله الآب لخلاص الجنس البشرى بحسب تعاليم القديس بولس الرسول فى رسالته إلى العبرانيين: “ ولا يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من الله كما هرون أيضًا. كذلك المسيح أيضًا لم يمجد نفسه ليصير رئيس كهنة بل الذى قال له أنت ابنى أنا اليوم ولدتك” (عب4:4ـ5), حيث يقول القديس كيرلس فى المقالة الأولى من كتاب السجود والعبادة بالروح والحق:
[ فكلنا قد دعينا إلى الحرية بواسطة إيماننا بالمسيح, وقد افتُدينا من الشيطان الطاغية والمسيح يقودنا إلى هذه الحرية، ولقد كان موسى وهارون مثالاً سابقًا للمسيح, حتى تدرك يا بلاديوس أن عمانوئيل حسب التدبير, هو المشرع ورئيس الكهنة والرسول][16].
فالمسيح كرئيس كهنة يكون أيضًا معلمًا وملكًا حيث إن له مجد داود بمعنى السلطة والسيادة على إسرائيل أى المؤمنين[17].
ويقول القديس كيرلس عن كهنوت المسيح فى شرحه لإنجيل يوحنا:
[ حيث إنه الآن رئيس كهنة, حيث صار إنسانًا, فقد قدم لله الآب ذاته كذبيحة بلا عيب عن حياة الكل, ومن حيث أنه بكر (الإنسانية) يكون متقدماَ فى كل شئ كما يقول القديس بولس الرسول (كو1: 18). فهو يقدم الجنس البشرى مطهرًا إياه بدمه ومغيرًا إياه بواسطة الروح القدس إلى جدة الحياة][18].
فى هذا النص نرى كيف أن المسيح يكون نائباَ عن الجنس البشرى حيث قدم ذاته ذبيحة, وكيف أن هذه الذبيحة لم تنتهِ (غير نهائية).
ملخص عام
نستطيع أن نقول إن وساطة المسيح بحسب تعاليم القديس كيرلس لها وجهان:
1 ـ التكفير والمصالحة مع الآب حيث أنه رفع الخطية التى كانت تفصل بين الله والناس وبسبب أنه رئيس كهنة فقد قدم نفسه ذبيحة لله أبيه.
2 ـ الاتحاد بالله حيث اجتمعت إليه واتحدت فى شخصه الواحد الطبيعتان الإلهية والبشرية لتكوَّنا وحدة واحدة ليُصَيِّر الإنسان شريكاَ للطبيعة الإلهية. وهذا السر الذى حدث فى المسيح هو بداية ووسيلة اشتراكنا فى الروح واتحادنا بالله.
1 أنظر ميشيل بديع: “التعليم عن الخلاص للقديس كيرلس رئيس أساقفة الأسكندرية”(1), فى: دراسات آبائية ولاهوتية السنة الثانية، (العدد الثالث) 1999, إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية بالقاهرة, صفحات 22-29.
2 جميع الاقتباسات فى هذا البحث هى من كتابات القديس كيرلس الأسكندرى, لذلك سنشير فقط إلى أعماله بحسب مجموعات الأباء اليونانية PG.
تعاليم فى تجسد الابن الوحيد (PG 75,1377 D)
3 تفسير إشعياء (PG 70,588)
4 شرح إنجيل يوحنا 14:1 (PG 73,161)
5 كتاب الكنز 32 (PG 75,504B)
6 شرح إنجيل يوحنا (PG 73,429B)
7 حوار حول الثالوث 1 (PG 75,692F.)
8 شرح إنجيل يوحنا 14:10 (PG 73,1045C)
9 عن الإيمان الصحيح, المقالة الثانية 37 (PG 76,1385C)
10 العظة الفصحية 17 (PG 77,785D-788A)
11 شرح إنجيل يوحنا 17:20 (PG74,700AB)
12 شرح إنجيل يوحنا17:20 (PG 73,844C-D)
13 حوار حول الثالوث (PG 75,853A)
14 شرح تجسد الابن الوحيد (PG 75,1377 D)
15 الرسالة 17 (PG 77758f.)
16 السجود والعبادة بالروح والحق 11:1 (PG 68,728 B) المقالة الأولى، ترجمة ومراجعة وإصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ديسمبر 2001، ص71.
17 الرسالة 55 (PG 77,309) ؛ أنظر رسائل القديس كيرلس الجزء الرابع، الرسالة 55 ص 39، 40، ترجمة وإصدار مركز دراسات الآباء 1997؛ أنظر أيضًا: إشعياء22: 20-24 (PG 70,517 B) ؛ زكريا 6: 9-15 (PG 72,93)