ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

مقدمة

هل ترجم الإنجيل (والكتاب المقدس بعهديه) إلى اللغة العربية، قبل الإسلام أم بعده؟ سؤال شغل الكثيرين من الباحثين ماضيا وحاضرا، وما زال يطرحه المعاصرون من العاملين في هذا الميدان. حقا، هذا الموضوع شائك، وقد تضاربت الآراء فيه. نحاول بهذه الإلمامة المتواضعة أن نوضح هذه المشكلة.

آراء متنوعة

من المعلوم أنه لم تصل إلينا أي ترجمة عربية سابقة للإسلام، إلا أن هذا الواقع ليس دليلا على عدم ترجمة الكتاب المقدس في الجاهلية؛ وإليك عرض سريع لأهم الآراء:

الأب لويس شيخو اليسوعي، دافع عن وجود ترجمة للكتاب في الجاهلية، مؤيدا رأيه بأدلة عديدة[1]، وتبعه عبد المسيح المقدسي في مقال قيم ظهر في مجلة المشرق البيروتية[2]. ثم نشر المستشرق أنطون باو مشتارك عددا من المقالات ابتداء من العام ۱۹۲۹ حتى ۱۹۳۸ لإثبات الرأي نفسه.

أما جورج غراف الألماني، فقد أثبت أن الترجمات العربية التي وصلت إلينا لا ترجع إلى أيام الجاهلية. ولكنه يفترض وجود ترجمة عربية للكتاب المقدس (أو الأجزاء منه) قبل الإسلام.

ثم ذكر ألفريد غليوم نضا من «السيرة النبوية» لإبن إسحق يستدل به على وجود ترجمة عربية لإنجيل يوحنا في بداية القرن السابع الميلادي.

وعالج آرثر فويس الموضوع باختصار، فتوصل إلى النتيجة ذاتها التي كان قد توصل إليها جورج غراف وكذلك فعل رابين في مقاله، عن «اللغة العربية التي كتبها لدائرة المعارف الاسلامية الجديدة. فأكد أن بعض أجزاء الكتاب المقدس كانت متداولة في الجاهلية، وأن واضعها من النصارى لا اليهود. وقدم جوزيف هنجر نظرة سريعة عن بعض الآراء، وأيد أخيرا رأي جورج غراف.

ثم جاء يوشع بلاو فأنكر وجود ترجمة عربية للكتاب المقدس سابقة للإسلام، اعتمادا على أدلة لغوية، وردا على أنطون بو مشتارك.

بعد هذا العرض لأهم الآراء نرى أن نختمه بتقديم رأي الدكتور جواد علي، لإحاطته موضوع الجاهلية فيقول:

ويظهر من بعض روايات الإخباريين أن بعض أهل الجاهلية كانوا قد اطلعوا على التوراة والإنجيل، وأنهم وقفوا على ترجمات عربية للكتابين. أو إن هذا الفريق كان قد عرب بنفسه الكتابين كلا أو بعضا، ووقف على ما كان عند أهل الكتاب من كتب في الدين، فذكروا مثلا أن ورقة بن نوفل: «كان يكتب الكتاب العبراني، ويكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب». وقالوا: «وكان أمرؤ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي من الإنجيل ما شاء الله أن الكتاب المقدس واللغة العربية يكتب». وذكروا مثل ذلك عن أمية بن أبي الصلت. فقالوا: إنه كان قد قرأ الكتب المقدسة، وقالوا مثل ذلك عن عدد من الأحناف.[3]

وبعد ذكر هذه الأمثلة، أبدى المؤلف رأيه قال:

ولا يستبعد وجود ترجمات للكتاب المقدس في الحيرة. ولما عنها من تقدم في الثقافة وفي التعليم والتعلم، ولوجود النصارى المتعلمين فيها بكثرة. وقد وجد المسلمون فيها حينما دخلوها عددا من الأطفال يتعلمون القراءة والكتابة، وتدوين الأناجيل؛ وقد برز نفر منهم وظهروا في علوم اللاهوت، وتولوا مناصب عالية في سلك الكهنوت في مواضع أخرى من العراق، فلا غرابة، إذا ما قام هؤلاء بتفسير الأناجيل وشرحها للناس للوقوف عليها، ولا يستبعد تدوينهم لتفاسيرها أو لترجمتها، لتكون في متناول الأيدي، ولا سيما بالنسبة إلى طلاب العلم المبتدئين، ولا يستبعد أيضا توزيع بعض هذه الترجمات والتفاسير إلى مواضع أخرى لقراءتها على الوثنيين وعلى النصارى للتبشير.[4]

ونحن إذ نؤيد رأي الدكتور جواد علي ونحبذه، نقول بهذا الصدد:

إن عدة قبائل من العرب أخذت تدين بالنصرانية منذ أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع، بعضها في العراق کالعباديين، وبعضها في بادية الشام كغسان، وبعضها في اليمن والحجاز كبني الحرث (الحارث) وأهل نجران [5]

افلا يقبل العقل أن هذه القبائل العديدة بقيت نحو مائتين وثلاثمائة سنة دون أن يطلع أصحابها على الأناجيل في اللغة العربية. أفليس عن بني غسان وإنجيلهم قال النابغة:

“بمجلتهم ذات الإله ودينهم قويم فلا يرجون غير الوقوف”.

ومن هذه الدلائل أيضا ما جاء في شعر بعض الأقدمين أمية بن أبي الصلت، وعدي بن زيد، وغيرهما من شعراء النصرانية في الجاهلية؛ فإنك ترى في دواوينهم إشارات واضحة إلى نصوص من الإنجيل بل قطع مطولة من التوراة والإنجيل.

وكذا جاء عن البراق أنه كان تعلم تلاوة الإنجيل على أحد الرهبان.[6] وفي سيرة ابن هشام نصوص أخرى من الإنجيل بالعربية نقلها ابن هشام عن محمد بن إسحق. وتراه هناك قد استشهد بالآية الواردة في إنجيل يوحنا (15: 26) على هذه الصورة: “فلو قد جاء المْنَحْمَنَا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب وروح القسط، الخ”؛ وفي لفظتي “مْنَحْمَنَا و «روح القسط» ما يدل على أن الترجمة العربية التي يشير إليها نقلت عن النسخة السريانية الفلسطينية.

ومن البراهين المقنعة أيضا أن القرآن ذكر الإنجيل مرارا، وقال عنه إن فيه نورا وهدى؛ ففي إشارته إلى الإنجيل ومضمونه دليل بين على أن هذا الكتاب كان معروفا عند العرب منقولا إلى لغتهم.[7]

على أن هذا التعريب القديم للإنجيل المقدس أخذته يد الضياع لما شاعت بعد ظهور الإسلام ترجمات محكمة. وأول نقل جاء ذكره في التاريخ أثبته ابن العبري (1226 – 1286) في تاريخه الكنسي بالسريانية، فروى هناك أن الأمير عمرو بن سعد بن أبي وقاص أرسل فاستقدم إليه البطريرك يوحنا (۱۳۱ – 64۹)، وأمره بأن ينقل له الإنجيل إلى العربية بشرط أن يحذف منه ما يختص باسم المسيح الاله والعماد والصليب. فأجابه يوحنا أنه يفضل الموت على أن يترك منه ياء أو نقطة، فلما رأى عمرو عزيمته قال: «اذهب واكتب ما تشاء». فترجمه بمساعدة من بني لحم المسيحيين.[8]

تنامي حركة التعريب قبل الإسلام

ومضى المسيحيون في حركة تعريب كتابهم المقدس إلى اللغة العربية – منذ انتشار المسيحية بينهم في القرن الرابع – ومن بينها الترجمة التي وضعت في نهاية القرن التاسع الميلادي، وقد استشهد بهذه الترجمة الجميلة الامام الزيدي أبو القاسم الطبطبائي في رده على النصارى.

وإذا اعتبرنا وعرفنا أن من أهم شعائر الدين المسيحي في كنائس المشرق وأحبها إلى الشعب كان أن تقرأ كل يوم مساء وصباحا، وإلى يومنا هذا، قطع من الكتب المقدسة[9]، وأن هذه العادة كانت قديمة عندهم، فيجوز لنا أن نفترض أن الحاجة الكنائسية اضطر رؤساء الدين المسيحي في البلاد العربية إلى نقل، ولو هذه القطع فقط، إلى لغة الشعب من يوم أصبح للعرب بيع يقيمون فيها صلواتهم وطقوسهم الدينية، و إلا اضطررنا أن نفرض أن هذه الطقوس وتلك القراءات كانت تقام وتقرأ[10] في بيعهم وبيوتهم وأديرتهم في إحدى اللغات الأجنبية، وهذا محال لا يقبله العقل ولا يتفق مع الشواهد العقلية.

على أن البيع والأديرة والصوامع إلى غير ذلك من بيوت العبادة، لم تقم في كل بلدة أو قرية دخلتها النصرانية من بلاد العرب، إما لقلة من دخل في النصرانية في بعض المدن والقرى، أو لفقر أهاليها وتفرق كلمتهم وآرائهم الدينية بين کسائية وأبيونية وأريوسية وصابئية وحنيفية ونسطورية ونصرانية[11]، وإما لأسباب أخرى بجهلها. إلا أن هذه العراقيل لم تكن لتمنع أصحاب النحل المسيحية وأهل التقوى والعبادة منهم أن يؤلفوا حلقات دينية كانت تجتمع في بيوت الخاصة لقراءة بعض الكتب والأسفار المزورة التي شاعت بين العرب خاصة، أو كتب أخرى منقولة عن السريانية واليونانية.

ويؤيد هذا الفكرة ما نعرفه عن حلقة الحنيفيين في مكة الذين عناهم محمد، كما يخال لي، في سورة النحل (آية 45) حيث سماهم أهل الذكر»، والذين كان محمد يتردد إليهم قبل إظهار دعوته[12] ليسمع قراآتهم، ويشترك معهم في إعتكافاتهم الدينية، وتلاوتهم للكتب المنزلة أو المزورة. فقد ذكر صاحب الأغاني عن ورقة بن نوفل، أحد هؤلاء الحنيفيين وابن عم خديجة زوج محمد الأولى، “أنه كان أمرا تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء أن يكتب”.

وقد جاء في مروج الذهب: «وكان ورقة قرأ الكتب ورغب عن عبادة الأوثان، ولم يذكر أسماء الكتب التي كان يقرأها، وهل كانت عربية أو عبرانية، كما قد يؤخذ من عبارة صاحب كتاب الأغاني، على أننا نعتقد أنها كانت عربية مكتوبة بأحرف عبرانية، كما يجب أن تفهم عبارة الأغاني، إن لم يكن وقع فيها تحريف، وحجتنا على ذلك أن العرب كانوا – قبل أن تشيع بينهم الأحرف النبطية – يكتبون بأحرف عبرانية أو سريانية أو يونانية، وأن صحيحي البخاري و مسلم اللذين نرجح أن صاحب الأغاني أخذ عبارته عنها لم يذكروا العبرانية بل العربية، وهذه عبارة البخاري بنصها: «وكان ورقة امرءًا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء أن يكتب.

فإذا صح هذا الافتراض، جاز لنا أن نستنتج منه أن الأناجيل، أو قسما منها، نقلت إلى العربية قبل الإسلام، إذ يصعب علينا أن نسلم بأن نصارى الحيرة وسورية واليمن وشبه جزيرة سينا (الآيلة) وفلسطين ويثرب والطائف يقرأون في كنائسهم وأديرتهم الأناجيل والمزامير وغيرها من كتب العهدين بلغات غير مفهومة، أو لا يقرأونها في هذه اللغات – هذا إن فرضنا أنهم كانوا يقرأونها فيها في بادئ الأمر – زمنا طويلا، وبعد أن شاعت بينهم الأحرف العربية الحاضرة التي صاروا يدونون فيها تاريخ بيعهم وأهم حوادئهم المدنية والكنائسية[13]، وكتاباتهم على أبواب أديرتهم[14]، وضرائحهم.[15]

زد على ذلك ما ذكره أحد المؤرخين من أن ملك الحبشة إيلا إسبيبا، أرسل سنة ۵۲۰ ميلادية إلى إمبراطور بيزنطية قسما من إنجيل لنصارى بحران نجا من الحريق. نعم، إن صاحب هذا الخبر لم يذكر لغة هذا الإنجيل، على أننا – استنادا إلى ما قدمنا من الاعتبارات – نرجح أنها كانت العربية[16]حيث النجرانيون عرب أقحاح.

أما وقد ترجح عندنا أن بعض الكتب المقدسة نقل إلى العربية قبل الإسلام، فطبيعي أن نتساءل عن اللغات التي نقلت عنها هذه الكتب، وعن أسمائها، لعلنا نجد في الجواب عن هذين السؤالين دعامة أخرى ندعم بها أو نقوي فكرتنا الأساسية، التي نحاول تأييدها في هذه العجالة[17].

التعريب بعد الإسلام

بعد الفتح الإسلامي للعراق وبلاد الشام، تعددت الترجمات العربية وانتشرت في كل أنحاء المشرق[18]. وهذه النسخ عديدة، منها نسخة في المكتبة الفاتيكانية، يرقى عهدها إلى القرن الثامن للمسيح، والذين سعوا في هذه الترجمة هم رهبان دير القديس سابا بقرب القدس. وفي ديرهم نسخ قديمة محفوظة فيه حتى الآن، وكذلك في دير الصليب المجاور للقدس. وهناك نسخ منقولة إلى العربية عن الأصل السرياني المعروفة بـ “البسيطة”، “بشيطو”، أقدمها النسخة التي وصفها غلومیستر، ورقى عهدها إلى ما بين سنتي ۷۵۰ – ۸۰۰ م.

وجدير بالذكر أن الأناجيل المقدسة ترجمت في نهاية القرن التاسع الميلادي، وقد استشهد بهذه الترجمة الجميلة الإمام الزيدي أبو القاسم الطبطبائي في رده على النصارى (في القرن العاشر الميلادي).

أما مزامير داود فقد ترجمها شعرا الأسقف الأندلسي الحفص بن البر القوطي في منتصف القرن العاشر الميلادي، وهي جوهرة الأدب المسيحي العربي.

وهنا يسرنا أن نورد نموذجا من ترجمة الحفص الموضوعة سنة ۸۸۹ م، نقلا عن الخطوط الفريد المحفوظ في ميلانو.

المزمور الأول

قد أفلح المرء الذي لم يذهب          في رأي أهل الجرم فعل المذنب

ولم يقم على سبيل الآثمة            ولا يكن يجلس بين الظلمة

في مقعد الأزراء والتداهي             لاكن هواه في كتاب الله،

کان، وفیه تالیَا مردَدًا                    نهاره وليله مجتهدا

مثاله شجرة قد غرست                على سواقي الماء حين نقلت

ثمارها لوقتها قد تثمر                  وليس منها ورق ينتثر

وكل ما يفصله قد يصلح               وفعله فعل صعيد مفلح

ليس كذلك الكفار بالتصحيح          بل كغبار ذاهب بالريح

لذلك لن يبعث أهل الفضل           ويوم القصاص والجزا والفصل

عرف سبل الصالحين الرب           والكافرون لهم تتب

المزمور الثامن

يارب يا مالكنا ما أعظم                   في كل أرض اسمك المكرم

قد اعتلا على السماء عزّك             وفوق كل شامخ علوك

جعلت من السنة الأطفال              والمرضعين الحمد ذا الكمال

لأجل شأني، ليهدي المبغض          والواثر المخالف الممرض

أرى السماء ما برت أصابعك            والبدر فيها من مصانعك

والأنجم الزهر التي جعلت،             مشرقة فيها كما قدرت

ماذا هو الإنسان حتى تذكره؟          وما ابنه، إذا بالبلا تختبره

نقصته القليل عن الله                    وستحليه بتاج باه

عزا وقدرا وعظيم الجاه                  مقدماله بلا إشتباه

جعلت كل مابرت يداك                   من تحت رجليه جميع ذاك

من بقر ومن صنوف الشاء،             ومن مواشي القفر في الصحراء

ومن طيور الجو والحيتان                اللاتي في الموج وفي القيعان

السالكات سبل البحار                  جريا بلا حث ولا آثار

يا رب، يا مالكنا، ما أعظم              في كل أرض اسمك المكرم

تاتيان وإنجيل “الدياطسرون”

تاتيان، ولد وثنا حول سنة ۱۱۰ م، ودرس الأدب والخطابة والتاريخ والفلسفة باليونانية. راق له كتاب التوراة، فتنصر ولزم القديس يوستينوس، ثم أنشأ أو اتبع شيعة الانکراتیت (الأعفّة الغلاة)، فأبسلته (حرمته) الكنيسة. قضى تحبه حول سنة 180م.

أما الدياطسرون فهو لفظ يوناني مركب، مدلوله «من خلال الأربعة)، وهو اسم الإنجيل الموحد الذي يشتمل على سيرة السيد المسيح، جمعه في خمسة وخمسين فصلا طيطانوس الحديابي المولد، المعروف بالآثوري، وذلك في حدود سنة 172 م، ووقع الدياطسرون عند السريان في الرها وولايتي الفرات وما بين النهرين أجمل موقع لسهولته وجودة إنشائه وترتيبه التاريخي، فأطلقوا عليه اسم «الأناجيل المختلطة»، وتبسطوا في نشره، واستشهد به أفراهاط، وفشره مار أفرام السرياني.

ودام استعمال الدياطسرون حتى الربع الأول من المئة الخامسة، إذ ألغاه رابولا مطران الرها، حرصا على سلامة الكتاب، وأحل محله الأناجيل المفردة. فزال تداوله من الكنيسة، وبقي منه نسخ للمطالعة. ووجد منه في أواسط المئة التاسعة نسخة بخط عيسى بن على المتطيب، تلميذ حنين بن إسحق، وهي التي نسب نقلها إلى العربية إلى القس الراهب أبي الفرج عبد الله ابن الطيب المتوفي سنة 1043. فتكون هذه الترجمة العربية من أوائل القرن الحادي عشر[19]. ولكن في خاتمة الصفحات الأربع أن هذه الترجمة العربية أقدم عهدا، وهذا نصها:

“كمل. معونة الله الإنجيل المقدس الذي جمعه طيطانوس من الأناجيل الأربعة المعروف بدیاطاسارون (كذا) والحمد لله كما هو أهله ووليّه والمجد لله دائما أبدا سرمدا. وكان الفراغ منه لست وعشرون (كذا) ليلة خلون من أبيب سنة ثمان وأربعون (كذا) وألف للشهداء وافق من الشهور العربية الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة سنة اثنان وثلثون (كذا) وسبع مائة للهجرة العربية (1132 م) بسلام من الرب آمين”

أفلا يجوز أن نستنتج أن الترجمة العربية كانت قبل القرن الحادي عشر، أعني قبل أبي الفرج ابن الطيب، لا سيما أننا لم نجد في قائمة كتب أبي الفرج المذكور ذكر ترجمته لدياطاسرون طيطانوس.

الإنجيل المسجع

ولما انتشر السجع، وأصبح من ضروريات الأدب الفتي، أخذ الأدباء المسيحيون يؤلفون مواعظ دينية مسجعة، وقد اشتهر في هذا الفن الجاثليق المشرقي النسطوري إيليا الثالث المعروف بأبي حليم بن الحديثي في القرن الثاني عشر الميلادي.

وهناك أربع ترجمات مسجعة للأناجيل وضعت في القرن العاشر الميلادي، واحدة منها لابن دادیشوع، وثلاث منها أغفل مترجموها عن أسمائهم، وما زالت مخطوطة في مكتبات أوروبا.

ثم جاء عبديشوع الصوباوي، مطران نصيبين على السريان المشارقة النساطرة، فوضع ترجمته الشهيرة الأناجيل الآحاد والأعياد سنة ۱۲۹۹ م، وهي جيدة بليغة، وكل إنجيل بقافية واحدة. وهذا نموذج من ترجمة الأناجيل العبد يشوع الصوباوي:

  1. وقال المخلص لتلاميذه والرفاق.
  2. لا تظنوا أني أتيت لأوقع في الأرض الصلح والوفاق.
  3. لم آت لأوقع السلام، بل الحرب والشقاق.
  4. فإني أتيت لأجعل الرجل المؤمن يخالف عن أبيه ذي النفاق.
  5. وأباعد بين الابنة وأمها الكافرة، والكنة وحماتها بالفراق.
  6. – وأعداء الرجل آل بيته الفاق.
  7. فمن أحب أبا أو أما أفضل مني، فليس هو لي بأهل الإعتلاق.
  8. ومن أحب ابنا أو ابنة أكثر مني، فلا يستحقني بإطلاق.
  9. – ومن لا يحمل صليبه ويتبعني، فما هو لي من أهل الميثاق.
  10. من وجد نفسه، فقد أهلكها، وعرضها للانمحاق.
  11. ومن أهلك نفسه، فسوف يجدها بجوار الخلاق.
  12. ومن تقبلكم، فإياي تقبل، بالنية والاشتياق.
  13. ومن تقبلني، فقد تقبل الذي أرسلني، باعثا على مكارم الأخلاق.
  14. ومن تقبل نبيا باسم نبي في الطراق،
  15. فأجر نبي يأخذن وما لمسعاه إخفاق،
  16. ومن تقبل صديقا، صديق صداق،
  17. فأجر صديق يأخذ، ولا عاق.
  18. وكل من سقى أحد هؤلاء الأصاغر شربة ماء بارد عذب المذاق.
  19. باسم تلميذ ذي استشراق،
  20. الحق أقول لكم: إنه لا يضيع أجره الذي فاق،
  21. من شاء أن يتبعني، فليكفر بنفسه ويولي الدنيا الطلاق
  22. وليأخذ صليبه، وليكن من اقتفاء أثرى على لحاق،
  23. إن من أحب أن يحيي نفسه، فقد أبادها وإلى الهلاك انساق،
  24. ومن أهلك نفسه من أجلي، سيجدها في نعيم باق
  25. فما الذي يستقيده المرء من الحذاق،
  26. إذا كسب الدنيا وخسر نفسه بعد المشاق؟
  27. أو ماذا يعطي الإنسان فدية عن نفسه، إذ نزل به البلاء وحاق؟

ترجمة الكتاب المقدس الموصلية الدومينيكية

كانت فكرة طبع الكتاب المقدس بالعربية تراود أذهان رجال الدين منذ مطلع القرن التاسع عشر؛ فقد كان مسيحيو العراق يقرأون الكتاب المقدس في ترجمته المعروفة (بالبسيطة)، وهي ترجمة ضعيفة وغير سليمة من الناحية اللغوية تتغلغل فيها العامية بكثرة، غير أن الإمكانيات كانت محدودة والطباعة لم تدخل العراق آنذاك. إضافة إلى عدم وجود من يستطيع الاضطلاع بهذا العمل الكبير ذي المسؤوليات الكبيرة..

أما في بلاد الشام فقد تم طبع الكتاب المقدس بعهديه العتيق والجديد في المطبعة الأميركية، وذلك بإشراف بطرس البستاني، ومصحح لغوي كبير هو الشيخ ناصيف اليازجي والشيخ يوسف الأسير، غير أن هذه الطبعة كانت خاصة بالبروتستانت، فلم يحبذها الكاثوليك، لذا فقد بدأ اليسوعيون مشروعهم الخاص بترجمة الكتاب المقدس سنة 1872، وعهدوا إلى الشيخ إبراهيم اليازجي بالإشراف اللغوي، واستمر العمل بطبعه من سنة 1876 وحتى سنة 1882، فظهر في ثلاثة مجلدات مزينا بالصور ومتقنا من حيث الطباعة والإخراج.[20]

وفي هذه الفترة تهيأ لنا في العراق من يستطيع القيام بهذا العمل، فقد عهد الآباء الدومنيكان إلى القس (المطران يوسف داود (+ 1890) القيام بترجمة وطبع الكتاب المقدس، فباشر بالعمل سنة 1897، فبدأ أولا بقراءة ترجمات الكتاب المقدس السابقة مقارنا ومدققا بين النصوص المقبولة في الكنيسة كالسريانية والعبرانية واليونانية واللاتينية، مستفيدا من معرفته وإتقانه لهذه اللغات.

وقد اعتمد الترجمة الشرقية القديمة التي كانت أساسا لترجمة الكتاب المقدس وطبعه أول مرة في رومة سنة 1671، وربما اعتمد أيضا على طبعة عربية قديمة ظهرت في حلب سنة 1706[21]، غير أنه لم يذكرها.

شرع الآباء الدومنيكان بطبع الكتاب المقدس، الذي استغرق ثماني سنوات: وتعتبر هذه الطبعة من الطبعات الفريدة اليوم بجودتها وشكلها وحروفها، والمعتمد عليها إلى اليوم في الكنيسة السريانية الكاثوليكية.

وقام بعد ذلك بعمل الحواشي لشرح الآيات والكلمات الغامضة، واستغرق في عمله هذا أربع سنوات متوالية، إلى أن استطاع إنجازه، فبوشر بالطبع سنة ۱۸۷۱ واستمر حتى سنة ۱۸۷۸، فظهر في أربعة مجلدات كانت تظهر تباعا، وبلغ مجموع صفحاته 2507 صفحة.

وسنة 1873، كتبت مجلة العالم الدومنيكي تقول: “… وإلى منتصف عام 1872 طبعوا العهد الجديد، طبعتين، الأولى أوكتافو (الحجم الكبير)، والأخرى أصغر بلا مراجع ولا ملاحظات أو شروحات، وهذا هو القسم الأول من الكتاب المقدس الذي طلب الكردينال بونابرت أن يطبع، والترجمة كانت للقس داود، والمعاون له المطران بهنام بي، رئيس أساقفة الموصل للسريان الكاثوليك؛ ولقد أبدت سرورها مع إبداء إعجابها أكاديمية الآداب في باريس لجودتها ورونقها”.[22]

وقد عهد للبطريرك عبديشوع الخياط (المطران آنذاك) وإلى راهب دومنيكي اسمه يوحنا، كان يتقن العربية بفحص الترجمة للتأكد من سلامتها من الناحيتين الفقهية والدينية، فأبديا شهادتهما في أنها تمت على وجه صحيح ولا شائبة فيها.

ثم ظهرت مشكلة النفقات الكثيرة لطبعه، وقد حلت المشكلة بأن تبرع الكردينال لوقيان بونابرت بنفقات الطبع على شرط أن يوزع مجانا، ولذلك نرى في الطبعة الأولى كلمة Gratis، ومعناها “مجانا”.[23]

وفي سنة 1875، أرسل الآب دوفال رسالة إلى رئيس الجمعية الخيرية للمدارس الشرقية في باريس رسالة يخبره فيها وشارحا له أحوال المطبعة فيقول: (… ونأمل أن ننتهي من طبع الكتاب المقدس (العهد القديم هذه السنة. وسنطبع طبعة ثانية من الأناجيل، إذ إن الطبعة الأولى قد وزعناها مجانا، وذلك بطلب من الكردينال بونابرت، ولذا فقدت هذه الطبعة…”[24].

وقد توالت فيما بعد طبعات الكتاب المقدس، حيث ظهرت طبعة أخرى في ستة مجلدات بين سنتي 1874 – 1878، بلغت عدد صفحاتها ۳۸۰ صفحة. ثم أعيد طبعه كاملا أو متفرقا بعد ذلك عدة مرات وكلما دعت الحاجة.

وفي رسالة أخرى من الأب كورماتشيك[25] الذي كان في رومه سنة 1888، والتي كتبها للأب دوفال[26] يوم ۲۸ تشرين الثاني من تلك السنة يقول فيها: “…أرسلتم الكتاب المقدس باللغة الكلدانية للحبر الأعظم[27]، وقد وصلتنا مساء البارحة. وحبذا لو ترسلون لقداسته كتاب الفرض (الفنقيت) للسريان، وقداسته يرسل لكم كأسا كعربون الشكر لكم وتثمينا لجهودكم…”.[28]

ومن المعروف أن الخوري يوسف راجع الترجمة البسيطة السريانية للكتاب المقدس، وطبعها في المطبعة نفسها بأحرف كلدانية، ولا يخفى أن هذه الترجمة كانت قد عبثت بها أيدي النساخ كما هو دأب كل الكتب المخطوطة باليد، فعهد إليه إصلاحها نظرا لبراعته في اللغة السريانية والعربية، فانكب على العمل بنشاط وافر حسبما يقتضيه شرف هذه النسخة المعتبرة للغاية في الكنيسة الكاثوليكية وأعادها إلى رونقها القديم.

والذي يعنينا في هذا المجال أن نذكر شيئا عن الأسلوب، والطريقة التي اتبعها يوسف داود في إنجاز هذا العمل الكبير بالعربية؛ ويكفي أن ننقل في هذا الخصوص شهادة من الأب أنستاس الكرملي (1947+) العالم اللغوي الشهير نقلا عن اثنين من الثقات، وكلاهما من خاصة أصدقائي، وهما الأستاذ کورکیس عواد (1993+) المؤرخ من النواحي اللغوية والأدبية والدينية، ويعدها من أحسن الترجمات التي ظهرت للكتاب المقدس في تلك الفترة، وحتى يومنا هذا يعترف الكثير من المتخصصين بأنها من أحسن الترجمات في اللغة العربية للكتاب المقدس، وذلك لسلامة لغتها وقوة سبكها وبساطتها. ولا زالت كنائسنا تستعمل هذه الترجمة حتى الآن.

المصادر والمراجع

  • سهیل قاشا، تاريخ التراث العربي المسيحي، منشورات الرسل، مطبعة الكريم (2004).
  • سهیل قاشا، أوتار الكنارة والعود المطران إقليميس يوسف داود، منشورات مطبعة السائح، طرابلس 2005.
  • هنام عفاص، إقليميس يوسف داود، بغداد، 1985.
  • سهيل قاشا، “مطبعة الآباء الدومنيكان وتراثها الفكري”، مجلة بين النهرين، 18، ص 55-73.
  • لويس شيخو اليسوعي، شعراء النصرانية، الجزء الأول.
  • لويس شيخو، “نسخ عربية قديمة في الشرق من الإنجيل الطاهر”، مجلة المشرق، السنة الرابعة، العدد 3.
  • عبد المسيح المقدسي، «نقل الكتب المقدسة الى العربية، مجلة المشرق، كانون الثاني 1933، ص1-112.

 

[1] شيخو، مجلة المشرق، ص ۲۰ – ۲۲، ۲۹۰ – ۳۰، ۳۰-۳۰۱، ۳۱۳ – ۳۲۲.

[2] عبد المسيح المقدسي، «نقل الكتب المقدسة إلى العربية، قبل الاسلام»، المشرق ۱۳۱(۹۳۳)6.

[3] د. جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، جزء 6، ص 980.

[4] د. جواد علي، المفصل، ۹۸۱: ۹.

[5] راجع التفاصيل في كتابنا: صفحات من تاريخ العرب المسيحيين قبل الاسلام، منشورات المكتبة البولسية (۲۰۰۰).

[6] شیخو، شعراء النصرانية،1: 141.

[7] راجع أيضا قاموس الاسلام، 630.

[8] طبعة أبلوس ولافي، الجزء الأول، ص ۲۲۰.

[9] ) المعروفة بأل Kathismata وهي القراآت أو القرآن، كما كان يسميها السريان، ومنها أخذ محمد اسم کتابه؛ ولعله عناها بقوله: “فاقرأوا ما تيسر من القرآن” (73: 20)

[10] ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله أثناء الليل وهم يسجدون (القرآن 3: 113).

[11] نرجح أن كلمة «نصراني» كانت تدل في بادئ الأمر، وفي القرآن نفسه، على أصحاب إحدى النحل المسيحية، سيما “الأبيونية” أو “الأريوسية”، وليس على المسيحية على الإطلاق.

[12] راجع كتابنا: صفحات من تاريخ العرب المسيحيين قبل الاسلام.

[13] راجع ما ذكره الطبري عن كنائس الحيرة (1: 770) وابن خلدون (2: 363).

[14] راجع الكتابة على عتبة البيعة التي أقامتها هند بنت الحارث في معجم البلدان لياقوت 2: 709.

[15] راجع الكتابة على ضريح امرئ القيس التي عثر عليها في سورية.

[16] عبد المسيح المقدسي، “نقل الكتب المقدسة إلى العربية” المشرق 1933.

[17] نحن في صدد وضع دراسة واسعة بعنوان: “السريان ولغة القرآن”، سترى النور قريبا ان شاء الله.

[18] من بحثوا عن هذه النسخ العربية وأصلها وتاريخها العلامة الشهير أغناطيوس غويدي في مقالة مستوفية طبعت عام ۱۸۸۸، بين فيها ما تحتويه الخزائن الأوروبية من نسخ الإنجيل القديمة، فقسمها ستة أقسام، من حيث القدم والترجمة.

[19] ما زال السريان الأرثوذكس والكاثوليك يستعملون هذا الإنجيل (المربع) في قراءاتهم الفرضية لزمن الآلام، وخاصة يوم الجمعة العظيمة (جمعة الصلبوت).

[20] الفكر العربي في مئة سنة، بيروت 1967 ص 59.

[21] وردت معلومات عن هذه الطبعة في مجلة لغة العرب، مجلد لغة العرب، مجلد ۲، ص 462.

[22] مجلة العالم الدومنيكي لسنة 1873، ص 346.

[23] العهد الجديد لربنا يسوع المسيح، موصل، مطبعة الدومنيكان، ۱۸۷۹. استقينا هذه المعلومات من المقدمة التي كتبها المترجم يوسف داود ومن شهادات الفاحصين.

[24] الرسالة محفوظة في دير الآباء الدومنيكان بالموصل.

[25] الرسالة محفوظة في دير الدومنيكان بالموصل. والأب كورماتشيك قدم إلى الموصل في 7 كانون الأول ۱۸۷۱ وتركها عام ۱۸۱۵.

[26] الأب دوفال (۱۸۳۳- ۱۹۰) خدم في العراق (1857- 1895.

[27] هو الحبر الأعظم قداسة البابا كون الثالث عشر (1878- 1903).

[28] النظر مقالنا، “مطبعة الآباء الدومنيكان بالموصل”، مجلة بين النهرين، عدد ۱۷، ص 55-73.

ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

عاجل: إكتشاف مدينة أثرية ترجع للقرن الثاني بها كنيسة يونانية رومانية وهيكل بمحافظة المنيا

عاجل: إكتشاف مدينة أثرية ترجع للقرن الثاني بها كنيسة يونانية رومانية وهيكل بمحافظة المنيا

عاجل: إكتشاف مدينة أثرية ترجع للقرن الثاني بها كنيسة يونانية رومانية وهيكل بمحافظة المنيا

 

قطاع الأمن العام / مديرية أمن المنيا / الإدارة العامة لشرطة السياحة والأثار:
( ضبط تشكيل عصابى توصلوا إلى منطقة تضم مخزون أثرى كبير حاولوا نهبه .. وبحوزتهم 484 قطعة أثرية) 
فى إطار إستراتيجية وزارة الداخلية الهادفة فى أحد محاورها الحفاظ على ثروة البلاد وتراثها القومى من خلال إحكام السيطرة الأمنية على المناطق الأثرية و لمكافحة وضبط متجرى وحائزى القطع الأثرية والقائمين بالحفر خلسة بالمخالفة لأحكام القانون الخاص بحماية الآثار وإستكمالاً لجهود الإدارة العامة لشرطة السياحة والآثار فى هذا الشأن .
فقد أكدت معلومات وتحريات مباحث قسم شرطة سياحة وآثار المنيا قيام كلٍ من :
1.المدعو / أشرف .م.ع – سن 51 مهندس مدنى ومقيم بمنطقة 6 أكتوبر ، محافظة الجيزة .
2.المدعو / ربيع . ع. ع – سن 59 مدير محطة وقود بمدينة السادات ومقيم بمنطقة 6 أكتوبر ، محافظة الجيزة .
3.المدعو / محمد .أ.أ – سن 50 حاصل على دبلوم ومقيم بمنطقة بدر محافظة البحيرة .
4.المدعو / فرغلى .أ.ع – سن 28 حاصل على دبلوم صناعة ومقيم بمنطقة أبو قرقاص بمحافظة المنيا .
5.المدعو / عبد العزيز .م.ع – سن 28حاصل على دبلوم صناعة ومقيم بأبو قرقاص، محافظة المنيا.. 
6.المدعو / محمد.ن.ع.- سن 26 ، عاطل ، مقيم بمنطقة بدر محافظة البحيرة 
7.المدعو / نور .م.ح – سن 18 ، عاطل ومقيم بمنطقة بدر محافظة البحيرة .. بتكوين تشكيلاً عصابياً تخصص فى التنقيب عن الآثار وقيامهم بالحفر خلسة بقرية شيبا الشرقى دائرة مركز أبو قرقاص بالمنيا. 


وعقب تقنين الإجراءات وبالتنسيق مع الجهات المعنية تم إستهدافهم بمأمورية بالإشتراك مع قطاع الأمن العام وأمن المنيا أسفرت عن ضبطهم بقرية شيبا دائرة المركز بموقع الحفر وبحوزة الأول سيارة ملاكى “ملكه” وبداخلها عدد (483 عملة من النحاس والبرونز ترجع إلى القرن الثانى والثالث- إناء من الفخار يرجع للعصر اليونانى) كما عُثر على حفرة 4×5 متر بعمق 5متر بداخلها بعض كسر الفخار “ناتج عن أعمال الحفر” والأدوات المستخدمة.


إكتشف (مدينة أثرية ترجع للعصر اليونانى الرومانى وبها العديد من المقابر الأثرية المنحوتة فى الصخر تمتد إلى حوالى 2كم بعرض 600 متر – أعمدة وكنيسة رومانية يونانية بها محراب وعدد 2 عامود وصليب)، حيث قرر مفتشى آثار منطقة المنيا بأثرية المضبوطات والموقع. 


بمواجهة المتهمين إعترفوا بإرتكاب الواقعة بقصد البحث والتنقيب عن الآثار لبيعها وإقتسام حصيلة البيع فيما بينهم.
تم التحفظ على السيارة المضبوطة والقطع الأثرية والأدوات المستخدمة فى عملية الحفر ، وكذا عدد 7 هواتف محمولة ضُبطت بحوزة المتهمين .
تم إتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة .

 

اكتشاف مسيحي مذهل على يد مسلم…هذا ما تم العثور عليه شمال شرق سوريا بعد أن غادرت داعش المكان

اكتشاف مسيحي مذهل على يد مسلم…هذا ما تم العثور عليه شمال شرق سوريا بعد أن غادرت داعش المكان

اكتشاف مسيحي مذهل على يد مسلم…هذا ما تم العثور عليه شمال شرق سوريا بعد أن غادرت داعش المكان

اكتشاف مسيحي مذهل على يد مسلم…هذا ما تم العثور عليه شمال شرق سوريا بعد أن غادرت داعش المكان

عثر علماء آثار قرب مدينة منبج الواقعة في شمال شرق سوريا على دار عبادة مطمورة تعود إلى القرن الثالث أو الرابع بعد الميلاد.

هذه الفجوة في الصخر تطمرها القمامة التي تركها مقاتلو داعش قبل هربهم. لكن عالم الآثار عبد الوهاب شيخو الذي يدير الزيارات كان يعلم أنها مليئة بالكنوز، وقد عبر عن فرحه لأن الجهاديين الذين سيطروا على المنطقة طوال أكثر من عامين لم يعلموا أبداً بوجودها. فلو لاحظوا هذه الكنيسة القديمة، لما كانوا حافظوا عليها سيما وأن أعمالهم تتسم بهدم أماكن العبادة منها قبر يونان.

بعد عبور المدخل، يؤدي درج إلى شبكة معقدة مغطاة بالصلبان وكتابات من الكتاب المقدس باليونانية – لغة الامبراطورية الرومانية في الشرق. وبحسب عالم الآثار، فإن هذا المدخل كان يخدم كمركز حراسة. عنده، كان يقف حارس مستعداً لإعلام إخوته المسيحيين في حال مجيء شخص ما. وكات الشبكة تحت الأرض تتألف من مخارج طوارئ قديمة تؤدي إلى أبواب خفية.

بالتالي، يشير الموقع إلى الاضطهادات التي كانت سائدة في المنطقة تحت الهيمنة الرومانية. فالسلطات الرومانية كانت تعتبر أن المسيحيين يشكلون خطراً على استقرار الامبراطورية.

بالإضافة إلى وجود الرموز المسيحية، عُثر على بقايا بشرية في قبرٍ ضمن الموقع. وفي آخر متاهة أنفاق ضيقة وُزعت فيها المشاعل، تؤدي ثلاث درجات إلى مذبح، ما يدلّ على أن القداديس كانت تقام سراً بعيداً عن مسامع السلطات.

وهذه الكنيسة المذهلة المدفونة تحت الأرض تُظهر بحسب الأستاذ الأميركي جون واينلاند أن المسيحيين كانوا متجذرين في سوريا بأعداد كبيرة.

 

سنة 2014، كان عبد الوهاب شيخو على وشك البدء بحملة تنقيب في الموقع عندما وصل الجهاديون. لكنه تمكن فعلياً من الانطلاق في عمله سنة 2017، على الرغم من أن المنطقة لا تزال خطيرة بخاصة بسبب الألغام التي خلّفها الجهاديون. وحرص شيخو على التأكيد على بذل قصارى جهده للحفاظ على هذه الكنيسة رغم أنه مسلم: “نحن مسلمون، لكننا لسنا مسلمين كأتباع الدولة الإسلامية. نحن نهتم بالآثار المسيحية ونحترمها. نحترم الإنسانية”.

المصدر: أليتيا

العظة الثالثة عشرة آبار إسحق – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثالثة عشرة آبار إسحق – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثالثة عشرة آبار إسحق – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثالثة عشرة آبار إسحق – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

الآبار التي حفرها اسحق وطمرها الفلسطينيون

إسحق والفلسطينيون

1 ونستمر في ذكر أعمال البطاركة المعتادة فيما يتعلق بالآبار[1]. ها هو إسحق، وفقا للكتاب، بعد أن “باركه الرب وصار عظيماً جداً[2]“، قد شرع في عمل هام: “فأخذ يحفر آباراً، هذه الآبار التي حفرها عبيده في أيام إبراهيم أبيه، ولكن سدها الفلسطينيون وملأوها تراباً.[3]” لقد سكن أو “عند بئر الرؤيا[4]“، وإذ استنار ببئر الرؤيا، حاول أن يحفر آباراً أخرى، لا آباراً جديدة أولاً، ولكن الآبار التي حفرها أباه إبراهيم.

وبعد أن حفر البئر الأولى يقول الكتاب “حسده الفلسطينيون[5]“، إلا أنه لم يدع نفسه يخاف من غيرتهم ولم يستسلم أمام حسدهم: “لقد حفر من جديد الآبار التي حفرها عبيد إبراهيم أبيه، والتي سدها الفلسطينيون بعد موت إبراهيم أبيه، ودعاها بنفس الأسماء التي دعاها بها أبوه.[6]” وهكذا فقد حفر الآبار التي كان قد حفرها أبوه والتي ملأها الفلسطينيون بالتراب بسوء نية.

وحفر أيضاً آباراً جديدة في وادي جرار، لا هو بل عبيده، ويقول الكتاب المقدس: “فوجد هناك بئر ماء حي، ولكن خاصم رعاة جرار رعاة إسحق قائلين إن الماء كان لهم. فدعا اسم البئر ظلم لأنهم تصرفوا بظلم معه.[7]” ولكن رحل إسحق أمام شرهم “وحفر من جديد بئراً أخرى وتخاصموا عليها أيضاً، فدعا اسمها عداوة. ثم رحل وحفر أيضاً بئراً أخرى لم يتخاصموا عليها، فدعا اسمها رحبة، لأنه قال: الآن قد أرحب لنا الله وأثمرنا في الأرض”[8].

الأسرار الكامنة في هذا النص

يقول الرسول القديس بحق معتبراً عظمة الأسرار: “ومن يستطيع إذن أن يدركها؟[9]” وبنفس الطريقة. أو بالحري بطريقة مختلفة طالما أننا أدنى منه. إذ نلاحظ نحن أيضاً هذا المقدار من العمق في أسرار الآبار، نقول: “ومن يستطيع إذن أن يدركها؟ نعم، من ذا الذي يقدر أن يشرح كما ينبغي أسرار هذه الآبار التي بهذا القدر من العمق، والأعمال المتعلقة بها؟ لنتضرع إذن إلى آب الكلمة الحي لكي يتفضل بوضع كلامه في فمنا[10] حتى نستطيع أن نقدم لعطشكم القليل من الماء الحي[11] المستقي من هذه الآبار الفنية والكثيرة.

إسحق الجديد

2 هناك إذن الآبار التي قد حفرها عبيد إبراهيم ولكن الفلسطينيون قد ملأوها تراباً، وقد شرع إسحق برفع ردم هذه الآبار أولاً. إن الفلسطينيين يكرهون المياه ويحبون التراب، أما إسحق فيحب المياه وهو يبحث دائماً عن آبار ويزيل ردم الآبار القديمة كما أنه يحفر آباراً جديدة.

انظر إلى “إسحقنا” الذي تقدم نفسه ذبيحة لأجلنا[12]“. لقد جاء إلى وادي جرار الذي يعني اسمه “حائط السياج” أو “حاجز، وقد جاء لينقض الحائط الفاصل أي العداوة، “في جسده[13]“، جاء ليرفع حائط السياج أي الخطية التي تفصل بيننا وبين الله، حائط السياج الذي يرتفع بيننا وبين الفضائل السمائية، جاء “ليجعل من الاثنين واحداً[14]، والخروف الذي ضل أرجعه على منكبيه إلى الجبل وأعاده إلى “التسعة والتسعين الآخرين الذين لم يضلوا.[15]” فيريد إسحق هذا إذن، أي مخلصنا، بعدما أصبح في وادي جرار، وقبل كل شيء، أن يزيل ردم الآبار التي كان قد حفرها عبيد أبيه، يريد أن يجدد آبار الناموس والأنبياء التي سدها الفلسطينيون.

الفلسطينيون الجدد

لكن من هم هؤلاء الذين يملأون الآبار تراباً؟ إنهم بلا شك هؤلاء الذين يعطون الناموس معنى أرضياً جسدانياً، وينكرون أن له مدلولاً روحياً ومستيكياً، بحيث لا يرتوون منه ولا يدعون الآخرين يرتوون. اسمع إسحق، أي ربنا يسوع متحدثا في الأناجيل: “ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون لأنكم خطفتم مفتاح المعرفة، فما دخلتم أنتم والذين يريدون أن يدخلوا منعتموهم[16].” هؤلاء هم إذن الذين ملأوا “الآبار التي حفرها خدام إبراهيم تراباً، هم يعلمون الناموس بشكل جسدي ويلوثون مياه الروح القدس[17]، فهؤلاء يملكون أباراً لا ليخرجوا منها ماء ولكن ليلقوا فيها تراباً. هذه هي الآبار التي يحاول إسحق أن يحفرها. لنر كيف شرع في ذلك.

طريقة إسحق الجديدة

ومثل خدام إسحق، استمعوا إلى رسل ربنا الذين يقول الكتاب إنهم كانوا يجتازون بين الزروع يوم السبت ويقطفون السنابل ويأكلونها وهم يفركونها في أيديهم[18].” ويوجد هنا انعكاس لهؤلاء الذين قد سدوا آبار أبيه[19]، [حيث قالوا]: “هوذا تلاميذك يفعلون ما لا يحل فعله في السبت[20].” ولكنه، حتى يفرغ عقلهم المملوء تراباً، يقول لهم: “أما قرأتم ما فعله داود حين جاع هو والذين معه، كيف دخل عند أبياثار رئيس الكهنة وأكل هو وخدامه خبز التقدمة، الذي لم يحل أكله إلا للكهنة فقط[21]؟”، ويضيف: “فلو فهمتم هذا القول: إني أريد رحمة لا ذبيحة، لما حكمتم على الأبرياء[22]“.

أما هم، فبماذا أجابوه؟ لقد أخذوا يتشاجرون مع خدامه وقالوا: “هذا الإنسان ليس من الله؛ إذ إنه لا يحفظ السبت.[23]” هذه إذا هي الطريقة التي حفر بها إسحق الآبار التي كان قد حفرها خدام أبيه[24].

الآبار التي حفرها إبراهيم ترمز إلى العهد القديم

وموسى الذي حفر بئر الشريعة هو خادم أبيه، وداود وسليمان والأنبياء وكل الذين كتبوا أسفار العهد القديم، التي ردمها التفسير الأرضي والبدائي لليهود، هم أيضاً خدام أبيه. وإذ أراد “إسحقنا” الجديد أن ينقي هذا التفسير[25] ويثبت أن جميع ما قاله “الناموس والأنبياء[26]” كان عنه، خاصمه الفلسطينيون. ولكنه رحل، فهو لا يمكنه أن يبقى مع الذين لا يريدون مياها في آبارهم، بل تراباً، ويقول لهم: “هوذا بيتكم يترك لكم خراباً.[27]

بئر إسحق يرمز إلى العهد الجديد

حفر إسحق إذا أو بالحري خدامه آباراً جديدة. خدام إسحق، متى ومرقس ولوقا ويوحنا وبطرس ويعقوب ويهوذا وبولس الرسول: الكل سقاة من العهد الجديد[28]. ولكن بالنسبة لهذه الآبار أيضاً يتشاجر “الذين لا يقدرون إلا الأرضيات[29]“، والذين لا يحتملون لا أن نكتشف بئراً جديدة ولا أن ننقي البئر القديمة. هؤلاء هم من يقاومون الآبار الإنجيلية وهم أعداء الآبار الرسولية، ولأنهم يعترضون على كل شيء ويتنازعون بصدد كل شيء لذلك قيل لهم: “بما أنكم حكمتم أنكم غير مستحقين لنعمة الله، هوذا من الآن نتوجه إلى الأمم.[30]

فهم سر الثالوث

3 وبعد ذلك حفر إسحق بئرا ثالثة دعاها “رحبة”، قائلاً: “إنه الآن قد أرحب لنا الرب وأثمرنا في الأرض.[31]” حقا لقد وضع إسحق في الرحب في وقتنا هذا وتعاظم اسمه على الأرض كلها حين أوصل من أجلنا معرفة الثالوث إلى كمال أثرها[32].

لأنه قديماً “لم يكن الله معروفاً إلا في يهوذا ولم يكن اسمه يدعى إلا في إسرائيل[33]“، في حين الآن فقد ذاع عبر كل الأرض صوتهم وإلى أقصى المسكونة أقوالهم[34]؛ وإذ انتشروا في العالم أجمع، حفر خدام إسحق فيه آباراً وأظهروا للجميع “الماء الحي[35]“، “معمدين جميع الأمم باسم الأب والابن والروح القدس[36]“، لأن “للرب الأرض وكل ملئها[37].”

المعنى الروحي للنص الكتابي

وبالتالي فإن أي واحد منكم يقدم كلمة الله، يحفر بذلك بئراً ويبحث عن الماء الحي” الذي يستطيع أن يعزي به مستمعيه. وإن شرعت أنا أيضاً في شرح أقوال القدامى، وإن بحثت عن معنى روحي لها، إن حاولت أن أرفع البرقع عن الناموس وأن أثبت أن المكتوب له معنى رمزياً[38]، فأنا من جهتي بذلك أحفر آباراً. ولكن سوف يثير الحال محبي “الحرف” افتراءات ضدي وينصبون فخاخاً، وسوف يدبرون فوراً إجراءات عدائية وملاحقات[39]، منكرين أن الحقيقة من الممكن أن تبقى في مكان آخر غير الأرض[40].

أما نحن، فإن كنا خداماً لإسحق، فلنحب آبار الماء الحي والمنابع، لنبتعد عن هؤلاء المزعجين والكذابين، ولنتركهم في الأرض التي يحبونها، ولنصر، شارحين تارة من القديم وطوراً من الجديد، مشابهين لكاتب الإنجيل هذا، الذي قال الرب عنه إنه يخرج من كنزه جدا وعتقاء.[41]

عجز العلوم الوثنية

وإن كان بين من يسمعني أخطب الآن أحد المنكبين على الآداب الدنيوية، فربما يفكر هكذا أو يقول: “أنت تقتبس منا ما تقوله وهذا علم مهنتنا، وهذه البلاغة التي تتكلم وتعلم بها تخصنا”، ويخاصمني مثل الفلسطيني الذي يقول: “لقد حفرت بئرك في أرضي” متخيلاً أنه يطالب بحق ما هو خاص به.

وأجيب على ذلك بأن كل الأراضي تحتوي على مياه، ولكن من كان فلسطينياً “ولا يقدر إلا الأرضيات[42]“، لا يعرف أن يكتشف ماء في أي أرض، ولا يعرف أن يكتشف الحكمة وصورة الله في كل نفس، ولا يدرك أنه من الممكن أن يكون عند الجميع إيمان وتقوى ووازع ديني. فماذا يجديك التعلم إن لم تعرف كيف تستخدمه، وبماذا تفيدك الكلمة إن لم تستطع الكلام؟

هنا تحديداً يكمن عمل خدام إسحق: فهم يحفرون “آبار ماء حي” في كل أرض، أي أنهم يبشرون بـ “كلمة الله” لكل نفس ويجتنون ثمراً.

بولس خادم إسحق الجديد

هل تريد أن ترى في النهاية أية آبار كبيرة حفرها خادم واحد من خدام إسحق في أرض غريبة؟ انظر إلى بولس الرسول الذي “من أورشليم وما حولها إلى إليريكون، قد أوصل إنجيل الله إلى كل موضع.[43]” ولكنه تعرض لاضطهادات الفلسطينيين عند كل بئر من هذه الآبار، اسمعه حين يقول: “أية مضايقات في إيقونية ولسترة[44]“، أية مضايقات في أفسس[45]! كم مرة ضرب وكم مرة رُجم[46]؟ كم مرة صارع الوحوش؟ إلا أنه ثابر إلى أن وصل إلى السعة[47]” أي إلى أن أقام كنائس على امتداد الأرض كلها.

الظمأ الروحي قبل مجيء إسحق الحقيقي

هكذا إذا فإن الآبار التي حفرها إبراهيم، أي كتابات العهد القديم، قد امتلأت ترابا بواسطة الفلسطينيين، الذين نعتبرهم معلمين الأردياء أو كتبة وفريسيين أو أيضاً القوى المعادية، وشدت قنواتهم لكي لا تتمكن من إعطاء أبناء إبراهيم للشرب منها. نعم، هذا الشعب لا يستطيع أن يشرب من هذه الكتابات، يؤلمه “العطش لكلمة الله[48]“، حتى مجيء إسحق الذي يفتح الآبار التي سيشرب منها خدامه.

فلنشكر المسيح ابن إبراهيم المكتوب عنه: “كتاب سلسلة نسب يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم[49]“، الذي جاء وفتح لنا الآبار لأن هذه هي الآبار التي فتحها للذين كانوا يقولون: “أ لم يكن قلبنا ملتهبا فينا حين كان يكشف لنا الكتب[50]؟ وهكذا فتح هذه الآبار، ويقول الكتاب إنه “دعاها بأسماء كالأسماء التي دعاها بها إبراهيم أبوه[51]“، فهو في الواقع لم يغير أسماء الآبار.

يسوع المسيح يعطي معنى جديدا للشريعة

قد نتعجب من أن موسي لا يزال يسمى عندنا موسى وكذلك كل نبي من الأنبياء، وفي الواقع، لم يغير المسيح أسماءهم ولكنه غير طريقة فهمها. لقد غيرها المسيح بحيث أصبحنا لا نهتم بعد “بالخرافات اليهودية[52]” وبالأنساب التي لا حد لها[53]“، لأن هذه الأمور “تُصرف المسامع عن الحق، وتحولها إلى الخرافات.[54]

لقد فتح الآبار إذاً وعلمنا ألا نبحث عن الله في مكان محدد، ولكن أن نعرف أنه “على كل الأرض تقرب لاسمه ذبيحة[55]“، فالآن هو الوقت الذي فيه “الساجدون الحقيقيون يعبدون الآب”، وليس في أورشليم، ولا على جبل جرزيم، بل بالروح والحق[56]. ” فالله لا يسكن إذن في مكان محدد على الأرض، ولكنه يسكن في القلب. هل تبحث عن مسكن الله؟ قلب نقي، هذا هو مسكنه. لأنه يقول إنه سيقيم في هذا المسكن حين يقول: “إني سأسكن وأسير بينهم، وهم يكونون شعبي وأنا أكون إلههم، يقول الرب.[57]

الروح، بئر الماء الحي

ويتفق أن كل نفس منا تحتوي على بئر ماء حي، وأنه مخبأ بداخلها شيء من الحس السماوي وصورة الله. هذه هي البئر التي سدها الفلسطينيون، أي القوى المعادية، بالتراب. وبأي تراب؟ بالمشاعر الجسدية والأفكار الأرضية ولذلك قد لبسنا صورة الترابي[58]

وإذن فحين كنا نلبس صورة الترابي، قام الفلسطينيون بسد آبارنا، ولكن الآن وقد جاء إسحق الجديد (إسحقنا)، فلنستقبل مجيئه ونحفر آبارنا، لنرفع التراب منها، ولننقها من كل القاذورات ومن كل فكر موحل وأرضي، وسنجد فيها الماء الحي، هذا الماء الذي يقول عنه الرب: “من آمن بي تجري من بطنه أنهار ماء حي[59]. لاحظ كم أن الرب كريم: لقد طمر الفلسطينيون الآبار وتشاجروا معنا على مجار مائية شحيحة وهزيلة، فرد لنا الرب مكانها منابع وأنهاراً.

صورة الله داخل الروح

4 أنتم إذا، يا من تنصتون إليّ اليوم، إذا قبلتم بإيمان ما تسمعون، فيعمل إسحق بداخلكم أنتم أيضاً ويطهر قلوبكم من المشاعر الأرضية. وإذ ترون أن مثل هذه الأسرار العميقة مخبأة في الكتاب المقدس، فإنكم تتقدمون في الفهم، وترتقون في المشاعر الروحية وتصيرون بدوركم معلمين وتنبع منكم أنهار ماء حي.[60]

بيد أن كلمة الله هو هناك وفعله الحالي هو أن يزيح التراب من كل نفس من نفوسكم، وأن يفتح ينبوعك[61]“، فهو في الواقع بداخلك ولا يأتي من الخارج كما أن “ملكوت الله بداخلك[62].” والمرأة التي أضاعت درهمها، فإنها لم تجده خارجاً ولكن في بيتها: لقد “أوقدت سراجها وكنست بيتها[63]” من القاذورات والأوساخ التي تراكمت فيه زماناً طويلاً بواسطة الكسل والغباء، وهناك وجدت درهمها.

أما أنت، فإذا أضأت سراجك، إذا التجأت لإنارة الروح القدس، ورأيت “النور في نوره[64]“، فستجد الدرهم بداخلك، لأنه قد وضعت فيك صورة الملك السماوي. ففي البداية عندما خلق الله الإنسان “عمله على صورته وشبهه[65]“، ولم يضع هذه الصورة بالخارج ولكنه بداخله. وهي لا يمكن أن تظهر فيك طالما كان بيتك ممتلئاً بالقاذورات والأوساخ.

نبع المعرفة هذا كان بداخلك لكن لم يكن من الممكن أن يتدفق لأن الفلسطينيين كانوا قد ملأوه بالتراب وعملوا فيك “صورة الترابي[66]“، وهكذا لبست قديما صورة الترابي، لكن الآن بعد ما سمعته للتو؛ وإذ تخلصت بواسطة كلمة الله من كتلة التراب الكبيرة هذه التي كانت تضايقك، فلتجعل “صورة الله تنبلج فيك.

صورة الله والخطية

هذه إذاً هي الصورة التي قال الأب للابن عنها: “لنعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا[67]“. إن رسام تلك الصورة هو ابن الله[68]، وهو رسام بهذه الجودة وهذه القدرة بحيث لصورته أن تظلم بفعل الإهمال ولكنها لا تتلف بفعل المكر. تبقى صورة الله دائما فيك[69] حتى وإن وضعت عليها “صورة الترابي”

أنت رسام تلك الصورة [لصورة الترابي]. فهل أكمدتك الشهوة؟ فها أنت قد وضعت لوناً أرضياً. هل يلهبك الطمع؟ فها قد مزجت لونا آخر. هل صيرك الغضب قاسياً؟ ها إنك تضيف لوناً ثالثاً. والكبرياء أيضاً يضيف لونا آخر، وكذلك العقوق. وهكذا فإنك ترسم أنت بنفسك من خلال كل نوع من أنواع المكر، ومن خلال تجميع الألوان المختلفة، “صورة الترابية التي لم يضعها الله فيك.

ولذا يجب علينا أن نتضرع إلى من يقول بالنبي ها أنا أمحو كغيم ذنوبك وكدخان خطاياك[70]“، وحين يكون قد محى فيك كل هذه الألوان المأخوذة من الخبث، فحينئذ تسطع فيك “الصورة التي خلقها الله. أنت ترى إذا كيف أن الكتاب المقدس يعمد إلى أساليب في التعبير وإلى رموز ليعلم النفس أن تعرف ذاتها وأن تتطهر.

كتابة الخطية وكتابة الروح القدس

هل تريد أن ترى أيضاً شكلاً آخر لهذه الصورة؟ إذن، فهناك الصك الذي يكتبه الله والصك التي نكتبه نحن. أما نحن فنكتب صك الخطية. اسمع الرسول: “إذ محا الصك المكتوب ضدنا مع أحكامه، والذي كان ضداً لنا، قد أزاله مسمراً إياه بالصليب[71].” هذا الصك الذي يتحدث عنه كان “وثيقة بخطايانا، لأن كل واحد منا يعتبر مدينا بخطاياه ويكتب صك (الإقرار) بخطيئته[72]. وفي محكمة الله التي يصف دانيال النبي جلستها، يقول إن هناك “أسفاراً مفتوحة”[73] تحتوي دون أدنى شك على خطايا البشر.

فنحن قد كتبناها إذاً بخطايانا. وفي الإنجيل، ويمثل ذلك في المثل الإنجيلي الذي لوكيل الظلم[74] الذي يقول لكل مدين: “خذ صكك واجلس واكتب: ثمانين[75]“، وما يليه. أنت ترى إذا أنه قد قيل لكل مدين “خذ صكك”، ويبرز من هنا أن صكنا هو صك خطايا. أما الله فيكتب صك العدل لأن الرسول يقول ذلك: “إنكم رسالة مكتوبة لا بحبر بل بروح الله الحي، لا في ألواح حجرية بل في ألواح لحمية، في قلوبكم[76].”

فلديك إذا بداخلك صك الله، صك الروح القدس، ولكن إذا أخطأت، فإنك توقع إقراراً بالخطية. لاحظ أنك حين أتيت إلى صليب السيد المسيح وإلى نعمة المعمودية، فإن إقرارك بالدين قد سُمر على الصليب[77] ومحي في ماء المعمودية، فلا تُعد كتابة ما تم محوه ولا تعد ما تم إبطاله: لا تحتفظ بداخلك سوى برسالة الله، وكتابة الروح القدس وحدها هي التي ينبغي أن تبقى بداخلك.

لنحفر آبارنا مع إسحق الجديد

لكن لنرجع إلى إسحق ونحفر معه آبار ماء حي. يمكن للفلسطينيين أن يثيروا اعتراضات ونزاعات، فعلينا ألا نتوقف عن المثابرة مع إسحق في حفر الآبار حتى يقال لنا نحن أيضاً: “اشرب مياها من آنيتك ومن آبارك[78]” ولنحفر حتى تفيض مياه البئر على ساحاتنا[79]“، لكي لا يكفي علم الكتاب لنا نحن فقط ولكن لكي نعلم الآخرين ونثقفهم، لكي ما يشرب البشر والبهائم أيضاً.

اسمعوا أيها الحكماء واسمعوا أيها البسطاء: “معلم الكنيسة مدين للحكماء كما للجهلاء[80]“، فيجب عليه أن يسقي البشر وأن يسقي البهائم[81] لأن النبي قال: “يا رب أنت تخلص الناس والبهائم[82].” من أجل هذا، فليتفضل الرب نفسه، يسوع المسيح مخلصنا وينيرنا ويطهر قلوبنا له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين[83].”

[1] لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها أوريجينيس عن رمزية الآبار، فهذا الموضوع من الموضوعات المحببة لديه، والذي تناوله كثيرا بالتفسير الرمزي. ونجد الملاحظات الأولى لهذا الموضوع في التعليق على إنجيل يوحنا (آبار السامرية)، وأيضاً في بعض التلميحات السريعة في التعليق على سفر نشيد الأنشاد، ولكنه تناول هذا الموضوع بتعمق أكثر في عظاته على سفر التكوين (۷: 5؛ ۲:۱۰؛ ۳ :۱۱؛ ۱۲: 5؛ ۱۳)

كما نجد الحديث عن هذا الموضوع أيضاً في العظة ۱۲ من عظات أوريجينيس على سفر الخروج، التي تتناول جميع نصوص الكتاب المقدس التي ورد فيها ذكر الآبار لكي يوضح الاستمرارية الموجودة بين مياه العهد القديم ومياه العهد الجديد. ونلاحظ أن الأفكار المعبر عنها من خلال هذا الموضوع هي ذاتها دائما، فالآبار عنده ترمز إلى الكتاب المقدس وإلى النفس التي تثابر على تعاليم الكتاب وأن الكمال الروحي يعتمد على المواظبة على حفرها.

[2] انظر: تك 26: 12، 13.

[3] انظر: تك 26: 18.

[4] انظر: تك 24: 62.

[5] انظر: تك 26: 14.

[6] انظر: تك 26: 18.

[7] انظر: تك 26: 19-20.

[8] انظر: تك 26: 21-22.

[9] انظر: 2كو 2: 16.

[10] انظر: أف 6: 19.

[11] انظر: تك 26: 19؛ يو 4: 10.

[12] انظر: أف 5: ۲.

[13] انظر: أف ۲: 14.

[14] انظر: أف ۲: 14.

[15] انظر: مت 18: 12؛ لو 6:15.

[16] انظر: لو ۱۱: 52 ومت ۲۳: ۱۳.

[17] نفس التعبير ورد في العظة 10: 2.

[18] انظر: لو 6: ۱.

[19] إذا كان إسحق هو رمز للمسيح فإن أبيه هو رمز للأب.

[20] انظر: مت 12: 2.

[21] انظر: مت 12: 3-4.

[22] انظر: مت 12: 7؛ هو 6: 6.

[23] انظر: يو 9: 16.

[24] نستطيع أن نلاحظ في هذا الجزء الطريقة التي يستشهد بها أوريجينيس بنصوص الكتاب المقدس. فقد قصت الأناجيل الثلاثة حادثة السنابل المفروكة، وقد حرص أوريجينيس على ذكر كل من الثلاثة، مقتبسا من كل واحدة تأملا مختلفا. ونراه يضيف نصا من إنجيل القديس يوحنا والذي يمكن أن يرجع معناه للواقعة. ومن الجدير بالذكر هنا أن الاستشهادات وإن كانت دقيقة إلا أنها ليست هي النص حرفيا كلمة بكلمة، لأن أوريجينيس يستشهد بلا شك اعتمادا على الذاكرة، دون أن يعتبر نفسه مطالبا بالحرفية.

[25] لا تكتمل حقيقة العهد القديم بالنسبة لأوريجينيس في التفسير الحرفي والتاريخي له، وإنما في إظهار اكتماله وإتمام نبواته ورموزه في المسيح. لذلك يعتبر الشرح (الرمزي أو المجازي أو الروحي) الذي قدمه أوريجينيس تفسيرا للأشياء القديمة بالأشياء الجديدة؛ للأشياء المرئية السابقة بالأشياء غير المرئية الحاضرة؛ ولعالم اليهود الجسدي بعالم المسيحيين الروحي. وهو يتمثل إجمالا في إيجاد تطابق بين العهدين.

[26] انظر: مت 7: 12؛ يو 5: 46.

[27] انظر: مت ۲۳: ۳۸.

[28] هناك قائمة شبيهة في عظات أوريجينيس على يشوع ۷: ۱.

[29] انظر: في ۳: ۱۹.

[30] انظر: أع ۱۳: 46؛ 18: 6.

[31] انظر: تك 26: 23.

[32] نرى نفس هذا الفكر في القداس المنسوب إلى القديس غريغوريوس الذي يخاطب المسيح إسحق الجديد الذي أعطانا معرفة الثالوث القدوس: “أيها الكائن السيد الرب، الإله الحق من الإله الحق. الذي أظهر لنا نور الأب. الذي أنعم علينا بمعرفة الروح القدس الحقيقية “

[33] انظر: مز 75: 2 (حسب السبعينية).

[34] انظر: مز 18: 5 (حسب السبعينية).

[35] انظر: تك 26: 19.

[36] انظر: مت 28: 19.

[37] انظر: مز 23: 1 (حسب السبعينية).

[38] انظر: غل 4: 24.

[39] يشكو أوريجينيس من أعدائه ومضايقاتهم المستمرة له (انظر أيضاً العظة 6: 3)، حيث قد عرضه تفضيله للتفسير الروحي لهجوم مزدوج من فريقين. الفريق الأول: المتمسكون بالحرف واليهود والإيبيونيون والمسيحيون المقاومين للتفسير الرمزي.

ويبدو، من خلال ملاحظة احتياطات وإعدادات أوريجينيس الخطابية للرد عليهم في عظاته، أن نسبة لا يستهان بها من الشعب كانت تنتمي لهذا الفريق. والفريق الثاني: المثقفون الوثنيون الذين كانوا يعتقدون أنهم يحتكرون الحق في استخدام الرمزية، وقد اتهموا أوريجينيس بانتحال أساليبهم، أو على الأقل باستخدامها بلا حق من أجل تفسير الكتاب المقدس.

[40] نكتشف من تلك الملاحظة، تأثر أوريجينيس بطريقة أفلاطون في التعبير عن أفكاره. فإن كان أفلاطون يقول إن الأشياء الأرضية هي ظل الأفكار الأبدية، هكذا أيضاً الأشياء المكتوبة في العهد القديم هي بالنسبة لأوريجينيس ظل الحقائق فوق الطبيعية التي عاشتها الكنيسة في العهد الجديد. ونلاحظ الاستخدام المتكرر لكلمة “أرضي” (terrenus) للإشارة إلى المعنى الضيق الذي يعطيه الفريسيون ومن يحاكيهم للكتاب المقدس.

[41] انظر: مت 13: 52.

[42] انظر: في 3: 19.

[43] انظر: رو 15: 19.

[44] انظر: 2تي 3: 11.

[45] انظر: ۱ کو 15: ۳۲.

[46] انظر: 1كو 15: 32.

[47] انظر: 2كو 11: 25.

[48] انظر: 2صم 22: 20؛ مز 17: 20 (حسب السبعينية).

[49] انظر: مت 1: 1.

[50] انظر: لو 24: 32.

[51] انظر: تك 26: 18.

[52] انظر: تي 1: 14.

[53] انظر: 1تي 1: 4.

[54] انظر: 2تي 4: 4.

[55] انظر: ملا 1: 11.

[56] انظر: يو 4: 20-23.

[57] انظر: 2كو 6: 16؛ لا 26: 12.

[58] انظر: 1كو 15: 49.

[59] انظر: يو 7: 38.

[60] انظر: يو 7: 38.

[61] لقد ذكر أوريجينيس سابقا أن الآبار تمثل الكتاب المقدس، ولكنه هنا يذكر أنها تمثل النفس. والفكرتان ليستا قريبتين، ولكنهما مرتبطتان ارتباطا وثيقا في فكر أوريجينيس. فالنفس والكتاب المقدس ينبضان بنفس الحياة ويسكنهما نفس اللوغوس الذي يبعث فيهما كنوزه في ظواهر محجوبة نوعا ما في حالة الكتاب المقدس، وفي عمق الحياة الداخلية في حالة النفس.

وفي كلتا الحالتين، تظهر نفس الحياة الروحية المتحدرة من حياة الله ذاتها، فالثالوث هو مستوى المياه العميق الذي لا ينضب والذي يتغذى منه هذان البئران. ولهذا يجب حتما أن يفسر الكتاب المقدس بمعنى روحي مثلما يجب للنفس أن تحمل فيها صورة إلهية.

[62] انظر: لو 17: 21.

[63] انظر: لو 15: 8.

[64] انظر: مز 35: 10 (حسب السبعينية).

[65] انظر: تك 1: 26؛ تك 5: 1.

[66] انظر: ۱ کو 15: 49.

[67] انظر: تك 1: 26.

[68] نجد صدى هذه الفكرة عند ق. أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة ۳: ۳.

[69] نرى هنا التعليم الآبائي الشرقي في أن الصورة الإلهية تظلم أو تتشوه ولكنها لا تنعدم من الإنسان.

[70] انظر: إش 44: ۲۲

[71] انظر: کو ۲: 14.

[72] لاحظ العلاقة بين الصك الذي نكتبه بخطايانا والصورة الإلهية التي خلقها الله فينا. وقد ذكر أوريجينيس أن الخطايا تغطي تلك الصورة ولا تجعلها تسطع فينا. فالصورة هي هبة من الله وبالخطية تتوارى تلك الصورة ونصبح مدينين “بسبب الخطايا” باستعادة إشراقها فينا.

[73] انظر: دا 7: 10.

[74] انظر: لو 16: 8.

[75] انظر: لو 16: 7.

[76] انظر: 2كو 3: 2-3.

[77] انظر: كو 2: 14.

[78] انظر: أم 5: 15.

[79] انظر: أم 5: 16.

[80] انظر: رو 1: 14.

[81] إن المستمعين إلى أوريجينيس لا يشعرون بالإهانة حين يتم تشبيه بعضهم بالبهائم، فهم يعلمون جيدا أن البعض “كامل” والبقية ليست كذلك كما جاء في الكتاب المقدس: لأن القديسو” العهد القديم .هم رمز “للكاملين” في حين ينطبق غالبا ما قيل عن الحيوانات، على المبتدئين”. والبهائم التي أدخلها نوح إلى الأجزاء السفلية من الفلك هي النفوس القاسية التي لم تسكنها بعد حلاوة الإيمان (العظة ۲: ۳)، أما الجمال التي كانت تصاحب خادم إسحق فهي النفوس غير المهذبة التي تبدو جاهلة وعنيدة أمام الأسرار المسيحية (العظة 10: 2).

[82] انظر: مز 35 : ۷ (بحسب السبعينية).

[83] انظر: 1 بط 4: 11؛ رؤ 1: 6.

العظة الثالثة عشرة آبار إسحق – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة التاسعة تجديد وعود الله لإبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة التاسعة تجديد وعود الله لإبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة التاسعة تجديد وعود الله لإبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

الكتاب المقدس بحر من الأسرار

1 كلما تقدمنا في قراءتنا، تجمعت الأسرار أمامنا. فمن يبحر على مركب صغير لا يخشى الكثير طالما بقى بالقرب من الشاطئ، ولكن حين يتجه تدريجياً إلى عرض البحر، فإذا حدث وأن رفعته الأمواج المتعاظمة في أعالي البحار، أو طرح في الأعماق حين تنفلق [تلك الأمواج]، فحينئذ يستولي على روحه رعب شديد ويرتعش خوفاً لكونه عهد هذا المركب الصغير للأمواج العارمة. هذا هو موقفنا تقريباً، نحن الذين نجرؤ ونتقدم، ونحن أدنياء بالاستحقاقات وضعفاء بالروح، في محيط واسع من الأسرار. ولكن إذا تفضل الرب بصلواتكم بمنحنا النسيم المواتي الذي لروحه القدوس بعد رحلة موافقة للكلمة[1] فسوف نصل إلى ميناء الخلاص.

إبراهيم يتلقى وعودا جديدة

لنرى الآن إذاً مضمون القراءة التي قاموا لنا بها. “ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء قائلاً: بذاتي أقسمت، يقول الرب، أني من أجل أنك تممت هذا القول، ولم تمسك ابنك حبيبك من أجلي، أباركك وأكثرك. ويكون نسلك كثيراً كنجوم السماء وكرمل البحر الذي لا يمكن إحصاؤه.[2]” تتطلب هذه الأقوال مستمعاً مجتهداً ومنتبهاً، فهذا الكلام جديد: “ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء[3]“، إلا أن ما يلي ليس بجديد، لأنه قد سبق وأن قيل “أباركك[4]“، وسبق وأن وعد وأكثرك[5]” كما سبق أيضاً وأن أعلن أن “نسلك يكون كثيراً كنجوم السماء وكرمل البحر[6]” فما هي الزيادة في هذه الدعوة الثانية الآتية من السماء؟ ما هو الشيء الجديد الذي يضاف إلى الوعود القديمة؟ أية مكافأة إضافية تمنحها هذه الكلمات من أجل أنك تممت هذا القول[7]“، وبعبارة أخرى: لأنك قدمت ابنك ولأنك لم تمسك ابنك الوحيد؟ فإنني لا أرى أي شيء مضاف، فقد تكررت نفس الوعود السابقة. ولكن أليس من العبث إذن. كما يعتقد -أن يكرر نفس الأشياء عدة مرات؟ ولكن على العكس، فهذا ضروري لأن كل ما يحدث إنما يحدث بشكل سري.

المعنى الذي حملته الوعود الجديدة

إن كان إبراهيم لم يعش إلا في الجسد[8]، وإن لم يكن أبا سوى للشعب الذي ولده في الجسد، لكان يكفي وعد واحد فقط. ولكن ليثبت أنه كان لا بد أن يكون أولاً أبا الذين اختتنوا في الجسد، تلقى عند ختانه وعداً لا بد وأنه كان يخص أهل الختان. ثم، حيث كان يجب أيضاً أن يكون أبا للذين هم من الإيمان[9]” والذين أتوا إلى الميراث من خلال آلام المسيح، فقد تلقى من جديد في وقت آلام إسحق وعداً لا بد وأنه يخص الشعب الذي خلص بآلام المسيح وقيامته.

ويبدو أن الكتاب يكرر نفس الأشياء ولكنها مختلفة. فقد قدمت الوعود الأولى التي تخص الشعب الأول على الأرض، فيقول الكتاب في الواقع “ثم أخرجه إلى خارج -أي خارج الخيمة. وقال له انظر إلى نجوم السماء. أيمكنك عد كثرتها؟ وأضاف: هكذا يكون نسلك[10]“، لكن عندما تكرر الوعد في المرة الثانية، يشير أن الصوت قد جاءه “من السماء[11].” هكذا قدم الوعد الأول من الأرض والثاني من السماء. ألا تبدو في ذلك إشارة واضحة لقول الرسول هذا: “الإنسان الأول، المأخوذ من الأرض ترابي، والإنسان الثاني، الآتي من السماء سماوي؟[12]” الوعد الذي يخص شعب الإيمان يأتي إذا من السماء والآخر من الأرض.

لماذا أضاف الله قسما إلى وعده؟

ولا يوجد في الوعد الأول سوى القول [فقط]، أما في الوعد الآخر فقد كان هناك قسم. لقد شرح الرسول القديس ذلك، كاتباً إلى العبرانيين، في هذه الكلمات: “إذ أراد الله أن يظهر لورثة الموعد ثبات تدابيره الذي لا يتغير، أدخل القسم[13]“، وأيضاً “الناس يقسمون بأعظم منهم[14]“، ولكن الله إذ لم يكن له أعظم يقسم به[15]“، “أقسم بذاتي قال الرب.[16]” ليس هذا أن الله كان مجبراً على أن يقسم، فمن يستطيع أن يطلب منه قسماً[17]؟ ولكن كما شرح بولس الرسول، فهذا لكي يظهر لمؤمنيه من هنا “ثبات تدابيره الذي لا يتغير[18].” وبالمثل يقول النبي أيضاً في موضع آخر “أقسم الرب ولن يندم: أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق[19].”

ثبات الوعود الجديدة

وفي النهاية، وعند الوعد الأول، لم يعط سبب هذا الوعد، فيقول الكتاب فقط إن الله أخرج إبراهيم وأراه نجوم السماء وقال: هكذا يكون نسلك[20]“، ولكنه الآن يضيف السبب الذي من أجله يؤكد الله بقسم ثبات وعده. فيقول الكتاب في الواقع من أجل أنك تممت هذا القول، ولم تمسك ابنك[21]“، فهو يثبت إذن أنه بسبب التقدمة أو آلام الابن فإن الوعد ثابت بشدة، مدللا بذلك على أنه بسبب آلام المسيح يبقى الوعد مضموناً بشدة لجمهور الأمم الذي هو “ابن إبراهيم بالإيمان.[22]

 حالات مشابهة في الكتاب المقدس

هل هذا هو المقطع الوحيد الذي يكون فيه ما يحدث في المرة الثانية أكثر ثباتاً من المرة الأول في كثير من مرات أخرى، ستجد صورا أولية لأسرار شبيهة، فقد كسر موسى وطرح لوحي الشريعة الأولين بحسب الحرف[23]، وأخذ شريعة ثانية بحسب الروح، وكانت الشريعة الثانية أكثر تأكيداً من الأولى. كما أنه هو نفسه، بعد أن حوى كل الشريعة في أربعة أسفار، كتب من جديد سفر التثنية الذي يدعى “الشريعة الثانية”. وكان إسماعيل أولاً[24] وإسحق ثانياً ويبقى في الثاني شكلاً مشابهاً من التفوق. وستجد أمثلة شبيهة في عيسو ويعقوب[25]، وفي منسي وأفرايم[26]، وفي [نماذج] أخرى كثيرة.

التفسير الأخلاقي

التجديد الداخلي

۲ لنستعد الآن حواسنا ولنشرح الآن بالتفصيل المعنى الأخلاقي. يقول الرسول، كما سبق أن ذكرنا أعلاه: “الإنسان الأول المأخوذ من الأرض ترابي. الإنسان الثاني، الآتي من السماء، سماوي. كما هو الترابي هكذا الترابيون أيضاً، وكما هو السماوي هكذا السماويون أيضاً، وكما لبسنا صورة الترابي، لنلبس أيضاً صورة السماوي”[27]. أنت ترى منطقه: إذا بقيت في ما كان أولاً، في ما يأتي من الأرض، فستطرح إلا إذا تغيرت وتبت وأخذت صورة السماوي؛ إذ تصير سماوياً. ونفس القصد في موضع آخر حين يقول: “إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله ولبستم الجديد الذي خلق حسب الله[28]”، ونفس الشيء أيضاً حين يقول في مقطع آخر: “هوذا الأشياء العتيقة قد مضت، الكل قد صار جديداً[29]“. فالله يجدد إذاً وعوده لكي يظهر لك أنه يجب عليك أنت أيضاً أن تتجدد. وهو لا يبقى في الأشياء العتيقة لكي لا تبقى أنت “إنسانا عتيقا[30]“، وهو ينطق بهذه الأقوال من السماء لكي تحصل أنت أيضاً على “صورة السماوي”[31].

لأنه ماذا يجديك أن يجدد الله وعوده إن لم تتجدد أنت؟ وأن يتكلم من السماء إن كنت تسمع من الأرض؟ وماذا يجديك أن يرتبط الله بقسم إذا كنت تعتبر هذا كما لو أنك تسمع قصة عادية؟ لماذا لا تلاحظ أن الله قد استخدم من أجلك طرقاً للتصرف لا تبدو على الإطلاق أنها تتناسب مع طبيعته الخاصة؟ فإذا كان الكتاب يقول إن الله قد قام بقسم، فذلك حتى تنصت بخوف ورعدة وتبحث في هذا الخوف عما هو ضروري لدرجة أن نقول إن الله قد أقسم لأجله. فهذا يحدث إذن حتى تكون منتبها ومحترساً، وحتى تكون؛ إذ تعرف أن هناك وعداً معداً لك في السموات، متيقظاً و تسأل نفسك إلى أي مدى أنت مستحق للوعود الإلهية.

التفسير الروحي

ارتباط الوعد بالمسيح…

على أية حال يشرح الرسول آيتنا قائلا: “أعطى الله الوعد لإبراهيم ولنسله. لم يقل: ولأنساله كأنه عن كثيرين، بل كأنه عن واحد فقط: ولنسلك، الذي هو المسيح[32]“. فالمسيح إذا هو المكتوب عنه: “وأكثر نسلك ويصير كثيرا كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر[33]“. فلمن إذا نحتاج أن نشرح بعد كيف يكثر نسل المسيح ونحن نرى التبشير بالإنجيل يمتد من أقصى الأرض إلى أقصاها[34]“، وأنه لا يوجد تقريبا مكان بعد لم يحصل على بذار الكلمة؟ لقد صورت هذه الحقيقة مقدما في بداية العالم حين قيل لآدم: “انموا وأكثروا[35]“، وهذا نفسه يوضح الرسول أنه “قد قيل نسبة إلى المسيح والكنيسة”[36].

… وبنسل المسيح

أما من جهة القول: “كثيراً كنجوم السماء وما يلي “وكالرمل الذي على شاطئ البحر الذي لا يمكن عده[37]“، فقد يقول البعض أن صورة العدد السماوي يتناسب مع جماعة المسيحيين وصورة رمل البحر مع الشعب اليهودي. وأعتقد بالأحرى أننا من الممكن أن نطبق على الشعبين كلا المثلين. فقد كان هناك في الشعب اليهودي الكثير من الأبرار والأنبياء الذين يمكن أن نقارنهم بحق بنجوم السماء[38]“. وبالمقابل، هناك في شعبنا الكثير ممن ليس لديهم ميل إلا للأرضيات[39]” والذين حماقتهم “أثقل من رمل البحر[40]“، وأعتقد أنه يجب أن نحسب ضمنهم جموع الهراطقة. إلا أننا يجب ألا نظن أننا في أمان لأن الأمثلة الأرضية تنطبق على أي واحد منا، طالما لم ينزع “صورة الترابي” ويلبس “صورة السماوي.[41]

وقد تصور الرسول، على الأرجح في ثورة أفكاره، القيامة في الأجساد الترابية والسماوية: “مجد الأجساد السماوية شيء، ومجد الأجساد الترابية آخر. حتى أن نجماً يمتاز عن نجم في المجد، هكذا يكون أيضاً بالنسبة إلى قيامة الأموات.[42]” ولمن يعرف أن يسمع، يقدم الرب نفس التنبيه حين يقول: “فليضئ نوركم قدام الناس؛ وإذ يروا أعمالكم الحسنة يمجدوا أباكم الذي في السماوات[43].”

كيفية إتمام المسيح للوعد الإلهي

۳ فالمسيح هو بعينه نسل إبراهيم وابن إبراهيم. هل تريدوا أن تقتنعوا بذلك أكثر من خلال أقوال الكتابة اسمعوا المكتوب في الإنجيل: “كتاب سلسلة نسب يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم.[44]” ففيه يتم إذاً قول الكتاب هذا: “ويرث نسلك مدن الأعداء.[45]” فكيف إذاً ورث المسيح مدن الأعداء؟ بلا أدنى شك لأن “صوت” الرسل “قد ذاع في جميع الأرض، وفي العالم كله أقوالهم[46]“، ولذلك أثير غضب الملائكة الذين يحفظون تحت سلطانهم كل أمة. لأنه تحين فرق العلي الشعوب حسب عدد ملائكة الله، فحينئذ صار يعقوب نصيبه. وإسرائيل قسمة ميراثه[47]“، وقد أثار المسيح. الذي قال له الآب “اسألني فأعطيك الأمم ميراثا لك، وأقاصي الأرض ملكك[48]“. غضب الملائكة بانتزاعه منهم القدرة والسيطرة التي كانت لهم على الأمم، لذلك مكتوب “قام ملوك الأرض، وتآمر الرؤساء[49] على الرب وعلى مسيحه[50]” لذلك هم يقاوموننا نحن أيضاً ويثيرون علينا حروباً ومعارك، وهو ما جعل رسول المسيح يقول “ليس علينا أن نصارع لحما ودما، بل الرؤساء، السلاطين، وولاة هذا العالم.[51]” فيجب علينا إذن أن نسهر ونتصرف بحذر “لأن خصمنا كأسد زائر، يجول حولنا ملتمسا من يبتلعه[52]” وإن لم نقاومه “راسخين في الإيمان[53]” فإنه يسبينا، وإذا حدث لنا ذلك نكون قد أنكرنا عمل الذي “سمر الرياسات والسلاطين على الصليب، ظافراً بهم بجسارة فيه[54]“، والذي جاء ليخلص المأسورين[55].” فلنتبع بالحري إيمان المسيح، الذي ظفر بهم، ولنحطم القيود التي أخضعونا بها لسلطانهم. وهذه القيود التي يمسكونا بها هي شهواتنا ونقائصنا: فهي تربطنا إلى أن “نصلب جسدنا مع نقائصه وشهواته[56]“، ونكون بذلك قد “قطعنا قيودهم، وطرحنا بعيداً عنا نيرهم[57]” وهكذا إذن احتل “نسل إبراهيم مدن الأعداء[58]“، نسل إبراهيم أي ذرية الكلمة وبعبارة أخرى التبشير بالإنجيل والإيمان بالمسيح.

ولكنني أسألكم: هل قام الرب بعمل جائر منتزعاً الأمم من سلطان الأعداء ومعيداً إياهم تحت سلطانه إلى الإيمان به؟ كلا البتة، لأنه قديماً كان “إسرائيل قسم الرب[59]“، إلا أن الأعداء اجتذبوا إسرائيل إلى الخطية بعيداً عن الله، وقال الله لهم بسبب خطاياهم: ها أنتم قد تمزقتم بخطاياكم، وتفرقكم تحت السماء بسبب خطاياكم.[60]” ولكنه قال لهم بعد ذلك مرة ثانية: “حتى وإن كنتم قد تفرقتم من أقصى السماء إلى أقصاها، فمن هناك أجمعكم، يقول الرب”[61]. ولأن “رؤساء هذا العالم[62]” كانوا الأوائل في اجتياح “نصيب الرب”، فقد لزم أن ينزل “الراعي الصالح[63]” إلى الأرض، تاركاً في الأعالي التسع والتسعين خروفاً، ويبحث عن الخروف الوحيد الذي ضل، وكان لا بد، إذا وجده ووضعه على منكبيه، أن يقوده إلى أعلى، إلى حظيرة الكمال[64].

غلبة المسيح بداخلنا

ولكن ما الفائدة بالنسبة لي إذا ورث نسل إبراهيم الذي هو المسيح[65]” “مدن الأعداء[66]” ولم يملك مدينتي الخاصة، إن كانت في مدينتي الخاصة، أي في نفسي التي هي “مدينة الملك العظيم[67]“، لا تحفظ شرائع هذا الملك ولا قوانينه؟ ماذا يجديني أن يكون الملك العظيم قد أخضع العالم كله وملك “مدن الأعداء إن لم يكن منتصراً على أعدائه، وإن لم يدمر “الناموس الذي يحارب في أعضائي ناموس ذهني، ويسبيني إلى ناموس الخطية[68]؟”

ليجتهد كل واحد منا لكي يكون المسيح في نفسنا كما في جسدنا، منتصراً على الأعداء ويمتلك فضلا عن ذلك مدينة نفسنا. بهذا الشكل ننتمي إلى نصيبه، إلى نصيبه المختار المشابه ” المجد النجوم السماء[69]“، ونقدر أن نحصل نحن أيضاً على بركة إبراهيم بالمسيح ربنا “الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين[70].”

[1] هي في اللاتينية (uerbum)، وقد قمنا في هذا المقطع كما في العديد من المقاطع الأخرى، بترجمتها إلى “كلمة”، محتفظين بذلك بالإمكانية الدائمة للاشارة إلى “كلمة الله”. فإذا تبينا في هذه العبارة أن الرب هنا مقصود به “الأب” كما نجده أيضاً يذكر صراحة “الروح القدس”، فسنفهم بلا صعوبة أن (uerbum) يمكن أن تأخذ معنى كلمة الله”، وستكون إذا “الرحلة المناسبة للكلمة” هي التدبير الإلهي للتجسد.

[2] انظر: تك ۲۲: 15 – ۱۷.

[3] انظر: تك ۲۲: 15.

[4] انظر: تك 22: 17؛ تك 12: 2.

[5] انظر: تك 22: 17.

[6] انظر: تك 22: 17؛ تك 13: 16.

[7] انظر: تك 22: 16.

[8] انظر: غل 4: ۲۹.

[9] انظر: غل ۳: ۹.

[10] انظر: تك 15: 5.

[11] انظر: تك ۲۲: 15.

[12] انظر: ۱ کو 15: 47.

[13] انظر: عب 6: 17.

[14] انظر: عب 6: 16.

[15] انظر: عب 6: ۱۳.

[16] انظر: تك 22: 16.

[17] ارجع إلى فيلو في (203 ,PHILON , Leg . Alleg . III): “لقد كان حسنا أن يؤكد وعده بقسم وبقسم يليق بالله، أنت تدرك أن الله لا يقسم بأحد آخر لأنه لا يوجد شيء أعلى منه، ولكنه يقسم بذاته، الأفضل في كل الكائنات.”

[18] انظر: عب: 6: 17.

[19] انظر: مز 4:۱۰۹ (حسب السبعينية).

[20] انظر: تك 15: 15.

[21] انظر: تك 22: 16

[22] انظر: رو 4: 16

[23] انظر: خر 32: 19.

[24] انظر: تك 17: 19-21.

[25] انظر: تك 25: 25 وما بعده.

[26] انظر: تك 41: 51-52.

[27] انظر: ۱ کو 15: 47 – 49.

[28] انظر: كو ۳: ۹- ۱۰.

[29] انظر: ۲ کو 5: ۱۷.

[30] انظر: رو 6: 6.

[31] انظر: ۱ کو 15: 49.

[32] انظر: غل 3: 16.

[33] انظر: تك 22: 17.

[34] انظر: رو 10: 18.

[35] انظر: تك 1: 28.

[36] انظر: أف 5: ۳۲.

[37] انظر: تك 22: 17.

[38] انظر العظة ۱: ۷.

[39] انظر: في ۳: ۱۹.

[40] انظر: أي 6: ۳.

[41] انظر: ۱ کو 15: 49.

[42] انظر: 1كو 15: 40-42.

[43] انظر: مت 5: 16.

[44] انظر: مت 1: 1.

[45] انظر: تك 22: 17.

[46] انظر: مز 18: 5 (حسب السبعينية)؛ رو 10: 18.

[47] انظر: تث ۸:۳۲ -۹. لاحظ أن تكليف الملائكة بقيادة شعوب الأرض باستثناء بني إسرائيل قد ورد في الترجمة السبعينية فقط. وكان هذا هو الاعتقاد السائد في التقليد اليهودي وفي بداية المسيحية. فالعالم بعد السقوط كان تحت قبضة الشرير ولكن في المسيح انتزع منه هذا السلطان.

[48] انظر: مز ۲: ۸.

[49] الترجمة الحرفية: أمراء.

[50] انظر: مز ۲: ۲.

[51] انظر: أف 6: ۱۲.

[52] انظر: ۱ بط 5: ۸.

[53] انظر: ۱ بط 5: ۹.

[54] انظر: کو ۲: 14 – 15.

[55] انظر: لو 4: ۱۸.

[56] انظر: غل 5: 24.

[57] انظر: مز ۲: ۳.

[58] انظر: تك 22: 17.

[59] انظر: سي 17: 17؛ تث 32: 9.

[60] انظر: 2 عز 11: 8 (حسب السبعينية).

[61] انظر: نح 1: 9؛ تث 30: 4.

[62] انظر: يو 16: 11.

[63] انظر: يو 10: 11.

[64] انظر: مت 18: 12؛ لو 15: 4-5.

[65] انظر: غل 3: 16.

[66] انظر: تك 22: 17.

[67] انظر: مز 47: 3 (حسب السبعينية)؛ مت 5: 35.

[68] انظر: رو 7: 23.

[69] انظر: 1كو 15: 41.

[70] انظر: 1بط 4: 11؛ رؤ 1: 6.

العظة الثامنة ذبيحة إبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثامنة ذبيحة إبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثامنة ذبيحة إبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

إبراهيم يقدم ابنه اسحق

اختبار إيمان المؤمنين

1 افتحوا آذانكم هنا، أنتم يا من اقتربتم من الله، ويا من تفتخرون بكونكم مؤمنين، وتأملوا بعناية أكبر كيف يتم، في القصة التي قرأت لنا تواً، اختبار إيمان المؤمنين. ويقول الكتاب: “وحدث بعد هذا الكلام أن الله امتحن إبراهيم وقال له: إبراهيم، إبراهيم. فقال: هأنذا[1].” لاحظوا كل تفصيل من الكتاب، ففي كل تفصيل هناك كنز وذلك لمن يعرف أن يحفر عميقاً، وربما أيضاً في الأماكن التي لا نظن أن جواهر الأسرار النفيسة تختبئ فيها[2].

اسم إبراهيم ووعد الله له

الرجل الذي نتحدث عنه كان يدعى أولاً أبرآم، ولا نقرأ في أي موضع أن الله قد دعاه بهذا الاسم أو أنه قال له: أبرآم، أبرآم. فلم يكن من الممكن أن يدعوه الله بالاسم الذي كان سوف ينتزعه منه، ولكنه دعاه بالاسم الذي أعطاه له بنفسه. ولم يكتف بدعوته مرة واحدة بهذا الاسم بل قام بتكراره. وحين أجاب إبراهيم: “هأنذا”، قال له: “خذ ابنك العزيز، الذي تحبه، إسحق، وقدمه لي. واذهب إلى المنطقة المرتفعة وقربه هناك محرقة على أحد الجبال الذي أريك[3]” وقد فسر الله لماذا أعطاه اسماً ودعاه إبراهيم، فيقول الكتاب: “لأني أجعلك أبا لجمهور من الشعوب[4]” وقد أعطاه الله هذا الوعد في الوقت الذي كان لديه فيه إسماعيل ابناً، ولكنه أكد له أن الوعد سيتحقق في ابن سيولد من سارة. لقد أيقظ في قلبه إذا محبة ابنه ليس فقط بدافع النسل ولكن أيضاً برجاء الوعود.

إيمان إبراهيم

وها أن هذا الابن الذي بالنسبة له [أي لإبراهيم] تستند عليه هذه المواعيد العظيمة والعجيبة، هذا الابن الذي بسببه أخذ اسم إبراهيم، أن “الرب يأمر بأن يقدمه له محرقة على أحد الجبال” فماذا تقول عن هذا، يا إبراهيم؟ أي نوع من الأفكار يختلج في قلبك؟ لقد تكلم صوت الله ليزعزع إيمانك ويختبره. فماذا تقول عن هذا الأمر؟ وما رأيك فيه؟ هل تقاوم؟ هل تجتر أفكارك وتحسب في قلبك هكذا: إذا كان الوعد قد أعطي لي في إسحق، وإذا قدمته محرقة، فلن يكون لي بعد وعد لأنتظره؟ ألن تقف بالحري على هذا الاستدلال الآخر وتقول إن من أعطاك الوعد لا يمكن أن يكذب[5] وإنه مهما حدث سيبقى الوعد؟

في الحقيقة ولأنني “الأصغر[6]“، فأنا لا أستطيع استبطان أفكار بطريرك بهذه العظمة، ولا أن أعرف ما هي الأفكار التي تولدت بداخله وأية مشاعر أثارها صوت الله الذي جاء ليجربه بأمره أن يذبح ابنه الوحيد. ولكن بما أن “أرواح الأنبياء خاضعة للأنبياء[7]“، فأعتقد أن بولس الرسول الذي كان قد عرف بالروح مشاعر إبراهيم وأفكاره قد أعلمنا بها قائلاً: “لم يتعثر إبراهيم في إيمانه حين قدم ابنه الوحيد الذي تستند عليه المواعيد، وحسب أن الله قادر بما يكفي حتى يقيمه من الأموات[8]“. لقد سلمنا الرسول إذاً أفكار رجل أمين، حاسباً أن الإيمان بالقيامة قد بدأ يظهر حينئذ بالفعل من جهة إسحق. فقد كان إبراهيم إذا يتوقع أن يقوم إسحق وكان يعتقد أن ما لم يكن قد حدث أبداً من قبل سوف يتحقق. فكيف إذن يمكن أن يكونوا “أبناء إبراهيم[9]“، من لا يؤمنون بأن ما قد آمن إبراهيم بتحقيقه المستقبلي في إسحق قد حدث بالفعل في المسيح؟ بل لنتحدث بوضوح أكثر، كان إبراهيم يعلم أنه كان رمزاً للحقيقة الآتية وكان يعلم أن السيد المسيح سيولد من نسله ليقدم ذبيحة، أكثر حقيقة، عن العالم كله ويقوم من الأموات.

 

“خذ ابنك”

۲ يقول الكتاب كان الله يمتحن إبراهيم وقال له: خذ ابنك العزيز، الذي تحبه[10]“، كما لو كان لم يكتف بقول “ابنك فأضاف قائلا: “العزيز. فليكن! و[لكن] لماذا أضاف أيضاً: “الذي تحبه؟ أنت ترى أن الامتحان صعب: فتعبيرات الحنان والمحبة التي تكررت عدة مرات إنما تؤجج المشاعر الأبوية، حتى عند تذكر حبه الحي تتردد يد الأب في ذبح الابن وتثور كل جيوش الجسد ضد إيمان الروح. يقول: “خذ إذن ابنك العزيز، الذي تحبه، إسحق[11].” لا بأس، يا رب، أن تذكر أباً بابنه، ولكن أن تضيف “العزيز لذاك الذي تأمر بذبحه، فهذا وحده ما يكفي لعذاب الأب؛ ولكنك تضيف من جديد: “الذي تحبه، وها هي ثلاثة أمثال أكثر من العذابات للأب؛ فلماذا ينبغي أيضاً أن تذكر باسم إسحق؟ ألم يكن إبراهيم يعلم إذا أن ابنه، ابنه العزيز، ابنه الذي يحبه، كان يدعى إسحق ولكن لماذا يضيف ذلك في هذا الوقت؟ ذلك حتى يتذكر إبراهيم أنك سبق وقلت له: “في إسحق يكون النسل الذي سيحمل اسمك، وفي إسحق تتحقق لك المواعيد.[12]” إذا كان الاسم مذكوراً فهذا ليوحي له بالارتياب في الوعود التي أعطيت له في هذا الاسم. ولكن كل ذلك لأنه كان يمتحن إبراهيم. يمتحن إبراهيم.

“اذهب للمكان الذي أريك إياه”

3 وماذا حدث بعد ذلك يقول الكتاب: “اذهب إلى المنطقة المرتفعة، على أحد الجبال الذي أريك، وقدمه هناك محرقة[13]” لاحظوا في هذا التفصيل كيف تزداد التجربة. “اذهب إلى المرتفعة، ألم يكن ممكناً أن يقاد إبراهيم مع ابنه أولاً إلى هذه المرتفعة، ويؤتى به أولاً على الجبل الذي كان الرب قد اختاره ثم يسمع هناك القول بتقديم ابنه؟ فقد قال له أولاً إنه يجب أن يقدم ابنه ثم أخذ بعد ذلك الأمر بالذهاب إلى المرتفعة وأن يصعد الجبل. فبأي قصد كان ذلك؟ ذلك حتى يتمزق إبراهيم بأفكاره وهو متقدم على الطريق وطوال المسير، وحتى يتعذب بالتناوب بالوصية التي تحصره وبحب ابنه الوحيد الذي يثور[14]. فمن أجل هذا إذا ألزمه أيضاً بالطريق وبصعود الجبل أيضاً حتى يفسح الوقت، أثناء كل هذه الأفعال، للمواجهة بين مشاعر الحنان الأبوي والإيمان، بين محبة الله ومحبة الجسد، بين إغراء الخيرات الحاضرة وانتظار الخيرات الآتية. لقد أرسل إبراهيم إذا إلى “المرتفعة، إلا أن “المرتفعة” لا تكفي بالنسبة لبطريرك سيتمم من أجل الرب عملاً عظيماً بهذا المقدار، فأمره بالصعود إلى الجبل أيضاً، أي أن يترك الأمور الأرضية؛ إذ يرتفع بالإيمان، ويصعد نحو الأمور العلوية.

إبراهيم في الطريق

4 “فقام إبراهيم إذاً باكراً وشد على حماره وشقق حطبا للمحرقة، وأخذ ابنه إسحق واثنين من غلمانه، ووصل في اليوم الثالث إلى الموضع الذي حدده له الله[15]” قام إبراهيم باكراً. وربما أراد الكتاب بإضافة كلمة “باكراً” أن يظهر أنه كان هناك نور أولي يبرق بالفعل في قلبه. وشد على حماره وأعد الحطب وأخذ ابنه. فهو لم يتمهل ولم يتردد ولم يتحدث مع أي شخص عن نيته ولكنه انطلق على الفور في الطريق.

ويقول الكتاب “ووصل في اليوم الثالث إلى الموضع الذي حدده له الرب[16]“. أترك الآن المعنى المستيكي الذي يحتوي عليه هذا اليوم الثالث جانباً وأتطلع إلى حكمة وقصد من يمتحنه. وهكذا، ففي الوقت الذي كان يجب أن يتم فيه كل شيء على الجبال، لم تكن هناك أية جبال في المنطقة المحيطة، وامتد السفر لمدة ثلاثة أيام، مزق القلق المزعج خلالها أحشاء الأب. وفي أثناء مهلة امتدت بهذا المقدار لا بد وأن كان إبراهيم يتأمل ابنه، ويتناول الطعام معه، ولا بد وأن كان الصبي يحتضنه أثناء هذه الليالي كلها ويقترب إلى صدره ويرتاح على قلبه. أنت ترى أن التجربة في أوجها، ومع ذلك يتناسب اليوم الثالث دائما وبشكل خاص مع الأسرار: فعندما أخرج الشعب من أرض مصر، فإنه في اليوم الثالث قدم ذبيحة لله وفي اليوم الثالث تطهر[17]، وحدثت قيامة الرب في اليوم الثالث[18]، وكثير من الأسرار الأخرى محتواة في هذا اليوم الثالث.

الحوار مع الخدم

5 يقول الكتاب “أبصر إبراهيم الموضع؛ إذ نظر من بعيد وقال لغلاميه: اجلسا أنتما ههنا مع الحمار، وأما أنا والغلام فنذهب إلى هناك، وبعدما نسجد نرجع إليكما[19].” صرف إبراهيم خادميه فلم يكن باستطاعتهما الصعود معه إلى المكان الذي عينه الله للمحرقة. ويقول: “اجلسا أنتما ههنا مع الحمار، وأما أنا والغلام فنذهب إلى هناك، وعندما نسجد نرجع إليكما[20].” قل لي، يا إبراهيم، هل تقول الحقيقة للغلامين بتأكيدك أنك ستسجد وبأنك سترجع مع الصبي، أم أنك تخدعهما؟ فإن كنت تقول الحقيقة، فإنك لن تقدم إذاً ابنك محرقة، ولكن إن كنت تخدعهما، فهذا لا يليق ببطريرك عظيم. فما هي إذن المشاعر التي تكشفها تلك الأقوال؟ يرد إبراهيم: أنا أقول الحقيقة وأقدم ابني محرقة، لذلك أنا أحمل من جهة الحطب معي وسأرجع إليكما من جهة أخرى مع الصبي لأني أؤمن وهذا هو إيماني “أن الله قادر بما يكفي ليقيمه من الأموات.[21]

الإعداد للمحرقة

6 ويقول الكتاب بعد ذلك “فأخذ إبراهيم حطبا للمحرقة ووضعه على ابنه إسحق، وأخذ بيده النار والسيف. فذهبا كلاهما معا[22].” أن يحمل إسحق بنفسه الخشب للمحرقة فهذا رمز للمسيح الذي تحمل بنفسه صليبه[23]“، غير أن حمل الحطب للمحرقة هو عمل الكاهن، فقد صار إذا هو نفسه الذبيحة والكاهن في ذات الوقت، والقول الذي يلي ذلك يتعلق بهذا السر: “وذهبا كلاهما معا، ففي الوقت الذي كان إبراهيم يحمل فيه النار والسكين ليذبح، لم يكن إسحق يسير خلفه ولكن معه، مظهراً بذلك أنه يقوم معه بالمثل بالوظيفة الكهنوتية.

وماذا بعد؟ يكمل الكتاب “قال إسحق لأبيه إبراهيم: يا أبي[24].” ها هو فعلاً في تلك اللحظة وفي كلام الابن صوت التجربة. أتتصور إلى أي درجة يستطيع صوت الابن هذا الذي سيذبح أن يقلب الأحشاء الأبوية؟ لذلك فبالرغم من صلابة إيمانه، فقد رد لابنه كلمة محبة وأجاب: “ماذا يا ابني؟” فقال إسحق “هوذا النار والحطب، ولكن أين الشاة للمحرقة؟” فأجاب “سيتعهد الله بالشاة للمحرقة، يا ابني[25].” يذهلني هذا الرد السديد والحكيم بما يكفي الذي لإبراهيم. لست أعلم ما كان يراه إبراهيم بالروح لأنه لا يتحدث عن الحاضر بل عن المستقبل قائلا “سيتعهد الله بالشاة[26]” يرد على ابنه الذي كان يستعلم عن الحاضر بالمستقبل، ذلك أن الرب نفسه كان لا بد وأن يتعهد بالشاة في شخص المسيح، لأن “الحكمة نفسها بنت لها بيتا[27]” وهو ذاته “قد وضع نفسه حتى الموت.[28]” وكل ما ستقرأه عن المسيح ستكتشف أنه قد قام به طوعاً وليس إجباراً.

 

في مكان تقديم الذبيحة

۷ “فواصلا كلاهما طريقهما، وأتيا إلى الموضع الذي حدده له الله[29]“. حين أتى موسى إلى الموضع الذي أراه الله إياه لم يكن لديه إذن بالصعود لكن قيل له أولاً: “حل سيور نعلي قدميك[30].” أما بالنسبة لإبراهيم وإسحق فلا شيء من مثل هذا، لقد صعدا دون أن يتركا أحذيتهما. والسبب في ذلك هو على الأرجح أن موسى وعلى الرغم من أنه كان “عظيماً[31]” إلا أنه كان قادماً من مصر وكانت لديه رباطات مائتة معقودة عند رجليه. أما عند إبراهيم وإسحق، فليس هناك مثل هذه الرباطات، ولكنهما “أتيا إلى الموضع المحدد”.

وقد بني إبراهيم المذبح ووضع عليه الحطب وربط الصبي واستعد ليذبحه[32]. أنتم هنا في كنيسة الله عدد كبير من الآباء الذين يسمعونني. لنر؛ هل حصل أحد منكم، عند رواية القصة وحدها، ما يكفي من الحزم ومن قوة النفس ليتخذ. في حالة إذا ما أفقده الموت العام والذي لا يفلت منه أحد ابناً وحيداً ومحبوباً بحنو – إبراهيم كمثال ويضع عظمة النفس هذه نصب عينيه؛ فهو لا يلزمك بهذه الحركة البطولية بأن تقيد ابنك بنفسك وتقهره وتعد السيف وتذبح بنفسك ابنك الوحيد، فهو لا يطلب منك كل هذه الفروض، ولكن على الأقل كن موطد العزم بالروح، وإذ تكون ثابتاً بالإيمان قدم بفرح ابنك لله. لتكن كاهن حياة ابنك: لا يجب على الكاهن الذي يقوم بالذبح لله أن يبكي. فهل تريد أن ترى أن هذا مطلوب منك؟ يقول الرب في الإنجيل “لو كنتم أولاد إبراهيم، لكنتم تعملون أعمال إبراهيم.[33]” وإذن! ها هو عمل الإبراهيم. اعملوا الأعمال التي عملها إبراهيم ولكن دون حزن “لأن الله يحب من يعطي بسرور.[34]” وإن كنتم مهيئين مثله لله، فسيقال لكم أنتم أيضاً “اصعد إلى المرتفعة وتسلق الجبل الذي أريك وهناك قدم لي ابنك[35].” “قدم ابنك” لا في أعماق الأرض ولا في “وادي الدموع[36]“، ولكن على قمم الجبال المرتفعة. أثبت أن إيمانك بالله أقوى من تعلقاتك الجسدية، لأن الكتاب يقول إن إبراهيم كان يحب ابنه إسحق، ولكنه جعل محبة الله قبل محبة الجسد، ووجد نفسه لا في أحشاء جسدية ولكن في أحشاء المسيح[37]“، أي في أحشاء الكلمة الإلهي والحقيقة والحكمة.

ذبيحة الطاعة

۸ ويقول الكتاب “مد إبراهيم يده ليأخذ السيف ويذبح ابنه، وناداه ملاك الرب من السماء وقال: إبراهيم، إبراهيم. فأجاب: هأنذا، فقال له الملاك: لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئاً، لأني الآن علمت أنك تخاف الله[38]” يؤاخذنا البعض عادة فيما يتعلق بهذه العبارة[39] على أن الله يقول إنه يعلم الآن أن إبراهيم يخاف الله، كما لو كان يجهله من قبل. كان الله يعلم هذا ولم يفته ذلك لأنه يعرف كل الأشياء قبل كونها[40]“، ولكن قد كتبت هذه الأشياء من أجلك أنت لأنك أنت أيضاً تؤمن بالله ولكن إذا لم تتمم “أعمال الإيمان[41]“، إذا لم تطع جميع الوصايا حتى وإن كانت أصعب، إذا لم تقدم ذبيحة وتثبت أنك لا تفضل “أباً أو أماً أو ابناً[42]” على الله، فلن يعترف بك كخائف الله ولن يقال عنك: “لأني الآن علمت أنك تخاف الله.[43]

غير أنه لا بد أن نأخذ بالاعتبار أن الكتاب قد وضع هذا القول إلى إبراهيم في فم ملاك وأن ما يتبع يظهر بوضوح أن هذا الملاك هو الرب[44]. ونستنتج من ذلك أنه إذا كان قد تعرف كإنسان من خلال ما بدا منه[45] بيننا نحن البشر، فهو بالمثل بين الملائكة قد غرف من خلال ما بدا منه كملاك، وتفرح الملائكة في السماء اقتداء به الخاطئ واحد يتوب[46]“، ويفتخرون بتقدم البشر، لأنهم بمثابة مديري أنفسنا، هم الذين، “ما دمنا أولادا[47]“، وكلنا إليهم كما إلى أوصياء ووكلاء إلى الوقت المحدد من الآب[48]“. هم أنفسهم أيضاً إذاً؛ إذ يرون تقدم كل واحد منا يقولون “الآن علمت أنك تخاف الله[49]“. فلدي على سبيل المثال رغبة الاستشهاد[50]، لن يستطيع ملاك أن يقول لي من أجل ذلك: “إني الآن علمت أنك تخاف الله لأن شهوة الروح لا يعلمها إلا الله وحده. ولكن إذا خضت الحروب واعترفت الاعتراف الحسن[51]، واحتملت بقوة كل ما يصيبني، فحينئذ يستطيع ملاك أن يقول لي ليثبتني ويقويني: “إني الآن علمت أنك تخاف الله”.

لكن لنعتبر أن هذه الأقوال قد قيلت لإبراهيم وأنه قد أعلن أنه يخاف الله. لماذا؟ لأنه لم يمسك ابنه. أما نحن، فلنقارن هذا بكلمات الرسول “الذي لم يمسك ابنه، بل أسلمه لأجلنا أجمعين[52]“. انظر كيف أن الله يتعامل مع البشر بكرم عظيم: لقد قدم إبراهيم الله ابناً فانياً دون أن يموت، أما الله فقد سلم من أجل البشر ابناً أبدياً للموت. فماذا نقول نحن عن هذا؟ “ماذا نرد للرب من أجل كل حسناته؟[53]” الله الأب بسببنا “لم يمسك ابنه[54]“، فقولوا لي من منكم سيسمع يوما صوت الملاك يقول له: “أنا الآن علمت أنك خائف الله، لأنك لم تمسك ابنك[55]” أو ابنتك أو زوجتك، ولم تمسك مالك أو أمجاد هذا الدهر وطموحات هذا العالم، ولكنك احتقرت لكل ذلك، وحسبت كل الأشياء نفاية حتى تربح المسيح[56]“، وتبعت كل شيء وأعطيته الفقراء وتبعت كلمة الله؟[57]” نعم قولوا لي من منكم سيسمع من فم ملائكة قولا مثل هذا؟ لقد سمع إبراهيم هذا القول وقيل له: “من أجلي لم تمسك ابنك الحبيب”[58].

الكبش. رمز المسيح الكاهن والذبيحة

9 يقول الكتاب “وإذ التفت إلى الوراء، نظر إبراهيم وإذا كبش ممسكاً في الغابة بقرنيه[59].” أعتقد أننا قلنا سابقاً إن إسحق كان يرمز للمسيح[60]، ولكن هنا يبدو الكبش أيضاً أنه يرمز للمسيح. ومن المثير للاهتمام أن نعرف كيف أن هذين الرمزين، إسحق الذي لم يذبح قط والكبش المذبوح يتطابقان مع المسيح.

المسيح هو كلمة الله، ولكن “الكلمة صار جسداً[61]“، وبالتالي هناك في المسيح شيء يأتي من فوق وآخر أخذ من الطبيعة البشرية ومن الأحشاء البتولية. لقد تألم المسيح إذاً ولكن كان هذا في الجسد، لقد تحمل الموت ولكنه تحمله في الجسد[62] والذي الكبش هنا هو رمز له. وقد قال القديس يوحنا بالمثل أيضاً “هوذا حمل الله، هوذا من يرفع خطية العالم[63]. ” أما “الكلمة على العكس، والذي هو المسيح بحسب الروح[64]، والذي إسحق هو صورة له، فقد ظل في عدم الفساد[65].” لذلك هو ذبيحة ورئيس كهنة في ذات الوقت. فهو حسب الروح يقدم الذبيحة لأبيه، وحسب الجسد هو نفسه مقدم على مذبح الصليب، لأنه كما قيل عنه “هوذا حمل الله، هوذا من يرفع خطية العالم[66]“، فقد قيل عنه أيضاً “أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق.[67]” وهكذا إذاً كان “الكبش ممسكا في الغابة بقرنيه”[68].

بركة تقديم الذبيحة

۱۰ يقول الكتاب فأخذ الكبش وقدمه محرقة عوضاً عن إسحق ابنه، فدعا إبراهيم اسم ذلك الموضع: الرب يرى”[69]. إن درب الفهم الروحي مفتوح علناً لمن يعرف أن يسمع، لأن كل هذه الأعمال تؤول إلى الرؤية. وقد قيل في الواقع إن “الرب يرى”، ولكن الرؤية التي يراها الله هي رؤية روحية، حتى تتأمل أنت أيضاً في أمور الكتاب بشكل روحي. وكما أنه لا يوجد في الله أي شيء مادي، هكذا لا ينبغي أن تجد أي شيء مادي في كل هذا. ولكنك تستطيع أن تلد روحياً أنت أيضاً إسحق كابن حين تحمل كثمر الروح “الفرح والسلام”[70].

هذا الابن لن تلده في النهاية. على غرار سارة، المكتوب عنها أنها ولدت إسحق بينما كانت عادة النساء قد انقطعت لديها[71]. إلا إذا انقطعت أيضاً في نفسك الإمكانيات النسائية[72] لدرجة ألا يكون لديك بعد الآن أي شيء نسائي ولا متأنث في نفسك، ولكن تسلك برجولة وبرجولة “تنطق حقويك”، وإلا إذا كان صدرك محمياً “بدرع البر، وإذا كنت مزوداً بخوذة الخلاص” وبسيف الروح[73].” فإذا انقطعت إذاً في نفسك الإمكانيات النسائية، فإنك تلد، مع امرأتك التي هي الفضيلة والحكمة، الفرح والتهليل. لكنك تلد الفرج حين تعتقد أن كل شيء يقع عليك في التجارب المتنوعة، هو فرح[74]“، وهذا الفرح تقدمه ذبيحة للرب.

وعندما تتقرب من الله في الفرح، يرد لك من جديد ما قدمته له ويقول لك: سترونني من جديد ويفرح قلبكم، ولن يسلب أحد فرحكم منكم.[75]” وهكذا إذاً ما تقدمه للرب يرد لك مرات عديدة[76]. هذا هو ما تشير إليه الأناجيل، وإن اختلف التشبيه، في المثل الذي تقول فيه أن رجلاً أخذ وزنة ليستثمرها ويعود لرب الأسرة بالمال. فإذا أتيت بعشر وزنات للخمسة التي تاجرت بها فيعطيك إياها ويتركها لك. اسمع ما يقوله الكتاب، تخذوا منه هذه الوزنة وأعطوها لمن له العشر وزنات[77]“. وهكذا يبدو إذا أننا نتاجر من أجل الرب ولكن الأرباح تعود إلينا، ويبدو أننا نقدم ذبائح للرب ولكن نحن الذين سنحصل بالمقابل على ما نقدمه. فالله في الواقع لا يحتاج إلى شيء ولكنه يريد أن نكون نحن أغنياء، كما يريد أن يكون تقدمنا في كل شيء.

ويبرز لنا ذلك أيضاً بشكل مجاني في ما حدث لأيوب. فهو، بينما كان غنياً، قد فقد هو أيضاً كل ممتلكاته من أجل الرب. ولكن من أجل أنه صمد ببسالة في معارك الصبر وأبدى خلقاً كريماً في كل آلامه وقال: “الرب أعطى، الرب أخذ، لقد حدث كما أراد الرب، فليكن اسم الرب مباركا[78]“، فانظر ما كتب عنه في النهاية: يقول الكتاب “وأخذ ضعف ما كان قد فقده.[79]” وهكذا أنت ترى أن فقدان شيء من أجل الله، هو استعادته مرات عديدة. وتضمن لك الأناجيل أكثر من ذلك أيضاً بما أنها تعدك “بمئة مثل وفوق ذلك “بالحياة الأبدية[80]” في المسيح يسوع ربنا “الذي له المجد والقوة إلى أبد الآبدين. آمين”[81].

 

[1] انظر: تك 22: 1.

[2] هذه العظة الرائعة تنبض بالمشاعر العميقة وتقدم لنا بأسلوب بسيط، بدون مغالاة أدبية، الصراع المأسوي الذي دار في نفس إبراهيم بين مشاعر الأبوة من جهة وواجب طاعة الله من جهة أخرى. وتعتبر هذه العظة مستندا قيما يمكننا من خلاله التعرف على شخصية أوريجينيس، فهو لم يكن فقط إخصائيا في الجدال أو معلما لا يكل للدين أو رجلا متلهفا الرؤية الله، ولكنه له أيضاً قلب حساس ورحيم، و روح تكشف أصداؤها الرقيقة والمتحفظة في ذات الوقت عن الغني والكرم. وقد تأثرت بهذه العظة أجيال كثيرة من المفسرين والرجال الروحيين، ويكفي أن نذكر هنا بعض الكتاب الذين اقتبسوا منه. فقد استلهم القديس غريغريوس النيصي في GREGOIRE DE NYSSE Orat De detaite 568 – 573  46 Filii et Spiritus Sancti , PG من أوريجينيس وصف المخاوف الأبوية، ولكن أسلوبه كان أكثر تعقيدا من أسلوب أوريجينيس فانصرف، إذا صح القول، إلى تضخيم المشاعر؛ انظر على الأخص الوصف التمثيلي للحظات الأخيرة حين كان السيف معلقا على رأس إسحق. أما القديس يوحنا ذهبي الفم في Sur la Prov. De Dieu X, 8-18, SC 79, p. 154-163,CHRYSOSTOME، فقد عبر بنفس النبرة المنفعلة عما أطلق عليه “طغيان الطبيعة” عند إبراهيم. وأكد القديس كيرلس السكندري في CYRILLE D ‘ ALEXANDRIE , Hom , Pasch . V , 6 – 7 , PG 77, 489- 497 على طاعة إبراهيم التي سيمت على محبة الجسد، وقدم ثانية العديد من أجزاء عظتنا هذه (أرسل الله الامتحان الإبراهيم وهو يعلم منفذه، وكان إبراهيم يؤمن بالقيامة). ويسجل القديس أمبروسيوس في AMBROISE , De Abrah . I , 66 – 79, CSEL 32, I, ،التفاصيل التي تجعل الامتحان أكثر إيلاما. أما القديس أغسطينوس فيAUGUSTIN, Enarr. In Ps. 30, serm. 2, 9, PL 36, 244-245 ; Ciu. Dei, طريقة أوريجينيس41, 510-511 PL ,32 ,16 فلم يعلق على تقديم إسحق ذبيحة بنفس ولكنه ركز على إسحق بالأخص کرمز للمسيح.

[3] انظر: تك 22: 2.

[4] انظر: تك 17: 5.

[5] انظر: عب 6: 18.

[6] انظر: 1كو 15: 9.

[7] انظر: 1كو 14: 32.

[8] انظر: عب 11: 17، 19.

[9] انظر: تك 22: 1-2.

[10] انظر: تك 22: 1-2.

[11] انظر: تك ۲۲: ۲.

[12] انظر: تك ۲۱: ۱۲؛ رو۹: ۷، ۸؛ عب ۱۸:۱۱؛ غل ۳: 16، ۱۸؛ غل 4: ۲۳.

[13] انظر: تك ۲۲: ۲.

[14] المقصود هنا هو الحب وليس الابن الوحيد.

[15] انظر: تك 22: 3.

[16] انظر: تك 22: 3.

[17] انظر: خر 19: 11، 15، 16؛ 24: 5.

[18] انظر: مت 27: 63؛ مر 8: 31.

[19] انظر: تك 22: 4-5.

[20] انظر: تك 22: 5.

[21] انظر: عب 11: 19.

[22] انظر: تك 22: 6.

[23] انظر: يو 19: 17.

[24] انظر: تك 22: 7.

[25] انظر: تك 22: 7-8.

[26] انظر: تك 22: 8.

[27] انظر: أم ۹: ۱.

[28] انظر: في 2: 8.

[29] انظر: تك 22: 8-9.

[30] انظر: خر 3: 5.

[31] انظر: خر 11: 3.

[32] انظر: تك 22: 9، 10.

[33] انظر: يو ۸: ۳۹.

[34] انظر: ۲ کو ۹: ۷.

[35] انظر: تك 22: 2.

[36] انظر: مز ۷:۸۳ (حسب السبعينية).

[37] انظر: في 1: 8.

[38] انظر: تك 22: 10-12.

[39] المقصود هنا هو مرکیان. ارجع إلى العظة 4: 6.

[40] انظر: دا 13: 42.

[41] انظر: 2 تس 1: 11.

[42] انظر: مت 10: 37.

[43] انظر: تك 22: 12.

[44] هذه الفكرة ستتكرر لاحقاً في العظة 14: 1.

[45] انظر: في 2: 7.

[46] انظر: لو 15: 10.

[47] انظر: غل 4: 3.

[48] انظر: غل 4: 2.

[49] انظر: تك 22: 12.

[50] في هذا الوقت كانت فكرة الاستشهاد تسيطر على المجتمع المسيحي، انظر ما ورد سابقا في العظة ۷: ۳.

[51] انظر: 1 تي 6: ۱۲.

[52] انظر: رو ۸: ۳۲.

[53] انظر: مز 115: ۳ (بحسب السبعينية).

[54] انظر: رو ۸: ۳۲.

[55] انظر: تك ۲۲: ۱۲.

[56] انظر: في ۳: ۸.

[57] انظر: مت 19: 21.

[58] انظر: تك ۲۲: ۱۲.

[59] انظر: تك 22: 13.

[60] تلميحات سريعة إلى هذا الرمز وردت في نهاية رقم 1، وبداية رقم 6.

[61] انظر: يو 1: 14.

[62] يؤكد أوريجينيس أن السيد المسيح إله وانسان في نفس الوقت. والتعبير عن هذا التعليم، مهما كان بسيطا، إلا أنه لا يقود لا إلى الآريوسية ولا إلى الدوسيتية.

[63] انظر: يو ۱: ۲۹.

[64] المقصود هنا هو اللاهوت، لأن أوريجينيس كان يريد أن يميز في المسيح الواحد بين اللاهوت الذي لا يموت (والذي يرمز له إسحق والناسوت الذي مات (والذي يرمز له الكبش).

[65] انظر: 1كو 15: 42.

[66] انظر: يو۱: ۲۹.

[67] انظر: مز 4:۱۰۹ (حسب السبعينية).

[68] انظر: تك 22: 12.

[69] انظر: تك 22: 13-14.

[70] انظر: غل 5: ۲۲.

[71] انظر: تك 18: 11.

[72] انظر: تث ۳۱: 6.

[73] انظر: أف 6: 14، 17.

[74] انظر: يع 1: ۲.

[75] انظر: يو 16: ۲۲، ۱۷.

[76] ارجع إلى عظات أوريجينيس على سفر العدد 12: 3.

[77] انظر: مت ۲۰: 16 إلى باقي الإصحاح؛ لو 19: 24.

[78] انظر: أي 1: ۲۱.

[79] انظر: أي 42: 10.

[80] انظر: مت ۱۹: ۲۹.

[81] انظر: 1بط 4: 11؛ رؤ 1: 6.

العظة الخامسة لوط وبناته – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الخامسة لوط وبناته – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الخامسة لوط وبناته – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

ضيافة لوط

1 كان الملاكان المرسلان لإهلاك سدوم يتوقان إلى الوفاء بما أوكل إليهما في أسرع وقت، معتنين أولاً بمضيفهما لوط لينقذاه، نظراً إلى حسن ضيافته، من النار الوشيكة التي ستدمر كل شيء.

اسمعوا هذا يا من تغلقون بابكم في وجه الغرباء. اسمعوا يا من تتحاشون الضيف كعدو. كان لوط يعيش في سدوم، ولا يذكر الكتاب عنه أي عمل حسن آخر قام به سوى تلك الاستضافة. فقد أفلت من النيران المدمرة، وأفلت من الحريق، لسبب وحيد وهو أنه قد فتح بيته للضيوف. فقد دخل الملاكان إلى بيته المضياف، أما النيران فهي التي دخلت المنازل غير المضيافة.

الكمال الناقص عند لوط

لنتأمل أقوال الملاكين لمضيفهما في مقابل حسن ضيافته: “خلص حياتك عند الجبل لئلا تهلك[1]. كان لوط بالتأكيد مضيافاً، فهو الذي، بشهادة الكتاب المقدس، نجا من الموت لأجل استضافته للملاكين[2]. إلا أنه لم يكن كاملاً لدرجة أن يتمكن من الصعود على الجبل فور خروجه من سدوم، لأنه للكاملين فقط أن يقولوا: رفعت عيني إلى الجبال، من حيث سيأتيني العون”[3]. وإجمالاً فإن لوط لم يكن شريراً لدرجة أن يهلك مع مستوطني سدوم، ولم يكن أيضاً باراً بما فيه الكفاية بحيث يقدر أن يسكن مع إبراهيم على المرتفعات، وإلا ما كان إبراهيم قد قال له: “إن ذهبت يمينا فأنا أذهب شمالا، وإن ذهبت شمالاً فأنا أذهب يميناً[4]“. وما كانت مساكن سدوم لتناسبه. لقد كان لوط إذاً على نحو ما في الوسط بين الكاملين والهالكين، وإذ يعلم أنه لم يكن من القوة ما يجعله يتسلق الجبل، اعتذر باحترام وتواضع قائلاً: “وأنا لا أقدر أن أخلص في الجبل، ولكن هوذا مدينة صغيرة جدا، هناك أنجو. وهي ليست صغيرة تماماً[5]” فدخل إلى مدينة صوغر الصغيرة جداً حيث نجا[6]، وبعد ذلك صعد إلى الجبل مع ابنتيه[7].

هل من الممكن أن تسترد سدوم طهارتها؟

وعند الخروج من سدوم، لم يتمكن [لوط] من الصعود إلى الجبل، على الرغم من أن الكتاب قال عن سدوم قبل هلاكها، حينما اختار لوط أن يسكن فيها، إنها كانت “كجنة الله وكأرض مصر[8]” ولكن، لنخرج قليلاً عن الموضوع: أي تشابه من الممكن أن يكون بين جنة الله وأرض مصر حتى تقارن أيضاً سدوم بهما؟ هذا هو رأيي: قبلما أخطأت، كانت سدوم مثل “جنة الله طالما كانت تحتفظ ببساطة الحياة التي بلا لوم، ولكن حين بدأت تذبل وتظلم في نجاسات الخطايا، صارت “مثل أرض مصر.”

ولكننا نتساءل أيضاً، حيث إن النبي يقول: “أختك سدوم سترجع إلى حالتها القديمة[9]“، إذا ما كان هذا الرجوع يستوجب أن تعود سدوم مثل جنة الله أم فقط مثل أرض مصر؟ إنني أشك من ناحيتي أنه يمكن لخطايا سدوم أن تزال ولجرائمها أن تطهر بشكل كامل بحيث نستطيع أن نقارنها، عقب رجوعها، ليس فقط بأرض مصر ولكن أيضاً بجنة الله، إلا أن هؤلاء الحريصين على تأكيد هذا الأمر سيرهقوننا جداً بإصرارهم على الكلمة التي أضيفت إلى الوعد، لأن الكتاب لم يقل أن “سدوم سترجع بلا زيادة، ولكن أن “سدوم سترجع إلى حالتها القديمة[10]“، وسيؤكدون أن حالتها القديمة ليست أنها كانت مثل “أرض مصر” ولكن “كجنة الله[11].”

امرأة لوط

۲ لكن لنعد إلى لوط، فقد هرب من خراب سدوم مع امرأته وابنتيه، وكان قد أخذ من الملاكين توصية بعدم النظر إلى الوراء[12] وتوجه إلى صوغر. ولكن ها هي امرأته تنسى الأمر وتنظر إلى الوراء” وتخالف الشريعة الموضوعة، وتحولت إلى تمثال ملح[13].” قولوا لي هل كان هناك، من جهة هذه المرأة وفي هذه النظرة إلى الوراء، خطية كافية لتستحق الموت الذي كانت قد نجت منه بفضل الله؟ وبالنسبة لهذه المرأة ذات الروح المضطربة، ما الذي جعل فعل النظر إلى الوراء، حيث زفير النيران العجيب والمرعب، بهذه الخطورة؟ ولكن بما أن “الناموس روحي[14]” وأن ما حدث للقدماء “أصابهم مثالاً[15]“، لنر إذا ما كان لوط الذي لم ينظر خلفه، يمثل العقل والإرادة الصلبة، في حين تمثل زوجته هنا الجسد[16]، لأن الجسد هو الذي ينظر باستمرار ناحية الرذائل، وفي حين تنزع الإرادة نحو الخلاص، ليظلا هو الذي ينظر إلى الوراء ويبحث عن الملذات. لذلك قال الرب: “كل من يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء لا يصلح لملكوت الله[17]“، ويضيف “تذكروا امرأة لوط”[18]. يبدو إذن أن الكتاب ذكر أنها تحولت إلى تمثال ملح ليشير إلى عدم حكمتها، فالملح يرمز إلى الحرص الذي انعدم لديها.

وواصل لوط إذاً إلى صوغر، وهناك، بعد أن استعاد القوة التي لم يستطع أن يحوزها في سدوم، صعد إلى الجبل ومكث هناك، وفقاً النص الكتاب، هو وابنتاه معه[19]“.

التفسير الحرفي لخطية لوط: الثمالة

3 تأتي بعد ذلك هذه القصة الشهيرة، حيث نرى ابنتي لوط تستعدان للاتحاد خلسة مع أبيهما[20]. ولست أدري هنا إن كانت الأعذار التي من الممكن أن نعطيها للوط كافية لإعفائه من أي خطأ، ولا أظن بالأكثر أننا ينبغي أن نحمله ذنوباً لدرجة أن نحمله ذنب زنا بهذه الخطورة، لأنني أعلم أنه لم يعتد لا بالحيلة ولا بالعنف على عفة ابنتيه، ولكنه سقط بالأحرى في الشرك، وتم خداعه من خلال حيلة ماهرة، إلا أن ابنتيه ما كانتا قد خدعتاه لو لم يكن قد ترك نفسه يسكر. لذلك فهو يبدو لي مذنباً جزئياً ومعذوراً جزئياً، معذور لأنه لم يتورط في خطية شهوة وفجور، ولا يمكن أن نوبخه لا على أنه أرادها ولا على أنه جعل شريكاً فيها، ولكنه مذنب لأنه ترك نفسه ليخدع، ولأنه أحب الخمر كثيراً وذلك لمرتين بدلاً من مرة واحدة[21]. ويبدو لي أن الكتاب المقدس نفسه يلتمس له العذر بشكل ما عندما يقول: “ولم يعلم متى اضطجع معهما ومتى قام[22]“، ولم يقل ذلك عن ابنتيه اللتين خدعتا أبيهما بعلم ومهارة. أما لوط، فقد استغرق في النوم تحت تأثير الخمر بحيث لم يتبين أنه قد اضطجع لا مع ابنته الكبرى ولا مع الابنة الصغرى.

اسمعوا عواقب السكر. اسمعوا أية جرائم يسببها السكر اسمعوا واحترسوا، أنتم الذين لا يمثل هذا الشر لديكم خطية ولكن [تعتبروه مجرد] عادة. لقد خدع السكر من لم تخدعه سدوم، وقامت نساء متقدات بحرق من لم تحرقه نيران الكبريت المدمرة. لقد خدع لوط إذن بالحيلة بلا قصد، لذلك فهو يشغل نوعاً من المكانة المتوسطة بين الخطاة والأبرار، هو الذي لكونه من أسرة إبراهيم لم يسكن في سدوم لعند خرابها. لأنه إن كان قد استطاع أن يهرب من سدوم كما يقول الكتاب، فهو يدين بذلك لحكمة إبراهيم أكثر بكثير مما لاستحقاقاته الشخصية. فالكتاب يقول في الواقع: وحدث أنه لما أخرب الله مدن سدوم أنه ذكر إبراهيم، وأخرج لوطا من هذه الدائرة.[23]

 خطأ أبنتي لوط: خطايا الجسد

4 أما بالنسبة إلى نية ابنتيه، فأعتقد أنه لا بد من فحصها عن كثب أكثر، حتى لا ننسب لهما ذنباً أكثر مما يمكن تصوره. يخبرنا الكتاب في الواقع أنهما قالتا الواحدة للأخرى: “أبونا قد شاخ بالفعل، وليس في الأرض أحد ليدخل علينا كعادة كل الأرض. هلم نسقي أبانا خمراً ولنضطجع معه، ولنحيي من أبينا نسلاً[24]” وبالرجوع إلى ما قاله الكتاب عنهما، يبدو أنه يعذرهما أيضاً بشكل ما. لأننا نرى أن ابنتي لوط كانت لديهما بعض المعرفة عن نهاية العالم التي ستأتي بالنار، ولكن كمعرفة الفتيات، كانت معرفتهما غير كاملة وناقصة.

فهما لم تعرفا أنه إلى جانب بلدة سدوم التي دمرتها النيران، كان هناك أيضاً الكثير من المساحات السليمة في العالم وقد سمعتا أنه في نهاية الدهر سوف تدمر الأرض وكل العناصر من شدة النار[25]. لقد رأتا النار وشاهدنا حريق الكبريت ونظرتا دمار كل شيء، ورأتا أيضاً أن والدتهما لم تنج، فتصورتا أن هناك شيئاً ما يحدث شبيها بما تعرفاه عن زمن نوح، وأنهما قد بقيتا وحيدتين مع أبيهما لضمان ذرية البشر. لذلك أتتهما الرغبة في تجديد الجنس البشري، واعتقدتا أن العالم الجديد لا بد وأن يأتي منهما. ولذلك، وهما يعلمان جيداً أن خداع أبيهما والاتحاد معه هما خطية كبيرة، فقد بدا لهما على الرغم من ذلك أنه إثم أعظم، كما اعتقدتا، أن تبددا الأمل في نسل بشري من خلال الحفاظ على عفتهما. لذلك فقد نفذتا تدبيرهما بذنب هو في رأيي أقل، خاصة وأن الأمل والدوافع هما أكبر. لقد بددتا حزن والدهما وتغلبنا على عناده بواسطة الخمر. وإذ دخلتا كل منهما لليلة واحدة إلى أبيهما، حبلتا منه دون علمه.

ولم تكررا ذلك ولم ترغبا في ذلك مرة أخرى، فهل يمكننا في كل ذلك أن نبرهن لهما عن ذنب فجور أثيم أو عن ارتكاب إجرامي للمحارم؟ هل يمكننا وصف ما لم يحدث سوى مرة واحدة بأنه رذيلة؟ إنني أخشى أن أقول رأيي بصراحة. نعم فأنا أخشى أن يكون ارتكابهما المحارم أكثر عفة من عفة الكثير من النساء.

فلتفحص النساء المتزوجات أنفسهن ولتتساءلن إن كانت لا تلتمسن أزواجهن إلا من أجل إنجاب الأطفال، وإن كانت تتوقف عن ذلك عندما تحمل[26]. إن ابنتي لوط اللتين نعتقد أنهما مذنبتان بارتكاب المحارم، لم تطلبا الاتحاد الزيجي بمجرد أن حملتا. فهناك نساء. ونحن لا نوبخ كل النساء دون تمييز ولكن البعض منهن اللائي لا يتوقفن عن المواظبة على الشهوة بإفراط مثل الحيوانات، ولن أشبههن أيضاً حتى بالبهائم؛ إذ إن أنثى البهائم تعرف على الأقل كيف تمتنع عن الذكور أثناء حملها. هذه الأنواع من الذكور يستنكرها أيضاً الكتاب عندما يقول: “لا تكونوا كالفرس والبغل الذين بلا فهم[27]“، وأيضاً: “صاروا حصنا معلوفة[28].” أما أنتم يا شعب الله، “الذين يحبون المسيح في عدم فساد[29]“، فافهموا كلام الرسول عندما يقول: “سواء كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون أي شيء آخر، فافعلوا كل شيء لمجد الله[30]“. من خلال هذا الجزء من الآية: “أو تفعلون أي شيء آخر الذي يلي الشرب والأكل، أشار الرسول في أسلوب مملوء احتشاما إلى الأفعال غير اللائقة التي للزواج، مظهرا أنها أيضاً تتم لمجد الله، بشرط ألا يتم السعي إليها إلا بقصد النسل.

التفسير الرمزي

إلى هنا نكون قد عرضنا قدر ما استطعنا سواء أخطاء لوط وابنتيه أو ما يجعلهما في المقابل معذورين.

5 ولكن من جهة الرمز، فأعرف بعضاً قد أرادوا أن يعطوا لوط دور الرب، وأن يجعلوا من ابنتيه [رمزاً] للعهدين. وأنا أشك في أن يتمسك أحد ممن يعرف أقوال الكتاب حول الموآبيين والعمونيين، الذين بالنسب هم من نسل لوط، بطيب خاطر بهذا التفسير، لأنه كيف نطبق على المسيح أن الذين من نسله حتى “الجيل الثالث والرابع[31]” “لن يدخلوا في جماعة الرب[32]؟”

لوط: رمز للشريعة

أما بالنسبة لنا، وبقدر ما نستطيع أن نرتئي، فنحن نجعل لوط رمزاً للناموس، ولا يجب أن نري ذلك غريباً لأنه إذا كانت كلمة “ناموس” مؤنثة عندنا، إلا أنها مذكرة في اللغة اليونانية[33]. أما فيما يخص زوجته، فنجعلها رمزاً للشعب الذي خرج من مصر وعبر البحر الأحمر وهرب من ملاحقات فرعون كما لو كانت حرائق سدوم. ولكن هذا الشعب. إذ تحسر على اللحم وعلى “ثوم وبصل وخيار مصر[34]“. نظر إلى الوراء وسقط في الصحراء، صائراً هو أيضاً تذكاراً للشهوة في قلب الصحراء[35]. ويكون الناموس هنا إذاً بالنسبة إلى هذا الشعب الأول، مثل لوط الذي فقد زوجته وتركها لأنها نظرت إلى الوراء.

ومنطلقاً من هناك، جاء لوط ليسكن في صوغر والتي يقول عنها: “هذه المدينة صغيرة جداً، فتنجو نفسي فيها، وهي ليست صغيرة للغاية[36]“. فلنر طبقا للشريعة ما تعنيه “مدينة صغيرة جداً وليست صغيرة للغاية” إن كلمة “مدينة” تطلق من جهة “نمط الحياة التي يعيشها عدد كبير من البشرة، بسبب أن المدينة توحد وتضم حياة كثيرين[37]. وعليه، فإن الذين يحيون في الناموس لهم حياة حقيرة وضعيفة طالما يفهمون الناموس حسب الحرف. لأنه لا يوجد شيء عظيم في حفظ الأهلة والسبت والختان وتمييز الأطعمة جسدياً. ولكن إن فهمناها روحياً، فإن هذه الشعائر نفسها التي كانت بحسب الحرف ضعيفة وقاصرة، لا تكون بعد ضعيفة بل عظيمة.

ابنتا لوط: رمز الشعب المنساق وراء شهوات الجسد

بعد ذلك يصعد لوط إذاً إلى الجبل ويسكن في المغارة”، كما يقول الكتاب هو وابنتاه[38]“. ويمكننا أن نتصور أن الناموس أيضاً قد صعد، لأن الهيكل الذي بناه سليمان قد أضاف له زينة، فقد أصبح [الناموس] هو “بيت الله، بيت صلاة[39]“، ولكن الأشرار الذين كانوا ساكنين فيه قد جعلوا منه “مغارة لصوص[40]“.

سكن لوط إذا في المغارة مع ابنتيه، ومما لا شك فيه أنهما أي الابنتين هما من يشير إليهما النبي عندما يقول إن أهولة وأهوليبة هما أختان. أهولة هي أورشليم وأهوليبة هي السامرة[41]، وإذ انقسم الشعب إلى إثنين، صار كابنتين للناموس. وإذ أرادتا أن يتكاثر النسل الأرضي وأن تتوطد قوات المملكة الأرضية من خلال نسل وافر، فقد أنعسا وأناما أبيهما، أي أنهما أخفتا وأظلمتا حسه الروحي، ولم تحتفظا سوى بالحس الجسدي. لذلك حملتا وأنجبتا بنيناً بحيث يكون ذلك دون علم الأب ودون أن يعرفهما. لم يكن لا روح الناموس ولا إرادته أن يلد نسلاً جسدياً ولكن ينام الناموس حتى يمكن لمثل هذا النسل الذي لن يدخل في جماعة الرب” أن يولد. وفي الواقع يقول الكتاب: “لا يدخل العمونيون ولا الموآبيون في جماعة الرب حتى الجيل الثالث والرابع وإلى الأبد[42]“، مما يعني أن نسل الناموس الجسدي لا يدخل إلى كنيسة المسيح لا إلى الجيل الثالث بسبب الثالوث، ولا إلى الجيل الرابع بسبب الأناجيل الأربعة، ولا إلى آخر الدهر ولكن ربما فقط عقب هذا الدهر الحاضر حين تكون جموع الأمم قد دخلت وهكذا سيخلص جميع إسرائيل.[43]

هذا هو ما وجدناه، عند تعمقنا بقدر استطاعتنا في المعنى الرمزي، حول لوط وامرأته وابنتيه. ولكننا لا ننوي أن نمنع من يستطيعون من أن يجدوا تفسيراً أكثر عمقاً لهذا السر.

عظة أخلاقية

6 أما بالنسبة لشرحنا الذي قمنا به منذ قليل في عرض أخلاقي، والذي فيه جعلنا من لوط [رمزاُ] للعقل والإرادة الصلبة، ومن زوجته التي نظرت للوراء لرمزا للجسد المنكب على الشهوات ومتع الحواس، فأنت يا من تستمع إلي، لا تأخذه [أي الشرح] بتهاون، لأنك يجب أن تكون محترساً: فحين تهرب بعيداً عن نيران الدهر وتنجو من حريق الجسد، حتى حين تتجاوز “مدينة صوغر الصغيرة جداً وهي ليست صغيرة تماماً[44]” مما يمثل مكانة متوسطة وتقدماً بالنسبة لمدينة، وحين تصل إلى ارتفاع العلم[45] كما على بعض قمم الجبال، فحذار عندئذ من إشراك هاتين الفتاتين اللتين لا تتركانك واللتين تصاحبانك حتى عندما تكون قد تسلقت الجبل، أقصد المجد الباطل وأخته الكبرى، الكبرياء. حذار من أن توثق إنك بحبائلهما في حين تظن أنك لا تشعر أو تلاحظ شيئاً؛ إذ تكون غافلاً ونائماً. وإذا كان الكتاب قد دعاهما “ابنتين” فذلك لأنهما لا تأتياننا من الخارج ولكنهما تتولدان من داخلنا وتشكلان بطريقة ما جزءًا مكملاً لأفعالنا. فلتسهر إذا بأقصى جهدك، ولتتحاش أن توجد لهما أبناء، لأن الذين سيولدون منهما “لن يدخلون إلى كنيسة الرب[46]” وبالنسبة لك، إن كنت تريد نسلاً، فأقمه في الروح لأن “من يزرع في الروح فمن الروح يحصد الحياة الأبدية[47]” وإن ابتغيت من تصاحبه، فلتصاحب الحكمة وقل إن الحكمة هي أختك[48]“، حتى تقول الحكمة عنك: “من يصنع مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي[49]“، فهذه الحكمة هي ربنا يسوع المسيح “الذي له المجد والقوة إلى أبد الآبدين. آمين”.

[1] انظر: تك 19: 17.

[2] انظر: عب ۱۳: ۲.

[3] انظر: مز ۱۲۰: ۱ (بحسب السبعينية).

[4] انظر: تك 13: 9.

[5] انظر: تك 19: 19-20.

[6] انظر: تك 19: 23.

[7] انظر: تك 19: 30.

[8] انظر: تك 13: 10.

[9] انظر: حز 16: 55.

[10] نظر: حز 16: 55.

[11] ترك الإتمام الحرفي لقول الكتاب المقدس أوريجينيس متحيرا، حيث يؤكد سفر التكوين۱۳: ۱۰ أن أرض سدوم، عندما جاء لوط ليقيم فيها، كانت “مثل جنة الله ومثل أرض مصر” وقد قال حزقيال 16: 55 إن سدوم سترجع إلى حالتها الأولى. إلا أنه بعد مضي ما يقرب من ۳۰۰۰ عام، لم ترجع سدوم إلى ما كانت عليه. والحقيقة أن طول الفترة المنقضية هو ما جعل أوريجينيس متحيرا وهو ما دفعه للتساؤل عما إذا كان هذا الرجوع سيحدث بالفعل، ولكنه كان يميل رغما عن ذلك إلى فكرة رجوع سدوم نظرا للتطبيقات الروحية التي كان يستخلصها من هذه الفكرة. انظر عظاته في سفر حزقيال۱۲: 3 ، حيث نلمس نفس نبرة التردد الموجودة هنا.

[12] انظر: تك 19: 17.

[13] انظر: تك 19: 26.

[14] انظر: رو ۷: 14.

[15] انظر: 1كو 10: 11.

[16] أشار فيلو إلى أن امرأة لوط التي صارت عمود ملح ترمز إلى الإحساس عند الإنسان، الذي يترك الفضيلة ويتوجه نحو المجد الباطل والغني والقوة والجمال.

De fuga et inu. 122; Leg. Alleg. 3, 213

[17] انظر: لو 9: 62.

[18] انظر: لو 17: 32.

[19] انظر: تك 19: 30.

[20] انظر: تك 19: 31-38.

[21] حاول المفسرون المسيحيون في عصر أوريجينيس إيجاد الأعذار للوط وابنتيه. وكانت الأعذار التي قدموها هي نفسها لعدة قرون بعد ذلك. فنجد إيرينيوس (ضد الهرطقات 4: ۳۱: ۱) يعذر لوطا “لأنه لم يرتكب هذا الزنا لا بإرادته ولا بشهوة جسدية منه ولم يكن لديه لا رؤية ولا فكر عن هذا الفعل.” أما (ابنتا لوط) فقد تصورتا بسذاجة أن كل البشر قد هلكوا مثل أهل سدوم، و أن غضب الله قد احتدم على الأرض كلها. لذلك يمكن التماس العذر لهما إذ إنهما اعتقدنا أنه لم يبق سواهما مع أبيهما لحفظ الجنس البشري، وأنه لهذا السبب قد خدعتا والدهما. أما أوريجينيس فقد استشهد في (ضد کلسوس 4: 45) بالنظرية الرواقية التي تقول إن الحكيم الذي بقي وحيدا مع ابنته عقب الكارثة العامة، كان مسموحا الله بالاتحاد معها لاستمرار الجنس البشري. إلا أن البعض قد وجد في تصرف الفتاتين فعلا مشيئا. فيضيف أوريجينيس: “إن الكتاب المقدس لم يؤيد بوضوح في واقع الأمر ما فعلتاه ابنتا لوط، ولكنه في نفس الوقت لم يدنهما ولم يلمهما.” وبعد أوريجينيس جاء القديس يوحنا ذهبي الفم (عظات على سفر التكوين 44: 4-5) ليعطي، مع الكثير من الاحتياطات الخطابية، نفس الأعذار للوط وابنتيه. ولم يختلف فيما بعد كل من ثيؤدوریت وأمبروسيوس وأغسطينوس عن تلك الآراء كثيراً.

[22] انظر: تك 19: 35.

[23] انظر: تك 19: 29.

[24] انظر: تك19: 31-32.

[25] انظر: 2بط 3: 12.

[26] انظر: العظة 3: 6.

[27] انظر: مز 31: 9 (بحسب السبعينية).

[28] انظر: إر 5: 8.

[29] انظر: أف 6: 24.

[30] انظر: 1كو 10: 31.

[31] انظر: خر 34: 7.

[32] انظر: تث 23: 3.

[33] من الواضح أن هذه الملاحظة ترجع إلى روفينوس. وكان لأوغسطينوس نفس هذا الفكر بعد قرن ونصف من أوريجينيس في كون لوط هو رمز الشريعة.

[34] انظر: ع 11: 5.

[35] انظر: مز 105: 14 (حسب السبعينية).

[36] انظر: تك 19: 20.

[37] هذا التعريف مستوحى من أفلاطون (الجمهورية ۲: ۱۱): “تجمع كثرة الاحتياجات العديد من البشر في نفس المكان، فيتحدوا ليساعدوا بعضهم البعض: ولقد أعطينا هذا المجتمع اسم مدينة”.

[38] انظر: تك 19: 30.

[39] انظر: إش 56: 7؛ لو 19: 46.

[40] انظر: إر 7: 11؛ مت 21: 13.

[41] انظر: حز ۲۳: 4. لينتبه القارئ إلى أن الكتاب المقدس يجعل أهولة رمزا للسامرة وأهوليبة لأورشليم.

[42] انظر: تث 23: 3؛ خر 34: 7.

[43] انظر: رو 11: 25-26.

[44] انظر: تك 19: 20.

[45] المقصود بالعلم هنا هو الكمال الأخلاقي، علم الحياة الروحية المطبقة، وليس العلم النظري.

[46] انظر: خر 34: 7؛ تث 23: 3.

[47] انظر: غل 6: 8.

[48] انظر: أم 7: 4.

[49] انظر: مت 12: 50.

العظة الثالثة ختان إبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثالثة ختان إبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثالثة ختان إبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

ختان إبراهيم

العظة الأولى – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

 

إشكالية إنسانية الله في الكتاب المقدس

1 نحن نقرأ في العديد من مقاطع الكتاب المقدس أن الله يتكلم مع البشر. وعلى ذلك، اعتقد اليهود، وحتى بعض من خاصتنا[1]، أنه يجب فهم الله كإنسان، أي لديه من الإنسان الأعضاء والهيئة الخارجية. لكن الفلاسفة ازدروا بذلك باعتباره أساطير وتخيلات من نوع التلفيقات الشعرية. هذا هو ما كنت أود بداية أن أحدثكم به في كلمات قليلة ثم أعود إلى ما تم قراءته.

لنتوجه إذاً في البداية إلى الذين من الخارج الذين يزعجوننا بقولهم إنه لا يليق أن يكون الإله سام، غير مرئي وغير مادي كإلهنا سلوك بشري. لأنكم، وفقا لما يقولون، إذا نسبتم له استخدام الكلمات، فيجب أن تعطوه من هنا أيضاً فما ولسانا والأعضاء الأخرى اللازمة للكلام، وفي تلك الحالة تكونون قد تركتم الإله غير المرئي وغير الجسدي. وعن طريق تعقيد وإكثار الحجج التي من هذا النوع يربكون قومنا، ولذا نحن بمعونة صلواتكم سنقوم بالقدر الذي سيسمح به الرب بالرد عليهم بإيجاز.

الله ليس له جسد

۲ بالنسبة لنا، نحن نعتبر أن الله غير مادي، عالي قدير وغير مرئي، ونحن نعلن أيضاً وفقاً لتعليم أكيد وثابت[2] أن الله يهتم بالكائنات الفانية وأنه لا شيء لا في السماء ولا على الأرض يتم دون عنايته. انتبها فنحن نقول دون عنايته وليس “دون إرادته”. لأنه إذا كانت هناك أشياء كثيرة تحدث دون إرادته[3] فإنه لا يوجد شيء يحدث دون عنايته. فإن العناية الإلهية هي التي ينظم الله بها الكون ويديره ويدبر كل الأشياء، أما الإرادة فهي التي من خلالها يريد الله أو لا يريد شيء ما. ولكن لتعبر عن هذا الموضوع، إذ أنه طويل وواسع جداً.

إن كان الله يدبر، كما نؤمن نحن، كل شيء ويدير كل شيء، فينتج عن ذلك أنه يعلم البشر بمشيئته وبما هو نافع لهم. وإذا لم يفعل ذلك، فلن يكون هو من يوفر احتياجات الإنسان ولا من يهتم بالكائنات الفانية. إذاً، بما أن الله يعلن للبشر عما يريدهم أن يفعلوه، فأي سلوك بالحري يجب أن نقول إنه يتبعه ليعلن ذلك؟ ألن يكون هو السلوك الذي يستخدمه البشر ويعرفونه؟ لأننا إذا قلنا على سبيل المثال إن الله يلزم الصمت، الأمر الذي نراه متوافقاً مع طبيعته، فكيف نظن أنه قد أعلن عن شيء بواسطة هذا الصمت؟ ولكننا في الحقيقة نقول إن الله قد تكلم حتى يدرك البشر. الذين يعرفون أنه من خلال تلك الوسيلة يعلن الشخص عن إرادته للآخر. أن الأقوال التي ينقلها لهم الأنبياء هي إشارات لمشيئة الله. وعلى كل حال، نحن لا نعلم إن كانت مشيئة الله محتواة فيها أي في تلك الأقوال إلا إذا قيل إن الله هو الذي عبر عنها، لأنه غير وارد على الإطلاق أن يستخدم الصمت للدلالة على المشيئة بين البشر. ولكن خلافا لخطأ اليهود، أو حتى البعض منا الذين يضلون معهم[4]، فنحن لن نذهب في حديثنا إلى الاعتقاد بأنه بسبب الضعف البشري الذي لا يمكنه سماع الله إلا حسب الواقع والكلمات التي يعرفها، فإن الله يتعامل في ذلك بأعضاء شبيهة لأعضائنا وبسلوك بشري. فهذا غريب على إيمان الكنيسة.

أعمال الله بعبارات بشرية

لكن القول إن الله يتحدث إلى الإنسان، فهذا يعني إما أنه يلهم قلب القديسين أو أنه يوصل دوي صوت لآذانهم. وهكذا فهو عندما يريد أن يظهر علمه بأقوال كل واحد وأفعاله فيقول إنه “سمع”، وعندما يريد أن يظهر أننا ارتكبنا عملاً جائراً يقول إنه “غضب”، وحين يريد إقناعنا بنكران حسناته يقول إنه “يندم. وعلى الرغم من أنه يتحدث عن كل هذا باعتباره سلوكاً بشرياً إلا أنه في الحقيقة لا يستخدم أعضاء جسدية. لأن الجوهر الإلهي بسيط ولا يتكون من أعضاء جسدية ولا مجموعات عضوية أو حالات عاطفية، ولكن حتى يمكن للبشر إدراك عمل القوى الإلهية، يجب أن يقدم بواسطة ألفاظ ترتبط بالأعضاء البشرية أو يتم التعبير عنه عن طريق مشاعر معروفة جيداً [للبشر]. وهكذا فإننا نقول إن الله “غضب”، أو إنه يسمع” أو “يتكلم.

وإذا كان الصوت الإنساني يعرف بأنه هواء “مقروع”[5] أي مرتد من اللسان، فإن صوت الله يمكن أن يعرف أيضاً بأنه هواء مقروع سواء بالقوة أو سواء بالمشيئة الإلهية. وهذا ما يجعل أنه حين يصدر صوت آتياً من الله فإن الدوي لا يصل إلى آذان الجميع، ولكن فقط إلى آذان من يخصهم. ويمكنك أن تعرف من هذا أن الدوي لا ينتج عن حركة اللسان، وإلا لكنا سمعنا كالمعتاد، ولكنه محكوم بقصد المشيئة السماوية[6].

وبالإضافة إلى ذلك يمكننا القول بأن كلمة الله لطالما وجهت حتى دون أي دوي صوت إلى الأنبياء والبطاركة وإلى قديسين آخرين كما تعلمنا ذلك بإسهاب جميع الأسفار المقدسة، ففي هذه الحالة، وينقل ذلك بإيجاز، يعلم العقل المستنير بروح الله من خلال عبارات شفهية[7]. هذا إذا هو السبب في قولنا إن الله يتكلم ليعلمنا، عندما يعلن مشيئته بإحدى الطريقتين اللتين ذكرناهما تواً.

وسنعرض الآن بعض النقاط على ما تمت قراءته آخذين في الاعتبار تلك الشروح.

الله يوجه حديثه لإبراهيم بصورة تتابعية مليئة بالأسرار

۳ هناك الكثير من الأقوال التي تحدث بها الله إلى إبراهيم، ولكن ليست كلها موجهة إلى نفس الشخص؛ إذ إن هناك أقوالاً موجهة إلى أبرآم وأخرى إلى إبراهيم، أي أن بعضها قد تم عقب تغيير اسمه والبعض الآخر تم حين كان يجاوب أيضاً باسمه بالميلاد.

في البداية وقبل تغيير اسمه، يوجه الله إلى أبرآم الوحي التالي: “اترك أرضك وعشيرتك وبيت أبيك[8].” لا توجد هنا أية وصية بالنسبة إلى عهد الله والختان. لأنه طالما كان يدعى أبرآم ويحمل اسم ولادته الجسدية، لم يكن في استطاعته أن يتسلم لا عهد الله ولا العلامة المميزة التي للختان. ولكن بمجرد أن ترك أرضه وعشيرته، بدأت أقوال أكثر سرية لمكتنفة بالأسرار توجه له وهذه أولاً: “فلا يدعي اسمك بعد أبرآم بل يكون اسمك إبراهيم[9]” وحينذاك استقبل عهد الله والختان كعلامة مميزة للإيمان[10]، والذي لم يكن ممكنا أن يأخذه طالما كان في بيت أبيه وسط عائلته الجسدية وطالما كان يجاوب باسم أبرام. وبالمثل، فإنه طالما كان في البيت الأبوي ويسكن مع اللحم والدم[11]، لم يًدع لا هو ولا زوجته بلقب شيخ، ولكنه استحق بمجرد أن رحل لقبي “إبراهيم وشيخ”، ويقول الكتاب: “لقد كان إبراهيم وزوجته المذهلة شيخين” أي مسنين ومتقدمين في الأيام[12]“. فكم من الأشخاص قد عاشوا من قبلهم حياة أطول من حياتهما، تسعمائة عام وأكثر، والبعض قد عاش أقل قليلاً حتى الطوفان[13]، ولم ينل أي منهم لقب “شيخ”، فهذه الكلمة عند إبراهيم لا تشير إلى شيخوخة الجسد ولكن إلى نضوج القلب[14]. وفي هذا المعنى قال الرب لموسى: “اختر شيوخاً تعلم أنت بنفسك أنهم شيوخ[15].” فلنتأمل بانتباه أكثر مقولة الرب: إلام يمكن أن تشير هذه الإضافة: “الذين تعلم بنفسك أنهم شيوخ”؟ ألم يكن جلياً للكل أن من له جسدياً عمر كبير يكون شيخاً، أي مسناً؟ لماذا إذن تم تكليف موسى فقط، نبي بهذه الأهمية، بالاعتناء بهذا البحث الخاص؟ ولماذا يجعل الاختيار يقع، لا على من يعرفهم الآخرون ولا على من يعرفه جموع غير المتعلمين، ولكن على من يختاره نبي ممتلئ من الله؟ إن ذلك يعني أن الأمر لا يتعلق بالحكم على مظهرهم أو عمرهم ولكن على روحهم. وهكذا كان إذاً إبراهيم وسارة “الشيخان” المغبوطان اللذان نتحدث عنهما.

إبراهيم يقيم العهد

في البداية وقبل أي شيء تم تغيير اسميهما الأصليين وهما اسما مولديهما الجسدي. “لما وصل أبرام لعمر التسع والتسعين سنة ظهر الرب له وقال له: أنا الله. كن مستحقاً لرضاي وبلا عيب، فأقيم عهداً بيني وبينك. وسقط إبراهيم على وجهه وسجد أمام الله. وتكلم الله حينئذ معه هكذا: أنا هو. هوذا عهدي معك، ستكون أبا لجمهور من الأمم، وكل الأمم تتبارك فيك. فلا يدعى اسمك بعد أبرآم بل يكون اسمك إبراهيم[16]“. وبعدما أعطاه هذا الاسم قال ثانية لساعته: “وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك. وهذا هو العهد الذي تحفظه بيني وبينك، وبين نسلك من بعدك[17]“. ثم يضيف: يختتن منكم كل ذكر، فتختنون في لحم غرلتكم”[18].

هل يقتصر العهد مع الله على الختان الجسدي؟

4 وهكذا، وبما أننا قد وصلنا إلى هذا المقطع، فإنني أريد أن أبحث إذا كان الإله العلي القدير، الذي يحكم السماء والأرض، حين أراد أن يقيم عهده مع رجل قديس، قد جعل أساس مسألة بهذه العظمة يرتكز على اقتطاع غرلة اللحم عند هذا الرجل وعند الذين من نسله القادم ويقول: “فيكون عهدي في لحمك[19]“. هل كان الختان إذا هو الشيء الذي منحه “سيد السماء والأرض[20]” كضمان لعهد أبدي للإنسان الوحيد الذي اختاره من بين كل الفانيين؟ وقد وضع معلمو وأحبار المجمع اليهودي مجد القديسين في هذا فقط [أي الختان الجسدي]. ولكن ليأتوا ليسمعوا. إذا أرادوا. كيف تكرم كنيسة المسيح التي قالت بالنبي القائل: “بالنسبة لي يا الله، قد كرم أحباؤك[21]“، ليأتوا ويسمعوا كيف تكرم الكنيسة أصدقاء عريسها وأي مجد تنسبه لهم عندما تذكر أعمالهم العظيمة.

ونحن إذاً، المقتنعين بتعاليم بولس الرسول، نقول إن الكثير من الأشياء تحدث كرمز وكصورة للحقيقة الآتية[22]: وبنفس الطريقة كان هذا الختان الجسدي رمزاً للختان الروحي الذي كان من الصواب ومن المناسب أن يعطيه إله المجد[23]” كوصية للبشر. اسمعوا إذن كيف يعلم القديس بولس، “معلم الأمم في الإيمان والحق[24]“، كنيسة المسيح عن سر الختان: “احترسوا من القطع. وهو يتحدث هنا عن اليهود الذين يحملون هذا القطع في اللحم. لأننا نحن الختان، نحن الذين نعبد الله بالروح، ولا نضع ثقتنا في الجسد.[25]” هذه هي إحدى آيات بولس الرسول حول الختان. وها هي آية أخرى: “ليس اليهودي هو من يبدو كذلك، وليس الختان هو الذي نراه في اللحم هو ختاناً، بل اليهودي هو من يكون كذلك في الخفاء بختان[26] القلب بالروح لا بحسب الحرف[27].” ألا يبدو لك الحديث عن هذا الختان بالنسبة إلى القديسين وأحباء الله مناسب أكثر مما عن اقتطاع لحم؟

ولكن حداثة هذا القول يمكن أن تنفر ليس فقط اليهود ولكن أيضاً البعض من إخواننا، حيث سيبدو أن بولس الرسول يتخيل شيئاً مستحيلاً بتعظيمه “ختان القلب”، لأن ما هي وسيلة ختان عضو مغروس في عمق الأحشاء ومحجوباً حتى عن أعين البشر؟ لنرجع إذاً إلى أقوال الأنبياء حتى يزال، بصلواتكم، الستار عن كل تلك الأسئلة. يقول حزقيال النبي: “أي غريب أغلف القلب وأغلف اللحم لا يدخل مقدسي[28]” وفي موضع آخر أيضاً يقول النبي مبكتاً: “كل الغرباء غلف الجسد، أما بني إسرائيل فغلف القلوب[29]“، مما يشير إذن أننا لن ندخل إلى قدس الله ما لم نختتن بالقلب وباللحم.

اعتراض المتمسكين بالمعنى الحرفي

5 ولكن يبدو أنني أهاجم بسبب تفسيري، لأنه حول تصريح النبي هذا، يستوقفني اليهودي على الفور ويقول لي: “يشير النبي هنا إلى الختانين، ختان الجسد وختان القلب. فلا يوجد مجال للمجاز هنا حيث يطالب بنوعي الختان”.

ساعدوني بصلواتكم حتى تتفضل “كلمة الله الحي[30]” وتأتي إليَّ “عند افتتاح شفتي[31]“، وحتى نتمكن بذلك تحت قيادتها، من أن ننفذ من طريق الاعتراض الضيق إلى فضاء الحقيقة الواسع، لأنه يجب علينا أن نفحم ليس فقط اليهود الجسديين حول ختان الجسد ولكن أيضاً البعض من الذين قبلوا اسم المسيح ظاهرياً والذين مع ذلك يرون ضرورة ختان الجسد مثل الإبيونيين[32] والذين يضلون معهم بفقر روح مماثل.

نقد بعض التفسيرات الحرفية

لنستخدم إذاً مقاطع العهد القديم التي يلجأون إليها بطيب خاطر. مكتوب في إرميا النبي ها أن آذان هذا الشعب غلفاء[33]“. اسمع يا إسرائيل قول النبي، فهو ينادي لك بخزي عظيم وينسب لك خطأً كبيراً. أنت متهم بأن آذانك غلف. فلماذا إذن، عند سماعك تلك الأقوال، لم تأخذ السيف وتقطع أذنيك؟ لأن الله سيتهمك ويدينك لأن أذنيك ليسا مختونين؟ ولن أسمح لك باللجوء إلى المجاز الذي يعنينا والذي علم به بولس الرسول. ماذا تنتظر إذن لتقطع أذنيك؟ اقطع آذانك، اقتطع هذه الأعضاء التي خلقها الله لمنفعة الحواس وجمال الإنسان[34]، لأنك هكذا تفهم الأقوال الإلهية.

ولكنني سوف أعرض لك شيئاً آخر لن تقدر على معارضته، فنحن نقرأ في سفر الخروج، ووفقا للأسفار المستخدمة في الكنيسة، أن موسى يرد على الرب قائلاً: “فلتبحث يا رب عن شخص آخر لترسله، لأن صوتي ضعيف ولساني مرتبك[35]“. ولكن أنتم، في النسخ العبرية تقرأون: “أما أنا، فإني أغلف الشفاه” وهكذا فإنه وفقاً لنسخكم التي تقولون إنها أكثر أصالة، فإنكم لديكم ختان للشفاه. إذاً إذا كان موسى، وفقا لكم، يعلن آنذاك أنه غير مستحق لأنه غير مختون الشفاه، فمن الواضح أنه يشير هنا إلى أن الإنسان المختون الشفتين يكون أكثر استحقاقاً وأكثر قداسة. فلتضعوا إذن السكين على شفاهكم وتقطعوا هذا اللحم الذي يكسو الفم بما أنه هكذا يحلو لكم فهم الأقوال الإلهية. أما إذا أرجعتم ختان الشفاه  إلى التفسير الرمزي، وإذا قلتم على الرغم من كل شيء إن ختان الأذن هو تعبير مجازي و يؤخذ بصورة رمزية، فلماذا لا تلجئون بالمثل أيضاً للمجاز عندما يتعلق الأمر بختان الغرلة؟

لكن لنترك هؤلاء الناس، الذين كالأصنام “لهم آذان ولا يسمعون، ولهم أعين ولا يبصرون[36]” أما أنتم يا شعب الله، الشعب الذي اقتناه، الشعب المختار لكي يخبر بفضائل الرب[37]“، فاقبلوا الختان الحقيقي الذي لكلمة الله في آذانكم، على شفاهكم، في قلبكم، في غرلة لحمكم وفي كافة أعضائكم دون استثناء.

الختان الروحي للآذان

لتكن آذانكم مختونة كما يقول الرب، بعدم الإصغاء إلى صوت المغتابين، بعدم سماع أقوال المجدف والنمام، بإغلاقها أمام الوشايات الكاذبة والكذب والإثارة. سدوها وأغلقوها فلا تسمع كلام الدماء[38]” أو لا تنفتح للأغاني الفاسقة وألحان المسرح، ولا تستقبل كلاما خلا بالحياء، ولتتحول عن كل فساد. هذا هو الختان الذي تختن به كنيسة المسيح آذانا أولادها. وفي رأيي أن الرب كان يطلب من مستمعيه آذان مثل هذه: “من له أذنان للسمع فليسمع[39]“. لأنه لا يستطيع أحد أن يسمع أقوال الحكمة والحق الطاهرة، بآذان غير مختونة وغيرطاهرة.

الختان الروحي للشفاه

ولنأت، إن شئتم، إلى ختان الشفاه، فأخال أن شفاهنا غير مختونة[40] عندما لا نقلع عن اللغة والمداعبات التي لا تليق[41]، عندما نغتاب الخيرون، عندما نشكو أقرباءنا، عندما نثير المنازعات، عندما نذيع افتراءات، عندما نفسد ما بين إخوة بعضهم متفوهين بأكاذيب، عندما نقول كلاما بطالاً غير لائق متأثراً بلغة العصر وفاسقاً وغير موافق وظالماً وعنيفاً ومجدفاً، وباختصار كل ما لا يليق بإنسان مسيحي. ولكن عندما نمنع فمنا عن كل ذلك وندبر أقوالنا بعدل[42]” وعندما نمتنع عن الثرثرة ونمسك لساننا ونضبط أقوالنا، فحينئذ نعرف بحق بأن شفاهنا مختونة. وبينما من يتكلمون كلام ظلم ويحتقرون السماء[43] ،” كما يفعل الهراطقة، لا يشتهرون إلا بكونهم غير طاهرين وغير مختوني الشفاه. ففي المقابل، يكون طاهراً ومختوناً من يخبر دائما بكلمة الله ويقدم تعليماً سليماً تؤيده قواعد إنجيلية ورسولية. هذه هي إذا الطريقة التي يقدم بها ختان الشفاه في كنيسة الله.

الختان الروحي للحم

6 والآن كما وعدنا، لنر كيف يجب أن نفهم أيضاً ختان اللحم. فما من أحد يجهل أن العضو الذي يوجد به الغلف يستخدم في الوظائف الطبيعية وهي المجامعة وإقامة النسل. فعندما نعرف إذاً كيف نضبط أنفسنا في حركات هذه الطبيعة، وعندما لا نتجاوز الحدود التي أقامتها الشرائع، وعندما لا نعرف غير زوجتنا الشرعية، وعندما لا نقترب منها إلا في الأوقات المحددة المشروعة وفقط من أجل إنجاب الأطفال[44]، فإننا نكون مختونين في غرلة لجمنا. ولكن إذا ألقينا بأنفسنا في كافة أنواع الشهوة وأحطنا أنفسنا من كل جانب بعلاقات أثيمة، واستسلمنا جامحين في دوامة الفجور، فنكون غير مختونين في غرلة لحمنا. إن كنيسة المسيح، المحصنة بنعمة من صلب من أجلها، تمتنع ليس فقط عن العلاقات المحرمة والمجرمة ولكن أيضاً عن العلاقات المسموح بها والشرعية، وبصفتها عروس المسيح الطاهرة، فهي تزهر في شكل عذاري عفيفات وطاهرات يتم فيهن ختان غرلة اللحم الحقيقي واللاتي يحفظن حقاً عهد الله وعهده الأبدي في جسدهن.

الختان الروحي للقلب

لم يبق لنا سوى تفسير ختان القلب. فعندما نشتعل برغبات شهوانية وشهوات دنيئة، ولكي أختصر، عندما “نزني في قلبنا[45]” نكون “غير مختوني القلب[46]” ولكن أيضاً عندما نستقبل في عقلنا أفكاراً هرطوقية، وعندما نهيج أفكار تجديف في قلبنا ضد علم المسيح، نكون غير مختوني القلب”، أما عندما نحتفظ بنقاوة الإيمان في كل استقامة ضمير نكون مختوني القلب، ونستحق سماع: طوبى لأنقياء القلب لأنهم سيعاينون الله.[47]

الختان الروحي لكل أعضاء الجسد

ومع ذلك أجرؤ على إضافة تعبيرات مشابهة إلى تعبيرات الأنبياء هذه. لأنه إن كان يجب ختان الآذان، والشفاه، والقلب وغرلة اللحم بالمعنى الذي سبق أن حددناه، فيمكننا كذلك القول بأن أيدينا أيضاً وأرجلنا ونظراتنا وحاسة الشم لدينا واللمس تحتاج إلى ختان. لأنه لكي يكون “إنسان الله كاملا[48]” تماما يجب أن تختتن كل أعضائه: اليدان حتى تمتنعا عن النشل والسرقة والقتل وتنفتحان فقط على أعمال الرب. كما يجب ختان الرجلين حتى لا تكونا سريعتين لسفك الدم[49]“، ولئلا تدخلا “مجلس الأشرار[50]” ولكن كي تتحركا فقط للأعمال التي يريدها الله. كما يجب ختان العينين حتى لا تشتهيان ما للقريب ولئلا تنظران إلى امرأة بشهوة[51]. لأننا إذا أطلنا نظرات شهوانية وتطفلية على تقاطيع الجسم الأنثوية نكون غير مختونين بالعينين. وإن أكلنا أو شربنا، سواء كنا نأكل أو نشرب، لمجد الله[52]” كما يطلب بولس الرسول، نكون مختونين في حاسة التذوق لدينا. ولكن إذا عملنا لأنفسنا “إلا لبطننا[53]” وصيرنا أنفسنا عبيدا لملذات النهم، فأقول إن حاسة التذوق لدينا غير مختونة. وإن أخذنا “رائحة المسيح الذكية[54]” وبحثنا عن “عطر حلاوة[55]” في أعمال الرحمة، فتكون حاسة الشم لدينا مختونة. أما إذا تقدمنا ونحن “مدهونين بأطيب العطور[56]” فحينئذ تكون حاسة الشم لدينا غير مختونة.

ومن هنا يجب أن نقول أيضاً إن كل عضو من أعضائنا، عندما تكون مجتهدة في الوظائف التي يريدها الله، فإنه يكون مختونا. العلامة أوريجانوس . عظات على سفر التكوين ولكن عندما تخالف الشرائع التي وكلت إلهياً إليها، فيجب اعتبارها بأنها غير مختونة. وأعتقد أن ذلك هو معنى هذا القول الذي لبولس الرسول: “كما سلمتم أعضاءكم كعبيد للإثم للنجاسة هكذا الآن سلموا أعضاءكم كعبيد للبر للتقديس[57]“. وفي الواقع حين كانت أعضاؤنا تخدم الإثم، لم تكن مختونة ولم يكن فيها عهد الله، إلا أنها حين أخذت تخدم البر للتقديس، تحقق فيها الوعد الذي أعطي لإبراهيم، لأنه حينئذ تطبع شريعة الله وعهده علامتهما فيها. وهذه هي حقاً “علامة الإيمان[58]” التي تضم ميثاق عهد أبدي بين الله والإنسان. إنه هذا الختان الذي أعطاه يسوع (يشوع) “بسكاكين من حجر[59]” لشعب الله. ولكن ما هو السكين الذي من حجر[60]؟ ما هو “السيف” الذي ختن به شعب الله؟ اسمعوا ما يقوله بولس الرسول: “لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من أي سيف ذي حدين، وخارقة إلى أن تفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ، وهي تميز ميول وأفكار القلب[61]“. هذا هو إذاً السيف الذي يجب أن يختننا، هذا السيف الذي يقول عنه الرب يسوع: “ما جئت لأجلب السلام على الأرض بل السيف[62].”

الختان الروحي هو الأنسب لإقامة العهد مع الله

ألا يبدو لك ختان من هذا النوع لائقاً أكثر من أجل إقامة عهد الله؟ قارن من فضلك شروحنا التي قدمناها بخرافاتكم اليهودية وقصصكم المثيرة للاشمئزاز، وسل نفسك عما إذا كانت تعليماتكم، أم التعليمات التي تكرز بها كنيسة المسيح، هي التي يحفظ فيها الختان بطريقة لائقة بالله. ألا تدرك أنت نفسك أن ختان الكنيسة شريف ومقدس ولائق بالله في حين أن ختانكم مخز ومنفر وكريه وأنه يخل بالحياء بطريقته ومظهره الخارجي؟

“فيكون الختان وعهدي في لحمك[63]“، هكذا يقول الله إبراهيم. فإن كانت إذا هذه هي حياتنا بحيث تكون قد حققت التوازن والاتحاد بين كافة الأعضاء لدرجة أن كل حركاتنا تنتج بالاتفاق مع شرائع الله، فحينئذ “يكون عهد الله في لحمنا[64]” حقاً.

فلتُستخدم الشروح المختصرة التي قدمناها حول نصوص من العهد القديم في إفحام من يتكلون على ختان اللحم، وفي المساهمة أيضاً في بناء كنيسة الله.

الختان الروحي في العهد الجديد

۷ ولكني أصل من هنا إلى العهد الجديد الذي يحتوي على كمال كل شيء، والذي أريد أن أثبت بواسطته كيف يمكننا نحن أيضاً أن نحمل عهد ربنا يسوع المسيح في لحمنا[65]. لأنه لا يكفي قول الشيء بكلمة فقط أو بقول ولكن يجب إتمامه بالأفعال. وفي الواقع يقول يوحنا الرسول: “كل روح يعترف أن يسوع قد جاء في الجسد فهو من الله[66]” عجباً! هل من الممكن أن يعترف إنسان خاطئ، شخص يسلك سلوكاً رديئاً، بأن يسوع قد جاء في الجسد”، وسيفعل ذلك وهو يبدو، حسب الظاهر، أنه في روح الله؟ لا، فليس هذا هو من يحمل عهد الله في اللحم، ولكن [فقط] في الكلام. هذا إذاً سوف يسمع فوراً: أيها الإنسان، أنت تخدع نفسك، إن “قوام ملكوت الله ليس في الكلام، بل في القوة[67].”

إنني أبحث إذاً كيف يمكن أن يتحقق عهد المسيح في لحمي[68]. إن أمت أعضائي الأرضية[69]“، يكون لدي عهد المسيح في لحمي. وإذا تحملت في جسدي باستمرار موت يسوع المسيح[70]” يكون عهد المسيح في جسدي. لأننا “إن حملنا التجربة معه فسنملك أيضاً معه[71]، وإذا كنت قد صرت واحدا معه بموت شبيه لموته[72]“، فإنني أظهر أن عهده هو في لحمي. لأنه ما فائدة أن نقول إن يسوع لم يأت إلا في الجسد الذي أخذه من القديسة مريم العذراء وألا نظهر أيضاً أنه قد جاء في جسدي أنا؟ ولكنني أظهر ذلك بالذات إن تحولت أعضائي الآن وقدمتها عبيداً للبر للتقديس” بينما كنت من قبل قد قدمتها عبيدا للإثم للنجاسة[73]” أنا أظهر أن عهد الله هو في جسدي إذا استطعت أن أقول مثل بولس الرسول: “أنا مصلوب مع المسيح، وإن عشت فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ[74]“، وإذا استطعت أن أقول مثله: “أما أنا، فأني حامل في جسدي سمات ربي يسوع المسيح[75]” ولكنه [أي بولس الرسول] كان يظهر حقاً أن عهد الله كان في لحمه حين قال: “من سيفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع؟ الشدة أم الضيق أم الخطر أم السيف[76]؟” لأننا إن اكتفينا بالاعتراف بالرب يسوع بالقول وإن لم تظهر أن “عهده في لحمنا[77]” بالطريقة التي شرحناها تواً، فسيبدو أننا نسلك نحن أيضاً بذلك كاليهود الذين يتصورون أنهم يعترفون بالله بواسطة علامة الختان فقط في حين أنهم ينكرونه بأعمالهم.

أما نحن فليعطنا الرب أن “نؤمن في قلبنا ونعترف بالفم[78]” وأن نؤكد بالأعمال أن “عهد الله هو في جسدنا”، حتى ” إذ يرى الناس أعمالنا الحسنة، يمجدوا أبانا الذي في السماوات[79]“، بالمسيح يسوع ربنا “الذي له المجد إلى أبد الآبدين. آمين[80].”

 

 

[1] انظر (Selecta in Genesim, PG 12, 93 AB) حيث يفند أوريجانوس فكر ميليتون (Meliton) الذي يقول إن الله كان له جسد.

[2] هذه إشارة واضحة تتكرر عند أوريجانوس عن التعليم المسلم.

[3] الأمور التي تحدث دون إرادته لا تعني أنها تحدث رغما عنه ولكن المقصود أن البعض يفعلونها بفضل الحرية التي أعطاها لهم الله رغم أنها لا تتفق مع إرادته ولكن بسماح منه.

[4] أشار أوريجانوس في العديد من المرات إلى ميل بعض المسيحيين للتفكير مثل اليهود (ارجع إلى آخر هذه العظة)، الأمر الذي يعد إشارة لسطوة حقيقية لليهودية في هذه الفترة من القرن الثالث حيث لم تكن المسيحية قد تخلصت نهائيا من بقايا الفكر اليهودي المهجور.

[5] تعريف من الفلسفة الرواقية، وهو يعني أن الهواء يمر عبر الفم ويصطدم (أو يقرع) باللسان فيحدث الصوت.

[6] ارجع إلى ق. باسيليوس (BASIL , In hexaem, 2: 7): “فيما يتعلق بالله، عندما نتحدث عن صوت وقول وأمر، فإننا لا نتخيل القول الإلهي بكونه صوتا صادرا من أعضاء قادرة على إنتاجه ولا بكونه الهواء الصادر من اللسان، ولكننا نعتقد أنه الدفع الناتج عن الإرادة الإلهية الذي يجعله الكاتب مدركا بالنسبة إلى من يعلمهم، عارضا إياه تحت أعراض وصية.”

[7] يعد هذا شرحا ممتازا للفكرة، فالعقل هو الذي يستقبل الاتصال الإلهي، ويعني ذلك أن تتكون بداخله مفاهيم وأفكار تترجم بالضرورة إلى كلمات.

[8] انظر: تك 12: 1.

[9] انظر: تك 17: 5.

[10] انظر: رو 4: 11.

[11] انظر: غل 1: 16.

[12] انظر: تك 18: 11.

[13] يشير الإصحاح الخامس من سفر التكوين بعد الطوفان إلى أعمار تسعة أشخاص بدءا من : آدم وحتى لامك. وقد عاشوا جميعا لأكثر من 100 عام باستثناء كل من: مهلائيل (895 عاما) وأخنوخ (365 عاما الذي اختطف) ولامك والد نوح (۷۷۷ عاما). فهؤلاء فقط هم من يتحدث عنهم أوريجانوس في هذه العظة. أما الأسماء الواردة في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين، فهي ليست موضوع خلاف، فقد جاءت بعد الطوفان ويبلغ متوسط أعمارهم 400 عام فقط.

[14] نفس الفكرة ترد في العظة 4: 4.

[15] انظر: عد 11: 16.

[16] انظر: تك 17: 1-5.

[17] انظر: تك 17: 7.

[18] انظر: تك 17: 10-11.

[19] انظر: تك 17: 13.

[20] انظر: تك 24: 3.

[21] انظر: مز 138: 17 (بحسب السبعينية).

[22] انظر: 1كو 10: 11.

[23] انظر: مز ۲۷: ۳ (بحسب السبعينية).

[24] انظر: 1تي 2: 7.

[25] انظر: في 3: 2، 3.

[26] سيكون من المفيد ان نسترجع الشاهد رو ۲: ۲۹ في مضمونه الصحيح كما نجده في عظات أوريجانوس على سفر العدد ۱ : ۱۱ ، وتفسيره لرسالة رومية ۲: ۱۲ حيث ستسند حجج أوريجانوس الذي يستهدف الختان وليس اليهودي.

[27] انظر: رو 2: 28-29.

[28] انظر: حز 44: 9.

[29] انظر: إر 9: 25.

[30] أنظر 1بط 1: 23.

[31] انظر: أف 6: 19.

[32] الإبيونيون: هم جماعة من اليهود المسيحيين الذين أعلنوا إيمانهم بالمسيحية مع استمرارهم في ممارسة الطقوس اليهودية. ويعني اسمهم بالعبرية (الفقراء). وقد وصفهم أوريجانوس جيدا في ضد کیلسوس ۲: ۱.

[33] انظر: إر 6: 10.

[34] نلاحظ هنا صدى التعاليم الرواقية.

[35] انظر: خر 4: 10؛ 13.

[36] انظر: مز 113: 13، 14؛ 134: 16، 17 (حسب السبعينية).

[37] انظر: 1بط 2: 9، 10.

[38] انظر: إش 33: 15.

[39] انظر: مت 13: 9.

[40] انظر: خر 6: 30.

[41] انظر: أف 5: 4.

[42] انظر: مز ۱۱۱: 5 (حسب السبعينية).

[43] انظر: مز 72: 8 (حسب السبعينية).

[44] يبدو من هذا المقطع ومن مقطع آخر شبيه في العظة ه: 4، أن الهدف الأوحد من الزواج في نظر أوريجانوس” هو الإنجاب. قد يبدو ذلك نوعا من التشدد الأخلاقي، ولكن ذلك ليس إلا وجها واحدا فقط من فكر أوريجانوس، فمجموع النصوص عن الزواج التي يمكن أن نستخلصها من عمله لا يترك لنا هذا الانطباع: ارجع إلى:

  1. CROUZEL, Introduction aux Homelies sur S. Luc (SC 87, p. 33)

[45] انظر: مت 5: 28.

[46] انظر: حز 44: 9.

[47] انظر: مت 5: 8.

[48] انظر: 2تي 3: 17.

[49] انظر: إش 59: 7.

[50] انظر: مز 1: 1.

[51] انظر: مت 5: 28.

[52] انظر: 1كو 10: 31.

[53] انظر: في 3: 19.

[54] انظر: 2كو 2: 15.

[55] انظر: مثلاً خر 29: 4.

[56] انظر عا 6: 6؛ نش 4: 14.

[57] انظر: رو 6: 19.

[58] انظر: تك 17: 11.

[59] انظر: يش 5: 2.

[60] يقول أوريجانوس إن الحجر الذي صنع منه يشوع السكاكين هو تلك “الصخرة” أي المسيح” (تي 3: 3). ولا يجد أوريجانوس هنا أي صعوبة في تحويل هذا “السكين” إلى “سیف” حتى يستطيع أن يأتي بالاستشهادات المناسبة من الرسالة إلى العبرانيين ومن إنجيل متى.

[61] انظر: عب 4: 12.

[62] انظر: مت 10: 34.

[63] انظر: تك 17: 13.

[64] انظر: تك 17: 13.

[65] انظر: تك 17: 13.

[66] انظر: 1يو 4: 2.

[67] انظر: 1كو 4: 20.

[68] انظر: تك 17: 13.

[69] انظر: كو 3: 5.

[70] انظر: 2كو 4: 10.

[71] انظر: 2تي 2: 12.

[72] انظر: رو 6: 5.

[73] انظر: رو 6: 19.

[74] انظر: غل 2: 20.

[75] انظر: غل 6: 17.

[76] انظر: رو 8: 35.

[77] انظر: تك 17: 13.

[78] انظر: رو 10: 9-10.

[79] انظر: مت 5: 16.

[80] انظر: غل 1: 5.

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

فلك نوح

العظة الأولى – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثالثة ختان إبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

التفسير الحرفي

1 في بدء الحديث عن الفلك الذي بناه نوح بأمر الله، لنر أولاً ما قيل عنه حرفياً ولنعرض المسائل التي اعتاد الكثيرون طرحها كأمور معارضة، ولنبحث لها عن حل بناء على ما نقله لنا القدماء فبهذه الطريقة، وعقب وضع تلك الأسس، نستطيع أن نرتفع من نص التاريخ[1] إلى المعنى المستيكي الرمزي للفهم الروحي، وإذا كان هناك أي سر، ندركه بفضل الرب الذي يكشف لنا علم كلمته.

وها هي إذاً الآية نفسها: “وقال الرب لنوح: نهاية كل بشر قد أتت أمامي، لأن الأرض مملوءة ظلماً بسببهم. فسأهلكهم مع الأرض. اصنع لنفسك إذاً فلكاً من خشب مربع، تهيئ كوى وكوى[2] في الفلك، وتطليه بالقار من داخل ومن خارج.

هكذا تصنع الفلك: تصنع الفلك حاسباً ثلاث مئة ذراع لطول الفلك، وخمسين ذراعا لعرضه، وثلاثين ذراعا لارتفاعه. والقمة تكملها في ذراع واحد. وتضع باب الفلك في الجانب. وتجعل الجزء السفلي طابقين والجزء العلوي ثلاثة طوابق” وبعد ذلك ببضع كلمات، يقول الكتاب: “وفعل نوح حسب كل ما أمره به الله الرب، هكذا فعل.[3]

هيئة الفلك[4]

نحن نتساءل بداية، كيف يجب النظر في هيئة الفلك نفسه وشكله، فبقدر ما يبرز من الوصف أتصور الفلك رباعي الزوايا، يرتفع وهو يضيق تدريجيا من الأسفل إلى القمة حتى يصل من الصغر هنا إلى قياس ذراع واحد. وقيل إنه جعل القاعدة ثلاث مئة ذراع طولاً، وخمسين ذراعاً عرضاً، بينما أقامه بارتفاع ثلاثين ذراعاً ولكن يصغر [الفلك] إلى قمة ضيقة جداً بحيث لم يبلغ طوله وعرضه سوى ذراع واحد.

المساكن الداخلية[5]

وبالنسبة للداخل، يتكون ما يسمى بالجزء السفلي من طابقين أي إنه يضم ارتفاعاً مزدوجاً من المساكن، ولكن يتكون الجزء العلوي من “ثلاثة طوابق فيمكننا القول بأنه قد بني في الفلك ارتفاع ثلاثي من غرف عليا. ويبدو أن هذا الفصل بين المساكن قد تم حتى يمكن توزيع أنواع الحيوانات المختلفة في كل مسكن بسهولة أكبر والاحتفاظ بالحيوانات الوديعة والضعيفة منها بمنأى عن الوحوش الشرسة. وتسمى إذا هذه المساكن المنفصلة “بالكوى”.

مواد البناء

قيل إن (الأخشاب المستخدمة) كانت أخشاباً مربعة وذلك حتى تتلائم مع بعضها البعض بسهولة أكبر ولمنع أي تسرب للمياه أثناء اجتياح الطوفان، في حين تم سد الفجوات من الداخل ومن الخارج بالقار.

الطوابق

يخبرنا التقليد[6]، وهو أمر محتمل الحدوث، أن أسفل الفلك المبني على الارتفاع المزدوج، كما قلنا قبلاً، قد سمي من جانبه ذو طابقين، بينما الجزء الأعلى قيل إنه ذو ثلاثة طوابق، وقد صنع الأسفل مزدوجاً من أجل السبب الآتي: فجميع الحيوانات أمضت في الفلك عاماً كاملاً، وكان بالتأكيد من الضروري توفير المؤن لهم طوال العام، ولكن أيضاً [يجب] إنشاء أماكن لتلقي نتاج الهضم بحيث لا تتضايق الحيوانات ذاتها، وكذلك على الأخص الأفراد، من رائحة الزبل غير المحتملة.

فيخبرنا إذن أن الجزء الأدنى في القعر كان محفوظا للضروريات التي من هذا النوع، وأن الجزء الذي كان يوجد فوقه مباشرة كان مخصصاً لحفظ الغذاء. لأنه بالنسبة إلى الحيوانات التي تتغذى عادة على اللحوم، كان يبدو من الضروري إدخال عدد أكبر جداً من الحيوانات التي تستخدم لحومها كغذاء، وتسمح للحيوانات الأخرى بالبقاء من أجل الحفاظ على السلالة. كما كان ينبغي من أجل الحيوانات الأخرى الاحتفاظ بنوع الأغذية الذي يتطلبها نظامها الطبيعي.

إذاً فكما يخبرنا فقد كانت الأجزاء السفلية المسماة “بـ ذات الطابقين” مخصصة لهذا الغرض، أما الأجزاء العليا فقد كانت مخصصة لإقامة الحيوانات: هناك في الأسفل كانت تأوي الحيوانات المتوحشة والمفترسة والثعابين، وفوقها مباشرة كانت هناك حظائر الحيوانات الأكثر هدوءً، وأخيراً فوق الجميع في القمة وضع مسكن البشر، كما هو طبيعي بالنسبة لهم، وهم الذين بالكرامة وبالعقل يتفوقون على الكل. وهكذا، فالإنسان الذي يتسلط على جميع الكائنات التي على الأرض، كما نعرف، بعقله وبحكمته، قد أقيم موضعياً في مكان أسمى فوق كل كائنات الفلك الحية.

الباب

ويخبرنا التقليد أيضاً أن الباب الذي صُنع، كما يقول الكتاب، في الجانب كان يوجد في مكان ما بحيث كانت تحته الأجزاء السفلية التي يطلق عليها “ذات الطابقين”، وبحيث سميت الأجزاء العليا ذوات الطوابق الثلاثة بأنها “عليا” بالنسبة إلى موضع الباب. وإذ دخلت كل الحيوانات من هنا، تم توزيعها بعد ذلك في أماكنها الخاصة، كما قلنا أعلاه، مع الأخذ في الاعتبار الفصل المطلوب.

ولكن لم تكن الطرق البشرية هي التي تضمن حماية الباب. إذ كيف، عندما أغلق الباب ولم يكن أحد خارج الفلك، تمكن من طلائه بالقار من الخارج؟ كان ينبغي بالتأكيد أن تعمل القدرة الإلهية حتى لا تتغلغل المياه من ممر لم تحمه يد الإنسان.

لذا، بعدما قال الكتاب بالنسبة إلى كل الباقي أن نوح هو الذي صنع الفلك وأدخل فيه الحيوانات، وكذلك أبناءه مع زوجاتهم، لم يقل، عندما يتعلق الأمر بالباب أن نوحاً قد أغلق باب الفلك، ولكنه قال: “الرب الإله من الخارج أغلق باب الفلك” وهكذا “حدث الطوفان[7]” ولنلاحظ مع ذلك أن بعد الطوفان حين أرسل نوح “الغراب ليرى إن كانت المياه قد انحسرت من على وجه الأرض[8]“، لم يقل الكتاب إن نوحاً فتح الباب ولكنه فقط فتح “الطاقة”.

المؤن

أدخل نوح إلى الفلك غذاء لكافة الحيوانات التي دخلت معه، ولنسمع الكلام الذي قاله الرب لنوح: “وأنت خذ من كافة الأغذية التي تؤكل واذخرها بالقرب منك لتستخدم كغذاء لك وكذلك لهم.[9]” وفعل نوح ما أمره به الرب. اسمع نص الكتاب: “وفعل نوح كل ما أمره به الرب الإله، هكذا فعل.[10]

أماكن التبرز

إن كان الكتاب لم يقل شيئاً عن الأماكن المخصصة لزبل الحيوانات، في حين يتحدث التقليد عنها، فيبدو أنه قد تم بحق السكوت حول هذه النقطة وتبعاتها، في حين يكفي العقل ليعلمها. وكما أن تعليم مثل هذا هو أقل استحقاقاً من أن ينسجم مع الفهم الروحي، لذا كان الكتاب محقاً في أن يسكت عنه، وهو الكتاب الذي شغله الأساسي هو أن يوافق رواياته مع المعاني الرمزية.

إتقان الفلك وكماله

ولكن، ومع الوضع في الاعتبار الظروف التي فرضتها الأمطار والطوفان، لم يكن ممكناً أن يعطى الفلك شكلاً مناسباً أكثر من الشكل الذي كان يسمح لمياه الأمطار أن تسيل من القمة كما من سقف ضيق عند قمته، والذي كان يحتفظ بالتوازن تاركاً الجوانب الأربعة تغوص بعمق تحت المياه على هذا النحو، لا تستطيع لا قوة الرياح ولا تلاطم الأمواج ولا تهيج الحيوانات التي كانت بالداخل أن تميل الفلك ولا أن تغرقه.

اعتراضات أبيليس

۲ لكن في ظل وجود كل هذا التكوين المجمع بمهارة شديدة، يبدي البعض اعتراضات وخاصة أبيليس”[11] (Apelles) الذي بسبب أنه تلميذ ماركيون (Marcion) لم يخترع هرطقة أخرى غير تلك التي أخذها عن معلمه. إذا يبالغ أبيليس، في رغبته أن يتهم كتابات موسى بأنها لا تحوي شيئا من الحكمة الإلهية ولا من عمل الروح القدس، في الأقوال التي من هذا النوع، ويدعي أنه من المستحيل تماماً أن يتمكن حيز بهذا الصغر من احتواء كل تلك الأنواع من الحيوانات مع الغذاء الذي كان يلزمها لمدة عام كامل.

وحيث إنه قد أدخل إلى الفلك وفقا للكتاب “زوجاً زوجاً[12]” من جميع الحيوانات النجسة أي زوجا من الذكور وكذلك زوجا من الإناث. وهذا ما يشير إليه تكرار الكلمة. وسبعة أزواج سبعة أزواج[13]“، أي سبعة أزواج من كافة الحيوانات الطاهرة، فيقول: كيف أمكن أن يحدث أن الحيز الذي ذكره الكتاب استطاع أن يحتوي فقط على الأقل على أربعة أفيال وبعد أن أبدى هكذا نفس الاعتراض بالنسبة لكل نوع من الحيوانات، ختم بهذه الكلمات: “من الواضح إذا أن القصة قد تم اختراعها. وبما أن الأمر هكذا، فمن الواضح أن هذا الكتاب ليس من الله”.

الرد على الاعتراض

وللرد على ذلك الاعتراض سوف نطلع المستمعين بما تعلمناه من الرجال الاختصاصيين طويلي الباع في التقاليد العبرانية ومن المعلمين القدماء. كان القدماء يقولون إذن إن موسى الذي كان، كما يؤكد الكتاب ذلك، “مهذباً بكل الحكمة المصرية”[14]، قد استخدم هنا عدد الأذرع كما يفعل في علم الهندسية الذي برع فيه المصريون بوجه خاص[15].

والواقع أن علماء الهندسة لهم أسلوب في العد يطلقون عليه “الأسس والجذور” يمثل الذراع بمقتضاه ستة أذرع بالنسبة للمجسم والمربع بموجب الاختزال العام للأرقام، أو [الذراع] يمثل ثلاثمائة بموجب اختزال متقدم جداً. فإذا استخدمنا هذا الأسلوب في العد، فسوف نجد أن الفلك كان له أبعاد من حيث الطول والعرض كافية لتحتوي حقا براعم ما سيعاد تكوينه في العالم بأكمله، والكائنات التي ستكون الأصل الذي ستتدفق منه حياة الكائنات الحية جميعها.

ها هو ما كنا ينبغي علينا قوله من وجهة النظر التاريخية في مواجهة من يبحثون عن مهاجمة كتابات العهد القديم، متعللين بأنها تحتوي على أشياء مستحيلة وغير معقولة.

التفسير الروحي

۳ لنطلب في البداية الآن إلى الوحيد القادر أن يرفع البرقع عند قراءة العهد القديم[16]، ولنحاول أن نبحث أي نوع من البنيان الروحي يحتوي عليه بناء الفلك الهائل هذا.

الطوفان، صورة لمجيء المسيح

بقدر ما تسمح لي ضآلة ذهني، أعتقد أن الطوفان الذي وضع في ذلك الحين نهاية العالم، يمثل نهاية العالم التي يجب بالحقيقة أن تحدث. وقد أعلن ذلك الرب بنفسه حين قال: “في أيام نوح كان الناس يشترون ويبيعون ويبنون ويتزوجون ويزوجون بناتهم وجاء الطوفان الذي أهلكهم جميعا: هكذا سيكون أيضاً مجيء ابن الإنسان.[17]

ففي هذه الآية يظهر جلياً أن الرب يصف بنفس الأسلوب الواحد الطوفان الذي سبق ونهاية العالم التي يعلنها بالنسبة إلى المستقبل. هكذا إذن، كما قيل آنذاك لنوح القديم أن يصنع فلكاً ويدخل معه ليس فقط أبناءه وذويه وإنما أيضا حيوانات من كل نوع، كذلك عند انقضاء الدهور[18] قال الأب لـ “نوحنا” (our Noah) الذي هو بالحقيقة البار[19] الوحيد، والكامل الوحيد، الرب يسوع المسيح، أن يصنع لنفسه فلكاً من خشب مربع وأن يعطيه أبعاداً ممتلئة بالأسرار السماوية. هذا ما يشار إليه في المزمور الذي يقول فيه: “اسأل فأعطيك الأمم ميراثا لك وأقاصي الأرض ملكا لك.[20]

 الفلك ومساكنه، الإيمان ومظاهره

لقد بنى إذن فلكاً وأعد فيه “كوى” أي أنواعاً من مأوى لاستقبال أنواع الحيوانات المختلفة. ويقول النبي حول ذلك: “هلم يا شعبي ادخل مخابئك، اختبئ بضع لحظات حتى تعبر شدة غضبي[21]“، هناك إذا مقابلة بين هذا الشعب الذي خلص في الكنيسة وبين هذه الكائنات: البشر والحيوانات التي خلصت في الفلك[22]. ولكن لا يتساوى الأمر لا في الاستحقاق ولا في التقدم في الإيمان بالنسبة للجميع.

لذا لا يشتمل الفلك على نفس المسكن للجميع، ولكن الجزء الأسفل فيه ذو طابقين والأعلى ذو ثلاثة طوابق، وأقام به كوى. هذا يدل على أنه في الكنيسة، بالرغم أن الكل محتوى داخل إيمان واحد، واغتسل في معمودية واحدة، إلا أنهم لا يتقدمون معاً ولا بنفس القدر ولكن كل واحد في رتبته[23].”

الكائنات المختلفة المحبوسة في الفلك: درجات الكمال

ومن يميلون بحياتهم إلى العلم العاقل والقادرين ليس فقط على قيادة أنفسهم ولكن أيضاً على تعليم الآخرين[24]، هم عدد ضئيل جداً يحقق صورة العدد القليل للذين خلصوا مع نوح والذين اتحدوا به بأوثق قرابة، تماماً كما يمتلك ربنا يسوع المسيح، نوح الحقيقي، عدداً صغيراً من الأصدقاء، عدد صغير من الأبناء ومن الأقارب الذين يشاركون كلمته ويمكنهم تلقي حكمته. هؤلاء هم من أقيموا في أسمى مرتبة ووضعوا في قمة الفلك.

أما هذا الجمع من الحيوانات أو الوحوش غير العاقلة فتلبث في الجزء السفلي، وبينهم في الجزء الأسفل، الذين لم تهدئ حلاوة الإيمان عنف وحشيتهم. ولكن فوقهم بقليل، هناك من يحتفظون على الرغم من ذلك بالكثير من البساطة والبراءة دون أن يكونوا عقلاء بالكامل.

نوح الحقيقي: يسوع المسيح

وهكذا كلما اتجهنا صعوداً من خلال طوابق الشقق المختلفة، نصل إلى نوح ذاته. نوح يعني “الراحة” أو “العادل[25]” -الذي هو المسيح يسوع. لأن كلمات لامك أبيه لا تتوافق مع نوح القديم: “هذا يريحنا من أتعابنا ومن عمل أيدينا المؤلم ومن الأرض التي لعنها الرب الإله[26]“، فكيف إذن نعتبره أمراً صحيحاً أن نوح القديم قد أراح لامك أو الشعب الذي كان يوجد على الأرض في ذلك الوقت

كيف كان يمكن أن يتوقف التعب والعمل المؤلم في زمن نوح، وكيف كان يمكن أن تمحى اللعنة التي نطق بها الرب على الأرض عندما يظهر بالأحرى أن الغضب الإلهي قد تزايد وأخبرنا أن الله قال: “ندمت أني عملت الإنسان على الأرض[27]” وأنه قال أيضاً: “سأبيد كل جسد على الأرض[28]” وخاصة عندما يقدم موت الأحياء الدليل على النكبة الأكبر؟

ولكن انظروا ربنا يسوع المسيح: لقد قيل عنه: “هذا هو حمل الله، هذا الذي يرفع خطية العالم[29]“، وفي موضع آخر: “صار من أجلنا لعنة ليفتدينا من لعنة الناموس[30]“؛ وفي موضع آخر أيضاً هو الذي يقول: “تعالوا إلى يا جميع المتعبين وثقيلي الأحمال وأنا أجددكم فتجدوا راحة نفوسكم[31]“.” أنتم ترون أنه هو الذي أعطى حقاً الراحة للبشر وهو من خلص الأرض من اللعنة التي أتت عليها من قبل الرب الإله. هكذا إذن قيل لهذا الـ “نوح” الروحي، الذي أعطى الراحة للبشر والذي رفع خطية العالم: “اصنع لنفسك فلكاً من خشب مربع”[32].

الخشب المربع: دعائم الإيمان

4 لنر اذاً ما هي هذه الأخشاب المربعة. الخشب المربع هو ذلك الخشب الذي لا يميل بأي شكل والذي، مهما قلبناه من أي جانب فإنه يحتفظ دائما بصلابة بتوازنه. هذه الأخشاب هي التي تحتمل بالداخل ثقل الحيوانات وضغط المياه بالخارج. وهي تمثل في رأيي الأحبار والمعلمين وغيوري الإيمان الذين في الكنيسة، الذين يعزون الشعب الموجود بالداخل بكلمة الإنذار والتعليم، من ناحية، ومن ناحية أخرى يقاومون بقوة الكلمة وبحكمة العقل مهاجمي الخارج، سواء كانوا وثنيين أو هراطقة، كما يقاومون من يثيرون أمواج الاعتراضات وعواصف المجادلات[33].

هل تريدون أن تروا أن الكتاب الإلهي يعرف “أخشاباً” عاقلة؟ لنذكر أنفسنا بالمكتوب في حزقيال النبي: “وكان في السنة الحادية عشرة في الشهر الثالث في أول يوم من الشهر أن كلام الرب كان إليّ قائلاً: يا ابن الإنسان، قل لفرعون ملك مصر وجموعه: بمن تشبه نفسك في عظمتك؟ هوذا آشور كان سرواً على لبنان، جميل الأغصان، وارف الظل، طويل القامة، رأسه مرتفع إلى الغمام. عظمته المياه، وكبره البحر، وأتى بكل أنهاره من حوله وأرسل فيض مياهه لكل أشجار السهل. فلذلك ارتفعت قامته أعلى من جميع أشجار السهل[34].”

وبعد بضع كلمات يقول: “الكثير من سرو جنة الله والصنوبر لا يشبه أغصانه والأرز لا يساوي فروعه. لم تشبهه أية شجرة في جنة الله وجميع أشجار جنة نعيم الله حسدته[35]“. هل لاحظتم عن أي نوع من الأشجار يتكلم النبي؟ وكيف يصف سرو لبنان الذي لا يمكن مقارنته بجميع أشجار جنة الله الأخرى. ويضيف حتى في النهاية أن كل أشجار جنة الله تحسده. ووفقا للمفهوم الروحي، هو يريد بالتأكيد أن يوضح أن الأشجار العاقلة التي في جنة الله هي التي يصف أن لديها غيرة من الشجر الذي على جبل لبنان.

وهكذا. ولكننا نقولها اعتراضاً. لاحظوا أنه يجب ربما فهم الآية: “ملعون من الله كل من علق على خشبة”[36] بنفس المعنى المستخدم في موضع آخر: “ملعون الرجل الذي يضع رجاءه في الإنسان[37].” فعلينا أن نعلق بالله وحده دون آخر حتى ولو ادعى أنه من جنة الله.

كما يقول ذلك بولس الرسول أيضاً: “عندما نبشركم نحن أو ملاك من السماء بإنجيل آخر غير الذي بشرناكم به فليكن أناثيما[38]” ولكن لنؤجل الحديث هذا الموضوع إلى مرة أخرى.

 

القار: التقديس الداخلي والخارجي

لقد رأيتم ما هي الأخشاب المربعة التي وضعها نوح الروحي لأجل الذين هم في الداخل كجدار وحماية ضد المياه التي تضرب الفلك من الخارج. هذه الأخشاب مطلية بالقار من الداخل ومن الخارج[39]“، فالمسيح مؤسس الكنيسة، لا يريد أن تكونوا كالذين يظهرون من خارج أبراراً في أعين الناس والذين من داخل هم قبور موتى[40]“؛ ولكنه يريد أن تكونوا قديسين بالجسد في الخارج وطاهرين بالقلب في الداخل، منتبهين من كل ناحية ومحميين بفضيلة العفة والنقاوة. هذا ما يعنيه أن يكون المرء مطلياً بالقار من الداخل ومن الخارج.

الطول والعرض والارتفاع. أبعاد أسرار المسيح

5 بعد ذلك يذكر طول الفلك وعرضه وارتفاعه ويعطي تلك الأبعاد بعض الأرقام التي اختصت بأسرار عظيمة[41]. ولكن قبل الحديث عن الأرقام، لنرى ما يقصده الكتاب بالطول والعرض والارتفاع. لقد قال الرسول في فقرة كان يتحدث فيها عن سر الصليب بطريقة سرية أكثر: “حتى تعرفون الطول والعرض والعلو والعمق[42].” العمق والعلو هما سيان، إلا أن في العلو يبدو الفضاء محسوباً من أسفل إلى أعلى، بينما يبدأ قياس العمق من أعلى ويهبط إلى أسفل. فسمعنا إذا روح الله بحق، بواسطة موسى وبولس الرسول في ذات الوقت، أسراراً عظيمة بالرمز.

أما بولس فلأنه كان يبشر بسر نزول المسيح فقد استخدم لفظ العمق حتى يبين أن المسيح جاء من المناطق العليا إلى المناطق السفلى؛ أما موسى فعلى العكس، فلأنه يصف عودة الذين ردهم المسيح من المناطق السفلى إلى المناطق السماوية منتزعا إياهم من الدمار وهلاك الدهر كما من موت الطوفان، فلا يذكر العمق في أبعاد الفلك ولكن الارتفاع، كأنما ليشير إلى أن الأمر يتعلق بمكان نرتفع فيه من المناطق الأرضية الوضيعة إلى المناطق السماوية والمرتفعة.

معاني الأعداد

أما بالنسبة إلى الأعداد، فهي ثلاثمائة ذراع للطول وخمسون للعرض وثلاثون للارتفاع.

الثلاثمائة هي ثلاثة في مئة والعدد مئة يشير إلى تمام كل شيء وإلى الكمال، وهو يحوي سر مجموعة المخلوقات العاقلة، كما نقرأ ذلك في الأناجيل حيث يقول إن: “من كان له مئة خروف وأضاع واحدا منهم ترك إذن التسعة والتسعين على الجبل ونزل ليبحث عن الضال. وإذ وجده حمله على منكبيه وأعاده إلى التسعة والتسعين التي لم تضل[43]“.

ولأن العدد مئة هذا الذي لمجموعة المخلوقات العاقلة لا ينشأ من تلقاء ذاته ولكنه يتحدر من الثالوث ونال من الأب بالابن والروح القدس[44] طول العمر، أي نعمة الخلود، فلذلك يعطينا الكتاب هذا العدد مضروباً في ثلاثة، كما هو طبيعي بالنسبة لمن ينمو إلى الكمال بنعمة الثالوث، والذي بمعرفة بالثالوث يعيد إلى جماعة الثلاثمائة من ترك نفسه يضل بجهله بعيداً عن جماعة المئة[45].

أما العرض فقد خصه بالعدد خمسين، وهو العدد المختص بالعتق والغفران، فوفقاً للناموس[46]، كان هناك عتق يتم في السنة الخمسين، أي إنه إذا تم رهن أي من الممتلكات، كان يرد آنذاك، وإذا وقع رجل حر في العبودية كان يستعيد حريته، والمدين ينال إبراء من دينه، والمنفي كان يعود إلى وطنه. لذا فقد أعطى المسيح، نوح الروحي، في فلكه، أي في الكنيسة، التي يخلص فيها الجنس البشري من الدمار، العدد خمسين للعرض وهو عدد العتق، لأنه لو لم يكن قد وهب المؤمنين مغفرة الخطايا، لما امتد “عرض” الكنيسة عبر العالم.

ويحتوي العدد ثلاثون الذي للارتفاع على سر شبيه مثل العدد ثلاثمائة. فما كان يمثله منذ قليل العدد مئة، يمثله الآن العدد عشرة مضروبا في ثلاثة.

ولكن قمة كل البناء تتقلص إلى الرقم واحد: فليس هناك إلا “إله واحد، الأب، الذي منه تأتي كل الأشياء، ورب واحد[47]” ولا يوجد سوى إيمان واحد للكنيسة، ومعمودية واحدة وجسد واحد وروح واحد[48]” وتنزع كافة المخلوقات إلى الغاية الوحيدة التي للكمال الإلهي[49].

ولكن أنتم أيضا الذين تسمعون، لو دأبتم على مهل في قراءة الكتاب المقدس فستجدون أن الكثير من الإنجازات الكبيرة تختبئ في رقمي ثلاثين وخمسين. فيوسف كان في الثلاثين حين خرج من السجن وتبوأ حكم مصر كلها[50] حتى يبعد، بفطنة إلهية، كارثة المجاعة التي كانت تهددهم. ويخبرنا أن يسوع كان في الثلاثين[51] من عمره حين ذهب ليعتمد وحين رأى السموات مفتوحة وروح الله نازل عليه في هيئة حمامة[52]“.

في ذلك الوقت بدأ سر الثالوث ينكشف لأول مرة. وستكتشفون الكثير من الأحداث المشابهة لذلك. كما ستجدون أيضا أن يوم الخمسين كان مخصصا لتكريس الحصاد الجديد[53] وأنه قد تم اقتطاع جزء من خمسين من غنائم المديانيين[54] للرب. وأيضاً أن إبراهيم قد انتصر على أهل سدوم بثلاثمئة رجل[55]، وأنه بالثلاثمئة رجل الذين رشفوا الماء بألسنتهم أحرز جدعون نصرته[56].

الباب: دينونة الله

أما الباب فلا هو في الواجهة الأمامية ولا هو أعلى الفلك ولكنه في الجانب مائلاً لأنه وقت الغضب الإلهي. مكتوب أن يوم الرب هو يوم غضب وسخط[57]“، ويمكن للبعض أن يخلص ولكن هناك الكثيرون الذين يدينهم سلوكهم ومصيرهم الهلاك والموت. وإذا كان الباب قد وضع مائلاً فهذا لكي يذكرنا بقول النبي هذا: “إن سلكتم معي باعوجاج فسوف أسير معكم بسخط معوج[58]“.

الطوابق السماء والأرض والجحيم

لنفحص بعد ذلك الفقرة التي تشير بشكل منفصل إلى كل من الجزء الأسفل ذي الطابقين والجزء الأعلى ذي الثلاثة الطوابق. وقد يقصد أن يشير من هنا لما يقوله الرسول أنه “ستجثو باسم يسوع كل ركبة من الكائنات التي في السماوات وعلى الأرض والجحيم”[59]، ويعني أن الجزء الأسفل في الفلك هو نفسه ما يقصده الرسول بكائنات الجحيم، وأن ما يأتي فوقه مباشرة هو نفس ما يقصده بكائنات الأرض.

أما الجزء العلوي الذي يقال إنه ذو ثلاثة طوابق والذي نسكنه جميعاً فهو ما يقصده بكائنات السماء. ولكن من بين هؤلاء يجب أن نميز من تسمح لهم استحقاقاتهم، وفقا للرسول بولس أن “يصعدوا إلى السماء الثالثة[60]“. أما عن الكوى والكوى، ولأنها عددها كبير في الفلك، فهي تشير إلى أن هناك في بيت الأب منازل كثيرة[61]“.

تعايش الحيوانات معا اتحاد الجميع في الملكوت

ولكي نفسر [وجود] الحيوانات والوحوش والبهائم وشتى الأحياء الأخرى، فأي صورة أخرى نأخذها غير تلك التي أعطاها لنا إشعياء النبي حين قال إن في ملكوت المسيح الذئب والحمل، الفهد والجدي، الأسد والثور، سوف تذهب معاً للمرعى وصغارها تأكل الكلأ ما، بل حتى الطفل الصغير أحد الذين قال المخلص عنهم: “إن لم ترجعوا وتصيروا مثل هذا الولد فلن تدخلوا ملكوت الله[62]“، ذلك الطفل، يدخل يده في وكر الأفعوان دون أن يشعر بأي أذى[63].

ألا يمكننا أن نتناول أيضاً الصورة المتحققة بعد الآن في الكنيسة، كما يعلم بطرس بذلك حين نقل لنا ما شاهده في رؤيا، حيث ظهرت كل الدواب (ذوات الأربع) ووحوش الأرض وطيور السماء محتواة في الملاءة الواحدة التي للإيمان[64] والمربوطة بالجوانب الأربعة التي للأناجيل؟

التفسير الأخلاقي

6 ولكن بما أنه بالنسبة للفلك، الذي نسعى جاهدين لوصفه، جاء أمر الله أن يبنى لا على طابقين فقط ولكن على ثلاثة طوابق، فلنهتم نحن أيضاً بإضافة تفسير ثالث إلى التفسير المزدوج الذي سبق وفقا للوصية الإلهية.

 المعنى الأخلاقي

التفسير الأول الذي بدأنا به هو في الواقع تفسير تاريخي، وقد وضع كأساس في الأسفل، أما التفسير الثاني، التفسير المستيكي، فقد كان أعلى وأسمى. فلنحاول إن أمكن أن نرفق به التفسير الثالث وهذا يكون أخلاقياً. ولنلاحظ مع ذلك خاصية ألا وهي أن الكتاب المقدس لم يقل إن الفلك كان ذا طابقين فقط دون أن يضيف شيئاً، كما لم يقل إنه كان ذا ثلاثة طوابق فقط دون إضافة؛ ولكن بعد أن قال: ذا طابقين” أضاف “و ذا ثلاثة طوابق.

هذا لا يكون، كما يبدو لي دون سر نفس التفسير الذي بين يدينا الآن لأن مصطلح “ذو ثلاثة طوابق” يشير إلى هذا التفسير الثلاثي. ولكن حيث إن التسلسل المنطقي في الكتابات الإلهية بالنسبة لوجهة النظر التاريخية لا يستقيم دائما بل ويغيب أحياناً، هكذا، حين يقول مثلاً: “أشواك تنبت في يد السكران[65]“، أو حين يقول فيما يتعلق بالهيكل الذي بناه سليمان “ولم يسمع في بيت الله صوت المعول والمنحت[66]

أو أيضاً في سفر اللاويين حين “يأمر بفحص برص الجدران والجلود وخيوط النسيج بواسطة الكهنة لكي يطهروه[67]“، فبسبب تلك المقاطع ومقاطع أخرى مشابهة، لا يتكون الفلك فقط من مجموعة من ثلاثة طوابق ولكن أيضاً من مجموعة من طابقين، حتى نعرف أن الكتابات الإلهية لا تحتوي دائما على ثلاثة معاني للشرح، بما أن المعنى التاريخي لا يقدم لنا دائماً، ولكن أحياناً معنيين فقط. ولنحاول إذا أيضاً شرح المعنى الثالث ألا وهو وجهة النظر الأخلاقية.

الفلك وأبعاده

إن كان هناك أحد قادر، رغم نمو الشر وفيض الرذائل، على أن يتحول عن الأمور الزائلة، الفانية والباطلة، ليستمع إلى كلمة الله وإلى الوصايا السماوية، فإن هذا يبنى في قلبه فلك الخلاص ويكرس بداخله “مكتبة” الكلمة الإلهية[68]، إن جاز القول، ويعطيها كطول وعرض وارتفاع الإيمان والمحبة والرجاء.

وهو يبسط الإيمان بالثالوث من أجل طول الحياة والخلود، أما عرض المحبة، فيقيمه بمشاعر اللطف والصلاح، وأما ارتفاع الرجاء فيرفعه إلى الحقائق السماوية العلوية، لأنه إن عاش على الأرض فإنه “في السموات مسكنه[69]. أما بالنسبة إلى مجموع أعماله فهو يرجعها إلى هدف واحد لأنه يعرف أن “الجميع يركضون ولكن واحد فقط ينال الجعالة[70]“، وذلك من لن يتشتت في تنوع الأفكار وتقلب الروح.

الأخشاب المربعة والقار والحيوانات

وهو لا يبني هذه المكتبة من أخشاب خام خشنة، ولكن من أخشاب مربعة مسطحة ومستقيمة، أي لا من كتب المؤلفين الدنيويين ولكن من كتب الأنبياء والرسل، لأن هؤلاء هم الذين؛ إذ تنقلوا بالتجارب المتنوعة وشذبوا واقتطعوا كل رذائلهم، فإن الحياة لديهم مهذبة ومتوازنة من كل جانب. أما مؤلفو الكتب الدنيوية فمن الممكن أن نطلق عليهم “أخشاباً مرتفعة” وأخشاباً ظليلة”.

فإن “تحت كل خشبة مرتفعة وظليلة يتهم إسرائيل بأنه قد زنا[71]“. بما أنهم يجاهرون بتعاليم رفيعة ويستخدمون أساليب مزخرفة، دون أن يعملوا وفقاً لكلامهم، فلا نستطيع أن نطلق عليهم “أخشاب مربعة[72]“، لأن السلوك لديهم ليس متوافقاً مع أقوالهم بأي شكل.

أنت إذاً إن صنعت فلكاً، إن جمعت مكتبة، فلتضم بها كتابات الأنبياء والرسل أو من اتبعوهم في خط الإيمان المستقيم. اصنعها مزدوجة وثلاثية الطوابق. تعلم بواسطتها الروايات التاريخية، اعلم بواسطتها “السر العظيم[73]” الذي يتم في المسيح وين الكنيسة، واعرف بواسطتها كيف تصحح أيضاً عاداتك وتزيل عيوبك، وتطهر نفسك وتجردها من كل الرباطات التي تأسرها، مقيما فيها كوي وكوى من أجل الفضائل المتنوعة والتقدم[74].

وبالتأكيد ستطليها بالقار من الداخل ومن الخارج[75]“، “حاملاً الإيمان في قلبك ومعترفا به بفمك[76]“، حاملاً العلم بالداخل والأعمال بالخارج ومتقدماً بالقلب الطاهر بالداخل وبالجسد المتعفف بالخارج.

في هذا الفلك إذاً، لنضع “مكتبة الأسفار الإلهية أو النفس المؤمنة من وجهة نظر أخلاقية مؤقتاً. عليك أيضاً إدخال حيوانات من كل نوع، لا طاهرة فقط ولكن أيضا نجسة. أما الحيوانات الطاهرة فمن السهل علينا القول بأنه يمكن تفسيرها كالذاكرة والعلم والذكاء والفحص والتمييز وكل الملكات المشابهة الأخرى التي نطبقها على ما نقرأ. وأما بالنسبة للحيوانات النجسة فمن الصعب إبداء الرأي بشأنها؛ إذ لاحظنا أنه يشير إليها بزوج زوج[77]

ومع ذلك فإن لم يكن التعرض لمثل تلك المقاطع الصعبة أمراً متهوراً، فأعتقد أن الشهوة والغضب الطبيعيين لدى كل النفوس، يجب أن تسمى نجسة حين تؤدي بالإنسان إلى الخطية، ولكن حيث إننا لا نستطيع لا أن نوفر النسل بدون الشهوة ولا الإصلاح والتعليم بدون الغضب، فنقول إنهما ضروريان ويجب الاحتفاظ بهما[78]. قد يبدو هذا الكلام لا يتعلق بالمعنى الأخلاقي ولكن بالمعنى الطبيعي، ومع هذا فقد تحدثنا بما تقدم من أجل البناء[79].

ومن يستطيع على مهل مقارنة أجزاء الكتاب المقدس بنفسه وربط “الروحيات بالروحيات[80]” فإنه سيجد بلا شك في هذا المقطع الكثير من الخفيات التي لسر عميق وخفي يمنعنا الوقت القصير المتبقي وكذلك تعب المستمعين من عرضها الآن.

ولكن لنطلب رحمة الله العلي القدير حتى لا يجعلنا “نسمع فقط[81]” كلمته ولكن “أن نعمل بها”، وليسكب على نفوسنا أيضاً طوفان مائه وليهدم فينا كما يريد ما ينبغي هدمه ويحيي بالمثل فينا ما ينبغي إحياؤه بالمسيح ربنا وبروحه القدوس، له المجد لأبد الآبدين آمين.

 

[1] هناك خلط لدى أوريجانوس (أو روفينوس) بين كلمتي حرفي وتاريخي.

[2] المقصود بها مساكن لأن الكوة هي فتحة غير نافذة في الجدار.

[3] انظر: تك 6: ۲۲، ۲۲.

[4] هنا نجد في أكثر من مئة سطر، المقطع اليوناني الوحيد الذي بقي لنا من العظات على سفرالتكوين لأوريجانوس، وقد حفظه لنا بروكوبس وتقليد (Chaines) ولكن مع وجود اختلاف طفيف بينها. ونحن لا يمكن أن نعتبر أن هذا النص هو بالضبط ما قدمه أوريجانوس؛ إذ نجده يحتوي على مقاطع لديديموس الضرير في تعليقه على سفر التكوين، والذي يستلهم بلا شك من أوريجانوس.

وهكذا يعتبر نص روفينوس هو ترجمة مباشرة لنص أوريجانوس، تحترم أفكار أوريجانوس لكن يرجع التعبير عنها وتنظيمها إلى روفينوس. وحيث إن الترجمة التي نوردها هنا هي ترجمة روفينوس فقد التزمنا بها أيضا في هذا الجزء.

[5] نجد في العديد من مخطوطات (Chaines) رسما في الهامش يمثل الفلك بشكله الهرمي وطابقيه السفليين وطوابقه الثلاثة العليا وتقسيمه.

[6] إنه واحد من عدة تقاليد تسلمها أوريجانوس من بعض اليهود الذين بالإسكندرية أو خلال رحلاته إلى فلسطين.

[7] انظر: تك 7: 16-18.

[8] انظر: تك 8: 6، 8.

[9] انظر: تك 6: 21.

[10] انظر: تك 6: 22.

[11] نحو القرن الثاني كتب أبيليس سلسلة من الجدالات الشكلية” تكون مجموعة من الاعتراضات ضد الكتاب المقدس. وقد تسربت بعض اعتراضاته بين المؤمنين وزرعت بلبلة. (ارجع إلى العظة 3: ۱)

[12] انظر: تك 6: 9

[13] انظر: تك 7: 2.

[14] انظر: اع 7: 22.

[15] كانت فكرة أن المصريين قد برعوا في الهندسة فكرة شائعة عند القدماء. ووفق العديد من الباحثين فإن المصريين هم من اخترعوا الهندسة.

[16] انظر: 2كو 3: 14.

[17] انظر: لو 17: 26-27؛ مت 24: 27.

[18] يمثل انقضاء الدهر بالنسبة لأوريجانوس ليس مجرد الحدث الأخير لمجي المسيح الثاني، ولكنه العصر الحالي ككل الذي بدأ بمجيء ابن الإنسان أي التجسد. ومن هنا جاء استخدام صيغة الماضي الذي يدهشنا. ارجع إلى العظة 15: 5 “في نهاية الدهر، نزل ابن الله الوحيد إلى الجحيم.”

[19] انظر: تك 6: ۹.

[20] انظر: مز ۲: ۸.

[21] انظر إش 26: 20.

[22] انظر: ترتليان ( 24, TERTULLIEN , De idol): “لنر إن كان هناك مكان بالكنيسة وفقا لما صوره الفلك بالنسبة للغراب والعقاب والذئب والكلب والثعبان. ولكن من المؤكد أن الفلك لا يحوي أي وثني”. وطبقا لهيبوليتوس (HIPPOLYTE, Philos. 9, 12): “يقول سابيليوس إن فلك نوح كان صورة الكنيسة، نرى فيه كلابا وذئائا وغربانا وكافة أنواع الحيوانات الطاهرة والنجسة. وكان يقول إنه لا بد أن يكون هكذا أيضا في الكنيسة.”

[23] انظر 1كو 15: 23.

[24] انظر 2تي 2: 2.

[25] كثيرا ما كان أوريجانوس يعود إلى المعنى الاشتقاقي للأعلام كما ورد في معاجم أسماء الأعلام القديمة. وسوف نلتقي فيما يلي بالعديد من أصول الكلمة هذه. وهي تبدو مبتكرة بالنسبة لفقهاء اللغة اليوم، لكنها كانت تؤخذ آنذاك كما هو شائع.

[26] انظر: تك 5: 29.

[27] انظر: تك 6: 7.

[28] انظر: تك 6: 7، 12.

[29] انظر: يو 1: 29.

[30] انظر: غل 3: 13.

[31] انظر: مت 11: 28-29.

[32] انظر: تك 6: 14.

[33] لاحظ تدرج وظائف التعليم. أولا غيورو الإيمان الذين يبدو أن دورهم يتمثل في توبيخ وتحذير الفاترين، ثم يأتي المعلمون المتولون مهمة التعليم بالمعنى الحرفي للكلمة، وأخيرا هناك الأحبار ويمكن أن يقوموا بالوظائف السابق ذكرها (العظة 13: 4) ولكن ترجع إليهم بشكل خاص مهمة الدفاع عن الإيمان ضد الهراطقة والوثنيين.

[34] انظر: حز 31: 1-5.

[35] انظر: حز ۳۱: ۸-۹. هذا الاستشهاد من حز 3: 1-5، ۸۔ ۹ موجود دون حذف في المقاطع عند ديديموس بنفس الهدف وهو أن يثبت أن الكتاب المقدس يتحدث عن” أشجار عاقلة” ويمكننا أن نتبين اختلافات طفيفة بين النصين.

[36] انظر: تث 21: 23.

[37] انظر: إر 17: 5.

[38] انظر: غل 1: 8.

[39] انظر: تك 6: 14.

[40] انظر: مت 23: 27.

[41] كثيرا ما يظهر مفهوم السر هذا في فكر أوريجانوس. لقد جاء العهد الجديد بالإعلان عن سر المسيح، ولكن هذا السر لا ينكشف مرة واحدة أمام المؤمن. بل هو منتشر ومخفي في كل مكان في الكتاب المقدس ومتناثر في قصص ورموز لا حصر لها. والحرفية هي التي تبقي الكتاب في الظل، كما يغطي البرقع وجه موسى (العظة ۲: ۳؛ 6: ۱؛ 7: 1، ۷: 6؛ ۱۲: ه؛ ۱۳: ۳؛ 15: 7). ولذا يجب إزالة البرقع حتى ينكشف سر الكتاب.

وتضاعف الدراسة الدقيقة والمثابرة والتي على نور الإيمان من نقاط الاتصال مع هذا السر. كل نقطة اتصال تكون إذا مثل سر خاص وجزء من السر الواحد. والكتاب المقدس هو محيط من الأسرار (العظة ۹: ۱) التي ينبغي الكشف عنها واحدة فواحدة.

[42] انظر: اف 3: 18.

[43] انظر: لو 15: 4-5؛ مت 18: 12-13.

[44] تعتبر هذه هي الصورة التمهيدية للمفهوم الذي يرد عند معظم الآباء الشرقيين وهو أن عمل الله الثالوث هو “من الآب بالابن في الروح القدس”.

[45] يجب أن يتساءل القارئ باستمرار في كل فقرة شبيهة، إلى أي مدى يمكن أن تتطابق ترجمة روفينوس الذي كان يكتب بعد الجدال عن الثالوث، مع لغة أوريجانوس. ومن المؤكد أن أوريجانوس كان يجد من جهة الأرقام، أن شرح رمزيتها هو أمر مفيد.

ويأتي أوريجانوس بعد فيلو، الذي كان يسر بهذا النوع، وبعد كيلمندس السكندري، الذي قدم بالفعل معنى أبعاد الفلك (475.Strom . VI , 11 , 86 – 87 : GCS 15 , p)، وسنجد أنه قد جاءت أيضا معنی الأرقام ۳۰۰ و ۱۰۰ و 50 و ۳۰ و۱ وفقا لمقارنات كتابية في العظة 16: 16.

[46] انظر: لا 25: 10.

[47] انظر 1كو 8: 6.

[48] انظر: أف 4: 4، 5.

[49] ارجع إلى عظاته على سفر العدد 21: 2 “من جهة القمة المحصورة والضيقة، فهي مكان الإنسان العاقل. ومن جهة أخرى، تقام القبة على ذراع واحد لأن الكل يرجع إلى الوحدة؛ لكن الوحدة نفسها تشير إلى سر الثالوث بعدد ثلثمائة ذراع ويوضع الإنسان بجانب هذا الرمز باعتباره عاقلا وقادرا على استقبال الله .”

[50] انظر: تك 41: 46.

[51] انظر: لو 3: 23؛ مت 3: 16.

[52] انظر: مر 1: 10.

[53] انظر: لا 23: 16؛ تث 16.

[54] انظر: عد 31: 28، 30.

[55] انظر: تك 14: 14.

[56] انظر: قض 7: 6، 8.

[57] انظر: صف 1: 15.

[58] انظر: لا 16: 27-28.

[59] انظر: في 2: 10.

[60] انظر: 2كو 12: 2.

[61] انظر: يو 14: 2.

[62] انظر: مت 18: 3.

[63] انظر: إش 11: 6-8.

[64] انظر: أع 10: 11-12.

[65] انظر: أم 26: 9.

[66] انظر: اصم 6: 7.

[67] انظر: لا 14: 34؛ 13: 48.

[68] ارجع إلى عظاته على سفر الخروج ۹: 4 “ليعمل كل واحد فينا من ذاكرته فلكا ومكتبة الكتب الإلهية لأن النبي يعتبر أن من يحفظون في ذاكرتهم وصايا الله لينفذوها هم مطوبون.”

[69] انظر: في 3: 20.

[70] انظر: 1كو 9: 24.

[71] انظر: إر 2: 20؛ 3: 6.

[72] انظر: تك 6: 14.

[73] انظر: أف 5: 32.

[74] نرى هنا الثمرة الثلاثية مصاغة بإتقان وهي التطبيق بالمعنى الحرفي والرمزي والأخلاقي.

[75] انظر: تك 6: 14.

[76] انظر: رؤ 10: 10.

[77] انظر: تك 6: 19.

[78] ارجع إلى العظة 1: 17.

[79] اهتمام أوريجانوس بالتأمل والاقتباسات التي يأخذها من الفلسفات الوثنية تعطي بعض المستمعين الأقل خبرة انطباعا أنه يتحدث کرواقي أو علماني أكثر من كونه معلما مسيحيا۔ وهو ينكر ذلك ويشرح رأيه بالفعل في العظات ۱: ۱۷، ۲۳. وفي موضع آخر (العظة 13: 3) يذكر أن المعلمين الوثنيين هم الذين يتهموه باستعمال حججهم وأساليبهم.

[80] انظر: 1كو 2: 13.

[81] انظر: يع 1: 22.

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثالثة ختان إبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

الخليقة

اليوم الأول[1]

“في البدء”

1“في البدء خلق الله السماء والأرض”[2]. ما هو بدء كل شيء إلا يسوع المسيح ربنا و”مخلص جميع الناس”[3] “بكر كل خليقة[4]“؟ إذاً في هذا البدء، بمعنى في “كلمته” “خلق الله السموات والأرض، كما يقول يوحنا البشير في بداية إنجيله: “في البدء كان الكلمة وكان الكلمة عند الله وكان الكلمة الله. كان هذا في البدء عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان.[5]” وهو لا يتكلم هنا عن بدء زمني ولكنه يقول إن السماء والأرض وكل ما خلق قد خلق “في البدء” أي في المخلص[6].

الظلمة

وكانت الأرض محتجبة ولا شكل لها، وكانت الظلمة تغطي الهاوية، وروح الله يرف على المياه”[7] كانت الأرض محتجبة ولا شكل لها قبل أن يقول الله “ليكن نور”[8] وقبل أن يفصل النور عن الظلمة وفقاً لما يشير إليه ترتيب السرد. بعد ذلك أمر الله بأن يكون هناك جلد وهذا أسماه “سماء”. وحين نصل إلى تلك النقطة سنوضح الفرق بين الجلد والسماء ولماذا أطلق على الجلد السماء. ولكن الآن يقال: “كانت الظلمة تغطي الهاوية”[9]، فما هي تلك الهاوية؟ بالتأكيد هي الهاوية التي سيكون فيها[10] “إبليس وملائكته”[11]. على الأقل هذا أيضاً مذكور بوضوح في الإنجيل، حين قيل عن المخلص: “إن الشياطين الذين كان يطردهم كانوا يطلبون إليه ألا يأمرهم بالذهاب إلى الهاوية.”[12]

لهذا يبدد الله الظلمة طبقا للنص الكتابي القائل: “وقال الله ليكن نور فكان نور. ورأى الله أن النور كان حسناً وفصل الله النور عن الظلمة. وسمى الله النور نهاراً وسمى الظلمة ليلاً. وكان مساء وكان صباح: يوماً واحداً.”[13]

الزمن

وطبقا للحرف، فإن الله أطلق على النور نهاراً وعلى الظلمة ليلاً ولكن طبقاً للمعنى الروحي، دعونا نرى بعدما “صنع السماء والأرض” في ذلك “البدء الذي تحدثنا عنه سابقاً، وبعد أن قال أيضاً إنه كان نور ثم فصل النور عن الظلمة وأطلق على النور نهاراً وعلى الظلمة ليلاً، وبعد أن قال إنه كان مساء وكان صباح، لماذا لم يقل الله “اليوم الأول”[14] لكن “يوم واحد”[15]؟ ذلك لأن الزمن لم يكن موجوداً قبل كون العالم. ولكن الزمن بدأ يوجد مع الأيام التالية. فاليوم الثاني والثالث والرابع وكل الأيام الأخرى بدأت تشير إلى الزمن.

اليوم الثاني

السماء والجلد[16]

۲ وقال الله: “ليكن جلد في وسط المياه وليفصل المياه من المياه. وكان كذلك. فعمل الله الجلد[17]” وبعدما خلق السماء، يخلق الله الآن الجلد. في الواقع هو خلق السماء أولاً التي قال عنها: “السماء كرسيي”[18]، ثم بعد ذلك خلق الجلد، أي السماء الجسدية. فمن الواضح أن كل جسد يكون صلباً ومتماسكاً وهذا ما يفسر أن الجلد “فصل بين المياه التي فوق السماء من المياه التي تحتها.”[19]

وحيث أن كل ما كان الله سيصنعه كان مكوناً من روح وجسد، فلهذا قد قيل إن السماء، أي كل مادة روحية يعتمد عليها الله، كما على كرسي، قد خلقت في “البدء” وقبل كل شيء. ولكن السماء الأخرى، أي الجلد، هي جسدية. لهذا فإن السماء الأولى التي وصفناها بأنها روحية هي روحنا، التي هي بالضرورة روحية، أي إنساننا الروحي الذي يرى الله ويتأمله. ولكن الأخرى، التي هي السماء الجسدية والتي يطلق عليها جلد، فهي إنساننا الخارجي الذي يرى بأعين الجسد.

وكما أطلق على الجلد سماء لأنه يفصل بين المياه التي فوقه عن تلك التي تحته، هكذا الإنسان، الذي هو كائن في جسد، إن استطاع أن يفصل ويميز بين المياه العليا التي “فوق الجلد” والمياه التي “تحت الجلد” فسوف يسمى هو أيضاً سماء أي “إنساناً سماوياً[20]” كقول الرسول بولس: “فإن مسكننا هو في السماء[21]

هذا إذا هو ما تحويه ألفاظ الكتاب ذاتها: “فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه الذي فوق الجلد. ودعا الله الجلد سماء ورأى الله أن هذا حسن، وكان مساء وكان صباح، وكان ذلك يوما ثانياً[22]

المياه العليا

وليهتم كل واحد منكم إذن بأن يصير من يفصل الماء الذي هو في الأعلى عن الماء الذي بالأسفل حتى يصل إلى الفهم والمشاركة في الماء الروحي الذي هو “فوق الجلد”، ويجري من بطنه أنهار ماء حي تنبع إلى الحياة الأبدية”[23]، مبتعداً بلا شك ومفصولاً عن الماء السفلي أي عن ماء الهاوية الذي يضع الكتاب فيه الظلمة وحيث يسكن “رئيس هذا العالم[24]” و”التنين العدو “مع ملائكته”[25] كما سبق وقلنا.

وهكذا إذاً بالاشتراك في الماء العالي الذي هو فوق السموات يصبح كل مؤمن سماوياً بمعنى أن يركز ذهنه في الأشياء العليا والسامية ولا يكون أي شيء من أفكاره في الأرض، ولكن تكون كلها في السماء، و “يطلب ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الآب”[26]. حينئذ هذا الإنسان نفسه سيحسبه الله مستحقاً للمديح الموجود في النص القائل: “ورأى الله أن هذا كان حسناً”[27]

اليوم الثالث

تصبح أرضا خصبة

ثم ما عرضه في التكملة عن اليوم الثالث يلحق بذات المعني. والواقع أن الكتاب يقول: “وقال الله: ليجتمع الماء الذي تحت السماء إلى كتلة واحدة ولتظهر اليابسة[28]. وكان كذلك”[29].

لنسعى نحن إذن إلى جمع الماء الذي تحت السماء” وأن نزيلها بعيداً عنا حتى تظهر بعد ذلك “اليابسة” أي أعمالنا التي نعملها بالجسد “حتى إذ يرى الناس أعمالنا الحسنة يمجدوا أبانا الذي في السموات”[30]. لأننا إن لم نفصل عنا المياه التي تحت السماء، أي الخطايا ونقائص جسدنا فلن تتمكن يابستنا من الظهور ولن يكون لها الثقة بأنها تسير نحو النور. “كل من يفعل الشر يكره النور ولا يأتي إلى النور خشية أن تدينه أعماله، ولكن من يتمم الحق يأتي إلى النور حتى تظهر أعماله ونراها بما أنها قد عملت في الله”[31]. وهذه الثقة لن تعطى لنا إن لم نطرح ونقطع بعيداً عنا، مثل المياه، نقائص الجسد التي هي أسباب الخطايا. وحين يتم ذلك فإن اليابسة فينا لن تظل “يابسة” كما سنرى فيما يلي.

يقول الكتاب في الواقع ليجتمع الماء الذي تحت السماء إلى كتلته ولتظهر اليابسة. ودعا الله اليابسة أرضاً ومجتمع المياه دعاه بحراً”[32]. وكما أن اليابسة حين تنفصل عن المياه، كما قلنا منذ قليل، لا تبقى يابسة” ولكنها تدعى منذ ذاك “أرضا”، هكذا أيضا أجسادنا، إن حدث مثل هذا الانفصال فيها، فلن تظل “يابسة”، بل سوف تدعى “أرضاً” حيث سيمكنها بعد الآن أن تنتج ثمراً لله.

والله حين “خلق في البدء السماء والأرض خلق فقط فيما بعد الجلد واليابسة ودعا الجلد “سماء” معطياً إياه اسم سماء التي كان قد خلقها قبلاً. ودعا اليابسة “أرضا” لأنه أعطاها القدرة على أن تنتج ثمراً. إذاً إن ظل أحد يابساً بسبب إثمه ولم ينتج ثمراً بل “شوكاً وحسكاً”[33] كما لو كان ينتج “غذاء للنار[34]” فسوف يصير هو نفسه “طعاماً للنار” بسبب ما ينتجه. أما إن فصلته غيرته اليقظة عن مياه الهاوية التي هي أفكار الشياطين، وإذا بدا كأرض تنتج ثمراً، فيجب عليه أن يترجى معاملة بنفس الطريقة، لأن الله يدخله إلى “أرض يفيض فيها اللبن والعسل[35].”

الإتيان بثمر

۳ ولكن دعونا نرى مما يلي ما هي الثمار التي يأمر الله “الأرض” التي أعطاها هو نفسه هذا الاسم بإنتاجها. “ورأى الله أن ذلك حسن. وقال الله: لتنبت الأرض عشب الحقول يحمل بذراً كجنسه وكهيئته، وشجرا ذا ثمر ينتج ثمراً يحوي بذره بداخله كهيئته على الأرض. وكان كذلك”[36]. ومن الواضح لو تمسكنا بحرفية النص، إنه توجد هنا الثمار التي أنتجتها الأرض حينما لم تعد بعد “اليابسة”

ولكن دعونا نرجع إلى أنفسنا من جديد. فها نحن الآن “أرض” ولم نعد بعد “يابسة”، فلنأت إذاً لله بثمار وفيرة ومتنوعة حتى نكون نحن أيضاً مباركين من الآب الذي يقول: ها إن رائحة ابني كرائحة حقل مثمر باركه الرب”[37]، وحتى يتحقق فينا قول الرسول: “حين تشرب أرض المطر الآتي عليها مراراً كثيرة وتنتج عشباً صالحاً للذين يزرعونها، فستنال بركات من الله. ولكن الأرض التي تنبت شوكاً وحسكاً تبدو نوعيتها رديئة وقريبة من اللعنة وننتهي بإحراقها”[38].

4 “فأخرجت الأرض عشب الحقول يحمل بذراً كجنسه وكهيئته، وشجراً ذا ثمر يعمل ثمراً يحوي بذره بداخله كجنسه على الأرض. ورأى الله ذلك أنه كان حسنا. وكان مساء وكان صباح، وكان هذا اليوم الثالث[39].” فالله يأمر الأرض ألا تنبت فقط “عشب الحقول ولكن أيضا “البذار” حتى يمكن أن تنتج ثمراً باستمرار. ولم يأمر بأن تنبت فقط شجراً ذا ثمر” ولكن أيضا شجراً “يحمل ثماراً تحوي بداخلها بذرها كجنسها” وذلك حتى تستطيع بفضل هذه البذار التي بداخلها أن تؤتي ثمراً باستمرار.

وبالمثل، علينا نحن أيضا أن نأتي بثمر وأن تكون في أنفسنا البذار، أي أن نحوي في قلوبنا بذور كل الأعمال الحسنة وجميع الفضائل التي إذ تكون مغروسة في أرواحنا هكذا تجعلنا نتمم ببر كل الأعمال التي نعملها. لأن ثمار هذه البذار هي أعمالنا حين تأتي من كنز قلبنا الصالح”[40].

لأننا إن سمعنا الكلمة وبعد سماعها تنبت أرضنا في الحال عشبا، وإن “جف هذا العشب”، قبل أن ينضج ويأتي بثمر، فإن أرضنا سوف يطلق عليها أرضاً “صخرية”[41]، ولكن إن ترسخت الكلمة في قلبنا بجذور عميقة حتى تعطي ثمرة الأعمال وتحوي بذار الخيرات العتيدة، فحينئذ تعطي أرض كل منا بالحقيقة ثمراً كطاقتها “الواحدة مائة، والأخرى ستين، والأخرى ثلاثين للواحدة[42]“. ولكن بدا لنا من الضروري أن نلفت النظر إلى أن ثمرنا لا يجب أن يحوي “شقاقا”[43] أي زوانا في أي مكان، وأنه لا يجب أن يكون على جوانب الطريق”[44] بل يجب أن يكون مزروعاً على الطريق ذاته، على هذا الطريق الذي يقول: “أنا هو الطريق”[45] حتى لا تأكل طيور السماء”[46] ثمارنا ولا كرمنا. ومع ذلك إن استحق أحد منا أن يكون كرمة[47]، فليحترس من أن يحمل “أشواكا” بشكل العناقيد، وإلا فإن تلك الكرمة لن تشذب ولن تقلم، ولن تحصل “السحب” على الأمر (من الله) بأن تسقط عليها الأمطار، بل بالعكس سوف تترك “قفراً” حتى تنبت فيها الأشواك “[48].

اليوم الرابع

الأنوار: المسيح والكنيسة

5 وبعد ذلك تستحق السماء من الآن أن تكون مزودة بأنوار. فقال الله: “لتكن أنوار في جلد السماء لتضيء على الأرض وتفصل النهار عن الليل[49]“. فكما أمر الله أن تكون هناك أنوار في الجلد الذي يدعى سماء، حتى تفصل بين النهار والليل هكذا يمكن أن يحدث لنا أيضا شرط أن نجاهد حتى ندعي ونصير سماء؛ فيكون لنا في أنفسنا مثل أنوار لتنير لنا المسيح وكنيسته. فالمسيح هو “نور العالم[50]” هو الذي ينير الكنيسة أيضا بنوره[51]. فكما نقول إن القمر يحصل على نوره من الشمس حتى يتمكن الليل ذاته من أن يستنير به، هكذا أيضاً الكنيسة إذ تحصل على نورها من المسيح، تنير كل من هم في ليل الجهالة. ولكن إن تقدم أحد حتى صار “ابنا للنهار” سائرا بأمانة كما في وضح النهار”[52]، “كابن للنهار وابن للنور[53]“، فهذا ينيره المسيح ذاته كشمس النهار.

6 “لتكن علامات ولتحدد الأزمنة والأيام والسنين، ولتكن أنوار في جلد السماء لتنير الأرض. وكان كذلك[54] ” فكما أن الأنوار التي نراها في السماء قد وضعت لتكون “علامات ولتحدد الأزمنة والأيام والسنين” وتنير من الجلد من هم في الأرض، هكذا المسيح؛ إذ ينير كنيسته يعطي أيضاً علامات من خلال تعاليمه، حتى نعلم لدى استقبال العلامة كيف نتجنب “الغضب الآتي[55]” بحيث لا يفاجئنا “يوم الرب كلص[56]“، بل يسمح لنا بالحري أن نصل إلى سنة نعمة الرب[57]“.

فالمسيح إذاً هو “النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آت إلى هذا العالم[58]“، وتصير الكنيسة المستنيرة بنوره هي نفسها “نور العالم وتنير “الذين في الظلمة[59]“، كما يؤكد ذلك المسيح نفسه حين يقول لتلاميذه: “أنتم نور العالم[60]“. وينجم من هنا أن المسيح هو نور الرسل، والرسل بدورهم هم نور العالم، فهم في الواقع الكنيسة الحقيقية بسبب أنهم بلا دنس ولا غضن ولا شيء من مثل ذلك”، وفقا لقول بولس الرسول أن الله “أراد أن يظهر أمامه كنيسة مجيدة بلا دنس ولا غضن ولا شيء من مثل ذلك[61]“.

۷ “وعمل الله نورين عظيمين، النور الأكبر ليتسلط في النهار والنور الأصغر ليتسلط في الليل، وعمل أيضا النجوم. ووضعها الله في جلد السماء حتى تضيء على الأرض لتتسلط في النهار وفي الليل وحتى تفصل بين النور والظلمة. ورأى الله أن ذلك حسن. وكان مساء وكان صباح، وكان هذا اليوم الرابع[62]“. وكما أن الشمس والقمر، وفقا للكتاب المقدس، هما النوران العظيمان في جلد السماء هكذا أيضاً المسيح والكنيسة بداخلنا. ولكن أضاف الله نجوماً في الجلد، فيجب علينا نحن أيضاً أن نرى ما يمثل النجوم في داخلنا أي في سماء قلوبنا. فموسى نجم فينا يضيء وينيرنا بأعماله وكذلك إبراهيم وإسحق ويعقوب وإشعياء وإرميا وحزقيال وداود ودانيال وكل من شهدت لهم الكتب المقدسة بأنهم كانوا مرضيين لله[63]. وكما أن كل “نجم يختلف عن نجم في العظمة[64]” هكذا كل قديس بمقدار عظمته يسبغ نوره علينا.

وكما أن الشمس والقمر ينيران أجسادنا، هكذا ينير المسيح والكنيسة عقولنا. على الأقل هما ينيرانها، إن لم نكن عمياناً روحياً. لأنه كما أن الشمس والقمر لا يشعان نورهما على العميان الجسديين الذين لا يمكنهم أن يستقبلوا النور، هكذا المسيح يمد أرواحنا بنوره، ولكنه لن ينيرنا إلا لو لم يمنعه عمى عقلنا. فإن كان هذا هو الحال، فينبغي أولاً أن العميان يتبعون المسيح قائلين وصارخين: ارحمنا يا ابن داود[65]“، فبعد أن ينالوا من المسيح نفسه الإبصار، يمكن بعد ذلك أن يشرق عليهم بهاء نوره.

وأيضاً الذين يبصرون لا يستنيرون بالمسيح بالتساوي ولكن كل واحد على القدر الذي يستطيع به تلقي النور. فإن عيون جسدنا لا تنيرها الشمس بالتساوي ولكن كلما صعدنا إلى أماكن مرتفعة وكلما وضعنا المرصد في مكان عال حيث تتأمل النظرة من خلاله شروق الشمس، تمكننا من إدراك بريقها وحرارتها بصورة أفضل. وهكذا كلما اقتربت عقولنا بصعودها وارتفاعها من المسيح وتعرضت بمزيد من القرب لبريق ضيائه، أشعت أيضاً بنوره بصورة أكثر روعة وأكثر لمعانا، كما يقول الله ذاته هذا من خلال النبي: “اقتربوا إلي فأقترب إليكم، يقول الرب[66]“، ويقول أيضاً: “أنا إله يقترب ولست إلهاً بعيداً”[67].

ومع ذلك فنحن لا نقترب إليه جميعنا بنفس الأسلوب “ولكن كل منا يذهب إليه حسب إمكاناته الخاصة.[68]” إما نذهب إليه مع الجموع وهو يشبعنا بأمثاله[69] فقط لئلا يجعلنا الصوم الطويل نخور في الطريق[70]، أو نظل باستمرار وبلا نهاية جالسين عند قدميه لا نهتم إلا بسماع كلمته دون أن ندع أنفسنا نضطرب “باهتمامات الخدمة الكثيرة”، “مختارين النصيب الأفضل الذي لن ينزع منا”[71]. وعند الاقتراب هكذا منه[72] نأخذ أكثر من نوره. ولو بقينا معه مثل الرسل بلا انقطاع في كل تجاربه[73] دون أن نبتعد عنه ولو إلى قليل، فهو يوضح ويفسر لنا سراً ما قاله للجموع[74] وينيرنا بنور أكبر بكثير وحتى لو استطعنا أن نذهب معه إلى قمة الجبل كبطرس ويعقوب ويوحنا[75] فلن نستنير فقط بنور المسيح، ولكن أيضا بصوت الآب ذاته.

 اليوم الخامس

الزواحف والطيور: الأفكار الطيبة والأفكار السيئة

۸ “وقال الله: لتنتج المياه بين الحيوانات الحية كائنات تزحف وطيور تطير على الأرض في جلد السماء. وكان كذلك[76]” وحسب التفسير الحرفي تنتج المياه “الكائنات التي تزحف” “والطيور” عند أمر الله، وهكذا نعلم من هو خالق هذه الكائنات التي نراها. ولكن لنرى كيف يحدث الشيء ذاته في جلد سمائنا، أي في الحقيقة الثابتة التي لعقلنا وقلبنا.

أتصور حينما استنارت عقولنا بالمسيح شمسنا، فإنها تحصل بعد ذلك على الأمر بأن تظهر من المياه التي بها “كائنات تزحف” وطيور تطير بمعنى أن تعرض للنور الأفكار الجيدة والأفكار الرديئة، حتى تعمل الفصل بين الجيدة والرديئة، بما أنها جميعها تأتي من القلب. لأن من قلوبنا تخرج. كما من المياه الأفكار الجيدة والرديئة. لنعرض إذاً، على كلمة الله وبأمره، الأفكار الجيدة والرديئة أمام نظر الله وحكمه حتى إذ نستنير به نستطيع أن نفصل الرديء عن الجيد، أو بعبارة أخرى أن نبعد عنا ما يزحف على الأرض ويقدم اهتمامات أرضية.

أما الكائنات الأفضل، أي “الطيور”، فلندعها تطير ليس فقط “على الأرض” ولكن أيضاً في “جلد السماء”. أو بعبارة أخرى لنعد إلى فكر واعتبار المخلوقات الأرضية وكذلك السماوية التي فينا كي نتمكن من فهم أن الكائنات الزاحفة هي العنصر الضار فينا. فلو نظرنا “لامرأة باشتهاء[77]” فهذا نوع من الزواحف السامة ولكن إن كان لدينا الشعور بالتعفف فحتى لو هامت بنا سيدة مصرية عاشقة، فنصير كالطيور تاركين بين يديها الثياب المصرية ونهرب بلا توقف من الفخاخ الدنيئة[78]. وإن كان فينا ميل للسرقة فهذا أيضاً من الزواحف الكريهة، ولكن إذا فكرنا وإن كنا لا نملك سوى “فلسين صغيرين” لتقديمهما كصدقة “عطية لله[79]” فهذه الفكرة هي طير لا يفكر في الأرضيات، بل يتجه بأقصى سرعة ممكنة إلى جلد السماء. وإن سلمنا بفكرة أنا لا ينبغي أن نحتمل آلام الاستشهاد فهذا نوع من الزواحف السامة، ولكن إن تكونت لدينا الفكرة المتعقلة بأننا يجب أن نجاهد حتى الموت من أجل الحق[80] فهذا يكون طيراً وصل من الأرض إلى الأعالي[81]. وعلينا التفكير بالمثل بالنسبة لباقي أنواع الخطايا والفضائل ونميز الزواحف والطيور التي تحصل مياهنا على الأمر بإبرازها حتى نحكم عليها في إطار نظرة الله.

9 “وخلق الله الحيوانات المائية العظيمة وكل كائن حي من الحيوانات الدبابة التي أنتجتها المياه كجنسها وكل طائر ذي جناح كجنسه[82].” وفيما يتعلق بهذه المخلوقات، كما فيما يتعلق بمن تحدثنا عنها للتو، علينا أيضا أن نفهم أننا يجب أن ننتج “حيوانات مائية عظيمة وكذلك “حيوانات دبابة كجنسها يجب في رأيي أن نرى في الحيوانات المائية العظيمة: الأفكار الآثمة والتصرفات الشنيعة المخالفة لله. ومع ذلك فكل تلك الأفكار يجب أن نظهرها بالنسبة إلى الله ونعرضها أمامه حتى يسمح لنا بتقسيم وفصل الجيد من الرديء وحتى يعين الرب لكل منا مكانه كما سنرى فيما بعد.

۱۰ “ورأى الله أنها كانت حسنة. وباركها الله قائلا: أثمري وأكثري واملأي المياه التي في البحار وليكثر الطير على الأرض. وكان مساء وكان صباح وكان هذا اليوم الخامس[83]” أخذت “الحيوانات المائية العظيمة وكذلك “كل كائن حي من جميع الحيوانات الدبابة التي أنتجتها المياه الأمر بأن تبقى هناك حيث يسكن “التنين الذي صنعه الله ليسخر منه[84]“. ولكن الطيور عليها أن تكثر على الأرض التي كانت قبلا “اليابسة”، والتي تدعى الآن “أرضا”، كما قلنا عاليه.

المنفعة من وراء الشر

ومن الممكن أن نتساءل: لماذا تمثل الحيوانات المائية العظيمة والكائنات الدبابة الشر بينما الطيور تمثل الخير في حين أنه قيل عنهما معا: “ورأى الله أنها حسنة[85]“؟ ذلك لأنه بالنسبة للقديسين، فحسنة هي الكائنات التي تضادهم، لأنهم يستطيعون أن يغلبوها وعندما يغلبونها يصير لهم مجد أعظم عند الله. وفي نهاية المطاف، حين طلب إبليس من الرب أن يسلطه على أيوب[86]، فقد كانت مهاجمات العدو بالنسبة لأيوب سبب مجد مضاعف بعد النصرة[87]، والدليل على ذلك أنه قد استعاد ضعف ما كان قد فقده في هذا العالم، كما أنه مستعد جداً لأن يستعيده دون أدنى شك بذات الأسلوب في السماء. ومن ناحية أخرى يقول بولس الرسول: “لا يكلل أحد إن لم يحارب قانونياً[88]“. فكيف تكون هناك حرب بدون عدو؟ فجمال النور وروعته لن يلاحظا إن لم تأت ظلمة الليل. هل نمتدح هؤلاء بسبب عفتهم إن لم ندن أولئك بسبب فسقهم؟ هل نمجد هؤلاء بسبب شجاعتهم لو لم يكن هناك جبناء ومرتعدون؟ تناول ما هو مر فتصير حينئذ الحلاوة ألذ. تأمل شيئاً مظلماً يبدو لك الشيء المنير أكثر جاذبية. فباختصار، تأمل الأشرار يظهر مجد الأبرار الأكثر تألقاً. ولهذا يقول الكتاب عنها جميعا: “ورأى الله أنها حسنة[89]“.

ولكن لماذا لم يكتب أن الله قال إنها حسنة بل قال “ورأى الله أنها حسنة”؟ لأن الله رأى فائدتها والسبب الذي سمح لها. مع كونها حسنة في ذاتها. بأن تجعل الصالحين يصلون إلى الكمال. لذا قال: “أثمري وأكثري واملأي المياه التي في البحار وليكثر الطير على الأرض[90]“، وهذا يعني أن الحيوانات المائية العظيمة والكائنات التي تزحف يجب أن تكون في البحر كما قلنا عاليه وأما الطيور فيجب أن تكون على الأرض.

اليوم السادس

حيوانات الأرض: الإنسان الأرضي

۱۱ “وقال الله: “لتنتج الأرض الحيوان الحي كجنسه: البهائم والدبابات ووحوش الأرض كجنسها. وكان كذلك. فعمل الله وحوش الأرض كجنسها وجميع الكائنات التي تزحف على الأرض كجنسها ورأى الله أنها حسنة[91].” التفسير الحرفي هنا لا يمثل صعوبة. لأنه يقول بوضوح إن الله هو الذي خلق الكائنات الحية والبهائم والوحوش وثعابين الأرض. أما بالنسبة إلى المعنى الروحي، فمن المفيد أن نربط هذا المقطع بالتفسيرات السابقة.

منذ قليل، كانت الآية تنص على: “لتنتج المياه بين الحيوانات الحية كائنات تزحف وطيور تطير فوق الأرض في جلد السماء.[92]” أما الآن فتنص على: لتخرج الأرض حيوانات حية كجنسها: البهائم والدبابات ووحوش الأرض كجنسها” ففيما يتعلق بالكائنات التي تخرجها المياه سبق وقلنا إنها يجب أن تفسر بتحركات وأفكار عقولنا والتي تأتي من عمق قلبنا. أما الآن فيما يتعلق بأية: “لتخرج الأرض حيوانات حية كجنسها: البهائم والدبابات ووحوش الأرض كجنسها[93]“، فأعتقد أننا ينبغي أن نرى فيها تحركات إنساننا الخارجي، أي الإنسان الجسداني والأرضي. وإجمالاً لا يذكر الطيور في الفقرات التي ترتبط بالجسد، ولكنه يذكر فقط البهائم والدبابات ووحوش الأرض. لأنه حسب رأي الرسول أن “البر لا يسكن جسدي[94]” وأن “حكمة الجسد هي عداوة لله[95]” فهذه بالتأكيد هي وحوش الأرض، أي جسدنا المخلوق، التي أوصى من جهتها الرسول أيضا هذه الوصية: “فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض، الزنا والنجاسة والدعارة والبخل وعبادة الأوثان… إلخ[96]“.

إذا بأمر الله وبواسطة كلمته عملت كل الأشياء المنظورة وأنشأ هذا الكون المرئي الهائل، ومن ناحية أخرى وفي الوقت ذاته وبصورة رمزية تم تحديد العناصر التي يمكنها أن تجمل هذا العالم الأصغر الذي هو الإنسان[97]، وحينئذ خلق الإنسان نفسه كما سيعرفنا ذلك ما يلي

خلق الإنسان

۱۲ وقال الله: “لنعمل الإنسان على صورتنا وشبهنا وليتسلط على أسماك البحر وطيور السماء وعلى الكائنات الحية وعلى كل الأرض وعلى كل الكائنات التي تدب على الأرض[98]“. وتبعا لتفسيراتنا السابقة، فإن الإنسان كما وصفناه هو من يتلقى من الله أمراً بالتسلط على الوحوش التي ذكرناها سالفاً، أي الطيور والوحوش الدبابة والبهائم وكل ما عداها. وقد قلنا ما هو التفسير الرمزي الذي يجب أن نعطيه لها حين شرحنا أن الماء، أي عقل الإنسان، قد تلقى أمرا بإنتاج الحس الروحي، والأرض بإنتاج الحس الجسدي بحيث إن الروح تتسلط على الحيوانات وليس العكس. لأن الله يريد أن “العمل” العظيم[99] هذا، وهو الإنسان، الذي من أجله خلق الكون كله[100]، لا يكون فقط غير ملوث وغير مصاب من قبل ما ذكرناه عاليه، ولكن أيضاً أن يتسلط عليها. ولكن دعونا الآن نرى بكلمات الوحي ذاتها من أي نوع من الكائنات الحية يصنف الإنسان.

عظمة الإنسان

إن جميع المخلوقات الأخرى خلقت بأمر إلهي، هذا هو ما يقوله الكتاب: “وقال الله: ليكن جلد[101]“، وقال الله: “لتجتمع المياه التي تحت السماء في كتلة واحدة ولتظهر اليابسة[102]“، وقال الله: لتخرج الأرض عشب الحقول[103].” ويعبر الكتاب بنفس الطريقة بالنسبة لكافة المخلوقات الأخرى. ولكن لنر ما هي المخلوقات التي صنعها الله بنفسه، ولنقس بها عظمة الإنسان: “في البدء عمل الله السموات والأرض[104]“، وأيضاً: “عمل نورين عظيمين[105]” والآن أيضاً: “لنعمل الإنسان[106]“. هذه فقط هي المخلوقات دون غيرها التي تحددت كعمل الله الشخصي. فالله لم يعمل سوى السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والآن الإنسان، وأما جميع الباقي فيقول الكتاب إنه عًمل بناء على أمره. فلننظر من هنا ما هي عظمة الإنسان، فهو يجعله مساو لأعظم العناصر وللعناصر الرئيسة. فهو يكرم مثل السماء، ولذلك فله الوعد “بملكوت السموات”، وهو أيضاً يكرم مثل الأرض، ولذا يأمل أن يدخل إلى أرض جيدة، في “أرض الأحياء حيث يتدفق اللبن والعسل[107].” وهو أيضاً يكرم كالشمس والقمر ولذا قد وعد بأن يضيء كالشمس في ملكوت الله[108]

۱۳ بل أتبين في وضع الإنسان شيئاً أسمى أيضاً، لا أجده في أي موقع آخر: “وعمل الله الإنسان، على صورة الله عمله[109]” وهذا لم يذكر لا عن السماء ولا الأرض ولا عن الشمس أو القمر.

الإنسان شبيه الله

بالتأكيد ذلك الإنسان الذي وفقاً للكتاب “عًمل على صورة الله لا نقصده إنساناً جسدياً. فالواقع أن نموذج الجسد لا يحوي صورة الله. ولم يقل إن الإنسان الجسدي قد “عُمل” ولكن إنه “صُنع كما ينص الكتاب فيما يلي. يقول الكتاب: “وصنع الله الإنسان أي شكله من طمي الأرض[110]. أما من عُمل “على صورة الله” فهو إنساننا الداخلي، غير المرئي، غير الجسدي، غير القابل للفساد وغير المائت. لأننا من هذه الصفات نعرف بدقة أكثر صورة الله[111]. فالتصور بأن الإنسان الجسدي هو الذي عمل حسب صورة الله وشبهه، هو الافتراض أن الله نفسه جسدي وأنه يمتلك شكل بشري، ومثل هذه الفكرة عن الله تعد وبكل وضوح تجديفاً. حاصل الكلام، فإن هؤلاء البشر الجسديون، الذين يجهلون معنى اللاهوت، حينما يقرأون عن الله في الكتاب: “السماء عرشي والأرض موطئ لقدمي[112]“، يتصورون أن الله له جسد ضخم حتى إنه يمد قدميه من السماء حيث هو جالس حتى الأرض. وإن كانت لديهم تلك الأفكار فذلك لأنه تنقصهم الآذان المطلوبة لسماع كلام الله المذكور في الكتاب عن الله باستحقاق. فكلمة “السماء عرشي” تفسر كما ينبغي عن الله عندما نعلم أن الله يستريح ويسكن في الذين “مسكنهم في السموات[113]“، أما من كان لهم سلوك أرضي بعد، فنجد فيهم الجزء الأخير من نعمته، كما يشار إلى ذلك بأسلوب مجازي من خلال ذكر القدمين.

فإذا كان من بينهم من وضعوا جهادهم وحماسهم في أن يصيروا سماويين من خلال قداسة الحياة وعمق الفكر، فهؤلاء يصبحون هم أنفسهم أيضا عرشا لله، بعد أن جعلوا أولا سماويين بسلوكهم، وهم يقولون: “أقامنا مع المسيح وأجلسنا معه في السماوات[114].” وأما الذين “كنزهم في السماء[115]” فهؤلاء يمكن أن يطلق عليهم سماويين وكذلك عرشاُ الله لأنه “حيث يكون كنزهم هناك يكون قلبهم[116]“، والله لا يكتفي بأن يستند عليهم ولكنه يسكن أيضاً فيهم[117]. وإن كان هناك من يصلون إلى درجة أن يستطيعوا القول: “أم أنكم تبحثون عن برهان أن المسيح هو الذي يتكلم فيّ[118]“، فلا يكتفي الله بأن يسكن في هؤلاء فقط، ولكنه يسير في وسطهم أيضاً. ولهذا فالكاملون إذ صاروا سماويين أو أصبحوا سماوات، فإنهم يخبرون بمجد الله[119]” كما يقول في المزمور، لهذا أيضا التلاميذ الذين كانوا من السماوات قد أرسلوا ليخبروا بمجد الله ويأخذوا اسم “بوانرجس أي ابني الرعد[120]“، حتى تؤكد لنا قوة الرعد أنهم حقاً من السماوات.

إذاً “عمل الله الإنسان، على صورة الله عمله[121]“. فعلينا أن نرى ما هي صورة الله ونبحث على شبه أية صورة خلق الإنسان، لأنه لم يقل إن الله عمل الإنسان على صورته أو على شبهه، ولكن أنه “عمله على صورة الله فما هي إذا صورة الله الأخرى هذه التي عمل الإنسان على شبهها؟ لهذه الصورة لا يمكن أن تكون إلا مخلصنا: هو بكر كل خليقة[122]” ومكتوب عنه أنه “بهاء النور الأبدي والرسم المرئي لجوهر الله[123]“، ويقول هو عن نفسه: “أنا في الآب والآب فيّ[124]” ومن رآني فقد رأى الآب أيضاً[125].” والواقع أن من يرى صورة شخص يرى الشخص الذي تمثله الصورة. وهكذا، نحن نرى الله عن طريق كلمة الله الذي هو صورة الله. وهكذا يحق ما يقوله إن: “من رآني فقد رأي الآب أيضاً”.

فالإنسان خلق إذا على شبه هذه الصورة. ولهذا، مخلصنا، الذي هو صورة الله، إذ تحركت مشاعر الشفقة لديه من أجل الإنسان الذي عًمل على شبهه، والذي رآه ينحل من صورته ليلبس صورة اللئيم، أخذ هو نفسه صورة إنسان، بدافع الشفقة، وجاء إليه كما يشهد بذلك أيضا الرسول حين يقول: “مع إنه كان الله بحاله، لم يتمسك بلهفة بمساواته مع الله، لكنه أخلى نفسه آخذاً حالة العبد، صائرا في شبه الناس، وإذ عًرف كإنسان من خلال كل ما بدا منه، وضع نفسه حتى الموت[126]

فكل من يأتون إليه ويجتهدون في أن يكونوا مشاركين لتلك الصورة العاقلة[127] بتقدمهم، “يتجددون يوما بعد يوم حسب الإنسان الداخلي[128]” على صورة من صنعهم، وهكذا يمكنهم أن يصيروا تشبيهين بجسد مجده[129]“، ولكن كل واحد بحسب قدراته. لقد تشكل الرسل من جديد على شبهه حتى قال عنهم هو نفسه: “إني ذاهب لأبي وأبيكم، إلهي وإلهكم[130]“، وقد طلب هو نفسه إلى الآب من أجل تلاميذه حتى يعاد لهم الشبه القديم قائلا: “أيها الآب اعمل بحيث يكونوا واحداً فينا، كما أننا أنت وأنا واحد[131].”

فلتكن إذن أعيننا دوماً على صورة الله هذه حتى يمكننا أن شكل من جديد على شبهه. فإن كان الإنسان المخلوق على صورة الله قد صار مشابها لإبليس بالخطية، بنظره، على عكس طبيعته، إلى صورة إبليس، فكم بالأحرى لو نظر إلى صورة الله التي خلقه الله حسب شبهها، فهو سينال بالكلمة وبقوته الشكل الذي أعطى له بالطبيعة. وإن وجد أحد أنه يشبه أكثر إبليس منه إلى الله، فلا ييأس من أنه يمكنه استعادة شكل صورة الله، بما أن المخلص لم يأت ليدعو الأبرار بل الخطاة إلى التوبة[132].” فمتى كان عشاراً[133] وبالطبع كانت صورته تشبه إبليس، ولكن بمجيئه إلى صورة الله وإلى ربنا ومخلصنا وباتباعها، تم تغييره إلى شبه صورة الله. ويعقوب ابن زبدي ويوحنا أخوه[134] “كانا صيادين[135]” وشخصين عديمي العلم[136]“، ومن الواضح أنهما كانا بناء على ذلك يشبهون بالأحرى صورة إبليس، ولكن باتباعهما هما أيضاً لصورة الله صارا مشابهين له مثل باقي التلاميذ. وبولس كان يضطهد[137] صورة الله ذاتها ولكنه حين استطاع أن يرى جمالها وعظمتها، حولته تلك الرؤيا إلى شبهها إلى درجة عالية، حتى إنه قال: “أم أنتم تبحثون عن البرهان على أن المسيح هو الذي يتكلم فيّ[138]؟

“خلقهما ذكرا وأنثى”

14 “ذكراً وأنثى خلقهم وباركهم الله قائلا أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض وكونوا أسيادها[139].” إنه من المثير للاهتمام أن نبحث هنا بتفسير حرفي لماذا يقول الكتاب: “خلقهما ذكرا وأنثى” في حين لم تكن المرأة قد خلقت بعد. بلا شك. هكذا أعتقد أنه بسبب البركة التي أعطاهما الله إياها قائلا: “أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض، فيقول الكتابة، مستبقاً ما كان سوف يحدث: “ذكراً وأنثى خلقهما”، لأن الرجل لا يستطيع أن يثمر ولا أن يتكاثر إلا بالمرأة. وحتى لا يكون هناك إذاً تردد في الإيمان بحلول تلك البركة، يقول: “ذكرا وأنثى خلقهما”، فعلى هذا النحو، إذ يرى الرجل أن النمو والتكاثر ينتج من أن المرأة مرتبطة به، فيمكنه أن يحتفظ بثقة أكبر في البركة الإلهية. فلو كان الكتاب قد قال: “أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض وكونوا أسيادها” دون أن يضيف أنه “خلقهما ذكرا وأنثى” لظل الإنسان حتما متشككا في البركة الإلهية، مثلما فعلت مريم التي جاوبت على بركة الملاك: “كيف يحدث هذا بما إني لست أعرف رجلا[140]؟” ولكن إذا كان الكتاب يقول مستبقا: “خلقهما ذكرا وأنثى” فربما أيضاً لأن كل أعمال الله مقدمة بكونها متحدة ومنجمعة كالسماء والأرض والشمس والقمر، فقد أراد الكتاب من هنا إذاً أن يوضح أن الإنسان أيضاً هو عمل الله وأنه لم يخلق دون الاتفاق والارتباط اللازمين له.

كل ذلك لم يقم بشيء سوى الإجابة على مشكلة التفسير الحرفي.

15 ولكن دعونا نرى أيضا بالمعنى المجازي كيف خلق الإنسان ذكراً وأنثى على صورة الله. إنساننا الداخلي مكون من روح ونفس. لنقل أن الروح هي الذكر، ويمكن أن تعتبر النفس هي الأنثى. فإن تفاهما واتفقا فيما بينهما يثمران ويكثران باتحادهما فيلدان – كأبناء – الأعمال الصالحة والأفكار والتأملات المفيدة التي يمكن بها الأرض ويكونون أسيادها، أي أنهما إذ يتحكمان في ميول الجسد يحولانها إلى مقاصد أسمى ويكونون أسيادها بعدم تساهلهما مع أي تمرد للجسد ضد إرادة الروح. أما إن هبطت النفس المتحدة بالروح والمقترنة بها، إذا جاز التعبير، أحياناً إلى الشهوات المادية ومالت إلى متعة الجسد، فبدت أنها تطيع إنذارات الروح الخلاصية حيناً وتستسلم للرذائل الجسدية حيناً آخر، فإن هذه النفس الملوثة، كما من زنا جسدي، لا يمكنها أن تثمر ولا أن تتكاثر بشكل شرعي، بما أن كلمة الكتاب تعلن أن “أبناء الزنا لا يصلون إلى كمالهم[141]“، فمثل هذه النفس التي تهمل الارتباط بالروح وتستسلم بكاملها إلى ميول الجسد وإلى الشهوات الجسدية كما لو كانت قد ابتعدت عن الله بوقاحة، فتلك النفس ستسمع الصوت القائل لها: “اتخذت وجه امرأة زانية وبذلت نفسك دون حياء للجميع[142]” وستعاقب إذا كزانية ويأمر الرب بإعداد مذبحة أبنائها[143].

16 “وتسلطوا على سمك البحر وعلى طيور السماء وعلى الخيل والحمير وعلى كل الحيوانات التي على الأرض وعلى الزواحف التي تدب على الأرض[144].” لقد سبق وأن فسرنا ذلك بالمعنى الحرفي[145] حين تعرضنا لآية: “وقال الله: لنعمل الإنسان” والباقي تم تفسيره حين قال: “ليتسلطوا على سمك البحر وعلى طيور السماء. إلخ[146]

أما بالمعنى المجازي، فما يبدو لي هو أن ما تشير إليه الأسماك والطيور والحيوانات والزواحف التي على الأرض هو ما قد سبق وقلناه أيضاً أعلاه، أي سواء ما ينتج عن تدابير النفس وفكر القلب أو ما يتولد من الشهوات المادية وحركات الجسد. وفي هذه جميعها يمارس القديسون الذين يحفظون بركة الرب تسلطهم من خلال قيادة الإنسان بالكامل طبقاً لإرادة الروح، أما الخطاة فهم على العكس تحت سيادة ما ينشأ عن نقائص الجسد وشهواته.

غذاء الإنسان

۱۷ “وقال الله ها قد أعطيتكم كل عشب يبذر بذراً على سطح الأرض كلها وكل شجر فيه ثمر ببذر يبذر، هذا يكون لكم طعاماً ولكل حيوانات الأرض وكل طير السماء وكل الدبابات التي تدب على الأرض والتي فيها نفس حية.[147]” وبالمعنى التاريخي، هذه العبارة تشير بوضوح إلى أن الله في البدء سمح باستخدام العشب كطعام، أي الخضراوات وثمار الأشجار ولكن فيما بعد، حين تم العهد مع نوح بعد الطوفان سمح الله للإنسان أن يتغذى على اللحوم. وسوف نفسر لاحقاً أسباب ذلك بشكل أفضل في موقعها. أما بالمعنى المجازي، فالعشب وثمار الأرض التي وهبت للإنسان كطعام يمكن أن تفسر على أنها الأهواء الجسدية. فالغضب والطمع هما إذا أفرع الجسد[148]، وثمر هذه الأفرع، أي العمل، بالنسبة لنا نحن الكائنات العاقلة كما بالنسبة لوحوش الأرض، هو مشترك، لأننا حين نحتد بحق، أي من أجل توبيخ شخص مذنب وإصلاحه من أجل خلاصه، فنحن هنا نتغذى من ثمرة الأرض هذه وغذاؤنا هو الإحتداد الجسدي الذي يردع الخطية ويستعيد العدالة.

وربما يبدو [لكم] أني قد استنتجت هذا من أعماقي أكثر مما استنتجته من سلطان الكتاب الإلهي، ولكن ارجعوا إلى سفر العدد وتذكروا ما عمله الكاهن فينحاس؛ إذ رأى امرأة زانية من مديان سلمت نفسها لفعل النجاسة مع رجل من بني إسرائيل أمام أعين الجميع، وإذ امتلأ من الغضب ومن الغيرة المقدسة، أمسك بسيف وطعن كل منهما به في صدريهما[149]. هذا التصرف حسب له براً من قبل الله، وفقا لكلمة الرب: “فينحاس هدأ غضبي وسوف يحسب له هذا براً[150]“. فهذا الطعام، أي الغضب الأرضي قد صار إذن غذاءنا حين نستخدمه بتعقل من أجل العدل. ولكن حين يوصل الغضب إلى أعمال مخالفة للصواب كمعاقبة الأبرياء، أو كالثورة في وجه من لم يفعلوا أي سوء، يكون هذا الطعام من أجل بهائم الحقل وثعابين الأرض وطيور السماء لأن الشياطين أيضاً تتغذى على نفس هذا الطعام، الذين يقتاتون أعمالنا السيئة ويفضلونها. وقايين مثال لنا على هذا النوع من الأعمال، هو الذي من غضبه وغيرته قتل أخاه البريء[151]. ويجب أن نقول ذلك عن الشهوة وعن كل الأهواء التي من هذا النوع. لأنه عندما تشتهي نفسنا وتنضني تائقة للإله الحي[152]“، فيكون الاشتهاء هو طعامنا. ولكن إذا نظرنا امرأة غريبة لنشتهيها[153] أو إذا اشتهينا أي شيء يملكه القريب[154] هنا تصبح الشهوة طعاما حيوانياً. ومن الممكن أن نعطي مثالا لذلك: شهوة آخاب وما فعلته إيزابل من أجل كرم نابوت اليزرعيلى[155].

ويجب بالتأكيد أن نلاحظ حذق الكتاب المقدس حتى في اختيار الكلمات، فبينما قال حين كان الأمر يتعلق بالبشر: “قال الله: ها قد أعطيتكم كل عشب يبزر بزراً على الأرض وكل شجر على الأرض: هذا يكون لإطعامكم[156]“، لم يقل ذلك حين كان الأمر يتعلق بالبهائم: “إني أعطيتها كل هذا طعاما لها” لكن: هذا يستخدم طعاما لها[157]“، وباتباع المعنى الروحي الذي عرضناه، يجب نفهم أن هذه الغرائز قد أعطاها الله للإنسان ومع ذلك فهو يعلن أنها تستخدم أيضا طعاماً لبهائم الأرض. هذا هو السبب إذن في أن الكتاب الإلهي قد استخدم أسلوباً حذراً للغاية: فيخبر بالنسبة للبشر أن الله قال: “أعطيتكم هذا طعاما[158]“، أما عندما يأتي إلى البهائم، يقول إن هذا يستخدم أيضاً طعاماً للبهائم والطيور والثعابين، ليعني أن هذا لا يأتي كأمر من قبل شخص، وإنما كنوع من الإعلان من قبل شخص.

أما نحن، فلنعكف وفقا لقول بولس الرسول “على القراءة[159]“، حتى نستطيع، حسب كلماته الخاصة، “أن نأخذ فكر المسيح[160]” ونعرف “ما أعطاه الله لنا[161]“، وما أعطاه طعاما لنا لا يجب أن نجعل منه طعاما للخنازير أو للكلاب[162]. لكن لنهيئ بداخلنا طعاما يجعلنا مستحقين لاستقبال كلمة وابن الله في قلوبنا، الذي يأتي مع أبيه والذي يريد أن يقيم فينا مسكنه[163] في الروح القدس[164] الذي يجب قبل كل شيء أن نكون له هيكلاً[165] بقداستنا. له المجد الدائم إلى دهر الدهور آمين[166].

 

 

 

[1] العناوين الجانبية من وضع مترجم النسخة الفرنسية.

[2] انظر: تك 1: 1.

[3] انظر: 1 تي 4: ۱۰.

[4] انظر: كو 1: 15.

[5] انظر: یو ۱: ۳

[6] هناك شروحات أجزل ومتنوعة أكثر وأدق في:

In principio, Commentaire sur S. Jean, I, 90-124, SC 120, p. 106 – 125

ويتعلق الأمر هنا بالنسبة إلىأوريجانوس بحفظ دور الكلمة في الخلق كل شيء به كان”، وأيضا بتأكيد لا زمنية البدء بحيث يمكن أن يطابق عرض الكتاب المقدس لبداية الخليقة مع الوجود المسبق للعالم المعقول (المدرك بالعقل لا بالحواس). وسنلاحظ بعد قليل (في نهاية الفقرة 1) أنأوريجانوس يعبر بوضوح عن فكرة أن ’’يوم الخليقة الأول” لا يحسب في الزمن. فبالنسبة له، تكون مخلوقات اليوم الأول (“السماء” و”الأرض” كما يفهمهما) موضوعة إذا خارج الزمن، في الوجود المسبق. ارجع إلى:

In principio, Interpretations des premiers versets de la Genese, Paris, Etudes augustiniennes, 1973; chez Origene, p. 88-92, par P. Nautin.

[7] انظر: تك 1: ۲ (حسب نص الترجمة السبعينية للعهد القديم). ومن الجدير بالذكر أن النص

الذي يعتمد عليه العلامةأوريجانوس في عظاته على سفر التكوين وفي كل اقتباساته من العهد القديم هو نص الترجمة السبعينية. كما أنه في بعض الأحيان يعتمد على الذاكرة فلا

تأتي اقتباساته حرفية.

[8] انظر: تك 1: 3.

[9] انظر: تك 1: ۲.

[10] يذكر النص كلمة “سوف” (erit) بدلا من كلمة “كان” (erat) وحيث وضعناأوريجانوس في مناخ خليقة ما قبل الزمن، تكون الهاوية التي يصفها أيضا من نفس الطبيعة هي موجودة قبل الزمن. لكن هل كان (erat) بالفعل إبليس وملائكته فيها (وهذا يطابق الفكر الأوريجيني)، أم يجب انتظار أن يكون الزمن قد أتم عمله الذي سوف. (erit) تحدث فيه المعركة ضد إبليس، وهذا ما تمكن روفينوس من تصوره من خلال سفر الرؤيا ( ۹: ۱۲ و ۲۰ : ۳). وفي مكان آخر في هذه العظات نجد أن الهاوية هي مسكن إبليس الدائم (راجع العظة 4: 4).

[11] انظر: رؤ 12: 9؛ 20: 3 (انظر مت 25: 41).

[12] انظر: لو ۸: ۳۱.

[13] انظر: تك 1: ۳. 5.

[14] اقرأ، بالتزامن مع عظة أوريجينيس:

De opificio mundi de PHILON (en français dans “ Les œuvres de Philon d’Alexandrie’’, ed. Du Cerf, Paris, I, trad.R. Arnaldez, 1961).

[15] انظر: تك 1: 5.

[16] لتتبع شرح وفكرأوريجانوس عن رمزية السماء هذه والجلد والمياه، انظر:

  1. PÉPIN, Théologie cosmique et théologie chrétienne, PUF Paris 1964, le chap. VI de la 4 partie, p. 390-417.

[17] انظر: تك 1: 6- ۷.

[18] انظر: إش 66: ۱.

[19] انظر: تك 1: 7.

[20] انظر: اکو 15: 4۷.

[21] انظر: في ۳: ۲۰.

[22] انظر: تك 1: ۷۔ ۸.

[23] انظر: يو ۷: ۳۸؛ 4: 14.

[24] انظر: يو 12: 31. حرفيا “أمير هذا العالم.”

[25] انظر: رؤ 12: 7؛ 2: 3.

[26] انظر كو 3: 1.

[27] انظر تك 1: 8.

[28] حرفياً: العنصر اليابس”.

[29] انظر تك 1: 9.

[30] انظر متى 5: 16.

[31] انظر: يوحنا 3: 20-21.

[32] انظر تك 1: 9.

[33] انظر: تك 3: 18؛ عب 6: 8.

[34] انظر: إش 9: 19.

[35] انظر خر 3: 8؛ 33: 3.

[36] انظر تك 1: 10-11.

[37] انظر: تك 27: 27.

[38] انظر: عب 6: 7-8.

[39] انظر: تك 1شك 12-13.

[40] انظر: لو 6: 45.

[41] انظر: مت 13: 5-6، 20.

[42] انظر: مت 13: 8، 23.

[43] انظر: مت 13: 25.

[44] انظر: لو 8: 5.

[45] انظر: يو 14: 6.

[46] انظر: مت 13: 4؛ لو 8: 5.

[47] إن الطريقة التي يشير بهاأوريجانوس هنا إلى المراتب الروحية هي غير دقيقة. فهو لا يعطي تصنيفات محددة وواضحة المعالم لتلك المراتب التي يقترحها من خلال الصور الكتابية. ويبدو أن حالة “الكرم” هنا متفوقة عن حالة “الأرض”، لكن لا توجد أية اشارة الطبيعة هذا التفوق. وفي مواضع آخرى، يميزأوريجانوس المراتب وفقا للفرق الذي يجده بين نوح وحيوانات الفلك (العظة ۲: ۳)؛ وبين إبراهيم ولوط (العظة 4: ۱)؛ وبين إسحق وإسماعيل (العظة ۷: ۲)؛ وبين رفقة وجمالها (العظة ۱۰: ۲)؛ وبين الأرض واليابسة (العظة ۱: ۲)؛ وبين الأرض والسماء (العظة ۱: ۲). ونعتقد أنه سيكون من غير المجدي أن نبحث هنا عن شيء أخر بخلاف مجرد تمييز الخبرة بين مسيحيين كاملين تقريباً.

[48] انظر: إش 5: 2، 6.

[49] انظر تك 1: 14.

[50] انظر يو 8: 12.

[51] انظر: يو 8: 12.

[52] انظر: رو 13: 13.

[53] انظر 1تس 5: 5.

[54] انظر: تك 1: 14-15.

[55] انظر: 1تس 1: 10؛ مت 3: 7؛ لو 3: 7.

[56] انظر: 1تس 5: 4.

[57] انظر: إش 61: 2.

[58] انظر: يو 1: 9.

[59] انظر: رو 2: 19.

[60] انظر: مت 5: 14.

[61] انظر: أف 5: 27.

[62] انظر: تك 1: 16-19.

[63] انظر: عب 11: 5. ارجع إلى العظة ۹: ۲ “كان هناك في الشعب اليهودي الكثير من الأبرار والأنبياء الذين يمكن أن نقارنهم بحق مع نجوم السماء.”

[64] انظر: 1كو 15: 41.

[65] انظر: مت 9: 27.

[66] انظر: زك 1: 3.

[67] انظر: ار 23: 23.

[68] انظر: مت 25: 15.

[69] انظر: مت 13: 34.

[70] انظر: مت 15: 32؛ مر 8: 3.

[71] انظر: لو 10: 39 وما بعده.

[72] انظر: مت 13: 36.

[73] انظر لو 22: 28.

[74] انظر: مر 4: 34.

[75] انظر: مت 17: 1-3.

[76] انظر: تك 1: 20.

[77] انظر: مت 5: 28.

[78] انظر: تك 39: 7 وما بعده.

[79] انظر: لو 21: 2.

[80] انظر: سي 4: 28.

[81] موضوع الاستشهاد الذي يظهر هنا ليس بلاغة محضة، ولكنه يجعلنا نفهم أن الاضطهاد في ذلك الزمان كان يمكن أن يبعث من حين لآخر. وبعد بضعة سنوات، ختم أوريجينيسن الدرس الرمزي الذي يستخلصه اليوم من عرضه، بآلامه الخاصة.

[82] انظر: تك 1: 21.

[83] انظر: تك 1: 21-23.

[84] انظر: مز ۱۰۳: ۲۹. هذا هو المزمور رقم ۱۰۳ بحسب نص السبعينية ويقابله مزمور رقم 104 في النص العبري الماسوري وهو النص الذي أخذت عنه الترجمة البيروتية.

[85] انظر: تك 1: 21.

[86] انظر: أي 1: 9.

[87] انظر: أي 42: 10.

[88] انظر 2تي 2: 5.

[89] انظر: تك 1: 21.

[90] انظر: تك 1: 22.

[91] انظر: تك 1: 24-25.

[92] انظر: تك 1: 20.

[93] انظر: تك 1: 24.

[94] انظر رو 7: 10.

[95] انظر رو 8: 7

[96] انظر: كو 3: 5.

[97] “العالم المصغر” هو فكرة أرسطوطالية وكثيراً ما يرجع إليها فيلو.

[98] انظر: تك 1: 26.

[99] انظر أف 2: 10.

[100] LACTANCE, De ira Dei, 13, CSEL, p. 99

“إذا تفحصنا إدارة العالم الكونية، فسنفهم مدى عظمة الحقيقة الموجودة في اعتقاد الرواقيين الذين يقولون إن العالم قد أنشئ من أجلنا”

CISERON, De nat. deor. II, 62, 154:

“كل ما هو في العالم قد اعد وانجز من أجل خير البشر” ويرفضأوريجانوس فكر كیلسوس الذي لا يقبل أن يكون الله قد صنع كل شيء من أجل الإنسان.

[101] انظر: تك 1: 6.

[102] انظر: تك 1: 9.

[103] انظر: تك 1: 11.

[104] انظر: تك 1: 1.

[105] انظر: تك 1: 16.

[106] انظر: تك 1: 26.

[107] انظر: خر 3: 8؛ 33: 3.

[108] انظر: مت 13: 43.

[109] انظر: تك 1: 27.

[110] انظر: تك 2: 7.

[111] يرجعأوريجانوس من أجل شرح أكثر تفصيلا للإنسان المخلوق على صورة الله في تعليقات على سفر التكوين. لكن الجزء الأكبر من هذه التعليقات مفقود اليوم باستثناء ربما المقطع الطويل الذي على البردية التي تملكها جامعة جيسين (Giessen).

[112] انظر: إش 66: 1.

[113] انظر:: في 3: 20.

[114] انظر: أف 2: 6.

[115] انظر: مت 19: 21.

[116] انظر: لو 12: 34.

[117] انظر: 2كو 6: 16.

[118] انظر: 2كو 13: 3.

[119] انظر: مز 18: 1 (بحسب السبعينية).

[120] انظر: مر 3: 17.

[121] انظر: تك 1: 27.

[122] انظر: كو 1: 15.

[123] انظر: عب: 1: 3.

[124] انظر: يو 14: 10.

[125] انظر: يو 14: 9.

[126] انظر: في 2: 6-8.

[127] تعادل “عاقلة” هنا تقريبا “روحية” أو حتى “إلهية”. ويقال “عاقل” عن كل من يتطابق مع مبادئ العقل المستنير بالروح القدس. “المعرفة العقلية” هي المعرفة التي تجعلنا نتشارك مع كلمة وحكمة الله (العظة ۳: ۲). “المخلوقات العقلية” هي المخلوقات التي تستمد حياتها من الثالوث (العظة ۲: 5). “الحس العقلي” هو الحس الذي يسمح لنا بأن نسود على شهوات الجسد وأن نقف بلا انقطاع أمام الله العظة 4: 14؛ العظة ۱۲: 5)، وألا ننظر إلى الوراء وأن نكون على الدوام متجهين صوب الخلاص (العظة 5: ۲)؛ وهو الذي يجعل الماء الحي الذي للحياة الأبدية ينبع فينا (العظة 12: 5)، وهو انعكاس صورة الله فينا (العظة ۱۳: 3). وعلى العكس فإن الذين لم يضئ عندهم الإيمان بعد هم كائنات محرومة من العقل (العظة ۲: ۳).

[128] انظر: 2كو 4: 16.

[129] انظر في 3: 21.

[130] انظر: يو 20: 17.

[131] انظر: يو 17: 21-22.

[132] انظر: لو 5: 32.

[133] انظر: مت 10: 3.

[134] انظر: مت 4: 21.

[135] انظر: مت 4: 18.

[136] انظر: أع 4: 13.

[137] انظر: 1تي 1: 13.

[138] انظر: 2كو 13: 3.

[139] انظر: تك 1: 27-28.

[140] انظر: لو 1: 34.

[141] انظر: حك 3: 16.

[142] انظر: إر 3: 3.

[143] انظر: إش 14: 21.

[144] انظر: تك 1: 28.

[145] ارجع إلى العظة 1: 12.

[146] انظر: تك 1: 26.

[147] انظر: تك: 1: 29-30.

[148] أي التي يتغذى عليها.

[149] انظر: عد 25: 7-8.

[150] انظر: عد 25: 11-12؛ مز 105: 31 (بحسب السبعينية).

[151] انظر: تك 3: 8.

[152] انظر: مز 83: 3 (بحسب السبعينية).

[153] انظر: مت 5: 28.

[154] انظر: خر 20: 17.

[155] انظر: 1صم 21.

[156] انظر: تك 1: 29.

[157] انظر: تك 1: 30.

[158] انظر: تك 1: 29.

[159] انظر: 1تي 4: 13.

[160] انظر: 1كو 2: 16.

[161] انظر: 1كو 2: 12.

[162] انظر: مت 7: 6.

[163] انظر: يو 14: 23.

[164] هذه العبارة تذكر مصطلح “في الروح القدس” حينما تتكلم عن عمل الثالوث معنا. وسنجد في (العظة ۲: 5) عبارة “من الأب بالابن والروح القدس” وهي كلها تعتبر بدايات لما استقر في القرن الرابع: “من الأب بالابن في الروح القدس.

[165] انظر: 1كو 6: 19.

[166] انظر: رو 11: 36.

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

Exit mobile version