قادة الهراطقة ونظرتهم للأسفار القانونية والعهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

قادة الهراطقة ونظرتهم للأسفار القانونية والعهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

قادة الهراطقة ونظرتهم للأسفار القانونية والعهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

قادة الهراطقة ونظرتهم للأسفار القانونية والعهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

برغم خروج هراطقة نهاية القرن الأول وبداية ومنتصف القرن الثاني، ككل، عن المسيحية، وخلطهم للإيمان المسيحى إما بالفكر اليهودى الذي كان رمزاً للمسيحية وتم في شخص الرب يسوع المسيح والعهد الجديد، مثل الختان ويوم السبت والأعياد اليهودية وغيرها من العادات اليهودية التي تمت رمزيا في المسيح[1]،

أو وبالفكر الوثني غير الموحى به، إلا أن شهادتهم لوحى الإنجيل بأوجهه الأربعة وقانونيته لها قيمة عالية لأن هذه الجماعات خرجت، أصلاً، عن المسيحية وكان الإنجيل وبقية أسفار العهد الجديد هي قانونهم الأول[2] وقد بنوا أفكارهم فى أحيان كثيرة على فهم خاطئ لنصوصه وآياته.

ويؤكد القديس إيريناؤس على حقيقة أنهم آمنوا بالأناجيل الأربعة وسعى كل هرطوقي لتأييد فكره الهرطوقي وعقائده الهرطوقية منها قائلاً: ” الأرض التي تقف عليها هذه الأناجيل أرض صلبة حتى أن الهراطقة أنفسهم يشهدون لها ويبدأون من هذه الوثائق، ويسعى كل منهم لتأييد عقيدته الخاصة منها.

فالأبيونيون الذين يستخدمون الإنجيل بحسب متى، يستخرجون منها عقائدهم بنفس الأسلوب، مفترضين افتراضات كاذبة بخصوص الرب[3]. ولكن ماركيون يشوه الإنجيل بحسب لوقا، مبرهنا أنه جدف على الله الواحد الموجود من هذه الفقرات التي لا يزال يحتفظ بها. وأولئك الذين يفصلون يسوع عن المسيح[4] مدعين أن المسيح بقي غير متألم، وأن الذي تألم هو يسوع، يفضلون الإنجيل بحسب مرقس، والذي لو قرءوه بمحبة الحق لكانوا قد صححوا أخطاءهم.

وأيضاً هؤلاء الذين يتبعون فالنتينوس يستخدمون الإنجيل بحسب يوحنا كثيراً موضحين بأمثلة ارتباطهم مبرهنين كل أخطائهم من الإنجيل نفسه، كما بينت في كتابي الأول. ونظراً لأن خصومنا يشهدون لنا ويستخدمون هذه الوثائق، فبراهيننا المأخوذة منها قوية وحق “[5].

وقد اكتشف لهم مؤخراً في نجع حمادي (1945م) أكثر من أربعين كتاباً تضم عددا كبيرا مما أسموه بالأناجيل وأعمال الرسل وأسفار رؤى بل وزيفوا رسائل نسبوها للقديس بولس، تمتلئ بنصوص وآيات من معظم أسفار العهد الجديد، خاصة من الإنجيل للقديس يوحنا، وكان على رأس الهراطقة الغنوسيين باسيليدس الذي كتب، كما يؤكد أكليمندس الإسكندري في فترة حكم الإمبراطور الروماني هادريان (117 -139م)

وقد اقتبس، كما يشير هيبوليتوس[6] من الأناجيل للقديسين متى ولوقا ويوحنا ومن رسائل القديس بولس الرسول؛ 1كورنثوس وأفسس وكولوسي و1تيموثاوس ومن رسالة بطرس الأولى، ثم جماعة الأوفايتس Ophites[7]، والذي يعنى اسمهم ” عابدو الحية “، وكانوا أول من استخدموا كلمة ” غنوسيين – Gnostics”، وزعموا، كما يقول هيبوليتوس، أن عقيدتهم جاءت من يعقوب أخو الرب، واستخدموا، كما يشير هيبوليتوس أيضاً، الإنجيل بحسب متى ولوقا ويوحنا، ورسائل بولس الرسول؛ رومية و1و2 كورنثوس وأفسس وغلاطية وعبرانيين، وكذلك سفر الرؤيا، وذلك إلى جانب كتبهم الأخرى[8].

وكذلك إنجيل العبرانيين الذي يتكون بنسبة 90% من الإنجيل للقديس متى، وإنجيل توما الذي يتكون أكثر من 60% منه من الإنجيل للقديس متى أيضاً، وإنجيل بطرس الذي يتكون بنسبة 90% من الأناجيل الأربعة.

بل وقد بنيت جميع الكتب التي اسموها بالأناجيل، مثل إنجيل فيليب وإنجيل مريم المجدلية، والأعمال، مثل أعمال يوحنا وأعمال بطرس وأعمال بولس، والرؤى رؤى بطرس ويعقوب ويوحنا، بل والرسائل، مثل الرسالة إلى لاودكية[9]، الأبوكريفية، بفكر ومضمون وجوهر نصوص رسائل القديس بولس القانونية.

وهناك ملاحظة يجب أن نضعها في الاعتبار وهى وجود تمازج واختلاط واندماج، في عقل الهراطقة، بين فكر أسفار العهد الجديد وفكرهم الوثني، فقد اختلط داخلهم الفكر المسيحي بالفكر الوثني وصار مزيجاً واحداً، ولذا فعندموا كتبوا كتبهم خرج هذا المزيج منهم تلقائياً فامتلأت كتبهم بجوهر ومضمون الفكر المسيحي الممتزج بالفكر الوثني، لذا نرى مضمون العهد الجديد، خاصة الأناجيل الأربعة، واضحاً بشكل لا يمكن أن تخطئه العين ويسهل على الدارس والباحث قراءته واستخراجه.

وهذا يجيب لنا على السؤال؛ لماذا لا نجد، في أغلب الاحيان، اقتباساً أو استشهاداً مباشراً بنصوص العهد الجديد؟ وهناك أيضاً بعض من هذه الكتب التي اقتبست واستشهدت بنصوص العهد الجديد بشكل مباشر وغير مباشر وإن كنا نجد بها اختلافات طفيفة عن النص المقتبس منه بسبب الاعتماد على الذاكرة للأسفار القانونية.

1 – ماركيون هرطقته وأفكاره:

ظهر ماركيون (Μαρκίων – حوالي 85 – 160م)، والذي ترجع أهم مصادرنا عنه للقديس إيريناؤس أسقف ليون (حوالي 120 – 202م)، والعلامة ترتليان (145 – 220م) من شمال أفريقيا والعلامة هيبوليتوس (حوالي170 – 236م) أسقف روما، وكلسس اليهودي (القرن الثاني الميلادي)، الذي جادل المسيحيين من كتابات ماركيون، وكذلك الآباء التاليين لهم خاصة أبيفانيوس (حوالي 315 – 403م) أسقف سلاميس بقبرص.

وذلك إلى جانب ما تم اكتشافه من مخطوطات لأغلب الكتب الابوكريفية، خاصة ما تم اكتشافه في نجع حمادي سنة 1945م. وقد ولد ماركيون في مدينة سينوب[10] والتي كانت الميناء الرئيسي لمدينة بونتوس[11] على الشاطئ الجنوبي للبحر الأسود، سنة 110م.

وكان ابناً لأسقف[12]، وكان تاجرا ثرياَ وصاحب سفينة في آسيا الصغرى[13] ثم ذهب إلى روما حوالي سنة 142- 143م، وطرد منها سنة 144م وردوا عليه مبلغ 200،000 من عملة روما الفضية والتي كان قد تبرع بها للكنيسة[14]. وعاد إلى آسيا الصغرى وبدأ ينشر تعليمه وهرطقته وأسس نظام موازي للكنيسة في روما وأقام نفسه أسقفاً. ويقول أبيفانيوس (315 – 403م) أسقف سلاميس أن والده طرده من الكنيسة بعد أن أغوى عذراء مكرسة[15]، وأن كان الكثيرون من العلماء لا يقبلون هذا القول، خاصة المؤرخ الكنسي فيليب شاف وغيره من الذين

يرون أن هذا القول لا يتفق مع فكره عن الزهد، ولم يقل به لا إيريناؤس ولا ترتليان[16]. ويرى بارت إيرمان أشهر ناقد نصي للعهد الجديد في الوقت الحالي أن هذه القصة رمزية ترمز لتدنيسه لعقيدة الكنيسة التي اعتبرها عذراء. ويقول ترتليان أنه كان قبل تحوله مستقيم الرأي (أرثوذكسياً)[17].

وقد وصفه جميع آباء الكنيسة في الشرق بالهرطوقي بل وأشر الهراطقة وقال عنه بوليكاربوس تلميذ القديس يوحنا الإنجيلي والرسول كما ينقل عنه العلامة إيريناؤس أنه: ” بكر الشيطان “[18].

وقد نادي ماركيون بعقيدة غريبة وشاذة ومضادة لما تسلمته الكنيسة عن الرسل وتلاميذ المسيح ” الإيمان المسلم مرة للقديسين ” (يه1:3)، وهي قوله بوجود إلهين[19]؛ لكل منهما شخصيته المتميزة، الإله السامي والصالح وغير المعروف وغير المدرك، إله الحب الذي أُعلن في يسوع المسيح، أو ظهر بالتجسد في يسوع المسيح، وإله العهد القديم واليهود (يهوه – Yahweh)، خالق الكون والذي الصق به كل ما قالته الغنوسية الوثنية عن الديميورج (Demiurge)[20]، والذي تقول الأسطورة الغنوسية أنه وُلد من صوفيا (الحكمة) المنبثقة، الخارجة، من ذات الإله السامي والصالح غير المرئي وغير المدرك

وأن هذا الديميورج لم يكن يعرف شيئاً عن الإله السامي، غير المدرك وغير المرئي وغير المعروف، لذا تصور أنه هو نفسه، الديميورج، إله الكون فقام بخلق الكون المادي ولما أراد أن يخلق الإنسان صنع الأجساد لكن لم يستطع أن يخلق لها الروح، لأنه كان صانعاً وليس خالقاً، فوضع الايونات، أو الشرارات الإلهية المنبثقة من الإله السامي وسجنها في هذه الأجساد!! ومن ثم فقد وصف ماركيون الله في العهد القديم، بإله العهد القديم واليهود وقال عنه أنه كان جاهلا بوجود الإله السامي ولم يعرف عنه شيئاً إلا بعد أن أُعلن في يسوع المسيح.

ووصفه بالإله الأقل أو الأصغر من الإله السامي، وقال أنه الذي خلق الأرض وأعطى موسى العهد والناموس الذي يمثل العدالة الطبيعية العارية ووصفه بالإله الثانوي والأقل والقاسي والغيور، بل وبالإله القبلي الذي يهتم فقط برفاهية اليهود، على عكس الإله السامي الذي يهتم بالكون كله ويحب البشرية ككل وينظر لأولاده بكل حب ورحمة. وقال أن يهوه إله اليهود بعد أن خلق البشر كرههم بسبب خطاياهم وعاقبهم على ذلك وجعلهم يتألمون حتى الموت بالمعنى القانوني المحدد.

على عكس الإله السامي والآب السماوي الذي ظهر كمحب لأقصى درجة عندما تجسد في ابنه يسوع المسيح وشفى المرضى وصنع معجزات وأخيرا قدم ابنه ليضحي بنفسه على الصليب، فقد صار يسوع، كالآب البشري، جسدا، وسدد دين خطية البشرية المدانة بها لإله العهد القديم، وبتضحيته هذه مسح خطية البشرية وجعلها ترث الحياة الأبدية.

أي أنه نادى بأن المسيح جاء من قبل الإله السامي، وليس من قبل الله، يهوه، الذي وصفه بإله اليهود، بل وأنه ليس هو المسيح الذي تنبأ عنه العهد القديم والذي ينتظره اليهود، والذي لم يأت بعد، والذي سيكون ضداً للمسيح.

بل ويؤمن بمسيحين؛ مسيح إله اليهود والذي تنبأ عنه العهد القديم، والمسيح ابن الله الذي أعلن الإله السامي، مسيح المسيحية والذي هو إله من إله. وقال أن العهد القديم والعهد الجديد لا يمكن أن يتفقا معاً، فالعهد القديم شريعة مضادة لشريعة العهد الجديد.

ويقول عنه يوستينوس الشهيد (100 – 165م)، والذي كتب سنة 150م: أنه كان ” يحض الناس على إنكار أن الله هو خالق كل الأشياء، ما في السماء وعلى الأرض وأن المسيح الذي تنبأ عنه الأنبياء هو ابن الله، كما أدعى ماركيون بأنه يوجد إله أخر غير الخالق، ابن آخر “[21].

وبعد دراسة مقارنة مستفيضة للعهد القديم وتعاليم المسيح، من وجهة نظره، وضع ماركيون ما خرج به من أفكار هرطوقية في كتاب اسماه ” المتناقضات – ἀντίθέσeις – Antithesis “[22]. قابل فيه بين ما ووصف به يهوه في العهد القديم وبين تعاليم المسيح، بمفهومه الخاص دون أن يحاول أن يعرف أسباب الفروق بين العهدين[23].

وعارض الطريقة التي تفسر بها الكنيسة العهد القديم واتفاقه مع العهد الجديد، ورفض التفسير المجازي للعهد القديم وأكد على تفسيره الحرفي، وقال أن إله العهد القديم ليس هو الإله السامي الذي بشر به يسوع بل هو الديميورج (Demiurge) الذي خلق العالم المادي والناقص!! لذا رفض العهد القديم وقبل جزءًا من العهد الجديد، وهو الإنجيل للقديس لوقا مع عشر رسائل للقديس بولس، ولكن بعد تعديل بعض أجزائها الخاصة بوجود نصوص للعهد القديم وإعادة تحريرها!!

وزعم أن تلاميذ المسيح الانثى عشر أساءوا فهم رسالة المسيح وتعليمه ونادى به كمسيح إله اليهود، والذي يرى أنه، إله اليهود، إله الشر، وليس مسيح الإله السامي والصالح، إله الحب. وفهم كلام المسيح خطأ، وحذف كل ما تصور أنه يؤيد هذه الوجهة من وجهة نظره!! وقال أنه لم يفهم رسالة المسيح أحد غير القديس بولس الرسول، ومن ثم فقد قبل الإنجيل للقديس لوقا فقط باعتباره شريك القديس بولس ورفيقه في الكرازة، وأسماه إنجيل الرب كما دعي أيضا بإنجيل ماركيون.

وقد وصفه الآباء خاصة إيريناؤس أسقف ليون وترتليان وهيبوليتوس بأنه غنوسي ويتكلم بلسان الشيطان، أو أن الشيطان يتكلم بلسانه. ونظرا لصعوبة تحديد تعبير غنوسي، فقد كان هو أقرب الغنوسيين إلى قلب وفكر الكنيسة الأولى. لذا وصفه البعض بأنه كان في تضاد مع الغنوسية وأيضاً اليهودية[24]. 

وكان ماركيون كما يقول الآباء، إيريناؤس[25] وكذلك ترتليان[26] وهيبوليتوس[27]، قد تبع معلمه الغنوسي السرياني سردوا (Cerdo)، وطور تعليمه. وكان سردوا يعتقد أن إله العهد القديم هو غير إله العهد الجديد الذي هو أبو يسوع المسيح والذي جاء المسيح ليكشفه، ومختلفاً عنه. أو كما يقول يوسابيوس القيصري نقلا عن إيريناؤس ” أما ماركيون البنطي فقد خلف سردوا ووسع تعاليمه “[28].

2– ماركيون والإنجيل للقديس لوقا:

أعتقد ماركيون بأن هناك إنجيلاً واحداً حقيقياً، هذا الإنجيل تحول إلى نسخ عديدة، وقد أوضح ذلك بما جاء في غلاطية (1:6 – 9)؛ ” إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ! لَيْسَ هُوَ آخَرَ، غَيْرَ أَنَّهُ يُوجَدُ قَوْمٌ يُزْعِجُونَكُمْ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُحَوِّلُوا إِنْجِيلَ الْمَسِيحِ. وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا! “.

وقال أن الأخوة الكذبة يحاولون تحويل المؤمنين عن هذا الإنجيل الذي أعتقد، ماركيون، أنه الإنجيل للقديس لوقا. فقد أعترف فقط بالإنجيل للقديس لوقا لأن مدونه كان رفيقاً للقديس بولس، وقال أنه يحمل تقليداً أمينا عن الآخرين. وصار هذا الإنجيل هو إنجيل ماركيون بدون تحديد كاتبه بالروح القدس[29].

ولكنه حذف منه كل ما تصور أنه آثار يهودية أو له صلة بالعهد القديم لأن يسوع من وجهة نظره ظهر في مظهر البشر ولكنه لم يكن بشراً على الإطلاق[30]، بل إله من الإله السامي أو الأعلى، ولا يمكن أن يكون قد ولد من امرأة لذا حذف منه الإصحاحات الأولى والتي تحتوي على ميلاد المسيح ويوحنا المعمدان لأنها تضم نبوات للعهد القديم ذات صلة بالأحداث التاريخية. وسلسلة نسب المسيح.

وبدأ ب (لو3:1) فقط مسجلاً بداية خدمة المسيح في أيام الإمبراطور الروماني طيباريوس قيصر وبيلاطس البنطي الذي كان والياً على اليهودية. ويبدأ بخدمة المسيح في كفر ناحوم (لو4:31)، معطيا الإيحاء بأنه نزل من السماء إليها مباشرة[31]. وكذلك الإصحاحات الأخيرة وركز على قيامة المسيح الذي قال أنها تمت في صمت.

ويقول إيريناؤس: ” فقد بتر الإنجيل الذي بحسب لوقا حاذفا منه كل ما هو مكتوب بخصوص ميلاد الرب، وحذف الكثير من تعاليم الرب التي سجلت بكل وضوح أن خالق الكون هو أباه “. كما أشار إلى حذفه لكل ما جاء في رسائل بولس من اقتباسات وإشارات تقول أن الله الذي خلق الكون هو أبو يسوع المسيح[32].

3 – ماركيون والقديس بولس وقانون العهد الجديد:

كان ماركيون مقتنعا أن القديس بولس وحده من بين قادة الكنيسة الرسولية الأولى هو الذي فهم مغزى أن يسوع المسيح جاء من الإله السامي ومن ثم قبل عشر رسائل فقط من رسائله هي؛ 1و2 كورنثوس وغلاطية ورومية و1و2 تسالونيكي وأفسس وكولوسي وفيلبي وفليمون، ودعاها رسولية، وحذف الرسالتين 1و2 تيموثاؤس، والرسالة إلى تيطس والرسالة إلى العبرانيين. وأبقى على ثماني رسائل من الرسائل العشر كما هي بين أيدينا الآن، ودون أن يحذف منها شيئاً، وحذف من الرسالتين إلى رومية وغلاطية كل ما له صلة باليهودية!! فقد حذف من رومية (1: 17؛1: 19-21؛3:31 – 4:25؛8: 19؛10: 5 – 11: 32). وكل الإصحاحين 15 و16: 26.

وحذف من غلاطية الحوار بين القديس بولس والقديسين بطرس ويعقوب في أورشليم (1:18 -24)، ورواية إيمان إبراهيم (3: 6-9)، وفقرات أخرى[33]. فقد حذف كل ما تصور أنه لا يوافق فكر القديس بولس وما له صلة باليهودية[34]. وذلك إلى جانب الإنجيل للقديس لوقا والذي دعاه بالإنجيل، ووصف الإنجيل (Euangelion) والرسائل (Apostolikon) ب (Euangelion and Apostolikon)، وذلك بالإضافة إلى العمل الذي أسماه المتضادات (Antitheses)، والمذكور أعلاه.

وما فعله ماركيون هذا دفع آباء الكنيسة لوضع قانون العهد الجديد ووضع أسماء الإنجيليين الذين دونوا الإنجيل بأوجهه الأربعة على ما دونه كل واحد منهم، فقد وضعوا على الإنجيل الذي دونه القديس متى ” بحسب متى – κατα Μαθθαιον – Acording to Matheon “[35]، ومثله الأناجيل الثلاثة الأخرى (بحسب مرقس – Κατά [36]Μάρκον – Markon Acording to – بحسب لوقا – Acording to Lokan – Κατά Λουκάν[37] – بحسب يوحنا – [38]Acording to Iwannin – Κατά Ιωάννην)، للتفريق بينها وبين ما نسب لماركيون، وبين ما كتبه الهراطقة الغنوسيين الآخرين، الذين كتبوا الأناجيل الأبوكريفية المنحولة ونسبوها للرسل.

فقد كانت الأسفار القانونية، الموحى بها، منتشرة في الكنائس التي كتبت بها أو لها والتي نسخت عنها نسخ كثيرة في بلاد كثيرة، ومعترف بها دون أن يسأل أحد من الناس عن مدى صحتها وقانونيتها لأنهم استلموها مباشرة من الرسل وقد كتبت أصلاً بناء على طلب منهم، فقد طلبوها من الرسل وكتبها الرسل بناء على طلبهم واستلموها منهم.

يقول أف أف بروس (F.F. Bruce): ” ترجع الأهمية الرئيسية لماركيون في القرن الثاني في رد الفعل الذي أحدثه بين قادة الكنائس الرسولية، فقد حفز قانون ماركيون الكنيسة الجامعة لتحديد قانون العهد الجديد بأكثر قوة ليس ليسود على قانون العهد القديم بل ليكمله. وهكذا بصفة عامة، فقد قاد تعليم ماركيون الكنيسة الجامعة لتحديد إيمانها بحرص أكثر بنصوص محسوبة لتقصي التفاسير الماركيونية “[39].

ويضيف: ” وقد حفز انتشار أفكار ماركيون بصورة واسعة الكنيسة لكي تعبر عن اسبقيتها في وضع قانون أسفار العهد الجديد للآخرين “[40]. 

كان ماركيون هو أول من جمع مجموعة من الأسفار المسيحية في قانون واحد، كما حفز الكنيسة على وضع قانون للإيمان، وهو ما يعرف الآن بقانون إيمان الرسل والذي ترجع أصوله للقرن الثاني. هذا القانون أوضح أن الله الآب وليس الديميورج، إله اليهود، هو الذي خلق السماء والأرض والكون وكل ما فيه وأنه لا يوجد إلا إله واحد والذي تحدد أكثر في نيقية[41].

كما رفض ماركيون التفسير المجازي للعهد القديم بل ورفض العهد القديم كله، الذي كان بالنسبة له مجرد تاريخ لليهود والمتحدث عن الديميورج[42]. وكان يميل إلى التقشف والزهد، ويقول ترتليان أنه منع الزواج لأن التناسل كان من اختراع الديميورج[43]. ومع ذلك فقد أكتسب تعليمه شعبية وانتشارا. بل ويقول يوستينوس أن تعليمه أنتشر بين كل سلالات البشر[44]. واستمرت هرطقته إلى القرن الخامس.

4 – فالنتينوس [45] وقانون العهد الجديد:

ولد فالنتينوس (Valentinus – حوالي 100- 175م) بمنطقة الدلتا بمصر (حوالي 100م) وتوفى سنة (175م) وتعلم التعليم اليوناني في متروبوليس بالقرب من الإسكندرية التي كانت في ذلك الوقت عاصمة العالم للثقافة الهيلينستية اليونانية ومن المحتمل أنه قابل فيها الفيلسوف الغنوسي باسيليدس الذي كان يعلم هناك ومن المحتمل أيضاً أنه تأثر بأفكاره.

وفي الإسكندرية أيضاً تعرف على الفلسفة اليونانية، كما تعرف على الفكر الأفلاطوني والذي ربما يكون قد تأثر به عن طريق التفسير اليهودي الهيلينستي لأسفار العهد القديم وقد كان واضحا في إحدى فقرات عظة من عظاته أنه كان يعرف كتابات الفيلسوف اليهودي العظيم فيلو اليهودي (Philo Judaeus) (30 ق م – 45م)، الذي كان يفسر العهد القديم بصورة مجازية.

وكان فالنتينوس يدرس في الإسكندرية (117 – 138م)، وقد أدعى أنه تلقى تعليمه المسيحي عن طريق ثيوداس الذي قال أنه كان تلميذا للقديس بولس الرسول، وفي حوالي سنة 136 إلى 140م سافر إلى روما وحاول أن يكون له دور كنسي هناك. ويقول لنا القديس إيريناؤس أسقف ليون (180م) أنه بني فكره ونظامه اللاهوتي على الأسطورة الغنوسية[46].

ويضيف[47]: ” جاء فالنتينوس إلى روما في وقت هيجينيوس (Hyginus حوالي 136 – 140م)، وأزدهر تحت بيوس (حوالي 150 – 155م)، وظل حتى أنيسيتوس (حوالي 155 -160م)[48]، وكان أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص هو أول من قال أنه ولد في مصر وتعلم في الإسكندرية وقد نشر فكره في مصر قبل أن يذهب إلى روما، ويضيف ابيفانيوس أنه غادر روما فيما بعد إلى قبرص[49].

ويوجد في كتاب المتفرقات لأكليمندس الإسكندري ست فقرات من كتابات فالنتينوس مدمجة في كتابه؛ اثنتان منها من خطاباته واثنتان من عظاته واثنتان لا يعطي لنا أي توضيح عن أي كتاباته أخذهم[50]. ويضيف كواستن: ” وجد فالنتينوس أتباع كثيرين في الشرق والغرب، ويحدثنا هيبوليتوس عن مدرستين واحدة شرقية وواحدة في إيطاليا “[51].

ويقول عنه ترتليان: توقع فالنتينوس أن يكون أسقفاً، لأنه كان رجل ذكياً وفصيحاً مقتدراً، ولما حصل غيره على هذه الكرامة، بسبب ما قيل أنه أب للاعتراف، فقد أنتقم وفقد إيمان الكنيسة الحقيقي. ومثل الذين تكون روحهم غير مستقرة فقد أثاره الطموح، ودبت فيه رغبة الانتقام، ومن ثم فقد دفع نفسه بكل ما يمكن أن يؤدي لإفساد الحق؛ ووجد مفتاح ذلك في تحقيق الرأي القديم وحدد لنفسه طريق رقة الحية “[52].

ويعبر ترتليان عن فكر فالنتينوس من جهة الكتاب المقدس فيقول: ” توجد طريقتان لتشويه تفسير الأسفار المقدسة، واحدة هي طريقة ماركيون فقد استخدم السكين ليستأصل من الأسفار المقدسة كل ما لا يتفق مع رأيه، ويبدو فالنتينوس من جهة أخرى أنه يستخدم كل العهد الجديد (Instrumentum)، ويفسد معناه بسوء تفسيره “[53].

ويقول بروس (F.F. Brauce)، نقلاً عن (W. C. Van Unnik)؛ أن هذا يبين لنا وجود مجموعة من كتابات العهد الجديد التي كانت معروفة ومقبولة في روما وموحى بها. ويؤكد بروس أن فالنتينوس ألمح في مقالته، عن القيامة، لاستخدام الإنجيل للقديس متى والإنجيل للقديس لوقا وسفر أعمال الرسل ورسالة يوحنا الأولى ورسائل القديس بولس، فيما عدا الرسائل الرعوية[54]، والرسالة إلى العبرانيين وسفر الرؤيا. ولم يلمح إليها فقط بل استشهد بنصوص تفترض أنها ذو سلطان، وموحى بها[55].

ومن أهم كتابات فالنتينوس التي استشهد بها وأقتبس فيها من أسفار العهد الجديد هو كتاب ” إنجيل الحق[56] “[57]، والذي تم أكشافة في نجع حمادي سنة 1945م. فقد استشهد بالأناجيل الأربعة وسفر الأعمال وسفر الرؤيا ورسالة يوحنا الأولى ورسائل بولس الأربع عشرة، مثل الرسالة إلى رومية وإلى كورنثوس الأولى وإلى العبرانيين، واقتبس من الرسالة إلى أفسس باعتبارها كلمة الله وسفر مقدس.

وهذا يبرهن فى نظر العلماء على وجود أسفار العهد الجديد، جميعاً في روما فى نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني. وفيما يلي بعض الفقرات التي استشهد بها أو بنى فكره على مضمونها وجوهرها دون نصها:

في النص التالي يقول: ” هذا هو الذي يدعى المخلص، لكونه اسم لمهمته التي يجب أن يقوم بها لعتق أولئك الذين لم يتعرفوا على اسم الآب “. يأخذ مضمون وجوهر وفكر الآيات التالية: ” لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ ” (مت1:21)، ” أَنَا أَظْهَرْتُ اسْمَكَ لِلنَّاسِ ” (يو17:6)، ” وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ ” (أع4: 12).

وفي الفقرة التالية: ” فجعله بلا قوة. وقد سُمر على الصليب… الآب غير المحدود, غير المتخيل, ذلك الآب الكامل الذي صنع الكل, وفيه الكل, وله الكل “. يأخذ روح ومضمون الآيات التالية: ” فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ 00 الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ ” (كو1:17)، ” حَيْثُ صَلَبُوهُ ” (يو19: 18)، ” الَّذِي أَيْضًا قَتَلُوهُ مُعَلِّقِينَ إِيَّاهُ عَلَى خَشَبَةٍ ” (أع 10: 39).

ويقول أكليمندس الإسكندري[58]: ” يقال أن الابن هو وجه الآب لكونه يعلن شخص الآب للحواس الخمس بارتدائه لنفسه الجسد “. ويقول نص إنجيل الحقيقة المكتشف في نجع حمادي: ” بعد كل هذا جاء أيضاً الأطفال الصغار, هؤلاء الذين يملكون معرفة الآب. وحين أصبحوا أقوياء تعلموا سمة وجه الآب “. وهذا جوهر ومضمون قوله: ” لاَ تَحْتَقِرُوا أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلاَئِكَتَهُمْ فِي السَّمَاوَاتِ كُلَّ حِينٍ يَنْظُرُونَ وَجْهَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ ” (مت18:10).

وفي هذا النص: ” هذا الكتاب الذي لم يقدر احد أن يأخذه, لأنه حفظ للذي سيأخذه ويذبح. ولم يستطع أحد من هؤلاء الذين آمنوا بالخلاص التجسد مادام الكتاب لم يظهر. لهذا السبب, كانت عاطفة وولاء يسوع صبرا في معاناته حتى أخذ ذلك الكتاب, حيث أنه علم أن موته يعني الحياة للعديدين “. هو وفكر وصدى ما جاء في رؤيا (5:1-5): ” وَرَأَيْتُ عَلَى يَمِينِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ سِفْرًا مَكْتُوبًا مِنْ دَاخِل وَمِنْ وَرَاءٍ… فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ… أَنْ يَفْتَحَ السِّفْرَ وَلاَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ… هُوَذَا قَدْ غَلَبَ الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، أَصْلُ دَاوُدَ، لِيَفْتَحَ السِّفْرَ وَيَفُكَّ خُتُومَهُ السَّبْعَةَ “.

والنص التالي: ” بل بالأحرى هي حروف الألف باء حيث الذين يدركونها يعبرون عن أنفسهم. كل حرف هو فكر كامل، كل حرف هو كتاب حقيقي كامل مكتوب بالألف باء لوحدة الآب “. هو صدى لجوهر ومضمون قوله: ” أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبَدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، يَقُولُ الرَّبُّ الْكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي ” (رؤ1:8).

5 – المونتانية وقانون العهد الجديد:

ترجع المونتانية إلى مونتانوس (Montanus) من أردابو قرية في فريجية بآسيا الصغرى، لذا دُعيت هذه الهرطقته، أولاً، بالهرطقة الفريجية، وقد ظهر حوالي سنة 170م. وسبب ظهوره انشقاقًا في الكنيسة انتشر بصورة شاسعة، وبقيت أثاره إلي القرن الرابع[59]. كان مونتانوس وثني الأصل ويري العلامة ديديموس الضرير أنه كان كاهن وثن[60]. وعلم بأن الإعلانات الإلهية الفائقة لم تنتهِ بانتقال الرُسل من العالم، بل كان من المتوقع وجود إعلانات أكثر عجباً من عصر الرسل وذلك بتدبير الباراقليط.

ودعيت هذه الهرطقة باسم مؤسسها ” المونتانية (Montanism) “، إلى جانب الفريجية. وأدعى مونتانوس أنه هو نفسه الباراقليط الذي وعد الرب يسوع المسيح أن يرسله ليحل على تلاميذه، كما أدعى أنه يتكلم بوحي الروح القدس ويرى رؤى إلهية وأنه نبي ومن ثم فقد كان أتباعه يعتبرون كلماته هي كلمات الله نفسه. كما تطرف للقول بأنه هو نفسه الروح القدس الذي قال عنه ووعد به المسيح[61]. وأشار أكليمندس الإسكندري إليهم كأنبياء كذبة[62]. أما ترتليان الذي أنضم إليهم فدافع عنهم في عمله المفقود في 6 كتب عن الدهش.

وقال المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري عن مونتانس: ” كان هناك شخص اسمه مونتانوس متنصر حديثاً، وبسبب تعطشه الذي لا يحد للقيادة أعطى للخصم فرصة ضده. وأصبح خارج عقله، وإذ صار في حالة خبل وذهول صار يهذي وينطق بأمورٍ غريبةٍ، ويتنبأ بحالة مُغايرة لعادة الكنيسة السليمة المُسلمة إليها من التقليد منذ البداية. اشتد غضب بعض من سمعوا أقواله الزائفة وقتئذٍ ووبخوه كشخص قد مسه خبل، وساقط تحت سلطان إبليس، ومدفوع بروح مضل ومضلل للشعب، فمنعوه من الكلام، متذكرين نصيحة الرب نحو ضرورة التمييز، الحذر من مجيء الأنبياء الكذبة “[63].

ويقول ابيفانيوس، عن مونتانوس، أنه قال: ” يا للأسف الإنسان كاذب، وأنا أطير فوقه كالذي يجني، الإنسان ينام وأنا أراقب “[64]. ويضيف قوله: ” لم آت كملاك ولا رسول، ولكن الرب، الله الآب قد أتى “[65]. وكان من تلاميذه سيدتان هما بريسكلا (Priscilla) وماكسيّملا (Maximilla)[66]، اللتان سقطتا في حالة انفعال شديد، وكان مونتانوس وأتباعه ينظرون إليهما كنبيتان مكرمتان جدًا.

وأدعى مونتانوس وبريسكلا ومكسميلا أنهم يقعون في غيبوبات رؤوية ويتكلمون بالروح القدس، ويحثون أتباعهم على الصوم والصلاة، حتى يشتركوا في الرؤى التي يرونها، كما أدعى أتباعهم أنهم نالوا موهبة النبوة من الأنبياء كوادراتوس وأميّا اللذان من فيلادلفيا، واعتقدا أن لديهما جزءًا من خط النبوة الذي يعود إلى أجابوس وبنات فيلبس المبشر[67].

ويقول ابيفانيوس أن مونتانوس قال عن نفسه: ” أنا الرب، الله كلي القدرة الذي أسكن في الإنسان “[68]. ويقول ديديموس الضرير أنه قال: ” أنا هو الآب والابن والباراقليط “[69]. وينقل عنه ابيفانيوس أيضاً: ” لماذا تقولون أن الإنسان السوبر الذي خلص؟ لأن الرجل البار يشرق أكثر لمعاناً من الشمس مئة مرة، وحتى الصغار بينكم قد صاروا بخلاصهم أكثر لمعاناً من القمر مئة مرة “[70]. ويقول مونتانوس عن دفنه: ” عندما أموت يجب أن أدفن تحت الأرض بخمسين ذراعاً، لأن النار التي ستأتي على كل الأرض ستلتهمني إذا لم أدفن في هذا العمق “[71]. 

وتقول مكسيّملا عن نفسها: ” بعدي لن تكون هناك نبوّة “[72]. ” أنا مُقادة بعيدا مثل الذئب، وأنا لست ذئباً. أنا كلمة وروح وقوة “[73]. ” الرب أرسلني كنصيرة لهذا الواجب، مجبرة على فعل ذلك، وسواء كنت أريد أو لا أريد، لأكون معطية الوحي لهذا العهد، ومترجمة للوعد، ولنقل المعرفة من الله “[74]. 

وتقول بريسكلا عن المونتانيين: ” يرون رؤى، ويحولوا وجوههم لأسفل، فهم يسمعون أصوات ظاهرة صحية فوق الأسرار “[75]. وتقول عن نفسها: ” جاء المسيح إلي [ وأنا نائمة ] يظهر لي كامرأة لابسة روب مشع. ووضع الحكمة فيّ وكشف لي المكان المقدس وأن أورشليم ستنزل من السماء في هذا الموقع “[76].

يقول يوسابيوس القيصري: ” وهكذا بالمكر والحيل الشريرة دبر إبليس هلاكاً للعصاة فأكرموه, وهو لا يستحق أي إكرام, في الوقت الذي ألهب هو أذهانهم التي كانت قد انحرفت فعلاً عن الإيمان السليم, علاوة على هذا فقد حرك امرأتين وملأهما روح الضلال حتى صارتا تتكلمان بشكل غريب وبلا روية ولا منطق, كالشخص السابق ذكره (مونتانوس), أما الروح (الشرير) فقد أعلن أنهم مباركون إذ سروا وافتخروا به ونفخهم بوعوده الخلابة, غير أنه في بعض الأحيان كان يوبخهم علانية بطريقة حكيمة أمينه لكي يظهر كناصح ومؤدب, ولكن الذين انخدعوا من أهل فريجية كانوا قليلي العدد. وقد علمهم الروح المتغطرس احتقار الكنيسة بأكملها، الجامعة تحت السماء, لأن روح النبوة الكاذبة لم ينل منها أي إكرام ولا سمح بدخولها “[77].

كان الموضوع الجوهري للمونتانية هو الباراقليط، روح الحق، الذي وعد به المسيح في الإنجيل للقديس يوحنا، وقد أظهر نفسه للعالم في مونتانوس والأنبياء والنبيتان المساعدتين له.

وادعوا أن النبوة المونتانية جديدة، بل ولم يفعل الأنبياء مثلما فعل مونتانوس، وأن لديهم نوعاً من قوة الدهش، الغيبوبة الروحية، وفي حالة من الانفعالية يحصلون على الكلمات التي يتكلمون بها ويزعمون أنها كلمات الروح القدس، وقد زعم مونتانوس أنه هو الإعلان النهائي للروح القدس وأنه إضافة لتعاليم المسيح والرسل، ويجب أن تقبل الكنيسة هذا الإعلان الكامل.

ولم يكن المجيء الثاني للمسيح يشغل اهتمامهم وآمنوا بأورشليم السمائية (رؤيا 12) التي زعموا أنها ستنزل حالاً على الأرض في المدينة الفريجية الصغيرة بيبوزا (Pepuza)[78]، فتخلى عنهم كثيرون من أتباعهم وكثير من الجماعات المسيحية.

ولقناعته بنهاية العالم الوشيكة وضع، مونتانوس، مبادئ أخلاقية صارمة زاعماً تطهير المسيحيين وفصلهم عن رغباتهم المادية. وقد عُرف المونتانيون بالنسك الشديد والزهد في الحياة، وكثرة أيام الصوم والأمتناع عن اللحوم والخمر والاستحمام والمشروبات كعصير الفواكه (فيما عدا أيام السبت والأحد)، وتعظيم العذرية، البتولية، والرغبة في الاستشهاد ورفض الزواج، الذي عادوا فقبلوه وحرموا الزواج الثاني للأرامل! كما كانوا يتسمون بالعنف في قبول الذين سقطوا في خطايا خطيرة.

وادعوا أنهم يقومون بعملية إحياء روحي من خلال النبوة الجديدة داخل الأرثوذكسية، وكرموا التقليد واعترفوا بالقواعد الكتابية للإيمان المسيحي وقبلوا المواضيع الرؤوية (نهاية العالم)، ورفضوا نظام الرتب والكهنوت المسيحي.

ووقفت الكنيسة في آسيا الصغرى ضد هذه الهرطقة وحاربتها بشدة منذ أيام ديوناسيوس أسقف كورنثوس (فيما بين 160 و170م)، واستمرت حتّى القرن الثالث، حين فندها زفيرينوس أسقف روما (198 – 217م)[79] حوالي السنة 200م، وحذا أساقفة قرطاج وبقية أساقفة أفريقيا حذو أساقفة آسيا الصغرى ودعوها بالهرطقة الفريجية[80].

وكان يعتقد أن هؤلاء الأنبياء الفريجيين تمتلكهم أرواح شريرة وكانت كل من مكسيملا وبرسيكلا أهداف للتعاويذ الفاشلة[81]. وأعلنت كنائس آسيا الصغرى أن نبواتهم تجديف وحرموا أتباعهم[82].

وحوالي سنة 177م قام أبوليناريوس (Apollinarius) أسقف هيرابوليس وترأس مجمع أدان فيه هذه الهرطقة ونبوتها المزعومة[83]، كما يقول يوسابيوس، أنه (أبوليناريوس) ومعه أشخاص آخرون مقتدرون قد تركوا لنا مادة غزيرة جداً استقينا منها الكثير من المعلومات عند كتابة تاريخنا هذا “[84]. وتحاور معهم كابوس[85]، أحد المفندين لهرطقتهم، والذي يقول عنه يويسابيوس أنه: ” من جهابذة العلماء “، في روما في عهد زفيرينوس، وكذلك بروكلوس الذي كان خصماً عنيداً للفريجية، وهاجم جراءتهم على إبراز أسفار جديدة. ويذكر فقط ثلاث عشرة رسالة للرسول المبارك، غير حاسب رسالة العبرانيين مع الرسائل الأخرى “.

ويضيف يوسابيوس: ” فالمؤمنون في آسيا كانوا يجتمعون في أماكن مختلفة في جميع أرجاء آسيا للتفكير في هذا الأمر, وفحصوا الأقوال الغريبة, وأعلنوا فسادها ورفضوا البدعة, وأستقر رأيهم على إبعاد هؤلاء الأشخاص من الكنيسة, ومنعوهم من الشركة “[86]. كما واجه مجمع القسطنطينية قبل سنة 381م، خطورة فكرهم وأدانها بالرغم من دفاع ترتليان، الذي اقتنع ببعض أفكارها، وصار رئيساً لجماعه فيها[87].

أما عن موقفهم من قانونية أسفار العهد الجديد فيقول ابيفانيوس أسقف سلاميس: ” هؤلاء الفريحيين، كما نسميهم، يقبلون كل أسفار العهد القديم والعهد الجديد ويؤمنون بقيامة الموتى أيضاً. ولكنهم… ويتفقون مع الكنيسة الجامعة المقدسة عن الآب والابن والروح القدس “[88].

وقد أنتشر تأثير هذه الهرطقة في الأوساط المسيحية وكان تأثيرها ذو شقين؛ الأول هو أنهم كتبوا كتب جديدة دعوها بالأسفار المقدسة زاعمين ومدعين أنهم رأوا مضمونها في رؤى! وهذا دفع الكنيسة لعدم الثقة في الأدب الرؤى عموماً، بما في ذلك رؤيا يوحنا، لدرجة أن أحد أتباع الكنيسة الجامعة رفض رؤيا يوحنا لهذا السبب.

وكانوا يستخدمون أسفار العهد الجديد ويستشهدون بها ويقتبسون منها كثيراً كأسفار مقدسة. وقد وضع هؤلاء ثلاثة تقسيمات للأسفار المقدسة، هي؛ (1) العهد القديم، (2) العهد الجديد، (3) كتابات المونتانيين الذين كتبوها هم وادعوا أن الروح القدس هو الذي أوحى لهم بها! ولذلك حرمتهم الكنيسة الجامعة[89].

كما دفعت المونتانية بعض المدافعين المسيحيين، الذين هاجموها بضراوة، لرفض بعض أسفار العهد الجديد التي اعتمدت عليها هذه الهرطقة كثيراً! فقد قام أحد هؤلاء المدافعين بتفنيد أفكارها الهرطوقية وأندفع في هجومه عليها وفي ذروة اندفاعه رفض سفر الرؤيا!! بسبب حديث، هذه الهرطقة، عن الملك الألفي واستخدامها الكثير فيما أسمته بالنبوة الجديدة، ورفض الإنجيل للقديس يوحنا بسبب ما جاء فيه عن البارقليط، المعزي، وإدعاء مونتانوس بأنه هو نفسه الباراقليط، بل واستخدامهم الكثيف له.

والخلاصة هي أن مونتانوس وأتباعه، المونتانيين، أو الفريجيين، آمنوا بكل أسفار العهد الجديد، ولكن وبسبب استخدامهم الكثير للإنجيل للقديس يوحنا، وخاصة في حديثه عن الباراقليط، فقد رفض أحد الذين هاجمهم وفند هرطقتهم الإنجيل نفسه، ورفض آخر سفر الرؤيا بسبب آياتها التي تتحدث عن الملك الألفي، ورفض آخر نسبة الرسالة إلى العبرانيين للقديس بولس.

وعلى أية حال ما يعنينا هنا بالدرجة الأولى هو أن المونتانيين، برغم كل هرطقتهم فقد قبلوا، في القرن الثاني الميلادي، كل أسفار العهد الجديد السبعة وعشرين كأسفار قانونية وموحى بها، متفقين في ذلك مع الكنيسة الجامعة الرسولية الأرثوذكسية.

مما سبق يتضح ويتأكد لنا أن الإنجيل بأوجهه الأربعة بصفة خاصة، ورسائل بولس الرسول وبقية أسفار العهد الجديد بصفة عامة، كانت منتشرة ومعروفة فى كل البلاد التى انتشرت فيها المسيحية وكان جميع المؤمنين يؤمنون بأنها كلمة الله الموحى بها والتى استلموها من الرسل شهود العيان ورجال الروح القدس، وأنها أسفار مقدسة ومكتوبة بواسطة الرسل أنفسهم والذين كتبوا مسوقين ومحمولين بالروح القدس، وكانت تقرأ في جميع الكنائس.

كما كانت منتشرة بأعداد كبيرة فى كل البلاد التي انتشرت فيها المسيحية وفى وسط أناس حفظوها شفوياً قبل أن يستلموها مكتوبة، وكان الرسل، في حياتهم، خير ضمان لوحيها والحفاظ عليها ثم صار تلاميذهم، الآباء الرسوليون، والذين صاروا قادة للكنيسة من بعدهم، خير ضامن أيضاً لوحي هذه الأسفار، الإنجيل، وللحفاظ عليها، باعتبارهم هم أيضاً شهود عيان وأول من استلم منهم الإنجيل شفاهة ومكتوباً.

وكان القديس يوحنا الرسول والذى عاش إلى نهاية القرن الأول الميلادى خير شاهد وضامن لوحى الإنجيل وبقية أسفار العهد الجديد. كما كانت جميع النسخ الأصلية أو النسخ المنقولة عنها مباشرة موجودة في جميع الكنائس الرسولية الرئيسية في بداية القرن الثالث الميلادي ولا نعرف إلى متى ظلت موجودة بعد ذلك، فربما تكون قد بقيت موجودة بعد ذلك بمئات السنين.

 

[1] ” لأَنَّهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لاَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلاَ الْغُرْلَةُ، بَلِ الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ (غل5:6)، ” لأَنَّهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لَيْسَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلاَ الْغُرْلَةُ، بَلِ الْخَلِيقَةُ الْجَدِيدَةُ ” (غل6:15)، ” فَلاَ يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فِي أَكْل أَوْ شُرْبٍ، أَوْ مِنْ جِهَةِ عِيدٍ أَوْ هِلاَل أَوْ سَبْتٍ، الَّتِي هِيَ ظِلُّ الأُمُورِ الْعَتِيدَةِ، وَأَمَّا الْجَسَدُ فَلِلْمَسِيحِ ” (كو2 16 و17).

[2] أنظر كتابنا ” إنجيل برنابا هل هو الإنجيل الصحيح ” ف 6.

[3] خرجت الابيونية بعد خراب الهيكل ودمار أورشليم سنة 70م من جماعة تدعى اليهود المتنصرين، ودعاهم العلامة هيبوليتوس بالمسيحيين اليهود، لتمسكهم بالعادات والتقاليد اليهودية والناموس وحفظهم للسبت. وقد دعاهم رجال الكنيسة

بالابيونيين من كلمة ابيون العبرية وجمعها ابيونيم والتي تعني الفقراء لفقر تعاليمهم وحقارتها. يقول عنهم المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري ” وقد كان الأقدمون محقين إذ دعوهم ” ابيونيين ” لأنهم اعتقدوا في المسيح اعتقادات فقيرة ووضيعة ” (يوسابيوس ك 3 ف 27). وبرغم قلة عددهم فقد كان كل فريق منهم يرى في شخص المسيح غير ما يراه الآخرون؛ ” وقال بعضهم؛ أن يسوع لم يولد من عذراء وإنما ولد ولادة طبيعية من يوسف ومريم، وقد تبرر فقط بسبب فضيلته السامية “.

وقال بعض آخر بولادته من عذراء ” وبخلافهم كان هناك قوم آخرون بنفس الاسم، ولكنهم تجنبوا الآراء السخيفة التي أعتقدها السابقون، ولم ينكروا أن الرب وُلد من عذراء ومن الروح القدس.

ولكنهم مع ذلك رفضوا الاعتراف أنه كان كائنا من قبل لأنه هو الله، الكلمة ” (يوسابيوس ك3 ف 27). ويقول القديس إيريناؤس ” ولكن رأيهم فيما يختص بالرب مثيل بما قاله كيرنثوس وكربوكريتس؛ ” اللذان قالا أن المسيح الإله حل على يسوع في شكل حمامة ودخل فيه ” (Iren. Ag. Her.1:26). كما يزعمون أنه لم يولد من الآب إنما خلق كواحد من رؤساء الملائكة… وهو يحكم على الملائكة وكل مخلوقات القدير (N.T Apoc. Vol. 1 p, 158). فهو بالنسبة لهم إله ولكن بدرجة أقل من الآب!! فقد صار، من وجهة نظرهم، أعظم من الأنبياء والملائكة والكائن الثاني في الكون بعد الله!!

[4] مثل كيرنثوس وكربوكريتس (Cerinthus and Carpocrates) اللذان قالا أن المسيح الإله حل على يسوع في شكل حمامة ودخل فيه في المعمودية وتركه عند الصليب (أنظر Iren. Ag. Her.1:26).

[5] Irenaeus, Against Heresies, 3:11,8.

[6] Hippolytus, Refutation of Heresies,7:14.

[7] See Ire. Ag. Haer. 1:30

[8] See Refut. Haer.6:1 and Ire. Ag. Haer. 7:8, 14 and ANF vol. 5 pp. 106, 107

[9] كتب الهراطقة بعض الرسائل الابوكريفية ونسبوها للرسل، منها ثلاث رسائل نسبوها للقديس بولس إحداها ما اسموه بالرسالة إلى لاودكية. والتي تتكون من عشرين عدداً، وهي مجموعة متناثرة من عبارات مأخوذة من رسائل القديس بولس القانونية وقد نسجت في خيط واحد. ذكرت في المخطوطة الموراتورية (170م) ونصها لا يزال موجوداً.

[10] W.H.C. Frend, The Rise of Christianity, P. 213.

Catholic Encyclopedia, “Marcionites” (1911).

[11] Tertullian, Against Marcion 1.1.4.

[12] Cross & Livingstone, 870.

[13] Catholic Encyclopedia

[14] Catholic Encyclopedia, http://en.wikipedia.org/wiki/Marcion_of_Sinope#cite_note-6

[15] Epiphanius, Panarion, 43.1.

[16] Philip Schaff, History of the Christian Church, Vol. 2, 1910.

Bart D. Ehrman, in Lost Christianities, suggests that his seduction of a virgin was a metaphor for his corruption of the Christian Church, the Church being the virgin.

http://en.wikipedia.org/wiki/Marcion_of_Sinope#Life

[17] Ag. Marcion, I. 1; IV. 4.

[18] Irenaeus, Against Heresies, III. 3. 4.

[19] يؤمن هذا الفكر المأخوذ عن افلاطون بأنه كان يوجد في الكون الإله السامي، غير المرئي وغير المدرك، والمادة الموجودة في الكون ولكن في حالة فوضى ولا تكوّن، وهما أبديان، لا بداية لهما ولا نهاية، وأن الله قدوس وطاهر بشكل مطلق والمادة تمثل الشر والدنس، ونظراً لأن الإله السامي طاهر ولا يمكن أن يلمس المادة الدنسة لذا بثق (أخرج) من ذاته 365 أيون، أي كائن روحاني، بعدد أيام السنة الشمسية، وكل أيون بثق من ذاته 365 أيون.. وهلم جرا. وكان أقرب الايونات إلى الإله السامي أربعة هم؛ أوتوجينيس، أي ذاتي الجنس، ومونوجينيس، أي وحيد الجنس، وباربيلو، أي عقل الآب، وصوفيا، أي الحكمة.

واعتقدوا أن هذه الايونات مكتملة الجنس بمعنى أنها مكتملة الذكورة والأنوثة في ذاتها، ومن ثم فقد حبلت صوفيا ذاتيا وولدت كائن اسموه بالديميورج أو يلدابوس ومعناه الصانع أو الحرفي وليس الخالق، والذي كان يجهل وجود الإله السامي ولا يعرف عنه أي شيء من ثم تصور أنه هو نفسه إله الكون! فصنع الكون ونظم المادة ولما أراد أن يخلق الإنسان صنع الاجساد وعجز عن خلق الأرواح لأنه ليس خالق، فاخذ الايونات المنبثقة من بعضها البعض والمنبثقة أصلا من الإله السامي ووضعها في الأجساد لتحيا، فجعلها سجينة الأجساد المخلوقة من المادة الشريرة بعد أن كانت حرة طليقة!

ومن هنا احتاج الإنسان للخلاص، خلاص روحه من جسده، وآمنوا أن الخلاص لابد أن يكون بالمعرفة، أي يعرف البشر أنهم أرواح أو شرارات من الإله السامي ويجب أن تعود كما كانت وإن الإله الحقيقي هو الإله السامي، غير المرئي وغير المدرك، وأن الديميورج هو إله شرير لأنه أدعى أنه إله الكون ولأنه سجن الايونات المنبثقة من الإله السامي في الاجساد المخلوقة من المادة الشريرة.

ولما جاء المسيح اعتقدوا أنه جاء من عقل الآب، الإله السامي، في شبه جسد وظهر في هيئة وشكل وشبه الإنسان لكن لم يتخذ جسدا من العذراء بل نزل من السماء إلى الأرض مباشرة ودون أن يولد من العذراء.

[20] والذي يعني اسمه الحرفي (craftsman)، أي الصانع لأنه لم يكن إلهاً خالقاً.

[21] Justin Martyr, Apology 1: 58.

[22] Antithesis من اليونانية ἀντί ” وتعني ضد و ” θέσις ” أي ترتيب أو موضع، وتعني الكلمة كاملة مضاد أو متضاد.

[23] وعلى سبيل المثال فقد قال: كانت شريعة موسى هي شريعة ” العين بالعين ” (تث19:21)، والتي تركها المسيح (مت5:39)، وجعل، إله العهد القديم، الدببة تأكل الأطفال الذين دعا عليهم أليشع النبي (2مل2:23و24)، وعلى العكس فقد قال المسيح: ” دعوا الأولاد يأتون إلى ” (لو18:16)، وأوقف إله العهد القديم الشمس ليشوع ليواصل ذبح أعدائه (يش10:13)، وعلى العكس اقتبس بولس الرسول وصية المسيح القائلة: ” لا تغرب الشمس على غيظكم ” (أف4:26)، وسمح العهد القديم بتعدد الزوجات والطلاق وهذا غير مسموح به في تعاليم المسيح (مت5:31).

[24] K.S. Latourette, A History Of Christianity, P. 125.

[25] Ag.. Haer. I.27.1; III.4.3

[26] Ag. Marc. I.2, 22; III.21; IV.17.

[27] Refut. 10,15.

[28] يوسابيوس ك 4: 11.

[29] Tertullian, Ag. Marc. 4,2.

[30] أنظر كتابنا ” أبوكريفا العهد الجديد كيف كتبت؟ ولماذا رفضتها الكنيسة؟ ” الجز الثاني تحت الطبع.

[31] Bruce, Canon135, 138.

[32] Ag. Haer. I.27.2.

 

[33] (2:6-9أ؛ 3: 1-12، 14أ، 15-25؛4: 27-30).

[34] F.F. Bruce, The Canon Of Scripture. PP. 138-139.

[35] أو الإنجيل بحسب متى ” Euangelion Kata Matheon – Ευαγγέλιον κατα Μαθθαιον “.

[36] أو الإنجيل بحسب مرقس “Euangelion Kata Markon – Ευαγγέλιον Κατά Μάρκον “.

[37] أو الإنجيل بحسب لوقا ” Euangelion Kata Lokan – ΕυαγγέλιοvΚατά Λουκάν “.

[38] أو الإنجيل بحسب يوحنا ” Euangelion Kata Iwannin – ΕυαγγέλιοvΚατά Λουκάν “.

[39] F.F. Bruce, The Spreading Flame. P. 252.

[40] F.F. Bruce, The Canon Of Scriptures, P. 144.

[41] Latourette, PP. 135-136.

” بالحقيقة نؤمن بإله واحد الله الأب ضابط الكل خالق السماوات والأرض ما يرى وما لا يرى “. وأن الرب يسوع المسيح قد تجسد وولد بصورة طبيعية، بدون زرع بشر؛ من العذراء القديسة مريم ومن الروح القدس، أتخذ جسداً حقيقياً، وأنه سيعود ثانية ليدين الأحياء والأموات. وليس كما قال ماركيون أن الله كلي الحب لا يدين، بل الديميورج، إله اليهود، هو الذي يدين. 

[42] Latourette, 126: Frend, Rise 214.

[43] Johnson, 47. Walker, 126.

[44] دفاع 1:26.

[45] See Ire. Ag. Haer. 1:1 أعتقد بوجود سلسلة من الآلهة.

[46] Bentley Laytonm, The Gnostic Scriptures, p. 217.

[47] Ire. Ag. Haer. 3,4,3.

[48] وهذا ما يؤكد أيضاً المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري (ك 4 ف 11.1,3).

[49] The Panarion of Epiphanius of Salamis, 31,7 to 12.

[50] J. Quasten, Patrology, v. 1, p. 260.

[51] J. Quasten Patrology, v. 1, p. 261.

[52] Tertullian, Adversus Valentinianos, iv.

[53] Tertullian, Adversus Valentinianos, iv.

[54] 1و2 تيموثاوس وتيطس.

[55] F.F. Brauce, P. 147.

[56] Ire.Ag Haer. 3.11.9.

[57] F. F. Brauce, The Canon Of Scriptures, pp. 146-148.

[58] Stromata, V.6.

[59] وقد انتشرت بدعة مونتانوس في الغرب فوصلت إلى ليون (فرنسا) وروما وقرطاجة في شمال أفريقيا، وحوالي سنة 206م أنضم إليهم ترتليان سنة وصار مدافعاً متحمساً عنها، وقد أسّس جماعة منشقّة.

[60] الثالوث 3 – 41.

[61] لوبرت بايكر، موجز التاريخ الكنسي21.

[62] متفرقات 4: 13

[63] يوسابيوس ك 5 ف 16: 7 و 8 و13.

[64] Panarion, IV. 4,2.

[65] Panarion, IV. 3,11.

[66] Tabbernee, William, Prophets and Gravestones: An Imaginative History of Montanists and Other Early Christians, P. 89.

[67] Tabbernee, pp. 37, 40–41 notes 6–8.

[68] In Epiphanius of Salamis’ Medicine-Chest (Panarion), 48:11.

[69] In Didymus The Blind’s On The Trinity, 3:41.

[70] Panarion, 48:10.

[71] In Michael the Syrian’s Chronicle, 9:33.

[72] Panarion, 48:2.

[73] يوسابيوس ك 5 ف 18:

[74] Panarion, 48:13.

[75] Tertullian’s Exhortation To Chastity, 10.

[76] Panarion, 49:1.

[77] يوسابيوس ك 5 ف 16:9و10.

[78] Encyclopedia Britannica and Metzger.

[79] يوسابيوس ك 5 ف 28؛ ك 6 ف 20:3.

[80] B. M. Metzger, P. 102.

[81] Tabbernee, PP. 31–32.

[82] Tabbernee, P. 25.

[83] Tabbernee, PP. 21–23.

[84] يوسابيوس ك 5 ف 18:5.

[85] يوسابيوس ك 2 ف 20:6؛ حيث يقول: ” يؤيدها كابوس، أحد أعضاء الكنيسة الذي قام في عهد زفيرينوس أسقف روما. فأنه في مساجلة مع بروكلوس، مبتدع الهرطقة الفريجية، يذكر ما يأتي عن المواضه المقدسة التي أودعت فيها جثتا الرسولين السابق ذكرهما (بطرس وبولس).

[86] يوسابيوس ك 6 ف 16:10-13.

[87] القس حنا جرجس الخضري، تاريخ الفكر المسيحي ص517.

[88] Panarion, IV. 1,1- 4.

[89] B. M. Metzger, P. 105.

قادة الهراطقة ونظرتهم للأسفار القانونية والعهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

هل يمكننا أن نثق في الإنجيل؟ هل الإنجيل صادق؟ – اشرف ناجح

هل يمكننا أن نثق في الإنجيل؟ هل الإنجيل صادق؟

هل يمكننا أن نثق في الإنجيل؟ هل الإنجيل صادق؟

هل يمكننا أن نثق في الإنجيل؟ هل الإنجيل صادق؟

الدليل التراكمي لدقة وموثوقية الأناجيل

ترجمة أشرف ناجح

موقفنا بالنسبة للإعتماد على روايات شهود العيان لإناجيل العهد الجديد يعتمد على صدق الكتاب والثقة فيهم.

    عادة ما يتم تقييم “شهادة” شهود العيان في المحاكمات الجنائية عن طريق طرح أربعة أسئلة حاسمة:

  • هل كان شهود العيان حاضرين حقاً وقت وقوع الجريمة ؟
  • هل يمكن تعزيز شهادة الشهود بطريقة ما ؟
  • هل الشهود لديهم محاباة أو تحيز مما يجعلهم يكذبون او يبالغون أو يسيئوا تفسير ما قد رأوه ؟

فنحن أيضاً يمكننا ان ندرس الأناجيل وكتابها من خلال طرح أسئلة مماثلة.

هل الكتاب المقدس صادق؟ 

نعم الكتاب المقدس صادق لأنه:

  • الأناجيل، كتبت فى وقت مبكر
  • انه من الصعوبة الشديدة ان تقول كذبة متقنة فى نفس الجيل وبين أولئك الذىن شاهدوا الحقيقة.
  • كتبت الأناجيل في وقت مبكر بما فيه الكفاية ليتم فحصها من قبل أولئك الذين ما زالوا على قيد الحياة، أولئك الذين يكونون على علم أفضل بما حدث “ومنهم اليهود الذين رفضوا.
  • خلاص المسيح وغيرهم من الأمم والوثنيين”.
  • المعلومات الناقصة “الغير مذكورة” فى سفر أعمال الرسل – على سبيل المثال – دمار الهيكل، حصار أورشليم، موت بطرس، بولس ويهوذا “تدل على صدق الاناجيل فالكتاب يكتبون ما عاصروه فعلا من احداث لأن الكتاب هم شهود عيان لما يكتبون بينما الاحداث الأخرى لم تحدث فى حياتهم مما يدل على ان من يكتب قد شاهد بالفعل تلك الأحداث”.
  • الدليل التراكمى ” هو افضل مفسر بأن سفر الأعمال كتب قبل سنه 61 ميلاديا. ولوقا، كتب إنجيله قبل سفر أعمال الرسل.
  • إشارة بولس للوقا ” لوقا 10 : 6-7 ” “تيموثاوس الاولى 5 : 17 – 18 ” كتب فى 63 الى 64 ولوقا 22 : 19 – 20 مع كورنثوس الاولى 11 : 23 – 26 والذى كتب ما بين 53 – 57 بعد الميلاد، هى أكبر توضيح بأن إنجيل لوقا كان فى الفترة من 53 إلى 57 بعد الميلاد.
  • إشارة لوقا في إنجيله بأنه “محافظ على النظام” في لوقا 1: 3 (بالمقارنة مع وصف الأسقف بابياس من القرن الأول ( ومراجع لوقا المتكررة من إنجيل مرقص أفضل تفسير بأن إنجيل مرقس قبل إنجيل لوقا من 45-50 بعد الميلاد “و يؤكد على شهادة المؤرخين بصدق كتاب الأناجيل”
  • الأناجيل قد تثبتت “بشهادة المسيحيين واليهود المقاومين والمؤرخين المعاصرين”
  • إعتبار وقيمة الإنجيل الذى يعود إلى القرن الأول، أفضل “تأييدا وتوثيقا وتثبتاً ” من أى قيمة تاريخية قديمة أخرى.
  • يؤكد علم الأثار صحة العديد من الأشخاص والأماكن والأحداث التى وصفت فى الأناجيل.
  • القصص اليهودية واليونانية والوثنية، تؤكد وتعزز فكرة وجود يسوع وحياته وموته وقيامته.
  • كتاب الأناجيل، بشكل صحيح يقدمون التعريف والتوضيح لبعض الاماكن الجغرافية بملامحها وخصائصها وكذلك المدن التى فى المنطقة المرتبطة بالأحداث.
  • تكرار إشارة مرقص والتآلف مع بطرس يؤكد وصف بابياس بأن مرقص هو أصل الكتابة “و يؤكد على التوافق بين الكتاب والهارمونى فلا يوجد افكار او تعاليم متعارضة او متناقضة”
  • كتاب الأناجيل، يؤيدون بعضهم البعض بشكل غير مقصود وبتفاصيل التفاصيل الغامضة بين ما يكتبون.
  • لقد تم تسليم الأناجيل “من جيل الى جيل” بكل دقة.
  • لقد تم إحترام الأناجيل والتعامل معها ككتب مقدسة من الاوقات الاولى “للمسيحية”.و نستطيع ان نختبر المحتوى ودقة النقل والتسليم.
  • العهد الجديد “سلسلة من الرعاية والأهتمام من الله لكنيسته ” يمكن إعادة بنائها من كتاب الأناجيل “من خلال تلاميذهم اللاحقين من أجل تأكيد المحتوى الأصلى للوثائق “الأناجيل”
  • الكثير من الأناجيل والملامح الهامة “لشخصية” يسوع، نستطيع أن نؤكدها من كتابات آباء الكنيسة.
  • عدد كبير من النسخ القديمة من الأناجيل يمكن مقارنتها مع بعضها البعض لتحديد وإزالة الإضافات المتأخرة وإزالة كل ما هو مقلد او غير اصيل داخل النص.
  • المسئولون الأوائل على النص “بالرعاية والأهتمام” يهتمون جدا لدقة النص بأن يكون “صحيح ومحدد” باعتباره وثيقة إلهيه موحى بها ومستحقة بالحفظ بعناية وحذر.
  • كتاب الاناجيل لم يكونوا مغرضين او متحيزين.
  • كتاب الأناجيل، الذين هم شهود عيان وقد تغيروا من هيئة لأخرى من خلال ملاحظتهم ليسوع الناصرى “فحياتهم قد تغيرت من الظلمة الى نور المسيح الحقيقى فجالوا مبشرين باسمه بكل محبة وسلام ولم يحملوا يوما سيفا او يحتلوا بلادا او يأذوا غيره بل تحملوا كل الالام من اجل محبتهم فى الملك الكسيح الذى غير حياتهم”
  • كتاب الأناجيل، كانوا يقدمون شهادتهم على أساس الملاحظة بنفسهم والرؤية العينية ولم يكونوا ابدا منحازين لى شيىء بشكل مسبق.
  • الدوافع الثلاثة التى تقود إلى التحيز والمحابة كانت غائبة فى حياة كتاب الأناجيل. لم يكونوا مدفوعين بمكاسب مادية أو بدوافع جنسية أو بدوافع من علاقات المنفعة أو من أجل البحث عن النفوذ والسلطة.. لقد ماتوا بدون ان يحصلوا على اى من هذه المميزات. “فكان كل هدفهم هو الكرازة بخلاص المسيح دون غرض آخر.
  • كانت شهادة الكتاب موثقة من خلال إرادتهم ان يموتوا من أجل ما شهدوا به واعلنوه. لا يوجد دليل أن ايا منهم قد تراجع عن شهادته التى أعلنها. “بل أن بطرس الرسول قال امام المجمع اليهودى العظيم وبدون خوف انه ينبغى ان يطاع الله أكثر من الناس”
  • كتاب الانجيل كانوا مع يسوع اثناء حياته وكتبوا شهادتهم مبكرا بما يكفى بان تكون محققة من حلال الذين يعرفون يسوع فى أجيالهم.
  • شهاداتهم يمكن إثباتها بما فيه الكفاية ولقد سلمت لنا بدقة عبر العصور “المختلفة”.
  • الكتاب، لم يكن لديهم دافع لأن يكذبوا تجاه شهادتهم، بل لقد ضحوا بحياتهم من أجلها ورفضوا بكل قوة ان يتراجعوا عن شهادتهم.

هل يمكننا أن نثق في الإنجيل؟ هل الإنجيل صادق؟

المرجع

Is the Bible True? The Cumulative Case for the Reliability of the Gospels Warner Wallace

الوثيقة Q وتأثيرها علي فهم المسيحية

الوثيقة Q وتأثيرها علي فهم المسيحية 

الوثيقة Q وتأثيرها علي فهم المسيحية

هذا المقال هو إستكمالا للمقالات السابقة:

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الصليب والقيامة في Q

سيبقى على الأرجح وجود مصادر الأناجيل وقيمتها مواضيع حية للنقاش في البحوث التي تتطرق للعهد الجديد. بعضهم يقبل بـ”ل”، حيث تجرى بحوث مؤخراً تستند إليه. وربما يبقي “م” مصدراً وحيداً لمتى. فمصدر إشارات يوحنا مقبول على نطاق واسع، إلا أن نطاقه موضع نزاع. كما أن “ق” مقبول كجزء من حل مشكلة الأناجيل السنوبتية، إلا أن الكثير من الجدل يخيم على أصله وتطوره وتفسيره.

على الرغم من الإجماع الذي يرافق “ق” ويرافق “ل” ويرافق مصدر الإشارات الخاص بيوحنا إلى درجة أقل بكثير، تبقى هذه المصادر افتراضية. فمهما كانت درجة الإجماع لا يمكن لها التوصل إلى اليقين في هذا الصدد، ويمكن للطبيعة الافتراضية لهذه المصادر أن تنقشع فقط عن طريق اكتشاف وثائق حقيقية أو مراجع موثوقة لها في وثائق أخرى غير مكتشفة، وهذا أمر غير مرجح. وعلاوة على ذلك، قد تكون هذه المصادر ناقصة. فنحن نعرفها فقط لأن الأناجيل استخدمتها، ولا نعرف فيما لو كانوا قد استخدموها بالكامل.

ولا يمكننا إعادة بناء الصياغة الدقيقة لنصل لدرجة اليقين، ولا نستطيع التأكد من ترتيبهم الداخلي الصحيح. فينبغي دائماً إبقاء الطبيعية الافتراضية لهذه المصادر المعاد بناؤها نصب أعيننا. ولنأخذ مثالاً صغيراً، في رأيي ينبغي الاستشهاد بفقرات “ق” بصيغة: لوقا (فصل كذا، آية كذا)، أو لوقا (فصل كذا، آية كذا) “ق”، وليس بصيغة: “ق” (فصل كذا، آية كذا).

كما ينبغي على البحوث أيضاً الترجيب بالأصوات المعارضة التي تتحدى وجود هذه المصادر، والطريقة التي أعاد بها النقاد بناء هذه المصادر، واستخدام البحوث التي تجرى على العهد الجديد لتلك المصادر. كما ينبغي على نقاد المصادر توخي الحذر في أعمالهم.

وعلى الرغم من تطبيق أي عملية نقدية على مصادر الأناجيل بعناية، إلا أن ذلك يبقي محاولة ضرورية وغالباً ما تكون مثمرة. قد يرفض الرافضون ذلك تماماً معتبرين ذلك مشروعاً افتراضياً بطبيعته، لكن من الناحية الثانية، تبقى أي نظرية مصممة لتفسير المشكلة المتعلقة بالأناجيل السينوبتية نظرية افتراضية، حيث ينشأ نقد المصادر إلى حد كبير من النص نفسه وهو محاولة لإيجاد حل لألغازه. كما أن المقترحات الراديكالية هي موضع ترحيب باعتبارها جزءاً من النقاش الدائر حول أصول المسيحية.

وطالما أن الفرضيات تخضع لعمليات اختبار، وأن الأمر الافتراضية يتم مقارنتها مع ما هو معروف نسبياً أنه يتحلى بمزيد من اليقين، فبصورة عامة ينبغي المضي قدماً في المناقشة.

ما يزال يشكل البحث في “ل” وفي مصدر إشارات يوحنا ثقلاً مقابلاً لكن أقل قيمة بالنسبة للبحث الذي يجرى على “ق”. وكما رأينا، يتمتع “ل” بنفس قدر إدعاء “ق” أو أكثر بأنه يحتفظ بتقاليد يسوع الأصلية. بشكله السردي، وألقابه المسيحانية، ومعجزاته، يقدم مصدر إشارات يوحنا الطباق اللازم لـ”ق”.

ففي كثير من الأحيان يميل هؤلاء الذين يعززون قيمة “ق” إلى إغفال مصادر الإنجيل الأخرى ويلمحون إلى أن “ق” هو الذي يمثل المجتمع الفلسطيني الأول، لكن لن تتضح المساهمات النسبية لجميع المصادر إلا عند اتخاذ رؤية شاملة لمصادر الأناجيل.

ماذا حدث لهذه المصادر التي لم تعد موجودة؟ من الواضح أنها، وبغض النظر عن كونها استخدمت في الأناجيل، اختفت دون أن تترك أي أثر. فلم ينجُ أي دليل مكتوب، ولم يذكر أي كاتب مسيحي قديم تلك المصادر.

كما لا يعتبر هذا الصمت في حد ذاته بالضرورة دليلاً على أنها لم تكن موجودة، كما يدعي مايكل غولدر. إن التفسير الذي يُطرح عادة هو أنه عندما تناول كتاب الأناجيل تلك المصادر، أصبحت قديمة و”فقدت”. هذا معقول جداً، لكن المجتمعات التي استخدمتها ونسختها أيضاً اختفت على الأرجح في الكنائس التي استخدمت الأناجيل الكاملة.

أحياناً يكون هناك تمييز بين لاهوت المصادر وبين لاهوت الأناجيل حيث تم الحفاظ عليها. لكن هل استخدم كتّاب متى ومرقص ولوقا المصادر بصورة تتعارض تماماً مع آرائهم الشخصية؟ هذا بالكاد يكون ممكناً. ينبغي علينا أن نفترض على الأقل بعض التوافق في اللاهوت بين الأناجيل ومصادرها. فاعتماد متى وتكيفه مع مسيحية حكمة “ق” يوفر قضية بارزة في صميم الموضوع. فقد استخدم كتاب الأناجيل مصادرهم وجمعوها في بعض الأحيان مع مصادر أخرى ودائماً ما كانوا يجمعون معها مساهماتهم الإنشائية الخاصة بهم.

لقد وضع “ق” في سياق أوسع، بإطار سردي لتعاليم يسوع المأخوذة إلى حد كبير من مرقص وبسرد عن الآلام والقيامة في النهاية. كما قام لوقا بدمج مصدره “ل” أيضاً، جاعلاً إياه يتفق مع أفكاره الدينية عموماً. وقد استخدم كاتب الإنجيل الرابع مصدر الإشارات في جزء كبير من النصف الأول لعمله، مؤكداً ومصححاً لرؤيته للإشارات أثناء كتابته.

وهكذا، قد يكون كتّاب الأناجيل نظروا إلى مصادرهم على أنها تقاليد صحيحة عن يسوع، إلا أنها تحتاج إلى الإضافة والصحيح. وقد يكون هذا جزءاً مما يعنيه لوقا عندما قال إنه تتبع “كل شيء” من الأول بتدقيق (لوقا 3:1). بطريقة أو بأخرى، واصلت الكنيسة هذه العملية عن طريق إدراج أربعة أناجيب في العهد الجديد، وبذلك تبقى تتمتع بأربع وجهات نظر، حتى أن المسيحيين المتعلمين تمتعوا بتنوع أكثر، إذا أردنا التحدث وفق ما يقول نجع حمادي.

تتنوع صورة يسوع التي تنبثق من هذه المصادر. فـ”ل” يصور يسوع على أنه المعلم المخول من الله، حيث تدعم معجزاته زعمه. ومصدر إشارات يوحنا يصوره على أنه مسيح الله، حيث يجلب الإيمان به الحياة. أما “ق” فيصوره على أنه وكيل الله في الملكوت. وتنخفض مسيحانية هذه المصادر بالمقارنة مع المسيحانية الكاملة للأناجيل، لكن هذا أمر متوقع. فجميع المصادر تتحدث عن العلاقة بين تعاليم وأعمال يسوع وبين شخصه.

فكلهم يدعون أن يسوع هو رسول الله المخول، ويصرون على أن موقف الشخص تجاه رسالة يسوع وشخصه تحدد موقف هذا الشخص من الله. وبهذا المعنى، فهم لا يمثلون “حركات يسوع” وإنما يمثلون المسيحية. رؤية يسوع هذه مهمة عندما نفكر بالطريقة التي نظر فيها أولئك الذيم قرؤوا تلك المصادر إلى موت يسوع وقيامته.

فلو كانت تعاليم يسوع مهمة في “ق” فقط، ولو لم يكن يسوع هو “وسيط” لحكم الله، حينها لن تكون حياته وموته وقيامته ذات أهمية. لكن في حال كان شخصه وتعاليمه مرتبطين ببعضهما بعضاً، حينها سيكون الباب مفتوحاً أمام هذه الوثائق ومجتمعاتها للانضمام إلى الأناجيل المتطورة والكاملة وكنائسها التي صنعت هذا الارتباط.

أخيراً، هل ينبغي لنا أن نعيد بناء المسيحية الحديثة على أساس مصادر تعود لحقبة ما قبل الفترة الكنسية؟ هل ينبغي، على سبيل المثال، إدخال “ق” إلى القانون الكنسي للعهد الجديد؟ لقد أصر روبرت فنك على برنامج كهذا.

إن هذا الأمر يعد إلى حد كبير مسألة لاهوتية، حيث لا يمكن للدراسة التاريخية إلا أن تقدم إجابة جزئية فقط. ومع ذلك ونظراً لأن طبيعة المعتقد المسيحي يستند إلى التاريخ، تعتبر هذه القضية قضية مهمة، وينبغي أخذ المحاذير الأربعة التالية بعين الاعتبار.

أولاً، ما هو التفسير الذي ينبغي على المسيحية الاستناد إله من بين هذه التفاسير الكثيرة لـ”ق”؟

ثانياً، إذا تم “إعادة النظر” في المسيحية على أساس “ق” فإن ذلك يعني تجاهل المصادر الأخرى التي جاءت قبل الفترة الكنسية التي تقدم أيضاً رؤية مبكرة ليسوع.

ثالثاً، إذا تم تغيير المسيحية على أساس البحث التاريخي فقط فذلك يعني تجاهل قيود المعرفة التاريخية. إن كانت عمليات البحث غير قادرة على اكتشاف متى ومن هو الذي أطلق المصطلح “ق” في القرن التاسع عشر بصورة أكيدة، وبالضبط ما الذي يعنيه هذا المصطلح بالنسبة لأولئك الذين استخدموه لأول مرة، كيف يمكن لعمليات البحث إعادة بناء وثيقة “ق” التي تعود للقرن الأول بدرجة من اليقين حيث سيخاطر الناس بحياتهم هذه وحياتهم الثانية بناءً عليها؟

رابعاً، ينبغي على المرء، عند التفكير ملياً في احتمالية إعادة بناء أصول المسيحية، النظر في الاستبعاد المتزايد لتلك الاحتمالات التي ترتكز على فرضيات متتالية ومتعددة.

وتنص نظرية الاحتمالات على أن احتمالية التوصل إلى نتيجة تتم عن طريق مضاعفة احتمالات كل حلقة في السلسلة التي تفضي إلى الاستنتاج. في هذه الحالة ترتكز نتيجة أن المجتمع الأول لـ”ق” يمثل أفضل نموذج للمسيحية على خمس افتراضات على التوالي:

1-أولوية مرقص.

2-وجود “ق”.

3-إعادة بناء صياغة “ق”.

4-التصنيف الطبقي الصحيح لـ”ق”.

5-الحكم النسبي بأن نسخة “ق” الأولى هي النسخة الأكثر تمثيلاً لتعاليم يسوع بالمقارنة مع غيرها من المؤلفات المسيحية الأولى.

ولمواصلة المسير نحو (5) في الوقت الذي يقبل فيه علماء العهد الجديد بـ(1) و(2)، يجب جعل هذا الموقف أكثر غموضاً والتباساً وبصورة متسارعة. وهذا لا يعني أنه لا يمكن أو لا ينبغي القيام بذلك، بل يعني أنه ينبغي على هؤلاء الذين يواصلون المسير نحو (3) و(4) و(5) الاعتراف بالضعف المتزايد لمواقفهم. وسينشغل مستقبل دراسات “ق” بكل الاحتمالات بمسألة أهمية “ق” القديمة والحديثة.

الوثيقة Q وتأثيرها علي فهم المسيحية

لاهوت المسيح، كيف يمكن إستعمال المنديل لإثباته لشهود يهوه؟

لاهوت المسيح، كيف يمكن إستعمال المنديل لإثباته لشهود يهوه؟

كيف يمكنك ان تستعمل المنديل لاثبات لاهوت المسيح لشهود يهوه وغير

المؤمنين – حجة كريج كويل

كيف يمكنك ان تستعمل المنديل لاثبات لاهوت المسيح لشهود يهوه وغير المؤمنين. حجة كريج كويل 

المنديل  واثبات لاهوت المسيح استعمل كريج الاسلوب الابائي المستخدم في القرون الاولي في هذه المقالة باسلوب حديث ووسيلة ايضاح المقاله ممتعه.

يقول Justin Taylor  منذ سنوات قد قرأت لكريج كويل توضيح بسيط لكنه فعال ومؤثر في كيفية استعمال المنديل والقلم وايات الكتاب لكشف حقيقة تعاليم شهود يهوه ومعلميهم .(حتي من خلال ترجمتهم الخاصة ).ولكشف اعلان لاهوت المسيح لهم ولغيرهم..

لقد اسس جريك كويل خدمة Stand to Reason وهو يعتبر احد الكتاب الذين يكتبون بمنطق للمؤمنين وغير المؤمنين.وسنطرح شرحه الاتي علي امل ان يكون مفيد للجميع .

ان تثبت الثالوث في الكتاب المقدس ليس مهمة صعبة .فقط يحتاج المرء ان يعرف فقط ما هو الثالوث بدقة .ثم يتتبع الايات في الكتاب المقدس من خلال تعريف الثالوث.ولا يهمنا ان كانت الكلمة كمصطلح “الثالوث ” توجد ام لا بل ما يهمنا هو العقيدة التي تم تعليمها من خلال المفهوم الذي سنوضحة عن تعريف الثالوث في السياق الكتابي.

تعريف الثالوث واضح وصريح :هو ان الله واحد. ذو ثلاثة أقانيم : الآب والإبن والروح القدس ،متميزين لكن غير منفصلين .ببساطة شديده.

كيفية اثبات الثالوث ؟ How to Prove the Trinity

ان كنت تريد ان تشرح لاحد الثالوث .فقط ما عليك ان تقوم به ان تشرح له ثلاثة حقائق محدده في الكتاب المقدس ,ان الله واحد ,الآب والابن والروح القدس كاقانيم متميزين .انهم واحد في الجوهر ولكل اقنوم عمل .

اول بند ان الله واحد هذا لا يوجد نزاع عليه فجميع من يحملون الكتاب يعرفون هذا خصوصاً الاعتراف الشهير في التثنية 6 : 1 اسمع يا اسرائيل ! الرب الهنا رب واحد ! “

البند الثاني الآب والابن والروح القدس كاقانيم متميزه.ببساطة شديده فاذا كانو غير متميزين لماذا يوجد آب وابن وروح قدس؟وقد ظهرت هرطقة تسمي بدعة الموداليزم Modalism أو مؤلمي الآب Patripassion الذين يقولون أن الله أقنوم واحد فقط وليس ثلاثة أقانيم، لكن يأخذ وسائط مختلفة في اوقات مختلفة فاحياناً يسمي الآب واحياناً يسمي الابن.ولتوضيح هذا الامر من اتباع هذه الهرطقة يقولون ان الرجل يمكن ان يكون أباً لابنه .وفي وضع اخر هو زوج لزوجته واخ لاخوه .وهذا افضل مثل لفهم هذه البدعة التي من القرن الثاني.والتي تخالف الفهم المستقيم الارثوزكسي للثالوث في سياق الكتاب المقدس والسياق الفهمي لعشرات النصوص.ففي هذا الرأي نجد انهم ساوي بين الآب والابن تماماً وانه لا يوجد اي تميز حقيقي بين الاقانيم سوي الفرق اللغوي .وهذا ما يخالف الكتاب المقدس في العديد من النصوص بشكل صارخ.

البند الثالث:-كون الاقانيم الثلاثة متميزين وغير منفصلين .ونحن نؤمن بجوهر الهي واحد.وهذا الامر قد تم نفيه من قبل الأريوسيين وامثال شهود يهوه.ففي خلال فكرهم المسيح والآب متمييزين لكنهم  لا يتشاركون السمة الاساسية كلاهوت ,فالآب وحده هو الله, والكلمة هو كائن أقل وأدنى من الله– كأداة لخلق العالم.وهذا ايضاً ما يخالف المفهوم الكتابي السليم وسيتم توضيح هذا .

البرهان الغير قابل للدحض The Irrefutable Argument

الهدف من هذا البرهان هو الرد علي التحدي الاريوسي بدليل كتابي محكم للاهوت يسوع المسيح .ويمكنك استخدام هذه التقنية التي ساتحدث عنها عندما يطرق بابك شخص من شهود يهوه او منكر للاهوت المسيح .ويجب ان تكون هذه الحجة حاضره في ذهنك لرسمها في اي وقت علي منديل .فكل ما نحتاجة فقط ادله كتابية تدحض هذه الافكار السطحية .

معظم النقاشات مع شهود يهوه تركز في البداية علي ما جاء في يوحنا 1 : 1 .الذي هو مكتوب هكذا.

“في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله.”

“In the beginning was the Word, and the Word was with God, and the Word was God.”

لكن في ترجمة شهود يهوه ترجمة العالم الجديد الغير معروفة من اين تم الاعتماد علي شجره المخطوطات او غيره. تكتب الاية هكذا :-

“In the beginning the Word was, and the Word was with God, and the Word was a god.”

في البدء الكلمة كان , الكلمة كان عند الله وكان الكلمة الهاً .

وقد تم حسم الاية من المخطوطات والمفهوم اليوناني والقواعد من خلال علماء اللغة اليونانية ولم نعلم من اين اتي شهود يهوه بكلمة الهاً .لكن لا تضيعوا اوقاتكم في مناقشات هم لا يفهموها مثل اللغة اليونانية.

واذهبوا معهم للاية رقم 3

“All things came into being by Him [the Word], and apart from Him nothing came into being that has come into being.”

3 كل شيء به كان(أي بواسطة الكلمة )، وبغيره لم يكن شيء مما كان.

في ترجمة شهود يهوه تقريباً نجد ان الاية هي هي نفسها :-

    “All things came into existence through him, and apart from him not even one thing came into existence.”

“كل شئ اتي للوجود من خلاله ,وبغيره لم يكن اي شئ في حيز الوجود”

فان كان لديك زائر من هؤلاء اجعله يقرأ الاية بصوتاً عالي .ثم اجلب منديلاً او قطعة من الورق وارسم مربعاً كبيراً منقسماً الي مربعين بهذا الشكل :-..

ثم نكتب في الجانب الايمن سؤال عن من هو الغير موجود في حيز الزمن او الموجود”بمعني منذ الازل” ولكن لم يكن مخلوق؟

ونسأل الزائر وندون اجابته في الجانب الايمن اسفل السؤال :فاذا قال الله كانت اجابته صحيحة .فالله هو الوحيد الموجود لكنه غير مخلوق ولم يوجد في حيز الزمن .ونكتب اجابة الشخص .

ثم نكتب في الجانب الايسر سائلين الزائر عن كل ما هو موجود “في حيز الزمان .من يكون؟

.بالتاكيد سيجيب كل الاشياء المخلوقة . وندون اجابته

ولنرجع بالزائر علي الاية التي توجد في يوحنا 1 : 3 ان كل شئ به كان (من خلال اقنوم الكلمة ) ونسال الزائر هل يعي هذا .ونكتب ما جاء في نص يوحنا اسفل الجانب الايسر.

ثم نلخص الفكره للزائر اننا فعلنا مربع مقسم لفئتين وكتبنا في الاعلي كل ما هو موجود سواء في الزمن او خارج الزمن سواء ما هو مخلوق او ما هو غير مخلوق .

وكان اممنا خيارين ما هو موجود اي في نطاق الزمن وما هو غير موجود في نطاق الزمن ولا يوجد خيار ثالث .ووفقاً لمبدأ عدم التناقض لا يمكن ان يكون الشئ مخلوق وغير مخلوق .فبالتالي لا يجتمع الفئتان معاً بمعني اما ان يكون الشئ مخلوق او غير مخلوق .

وبالتالي اذا كنا نريد ان نصنف المسيح خذ من جيب الزائر عمله خاصة .

واخبر الزائر ان هذه العمله تمثل يسوع المسيح.واعطيه العمله واطلب منه ان يضع يسوع في الفئة التي ينتمي اليها .

بالطبع يمكن ان يضع الزائر العملة علي كل ما هو موجود في حيز الزمان .لان هذا هو فكر شهود يهوه المتماشي مع فكر اريوس في اوائل القرن الرابع .فالمسيح لديهم هو اول الخلق وتم به خلق كل شئ عن طريق يهوه.لكن بحسب نص يوحنا 1 : 3 لا يسمح اطلاقاً بهذا الخيار .فلننظر الي الصيغة بعناية.يوحنا يقول الاتي :

كل شئ به كان “من خلاله “وبغيره لم يكن شئ مما كان . وايضاً ترجمة شهود يهوه “كل شئ اتي للوجود من خلاله ,وبغيره لم يكن اي شئ في حيز الوجود”

نجد ان يوحنا يقول نفس الشئ بطريقتين مختلفتين ليدعونا للتركيز وايضا للوضوح.ان كل شئ جاء الي حيز الوجود الزمني تم من خلال الكلمة .فالكلمة هو المحدث لكل شئ .فهو الذي خلق كل شئ في حيز الوجود.اذاً الكلمة كان موجوداً قبل كل خلق كل شئ مخلوق .اذاً الكلمة ليس من ضمن الاشياء المخلوقة.ولا يمكن ان يكون مخلوقاً .

بعباره اخري ان كان الكلمة مخلوقاً في حيز الزمن والوجود.ثم كان الكلمة خالقاً ايضاً وموجد لجميع الاشياء .فهذا امر سخيف فهل خلق الكلمة نفسه وهو الخالق في حيز الوجود ؟لذلك لا يمكن ان يوضع الكلمة في المربع المسمي كل شئ في حيز الوجود اي حيز الزمن .

ملاحظة جانبية.ان كلمة dia في اليوناني تترجم “ب” في الجملة الاولي .ولكن ايضاً تترجم من خلال ولا يوجد اي فرق ما ان كان كل شئ تم خلقة من خلال الكلمة او بالكلمة .ومن خلال هذه النقطة عرفنا ان الكلمة موجود قبل خلق جميع الاشياء التي جاءت في الزمن. فلذلك لا يمكن وضع العملة علي اليمين .وقد يريد الزائر ان يضع الكلمة خارج الورقة ليهرب من هذا المأزق لكنه لا يستطيع فليس هناك اي مكان او خيار اخر لهذا الوضع الذي يفرضه النص .

فبالتحديد لا يمكن ان يوضع  الكلمة مع الاشياء المخلوقة بل ان يوضع كخالق غير مخلوق .فالمسيح هو الله المتجسد وهذه هي الخلاصة.

ترجمة مدونة ميمرا يهوه بتصرف

Gregory Koukl
President, Stand to Reason

المرجع

How to Use the Back of a Napkin to Prove to a Jehovah’s Witness That Jesus Is GodGregory Koukl

لاهوت المسيح، كيف يمكن إستعمال المنديل لإثباته لشهود يهوه؟

لاهوت المسيح، كيف يمكن إستعمال المنديل لإثباته لشهود يهوه؟

لاهوت المسيح، كيف يمكن إستعمال المنديل لإثباته لشهود يهوه؟

لاهوت المسيح، كيف يمكن إستعمال المنديل لإثباته لشهود يهوه؟

لاهوت المسيح، كيف يمكن إستعمال المنديل لإثباته لشهود يهوه؟

لاهوت المسيح، كيف يمكن إستعمال المنديل لإثباته لشهود يهوه؟

لاهوت المسيح، كيف يمكن إستعمال المنديل لإثباته لشهود يهوه؟

الصليب والقيامة في الوثيقة Q

الصليب والقيامة في الوثيقة Q

الصليب والقيامة في الوثيقة Q

ما هو مغزى موت يسوع وقيامته بالنسبة لوثيقة المصدر Q ومجتمعه الوثيقة Q؟ لأول وهلة، يبدو هذا السؤال دون معنى، لأن الوثيقة Q لا يورد أحداثا سردية عن الآلام أو القيامة، ولا يذكر أي شيء واضح عن هذه الأحداث. فقد قال معظم مفسري الوثيقة Q الأوائل: إنه ومجتمعه يفترضون وجود بعض العظات عن الصليب والقيامة، وقد كان هذا في السابق أمراً متفقاً عليه.

في الآونة الأخيرة، قال بعض مفسرو الوثيقة Q البارزين إنه نظراً لعدم تسجيل موت يسوع وقيامته في الوثيقة Q، لم يعرف مجتمع الوثيقة Q هذه الأحداث، أو لم يعتقدوا أنها ذات أهمية في حال كانت قد حدثت. فعلى سبيل المثال، كتب ستيفن جيه باترسون: “جنباً إلى جنب مع إنجيل توما، تخبرنا الوثيقة Q أنه لم يختر كل المسيحيين موت يسوع وقيامته كنقاط أساسية لتفكيرهم اللاهوتي.”

في حين يقر جون كلوبنبورغ: “إنه من غير المعقول أن نفترض أن هؤلاء الذين وضعوا الوثيقة Q لم يكونوا على علم بموت يسوع”. فقد فهموا موته بطريقة مختلفة مستمدين إياها من الممارسات الحكيمة وتاريخ سفر التثنية.

ومع ذلك، يقول إن تي رايت: “سيكون من الجيد الحفاظ على فرض قيود صارمة على أي من النظريات التي تعتمد على أهمية عدم إيراد الوثيقة Q لأي سرد عن الآلام، على سبيل المثال. السير في هذا النوع من الطرق هو بمثابة المشي مغمض العينين في متاهة من دون خريطة”. ولأن كان قد قيل مؤخراً ولاسيما من جانب إريك فرانكلين إن الوثيقة Q يحتوي على سرد للآلام يمكن اكتشافه من خلال الأمور المشابهة لسرد الآلام الوارد في متى ولوقا، إلا أنه يبقي من الصعب إظهار الأدلة، ناهيك عن إثباتها.

إن الرأي القائل بأن الوثيقة Q، تعكس شكلاً مبكراً لحركة يسوع التي لم تكترث بالصليب أو القيامة لهو رأي غير محتمل. فعلم الإيمان بالآخرة الوارد في الوثيقة Q يفترض موت يسوع وقيامته. وعلى الرغم من الجهود التي يبذلها بعض العلماء الاستبعاد جميع صور الإيمان بالآخرة من الطبقة / الطبقات الأولى في الوثيقة Q، وجهودهم الرامية لإفراغ مصطلحات مثل “ملكوت الله” من محتواها الآخروي.

إلا أن كل مرحلة من مراحل الوثيقة Q تحتوي على بعد آخروي هام، لاسيما أن الوثيقة Q تحتوي على إشارات محتملة لرفض يسوع وموته وعودته كابن الإنسان ليحكم العالم. فالأنبياء الذين يعودون إلى القدس يقتلون دائماً كما حدث مع يسوع. ومع ذلك، سينتصر يسوع بطريقة أو بأخرى على معارضة وشك أورشليم: “والحق أقول لكم: إنكم لا ترونني حتى يأتي وقت تقولون فيه: مبارك الآتي باسم الرب” (لوقا 34:13-35).

يتجلى افتراض موت يسوع بأبرز صوره في القول بأن على تلاميذه حمل صليبهم والذهاب وراءه (لوقا 27:14). ولا يمكن تفسير هذا على أنه صورة مجازية للاتباع الصعب دون الإشارة إلى ما حدث حقاً مع يسوع. ربما تأخذ الأقوال الكثيرة التي تتحدث عن اضطهاد أولئك الذين يتبعون يسوع ويبشرون برسالته في الحسبان موت يسوع. كذلك فإن أقوال ابن الإنسان تعرّف يسوع على أنه ابن الإنسان الذي سيأتي في النهاية ليحكم.

وحتى في حال قام أحد ما بتصنيف طبقات الوثيقة Q وأوكل الأقوال التي تتحدث عن المعاناة المراحل لاحقة، فإن هذا يدل على أن مجتمع الوثيقة Q نفسه أدرك أنه لا بد من استكمال مجموعة الأقوال الواردة في الوثيقة Q بفهم موت يسوع إلى حد ما. فأساس هذا هو الربط القوي الذي شكله الوثيقة Q بين شخص يسوع بين تعاليمه. لذلك وعلى الرغم من أن الوثيقة Q كما ذكرنا لا تحتوي على سرد يتحدث عن الآلام أو القيامة، وربما لم يحتوِ على ذلك أبداً، لا ينبغي أن يؤخذ هذا النقص على أنه يعني أن الوثيقة Q ومجتمعها قلل أو لم يقدر أهمية موت يسوع وقيامته، ناهيك عن أنهم لم يكونوا يجهلون ذلك.

كما أن الدليل الموجود بين أيدينا لا يسمح بمثل هذا الاستنتاج الواسع وربما يشير إلى الاتجاه المعاكس.

إقرأ أيضاً: الوثيقة Q المصدر:

يسوع وكيل مملكة الله

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

الصليب والقيامة في الوثيقة Q

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

 

لطالما لاحظ قراء الأناجيل أن متى ولوقا يتشابهان مع بعضهما البعض في طريقة عرضهما لتعاليم يسوع، وأن مرقص يفتقد إلى الكثير من هذه التعاليم. فهناك العديد من القصص والمواعظ وأقوال يسوع في متى ولوقا أكثر من تلك الموجودة في مرقص، والمادة التي يتشارك فيها كل من متى ولوقا قريبة جداً في الصياغة. فمنذ العصور القديمة، كان هذا الأمر يُفسر بالقول بأن متى كُتب أولاً (أولوية متى)، وأن مرقص ولوقا قاما باستخدام متى كمصدر لهما، موسعين فيه أو موجزين وفقاً لحاجاتهما.

أما اليوم، فيؤكد معظم العلماء على أن مرقص كُتب أولاً (أولوية مرقص.) وأن كلاً من متى ولوقا بالالتفات إلى مصدرين رئيسيين هما: مرقص والوثيقة Q([1]). إن نظرية العلاقات الأدبية بين الأناجيل السينوبتية معروفة ب: “فرضية المصدرين”.

يمكن تعريف وثيقة الوثيقة Q، بكل بساطة لكن بدقة، بأنه شبيه بجميع المواد المتطابقة والمشتركة بين متى ولوقا وغير موجودة في مرقص. إن وثيقة الوثيقة Q في جميع مصادر الأناجيل هو إلى حد بعيد أهم دراسة في العهد الجديد. فقد تم البحث فيه دون انقطاع لأكثر من مائة وخمسين سنة، وأصبح منذ حوالي عام 1970 نقطة محورية، ربما النقطة المحورية للدراسات التي تبحث في يسوع التاريخي. في حين أن وجود “م” و”ل”، ومصدر إشارات يوحنا غير مقبول من الناحية التماثلية، وتجمع الغالبية العظمى من العلماء على اعتناق فرضية الوثيقة Q.

في هذا الفصل سوف نقوم باختصار بذكر بدائل فرضية المصدرين مع فرضياتها للوثيقة Q، كما سنذكر بإيجاز محتويات وثيقة الوثيقة Q ووصف الدراسة الأخيرة له. ومن ثم سوف نركز على مسألتين هامتين بالنسبة لدراستنا: هل تصور وثيقة الوثيقة Q يسوع على أنه معلم يهودي كلبي؟ وما هي أهمية موت يسوع وقيامته بالنسبة لوثيقة الوثيقة Q ومجتمعها؟ فاهتمامنا الأساسي في البحث في وثيقة الوثيقة Q يركز على وضعه المفترض بأنه مصدر يسوع التاريخي، المصدر المستقل والسابق للأناجيل.

هل كانت وثيقة الوثيقة Q موجودة حقاً؟ حالما يتم القبول بأولوية مرقص، حينها يمكن تفسير المادة المشتركة في متى ولوقا بإحدى الطريقتين الرئيسيتين: إما أن الأول استخدم الآخر، أو أنهما استخدما مصدراً مشتركاً. بما أن متى ولوقا لم يستخدم أي منهما الآخر، يتضح ذلك لأسباب عدة. بادئ ذي بدء، كما لاحظنا أعلاه، يملك متى ولوقا على حد سواء قدراً كبيراً من المواد الخاصة بإنجيليهما. في حال استخدام أي منهما الآخر، فمنطقياً أن نتوقع وجود أقل القليل من المواد الخاصة بكل واحد منهما. ومن ثم أيضاً، لا يتفق متى ولوقا بالترتيب والصياغة بالمقارنة مع مرقص.

ففي حال استخدام أي منهما الآخر، فإننا نتوقع المزيد من الاتفاق في الترتيب والصياغة في متى ولوقا عندما يختلفان عن مرقص. أيضاً، إن المواد المشتركة بين متى ولوقا ومختلفة في مرقص واردة بترتيب مختلف في متى ولوقا، وعادةً ما يبدو شكل لوقا أقل تطوراً. فمتى يحتوي على مادة الأقوال في خمس أجزاء رئيسية (متى 5-7، 10، 13، 18، 23-25)، في حين أنها ترد في لوقا على نحو متساو تمامً (لوقا 3-9).

يصعب شرح هذا التباين في التوزيع في حال استخدام أي منهما الآخر. أضف إلى ذلك، أنه ما أن يتم عزل المادة التي لا تعود إلى مرقص التي يتشارك بها كل من متى ولوقا، حتى يظهر قدر كبير من التماسك الداخلي في الشكل والمضمون، أكثر بكثير من لك الوارد في “ل” و”م”. أخيراً، لقد أسكت اكتشاف إنجيل توما في عام 1945 أولئك الذين زعموا أنه لا يوجد تشابه في بداية ظهور المسيحية بالنسبة لمجموعة أقوال يسوع التي تفتقد إلى إطار سردي. نظراً لهذه الأسباب ولأسباب أخرى، توصلت الغالبية العظمى من العلماء إلى أن متى ولوقا استخدما على نحو مستقل مصدراً منفصلاً للمادة المشتركة التي لم ستمدها من مرقص.

وعلى الرغم من أن وثيقة الوثيقة Q تبدو وفق مصطلحات دوغلاس غولدر: “القوة الماحقة” في الدراسات الحديثة، فهناك ما لا يقل عن أربعة تفسيرات أخرى لأوجه الشبه في متى ولوقا بالمقارنة مع مرقص الذي ينكر وجود الوثيقة Q. التفسير الأول هو: “فرضية الإنجيلين”، التي اعتنقها بشجاعة وليام آر فارمر وزملاؤه، حيث تقول إنه تم كتابة متى أولاً، ومن ثم استخدم لوقا متى كمصدر رئيسي، وقام مرقص باختصارهما. التفسير الثاني هو فرضية المراحل المتعددة ل م ي بويسمارد، حيث تفترض هذه النظرية المعقدة للغاية أن أربعة من المصادر المكتوبة الخاصة بمتى ومرقص ولوقا والوثيقة Q كانت قد شكلت بداية منهج الإنجيل.

ومن ثم أصبحت اثنتان من هذه الوثائق: “مرقص الأوسط” و”متى الأوسط”، وفقاً للمصطلحات التي أطلقها عليهما بويسمارد. وبعد ذلك، خرج لوقا الأول بمادة الوثيقة Q وبمادة متى الأوسط. أخيراً، أثرت أجزاء من مرقص الأوسط بالأشكال الراهنة لمتي ولوقا، ويستخدم شكل مرقص الحالي لوقا الأول ومتى الأوسط. وتعود الفرضية الثالثة إلى دولاس غولدر الذي قال: إن لوقا استخدم إنجيل متى ودمجه بإنجيل مرقص، حيث يرى غولدر أن مادة لوقا الخاصة هي تطوير قام به لوقا لمتى، ويقول أيضاً في أن كلاً من مادة متى الخاصة وما يسميه الآخرون بالوثيقة Q هو تطوير قام به متى لمرقص.

ووفقاً لنظريته، فإن الوثيقة Q غير ضروري، لذا ينكر غولدر وجوده. ويقوم غولدر هنا بتوسيع أعمال أوستن فارير. أخيراً، حاول “بو ريك” شح التوافقات الموجودة بين الأناجيل السينوبتية، بما في ذلك ما يسميه الآخرون ب الوثيقة Q، على أنها عبارة عن خطوط متوازية ناشئة عن تقاليد شفوية وليست ناشئة عن وثائق مكتوبة. فلم يكن مؤلفو الأناجيل على اتصال مع بعضهم بعضاً أو مع مصادر أخرى مكتوبة مثل الوثيقة Q.

لقد رفضت أغلبية العلماء عن وجه حق هذه النظريات البديلة معتبرها غير كافية، حيث تعتمد اثنتان من الفرضيات، فرضيتا فارمر وغولدر، على أولوية متى. فاحتمالية كتابة متى أولاً أمر ممكن، لكن ليس بمقدر نظرية أولوية متى تقديم التفسير الكافي لسبب استخدام مرقص لمتى بهذا الشكل الغريب للغاية: توسيع بعض مواد متى بصورة كاملة، وفي نفس الوقت حذف أجزاء أخرى جذرياً، كحذف أكثر من نصف تعاليم يسوع الواردة في متى. كما لا تفسر نظرية أولوية متى سبب كون الكثير من مواد لوقا مواد خاصة، وأن هذه المادة التي تمثل تطوير لوقا لمتى بكل بساطة غير ذات مصداقية، نظراً لاختلاف المضمون والأمور التي تشدد عليها.

بالإضافة إلى ذلك، فقد طُبعت فرضية بويسمارد في أذهان العلماء على أنهما معقدة أكثر من اللازم، وتشكل انتهاكاً لمبداً أهل العلم القائل في أن التفسير الأبسط هو الأفضل. فقد توصل بحق معظم العلماء بشأن نظرية ريك إلى أنه لا يمكن للتطور الشفهي وحده لتقاليد يسوع تفسير درجة التشابه الحر في الكبير بين الأناجيل السينوبتية.

أما فيما يتعلق بالنتيجة الطبيعية لريك في أن مؤلفي الأناجيل لم يستخدموا مصادر مكتوبة، يشهد (لوقا 1:1-4) صراحة بأن المؤلف عرف مصادر أخرى، مما يجعل من الممكن استخدامه لها. لذلك، يتم تفضيل نظرية المصدرين بفرضيتها لالوثيقة Q، على الرغم من بعض المشاكل العالقة، على الفرضيات البديلة الأربع بوصفها الأبسط والأفضل تفسيراً لأصول وعلاقات الأناجيل السينوبتية.

إن قضية الوثيقة Q أقوى بكثير من أي نظرية منافسة خاصة بعلاقات الأناجيل السينوبتية. وتبقي الوثيقة Q فرضية، ومثل أي فرضية، تستحق أن تخضع للاختبار باستمرار. ومع ذلك، فهي فرضية مفيدة ومثمرة ومن المرجح أن تظل كذلك.

لقد استمر البحث في حجم وصياغة الوثيقة Q في اللغة اليونانية أكثر من قرن حتى الآن، واليوم يعد هذا البحث جهداً خاصاً يرأسه مشروع الوثيقة Q الدولي الذي كان ينشر سنوياً منذ عام 1990 حتى عام 1997 في صحيفة الأدب الإنجيلي، المشروع الذي يجمع الآن نصاً مهماً لالوثيقة Q. في حين تتفاوت إلى حد ما عمليات تجديد محتويات الوثيقة Q الحقيقية، يبقي المخطط الأساسي واضحاً. فالجدول التالي يلخص محتويات الوثيقة Q العامة والمقبولة للجميع.

محتويات الوثيقة Q:

لوقا متى المحتويات
البدايات
7:3-9، 16-17 7:3ب-12 يوحنا المعمدان: التحذيرات، الوعد بأن شخصاً ما سيأتي
2:4-13 2:4ب-11 أ إغراءات (اختبارات) يسوع الثلاثة قدمها الشيطان (ترتيب مختلف في لوقا ومتى)
العظة في السهل / على الجبل
20:6ب-23 3:5، 6، 4، 11-12 تطويبات (ترتيب وصياغة مختلفة)
27:6-30 44:5، 39ب – 40، 42 أحبوا أعداءكم، اعرض الخد الآخر، هب رداءك، أعطه للمستولين
31:6 12:7 وكما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا أنتم أيضاً بهم،
32:6-33، 35، ب-36 46:5-47، 45، 48 أحبوا أكثر مما يفعل أولئك الذين يحبونكم، كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم
37:6أ، 38 ج 1:7-2 لا تدينوا فلا تدانوا، بنفس الكيل الذي به تكيلون يكال لكم
39:6-40 14:15، 24:10-25 أ هل يقدر أعمى أن يقود أعمى، ليس التلميذ أفضل من معلمه
41:6-42 3:7-5 القذى الذي بعين أخيك، الخشبة التي في عين شخص ما
43:6-45 16:7-20 (33:20-35) ما من شجرة جيدة تثمر ثمراً رديئاً، لا يجتنون من الشوك تيناً
46:6-49 21:7، 24-27 ولماذا تدعونني: يا رب، يا رب، وأنتم لا تفعلون ما أقوله؟، الذي يسمعه ويعمل به
شفاء عبد لقائد المائة
1:7-2، 6 ب -10 5:8 أ – 10، 13 قائد المائة صاحب الإيمان العجيب في كفر ناحوم يطلب المساعدة في شفاء خادمه المريض، الأشخاص الذين يقوم يسوع بشفائهم
أقوال حول يوحنا المعمدان
18:7-28 2:11-11 تلاميذ يوحنا، الرسالة الموجهة له، مديح يوحنا على اعتباره أكثر من نبي
31:7-35 16:11-19 لا يفرح هذا الجيل لا بيوحنا ولا بابن الإنسان
التلمذة والمهمة
57:9-60 19:8-22 ابن الإنسان ليس له أين يسند رأسه، من أجل أن تتبعه دع الموتى يدفنون موتاهم
2:10-12 37:9-38، 7:10-16 الحصاد كثير، الفعلة قليلون، تعاليم المهمة
13:10-16 21:11-23، 40:10 ويل لك يا كورزَين، ويل لك يا بيت صيداَ، الذي يسمع منكم يسمع مني
21:10-24 25:11-27، 16:13-17 شكراً الأب على الإعلان للأطفال، كل الأشياء تُدفع إلى الابن الذي يعرف هو وحده الآب، طوبي للعيون التي تنظر ما تنظرونه
تعاليم بخصوص الصلاة
2:11-4 9:6-13 صلاة الرب (أشكال مختلفة – الصلاة الواردة في متى أطول)
9:11-13 7:7-11 أسألوا تعطوا، أن تعطوا عطايا جيدة، فكم بالحري الآب سيعطي
خلافات ومضايقات
14:11-15، 17-23 22:12-30 ببعلزبول يخرج الشياطين، يحفظ القوي داره، من ليس معي فهو علىّ
24:11-26 43:12-45 متى خرج الروح النجس من الإنسان ثم يذهب ويأخذ سبعة أرواح آخر أشر منه
29:11-32 36:12-42 هذا الجيل يطلب آية، آية يونان النبي، حكم أهل نينوى، ملكة الجنوب
33:11-35 15:5، 22:6-23 ليس أحد يوقد سراجاً ويضعه في خفية، سراج الجسد هو العين، متى كانت شريرة فجسدك يكون مظلماً
39:11-44 25:32 – 26، 23، 6-7 أ، 27 أنتم الآن أيها الفريسيون تنقون خارج الكأس، ويل للعشير التافه، والذين يحبون المجلس الأول في المجامع
46:11-48 4:23، 29-31 ويل لكم أنتم الناموسيون لأنكم تحملّون الناس أحمالاً عسرة الحمل، لأنكم تبنون قبور الأنبياء
49:11-52 34:23-36،13 أنا أقول / حكمة الله تقول: إني أرسل إليهم أنبياء سيعذبون، ويل لكم أنتم أيها الناموسيون
2:12-10 26:10-33، 32:12 لا خفي لن يعرف، لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، اعترفوا بي قدام الله
عن القلق
22:12-31 25:6-33 لا تقلقوا بشأن الجسد، تأملوا زنابق الحقل، الآب يعرف ماذا تحتاجون
33:12-34 19:6-21 لا يوجد كنوز على الأرض بل في السماوات
الاستعداد لمجيء الساعة
39:12-40، 42-46 43:24-44، 45-51 رب البيت والسارق، العبد المخلص المستعد لمجيء سيده
51:21-53 34:10-36 لم آت لأعطي سلاماً بل لأعطي سيفاً، انقسامات داخل العائلات
56-54:12 3-2:16 القدرة على معرفة علامات الطقس تمكن المرء من معرفة الوقت الحالي
58:12-59 25:5-26 التخلص من الخصم قبل الذهاب إلى القاضي
قصص وأقوال حول التلمذة
18:13-21 31:13-33 ملكوت الله تشبه نمو حبة خردل، وتشبه خميرة وضعتها امرأة في الدقيق
23:13-29 13:7-14، 22-23، 11:8-121 قليل هم الذين سيدخلون من الباب الضيق، رب البيت يرفض هؤلاء الذين يقرعون الباب، يأتي أناس من كل حدب وصوب للدخول في ملكوت السماوات / الله
34:13-35 37:23-39 يا أورشليم، يا أورشليم! يا قاتلة الأنبياء، عليك مباركة ذلك الشخص الآتي باسم الرب
16:14-24 2:22-10 ملكوت السماوات / الله هي مأدبة عظيمة: يعتذر مدعوون، ويدعى آخرون
26:14-27 37:10-38 فضلّني على عائلتك، أحمل صليبك واتبعن
34:14-35 13:5 عدم نفح الملح الذي فقد مذاقه
4:15-7 12:18-14 الإنسان الذي يترك 99 خروفاً ويذهب لأجل الخروف الضال
13:16 24:6 ليس بمقدوركم أن تخدموا سيدين
16:16-18 12:11-13، 18:5، 32 كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا، لن تسقط نقطة واحدة من الناموس، كل من يطلق امرأته ويتزوج بأخرى يزني
1:17، 3ب-4 7:18، 15، 21-22 ويل لأولئك الذين تأتي العثرات بواسطتهم، اغفر لأخيك بعد توبيخه، بطرس: كم مرة نغفر
6:17 20:17 لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لاستطعتم تحريك الجبال / واقتلاع الأشجار
مجيء ابن الإنسان في النهاية
23:17-24، 37 26:24-28 علامات مجيء ابن الإنسان
26:17-27، 30 37:24 -39 وكما في أيام نوح كذلك يكون أيضاً في أيام ابن الإنسان
33:17 39:10 من طلب أن يخلّص نفسه يهلكها، ومن أهلكها يحييها
34:17-35 41:10 إنه في تلك اللية يكون اثنان، فيؤخذ الواحد ويترك الآخر
12:19-27 14:25-30 قصة الموهوبين
28:22، 30 28:19 أتباع يسوع سيجلسون على كراسيه ويدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر

وكما يُظهر هذا التلخيص بأن الوثيقة Q يحتوي على معظم تعاليم يسوع. فهو يحتوي على القليل من القصص السردية حيث يبدأ بيوحنا المعمدان والإغراءات التي تعرض لها يسوع، وبالقرب من المنتصف هناك سرد لإحدى المعجزات: “خادم قائد المائة الروماني”. كما يمكن الاستدلال على الكثير من المعجزات الأخرى التي جاء بها يسوع في إنجيل لوقا (21:7 و 13:10 و 20:11). وفي بعض الأماكن، تحتوي التعاليم على سياق أو مقدمات سردية قصيرة، على سبيل المثال: لوقا (18:7-20، الأسئلة التي طرحها يوحنا المعمدان).

إن تعاليم يسوع مقسمة بالتساوي تقريباً بين قصص وأقوال قصيرة. كما تكثير أقوال الحكمة والأقوال الأخروية التي هي بالمجمل عبارة عن تحذيرات. يتشارك الهيكل العام لالوثيقة Q بقسم لا بأس به مع أناجيل العهد الجديد اللاحقة. وبنفس طريقة أناجيل العهد الجديد، يبدأ الوثيقة Q مع يوحنا والإغراءات، ويزيد من ذكر يوحنا في أمكنة لاحقة. وينتهي الوثيقة Q والأناجيل السينوبتية بقسم القصص والأقوال الأخروية على قسمهم التعليمي الرئيسي الأخير.

يبقي الوضع الاجتماعي التاريخي الدقيق لالوثيقة Q غير مؤكد، لكن يوجد هناك شبه إجماع بخصوص ذلك. فمعظم الباحثين يحددون مكانه في فلسطين، وكثيرون يحددون مكانه في جنوب الجليل الأوسط، وقليلون يحددون مكانه في جنوب سورية. إن الوثيقة Q عمل يهودي مسيحي موجه لشعب إسرائيل. فتاريخ كتابته المقترح يتفاوت من 40 إلى 70م وعلى الأغلب تمت كتابته في منتصف هذه الفترة. قد يُظهر الجزء الأول من هذه الفترة حملات تبشيرية متجولة تكمل رسالة يسوع وكهنوته في جميع أنحاء المناطق التي كان يعمل فيها.

وقد تعود المجموعة الأولى لأقوال يسوع التي استخدمتها هذه الحملات التبشيرية المتجولة إلى المجتمع الذي ظهر بعد عيد الفصح الأول. ومن المرجح أن هذه الحملات التبشيرية كانت قد أنشأت أول مجتمع مسيحي مستقر في جميع أنحاء الإقليم القديم من إسرائيل. وتشكل نهاية هذه الفترة، أي عام 70م، فترة التمرد اليهودي. فقد تكون كل من الحملات التبشيرية والتجمعات السكنية المستقرة تعطلت إلى حد كبير جراء الحرب، ولم تشر التنبؤات حول القدس والمعبد إلى وجود عمل عسكري (لوقا 34:13-35)، كما هو الحال في الأناجيل السنوبتية.

كذلك الأمر، فإن استخدام الوثيقة Q من جانب متى ولوقا، اللذين يعود تاريخهما بصورة شائعة إلى الثمانينيات من القرن الأول، يتضمن أن الوثيقة Q كان قد تمت كتابه وتداوله في فترة سبقت ذلك العقد.

لقد كان الوثيقة Q وفقاً لكل الاحتمالات وثيقة مكتوبة. إن أفضل طريقة لتفسير الكمية الكبيرة من التوافقات الشفهية بين متى ولوقا، الأمر الذي يشير مرة أخرى إلى مصدر مكتوب. لقد تمت كتابة الوثيقة Q بصورة شبة مؤكدة باللغة اليونانية. ومن المرجح أن يكون الكثير من تعاليم الوثيقة Q في الأصل باللغة الآرامية، لغة يسوع وربما لغة الحملات التبشيرية الفلسطينية الأولى. ومع ذلك، فإن هذا ليس مؤكداً، وإن إعادة نصوص الوثيقة Q إلى الآرامية موضع شك كبير ولا تشكل موضوعاً هاماً في مجال البحث في الوثيقة Q.

منذ نحو عام 1970، في أحدث موجة اهتمام بالوثيقة Q، تم تخصيص الكثير من عمليات البحث للنظر في المراحل التكوينية التي نشأ فيها الوثيقة Q والعمل على ربط نمو العمل بتاريخ المجتمع الذي أنتج الوثيقة Q. فقد شكلت هذه المهمة العنصر الأكثر إثارة للجدل في عمليات البحث في يسوع، المهمة المحفوفة بالصعوبات. لا يسعنا هنا إلا أن نصف عدداً قليلاً من المقترحات الرائدة وأن نقدم نقداً وجيزاً. يفترض جون كلوبنبورغ في أكثر عمليات التجديد تأثيراً على تاريخ تكوين الوثيقة Q نموذجاً من ثلاث مراحل.

تم تأليف “ق1” من “خطابات الحكمة” التي شجعت على اتباع أسلوب حياتي راديكالي مناهض للحضارة (على سبيل المثال: جوهر العظة في السهل / الثاني، بإدانة إسرائيل عندما عارضت رسالة الحكمة ورسلها، “رسالة يوحنا المعمدان، شفاء عبد قائد المائة، جميع المواد الرؤيوية”. “ق3” كان آخر ما تم إضافته، الطور التوضيحي الذي قرّب الوثيقة Q من اليهودية الحريصة على التقيد بالتوراة. كما تم في هذه المرحلة إضافة قصة الإغراء التي تعرض لها يسوع، القصة التي تقدمه على أنه نموذج للعلاقة الصحيحة مع الله.

ويرى ديتر لوهرمان طبقتين رئيسيتين للمادة. تتضمن الطبقة الأولى طبقة أخروية بأقوال عن ابن الإنسان، الإدانة، والمجيء الثاني الوشيك ليسوع، وتتضمن الطبقة الثانية دمجاً بين البعثة الموجهة للوثنيين وبين تعاليم الحكمة، عندما يتضاءل الأمل في المجيء الثاني الوشيك ليسوع.

ويرى لوهرمان مجتمع الوثيقة Q على أنه مجموعة مسيحية لا يهودية تعرضت للاضطهاد على أيدي اليهود. وتفترض عملية التجديد التي قام بها سيغفريد شولتز مرحلتين لالوثيقة Q ومجتمعها: الأولى: مجتمع فلسطيني يهودي مبكر يحمل توقعات أخروية قوية ومادة رؤيوية، والثانية: مرحلة يهودية هيلينستية متأخرة تحمل أنواعاً أخرى من المواد. اما إم ساتو فيتصور ثلاث خطوات: “التنقيح أ” جمع مواد متعلقة بيوحنا المعمدان، “التنقيح ب” دمج المواد التي تتحدث عن البعثة، و”التنقيح ج” يتضمن بيانات إدانة إسرائيل وتعاليم الحكمة.

نظراً لتنوع مواده، فإنه من المرجح حقاً أن يكون الوثيقة Q تشكل على مراحل. ربما بكون قد بدأ بتجميع مواد الوعظ التي كانت متشابهة في الشكل والمضمون. وبعد ذلك، في الوقت الذي تواصلت فيه الإرسالية التبشيرية إلى إسرائيل، أدت المعارضة والفشل في نهاية المطاف إلى إدراج مواد تعليمية أخرى متنوعة تؤكد على إدانة إسرائيل والالتفات إلى الوثنيين. فماذا تكون أنواع المواد المضافة عندما يصعب التكهن بذلك؟

يقترح كلوبنبورغ أن عناصر الحكمة التي جاءت أولاً والعناصر الرؤيوية كان لهما التأثير في أمريكا الشمالية، لاسيما مع بيرتون ماك، وجون دومينيك كروسان، وأعضاء آخرين في منتدى يسوع، حيث يقولون بأن يسوع التاريخي كان معلم الحكمة. لكن كما يشير المخطط المختصر أعلاه، اقترح آخرون أن المادة المتعلقة بسفر الرؤيا جاءت أولاً ومن ثم جاءت مادة الحكمة. وربما يكون من الخطأ استنتاج فارق ثابت بين المادة الروحية والرؤيوية والحكمة في أدب مؤثر مثل أدب دانيال.

هناك بعض المقاطع في الوثيقة Q تجعل من الصعب تحديد حكمتها والعناصر الرؤيوية لمختلف مراحل تكوينها. على سبيل المثال، أظهرت “أديلا يا ربرو كولينز أن أقوال “ابن الإنسان” الأخروية تتكرر في كل طبقة من طبقات الوثيقة Q وفقاً لتصنيف الأبحاث الأخيرة. وقد صادق هيلموت كوستر مؤخراً على استنتاجاتها المتعلقة بالإيمان بالآخرة في الوثيقة Q. وينطبق الشيء نفسه على المقاطع الأخرى.

في إنجيل لوقا (31:11-32)، ستكون ملكة الجنوب التي جاءت “من أقاصي الأرض للاستماع إلى حكمة سليمان” شاهدةً مع شعب نينوى في الحكم. في لوقا (49:11) ترسل “حكمة الله” الأنبياء والرس الذين سيتعرضون للاضطهاد “وبذلك يطلب من هذا الجيل دم جميع الأنبياء المهرق” منذ إنشاء العالم.

في لوقا 4:12-7 يُعطى الصمود في وجه الاضطهاد مبدأ أخروياً (الآيات 4-5: خافوا من الذي بعدما يقتل، له سلطان أن يلقي في جهنم ومن ثم يُعطى مبدأ حكمة) و(الآيات 6-7 الله: يكترث للعصافير، وأنتم أفضل من عصافير كثيرة، فلا تخافوا). تشير مثل هذه النصوص إلى أن الحكمة والمواد الأخروية قد تكون موجودة في الوثيقة Q في مختلف مراحل تكوينه.

إن الوقت والطريقة اللذين دخلت فيهما المادة إلى الوثيقة Q هما أيضاً موضع خلاف. هل كانت عناصر السرد موجودة في البداية، أم أنه تم إضافتها في وقت لاحق في الوقت الذي كانت فيه الوثيقة Q في طريقها لتصبح إنجيلاً قبل أن يتم دمجه في متى ولوقا؟ وهل كان عبارة عن مادة لاحقة تم تلفيقها بكل صراحة؟ يلمح بعض الباحثين أو يصرحون علناً أن واضعي الوثيقة Q هم الذين قاموا بإنشاء الطبقات الأخيرة له وأن الطبقة الأولى فقط هي التي تدعي تمثيل تعاليم يسوع الأصلية.

وهنا يجب علينا أن نتذكر القول المأثور “التاريخ التقليدي ليس تاريخاً أدبياً.” فمن الممكن للحالة المتغيرة لمجتمع الوثيقة Q أن تؤدي بهم إلى تبني تعاليم مختلفة ليسوع كانت تسبح في بحر تقاليد الوثيقة Q الشفوية، البحر الذي طافت على سطحه وثيقة الوثيقة Q، ومن ثم أدت بهم إلى إدراج تلك التعاليم في الوثيقة Q مكتوبة.

يسأل الكثير من البحاثين فيما إذا كان باستطاعتنا الربط بين طبقات الوثيقة Q الأدبية وبين التاريخ العام للمجموعة التي من الواضح أنها أنتجته. على الرغم من ذلك، ما يزال ممكناً السؤال عن نوعية المجتمع الذي يعكسه الوثيقة Q ككل. فقد أولي الكثير من الاهتمام لدعاة الوثيقة Q المتجولين، لاسيما دورهم في استخدام وتطوير تقاليد يسوع. وتبدو مقاطع مثل: (لوقا 57:9-12:10، 22:12-31، 33-34، 51-53) أنها تعكس نمط حياة الدعاة الذين تم إرسالهم لتوسيع كهنوت يسوع.

فقد تركوا أسرهم وأصبحوا بلا مأوى، وقد ذاقوا طعم الفقر واعتمدوا على كرم الشعب الذي يعملون بينه من أجل عيشهم الزهيد، وتنقلوا من بلدة إلى أخرى يدعون قبل مجيء ابن الإنسان في نهاية الزمان. فهم يعيشون ويبلغون رسالة يسوع: “طوباكم أيها المساكين، لأن لكم ملكوت الله.” (لوقا 20:6)، كما يبدو أن وصف أتباع يسوع المتجولين الوارد في الوثيقة Q يشير إلى أنهم يصنعون المعجزات. ومع ذلك، هذا لا يحدث إلا مرة واحدة (لوقا 9:10)، الأمر الذي قد يشرح سبب الذكر البسيط للمعجزات في الوثيقة Q نفسه.

إلى جانب نمط حياة المتجولين هذا، تقدم الوثيقة Q رغم ذلك مجتمعاً مستقراً من المؤمنين يعيشون نمط حياة مختلف. “أقيموا في ذلك البيت… لا تنتقلوا من بيت إلى آخر.” (لوقا 7:10)، في حين يتحدث إلى المتجولين، يضع بعض القيمة لحياة الاستقرار. وفي المنع الصارم للطلاق من جانب يسوع، يتم التمسك بالزواج بصفته مشيئة الله المستمرة (لوقا 18:16). وتُظهر القدرة على توفير السخاء الذي يبدو عبارة عن دعم مادي غير منقطع للأخرين (لوقا 30:6) تُظهر أن ليس كل أفراد مجتمع الوثيقة Q قاموا بالتبرع بكل ما يملكون.

كما تُظهر الضرورة المستمرة للاختيار بين الله والثورة (لوقا 13:16) مجتمعاً يتمتع بما يكفي من الثروة التي يغريه بها الأغنياء. وتُظهر قصص الوثيقة Q الرمزية على وجه الخصوص، وإن لم تكن تقدم تعاليم تخص الممتلكات بصورة مباشرة، وتُظهر موقفاً أكثر إيجابية لحياة الاسقرار من خلال طرق معينة: الله هو بمثابة رب البيت (25:13-30)، الله يعطي مأدبة غنية (16:14)، الله هو بمثابة رجل يملك مائة من الغنم ويهتم بواحدة (4:15-7)، والله يعطي لشعبه مواهب غنية متوقعاً منهم مضاعفتها (12:19-27).

لا يمكن لمجتمع مؤلف من متجولين فقراء ينظرون إلى الممتلكات على أنها شر تصور هذا الرأي الإيجابي الضمني لحياة الاستقرار وبعض الثروة. فقد دخل الانحلال الروحي والنفاق في المجتمع، لأن بإمكان بعض الناس مناداة يسوع ب “الرب” ولا ينفذون أوامره (لوقا 46:6-49). ويمكم لمؤمنين مستقرين التأمل في هذا الوضع أكثر من أولئك المبشرين المتجولين الروحانيين.

وهناك معنى لوجود كل من الدعاة المتجولين والمجتمعات المستقرة في مجتمع الوثيقة Q الكبير: ينجح المبشرون بدعوة الناس، وإذا انضم هؤلاء المتجولون إليهم في مهمتهم، فإن المجتمعات المستقرة للمؤمنين ستتطور بعد فترة وجيزة. ربما تدعم أو تطعن أنماط الحياة الراديكالية والتقليدية في مجتمع الوثيقة Q ببعضها بعضاً، السيناريو الذي لا يختلف عن ذلك المعروف في العهد الجديد وفي تاريخ الكنيسة اللاحق عندما كان المبشرون المتجولون والكنائس المستقرة يتمتعون بعلاقة خلاقة لكن متوترة.

كيف تصور الوثيقة Q يسوع؟

في حين أن يسوع يظهر بصورة المعلم بكل وضوح، إلا أنه يعتبر أكثر من ذلك. إن يسوع بتعاليمه هو وكيل الله للخلاص، وبذلك يقرّب ملكوت الله بالقدر الذي يكفي ليستجيب الشعب له. “ولكن إن كنت بإصبع الله أخرج الشياطين، فقد أقبل عليكم ملكوت الله.” (لوقا 20:11). يظهر يسوع في افتتاحية الوثيقة Q على أنه “استيفاء الأنبياء وفي شخصه وكلامه البيان الحقيقي للناموس.” فهو ابن الإنسان (لوقا 19:8-22، 16:11-19) وأبن الآب (لوقا 25:11-27). وهو المبعوث الأخير لحكمة الله (لوقا 35:7). وبصورة تثير الدهشة، لا يدعو الوثيقة Q يسوع بالمسيح، إلا أن مسيحانية يسوع تقر بيسوع على أنه المسيح بكل شيء باستثناء الاسم.

وتحدد استجابة شخص ما على شخص يسوع وتعاليمه علاقته بالله في هذا العالم ومكانته في ملكوت الله في العالم الآخر (لوقا 8:12-9). والحيادية بالنسبة ليسوع مستحيلة (لوقا 23:11). فقد انكشف وقت الخلاص بظهور يسوع، وهؤلاء الذين يسمعونه ويطيعونه مباركون. وهؤلاء الذين ينكرون يسوع سيحاكمهم الله، وإن التحذيرات من الفرار من الحكم النهائي باللجوء إلى الله وفيرة في الوثيقة Q. وتترافق المعجزات مع تعاليم يسوع الموثوقة. على الرغم من أن الوثيقة Q لا يذكر سوى معجزة واحدة، ألا أنه يوضح أن علميات الشفاء كانت من سمات كهنوت يسوع كله.

“إن العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشرون.” (لوقا 22:7). كما يرسل يسوع تلاميذه ليذيعون عرض الخلاص هذا وقُرب ملكوت الله (لوقا 5:10-6، 9، 11). وهم ربما ضمناً كيسوع، “مثل الغنم بين الذئاب” وسيعانون من اضطهاد اليهود الذين لا يؤمنون (لوقا 3:10، 22:6-23). ومع ذلك، يتوجب عليهم حمل الصليب واتباع يسوع (14:27) ويقابلون الاضطهاد بالحب. إن يسوع في حياته الدنيوية مرتبط بيسوع الممجد الذي سيعود كابن الإنسان.

إقرأ أيضاً:

([1])  يقال إن الرمز الوثيقة Q (َQ) مشتق من الكلمة الألمانية: “Quelleالمصدر“، لكن هذا ليس أكيداً على الإطلاق. انظر جون ج. سميث، البحث عن أصل الرمز (Q)، دورية الأدب الإنجيلي، 100 (1981) 609-611.

 

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

 

في هذا الفصل سيتم الحديث عن الذين عايشوا يسوع في المصادر الافتراضية للأناجيل الكنسية، فقد حاول معظم الباحثين في هذه المصادر فهم كيفية استخدام مؤلفي الأناجيل لهذه المعايشة لتوضيح الأمور الخاصة التي أكدتها هذه الأناجيل، بالإضافة إلى أشياء أخرى. إن مادة هذا البحث تتعارض مع عنوان الكتاب، فهي داخل إطار العهد الجديد. ومع أن الأبحاث الأولى عن يسوع خارج إطار العهد الجديد لا تشير إلى المصادر الكنسية، فقد تعامل العلماء منذ نحو عام 1970 مع هذه المصادر كما لو كانت خارج العهد الجديد، أي، كمصادر مستقلة لمعرفتنا عن يسوع. فهي تثبت الأشكال الأولى للمسيحية، أو كما يصفها البعض: “تحركات يسوع” التي كانت موجودة قبل أو مع ظهور الأشكال الأولى للمسيحية.

سيتم البحث هنا في أربعة مصادر إنجيلية تعتبر شهوداً من خارج القانون الكنسي على يسوع. وتبدو مصادر مرقص الممكنة: مجموعات المعجزات، والخطب الرؤيوية، من ضمنها بداية سرد آلام المسيح، متباينة للغاية بالنسبة للباحثين العصريين، ولسنا بصدد النظر فيها هنا([1]).

أولاً، سنناقش المادة الخاصة بلوقا: المعروفة بالمصدر “ل”. ثانياً، سنناقش المادة الخاصة بإنجيل متى: المسماة بـ “م”. يحتوي “ل” على بعض المضامين السردية، إلا أن “ل” و”م” يحتويان على تعاليم يسوع. ومن ثم سننظر في المصدر الخاص بالإنجيل الرابع، الذي يدعى على نطاق واسع بـ: “مصدر الإشارات”. ربما كان يشكل هذا المصدر أول إنجيل كامل شبيه بالأناجيل الكنسية، حيث يحتوي على تعاليم بسياق سردي وينتهي بموت يسوع وانبعاثه.

أخيراً، سنكرس القسم الأكبر في هذا الفصل للبحث في “مصدر الأقوال المأثورة” لمتى ولوقا، التي تحمل اسم: وثيقة “ق”. إن هذا المصدر الافتراضي على وجه العموم، وليس على وجه الحصر، مؤلف من مادة تعليمية. إن وثيقة “ق” ليست مصدراً أكثر تعقيداً من المصادر الأخرى فحسب، بل كانت أيضاً موضوعاً رئيسياً، تقريباً مركز العاصفة، بالنسبة للأبحاث المعاصرة التي تعنى بيسوع. لن نركز على طريقة استخدام الأناجيل الكنسية لهذه المصادر الأربعة، بل ستكون مهمتناً بدلاً من ذلك فهم ما تخبرنا به هذه المصادر عن يسوع في الماضي.

وسنعرض في كل قسم المصدر المقترح، بالإضافة إلى تلخيص تاريخ بحثه. ومن ثم سنعرض محتوى المصدر بشكل جدول، نظراً لطوله الذي يصعب إعادة تقديمه هنا بصورة كاملة. بعد ذلك، سنقدر صحته كمصدر محاكٍ للبحث الحديث ونبحث في رؤيته ليسوع.

“ل”: يسوع، المعلم والشافي الجبار

تقول المقدمة الآسرة لإنجيل لوقا: إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا، كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة، رأيت أنا أيضاً إذ قد تتبعت كل شيء من البداية بتدقيق، أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس، لتعرف صحة الكلام الذي عُلمت به. (لوقا 1:1-4).

ماذا كانت تلك القصص الكثيرة المكتوبة التي كان لوقا يحاول تحسينها؟ لقد وجد العلماء جوانب كثيرة في هذه المقدمة الآسرة، لاسيما أسلوبها. فهي تتحدث عن موضوع هذا الفصل ضمنياً، أي مصدر خاص بإنجيل لوقا لا يتشارك فيه مؤلفو الأناجيل الأخرى.

في نظرية أصول الأناجيل السينوبتية التي يوافق عليها الجميع، أي “نظرية المَصْدَرَيَن”، استخدم المؤلف في إنجيل لوقا ومتى مصدرين رئيسين. المصدر الأول هو إنجيل مرقص، الذي يشكل ثلث إنجيل لوقا. فلوقا يتتبع نسق مرقص ويأخذ أجزاءٌ كبيرة من مواده التعليمية والسردية مع بعض الاستثناءات القليلة([2]). المصدر الثاني هو وثيقة “ق”، وهي عبارة عن مادة تعليمية تشكل نحو خُمس إنجيل لوقا.

وقد يكون لوقا استخدم مجموعة شفهية أو مكتوبة من مادة خاصة بإنجيله، وتسمى: المصدر “ل”، حيث تشكل هذه المادة الخاصة جزءاً كبيراً من هذا الإنجيل، وتقدر بين ثلث إلى نصف الإنجيل. وتبدأ معظمها بتعاليم يسوع، كما تحتوي على بعض أهم الحكايات الرمزية: السامري الصالح والابن المسرف، والرجل الغني ولازاروس. كما تحتوي على قصص سردية بارزة: توبة زكّا، والخلاف بين مريم ومارثا على خدمة يسوع على نحو حقيقي، وامتنان السامري الأبرص.

لقد أظهر البحث في يسوع التاريخي إلى حد بعيد أصالة محتويات لوقا المميزة: التعاليم والقصص السردية على حد سواء. وتعود دراسة “ل” كمصدر للوقا إلى بداية القرن العشرين مع برنارد لويس وبول فينن الذين كانا من بين الأوائل الذين قاموا ببحث شامل عن مصدر “ل”. وعلى الرغم من أن بعض الباحثين قاموا بالبحث فيه من وقت لآخر خلال القرن العشرين، إلا أنه لم يكن موضوع بحث رئيسي.

وكانت فرضية وجود إنجيل “بروتو – لوقا” جذابة للبعض، وغالباً ما كانت تطغي على “ل”، وقد اتجهت دراسة وثيقة “ق”، التي كانت تطفو إلى السطح، نحو حجب الدراسة في مصادر أخرى للإنجيل. ومع ذلك، ازداد الاهتمام بـ”ل” ازدياداً كبيراً منذ نحو عام 1980، حيث أدرك الباحثون بكل سهولة المحيط الخارجي لمادة “ل”: كل شيء في لوقا غير متماثل مع مرقص أو وثيقة “ق”. وقد قالت قلة من الباحثين إن لوقا نفسه كتب جميع هذه المواد، لذلك لا تشير أي من محتويات تلك المواد إلى أي مصدر.

أولاً: لقد قدم هوارد مارشال أسباباً وجيهة تدعم عدم إمكانية الدفاع عن هذه النظرة المتطرفة([3]). أما عن الطرف الآخر فقد وقف أولئك الذين يرون أن هناك علاقة وثيقة بين جميع أو معظم مواد لوقا الخاصة: سوندرغوت، في الدراسة الألمانية الأخيرة حول “ل”، وسندركيل بين المصدر “ل”([4]). كما يتخذ معظم الباحثين الذين يفترضون مصدر “ل” موقفاً وسطاً عن طريق إسقاط تلك المقاطع التي يعتقد أنها كانت من تأليف الكاتب لوقا من المجموعة بأسرها.

وغالباً ما يتم استبعاد تلك المواد التي ربما تطورت عن مصدر آخر، مثل القصص السردية عن الطفولة، أو القصص السردية عن آلام المسيح، أو القصص السردية عن القيامة. من هنا يدخل الشك، فبالنظر إلى كتّاب الأناجيل الكنسية، يُعتبر لوقا الكاتب الأكثر مهارة نظراً لقدرته الأدبية بصورة عامة، وفي مجال استخدام مصادره بصورة خاصة. إنه ليس كاتب “قص ولصق”. حيث يمكن وبكل سهولة تمييز المصدر “ل” الخاص به من خلال العمل الذي قام به.

لم تجمع الدراسات الأخيرة على وجود “ل”، حيث ينكر بعض العلماء أن المادة الخاصة بلوقا مستمدة من المصدر “ل”. فعلى سبيل المثال، يؤكد هيلموت كوستر على الحجم الكبير وعدم تجانس المادة في الشكل، ويفكر في استبعاد فكرة وجود مصدر وحيد. كما يخلص أودو شينيلي إلى أن لوقا لا يمتلك المصدر “ل”، وذلك لوجود اختلافات لغوية ضمن المواد الخاصة، وكلها تحمل علامات العمل التحريري الخاص بلوقا… ويقف التفاوت في المواد وغياب مبدأ الترتيب الداخلي في وجه وجود مصدر مستقل للمواد الخاصة بلوقا. من ناحية أخرى، يقول إدوارد شفايتزو بوجود “ل” بالفعل، وذلك نظرأ لـ:

  1. تظهر في “ل” تشابهات مع أقسام موثوقة في كل من مرقص ووثيقة “ق”.
  2. يشير لوقا في مقدمته إلى العديد من الأسلاف المسجلين.
  3. يضمّ المصدر المقترح مواد لغوية مشتركة على نحوٍ واضح.
  4. يحتوي المصدر على مواضيع موحدة، مثل: النساء، والفقراء، والنعمة الإلهية.
  5. يختلف “ل” في ترتيب بعض مواده مقارنةَ مع مرقص، وهناك انسجام مع متَى مقارنة مع مرقص.
  6. تشير التعارضات في لوقا إلى مستويات مختلفة من الأعراف تتعدى ما استُخدم له كل من مرقص و”ق”.

في البحوث الجارية على “ل”، تعد أطروحة كيم بافينروث التي نشرت في عام 1997، وكانت بعنوان قصة يسوع وفقاً لـ”ل”، من أشمل وأدق الأعمال. فبافينروث يقوم بفرز مصدر “ل” المترابط عن طريق التخلص من المواد التي ألفها كاتب الإنجيل أو قام بتحريرها، ومن ثم يحلل المفردات والأسلوب وخصائصها الشكلية ومضمون المادة المتبقية. ويخلص إلى أن: المادة “ل” فيها ما يكفي من أوجه الاختلاف عن نمط وشكل ومضمون لوقا، الذي يجعل من المحتمل أنه يشكل مصدر “ل”.

وعلاوة على ذلك، يخلص إلى أنه مصدر مترابط وموحد. فـ”ل” يحتوي على عناصر شفوية قوية، ولكن من المحتمل أكثر أن لا يكون وثيقة. فقد كتب يهود مسيحيون في فلسطين في الفترة الواقعة ما بين 40 و60م. وتبقى بعض التساؤلات قائمة بشأن جهود بافينروث ([5])، إلا أنه طرح أقوى قضية عن مصدر “ل” حتى الآن. لقد اخترت أن أستفيد من بحثه هنا، لأنه إلى حد ما يدل على نتائج فهم الآخرين لمصدر “ل”، ولأنه من المرجح أن يشكل أساس البحث القادم في “ل”.

محتويات “ل” في لوقا التي حددها بافينروث هي كما يلي:

وعظ يوحنا المعمدان 10:3-14
معجزات إيليا للوثنيين 25:4-27
يسوع يريي ابن أرملة في نايين 11ب:7-15
مغفرة خطيئة امرأة مذنبة 36:7-47
قصة السامري الصالح 30:10-37أ
نزاع مريم ومارثا، مريم على صواب 39:10-42
قصة الصديق اللحوح 5:11ب-8
قصة الغبي الغني 16:12ب-20
قصة الحاجب 35:12-38
تب أو مت 1:13ب-5
قصة شجرة التين الجرداء 6:13ب-9
الشفاء في يوم السبت 10:13-17ب
التحذير من هيرودس، استجابة التحدي 31:13ب-32
الشفاء في يوم السبت 2:14-5
قصة اختيار مكان على الطاولة 8:14-10، 12-14
إحصاء الثمن 28:14-32
قصة الخراف المفقودة 4:15-6
قصة العملة المفقودة 8:15-9
قصة الابن “المسرف” المفقود 11:15-32
قصة المدير المخادع 1:16ب-8
قصة الرجل الغني ولازاروس 19:16-31
قل: “قمنا بواجبنا فقط”. 7:17-10
شفاء عشرة من مرضى البرص، السامري الشاكر 12:17-18
قصة القاضي الظالم 2:18-18أ
قصة الفريسي المرائي والعشار 10:18-14أ
زكا يتوب 2:19-10

على افتراض أن هذه المحتويات تشير تقريباً إلى المصدر “ل”، فكيف يصور المصدر “ل” يسوع؟ أولاً، يسوع هو معلم أمين على نعمة الله الجوهرية والخالصة. فنعمة الله تغفر الذنوب، وتشفي أمراض الإنسان، وترجع أفراد شعب الله إلى الحظيرة. ويسوع هو نفسه وكيل هذا النشاط. فقد جاء للبحث عن الضالين وإيجادهم، وإعادتهم إلى شعب الله الذين قطعوا وعداً على عبادته.

وكان أول ما وجهت هذه النعمة إلى بني إسرائيل، ومن ثم تُدمر حدود إسرائيل، وتبدأ رسالة يسوع بالخروج إلى العالم عندما يُعاد السامريون إلى الحظيرة (موجودة في 30:10-37، 12:17-18). كما يعمل يسوع على جلب النساء إلى ملكوت الله حيث الحرية.

إن تعاليم المسيح فيما يخص الغني هي، على الأقل في التجديد الذي قام به بافينروث، معتدلة بصورة ملحوظة. فإلى جانب قصة الرجل الغني ولازاوس، لا يؤكد يسوع على أي من فضائل الفقر ولا مخاطر الثورة، فقد قام لوقا بإضافة هذه التأكيدات، وقد يكون استمدها من وثيقة “ق”.

ولا يفرض يسوع على حوارييه القيام بنشاط تبشيري فقير أو جوال، بل، يتم الإشارة إلى المجتمع المستقر الذي يتمتع ببعض الوسائل. بالإجمال، يصور “ل” يسوع على أنه: “معلم أخلاقي قوي أقام البرهان على مصداقية تعاليمه وكشف عنها من خلال أعمال الشفاء التي قام بها”.

ومن الجدير ذكره أيضاً ما هو غير موجود في المصدر “ل” مقارنة مع الأناجيل الكنسية. أولاً، لا يوجد عناوين مسيحانية في هذا المصدر. فالمسيحانية الخاصة به ترد ضمناً في أفعال يسوع وتعاليمه، مع لمسات واضحة لإليليا في بدايتها (في 25:4-27 و11:7ب-15). هذا النوع من المسيحانية النبوية تتماشى مع بداية المسيحية اليهودية.

ثانياً، لا يصور “ل” يسوع على أنه منقذ معذب ومشرف على الموت، فـ”ل” يفتقر إلى سرد آلام المسيح، ولا يؤكد مضمونه هذا الدور. ومع ذلك، من الخطأ أن نخلص من هذا الصمت إلى أن المجتمع الذي استخدم “ل” لم يعرف بموت يسوع وقيامته، أو اعتقد أن ذلك الأمر ليس على أي درجة من الأهمية. فيممكن شرح هذا الصمت الذي يخيم على موت يسوع وقيامته بطرق أخرى، لاسيما إذا كان “ل” معداً ليكون فقط مجموعة تضم تعاليم يسوع بهدف إتمام قصة يسوع ككل.

فيحتوي مرقص، وهو مصدر لوقا الرئيسي، على مواد غنية تتحدث عن هذا الموضوع كان لوقا قد استقى منها، المواد التي قد تكون استبدلت أي شيء يشير إلى موت يسوع قد ورد في “ل”([6]). وعلاوة على ذلك، يورد “ل” معارضة قوية ليسوع من جانب الفريسيين المرائيين ومعارضة قد تكون مميتة من جانب هيرودس.

هل “ل” هي الرواية الكاملة لمقصد يسوع ورسالته إلى المجتمع الذي استخدمه على الأرجح؟ يعتمد الجواب على شكل “ل” الذي تم تجديده انطلاقاً من المحتوى الخاص بلوقا، وعلى الطريقة التي اتصف بها أسلوبه. ففي التجديد الذي قام به بافينروث، يبدأ “ل” بيوحنا المعمدان وينتهي قبل آلام المسيح. وقد استعبد من “ل” المادة الخاصة بلوقا مثل القصص السردية عن الطفولة (الفصول 1-2)، والنساء اللواتي كن عند الصليب وتبعن يسوع (49:23)، ووصف ظهور يسوع بعد قيامته (12:24-49).

وعلى الرغم من أن تجديده لـ”ل” هو أقصر من جميع التجديدات التي قام بها أكثر النقاد الآخرين، إلا أن عنوان بافينروث يشير إلى اكتمال “ل”: قصة يسوع وفقاً لـ”ل”. ومع ذلك لا يتعامل صراحة أو بأي شكل من الأشكال مع اكتمال “ل”، القضية التي ينبغي أن تبقى مفتوحة في أعمال البحث المستقبلية.

مادة متى الخاصة: أهي مصدر “م” حول يسوع؟

عادة ما يتأثر قراء إنجيل متي بسياق ومضمون عظته على الجبل في الفصول 5-7، فقد بدأ يسوع للتو بجمع حواريه (18:4-22) وبإطلاق كهنوته العلني (17:4، 23-25). وبعد الذكر المقتضب لفكرة تعاليم يسوع، ملكوت السماوات (23،17:4)، قدم متى لقرائه عظة طويلة معقدة تفصل رسالة يسوع، حيث يحتوي هذا الخطاب على بعض أبرز تعاليم يسوع وأكثرها تأثيراً: تطويبات، إعادة التفسير المعتمد لشريعة موسى، دعوات تحذر من النفاق، دعوات للإيمان بالله، “القاعدة الذهبية”، بالإضافة إلى أمور أخرى.

لقد ساعدت تعاليم يسوع الواردة بمتى في حصوله على مكانة الإنجيل الرئيسي في المسيحية. على سبيل المثال: على الرغم من أن متّى ولوقا يتقاسمان مادة مشتركة، إلا أن أغلبية المسيحيين في كل مكان يعرفون ويستخدمون الصيغة الخاصة بمتى التي تتحدث عن السعادة الأبدية، وصلاة الله، والعظة على الجبل بصورة دائمة.

ويعود فضل القسم الأكبر من تأثير إنجيل متى إلى حقيقة أنه يورد تعاليم يسوع التي تفتقد إليها الأناجيل الأخرى. فعادةً يتبع متى ترتيب ومضمون لوقا عن أفعال يسوع في كهنوته وآلامه على حد سواء. وهناك استثناء وحيد هو أن متى يورد معظم روايات مرقص للمعجزات في قسم واحد، الفصلين 8-9، ويختصر تلك الروايات إلى حد كبير. ونظراً للاستخدام الكبير الذي يقوم به متى للوقا ليربط أفعال يسوع، تتضمن معظم المادة الخاصة به تعاليم يسوع. ولأسباب معروفة، تتعامل تجديدات “م”، وهو المصدر الافتراضي لمواد متى الخاصة، بصورة حصرية تقريباً مع مواد التعاليم.

لقد تم القيام بثلاث محاولات رئيسية لاستبعاد المصدر “م”. المحاولة الأولى كانت تلك التي قام بها ب.هـ. ستريتر في كتابه الذي عنوانه: الأناجيل الأربعة: دراسة في الأًصول، فقد هرّف ستريتر “م” على أنه جميع المادة التعليمية الخاصة بمتى، بما ذلك مادة من الوثيقة “ق” مختلفة إلى حدٍ ما عن لوقا، وذلك لافتراض صيغة مختلفة لـ”ق” متأثرة بمتى. وقد استبعد ستريتر التالي: المداة الخطابية من متى 5-18،10،7و 23، قصتان من متى 13، وأجزاء قصيرة من مادة متنوعة من الفصول 16،15،12و 19.

هذا المصدر هو مصدر يهودي مسيحي، لكنه ليس من الرعيل الأول للمسيحية، بل، يظهر ردة فعل على إنجيل مهمة بولس الخالية من أي شريعة. فقد قام ستريتر بوضعه في القدس وربطه بوجهة نظر يعقوب إن لم يكن بشخصه.

لقد قام تي. ديبليو مانسون في دراسته الشاملة التي حملت عنوان: تعاليم يسوع، بالتحقيق النقدي على المصدر الرئيسي الثاني. فقد اتسمت طريقة بحثه بنفس الصفات الخاصة بطريقة ستريتر تقريباً، إلا أنه اقترح “م” أكثر شمولية وتقدم حيث اشتمل على:

  1. تعاليم من مادة العظة على جبل في الفصول 5-7
  2. تعاليم الحملة التبشيرية.
  3. مادة متنوعة من الفصل 11.
  4. قصص من الفصل 13.
  5. مادة إضافية متنوعة من الفصول 15و 16.
  6. تعاليم عن المعيشة مع الإخوة في الإيمان في الفصل 18.
  7. وصية بخصوص الخدمة والجزاء من الفصول 19 و20.
  8. أقوال حول “الممتنعين” من الفصول 21 و22.
  9. أقوال بحق الفريسيين المرائيين من الفصل 23.
  10. تعاليم حول الإيمان بالآخرة من الفصول 24 و25.

ووفقاً لمانسون، اقتبس “م” من كنيسة تم إنشاؤها على أنها مدرسة تفسير ولديها علاقة حب وكره عميقة مع الفريسيين المرائيين وتقاليدهم. وقد أعاد مانسون تاريخ “م” إلى الفترة الواقعة بين 65 و60 ميلادي، ومثل ستريتر، حدد موقعه في المجتمع اليهودي في القدس.

أما الدراسة الرئيسية الثالثة المنشورة في عام 1946 فقد كانت على يد جي. دي كيلباتريك بعنوان: أصول إنجيل القديس متى. فقد خاص كيلباتريك إلى أن “م” كان مصدراً مكتوباً. واستخدم طريقة متشابهة للدراستين السابقتين ونظم دراسته الخاصة بالمادة “م” بأربعة أقسام: الخطاب، المهمة التبشيرية، مجموعة من القصص، ومناظرة ضد زعماء اليهود الدينيين. كما أرفق كيلباتريك مواد إضافية من سياقات أخرى واردة في متى بأقسام الخطاب والقصص، إلا أنه لم يكن قادراً على إَضافة الكثير من المتفرقات المتنوعة الخاصة بـ”م” إلى أقسامه الرئيسية الأربعة.

وبما أن دراسة كياباتريك هي الدراسة الأِشمال والأحدث لـ”م”، سأقوم بتلخيص محتواها هنا:

محتويات “م” في متى:

أ. الخطاب
تعاليم عن القتل، الزنا، القسم، عدم الثأر، الورع الحقيقي 21:5-24، 27-28، 37-33، 38-41، 19-20، 1:6-8، 16-18
كن على وفاق مع المؤمنين الآخرين من سياقات أخرى: 23:5-36،24
صل بإيجاز وبترقب من سياقات أخرى: 7:6-8
ب. المهمة التبشيرية
تعاليم خاصة بالحملة التبشيرية: توجه إلى اليهود فقط، أعط دون مقابل، كن حكيماً لكن بسيطاً، تجنب المضايقات حتى يأتي المسيح، تشبّه بمعلمك 5:10-6، 8 ب، 16 ب، 23، 24-25 أ، 25ب، 41 (؟)
ج. مجموعة القصص
الأعشاب الضارة بين سنابل القمح 24:13-30
شرح قصة الأعشاب الضارة. الكنز المستور، اللؤلؤة ذات القيمة الكبيرة، شبكة صيد الأسماك، رجل الدين المتوجه نحو ملكوت السماء 36:13-52
الخادم قاسي القلب 23:18-34
العمال في كرم العنب 1:20-15
ضيف لا يرتدي ثوب الزواج 2:22، 11-14
إشبينات العروس الحكيمات والحمقاوات 1:25-10
رفض يوحنا المعمدان آخر 28:21-32
الحكم الأخير آخر 31:25-45
د. ضد زعماء اليهود الدينيين
افعل كما يقولون وليس كما يفعلون، أفعال ريائية، حماسة التبشير الزائفة، القسم الزائف، تصفية البعوض وبلع الجمال، تزيين القبور 2:23-3، 5، 7 ب-10، 15-22، 24، 26 (؟)، 27
هـ. متفرقات
تطويبات 7:5-9 ربما 4و10
أنتم نور العالم 14:5، 16-17
لا تهتموا للغد 34:6
ليس للحقراء لآلئ، البوابة الضيقة، الأنبياء الكذبة 6:7، 13، 14، 15
احملوا نيري الهين 28:11-30
شيء ما أعظم من السبت، تحكم بكلامك 5:12-6، 7، 36-37
معارضة اقتلاع الفريسيين المرائيين 12:15-13
لا تحتقروا “أحد هؤلاء الصغار” الربط والحل 10:18، 18-20
الخصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات 10:19-12

لقد قال كيلباتريك إن “م” كان مصدراً مكتوباً يتضمن مادة تعليمية فقط، وقد قام هذا المبشر بإضافة القصص السردية إلى إنجيل متى. وقد عززت المادة المأخوذة من المصدر “م” حجم المضمون التعليمي الخاص الوارد في متى. كما خلص كيلباتريك إلى وجود ضعف في الترابط في المصدر “م”: “نظراً للافتقار إلى الروابط والقصص والسرد وأشياء أخرى، فتستحيل مشاهدة خطة المصدر وصفته الشكلية ككل.” كما يظهر صغر حجم “م”: 170 آية، وافتقاره إلى الترابط الداخلي والقصص السردية، أن “م” كان وثيقة بدائية. ولم يتأكد كيلباتريك من مكان وتاريخ والشخص الذي قام بتأليف “م”.

على الرغم من عدم انبثاق صورة وحيدة ليسوع من المصدر “م”، إلا أنه يصفه إلى حد ما بالزعيم الآمر الناهي الذي أسس الكنيسة، وليس فقط جماعته البابوية. فيسوع يرسل أتباعه فقط لليهود، ويعيد تفسير شريعة موسى لتحقيق مقصده الأصلي، وأن معيار حكم الله سيكون هو الصواب في نهاية المطاف، أي تحقيق المطلب الداخلي للناموس كما فسره يسوع. فقد اقتربت نهاية العالم، ويسوع هو المبشر بذلك.

جاءت المحاولات الرئيسية الثلاث لعزل “م” في النص الأول من القرن العشرين، ولم يتم القيام بأية دراسة مماثلة منذ ذلك الحين([7])، فربما تم تضييق البحث في “م” بسبب الرأي القائل بأن مادة متى الخاصة تحتوي نسبياً على القليل من تعاليم يسوع الأصلية بالمقارنة مع مرقص أو وثيقة “ق”. ونرى مع الأسف أن مانسون قد صاغ الأمر بصورة مؤكدة، وذلك عندما اقترح أنه ينبغي التعامل مع محتويات “م” بحذر لأنها عانت من الغش من جانب اليهود. وعندما يبدأ علماء العهد الجديد بالبحث عن يسوع التاريخي وتعاليمه الأصلية، فإنهم يتركون وراء ظهورهم “م” ومحتوياته.

ومع ذلك، تكون الدراسات صحيحة عندما تخلص، بالاعتماد على أسباب أخرى – إلى أن مادة متى الخاصة لا تشير على الأرجح إلى أي مصدر، سواءً كان مكتوباً أو شفهياً أو مزيجاً من الاثنين معاً. فانعدام الإجماع على محتويات “م” وبنيته الأساسية ينشأ من التباين الكبير في المادة الخاصة بمتى. فهذه المادة، التي هي ببساطة تختلف كثيراً في الشكل والمضمون، لا يمكنها الدلالة على كونها وثيقة واحدة، الأمر الذي من شأنه أن يجعلنا نتوقع أنها تحتوي على رسالة دينية وبعض الأنماط الأدبية الشائعة.

فهذا الحكم موضّح في الدراسة التي قام بها كيلباترك، حيث يقول إن نحو ثلث “م” هو إما مواد أخرى مرفقة إلى الأقسام الرئيسية، أو عبارة عن متفرقات متنوعة تبدو غير ذات صلة. وكما يقول أودو شينيلي: “إن مجموعة مواد متى الخاصة ليست مجموعة موحدةً من التقاليد، بل تفتقد إلى الدوافع التنظيمية اللاهوتية بصورة ملحوظة، وبالكاد تكون مخصصة لدائرة واحدة من حاملي التقاليد.”([8])

وعلاوة على ذلك وكما هو الحال مع لوقا، فإن من الصعب التمييز بين مادة المصدر وبين التنقيح الذي قام به المبشر. إن التوجه اللاهوتي لمعظم مواد “م” قريب جداً، إن لم يكن مطابقاً، للنظرة الدينية لمؤلف إنجيل متى.

وهناك دراسة متأنية لمادة الأقوال الخاصة في متى قام بها “ماثيو ستيفنسون هـ بروكس” تميل إلى إثبات صحة هذا الاستنتاج بالنسبة لـ”م” ككل. ويقوم بروكس بعزل وتجديد الأقوال القصيرة في “م” ويبين أن “م” يعكس تاريخ مجتمع متى. ويخلص إلى أنه لم يكن هناك مصدر وحيد مكتوب للأقوال الواردة في “م”، وذلك للأسباب التالية:

  1. هناك عدد قليل من الارتباطات التحريرية الملحوظة في الأقوال المجموعة لـ”م”.
  2. تُظهر اللمسات السردية الثانوية في الجمل والعبارات الانتقالية دليلاً صغيراً على أصله الذي يعود لما قبل متى.
  3. لا يُظهر أسلوب ومفردات أقوال “م” المعزولة جنس الوحدة النمطية لمصدر مكتوب. وهكذا، في حين أن بعض المواد قد تكون مكتوبة، يبدو أن معظمها كانت موجودة في التقاليد الشفوية وحدها. علاوة على ذلك، فإن مادة الأقوال التي ربما تعكس تاريخ ثلاثين إلى أربعين عاماً تشير إلى احتمالية عدم وصول المادة إلى متى من مصدر واحد.

وعلى الرغم من أن بروكس لا يوضح هذا الاستنتاج بالتفصيل، فمن المعقول أن نفترض أنه إذا كانت أقوال “م” القصيرة لا تعكس مصدراً مكتوباً، فإن الشيء نفسه ينطبق على الأرجح على مجموعة متى الخاصة بأكملها. وبالتالي، في حين قد تكون بعض أجزاء مادة متى الخاصة وصلت إليه من مصادر مختلفة، فإن الدليل لا يشير إلى أنه استخدم مصدر “م” الوحيد، سواءً كان مكتوباً أو شفهياً، الذي يحتوي على معظم مادته الخاصة.

وعلى الأرجح، تعكس هذه المادة تاريخ منتصف إلى أواخر كنيسة متى أكثر من كونه مصدراً سابقاً مستقلاً جاء إلى كاتب الإنجيل كما جاء “ل” إلى لوقا. خلاصة القول: لا يوجد أي مصدر من خارج القانون الكنسي يشهد على يسوع التاريخي في مادة متى الخاصة.

مصدر الإشارات للإنجيل الرابع: يسوع المسيح

يتراءى للقراء المتبصرين في الإنجيل الرابع وكأنه يشمل على نهايتين. الأولى، يوحنا: (20/30-31)، حيث يتحدث عن الإشارات، أو معجزات يسوع، التي كتبها المؤلف ليقنع قراءه أن يسوع هو المسيح. والثانية، يوحنا: (21/24-25)، وهي على غرار الأولى حيث تؤكد على حقيقة شهادة الرسول الحبيب الواردة في الإنجيل الرابع، وتوضح بعبارة بليغة مبالغ فيها أن العالم لا يمكن أن يحتوي على الكتب التي ينبغي أن تكتب حول الأشياء التي قام بها يسوع.

وقد ألمحت النهاية الأولى التي تؤكد على الإشارات ووصف الإشارات التي تشكل معظم إنجيل يوحنا (1-11)، ألمحت للبعض في أن الإنجيل الرابع يحتوي على “مصدر الإشارات”. كلمة المصدر “source” وهي بالغة الألمانية “Quelle“، ومن هنا جاء الرمز التقليدي “SQ” الذي يرمز إلى مصدر الإشارات

لقد بدأ نقد مصدر الإنجيل الرابع في أوائل القرن العشرين بعد مواصلة نقد مصادر الأناجيل السينوبتية. فقد قام علماء بارزون مثل: يوليوس فلهاوزن، ويلهلم بوست، موريس غوغيول، إدوارد شفايتزر، جوشيم يريمياس، ورودولف بولتمان، بالعمل عل مصادر يوحنا. وكان التحليل النقدي الذي قدمه بولتمان عام 1941 شاملاً عندما علق على مصدر يوحنا، حيث استنقذ هذا المصدر، ولعقود عديدة، مزيداً من العمل الخلاق في ه1ا المجال. فقد افترض بولتمان وجود عدة مصادر، بما في ذلك مصدر الإشارات ومصدر آلام مستقل، وأعاد ترتيب محتويات يوحنا بصورة معقدة.

وبالتنقيح المستمر من خلال إحدى وعشرين طبعة، ظل موقف هذا الكتاب الذي ينقد مصدر يوحنا مجالاً للمناقشة لمدة ثلاثين عاماً، وما يزال هذا الكتاب مهماً. فمنذ الحرب العالمية الثانية حتى نحو عام 1970 اكتفت محاولة بحثية محدودة للغاية بالكشف عن عمل بولتمان. كما لم يتم الإجماع على مصادر الإنجيل الرابع، مع استثناء رئيسي وحيد. فقد اتفق معظم نقاد المصادر وكثير من المعلقين مع بولتمان على أن بعض أساليب مصدر الإشارات تشكل أساس يوحنا. ومن ثم فتحت اثنتان من المحاولات الجديدة المسألة، الأولى: كانت عام 1970 بقلم روبرت فورتنا، “إنجيل الإشارات: تجديد مصدر السرد الذي يشكل أساس الإنجيل الرابع”.

والثانية: كانت عام 1989 بقلم إيرين فون واهلد، “النسخة الأولى لإنجيل يوحنا: استعادة إنجيل الإشارات”. حيث سيشكل هذان الكتابان أساس تحليلنا هنا. وسوف نقوم بوصف فرضية “فورتنا” ودراستها كونها المساهمة الرائدة والأكثر نفوذا في الآونة الأخيرة التي تنقد مصدر يوحنا، ومن ثم البحث في عمل “فون واهلد” باختصار.

محتويات مصدر الإشارات كما حدده “فورتنا” في يوحنا:

6:1-7، 19-23، 26-27، 32-34 شهادة يوحنا المعمدان
23:1-24، 35-50 تعميد التلاميذ الأوائل
إشارات يسوع
1:2-3، 5-11 الأولى: تحويل الماء إلى خمر
46:4-47، 49-54 الثانية: شفاء ابن خادم الملك
2:21-8، 10-12،14 الثالثة: اصطياد السمك بكميات كبيرة
1:6-3، 5، 7-14 الرابعة: إطعام الحشود
15:6-22، 25 فاصل: السير على الماء والنزول الخارق على اليابسة
1:11-4، 7، 11، 15، 4:4-7، 9، 16-19، 25-26، 28-30، 40، 17:11-20، 28، 32-34، 38-39، 41، 43-45 الخامسة: أخبار مرض لازاروس، الرحلة إلى يهوذا، إيمان امرأة سامرية، قيام لازاروس
1:9-3، 6-8 السادسة: شفاء الرجل الذي وُلد أعمى
2:5-9، 14 السابعة: شفاء الرجل المريض منذ ثمانية وثلاثين عاماً
موت يسوع وقيامته
14:2-16، 18-19، 47، 53 تنظيف الهيكل، مؤامرة القتل
1:12-5، 7-8 الدهن في بيت عنيا
12:12-15 دخول المنتصر
متفرقات وُجدت في 27:12، 2:13 أ، 4-5، 12-14، 18 ب، 21 ب، 26-7، 37-8، 31:14ب، 32:16ب العشاء الأخير
1:18-5، 10-12 الاعتقال
13:18، 24، 15-16، 19-23، 16-18، 25-28 يسوع في بيت رئيس الكهنة
28:18، 33، 37-38، 15:19، 39:18-40، 6:19، 12-14، 1-3، 16 المحاكمة أمام بيلاطس
16:19-20، 23-24، 28-30، 25، 31-34، 36-42 الصلب والدفن
1:20-3، 5، 7-12، 14، 16-20 القيام
30:20-31 الخاتمة: “هذه الإشارات مكتوبة لتؤمنوا”

يقدم “فورتنا” مناقشة موجزة لطبيعة مصدر الإشارات، فقد كان هذا المصدر عبارة عن كتاب مكتوب، كما توضح خاتمته الموجودة الآن في يوحنا (30:20-31). فهو إنجيل مثله مثل إنجيل متى ومرقص ولوقا وحتى يوحنا فكلها أناجيل، فهو يقدم قصة مترابطة ليسوع من بداية كهنوته، مروراً بآلامه، إلى الخاتمة التي تنتهي بالقيامة. ويتم تقديم كل هذا على شكل رسالة للإيمان بها، كما توضح خاتمته. وبما أنه لا يحتوي على تعاليم متقدمة ليسوع، فهو إنجيل بدائي، إلا أنه يبقي إنجيلاً.

إن مصدر الإشارات مصدر يهودي مسيحي نظراً للأسلوب ولاسيما المحتوى اليوناني الوارد فيه. فهو ليس لديه شك بقضية الوثنيين، وليس هناك خلاف بشأن الحفاظ على شريعة موسى. وعلاوةً على ذلك، وعلى الرغم من أن “فورتنا” لم يوضح ذلك، إلا أن مقصده يشير إلى أن المجتمع الذي أنتج هذا الإنجيل كان على اتصال تبشيري نشط مع المجتمع اليهودي الكبير، حيث يصعب تحديد الطبيعة الاجتماعية لهذا المجتمع أياً كانت جذوره، قد يكون المجتمع الناطق باللغة اليونانية، الذي استخدم ذلك المصدر على أنه إنجيل، قد يكون موجوداً في أي مكان من العالم الهيلينستي.

ولم يستطع “فورتنا” تحديد تاريخ مصدر الإشارات بأي قدر من الدقة، فقد تكون كتابته تمت قبل أو بعد التمرد اليهودي الأول 66-70م.

ووفقاً لفورتنا، كان القصد من مصدر الإشارات أن يكون بمثابة الكتاب التبشيري الذي يحمل هدفاً وحيداً إلا وهو الإثبات لليهود الذين قد تحولوا إلى النصرانية أن يسوع هو المسيح([9]). ففورتنا يؤول عقيدة مصدر الإشارات على أنها مسيحانية بحتة. فمعجزات يسوع هي إشارات على وضعه المسيحاني، وقد جعل وصف آلامه في مصدر الإِشارات “مسيحانياً” بإضافة أقوال يسوع التي تلفت الانتباه إلى موقفه المسيحاني.

ويمنح مصدر الإشارات ألقاباً كثيرةً ليسوع مثل: المسيح / يسوع المسيح، ابن الله، حمل الله، ملك اليهود، الرب، إلا أن اللقب الأول يشكل محور الارتكاز بالنسبة لباقي الألقاب. وهناك تأكيد مستمر على حقيقة مسيحانية يسوع إلى درجة الاستبعاد الكامل لأي شرح لطبيعتها. وهذا من شأنه الإشارة إلى أن كلاً من مصدر الإشارات والمجتمع اليهودي الكبير الذي كان هدفاً للتبشير كان لديهما فهم مشترك لما تتطلبه المسيحانية، الفهم الذي تمحور بوضوح حول فكرة أن المسيح يثبت نفسه بالمعجزات.

إن مصدر الإشارات هو في الواقع، إذا استخدمنا توصيف فورتنا: “ضيق” و”بدائي” بالمقارنة مع الأناجيل الكنسية. وربما يعود سبب ضيقه إلى غرابته وغرضه المنفذ بدقة: أي إقناع قرائه أن يسوع هو المسيح الذي ينبغي الإيمان به.

إن العمل الذي قام به إيرين فون واهلد عن نقد المصدر يؤكد على محاولات فورتنا تقريباً، فهو يسعى، كما يشير عنوان كتابه، إلى استعادة “النسخة الأولى” لإنجيل يوحنا، حيث ينطوي على هذه الطريقة اكتشاف الطبقات الأدبية في الإنجيل الحالي. ومن ثم يقوم قون واهلد بالاستفادة من “الفروق اللغوية” الأربعة، مثل المصطلحات المستخدمة للسلطات الدينية والمعجزات واليهود.

وبعدها يقوم بتطبيق تسعة “معايير أيديولوجية” مثل: الصيغ النمطية للاعتقاد، ردة فعل الفريسيين على الإشارات، الانقسام في الرأي حول يسوع، ولاسيما “غلبة السرد”. ويتبع ذلك المعايير اللاهوتية، بما في ذلك المسيحانية ومذهب الخلاص. أخيراً، يتم توظيف خمسة معايير متنوعة.

كما يقدم تحليله سبعاً وثلاثين وحدة تغطي كل مصدر فورتنا تقريباً، وتوسعه بنسبة تقارب الثلث. يحتوي إنجيل الإشارات هذا على مقاطع انتقالية أكثر من إنجيل فورتنا، كما يحتوي على علامات تتذر بموت يسوع. ويفسر فون واهلد خلفية المصدر وعقيدته بنفس طريقة فورتنا. فالإِشارات تلفت الانتباه إلى قوة يسوع وتولد الإيمان به لاسيما بين عامة الناس. كما أن مسيحانية المصدر ضئيلة إلى جانب وجود خلفية خاصة لتصنيف موسى.

ويؤكد في يهودا، نظراً للتأكيد على كهنوت يسوع هناك، وربما تكون كتابته قد تمت في الفترة الواقعة بين 70 و80م في المجتمع اليهودي المسيحي. على العموم، ليست طريقة متطورة أو مطبقة بدقة كطريقة فورتنا، فعمل الأخير يبقى المحاولة الرائدة في فهم مصدر الإشارات.

لقد ذكر ريموند براون بدقة: “لا يمكن للمرء في العقود الأخيرة من القرن العشرين التحدث عن نهج مجمع عليه ليوحنا.” وعلى وجه الخصوص بين أولئك الذين يتمسكون بمصدر الإشارات، وليس هناك توافق قوي حول ما يحويه بالظبط. إن النقطة الرئيسية في انعدام التوافق هذا تثير المخاوف فيما إذا كان مصدر الإشارات يحتوي على سرد للآلام والقيامة. هل مصدر الإشارات فريد بين جميع المصادر التي سبقت المصادر الكنسية باحتوائه على مثل هذا السرد، أم أنه احتوى على الإشارات فقط التي قام بها يسوع خلال كهنوته؟

لقد قام كل من فورتنا وفون واهلد بإعادة تجديد كاملة لأناجيل الإشارات بسرد عن الآلام والقيامة، إلا أن العديد من العلماء لم يوافقوا على ذلك. فعلى سبيل المثال، افترض بولتمان وآخرون جاؤوا بعده مصادر منفصلة عن الآلام والقيامة. فالقليل القليل في النصف الأول من مصدر الإشارات الذي أعده فورتنا يشير إلى موت يسوع، والقليل القليل في النصف الثاني يشير مجدداً إلى النصف الأول. وعلاوةً على ذلك، بوضع فورتنا تطهير المعبد ومؤامرة القتل في بداية سرد الآلام، لا يظهر النصف الأول لمصدر الإشارات الذي أعده أي عداء ضد يسوع الذي من شأنه أن يؤذن بموته.

إن انعدام الإشارة إلى موت يسوع وقيامته غريب حقاً بالنسبة للنصف الأول من إنجيل كامل، حتى ولو كان إنجيلاً بدائياً. أيضاً، يظهر النصف الثاني لمصدر الإشارات الذي أعده الصيغة التالية: “وهكذا، تم الإيفاء بالكتاب المقدس”، الأمر الذي لم يظهر النصف الأول. يبدو هذا التناقض غير معقول في حال كان مصدر الإشارات يشكل إنجيلاً كاملاً بسرد عن الآلام والقيامة.

لماذا يجب على إنجيل إشارات الإصرار على أن آلام يسوع هي الإيفاء بالكتاب المقدس بدلاً من استخدام حجة دينية واضحة لإثبات مسيحانية يسوع؟ علاوةً على ذلك، قد تمون الإشارات السبع، وهو عدد الكمال الإنجيلي، التي قام بها يسوع، دلالة على أن مصدر الإشارات تعامل فقط مع كهنوت يسوع العلني ولم يتعامل مع آلامه وقيامته كذلك.

إقرأ أيضاً:

([1]) سيكون الفصل القادم مجالاً للبحث في إنجيل مرقص السري وإنجيل بطرس كمصادر ممكنة لإنجيل مرقص الكنسي.

([2]) هذه الاستثناءات هي إغفال المواد من مرقص: 17:6-29 و45:6-8: 26. ومن ناحية أخرى يستند تأليف لوقا لرواية السفر في قسمه المركزي: 51:9-27:19 على مرقص: 10.

([3]) كتب مارشال في كتابه: إنجيل لوقا، الصادر عام 1978: “إن إخلاص لوقا العام لمصادره “م” أي مرقص، و”ق” تجعل المرء يشكك بالقول أنه أوجد مادةً كبيرةً في الإنجيل، وأنه من الأكثر منطقية أن مواقف لوقا تشكلت إلى حد كبير من خلال الأعراف التي ورثتها”.

([4]) كتب جوزيف فيتزماير في كتابه: الإنجيل حسب لوقا، الصادر عام 1981: “على الرغم من عدم يقينه فيما إذا كان “ل” مصدراً مكتوباً أو شفهياً، أو فيما إذا كان ممكناً وضعه على قدم المساواة مع “ق” أو مرقص، في قائمة فقراته… التي أعتقد أنه استمدها من “ل”، فهو يورد جميع مواد لوقا الخاصة”.

([5]) إن تحليل المحتوى الذي قام به “بافينروث”، لتميز المصدر عن التأليف الذي قام به لوقا، قد يؤدي في بعض الأحيان إلى التفكيك الكبير بينهما. فعلى سبيل المثال، لقد رأى الكثير من مفسري “ل” أن قصة زكا تتماشى مع لاهوت لوقا، وليست على خلاف معه. ثانياً، إن استخدامه لكلمات تثير الاهتمام من أجل اكتشاف وحدة المصدر التكوينية والموضوعية يمكن أن يتم انتقادها على أنها ليست الطريقة الدقيقة، مثلاً: عندما يكرر كلمة “الشرف”، التي لا تأتي على نحو صريح. وبذلك لا يمكن أن تكون أساساً لتكوين كلمات تثير الاهتمام.

أخيراً، يمكن التساؤل عما إذا كان قد استخدم لوقا “ل” بترتيبه الأصلى. يقدم بافينروث بعض الحجج الوجيهة من المضمون والأسلوب للإشارة إلى أن لوقا فعل ذلك. ومع ذلك، ونظراً لأن لوقا استخدم مرقص في الغالب بترتيبه واستخدم أيضاً “ف” بترتيبه الأًصلى على الأرجح، ربما كام من الصعب له استخدام مصدر “ل” بترتيبه الأصلي أيضاً. وعلى الرغم من هذه الانتقادات، يسهم تحليل “بافينروث” الشامل باستمرار في البحث في “ل”، هذه المساهمة يجب أن تأخذها البحوث التي ستجري في المستقبل بعين الاعتبار.

([6]) هنا يجب علينا أن نتذكر بأننا نملك هذه المصادر الافتراضية بالقدر الذي استخدمه كتاب الأناجيل لها. فعلى سبيل المثال، إن استخدام لوقا لمرقص على نحو انتقائي وخلاق لهو مؤشر حسن له بأنه قد يكون استخدم “ل” بالطريقة نفسها.

([7]) علق مانسون على نصوص “م” وقدم لها خلاصة من ثماني صفحات، تتناقش فيها السمات العامة والمواضيع اللاهوتية لـ”م”. ومع ذلك، فقد أفسد تحليله عندما أدرج الكثير من النصوص المعروف أنها تعود لـ”ق”.

([8]) شنيل، كتابات، 174. – ومع ذلك، فقد قال هانز كلاين: إن “م” منظم في ثلاث فئات وفقاً للشكل وللمضمون، وإن القصص التي تتحدث عن التحول إلى الفقراء وإلى المعاناة، والأقوال حول الناموس التي تحذر من التراخي في الحياة، والأقوال بشأن المجتمع وكل من القادة والأتباع، كل ذلك يبني أساساً متيناً لحياة الكنيسة.

([9]) يتعارض هذا الرأي مع الفهم العام بأن الأدب المسيحي المبكر كان من أجل الاستخدام الداخلي.

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

قلب المعجزة – من الموت إلى الحياة – ردا على احمد ديدات

قلب المعجزة – من الموت إلى الحياة – ردا على احمد ديدات

قلب المعجزة – من الموت إلى الحياة – ردا على احمد ديدات

استفاق ديدات من مستنقعه، ليكتب عن هذه المعجزة، وسأناقش كلامه واحدة واحدة، فبهجة الحق الكتابي، في إرعاب الهاربين منه، تنعشني حتى الافتخار بكلمة الله الحية

أولاً: إيمان وليس طنطنة

كتب ديدات بهرجه المعهود، تحت عنوان (لازاريوس) “أي لعازر” في ص 94 (ولكن حيث أن هناك الكثير من الطنطنة حول أعظم معجزات عيسى عليه السلام، وهي في نظرهم معجزة إحياء لعازر)

كما ترى عزيزي القارئ، عجرفة ديدات وهكذا دون خجل من كم الآيات التي تجاهلها، وهو يسمي إيماننا بهذه المعجزة (طنطنة)، وأنا أعرف جيداً وجع ديدات، فقد كان يتألم حتى الموت، في كل مرة يرى فيها تألق الآيات اللاهوتية التي تشهد لألوهية المسيح. وهذا الازدراء الذي يبدأ به كلامه هنا، ما هو إلا انفجاراً لغضب مكبوت في صدره، تجاه طبيعة المسيح، الإله الذي أحب الناس وافتقدهم بأن جاء في طبيعتهم.

أما الطنطنة فهي للعقول الفارغة، التي تنتهج الكذب وسيلة لها، وتقص هنا وتلصق هناك، وتتجاهل الآيات الهامة الموجعة هنا، وتدخل في غيبوبة مصطنعة هناك، إنه كأسك يا ديدات فاشرب منه حتى الثمالة، فأنت من طنطن حول معجزة إقامة لعازر من الموت، تاركاً الوحي المقدس.

ثانياً: أين حق القارئ؟

واصل ديدات حديثه فكتب (فإننا سنتناول المسألة كما وردت بإنجيل يوحنا، ومن المدهش أن كتّاب الأناجيل – فيما عدا يوحنا – لم يكتبوا عن هذا “اللعازر” في أي نص من النصوص. وعلى كل حال فإن القصة تقول إن لعازر كان مريضاً جداً، وألحت أختاه مريم ومرثا على دعوة السيد المسيح لكي يحضر ويشفيه من مرضه، ولكن وصل متأخراً جداً، وفي الحقيقة فإن أربعة أيام كانت قد مضت على وفاته عندما وصل المسيح عليه السلام)

  1. خداع القارئ: ديدات يستغل عدم رجوع البعض للإنجيل، فيكذب عليهم كما ترى ودون أن يعرف حمرة الوجوه يقول (فإننا سنتناول المسألة كما وردت بإنجيل يوحنا). وبالطبع الآن عزيزي القارئ، أنت تعرف كيف وردت المعجزة في الإنجيل، وديدات يختصر كل ما يؤلمه، فيقدم القصة – ليست كما وردت في الإنجيل – وإنما كما هي في خياله الذي غيّبه بإرادته.
  2. الهروب خلف شرط الإيمان: كتب ديدات وهو يهرب من الحق الواضح أمامه، بأن المسيح وجه كلامه إلى مرثا قائلاً (ومع ذلك لو عندك إيمان فسترين عظمة الله، كان الشرط إذن هو الله وجود إيمان بالله، أوليس هو القائل إن الإيمان يمكن أن يحرك الجبال؟).

هذا هو ديدات ببساطة، فلا يقدم كل الحوار – الذي قدمناه سابقاً – الذي دار بين المسيح ومرثا، وكيف أنه وعدها فقال لها (سيقوم أخوك) ولا إعلان ألوهيته في قوله (أنا هو القيامة والحياة)، ولا أن المسيح أشار من البداية لمجده الذي سيعلنه في هذه المعجزة، ولا أي شيء، فالرجل يقصد ألا يرى أي شواهد تؤكد حقيقة طبيعة المسيح اللاهوتية، ويتمسح بعبارات يأخذه من قلب السياق، معتقداً أنه يمكن أن يخدع بها القارئ. وهنا يحاول أن يهرب، بأن الإيمان بالله شرط. هذه خيبة ديدات، هل تعرف عزيزي القارئ أين وردت هذه العبارة التي يتمسح بها ديدات؟ دعني أكتب لك السياق لتكتشف طريقة ديدات في التدليس، حيث أنه ترك كل الحوار الأول بين المسيح ومرثا، وقفز إلى مكان القبر، ولكن الألم سيزيد على ديدات بعد قليل، والآن إليك السياق كله، وكيف يلتقط ديدات كلمة من بين الكلام لا تعبر عن معناه إلا في سياقها (فلما أتى يسوع وجد أنه قد صار له أربعة أيام في القبر، وكانت بيت عنيا قريبة من أورشليم نحو خمس عشرة غلوة، وكان كثيرون من اليهود قد جاءوا إلى مرثا ومريم ليعزوهما عن أخيهما، فلما سمعت مرثا أن يسوع آت لاقته، وأما مريم فاستمرت جالسة في البيت، فقالت مرثا ليسوع: يا سيد، لو كنت ههنا لم يمت أخي، لكني الآن أيضا أعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك الله إياه، قال لها يسوع: سيقوم أخوك، قالت له مرثا: أنا أعلم أنه سيقوم في القيامة، في اليوم الأخير، قال لها يسوع: أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل من كان حيا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد. أتؤمنين بهذا؟ قالت له: نعم يا سيد. أنا قد آمنت أنك أنت المسيح ابن الله، الآتي إلى العالم، ولما قالت هذا مضت ودعت مريم أختها سرا، قائلة: المعلم قد حضر، وهو يدعوك، أما تلك فلما سمعت قامت سريعا وجاءت إليه، ولم يكن يسوع قد جاء إلى القرية، بل كان في المكان الذي لاقته فيه مرثا، ثم إن اليهود الذين كانوا معها في البيت يعزونها، لما رأوا مريم قامت عاجلا وخرجت، تبعوها قائلين: إنها تذهب إلى القبر لتبكي هناك، فمريم لما أتت إلى حيث كان يسوع ورأته، خرت عند رجليه قائلة له: يا سيد، لو كنت ههنا لم يمت أخي، فلما رآها يسوع تبكي ، واليهود الذين جاءوا معها يبكون، انزعج بالروح واضطرب، وقال: أين وضعتموه ؟ قالوا له: يا سيد، تعال وانظر، بكى يسوع، فقال اليهود: انظروا كيف كان يحبه، وقال بعض منهم: ألم يقدر هذا الذي فتح عيني الأعمى أن يجعل هذا أيضا لا يموت، فانزعج يسوع أيضا في نفسه وجاء إلى القبر، وكان مغارة وقد وضع عليه حجر، قال يسوع: ارفعوا الحجر. قالت له مرثا، أخت الميت: يا سيد، قد أنتن لأن له أربعة أيام، قال لها يسوع: ألم أقل لك: إن آمنت ترين مجد الله) (يوحنا 11: 17-40)

هذا الجزء كبير من السياق، أخذ منه ديدات فقط الكلمة التي تحتها خط. هل تصدق ذلك؟ فلماذا لم يكتب ديدات هذا السياق للقارئ؟ لأن في السياق موجود موضوع الإيمان. ففي السياق السابق، نقرأ أن موضوع الإيمان، هو الإيمان بالمسيح ابن الله، أي الله المتجسد، وقد سأل المسيح مرثا (أتؤمنين بهذا؟) يا ترى تؤمن بماذا؟ لنرى سياق السؤال. (فقالت مرثا ليسوع: يا سيد، لو كنت ههنا لم يمت أخي، لكني الآن أيضا أعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك الله إياه، قال لها يسوع: سيقوم أخوك، قالت له مرثا: أنا أعلم أنه سيقوم في القيامة، في اليوم الأخير، قال لها يسوع: أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد. أتؤمنين بهذا؟ قالت له: نعم يا سيد. أنا قد آمنت أنك أنت المسيح ابن الله، الآتي إلى العالم).

لقد طمس ديدات هذا السياق، وأخذ كلمة واحدة منه، لأن السياق سيدمر مشروعه الإجرامي تماماً، وهذا الطمس يكفي لنسف خرافات ديدات وأكاذيبه الفاسدة.

ثالثاً: خرافة الأنين

خرافة الخرافات التي كتبها ديدات، والتي من خلالها نجح في أن يصيبني بالدهشة، رغم أنني كنت قد تعودته وأتوقع منه أي شيء، إلا أن هذه الخرافة فاقتهم جميعاً. فتحت عنوان (المسيح يئن) ص 94-95 كتب ديدات (ويأمر المسيح عليه السلام أن يؤخذ إلى قبر المتوفي، وفي الطريق اتجه إلى الله، كان يتجه بكل قلبه وجماع إيمانه، وكان في قرارة نفسه يصلي ويدعو الله، ولكنه يتوسل ويتضرع بكل هذه الخشوع لم تكن كلماته بحيث يسمعها الناس حوله أو يفهموها. ومن هنا آثرنا تعبير “اتجه بقلبه” وعند بلوغ القبر اتجه عيسى “بقلبه” مرة ثانية، وربما بعزيمة إصرار أكبر مما سبق، وسمع الله صوت توجه القلب إليه، سمع صلاته التي كان يرددها بقلبه، وتلقى عيسى “بقلبه” تأكيد الله له أنه سبحانه سيلبي رجاءه، آن لعيسى الآن أن يستريح وأن يأمر بإزالة الحجر الذي كان يغلق المدفن، لكي يتمكن لعازر أن يعود من بين الأموات، ودون ذلك اليقين الذي أمد الله به عيسى، ما كان عيسى ليجعل من نفسه سخرية الناس)

  1. خرافات في منام ديدات: أعتذر لعدد الخطوط التي وضعتها تحت الكلمات، وبكلمة واحدة أقولها لك عزيزي القارئ، كل هذا الكلام لا وجود له على الإطلاق في الإنجيل المقدس. إن ديدات ينام ويحلم، ويعتقد أن ما يراه في منامه هو في الإنجيل، فهو يترك الإنجيل ويؤلف كما يريد. وتخبطه هنا، دليلاً على قوة المعجزة، وطبيعة ألوهية المسيح الواضحة فيها، ومن الغريب المدهش أن ديدات يفضح نفسه هنا ويسخر من عقله ويحتقره بشكل مقزز. فقد كتب أعلاه (وفي الطريق اتجه إلى الله. كان يتجه بكل قلبه وجماع إيمانه، وكان في قرارة نفسه يصلي ويدعو الله، ولكنه وهو يتوسل ويتضرع بكل هذا الخشوع لم تكن كلماته بحيث يسمعها الناس حوله أو يفهمونها. ومن هنا آثرنا تعبير “اتجه بقلبه”)

فعيسى كان يصلي بخشوع، ولكن لم يسمع أحد من الجموع صوت صلاته. فكيف سمعتها أنت يا ديدات؟! الرجل مذهل حقاً، الجموع لم تسمع ولكن ديدات هو الوحيد الذي سمعها!! ففي كل هذا الكون وبعد ألفي عام. سمع ديدات صلاة عيسى التي لي يقلها أصلاً عيسى!! ويزيد ديدات من سماجته فيؤكد، بأنه أيضاً ولا واحد من الجموع فهم صلاة عيسى!! فكيف فهمتها أنت يا ديدات؟! وكيف تكتب معانيها هنا؟ فما هذه العبقرية المتطرفة لحد الجنون؟ أما الأغرب: فهناك من يصدق هذا الكلام!!

ثم لا يكترث الرجل ويعترف بأنه الوحيد الذي سمع هذه الصلاة – غير الموجودة أصلاً – وفهمها، فيعترف قائلاً (ولكنه – أي عيسى – وهو يتوسل ويتضرع بكل هذا الخشوع لم تكن كلماته بحيث يسمعها الناس حوله أو يفهمونها. ومن هنا آثرنا تعبير “اتجه بقلبه”). فيعترف ديدات أنه هو الذي اختار لصلاة عيسى غير المسموعة وغير المفهومة. اختار لها تعبير (اتجه بقلبه)، فإذا كان عيسى قد اتجه بقلبه، فكيف سمعت أنت صلاته وفهمتها؟! هل ديدات يعقل ما يكتب، أم أن الكذب أعمى ذهنه وبصيرته؟!

يعني الوحي المقدس وتلاميذ المسيح وأهل الميت وكل الشهود، لم يسمعوا ولم يفهموا صلاة عيسى، بينما ديدات سمعها وفهمها. فلماذا يحتقر ديدات نفسه لهذا الحد؟ لقد فقد سيطرته على غضبه. وبات يرزح تحت ثقله. فيوجه عقله بغضبه وجنونه على المسيح. هذا الجنون الديداتي يكشف لك عزيزي القارئ: استغلال ديدات المقيت لجهل بعض القراء بالكتب المقدس.

ولكن على كل فهذه العبارة (ومن هنا آثرنا تعبير “اتجه بقلبه“)، هي شهادة قوية واعتراف صريح من ديدات بأنه يؤلف، ويترك ما في الإنجيل المقدس، وهذا أيضاً يكفي.

  1. مواصلة ديدات لاختراعاته: لم ينتهي ديدات من المسألة، فالرجل لا ينتهي مسلسل خرافاته بسهولة. فبمنطق المخادع المرواغ والمزور للحقائق، يواصل خداعه للقارئ، فيقول عن عيسى أنه صلى مرة أخرى، وديدات أيضاً سمع وفهم. فمع أنه لا يوجد مرة أولى، يخترع ديدات المرة الثانية التي لا وجود لها أيضاً، فتحت العنوان السابق كتب (وعند بلوغ القبر اتجه عيسى “بقلبه” مرة ثانية، وربما بعزيمة إصرار أكبر مما سبق، وسمع الله صوت توجه القلب إليه، سمع صلاته التي كان يرددها بقلبه، وتلقى عيسى “بقلبه” تأكيد الله له أنه سبحانه سيلبي رجاءه، آن لعيسى الآن أن يستريح وأن يأمر بإزالة الحجر الذي كان يغلق المدفن، لكي يتمكن لعازر أن يعود من بين الأموات، ودون ذلك اليقين الذي أمد الله به عيسى، ما كان عيسى ليجعل من نفسه سخرية الناس).

لن أطيل عليك عزيزي القارئ. ولا أريد أن أتركك في دهشة من جرائم ديدات التي لا تنتهي، ولكن لاحظ عبقرية ديدات (وعند بلوغ القبر اتجه عيسى “بقلبه” مرة ثانية، وربما بعزيمة إصرار أكبر مما سبق، وسمع الله صوت توجه القلب إليه، سمع صلاته التي كان يرددها بقلبه، وتلقى عيسى “بقلبه” تأكيد الله له أنه سبحانه سيلبي رجاءه).

فديدات لم يسمع فقد صلاة عيسى الوهمية غير الموجودة أصلاً، بل إنه يدعي أكثر من ذلك، فيدعي أنه سمع أيضاً استجابة الله لعيسى. (وسمع الله صوت توجه القلب إليه). فإن كان هو توجه قلب، فكيف سمعته يا ديدات؟ وكيف سمعت استجابة الله للقلب؟! وكل هذا عزيزي القارئ: لا أصل له في الإنجيل المقدس. فأرجوك توقف عن الاندهاش وتابع معي.

رابعاً: الوصول للقبر وإقامة لعازر

ويعود ديدات هنا ليحبك حبكته النهائية التي بدأها. فمنذ أن تكلم عن هذه المعجزة وهو يحاول أن يضع القارئ في جو معين، إنه الجو الذي اختاره ديدات لذلك العيسى الذي لا نعرفه، عيسى الذي يصلي بصوت غير مسموع وبكلمات غير مفهومة إلا لديدات فقط الذي سمعها وفهمها، وغير ذلك من التهريج الذي قصده ديدات ليصل بالقارئ الكريم إلى صورة معينة في ذهنه، وعندما يصل بالقارئ الكريم إلى قبر لعازر، يكون قد تهيأ القارئ ذهنياً ليقبل من ديدات هذه الجرعة السامة الأخيرة، والتي فحيحها يعلن أنها باتت في مقدمة أنيابه. ونحن لا نخاف السموم فقد شفينا من سم الحية القديمة، ولهاذا فبنعمة الرب: سنناقش المعجزة حتى النهاية.

  1. وصول المسيح لقبر لعازر وخدعة “إرفعوا الحجر”: لقد حاول ديدات هنا أن يلعب بالآيات الإنجيلية، فقدم واحدة عن الأخرى. فقد ترك أمر المسيح برفع الحجر حتى النهاية، ليكذب على القارئ بأن المسيح عندما تخاطب مع أبيه السماوي، وأنه بعد أن تأكد أن الله استجاب له، عندها أمر برفع الحجر. وها هو ديدات يفبرك الأحداث دون خجل ويقول (آن لعيسى الآن أن يستريح، وأن يأمر بإزالة الحجر الذي كان يغلق المدفن، لكي يتمكن لعازر أن يعود من بين الموتى، ودون ذلك اليقين الذي أمد الله به عيسى ما كان عيسى ليجعل من نفسه سخرية الناس).

هذا الكلام غير صحيح، لأن المسيح بمجرد أن وصل إلى القبر، أمر برفع الحجر، وليس لديدات فرصة ليهرب من الوحي المقدس الذي شهد فقل (وجاء – المسيح – إلى القبر وكان مغارة، وقد وضع عليه حجر، قال يسوع: ارفعوا الحجر. قالت له مرثا أخت الميت: يا سيد قد أنتن، لأن له أربعة أيام. قال لها يسوع: ألم أقل لك: إن آمنت ترين مجد الله) (يوحنا 11: 38-40)

قصد المسيح أن يشتم كل الحاضرين رائحة الموت. ليشتموا بعدها رائحة الحياة. أمر برفع الحجر، وتحرجت مرثا أن يشتم الناس رائحة أخيها النتنة، حيث قالت للمسيح (قد أنتن)، أي رائحته أصبحت نتنة، غير أن المسيح أراد أن تكون رائحة لعازر إحدى الأركان في شهادة الجموع، الذين رأوا وسمعوا واشتموا أيضاً.

ولكن لا أنسى هنا، أن أذكرك عزيزي القارئ، ببعض أخطاء ديدات وسقاطاته فقد كتب سابقاً (آن لعيسى الآن أن يستريح، وأن يأمر بإزالة الحجر الذي كان يغلق المدفن، لكي يتمكن لعازر أن يعود من بين الموتى، ودون ذلك اليقين الذي أمد الله به عيسى ما كان عيسى ليجعل من نفسه سخرية الناس).

اليقين يقين المسيح في ذاته، فلا صلاة ولا استجابة. وقد أمر برفع الحجر بمجرد أن وصل للقبر. وضع المسيح نفسه بكل قوة أمام هذا التحدي الكبير، فقد أمر بفتح قبر متعفن، وسيكون الأمر في غاية الحرج – كما أخطأ ديدات وكتب – أن لم يقيم المسيح هذا الميت، فستكون السخرية كبيرة جداً. ولكنه رب الحياة وعقل الله الذي يعرف ماذا سيفعل، وقد ناجى أباه السماوي بصوت مسموع، يرد على الذين اتهموه بأن معجزاته القوية في اخراج الشياطين، هي بقوة بعلزبول رئيس الشياطين. فأراد المسيح هنا أن يعلم الجميع أن جوهره ألوهي من ذات جوهر الآب وطبيعته، ولذلك فبعد أن رفع الحجر، وأصبح في موقف التحدي، أعلن أنه القادر على كل شيء وأنه كلمة الله المسموعة على الدوام.

  1. أمر المسيح للميت أن يخرج: وقف المسيح أمام قبر لعازر، وليس كمن يطلب المعونة ويصلي أو يتضرع، وإنما وقف بقوة الواثق العَالِم يما سيفعله، العارف أنها قوته الذاتية ومشيئته الذاتية، وقف أمام القبر وبسلطان لاهوته (صرخ بصوت عظيم: لعازر هلم خارجاً! فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة ووجهه ملفوف بمنديل، فقال لهم يسوع حلوه ودعوه يذهب) هذه هي شهادة الوحي الإلهي في الإنجيل المقدس، ويا ها من شهادة غالية معبرة عن قدرة إلهية واضحة يتمتع بها المسيح العظيم! فبكلمة أمره، عاد الميت إلى الحياة!

عزيزي القارئ: إننا هنا لا نتكلم عن المعجزة في حد ذاتها. وإنما نتكلم عن أسلوب المعجزة. ماذا قال المسيح وكيف تصرف وما هي النتيجة؟ وكلها أمور وجد ديدات أنه من الأصلح له، أن يبقى في غيبوبته، فلا يتطرق إليها.

  1. الثمرة الطبيعية: ما الذي يمكن أن يكون ثمرة لهذه المعجزة القوية الباهرة، التي أظهر فيها المسيح سلطان لاهوته، فأقام لعازر من الموت من بعد أربعة أيام؟! قال الوحي المقدس عن هذه الثمرة (فكثيرون من اليهود الذين جاءوا إلى مريم ونظروا ما فعل يسوع: آمنوا به) ولكن آمنوا بماذا؟! إنه سؤال مهم هرب السيد ديدات منه! إنهم قبل هذه المعجزة ومن خلال معجزات كثيرة، يؤمنون بأن المسيح نبي عظيم. أما هنا فقد ارتقى إيمانهم على ما شهد به هو بنفسه في سياق المعجزة. أنه ابن الله، وأنه هو القيامة والحياة. الخ. هذا هو إيمان هؤلاء بالمسيح، بعد أن رأوا بعيونهم سلطان لاهوته، وأنه يأمر الميت بكلمة “قم فيقوم” وهذا الإيمان هو ثمرة طبيعية لألوهية المسيح، وسلطان الذي أبهر الناس، وتجلى في أمره للعازر الميت منذ أربعة أيام بالخروج من القبر حياً، فخرج حياً.
  2. ختام الأمر كله: لقد أكد المسيح قدرته الذاتية على إقامة الموتى، تارة بالكلام وأخرى بالأعمال أيضاً. وحيث أثبت أنه قادر على إقامة الموتى بالبيان، فأقامهم أمام الشهود. فلا ننسى كلامه أيضاً. فهو الذي قال (لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك الابن أيضاً يحيي من يشاء) (يوحنا 5: 21) يحيي من يشاء، وهنا لا مجال للتدليس، فقد بين المسيح هنا طبيعته اللاهوتية، ذلك لأنه عقل الله. فإنه أيضاً قادر في أن يحيي من الموت من يشاء. ليس هناك أوضح من ذلك وفي كتابنا المقدس، ومن له أذنان للسمع فليسمع. ونحن اليوم نؤمن بالمسيح العظيم، الذي هو فوق السنين والأجيال، وخارج حدود الزمان والمكان. وهو مخلصنا وفادي نفوسنا، وسيأتي قريباً. ويأخذنا معه للمجد الأبدي، الذي أعده للمؤمنين به، بصلبه وموته وقيامته وصعوده، ولم يبقى كثيراً ليأتي مرة أخرى. فاغتنم الفرصة قبل فوات الأوان.

معجزة إقامة لعازر من الموت – حيرة ديدات – ردا على احمد ديدات

معجزة إقامة لعازر من الموت – حيرة ديدات – ردا على احمد ديدات

معجزة إقامة لعازر من الموت – حيرة ديدات – ردا على احمد ديدات

معجزة إقامة لعازر من الموت – حيرة ديدات – ردا على احمد ديدات

أتابع مع ديدات، مسلسل حيرته مع معجزات المسيح، التي جعلته يدور في كل اتجاه، يتلمس الظلام، ليزور في سلطان المسيح وقدرته الإلهية، فظل يدور ويدور، بحثاً عن أي شيء عدا النور الذي في المسيح.

أصلً الآن في الرد على ديدات إلى المحطة الأخيرة التي توقف عندها قطاره، وهي معجزة إقامة المسيح للعازر بعد موته بأربعة أيام.

تحت عنوان (الازاريوس) “أي لعازر” وفي ص 94، كتب ديدات الكثير من المغالطات، وحيث أنه لا يبدأ المعجزة من أولها، وإنما تناولها من منتصفها لأغراضه الإجرامية المعتادة، فأنا أجد نفسي سعيداً لشرح أبعاد المعجزة من بدايتها للقارئ الكريم، ولإظهار أهم الجوانب اللاهوتية التي فيها، والتي هرب منها ديدات. على أن نصل إلى منتصف المعجزة، فنتقابل مع ديدات هناك.

أولاً: قبل المعجزة بأيام

لا يمكن لديدات أن يبدأ من أول الآيات، لا أن ينتهي بها، في أي موضوع يتناوله. فقد جاء بالوحي المقدس (وكان إنسان مريضاً وهو لعازر من بيت عنيا، من قرية مريم ومرثا أختها، وكانت مريم التي كان لعازر أخوها مريضاً. هي التي دهنت الرب بطيب ومسحت رجليه بشعرها، فأرسلت الأختان إليه قائلتين: يا سيد هو ذا الذي تحبه مريض، فلما سمع يسوع قال: هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله، ليتمجد ابن الله به) (يوحنا 11: 1-4).

من هذه الآيات الرائعة ترتسم أمامنا طبيعة ألوهية المسيح.

  1. العلم المطلق بالمستقبل: في هذه الآيات الأولية لحدث المعجزة العظيم، يبدأ المسيح في تحضير أذهان الناس وخاصة تلاميذه لهذا الحدث الكبير، وهذه المعجزة المدهشة المبهرة، وهي إقامة لعازر من الموت بعد أربعة أيام من موته بقوة سلطان لاهوته، وبسلطان الكلمة الآمرة للعازر، فيقوم من الموت.

فيقول لتلاميذه: (هذا المرض ليس للموت) كيف يتجرأ أي شخص، ويعلن بأن هذا المرض أو ذاك، لن يكون نهايته الموت ونهاية هذا الإنسان؟ ولكن المتكلم هنا هو المسيح، وهو ليس أي شخص. فهو العالم بما سيحدث من أدق الأمور لأعظمها. فكل التفاصيل التالية، والمختصة بمرض لعازر وموته، وأنه هو من سيقيمه من الموت، وسيقيمه بعد أربعة أيام، كل هذا ماثل أمام المسيح، فهو يرى المستقبل بعين الحاضر. لأنه من الصعب أن يتفوه أي شخص بأمور المستقبل من باب التخمين، فيدخل نفسه في حرج كبير. إذا مات لعازر مثلاً في هذه الحالة التي نحن بصددها، موته الأخير النهائي. ولكننا هنا نحن أمام سيد الأرض كلها، ومالك أمور الحياة وضابط الكل. وبعد ذلك يسخر منه الناس والتلاميذ، إذا كلامه غير صحيح، أو لو أن لعازر كان قد مات حقاً موتاً نهائياً ولم يقمه منه.

  1. واهب الحياة وقابضها: ومن المهم أن تربط كلام السيد المسيح بقضية الموت التي يتكلم هو عنها، فلا أحد يعرف متى سيموت الناس ولا نهاية حياتهم كيف ومتى وأين ستكون؟ غير الله فقط. فكيف للمسيح أن يعرف بأن لعازر لن يموت بسبب هذا المرض؟ إلا لو أنه هو بذاته واهب الحياة ذاتها للعازر وغيره من الناس، وهو قابضها أيضاً، وقتما وكيفما يشاء.
  2. لمن المجد؟!: في هذه الآيات الابتدائية لحدث المعجزة العظيم، يكشف المسيح عن صفة ألوهية أخرى، ولكن بأكثر عمق، فيقول لهم: (هذا المرض ليس للموت، بل لأجل مجد الله، ليتمجد ابن الله به) (يوحنا 11: 1-4).

هذه من أقوى العبارات اللاهوتية، ففي هذه الكلمات نرى المسيح يُدمج تعبيرين في معنى واحد، فيقول (لأجل مجد الله، ليتمجد ابن الله) فمن هو سيتمجد؟! هل الله أم ابن الله؟! ففي الجزء الأول من الآية يقول (لأجل مجد الله) ومنها نفهم أكثر من أمر. أركز على اثنين منهما. الأول: التركيز على عِلْمِه بأن هناك حادثة ستحدث، وسيتمجد الله من خلالها. فهنا إذن يثبت المسيح علمه المطلق حتى بنتائجها وهي: مجد الله. والثاني: حيث يقول (ليتمجد ابن الله به!) وهنا، فإنه لابد أن تستوقفنا هذه العبارة وتستوقف كل باحث أمين مدقق عن الحق، ولنا أن نسأل: مَن الذي ستمجد الله أم ابن الله؟!

هنا يؤكد المسيح أنه كلمة الله. فالمجدي الذي سيعود على الله، هو مجده هو ذاته، لأنه هو اللوغوس عقل الله الكلمة، وعقل الله هو الله. فالمجد واحد لذات الإله الواحد.

ثانياً: قبل السفر لقرية لعازر

قبل السفر إلى قرية لعازر، قال المسيح لتلاميذه (لعازر حبيبنا قد نام، لكن أذهب لأوقظه. فقال تلاميذه: يا سيد إن كان قد نام فهو يشفى. وكان يسوع يقول عن موته، وهم ظنوا أنه يقول عن رقاد النوم، فقال لهم يسوع حينئذ علانية: لعازر مات وأنا أفرح لأجلكم إني لم أكن هناك، لتؤمنوا، ولكن لنذهب إليه) (يوحنا 11: 11-15).

ما الذي يفهمه القارئ عن طبيعة المسيح، فقط من خلال هذه الآيات الرائعة؟! لنرى

  1. رقة المشاعر: نلاحظ هنا أن المسيح بمشاعره الرقيقة، لم يرد أن يصدم التلاميذ بخبر موت لعازر مباشرة، إنما مهد لهم الخبر في البداية بتعبير (لعازر حبيبنا قد نام)، وليس (قد مات)، وفي هذا يعطينا درساً عملياً في الأسلوب الأصلح والأنجح، في توصيل مثل هذه الأخبار لأصحابها.
  2. العلم المطلق بين الإرادة والقوة الذاتيين: أيضاً من هذه الآيات الرائعة نلاحظ أن المسيح يعلن عن طبيعته اللاهوتية بكل وضوح وقوة، ولهذا لم يرد ديدات أن يرى هذه الآيات. فعبر عن معجزة إقامة لعازر من الموت، وكأنه لم ير هذه الآيات مطلقاً.

فالمرسلون الذين أتوا من أختي لعازر، أتوا وقالوا (لعازر مريض)، بينما يصرح المسيح بعد ذلك، بأن لعازر قد مات. ويعني هذا أن علم المسيح، علم ذاتي ومطلق، لأنه في البداية يقول (هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله ليتمجد ابن الله به). فهو يتقدم الأحداث قبل أن تحدث، أما الجديد في الآيات السابقة (لعازر حبيبنا قد نام، لكن أذهب لأوقظه) فهو يكشف لنا ثلاثة أمور على الأقل

الأول: علم ذاتي يقيني بأن لعازر الذي كان مريضاً قد مات (لعازر حبيبنا قد نام). وما هو أبعد من ذلك علمه الذاتي، بأنه سيقيمه من الموت (لكني أذهب لأوقظه).

الثاني: إرادة ذاتية، وهو أمر عظيم جليل أيضاً في قوله (لكني أذهب لأوقظه) فلم يقل الله سيوقظه. بل أنا! وقد يسأل البعض فيقول: من أنت حتى تعطي لنفسك هذا الحق؟! كيف تتجرأ وتنسب لنفسك حق الإرادة المطلقة الذاتية في إقامة لعازر من الموت؟ أليست الإرادة لله في إحياء الناس أو موتهم؟! نعم إنها لله، ولا عجب فأنا عقل الله خالق هذه الحياة، وأنا الذي أريد وأقرر في خليقتي ما أشاء.

الثالث: والإرادة غير القوة، لأنه يكشف هنا أيضاً عن قوته الذاتية وليست المكتسبة. فهو يقر بأنه هو وبقوته الذاتية من سيقيم لعازر! وأيضاً قد يسأله البعض: أنت مَن سيقيم لعازر؟! من أنت؟!

أو ليس من الأكرم المسيح لو أنه نبي – وحاشاه فهو ليس كذلك – أن يُرجع المجد والفضل لله، ويقول (لأن الله سيقيمه بقوته، أو الله سيقيمه عن طريقي). لم يقل ذلك، بل إنه قصد أن يشير إلى قوته الذاتية، حتى يفهم التلاميذ والسامعين، بأنه كما يعلم أيضاً علم اليقين بأنه سيقيمه، وأن ذلك سيتم وفق إرادته الذاتية (لكني أذهب لأوقظه)، لذلك ربط علمه الذاتي بمشيئته الذاتية أيضاً. والملفت للنظر أن هذه الحقائق مجتمعة – وغيرها – يعرفها المسيح قبل حتى مرض لعازر، وهذا ما ورد بالإنجيل!

إنه من الخطر والمخاطرة أن يتفوه إنسان بمثل هذه التصريحات الإعجازية خاصة في مجال الدين، لو لم يكن له الثقة الأكيدة من خلال علم ذاتي، بأنه يعلم ويريد ويمتلك القوة لتنفيذ ما يريد وما يقول. وحتى هذه اللحظة من أحداث المعجزة، فإن المسيح ينسب كل شيء له، وذلك بكلمات يستخدمها أو بصفات إلهية ينسبها لنفسه، ولا عجب في أن ينسبها لنفسه، ولا عجب في أن ينسب الأمر لذاته أو للآب السمائي يحث أنه عقل الآب. ولا عجب أن يترك ديدات حتى الآن كل هذه الآيات.

  1. كشف حقيقة علمه المطلق: فيما سبق رأينا المتكلم عن الأشياء قبل حدوثها، فرأينا فيه علم ذاتي بالأحداث. إلا إننا هنا، نراه يكشف للتلاميذ وبكلام مباشر، عن علمه المطلق هذا، فيقول لهم علانية (لعازر مات، وأنا أفرح لأجلكم، إني لم أكن هناك لتؤمنوا، ولكل لنذهب إليه). فمن هذه الآيات نكتشف أكثر من أمر.

الأول: ما قاله لهم (وأنا أفرح لأجلكم إني لم أكن هناك). فماذا يريد أن يقول لهم؟ يريد أن يؤكد على أمر هام وهو: بالرغم من أنني لست هناك مع لعازر، إلا أنن عرفت بأنه قد مات، كما سبق وأخبرتكم بأنني مَن سأقيمه من الموت بإراداتي الذاتية، ولهذا فأنا أفرح لأجلكم، لأن ذلك سيساعدكم لتكتشفوا أنن أعلم كل شيء علم اليقين المطلق. فبالرغم من أنني معكم، إلا أنني أعرف أن لعازر قد مات، والنبي ليس لديه هذا العلم الذاتي. ذلك لأن:

الثاني: سياق الآيات يكشف أكثر من ذلك. فالتلاميذ يعرفون أن للمسيح مقدرة النبوة وأكثر، ولهذا فليس هناك من جديد حتى يقول لهم المسيح (وأنا أفرح لأجلكم إني لم أكن هناك). فطالما يؤمنون به على أساس أنه نبي، فلماذا يلفت نظرهم إلى الأشياء الطبيعية مع الأنبياء. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فهو يقول لهم (وأنا أفرح لأجلكم، إني لم أكن هناك لتؤمنوا) لاحظ كلمة (لتؤمنوا). يؤمنوا بماذا؟! لا بد أن ما يريد المسيح، لفت أنظار التلاميذ إليه، هو أمر غير مجرد نبوة. فماذا إذن؟ لقد بدأ حديثه بالمجد الذي يعود لله ولابن الله، واستخدم في ذلك كلمات واضحة ليكشف عن طبيعته أنه الله المتجسد. ثم تكلم بعد ذلك عن علمه المطلق بكل شيء، ثم إرادته المطلقة حتى ولو أراد أن يقيم الموتى! وها هنا يؤكد حقيقة هذه الصفات الإلهية ويربطها بكلمة (لتؤمنوا) فالمسيح يرتفع هنا بفكر التلاميذ إلى ما هو أبعد من مجرد الإيمان به كنبي، أو كرجل صالح أو صانع معجزات مبهر. وإنما للإيمان به – لتؤمنوا – بابن الله أي عقل الله أي الله!

هذا هو فهم سياق الآيات لما يُريد المسيح أن يقوله، في هذ الآيات الخاصة أساساً بمعجزة إقامة لعازر من الموت بعد أربعة أيام. تلك المعجزة التي أبهرت العالم والتاريخ البشري كله، وأكدت بقوة أن السيد المسيح هو الله الظاهر في الجسد. ولهذا لم يظهر ديدات حتى هذه اللحظة، وإنما يدخل دائماً متأخراً ليأخذ شذرات هو يقصدها ليحرف فيها كما يريد، ولن نعطيه أي فرصة.

  1. سؤال لم يقال: ختم المسيح هذا الجزء من كلامه هكذا (وأنا أفرح لأجلكم، إني لم أكن هناك لتؤمنوا، ولكن لنذهب إليه) لاحظ العبارة الأخيرة (ولكن لنذهب إليه)، فهنا نستغرب بعض الشيء، فللوهلة الأولى – وحسب منطق ديدات – كان على التلاميذ، أن يسألوا المسيح ويقولوا له: لو أن لعازر قد مات، كما تقول يا سيدنا المسيح، فلماذا تذهب إليه؟! ولكن عندما نُطيل التأمل في كل ما قلناه سابقاً منذ بداية الحديث عن معجزة إقامة لعازر حتى الآن، نُدرك ما أدركه التلاميذ، فلنتتبع كلام المسيح (لعازر حبيبنا قد نام، لكني أذهب لأوقظه، فقال تلاميذه: يا سيد إن كان قد نام فهو يشفى، وكان يسوع يقول عن موته، وهم ظنوا أنه يقول عن رقاد النوم، فقال لهم يسوع حينئذ علانية: لعازر مات وأنا أفرح لأجلكم إني لم أكن هناك، لتؤمنوا، ولكن لنذهب إليه). صمتوا لأن المسيح وعد بأنه سيذهب ليقيم لعازر من الموت. يعني قبل أن يتحرك المسيح للقرية التي كان فيها لعازر، كان يعرف كل شيء، ويعرف أنه سيقيم لعازر من الموت حتماً ويقيناً. ولهذا صمتوا عن أن يسألوه هذا السؤال، فما عاد للسؤال قيمة أو مكان. ولا تستغرب عزيزي القارئ لو أني قلت لك: هل تصدق أن كل عِلم المسيح السابق، وكل تصريحاته الواضحة بأنه سيقيم لعازر من الموت، تجاهله ديدات تماماً وكأنه غير موجود؟ أعتقد أنك أصبحت الآن تعرف السبب.

ثالثاً: الوصول لبيت عنيا قرية لعازر

وصل المسيح وتلاميذه والجمع الذي كان يتبعهم إلى بيت عنيا قرية لعازر ومرثا ومريم. وقال الوحي المقدس (فلما أتى يسوع وجد أنه قد صار له أربعة أيام في القبر) (يوحنا 11: 17). فهل وصل المسيح متأخراً؟! سنجيب على هذا السؤال لاحقاً. أما الآن فعلينا أن نعرف عدة حقائق عند وصل المسيح

  1. حالة الجثة: لقد وصل المسيح إلى بيت عنيا حيث لعازر الميت. ولكن كان له أربعة أيام في القبر، والعالم كله يعرف ما الذي يحدث في خلال أربعة أيام للميت، وما حالة الجثة ودرجة تحللها، وطبيعة الرائحة النتنة المنبعثة عنها، ورغم كل هذه المدة التي تجعل من قيامة الميت أمراً مستحيلاً، نجد المسيح له كل المجد، ثابتاً فيما قاله، ولم يغير رأيه، فهو قد أتى خصيصاً ليقيم لعازر من الموت، مهما كانت حالة جسد لعازر، ويقين المسيح هذا مصدره قوته الذاتية التي بها سيقيم لعازر، فهو لن يصلي وينتظر هل سيتحقق طلبه أم لا، لأن هذه مغامرة كبيرة أن يضع نفسه في هذه الحالة، التي قد تنتهي بالإحراج البالغ له. فالمسيح الذي سبق فأكد في كلامه أنه في يوم القيامة سيسمع (جميع الذين في القبور صوته فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة) (يوحنا 5: 28 و29). هو بذاته الذي له القدرة الذاتية الآن لإعادة روح لعازر إلى هذا الجسد، بعد إصلاحه من حالة التلق التي فيها. ولكن:
  2. هل ينفع إصلاح الجسد؟!: يفتح لنا هذا السؤال، حقيقة جديدة. فكيف سيُصلح المسيح هذه الجسد المتعفن؟! وكيف سيعمل هذا القلب الذي توقف وتآكل وقد تهدمت خلاياه وجدرانه وحجراته، وأصبحت الدماء داخله جافة ومتعفنة؟ وكيف ستعمل خلايا الدماغ – الخ – من جديد وهو أكثر الأجهزة في الجسم تعقيداً وحساسية؟ فأي تلق في شعيراته الدقيقة، يؤثر على الأعضاء التابعة لهذه الشعيرات. وكيف ستعمل الأعضاء التي في الراس من عين وأنف وأذن؟ إلخ كل أعضاء الجسد؟! فكل شيء قد فارقته الحياة، وهو أقرب إلى التراب. من أي شيء آخر. إن القضية إذن أكبر من مجرد إصلاح جسد، أو حتى إقامة ميت. إنها حقيقة:
  3. خلق جديد: نعم وبلا شك فإن الأمر يحتاج إلى خلقة هذا الجسد المتعفن من جديد فمن الجسد ما تحلل، ومنه ما أكله الدود، فكيف يجوز مجرد الإصلاح هنا؟! كيف يتم إصلاح شيء غير موجود؟! بلا شك لا يصلح هنا منطق الإصلاح، وإنما الإصلاح هنا يكون بمنطق إعادة خلق هذا الجسد من جديد ولا عجب أن يكون المسيح خالقاً. وهذه صفة لاهوتية واضحة في أعمال المسيح على أرضنا. ومن هنا فإن معجزة إقامة لعازر من الموت. ليست فقط إعادة الروح إلى الجسد وإنما:

أولاً: خلق كل أعضاء هذا الجسد من جديد.

ثانياً: أمر الروح بالعودة لهذا الجسد.

ثالثاً: ليس ذلك فقط، بل عند خلق كل أعضاء الجسد من جديد لابد من أن يخلقها المسح ويبنيها كما كانت عليه تماماً، من الحالة والعمر، فلا يخلق قلب طفل مثلاً، وإنما كل شيء كما كان في اللحظة التي مات فيها لعازر، حتى تعود الروح لذات الجسد الذي كانت فيه، وليس لجسد لا تعرفه. إن الأمر أعقد من مجرد معجزة إقامة ميت. ولا يستطيع أن يقوم بهذا العمل الجبار العظيم، إلا الخالق العظيم، الذي أنشأ هذا الجسد من البداية، وهو الله، وحيث أن المسيح نسب لنفسه هذا الخلق العظيم، في إقامة لعازر – ككل المعجزات الأخرى – فلا شك أنه يُعلن عن طبيعته، إنه الله الظاهر في الجسد البشري. وإلى الآن لم يظهر ديدات، ولا عجب.

رابعاً: حديث المسيح مع مرثا

قال الوحي المقدس (فقالت مرثا – أخت لعازر الميت – ليسوع: يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي، لكني الآن أيضاً أعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك الله إياه. قال لها يسوع: سيقوم أخوك. قالت له مرثا: أنا أعمل أنه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير. قال لها يسوع: أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا. وكل من كان حياً، وآمن بي فلن يموت إلى الإبد. أتؤمنين بهذا؟ قالت له: نعم يا سيد، أنا قد آمنت، أنك أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم، ولما قالت هذا مضت ودعت مريم أختها سراً قائلة: المعلم قد حضر وهو يدعوك، أما تلك فلما سمعت قامت سريعاً وجاءت إليه، ولم يكن يسوع قد جاء إلى القرية بل كان في المكان الذي لاقته فيه مرثا، ثم أن اليهود الذين كانوا معها في البيت يعزونها لما رأوا مريم قامت عاجلاً وخرجت، تبعوها قائلين: إنها تذهب إلى القبر لتبكي هناك) (يوحنا 11: 21-31).

ما الذي يمكن أن نفهمه عن المسيح من خلال هذا الحوار؟ فلنحلل هذه الجزء ونفهمه.

  1. إيمان مرثا: لقد كان لمرثا إيماناً قوياً بالمسيح. ولكنه محدوداً لحالات معينة، حالات المرض، أو الطلب من الرب. فقد قالت له (يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي). أي كنت قادراً على شفائه. ولكن الان فقد ضاعت الفرصة، فقد مات أخي، وكأن إيمانها وقف عند قدرة المسيح على الشفاء ولكن ليس على إقامة أخوها، خاصة أن له أربعة أيام في قبره.

ثم تنتقل لمرحلة أخرى فتقول له (لكني الأن أيضاً أعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك الله إياه). فإيمانها توقف عند طلب المسيح من الله، وواضح أنها في ذلك اليوم رأت عجباً، وعرفت أن شهادتها التي قالتها للمسيح (أنا قد آمنت أنك أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم). قد رأتها حقيقة مطبقة على أرض الواقع. وعندما قال لها المسيح (سيقوم أخوك)، لم تفهم أن المسيح يتكلم عن قيامة أخيها الآن، بل اعتقدت أن المسيح يتكلم عن قيامته في يوم القيامة. فردت عليه قائلة (أنا أعلم أنه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير) إننا نفهم طبيعة إيمان كل هؤلاء حتى تلميذ المسيح، قبل حلول الروح القدس، لم يكن إيماناً كاملاً، عن ماهية طبيعة المسيح، ولا نلوم أحد، فالوحي المقدس يقول (وليس أحد يقدر أن يقول: يسوع رب، إلا بالروح القدس) (1كو 12: 3) فالمهم بالأكثر هو: كلام المسيح عن نفسه، هذا هو حجر الأساس.

  1. ثقة المسيح بما سيفعله: مقابل إيمان مرثا، وفهمها المتواضع لطبيعة المسيح، كان هو بعلمه الذاتي الأزلي، يعرف تماماً ما سيفعله، وأنه حتماً وبسلطان لاهوته، سيقيم لعازر من الموت، مهما كانت حالة جسده. ولهذا مقابل كلامها قال لها (سيقوم أخوك). ولا أنسى عزيزي القارئ أن أذكرك هنا، بأن ديدات يكذب ويدعي عدم علم المسيح المسبق بأنه سيقيم لعازر. ولأجل هذا، ترك هذه الآيات التي تسبق المعجزة، وترك كل كلام المسيح وفيما هو يقسي قلبه، ترك الحياة كلها هنا وهناك.

نعود لأختنا مرثا التي اعتقدت أن المسيح يقصد قيامة لعازر في القيامة العامة، فقالت له (أنا أعلم أنه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير) وهنا قال لها المسيح ما تطن له الآذان، وتقشعر له الأنام، وينحني له كل الكيان وتجثو أمامه الأبدان. (قال لها يسوع: أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا. وكل من كان حياً، وآمن بي فلن يموت إلى الإبد. أتؤمنين بهذا؟ قالت له: نعم يا سيد، أنا قد آمنت، أنك أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم).

هذه عبارات ألوهية خالدة، لا ينطق بها إلا الله وحده. وقد هرب منها ديدات كالفأر المذعور.

العبارة الأولى: أنا القيامة! قال المسيح (أنا هو القيامة والحياة)!

فهل يستطيع نبي أن يتهور ويقول أنا القيامة؟ مع ملاحظة تعبير (أنا هو). وهو اسم لله في الكتاب المقدس، أي أنا يهوه الكائن بذاتي والمقيم كل كيان آخر. فما الذي يريد المسيح أن يقوله لمرثا خاصة؟ ولكل العالم عامة؟

إن المسيح يريد هنا أن ينقل إيمان مرثا، لفعل وتأثير طبيعة المسيح، فهو ليس مجرد شخص يصلي ليقيم ميتاً، وإنما هو القيامة في ذاتها ونبعها.

والقيامة هي الحياة في جملتها وكمالها. القيامة بكل ما تحويه من قدرة على إيجاد الحياة من العدم، هي أنا ولذلك قرن المسيح القيامة بالحياة فقال (أنا هو القيامة والحياة).

ولمرثا بالذات الآن وفي هذا التوقيت، لكلام المسيح مغزاه الخاص. فالشغل الشاغل لمرثا الآن هو أخوها الميت. ولذلك تقع هذه الكلمات على جرحها وألمها فتطببه وتطيبه (أنا هو القيامة والحياة) لم يقل لها: أنا من سيقيمه، وإنما أنا هو القيامة ذاتها! وفي ذاتها، بمعنى (أنا هو القيامة والحياة في كل العصور، حتى ولو في آخر الأيام، فأنا القيامة والحياة، لأنني خارج دائرة الزمن والأيام والمكان. وبهذا نقل المسيح إيمان مرثا بتاريخ محدد – أي القيامة آخر الأيام – إلى شخصه المبارك كنبع للقيامة ومصدر للحياة، لكل البشرية، التي نالت قوة القيامة من الموت، بقيامة المسيح بقوة لاهوته المتحد به.

فبالكاد يقول الإنسان وهو غير واثق من اللحظات التالية، يقول (أنا حي)، ويشكر الله كل يوم على حياته التي استمرت حتى هذه اللحظات. أما أن يقول قائل مهما كان (أنا الحياة)، فهذا ما لا يُقبل من بشر لا يملكون حتى حياتهم الشخصية. ولكننا هنا أمام الكلمة الخالق المسيح مصدر كل الحياة. ولهذا الإعلان الإلهي الذي قاله المسيح الآن (أنا هو القيامة والحياة). له في هذه المناسبة أهمية خاصة. حيث أن المسيح قال هذا التعبير الإلهي وهو مقبل الآن على إقامة ميت من الموت، له أربعة أيام في القبر.

فالمسيح يقول هنا: أني لست مجرد صانع معجزات، وإنما أنا صانع الحياة كلها، فالقيامة والحياة هي أنا، ومني تخرج كهبة مجانية للعالم أجمع. وهنا يعالج المسيح إيمان مرثا. فهو لن يطلب من آخر، لأنه هو الآخر في ثوبنا البشري، فهو القيامة والحياة الذي لبس بشريتنا ليقيمنا ويعطينا حياة من جديد. لا تستغرب عزيزي القارئ لو أني قلت لك، أن ديدات نائم في مستنقعه ولم يظهر حتى الآن في هذه الأحدث، فهو صاحب قطع ولصق ليس إلا.

  1. جوهر الإيمان: قال المسيح لمرثا (أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا. وكل من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد) ومرة أخرى نتساءل: كيف يمكن أن يكون المسيح مجرد بشر وهو يعلن كل هذه الإعلانات الألوهية في شخصه المبارك؟ فهذه الصفات لا تتناسب مع إنسان عادي أو مع مجرد نبي، أو حتى كائن سمائي. فقد قرر المسيح هنا، أن الإيمان به، هو محور القيامة والحياة، وعدم الإيمان به، هو الموت الأبدي. فالصفات التي يعلنها المسيح هنا عن نفسه، هي صفات في إطلاقها، فما الذي يريده المسيح من مستمعيه؟ ولهذا لا أستغرب غيبوبة ديدات المفتعلة حتى الآن.

خامساً: شهود المعجزة

لن أطيل كثيراً في هذه النقطة الواضحة في الإنجيل، فشهود المعجزة كانوا بالآلاف.

  1. جموع تتبعه أينما توجه: المسيح هو مشتهى الأجيال، والجموع التي سمعت كلامه، وجدوا فيه الحياة والخلاص والتعزية، ورأوا في شخصه الكمال، ولهذا كانت الجموع الغفيرة دائماً تترقب تحركات المسيح لتعرف أين مكانه فتتبعه، وليس أدل على ذلك، مما قاله الوحي المقدس (فلما سمع يسوع انصرف من هناك في سفينة إلى موضع خلاء منفرداً، فسمع الجموع وتبعوه مشاة من المدن) (متى 14: 13) وكذلك (فرآهم الجموع منطلقين وعرفه كثيرون فتراكضوا إلى هناك من جميع المدن مشاة وسبقوهم واجتمعوا إليه) (مرقص 6: 23). فلا شك أن الكثير جداً من هذه الجموع، تبعت المسيح إلى بيت عنيا قرية لعازر الميت، خاصة وأنه قال لتلاميذه ومن سمعه، إنه ذاهب ليقيم لعازر من الموت.
  2. سُكان بيت عنيا: هذا بالإضافة إلى سكان بيت عنيا الأصليين والذين تبعوا المسيح بمجرد أن دخل بيت عنيا، خاصة وأنه قادم إلى بيت الميت. فهل يا ترى سيقيمه؟!
  3. المعزون: لقد رأى أيضاً المعزون الذين أتوا من كل مكان لتعزية مرثا ومريم هذه المعجزة العظيمة. فقد كان عدد كبير منهم في بيت الميت للتعزية، وقال الوحي المقدس (أما تلك -أي مريم – فلما سمعت قامت سريعاً وجاءت إليه، ولم يكن يسوع قد جاء إلى القرية بل كان في المكان الذ لاقته فيه مرثا. ثم أن اليهود الذين كانوا معها في البيت يعزونها، لما رأوا مريم قامت عاجلاً وخرجت، تبعوها قائلين: إنها تذهب إلى القبر لتبكي هناك) (يوحنا 11: 21-31). فما أجمل هذا الترتيب الإلهي. أن تجذب مريم المعزين الذين في بيتها، إلى قلب المعجزة حيث المسيح.

ما أمجد المسيح وسط هذه الجمهرة الكبيرة من الناس الشهود. فمن الرائع أن يترك الله لنفسه شهود عيان في كل مكان (أعمال 14: 17) ليخبروا الناس بما قد رأوا ولمسوا وعاشوا (1يوحنا 1: 1-5). ووسط كل هؤلاء الشهود، ما يزال ديدات في غيبوبته المصطنعة، فهو لا يريد أن يرى، ولا يريد أن يسمع. وقد فعلها ديدات وإلى الأبد.

بينما الشهود هنا على هذه المعجزة هم بالآلاف، كبار وصغار، ما بين رجل وامرأة وصبي، ومنهم الآلاف أيضاً الذين كانوا أحياء حينما كان التلاميذ يبشرون بهذه المعجزة، أو عندما سجلوها في الإنجيل المقدس، وشهدوا بها. إنها المعجزة التي تتناسب مع طبيعة المسيح الألوهية.

عزيزي القارئ: هل لك أن تتخيل، أن كل ما ذكرناه سابقاً، من بداية كلام المسيح عن مجده الذي سيعلنه في هذه المعجزة، حتى الآن، حاول ديدات فاشلاً أن يلتف على القارئ، ولا يذكر له أي شيء عن مقدمات المعجزة، لأنه يعرف أن كلام المسيح فيها، سيقلب كل الموازين ضده، فحقيقة ألوهية المسيح، تنضح في كلامه وتصرفاته.

فبعد كل هذا الحذف وعار طمس الحقائق، يستيقظ ديدات من غيبوبته، ليناقشنا بسذاجة في هذه المعجزة، ويفتري على المسيح، وعلى إيماننا، وكأن الآخرين ليس لديهم إنجيل في أيديهم، ولا يعرون كيف جرت الأمور في هذه المعجزة الخالدة، فإلى هناك عزيزي القارئ، لتقرأ معي كيف أن ديدات لا يخجل، وهو يفبرك أمور الخاصة التي أهلك حياته بسببها، فلننتقل إذن إلى قلب المعجزة.

صلاح الله المطلق – الخلاص بين الدم وحفظ الوصايا – ردا على احمد ديدات

صلاح الله المطلق – الخلاص بين الدم وحفظ الوصايا – ردا على احمد ديدات

صلاح الله المطلق – الخلاص بين الدم وحفظ الوصايا – ردا على احمد ديدات

ندخل إلى مبحث جديد، لا ينفصل في إطاره عن السابقين، كما أن قاسمه المشترك معهم، هو تدليس ديدات ومحاولاته الفاشلة.

ففي كتابه الذي نرد عليه (ألوهية المسيح) حاول ديدات يائساً، أن يرفض خلاص المسيح، ولكن على إحدى طرقه الديداتية هنا، حيث يسقط في محاولة يائسة لتفسير الإنجيل، الأمر الذي لا يعرف أبجدياته، ويُعد من الأخطاء الشائعة للكثيرين الذين يحاولون مهاجمة الكتاب المقدس.

كتب ديدات تحت عنوان “الطريق إلى الخلاص” ص90 (وإذ يتقدم أحد اليهود طالباً من المسيح عليه السلام أن يوضح له طريق الخلاص، “وإذا واحد تقدم وقال له: أيها المعلم الصالح، أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية، فقال له: لماذا تدعوني صالحاً وليس أحد صالحاً إلا واحد هو الله، ولكن إذا أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا” (متى 19: 16 و17)، وسوف تتفق معي – أيها القارئ الكريم –  أنه لو كنت أنت، أو لو كنت أنا مكان ذلك اليهودي، فإن أيا منا يستطيع أن يستنتج وفقاً لما قاله المسيح، أن الخلاص مضمون ومؤكد شريطة أن تطيع أوامر الله دون سفك دم بريء، ذلك ما لم يكن المسيح مدركاً أن تضحيته من أجل خلاص كل البشر ستكون تعويضاً وكفارة عن كل خطايا الجنس البشري – وهو ما لا يعقل، ولا يوجد أي دليل عليه – لماذا أعطى عيسى عليه السلام لليهودي ذلك الجواب أو الحل المستحيل المتمثل في “كامل الطاعة لله” في حين أن طريقة أسهل – فيما يدعى المسيحيون – قادمة لا محالة؟ أم أن المسيح لم يكن يعلم بما سيحدث، ولم يكن يعرف أن سيصلب؟ ألم يكن هناك اتفاق إذن بين الآب والابن، قبل بدء الخليقة، بحيث يفتدي المسيح خطايا وآثام البشر بسفك دمه هو شخصياً؟ هل كان المسيح وهو يعطي الرجل اليهودي تلك الإجابة المتمثلة في الخلاص بإطاعة الله؟ كلا، لم يكن هناك مثل هذا الاتفاق الأسطوري الخرافي مع عيسى عليه السلام، كان عيسى عليه السلام يعرف أن ثمة طريق واحد للخلاص، وهو ما حدده للرجل اليهودي، ألا وهو طاعة الله).

كل هذه الضوضاء التي يفتعلها ديدات، لا يخجل وهو يتقمصها، في الوقت الذي فيه يسرق الآيات كما هو عادته، فهذا العار هو القاسم المشترك في كتابات ديدات الخرافية.

كما أنه يكتب رد المسيح على الشاب الغني، وكأنه يكتب شيئاً جديداً لا يعرفه المسيحيون، فواضح أن ديدات لأول مرة يقرأ هذه الآيات التي شرح فيها الشراح ووعظ فيها الوعاظ، أكثر من ألفي سنة. بداية من القرون المسيحية الأولى.

إنه ديدات وطريقته المعروفة لدينا، وبنعمة الرب سأقوم بتفنيد كلامه، كلمة كلمة، ليدرك القارئ فقر هذا الرجل في أدبيات الكتابة، ناهيك عن فهم ألف باء الإنجيل المقدس.

إذن فقد كتب ديدات في الفقرة السابقة: لماذا لم يوجه المسيح ذلك الشاب إليه هو شخصياً وإلى خلاصه الذي سيقدمه على الصليب؟ ولماذا قال له بأن حفظ الوصايا يكفي؟!

وعلى كل الأحوال، في الفقرة السابقة موضوعين، الأول خاص بصلاح الله المطلق، والثاني خاص بالطاعة وموقفها من الخلاص، وتحت الموضوعين تشعبات كثيرة.

أولاً: صلاح الله المطلق

في الفقرة السابقة التي كتبها ديدات (وإذا واحد تقدم وقال له: أيها المعلم الصالح، أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية، فقال له: لماذا تدعوني صالحاً وليس أحد صالحاً إلى واحد هو الله).

وتعليقاً على هذا الجزء، وضع المترجم حاشية سفلية، ص90 فكتب فيها (ها هنا، ها هو ذا المسيح عليه السلام يمايز بين شخصه وبين الله سبحانه وتعالى)

ولم أستغرب ما كتبه المترجم علي الجوهري، فهو تلميذ ديدات في كل السيناريوهات التي يقوم بها، فهو يكتب ما يساعد به أستاذه. بحيث تكون الصورة النهائية التي يقدمونها، أكبر قدر من التشويه للعقيدة المسيحية. فالمترجم حتى لم يكلف نفسه صدق البحث عن التفسير لدى المسيحيين، ولكن كيف يفعل ذلك ويقتل أستاذه ديدات ويحرف كل أوهامه. فلا بد من التشويه الكاذب، هذا هو الهدف الأساسي. ولهذا فقد أباح المترجم – وديدات بالطبع – لنفسه حق التشريع والتفسير في عقائد الآخرين، فقام وفسر هذه الآية وفق رأيه، مع أنه يفسر دين لا يفهمه ولا يؤمن به!

وعلى أي الأحوال لا يليق بنا ونحن نرى هذا اللغط المقصود دون أن نقدم التفسير المسيحي الصحيح لهذه الآية.

  1. مصدر الآية: كان يجب عليهما – ديدات والمترجم على الجوهري – الصدق في البحث والرجوع لقول المسيح للشاب اليهودي، لمعرفة مصدر الكلام وأصله. والمصدر نجده في العهد القديم حيث قال الوحي المقدس (الله في السماء أشرف على بني البشر لينظر هل من فاهم طالب الله. كلهم قد ارتدوا معاً فسدوا ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد) (مزمور 14: 2و3؛ 53: 2و3)

هذه الآيات تشكل عقيدة الكتاب المقدس. عند اليهود والمسيحيين. فمفهوم كل يهودي وكل مسيحي، أنه لا يوحد من هو كامل الصلاح غير الله فقط، ولا يمكن أن يلقب أي بشر بلقب (الصالح) بألف ولام التعريف، غير الله وحده، ولذلك أكد الوحي على هذه الحقيقة بقوله: الجميع زاغوا وفسدوا معاً.

  1. تفسير الآية: عندما قال هذا الشاب اليهودي للمسيح (أيها المعلم الصالح) سأله المسيح قائلاً: (لماذا تدعوني صالحاً؟). فأنت يهودي وتفهم كتابك المذي يؤكد: أنه (ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله). فلا يصلح أن نخلع لقب الصالح إلا على الله وحده. فهل تلقبني بالصالح، لأنك آمنت بأني الله؟ فهل تطلق على هذا اللقب، من باب إيمانك بأنني الله الظاهر في الجسد البشري؟ أم مجرد مجاملة تحيات ليس أكثر؟

ولذلك لم يقل له المسيح (لا تدعوني صالحاً)، وإنما (لماذا تدعوني صالحاً). فهو سؤال استفهامي (لماذا؟) وليس نهي استنكاري (لا). وكما تعلم فإن الفرق كبير وعظيم بين أن يسأل المسيح ذلك اليهودي عن السبب في تلقيبه بلقب هو لله فقط “الصالح“، وبين أن ينهيه عن تلقيبه به. هذا هو المفتاح الأول، أما المفتاح الثاني فهو:

  1. المسيح يلقب نفسه بالصالح: كذلك يجب ملاحظة أن المسيح أطلق على نفسه هذا اللقب (الصالح). الذي خصصه لله فقط. أليس ذلك بعجيب؟! فإن هذا اللقب الذي ناقش جوهره مع هذا اليهودي. وأكد المسيح بأنه لقب خاص بالله، عاد فنسب إلى نفسه هذه الصلاح المطلق، الذي لله فقط، وقال عن نفسه (أنا هو الراعي الصالح) (يوحنا 10: 11). وفي سابقة لم يشهدها التاريخ قبله أو بعده. وقف متحدياً العالم كله ناسباً لذاته الصلاح المطلق الذي لله فقط. فقال لليهود (من منكم يبكتني على خطية؟) (يوحنا 46: 8). فهل يستطيع أي بشر ناقص، أن يتحدى الناس، ليجدوا فيه خطية واحدة؟ إنه الصالح المطلق. ففي الوقت الذي يستغفر فيه كل الأنبياء ربهم على خطاياهم، يقف المسيح منفرداً في مكانه الخاص، الذي لا يشاركه فيه أحد، يعلن جهاراً: أنه بلا خطية. بالطبع هو البار الكامل الذي بلا خطية، فكيف سيفدي الناس ويحاسبهم يوم القيامة على خطاياهم، وهو مثلهم له خطاياه؟! حاشاه تبارك اسمه القدوس. هذا هو التفسير لصلاح الله المطلق، وليست الضوضاء التي يفتعلها ديدات وأمثاله.

ثانياً: الخلاص بين الطاعة والكفارة بالدم

أما عن باقي الفقرة التي يتساءل عنها ديدات ويقول (ولكن إذا أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا” (متى 19: 16و17). وسوف تتفق معي – أيها القارئ الكريم – أنه لو كنت أنت، أو لو كنت أنا مكان ذلك اليهودي، فإن أيا منا يستطيع أن يستنتج وفقاً لما قاله المسيح، أن الخلاص مضمون ومؤكد شريطة أن تطيع أوامر الله دون سفك دم بريء. لماذا أعطى عيسى عليه السلام لليهودي ذلك الجواب أو الحل المستحيل المتمثل في “كامل الطاعة لله” في حين أن طريقة أسهل – فيما يدعي المسيحيون –  قادمة لا محالة؟)

  1. التناقض الصارخ في فقرة صغيرة: لعدم فهم ديدات للنصوص ومعناها، فهو يقع وبسهولة في التناقض الصارخ. فلو راجعت ما تحته خط عزيزي القارئ، وهو (وفقاً لما قال المسيح أن الخلاص مضمون ومؤكد شريطة أن يطيع أوامر الله دون سفك دم بريء). ثم يسقط ديدات في نقلة غريبة فيقول: (لماذا أعطى عيسى عليه السلام لليهودي ذلك الجواب الحسن أو الحل المستحيل المتمثل في “كامل الطاعة لله”)

هذا هو حال المدلسين، السقوط السريع. ففي العبارة الأولى يتكلم عن ذلك الخلاص المضمون والمؤكد بشرط طاعة الله، ثم في الجملة الثانية يقول: بأن جواب المسيح، حل مستحيل، لأنه يعتمد على طاعة الله الكاملة المستحيلة!

ففي الحالة الأولى الخلاص مضمون ويجب فقط إطاعة الله.

وفي الحالة الثانية طاعة الله الكاملة أمراً مستحيلاً، وبالتالي ليس هناك أي إمكانية للخلاص. لا تستغرب عزيزي فأنت تقرأ لديدات. فقد فقدت حاسة الاندهاش مع ما يكتبه هذا الرجل.

وكنت أريد أن أسأل سؤالاً ينهي هذا اللغط الذي اقترفه ديدات بجهله في هذه القضية. فهو يقول (الخلاص مضمون ويجب فقط إطاعة الله). ممتاز جداً، وهذا هو مطلب الشريعة الأول. فماذا إذن، لو أن الإنسان لم يطيع الله طاعة كاملة. وسفط في عدة وصايا، وكسر شريعة الله؟ ماذا عليه أن يفعل؟ وماذا على اليهودي أن يفعل وفق شريعته؟ خاصة أن ديدات يسقط ويعترف بنفسه، أن طاعة الله الكاملة أمراً مستحيلاً. فالجميع زاغوا وفسدوا معاً. إذن لنخرج ديدات – وأمثاله – من ورطته التي افتعلها لنفسه.

  1. الخلاص بين الدم وحفظ الوصايا: إن التوراة – الناموس – قائم جملة وتفصيلاً، على أن الناس كل الناس محكوم عليهم بالموت. لأن التوراة تؤكد أهمية الطاعة الكاملة لله، وأن من يسقط في واحدة هو ملعون، حيث ورد بالتوراة (ملعون من لا يقيم كلمات هذا الناموس ليعمل بها، ويقول جميع الشعب آمين) (التثنية 27: 26)

ولكن ديدات يهرب في المقابل، من الحل الوحيد الذي قدمت التوراة الحل الوحيد لعلاج الخطية، الكفارة بالدم، وليس بدون الدم (وكل شيء تقريباً يتطهر حسب الناموس بالدم، وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة) (عب 9: 22)

كذلك لماذا يهرب ديدات من التوراة التي قال الوحي المقدس فيها (لأن نفس الجسد هي في الدم، فأنا أعطيتكم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم، لأن الدم يكفر عن النفس[1]). (اللاويين 17: 10-11). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يهرب ديدات مهرولاً من كلام المسيح الصريح، في أكثب من ستين[2] نصاً إنجيلياً، وهو يعلن أن الخلاص سيتم فقط، بسفك دمه الطاهر على الصليب، من أجل خلاص العالم كله!

إذن مفهوم الكتاب المقدس كله، العهد القديم والجديد قائم على عقيدة الفداء بالدم، وبدون الدم لا يوجد غفران، ولا كفارة ولا خلاص. فديدات وأمثاله لا يستطيعون مجابهة الآيات الإنجيلية، فيرفضون هيبة الكرامة، ويفضلون طريق الهزيمة والعار، فيرفعون شعار الهروب.

  1. مفهوم تاريخ الخلاص في المسيحية: كتب ديدات في النص السابق (ذلك ما لم يكن المسيح مدركاً أن تضحيته من أجل خلاص كل البشر ستكون تعويضاً وكفارة عن كل خطايا الجنس البشري – وهو ما لا يعقل، ولا يوجد أي دليل عليه. أم أن المسيح لم يكن يعلم بما سيحدث، ولم يكن يعرف أنه سيصلب؟ ألم يكن هناك اتفاق إذن بين الآب والابن، قبل بدء الخليقة، بحيث يفتدي المسيح خطايا وآثام البشر بسفك دمه هو شخصياً؟ هل كان المسيح وهو يعطي الرجل اليهودي تلك الإجابة المتمثلة في الخلاص بإطاعة الله؟ كلا، لم يكن هناك مثل هذا الاتفاق الأسطوري الخرافي مع عيسى عليه السلام، كان عيسى عليه السلام يعرف أن ثمة طريق واحد للخلاص، وهو ما حدده للرجل اليهودي، ألا وهو طاعة الله).

كما أثبتنا هروب ديدات من صخرة آيات الإنجيل المقدس، فهو يقول هنا أنه لا يوجد دليل على أن خلاص المسيح معروف قبل بدء الخليقة. فهل هو يهرب مجددا من الآيات؟ نعم هو وأمثاله، يتقنون فن الهروب، لقد هرب قايين من الرب وهلك إلى الأبد.

لنرى إذن الوحي الإلهي الذي يجبر المدلسين على الهروب، ونقدم الدليل الذي ينكره ديدات، حيث يقول الحي الإلهي (دم المسيح معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم. ولكن قد أُظهر في الأزمنة الأخيرة من أجلكم) (1بطرس 1: 20). وقال الوحي المقدس أيضاً (والقادر أن يثبتكم حسب إنجيلي والكرازة بيسوع المسيح حسب إعلان السر الذي كان مكتوماً في الأزمنة الأزلية، ولكن ظهر الآن وأعلم به جميع الأمم بالكتب النبوية حسب أمر الإله الأزلي لإطاعة الإيمان) (رومية 16: 25و26)[3].

هذا هو ديدات الذي يدعي أنه يقرأ من كتابنا المقدس، ها هو الوحي يرد على تدليسه، ويقدم الأدلة التي يجهلها ديدات، وهي ألف باء الكتاب المقدس.

فكيف يكون المسيح هو عقل الله الناطق أو نطق الله العاقل. ولا يعرف الماضي والحاضر والمستقبل؟ ولماذا هرب ديدات من كل كلام المسيح. الذي أكد فيه – قبل صلبه – أنه سيصلب ويموت ويقوم في اليوم الثالث؟ إنه المسيح السرمدي شاء من شاء وأبى من أبى، فالحق الإلهي لا ولن يتغير أبداً.

  1. التوبة أولاً: نكمل ردنا على ما كتبه ديدات (لماذا أعطى عيسى عليه السلام لليهودي ذلك الجواب أو الحل المستحيل المتمثل في “كامل الطاعة لله”، في حين أن طريقة أسهل – فيما يدعي المسيحيون – قادمة لا محالة؟).

حاول ديدات مرات عديدة، وناله الفشل في كل مرة وألقة به في مستنقعه إلى الأبد. حاول أن يشوه العقيدة المسيحية، على أساس أنها قائمة على أن يفعل المسيحي كل الخطايا ولا مشكلة فهناك أمر سهل وهو الخلاص عن طريق المصلوب، الذي يطرحون خطاياهم عليه. هذا ما يقصده ديدات هنا بالطريق الأسهل، بينما يقدم الإنجيل أساساً قوياً للخلاص وهو التوبة، وقد قام الوحي الإلهي في العهد القديم والجديد، على ركيزة حياة التوبة الصادقة، بعد قبول خلاص المسيح، والتوبة في المسيحية ليست موقفاً أو حالة، وإنما عمراً وحياة ومنهجاً. والآيات في الكتاب المقدس بعهديه، بالمئات في هذا الشأن، ولك منها مجرد أمثلة فقط.

فقد أكد الله على أن من أهم نتائج قبول الخلاص، حياة التوبة التي لا تعتمد على القرابة بنبي أو بصالح، ولا تعتمد على عرف أو لون، فقال الوحي على لسان يوحنا المعمدان (فاصنعوا أثماراً تليق بالتوبة، ولا تبتدئوا تقولون في أنفسكم: لنا إبراهيم أباً، لأن أقول لكم: إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم) (لوقا 3: 8)

وقال المسيح له كل المجد (فاذهبوا وتعلموا ما هو: إني أريد رحمة لا ذبيحة، لأني لم أتي لأدعو أبراراً، بل خطاة إلى التوبة) (متى 9: 13). وقال المسيح أيضاً (أقول لكم: إنه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب، أكثر من تسعة وتسعين باراً لا يحتاجون إلى توبة) (لوقا 15: 7).

وهكذا بشر تلاميذ المسيح بأهمية التوبة، كما تعلموا من معلمهم، فقال بطرس الرسول لليهود الذين حركهم الروح القدس ليؤمنوا بالمسيح (فلما سمعوا نُخِسوا في قلوبهم، وقالوا لبطرس ولسائر الرسل: ماذا نصنع أيها الرجال الأخوة؟ فقال لهم بطرس: توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس).

وقال الوحي على لسان بولس الرسول (بل أخبرت أولاً الذين في دمشق وفي أورشليم، حتى جميع كورة اليهودية، ثم الأمم: أن يتوبوا ويرجعوا إلى الله، عاملين أعمالاً تليق بالتوبة) (أعمال 26: 20)

وأيضاً (أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته، غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة) (رومية 2: 4).

فقائمة الآيات التي يهرب منها ديدات، هي قائمة طويلة، واختار منها هنا، المسك الذي أختم به هنا، وهو ما كرره المسيح له كل المجد، مرتين في أصحاح واحد، فقال (بل إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون) (لوقا 13: 3و5). التوبة كما هو واضح حجر أساس في الحياة المسيحية. فلماذا يكذب ديدات؟ ليفهم القارئ

ثالثاً: حفظ الوصايا

نواصل الرد على ما كتبه ديدات في النص السابق، حيث قال (لماذا أعطى عيسى عليه السلام لليهودي ذلك الجواب أو الحل المستحيل المتمثل في “كامل الطاعة لله” في حين أن طريقة أسهل – فيما يدعي المسيحيون – قادمة لا محالة؟ أم أن المسيح لم يكن يعلم بما سيحدث، ولم يكن يعرف أنه سيصلب؟)

فالفكرة الساذجة التي يقودها ديدات هنا، هي: لو أن المسيح سيخلص العالم بصلبه على الصليب، فلماذا قال لذلك اليهودي أن عليه فقط أن يطيع الله، ولم يقل له انتظر الصلب لأنه لا خلاص إلا بالدم، وإن هذا الصلب سيحدث بعد فترة وجيزة؟!

إن هذا الجزء بالذات الذي أثاره ديدات هنا، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك، بأنه يجهل أبجديات الكتاب المقدس، ولذا أود أن أتقدم في الشرح أكثر، وخاصة أن القارئ الكريم يتابع هذه الردود. فأرد بنعمة الرب على أكثر من صعيد.

  1. وصايا عصر اليهودي: من الطبيعي أن يلفت المسيح نظر سائله إلى الشريعة التي في عصره، فهذا اليهودي ما يزال تحت الناموس، فهل هو أمين في تطبيق هذه الشريعة، والتي اعترف هو بلسانه أنه قد حفظها منذ حداثته. ومن السذاجة أن يقترح ديدات، بأن عيسى كان يجب أن يقول له (انتظر، لا تفعل أي شيء، فبعد فترة سأخلص أنا العالم على الصليب؟!). ما هذه السذاجة المتطرفة؟ إنها فجاجة ديدات التي يفرضها على نصوص أبعد ما تكون عن خياله. لأن الطبيعي أن يرشد المسيح ذلك اليهودي، إلى وصاياه التي يحفظها ويعرفها، وهي بذاتها التي ستقوده للمسيح، إن عاش أميناً فيها، وليس من الطبيعي أن يقول لسائله: لا تفعل وانتظر. هذا هو ديدات الذي ادعى أنه يعرف كتبنا، وهو يؤلف من خياله ليس أكثر.
  2. المكمل والمتسامي: ألم يقل المسيح له كل المجد (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل)؟ (متى 5: 17). فمن الطبيعي، واضع الناموس، لا ينقض الشريعة التي سبق فوضعها هو بذاته، فيرشد لها سائله، والتي بصلبه وصليبه، سيكملها متسامياً بها وبتابعيه.
  3. حتمية الكفارة بالدم: ولكن، من المهم أن نفهم تلك الوصايا التي أشار بها المسيح لذلك اليهودي، فإن أساسها الكفارة بالدم. إنها وصايا التوراة، فماذا تقول التوراة؟! سأختار البعض من التي أقر اليهودي بحفظها عن ظهر قلب، مثل (لا تقتل، لا تزن، لا تسرق) (خروج 20) إذن فإضا أخطأ هذا اليهودي – أو غيره من اليهود – في واحدة من نواهي هذا الوصايا السمائية، فكيف له أن يكفر عن خطيته هذه؟!

الإجابة الواحدة التي لا تقدم التوراة غيرها، على هذا اليهودي وغيره، أن يقدم ذبيحة كفارية عن خطيته، الكفارة بالدم، وليس بدون الدم، فلم يكن المسيح مضطراً أن يلفت نظر السائل إلى هذه الذبائح ودورها التكفيري، ذلك لأن السائل يهودي الأصل وهو يعرف فرائض توراته، التي قد نفذها هو بذاته مراراً وتكراراً، وكذلك لأنه لم يسأله عن الفرائض، لو أنه أخطأ وإنما عن الحياة الأبدية، ولذلك من الطبيعي أن يرشده إلى الوصايا التي تقدم له الحياة الأبدية لو أتمها جميعاً، وليس إلى الذبائح لو أنه سقط في الخطية.

تؤكد التوراة أن الإنسان لا يمكن أن يعيش كاملاً، فلابد أنه سيسقط، وإذا سقط فأخطأ، هو في حاجة لتقديم ذبيحة، تذبح عنه وتحرف على المذبح نيابة عنه، حتى ينال الغفران (اللاويين 1: 3). فكان عليه أن يضع يده على رأس الذبيحة، معترفاً بخطيته، علامة على انتقال الخطية عنه إلى الذبيحة. فتذبح نيابة عنه، أي أن الذبيحة المقدمة أمام الله قد فدت هذا الخاطئ وبالتالي يتم التكفير عن خطيته (اللاويين).

لاحظ معي فهنا لم يقل الله في التوراة (لكي أرضى عنك إذا أخطأت، عليك أن تعمل فقط الأعمال الصالحة). وإنما ألزمه بتقديم الذبيحة للتكفير عنه، ورش دمها حول المذبح (اللاويين 1: 5) هذا هو مفهوم التوراة التي أشار المسيح بها لسائله، فمفهوم وعقيدة الفداء، قائم في التوراة لا محال.

وهذا المفهوم يتكرر أيضاً في (اللاويين 1: 10-13 و14-17)، بل يتكرر حتى في ذبائح السلامة ويربطها برش الدم (لاويين 2)

ثم نواصل البحث فنجد الآتي (وكلم الرب موسى قائلاً: كلم بني إسرائيل قائلاً: إذا أخطأت نفس سهواً في شيء من جميع مناهي الرب[4] التي لا ينبغي عملها، وعمِلت واحدة منها، إن كان الكاهن الممسوح يخطئ لإثم الشعب، يقرب عن خطيته التي أخطأ، ثوراً ابن بقر صحيحاً للرب ذبيحة خطية، يقدم الثور إلى باب خيمة الاجتماع أمام الرب. ويضع يده على رأس الثور ويذبح الثور أمام الرب، ويأخذ الكاهن الممسوح من دم الثور ويدخل به إلى خيمة الاجتماع، ويغمس الكاهن أصبعه في الدم وينضح من الدم سبع مرات أمام الرب. لدى حجاب القدس ويجعل الكاهن من الدم على قرون مذبح البخور العطر الذي في خيمة الاجتماع، أما الرب، وسائر دم الثور يصبه إلى أسفلا مذبح المحرقة، الذي لدى باب الخيمة) (لاويين 4: 1-7).

هل هناك أوضح من هذا الوحي المقدس؟ فما الذي يجب على الكاهن اليهودي عمله إذا أخطأ؟! هل قال له الله أن يتوب فقط؟ أو أن يعمل أعمالاً صالحة فقط، كما يدعي ديدات بأنها كافية للخلاص دون التكفير بالدم؟ لا، لا، لا، بل أمر بالذبيحة كأمر حتمي، ولا بديل للتكفير بالدم للغفران.

ما سبق بالنسبة للكاهن، أما بالنسبة لليهودي العادي الذي ارتكب خطية ما، فقد جاء بالوحي الإلهي عنه (وإن أخطأ أحد من عامة الأرض سهواً بعمله واحدة من مناهي الرب التي لا ينبغي عملها وأثم، ثم أعلم بخطيته التي أخطأ بها، يأتي بقربانه عنزاً من المعز أنثى صحيحة عن خطيته التي أخطأ، ويضع يده على رأس ذبيحة الخطية، ويذبح ذبيحة الخطية في موضع المحرقة، ويأخذ الكاهن من دمها بأصبعه ويجعل على قرون مذبح المحرقة ويصب سائر دمها على المذبح… إلخ) (اللاويين 4: 27-31). الكفارة بالدم، تدحض افتراءات ديدات.

إذن فالسيد المسيح لم يوصي اليهودي بوصايا مجردة عن الفداء والتكفير بالدم، وإنما وصايا لها ارتباطها الجذري بعقيدة الفداء بالدم. وكان يجب على ديدات أن يكون أميناً في بحثه، ولكنه قصد غير ذلك، وأضاع على نفسه الحياة.

  1. ولكن، لماذا الذبيحة؟ نعم، بالرغم من أن هذه الأمور لم يكن ديدات يفهمها ليسأل فيها، ولكن حتى تكون الصورة مكتملة للقارئ، أحب أن أقدم له هذه الحقيقة الكتابية المقدس. لماذا يقوم التكفير عن الخطايا بالذبيحة في الكتاب المقدس؟

لأن أجرة الخطية موت أبدي، والتكفير بالذبيحة يحقق هذا الهدف، وهو موت الكفاري – الذبيحة – نيابة عن المفدي. ولذا كان التكفير بالدم أساسي. ونسأل: لماذا الدم؟ لأن الدم أساس الحياة، فإذا أريق الدم، مات الكائن. فحياته مخزونة في دمه، ومرهونة ببقاء دمه فيه. وهكذا فالدم يمثل الحياة.

إذن فالتكفير عن الخطية قائم على الحياة. والذبيحة ودمها هما الحياة البديلة التي ترمز للمسيح الذبيح الأعظم، الذي قدم نفسه على الصليب، ذبيحة عن الخطاة، وأريقت حياته البشرية على الصليب، وأسس حياة الخلود من جديد بكفارة دمه المبارك.

وليس هناك تكفير وغفران لأي إنسان يعتمد فقط على العمل الصالح دون أن يكفر عن خطاياه من خلال الإيمان بكفارة الذبيح الأعظم المسيح يسوع. من أجل خلاص العالم كله. وهذه هي عقيدة الكتاب المقدس الواضحة لكل من يقرأه بوعي وأمانة. بينما ديدات اعتمد فكرة تخديد عقله، وعملية التخدير لن تطول، فعاجلاً أو آجلاً، سيفقد التخدير تأثيره ويعود الألم يضرب بقوة. ولا شفاء إلا في المسيح له كل المجد.

رابعاً: سرقة ديدات لله

نعم قام ديدات بسرقة الله، لأنه سرق آيات الله، فهو تعود سرقة الآيات الإنجيلية التي تضايقه، وتكشف محاولات تزويره الفاشلة للحق الإلهي، ثم يضع تساؤله الذي يظهر للقارئ – بعد النص المسروق – كأنه منطقي. ولو يدري القارئ عدم احترام ديدات له. وهنا في موضوعنا هذا ليم يخجل ديدات، من سرقة النصوص، ثم بعد ذلك، لا يتورع في أن يفسر ما تبقى منها.

  1. ديدات يسرق الآيات: إليك عزيزي القارئ، جريمة ديدات. ولكي تدركها تماماً، إليك الحوار كله الذي دار بين المسيح والشاب اليهودي. (وإذا واحد تقدم وقال له: أيها المعلم الصالح، أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية؟ فقال له: لماذا تدعوني صالحاً؟ ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله. ولكن إن أردت ان تدخل الحياة فاحفظ الوصايا. قال له: أية وصايا؟ فقل يسوع: لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور، أكرم أباك وأمك، وأحب قريبك كنفسك، قال له الشاب: هذه كلها حفظتها منذ حداثتي، فماذا يعوزني بعد؟ قال له يسوع: إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك واعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني) (متى 19: 16-21).

عزيزي القارئ: تخيل كل ما تحته خط سرقه ديدات، لأنه لو وضعه لما استطاع أن يسأل سؤاله الذي بنى عليه كل آمال خرافاته السابقة. وقد كان سؤال ديدات: (لماذا لم يقل السيد المسيح لذل اليهودي، انتظر فإنني قريباً سأقدم الفداء والخلاص؟)

هل لم يرى ديدات، ما الذي ختم به المسيح كلامه مع ذلك الشاب اليهودي؟ بلا شك لقد رآه وهرب منه كعادته. وشكراً للرب الذي يهرب من كلمته المدلسون، فقد ختم المسيح كلامه فقال للشاب اليهودي (إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك واعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني). إذن فقد ختم السيد المسيح إجابته لذلك اليهودي بوصية (تعال اتبعني). هذه العبارة تنسف سؤال ديدات من أساسه. لأن المسيح في النهاية، أكد على اليهودي أهمية تبعيته للخلاص الأبدي.

  1. ألاعيب ديدات المكشوفة: بل دعني أبين لك أيها القارئ الكريم، ألاعيب ديدات وهو يرتكب تلك الجرائم في حق الله، وكيف يقص جزءاً من هنا وآخراً من هناك. فلقد أورد الوحي المقدس سؤال هذا الشاب اليهودي في ثلاث مواقع، فاختار ديدات الموقع الذي حسبه سهل القص، ولكننا قبضناه متلبساً. ففي مرقص نقرأ قول المسيح لذلك الشاب (وتعال اتبعني حاملاً الصليب) (مرقص 10: 21). يعني تبعية المسيح ومعها حمل الصليب. فما أروع نور الصليب في هذه الآية! ولكن الصليب يضايق ديدات، فهو لا يريد أصلاً تبعية للمسيح، ويريد أن تكون الإجابة فقط: نفذ الوصايا وأنت تخلص، فإذ به يورط نفسخ في إجابة المسيح التي تختم على الساعي لأكثر من وصايا الناموس – شريعة موسى – أن يتبع المسيح، وبالأكثر أن يحمل الصليب. فديدات يرفض فكرة الكفارة والخلاص بالدم، وإذ به يصطدم بالصليب مذبح الحياة والخلود، حجر صدمة وصخرة عثرة، وها هو الصليب الذي في إجابة المسيح. يكشف ألاعيب ديدات التي حاول أن يحكيها على القارئ المخدوع.

إذن فقد أكد المسيح على ذلك اليهودي الذي سأله، بأن عليه أن يتبع الوصايا الموجودة في عصره، المبنية أصلاً على الخلاص بالدم، ذلك الدم الذي كان رمزاً ممهداً لدماء المسيح التي حلت مكانه – أي مكان دم الذبائح الحيوانية – وختم المسيح جوابه بعبارة (وتعال اتبعني حاملاً الصليب). كل هذه الآيات مجتمعة، كشفت ما يقوم به ديدات من سرقة آيات وقص ولصق وتفسير مغرض لا علاقة له بسياق الآيات، ولذلك فأنا أسميها محاولات فاشلة، وهي كذلك فلم ينجح ولا مرة في الهروب بفعلته. بل الآيات التي قصد سرقتها. هي بذاتها التي وقفت ضده ونسفت أحلامه، وأكدت هذه الآيات أنه: لا خلاص إلا بدم المسيح المسفوك على الصليب لأجل خلاص العالم كله. هذا هو الإيمان المسيحي، من حق أي شخص أن يرفضه، ولكن ليس من حقه أن يزور فيه!

[1] بهذا المفهوم مارس كل الآباء الكبار – قبل شريعة موسى أو فيها – عقيدة التكفير بالدم. هابيل، نوح، إبراهيم، إسحاق، يعقوب، أيوب، موسى، وهارون. ومن قبلهما آدم وشيث، كذلك فإن كل سفر اللاويين تقريباً والكثير من سفري العدد والتثنية، أي أن كل التوراة قائمة أساساً على عقيدة الفداء بالدم.

[2] راجع الإنجيل المقدس (متى 26: 28 ومرقص 14: 24 ورومية 3: 25 و5: 9 وأفسس 1: 7 وكولوسي 1: 14، 20 وعبرانيين 13: 12 وبطرس الأولى 1: 2 ويوحنا الأولى 1: 7 ورؤيا 5: 1) هذه مجرد أمثلة، وإذا أردت المزيد عن هذه الآيات الإنجيلية يمكن مراجعة كتابنا “شهود الصليب”.

[3] الدم الذي سفك على الصليب هو دم ابن الله (أعمال 20: 28) فهو ليس مجرد دم إنسان عادي، إنما هو دم الكلمة المتجسد. أي الإنسان يسوع المسيح الذي حل فيه كل ملء اللاهوت واتحد بكل ذرة فيه.

[4] هنا لب الموضوع الذي نبحثه، لأن مناهي الرب هي الوصايا التي أشار بها المسيح لسائله اليهودي.

Exit mobile version