يمكنكم المساهمة عن طريق أي فيزا/ماستر كارد أو أي أكونت باي بال، كما يمكن المساهمة لمرة واحدة فقط أو تحديد مبلغ شهري (برجاء ألا يزيد المبلغ عن 5$ = 80 جنية مصري).
معجزة إقامة لعازر من الموت – حيرة ديدات – ردا على احمد ديدات
معجزة إقامة لعازر من الموت – حيرة ديدات – ردا على احمد ديدات
معجزة إقامة لعازر من الموت – حيرة ديدات – ردا على احمد ديدات
أتابع مع ديدات، مسلسل حيرته مع معجزات المسيح، التي جعلته يدور في كل اتجاه، يتلمس الظلام، ليزور في سلطان المسيح وقدرته الإلهية، فظل يدور ويدور، بحثاً عن أي شيء عدا النور الذي في المسيح.
أصلً الآن في الرد على ديدات إلى المحطة الأخيرة التي توقف عندها قطاره، وهي معجزة إقامة المسيح للعازر بعد موته بأربعة أيام.
تحت عنوان (الازاريوس) “أي لعازر” وفي ص 94، كتب ديدات الكثير من المغالطات، وحيث أنه لا يبدأ المعجزة من أولها، وإنما تناولها من منتصفها لأغراضه الإجرامية المعتادة، فأنا أجد نفسي سعيداً لشرح أبعاد المعجزة من بدايتها للقارئ الكريم، ولإظهار أهم الجوانب اللاهوتية التي فيها، والتي هرب منها ديدات. على أن نصل إلى منتصف المعجزة، فنتقابل مع ديدات هناك.
أولاً: قبل المعجزة بأيام
لا يمكن لديدات أن يبدأ من أول الآيات، لا أن ينتهي بها، في أي موضوع يتناوله. فقد جاء بالوحي المقدس (وكان إنسان مريضاً وهو لعازر من بيت عنيا، من قرية مريم ومرثا أختها، وكانت مريم التي كان لعازر أخوها مريضاً. هي التي دهنت الرب بطيب ومسحت رجليه بشعرها، فأرسلت الأختان إليه قائلتين: يا سيد هو ذا الذي تحبه مريض، فلما سمع يسوع قال: هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله، ليتمجد ابن الله به) (يوحنا 11: 1-4).
من هذه الآيات الرائعة ترتسم أمامنا طبيعة ألوهية المسيح.
العلم المطلق بالمستقبل: في هذه الآيات الأولية لحدث المعجزة العظيم، يبدأ المسيح في تحضير أذهان الناس وخاصة تلاميذه لهذا الحدث الكبير، وهذه المعجزة المدهشة المبهرة، وهي إقامة لعازر من الموت بعد أربعة أيام من موته بقوة سلطان لاهوته، وبسلطان الكلمة الآمرة للعازر، فيقوم من الموت.
فيقول لتلاميذه: (هذا المرض ليس للموت) كيف يتجرأ أي شخص، ويعلن بأن هذا المرض أو ذاك، لن يكون نهايته الموت ونهاية هذا الإنسان؟ ولكن المتكلم هنا هو المسيح، وهو ليس أي شخص. فهو العالم بما سيحدث من أدق الأمور لأعظمها. فكل التفاصيل التالية، والمختصة بمرض لعازر وموته، وأنه هو من سيقيمه من الموت، وسيقيمه بعد أربعة أيام، كل هذا ماثل أمام المسيح، فهو يرى المستقبل بعين الحاضر. لأنه من الصعب أن يتفوه أي شخص بأمور المستقبل من باب التخمين، فيدخل نفسه في حرج كبير. إذا مات لعازر مثلاً في هذه الحالة التي نحن بصددها، موته الأخير النهائي. ولكننا هنا نحن أمام سيد الأرض كلها، ومالك أمور الحياة وضابط الكل. وبعد ذلك يسخر منه الناس والتلاميذ، إذا كلامه غير صحيح، أو لو أن لعازر كان قد مات حقاً موتاً نهائياً ولم يقمه منه.
واهب الحياة وقابضها: ومن المهم أن تربط كلام السيد المسيح بقضية الموت التي يتكلم هو عنها، فلا أحد يعرف متى سيموت الناس ولا نهاية حياتهم كيف ومتى وأين ستكون؟ غير الله فقط. فكيف للمسيح أن يعرف بأن لعازر لن يموت بسبب هذا المرض؟ إلا لو أنه هو بذاته واهب الحياة ذاتها للعازر وغيره من الناس، وهو قابضها أيضاً، وقتما وكيفما يشاء.
لمن المجد؟!: في هذه الآيات الابتدائية لحدث المعجزة العظيم، يكشف المسيح عن صفة ألوهية أخرى، ولكن بأكثر عمق، فيقول لهم: (هذا المرض ليس للموت، بل لأجل مجد الله، ليتمجد ابن الله به) (يوحنا 11: 1-4).
هذه من أقوى العبارات اللاهوتية، ففي هذه الكلمات نرى المسيح يُدمج تعبيرين في معنى واحد، فيقول (لأجل مجد الله، ليتمجد ابن الله) فمن هو سيتمجد؟! هل الله أم ابن الله؟! ففي الجزء الأول من الآية يقول (لأجل مجد الله) ومنها نفهم أكثر من أمر. أركز على اثنين منهما. الأول: التركيز على عِلْمِه بأن هناك حادثة ستحدث، وسيتمجد الله من خلالها. فهنا إذن يثبت المسيح علمه المطلق حتى بنتائجها وهي: مجد الله. والثاني: حيث يقول (ليتمجد ابن الله به!) وهنا، فإنه لابد أن تستوقفنا هذه العبارة وتستوقف كل باحث أمين مدقق عن الحق، ولنا أن نسأل: مَن الذي ستمجد الله أم ابن الله؟!
هنا يؤكد المسيح أنه كلمة الله. فالمجدي الذي سيعود على الله، هو مجده هو ذاته، لأنه هو اللوغوس عقل الله الكلمة، وعقل الله هو الله. فالمجد واحد لذات الإله الواحد.
ثانياً: قبل السفر لقرية لعازر
قبل السفر إلى قرية لعازر، قال المسيح لتلاميذه (لعازر حبيبنا قد نام، لكن أذهب لأوقظه. فقال تلاميذه: يا سيد إن كان قد نام فهو يشفى. وكان يسوع يقول عن موته، وهم ظنوا أنه يقول عن رقاد النوم، فقال لهم يسوع حينئذ علانية: لعازر مات وأنا أفرح لأجلكم إني لم أكن هناك، لتؤمنوا، ولكن لنذهب إليه) (يوحنا 11: 11-15).
ما الذي يفهمه القارئ عن طبيعة المسيح، فقط من خلال هذه الآيات الرائعة؟! لنرى
رقة المشاعر: نلاحظ هنا أن المسيح بمشاعره الرقيقة، لم يرد أن يصدم التلاميذ بخبر موت لعازر مباشرة، إنما مهد لهم الخبر في البداية بتعبير (لعازر حبيبنا قد نام)، وليس (قد مات)، وفي هذا يعطينا درساً عملياً في الأسلوب الأصلح والأنجح، في توصيل مثل هذه الأخبار لأصحابها.
العلم المطلق بين الإرادة والقوة الذاتيين: أيضاً من هذه الآيات الرائعة نلاحظ أن المسيح يعلن عن طبيعته اللاهوتية بكل وضوح وقوة، ولهذا لم يرد ديدات أن يرى هذه الآيات. فعبر عن معجزة إقامة لعازر من الموت، وكأنه لم ير هذه الآيات مطلقاً.
فالمرسلون الذين أتوا من أختي لعازر، أتوا وقالوا (لعازر مريض)، بينما يصرح المسيح بعد ذلك، بأن لعازر قد مات. ويعني هذا أن علم المسيح، علم ذاتي ومطلق، لأنه في البداية يقول (هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله ليتمجد ابن الله به). فهو يتقدم الأحداث قبل أن تحدث، أما الجديد في الآيات السابقة (لعازر حبيبنا قد نام، لكن أذهب لأوقظه) فهو يكشف لنا ثلاثة أمور على الأقل
الأول: علم ذاتي يقيني بأن لعازر الذي كان مريضاً قد مات (لعازر حبيبنا قد نام). وما هو أبعد من ذلك علمه الذاتي، بأنه سيقيمه من الموت (لكني أذهب لأوقظه).
الثاني: إرادة ذاتية، وهو أمر عظيم جليل أيضاً في قوله (لكني أذهب لأوقظه) فلم يقل الله سيوقظه. بل أنا! وقد يسأل البعض فيقول: من أنت حتى تعطي لنفسك هذا الحق؟! كيف تتجرأ وتنسب لنفسك حق الإرادة المطلقة الذاتية في إقامة لعازر من الموت؟ أليست الإرادة لله في إحياء الناس أو موتهم؟! نعم إنها لله، ولا عجب فأنا عقل الله خالق هذه الحياة، وأنا الذي أريد وأقرر في خليقتي ما أشاء.
الثالث: والإرادة غير القوة، لأنه يكشف هنا أيضاً عن قوته الذاتية وليست المكتسبة. فهو يقر بأنه هو وبقوته الذاتية من سيقيم لعازر! وأيضاً قد يسأله البعض: أنت مَن سيقيم لعازر؟! من أنت؟!
أو ليس من الأكرم المسيح لو أنه نبي – وحاشاه فهو ليس كذلك – أن يُرجع المجد والفضل لله، ويقول (لأن الله سيقيمه بقوته، أو الله سيقيمه عن طريقي). لم يقل ذلك، بل إنه قصد أن يشير إلى قوته الذاتية، حتى يفهم التلاميذ والسامعين، بأنه كما يعلم أيضاً علم اليقين بأنه سيقيمه، وأن ذلك سيتم وفق إرادته الذاتية (لكني أذهب لأوقظه)، لذلك ربط علمه الذاتي بمشيئته الذاتية أيضاً. والملفت للنظر أن هذه الحقائق مجتمعة – وغيرها – يعرفها المسيح قبل حتى مرض لعازر، وهذا ما ورد بالإنجيل!
إنه من الخطر والمخاطرة أن يتفوه إنسان بمثل هذه التصريحات الإعجازية خاصة في مجال الدين، لو لم يكن له الثقة الأكيدة من خلال علم ذاتي، بأنه يعلم ويريد ويمتلك القوة لتنفيذ ما يريد وما يقول. وحتى هذه اللحظة من أحداث المعجزة، فإن المسيح ينسب كل شيء له، وذلك بكلمات يستخدمها أو بصفات إلهية ينسبها لنفسه، ولا عجب في أن ينسبها لنفسه، ولا عجب في أن ينسب الأمر لذاته أو للآب السمائي يحث أنه عقل الآب. ولا عجب أن يترك ديدات حتى الآن كل هذه الآيات.
كشف حقيقة علمه المطلق: فيما سبق رأينا المتكلم عن الأشياء قبل حدوثها، فرأينا فيه علم ذاتي بالأحداث. إلا إننا هنا، نراه يكشف للتلاميذ وبكلام مباشر، عن علمه المطلق هذا، فيقول لهم علانية (لعازر مات، وأنا أفرح لأجلكم، إني لم أكن هناك لتؤمنوا، ولكل لنذهب إليه). فمن هذه الآيات نكتشف أكثر من أمر.
الأول: ما قاله لهم (وأنا أفرح لأجلكم إني لم أكن هناك). فماذا يريد أن يقول لهم؟ يريد أن يؤكد على أمر هام وهو: بالرغم من أنني لست هناك مع لعازر، إلا أنن عرفت بأنه قد مات، كما سبق وأخبرتكم بأنني مَن سأقيمه من الموت بإراداتي الذاتية، ولهذا فأنا أفرح لأجلكم، لأن ذلك سيساعدكم لتكتشفوا أنن أعلم كل شيء علم اليقين المطلق. فبالرغم من أنني معكم، إلا أنني أعرف أن لعازر قد مات، والنبي ليس لديه هذا العلم الذاتي. ذلك لأن:
الثاني: سياق الآيات يكشف أكثر من ذلك. فالتلاميذ يعرفون أن للمسيح مقدرة النبوة وأكثر، ولهذا فليس هناك من جديد حتى يقول لهم المسيح (وأنا أفرح لأجلكم إني لم أكن هناك). فطالما يؤمنون به على أساس أنه نبي، فلماذا يلفت نظرهم إلى الأشياء الطبيعية مع الأنبياء. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فهو يقول لهم (وأنا أفرح لأجلكم، إني لم أكن هناك لتؤمنوا) لاحظ كلمة (لتؤمنوا). يؤمنوا بماذا؟! لا بد أن ما يريد المسيح، لفت أنظار التلاميذ إليه، هو أمر غير مجرد نبوة. فماذا إذن؟ لقد بدأ حديثه بالمجد الذي يعود لله ولابن الله، واستخدم في ذلك كلمات واضحة ليكشف عن طبيعته أنه الله المتجسد. ثم تكلم بعد ذلك عن علمه المطلق بكل شيء، ثم إرادته المطلقة حتى ولو أراد أن يقيم الموتى! وها هنا يؤكد حقيقة هذه الصفات الإلهية ويربطها بكلمة (لتؤمنوا) فالمسيح يرتفع هنا بفكر التلاميذ إلى ما هو أبعد من مجرد الإيمان به كنبي، أو كرجل صالح أو صانع معجزات مبهر. وإنما للإيمان به – لتؤمنوا – بابن الله أي عقل الله أي الله!
هذا هو فهم سياق الآيات لما يُريد المسيح أن يقوله، في هذ الآيات الخاصة أساساً بمعجزة إقامة لعازر من الموت بعد أربعة أيام. تلك المعجزة التي أبهرت العالم والتاريخ البشري كله، وأكدت بقوة أن السيد المسيح هو الله الظاهر في الجسد. ولهذا لم يظهر ديدات حتى هذه اللحظة، وإنما يدخل دائماً متأخراً ليأخذ شذرات هو يقصدها ليحرف فيها كما يريد، ولن نعطيه أي فرصة.
سؤال لم يقال: ختم المسيح هذا الجزء من كلامه هكذا (وأنا أفرح لأجلكم، إني لم أكن هناك لتؤمنوا، ولكن لنذهب إليه) لاحظ العبارة الأخيرة (ولكن لنذهب إليه)، فهنا نستغرب بعض الشيء، فللوهلة الأولى – وحسب منطق ديدات – كان على التلاميذ، أن يسألوا المسيح ويقولوا له: لو أن لعازر قد مات، كما تقول يا سيدنا المسيح، فلماذا تذهب إليه؟! ولكن عندما نُطيل التأمل في كل ما قلناه سابقاً منذ بداية الحديث عن معجزة إقامة لعازر حتى الآن، نُدرك ما أدركه التلاميذ، فلنتتبع كلام المسيح (لعازر حبيبنا قد نام، لكني أذهب لأوقظه، فقال تلاميذه: يا سيد إن كان قد نام فهو يشفى، وكان يسوع يقول عن موته، وهم ظنوا أنه يقول عن رقاد النوم، فقال لهم يسوع حينئذ علانية: لعازر مات وأنا أفرح لأجلكم إني لم أكن هناك، لتؤمنوا، ولكن لنذهب إليه). صمتوا لأن المسيح وعد بأنه سيذهب ليقيم لعازر من الموت. يعني قبل أن يتحرك المسيح للقرية التي كان فيها لعازر، كان يعرف كل شيء، ويعرف أنه سيقيم لعازر من الموت حتماً ويقيناً. ولهذا صمتوا عن أن يسألوه هذا السؤال، فما عاد للسؤال قيمة أو مكان. ولا تستغرب عزيزي القارئ لو أني قلت لك: هل تصدق أن كل عِلم المسيح السابق، وكل تصريحاته الواضحة بأنه سيقيم لعازر من الموت، تجاهله ديدات تماماً وكأنه غير موجود؟ أعتقد أنك أصبحت الآن تعرف السبب.
ثالثاً: الوصول لبيت عنيا قرية لعازر
وصل المسيح وتلاميذه والجمع الذي كان يتبعهم إلى بيت عنيا قرية لعازر ومرثا ومريم. وقال الوحي المقدس (فلما أتى يسوع وجد أنه قد صار له أربعة أيام في القبر) (يوحنا 11: 17). فهل وصل المسيح متأخراً؟! سنجيب على هذا السؤال لاحقاً. أما الآن فعلينا أن نعرف عدة حقائق عند وصل المسيح
حالة الجثة: لقد وصل المسيح إلى بيت عنيا حيث لعازر الميت. ولكن كان له أربعة أيام في القبر، والعالم كله يعرف ما الذي يحدث في خلال أربعة أيام للميت، وما حالة الجثة ودرجة تحللها، وطبيعة الرائحة النتنة المنبعثة عنها، ورغم كل هذه المدة التي تجعل من قيامة الميت أمراً مستحيلاً، نجد المسيح له كل المجد، ثابتاً فيما قاله، ولم يغير رأيه، فهو قد أتى خصيصاً ليقيم لعازر من الموت، مهما كانت حالة جسد لعازر، ويقين المسيح هذا مصدره قوته الذاتية التي بها سيقيم لعازر، فهو لن يصلي وينتظر هل سيتحقق طلبه أم لا، لأن هذه مغامرة كبيرة أن يضع نفسه في هذه الحالة، التي قد تنتهي بالإحراج البالغ له. فالمسيح الذي سبق فأكد في كلامه أنه في يوم القيامة سيسمع (جميع الذين في القبور صوته فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة) (يوحنا 5: 28 و29). هو بذاته الذي له القدرة الذاتية الآن لإعادة روح لعازر إلى هذا الجسد، بعد إصلاحه من حالة التلق التي فيها. ولكن:
هل ينفع إصلاح الجسد؟!: يفتح لنا هذا السؤال، حقيقة جديدة. فكيف سيُصلح المسيح هذه الجسد المتعفن؟! وكيف سيعمل هذا القلب الذي توقف وتآكل وقد تهدمت خلاياه وجدرانه وحجراته، وأصبحت الدماء داخله جافة ومتعفنة؟ وكيف ستعمل خلايا الدماغ – الخ – من جديد وهو أكثر الأجهزة في الجسم تعقيداً وحساسية؟ فأي تلق في شعيراته الدقيقة، يؤثر على الأعضاء التابعة لهذه الشعيرات. وكيف ستعمل الأعضاء التي في الراس من عين وأنف وأذن؟ إلخ كل أعضاء الجسد؟! فكل شيء قد فارقته الحياة، وهو أقرب إلى التراب. من أي شيء آخر. إن القضية إذن أكبر من مجرد إصلاح جسد، أو حتى إقامة ميت. إنها حقيقة:
خلق جديد: نعم وبلا شك فإن الأمر يحتاج إلى خلقة هذا الجسد المتعفن من جديد فمن الجسد ما تحلل، ومنه ما أكله الدود، فكيف يجوز مجرد الإصلاح هنا؟! كيف يتم إصلاح شيء غير موجود؟! بلا شك لا يصلح هنا منطق الإصلاح، وإنما الإصلاح هنا يكون بمنطق إعادة خلق هذا الجسد من جديد ولا عجب أن يكون المسيح خالقاً. وهذه صفة لاهوتية واضحة في أعمال المسيح على أرضنا. ومن هنا فإن معجزة إقامة لعازر من الموت. ليست فقط إعادة الروح إلى الجسد وإنما:
أولاً: خلق كل أعضاء هذا الجسد من جديد.
ثانياً: أمر الروح بالعودة لهذا الجسد.
ثالثاً: ليس ذلك فقط، بل عند خلق كل أعضاء الجسد من جديد لابد من أن يخلقها المسح ويبنيها كما كانت عليه تماماً، من الحالة والعمر، فلا يخلق قلب طفل مثلاً، وإنما كل شيء كما كان في اللحظة التي مات فيها لعازر، حتى تعود الروح لذات الجسد الذي كانت فيه، وليس لجسد لا تعرفه. إن الأمر أعقد من مجرد معجزة إقامة ميت. ولا يستطيع أن يقوم بهذا العمل الجبار العظيم، إلا الخالق العظيم، الذي أنشأ هذا الجسد من البداية، وهو الله، وحيث أن المسيح نسب لنفسه هذا الخلق العظيم، في إقامة لعازر – ككل المعجزات الأخرى – فلا شك أنه يُعلن عن طبيعته، إنه الله الظاهر في الجسد البشري. وإلى الآن لم يظهر ديدات، ولا عجب.
رابعاً: حديث المسيح مع مرثا
قال الوحي المقدس (فقالت مرثا – أخت لعازر الميت – ليسوع: يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي، لكني الآن أيضاً أعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك الله إياه. قال لها يسوع: سيقوم أخوك. قالت له مرثا: أنا أعمل أنه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير. قال لها يسوع: أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا. وكل من كان حياً، وآمن بي فلن يموت إلى الإبد. أتؤمنين بهذا؟ قالت له: نعم يا سيد، أنا قد آمنت، أنك أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم، ولما قالت هذا مضت ودعت مريم أختها سراً قائلة: المعلم قد حضر وهو يدعوك، أما تلك فلما سمعت قامت سريعاً وجاءت إليه، ولم يكن يسوع قد جاء إلى القرية بل كان في المكان الذي لاقته فيه مرثا، ثم أن اليهود الذين كانوا معها في البيت يعزونها لما رأوا مريم قامت عاجلاً وخرجت، تبعوها قائلين: إنها تذهب إلى القبر لتبكي هناك) (يوحنا 11: 21-31).
ما الذي يمكن أن نفهمه عن المسيح من خلال هذا الحوار؟ فلنحلل هذه الجزء ونفهمه.
إيمان مرثا: لقد كان لمرثا إيماناً قوياً بالمسيح. ولكنه محدوداً لحالات معينة، حالات المرض، أو الطلب من الرب. فقد قالت له (يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي). أي كنت قادراً على شفائه. ولكن الان فقد ضاعت الفرصة، فقد مات أخي، وكأن إيمانها وقف عند قدرة المسيح على الشفاء ولكن ليس على إقامة أخوها، خاصة أن له أربعة أيام في قبره.
ثم تنتقل لمرحلة أخرى فتقول له (لكني الأن أيضاً أعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك الله إياه). فإيمانها توقف عند طلب المسيح من الله، وواضح أنها في ذلك اليوم رأت عجباً، وعرفت أن شهادتها التي قالتها للمسيح (أنا قد آمنت أنك أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم). قد رأتها حقيقة مطبقة على أرض الواقع. وعندما قال لها المسيح (سيقوم أخوك)، لم تفهم أن المسيح يتكلم عن قيامة أخيها الآن، بل اعتقدت أن المسيح يتكلم عن قيامته في يوم القيامة. فردت عليه قائلة (أنا أعلم أنه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير) إننا نفهم طبيعة إيمان كل هؤلاء حتى تلميذ المسيح، قبل حلول الروح القدس، لم يكن إيماناً كاملاً، عن ماهية طبيعة المسيح، ولا نلوم أحد، فالوحي المقدس يقول (وليس أحد يقدر أن يقول: يسوع رب، إلا بالروح القدس) (1كو 12: 3) فالمهم بالأكثر هو: كلام المسيح عن نفسه، هذا هو حجر الأساس.
ثقة المسيح بما سيفعله: مقابل إيمان مرثا، وفهمها المتواضع لطبيعة المسيح، كان هو بعلمه الذاتي الأزلي، يعرف تماماً ما سيفعله، وأنه حتماً وبسلطان لاهوته، سيقيم لعازر من الموت، مهما كانت حالة جسده. ولهذا مقابل كلامها قال لها (سيقوم أخوك). ولا أنسى عزيزي القارئ أن أذكرك هنا، بأن ديدات يكذب ويدعي عدم علم المسيح المسبق بأنه سيقيم لعازر. ولأجل هذا، ترك هذه الآيات التي تسبق المعجزة، وترك كل كلام المسيح وفيما هو يقسي قلبه، ترك الحياة كلها هنا وهناك.
نعود لأختنا مرثا التي اعتقدت أن المسيح يقصد قيامة لعازر في القيامة العامة، فقالت له (أنا أعلم أنه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير) وهنا قال لها المسيح ما تطن له الآذان، وتقشعر له الأنام، وينحني له كل الكيان وتجثو أمامه الأبدان. (قال لها يسوع: أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا. وكل من كان حياً، وآمن بي فلن يموت إلى الإبد. أتؤمنين بهذا؟ قالت له: نعم يا سيد، أنا قد آمنت، أنك أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم).
هذه عبارات ألوهية خالدة، لا ينطق بها إلا الله وحده. وقد هرب منها ديدات كالفأر المذعور.
العبارة الأولى: أنا القيامة! قال المسيح (أنا هو القيامة والحياة)!
فهل يستطيع نبي أن يتهور ويقول أنا القيامة؟ مع ملاحظة تعبير (أنا هو). وهو اسم لله في الكتاب المقدس، أي أنا يهوه الكائن بذاتي والمقيم كل كيان آخر. فما الذي يريد المسيح أن يقوله لمرثا خاصة؟ ولكل العالم عامة؟
إن المسيح يريد هنا أن ينقل إيمان مرثا، لفعل وتأثير طبيعة المسيح، فهو ليس مجرد شخص يصلي ليقيم ميتاً، وإنما هو القيامة في ذاتها ونبعها.
والقيامة هي الحياة في جملتها وكمالها. القيامة بكل ما تحويه من قدرة على إيجاد الحياة من العدم، هي أنا ولذلك قرن المسيح القيامة بالحياة فقال (أنا هو القيامة والحياة).
ولمرثا بالذات الآن وفي هذا التوقيت، لكلام المسيح مغزاه الخاص. فالشغل الشاغل لمرثا الآن هو أخوها الميت. ولذلك تقع هذه الكلمات على جرحها وألمها فتطببه وتطيبه (أنا هو القيامة والحياة) لم يقل لها: أنا من سيقيمه، وإنما أنا هو القيامة ذاتها! وفي ذاتها، بمعنى (أنا هو القيامة والحياة في كل العصور، حتى ولو في آخر الأيام، فأنا القيامة والحياة، لأنني خارج دائرة الزمن والأيام والمكان. وبهذا نقل المسيح إيمان مرثا بتاريخ محدد – أي القيامة آخر الأيام – إلى شخصه المبارك كنبع للقيامة ومصدر للحياة، لكل البشرية، التي نالت قوة القيامة من الموت، بقيامة المسيح بقوة لاهوته المتحد به.
فبالكاد يقول الإنسان وهو غير واثق من اللحظات التالية، يقول (أنا حي)، ويشكر الله كل يوم على حياته التي استمرت حتى هذه اللحظات. أما أن يقول قائل مهما كان (أنا الحياة)، فهذا ما لا يُقبل من بشر لا يملكون حتى حياتهم الشخصية. ولكننا هنا أمام الكلمة الخالق المسيح مصدر كل الحياة. ولهذا الإعلان الإلهي الذي قاله المسيح الآن (أنا هو القيامة والحياة). له في هذه المناسبة أهمية خاصة. حيث أن المسيح قال هذا التعبير الإلهي وهو مقبل الآن على إقامة ميت من الموت، له أربعة أيام في القبر.
فالمسيح يقول هنا: أني لست مجرد صانع معجزات، وإنما أنا صانع الحياة كلها، فالقيامة والحياة هي أنا، ومني تخرج كهبة مجانية للعالم أجمع. وهنا يعالج المسيح إيمان مرثا. فهو لن يطلب من آخر، لأنه هو الآخر في ثوبنا البشري، فهو القيامة والحياة الذي لبس بشريتنا ليقيمنا ويعطينا حياة من جديد. لا تستغرب عزيزي القارئ لو أني قلت لك، أن ديدات نائم في مستنقعه ولم يظهر حتى الآن في هذه الأحدث، فهو صاحب قطع ولصق ليس إلا.
جوهر الإيمان: قال المسيح لمرثا (أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا. وكل من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد) ومرة أخرى نتساءل: كيف يمكن أن يكون المسيح مجرد بشر وهو يعلن كل هذه الإعلانات الألوهية في شخصه المبارك؟ فهذه الصفات لا تتناسب مع إنسان عادي أو مع مجرد نبي، أو حتى كائن سمائي. فقد قرر المسيح هنا، أن الإيمان به، هو محور القيامة والحياة، وعدم الإيمان به، هو الموت الأبدي. فالصفات التي يعلنها المسيح هنا عن نفسه، هي صفات في إطلاقها، فما الذي يريده المسيح من مستمعيه؟ ولهذا لا أستغرب غيبوبة ديدات المفتعلة حتى الآن.
خامساً: شهود المعجزة
لن أطيل كثيراً في هذه النقطة الواضحة في الإنجيل، فشهود المعجزة كانوا بالآلاف.
جموع تتبعه أينما توجه: المسيح هو مشتهى الأجيال، والجموع التي سمعت كلامه، وجدوا فيه الحياة والخلاص والتعزية، ورأوا في شخصه الكمال، ولهذا كانت الجموع الغفيرة دائماً تترقب تحركات المسيح لتعرف أين مكانه فتتبعه، وليس أدل على ذلك، مما قاله الوحي المقدس (فلما سمع يسوع انصرف من هناك في سفينة إلى موضع خلاء منفرداً، فسمع الجموع وتبعوه مشاة من المدن) (متى 14: 13) وكذلك (فرآهم الجموع منطلقين وعرفه كثيرون فتراكضوا إلى هناك من جميع المدن مشاة وسبقوهم واجتمعوا إليه) (مرقص 6: 23). فلا شك أن الكثير جداً من هذه الجموع، تبعت المسيح إلى بيت عنيا قرية لعازر الميت، خاصة وأنه قال لتلاميذه ومن سمعه، إنه ذاهب ليقيم لعازر من الموت.
سُكان بيت عنيا: هذا بالإضافة إلى سكان بيت عنيا الأصليين والذين تبعوا المسيح بمجرد أن دخل بيت عنيا، خاصة وأنه قادم إلى بيت الميت. فهل يا ترى سيقيمه؟!
المعزون: لقد رأى أيضاً المعزون الذين أتوا من كل مكان لتعزية مرثا ومريم هذه المعجزة العظيمة. فقد كان عدد كبير منهم في بيت الميت للتعزية، وقال الوحي المقدس (أما تلك -أي مريم – فلما سمعت قامت سريعاً وجاءت إليه، ولم يكن يسوع قد جاء إلى القرية بل كان في المكان الذ لاقته فيه مرثا. ثم أن اليهود الذين كانوا معها في البيت يعزونها، لما رأوا مريم قامت عاجلاً وخرجت، تبعوها قائلين: إنها تذهب إلى القبر لتبكي هناك) (يوحنا 11: 21-31). فما أجمل هذا الترتيب الإلهي. أن تجذب مريم المعزين الذين في بيتها، إلى قلب المعجزة حيث المسيح.
ما أمجد المسيح وسط هذه الجمهرة الكبيرة من الناس الشهود. فمن الرائع أن يترك الله لنفسه شهود عيان في كل مكان (أعمال 14: 17) ليخبروا الناس بما قد رأوا ولمسوا وعاشوا (1يوحنا 1: 1-5). ووسط كل هؤلاء الشهود، ما يزال ديدات في غيبوبته المصطنعة، فهو لا يريد أن يرى، ولا يريد أن يسمع. وقد فعلها ديدات وإلى الأبد.
بينما الشهود هنا على هذه المعجزة هم بالآلاف، كبار وصغار، ما بين رجل وامرأة وصبي، ومنهم الآلاف أيضاً الذين كانوا أحياء حينما كان التلاميذ يبشرون بهذه المعجزة، أو عندما سجلوها في الإنجيل المقدس، وشهدوا بها. إنها المعجزة التي تتناسب مع طبيعة المسيح الألوهية.
عزيزي القارئ: هل لك أن تتخيل، أن كل ما ذكرناه سابقاً، من بداية كلام المسيح عن مجده الذي سيعلنه في هذه المعجزة، حتى الآن، حاول ديدات فاشلاً أن يلتف على القارئ، ولا يذكر له أي شيء عن مقدمات المعجزة، لأنه يعرف أن كلام المسيح فيها، سيقلب كل الموازين ضده، فحقيقة ألوهية المسيح، تنضح في كلامه وتصرفاته.
فبعد كل هذا الحذف وعار طمس الحقائق، يستيقظ ديدات من غيبوبته، ليناقشنا بسذاجة في هذه المعجزة، ويفتري على المسيح، وعلى إيماننا، وكأن الآخرين ليس لديهم إنجيل في أيديهم، ولا يعرون كيف جرت الأمور في هذه المعجزة الخالدة، فإلى هناك عزيزي القارئ، لتقرأ معي كيف أن ديدات لا يخجل، وهو يفبرك أمور الخاصة التي أهلك حياته بسببها، فلننتقل إذن إلى قلب المعجزة.
صلاح الله المطلق – الخلاص بين الدم وحفظ الوصايا – ردا على احمد ديدات
صلاح الله المطلق – الخلاص بين الدم وحفظ الوصايا – ردا على احمد ديدات
ندخل إلى مبحث جديد، لا ينفصل في إطاره عن السابقين، كما أن قاسمه المشترك معهم، هو تدليس ديدات ومحاولاته الفاشلة.
ففي كتابه الذي نرد عليه (ألوهية المسيح) حاول ديدات يائساً، أن يرفض خلاص المسيح، ولكن على إحدى طرقه الديداتية هنا، حيث يسقط في محاولة يائسة لتفسير الإنجيل، الأمر الذي لا يعرف أبجدياته، ويُعد من الأخطاء الشائعة للكثيرين الذين يحاولون مهاجمة الكتاب المقدس.
كتب ديدات تحت عنوان “الطريق إلى الخلاص” ص90 (وإذ يتقدم أحد اليهود طالباً من المسيح عليه السلام أن يوضح له طريق الخلاص، “وإذا واحد تقدم وقال له: أيها المعلم الصالح، أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية، فقال له: لماذا تدعوني صالحاً وليس أحد صالحاً إلا واحد هو الله، ولكن إذا أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا” (متى 19: 16 و17)، وسوف تتفق معي – أيها القارئ الكريم – أنه لو كنت أنت، أو لو كنت أنا مكان ذلك اليهودي، فإن أيا منا يستطيع أن يستنتج وفقاً لما قاله المسيح، أن الخلاص مضمون ومؤكد شريطة أن تطيع أوامر الله دون سفك دم بريء، ذلك ما لم يكن المسيح مدركاً أن تضحيته من أجل خلاص كل البشر ستكون تعويضاً وكفارة عن كل خطايا الجنس البشري – وهو ما لا يعقل، ولا يوجد أي دليل عليه – لماذا أعطى عيسى عليه السلام لليهودي ذلك الجواب أو الحل المستحيل المتمثل في “كامل الطاعة لله” في حين أن طريقة أسهل – فيما يدعى المسيحيون – قادمة لا محالة؟ أم أن المسيح لم يكن يعلم بما سيحدث، ولم يكن يعرف أن سيصلب؟ ألم يكن هناك اتفاق إذن بين الآب والابن، قبل بدء الخليقة، بحيث يفتدي المسيح خطايا وآثام البشر بسفك دمه هو شخصياً؟ هل كان المسيح وهو يعطي الرجل اليهودي تلك الإجابة المتمثلة في الخلاص بإطاعة الله؟ كلا، لم يكن هناك مثل هذا الاتفاق الأسطوري الخرافي مع عيسى عليه السلام، كان عيسى عليه السلام يعرف أن ثمة طريق واحد للخلاص، وهو ما حدده للرجل اليهودي، ألا وهو طاعة الله).
كل هذه الضوضاء التي يفتعلها ديدات، لا يخجل وهو يتقمصها، في الوقت الذي فيه يسرق الآيات كما هو عادته، فهذا العار هو القاسم المشترك في كتابات ديدات الخرافية.
كما أنه يكتب رد المسيح على الشاب الغني، وكأنه يكتب شيئاً جديداً لا يعرفه المسيحيون، فواضح أن ديدات لأول مرة يقرأ هذه الآيات التي شرح فيها الشراح ووعظ فيها الوعاظ، أكثر من ألفي سنة. بداية من القرون المسيحية الأولى.
إنه ديدات وطريقته المعروفة لدينا، وبنعمة الرب سأقوم بتفنيد كلامه، كلمة كلمة، ليدرك القارئ فقر هذا الرجل في أدبيات الكتابة، ناهيك عن فهم ألف باء الإنجيل المقدس.
إذن فقد كتب ديدات في الفقرة السابقة: لماذا لم يوجه المسيح ذلك الشاب إليه هو شخصياً وإلى خلاصه الذي سيقدمه على الصليب؟ ولماذا قال له بأن حفظ الوصايا يكفي؟!
وعلى كل الأحوال، في الفقرة السابقة موضوعين، الأول خاص بصلاح الله المطلق، والثاني خاص بالطاعة وموقفها من الخلاص، وتحت الموضوعين تشعبات كثيرة.
أولاً: صلاح الله المطلق
في الفقرة السابقة التي كتبها ديدات (وإذا واحد تقدم وقال له: أيها المعلم الصالح، أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية، فقال له: لماذا تدعوني صالحاً وليس أحد صالحاً إلى واحد هو الله).
وتعليقاً على هذا الجزء، وضع المترجم حاشية سفلية، ص90 فكتب فيها (ها هنا، ها هو ذا المسيح عليه السلام يمايز بين شخصه وبين الله سبحانه وتعالى)
ولم أستغرب ما كتبه المترجم علي الجوهري، فهو تلميذ ديدات في كل السيناريوهات التي يقوم بها، فهو يكتب ما يساعد به أستاذه. بحيث تكون الصورة النهائية التي يقدمونها، أكبر قدر من التشويه للعقيدة المسيحية. فالمترجم حتى لم يكلف نفسه صدق البحث عن التفسير لدى المسيحيين، ولكن كيف يفعل ذلك ويقتل أستاذه ديدات ويحرف كل أوهامه. فلا بد من التشويه الكاذب، هذا هو الهدف الأساسي. ولهذا فقد أباح المترجم – وديدات بالطبع – لنفسه حق التشريع والتفسير في عقائد الآخرين، فقام وفسر هذه الآية وفق رأيه، مع أنه يفسر دين لا يفهمه ولا يؤمن به!
وعلى أي الأحوال لا يليق بنا ونحن نرى هذا اللغط المقصود دون أن نقدم التفسير المسيحي الصحيح لهذه الآية.
مصدر الآية: كان يجب عليهما – ديدات والمترجم على الجوهري – الصدق في البحث والرجوع لقول المسيح للشاب اليهودي، لمعرفة مصدر الكلام وأصله. والمصدر نجده في العهد القديم حيث قال الوحي المقدس (الله في السماء أشرف على بني البشر لينظر هل من فاهم طالب الله. كلهم قد ارتدوا معاً فسدوا ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد) (مزمور 14: 2و3؛ 53: 2و3)
هذه الآيات تشكل عقيدة الكتاب المقدس. عند اليهود والمسيحيين. فمفهوم كل يهودي وكل مسيحي، أنه لا يوحد من هو كامل الصلاح غير الله فقط، ولا يمكن أن يلقب أي بشر بلقب (الصالح) بألف ولام التعريف، غير الله وحده، ولذلك أكد الوحي على هذه الحقيقة بقوله: الجميع زاغوا وفسدوا معاً.
تفسير الآية: عندما قال هذا الشاب اليهودي للمسيح (أيها المعلم الصالح) سأله المسيح قائلاً: (لماذا تدعوني صالحاً؟). فأنت يهودي وتفهم كتابك المذي يؤكد: أنه (ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله). فلا يصلح أن نخلع لقب الصالح إلا على الله وحده. فهل تلقبني بالصالح، لأنك آمنت بأني الله؟ فهل تطلق على هذا اللقب، من باب إيمانك بأنني الله الظاهر في الجسد البشري؟ أم مجرد مجاملة تحيات ليس أكثر؟
ولذلك لم يقل له المسيح (لا تدعوني صالحاً)، وإنما (لماذا تدعوني صالحاً). فهو سؤال استفهامي (لماذا؟) وليس نهي استنكاري (لا). وكما تعلم فإن الفرق كبير وعظيم بين أن يسأل المسيح ذلك اليهودي عن السبب في تلقيبه بلقب هو لله فقط “الصالح“، وبين أن ينهيه عن تلقيبه به. هذا هو المفتاح الأول، أما المفتاح الثاني فهو:
المسيح يلقب نفسه بالصالح: كذلك يجب ملاحظة أن المسيح أطلق على نفسه هذا اللقب (الصالح). الذي خصصه لله فقط. أليس ذلك بعجيب؟! فإن هذا اللقب الذي ناقش جوهره مع هذا اليهودي. وأكد المسيح بأنه لقب خاص بالله، عاد فنسب إلى نفسه هذه الصلاح المطلق، الذي لله فقط، وقال عن نفسه (أنا هو الراعي الصالح) (يوحنا 10: 11). وفي سابقة لم يشهدها التاريخ قبله أو بعده. وقف متحدياً العالم كله ناسباً لذاته الصلاح المطلق الذي لله فقط. فقال لليهود (من منكم يبكتني على خطية؟) (يوحنا 46: 8). فهل يستطيع أي بشر ناقص، أن يتحدى الناس، ليجدوا فيه خطية واحدة؟ إنه الصالح المطلق. ففي الوقت الذي يستغفر فيه كل الأنبياء ربهم على خطاياهم، يقف المسيح منفرداً في مكانه الخاص، الذي لا يشاركه فيه أحد، يعلن جهاراً: أنه بلا خطية. بالطبع هو البار الكامل الذي بلا خطية، فكيف سيفدي الناس ويحاسبهم يوم القيامة على خطاياهم، وهو مثلهم له خطاياه؟! حاشاه تبارك اسمه القدوس. هذا هو التفسير لصلاح الله المطلق، وليست الضوضاء التي يفتعلها ديدات وأمثاله.
ثانياً: الخلاص بين الطاعة والكفارة بالدم
أما عن باقي الفقرة التي يتساءل عنها ديدات ويقول (ولكن إذا أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا” (متى 19: 16و17). وسوف تتفق معي – أيها القارئ الكريم – أنه لو كنت أنت، أو لو كنت أنا مكان ذلك اليهودي، فإن أيا منا يستطيع أن يستنتج وفقاً لما قاله المسيح، أن الخلاص مضمون ومؤكد شريطة أن تطيع أوامر الله دون سفك دم بريء. لماذا أعطى عيسى عليه السلام لليهودي ذلك الجواب أو الحل المستحيل المتمثل في “كامل الطاعة لله” في حين أن طريقة أسهل – فيما يدعي المسيحيون – قادمة لا محالة؟)
التناقض الصارخ في فقرة صغيرة: لعدم فهم ديدات للنصوص ومعناها، فهو يقع وبسهولة في التناقض الصارخ. فلو راجعت ما تحته خط عزيزي القارئ، وهو (وفقاً لما قال المسيح أن الخلاص مضمون ومؤكد شريطة أن يطيع أوامر الله دون سفك دم بريء). ثم يسقط ديدات في نقلة غريبة فيقول: (لماذا أعطى عيسى عليه السلام لليهودي ذلك الجواب الحسن أو الحل المستحيل المتمثل في “كامل الطاعة لله”)
هذا هو حال المدلسين، السقوط السريع. ففي العبارة الأولى يتكلم عن ذلك الخلاص المضمون والمؤكد بشرط طاعة الله، ثم في الجملة الثانية يقول: بأن جواب المسيح، حل مستحيل، لأنه يعتمد على طاعة الله الكاملة المستحيلة!
ففي الحالة الأولى الخلاص مضمون ويجب فقط إطاعة الله.
وفي الحالة الثانية طاعة الله الكاملة أمراً مستحيلاً، وبالتالي ليس هناك أي إمكانية للخلاص. لا تستغرب عزيزي فأنت تقرأ لديدات. فقد فقدت حاسة الاندهاش مع ما يكتبه هذا الرجل.
وكنت أريد أن أسأل سؤالاً ينهي هذا اللغط الذي اقترفه ديدات بجهله في هذه القضية. فهو يقول (الخلاص مضمون ويجب فقط إطاعة الله). ممتاز جداً، وهذا هو مطلب الشريعة الأول. فماذا إذن، لو أن الإنسان لم يطيع الله طاعة كاملة. وسفط في عدة وصايا، وكسر شريعة الله؟ ماذا عليه أن يفعل؟ وماذا على اليهودي أن يفعل وفق شريعته؟ خاصة أن ديدات يسقط ويعترف بنفسه، أن طاعة الله الكاملة أمراً مستحيلاً. فالجميع زاغوا وفسدوا معاً. إذن لنخرج ديدات – وأمثاله – من ورطته التي افتعلها لنفسه.
الخلاص بين الدم وحفظ الوصايا: إن التوراة – الناموس – قائم جملة وتفصيلاً، على أن الناس كل الناس محكوم عليهم بالموت. لأن التوراة تؤكد أهمية الطاعة الكاملة لله، وأن من يسقط في واحدة هو ملعون، حيث ورد بالتوراة (ملعون من لا يقيم كلمات هذا الناموس ليعمل بها، ويقول جميع الشعب آمين) (التثنية 27: 26)
ولكن ديدات يهرب في المقابل، من الحل الوحيد الذي قدمت التوراة الحل الوحيد لعلاج الخطية، الكفارة بالدم، وليس بدون الدم (وكل شيء تقريباً يتطهر حسب الناموس بالدم، وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة) (عب 9: 22)
كذلك لماذا يهرب ديدات من التوراة التي قال الوحي المقدس فيها (لأن نفس الجسد هي في الدم، فأنا أعطيتكم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم، لأن الدم يكفر عن النفس[1]). (اللاويين 17: 10-11). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يهرب ديدات مهرولاً من كلام المسيح الصريح، في أكثب من ستين[2] نصاً إنجيلياً، وهو يعلن أن الخلاص سيتم فقط، بسفك دمه الطاهر على الصليب، من أجل خلاص العالم كله!
إذن مفهوم الكتاب المقدس كله، العهد القديم والجديد قائم على عقيدة الفداء بالدم، وبدون الدم لا يوجد غفران، ولا كفارة ولا خلاص. فديدات وأمثاله لا يستطيعون مجابهة الآيات الإنجيلية، فيرفضون هيبة الكرامة، ويفضلون طريق الهزيمة والعار، فيرفعون شعار الهروب.
مفهوم تاريخ الخلاص في المسيحية: كتب ديدات في النص السابق (ذلك ما لم يكن المسيح مدركاً أن تضحيته من أجل خلاص كل البشر ستكون تعويضاً وكفارة عن كل خطايا الجنس البشري – وهو ما لا يعقل، ولا يوجد أي دليل عليه. أم أن المسيح لم يكن يعلم بما سيحدث، ولم يكن يعرف أنه سيصلب؟ ألم يكن هناك اتفاق إذن بين الآب والابن، قبل بدء الخليقة، بحيث يفتدي المسيح خطايا وآثام البشر بسفك دمه هو شخصياً؟ هل كان المسيح وهو يعطي الرجل اليهودي تلك الإجابة المتمثلة في الخلاص بإطاعة الله؟ كلا، لم يكن هناك مثل هذا الاتفاق الأسطوري الخرافي مع عيسى عليه السلام، كان عيسى عليه السلام يعرف أن ثمة طريق واحد للخلاص، وهو ما حدده للرجل اليهودي، ألا وهو طاعة الله).
كما أثبتنا هروب ديدات من صخرة آيات الإنجيل المقدس، فهو يقول هنا أنه لا يوجد دليل على أن خلاص المسيح معروف قبل بدء الخليقة. فهل هو يهرب مجددا من الآيات؟ نعم هو وأمثاله، يتقنون فن الهروب، لقد هرب قايين من الرب وهلك إلى الأبد.
لنرى إذن الوحي الإلهي الذي يجبر المدلسين على الهروب، ونقدم الدليل الذي ينكره ديدات، حيث يقول الحي الإلهي (دم المسيح معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم. ولكن قد أُظهر في الأزمنة الأخيرة من أجلكم) (1بطرس 1: 20). وقال الوحي المقدس أيضاً (والقادر أن يثبتكم حسب إنجيلي والكرازة بيسوع المسيح حسب إعلان السر الذي كان مكتوماً في الأزمنة الأزلية، ولكن ظهر الآن وأعلم به جميع الأمم بالكتب النبوية حسب أمر الإله الأزلي لإطاعة الإيمان) (رومية 16: 25و26)[3].
هذا هو ديدات الذي يدعي أنه يقرأ من كتابنا المقدس، ها هو الوحي يرد على تدليسه، ويقدم الأدلة التي يجهلها ديدات، وهي ألف باء الكتاب المقدس.
فكيف يكون المسيح هو عقل الله الناطق أو نطق الله العاقل. ولا يعرف الماضي والحاضر والمستقبل؟ ولماذا هرب ديدات من كل كلام المسيح. الذي أكد فيه – قبل صلبه – أنه سيصلب ويموت ويقوم في اليوم الثالث؟ إنه المسيح السرمدي شاء من شاء وأبى من أبى، فالحق الإلهي لا ولن يتغير أبداً.
التوبة أولاً: نكمل ردنا على ما كتبه ديدات (لماذا أعطى عيسى عليه السلام لليهودي ذلك الجواب أو الحل المستحيل المتمثل في “كامل الطاعة لله”، في حين أن طريقة أسهل – فيما يدعي المسيحيون – قادمة لا محالة؟).
حاول ديدات مرات عديدة، وناله الفشل في كل مرة وألقة به في مستنقعه إلى الأبد. حاول أن يشوه العقيدة المسيحية، على أساس أنها قائمة على أن يفعل المسيحي كل الخطايا ولا مشكلة فهناك أمر سهل وهو الخلاص عن طريق المصلوب، الذي يطرحون خطاياهم عليه. هذا ما يقصده ديدات هنا بالطريق الأسهل، بينما يقدم الإنجيل أساساً قوياً للخلاص وهو التوبة، وقد قام الوحي الإلهي في العهد القديم والجديد، على ركيزة حياة التوبة الصادقة، بعد قبول خلاص المسيح، والتوبة في المسيحية ليست موقفاً أو حالة، وإنما عمراً وحياة ومنهجاً. والآيات في الكتاب المقدس بعهديه، بالمئات في هذا الشأن، ولك منها مجرد أمثلة فقط.
فقد أكد الله على أن من أهم نتائج قبول الخلاص، حياة التوبة التي لا تعتمد على القرابة بنبي أو بصالح، ولا تعتمد على عرف أو لون، فقال الوحي على لسان يوحنا المعمدان (فاصنعوا أثماراً تليق بالتوبة، ولا تبتدئوا تقولون في أنفسكم: لنا إبراهيم أباً، لأن أقول لكم: إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم) (لوقا 3: 8)
وقال المسيح له كل المجد (فاذهبوا وتعلموا ما هو: إني أريد رحمة لا ذبيحة، لأني لم أتي لأدعو أبراراً، بل خطاة إلى التوبة) (متى 9: 13). وقال المسيح أيضاً (أقول لكم: إنه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب، أكثر من تسعة وتسعين باراً لا يحتاجون إلى توبة) (لوقا 15: 7).
وهكذا بشر تلاميذ المسيح بأهمية التوبة، كما تعلموا من معلمهم، فقال بطرس الرسول لليهود الذين حركهم الروح القدس ليؤمنوا بالمسيح (فلما سمعوا نُخِسوا في قلوبهم، وقالوا لبطرس ولسائر الرسل: ماذا نصنع أيها الرجال الأخوة؟ فقال لهم بطرس: توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس).
وقال الوحي على لسان بولس الرسول (بل أخبرت أولاً الذين في دمشق وفي أورشليم، حتى جميع كورة اليهودية، ثم الأمم: أن يتوبوا ويرجعوا إلى الله، عاملين أعمالاً تليق بالتوبة) (أعمال 26: 20)
وأيضاً (أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته، غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة) (رومية 2: 4).
فقائمة الآيات التي يهرب منها ديدات، هي قائمة طويلة، واختار منها هنا، المسك الذي أختم به هنا، وهو ما كرره المسيح له كل المجد، مرتين في أصحاح واحد، فقال (بل إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون) (لوقا 13: 3و5). التوبة كما هو واضح حجر أساس في الحياة المسيحية. فلماذا يكذب ديدات؟ ليفهم القارئ
ثالثاً: حفظ الوصايا
نواصل الرد على ما كتبه ديدات في النص السابق، حيث قال (لماذا أعطى عيسى عليه السلام لليهودي ذلك الجواب أو الحل المستحيل المتمثل في “كامل الطاعة لله” في حين أن طريقة أسهل – فيما يدعي المسيحيون – قادمة لا محالة؟ أم أن المسيح لم يكن يعلم بما سيحدث، ولم يكن يعرف أنه سيصلب؟)
فالفكرة الساذجة التي يقودها ديدات هنا، هي: لو أن المسيح سيخلص العالم بصلبه على الصليب، فلماذا قال لذلك اليهودي أن عليه فقط أن يطيع الله، ولم يقل له انتظر الصلب لأنه لا خلاص إلا بالدم، وإن هذا الصلب سيحدث بعد فترة وجيزة؟!
إن هذا الجزء بالذات الذي أثاره ديدات هنا، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك، بأنه يجهل أبجديات الكتاب المقدس، ولذا أود أن أتقدم في الشرح أكثر، وخاصة أن القارئ الكريم يتابع هذه الردود. فأرد بنعمة الرب على أكثر من صعيد.
وصايا عصر اليهودي: من الطبيعي أن يلفت المسيح نظر سائله إلى الشريعة التي في عصره، فهذا اليهودي ما يزال تحت الناموس، فهل هو أمين في تطبيق هذه الشريعة، والتي اعترف هو بلسانه أنه قد حفظها منذ حداثته. ومن السذاجة أن يقترح ديدات، بأن عيسى كان يجب أن يقول له (انتظر، لا تفعل أي شيء، فبعد فترة سأخلص أنا العالم على الصليب؟!). ما هذه السذاجة المتطرفة؟ إنها فجاجة ديدات التي يفرضها على نصوص أبعد ما تكون عن خياله. لأن الطبيعي أن يرشد المسيح ذلك اليهودي، إلى وصاياه التي يحفظها ويعرفها، وهي بذاتها التي ستقوده للمسيح، إن عاش أميناً فيها، وليس من الطبيعي أن يقول لسائله: لا تفعل وانتظر. هذا هو ديدات الذي ادعى أنه يعرف كتبنا، وهو يؤلف من خياله ليس أكثر.
المكمل والمتسامي: ألم يقل المسيح له كل المجد (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل)؟ (متى 5: 17). فمن الطبيعي، واضع الناموس، لا ينقض الشريعة التي سبق فوضعها هو بذاته، فيرشد لها سائله، والتي بصلبه وصليبه، سيكملها متسامياً بها وبتابعيه.
حتمية الكفارة بالدم: ولكن، من المهم أن نفهم تلك الوصايا التي أشار بها المسيح لذلك اليهودي، فإن أساسها الكفارة بالدم. إنها وصايا التوراة، فماذا تقول التوراة؟! سأختار البعض من التي أقر اليهودي بحفظها عن ظهر قلب، مثل (لا تقتل، لا تزن، لا تسرق) (خروج 20) إذن فإضا أخطأ هذا اليهودي – أو غيره من اليهود – في واحدة من نواهي هذا الوصايا السمائية، فكيف له أن يكفر عن خطيته هذه؟!
الإجابة الواحدة التي لا تقدم التوراة غيرها، على هذا اليهودي وغيره، أن يقدم ذبيحة كفارية عن خطيته، الكفارة بالدم، وليس بدون الدم، فلم يكن المسيح مضطراً أن يلفت نظر السائل إلى هذه الذبائح ودورها التكفيري، ذلك لأن السائل يهودي الأصل وهو يعرف فرائض توراته، التي قد نفذها هو بذاته مراراً وتكراراً، وكذلك لأنه لم يسأله عن الفرائض، لو أنه أخطأ وإنما عن الحياة الأبدية، ولذلك من الطبيعي أن يرشده إلى الوصايا التي تقدم له الحياة الأبدية لو أتمها جميعاً، وليس إلى الذبائح لو أنه سقط في الخطية.
تؤكد التوراة أن الإنسان لا يمكن أن يعيش كاملاً، فلابد أنه سيسقط، وإذا سقط فأخطأ، هو في حاجة لتقديم ذبيحة، تذبح عنه وتحرف على المذبح نيابة عنه، حتى ينال الغفران (اللاويين 1: 3). فكان عليه أن يضع يده على رأس الذبيحة، معترفاً بخطيته، علامة على انتقال الخطية عنه إلى الذبيحة. فتذبح نيابة عنه، أي أن الذبيحة المقدمة أمام الله قد فدت هذا الخاطئ وبالتالي يتم التكفير عن خطيته (اللاويين).
لاحظ معي فهنا لم يقل الله في التوراة (لكي أرضى عنك إذا أخطأت، عليك أن تعمل فقط الأعمال الصالحة). وإنما ألزمه بتقديم الذبيحة للتكفير عنه، ورش دمها حول المذبح (اللاويين 1: 5) هذا هو مفهوم التوراة التي أشار المسيح بها لسائله، فمفهوم وعقيدة الفداء، قائم في التوراة لا محال.
وهذا المفهوم يتكرر أيضاً في (اللاويين 1: 10-13 و14-17)، بل يتكرر حتى في ذبائح السلامة ويربطها برش الدم (لاويين 2)
ثم نواصل البحث فنجد الآتي (وكلم الرب موسى قائلاً: كلم بني إسرائيل قائلاً: إذا أخطأت نفس سهواً في شيء من جميع مناهي الرب[4] التي لا ينبغي عملها، وعمِلت واحدة منها، إن كان الكاهن الممسوح يخطئ لإثم الشعب، يقرب عن خطيته التي أخطأ، ثوراً ابن بقر صحيحاً للرب ذبيحة خطية، يقدم الثور إلى باب خيمة الاجتماع أمام الرب. ويضع يده على رأس الثور ويذبح الثور أمام الرب، ويأخذ الكاهن الممسوح من دم الثور ويدخل به إلى خيمة الاجتماع، ويغمس الكاهن أصبعه في الدم وينضح من الدم سبع مرات أمام الرب. لدى حجاب القدس ويجعل الكاهن من الدم على قرون مذبح البخور العطر الذي في خيمة الاجتماع، أما الرب، وسائر دم الثور يصبه إلى أسفلا مذبح المحرقة، الذي لدى باب الخيمة) (لاويين 4: 1-7).
هل هناك أوضح من هذا الوحي المقدس؟ فما الذي يجب على الكاهن اليهودي عمله إذا أخطأ؟! هل قال له الله أن يتوب فقط؟ أو أن يعمل أعمالاً صالحة فقط، كما يدعي ديدات بأنها كافية للخلاص دون التكفير بالدم؟ لا، لا، لا، بل أمر بالذبيحة كأمر حتمي، ولا بديل للتكفير بالدم للغفران.
ما سبق بالنسبة للكاهن، أما بالنسبة لليهودي العادي الذي ارتكب خطية ما، فقد جاء بالوحي الإلهي عنه (وإن أخطأ أحد من عامة الأرض سهواً بعمله واحدة من مناهي الرب التي لا ينبغي عملها وأثم، ثم أعلم بخطيته التي أخطأ بها، يأتي بقربانه عنزاً من المعز أنثى صحيحة عن خطيته التي أخطأ، ويضع يده على رأس ذبيحة الخطية، ويذبح ذبيحة الخطية في موضع المحرقة، ويأخذ الكاهن من دمها بأصبعه ويجعل على قرون مذبح المحرقة ويصب سائر دمها على المذبح… إلخ) (اللاويين 4: 27-31). الكفارة بالدم، تدحض افتراءات ديدات.
إذن فالسيد المسيح لم يوصي اليهودي بوصايا مجردة عن الفداء والتكفير بالدم، وإنما وصايا لها ارتباطها الجذري بعقيدة الفداء بالدم. وكان يجب على ديدات أن يكون أميناً في بحثه، ولكنه قصد غير ذلك، وأضاع على نفسه الحياة.
ولكن، لماذا الذبيحة؟ نعم، بالرغم من أن هذه الأمور لم يكن ديدات يفهمها ليسأل فيها، ولكن حتى تكون الصورة مكتملة للقارئ، أحب أن أقدم له هذه الحقيقة الكتابية المقدس. لماذا يقوم التكفير عن الخطايا بالذبيحة في الكتاب المقدس؟
لأن أجرة الخطية موت أبدي، والتكفير بالذبيحة يحقق هذا الهدف، وهو موت الكفاري – الذبيحة – نيابة عن المفدي. ولذا كان التكفير بالدم أساسي. ونسأل: لماذا الدم؟ لأن الدم أساس الحياة، فإذا أريق الدم، مات الكائن. فحياته مخزونة في دمه، ومرهونة ببقاء دمه فيه. وهكذا فالدم يمثل الحياة.
إذن فالتكفير عن الخطية قائم على الحياة. والذبيحة ودمها هما الحياة البديلة التي ترمز للمسيح الذبيح الأعظم، الذي قدم نفسه على الصليب، ذبيحة عن الخطاة، وأريقت حياته البشرية على الصليب، وأسس حياة الخلود من جديد بكفارة دمه المبارك.
وليس هناك تكفير وغفران لأي إنسان يعتمد فقط على العمل الصالح دون أن يكفر عن خطاياه من خلال الإيمان بكفارة الذبيح الأعظم المسيح يسوع. من أجل خلاص العالم كله. وهذه هي عقيدة الكتاب المقدس الواضحة لكل من يقرأه بوعي وأمانة. بينما ديدات اعتمد فكرة تخديد عقله، وعملية التخدير لن تطول، فعاجلاً أو آجلاً، سيفقد التخدير تأثيره ويعود الألم يضرب بقوة. ولا شفاء إلا في المسيح له كل المجد.
رابعاً: سرقة ديدات لله
نعم قام ديدات بسرقة الله، لأنه سرق آيات الله، فهو تعود سرقة الآيات الإنجيلية التي تضايقه، وتكشف محاولات تزويره الفاشلة للحق الإلهي، ثم يضع تساؤله الذي يظهر للقارئ – بعد النص المسروق – كأنه منطقي. ولو يدري القارئ عدم احترام ديدات له. وهنا في موضوعنا هذا ليم يخجل ديدات، من سرقة النصوص، ثم بعد ذلك، لا يتورع في أن يفسر ما تبقى منها.
ديدات يسرق الآيات: إليك عزيزي القارئ، جريمة ديدات. ولكي تدركها تماماً، إليك الحوار كله الذي دار بين المسيح والشاب اليهودي. (وإذا واحد تقدم وقال له: أيها المعلم الصالح، أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية؟ فقال له: لماذا تدعوني صالحاً؟ ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله. ولكن إن أردت ان تدخل الحياة فاحفظ الوصايا. قال له: أية وصايا؟ فقل يسوع: لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور، أكرم أباك وأمك، وأحب قريبك كنفسك، قال له الشاب: هذه كلها حفظتها منذ حداثتي، فماذا يعوزني بعد؟ قال له يسوع: إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك واعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني) (متى 19: 16-21).
عزيزي القارئ: تخيل كل ما تحته خط سرقه ديدات، لأنه لو وضعه لما استطاع أن يسأل سؤاله الذي بنى عليه كل آمال خرافاته السابقة. وقد كان سؤال ديدات: (لماذا لم يقل السيد المسيح لذل اليهودي، انتظر فإنني قريباً سأقدم الفداء والخلاص؟)
هل لم يرى ديدات، ما الذي ختم به المسيح كلامه مع ذلك الشاب اليهودي؟ بلا شك لقد رآه وهرب منه كعادته. وشكراً للرب الذي يهرب من كلمته المدلسون، فقد ختم المسيح كلامه فقال للشاب اليهودي (إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك واعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني). إذن فقد ختم السيد المسيح إجابته لذلك اليهودي بوصية (تعال اتبعني). هذه العبارة تنسف سؤال ديدات من أساسه. لأن المسيح في النهاية، أكد على اليهودي أهمية تبعيته للخلاص الأبدي.
ألاعيب ديدات المكشوفة: بل دعني أبين لك أيها القارئ الكريم، ألاعيب ديدات وهو يرتكب تلك الجرائم في حق الله، وكيف يقص جزءاً من هنا وآخراً من هناك. فلقد أورد الوحي المقدس سؤال هذا الشاب اليهودي في ثلاث مواقع، فاختار ديدات الموقع الذي حسبه سهل القص، ولكننا قبضناه متلبساً. ففي مرقص نقرأ قول المسيح لذلك الشاب (وتعال اتبعني حاملاً الصليب) (مرقص 10: 21). يعني تبعية المسيح ومعها حمل الصليب. فما أروع نور الصليب في هذه الآية! ولكن الصليب يضايق ديدات، فهو لا يريد أصلاً تبعية للمسيح، ويريد أن تكون الإجابة فقط: نفذ الوصايا وأنت تخلص، فإذ به يورط نفسخ في إجابة المسيح التي تختم على الساعي لأكثر من وصايا الناموس – شريعة موسى – أن يتبع المسيح، وبالأكثر أن يحمل الصليب. فديدات يرفض فكرة الكفارة والخلاص بالدم، وإذ به يصطدم بالصليب مذبح الحياة والخلود، حجر صدمة وصخرة عثرة، وها هو الصليب الذي في إجابة المسيح. يكشف ألاعيب ديدات التي حاول أن يحكيها على القارئ المخدوع.
إذن فقد أكد المسيح على ذلك اليهودي الذي سأله، بأن عليه أن يتبع الوصايا الموجودة في عصره، المبنية أصلاً على الخلاص بالدم، ذلك الدم الذي كان رمزاً ممهداً لدماء المسيح التي حلت مكانه – أي مكان دم الذبائح الحيوانية – وختم المسيح جوابه بعبارة (وتعال اتبعني حاملاً الصليب). كل هذه الآيات مجتمعة، كشفت ما يقوم به ديدات من سرقة آيات وقص ولصق وتفسير مغرض لا علاقة له بسياق الآيات، ولذلك فأنا أسميها محاولات فاشلة، وهي كذلك فلم ينجح ولا مرة في الهروب بفعلته. بل الآيات التي قصد سرقتها. هي بذاتها التي وقفت ضده ونسفت أحلامه، وأكدت هذه الآيات أنه: لا خلاص إلا بدم المسيح المسفوك على الصليب لأجل خلاص العالم كله. هذا هو الإيمان المسيحي، من حق أي شخص أن يرفضه، ولكن ليس من حقه أن يزور فيه!
[1] بهذا المفهوم مارس كل الآباء الكبار – قبل شريعة موسى أو فيها – عقيدة التكفير بالدم. هابيل، نوح، إبراهيم، إسحاق، يعقوب، أيوب، موسى، وهارون. ومن قبلهما آدم وشيث، كذلك فإن كل سفر اللاويين تقريباً والكثير من سفري العدد والتثنية، أي أن كل التوراة قائمة أساساً على عقيدة الفداء بالدم.
[2] راجع الإنجيل المقدس (متى 26: 28 ومرقص 14: 24 ورومية 3: 25 و5: 9 وأفسس 1: 7 وكولوسي 1: 14، 20 وعبرانيين 13: 12 وبطرس الأولى 1: 2 ويوحنا الأولى 1: 7 ورؤيا 5: 1) هذه مجرد أمثلة، وإذا أردت المزيد عن هذه الآيات الإنجيلية يمكن مراجعة كتابنا “شهود الصليب”.
[3] الدم الذي سفك على الصليب هو دم ابن الله (أعمال 20: 28) فهو ليس مجرد دم إنسان عادي، إنما هو دم الكلمة المتجسد. أي الإنسان يسوع المسيح الذي حل فيه كل ملء اللاهوت واتحد بكل ذرة فيه.
[4] هنا لب الموضوع الذي نبحثه، لأن مناهي الرب هي الوصايا التي أشار بها المسيح لسائله اليهودي.
كتب ديدات في الفصل الثامن، ص 88 وتحت عنوان (ما يتبقى: ثلاث موضوعات) (تبرز وتتضح أمامنا ثلاث موضوعات مهمة جديرة بالبحث والمناقشة وهي:
عدم وفاة المسيح على الصليب.
رسالة المسيح ومعجزاته.
البشارة برسول بعد المسيح يأتي اسمه أحمد.
وبالنظر إلى الموضوع الأول المتعلق بعدم موت المسيح عليه السلام على الصليب فإنني كنت قد كتبت كتاباً صغيراً بعنوان “هل صلب المسيح؟”[1]. منذ حوالي عشرين عاماً ونفذت طبعة الكتاب، وأكثر من ذلك فإنه يحتاج إلى إضافات جديدة حيث إن مياهاً كثيرة قد جرت تحت القنطرة. وفيما يتعلق برسول بعده اسمه أحمد، فإنني أرى أن أضع كتاباً صغيراً بعنوان: “محمد الخليفة الطبيعي للمسيح”[2] وأرجو أن أوفق سريعاً في إنجازه إنشاء الله “صلوا من أجلي”[3]).
أولاً: عمل الصليب قوة الخلاص للعالم
كتب ديدات (عدم وفاة المسيح على الصليب). وقام المترجم علي الجوهري، بوضع حاشية معلقاُ على هذه العبارة هكذا (أُنظر ترجمتنا لكتاب “مسألة صلب المسيح” وفيه يقدم العلامة أحمد ديدات ثلاثين دليلاً على أن المسيح لم يتوفى على الصليب)
لقد تم بنعمة الرب، الرد على كتاب “مسألة صلب المسيح”، بكتاب عنوانه “شهود الصليب”. وتم تفنيد كل الأكاذيب التي كتبها ديدات بأرقام صفحات كتابه.
كيف أنه رجل مزور للحق الإلهي، وكيف يسرق الأجزاء المهمة من الآيات ويقدم الباقي الذي يريد أن يبني عليه اشتياقاته…. كما أنني أوضحت للقارئ الكريم، كم التناقضات الرهيبة التي وقع فيها ديدات، وختمت الكتاب بتقديم ثلاثين دليلاً، لدحض من يسمى “ثلاثين دليلاً” قدمها ديدات، وهي لا علاقة لها بالبحث الجاد، تعتمد فقط على التزوير ومن يقرأ كتابنا “شهود الصليب” سيكتشف طبيعة كتابات ديدات الساذجة… وقد أثبتنا فيه حتمية صلب المسيح وموته على الصليب، كحقيقة أسطع من نور الشمس في كل صباح…
وبالرغم من أن كتاب ديدات “مسألة صلب المسيح” في جملته، هو مخالف لكل العقائد الدينية، في قضية صلب السيد المسيح… إلا أن المترجم علي الجوهري، ولأمر ما في نفسه، ترجم له هذا الكتاب، بالرغم أيضاً من اعتراف ديدات نفسه، في نهاية كتابه: بأنه لا يؤمن حتى بهذه النظرية الساذجة التي قدمها هو، عن حالة الإغماء التي تعرض لها عيسى وهو على الصليب. فلا تستغرب عزيزي القارئ. فالكاتب هو ديدات. وهنا أود أن أشير لبعض الحقائق
ديدات يقف يتيماً: وقف ديدات يتيماً يحاول أن ينفي صلب المسيح، الذي يُعد من أهم ركائز العقيدة المسيحية، بل هو وألوهية المسيح، بمثابة قضيبين من الفولاذ القوي، تسير عليهما كنيسة المسيح في بحر هذا العالم. فالمسيح هو الذي حينما سأله تلاميذه، قال لهم (وأنتم من تقولون إني أنا؟ فأجاب سمعان بطرس وقال: أنت هو المسيح ابن الله الحي – عندها رد المسيح وقال له – طوبى لك يا سمعان بن يونا، إن لحماً ودماً لم يُعلن لك، لكن أبي الذي في السماوات. وأنا أقول لك أيضاً: أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيسة وأبواب الجحيم لن تقوى عليها) (متى 16) فهنا أعلن المسيح، أن حجر أساس كنيسته، طبيعته اللاهوتية… أما عن حتمية صلبه. فقد أكد ذلك في آيات كثيرة إذن[4]: ديدات يقف يتيماً أما شهادة الكتاب المقدس في العهد القديم، والإنجيل المقدس في العهد الجديد، والتاريخ الكنسي، والتقليد أو التسليم الكنسي، وكذلك شهادة المؤرخين غير المسيحيين وصلوات المسيحيين في كنائسهم كلها عبر التاريخ الطويل[5]. كل ذلك وغيره يؤكد حقيقة صلب المسيح، بينما يقف ديدات وحده يتيماً، لا أخ له ولا شريك يعضده، في نظريته الساذجة “الإغماء على الصليب” … غير ميرزا غلام أحمد، فديدات تلميذ ذاك.
طفرة في عقل ديدات، لم يذكرها التاريخ: هل في يوم وليلة، نام المسيحيون، ثم استفاقوا من نومهم، فوجدوا عقيدة جديدة اسمها “صلب المسيح”؟ كيف يمكن أن تحدث هذه الطفرة، دون أن يذكرها التاريخ العام. والتاريخ المسيحي خاصة، وهو الذي لم ينسى شاردة أو واردة عن المسحيين إلا سجلها.
هل لم يعترض أي معترض على هذه العقيدة الجديدة. في كل دول العالم، في ذلك الوقت؟ خاصة أن عقيدة صلب المسيح هي لب وأساس العقيدة المسيحية. وليس بأمر جانبي غير ملفت يمكن التغاضي عنه؟
ثم كيف تغيرت الصلوات في الكنيسة المسيحية حول العالم، في يوم وليلة، للتماشي مع العقيدة الجديدة، عقيدة صلب المسيح؟
وقبل هذا وذاك، كيف تغير كل الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، ليواكب هذه الطفرة الخطيرة في التاريخ، دون أن يعترض أي كاتب لهذه الطفرة إلا عقل ديدات؟ فلا نجد ولا مؤرخ واحد يتكلم عن هذا التحول الجذري والفجائي في هذه العقيدة الثابتة، بل على العكس يذكر المؤرخون غير المسيحيين صلب المسيح كحدث تاريخي وقع في التاريخ، دون أي شائبة في هذه الحقيقة الجلية الجليلة. إنها طفرة في عقل ديدات، حينما ادعى: أن عيسى أصابته حالة من الإغماء على الصليب. إنه أقنع نفسه بهذه الخرافة، بينما يظل صخر الحق الإلهي معلن في الإنجيل المقدس، وحقيقة ملموسة في حياة الكثيرين. إن عمل الصليب الفدائي، قوة مؤثرة في العالم لمنح نعمة الخلاص لكل من يريد، فعلى الصليب، سحق المسيح غلبة الشيطان، فجرده من سلطان الموت الأبدي على البشر (كولوسي 2: 15). واحباً نعمة الخلاص الأبدي مجاناً لكل من يقبل إليه.
اكتب ما تشاء: كتب ديدات (البشارة برسول بعد المسيح يأتي اسمه أحمد. وفيما يتعلق برسول بعده اسمه أحمد، فإنني أرى أن أضع كتاباً صغيراً بعنوان: “محمد الخليفة الطبيعي للمسيح” وأرجو أن أوفق سريعاً في إنجازه إن شاء الله. “صلوا من أجلي”)
أما بخصوص هذا الكتاب، فاكتب ما تشاء، فنحن لا نصادر حرية الفكر، بل ليس لنا هذا الحق، فلديدات وغيره الحق أن يؤمن بما يريد، وبمن يريد وكيفما يريد، وله أن يكتب من الكتب ما يشاء، فهذا لا يهمنا من قريب أو بعيد. ولكن ليس له أن يؤلف ويفبرك، ثم يدعي أن ينقل من الكتاب المقدس، أو من مصادرنا المسيحية. لأن الوحي الإلهي لن يتسامح مع كل مزور، وسيكشف كل تزوير أو تلفيق أو سرقة نصوص، مثلما فعل ديدات، فالكتاب المقدس، هو الحق الإلهي، الذي يُدافع عن ذاته بذاته، وبكل قوة، ولم ولن يحتاج لمدافعين عنه. ونحن نؤمن أنه ليس بعد المسيح، ما يقال.
[1] تم الرد على هذا الكتاب، بكتاب بعنوان: “شهود الصليب”.
[2] المترجم إلى العربية لم يعجبه هذا الاسم الذي وضعه ديدات لكتابه، ولهذا ترجمه المترجم هكذا “محمد بعد المسيح” واكتفى بوضع حاشية يقول فيها “راجع الاسم بالإنجليزية لاضطرارنا إلى إيجازه” أي إيجاز؟ فعدد الكلمات هو بذاته، هذه عدم أمانة في الترجمة، وأطلب من القارئ أن يراجع كتابنا “شهود الصليب” حيث وضعت هناك باباً خاصاً للرد على المترجم علي الجوهري الذي غيّر في ترجمة كتاب ديدات.
[3] هذه العبارة ترجمها المترجم هكذا “بفضل دعواتكم لي” مع أن ديدات يستخدم الأسلوب المسيحي، حيث كتب: “Pray for me” أي “صلوا من أجلي” وهو مصطلح مسيحي بحت، وقد استنكر المترجم على ديدات أن يستخدم هذه الكلمات المسيحية الجميلة، فهو يصحح لديدات أخطاءه.
[4] راجع كتابنا “شهود الصليب”.
[5] موضوع صلوات الكنيسة غاية في الأهمية، لأن الصلوات نابعة من الكتاب المقدس ومؤسسة على العقيدة، ولهذا ليس من السهل تغيير الصلوات القائمة جملة وتفصيلاً على صلب المسيح وموته على الصليب. كما أنه من العجيب برغم إنتشار الكنيسة في كل العالم واختلاف طقوس الصلوات حسب ثقافة كل بلد، إلا أن كل هذه الطقوس قائمة على إيمان واحد في العالم كله، بأنه قد تم موت المسيح مصلوباً على الصليب في يوم الجمعة العظيمة، ودفن في القبر وقام في اليوم الثالث من الموت بقوة لاهوته. وبعد أربعين يوماً صعد إلى السماء بذاته، وأنه سيأتي في نهاية الأيام ليحاسب العالم كله. فكيف ومن أين أتت هذه الصلوات الكنسية القائمة على صخرة ألوهية المسيح، وموته بشرياً على الصليب، وهي موثقة من القرن الميلادي الأول؟ ويرجع أصلها النبوي للعهد القديم. فديدات يقف يتيماً أمام هذا الحشد الذي لن ينتهي ولن يتوقف إنسكابه.