أرستيدس الأثيني Aristides – الآباء المدافعون اليونانيون

أرستيدس الأثيني Aristides – الآباء المدافعون اليونانيون

أرستيدس الأثيني Aristides – الآباء المدافعون اليونانيون

أرستيدس الأثيني Aristides – الآباء المدافعون اليونانيون

إن أقدم دفاع حفظ لنا هو ذلك الذي كتبه أرستيدس (Aristides) الأثيني. ولقد اتبع يوسابيوس الملاحظات التي أرودها بشأن كوادراتوس بالكلام التالي: “أرستيدس أيضاً، وهو رجل إيمان ومخلص لديانتنا، قد ترك مثل كوادراتس دفاعاً عن الإيمان وجهه إلى هادريان، وقد حُفظت كتاباته أيضاً بواسطة الكثيرين”. (Eccles Hist. 4: 3: 2). ومن فقرة أخرى ليوسابيوس نعرف أن أرستيدس كان فيلسوفاً من مدينة أثينا.

وقد اعتُبر عمل أرستيدس لوقت طويل في حكم المفقود، لكن العلماء قد فوجئوا بأن “رهبان سان لازارو المخيتاريين”[1] (Mechitarists) نشروا عام 1878م مخطوطاً يعود إلى القرن العاشر الميلادي، وهو عبارة عن شذرة أرمينية من عمل دفاعي يحمل العنوان التالي: “إلى الإمبراطور أدريانوس قيصر من الفيلسوف الأثيني أرستيدس”. ولقد قبل معظم العلماء هذه الشذرة باعتبار بقايا ترجمة أرمينية لدفاع أرستيدس الذي ذكره يوسابيوس، وقدر لهذا الرأي أن يحظى بالكثير من التأييد.

وفي عام 1889م، عثر العالم الأمريكي راندل هاريس على ترجمة سريانية كاملة لدفاع أرستيدس في دير القديسة كاترين بجبل سيناء. وقد ساعدت هذه الترجمة السريانية العالم (J. A. Robinson) على أن يثبت أن النص اليوناني للدفاع ليس فقط موجوداً، بل أنه قد حرر في بعض الأحيان ليأخذ شكل رواية دينية تدور حول “برلعام ويوآصاف”.

ومؤلف هذه الرواية، هو راهب من دير القديس سابا بفلسطين في القرن السابع الميلادي، يقدم دفاع أرستيدس باعتباره من قلم فيلسوف وثني يدافع عن المسيحية. ووصلنا النص في ثلاثة أشكال، وقد كُتبت رواية “برلعام ويوآصاف”، تلك التي نملكها باللغة اليونانية، حوالي عام 630م.

وكُتب مخطوط دير القديسة كاترين، الذي يحوي الترجمة السريانية، في وقت ما بين القرن السادس والقرن السابع الميلادي على أرجح التقديرات، لكن الترجمة نفسها تعود إلى حوالي عام 350م، ولم تكن الترجمة الأرمينية حينها قد اكتملت. كذلك نشر مؤخراً جزآن كبيران من النص اليوناني الأصلي – الفصل الخامس والسادس والفصل 15: 6 – 16: 1 من بردية المتحف البريطاني. ويمكننا أن نعيد تكوين النص الأصلي في خطوطه الرئيسية بمساعدة كل هذه المواد.

المحتوى

المقدمة تصف الله مستخدمة لغة رواقية[2] متطورة، وتخبرنا أيضاً بأن أرستيدس قد توصل إلى معرفة خالق وحافظ العالم من خلال تأمله في العالم وما فيه من تناغم. وبالرغم من أن كل التأملات والجدالات التي تدور حول الله هي ذات قيمة قليلة، إلا أنه من الممكن من خلالها على الأقل تحديد إلى حد ما بعض الصفات الإلهية سلبياً[3]. ويقول الكاتب إن المفهوم الواحد الحقيقي الوحيد، الذي تم اقتناؤه، سيعمل كوسيلة اختبار لصحة الديانات القديمة.

وهو يقسم الجنس البشري إلى أربعة أقسام من جهة الديانة: البرابرة، واليونانيين، واليهود، والمسيحيين. ولقد عَبد البرابرة العناصر الأربعة؛ السماء، والأرض، والماء، والنار، والرياح، والشمس، والقمر، وأخيراً الإنسان، ما هم جميعاً إلا خليقة الله، ومن ثم، لم يكن لهم أبداً الحق في الإكرام كآلهة. واليونانيين يعبدون آلهة، تلك التي بضعفها وتصرفاتها الشائنة تُثبت أنها قد تكون أي شيء غير أن تكون آلهة.

واليهود يستحقون الاحترام بسبب المفهوم الأنقى عن الطبيعة الإلهية، وأيضاً بسبب معاييرهم الأخلاقية الأسمى، لكنهم قد احترموا الملائكة أكثر من الله، واهتموا بمظاهر العبادة الخارجية مثل الختان، والصوم، وحفظ أيام الأعياد، أكثر من العبادة الحقيقية. المسيحيون فقط هم من يمتلكون الإعلان الوحيد الحقيقي عن الله، وهم “الوحيدون من بين كل أمم العالم الذين قد عرفوا الحق، لأنهم يعترفون بالله الخالق، صانع كل شيء في الابن الوحيد والروح القدس؛ ولا يشركون بعبادته أحداً”.

(فصل 15) وتظهر عبادة المسيحيين للإله الوحيد الحقيقي نفسها بشكل خاص في طهارة حياتهم، تلك التي يمدحها أرستيدس بأسمى المدائح: “إنهم يمتلكون وصايا الرب يسوع المسيح نفسه منقوشة على صفحة قلوبهم ويحفظونها. مترقبين قيامة الأموات والحياة في العالم الآتي. إنهم لا يزنون ولا يرتكبون الفاحشة، ولا يشهدون بالزور، ولا يشتهون مقتنيات غيرهم؛ يكرمون الأب والأم ويحبون جيرانهم؛ يحكمون بالحق ولا يفعلون بالآخرين ما لا يرغبون في أن يُفعل به.

إنهم يتوقون لصنع الخير بأعدائهم. إنهم متواضعون ولطفاء، يجتنبون العلاقات الجنسية غير الشرعية وكل نجاسة. إنهم لا يحتقرون الأرملة ولا يظلمون اليتيم، الغني بينهم يعطي الفقير بلا تقتير. وإذا رأوا غريباً أخذوه تحت سقفهم وفرحوا به كما لو كان أخاهم، لأنهم يدعون أنفسهم أخوة، ليس بحسب الجسد بل بحسب الروح. إنهم مستعدون ليضعوا حياتهم من أجل المسيح.

إنهم يحفظون وصاياه بلا أي انحراف، يعيشون حياة صالحة مقدسة كما أمرهم الرب إلههم، ويشكرونه كل ساعة من أجل كل الطعام والشراب والبركات الأخرى. من الواضح إذن أن هذا هو طريق الحق الذي يقود من يسافرون عليه إلى المملكة الأبدية التي وعد بها المسيح في الدهر الآتي”.

ودفاع أرستيدس محدود المجال، وأسلوبه الأدبي غير متكلف، وتعاليمه وحججه بسيطة. وبالرغم من بساطة هذا الدفاع، إلا أن لهجته متكبرة؛ فأرستيدس، كما لو كان يحتل منزلة أسمى، يستعرض الجنس البشري باعتباره وحدة مركبة، وهو متأثر جداً بالأهمية الكبرى التي للدين الجديد ورسالته.

كما أنه، بثقة مسيحية في النفس، يرى في القطيع الصغير من المؤمنين الشعب الجديد والجنس الجديد الذي سيقود العالم الفاسد ليخرج من مستنقع الفساد الأخلاقي: “الأمم الأخرى كلها تضل وتخدع نفسها، تسير في الظلام متخبطة في بعضها البعض كما السكارى (فصل 16) إني لا أتردد في أن أقول إن العالم مستمر في الوجود فقط بسبب تضرعات المسيحيين“.

 

[1] هم جماعة رهبان بينديكتين ينتمون إلى “الكنيسة الكاثوليكية الأرمينية” تأسست عام 1717م. وقد اشتهروا بسلسلة المنشورات العلمية من الإصدارات الأرمينية القديمة، والنصوص اليونانية القديمة والمفقودة، وأبحاثهم في اللغة الأرمينية الكلاسيكية والحديثة. (المراجع).

[2] أي تشبه فلسفة المدرسة الرواقية، وهي مدرسة فلسفية والتي تعتمد على تعاليم زينون الرواقي (333-264ق.م). واعتقد الفلاسفة الراقيون أن لكل الناس ادراكاً داخل أنفسهم، يربط كل واحد بكل الناس الآخرين وبالحق – الإله الذي يتحكم في العالم. أدى هذا الاعتقاد إلى قاعدة نظرية للكون، وهي فكرة أن الناس هم مواطنو العالم، وليس مواطني بلد واحد، أو منطقة معينة. قادت هذه النظرية أيضاً إلى الإيمان بقانون طبيعي يعلو على القانون المدني ويعطي معياً تقوم به قوانين الإنسان.

ورأى الرواقيون أن الناس يحققون أعظم خير لأنفسهم. ويبلغون السعادة باتباع الحق، وبتحرير أنفسهم من الانفعالات، وبالتركيز فقط على أشياء بوسعهم السيطرة عليها. وكان للفلاسفة الرواقيون أكبر الأثر في القانون والأخلاق والنظرية السياسية. على أنهم وضعوا أيضاً نظريات مهمة في المنطق، والمعرفة، والفلسفة الطبيعة. (المراجع).

[3] التعاليم اللاهوتية السلبية، أي التي تستخدم أسلوب النفي وهي مجرد نفي لما هو بشري مثل “غير المائت، غير المحدود، غير المدرك….” (المراجع).

أرستيدس الأثيني Aristides – الآباء المدافعون اليونانيون

كوادراتس Quadratus – الآباء المدافعون اليونانيون

كوادراتس Quadratus – الآباء المدافعون اليونانيون

كوادراتس Quadratus – الآباء المدافعون اليونانيون

كوادراتس Quadratus – الآباء المدافعون اليونانيون

كوادراتس (Quadratus) هو أقدم المدافعين المسيحيين، ونحن ندين ليوسابيوس القيصري بكل ما نعرفه عنه، فهو يقول بشأنه في كتابه “تاريخ الكنيسة” (4: 3: 1-2): “بعد أن ملك تراجان لمدة تسع عشرة سنة ونصف، خلفه إيليوس هدريان على العرش، وإليه وجه كوادرتس مقالته مدافعاً عن ديانتنا، لأن بعض الأشرار حاولوا مضايقة المسيحيين. ولا يزال هذا الدفاع موجوداً عند بعض الإخوة، ولدينا منه نسخة خاصة بنا.

ومن خلاله يمكننا أن نرى دليلاً قوياً على ذكاء كوادراتس وأورثوذكسيته الرسولية. ويدلل كوادراتس على الزمن المبكر الذي عاش فيه بما قاله هو نفسه بكلماته: “لكن أعمال مخلصنا كانت حاضرة، لأنها كانت حقيقية، فهؤلاء الذين شفوا، والذين قاموا من الموت، لم يشاهدهم الناس فقط وقت شفائهم أو قيامتهم، بل كانوا حاضرين دائماً، وليس فقط أثناء حياة المخلص، بل حتى بعد ذهابه عاشوا فترة طويلة حتى إن بعضهم كان عائشاً حتى يومنا هذا.”

وهذه الكلمات التي اقتبسها يوسابيوس منسوبة إلى كوادراتس هي الشذرة الوحيدة التي وصلت إلينا من دفاعه. أما بالنسبة لافتراض هاريس (Harris)، والذي يقول بأن كلاً من كتابات كليمندس المنحولة، وأعمال القديسة “كاترين السينائية” (Cathrine of Sinai)، وتاريخ “يوحنا مالالاس” (John Malalas)، ورواية “برلعام ويوآصاف” (Barlaam and Joasaf) قد تخللتها شذرات من دفاع كوادراتس، فقط ثبت خطؤه.

وتبعاً لأرجح الأقوال، قدم كوادراتس دفاعه إلى الإمبراطور هادريان أثناء فترة إقامته في آسيا الصغرى بين عامي 123م و124م أو في عام 129م. ومن الصعب أن نثبت أن كوادراتس هو نفسه النبي وتلميذ الرسل الذي ذكره يوسابيوس في (Hist. Eccles. 3: 37: 1; 5: 17: 2)، كما أن الخلط بينه وبين الأسقف كوادراتس الأثيني الذي عاش في عهد الإمبراطور ماركوس أوريليوس، كما فعل القديس جيروم في (Vir. Ill. 19; Ep 70.4)، وهو أمر بادي الخطأ.

كوادراتس Quadratus – الآباء المدافعون اليونانيون

الأباء المدافعون اليونانيون – مقدمة عامة

الأباء المدافعون اليونانيون – مقدمة عامة

المدافعون اليونانيون – مقدمة عامة

 المدافعون اليونانيون – مقدمة عامة

كانت كتابات الآباء الرسوليين والكتابات المسيحية المبكرة موجهة لإرشاد وتثقيف المؤمنين، إلا أنه مع المدافعين اليونانيين توجهت الكتابات الكنسية إلى العالم الخارجي لأول مرة، ودخلت إلى ميدان الثقافة والعلم. ففي مواجهة السلوك العدواني الذي انتهجته الوثنية ضد المسيحية، استبدلت العظات الكرازية التي في بعض الأحيان فقط تكون دفاعية، بالشروحات التي يغلب عليها الطابع الدفاعي، تلك التي تعطي لكتابات القرن الثاني طابعها المميز.

ولم يقتصر السلوك العدواني ضد المسيحية على مجرد شائعات قبيحة انتشرت وسط العامة، بل امتد الأمر إلى اعتبار الدولة الرومانية اعتناق المسيحية بمثابة جريمة كبرى ضد العبادة الرسمية وعظمة الإمبراطور. بل حتى آراء العلماء المستنيرة، ومعظم آراء الطبقات المثقفة في المجتمع قد أدانت الدين الجديد باعتباره خطراً متزايداً على السيادة الرومانية العالمية.

ويمكننا أن نذكر من ضمن خصوم المسيحية البارزين في القرن الثاني الميلادي الكاتب الساخر لوسيان الساموساطي (Lucian of Samosata)، الذي سخر في عمله “موت برغرينوس” (De Morte Pergrini) الذي كتبه عام 170م، من المؤمنين المسيحيين بسبب محبتهم الأخوية لبعضهم البعض واستهانتهم بالموت. وكذلك فعل الفيلسوف فرونتو السيرتي (Fronoto of Cirta)، معلم الإمبراطور ماركوس أوريليوس، في كتابه الخطب (Oration).

وعلى رأسهم جميعاً نجد الفيلسوف الأفلاطوني كيلسوس الذي أصدر كتابه الهجومي على المسيحية “حوار الحق” عام 178م. وتُمكننا المقتطفات الكثيرة من هذا العمل الأخير، والتي حُفظت لنا في رد أوريجينوس عليه، من أن نُقدر كيف كان مؤلفه خصماً خطيراً وداهية، فبالنسية لكيلسوس لم تكن المسيحية سوى خليط من الخرافات والتعصب.

ولم يكن من الممكن لمثل هذا الإهانات الموجهة إلى حالة أخذت تُصبح بالتدريج عاملاً مؤثراً في التاريخ وتجذب يومياً إليها رجالاً معروفين بثقافتهم أن تمر بصمت، وهكذا، وضع المدافعون نصب أعينهم ثلاث مهام:

  1. تحدوا الافتراءات الشائعة واهتموا على وجه الخصوص بالرد على الاتهام القائل بأن الكنيسة خطر على الدولة. وبالإشارة إلى الحياة الجادة، والعفيفة، والمشرفة التي يحياها إخوتهم في الإيمان، أصروا على أن الإيمان بمثابة قوة مسيطرة لازمة للحفاظ على بقاء ورخاء العالم، لا شخص بعينه أو دولة بعينها، بل الحضارة نفسها.
  2. كشفوا سخافة ولا أخلاقية العبادة الوثنية وأساطير آلهتها وفي الوقت نفسه أظهروا أن المسيحي وحده يمتلك فهماً صحيحاً لله وللكون، ومن هنا انطلقوا مدافعين عن العقائد التي تتكلم عن وحدانية الله، ألوهية المسيح وقيامة الجسد.
  3. لم يكتفوا بالرد على حجج الفلاسفة، بل استمروا ليظهروا أن هذه الفلسفة، ولأنها تعتمد على المنطق البشري فقط، لا تبلغ الحقيقة قط، أو بلغت حقيقة ناقصة ومختلطة بالكثير من الأخطاء أو مثل “بيض الشياطين” (Spawn of the Demons). وقد أكد المدافعون على أن المسيحية تمتلك الحق المطلقن حيث أن اللوغوس، الحكمة الإلهية نفسها، قد نزلت على الأرض في يسوع المسيح، ولذلك تتفوق المسيحية على الفلسفة اليونانية بما لا يقاس، فهي، في الحقيقة، “الفلسفة الإلهية”.

وقد أرسى المدافعون أسس “علم اللاهوت” في أثناء شرحهم هذا للإيمان، وبهذا أصبحوا أول معلمين للاهوت في الكنيسة، وهي حقيقة تؤكد أهميتهم. ونحن، بالطبع، نجد في كتابتهم مجرد بدايات لدراسة منتظمة للعقائد اللاهوتية، وذلك لأنهم لم يقصدوا في الأساس إلى تنظيم العقائد اللاهوتية تنظيماً علمياً ولا حاولوا أن يضعوا جسم الإعلان برمته تحت عدستهم، إلا أن وصف مجهودات المدافعين بأنها كانت عملية “تهلن”[1] (Hellenization) للمسيحية فهو أمر خاطئ.

ومن المتوقع بالطبع أن تؤثر طريقة التفكير، التي تأصلت فيهم بشدة قبل أن يتحولوا إلى المسيحية، على رؤيتهم الدينية؛ فالمدافعون اليونانيون هم أبناء عصرهم، وهذا يظهر على وجه الخصوص في المصطلحات التي استعانوا بها وطريقتهم في شرح العقيدة، كما يظهر أيضاً في الشكل الذي تأخذه كتابتهم – وهو في أغلب الأحيان عبارة عن معالجة جدلية أو حوارية مصاغة وفقاً لمعايير البلاغة اليونانية.

لكن بالرغم من هذا، كان تأثر التعاليم اللاهوتية للآباء المدافعين بالفلسفة الوثنية أقل بكثير مما يزعمه البعض أحياناً، فلقد تأثرت بها فقط في التفاصيل الصغيرة، ونحن هنا يمكننا أن نتكلم عن “مسحنة للهيلينية”، لكن لا يمكننا أن نتكلم عن “تهلن للمسيحية”، خاصة إذا كنا بصدد تقييم الإنجاز الفكري الذي للآباء المدافعين بكل ما فيه[2].

ولم يواجه هؤلاء الكُتاب، في دفاعهم عن دينهم، اليهود والوثنين فقط، فمعظمهم قد كتبوا أيضاً مقالات ضد الهراطقة، لكنها فُقدت للأسف الشديد. وقد كانت هذه المقالات لتصبح ذات قيمة لا تُقدر بثمن في سبيل الفهم الكامل للتعاليم اللاهوتية للآباء المدافعين. إذاَ، ينبغي علينا في تناولنا لكتاباتهم الباقية أن نتسلح بالحذر الواجب[3].

وبرغم أن توافق تلك الكتابات مع مُثل الكنيسة الجامعة وفكرها هي أقل من المتوقع، إلا أنه لا نبغي تفسير الندرة النسبية لمثل هذا التوافق على أنه ميل إلى العقلانية (rationalism)، فنحن لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نكون متأكدين أن قُراء هذه الكتابات الدفاعية كانوا متعاطفين بشكل كاف مع وجهة نظر الكنيسة الجامعة أو أنهم كانوا يفهمونها بشكل واف.

لقد كانت مواطن الضعف عن القُراء هي السبب الرئيس الذي جعل موضوعات مثل “شخص المُخلص” أو “فاعلية النعمة” تتراجع إلى خلفية المشهد. وتُصور المسيحية في هذه الكتابات بشكل أساسي، وإن لم يكن بشكل حصري، على أنها دين الحق، ومن ثم، نادراً ما تؤكد صحة ادعاءاتها بإيراد معجزات المسيح كبرهان، في حين لا تفتأ تكرر أن قدم الديانة المسيحية دليل على مصداقيتها.

وتظهر الكنيسة هنا لا باعتبارها مؤسسة حديثة أو جديدة، فالعهد القديم باتحاد داخلي، بعلاقة فطرية مؤسسة على النبوءات التي تنبأت بالمخلص القادم. وبما أن موسى قد عاش قبل المفكرين والفلاسفة اليونانيين بزمن طويل، فإن المسيحية إذن أقدم من كل الديانات والفلسفات وأعظمها.

وربما يكون الآباء المدافعون قد وصلوا إلى أسمى مكانة لهم في نظرنا عندما أظهروا أنفسهم كأبطال لحرية الضمير باعتبارها أصل ومصدر الدين الحقيقي برمته، وباعتبارها عنصراً لا يمكن للدين أن يعيش بدونه.

كيف وصلت الكتابات إلينا

يمكننا أن نجد معظم أعمال المدافعين اليونانيين في مخطوطة “أريثاس” (Arethas ) الموجودة بالمكتبة الوطنية (Codex Parisinus Gr. 451)، وهي التي نسخت بناء على طلب أريثاس أسقف قيصرية عام 914م، وقد رتبت لتحتوي الكتابات الدفاعية المسيحية منذ العصر المبكر للمسيحية حتى أيام يوسابيوس. لكنها لا تحتوي على كتابات القديس يوستنوس، ولا ثلاثة كتب التي كتبها ثيوفيلوس المعروفة باسم (Ad Autolycum)، ولا (Irrisio) لهيرمياس (Hermias)، ولا الرسالة إلى ديوجنيتوس.

 

[1] أي رؤية وشرح الإيمان المسيحي من منظور الثقافة والفلسفة اليونانية. (المراجع)

[2] إن النقطة التي يجب أيضاً أخذها في الاعتبار عند التعامل معك كتابات آباء القرنين الثاني والثالث هي أن الشرح اللاهوتي للإيمان الذي قدمه هؤلاء الآباء كان لا يزال في مهده، كما ان التعبيرات اللاهوتية لم تكن قد صيغت بشكل محدد بعد، ولم يكونوا فيما ذكروه من أمور لاهوتية يعارضون فكراً لاهوتياً مستقراً من قبل في الكنيسة بل كانوا يقدمون محاولة جادة رائدة – وإن كانت غير مكتملة – لشرح الإيمان، وفي هذا تكمن عظمتهم.

لذا فنحن عندما نقرأ تعاليمهم وكتاباتهم يجب أن نتعامل مع أفكارهم بطريقة تتناسب مع الظروف والملابسات الخاصة بزمنهم والتي تختلف عن الطريقة التي يجب أن نتعامل بها مع تعاليم الآباء الذي جاءوا بعدهم، مثل القديس أثناسيوس والقديس كيرلس. وفي الحقيقة يكون من الخطأ بل ومن الظلم أن نقوم بتقييم الفكر اللاهوتي لأولئك الآباء على خلفية الفكر اللاهوتي الذي استقر في الكنيسة في القرن الرابع. (المراجع)

متابعة قراءة الأباء المدافعون اليونانيون – مقدمة عامة

الآباء – مدخل إلى علم الآباء (باترولوجيا Patrologia ) – د. نصحى عبد الشهيد

الآباء – مدخل إلى علم الآباء (باترولوجيا Patrologia ) د. نصحى عبد الشهيد

الآباء – مدخل إلى علم الآباء (باترولوجيا Patrologia ) – د. نصحى عبد الشهيد

الآبائيات – مدخل إلى علم الآباء (باترولوجيا Patrologia ) د. نصحى عبد الشهيد

أولاً: من هم الآباء:

جرت العادة منذ وقت قديم جدًا على تسمية معلّمى الكنيسة ومؤلفى الكتابات المسيحية الأولى باسم ” آباء الكنيسة ”. وفى الأزمنة القديمة كانت تطلق كلمة أب على “المعلم”. ففى الاستعمال الكتابى وفى العصر المسيحى الأول يعتبر المعلّمون هم آباء لتلاميذهم. فمثلاً يقول الرسول بولس: ” لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح لكن ليس لكم آباء كثيرون. لأنى أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل ” (1كو15:4).

والقديس إيرينيئوس Ireneus أسقف ليون في القرن الثانى يعلن [حينما يتعلم شخص من فم شخص آخر فإنه يسمى ابنًا للذى علّمه والذى علّمه يدعى أباه] [1]. ويقول كليمندس الأسكندرى (150ـ210م): [ الكلمات هى ذرية النفس. ولذلك فإننا ندعو الذين علمونا، آباء لنا … وكل من يتعلم هو من جهة الخضوع ابن لمعلمه ][2].

وفى العصر المسيحى الأول كانت وظيفة التعليم خاصة بالأسقف. لذلك فهو أطلق عليه لقب “أب” في البداية. ولكن الصراعات العقائدية في القرن الرابع أحدثت تطورًا في استعمال لقب “أب”، فصار استعمال لقب “أب ” أكثر شمولاً واتساعًا، إذ امتد ليشمل كل الكُتّاب الكنسيين مهما كانت درجتهم الكنسية. ماداموا يمثلون تقليد الكنيسة الحى ويعبّرون عنه. فأغسطينوس مثلاً يعتبر جيروم شاهدًا للتقليد رغم أن الأخير لم يكن أسقفا[3].

فالآباء هم المعلّمون الذين ساهموا في تحديد مضمون الإيمان أو في صياغته أو شرحه، حيث المقصود بالإيمان ليس هو العقيدة فقط ولكن التقليد الذي استلمته الكنيسة من الرسل وما يعبر عنه القديس يهوذا في رسالته بعبارة ” الإيمان المُسلّم مرة للقديسين ” (يهو3). وهو يشمل:

الإيمان بالمسيح ابن الله وكل العقائد المتصلة به وبالخلاص الذي تممه بالصليب والقيامة، كما يشمل عبادة الكنيسة في الليتورجيات وخاصة ليتورجيا الإفخارستيا كما يشمل الحياة المسيحية الروحية الشخصية والجماعية والسلوك المسيحى.

فالحياة المسيحية هى أصلاً حياة تسلّم تسليمًا. وهذا التسليم هو التقليد بكل جوانبه العقائدية والليتورجية والروحية. فآباء الكنيسة هم معلمو الإيمان والعقيدة والحياة الروحية في القرون الخمسة الأولى سواء كانوا أساقفة أم من غير الأساقفة أو حتى من المؤمنين العاديين الذين ساهموا في تحديد مضمون وصياغة وشرح الإيمان حتى استقر في الإطار الذي أجمعت عليه الكنيسة في مجامعها المسكونية حتى المجمع المسكونى الثالث المنعقد في أفسس سنة 431م.

ويطلق فنسنت من ليرنز (Vincent of Lerins) ببلاد الغال (فرنسا) في مذكراته (Commonitory) سنة 434م، لقب ” أب ” على كل معلمى الكنيسة في القرون الأولى بدون تمييز بينهم بسبب الدرجة الكهنوتية فيقول:

” لو أثير سؤال جديد لم يكن قد اتُخذ قرار بشأنه قبل ذلك، فينبغى عندئذ الرجوع إلى أراء الآباء القديسين وعلى الأقل إلى أراء أولئك الآباء الذين ـ كل واحد منهم في زمانه ومكانه الخاص ـ كانوا مقبولين كمعلمين يحظون بالاعتراف العام من الجميع بسبب أنهم ظلوا في وحدة الشركة والإيمان.

وكل ما وُجدَ أن هؤلاء الآباء قد علّموا به، بفكر واحد واتفاق تام، فهذا ينبغى أن يُحسب أنه التعليم الحقيقى الجامع للكنيسة، بدون أى شك أو تردد ” (فصل29) ـ ” ولا ينبغى لمن يَخلِفونهم أن يؤمنوا بأى شئ سوى ما أجمع عليه القدماء من الآباء القديسين في ” المسيح ” (فصل33) [4]. وهو يرجع هذا المبدأ إلى الآباء القديسين الذين اجتمعوا في مجمع أفسس المسكونى سنة 431. هذا المبدأ يبين الأهمية التي سبق أن أُعطيت لوجود ” برهان من الآباء ” لصحة أى تعليم.

وقد جرى العرف على ضرورة توفّر أربع صفات فيمن يعتبرون ” آباء الكنيسة ” وهى:

  1. 1 ـ أرثوذكسية العقيدة.
  2. 2 ـ قداسة الحياة.
  3. 3 ـ قبول الكنيسة لهم.
  4. 4 ـ القِدَمِية أى أن يكون من آباء القرون الستة الأولى، وذلك حسب إيمان الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وشقيقاتها ـ الكنائس الشرقية الأرثوذكسية (السريانية والأرمنية والأثيوبية والهندية.. إلخ).

أما بقية الكُتاب اللاهوتيين في كل العصور فيطلق عليهم لقب ” الكُتّاب الكنسيين ” وهو تعبير نحته القديس جيروم (ايرونيموس) في أواخر القرن الرابع في كتابه مشاهير الرجال [5].

تعتبر الكنيسة القبطية الأرثوذكسية خمسة من الآباء أنهم آباء مسكونيين عظام وهم القديس أثناسيوس الرسولى والقديس كيرلس الأسكندرى (عمود الدين) والقديس باسيليوس الكبير والقديس غريغوريوس النزينزى (الناطق بالإلهيات) والقديس يوحنا ذهبى الفم. والكنيسة اليونانية تكرّم القديسين باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزى ويوحنا ذهبى الفم باعتبار أن الثلاثة هم ” المعلمون المسكونيون العظام ” وتكرم معهم أيضًا القديس أثناسيوس.

وكنيسة روما تعتبر أمبروسيوس وجيروم (إيرونيموس) وأغسطينوس وغريغوريوس الكبير أنهم “الآباء الأربعة العظام” في الغرب. وفى الشرق تعتبر أن باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزى ويوحنا ذهبى الفم (آباء الكنيسة اليونانية) هم ” المسكونيين العظام ” وتضيف إليهم القديس أثناسيوس الرسولى.

صفة القِدَمِية:

والصفة الرابعة، صفة القدمية لا تعنى مجرد قِدَمِية زمنية بل قدمية تقوم على الشهادة للإيمان المُسلم من الرسل. وهذه الشهادة للإيمان الرسولى لا تتوفر لكل الكُتّاب الكنسيين الذين جاءوا بعد عصر تحديد وصياغة مضمون العقيدة المسيحية المستقيمة، فيما يتعلق بالإيمان بالثالوث القدوس الآب والابن والروح القدس وتساوى الأقانيم في الجوهر، والإيمان بعمل الله الخلاصى بتجسد الابن الوحيد وفدائه لنا، والإيمان بطبيعة المسيح الابن المتجسد (اتحاد اللاهوت بالناسوت)، وكذلك الإيمان بألوهية الروح القدس.

وصياغة العقيدة هذه هى التي ألهم بها الروح القدس الآباء معلمى العقيدة[6] في المجامع المسكونية الثلاث الأولى نيقية (325م) والقسطنطينية (381م) وأفسس (431م). ولذلك فإن الكنيسة في تحليل الخدام لكى تدخل إلى الله في عبادة القداس الإلهى التي تستلزم شركة الإيمان الواحد مع الرسل والآباء، تأخذ الحل من الرسل الاثنى عشر ومن فم القديس مرقس الرسول، ومن الآباء القديسين معلمى العقيدة البطريرك ساويرس، والبابا أثناسيوس الرسولى، ومعلمنا ديوسقورس، وبطرس رئيس الكهنة والشهيد، ويوحنا ذهبى الفم، وكيرلس (الأسكندرى) وباسيليوس وغريغوريوس، ومن أفواه آباء مجمع نيقية (الـ318) وآباء مجمع القسطنطينية (الـ150) وآباء مجمع أفسس (الـ200)، ومن فم بابا الأسكندرية ومن فم الكاهن الذي يصلى التحليل [7].

ولا تُذكر في هذا التحليل أية أسماء أخرى سواء من آباء البرية القديسين مثل القديسين الأنبا أنطونيوس والأنبا مقار أب برية شيهيت وغيرهم من القديسين في العصور المختلفة أو الآباء الذين لهم كتابات بعد القديس ساويرس بطريرك إنطاكية في الربع الأول من القرن السادس، وذلك رغم قداستهم المشهود لها في الكنيسة. بينما في مجمع القداس الذي يُصلى قبل الترحيم تذكر الكنيسة بالإضافة إلى هؤلاء الآباء عددًا كبيرًا من القديسين.

فالآباء الذي تأخذ الحل ـ في تحليل الخدام ـ منهم هم الآباء شهود الإيمان الذين حفظوا العقيدة سليمة ودافعوا عنها أو اشتركوا في صياغتها كما ذكرنا، وهؤلاء لهم تميزهم الخاص ويأتون بعد الرسل القديسين مباشرة في تسليم الإيمان وحفظه والشهادة له كما يقول القديس أثناسيوس: ” … الإيمان الذي هو من البداية والذى أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء ” [8]. والمسألة هنا ليست مسألة قداسة أو خبرة روحية فقط، فلو كان الأمر كذلك لكانت والدة الإله العذراء القديسة مريم، هى أجدر من جميع الرسل والآباء بأن تُذكر في تحليل الخدام.

 

التمييز بين الآباء معلمى العقيدة وبين الكُتّاب الكنسيين:

وهذا يجعلنا نميز بين ” آباء الكنيسة ” معلّمى الإيمان الذين حفظوا العقيدة سليمة وهم امتداد للرسل القديسين والذين قاموا بتوصيل إيمان الرسل إلى الكنائس وقاموا بشرحه وبتثبيته وقاموا أحيانًا بصياغة تحديدات للعقيدة تضمن سلامة الإيمان الرسولى من التحريف وحفظ المؤمنين من الوقوع في فخاخ الهرطقات، نعم نميز بين هؤلاء الآباء الذين اعتُمدت كتاباتهم كمصدر للتعليم، وبين غيرهم من الآباء أو الكُتّاب الكنسيين، سواء كانوا من الشيوخ الروحيين آباء البرية القديسين، أنطونيوس ومقاريوس وباخوميوس وغيرهم، أو كانوا من البطاركة والأساقفة والكهنة والعلماء في مختلف العصور بعد عصر المجامع المسكونية، الذين لم تعتمد كتاباتهم كمصدر للتعليم.

ولكن ما تحويه كتابات الكُتّاب الكنسيين من تعاليم وأفكار وتفسيرات وشروحات تتفق مع عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية المستقرة منذ عصر المجامع المسكونية، وما يتفق مع منهجها في العبادة والحياة الروحية والتوجيه المسيحى القويم في السلوك والأخلاق، كل هذه تقبلها الكنيسة كامتداد لتعاليم آباء الكنيسة وبناءً على تعاليمهم وشرحًا لها. أما الآراء الخاصة بالكُتّاب الكنسيين في غير أمور العقيدة والعبادة والحياة الروحية فهى تبقى أراء الكُتّاب الخاصة بهم.

وفى جميع الأحوال يجب مراعاة أهمية البناء على الأساس الواحد الذي بُنيت عليه الكنيسة منذ أسسها الرب يسوع المسيح كما يقول الرسول بولس: ” مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية ” (أف20:2 وأيضًا أنظر 1كو11:3).

 

 اقتفاء أثر الآباء:

حيث إن الآباء معلمى العقيدة هم الذين استلموا وديعة الإيمان من الآباء الرسل، وسلموها بدورهم إلى الكنائس إلى أن استقرت الوديعة محفوظة بقوانين المجامع المسكونية بجهود هؤلاء الآباء، لذلك يلزم للمؤمنين اقتفاء أثر هؤلاء الآباء والسير على خطاهم في تعليم الإيمان لكى يكون للكنيسة كلها إيمان واحد في كل زمان وفى كل مكان. يقول القديس أثناسيوس الرسولى في دفاعه عن قانون إيمان مجمع نيقية: ”لقد برّهنا على أن هذا التعليم قد سُلّم إلينا من أب إلى أب ؛ أما أنتم أيها اليهود الجدد وتلاميذ قيافا فمن هم الآباء الذين تستطيعون أن تنسبوا أقوالكم إليهم ؟ ” [9].

وآباء مجمع نيقيا أعلنوا أنهم في إقرارهم لقانون الإيمان أنهم ” يحفظون العادات القديمة ” ويقصدون بذلك الإيمان المُسلم مرة من الرسل بواسطة الآباء الذين سبقوا آباء نيقيا. وكذلك آباء المجامع التالية كانوا يعلنون أنهم “يتبعون الآباء القديسين “، ورفضوا أن يضيفوا شيئًا على قانون إيمان نيقيا والقسطنطينية. والقديس كيرلس عمود الدين يؤكد أنه يتبع نفس تعليم القديس أثناسيوس وآباء مجمع نيقيا [10].

ولكن رغم هذه الأهمية التي تعطيها الكنيسة للآباء في التعليم العقيدى إلاّ أنها لا تعتقد بعصمة أى أب من الآباء في آرائه الشخصية في الأمور غير العقائدية، مثل طريقته في التفسير أو في الموضوعات الروحية، فهذه الآراء تبقى آرائه الخاصة ولا تلزم المؤمنين.

 

 ثانيًا: أهمية كتابات الآباء:

أ ـ كان الأستاذ الدكتور جون ن. د. كيللى J. N. D. Kelly أستاذ الدراسات الآبائية وتاريخ العقيدة المسيحية بجامعة أكسفورد محقًا عندما كتب أن: ” السبيل الوحيد لفهم ذهن الكنيسة الأولى هو أن ينقع الإنسان نفسه في كتابات الآباء ” [11].

فالواقع أن كل تدريب على المعرفة اللاهوتية يظل ناقصًا جدًا بدون اختبار أو تذوق لفكر الآباء ـ فالاختبار الآبائى هو اختبار للحقيقة اللاهوتية، هو اختبار للوحدة في التنوع ـ هذه الوحدة التي تلقى ضوءً قويًا للتمييز بين ما هو أساسى ومحورى في المسيحية، وما هو ثانوى وجانبى.

ب ـ ودراسة كتابات الآباء تعطينا اختبار توحيد القلب مع الذهن في معرفة الإلهيات. فالمعرفة اللاهوتية ليست مجرد معرفة جافة نظرية ولا هى مجرد رياضة عقلية، بل هى اتحاد القلب والذهن مع الله. وهذا هو السبب الذي جعل كبار اللاهوتيين والقديسين، يدرسون ” الآباء ” بعناية واهتمام لأن ما كتبه الآباء هو عمل من أعمال القداسة. فكتابات الآباء مليئة بالمشاعر المسيحية كما يقول ” بوسيّه ” Boissuet، إلى جانب المعرفة العميقة والدقيقة. فآباء الكنيسة يجمعون في كتاباتهم وخبراتهم القداسة والمعرفة معًا بدون انفصال وبلا أى تناقض [12].

 

 ج ـ الآباء والتقليد:

ترجع أهمية كتابات الآباء إلى أهمية التقليد باعتباره مصدر الإيمان. والتقليد جعل لكتابات وآراء الآباء أهمية كبرى. فالكنيسة تعتبر “ اتفاق الآباء الإجماعى ” معصومًا حينما يخص تفسير الكتاب المقدس والعقيدة. ويصف ” نيومان ” (J. H. Newman) أهمية اتفاق الآباء واختلافه عن الآراء الخاصة للآباء حينما يقول: [إنى اتبع الآباء القدماء، ليس على أنهم في موضوع معين لهم الثقل الذي يملكونه في حالة العقائد والتعاليم (رغم أنهم كذلك). فحينما يتكلم الآباء عن العقائد، يتكلمون عنها على أن الجميع يؤمنون بها.

فالآباء هم شهود الحقيقة أن هذه التعاليم قد استُلمت استلامًا، ليس هنا أو هناك بل في كل مكان، ونحن نستلم هذه التعاليم والعقائد التي يعلّمون بها، ليس لمجرد أنهم يعلّمون بها، بل لأنهم يشهدون أن كل المسيحيين في كل مكان في عصورهم كانوا يؤمنون بها. فنحن نتخذ الآباء كمصدر أمين للمعرفة، ولكن ليس كسلطة كافية في ذواتهم، رغم أنهم هم أيضًا سلطة.

فلو أنهم قالوا بهذه التعاليم نفسها وأضافوا قائلين ” إن هذه هى آراؤنا وقد استنتجناها من الكتاب المقدس، وهى آراء صحيحة ”، فإننا في هذه الحال كنا نتشكك في استلامها على أيديهم. وكنا سنقول إن لنا الحق مثلهم أن نستنتج من الكتاب كما فعلوا هم، وأن الاستنتاج من الكتاب هو مجرد آراء، فإن اتفقت استنتاجاتنا مع استنتاجاتهم، فهذا يكون تطابقًا سعيدًا معهم ولكن إن لم تتفق فإننا سنتبع نورنا الخاص.

وبلا شك ليس هناك إنسان، له الحق أن يفرض استنتاجاته الخاصة على الآخر في أمور الإيمان. طبعًا هناك التزام واضح على الجاهل أن يخضع لأولئك الذين هم أعلم منه، وهناك تناسب ولياقة أن يخضع الصغار والشباب مؤقتًا لتعليم شيوخهم، ولكن فيما هو أبعد من ذلك فليس هناك رأى لإنسان أفضل من آخر.

ولكن الأمر ليس هكذا فيما يخص الآباء الأولين، فالآباء لا يتكلمون برأيهم الخاص، إنهم لا يقولون ” هذا الأمر حقيقى لأننا رأيناه في الكتاب المقدس″ ـ وهو أمر هناك اختلافات في الحكم بخصوصه ـ ولكنهم يقولون ” هذا الأمر حقيقى بسبب أن الكنائس كلها تؤمن به وكانت فيما سبق تؤمن به طوال الأزمنة السابقة بلا انقطاع منذ زمن الرسل “، حيث يكون الأمر هنا موضوع شهادة، أى عن وجود وسائل المعرفة لديهم بأن هذا الأمر كان يُؤمن به طوال العصور السابقة، لأنه كان إيمان كنائس كثيرة مستقلة (إداريًا) عن بعضها البعض، ولكن كان هذا إيمانها في نفس الوقت، وذلك يكون على أساس أن هذا الإيمان من الرسل، فبلا شك أنه لا يمكن أن يكون إلاّ حقيقيًا ورسوليًا][13].

ويشهد القديس أثناسيوس الرسولى (296ـ373) عن الآباء وتقليد الكنيسة وتعليمها الذي سُلّم بواسطة الرسل منذ البداية فيقول في دفاعه عن ألوهية الروح القدس: [ دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة وتعليمها وإيمانها، الذي هو من البدايةوالذى أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء (لاحظ أنه يعتبر التقليد والتعليم والإيمان واحدًا وأن الآباء هم الذين حفظوا الإيمان) وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة … يوجد ثالوث قدوس وكامل، يُعترف بلاهوته في الآب والابن والروح القدس.. وهكذا يُكرز بإله واحد في الكنيسة كما أوصى الرب ” أذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس ” (مت19:28) ] [14].

وكما يشهد أيضًا القديس غريغوريوس (335ـ394) أسقف نيصّا (Nyssa) عن الآباء والتقليد المُسلم من الرسل فيقول إنه: [ يكفى للتدليل على صحة تعليمنا أن التقليد قد انحدر إلينا من الآباء كميراث تسلم إلينا من الرسل بواسطة القديسين الذين أتوا بعدهم ] [15].

د ـ كتابات الآباء وتفسير الكتاب المقدس:

لكتابات الآباء أهمية كبرى لأن الكنيسة الآن في عصرنا وفى كل عصر تالى للقرون الخمسة الأولى تعتمد في تفسير الكتاب المقدس على تفسيرات الآباء للكتاب المقدس وخاصة تفسير الآيات التي تُستَقى منها العقائد الإيمانية.

ولذلك يلزم للكنيسة في عصرنا أن يكون لديها كل تفسيرات الآباء لأسفار الكتاب المقدس مترجمة إلى اللغة العربية، وهذا احتياج مُلح بالنسبة للكنيسة في مصر وفى كل البلاد الناطقة بالعربية. ومن هنا فإن كتابات الآباء لا غنى عنها لرعاة الكنائس والمعلمين والوعاظ وطلبة الكليات اللاهوتية ولكل من له اهتمام بالإيمان المسيحى ودراسة الكتاب المقدس.

 هـ ـ كتابات الآباء والليتورجيات:

كما أن لكتابات الآباء أهمية كبرى أيضًا لأنها المصدر الذي تأخذ منه الكنيسة منذ العصور الأولى وإلى الآن نصوص القداسات التي تصلى بها ونصوص التسابيح والتماجيد التي تستعملها الكنيسة في عبادتها الجماعية أو في عبادة المؤمنين العائلية والانفرادية. فمثلاً القداسات الثلاثة المستعملة في كنيستنا وهى الباسيلى والغريغورى والكيرلسى على التوالى هى من وضع القديس باسيليوس أسقف قيصرية كبادوكية في آسيا الصغرى في القرن الرابع، والقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات (أو النزينزى) أسقف القسطنطينية في القرن الرابع أيضًا، والقديس كيرلس الأسكندرى (الملقب بعمود الدين) في أوائل القرن الخامس المتنيح في سنة 444م.

كما أن نصوص ليتورجيات أسرار المعمودية، والميرون، ومسحة المرضى، والزواج، والكهنوت، ونصوص صلوات تقديس المياه في اللقان، وصلوات تدشين الكنائس كل هذه من وضع آباء الكنيسة في القرون الأولى.

و ـ كتابات الآباء والحياة الروحية:

كما أن كتابات آباء الكنيسة هى مصدر الخبرات الروحية التي عاشها القديسون وكتبوها أو كُتبت عنهم سواء كانوا من الآباء الذين كانوا يرعون المؤمنين في الكنائس أو من الآباء النُساك في البرية الذين لهم إنتاج وفير في الحياة الروحية والنُسكية. كما أنها هى مصدر سير الشهداء والقديسين في العصور المسيحية الأولى.

 ثالثًا: مفهوم علم الآباء وتاريخه:

الباترولوجيا هى ذلك الجزء من تاريخ الكتابات المسيحية التي تتناول المؤلفين اللاهوتيين في العصور المسيحية الأولى. والباترولوجيا تضم كل من الكُتاب الأرثوذكس والهراطقة، رغم أنها تعالج باهتمام أكبر أولئك المؤلفين الذين يمثلون تعليم الكنيسة المُسلم من الرسل أى التعليم التقليدى. وهؤلاء المؤلفين هم الذين يطلق عليهم آباء الكنيسة ودكاترة أى معلّمى الكنيسة. وهكذا فعلم الباترولوجيا يمكن أن يُعرف بأنه “علم آباء الكنيسة “.

إن اسم هذا الفرع من علوم اللاهوت هو حديث العهد. وأول من استعمل اسم الباترولوجى هو جون جرهارد (Joh. Gerhard) الألمانى من لاهوتيى القرن17، وذلك عندما استخدم كلمة باترولوجيا(Patrologia) كعنوان لكتابه الذي نشره سنة 1653م. إلا أن فكرة تاريخ الأدب المسيحى الذي تظهر فيه وجهة النظر اللاهوتية بارزة هى فكرة قديمة:

1 ـ هذه الفكرة تبدأ بأوسابيوس (Eusebius) المؤرخ الكنسى. لأنه يقول في مقدمة كتابه ” تاريخ الكنيسة” (E.H) أنه يقصد أن يسجل كتابة ما يعرفه عن عدد من أولئك الذين كانوا في كل جيل هم سفراء كلمة الله سواء بالكلام أو بالكتابة، وأيضًا أسماء وعدد وأعمار أولئك الذين اندفعوا إلى طريق الخطأ وانحراف التعليم، الذين أبرزوا أنفسهم كدعاة معرفة وعلم كاذب[16]. وهكذا فهو يسجل أسماء الكُتاب وكتبهم على قدر ما يعرفهم ويسجل اقتباسات طويلة من معظم كتاباتهم.

ولهذا السبب يعتبر أوسابيوس واحدًا من أهم مصادر علم الباترولوجيا خاصة وأن عددًا كبيرًا من الكتابات التي اقتبس منها قد فُقدت. وبالنسبة لبعض المؤلفين الكنسيين يُعتبر هو المصدر الوحيد للمعلومات عنهم [17]. وجاء بعد أوسابيوس مؤرخون آخرون حاولوا أن يكملوا عمله. فهناك تاريخ سقراط، وتاريخ سوزومين، وتاريخ تيئودوريت. هؤلاء المؤرخين الثلاثة ركزوا كتاباتهم على الكنيسة الشرقية وأعمالهم متقاربة إلى حد كبير.

أما في الغرب فقام روفينوس بترجمة تاريخ أوسابيوس من اليونانية إلى اللاتينية. وأضاف إليه بعض الأحداث حتى عصر الإمبراطور ثيئودوثيوس الكبير سنة 392م.

2 ـ ولكن يعتبر ايرونيموس (جيروم) Jerome هو أول من كتب تاريخًا للأدب المسيحى اللاهوتى. وذلك في كتابه “ مشاهير الرجال ” De VIR. ILL. ويقصد جيروم في كتابه هذا أن يرد على أولئك الكُتّاب الوثنيين الذين اعتادوا أن يتهموا المسيحيين بقلة الذكاء ـ ولهذا السبب فإن جيروم يعدد في كتابه أسماء الكُتّاب الذين يعتز بهم الأدب المسيحى في 135 فصلاً، ويقدم في كل فصل عرضًا لسيرة الكاتب وتقييمًا لكتاباته. هذا الكتاب كتبه جيروم في بيت لحم سنة 392م. بناء على طلب صديقه الوالى ” ديكستر ” ( Dexter ).

3 ـ حوالى سنة480 م ألف جيناديوس (Gennadius) كتابًا بنفس الاسم أى ” مشاهير الرجال ” وهو يعتبر تكملة لعمل جيروم. وجيناديوس كاهن من مرسيليا وهو “شبه بيلاجى” (Semipelegian)، وهذه حقيقة تترك أثرها هنا وهناك على وصفه وتعليقاته. ومع ذلك فيعتبر كتابه تكملة وإضافة نافعة لعمل جيروم. ويظهر من كتابه أنه واسع الاطلاع ودقيق في أحكامه. ويظل عمله ذو أهمية أساسية لتاريخ الكتابات المسيحية القديمة. وكتاب جيناديوس يشمل99 فصلاً ويختمه بفصل عن كتاباته هو.

4 ـ بعد جيناديوس وحتى نهاية القرن الخامس عشر قام عدة مؤلفون بعمل كتب على نسق كتاب جيروم وتكملة له بعد جيناديوس. وحوالى سنة 1494م ألف الراهب جوهانس تريثيميوس Johannes Trithemius كتابًا باسم ” الكُتّاب الكنسيون ” وهو يحوى سير حياة وكتابات 963 كاتبًا، بعضهم ليسوا لاهوتيين ويستقى تريثيميوس معلوماته عن الآباء من جيروم وجيناديوس.

5 ـ في عصر النزعة الإنسانية بأوربا حدث اهتمام متجدد بالكتابات المسيحية القديمة. فمن ناحية كان دعاة الإصلاح البروتستانتى يتهمون كنيسة روما بأنها تدهورت وابتعدت عن آباء الكنيسة. ومن الناحية الأخرى أدت قرارات مجمع ترنت إلى ازدياد هذا الاهتمام إلى درجة كبيرة بكتابات الآباء. فألف الكاردينال “بيلارمين” Bellarmine كتاب “الكُتّاب الكنسيين حتى سنة 1500” وظهر هذا الكتاب سنة 1613م.

وبعد هذا ظهر مؤلفان كبيران من تأليف مؤلفان فرنسيان هما كتاب Tillemont عن تاريخ الكنيسة في القرون الستة الأولى [18]. وصدر في 16 مجلدًا، والمؤلف الثانى هو R. Ceillier باسم “التاريخ العام للمؤلفين المقدسين والكنسيين”[19]. وصدر في 23 مجلدًا. وهو يعالج كل الكُتّاب الكنسيين من العصر المسيحى الأول حتى سنة 1250م.

6 ـ العصر الجديد لعلم كتابات الآباء ظهر خاصة في التجميعات العظيمة والطبعات الخاصة الممتازة للنصوص الآبائية. وهذه التجميعات حدثت في القرنين السادس عشر والسابع عشر. أما القرن التاسع عشر فقد أثرى حقل الكتابات المسيحية القديمة بعدد كبير من الاكتشافات الجديدة خاصة اكتشافات لنصوص شرقية. وبذلك ظهرت الحاجة إلى طبعات جديدة نقدية محققة علميًا. وقد افتتحت أكاديمية فيينا وأكاديمية برلين هذا العمل بطبع مجموعات مضبوطة لكتابات الآباء باللغتين اليونانية واللاتينية، بينما بدأ علماء الآباء الفرنسيون بنشر أعظم مجموعتين للكتابات المسيحية الشرقية.

7 ـ في القرن العشرين ظهر اتجاه غالب للاهتمام بدراسة تاريخ الأفكار، وتاريخ المفهومات، وتاريخ التعبيرات في الكتابات المسيحية القديمة واهتمام بدراسة تعاليم الآباء وعقائدهم وتعليم كل الكتاب الكنسيين. وكما يقول البروفسور كواستن (Quasten) أستاذ الآباء بجامعة واشنطن أن الاكتشافات الحديثة في القرن العشرين لأوراق البردى في مصر قد مكنت العلماء من استعادة كثير من الأعمال الآبائية التي كانت مفقودة.

8 ـ في الكنيسة القبطية كان النُساخ وخاصة في الأديرة يقومون بنسخ كتابات الآباء في مختلف العصور سواء باللغات اليونانية أم القبطية أو المترجمة في مخطوطات بالعربية. وهنا نذكر نوع خاص مخطوط مشهور اسمه ” اعتراف الآباء ” وهو يحوى اقتباسات للآباء منذ عصر بعد الرسل وحتى البطريرك خرستوذولوس (البطريرك66) والكُتّاب الكنسيين في القرن الـ11. والمقصود بكلمة “اعتراف” هو تعاليم الآباء العقائدية فيما يخص الثالوث والتجسد وعقيدة طبيعة المسيح خاصة. وهذا الكتاب يوجد منه نسخ خطية في مكتبة البطريركية القديمة بالأزبكية وفى مكتبة المتحف القبطى وفى بعض الأديرة القبطية.

وفى القرن السابع قام المؤرخ يوحنا النيقوسى وهو أسقف نيقيوس بالمنوفية بكتابة تاريخ ضخم منذ آدم حتى عصره في نهاية القرن السابع. هذا التاريخ كُتب أصلاً بالقبطية وتُرجم إلى الأثيوبية. ولكن النسخة القبطية الأصلية فُقِدت والباقى هو الترجمة الأثيوبية التي تُرجمت بالتالى إلى الفرنسية في العصر الحديث، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية وأخيرًا صدرت ترجمة عربية له عن الإثيوبية في يناير 2000.

أما كتاب السنكسار فهو يحوى سير مختصرة للقديسين والشهداء حسب أيام السنة القبطية. ويحوى القليل من أقوال الآباء.

وكتاب تاريخ البطاركة المنسوب إلى الأنبا ساويرس بن المقفع في القرن العاشر ويحوى تاريخ بطاركة الكنيسة القبطية منذ مار مرقس حتى القرن العاشر. وقد قام بعده كُتّاب آخرون لتكميل تاريخ البطاركة الذين جاءوا بعد القرن العاشر. ولكنه لا يحتوى إلاّ القليل من نصوص الآباء.

 

رابعًا: لغة الآباء:

كانت لغة المسيحية منذ نشأتها حتى القرن الثانى هى اللغة اليونانية. إذ كانت هذه اللغة هى لغة الأدب والحديث طوال القرون الأولى في الإمبراطورية الرومانية في كل بلاد البحر الأبيض المتوسط. فقد غزت الحضارة اليونانية والأدب اليونانى العالم الرومانى كله حتى أنه كان يندر أن تكون مدينة في الغرب لا تستعمل فيها اللغة اليونانية كلغة التعامل اليومى. وحتى في روما وشمال إفريقيا وبلاد الغال (فرنسا) كان استعمال اللغة اليونانية حتى القرن الثالث.

ولهذا السبب تعتبر اللغة اليونانية هى اللغة الأصلية لكتابات الآباء، وإن كان في الشرق قد حلّ محلها جزئيًا اللغات المحلية مثل السريانية في سوريا والقبطية في مصر وخاصة الوجه القبلى، والأرمنية في أرمينيا. وبعد القرن الثالث حلت اللاتينية في الغرب محل اليونانية.

إن كُتّاب أسفار العهد الجديد مثلهم مثل آباء الكنيسة لم يكتبوا باللغة اليونانية الكلاسيكية، بل بلغة يونانية تسمى ” كوينى ” (Koine) والتى يمكن أن توصف بأنها تآلف بين اللغة الأتيكية (Attic) لغة مقاطعة ” أتيك” في اليونان وبين اللغة اليونانية الشعبية. وقد صارت لغة الـ “كوينى” هى لغة كل العالم الهلليني منذ القرن الثالث قبل الميلاد وحتى نهاية العصور المسيحية الأولى أى حتى بداية القرن السادس.

 

خامسًا: تصنيف كتابات الآباء:

توجد أكثر من طريقة لتصنيف الآباء. فعلماء علم الآباء يُقسّمون الآباء، أولاً بحسب اللغة التي كتبوا بها كتاباتهم: اليونانية، واللاتينية، والسريانية والقبطية والأرمنية. وأكبر كمية من كتابات الآباء وصلتنا باللغتين اليونانية واللاتينية. ومن هنا جاءت التسميات للمجموعتين الشهيرتين: باترولوجيا جريكا (أى الآباء باليونانية)، وباترولوجيا لاتينا (أى الآباء باللاتينية).

الأساس الثانى الذي يصنفون به الآباء هو الترتيب التاريخى، وعلى الأساس التاريخى تُقسم المراجع الآبائية، كتابات الآباء إلى عدة عصور:

  1. بدايات الكتابات الآبائية: هذا العصر يشمل كتابات القرون الثلاثة الأولى أى يمتد من حوالى سنة 100 إلى سنة 300ميلادية.
  2. العصر الذهبى للكتابات الآبائية: ويمتد من سنة 300 إلى 440م.
  3. العصر المتأخر: من 440 إلى 600م. وعند الروم يمتد العصر المتأخر حتى سنة 893م.

 

أ ـ العصر الأول: من 100 ـ 300: ( ويُسمى ما قبل نيقية)

ويشمل:

1 ـ كتابات الآباء الرسوليين:

رسالة اكليمندس الرومانى إلى الكورنثيين سنة 96، رسائل أغناطيوس الإنطاكى السبعة إلى كنائس آسيا (حتى سنة 107)، رسالة القديس بوليكاربوس إلى الفيلبيين (حوالى 156)، ويرجع العلماء الآن كتاب الـ” ديداكى ” ” تعليم الرب للأمم بواسطة الرسل الاثنى عشر ” إلى نهاية القرن الأول.

ثم كتابات الكُتّاب المعاصرين للآباء الرسوليين: بابياس سنة 130، رسالة برنابا (حوالى سنة 100)، راعى هرماس (القرن الثانى).

2 ـ كتابات الآباء المدافعين:

أـ كوادراتوس سنة 124 وتُنسب إليه الرسالة إلى ديوجينيتس (بحسب الأبحاث الحديثة). ب ـ ارستيدس من أثينا (125م). ج ـ أرستو من بيللا (140م). دـ القديس يوستينوس الشهيد (165م) هـ ـ تاتيان السورى (حوالى 172م). و ـ أبوليناروس من هيرابوليس (172م). ز ـ أثيناغوراس (177م). ح ـ ثاؤفيلوس الإنطاكى (حوالى 180م). ط ـ ميليتو أسقف ساردس (190م). ى ـ ملتيادس (192م). ك ـ مينوكيوس فيلكس (حوالى سنة 200م). ل ـ هرمياس الفيلسوف (200م).

3 ـ الآباء الآخرون في القرنين الثانى والثالث:

أ ـ الآباء الشرقيون: القديس إيريناؤس أسقف ليون (140ـ202م)، القديس اكليمندس الأسكندرى (150ـ210م)، أوريجينوس (185ـ254)، ديونيسيوس الأسكندرى (264م)، الدسقولية (تعاليم الرسل) (القرن الثالث)، غريغوريوس العجائبى (213ـ 270). ميثوديوس الأوليمبى (نهاية القرن الثالث).

ب ـ الآباء الغربيون: ترتليان (160ـ220)، القديس كبريانوس (200 ـ 258)، أرنوبيوس (280ـ310)، لاكتنتيوس (توفى حوالى 317)، هيبوليتوس الرومانى (160ـ235)، سير الشهداء (Acta Martyria).

ب ـ العصر الذهبى للآباء: (300ـ 440): (ويسمونه عصر نيقية وما بعد نيقية)

1 ـ الآباء الشرقيون: القديس أثناسيوس الرسولى (296ـ373) القديس كيرلس الأسكندرى (376ـ444). القديس باسيليوس أسقف قيصرية (329ـ379)، القديس غريغوريوس النزيانزى(الناطق بالإلهيات) (329ـ390)، القديس غريغوريوس النيسى (335ـ394)، ديديموس الضرير (310ـ398)، القديس إبيفانيوس أسقف سلاميس (315ـ403)، القديس أنطونيوس الكبير (250ـ356)، القديسي باخوميوس (تنيح 346)، القديس مقاريوس (300ـ390)، القديس مقاريوس الأسكندرى (تنيح394) القديس كيرلس الأورشليمى (313ـ386)، القديس يوحنا ذهبى الفم (354ـ407)، مار افرام السريانى (306ـ373)، أفراهات (تنيح367).

2 ـ الآباء الغربيون: القديس هيلارى أسقف بواتيه (أثناسيوس الغرب) (315ـ366)، القديس أمبروسيوس أسقف ميلان (339ـ397)، القديس جيروم (349ـ420)، القديس أغسطينوس (354ـ430).

ج ـ العصر المتأخر: (440 ـ حوالى 600)

1 ـ الآباء الشرقيون: القديس فليكسنوس أسقف منبج (440ـ523)، القديس ساويروس الإنطاكى (تنيح538)، مار اسحق السريانى (تنيح692)، القديس يوحنا الدرجى (579ـ650)، البطريرك فوتيوس (عند الروم) (810ـ893).

2 ـ الآباء الغربيون: البابا غريغوريوس الكبير (540ـ604).

سادسًا: طبعات الكتابات المسيحية الأولى:

أ ـ الطبعات الأولى للكتابات المسيحية القديمة لا يمكن أن تعتبر طبعات نقدية حيث إن القواعد العلمية لاختيار المخطوطات لم تكن قد وُجدت بعد، ومع ذلك فإن كثير من هذه الطبعات الأولى هى الآن ذات قيمة عظيمة جدًا بسبب أن المخطوطات التي أخذت عنها هذه المطبوعات قد فُقدت.

ب ـ من بين الطبعات الأولى لكتابات الآباء التي ظهرت منذ القرن السادس عشر توجد مجموعة واحدة لا تزال لها قيمتها العلمية وهى المجموعة التي طبعها الرهبان الفرنسيون البندكت في “سانت مورا ” والتى نُشرت في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وبعض طبعاتهم لكتابات الآباء لم يُعلَ عليها حتى الآن. وفى مجموعتهم هذه يوجد النص اليونانى مع ترجمة لاتينية مع فهارس دقيقة مًضافة إلى كل مجلد.

ج ـ أكمل مجموعة للنصوص الآبائية هى المجموعة التي نشرها الراهب ” مينى ” ( J.P. Migne) (المتوفى سنة 1875م). إنها تحوى إعادة طبع لكل النصوص التي سبق طبعها حتى وقته وذلك لكى تكون في متناول يد اللاهوتيين ولكى يكون الوصول إلى نصوص الآباء سهلاً. وللأسف فإن طبعة ” مينى ” للآباء بها أخطاء مطبعية كثيرة. ولهذا السبب فمن الأفضل دائمًا الرجوع إلى الطبعات التي أخذ منها ” مينى ” إن لم تكن هناك طبعة علمية حديثة للنصوص. ومع ذلك تظل باترولوجيا ” مينى ” هى بالنسبة لكثير من الكتابات الآبائية، المصدر الوحيد الذي يمكن الرجوع إليه.

وتقع مجموعة باترولوجيا ” مينى ” في قسمين:

1 ـ ” مينى باترولوجيا جريكا ” (P.G.): وهو القسم الذي يشمل كتابات الآباء والكُتّاب الكنسيون باللغة اليونانية الأصلية وأمام النص اليونانى ترجمة لاتينية. وهذه المجموعة اليونانية تصل إلى مجمع فلورنسا في القرن الخامس عشر. وكل آباء كنيسة الأسكندرية والكتابات الرهبانية المصرية باللغة اليونانية موجودة في هذه المجموعة. وعدد مجلداتها 161 مجلد كبير.

2 ـ “مينى باترولوجيا لاتينا” (P.L.): أى الكتابات التي كُتبت أصلاً باللاتينية. وهذه المجموعة اللاتينية تقع في 221 مجلدً كبير منها 4 مجلدات فهارس وتصل الكتابات اللاتينية في هذه المجموعة حتى البابا اينوسنت الثالث المتوفى سنة 1216م. وقد نُشرت مجموعتى باترولوجيا مينى اليونانية واللاتينية في السنوات ما بين 1844 و 1866 في باريس.

د ـ وقد بدأت أكاديمية فيينا وأكاديمية برلين كل منها بنشر مجموعة من كتابات الآباء التي تجمع بين الدقة اللغوية والاكتمال وذلك منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى الآن. وكل منهما تنشر الكتابات بأصلها اللغوى أى باليونانية واللاتينية مع مقدمات وفهارس بالألمانية.

هـ ـ نُشرت مجموعة ” باترولوجيا أورينتالس ” (Patrologia Orientalis) أى مجموعة الآباء الشرقيين. وهى كتابات كنسية باللغات القبطية والعربية والأثيوبية وقد صدرت في باريس منذ سنة 1907م في 25 مجلد حتى الآن. كما صدرت من باريس مجموعة ” باترولوجيا سيرياكا ” (Patrologia Syriaca) وهى كتابات الكنيسة السريانية. وقد صدرت في ثلاث مجلدات.

سابعًا: ترجمات كتابات الآباء إلى اللغات الحديثة:

ترجمات إلى الإنجليزية: أشهر الترجمات إلى الإنجليزية لكتابات الآباء هى: أ ـ The Anti Nicene Fathers (ANF) ” آباء ما قبل نيقية ”، وهى ترجمة لكتابات الآباء بالفترة التي تلى عصر الرسل مباشرة وإلى ما قبل مجمع نيقية (325). وتقع في عشر مجلدات وبدأ صدورها في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1885م. وهذه الطبعة الأمريكية هى إعادة طبع للترجمة الإنجليزية التي صدرت قبلها في أدنبرة بأسكتلندا تحت عنوان The Anti – Nicene Christian Library (بين 1866،1872) وكانت في 24 مجلد من حجم أصغر من الطبعة الأمريكية التي تلتها.

وتحوى مجموعة آباء ما قبل نيقية كتابات: الآباء الرسوليين، اكليمندس الرومانى وأغناطيوس وبوليكاربوس، وكذلك كتابات الشهيد يوستينوس والقديس إيريناؤس أسقف ليون واكليمندس الأسكندرى، وترتليانوس وأوريجينوس، والقديس كبريانوس والقديس غريغوريوس العجائبى، إضافة إلى كتابات أخرى. وقد أُعيد طبع هذه المجموعة بالولايات المتحدة سنة 1951 ولا يزال تصدر منها طبعات جديدة كما هى.

ب ـ Library of The Nicene and Post Nicene Fathers (أى “مجموعة آباء نيقية وما بعد نيقية “. وهى مجموعة مختارة من كتابات الآباء غالبيتها من كتابات القرنين الرابع والخامس وتقع في 28 مجلد. وقد صدرت في الولايات المتحدة أواخر القرن 19 وأُعيد طبعها هناك سنة 1957، ولا تزال تصدر منها طبعات جديدة كما هى. وهذه المجموعة مُقسمة إلى قسمين: القسم الأول (1st Series) يحوى 14 مجلد منها 8 مجلدات لأغسطينوس، و6 مجلدات ليوحنا ذهبى الفم. والقسم الثانى (2ndSeries) يحوى 14 مجلد أيضًا ويضم بعض كتابات القديسين: أثناسيوس الرسولى (مجلد1) وباسيليوس الكبير (مجلد1) وغريغوريوس النزيانزى (فى مجلد مشترك مع كيرلس الأورشليمى)، وأمبروسيوس ومار افرام السريانى وغريغوريوس النيسى وهيلارى أسقف بواتيه ويوحنا كاسيان. كما يضم هذا القسم بعض كتابات غريغوريوس الكبير (أسقف روما في القرن السادس) ويوحنا الدمشقى (من القرن الثامن) إضافة إلى كتابات أخرى) وتحوى مجلدًا لأعمال المجامع المسكونية.

ويلاحظ أن هذه المجموعة لا تحوى أى كتاب من كتب القديس كيرلس الأسكندرى (عمود الدين) ولا عظات القديس مقاريوس الشهيرة.

ج ـ The Fathers of The Church ” آباء الكنيسة ”: بدأت جامعة واشنطون الكاثوليكية بنشرها منذ 1947 ولا يزال النشر مستمرًا. بلغ عدد كتب هذه المجموعة حتى الآن (أغسطس 2007م) 114 كتاب. وبها بعض كتابات قليلة للقديس كيرلس الأسكندرى بالإنجليزية.

د ـ صدرت ترجمات إنجليزية منفردة لكتابات بعض الآباء وليست ضمن مجموعات كالمجموعات السابق ذكرها. فمثلاً صدرت أول ترجمة إنجليزية لعظات القديس مقاريوس بإنجلترا سنة 1749م، ثم ترجمة إنجليزية أخر لنفس العظات سنة 1921م وهى الترجمة التي عرب عنها بيت التكريس ترجمته العربية الجديدة التي نُشرت سنة 1979 (الطبعة الأولى).

وكذلك صدرت ترجمة إنجليزية لتفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس الأسكندرى سنة 1859 بأكسفورد بإنجلترا (وهى الترجمة التي ترجم عنها كاتب هذه السطور منذ سنة 1990 في 5 أجزاء، وتُجرى حاليًا طباعة هذا التفسير كله في مجلد واحد يصدر قبل نهاية سنة 2007).

هـ ـ صدرت ترجمة إنجليزية عن اليونانية لـ ” شرح إنجيل يوحنا ” للقديس كيرلس الأسكندرى في جزئين، الجزء الأول صدر 1874 والثانى 1885، وذلك ضمن سلسلة Library of The Fathers of The Church (L.F.C) (وهى الترجمة التي يترجم عنها مركز دراسات الآباء منذ 1989 ولا يزال).

ترجمات إلى الفرنسية:

أهم سلسلة لنصوص الآباء بالفرنسية هى مجموعة المصادر المسيحية (Sources Chretiennes) التي بدأ بنشرها J. Danielou بباريس 1941 ولا تزال تصدر حتى الآن وتشمل النصوص الآبائية باليونانية أو اللاتينية مع ترجمة فرنسية في الصفحة المقابلة مع مقدمة وافية عن أصل كل نص ودراسة عنه. وصل عدد الكتب التي صدرت من هذه المجموعة إلى أكثر من 480 مجلد.

ثامنًا: الدراسات الآبائية في القرن العشرين:

حدثت طفرة في الاهتمام بالنصوص الآبائية القديمة في الغرب في القرن العشرين، ومن مظاهر الاهتمام هو إنشاء أقسام للدراسات الآبائية بعدد كبير من جامعات العالم غربًا وشرقًا. كما بدأت في القرن العشرين ظاهرة المؤتمرات العالمية لدراسة كتابات الآباء وتعاليمهم، وأشهر هذه المؤتمرات هو ” المؤتمر الدولى للدراسات الآبائية ” الذي ينعقد بجامعة أكسفورد كل أربعة سنوات وكان أول انعقاد له سنة 1951م. ويشترك بعض الباحثين بالمركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية في هذا المؤتمر منذ 1983. والمركز عضو في الجمعية الدولية للدراسات الآبائية التي تشرف على أعمال المؤتمرات الآبائية وتنسق لها.

كما بدأت أيضًا مؤتمرات دولية متخصصة في دراسة كتابات أحد الآباء: مثل مؤتمر لدراسة كتابات أغسطينوس ومؤتمر لدراسة كتابات أوريجينوس، وهى تعقد أيضًا كل أربع سنوات في أحد جامعات أوربا.

كما بدأ في القارة الأمريكية مؤتمرات لدراسات الآباء تعقد كل سنتين في نطاق القارة الأمريكية.

كما بدأت في السنوات الثلاثين الأخيرة مؤتمرات دولية متخصصة في الكتابات المسيحية السريانية وفى دراسة القبطيات وأيضًا في دراسة التراث المسيحى العربى، وهذه المؤتمرات المتخصصة تنعقد أيضًا كل أربع سنوات في إحدى جامعات العالم.

(ينعقد المؤتمر الدولي للقبطيات بالقاهرة سنة 2008م).

تاسعًا: ترجمة كتابات الآباء بالعربية في مصر في القرن العشرين:

بدأت تظهر ترجمات عربية لبعض كتابات الآباء في نهاية القرن 19. ففى سنة 1899 صدرت “عظات القديس مقاريوس المصرى” ليوسف بك منقريوس مدير المدرسة الإكليريكية. وفى نفس السنة نشر دير الأنبا أنطونيوس رسائل القديس أنطونيوس عن مخطوطة عربية موجودة بمكتبة الدير.

حبيب جرجس وكتابات الآباء:

يذكر المتنيح الأرشيدياكون حبيب في افتتاحية مجلة الكرمة سنة 1923 تحت عنوان “مؤلفات الآباء القديسين”: “وقد حصلنا من أوروبا على جميع مؤلفات الآباء القديسين الذين عاشوا منذ العصر الرسولى وحتى مجمع نيقية. وهى مترجمة إلى الإنجليزية عن اللغتين اليونانية واللاتينية وغيرها، وعهدنا إلى بعض أصدقائنا من أفاضل الكتاب الأدباء بتعريبها بكل دقة وضبط كأصلها. وسندركها تباعاً في أعداد الكرمة. ولا حاجة بنا إلى ذكر أهمية هذه المؤلفات، إذ لها المقام الأسمى في عالم المؤلفات الدينية لقرب عهد مؤلفيها بالعصر الرسولى. وأقوالهم حجج قوية على تعليم الكنيسة في أعصرها الأولى” (مجلة الكرمة عدد يناير 1923 ص 6)

وبدأ فعلاً ابتداء من نفس العدد الأول (يناير 1923) ينشر أول جزء من “رسالة كليمنضس الأولى إلى أهل كورنثوس”. واستمر هكذا في الأعداد التالية للمجلة حتى سنة 1931 من هذه الرسالة ومن كثير من غيرها من كتابات آباء ما قبل نيقية. ونرجح أن المجموعة التي يذكر أنه حصل عليها من أوروبا للترجمة منها هى مجموعة The Ante-Nicene Christian Library التي كانت قد صدرت في 24 مجلد بادنبره باسكتلنده بين سنين 1866 ـ 1872.

حافظ داود (القس مرقس داود) وترجمة الآباء:

قام الأستاذ حافظ داود بترجمة كتاب ” تجسد الكلمة ” للقديس أثناسيوس من الإنجليزية إلى العربية سنة 1946 ونشرته جمعية نشر المعارف المسيحية وأُعيد طبعه عدة مرات. كما ترجم القس مرقس داود رسالة أثناسيوس إلى الوثنيين، ورسائل أثناسيوس إلى سرابيون عن الروح القدس. وحياة أنطونيوس بقلم أثناسيوس، وتاريخ الكنيسة لأوسابيوس، ورسائل أثناسيوس الفصحية وتفسير رسالة أفسس لذهبى الفم ونشرتها له عدة جهات في حينها.

ثم ظهر كتاب بستان الرهبان في ثلاثة أجزاء. كما نشر دير السريان 1952 كتاب ” حياة الصلاة الأرثوذكسية ” للأب متى المسكين مشتملاً على اقتباسات كثيرة لأقوال الآباء عن مختلف نواحى الصلاة.

كما نشر دير السريان ابتداءً من سنة 1952 عدة ميامر لآباء الكنيسة عن الميلاد والغطاس والقيامة مترجمة عن الإنجليزية، وذلك عن السلسلة الإنجليزية (آباء ما قبل نيقية وآباء نيقية وما بعد نيقية) (38 مجلد) التي كان الأستاذ عزيز سوريال عطية قد أهداها للرهبان الجامعيين بدير السريان في ذلك الوقت).

القمص تادرس يعقوب وكتابات الآباء:

ويعمل أيضًا في مجال ترجمة كتابات الآباء بمصر منذ الستينيات، قدس الأب تادرس يعقوب ملطى بالأسكندرية عن طريق اقتباس نصوص للآباء ووضعها تحت عناوين موضوعات روحية أو في تفاسيره لأسفار الكتاب المقدس بعهديه التي يقوم بنشرها مزودة بأقوال الآباء.

بيت التكريس لخدمة الكرازة وكتابات الآباء:

بتوجيه الأب القمص متى المسكين قام كاتب هذه السطور في سنة 1958م بشراء مجموعة الآباء بالإنجليزية المذكورة سابقًا من أمريكا (وعددها 38مجلدًا) سنة 1958م. وبدأ بيت التكريس في ترجمة ونشر بعض كتابات الآباء عن هذه المجموعة ومن غيرها. فقام بنشر ” تفسير المزامير لأغسطينوس″ سنة 1961 (ترجمها القس مرقس داود)، و”الأسرار” للقديس أمبروسيوس، ورسائل القديس أنطونيوس وعظات القديس مقاريوس وعدة كتابات أخرى للقديسين أثناسيوس وكيرلس.

وبهذا يكون الأب المتنيح القمص متى المسكين[20] هو الذي وجه الأنظار في الكنيسة القبطية في العصر الحديث لأهمية كتابات آباء الكنيسة.

 مؤسسة القديس أنطونيوس لترجمة ونشر الآباء:

قام كاتب هذه السطور مع مجموعة من الأصدقاء بتأسيس مؤسسة القديس أنطونيوس وأُشهرت بالشئون الاجتماعية سنة 1979م، وذلك بهدف ترجمة ونشر كتابات الآباء وعمل دراسات على نصوص الآباء. فقامت المؤسسة منذ تأسيسها بنشر عدد كبير من كتابات الآباء. وكان للمرحوم صموئيل كامل عبد السيد أستاذ اللغة اليونانية دور بارز في بداية عمل المؤسسة. إذ قام بترجمة ثلاثة كتب عن اليونانية هى ” المسيح في رسائل أثناسيوس ”، ” المقالة الأولى ضد الآريوسيين ” و ” المقالة الثانية ضد الآريوسيين ”، وذلك قبل نياحته سنة 1986م. وقامت المؤسسة منذ سنة 1980 بإرسال عدد من المبعوثين إلى اليونان لدراسة اللغة اليونانية والتخصص في دراسات الآباء، عاد البعض منهم بعد أن أنهوا دراساتهم ولا يزال البعض يواصل دراساته لنفس الهدف.

وفى سنة 1991م نشأ ” مركز دراسات الآباء ” تحت مظلة مؤسسة القديس أنطونيوس، وفى نفس مقرها (8 ب شارع إسماعيل الفلكى بمصر الجديدة). وهو يواصل تحقيق هدف المؤسسة. وبلغت نصوص الآباء التي نشرتها المؤسسة حتى الآن 117 نصًا عن اللغات اليونانية والإنجليزية والفرنسية. كما قامت المؤسسة بنشر عدد من الدراسات حول النصوص الآبائية بلغ عددها حتى الآن 31 كتابًا. وبدا المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية منذ يناير 1998 بنشر دورية أبحاث تصدر كل ستة شهور: ” دراسات آبائية ولاهوتية ” صدر منها حتى الآن 20 عددًا.

ويقوم الباحثون بالمركز الأرثوذكسى بتقديم محاضرة شهرية و3 لقاءات (كل منها يومين) كل سنة بمقر المركز ومؤتمر سنوى لمدة 3 أيام (إقامة كاملة) حول الموضوعات الآبائية في احد بيوت المؤتمرات.

كما بدأ عمل مؤتمر للآبائيات للشباب منذ سنة 2005 في أجازة نصف العام من كل عام.

كما يقوم الباحثون العاملون بالمركز بتقديم المحاضرات والدراسات في عدد من المؤتمرات واللقاءات والكنائس بالقاهرة والأقاليم.

ــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

1- Quasten, Patrology vol. IUtrecht–Antwerp,Westminster1950 – 1960.

2- P.J. Hammell, Handbook of Patrology.Staten IslandN.Y., Alba House 1968.

3- N. & P.N. Fathers 1st series vol. I

4 ـ مجلدات مجلة الكرمة للأرشيدياكون حبيب جرجس من 1923 ـ 1931م.

[1] إيريناؤس: ضد الهرطقات كتاب 4 فصل 41 فقرة2.

[2] كليمندس الأسكندرى: المتنوعات 1:1،2ـ1:2.

[3] أغسطينوس: ضد يوليان (Cont. Jul. 1,7,34).

[4] Vincent of Le’rins. LNPN Fathers- 2nd series Vol.11, Com. Chapter29 p154& Chapter33 p.156.

[5] جيروم: De viris ill. Prol.; Ep 112, 3.

6 أنظر ما ورد عن إلهام الروح القدس للآباء في صياغة مصطلح ” أوموسيوس ÐmooÚsioj ”: المساوى في الجوهر، نقلاً عن كتاب باترولوجيا مجلد25:6:1 للبروفيسور س. بابا دوبولوس باللغة اليونانية أثينا 1982، وذلك في مقال ” الآباء والعقيدة ” للدكتور جوزيف موريس فلتس دورية دراسات آبائية ولاهوتية، يناير 1998، ص20ـ23.

7 صلاة تحليل الخدام: أنظر الخولاجى المقدس.

8 أنظر رسائل القديس أثناسيوس عن الروح القدس، الرسالة الأولى فصل 28 ص 82 إصدار مركز دراسات الآباء سنة 1994.

[9] Defence of the Nicene definition (De Dec. 27) N.&P.N. Fathers, 1st series, vol. IV p.168.

[10] شرح قانون الإيمان رسالة 55، ورسالة 39 إلى يوحنا الأنطاكى.

[11] J.N.D. Kelly, Early Christian Doctrines,London: A.&C. Black, 1958, p.VI.

[12] See P.J. Hammell. Handbook of Patrology,Staten Island,N.Y.: Alba House, 1968, p.12 inConstantine. N. Tsjrpanlis, Introduction to Eastern Patristic Thought, The Liturgical Press , Collegevill, Minnesota, 1991, p..

13 نيومان: Discussionsa Arguments II ,I.

14 أنظر كتاب ” رسائل الروح القدس للقديس أثناسيوس ـ إلى الأسقف سرابيون ” ترجمه عن اليونانية دكتور موريس تاوضروس ودكتور نصحى عبد الشهيد، الرسالة الأولى فصل 28 ص 82 إصدار مركز دراسات الآباء 1994، طبعة ثانية منقحة 2005م.

15 في كتابه ضد أونوميوس Contra Eunom. III,2,98 وردت بكتاب ” دراسات في آباء الكنيسة ” ص 385 لأحد رهبان برية القديس مقاريوس 1999.

[16] تاريخ الكنيسة لأوسابيوس 1:1،1.

[17] كتاب أوسابيوس: ” تاريخ الكنيسة ” يرجع إلى أوائل القرن الرابع ـ وقد عربه عن الإنجليزية القس مرقس داود ـ القاهرة 1960م.

[18] صدر في باريس بين سنة ( 1663 ـ 1712م ).

[19] صدر في باريس بين سنة (1729 ـ 1763م ).

[20] تنيح في 8 يونيو سنة 2006م

الآباء – مدخل إلى علم الآباء (باترولوجيا Patrologia ) – د. نصحى عبد الشهيد

علم اللاهوت والباترولوجي- دراسة

علم اللاهوت والباترولوجي – دراسة

علم اللاهوت والباترولوجي- دراسة

علم اللاهوت والباترولوجي- دراسة

الآباء هم أول من وضعوا الخطوط العريضة لبنية الكنيسة التنظيمية: العقائدية والرعوية، وما قدَّموه يحتفظ بقيمتهِ بشكل دائم، فمن خلال تعاليم الآباء حصلنا على قانونية الكتاب المقدس[1]، قوانين الإيمان والحَيَاة الكنسيّة، الليتورجيا… أضف إلى ذلك التأملات العميقة في الحَيَاة الروحيّة والنسكية.. ولهذا فإنَّ سلطان تعاليمهم في الأمور اللاهوتية يبقى فريدًا في تاريخ الكنيسة.

فنجد أن علم اللاهوت والعقيدة عند الآباء ليس بالعلم الجاف النظريّ، الذي يبحث في إثبات وجود الله فقط، إنما هو حياة نعيشها معه فنختبر وجوده عمليًّا بكوننا أعضاء في جسد المسيح الواحد، ومن هنا ظهرت أهمية علم اللاهوت الآبائيّ، وهو الذي يبحث في نصوص أقوال الآباء في الأمور اللاهوتيّة والمعتقدات الإيمانية لتثبيت براهينها من أقوال الآباء القديسين المُعْتَرَف بهم في الكنيسة المقدسة.

فالآباء اختبروا وذاقوا اللاهوت والعقيدة كحياة معاشة، فلم يكن اللاهوت والعقيدة بالنسبة لهم خطًا فكريًا فقط، كما كان في الفلسفة اليونانية.

معنى كلمة عقيدة:

إن كلمة عقيدة δογμα مشتقة من الفعل δοκεω، وهي تعني عند اليونانيين القدماء: رأي أو تعليم فلسفيّ، وفي الحيَاة السياسية: أمر أو قرار أو قانون رسميّ.. وفي الترجمه السبعينية تأتي كلمة عقيدة بمعنى: أمر أو تعليمات أو قرار أو وصايا أو ناموس موسى، لكنّها عند آباء الكنيسة يقصد بها: منهج حياة الاتحاد بين الفكر والعمل.

إذ ليست الكنيسة المسيحية مجرد مدرسة تنشغل في بحث العقائد وتقوم بتعلّيمها، إنما هب مؤسسة تتعبد لله، وتخدم البشرية، تعمل من أجل تغيير العالم وتجديده، وفي رجاء تنتظر العالم الآتي، حقًا إن الكنيسة المسيحية لا يمكن أن تكون كنيسة كما نعرفها بدون العقائد المسيحية[2].

أهمية العقيدة للحياة الروحيّة:

من خلال دراستنا للآباء علينا أن نعرف ونتعلّم منهم العقيدة المعاشة، فلكل عقيدة فائدة روحية، فإذا تناولنا العقائد المسيحيّة عن عمق تبيّن لنا نفعها وقيمتها الروحيّة في الخلاص، ومن هنا تتضح أهمية العقيدة للحياة الروحيّة، فغاية العقيدة هي الخلاص: “نَائِلِينَ غَايَةَ إِيمَانِكُمْ خَلاَصَ النُّفَوسِ” (1بط9:1)، فالعقيدة هي الأساس الذي تقوم عليه بنيان الحَيَاة الروحيّة.

كما أن الفهم الصحيح للإيمان يزيد القوة الروحيّة قوة وعمقًا وحرارة، هذا الإيمان الذي فيه يعمل بالمحبة، حسب قول معلمنا بولس الرسول “الإيمان الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ” (غل6:5)، “تَمَسَّكْ بِصُورَةِ الْكَلاَمِ الصَّحِيحِ الَّذِي سَمِعْتَهُ مِنِّي، فِي الإيمان وَالْمَحَبَّةِ الَّتي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (2تي13:1)، أي تمسك بالعقيدة السليمة التي ستعمل فيك وتُثمر حياة روحية قوامها المحبة.

يقول مُعلمنا بولس الرسول: “قَدْ وَضَعْتُ أسَاسًا وَآخَرُ يَبْنِي عَلَيْهِ. وَلَكِنْ فَلْيَنْظُرْ كُلُّ وَاحِدٍ كَيْفَ يَبْنِي عَلَيْهِ فَإنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَضَعَ أَسَاسًا آخَرَ غَيْرَ الَّذِي وُضِعَ الَّذِي هُوَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ وَلَكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدُ يَبْنِي عَلَى هَذَا الأَسَاسِ ذَهَبً فِضَّةً حِجَارةً كَرِيمَةً خَشَبًا عُشْبًا قَشًا” (1كو10:3-13)، فالأساس الذي يقوم عليه البناء هو الإيمان بيسوع المسيح، والمقصود به هنا: الإيمان والعقائد المسلَّمة لنا من الكنيسة بأنَّ يسوع المسيح هو ابن الله، والله الظاهر في الجسد، والذي جاء من السماء لأجل خلاصنا، والذي سيأتي ليدين الأحياء والأموات..[3]

كذلك لا توجد روحانية بدون عقيدة سليمة، فنحن نؤمن أنَّ الإيمان والأعمال مرتبطان معًا، والإيمان هو الذي يُقدِّم الأعمال، فكثير من الديانات غير المسيحيّة مثل البوذية وغيرها يقدمون أصوامًا ربما أكثر من المسيحيّين، ولكن ما قيمتها بدون الإيمان بالسيد المسيح، لقد كان كيرنيليوس يصنع أعمالاً حسنة، لكنها كملت بعد قبوله الإيمان بالمسيح.

لا يمكن أن يحيا الإنسان من غير عقيدة، فهي تعكس سلوك الفرد، كل فكرة تقتنع بها النفس مصيرها أن تتحول إلى عمل، ولهذا يرى الآباء أن العقيدة الأرثوذكسية لا تنفصل مطلقًا عن الروحانية، فحيث توجد عقيدة خاطئة توجد روحانية غير صحيحة، والعكس صحيح، وإن كان كثيرون بفصلون بطريق الخطأ بين التقوى والعقيدة..

والدليل على ذلك قول السيد المسيح: “كُونُوا أَنْتَمْ كَامِلِينَ كَمَا أنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَوَاتِ هُوَ كَامِلْ” (مت48:5)، ومعنى الكمال هو التآلف السليم بين العقيدة والروحانية، وهذا ما يقوله معلمنا بولس الرسول: “فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزَلاَء، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأهْلِ بَيْتِ الله، مَبْنيِّينَ عَلَى أسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَاوِيَةِ” (أف20:2).

فالكتاب المقدس لم يفصل بين التقوى والعقيدة، فهو الذي يكلِّمنا عن الفضائل الروحيّة، وهو نفسه الذي يشرح لنا العقائد التي نؤمن بها، ولا توجد عقيدة أرثوذكسية بدون سند من الكتاب المقدس، كما أن الكتاب المقدس يحذر من التعاليم الغريبة وينبِّه ويُعاقِب المبتعدين والهراطقة والمعلمين الكذبة، والذين يعلمون بتعاليم غير التي تسلمها آباؤنا، فيقول القديس بولس الرسول لتلميذه الأسقف تيموثاوس: “إِنْ كَانَ أحَدٌ يُعَلِّمُ تَعْلِيمًا آخَرَ، وَلاَ يُوَافِقُ كَلِمَاتِ رَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الصَّحِيحَةَ، وَالتَّعْلِيمَ الَّذي هُوَ حَسَبَ التَّقْوَي” (1تي3:6).

لا توجد عقيدة في المسيحيّة إلاَّ ولها بركة تهدف إلى خلاص النفس، فمثلاً لو درسنا سر الإفخارستيا كعقيدة، لوجدنا عمل الروح القدس، وتحوّل الخبز إلى جسد حقيقيّ، وعصير الكرمة إلى دم حقيقيّ للرب يسوع المسيح، وفي نفس الوقت ننال بواسطة هذا السر ثبات في المسيح يسوع (يو56:6)، وغقران لخطايانا، وحياة أبدية (يو54:6).

[1]  المقصود الفصل بين الأسفار القانونية من الأبوكريفا، وهو مصطلح نقد الكتاب الذي سبق دراسته.

[2] J. Pelikan: The Christion Tradition, vol. 1, 1973, p.1.

عن القمص تادرس يعقوب ملطي – الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والروحانية – 1986 – ص 169.

[3]  راجع أهمية العقيدة الدينية للحياة الروحية – المتنيح الأنبا غريغوريوس.

الباترولوجي وعلم اللاهوت, علم اللاهوت, الباترولوجي, الآباء, علم الباترولوجي, علم الآباء

علم اللاهوت والباترولوجي- دراسة

علم الآباء 1 – تعريف علم الباترولوجي Patrology

علم الآباء 1 – تعريف علم الباترولوجي Patrology

علم الآباء

تعريف علم الآباء:

كلمة (Partology) مأخوذة من الكلمة اللاتينية (pater) واليونانية “ρηταπ” اي (أب)[1]، (logia) أي (علم)، فالباترولوجي هو العلم الذي يبحث في حياة آباء الكنيسة، من حيث أعمالهم (أقوالهم وكتاباتهم)، وأفكارهم اللاهوتية، ويقوم بتحقيقها عِلمياً وترجمتها إلى اللغات الحيّة ونشرها.

ونحن عندما نُقنِّن أقوال الآباء ضمن العلوم، فهذه لأَّنها حقائق ثابتة، كما أنها تحمل سمات المعرفة المنظَّمة ذات الهدف الواضح..

أهمية دراسة علم الآباء:

إنَّ دراسة سير الآباء أو حياتهم هو أمر حيويّ، من خلاله نتعرف على شخصياتهم والظروف المحيطة بهم، التي من خلالها سجلوا لنا كتابتهم، كذلك أعمالهم سواء كانت أقوال او كتابات أو رسائل.. فهي جزء لا يتجزأ من تاريخ حياتهم.

ونحن عندما نقول: إنَّ الكنيسة الأرثوذكسية لها جذور آبائية قوية، فهذا إنما يرجع إلى تعاليمها التي استمدتها من الكتاب المقدس وكتب الآباء، ولهذا يقول معلمنا بولس الرسول: “اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ بِكَلِمَةِ اللهِ، انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرتَهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ” (عب 7:13)، فدراسة كتابات الآباء ليست دراسة نظرية أو أدبيّة فقط، إنما تشمل فكر الآباء اللاهوتيّ والروحيّ والرعويّ، كما تشمل سيرهم، حياتهم، نسكياتهم…

من خلال دراسة أقوال الآباء، نستطيع أن نأخذ منهجهم وروحهم في العبادة، فالعبادة الحقيقية هي بالروح وليست مجرد كلام، وبالحق وليست شكلية، لأنَّ “اَللَّهُ رُوحٌ وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالروُّحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا” (يو 24:4)، فهناك امتزاج بين التعليم والتلمذة.

ومَن يتأمل في حياة السيد المسيح، يجد أنَّه لم يترك لتلاميذه إنجيلاً مكتوباً، بل علَّمهم أن يتمثلوا به “نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ” (1بط 15:1)، وعندما غسل أقدام التلاميذ قال لهم: “لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً” (يو 15:13).

يقول معلمنا القديس يوحنا الحبيب: “مَنْ قَالَ إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ، يَنْبَغِي أَنَّه كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هَكّذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضاً” (1يو 2:6)، أمَّا معلمنا القديس بطرس الرسول فيقول: “لأَنَّكُمْ لِهَذَا دُعِيتُمْ فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضاً تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكاً لَنَا مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُواتِهِ” (1بط 21:2).

فعمل علم الآباء الأساسيّ هو التعرّف على حياة الكنيسة الأولى، إيمانها وروحانياتها، فكرها اللاهوتيّ والمسكونيّ والنُسكيّ… فالهدف من دراسة علم الباترولوجي هو الكشف عن فكر الآباء من حيث عقائدهم وتعاليمهم وكتاباتهم.

بهذه الطريقة عاشت الكنيسة الأرثوذكسية ترتوي بتعاليم الآباء التي أوصى بها العريس عروسه “إِنْ لَمْ تَعْرِفِي أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ فَاخْرُجِي عَلَى آثَارِ الْغَنَمِ وَارْعَيْ جِدَاءَكِ عِنْدَ مَسَاكِنِ الرُّعَاةِ” (نش 8:1)، وما آثار الغنم إلاَّ الآباء الذين نرتوي من تعاليمهم وسيَرهم وعقيدتهم.

كلمة أب لُغَوّياً وكتابياً وكنسياً:

لغوياً:-

ترجع أصل كلمة (أب) في العبرية، والأرامية والعربي Abba ، وفي اليونانية ρηπατ ، وفي الفرنسية  ABBE وتعني أب روحيّ.

وفي الإنجليزية عندما تأتي مُعَرَّفة (The Abbot)، يُقصد بها الراهب الذي يتولى الأبُوّة الروحيّة أو الإرشاد والتوجيه أو رئيس الدير، وقد وُجِد في مخطوطات ترجع للقرن الرابع الميلاديّ أن كلمة (ABA) في كتابات بلاّديوس تحمل هذا المفهوم، هذا وقد استخدمها المصريّ القديم بمعنى شيخ متقدم في الحكمة، كما كان يُستخدَم هذا اللقب في مخاطبة رب البيت، ولم يكن مسموحاً للخدم والعبيد استخدام هذا اللقب في مخاطبة رب البيت[2]

كتابياً:-

إنَّ الاسم “أب” هو لفظ تُعطيه التوراة لوالد الابن أو الأبنة وللجد (تك 13:28)، (خر 3:12)، (عب 23:11)، ولجد مجموعة معينة (تك 21:10)، (مت 9:3).

كذلك استخدمت كلمة “أب” في الكتاب المقدس، للحديث عن الجيل الأول من المؤمنين في العهد القديم، فكان يهوه يُدعى “إِلهِ آبَائِنّا” (تك 26:24؛ 28:13؛ 5:31؛ 1أخ 17:12؛ 2أخ 6:20؛ طوبيا 13:3؛ 7:8؛ دا 26:3؛ يهوديت 8:10). كما كان اللقب الرسميّ للكتبة في التقليد اليهوديّ هو “آباء”[3].

وفي العهد الجديد استخدمها السيد المسيح في علاقته مع الآب: “يَا أَبَا الآبُ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لَكَ” (مر36:14)، ونحن نستخدمها في علاقتنا مع الآب أيضاً: “إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا روُحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضاً لِلْخَوْفِ بَلْ أَخَذْتُمْ روُحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: يَا أَبَا الآبُ!” (رو 15:8)، “ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ روُحَ ابْنِهِ إلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخاً: يَا أَبَا الآبُ” (غل 6:4)، ولكن مع الفارق، فالآب أب للمسيح بالطبيعة، أمَّا نحن أبناء الله بالتبني. الله وحده هو “الآب”، فأُبَّوة الله لنا فريدة، تصل إلينا عن طريق التعليم والحب من أولئك الآباء الذين يلدونا عن طريق التعليم.

وقد استخدم معلمنا بولس الرسول الكلمة لوصف علاقة الإيمان، فإبراهيم هو “أَبٌ لِجَمِيعِنَا” (رو 16:4)، وعن علاقته بالمؤمنين يقول: “لَيْسَ لِكَيْ أُخَجِّلَكُمْ أَكْتُبُ بِهَذَا بَلْ كَأَوْلاَدِي الأَحِبَّاءِ أُنْذِرُكُمْ لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدينَ فِي الْمَسِيحِ لَكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ” (1كو 14:4،15)، كما يقول عن أُنسيمس “أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي” (فل 10).

كما جاءت كلمة “أولادي” في رسائل القديس يوحنا الحبيب: “يَا أَوْلاَدِي أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هَذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا” (1يو 1:2،12،13،18،28؛ 1يو 7:3).

كنسياً[4] :-

جرت العادة منذ وقت قديم جداً على تسمية مُعلّمي الكنيسة ومؤلفي الكتابات المسيحيّة الأولى باسم “آباء الكنيسة”[5] ارتبطت كلمة (أب) في الكنيسة الأولى بالتعليم، فالآباء هم مُعلّمو “الإيمان الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (يه3)، تميّزوا باستقامة الرأي وقداسة السيرة، وكان التعليم في الكنيسة مقتصراً على الأب الأسقف، لذلك كانت كلمة (أب) مقتصرة على الأسقف، لذا يسميهم القديس إيريناؤس: “أما الأساقفة المُؤتَمنون على التعليم الرسوليّ…”[6]، ولكن بظهور البدع والهرطقات في القرن الرابع الميلاديّ، أعطت الكنيسة فرصة لأُناس لا يحملوا رتباً كهنوتية للتعليم، فالقديس أُغسطينوس يعتبر أنَّ جيروم أباً مع أنَّه لم يحمل رتبة كهنوتية[7]، لكن لكونه معلّم أُطلق عليه هذا اللقب، لأنَّه يلد المؤمنين روحياً في كنيسة المسيح، فكلمة (أب) ترتبط بالكهنوت والتعليم أيضاً، وهذا ما أوضحه معلمنا القديس بولس الرسول: “أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ” (1كو 15:4)، أي أن الولادة تكون بالتعليم والكرازة، فالمسيحيّة حياة تلمذة وتسليم، هذا التسليم هو التقليد بكل جوانبه من عقائد، ليتورجية، تاريخ، سير الآباء..

يقول القديس إيريناؤس Ireneus أسقف ليون (130-200م) في كتابه ضد الهراطقة: “حينما يتعلّم شخص من فم شخص آخَر، فإنَّه يُسمَّى ابناً للذي علَّمه، والذي علَّمه يُدعَى أباه”[8].

أمَّا القديس أكلمنضس السكندريّ (150-215م) فيقول: “الكلمات هي ذُريّة النفس ولذلك ندعو الذين علَّمونا آباء لنا، وكل من يتعلَّم هو من جهة الخضوع ابن لمُعلَّمه”[9].

وقد لُقب القديس بوليكاربوس أسقف أزمير (69-156م) بلقب: “معلَّم آسيا، أب المسيحيّين”، فعند استشهاده صرخ الوثنيون: هذا هو أب المسيحيّين، وبمرور الوقِت تحوّلت تسمية البابا او البطريرك إلى لقب يُطلق على أساقفة الكراسيّ المسيحيّة الكبرى وهي: الإسكندرية وروما[10].

كما يعتبر (VINCENT) ببلاد الغال – فرنسا – (434م)، أنَّ الآباء هم معلّمو الكنيسة دون تمييز بينهم في الرتب الكهنوتية.

بناء على هذا يمكن القول إنَّ كتابات آباء الكنيسة تعني ما حفظ من كتابات، من أيام الرسل حتى يومنا هذا لآباء قديسين مجاهدين، رأوا الله واختبروا خلاصه، فعبَّروا عن ذلك بالروح القدس العامل فيهم، وهذه الكتابات تُعتبر من تراث الكنيسة الأولى، لأنَّها استمرار أصيل للتسليم الرسوليّ الأول، والمرجع الأفضل لتفسيره ومعايشته، فالروح القدس العامل في الكنيسة إلى الأبد، الذي أرشد الاباء الرسل والقديسين في كل عصر إلى جميع الحق: “وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزّياً لِيمَكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ” (يو 16:14).

الصفات الواجب توافرها في آباء الكنيسة:

يجب أن يكون للأب مقالات أو كتب أو رسائل أو أقوال كتبها هو أو سجلها له أبناؤه، وقد جرى العُرف على ضرورة توفر (4 صفات)[11] في مَن يُعتبرون آباء كنيسيين ألاَ وهي:

  1. أرثوذكسيّ العقيدة :-

أي مستقيم الإيمان ويحافظ على الإيمان السليم الذي تسلّمه من الآباء، حيث أن أقوال الآباء في العقيدة تُعتبَر حُجة يؤخذ بها، ولهذا يقول فنسنت دي ليرنس Vincent de Lerins (434م): “لو أُثير سؤال جديد لم يكن قد اتُّخِذَ قرار بشأنه قبل ذلك، فينبغي الرجوع إلى آراء الآباء القديسين، وعلى الأقل إلى أولئك الذين كانوا مقبولين كمُعلمين يحظون بالاعتراف من الجميع، بسبب أنَّهم ظلوا في الشركة والإيمان، هؤلاء الآباء قد علَّموا بفكر واحد واتفاق تام”[12].

ولكننا نوضح أنَّ الكنيسة الأرثوذكسية لا تؤمن بعصمة الآباء، ولا تقبل الرأي الشخصيّ لهم، إنَّما تعرفهم من خلال عضويتهم في جسد المسيح الواحد، كما أنَّ علم الباترولوجيّ يمكن أن يستفيد من آراء العلماء، الذين كانت لهم علاقة وثيقة بالآباء، ولكنهم سقطوا في هرطقات مثل العلاَّمة “ترتليان Tertullian”[13]، “وتاتيان Tatian”[14]، و”أوريجانوس Orgenes”[15].

كما يمكن أن ندرس أيضاً كتب الهراطقة وكتب الأبوكريفا لنتّفهم ما عانته الكنيسة الأولى من الهرطقات وكيف جابهها الآباء، ونتعرّف كيف شهدت الكنيسة للحق بالرغم من مقاومة الهراطقة، فذلك يمثل جزءاً من تاريخ الكنيسة. كما نتعرّف على ما قابلته الكنيسة من اضطهادات داخلية، وهكذا نتعرف على العقيدة السليمة.

أخبرَنا البابا ديونيسيوس (البطريرك الرابع عشر)، أنَّه اعتاد أن يقرأ حتى كتب الهراطقة، وأنَّه قد تشجعَ على ذلك بواسطة رؤيا إلهية، ففي رسالته الثالثة عن المعمودية التي كتبها إلى القَسِّ الرومانيَّ فليمون يقول: “فَحصت أعمال وتقاليد الهراطقة، مُدنساً عقلي وقتاً قصيراً بآرائهم الكريهة، ولكنني حصلتُ على هذه الفائدة منهم، وهي أنني قد فنَّدتُ آرائهم بنفسي، وعندما حاول أحد القسوس أن يمنعني خشية أن أحمل تيار شرهم ونجاستهم، كنت أرى أيضاً أنه يقول الحق، أتتني من الله رؤيا شددتني، والكلمة التي أتتني أمرتني قائلة بكل وضوح أن أقرأ كل ما يمكن أن تصل إليه يديك، فإنك قادر أن تُصحِّح كل شيء وتمتحنه، فإن هذه العطية هي سبب إيمانك منذ البداية، فقبلتُ الرؤيا على أساس أنَّها تتفق مع الكلمة الرسوليّة القائلة لمَن هم أقوى مني: “كونوا صيارفة ماهرين”[16]، وقد أهَّلته قراءاته المكثفة في كتب الهراطقة على الرد عليهم مستعيناً بما ورد في كتاباتهم، مع ملاحظة أن هذا الفكر لا يمكن تعميمه على الكلّ، فقد يتعثر البعض من القراءة في كتب الهراطقة، فيقول مُعلمنا القديس يوحنا الرسول: “أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ روُحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الآَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لآَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةَّ كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ” (1يو 1:4).

  1. قُدسيّة حياتهم :-

في دراستنا لعلم الباترولوجي لا ندرس أقوال أو كتابات الآباء دراسة أدبيّة فقط؛ بل نأخذ تعاليمهم ممتزجة بروحياتهم وحياتهم، فقد قدّم الآباء حياتهم شهادة لاسم الله القدوس، حيث إن حياة القداسة التي يحياها الآباء تنعكس بصورة مباشرة على أقوالهم “الإنسان الصَّالِحُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الصَّالِحِ يُخْرِجُ الصَّلاَحَ وَالإنسان الشِّريِّرُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الشِّريِّرِ يُخْرِجُ الشَّرَّ. فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ فَمُهُ” (لو 45:6).

  1. قَبولهم كنسياً :-

نحن لا نعرف الآباء إلاَّ من خلال عضويتهم في جسد المسيح الواحد، والمجامع الكنسيّة الأرثوذكسية تفرز الكتابات والآراء غير مستقيمة العقيدة، كما أنَّها تحرِم الذين يحيدون عن الأمانة المستقيمة وتعتبرهم هراطقة.

  1. القِدَميَة :-

يضع بعض علماء الباترولوجي شرط (الزمن) بمعنى أن يكون الأب منتمياً إلى الكنيسة حتى زمن معيَّن، حدَّدها البعض بالقرن السادس وآخَرونَ بالقرن الثامن، ويرى آخَرون أن عصر الآباء ممتد مادام الرب يرافق الكنيسة ويعمل فيها، لهذا لا ينقطع عنها آباء قديسونَ معلّمونَ[17].

لكن يرى الآباء من الناحية الروحيّة أن القِدَميَّة ليست زمنية فقط، بل الشهادة للأمانة السليمة الإيمان الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (يه3)، والقدمية الزمنية لم تتوفر لكل الآباء، وخاصة الذين جاءوا بعد صياغة مضمون العقيدة المسيحيّة المستقيمة، فيما يتعلق بالثالوث القدوس ومساوة الأقانيم والتجسد والفداء وعقيدة الروح القدس أي فيما قررته المجامع المسكونية الثلاثة الأولى حتى القرن الخامس.

لم يتخصص آباء الكنيسة في كل العلوم والمجالات الكنسيّة، فمنهم مَن دافع عن العقيدة وصاغوا الإيمان، ومنهم مَنْ حضر المجامع.. ولهذا لُقبوا بالآباء معلمو العقيدة…

الآباء معلمو العقيدة :-

وهم الذين ساهموا في تحديد مضمون الإيمان، الذي تسلمته الكنيسة من الآباء الرسل أو صياغته أو شرحه، مع مراعاة أنَّ الآباء منهم الأساقفة أو الكهنة أو المؤمنونَ العادِّيونَ، فهم امتداد للآباء الرسل القديسين، فهم الذين قاموا بتوصيل إيمان الرسل إلى الكنائس، واعْتُمِدَتْ كتاباتهم كمصدر للتعليم.

الكنيسة في تحليل الخدام تأخذ الحِل من الآباء الرسل ابتداء من القديس مارِمرقس الرسول؛ ومن الآباء مُعلمي العقيدة: البطريرك القديس ساويرس، ومعلمنا القديس ديسقورس، والبابا أثناسيوس الرسوليّ، والقديس بطرس خاتم الشهداء، والقديس يوحنا ذهبيّ الفم والقديس كيرلس، والقديس باسيليوس، والقديس غريغوريوس، وأيضاً من (أباء) المجامع المسكونية: “الثلاثمائة والثمانية عشر المجتمعين بنيقية، والمائة والخمسين المجتمعين بالقسطنطينية، والمائتين بأفسس”.[18]

الكتاب الكنسيّون :-

وهم الذين لم تُتَحْ لهم الفرصة للاشتراك في صياغة قانون الإيمان أو المصطلحات العقائدية، يُطلَق عليهم “الكُتّاب الكنسيّون”، سواء كانوا من الآباء البطاركة أو الأساقفة أو الكهنة أو علماء الكنيسة الذين جاءوا بعد المجامع المسكونية، وجاءتْ كتاباتهم متفقة مع عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية، ويرجع هذا التعبير إلى جيروم في أواخر (ق 4م)[19].

الآباء المسكونيون العظام[20] :-

تعتمد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية خمسة آباء تُسميهم “الآباء المسكونيين العظام”، هم: القديس أثناسيوس الرسوليّ، القديس كيرلس عمود الدين، القديس باسيليوس الكبير، القديس غريغوريوس النزينزيّ، القديس يوحنا ذهبيّ الفم.

أهمية دراسة كتابات الآباء:

1- في كل عصر يُعْتمَدُ على كتابات الآباء في تفسير الكتاب المقدس، وخاصة في تفسير الآيات التي نستقي منها العقائد الإيمانية … لنقتدي بهم في  حُبهم للكتاب المقدس وحفطه وشرحه، ولنقتفي آثارهم في الكمال والقداسة.

2- نستقي منهم العقائد الإيمانية السليمة، فنعتَبِرُ أقوالهم وكتاباتهم حُجة نكتسب منها المعرفة اللاهوتيّة الصحيحة والتفكير اللاهوتيّ العميق، وشرح الإيمان والدفاع عنه ضد الهراطقة والمبتدعين. فالتعاليم اللاهوتية والعقائد عند الآباء هما حياة معاشة، فقد عاش الآباء بركات العقيدة، ليس باعتبارها مجرّد معرفة أدبيّة أو فلسفية، بل على أنها اتحاد القلب والعقل مع الله.

3- لنتعرف على تاريخ كنيستنا الذي يمثل خطة الله لخلاص البشرية.

4- الكنيسة هي (جماعة) المؤمنين منذ بدء الخليقة حتى نهايتها، والآباء هم أعضاء أحياء في هذه الكنيسة، فقد اختبروا متطلبات الإيمان في عصرهم، وجاهدوا حتى الدم من أجل تثبيت هذا الإيمان، ولذا فخبرتهم كنز ثمين لنا، وعلينا أن نتعرف ونطلّع عليها، لنستفيد منها ونحن نواجه تحديات الإيمان، وتحديات العالم، ومن الممكن أننا أحياناً نواجه المشكلة نفسها التي واجهها الآباء وإن اختلف الزمن. إذاً نحن ندرس كتاباتهم لنعيش معهم ونتعلم منهم ونقتدي بهم.

ليس في عصرنا فقط يوجد أهمية كبيرة لكتابات الآباء القديسين بل يجب علينا أن نلاحظ النقاط التالية :-

  1. اعتمد البابا ديونيسيوس (الرابع عشر) على كتابات الآباء الذين سبقوه، في تأكيد عدم إعادة المعمودية بالنسبة للذين تركوا الإيمان ثم رجعوا، فيقول: “علمتُ أن هذه (يقصِد عدم إعادة المعمودية) لم تكن بدعة دخلت أفريقيا، بل إن هذا الرأي كان مقبولاً في أشهر الكنائس منذ زمن طويل أيام الأساقفة الذين سبقونا، وفي مجامع الإخوة في أيقونية وسنادا[21]، كما كان مقبولاً من أشخاص كثيرين، وأنا لا أستطيع أن أحتمل بأن أقلب آرَائِهِمْ وأطوَّح بهم إلى الخصام والنزاع، لأنه قيل: “لا تَنْقُل تُخُمَ صَاحِبِكَ الذِي نَصَبَهُ الأَوَّلُونَ” (تث 14:19)”.
  2. اعتمد البابا أثناسيوس الرسوليّ (العشرون)[22] على تراث الآباء، ففي دفاعه نجد أنه عندما دافع عن كلمة :أوموسيوس” فقال إن الآباء استخدموها، ويقصد بالآباء ديونيسيوس السكندريّ وديونيسيوس الرومانيّ.. لذا فهناك أهمية كبرى لنصوص الكتابات الآبائية المترجمة باللغات المحلية.
  3. اعتمد القديس باسيليوس الكبير على كثير من التقليد الكنسيّ من خلال أقوال الآباء السابقين له، فيقول: “وإذا فحصتُ في داخلي هل هناك أحد من الرجال الأقدمين المغبوطين قد استعمل هذه الكلمات، موضوع جدالنا الآن[23]، أجد كثيرين مِمَّن أحرزوا بقدميتهم الثقة بصحة إيمانهم وبتبحرهم في المعرفة – لا كرجال عصرنا – وأنهم في ربطهم الكلمات في المجدلة[24]، منهم مَنْ استعملوا حرف “الواو”، ومنهم مَنْ استخدم “مع” دون أي اكتراث لفرق بينهما من شأنه أن يعتبرونه حافزاً لاستقامة التقوى، نبدأ بأشهرهم إيريناؤس وأكْلِمَنْضُس الرومانيّ وديونيسيوس الروماني وديونيسيوس الإسكندريّ”[25].
  4. تزايد هذا الاتجاه في القرن الرابع، ونما جداً في القرن الخامس، فنجد القديس كيرلس السكندريّ في كتاباته إلى الرهبان المصريّين[26] – دفاعاً عن لقب القديسة مريم ثيؤطوكوس لتأكيد أن المولود هو كلمة الله المتأنس دون انفصال اللاهوت عن الناسوت – أشار إليهم أن يقتفوا آثار القديسين، كذلك في حديثه ضد نسطور التجأ إلى تعليم الكنيسة المقدسة الممتدة في كل العالم[27]، وإلى الآباء المكرمين أنفسهم، معلناً أن الروح القدس تحدث فيهم، ولتدعيم حديثه عن السيد المسيح استند إلى بعض مقتطفات آبائية من كتاباتهم الجدّلية، وقدّمها إلى مجمع أفسس، فيقول: “ينبغي أن نصدق أولئك الذين يهتمون بالاستقامة في التفكير من جهة الكرازة المقدسة، والتي سلَّمها إلينا بالروح القدس أولئك الذين كانوا في البدء مُعاينين للكلمة، والذين كان آباؤنا المُمَجدون جداً يتبعون آثار خطواتهم بغيرة، هؤلاء الذين اجتمعوا في نيقية في ذلك الوقت وحدَّدوا اعتراف الإيمان المُكرَّم المسكونيّ والمسيح نفسه جالساً معهم في المجمع، لأنه يقول: “حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْ” (مت 20:18)[28].
  5. وترجع أهمية كتابات الآباء إلى أهمية التقليد كمصدر للإيمان، فاتفاق الآباء الجماعيّ حُجة في الكنيسة، وفي ذلك يقول نيومان J. H. Newman: “إني أتبع الآباء القدماء، ليس على أنهم في موضوع معيَّن لهم الثقل الذي يملكونه في حالة العقائد والتعاليم، فحينما يتكلّم الآباء عن العقائد، إنما يتكلّمون عنها على أنَّ الجميع يؤمنون بها، فالآباء هم شهود الحقيقة، فهذه التعاليم سُلِّمت تسلماً ليس في مكان معين بل في كل مكان..ونحن نتسلم هذه التعاليم والعقائد التي يُعَلِّمونَ بها، ليس لمجرد أنهم يُعلِّمونَ بها، بل لأنهم يشهدون أن كل المسيحيّين في كل العصور يؤمنون بها، فنحن نتخذ الآباء كمصدر أمين للمعرفة، ولكن ليس كسلطة كافية في ذواتهم، رغم أنهم هم أيضاً سلطة، فلو أنهم علموا بهذه التعاليم نفسها وأضافوا قائلين: “أن هذه هي آراؤنا وقد استنتجناها من الكتاب المقدس وهي صحيحة”، لكنا نشك في تسّلمها على أيديهم.. فالآباء لا يتكلّمون برأيهم الخاص، لأَّنهم يقولون هذا الأمر حقيقيّ بسبب أن الكنائس كلها تؤمن به طوال الأزمنة السابقة بلا انقطاع منذ عصر الرسل”.

هنا نرى أنَّ كتاباتهم وأقوالهم موثَّقة، تؤمن بها جميع الكنائس طوال العصور السابقة فالأمر، فوجود كنائس كثيرة مستقلة عن بعضها البعض ككرسيّ أنطاكية، وكرسيّ الإسكندرية، وكرسيّ أورشليم… والكل له إيمان واحد، لابد أن يكون هذا الإيمان صحيحاً ومسلماً من الرسل.

كما أنَّ كتابات الآباء مصدر نصوص الليتورجيات في كل الأسرار الكنسيّة، نصوص القداسات وصلوات المعمودية، الميرون، مسحة المرضى، والكهنوت، وكذلك صلوات تقديس المياه في اللقانات والتسبحة، كلها من وضع الآباء الأوليّن.

عند دراسة كتابات الآباء يجب مراعاة الأتي:

  1. لا يليق بنا أن نقبل رأي أب ما بطريقة مُطلقة، فلا يقدر أحد من الآباء بمفرده أن يتعرّف على (الحق) كله كما تعرِف الكنيسة في كليتها، لهذا لا يليق بنا أن نقبل رأي أب ما بطريقة مطلقة بغير تحفظ، إنما يجب أن يكون رأيه إنجيلياً، يحمل روح الكتاب المقدس، ومطابقاً لفكر الكنيسة الجامعة.
  2. يلزمنا أن لا نبتر بعض فِقَرات من تراث الآباء، لتأكيد فكرة مسبقة في أذهاننا.
  3. دراسة معاني بعض التعبيرات التي يستخدمها الأب، إذ توجد عبارات أو كلمات كانت تحمل مفاهيم فلسفية أو شعبية في ذلك الحيّن.
  4. يمكننا فهم بعض العبارات الصعبة الواردة في كتابات أحد الآباء، بمقارنتها بما ورد في كتابات وأعمال المعاصرين له.

اللغة التي استخدمها الآباء في كتاباتهم[29]:

عند انتشار المسيحيّة كانت اللغة اليونانية هي اللغة السائدة في منطقة البحر الأبيض المتوسط خلال القرون الأولى للإمبراطورية الرومانية، فقد غزت الثقافة الهيلينية العالم الرومانيّ، حتى يصعب علينا أن نجد بلداً لم يستخدم اليونانية في التعامل اليوميّ.

لهذا جاءت معظم كتابات الآباء باللغة اليونانية، وكثيراً من هذه الأصول محفوظة في مكتبات المخطوطات في بلاد الغرب.

لقد كانت اليونانية هي لغة الأدب والحديث في الإمبراطورية الرومانية، والثقافة اليونانية حتى القرن الثالث، لذلك تُعتبر اللغة اليونانية هي اللغة الأصلية لكتابات الآباء، وحل محلها جزئياً في الشرق لغات محلية مثل السريانية في سوريا، والقبطية في مصر، والأرمينية في أرمَينيا.

كانت كتابات الآباء باللغة اليونانية العامية وليست الكلاسكية Classical، فاللغة الكلاسيكية كان يستعملها الإغريق في الكتابة والشعر وتدوين الحوادث التاريخيّة، لكن اللغة العامية التي كانت تُسمَّى “كويني Koine”، والتي أصبحت من سنة (300 ق م.) حتى سنة (500م) اللغة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، ولغة الكتاب المقدس، ولغة آباء الكنيسة الأولى، وهي خليط بين الأدب الأثينيّ الفصيح والعامية.

لغة آباء مصر[30] :-

وفي مصر كان المصريّون يفضلون الكتابة اليونانية عن المصريّة “الديموطيقية”، نظراً للأتي:-

1- سهولة اللغة اليونانية عن الديموطيقية[31].

2- اللغة اليونانية كانت هي اللغة الرسمية المستخدمة في تدوين الوثائق، كما كانتْ هي لغة الحُكّام والمكاتب الحكومية والقضاء.. أثناء العصر البطلميّ والرومانيّ والبيزنطيّ، وامتدت بعد دخول العرب مصر في القرن السابع.

3- كانت اللغة اليونانية هي لغة الثقافة الهيلينية، فهي لغة المدارس والمثقفين، لِذا انتشرت اليونانية بين الطبقات المتعلّمة، وكتبوا أعمالهم بهذه اللغة، ليجتذبوا أكبر عدد من القرّاء.

4- هناك بعض الكلمات أُخِذتْ من اليونانية المصرية القديمة، لأنها كانت تعبّرعن ظواهر طبيعية غير معروفة عند المصريّين مثل السيول والجليد، أو تعبّر عن حيوانات لم تكن معروفة مثل الدب والديك.

5- كانت اللغة اليونانية هي لغة المجامع المسكونية.

ثم خرجت الكتابة باللغة القبطية نتيجة تدوين اللغة المصريّة بحروف يونانية مع الاحتفاظ ببعض الحروف الديموطيقية، فخرجت اللغة القبطية كآخِر مرحلة للكتابة المصريّة الفرعونية، وجاءتْ تسمية اللغة القبطية من أنَّ المصريّين في ذلك الوقت كانوا يُسمَّون أقباطاً، والقبطي معناه المصريّ.

وفي البداية قامت محاولات فردّية من المصريّين لتدوين لغتهم بحروف يونانية، وكان ذلك في العصور الوثنية، بدليل العثور على نصوص قبطية من العصر الوثنيّ لغتها مصرية وحروفها يونانية وبها بعض حروف ديموطيقية، وهذه النصوص محفوظة في كلِّ من متحفَي باريس ولندن، وكافة هذه المحاولات كانت وليدة الحاجة لسبب أو لآخَر، كما دخلت على اللغة المصريّة القديمة مفردات وتعبيرات يونانية وخاصة في العصر البيزنطيّ.

وحملتْ لنا اللغة القبطية كلمات لم نعثر عليها في المصريّة القديمة، كما اهملت كلمات مصرية قديمة عديدة، وبعد دخول العرب مصر واستخدام اللغة العربية دخلتْ كلمات من اللغة القبطية إلى اللغة العربية المستخدمة في مصر، فمن الكلمات القبطية التي دخلت العربية وظلت تُستَخدم حتى الآن: أسماء لمسميات مثل كلمة يم، قلة، ننوس، نونو، بصارة، رقاق، سلة، شونة، رمان، بلح، ومن أنواع السمك، البوري، والبنى، واللبيس، والراى، والشال …الخ.[32]

قام العلاَّمة القديس بنتينوس بترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة القبطية في القرن الثاني بمساعدة أكلمنضس السكندريّ. يعتبر هذا العمل من أدبيّات اللغة القبطية.

المصطلحات اليونانية :-

دخلت المصطلحات الدينية اليونانية إلى اللغة المصريّة القديمة عن طريق اليهود الذين تشتتوا وأقاموا بمصر، من خلال الترجمة اليونانية للعهد القديم (القرن الثالث ق.م)، فقد تكون انتقلت هذه المصطلحات خلال المناقشات الدينية بين اليهود والمصريّين مثل ملاك، رئيس كهنة، ذبيحة، مذبح، قربان، شريعة…الخ.

بعد دخول المسيحيّة مصر ازداداتْ عدد الكلمات اليونانية المستخدمة في اللغة المصريّة، إذ كُتب العهد الجديد باللغة اليونانية، وكانت صلوات الليتورجيات كلها باللغة اليونانية.

يقول “WARALL” أن القبطيّ يستنكف ترجمة المصطلحات اللاهوتية[33]، لذلك ظلّت المصطلحات اللاهوتية باللغة اليونانية حرصاً على المعنى اللاهوتيّ، لذا نُلاحظ استبقاء المصطلح باللغة اليونانية وسط الكتابة القبطية أو العربية بعد ذلك، وأصبح من الصعب استبدال هذه المصطلحات بألفاظ قبطية ليس لها نفس القيمة اللاهوتيّة.

كما أن هناك كلمات يونانية تُسْتَخْدَمُ في اللغة القبطية سواء في النص القبطيّ للكتاب المقدس، أو كتب الصلوات (خولاجي – إبصلمودية)…فمن المعروف أن كل اللغات تأخذ كلمات من لغات أخرى، ولا يُعَدُّ هذا قصوراً في اللغة بل يُعَدُّ توسيعاً للغة وتصير اللفظة الدخيلة معروفة في لغتها وغير لغتها.

كتابات الآباء واللغة العربية :-

مع دخول الإسلام مصر في القرن السابع الميلاديّ دخلت اللغة العربية، التي أضعفت من اللغة القبطية، وفي القرن الثاني عشر كانت الكتابة في نهرين العربية والقبطية، وفي القرن السادس عشر كانت اللغة العربية هي السائدة وخاصة في الوجه البحريّ، بينما بقيت اللغة القبطية في الوجه القِبْلِيّ حتى القرن السابع عشر.

وأول من كتب باللغة العربية في علوم الكنيسة، هو الأنبا ساويرس ابن المُقَفَّع أسقف الأشمونين في القرن العاشر، كما جاء بعده الأنبا ميخائيل مطران دمياط، والأنبا بطرس أسقف مليج، وأولاد العسال، والقَسّ بطرس السدمنتي.

 

وأخذتْ فوق ذلك تشجع كل واحد من بنيها بلغة أبائهم (2مكابين 21:7).

دوافع الكتابة عند الآباء:

يختلف الغرض الذي من أجله كتب الآباء من واحد لآخَر، فمنهم مَنْ كَتَبَ مُدافعاً ضد هرطقة معينة، أو لتوضيح موضوع غامض، ومنهم مَن كتب بهدف التعليم الروحيّ والكتابيّ، فلم يكن الغرض من كتابات الآباء هو الكتابة في حد ذاتها، بل من أجل التعليم الإلهيّ، حيث نجد أن القديس أكْلِمَنْضُس السكندريّ يقول في كتاب المتنوعات: “لم أضع هذا الكتاب في إتقان ومهارة للمُباهاة، وإنما هو ذكرياتي التي ادخرتها لأيام الشيخوخة فتكون دواءً للنسيان، صورة مبسطة وتخطيطاً مُجملاً لتلك الكلمات القوية الحيّة، التي كان لي شرف سماعها من أولئك المغبوطين الجديرين بالاعتبار من الرجال”.

ويمكن درج هدف كتابات الآباء في النقاط الآتية:-

1- الكرازة وتفسير الكتاب المقدس.

2- تفنيد آراء الهراطقة والرد عليهم وتوضيح العقيدة السليمة.

3- التلمذة وغرس المباديء الروحيّة من الآباء للأبناء.

4- المحافظة على ليتورجيات الكنيسة من قداسات وخدمات طقسية حفاظاً على الروح الواحدة للكنيسة..

5- تسجيل تاريخ الكنيسة وسير الآباء القديسين حتى نقتدي بهم.

الروح القدس وعمله في حياة الآباء وكتاباتهم:

الكنيسة الأرثوذكسية هي كنيسة إنجيلية آبائية، فالآباء يتكلمون بالروح القدس الذي كان يعمل مع الآباء الرسل، وذلك حسب وعد السيد المسيح: “وَأَمَّا الْمُعَزِّي الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لّكُمْ” (يو 26:14)، فالروح القدس الذي حل على الآباء الرسل يوم الخمسين هو الذي يعمل في الكنيسة ويقودها إلى يومنا هذا وإلى الأبد “لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأّبَدِ” (يو 16:14)، وهذا يظهر في مجمع أورشليم الذي انعقد بخصوص ما حدث في كنيسة أنطاكية من جهة الختان، فيقول معلمنا القديس يعقوب الرسول: “لأَنَّهُ قَدْ رَأى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحَنُ” (أع 28:15)، أي أن المشرِّع في الكنيسة هو الروح القدس، كما قال السيد المسيح: “مَتَى جَاءَ ذَاكَ رُوحُ الْحَقِّ فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَميعِ الْحَقِّ” (يو 13:16)، ويقول القديس إيريناؤس ” الإيمان تلقّيناه من الكنيسة ونحن له حافظون، وبِعمل روح الله، يُشبه شيئاً ثميناً محفوظاً في إناء قيّم فيتجدَّد دوماً ويُجدَّد أيضاً الإناء المحفوظ فيه… حيث تكون الكنيسة، هنالك يكون روح الله؛ وحيثُ يكون روح الله، هناك تكون الكنيسة وكُلُّ نعمة”[34]. وهذا أيضاً ما يؤكده القديس كيرلس الكبير في تفسيره لإنجيل يوحنا: “إننا لا نستطيع أن ندخل إلى الحقيقة الإلهيّة ما لم نستنير بعمل الروح”[35].

ولما كان العماد هو التمتع بقيامة الرب فينا، لذا فقدُ دعِيَ هذا السر “استنارة”، فالمؤمنون يستنيرون عن طريق سر المعمودية، فيقول القديس أكْلِمَنْضُس السكندريّ: “إذ نعتمد نستنير، وإذ نستنير نتبنى وأذ نتبتى نُكَمَّل”، ويقول أيضاً: “يُدعَى هذا الفعل – سر المعمودية – بأسماء كثيرة أعني نعمة واستنارة وكمالاً وحميماً، فهو استنارة به نرى نور القدوس الخلاصيّ أعني أننا به نشخص إلى الله بوضوح”.

كذلك القديس غريغوريوس النزينزيّ يقول: “الاستنارة التي هي المعمودية، هي مُعِيِنة الضعفاء، واهبة النور ونَقضُ الظلمة .. وهي مَركْب يسير تجاه الله برفقة المسيح أساس الدين، تمام العقل، مفتاح الملكوت، استنارة الحَيَاة”.

المعمودية مصدر لاستنارة عقل الإنسان المُظلم بسبب السقوط، ففيها يُمنَح النور بواسطة الروح القدس، للمعتمد الذي به يُعاين النور”، ومن هنا أتت صفة “الاستنارة” للمعمودية، وهكذا تصبح بالمعمودية نعمة الروح القدس غير المخلوقة، هي سبب وعلّة تَجلّي الإنسان الداخليّ الذي دُعى كي يَسعَى مُتنقلاً من مجدٍ إلى مجدٍ، فالروح القدس يُعطي للآباء الاستنارة….

الاستنارة Enlightment  :-

هي اصطلاح يُعبّرعن العين الداخلية، القادرة على استقبال حقائق الله التي يكشفها الروح القدس للإنسان، كما تُعني الكلمة أيضاً الفرح والمجد وتُحوّل الشخص وتُغيّره بالكامل، فعندما يقول القديس بولس الرسول: “مُسْتَنِرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ” (أف 18:1)، فإن الذهن المقصود هنا هو قدرة الوعي الداخليّ على النَظَرِ إلى الأمور التي يستعلنها الروح، فيفرزها ويكشف مقدار الحكمة فيها ويستوعبها ويفهمها ويستذكرها، وفي حديثه يطلب القديس بولس من الله أن يهبنا روح الحكمة والإفراز ثم يعطينا قدرة داخلية لاستيعاب وفهْم ما يعمله الروح داخلنا.

يقول القديس كيرلس الكبير “لستُ أدَّعِي أنني أقول شيئاُ أفضل من الذي قاله أسلافنا، أو أنني أصيغ الأمور الروحيّة بشكل أحسن، لأننا نّجِدُ كفايتنا فيما كتبه الآباء القديسون، لأن مَنْ يُقرر أن يتعرّف بحكمة على الآباء ويستخدم كتاباتهم بالحرص الواجب، فسوف يَسكُنُ النور الإلهيّ في عقله”، كما يقول “لا ينبغي بمن يخلفون (الآباء) أن يؤمنوا بأي شيء آخَر سوى ما أجمع عليه القدماء من الآباء القديسين في المسيح”[36]، ويقول القديس باسيليوس الكبير عن الروح القدس، أنَّه مصدر القداسة والنور العقليّ والذي يَهِب كل الخليقة الاستنارة لفهم كل شيء[37]، كما يقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم “بالروح القدس يتمتع المؤمنون بمهارة النظر إلى المعاني المخزونة في الداخل”[38].

فكتابات الآباء كُتِبتْ بعمل الروح القدس فيهم، وذلك يرجع إلى أنَّ حياتهم ونقاوة قلوبهم كانت مُعدة ومُهيأة لعمل الروح القدس، فهم عاشوا حياة روحية عميقة، عاشوا حياة المفاهيم الروحيّة للكنيسة وعقائدها، غَلَبوا قُوَى الشر بفعل الروح القدس الذي كانوا مستنيرين به ومُلَهمين من الله. حتى قراءة الكتب المقدسة وفهمها يتطلب الحَيَاة المقدسة، يقول القديس أثناسيوس: “إن تفتيش الكتب، ومعرفتها المعرفة الحقيقية، يتطلبان حياة فاضلة، ونفساً طاهرة، والفضيلة التي بالمسيح، حتى إذا ما استرشد بها العقل، وأنار بها طريقه، استطاع أن يصل إلى ما يصبو إليه، ويدركه حسبما تستطيع الطبيعة البشرية أن تتعلمه عن كلمة الله.

لأن بدون الذهن النقيّ ومماثلة سير القديسين، لا يستطيع الإنسان أن يُدرك أقوال القديسين، إذ كما أنه إن أراد أحد أن يبصر نور الشمس، فإن عليه أن يمسح عينيه ويجليهما مطهراً نفسه على مثال ما يبتغيه، حتى إذا ما استنارت العين استطاعت أن تُبصر نور الشمس، أو كما أنه إن أراد أحد أن يرى مدينة أو قرية، وجب عليه أن يأتي إليها لكي يراها، هكذا أيضاً يجب على كل مَن يريد أن يُدرك فكر الذين يتكلمون عن الله، أن يبدأ بغسل وتطهير نفسه، بتغيير مجرى حياته، ويقترب إلى القديسين أنفسهم بالاقتداء بأعمالهم، حتى إذا ما اشترك معهم في السلوك في الحَيَاة المشتركة، استطاع أن يفهم هو أيضاً ما أعلنه الله لهم”[39].

كذلك يقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم: “لا نقدر أن نكتشف معاني الكتب الإلهيّة ونحن مهملون أو نائمون، يحتاج الأمر إلى بحث دائم وصلاة حارة حتى نقدر أن نجد لنا طريقاً بسيطاً في أسرار الأقوال الإلهيّة”[40]، كما يقول العلاَّمة اوريجانوس: “إن كنت محتاجاً إلى عون الله على الدوام … فإننا نحتاج دائماً إلى الروح القدس لكي نفهم الكتب المقدسة، الآنَ هو وقت أن يُعينني ويُظهر لي معنى كلماته”[41]، لذا كانت كتابات الآباء ليست مكتوبة بأسلوب منطقيّ أو فلسفيّ، إلاَّ أنها كتابات بسيطة نابعة من القلب ومن الحَيَاة المعاشة وهذا هو سر قوتها.

كذلك نجد أن كل أبُ يقدِّم الروح القدس الساكن فيه شيئاً جديداً “ليس هرطقة جديدة أو حقيقة إلهية جديدة”، ولكن توضيحاً جديداً وخبرة مُعاشة وتفسير، امتداداً للمعرفة الإنجيلية والآبائية السابقة. قدموا تَوسّعاً في المعرفة الإلهيّة وليس تَطوّراً لها، فالأساس واحد ولكن الروح القدس لا يُلغي حرية الكاتب أو يُلغي شخصيته أو ثقافته، لذلك نجد مناهج روحية مختلفة وكلها صحيحة تؤدي إلى شخصية واحدة هي شخصية ربنا يسوع المسيح.

لنري مثال لاختلاف الرؤيا عند الآباء يُؤدي لهدف واحد هو التوبة:

راهبان تركا الدير وذهبا ليبيعا عمل اليد الذي كان يعمله الآباء في الدير، وأثناء ذلك سقط أحدهم في خطية الزنا، وعندما قابل أخاه أخبره أن يرجع هو واعتذر عن عدم قدرته على الرجوع وأعلمه بالسبب، فلما علم أخوه أخبره أنه هو أيضاً سقط ويمكن أن يعودا ويقدما توبة، ليكسبه للمسيح من أجل محبته، فرجعا وحصلا على قانون من رئيس الدير أن يمكثا لمدة عام في القلاية للتوبة والاعتكاف، في نهايته ظهر أحدهما نحيفاً سقيماً عابس الوجه، بينما بدا الآخَر ممتلئاً مبتهجاً باسم الطلعة، وإذ تحيَّر الشيوخ في أمرهما، سألوهما عن السبب فقال الأول: إنه كل يوم يذكُر خطاياه، والعذاب المُعد للأشرار، بينما قال الثاني إنه كان يشكر الله كل يوم إذ أتاح له فرصة التوبة …وتأكد الشيوخ أن توبة كليهما مقبولة أمام الله[42]، فالأُسلوبان قادا إلى التوبة مع أنهما مختلفان.

جاءتْ قصة أخرى في البستان: “حدث مرة أن جاء أخ غريب إلى الأسقيط ليبصر الأنبا أرسانيوس، فأتى إلى الكنيسة وطلب من رجال الإكليروس أن يروه أياه، فقالوا كُل كسرة خبز وبعد ذلك تبصره، فقال: لن أتذوقْ شيئاً حتى أُبصرهُ. فأرسلوا معه أخاً ليرشده إليه لأن قلايته كانت بعيدة جداً، فلما قرعا الباب، فتح لهما فدخلا وصليا وجلسا صامتين. فقال الأخ الذي من الكنيسة: أنا مُنصرف فصلّيا من أجلي، أما الأخ الغريب فلما لم يجد دالة عند الشيخ قال: وأنا منصرف معك كذلك. فخرج معاً، ثم طلب منه أن يمضي به إلى قلاية أنبا موسى الذي كان أولاً لصاً، فلما أتى إليه قبله بفرح ونيح غربته وصرفهُ.

فقال له الأخ الذي أرشده: ها قد أريتك اليوناني (أنبا أرسانيوس) والمصريّ (أنبا موسى)، فَمَن مِن الإثنين أرضاك؟ أجابه قائلاً: أما أنا فأقول أن المصري قد أرضاني. فلما سمع أحد الأخوة ذلك صلى إلى الله قائلاً: يا رب اكشف ليّ هذا الامر، فأن قوماً يهربون من الناس من أجل اسمك، وقوماً يقبلونهم من أجل اسمك أيضاً. وألح في الصلاة والطلبة فتراءت له سفينتان عظيمتان في لُجة البحر، ورأى في أحدهما أنبا أرسانيوس وهو يسير سيراً هادئاً وروح الله معه، ورأى في الأخرة أنبا موسى وملائكة الله وهم يطعمونه شهد العسل …الأسلوب الذي اتبعه كلٌ من الأبوينِ صحيح، لكنهما مختلفان[43].

هناك فارق كبير بين الوحي والتفسير، فالوحي يتعلق بطبيعة الكتاب المقدس ومصداقيته لأنه كلمة الله المكتوبة (2تي 16:3)، أما التفسير فيتعلق بمعنى الكلمة المكتوبة، وعليه فمن الممكن جداً أن يتفق الكثيرون على الأمر الأول، ولكنهم قد يختلفون كثيراً على الأمر الثاني، فقد يتفق شخصان على أنَّ الأصحاح الأول من سفر التكوين هو سجل جدير بكل ثقة، ولكنهما قد يختلفان في تفسير معنى كلمة “يوم”، فالروح القدس الناطق في الوحي يَحِثُّ ويَدفعُ للكتابة ويُعطى الموضوع ويترك للكاتب حرية التعبير بلغته وأُسلوبه وثقافته، ويَعصِمَه من الخطأ من جهة الكتابة، وليس من جهة شخصه، بينما يُعطى للآباء استنارة للتفسير، ومِن هنا جاء سلطان الآباء..

سلطان الآباء:

يُمَثِّلُ الآباء القديسون فكر الكنيسة الجامعة الذي تسلّمته من الآباء الرسل بفعل الروح القدس، الذي يَعملُ بلا انقطاع في حياة الكنيسة، يقوم هذا السلطان على عاملين :-

الأول: إنهم عاشوا حياة مُقدَسّة وفقاً للأمانة التي استلموها، فهم شهدوا للحياة الكنسيّة وحافظوا على الإيمان الواحد ” الإيمان الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِين” (يه3) رغم اختلاف ثقافتهم وأماكنهم. اتسمت سيرة الآباء بالقداسة والأمانة في استلام وديعة الإيمان الحيّ من أيدي الرسل، لذلك فهم أقدرعلى الشهادة للحياة الكنسيّة من كل جوانبها، خاصةً وأنهم يَحملون الفكر الواحد، بالرغم من اختلاف الثقافات والمواهب والظروف، مع بُعد المسافات بين الكراسيّ الرسوليّة وصعوبة الاتصالات في ذلك الحيّن.

الثاني: للآباء فكر الكنيسة الواحد، المُسّلم من الآباء الرسل بعمل الروح القدس، فكما يقول القديس أُغسطينوس: “الآباء تمسكوا بما وجدوه في الكنيسة، وعملوا بما تعلموه وما تسلموه من الآباء وأودعوه في أيدي الأبناء[44] .. مَن يحتقر الآباء القديسين يحتقر الكنيسة كلها”[45].

هذا السلطان لا يرجع لشخصياتهم، فهذا لا يعني عصمة الآباء كأفراد، وإنما تعيش الكنيسة الجامعة ككل محفوظة بروح الرب، فلا نستطيع أن نُنكر إمكانية خطأ الآباء، فالكنيسة الأرثوذكسية لا تعصم أحداً من الخطأ، كما وقعت فيه الكنيسة الكاثوليكية التي تؤمن بعصمة البابا؛ فالآباء منهم مَن وقع في أخطاء جوهرية عقائدية مثل مقدنيوس بطريرك القسطنطينية عدو الروح القدس، ونسطور عدو العذراء. وقد حاكمتهم الكنيسة الأرثوذكسية في المجامع المسكونية، ولما لم يعترفوا بخطأهم قطعتهم من شركتها.

“اسأل القرون الأولى وتأكد مباحث آبائهم” (اي 8:8)

 

[1]  نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى- للقمص تادرس يعقوب ملطي – الطبعة الأولى فبراير 2008- ص1.

[2]  -المحيط الجامع في الكتاب المقدس والشرق القديم – المكتبة البوليسية – لبنان- الطبعة الأولى 2003- راجع كلمة أب- ص7.

[3] -Ency. Of Early Church, Oxford Univ. Press, New York, 1992, p.320.

[4] -J. Quasten.Patrology. Vol. 1,p. 9-12

[5]  – د نصحي عبد الشهيد – مدخل إلى علم الآباء باترولوجيا يوليو 2000 – ص7.

[6]  – ضد الهراطقة 1:32:4 مجموعة آباء الكنيسة اليونانية 1071:7

[7] – Cont. Jul. 1,7,34

[8]  – ضد الهرطقات – الكتاب الرابع فصل 41 فقرة 2.

[9]  – المتنوعات 1:1 و 2- 1:2.

[10] – Les premiers martyrs de I’Eglise, 12, Paris, 1979.

[11]  – هناك شرط خامس جاء في كتاب – نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى “للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص2: مشاركته في الأدب المسيحيّ: أن يكون واضعاً لمقالات أو كتب أو رسائل..إلخ، ليس بالضرورة أن يكون هو كاتبها، فالكثير من تراث الآباء جاءنا نقلاً عن أبنائهم الروحيين، أو نقله إلينا الرحالة خلال مناظراتهم.

[12]  – د. جوزيف موريس فلتس – كورسات متخصصة – مركز تدريب الخدام – أسقفية الشباب – يونية 2001م – مدخل إلى الآبائيات – ص12 – راجع – Vincet de Lerins . N.&P.N. Fathers 2nd ser. Vol. 11,com. Ch. 29, p154

[13]  – عالِم في العلوم اللاهوتية في كنيسة روما، ويُعَدُ من أكثر الكتّاب دقة في انتقاء الألفاظ وله كتابات كثيرة باللغة اللاتينية، إلاً أنّه سقط في بدعة المونتانية التي نادتْ بتجسيد كنيسة الروح القدس الحقيقية، ولها نزعة نبوية غير مضبوطة، لذا لم يُدعَى أباً، وقد توفّى عام 220م.

[14]  – سوري الأصل، تلميذ القديس يسطنيانوس، انفصل عن الكنيسة وأسس شيعة، وحَّد الأناجيل الأربعة في كتاب واحد سُمى “دياطسرون” اُستعمل في الطقس الأنطاكيّ حتى القرن الخامس، وكانت وفاته في سنة 172م.

[15]  – من أشهر مدرسي مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، له سلسلة مواعظ كثيرة في الكتاب المقدس، وكتابات كثيرة لاهوتية، إلاّ أنَّه سقط في عدة بدع لاهوتية، لذا لا يعد من آباء الكنيسة، وكانت وفاته في 253م.

[16]  – يوسابيوس القيصريّ – تاريخ الكنيسة – ترجمة القمص مرقس داود – الطبعة الثالثة 1998 – . ك7، ف7، ص 306.

[17] – Timothy Ware: The Orthodox Church, Maryland 1969, p.212.

[18]  – راجع الخولاجي المقدس – تحليل الخدام.

[19] – De Viris I11. Prol., EP112,3 مشاهير الآباء :

[20]  – دكتور نصحي عبد الشهيد – مدخل إلى علم الآباء – المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية – يوليو 2000 – ص9.

[21]  – مدينة في فريجية.

[22] – Athanasius: Ep. Ad Afros 6.

[23]  – موضوع الحوار حول الفرق بين قولنا المجد للاب والابن والروح القدس، أو قولنا بدل “والروح القدس” ، “مع الروح القدس”. وتأثيرها على اقنومية الروح القدس

[24]  يقصد بالمجدلة، ذكصولوجية “ذوكصابتري: المجد للاب والابن والروح القدس”، وهي ذكصولوجية قديمة جداً في الكنيسة، واستشهد بها القديس باسيليوس في دفاعه عن ألوهية الروح القدس – راجع د. جوزيف موريس فلتس – ألوهية الروح القدس – 1994 ص5

[25]  رسالة القديس باسيليوس الكبير إلى أمفيلوخيوس عن الروح القدس رأس 71:29 ،72 – تعريب الارشمندريت ادريانوس شكور 1979- ص 122،123.

[26] – Ad Monach PG 77:12,13.

[27] – Adv.Nest. 4:2.

[28]  – رسائل القديس كيرلس الكبير – الجزء الرابع – رسالة 55 شرح قانون الإيمان – الناشر مؤسسة القديس أنطونيوس .ص28.

[29] – J. Quasten.Patrology. Vol. 1,p.20.

[30]  – راجع كتاب صفحة من تاريخ القبط، القبط في ركب الحضارة العالمية – دكتور مراد كامل.

[31]  – كانت الديموطيقية أكثر أنواع الكتابة، التي طوّرها قدماء المصريين، اختصاراً واتصالاً، وقد أصبحت الديموطيقية كتابة الإستخدام اليوميّ، بداية من منتصف القرن الثامن قبل الميلاد؛ وحتى القرن الرابع الميلاديّ. ويأتي مصطلح “ديموطيقي” من الإغريقية بمعنى “شعبيّ”، ومن الواضح أن الديموطيقية قد تطورت في مصر السفلى (الوجه البحريّ) خلال الأسرة السادسة والعشرين؛ وقد تطورت الديموطيقية أساساُ من الهيراطيقية.

[32]  – راجع مجدي عياد يوسف – مدخل إلى اللغة القبطية واللغة اليونانية – الطبعة الأولى 1997 – الفصل الثاني – ص112- 120.

[33]  – –Warrell: A Short Account of the Copts, Michigan, 1955  عن مقدمات في علم الباترولوجي – القمص تادرس يعقوب ملطي – الطبعة الأولى – 1984 –ص 23.

[34]  – ضدّ الهرطقات 3، 24، 1

شرح انجيل يوحنا[35] – PG 73 . 16 A.     

[36]  -Vincet de lerins .LNPN Fathers 2nd ser. Vol. 11,com. Ch. 33, p156

[37]  – القديس باسيليوس الكبير – مقال عن الروح القدس. الناشر رابطة الدراسات اللاهوتية في الشرق الأوسط – 1979 – تعريب الارشمندريت ادريانوس شكور – الرأس 9 – فقرة 22، 23 ص 40.

[38] – In 1 Cor., hom 7:2.

[39]  – القديس أثناسيوس الرسوليّ: تجسد الكلمة 1:57،2،3.

[40] – In Jon .hom 32:3.

[41] – In Ezek. Hom 11:2.

[42]  – بستان الرهبان – لجنة التحرير والنشر بمطرانية بنى سويف – طبعة 1976 – ص298.

[43]  – بستان الرهبان – نفس المرجع السابق – ص57 ، 58.

[44] – St. Augustine: Contra Julian, 11 9.

[45] – St. Augustine: Contra Julian 37.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

علم الآباء 1 – تعريف علم الباترولوجي Patrology

علم الآباء 3 – صور وتصنيف كتابات الآباء

علم الآباء 3 –  صور وتصنيف كتابات الآباء

علم الآباء 3 –  صور وتصنيف كتابات الآباء

صور كتابات الآباء

تنوّعت الصور التي استخدمها الآباء في التعبير عن موضوع كتاباتهم على حسب الصورة التي تخدم المؤمنين؛ فلم يكن اهتمامهم يرجع للصورة الأدبيّة للنصوص المكتوبة بل استخدموا الرسائل، المواعظ، النصوص، الشعر كما يأتي:

  1. الرسائل:

تركّزت أكبر صورة لكتابات الآباء على الرسائل، التي أخذت أكبر قدر من كتاباتهم، ونحن بصدد الحديث عن كتابات الآباء، نوضح أنها لم تكن بهدف الكتابة فقط، فقد كان لكل رسالة هدف واضح لأجل بناء الكنيسة ونفع المؤمنين، في إما تعالج مشكلة في الكنيسة، مثل رسالة القديس أكْلِمَنْضُس الروماني على كنيسة كورنثوس، والتي تعالج موضوع الانقسام الحادث عندهم، أو للرد على أسئلة صعبة سواء في التفسير أو في اللاهوت، أو بهدف التعليم، إذ أن رسائل الآباء مملوءة بالتعاليم النافعة.

ويمكن تصنيف الرسائل إلى الآتي:

  • رسائل موجّهة لحكام.
  • رسائل لتنظيم الكنيسة.
  • رسائل للرد على البدع والهرطقات.
  • رسائل لاهوتية.
  • رسائل تعليمية.
  • رسائل في تنظيم الحياة الاجتماعية.
  • رسائل فِصْحِيّة.
  • رسائل تعزية.

وقد كان هناك تقليد قديم استمر إلى عهد قريب، ألا وهو: أن يكتب الآباء أو الأب البطريرك رسالة في عيد القيامة “عيد الفصح” تُقرأ في الكنائس كلها، تحقيقاً لمبدأ الوحدانية الكنسية والتعليمية والرعويّة.

من أشهر الآباء الذين كتبوا رسائل:

القديس أثناسيوس الرسوليّ (328 -373م):

كتب القديس أثناسيوس الرسوليّ فصحية، كما كتب أربعة رسائل للقديس سيرابيون في ألوهية الروح القدس عام 359م، كما كتب رسائل عقائدية في تعاليم ديونيسيوس عام 352م، وفي قوانين مجمع نيقية عام 350، 351م، كما كتب رسالة عامة إلى الأساقفة 340م، كما كتب رسائل أخرى.

القديس غريغوريوس النزينزي (329 -390م):

وهو من أول مؤلف باليونانية ينشر رسائله، وذلك بناء على طلب نيكوبولس Nicobulus حفيد أخته جورجونيا، بغير قصد وضع نظرية “كتابة الرسائل”، إذ طلب أن تكون قصير وواضحة ولطيفة وبسيطة… (رسالة 51، 54).

وقد كتب غريغوريوس رسائل عديدة وصلنا منها (245) رسالة أكثرها شخصية، لذويه وأصدقائه لبعضها أهمية لاهوتية، خاصة الرسالتين إلى الكاهن كليدونيوس نحو 382م وفيها الرد على الأبوليناريين، اعتمد منهما مجمع أفسس 431م مقطعاً كبيراً. كذلك الرسالة إلى نكتاريوس الذي خلفه على كرسي القسطنطينية وكان سابقاً لذهبيّ الفم، لكي يحض الإمبراطور ثيودوسيوس على محاربة الهراطقة، فاستجاب الإمبراطور وحظر على الأريوسيين عقد الاجتماعات ورسامة الأساقفة[1]. قد تبادل الرسائل ليُعبر عن أفكاره ومواقفه، ولكي يُجيب أيضاً على أسئلة كنسية واجتماعية…

وتُعد هذه الرسائل صورة صادقة عن إنسان شريف لا يتردد في قول الحقيقة، وتتحلى رسائله بالإيجاز والتماسك والجمال[2].

القديس باسيليوس الكبير (330 -379م):

كتب رسائل عددها (366) رسالة، في الفترة ما بين (357 -379م)، وهي توضح صوراً كثيرة، وتحتوي على مواضيع عديدة مختلفة حول الحياة النسكية والرهبانية والصداقة والمحبة[3].

تحمل رسائل القديس باسيليوس أهمية كبيرة إذ تنطوي على موضوعات لاهوتية وتاريخية ونسكية، وهي تكشف عن أخلاق وطباع كاتبها الذي وإن كان يقسو أحياناً لكنه لا يلبث أن يلين في فيض من الروحانية[4].

القديس أغسطينوس (354 -430م):

كتب أكثر من 270 رسالة، من (386 إلى 429م)… لجهات مختلفة، بعضها يحوي أبحاثاً فلسفية ولاهوتية ورعوية عملية أهمها التي وجهها إلى جيروم[5]. ونذكر من بين هذه الرسائل:

  • حرية الإرادة (388 -395).
  • التعليم المسيحيّ (397 -426).
  • في المعمودية ضد الدونابيين (401).
  • في النعمة ضد بيلاجيوس (415).
  • في الثالوث (399 -419).
  1. المواعظ:

العظة في القرن الثالث تميزت بالاتجاه إلى البحث عن التوازن والمنهجية، في تُشكل مرحلة انتقالية بين طابع العظة الخاريزماتيكي، والعفوي كما في عصر الرُسل وعصر الآباء الرسوليين، إلى القرن الثالث.

أخذ الوعظ في الكنسية وضعه في القرنين الرابع والخامس، مع انتشار المدارس الفلسفية وظهور مدرسة الإسكندرية بمُعلّميها، والحاجة إلى خطاب كنسي قوي لبنيان المؤمنين، ولمواجهة احتياجات الحوار مع المثقفين الوثنين من الخارج ودحض البدع والهرطقات من الداخل. ومن ثم ارتفع مستوى ثقافة الإكليروس والشعب[6]، إذ كان يركّز على التعاليم العقائدية لمواجهة الهرطقات.

وكانت العظات تشمل تفاسير للكتاب المقدس، مثل تفسير القديس أُغسطينوس للمزامير، الذي كان عبارة عن مجموعة عظات، كذلك تفاسير القديس يوحنا ذهبيّ الفم، معظمها عظات في الأعياد…

كذلك القديس إغريغوريوس النزينزي له 45 عظة قدمها في أهم فترة في حياته من 379 -381م، حينما كان أسقفاً على القسطنطينية، جاذباً أنظار العالم إليه.

  1. نصوص عقائدية وليتورجية:

في القرون الأولى للكنسية كانت هناك نصوص خاصة بكل كنيسة محليّة، تتضمن بنود الإيمان وصلوات الليتورجيات المختلفة… ورغم أنّها كانت خاصة بكل كنيسة، إلا أنها كان لها مضمون واحد ومحتوى عقيدي وروحي واحد.

بعد المجامع المسكونية وإقرار قانون الإيمان النيقاويّ القسطنطينيّ، أصبح هناك نصّ واحدٌ لإيمان الكنيسة الجامعة في كل مكان، وفيما يخص الليتورجية كان هناك ليتورجيات كثيرة، ولكن كل منها تشتمل على عناصر أساسية مشتركة؛ على مثال ما فعله السيد المسيح في تأسيس سر الإفخارستيا للتلاميذ، مثل: الشكر، التسبيح، الطلبات، التعليم…

وتُعدٌ أشهر الليتورجيات هي: ليتورجية القديس باسيليوس أسقف قيصرية كبادوكية في آسيا الصغرى (القرن الرابع)، وليتورجية القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات النزينزيّ (القرن الرابع)، وليتورجية القديس كيرلس عمود الدين (القرن الخامس).

كما كانت هناك ليتورجيات المعمودية، وقد تحدّث ابن العسّال في “المجموع الصفوي” عن التعميد، من جهة أحكامه والقوانين المتعلّقة به والصلوات الخاصة به، ففصّل أحكامه وأورد القوانين المتعلّقة به، ثم قال: “قد وضع في البيعة القبطية كتاب خاص بالتعميد مشتق من القوانين، مُشتمل على كيفية التعميد وجميع الصلوات المخصوصة به والاعتماد عليه في ذلك. ويجب التحرُز العظيم فيه[7].

هناك أيضاً ليتورجيات خاصة بترتيب صلوات وطقوس رسامة وتكريس كل من الأب البطريرك والأسقف والمطران والقس والإيغومانس (القُمصّ) والشماس والرهبان والراهبات ورئيسة الراهبات…، وأيضاً تحوي شروط وكفاءات المتقدّم للرسامة في كل درجة من الدرجات كما تشرح وتفسر بعض القوانين وتدعم بعض التحديدات والتحريمات فيها[8].

كذلك ليتورجية خاصة بصلوات سر الزيجة، ثم كتب صلوات تدشين الكنائس، وعمل الميرون المقدس، وتبريك المنازل الجديدة، وقدّاس اللقان، وتقديس زيت مسحة المرضى، وباقي الأسرار الكنسيّة.

  1. الشعر:

وقد كتب آباء كثيرون بطريقة شعرية، ويشمل ألحان الكنيسة بنغماتها الأصلي، وتُعد الإبصلمودية بما تحتويه، من وضع الآباء، ويُطلق عليها شعر ليتورجي، وقد وجد شعر كنوع آخر يسمّى “الشعر غير الليتورجي، وهو شعر تأمليّ روحي، بشرط أن تتفق هذه الأشعار مع العقيدة الأرثوذكسية.

من أشهر الآباء الذين كتبوا بلغة شعرية:

القديس مار أفرام السرياني (203 – 273م):

كان القديس مار أفرام السرياني غزير الإنتاج فوق العادة حيث يذكر مؤلف “الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة”[9]، 12 ألف قصيدة، 550 مدراشاً، وغير ذلك الكثير من الصلوات والابتهالات[10].

يعد من أشهر مَن كتب شعراً كنسيّاً حيث دُعي قيثارة الروح، واستخدم أناشيد عقائدية قاوم بها الهرطقات، وإذ رأى أحد الهراطقة قد ألّف (150) نشيداً تحمل عقائد خاطئة يترنم بها الشعب، ألّف هو أيضاً (150) نشيداً بذات النغم مع استقامة الإيمان وعذوبة الأسلوب وقوته، فحلّت محل الأناشيد الأولى[11].

وتظهر كتاباته الشعرية فيما يعرف بالميامر: وهي مواعظ شعرية على بحر واحد، تتناول العقيدة والأخلاق المسيحية، وقد نشر قسماً كبيراً منها المستشرق أدموند بك في (مجموعة الكتبة المسيحيين الشرقيين CSCO)[12] في لوفان، ينصها السرياني مع ترجمة ألمانية أو لاتينية، وكان قد نشر ميامر عن الإيمان رقم 212/213 سنة 1961، وأخرى عن ربنا رقم 270/271 سنة 1966، وميامر عن أسبوع الآلام رقم 412/413 سنة 1979. كما نشر “كرافن” ميامر عن المائدة (الإفخارستيا) في الشرق السريان عدد 4 سنة 1959، وميمراً عن نيقوديموس نشره “ش. رينو” في الباترولوجيا الشرقية مجلد 37 جزء 2 سنة 1975.

وبجانب الميامر هناك المدرايش: وهي ترانيم منظومة على أوزان الشعر المختلفة، ومُلحّنة وتدور حول مواضيع كتابية وإيمانية وأخلاقية، وكانت جوقته الكنسيّة تنشد معظمها خلال الصلوات الدينية والاحتفالات.

القديس غريغوريوس النزينزي (329 -390م):

له قصائد شعرية كتبها في أواخر حياته، وفي خِلْوته بأرينز [13]Arianzum، ولم يبق منها سوى (400) قصيدة، في أحدها سجل لنا سبب اتجاهه للشعر في أواخر حياته، ألا وهو: ليعبر عن إحساسه وخبرته وليقدم للشباب ومحبي العلم والقراءة، لإظهار أن الثقافة المسيحيّة الجديدة ليست أقل من الثقافة الوثنية بأية حال، وليقاوم قرار يوليان، ولأن بعض الهرطقات كالأبولينارية تستخدم القصائد في نشر أفكارها، لهذا استخدم ذات السلاح للرد عليها.

وقد جاءت بعض قصائده لاهوتية، فقد كتب 38 قصيدة عقائدية في الثالوث، وعمل الله، والعناية الإلهية، والتجسد، ومعجزات السيد المسيح، كما كتب 40 قصيدة أخلاقية و99 قصيدة تاريخية، وهناك قصائد تعبّر عن نفس دقيقة تطلب الراحة في أحضان الله، وأخرى كلاسيكية في لغتها، فقد استخدم لغة هوميروس، التي لسبب صعوبتها لم تحتل مكانة كبيرة لدى الشعب، وشعره مصدر مهم عن حياته[14].

القديس أمبروسيوس (339 -397م):

يعتبر القديس أمبروسيوس “أبا الترنيم الكنسي اللاتيني” وهو أسقف ميلان وقد ترك تراثاً ثميناً، فمن جانبه اهتم بتنظيم العبادة الليتورجية العامة في ايبارشيته، حيث تحتل أناشيده جزءاً مهماً في صلوات السواعي في الكنيسة اللاتينية، فهي تخاطب القلب وتلائم ساعات النهار والأعياد، وتتسم بخفة الأوزان الشعرية[15]. فقدم تدبيراً ليتورجياً جميلاً يعتز بها أهل ميلان.

كما أدخل نوعاً من الموسيقى الكنسية دُعيت بالإمبروسية Ambrosian كلها ذات أوزان شعرية قصيرة ولها نغمة واحدة وهي غير مقفاة، ففيها تعبير هادئ ثابت وسلاسة ووضوح في الكلام، ولها خاصية الهيبة والوقار التي في لغة القانون والحرب، تختلف عن الكلام العامي للشعب، ويخُبرنا القديس أمبروسيوس والقديس أغسطينوس أن الشعب كان يترنم بها أثناء العمل وفي الطريق وفي المنزل، كما كانت تُنشدها مجموعات كبيرة في داخل الكنيسة[16].

القديس أغسطينوس (354 -430م):

كتب القديس أُغسطينوس (6 كتب) عالج فيها الإيقاع، كما كتب “مزمور ضد الدوناتيين” في 30 مقطعاً، كما كتب منظومة سداسية في النفس[17].

القديس ساويرُس بطريرك أنطاكية (459 -538م):

اهتم بالترنيم، كأب نزل إلى أبنائه الصغار ليضع لهم ترانيم بسيطة، وكان يؤلف الألحان ويرنمها وبهذا أحل الترانيم المقدسة عوض الأغاني المعثرة.

قيل إنه في أيامه كانت الميادين العامة تشبه الكنائس، إذ كان صوت الترانيم والتسابيح المقدسة يُسمع فيها عوض الأغاني العابثة[18].

  1. التفاسير:

أسهب الآباء في شرح وتفسير آيات الكتاب القدس بمناهج مختلفة، فقد كتبوا ووعظوا بما لا يستطيع أحد أن يحصره. كما سنرى

  1. القوانين الكنسية[19]:

تناولت كتابات الآباء أيضاً وضع قوانين، تعتمد أساساً على الكتاب المقدس وتعاليم الرسل، لتنظيم وضبط الحياة الكنسية، وأهم هذه الكتابات:

  1. الدسقولية:

تحوي على تعاليم وقوانين الرسل، ويلحق بها الديداكي (تعاليم الرب كما سلمه للرسل الاثني عشر)، وتسمل الدسقولية (28) باباً تختص بعمل كل رتب الإكليروس، وبناء الكنائس، والقدس الإلهي، وخدمة الأرامل والأيتام والشمّاسات والعلمانيين، وفيها تعاليم عن الصوم والتناول والتسبيح وأوقات الصلاة.

أما قوانين الرسل فهي (127) قانوناً نشرتها Potrologia Orientalis في كتابين، ولخصها القديس Hippolytus في مجموعته التي تُسمّى بالعربية “قوانين أبوليدس”، كما أرسلت على يد أكلمنضس الروماني، وسُميت في بعض المجموعات قوانين أكلمنصس.

  1. قوانين المجامع المسكونية والمحلية:

وتشمل قوانين مجمع نيقية المنعقد سنة (325م)، وهي عبارة عن (20) قانوناً، يضاف إليها قانون الإيمان، وقوانين مجمع القسطنطينية المنعقد سنة (381م) وهي (7) قوانين، يضاف إليها حروم القديس كيرلس عمود الدين ضد النساطرة وهي (12) حرماً.

  1. قوانين المجامع المحلية والإقليمية:

وهي المجامع التي انعقدت في إقليم ما، واقتصرت على أساقفة هذا الإقليم أو عدة أقاليم مجاورة، ولكن دون أن تأخذ صفة المسكونية، ولكن قوانينها حازت قبولاً واعترافاً من الكنيسة الجامعة، وهذه المجامع انعقدت قبل مجمع خلقيدونية سنة 451م وتشمل:

† مجمع أنقرا (سنة 314م) وأصدر 25 قانوناً

† مجمع قيصرية الجديدة (سنة 315م) وقد أصدر 15 قانوناً.

وكلا المجمعين السابقين قبل مجمع نيقية، وهناك مجامع إقليمية بعد نيقية، منها:

  • مجمع غنغرا وأصدر 20 قانوناً.
  • مجمع أنطاكية وأصدر 25 قانوناً.
  • مجمع سرديقية وأصدر 20 قانوناً.
  • مجمع لاوديكية وأصدر 60 قانوناً.

† مجمع قرطاجنة الذي يُسمى مجمع أفريقيا الذي انعقد سنة 419م وأصدر 136 قانوناً، وقد حضره 217 أسقفاً برئاسة القديس أورويسيوس كما حضره القديس أغسطينوس.

  1. قوانين الآباء الكبار:

وهي القوانين التي أصدرها الآباء القديسون، وغالبية هذه القوانين منشورة في الجزء الرابع عشر مجموعة Nicene & Post Nicene Fathers

  1. قوانين وضعها البابا ديونيسيوس الإسكندري (تنيح سنة 265م): 4 قوانين.
  2. قوانين وضعها البابا بطرس الإسكندري الملقب بخاتم الشهداء (استشهد 311م): 14 قانوناً.
  3. قوانين وضعها البابا أثناسيوس الإسكندري الملّقب الرسولي (328-272م): 107 قانوناً.
  4. القديس باسيليوس الكبير رئيس أساقفة الكبادوك (329 -279م): 106 قانوناً (وفي بعض المراجع 92 قانوناً).
  5. البابا تيموثاوس الإسكندري (تنيح سنة 355م): 17 قانوناً.
  6. القديس غريغوريوس أسقف نيصص (355 -395م): 8 قوانين.
  7. البابا ثاوفيلس الإسكندري (384 -412م): 14 قانوناً.
  8. هيبوليتس أسقف روما الملقب أبوليدس (170 -235م): 38 قانوناً.
  9. البابا كيرلس الإسكندري الكبير (412 -444م): 12 قانوناً.

10.القديس يوحنا ذهبي الفم بطريرك القسطنطينة (347-407م) 12قانوناً.

 القوانين التي صدرت في عصور متأخرة مثل قوانين البابا كيرلس بن لقلق، وقوانين البابا غبريال بن تريك، وقوانين وضعها بابوات كنيسة الإسكندرية (بعد مجمع خلقيدونية) وهي مُلزمة للكنسية القبطية فقط:

  1. البابا قزمان الثالث (920 – 932م)، والذي وضع فصولاً في المواريث وأحكامها.
  2. البابا خريستوذولوس (1047 -1077م).
  3. البابا كيرلس الثاني (1078 -1092م).
  4. البابا غبريال بين تريك (1131 -1145م).
  5. البابا كيرلس الثالث الملقب ابن لقلق (1235 – 1243م).

وهناك مَنْ اهتم بجمع القوانين، ومن أهمهم ابن العسال في كتابه “المجموع الصفوي”، لكن عليه ملاحظات وانتقادات[20].

تصنيف كتابات الآباء

لدراسة كتابات الآباء بصورة منظمة، تطلّب ذلك تصنيف كتابات الآباء على أُسس محددة، وقد اتبع طرق مختلفة أهمها:

1 – الأساس الزمني:

الأساس الزمني لتقسيم كتابات الآباء وفيه يعتبر أول مجمع مسكوني (325م) خطاً فاصلاً بين نوعين من الآباء ومن جهة كتاباتهم وتراثهم وهما:

مجموعة أباء ما قبل نيقية Ante Necene Faghers، ويشمل (24) مجلداً، وهي تتصف بالبساطة وتضم جميع كتابات آباء ما قبل القرن الثالث الميلادي.

عصر نيقية وما بعد نيقية Nicene and Post Nicene Fathers وهي تتسم بالقوة، وتضم كتابات القديس أغسطينوس ويوحنا ذهبي الفم، كما تضم كتابات آباء القرن الرابع مثل كتابات القديس أثناسيوس والقديس غريغوريوس النزينزي والقديس كيرلس الأورشليمي ويوسابيوس القيصري….

2 – اللغة التي كتبوا بها:

 تُقسم كتابات الآباء على أساس اللغة التي كتبوا بها إلى: آباء يونانيون، آباء لاتينيون، آباء أقباط، آباء سريان، آباء أرمن، وقد قام العالم Migne بمجهود كبير في تقسيم كتابات الآباء لمجموعتين:

  1. كتابات الآباء باللغة اليونانية (Patrologia Greece).
  2. كتابات الآباء باللغة اللاتينية (Patrologia Latina).

هذا إلى جانب كتابات باللغات القومية مثل القبطية والسريانية والأرمنية، هذا وقد تُرجمت كتب كثيرة من هاتين المجموعتين إلى اللغات الحديثة.

3 – المكان:

يقسم البعض، الكتابات حسب المناطق:

  1. كتابات آباء مصر، خاصة مدرسة الإسكندرية وآباء البرية.
  2. الآباء الأنطاكيون.
  3. الآباء الكبادوك.
  4. الآباء اللاتين.

كل مجموعة تحمل فكراً خاصاً واهتمامات خاصة تُنسب للظروف المحيطة بها، لذا جاءت كتابات كل منها إلى حد ما بطابعها الخاص.

4 – مادة الكتابة:

أحياناً يقوم التقسيم حسب مادة الكتابة كالآتي:

  1. كتابات دفاعية.
  2. تفسير الكتاب المقدس.
  3. عظات ومقالات.
  4. رسائل.
  5. ليتورجيات كنسية.
  6. كتابات شعرية وتسابيح.
  7. حوار.
  8. نسكيات.
  9. قوانين كنسية.
  10. كتابات تاريخية.

5 – تقسيم عام يمثل مزيج للتصنيفات السابقة:

وهو الأكثر استخداماً عنج معظم الباحثين، وعليه يمكن تقسيم كتابات الآباء إلى:

عصر بداية كتابات الآباء:

وتشمل كتابات الآباء الرسوليين والآباء المدافعين وآباء القرنين الثاني والثالث مثل:

  1. رسائل أكلمنضس الروماني: الرسالة الأولى إلى الكورنثيين سنة 96م، الرسالة الثانية المسيوبة إلى أكلمنضس، رسالتان عن البتولية.
  2. رسائل أغناطيوس الأنطاكي السبع إلى كنائس آسيا حتى سنة (107م)
  3. رسالة القديس بوليكاريوس أسقف أزمير إلى كنيسة فيلبي حوالي سنة (156م).
  4. كتاب الـ” ديداكي: تعليم الرب للأمم بواسطة الرسل الاثني عشر”.
  5. كتابات الكُتاب المعاصرين للآباء الرسوليين: الرسالة المنسوبة لبرنابا حوالي سنة (100م)، بابياس سنة (130م)، كتاب الراعي لهرماس (القرن الثاني).

وترجع أهمية هذا العصر إلى:

  1. كتابات الآباء الرسوليين في القرن الأول وبداية الثاني، بكونها بداية انطلاق للتراث خلال من تتلمذوا على يدي الرسل.
  2. بدراسة كتابات آباء هذه العصر نعرف أن ما نعيشه الآن من عقيدة وطقس…هو من أيام الآباء الرسل، الذين سلموها لتلاميذهم وهكذا بالتتابع. فهو “الإيمان المسلم مرة للقديسين” (يه 3)، فهذا العصر هو عصر بدء القوانين الرسولية والشكل الليتورجي، حيث كانت الكنيسة تحتاج إلى هذا النظام لتمارس حياتها التعبدية ووجود دستور لسلوكها.
  3. فرزت الكنيسة الكتب الأبوكريفا عن الأناجيل وبقية أسفار العهد الجديد القانونية.
  4. نَظم المسيحيون الأوائل شعراً للتسبيح للتعبير عن مشاعر حبهم لله مخلصهم.
  5. كتب بعض أبنائها سير الشهداء، فظهرت أول أعمال الشهداء.

كتابات الآباء المدافعين:

كتابات الآباء المدافعين Apologists ليست هي كتابات هجوم، ولكن في الحقيقة هدفها الأساسي جذب غير المؤمنين للتمتع بعمل الله، مثل دفاع أثيناغوراس الذي قدمه للإمبراطور وابنه، حيث ذكر فيه النقاط التي يتهمون بها المسيحيين، ثم قدم دفاعه عن هذه النقاط. أو ما جاء في الرسالة إلى ديوجينتيس: “إن رغبت أن يكون لك هذا الإيمان… فيا ليتك تُطهر عقلك من التعصّب الذي يمنعك من التفكير.

وأهم المدافعين هم:

أ – كودارتس (124م).

ب – أرستيدس من أثينا (125م).

ج – أرستو بيللا (140م).

د – يوستينوس الشهيد (165م).

ه – تاتيان السوري (172م).

و – أبوليناروس من هيرابوليس (172م).

ز – أثيناغوراس (177م).

ح – ثاؤفيلوس الأنطاكي (حوالي 180م).

ط – ميليتو أسقف ساردس (190م).

ي – ملتيادس (192م).

ك – مينوكيوس فيلكس (200م).

ل – هرمياس الفيلسوف (200م).

آباء القرنين الثاني والثالث:

كانت الإسكندرية أكبر مركز للثقافة الهيلينية، تشتهر بمدارسها الفلسفية مثل الموزيم (المتحف)، ولهذا رأت الكنيسة منذ عهد القديس مارمرقص الرسول، أن تجابه هذه الثقافة الوثنية بإنشاء مدرسة مسيحية قادرة على مواجهة التيار الهيليني القوي، فظهرت مدرسة الإسكندرية التي اشتهرت بآبائها الذين لمعت أسماؤهم في الشرق والغرب.

كما ظهر آباء في أسيا الصغرى وسوريا وفلسطين، ومن أشهر المدارس في الشرف كانت مدرسة أنطاكية، التي تبنت التفسير الحرفي للكتاب المقدس، كمقابل لمدرسة الإسكندرية التي اشتهرت بالتفسير الرمزي، كما ظهرت مدرسة قيصرية.

بدأ الأدب اللاتيني المسيحي على يدي مينوسيوس فيلكس وهيبوليتس الروماني ونوفاتيان وسائر أساقفة روما.

ومن مشاهير هذا العصر كان: إيريناوس أسقف ليون (140 -202م)، أكْلِمَنْضُس الإسكندرية (150 -210م)، أوريجانوس (185 – 254)، ديونيسيوس الإسكندري (264م)، غرغوريوس العجائبي (213 – 270)، ميثوديوس الأولمبي (نهاية القرن الثالث)… من الشرق، وترتليان (220)، كبريانوس أسقف قرطجنة (200 -258)، هيبوليتوس الروماني (160 -235)، أرنوبيوس (280 -310) من الغرب.

آباء القرنين الرابع والخامس:

تعتبر فترة ما بين نيقية سنة (325م) ومجمع خلقيدونية سنة (451م) هي العصر الذهبي للكتابات الآبائية الشرقية، ويسمونه عصر نيقية وما بعد نيقية Nicene and post Nicene Fathers، من سمات هذا العصر:

† ظهور كتابات البابا ألكسندروس الذي واجه أريوس المبتدع، والبابا أثناسيوس الرسولي، وسيرابيون أسقف تيمي، وديديموس الضرير، والبابا ثاوفيلس، والبابا كيرلس عامود الدين… في مصر.

† كما ظهرت كتابات مؤسسي الحركة الرهبانية في مصر، وكتابات من جاءوا إلى مصر ليمارسوا الحياة الرهبانية ويسجلوا أقوال آباء البرية في مصر، مثل أنبا أنطونيوس الكبير وأمونيوس باخوميوس أب الشركة وهوريسيوس وتادرس ومقاريوس المصري وأغريس من بنطس وبالاديوس وإيسيدورس الفرمي أو البلوزي والقديس الأنبا شنودة بأتريب.

† في أسيا الصغرى نجد يوسابيوس النيقوميدي وثيؤحنيس من نيقية وأوستيرس السوفسطائي ومارسيليوس بأنقرا وياسيليوس بأنقرا، وإبيفانيوس أسقف سلاميس…

† ظهر آباء الكبادوك العظام مثل القديس باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي وغريغوريوس أسقف نيصص وأمفيلوجيوس أسقف إيقونيم وأوستيروس من أماسي.

† في أنطاكية وسوريا أوستاثيوس الأنطاكي وأتبوس الأنطاكي وأونوميسوس من Cyzicus  وجلاسيوس القيصري ويوسابيوس من أمسيا، ومار أفرام السرياني، ومار فليكسنوس أسقف منبج، وساويرُس الأنطاكي، مار إسحق السرياني، القديس يوحنا الدرجي.

† ظهر كيرلس الأورشليمي وأبوليناريوس من لادوكيا وإبيفانيوس أسقف سلاميس وديؤدور الطرسوسيّ وثيؤودور من المصيصة ويوحنا ذهبي الفم وأكاكيوس من Beroea وأنتيخوس من بتللاميس وسيرفيان من جبالة ومقاريوس ماجنيس وهستخيوس الأورشليمي ونيلس من أنقرا ومرقس الناسك وبروكليس من القسطنطينية وباسيليوس من سيليكا.

† وفي الغرب ظهر هيلاري أسقف بواتييه، وأمبروسيوس أسقف ميلان، وجيروم، وروفينوس، ويوحنا كاسيان، والبابا غريغوريوس الكبير.

† ظهر أيضاً المؤرخون الكنسيون مثل فيليب Philip Sidetes وسقراط وسوزومين وثيؤدورت أسقف قورش.

كتابات ما بعد مجمع خلقيدونية:

إذ عزل مجمع خلقيدونية الشرق عن الغرب إلى حد ما، جعل الكنائس اللاخلقيدونية تهتم بالكتابة عن طبيعة السيد المسيح، وقد برز قادة عظماء في هذا المجال. يقول ميندورف: “خلال النصف الثاني من القرن الخامس والنصف الأول من القرن السادس، قد ساد اللاهوتيين (المونوفزيت) على المسرح، وهم ثيموثاوس أوليروس وفيلكسينوس أسقف منبج Manbbug، وعلى وجه الخصوص ساويرس الأنطاكي، ولم يكن لدى الخلقدونيين لاهوتي واحد بارز يقف أمامهم”[21].

بعد دخول العرب مصر والشرق الأوسط تحوّل اهتمام الكُتاب الشرقيين إلى الحوار مع المسلمين، وجاءت القرون من (11-13) غنية بالتراث المسيحي المصري في ذلك المجال، أما الكنائس الخلقيدونية فواجهت مشاكل مثل محاربة الأيقونات، وانبثاق الروح القدس….

[1] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة القرون الأولى – القمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 223.

[2] راجع تاريخ الكنيسة المسيحية، أفغراف سميرنوف، سنة 1964، مطرانية حمص، ص 302.

[3] الأب جوزيف زبارة – القديس باسيليوس الكبير، إصدار جمعية التعليم المسيحي بحلب.

[4] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 218.

[5] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 273، 274.

[6] البروفيسور يوأنس فندولي – علم الوعظ – تعريب – القمص أثناسيوس اسحق حنين – مجلة الكرمة 2008 – ص 131.

[7] القديس صليب سوريال –دراسات في القوانين الكنسية الكتاب الرابع –في كتاب المجموع الصفوي لابن العسال-1992-ص46.

[8] أحد رهبان برية القديس مقاريوس – التدبير الإلهي في بنيان الكنيسة – الطبعة الأولى 2001 – ص 50-58.

[9] الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة – المجلد الأول – مار إغناطيوس أفرام الأول برصوم بطريرك انطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس، حمص 1940م.

[10] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 173.

[11] لويس ساكو، القديس أفرام، اللاهوت هو صدى للإنجيل، مجلة الفكر المسيحي، نيسان 1987، ص 129-135.

[12] الجزء الأول رقم 305/306 سنة 1970، والجزء الثاني رقم 311/312 سنة 1970، الجزء الثالث رقم 320/ 321 سنة 1972، الجزء الرابع رقم 324/ 325 سنة 1973.

[13] أريانزوس Arianzus قرية جنوب غربي الكبادوك

[14] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 232.

[15] نظرة شاملع لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 260.

[16] القديس أمبروسيوس – الأسرار – مركز دراسات الآباء – الطبعة الثانية 1996 ص 60، 61.

[17] نظرة شاملع لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 272-273.

[18] القمص تادرس يعقوب ملطي – قاموس آباء الكنيسة وقديسيها – (ج – ص) – 2001م – ص 274.

[19] راجع كتاب التدبير الإلهي في بنيان الكنيسة، لأحد رهبان برية القديس مقاريوس، الطبعة الأولى 2001، من صفحة 50-58.

[20] مجلة الكرازة في 9 ديسمبر 1994 م العدد 45 و46.

[21] J. Meyendorff: Christ in the Eastem Christian Thought, 1969. P. 24.

علم الآباء 3 –  صور وتصنيف كتابات الآباء

كتاب نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – القمص تادرس يعقوب ملطي

كتاب نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – القمص تادرس يعقوب ملطي

كتاب نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – القمص تادرس يعقوب ملطي

كتاب نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – القمص تادرس يعقوب ملطي

تحميل الكتاب PDF

 

 

 

 

مقدمة أساسية في علم الآباء ج2 – عن كتاب: دراسات في آباء الكنيسة للراهب باسيليوس المقاري

مقدمة أساسية في علم الآباء ج2 – عن كتاب: دراسات في آباء الكنيسة للراهب باسيليوس المقاري

مقدمة أساسية في علم الآباء ج2 – عن كتاب: دراسات في آباء الكنيسة للراهب باسيليوس المقاري

 

علم آباء الكنيسة patrology

 

هو العلم الذي يتناول سير آباء الكنيسة ومعلميها القدماء وكتاباتهم وتعاليمهم في العصور القديمة التي تلت عصر الرسل وحتى القرن السادس.

 

وعلم آباء الكنيسة علم قديم. وأول كتاب عندنا يبحث في هذا المجال يرجع إلى زمن القديس جيروم (هيرونيمس) 393م، وإسم كتابه De viris Illustribus أي حياة الرجال المشاهير. وقد إعتمد القديس جيروم في مؤلفه هذا على مؤلَّف يوسابيوس القيصري عن تاريخ الكنيسة. ويعتبر كتاب القديس جيروم الأساس الذي يبني عليه علماء الآباء دراساتهم.

 

 

 

فيم يبحث علم آباء الكنيسة:

 

يبحث علم آباء الكنيسة سير وكتابات وتعاليم آباء الكنيسة. أما عن السيرة فإن في دراسة سير الآباء نفعا كبيرا لأنها تقودنا إلى فهم المسيحية فهما حياً، وتعرفنا بالظروف التي أدوا فيها شهادتهم للحق.

 

وأما عن كتاباتهم فلأن هذه الكتابات تمثل جزء لا يتجزأ من حياة مؤلفيها فإنها تكون التعبير الحي عن حياة الكنيسة وتقليدها الذي عاشوه وإختبروه.

 

والضرورة تستدعي هنا أولا: التأكد من أصالة هذه الكتابات وصحة نسبتها إلى الآباء، وهذا هو عمل العلماء المدققين الذين يسمون critics وتترجم تجاوزا “النقاد” ثم ثانيا: تحليل هذه الكتابات وتصنيفها وإستنباط المناهج والإتجاهات لدى كل أب، وهذا هو عمل العلماء اللاهوتيين.

 

وفي دراسة تعليم الآباء، لابد أن ننتبة أن لكل أب من الىباء ما يميزه من جهة تعليمه الحقائق الإلهية التي يبرزها ويؤكد عليها بالأكثر، لإيجابه مشكلات وهرطقات عصره. وهذا ما سنحاول أن نتبينه من دراسة كل أب على حدى.

 

وبهذا التركيب العلمي فإن علم آباء الكنيسة كثيرا ما يرتبط بتاريخ العقيدة ونموها و”العقيدة” هنا تعني الحقائق الموحى بها في الصياغة اللفظية التي تعلم بها الكنيسة، هذه الصياغة التي كانت موضع جدال كثير على مدى تاريخ الكنيسة. وقد أى الآباء دورا هاما في هذه الأزمات وخرجوا منها وخرجت الكنيسة معهم في كل مرة وقد أظهروا بجلاء أكثر الحق الإلهي للمسكونة كلها.

 

ويدخل ضمن دراسات آباء الكنيسة وتعليمهم اللاهوتي، وتعليمهم في مجال السلوك المسيحي والنسك والتأمل، وهنا ندرج ضمن الآباء: آباء الرهبنة وقديسي البراري معلمين.

 

سمات آباء الكنيسة:

 

آباء الكنيسة هم الذين يحققون في أشخاصهم الصفات الأربع التالية:

 

  1. العقيدة السليمة orthodoxy، فيما يختص بالإيمان بالثالوث الأقدس وطبيعة المسيح يسوع إبن الله الذي قام من بين الأموات، وبالروح القدس وحلوله وعمله في الكنيسة وفي الأسرار والليتورجيات، وبالأسفار المقدسة وكافة الموضوعات الإيمانية التي وردت في الإنجيل وكتب عنها الآباء ووعظوا بها كما تسلموها في التقليد الكنسي.

  2. قداسة السيرة التي تظهر ثمارها في التعفف والتقوى والنسك وإحتمال الآلام وكافة الإضطهادات لأجل الإعتراف بالمسيح وهنا يصبح العمل بما يعلم به الأب هو برهان التعليم الصحيح تحقيقاً لقول المعلم الأكبر الرب يسوع المسيح .. “من عمل وعلم فهذا يدعى عظيما في ملكوت السموات” (مت 5: 19).

  3. قبول الكنيسة لهم وإعتبارها إياهم في مركز ومقام الأب. وهؤلاء الآباء هم أولا أبناء الكنيسة ورجال التقليد فيها قبل أن يصبحوا آباءً. فالكنيسة ربتهم ونشّأتهم على الإيمان الصحيح وعلى التقليد، فقدموه هم للكنيسة في خدمة نشطة وذكاء متقد وعلم مسيحي أصيل ومعرفة نقية حسب الحق وفكر خصب ساهم في تجديد الصورة الإيمانية وتثبيتها في مواجهة البدع والهرطقات التي حاربت الكنيسة قروناً عديدة.

  4. القدم antiquity: فالكنيسة الخلقدونية تحدد تاريخ إنتهاء عصر الآباء في حدود القرن السابع والثامن؛ ففي الغرب ينتهي عصر الآباء بالقديس غريغوريوس الكبير (إنتقل عام 604م)، والقديس ثيؤدور seveillr (إنتقل عام 636م) أما في الشرق فينتهي عند الكنائس البيزنطية بالقديس يوحنا الدمشقي (إنتقل عام 749م) بينما تحدد الكنيسة الأرثوذكسية غير الخلقدونية (الكنيسة القبطية والأثيوبية والسريانية والأرمانية) تاريخ إنتهاء عصر الآباء عند مجمع خلقيدونية (451م) وما بعده بقليل..

    وقد أُعتبر القرنان الرابع والخامس قمة العصر الذهبي للآباء، إذ إستطاعت الكنيسة بمجموعة أبائها العباقرة والفلاسفة المسيحيين في مواجهة عواصف الهرطقات الإيمانية أن تحدد الإيمان الرسولي وتشرحه وتفسره وتوضحه للعقل لبناء فكر المؤمنين إلى جانب بساطة قلوبهم. ولكن القدم وحده في حد ذاته ليس معايا دقيقاً.

 

ولكن هل إنتهى العصر الذهبي للآباء؟ أفما يزال الروح يعمل في الكنيسة إلى الآن؟ ففي كل عصر من عصور الكنيسة هناك تحديات عصرية دائماً كنوع من إستمرار حرب الشيطان ضد الكنيسة، فهى تحتاج إلى هؤلاء الآباء الكنسيين الرسوليين المدافعين ليحفظوا الإيمان والتقليد في قلوب المؤمنين.

 

مقدمة أساسية في علم الآباء ج2 – عن كتاب: دراسات في آباء الكنيسة للراهب باسيليوس المقاري

مقدمة أساسية في علم الآباء – الجزء الأول – عن كتاب: دراسات في آباء الكنيسة للراهب باسيليوس المقاري

مقدمة أساسية في علم الآباء – الجزء الأول

عن كتاب: دراسات في آباء الكنيسة للراهب باسيليوس المقاري

 

إن أردنا أن نخوض في مثل هذا البحث فلابد أن نشير أولا وقبل ان نتكلم عن الآباء إلى هذا الإرتباط العضوي بين آباء الكنيسة والرسل والرب يسوع المسيح نفسه، هذا الإرتباط الذي يكشف عن معنى الكنيسة  “جسد المسيح السري”، والمسيح بالنسبة لها كارأس للجسد أو كحجر الزاوية في البناء، وسوف نعبر بسرعة:

 

أولا: على إرسالية الرسل لنكتشف منها رسالة الكنيسة وهل حقق الآباء هذه الرسالة وأين نحن منها الآن.

ثانيا: المنهج الذي سار عليه الرسل ثم الآباء وهل نتبع نحن هذا المنهج؟

 

هذا لنؤكد ونوضح حقيقة أساسية أن الإيمان الذي تسلمه الرسل القديسون مرة من الرب قد أعطوه للآباء الذين كانوا أكفّاء، فإستطاعوا أن يشيدوه بنيانا عظيما جداً وشاهقاًَ إستوعبته الكنيسة وحفظته كتقليد ثمين على مدى الأجيال وذلك يفيدنا جدا حتى نراجع أنفسنا ونراج خدمتنا ورسالتنا ككنيسة وكجماعات متعددة.

 

الإرسالية العظمى:

“حينئذٍ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب” (لوقا 24: 45) هنا المسيح يسوع بعد قيامته يؤكد لتلاميذه ببراهين كثيرة أنه هو هو وقد قام غالبا الموت وأن جسده هذا الذي يرونه ليس روحا ولا خيالاً (أنظروا يدي ورجلي إني أنا هو جسوني وأنظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي) وأكل قدامهم جزءً من سمك مشوي وشيء من شهد عسل ثم أخذ يحدثهم عما هو مكتوب عنه في الأنبياء وأعطاهم قوة وأنار بصيرتهم ليفهموا الكتب لكي يكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها بأن ينادوا بإسمه للتوبة لمغفرة الخطايا وأن يتلمذوهم ويعمدوهم ويعلموهم ( لو 24 : 36 – 48).

 

إنطلق الرسل بعد تحقيق موعد الآب لهم – كما أوصاهم الرب يسوع يوم الخمسين كشهود للقيامة لجميع الناس يكرزون في أورشليم واليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض فتكونت جماعة كبيرة في أورشليم يوم حلول الروح القدس كان عددهم ثلاثة آلاف نفس إنضمت لجماعة التلاميذ وسرعان ما إزداد عددهم إلى خمسة آلاف وكانوا جميعا بنفس واحدة وقلب واحد يصلون في الهيكل مواظبين على كسر الخبز وتعليم الرسل والشركة وكانوا يبيعون المقتنيات ويضعونها تحت أقدام الرسل إذ كان كل شيء مشتركا بينهم وكانت هذه نواة الجماعات المسيحية من اليهود الذين آمنوا والتي تكونت من كل اليهودية والسامرة وسرعان ما إجتذبت الأمم إليها من كافة أنحاء الأرض ولم يمض جيل الرسل حتى كان إنجيل الخلاص قد صار إلى معظم أنحاء العالم.

 

المنهج الكرازي والتعليمي:

لو أردنا أن نستخلص منهج الرسل في الكرازة وفي التعليم فإننا نجد أنه قد تطابق تماماً مع ذات المنهج الذي أرساه المعلم – ربنا يسوع المسيح- في كرازته وتعليمه فالكرازة عند الرسل تقوم على إعلان محبة الله للخطاة، لجميع الناس، ودعوته لهم بالتوبة والإيمان بيسوع المسيح ربا ومخلصا، وممارسة أعمال التوبة.

 

هذا ما نادى به الرب يسوع المسيح شخصياً (توبوا وآمنوا بالإنجيل)، (هوذا الفأس قد وضعت على أصل الشجرة، فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيدا تقطع وتلقى في النار)، (من ثمارثهم تعرفونهم)، (أصنعوا أثماراً تليق بالتوبة)، (إن لم تؤمنوا إني أنا هو تموتون في خطاياكم)، هذا المنهج الكرازي البسيط يتناسب مع حاجة النفس البشرية للخلاص والحياة ولقد مارسه أيضا آباء الكنيسة والدليل على ذلك العظات التي كانت تتلي على الموعوظين الذين يتهيأون للمعمودية وهى تتسم بالبساطة والتعليم الإنجيلي الصحيح.

 

لقد كانت الكنيسة في القرون الأولى تمارس رسالتها الكرازية، وتجذب من الوثنيين والهراطقة أعدادا كبيرة، ومن الفلاسفة والحكماء والعظماء عدداً ليس بقليل.

 

هذه هى رسالة الكنيسة في كل عصر لأنها صورة المسيح المنظورة وصوته المسموع للبشرية التي أحبها المسيح ويطلب خلاصها، فهل تستطيع الكنيسة في هذا العصر أن تشهد بأنها تمارس رسالتها من نحو العالم، وهل تنادي له بالتوبة والعودة إلى حضن المسيح؟ ليت الكنيسة تعرف دائما عملها الذي أُنيطت به، ولا تستغرق في مشاغلها الكثيرة ولا تنحصر في مشاكلها الخاصة وإهتماماتها الذاتية؛ بل ليتها دائماً تجدد روحها وفكرها وحياتها وتعي جروح العالم وسقطاته وآلامه وإحتياجاته وتقدم له يد المعونة: الخلاص، ومعرفة الحق، والسلام الحقيقي.

 

أما منهج الرسل التعليمي فيمكن رده إلى دعامتين أساسيتين:

الأولى: وهى ممارسة الخدمة السرائرية كالمعمودية وعشاء الرب (عشاء الخميس الكبير) الذي مارسه الرسل في إجتماعاتهم يوم الأحد كما كان يضعون أيديهم على المعتمدين لقبول الروح القدس، وفي الكهنوت كانوا يضعون أيديهم على من يدعوهم الروح لينالوا مواهب الروح للتدبير والخدمة .. وهكذا. ومازال الروح القدس حاضرا وعاملا دائما في الكنيسة في الأسرار منذ أيام الرسل وفي عصر الآباء وإلى الآن وإلى منتهى الدهور.

 

الثانية: المنهج الكتابي، القائم على تحقيق أقوال العهد القديم وأنبياءه، وهو المنهج الذي بدأه الرب مع تلاميذه خاصة بعد القيامة وأكمله التلاميذ بعد ذلك في تعليمهم للمؤمنين، ولقد سكب الروح القدس مواهبه على المؤمنين لخدمة الكلمة، فوضع في الكنيسة أنبياءً ومعلمين ومبشرين وحكماء ومدبرين.. وإلى غير ذلك.

 

وكانت الكنيسة الأولى ذاخرة بهذه المواهب وإستمرت أيضاً في عصر الآباء. ولكن كان الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد بالنسبة لآباء الكنيسة مصدراً للإلهام والإمتلاء من الروح القدس فإستطاعوا أن يستخلصوا منه العقيدة المسيحية وقانون الإيمان واللاهوت والحياة الرهبانية والتنظيم الكنيسة وتفسير الكتب المقدسة وشرحها. وكل ما وضعه الآباء –خاصة في القرون الأربعة الأولى- إنما هو بمثابة نمو وإمتداد لهذا التقليد الحي الذي تسلموه من الرسل أنفسهم وعاشوا به في حياتهم وخدموا بهم. فالإيمان الذي حواه التقليد ظل محفوظاً في قلوب المؤمنين كوديعة ثمينة، لأنه يحمل وصايا الرب وإرادته وروحه القدوس.

ولقد تاجر الآباء بهذه الوزنة –أي التقليد الرسولي- كلٍ على قدر طاقته، ودخلوا به معارك ضارية، وخرجوا به في كل مرة وقد أضافوا على بساطته فكراً صحيحاً بنّاءً وتحديدات لفظية دقيقة حمته من مزالق الهراطقة، كما أغنته بخبرات إيمانية وتقوية كشهادة وحب وبذل للمسيح، من شهداء للإيمان وذبائح التكريس والرهبنة والقداسة. فالتقليد الحي كما هو بصورته الآن يقصه لنا –كل كلمة وكل مبدأ فيه- تاريخ أحقاب وعصور من الجهاد الطويل والصراعات المستمرة مع الذين هم من خارج ومن داخل أيضاً فهل نعتز به كميراث آبائي رسولي لنحفظه ونحياه ونقدمه للأجيال نقياً حياً خصباً كما هو؟

ومنذ قرن أو أكثر والعلماء ينقبون عن هذا التراث المسيحي في أماكن متعددة من العالم، يبحثون في الكتابات والمخطوطات والأيقونان وفي الآثاء وفي التاريخ القديم، محاولين أن يضعوا أيديهم على هذه الكنوز يستجلونها ويستوضحونها لمعرفة معالمها وآثارها على الحضارات الأخرى في الأدب والفكر والفنون المختلفة.

ليتنا نرتكن دائما على روح الآباء وفكرهم الذي ينقل لينا روح الرسل الذي هو روح المسيح.

 

التحديد اللفظي للآباء:

أطلق إسم “الآباء” في العهد القديم على إبراهيم وإسحق ويعقوب، وقد ذكره الرسول بولس في العهد الجديد قاصدا به هؤلاء الكارزين المعلمين الذين يلدون النفوس في المسيح يسوع (وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح لكن ليس آباء كثيرون لأني أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل) (1كو 4: 15).

 

ولقد إستخدم المسيحيون الأوائل لفظ “أب” ليطلقوها على المعلم، يقول القديس إرينيئوس أسقف ليون (130 – 200م) في كتابه ضد الهراطقة [من علمني حرفاً كنت له إبناً وكان لي أباً] adv. Hearesis 4.41 كذلك أوضح العلامة إكليمندس السكندري (150 – 215م) في كتابه Stromata 1:1,2  [أن الألفاظ هى ذرية النفس ولذلك ندعوا الذين علمونا “آباء” وكل إنسان يتلقى العلم يكون إبنا لمعلمه بإتكاله عليه]. والأساقفة هم الذين مارسول التعليم المسيحي وقد لقبوا “آباء” وفي بعض الكراسي الرسولية مازال إلى الآن يدعى الأسقف “أباً” كما في كنيستنا القبطية. وبحلول القرن الرابع ودخول الكنيسة في معارك لاهوتية إتسع لفظ آباء الكنيسة ليضم إلى الأساقفة المعلمين كل الكتاب الكنسيين طالما كانوا مقبولين في الكنيسة وكانت كتاباتهم تتمشى مع التقليد الكنسي. فالقديس أغسطينوس يذكر القديس جيروم ضمن الآباء الذين كتبوا عن الخطية الجدية، وجيروم لم يكن أسقفاً والقديس جيروم نفسه (420م) وهو واحد من الآباء، أضاف لفظ “الكتاب الكنسيين” ضمن آباء الكنيسة.

 

ولكن معنى هذا أن كل الكتاب الكنسيين معتبرون داخل الكنيسة “آباء”. فمثلاً ترتليانس تنيح (220م) وهو أب علوم اللاهوت في كنيسة روما إذ له تأثير كبير في اللاهوت اللاتيني وهو أكثر الكُتّاب دقة في إنتقاء الألفاظ والمصطلحات اللاهوتية، وقد كتب باللاتينية بالأكثر؛ إلا أنه سقط في بدعة المونتانية لذلك فهو يعتبر كاتباً كنسياً بالدرجة الأولى ولكنه ليس أباً في الكنيسة.

وأيضاً أوريجانوس تنيح عام (253م) فهو واحد من أعظم العقليات الممتازة في تاريخ الكنيسة المسيحية ومن أشهر علمائها وقد حلم في قلبه غيره روحية وفي جسده نسكاً شديداً ومحبة كبيرة للمسيح يسوع، كما إعترف بالإيمان في فترة الإضطهاد؛ ولكنه كان يفتقد إلى إتّباع الآباء وإتزان الفكر اللاهوتي فسقط في عدة بدع فكرية ولاهوتية منعته من أن يصبح أباً بين الآباء الكنسيين.

 

مقدمة أساسية في علم الآباء – الجزء الأول

Exit mobile version