عظات القديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد – بيت التكريس لخدمة الكرازة
عظات القديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد – بيت التكريس لخدمة الكرازة
“أولئك الذين يكونون أغنياء بالروح القدس، الذين عندهم الغنى السماوي حقًا وشركة الروح القدس في داخل نفوسهم، حينما يكلمون أحدًا بكلمة الحق أو حينما يتحدثون بالأحاديث الروحانيّة، ويريدون أن يعزّوا النفوس فإنهم يتكلمون ويخرجون من الغنى والكنز الخاص الذي يمتلكونه في داخل نفوسهم ومن هذا الكنز يعزّون ويفرّحون نفوس الذين يسمعون أحاديثهم.
فعندما نجد الرب أولاً في نفوسنا لمنفعتنا أي للخلاص والحياة الأبديّة فحينئدٍ يمكننا أن ننفع الآخرين أيضًا إذ يصير هذا ممكنًا لأننا نأخذ من المسيح الذي هو الكنز الموجود في داخلنا ونُخرج منه كل الصلاح الذي للكلمات الروحانيّة ونكشف أمامهم أسرار السماء”.
هذا الكلام الذي يقوله القديس مقاريوس الكبير (المصري) عن غنى وكنز الروح القدس هو ما يمكن أن نصف به عظات هذا القديس العظيم. فإن علماء “الآباء” ودارسي كتابات القديس مقاريوس يصفون عظاته ورسائله بأنها: “كلام إنسان يسكن السماء، أي إنسان سماوي. وأنه بالنسبة إلى شخص مثله- وصل إلى أقصى الكمال الممكن للبشر، فإن العالم الروحي بكل قوانينه يكون مكشوفًا وظاهرًا أمامه، إنه أيضًا ينظر النفس ويرى كل ما يحدث فيها من حركات، ويوضّح لها الطريق إلى الحياة الكاملة.
لقد كان القديس مقاريوس في معظم الأوقات في حالة اختطاف عقلي في رؤية الله وفي حالة دهش وذهول في الإلهيات كما يقول بلاديوس في تاريخه الرهباني.
إن الأسرار العظمى للعالم السماوي كانت مكشوفة أمام عينيه.
ولذلك كان يتكلم بما يرى في داخله بقوة وفيض الروح القدس.
ويقول البروفيسور إيفان م. كونتزيفيش، أستاذ الباترولوجي الأرثوذكسي في مقدمة الترجمة الإنجليزية: “لعظات القديس مقاريوس الكبير” إن عظات القديس مقاريوس تقوم على اختبار شخصي، وأسلوبها واضح، ومُعبّر، وغني بالتصويرات والتشبيهات بطريقة واضحة وبقوة غير عادية، ويُلاحظ في عظاته معرفته العميقة جدًا بالكتاب المقدس. وشرحه لآيات الكتاب المقدس يكشف دائمًا عن أعمق معنى روحي للآية.
وأن كتاباته تتحدث إلينا عن التأليه (أي شركة الطبيعة الإلهيّة) وأن القديس مقاريوس يكشف فلسفة الشركة مع الله رغم أنه (أي مقاريوس) لا يتبنى أي نظام فلسفي، إن الحكمة والفلسفة الحقيقيّة هي: العمل الروحي، واقتناء الروح القدس روح الحكمة والفهم. إن الإنسان الحامل لله الذي ينظر أو يتأمل أسرار الله هو الحكيم الحقيقي، أي محب الحكمة”.
ويستطرد الأستاذ كونتزيفيش في مقدمته قائلاً: “إن القديس مقاريوس يتحدث عن اقتناء الروح القدس، وأن المجهودات الخارجيّة من صوم وسهر وصلاة ليست غاية في ذاتها ولكنها مجرد وسائل فقط إلى هذه الغاية التي هي اقتناء الروح القدس. إن هذا التعليم عن اقتناء الروح القدس يأتي إلينا عبر القرون منذ مقاريوس حتى سيرافيم[1]، الذي كشف للعالم المعاصر هذا التعليم الآبائي القديم عن اقتناء الروح القدس الذي كثيرًا ما يُنسى تمامًا[2]“
ويُلاحظ في عظات القديس مقاريوس أنه يتحدث إلى المسيحيين عامة وليس إلى الرهبان بوجه خاص وهذا يدل على وعيه المستنير، إن الحياة في المسيح أو الحياة في الروح هي لكل الذين يعتمدون باسم الرب يسوع المسيح ويؤمنون به ويحبونه من كل قلوبهم وأن الروح القدس الذي يُعطى للمعتمدين باسم المسيح هو مصدر الحياة في المسيح وأساسها، وأن الحياة بقوة هذا الروح هي التي تجعل الإنسان روحيًا وليس أي شكل خارجي حتى ولو كان شكل ديني أو رهباني، كما يتضح من عظته الخامسة عن “خليقة المسيحيين الجديدة”.
وكما يتضح أيضًا من القصة المشهورة في سيرة الآباء عن زيارته للسيدتين المتزوجتين في الإسكندرية وأنه قال بعد مقابلتهما كلمته المأثورة “حقًا أنه ليس عذراء (انظر أيضًا العظة 17: 13) ولا متزوجة وليس راهب ولا علماني إنما استعداد القلب هو الذي يطلبه الله وهو يعطي الجميع نعمة الروح القدس الذي يعمل في الإنسان ويقود حياة كل من يرغب في الخلاص[3]“. وكما يذكر كتاب “التعاليم النسكية لكبار آباء القرن الرابع المصريين”.. أن “القديس مقاريوس كان يوجّه كلامه” للإنسان أي “لكل إنسان متعطش إلى حياة القداسة[4]“.
وقد يتساءل البعض بعد قراءته لعظات القديس مقاريوس، لماذا لم يذكر الأسرار الكنسية في عظاته، خاصة في عظة مثل العظة الثلاثون التي يتحدث فيها عن الولادة من الروح القدس دون أن يذكر سر المعمودية.
لهؤلاء نقول إن صمت القديس مقاريوس عن ذكر الأسرار في عظاته لا يقوم دليلاً على عدم أهمية الأسرار في الحياة الروحيَّة، بل أن القديس مقاريوس يتحدث إلى المسيحيين أي الذين نالوا سرّ المعمودية ويعرفون الأسرار الكنسية ويمارسونها ولا يحتاج أن يحدثهم عن الأسرار، بل أن هدف عظاته هو الحياة حسب الروح أو الحياة في القداسة أو “الكمال المطلوب من المسيحيين الذين يجب عليهم أن يَجِدّوا في طلبه “كما جاء في فاتحة العظة الأولى في الترجمة العربية القديمة سنة 1901.
ولذلك فإن أحاديثه كلها روحيَّة عملية تواجه الإنسان لينظر إلى نفسه، ولتعرّف النفس سرّ حالتها وتكتشف حقيقتها وترجع بمواجهة نور الحق في الداخل لتتغير وتصير روحانية مقدسة، ونجد مثلاً واضحًا لطريقته هذه في عظته الأولى التي تحوي تفسيرًا روحانيًا رائعًا لرؤيا حزقيال فبعد أن يتحدث عن “السر الذي كان مخفيًا حقيقة عن العصور والأجيال، ولكنه أُظهر بظهور المسيح، فإن السر الذي رآه (حزقيال) هو سرّ النفس التي كانت مزمعة أن تقبل سيدها وأن تصير هي ذاتها كرسيًا لمجده (العظة الأولى: 2) وبعد أن يشرح كل تفاصيل رؤيا حزقيال العجيبة المجيدة يقول للقاريء أو السامع:
“لذلك فحينما تسمع بهذه الأشياء انظر إلى نفسك جيدًا، هل أنت حاصل على هذه الأشياء ومالك لها بالفعل والحق في داخل نفسك أم لا؟ فإنها ليست مجرد كلمات تُقال بل هي فعل الحق الذي يحدث في داخل نفسك، فإن لم تكن مالكًا لها بل أنت معدم من مثل هذه الخيرات الروحانيّة، ينبغي لك أن تكتئب وتحزن وتسعى بلهفة كإنسان لا يزال ميتًا ومنفصلاً عن الملكوت وكإنسان مجروح أصرخ دائمًا إلى الرب واطلب منه بإيمان أن يمنحك أنت شخصيًا هذه الحياة الحقيقيّة” (العظة الأولى: 10).
ولأهمية العلاقة بين الأسرار وبين الخلاص والحياة الروحيَّة، أو بين الأسرار والحياة في المسيح، نُعيد هنا نشر ما سبق أن كتبناه في مقدمة كتاب “الأسرار للقديس إمبروسيوس” الذي ترجمناه وقمنا بنشره سنة 1967 في الحلقة 3 من سلسلة كتابات الآباء.
عظات القديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد – بيت التكريس لخدمة الكرازة
الأسرار والحياة في المسيح:
توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس (أع 2: 38). هذا هو الجواب الشافي الذي أجاب به القديس بطرس الرسول على تساؤل القلوب التي نخستها كلمات الكرازة الرسولية في يوم الخمسين داعية إياها إلى الخلاص. وإننا لنجد في هذه الكلمات القليلة مثلاً واضحًا لحقيقة كثيرًا ما تغيب عن أذهان الكثيرين، هذه الحقيقة هي أن الحديث عن الرب يسوع المسيح ودعوة الناس إلى التوبة والإيمان باسمه مرتبط كل الارتباط بالمعمودية وغيرها من الأسرار.
لقد أوضح لنا سفر الأعمال، المنهج الرسولي الذي به يستطيع الإنسان أن يتمتع ببركات الخلاص الذي صنعه الرب يسوع بصلبه على الصليب وقيامته من الأموات، إذ يشهد روح الله على لسان بطرس الرسول أنه لكي يحصل الإنسان على الخلاص لابد أن يتوب ويعتمد على اسم يسوع المسيح. هذا هو بداية الطريق المؤدي إلى الحياة الأبديّة.
ويشهد الروح القدس على لسان الرسول بولس أن كل من “يعتمد بالمسيح فإنه يلبس المسيح” (غل 3: 27). وبالمعمودية نُدفن مع المسيح ونقوم معه فنصير متحدين معه بشبه موته وقيامته (رو 6: 4-5)، “مدفونين معه في المعمودية التي فيها أقمتم أيضًا معه بإيمان عمل الله الذي أقامه من الأموات، وإذ كنتم أمواتًا بالخطايا وغلف جسدكم أحياكم معه مسامحًا لكم بجميع الخطايا” (لو 2: 13-14).
واضح إذن من هذه الشهادات أن المعمودية ليست مجرد ممارسة خارجيّة بل إنها ترتبط بصميم حياتنا في المسيح، إذ فيها نتحد بشخص المسيح في موته وقيامته، وبها ندخل في علاقة جديدة مع الله إذ نصير أولادًا له لا باستحقاق منا بل بسبب لِبسِنا للمسيح ابن الله الوحيد واتحادنا به بالروح. هذا هو غنى نعمة الله الفائق الوصف وإحسانه ولطفه علينا في المسيح يسوع بمقتضى رحمته التي خَلُصنا بها بحميم الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس (تي 3: 5-6).
إذن فبعمل الروح القدس في المعمودية نلبس المسيح ونتحد به في موته وقيامته.
وباختصار فإننا بالمعمودية نبتديء في الدخول في حالة اتحاد بالمسيح واندماج فيه وشركة حيَّة معه في الروح، ثم بعد أن يعدّنا الروح ويطهّرنا بالمعمودية ويجعلنا أبناء لله فإنه يأتي ويسكن في قلوبنا، إذ أننا بعد أن نعتمد نُمسح بالروح القدس “… فتقبلوا عطية الروح القدس” (أع 2: 38). “ثم بما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبّا الآب” (غل 4: 6)، “لأن الذي يثبّتنا معكم في المسيح وقد مَسحَنا هو الله. الذي ختمنا أيضًا وأعطى عربون الروح في قلوبنا” (2 كو 1: 21-22).
هذا الاندماج وهذه الشركة مع المسيح تتم بالدفن في مياه المعمودية ولكنها أيضًا تستلزم توفر رغبة الإنسان وإرادته، وهذا ما يعبّر عنه بالنسبة للمُعمد بالإيمان والتوبة “من آمن واعتمد خلص”، “توبوا وليعتمد كل واحد منكم” (مر 16: 16، أع 2: 38).
ففي حالة الذين يعتمدون كبارًا لابد من توفر الإيمان الحي بالمسيح والاستعداد الكامل للتوبة كشرط سابق للمعمودية حتى أن القديس كيرلس الأورشليمي يحذّر الموعوظين (الذين كانوا على أهبة قبول المعمودية) قائلاً: “إن ظللت في سوء استعدادك فالذي يكلمك ليس مسئولاً، ولكن لا تنتظر قبول النعمة، لأنك ستنزل في الماء ولكن الروح سوف لا يقبلك. فإذا كان أحد مجروحًا فليضمد جروحه وإذا كان أحد ساقطًا فليقم[5].
أما في حالة الذين يعتمدون أطفالاً (المولودين من أبوين مسيحيين)، فإن الأشبين (الوصي) يتولى- مؤقتًا- نيابة عن الطفل جحد الشيطان والاعتراف بإيمان المسيح والتعهد بالحياة في محبته وطاعته، على أساس أنه عندما يكبر الطفل المُعمد يجب أن يعرف بواسطة أشبينه بما جرى نيابة عنه في طفولته أي يجب أن يكون للإنسان بإرادته وحريته، حالة الإيمان والسير وراء المسيح إن أراد أن يكون له نصيب وشركة مع المسيح هنا في غربة هذا الدهر وفي دهر الحياة الأبديّة.
أو بمعنى آخر لابد أن يستمر لابسًا للمسيح بإرادته “البسوا الرب يسوع المسيح” (رو 13: 14). هذا ما يحتاجه كل من اعتمد طفلاً لكي يتمتع الآن بالتجديد الذي سبق أن ناله بعمل الروح القدس في المعمودية.
فعلى كل مسيحي أن يراجع نفسه الآن هل هو في شركة مع المسيح أم أنه منفصل ومبتعد عنه بقلبه وروحه، لأن ابتعادنا عنه وسلوكنا بحسب الجسد وبحسب العالم يعني أننا نجهل أو نتجاهل عهد معموديتنا، ولكن إن رجعنا إليه بقلب صادق في يقين الإيمان وعزم التوبة فإنه يعيدنا من جديد إلى حالة الشركة معه والتمتع بمحبته أي يجعلنا نلبسه من جديد، لأنه مشغول بنا ومشتاق إلينا حتى إن كنا قد بدّدنا كنوز الروح في كورة الخطية البعيدة.
هذا هو ما جعل الكنيسة تنظر إلى سرّ التوبة كمعمودية ثانية، إذ بالتوبة يستعيد الإنسان قوة تجديد المعمودية التي فقدها بالبعد عن المسيح والسلوك في الخطية وشهوات العالم.
لذلك فبعد التوبة الصادقة يرجع الإنسان إلى حالة التمتع بسكنى الروح القدس فيه (الذي سبق أن ناله في سر المسحة)- والتي حُرم منها طوال فترة تغربه عن المسيح- فيشتعل فيه النور الإلهي من جديد ويُشرق في إنسانه الباطن. لكن الحياة الجديدة في المسيح التي ننالها كبذرة حيَّة في المعمودية والتي نستعيدها بالتوبة لا تتوقف عن النمو، لذلك يلزم للإنسان السائر في طريق الملكوت أن يثبت في المسيح ويستمر لابسًا إياه كل الحياة.
لابد للمُعمد أن يطلب ما فوق ويهتم بما فوق “إن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق، حيث المسيح الجالس.. اهتموا بما فوق لا بما على الأرض لأنكم قد متم..” (كو 3: 1-3). هذه هي الشهادة الصحيحة على إخلاصه لعهد معموديته. لابد أن يهتم بما فوق وأن يموت إراديا عن محبة العالم. يجب أن يضع المسيح أمامه كهدفه وغايته دائمًا ويسلك على هذا الأساس تابعًا سيده ومخلصه حاملاً الصليب كل يوم.
إن معموديتنا معناها إننا صرنا من فوق، من السماء لا من هذا العالم، فلنربط قلوبنا بمحبة وإخلاص شديد للمسيح ونسلك في الطريق المضمون الذي به نحيا إلى الأبد معه. وهو قد رتب لنا ما يلزمنا في الطريق إذ أعطانا غذاءً وقوة لحياتنا الجديدة في كلمة الإنجيل وفي جسده ودمه الذي سلمه للكنيسة لنتحد به فنحيا بحياته الإلهيّة. وأعطانا وصية السهر والصلاة في كل حين، والوصية الجديدة “أن نحب بعضنا بعضًا كما أحبنا” كل هذه أعطاها لنا لنتسلح ونتقوى بها في الطريق ونحيا بقوته، وروحه القدوس الساكن فينا مستعد دائمًا للعمل فينا ومعنا لنتقوى حسب شدة قوته.
بهذه الوسائل والمجاري التي تتدفق منها نعمة الروح القدس، والتي فيها يعطينا الرب ذاته بصورة متجدّدة لنلبسه ونتحد به أكثر فأكثر تكون لنا القدرة على الجهاد في طريق الرب حتى الدم، مادام الهدف أمام قلوبنا لا يتغير. هذه هي العلاقة بين الأسرار وبين جهادنا الروحي. إننا لا نجاهد بقوتنا، نحن لسنا وحدنا في الطريق، إن روح الرب فينا ومعنا “يمكث معكم ويكون فيكم” (يو 14: 16، 19).
الروح القدس المنبثق من الآب والمُرسل للكنيسة بالمسيح يوم الخمسين والعامل إلى الآن في المؤمنين الحقيقيين هو يعطينا أن نتذوق منذ الآن بعين الإيمان قوة الدهر الآتي، فبنعمة الملكوت الآتي نستطيع ونحن أمام مائدة الرب أن نرى في الخبز المكسور جسد المسيح الحيّ، الذبيحة التي تُحيي الكل، الحمل القائم في وسط عرش الله كما رآه يوحنا في الرؤيا، وبنعمة الملكوت الآتي نستطيع أن نرى في الكأس المقدسة، الدم النابع من جنب المخلص، والذي به دخل إلى الأقداس السماويَّة فوجد لنا فداءً أبديًا (عب 9: 12)، حتى إن كانت العين الجسديّة لا تستطيع أن ترى إلاّ خبزًا عاديًا ومشروبًا عاديًا.
وبعمل الروح فينا الذي يغيّرنا ويحوّلنا إلى طبيعة المسيح- طبيعة المحبة- نستطيع أن نرى في إخوتنا وجه المسيح حيث لا ترى عين الجسد سوى وجه اللحم من أجل اللذة أو الغضب.
كل هذا يمكن أن نتمتع به لأننا بقيامة المسيح التي نشترك فيها بالمعمودية نشهد عجائب الروح الذي يُغيّر العالم من الداخل، الروح الذي لا يعرفه العالم ولكن يعرفه جميع الذين حياتهم مستترة مع المسيح في الله (كو 3: 3).
بقوة هذا الروح الإلهي نحن نجاهد ونسير في الطريق فنزداد اتحادًا بالمسيح كلما سرنا معه، واضعين أمام قلوبنا يوم مجيئه المجيد السعيد على السحاب ليأخذنا معه، كغاية ورجاء نتطلع إليه باشتياق وحنين وثقة، وكلما أكلنا جسده وشربنا دمه باستعداد فإننا نتذكر العهد الذي أقامه بيننا وبينه بدم صليبه مجدّدين التعهد في كل مرة أن نثبت في محبته، مُخبرين بموته معترفين بقيامته، ونذكره إلى أن يجيء (1 كو 11: 26، القداس الإلهي).
أما إخوتنا (من غير الأرثوذكس) الذين يشتركون معنا في الإيمان بربنا يسوع المسيح ولكنهم لا يشتركون معنا في الإيمان بفاعليّة الروح القدس في الأسرار فنحن يؤلمنا أن يحرموا أنفسهم من هذه الكنوز الإلهيّة، ولكننا لا نرى أن علاج الأمر يكون بالدخول في مناقشات جدليّة معهم لأن المسألة ليست نظريات وبراهين عقلية بل مسألة رؤية وإيمان، فإن الإيمان نفسه هو برهان الأمور التي لا تُرى.
ولكن إن كان أحد يبحث عن الحق بإخلاص وتهمه الحقيقة في ذاتها، ومع هذا لم يكتشف بعد حقيقة الأسرار كما استلمتها الكنيسة منذ العصر الرسولي، مثل هذا نقول له بلسان أسقف أوخريدا (اليوغسلافي) في حديثه الذي وجهه إلى البروتستانت في مؤتمر لوزان عن أسرار الكنيسة “من شاء أن يسأل فليسأل الله بالصوم والصلاة والدموع، فيكشف له الحقيقة التي كشفها دائمًا للقديسين…”
فكل ما قلناه عن الأسرار المسيحيَّة العظمى ليس هو رأينا (فلو كان رأينا فلا قيمة له) بل هو اختبار الرسل في الأزمنة القديمة والقديسين على مر العصور حتى أيامنا الحاضرة، لأن كنيسة الله لا تحيا بالظن ولا بالرأي، بل بخبرة القديسين كما في البداية هكذا حتى أيامنا هذه. فقد يكون رأي أذكياء البشر غاية في الحذق وخاطئًا في الوقت ذاته بينما خبرة القديسين صحيحة دائمًا لأنها الله ذاته الصادق بالنسبة إلى ذاته في قديسيه[6]“.
عظات القديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد – بيت التكريس لخدمة الكرازة
القديس مقاريوس وتاريخ عظاته:
القديس مقاريوس صاحب هذه العظات هو القديس مقاريوس الكبير الذي وُلد في سنة 300 ميلادية وتنيح سنة 390 م، وهو أب رهبنة الأسقيط كلها، وقد لقب بمقاريوس المصرى تمييزًا له عن القديس مقاريوس الإسكندري (أب القلالي بالقرب من نتريا) الذي كان من منطقة قريبة من الإسكندرية، ولكن اللقب الذي ارتبط باسم القديس مقاريوس صاحب هذه العظات هو لقب “الكبير” وهكذا يُذكر في معظم المراجع الآبائية وفي قواميس الدراسات الآبائية ولهذا فضلنا أن نستخدم لقب “الكبير” بدلاً من “المصري” في هذه العظات التي تُسمى في أصلها اليوناني “بالعظات الروحانيّة” وقد نشرتها الترجمة العربية السابقة (سنة 1901) باسم “العظات الروحانيّة للقديس أنبا مقاريوس المصري”.
وُجدت “العظات الروحانيّة” للقديس مقاريوس وحُفظت في عدة مخطوطات باليونانية بعد نياحته بفترة قصيرة، وقد نُشر الأصل اليوناني للعظات مطبوعًا لأول مرة سنة 1559 بواسطة جوهانس بيكوس Johannes Picus الذي نشر ترجمة لاتينية مع الأصل اليوناني.. وأُعيد طبعها بعد ذلك في “مجموعة الآباء باليونانية” المجلد 34، للراهب الكاثوليكي مينى J.P. Migne, Patrologiae Graecaفي باريس بين 1857-1866.
وهذه “العظات الروحانيّة” أعطت لصاحبها “القديس مقاريوس الكبير” مكان الصدارة في تاريخ الروحانيّة المسيحيَّة للعصور الأولى وصارت مصدرًا للإلهام والتأثير القوي على المتصوفين المسيحيين في الغرب في العصور الحديثة: لذلك فإن مؤلف كتاب “المسيحيَّة الحقيقيّة De Vero Christianismo جون أرندت John Arndtسنة 1708، يعرف عظات مقاريوس كلها يحفظها عن ظهر قلب.
أما جوتفريد أرنولد Gottfried Arnold فقد ترجمها إلى الألمانية منذ عام 1696، وقد قام جون وسلي J. Wesly صاحب “حركة القداسة” في إنجلترا، ومؤسس “كنيسة الميثودست” Methodists بأول ترجمة لعظات مقاريوس إلى الإنجليزية سنة 1749 وتُظهر ترانيمه الكثيرة التي ألفها وكان يستعملها في اجتماعاته، تأثره الواضح بعظات القديس مقاريوس، كما يقول كواستن Quasten أستاذ الباترولوجي، وأعيد طبع ترجمة وسلي الإنجليزية هذه سنة 1819 بلندن.
ثم قام A. Masonماسون- بترجمة جديدة من اليونانية إلى الإنجليزية ونشرتها له جمعية نشر المعارف المسيحيَّة S.P.C.K بلندن سنة 1921م.
وقد وُجدت مخطوطات لعظات القديس مقاريوس بالسريانية وبالعربية في مكتبة الفاتيكان، وتُوجد نسخة مخطوطة بالعربية في مكتبة البطريركية القبطية الأرثوذكسية بالقاهرة، وهي التي يشير إليها يوسف منقريوس ناظر المدرسة الإكليريكية، ويقول إن قداسة البابا كيرلس الخامس أعطاها له عند إعادته نشر الترجمة العربية السابقة 1901.
وقد اكتُشفت حديثًا مخطوطة لعظات مقاريوس باللغة الروسية تحوي 57 عظة مثل مخطوطة أكسفورد لعظات القديس مقاريوس باليونانية.
عظات القديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد – بيت التكريس لخدمة الكرازة
عظات مقاريوس بالعربية:
وقد قام المرحوم يوسف منقريوس ناظر المدرسة الإكليريكية سنة 1901 بنشر “العظات الروحانيّة للقديس أنبا مقاريوس المصري” مطبوعة باللغة العربية، ويظهر من المقدمة التي كتبها لطبعة 1901،
أنه قام بإعادة طبع ترجمة عربية للعظات عن الإنجليزية، أي أن العظات ظهرت مترجمة بالعربية ومطبوعة قبل سنة 1901، ثم قام هو بأخذ الترجمة العربية وأعاد طبعها، إذ يقول في المقدمة “ظلت (عظات مقاريوس) محفوظة حتى توفق الإنجليز لطبعها بلغتهم بعد مقابلتها مع النسخة اليونانية ثم تُرجمت إلى اللغة العربية وهي النسخة التي عولنا عليها عند إعادة طبعها اليوم مع بذل الجهد المستطاع في ضبط عباراتها ومراجعة شواهدها الكتابية”.
وطبعة يوسف منقريوس هذه التي نُشرت سنة 1901، هي نفسها التي قامت كنيسة مارجرجس بسبورتنج بالإسكندرية، بطبعها مرة أخرى كما هي سنة 1976، ويبدو أن الذي حرّك كنيسة مارجرجس بسبورتنج[7] لطبع “عظات مقاريوس” هو تأثير كتاب “الروح القدس وعمله داخل النفس” للأب متى المسكين الذي أورد أجزاء كثيرة من عظات القديس مقاريوس عن عمل الروح القدس في النفس، إذ تقول طبعة سبورتنج في المقدمة:
“لقد كان الفضل في كشف أسرار وعظمة هذه العظات لدير القديس أنبا مقار في كتابه “الروح القدس وعمله داخل النفس” فقد كشف عن العمق الروحي لهذه العظات مع بساطة التطبيق العملى في حياة النفس الداخلية”.
وقد وجدنا بعض الصعوبة في لغة الطبعة العربية السابقة (طبعة 1901 التي هي طبعة 1976) مما جعل كثيرون ينصرفون عن متابعة قراءتها والاستفادة منها بسبب أسلوبها العربى القديم، وعدم الوضوح في بعض الأحيان، رغم أهمية هذا التراث الآبائي الروحي الرائع، ولذلك فكرنا في ترجمتها من الإنجليزية إلى العربية ترجمة جديدة، وقد رتب الرب هذا الأمر بأن أرسل لنا الدكتور رودلف يني مرقس بأميركا نسخة هدية من الترجمة الإنجليزية التي ترجمها أ. ماسون سنة 1921 والتي أُعيد نشرها بأمريكا 1974 بواسطة هيئة “الكتب الشرقية الأرثوذكسية” Eastern Orthodox Books بكاليفورنيا، مع مقدمة عن “حياة وتعاليم القديس مقاريوس الكبير” بقلم البروفيسور إيفان م. كونتزيفيش أستاذ اللاهوت الأرثوذكسي (المتوفي 1965).
وقد قمنا بوضع عنوان رئيسي وكذلك عناوين جانبية لكل عظة من العظات الخمسين لم تكن موجودة في الأصل اليوناني، ولا في الترجمة العربية القديمة (1901). أما الملخص الموجود تحت كل عنوان رئيسي لكل عظة بخط صغير فهو موجود في الترجمة الإنجليزية كما في الترجمة العربية القديمة.
ولإلهنا القدوس الآب والابن والروح القدس كل مجد وتسبيح وسجود الآن وإلى الأبد. آمين.
[1] القديس سيرافيم الراهب الروسي في القرن 19- الذي تحدث حديثه الشهير عن اقتناء الروح القدس وهو غاية المسيحية، انظر كتاب “لهيب وسط الثلوج” للقمص ويصا السرياني، نشر مكتبة المحبة- الذي يحوي سيرة الراهب سيرافيم الروسي وحديثه عن “اقتناء الروح القدس”.
[6] هذا الجزء من الحديث الذي وجهه الأسقف نيقولاوس فليمروفتش متروبوليت أوخريدا إلى المندوبين البروتستانت في مؤتمر لوزان سنة 1927 باعتباره أحد المندوبين الأرثوذكس.
[7] الأب القمص بيشوي كامل الذي تنيح 21 مارس سنة 1979.
عظات القديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد – بيت التكريس لخدمة الكرازة
الوهية الروح القدس – القديس كيرلس الإسكندري – د. سعيد حكيم
الوهية الروح القدس – القديس كيرلس الإسكندري – د. سعيد حكيم
الوهية الروح القدس – القديس كيرلس الإسكندري
الروح القدس يخلق ويُجدّد:
إن كان الروح يستطيع أن يُؤله وأن يهب المخلوقات رتبة أسمى من الخليقة فهو أسمى من حيث الطبيعة، والكرامة، فإذا كان يستطيع أن يؤله النفس، فكيف يمكن أن يكون مخلوقًا وليس إلهًا، طالما أنه يؤله؟
إن كنا نؤمن بأن الله قد أتى إلينا، بواسطة سكنى الروح القدس داخلنا، فكيف يمكن أن يكون (الروح) مخلوقًا؟ لأنه من غير الممكن أن يُقيم الله داخلنا بواسطة مخلوق، إذ أن الله يسمو على الكون (المخلوق). لأنه كما انه بسكنى الله داخلنا، نصبح شركاء الطبيعة الإلهية، وليس شركاء الطبيعة المخلوقة، هكذا فإذا سكن داخلنا مخلوق، فلن نكون بعد شركاء الطبيعة الإلهية، بل شركاء الطبيعة المخلوقة. إذًا فالروح هو إله، طالما أن الله يسكن فينا بالحقيقة من خلاله.
فكل شيء يأتي من العدم إلى الوجود، يعتبر عبد للذي خلقه، ويكون في مكانة الخادم، بينما نحن إذ قد صرنا شركاء الروح القدس وصرنا أحرارًا، وهذا معناه على كل حال أن الروح القدس بحسب طبيعته حر، وليس بمخلوق، ولا عبدًا، كما في حالة الخليقة، بل هو الطبيعة التي هي فوق كل نير وكل حرية.
إن كان الروح يعمل فينا المواهب الإلهية كما يشاء، لأن هذا ما يقوله المطوب بولس: ” الله واحد الذي يعمل الكل في الكل “[1]، إذًا فالروح إله، إذ أنه ينبثق من الله بالطبيعة.
والمطوب داود يُرنم لله مخلص الجميع، من اجل كل ما هو موجود على الأرض قائلاً: ” تُرسل روحك فتخلق وتجدد وجه الأرض “[2]، لكن هذا الذي تجّدد، قد تجّدد هكذا كما كان في البداية، وهذا هو فعل القوة ذاتها، التي أتت به إلى الوجود منذ البدء، وعندما فسد هذا المخلوق، أعادته تلك القوة مرة أخرى إلى حالته الأولى. الروح يُجدد الخليقة، لأن الخليقة لم تُخلق من قِبل مخلوق، وعندما فسدت لم تتجدد بمخلوق، بل من الله. إذًا فالروح القدس إله، ويأتي من الله بحسب الطبيعة.
إن كانت المخلوقات في مجموعها قد خُلقت بنسمة فم الله، كما يُصلي داود[3]، وان كان الروح مخلوق (كما يدّعي البعض)، فليقل لنا هؤلاء الذين يُؤمنون بذلك، إلى أي شيء يستند هذا الإيمان. وإن كان الروح حقًا طبيعة مخلوقة، وهو الذي يُثبت الخليقة، فهذا معناه أن الخليقة تُثبّت نفسها، وليس لها احتياج لله على الإطلاق. لكن حين تؤمن بهذا الكلام، وتتحدث به، فهذا أمر يدعو للدهشة والغرابة، لأننا نتحد بالله عن طريق الروح القدس، وكلام المزمور كلام حقيقي: ” بكلمة الرب صُنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها “[4].
إذًا فالروح من طبيعة الله، ويأتي من الله، وعلى أية حال فهو ذو طبيعة مختلفة عن الخليقة، التي تعتمد في وجودها عليه. فذاك الذي هو أسمى من الخليقة، ومن طبيعة مختلفة عن المخلوقات، هو بالتأكيد إله، وليس شيئًا آخر.
روح الحكمة والقوة:
لقد جعلنا الله حكماءً، بل وأقوياءً، عن طريق الابن، بالروح القدس. لأنه يُدعى روح الحكمة، وروح القوة. إذًا كيف يمكن أن يكون روحًا مخلوقًا؟ لأنه لو كان ذلك أمرًا صحيحًا، فمن الواضح أنه لا يوجد شيء يمكن أن يُعوقنا عن أن نفكر على هذا النحو: أن الله حكيم وقوي من خلال المخلوقات، وحكمته حكمه مخلوقة. وفي هذه الحالة يكون الكون هو الذي يضفي جمالاً على الله وليس العكس. لكن أن تؤمن بهذا، أو تقوله فهذا كفر. وبناءً على ذلك فإن الروح إله، وينبثق من الله بحسب الطبيعة، وبواسطته يعطي الله الحكمة للخليقة ويشدّدها. وعن الابن قال المطوب بولس: ” وأما الرب فهو الروح “[5]. أيضًا الابن نفسه قال: ” الله روح “[6].
إذًا عندما يُدعى الروح القدس بالآب مرةً، وأيضًا بالابن مرة أخرى، فكيف لا يكون واحد في الجوهر معهما؟ كما أن الخليقة في طبيعتها غير مؤلهة. إذًا فإن كان من غير الممكن أن نشترك في طبيعة الله أو نصير شركاء الطبيعة الإلهية، إلاّ فقط من خلال الروح القدس، فكيف يُعتبر الروح خارج الألوهه، ذاك الذي بذاته يجعل أولئك الذين يأتي إليهم، شركاء الطبيعة الإلهية؟
أن نقول بأن الخليقة، أو أي مخلوق من المخلوقات، هو مساو في العمل والقوة مع الله، فهذا يُمثل دليلاً واضحًا على الكفر. لكن لأن الروح القدس له نفس الطاقة أو العمل مع الآب والابن، فمن الواضح أنه إله من إله من حيث طبيعته، حتى أنه يستطيع أن يعمل ما يعمله الله.
والدليل على كل ما يُقال، هو هذا الذي طرحه القديس بولس بكل وضوح، قائلاً: ” فأنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد. وأنواع خدم موجودة ولكن الرب واحد. وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل “[7]. ولأن الآب يُعطي حياة، والابن أيضًا بنفس القدر يُعطي حياة، الروح القدس هو أيضًا يُحيي. يكتب إذًا المطوب بولس: ” أوصيك أمام الله الذي يُحيي الكل “[8]. بل إن الابن نفسه قال: ” خرافي تسمع صوتي وأنا اعرفها فتتبعني وأنا أعطيها حياة أبدية “[9].
وأما أن الروح يُحيي، سيُبرهن على ذلك المخلص نفسه بقوله: ” الروح هو الذي يُحيي. أما الجسد فلا يفيد شيئًا. الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة “[10]. بل والمطوب بولس يكتب ” وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيُحيي أجسادكم المائتة بروحه الساكن فيكم “[11]. إذًا فذاك الذي يمكنه أن يعمل أعمال مساوية في الكرامة للأعمال التي يعملها الله، هو بالحقيقة إله، ويأتي من الله بحسب الطبيعة.
لقد وبّخ ربنا يسوع المسيح جموع اليهود قائلاً: ” أعمالاً كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي. بسبب أي عمل منها ترجمونني “[12]. وأيضًا ” الآب الحال فيّ هو يعمل الأعمال “[13]. بل إنه أقر، بأنه بروح الله يُخرج الشياطين.
إذًا طالما أن أعمال الروح هي أعمال الآب، ومن الواضح أنها أعماله هو أيضًا، فكيف يكون من الممكن أن يكون الروح مخلوقًا؟ لأنه لو كان هذا الأمر حقيقي (أى أن الروح مخلوق)، فعندئذ يتمجد الآب من خلال المخلوق، بل والابن يتمجد بالمخلوق، طالما أن المعجزات يصنعها بواسطة الروح، إلاّ أن هذا أمرًا غير معقول. إذًا فالروح إله، وهو من طبيعة الله، طالما أنه يعمل أعمال الآب والابن.
الروح القدس يملأ كل المسكونة:
حين يعرض المطوب بولس للعهد الجديد الذي للمسيح، يعرضه بصورة أكثر مجدًا من العبادة الناموسية، قائلاً: ” إن كانت خدمة الدينونه مجدًا فبالأولى كثيرًا تزيد خدمة البر في مجد “[14]. إذًا الناموس كان لخدمة الدينونة، بينما البشارة الإنجيلية كانت لخدمة البر. لكن خدام العهد القديم، الذين أدانهم، كانوا يتحدثون بعبارات مثل ” يقول الرب “، وخدام العهد الجديد، الذين بررهم، قالوا: ” الروح القدس يقول “.
إذًا هل خدام العهد الذين أدانهم أسمى من خدام العهد الثاني (أي الجديد)؟ لأن خدام العهد القديم خدموا بكلام الله، فلو أن الروح القدس هو مخلوق فهذا معناه أن خدام العهد الجديد خدموا بكلام المخلوق. وكيف تكون بعد، خدمة البر في مجد؟ لأنه ما هو الأكثر مجدًا، أن يخدموا بكلام الله أم بكلام المخلوق؟ لكن خدام العهد الأول (القديم) ليسوا أسمى ولا هم أكثر بهاءً من خدام العهد الجديد.
وبناء على ذلك فعندما قالوا إن: ” الروح القدس يقول “، فهم أيضًا يُخدَمون بكلام الله، لأن روح الله، هو إله، ويأتي من الله بحسب طبيعته. أما أن خدمة خدام العهد الثاني (الجديد) هي أكثر بهاءً من خدمة خدام العهد الأول (القديم). فهذا ما أكده المخلص، قائلاً للرسل القديسين: ” الحق أقول لكم إن أنبياء وأبرارًا كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا ” لكن أنتم ” طوبى لعيونكم لأنها تُبصر ولأذانكم لأنها تسمع “[15].
وقال لتلاميذه القديسين: ” وتساقون أمام ولاة وملوك من اجلي… فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون لأنكم تُعطَون في تلك الساعة ما تتكلمون به. لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم “[16].
أيضًا يقول المطوب بولس: ” إذًا أنتم تطلبون برهان المسيح المتكلم فيّ “[17]. إذًا عندما يتكلم المسيح في القديسين، فالروح هو الذي يتكلم، فكيف يمكن أن يكون مخلوقًا ذاك الذي يوجد داخلنا ويتكلم المسيح من خلاله، والذي من الله بحسب الطبيعة، وواحد في الجوهر مع الابن؟ والمطوب موسى قال في سفر التكوين: ” فخلق الله الإنسان على صورته “[18]. بل وخالق الجميع قال بفم إشعياء: “ أنا صنعت الأرض وخلقت الإنسان عليها “[19].
وطالما أن هذا صواب، فإن المطوب أيوب يقول: ” روح الله صنعني “[20]. فإن كان روح الله مخلوقًا، فهذا معناه أننا خُلقنا من مخلوق. وإذا كان كذلك فلماذا يقول الكتاب: ” وجبل الرب الإله ادم ترابًا من الأرض “[21]. وبناء على ذلك فمن الأمور الأكثر غرابة أن ننسب مجد الخالق للمخلوق، فالروح خالق، إذًا فهو إله وهو من الله بحسب طبيعته.
فلو أن الأصغر يُبَارك من الأكبر[22]، وفقًا لكلام القديس بولس، ولو أن الخليقة المدركة تتبارك، وتتقدس من الله بواسطة الروح، فإنها تتبارك وتتقدس من ذاك (أي الروح) الذي هو أسمى بحسب طبيعته من كل شيء. وإن كان هذا صحيحًا، إذًا فالروح القدس ليس مخلوقًا. لأن الأكبر لا يتبارك من الأصغر.
الروح يُحيي إذ هو الحياة:
فإن كانت المخلوقات تُدرك في مكان محدد، ومن خلال بعض الصفات، وإن كان الروح القدس لا يُدرك هكذا، لأنه مكتوب: ” روح الرب ملأ المسكونة “[23]، بل وداود يُرنم قائلاً: ” أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب “[24]، فكيف يمكن أن يكون ذاك الذي يملأ المسكونة، مخلوقًا، لأنه بالنسبة للابن، كتب ” الذي نزل هو الذي صعد أيضًا فوق جميع السموات لكي يملأ الكل “[25]. والآب نفسه قال لليهود في موضع ما ” السموات كرسيّ والأرض موطئ قدميّ أين البيت الذي تبنون وأين مكان راحتي “[26]، وأيضًا: ” أما أملأ أنا السموات والأرض يقول الرب “[27].
وفي موضع آخر قال الله لليهود الذين تحرروا من بابل ” واعلموا فإني معكم … وروحي قائم في وسطكم “[28]، أي انه في وسطكم قائم الله بحسب الطبيعة والحقيقة. كيف يمكن أن يُعد مخلوقًا، وليس إلهًا، إنه من الله بحسب الطبيعة، طالما أنه بذاته يحقق الحضور الإلهي؟
مكتوب: “ بكلمة الرب صنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها“[29]. والمؤكد أن قوة الخلق تليق بالله، وليس بالمخلوق، فكيف يمكننا أن نتشكك في ذلك؟ لكن لو أن الروح حقًا مخلوق، وهو الذي يثبّت الخليقة، فحينئذٍ تكون الخليقة هى التي تحفظ ذاتها لكي تكون في حالة حسنة، دون أن تحصل أو تأخذ أي شيء من الله لأجل هذا الأمر، وإن كان يجب أن أقول شيئًا غير لائق، فإن الخليقة بهذه الرؤية لها طبيعة سامية، طالما إنها تعمل من تلقاء ذاتها، وبهذا تصير موضع إعجاب لدى المرء.
لكن هذا أمر غريب، لأن الروح يُثبت السموات، ويُشدّد الخليقة. إذًا فهو طبيعة أسمى من الخليقة، إذ هو إله. فإن كان الروح يُحيي، وهو الحياة، وفقًا لكلام المخلص[30]، فكيف يمكن أن يكون مخلوقًا؟ ولهذا فلو لم يكن موجودًا قبلاً، فليس هو حياة، أي لو أنه خُلق مع أشياء أخرى، أي تلك التي أتت للوجود من العدم. إن الكلام عن خلق الروح، بهذه الطريقة هو كلام غير لائق، لأن الروح هو بالحقيقة حياة، ويُحيي. إذًا فهو لم يُخلق، بل كان موجودًا قبل الدهور، لأنه من الله بالطبيعة، وهو إله.
الطبيعة الإلهية غير المائتة، طبيعة بسيطة وغير مركبة، وهى التي تأتي بكل المسكونة إلى الوجود، وتكملّها بالروح. فلو أن الروح القدس هو مخلوق، كما يدّعي المضادون، فستكتمل عندئذٍ أعمال الألوهة عن طريق مخلوق. ولأن الله من جهة طبيعته بسيط، فكيف يمكن لروحه أن يكون مُركبًا؟ لأنه ليس هناك بين المخلوقات ما هو بسيط من حيث طبيعته. نعم، كما قال هؤلاء الذين يشتكون على مجد الروح القدس، الروح القدس هو من الله، ويُقدس الخليقة من الله. لأن المخلص قال عنه: ” يأخذ مما لي “[31].
إن ما يُمنح ويأتي من خارج، من آخر، يمكن على أية حال أن يُنزع، وما ليس لنا بالطبيعة، يمكن أن يُفقد. إذًا هل سيفقد الروح القدس ذات مرة قوة التقديس؟ برغم أنه من المؤكد أن له صفة تدل على جوهره، والذي يؤكد على أنه كائن، وليس مجرد رتبه ما، أو امتياز، كما هو الحال بالنسبة للسلطة والعرش، والسيادة. لأن هذه الألقاب لا تعبر عن جوهر هؤلاء الذين يحملونها، بل تُعلن درجة كرامة كل رتبة على حدة. ولكن في الثالوث القدوس اسم الآب والابن والروح القدس، لا يُظهر امتيازًا ما، بل يُوضح ماهية كل واحد من هذه الأسماء.
قدوس بطبيعته:
فإن كان اسم الروح القدس يُعلن عن جوهره، أي يُعلن عن ماهيته من جهة طبيعته (لأنه دُعي قدوس)، فالله قدوس أيضًا[32]، (إذ هكذا تُسبّحه القوات السمائية لا كأنه اكتسب القداسة، بل لأنه قدوس بطبيعته، وبحسب الجوهر)، ولن يكون الروح غريبًا عنه من حيث جوهره. لأنه هو بطبيعته قدوس، طالما أنه يأتي من قدوس، ومتحد بالله القدوس بحسب طبيعته.
هؤلاء الذين يقولون إن الروح القدس مخلوق لا يدركون، إذ هم عميان، أن كل خدمه تتصف بالعبودية، هي اقل أو أدنى من الخدمة الذاتية أو الشخصية. مثلما حدث على سبيل المثال عندما أُعطى الناموس للقدماء، والذي أُخبر به بترتيب ملائكة، وبواسطة موسى، الكامل في الحكمة.
لكن الذي أعلن الناموس قديمًا، هو نفسه أرسل لنا النعمة بواسطة الإيمان. ولهذا فإن خدمة المسيح نفسه هي أكثر مجدًا، من خدمة موسى. إذًا لو أن الروح يُقدسنا كخادم، فمن الذي تقدّس أكثر من قِبل الآب؟ إنه ذاك الذي لا يتقدس، إلاّ عن طريق الروح القدس فقط. إن أعلى وأسمى درجات البركة الإلهية هو التقديس بواسطة الروح. وبناء على ذلك فالروح لا يُقدس الخليقة كعبد، ولا كواهب غريب (عن طبيعة الله)، بل إن الله ذاته بروحه هو الذي يصنع هذا بطريقة ما.
يهبنا شركة الطبيعة الإلهية:
المسيح له المجد يقول في موضع ما: ” إن أحبني احد يحفظ كلامي ويحبه أبي واليه نأتي وعنده نصنع منزلاً “[33]. وبأي طريقة يتحقق فينا هذا الوعد، الكلمة الإلهية تعلّمنا ذلك بوضوح. بالحقيقة يقول المطوب يوحنا البشير: ” وبهذا نعرف أنه يثبت فينا من الروح الذي أعطانا “[34]. والكامل في الحكمة بولس يقول: ” أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم “[35]. إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا طالما صرنا بواسطته شركاء مع الآب والابن؟ لأنه لم يكن ممكنًا بواسطة مخلوق، أو واحد من الملائكة القديسين، أن نصير شركاء الطبيعة الإلهية. وهكذا فإن الله يوجد داخلنا عن طريق الروح الذي هو إله.
الكتاب يقول، إن الروح القدس كان حاضرًا في شمشون، طالما كان غير حليق الشعر، ثم يقول الكتاب ” الرب قد فارقه “[36]، وذلك عندما حلق شعره بطريقة سيئة. إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا، طالما أنه بطبيعته هو الرب؟ لأن ذاك الذي هو حر، وسيد حقًا، لا ينتسب أو ينتمي للمخلوقات.
عندما قرر ربنا يسوع المسيح أن يصعد إلى السماء، عزى رسله القديسين قائلاً: ” لا أترككم يتامى. إني أتي إليكم “[37]. وتمم وعده، وأرسل لنا المعزي من السماء، أو من الأفضل أن تقول، إنه أتى إلينا بواسطة الروح. إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا، وهو الذي بواسطته تُقيم بيننا الطبيعة غير المخلوقة، “الكلمة” الذي خلق المسكونة؟
الروح القدس واحد في الجوهر مع الآب والابن:
إن الذين يتجرأون على أن يقولوا أو يؤمنوا، بأن الروح القدس مخلوق، يكفرون كثيرًا. لأنه كما أن الإنسان، ليست روحه غريبة عن ماهيته. هكذا فإن الروح ليس غريبًا عن الله بالطبيعة وبالحقيقة، وإن كان يُدرك كموجود بذاته، أي مثل الآب ذاته، وبالطبع مثل الابن، فمن المؤكد انه عندما يكون الروح داخلنا، يكون الابن داخلنا أيضًا، بسبب وحدة الجوهر بينهما ولأن الروح هو روحه بالطبيعة، وهذا ما يؤكده لنا المطوب بولس قائلاً:
” الذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله. وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح إن كان روح الله ساكنًا فيكم. ولكن إن كان احد ليس له روح المسيح فذلك ليس له. وإن كان المسيح فيكم فالجسد ميت بسبب الخطية. وأما الروح فحياة بسبب البر “[38]. إذًا فهو يؤكد أن الروح يُدعى روح الله، ويُشير أيضًا إلى المسيح، بسبب وحدة الجوهر بينهما.
إذًا عندما يوجد المسيح داخلنا، فكيف يمكن أن يكون روحه مخلوقًا، طالما أن الابن من حيث طبيعته هو إله، وواحد في الجوهر مع الآب؟ المطوب بولس، تكلّم عن أولئك الذين يتنبأون في الكنيسة متّبعين النظام الخاص بذلك، أى كل واحد بمفرده، يقول إن مَن ينظر إليهم، يقول إن الله داخلهم بالحقيقة. لكن من جهة هؤلاء الذين يتكلمون بألسنة غير مفهومة، يقول عنهم إنهم لا يُكلمون الناس، بل الله[39].
ها هو إذًا يقول بكل وضوح، إن هؤلاء يتنبأون ملهمين بالروح، والله يوجد داخلهم، وان هؤلاء الذين يتكلمون بلسان غير مفهوم، يتحدثون مع الله[40]. إذًا فالروح القدس هو إله.
كل شيء مخلوق، هو على كل الأحوال اقل من سمو الله، ويأتي في مرتبة أقل بكثير من المجد الأسمى. لأنه لا يمكن أبدًا لمَن هو عبد، أن يكون له نفس استحقاقات السيد، ولا المخلوق له نفس استحقاق الخالق أو نفس القيمة مع الخالق.
وبناء على ذلك فإن إله الجميع يُبرر أولئك الذين يخطئون، مادام له السلطان على غفران الخطايا. بل والروح القدس أيضًا يُبرر بنفس الدرجة. لأن القديس بولس يقول:” لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا “[41]. إذًا طالما أن الروح يُبرر بنفس القدر مع الله، فكيف لا يكون واحدًا معه في الجوهر؟ لأن المخلوق لا يمكن أن يبررنا. ذلك الذي له نفس القدرة مع الله الآب، هو على كل الأحوال واحد في الجوهر معه. إذًا مادام الله الآب مُحيي، فإن الروح القدس وبنفس القدر هو روح مُحيي.
أو من الأفضل أن نقول إن الآب يُحييّ بواسطة الروح القدس. هذا ما يؤكده القديس بولس وهو يكتب لتلميذه تيموثاوس: ” أوصيك أمام الله الذي يُحيّ الكل والمسيح يسوع… أن تحفظ الوصية بلا دنس ولا لوم “[42].
لكن في موضع أخر يقول: ” وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيُحيي أجسادكم المائته أيضًا بروحه الساكن فيكم “[43]. إذًا من المؤكد أن الله الآب يُعطي حياة للأموات، كما قلت، لكنه يعطيهم هذه الحياة بواسطة الروح القدس. إذًا كيف يكون مخلوقًا؟ فالآب لا يُعطي حياة عن طريق مخلوق، بل بالروح القدس الذي هو واحد معه في الجوهر.
قال الله ذات مرة لموسى: ” من صنع للإنسان فمًا؟ أو من يصنع اخرسًا أو أصمًا أو بصيرًا أو أعمى؟ أما هو الرب؟ فالآن اذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به “[44]. بل أيضًا ربنا يسوع المسيح وعد رسله القديسين، عندما كانوا يذهبون إلى ولاة، أنه سيعطيهم فمًا وحكمة[45].
أيضًا كُتب في سفر أعمال الرسل: ” وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم. وامتلأ الجميع من الروح القدس وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا “[46]. إذًا ها هو مرة أخرى يُعطي فمًا للإنسان، وبنفس الطريقة يُعطيه الروح القدس أيضًا. إذًا فذاك الذي له نفس الطاقة والقوة، والسلطة مع الله بالطبيعة، كيف لا يكون واحدًا معه في الجوهر وليس مخلوقًا؟
فإن كان يُسجد لطبيعة واحدة للثالوث القدوس الواحد في الجوهر، كيف يكون الروح القدس مخلوقًا؟ لأنه لا يكون ثالوثًا بعد، وكمال الثالوث سيكون ناقصًا، إن كان الروح القدس يُحصى مع المخلوقات، وإن كان المطوب بولس يعد الروح القدس مع الآب والابن بالضرورة. لأنه يكتب لأهل كورنثوس قائلاً: ” نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم “[47]. لأنه لا يُصلي لأجل الذين امنوا، لكي يصيروا شركاء لمخلوق، بل لكي يتقدسوا مشتركين في الطبيعة الإلهية.
يقول النبي المطوب إشعياء: ” رأيت السيد جالسًا على كرسي عال ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل. السيرافيم واقفون … وهذا نادى ذاك وقال قدوس قدوس قدوس “[48]. ثم يُضيف ” ثم سمعتُ صوت السيد قائلاً من أُرسل؟ ومن يذهب من اجلنا؟ فقلت هاأنذا أرسلني فقال اذهب وقل لهذا الشعب اسمعوا سمعًا ولا تفهموا وأبصروا إبصارًا ولا تعرفوا “[49]. لكن المطوب بولس يقول أن هذا الكلام يأتي من الروح القدس.
وقد كُتب في سفر الأعمال ما يلي عن الروح القدس، في إشارة لليهود ” فانصرفوا وهم غير متفقين بعضهم مع بعض لما قال بولس كلمة واحدة انه حسنًا كلّم الروح القدس آبائنا بإشعياء النبي. قائلاً اذهب إلى هذا الشعب وقل ستسمعون سمعًا ولا تفهمون وستنظرون نظرًا ولا تبصرون “[50]. إذًا حين تكلم رب الصباؤوت، كان الروح القدس هو المتكلم، فكيف يكون مخلوقًا؟ هذا الرأى (بأن الروح مخلوق) ليس له أية علاقة بالحقيقة. بل هو روح رب الصباؤوت وهو واحد معه بالطبيعة، وتكلّم بما لله.
وعندما يقول الله الآب: ” أما أملأ أنا السموات والأرض يقول الرب “[51]، بل والمطوب بولس يكتب عن الابن قائلاً: ” الذي نزل هو الذي صعد أيضًا فوق جميع السموات “[52]، وهذا الذي يملأ المسكونة هو الروح، لأنه مكتوب: ” روح الرب ملأ المسكونة “[53]، إذًا فالروح القدس ليس غريبًا عن طبيعة الله الآب، ومن المؤكد أنه ليس غريبًا عن طبيعة الابن، بل إن حفظ الخليقة يتم من الآب بالابن في الروح القدس، الذي هو فوق الخليقة. لأن الخليقة لا تشترك في ذاتها، بل هي تشترك في ذاك الذي هو بحسب الطبيعة فوق الخليقة، أي الله بواسطة الروح.
الروح يُدعى ربًا وإلهًا:
المطوب إشعياء قال ذات مرة للإسرائليين: ” كبهائم تنزل إلى وطاء روح الرب أراحهم. هكذا قدت شعبك لتصنع لنفسك اسم مجد“[54]، وموسى أيضًا يقول في سفر التثنية: ” هكذا الرب وحده اقتاده وليس معه إله أجنبي “[55]. إذًا ها هو الروح القدس، يُدعى الرب وبوضوح، ويدعى إلهًا وليس غريبًا. أما لو كان مخلوقًا وغريبًا عن طبيعة الله، فلن يكون له المجد الحقيقي، وسيكون إلهًا غريبًا. إلاّ أنه من غير اللائق أن تؤمن بهذا وان تقوله. لأنه دُعي ربًا وإلهًا، وليس غريبًا. إذًا فهو إله وهو من الله بحسب الطبيعة.
وأما أن الروح هو رب وإله، فهذا ما سنعرفه أفضل من خلال كلمات نشيد موسى، لأنه قال: ” اذكر لا تنسى كيف أسخطت الرب إلهك في البرية “[56]. والمطوب إشعياء يقول: ” في كل ضيقهم تضايق. وملاك حضرته خلّصهم. بمحبته ورأفته هو فكهم ورفعهم وحملهم كل الأيام القديمة. ولكنهم تمردوا وأحزنوا روح قدسه. فتحول لهم عدوًا وهو حاربهم “[57]. إذًا ها مرة أخرى، بينما يقول الكامل في الحكمة موسى “أسخطت الرب إلهك”، يقول إشعياء النبي إن الروح حزن. لأنه ليس غريبًا عن الرب، وروحه هو بحسب طبيعة الله، أي قدوس.
وهؤلاء الذين لهم إيمان مستقيم، يقولون إن الروح القدس إله. لأنه مكتوب، أن روح الله جبلني. أما الذين لهم رؤية ملتوية، ويقولوا إن الروح مخلوق، فقد اظهروا بدعًا كثيرة بطرق مختلفة، وقالوا، نعم الروح يُدعى (لاهوت)، ليس لأنه هو بالحقيقة من الله، أو لأنه إله، بل أنه هكذا مثلما يمكن أن يُقال عن الإنسان أنه إلهي. وفي هذا الشأن نقول الأتي: إن المطوب بولس دعا إله الجميع، لاهوت، فقد كتب إلى أهل أثينا، قائلاً:
” فإذ نحن ذرية الله لا ينبغي أن نظن أن اللاهوت شبيه بذهب أو فضة أو حجر نقش صناعه أو اختراع إنسان”[58]. قائلاً “اللاهوت” بدلاً من “الله”. بل في رسالته إلى أهل رومية، يكتب عن الله: ” لأن أمور غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركه بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى إنهم بلا عذر “[59]. إذًا فإن ما يقوله المعارضون، إن الروح القدس يُدعى (لاهوت)، مثلما يمكن لأحدنا أن يُدعى إنسانًا إلهيًا أو من طبيعة إلهية، يعتبر كلامًا باطلاً.
يقول ربنا يسوع المسيح: ” إن عطش أحد فليقبل إلىّ ويشرب. من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي “[60]. ثم بعد ذلك يُضيف المطوب يوحنا البشير: ” قال هذا عن الروح القدس الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه “[61].
إذًا فالروح حيّ، وفقًا لكلام المخلص. لكننا نرى أن إله الجميع يقول بفم إرميا أيضًا: ” أبهتي أيتها السموات من هذا واقشعري وتحيري جدًا يقول الرب. لأن شعبي عمل شَرّين. تركوني أنا ينبوع المياه الحية لينقروا لأنفسهم أبارًا مشققة لا تضبط ماء “[62]. إذًا عندما يُسمي إله الجميع نفسه “ينبوع المياه الحية”، ويُسمي الروح القدس “ماء حيّ”، كيف لا يكون إلهًا بالطبيعة، ذاك الذي له مع الله نفس الطاقة المحييّة؟
يكتب المطوب بولس: ” تطلبون برهان المسيح المتكلم فيّ “[63]. وربنا يسوع المسيح نفسه، يتوجه إلى رسله القديسين قائلاً: ” لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم “[64]. إذًا طالما أنه عندما يتكلم المسيح، يتكلم الروح، فكيف يمكن أن يكون روح الكلمة الذي خلق المسكونة، مخلوقًا؟ لأن: ” كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان “[65]. لكن ذاك الذي خلق كل المسكونة، هو على كل الأحوال مُختلف بحسب طبيعته عن كل الأشياء، ويتميز عن الخليقة لأنه إله.
وأما أن الروح القدس إله، وينبثق من الله بالطبيعة، فهذا ما يُعلمنا إياه المطوب بطرس قائلاً: ” لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس وتختلس من ثمن الحقل… أنت لم تكذب على الناس بل على الله “[66]. إذًا طالما أن الذي يكذب على الروح القدس يكذب على الله، فكيف لا يكون الروح إلهًا بطبيعته؟
المطوب بولس دعا نفسه عبدًا ليسوع المسيح، والمدعو رسولاً، وقال أنه تعيّن لخدمة إنجيل الله[67]. وأيضًا يُعلن نفس الأمر بطريقة أخرى، عندما كتب عن الله ” الذي جعلنا لأن نكون خدام عهد جديد لا الحرف بل الروح “[68]. إذًا طالما أنه يُسمي إنجيل الله، عهد الروح، الذي تعيّن لخدمته، فكيف لا يكون الروح القدس إلهًا؟
يقول أيضًا: ” لأنه من عرف فكر الرب فيُعلمه. وأما نحن فلنا فكر المسيح “[69]. إذًا عندما يُدعى (أي الروح)، فكر المسيح، فكيف يكون واحدًا من المخلوقات، طالما أن الطبيعة الإلهية غير المائتة، لا تقبل أن يكون فيها شيئًا من تلك الأمور التي هي خارج جوهرها؟
يكتب الرسول بولس إلى أهل غلاطية، قائلاً: ” يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضًا حتى يتصور المسيح فيكم “[70]. إذًا طالما أن المسيح يتصور داخلنا، ويُعيد صياغتنا على شبهه بعمل الروح، ويجعلنا روحيين بواسطة كل فضيلة، إذًا فروح المسيح هو إله. وقد ورد في الأناجيل، أن شخصًا أتى إلى ربنا يسوع المسيح وقال له: ” أيها المعلم الصالح “. أجابه المسيح وقال له: ” لماذا تدعوني صالحًا. ليس احد صالحًا إلا واحد وهو الله “[71].
إذًا بينما يقول المسيح، إن الصالح بالحقيقة وبحسب الجوهر هو واحد، يقول المرنم ” روحك الصالح يهدي في ارض مستوية “[72]. إذًا فبما أن الصالح هو واحد، والروح هو صالح، فمن الواضح جدًا أن الروح من طبيعة الله، المتحقق فيها الصلاح.
المطوب بولس حدد النواميس من جهة المرأة، قائلاً: ” المرأة مرتبطة بالناموس مادام رجلها حيًا. ولكن إن مات رجلها فهي حرة لكي تتزوج بمن تُريد في الرب فقط. ولكنها أكثر غبطة إن لبثت هكذا بحسب رأيي وأظن إني أنا أيضًا عندي روح الله “[73]. إذًا ما هي النتيجة التي نخرج بها من هذا؟ النتيجة هي إن كان يليق بالله وحده أن يُشرّع، لكن بولس أيضًا يُشرّع، لأن عنده روح الله، إذًا فالروح الذي في داخله هو إله، والذي يُقنعه أن يُحدد النواميس أيضًا.
الروح هو الحق:
في الأناجيل يقول المخلص عن نفسه في موضع ما: ” أنا هو الحق “[74]. بل والمطوب يوحنا يساوي بين الروح وبين الآب والابن من جهة الجوهر، ويقول: “روح الحق الذي من عند الآب ينبثق “[75]. بينما في رسالته الأولى يقول: ” الروح هو الحق “[76]. إذًا فذاك الذي ينبثق من الآب، وهو روح الحق، وله كل هذا القدر من التساوي مع الابن، بسبب وحدة الجوهر، حتى أنه يُدعى أيضًا “الحق”، كيف يكون مخلوقًا؟ هذا كلام غير لائق. إذًا الروح هو إله، طالما أنه “الحق” وينبثق من الآب.
ناموس موسى يفرض عقابًا لا مفر منه على أولئك الذين يجدفون على الله. هكذا أعطى الله أمرًا أن يُرجم ابن الإسرائيلية في البرية، من كل الجماعة. لأنه أورد اسمه، كما هو مكتوب، وتجرأ أن يقول عليه شيئًا ممنوعًا[77]. بل إن ربنا يسوع المسيح ذاته، يصون كرامة الطبيعة الإلهية، قائلاً: ” من قال كلمة على ابن الإنسان يُغفر له. وأما من قال على الروح القدس فلن يُغفر له لا في هذا الدهر ولا في الآتي “[78].
فإن كان الروح مخلوقًا، وليس واحد مع الله في الجوهر، ولم يكن إلهًا مع الآب والابن، فكيف يكون التجديف عليه، يحمل هذا القدر الكبير من العقاب، الذي يُعاقب به الذين يجدفون على الله؟ إذًا من الواضح أنه إله، وينبثق من الله، وهو مع الله ويُكرّم في الكتب المقدسة كإله، وهو هكذا بحسب الطبيعة.
فإن كان كما يقول المخلص: ” المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح “[79]. إذًا فالروح بحسب الطبيعة إله، الذي يلد القديسين مرة ثانية، باتحادهم مع الله، بأن يسكن فيهم، ويجعلهم شركاء في طبيعته. وهذا الذي هو قديس بسبب الشركة (مع الروح)، يُشبه إناءً للقداسة قد أصبح يمتلكه (الروح)، بينما هو قائم بطبيعته كإنسان.
إذًا فليقولوا لنا هؤلاء الذين يتجرأون على القول، إن الروح قدوس بسبب شركته مع الله الآب، وليس بحسب طبيعته، مَن هو الروح في ذاته، بعيدًا عن الآب والابن. لكننا لم نسمع شيئًا أخر من الكتب المقدسة. إذًا فهو قدوس ليس عن طريق الشركة، بل لأنه قدوس بحسب طبيعته وجوهره، ولكي أتكلم عنه أقول إنه فعل الألوهة الذي لله الآب، مثل الحلاوة لعسل النحل، ومثل الرائحة الذكية للأزهار.
كتب القديس بولس إلى أهل رومية عن المسيح مخلصنا يقول: ” وتعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات. يسوع المسيح ربنا “[80].
قوة الله تستعلن بالروح:
إذًا إن كان قد قام من الأموات، وبقوة الروح القدس المحييّة قد فك قيود الموت، وتعيّن المسيح حقًا ابن الله، وهو كذلك، فلا يمكن أن يكون مخلوقًا ذاك الذي بواسطته صار إعلان القوة الإلهية، أي الروح، لكي لا يظهر أن المسيح قد تعين بطريقة ما، بواسطة مخلوق، بل بالأحرى استخدم قوته، تلك التي للروح الواحد في الجوهر. ويقول: ” إذ أُخضعت كل الخليقة للبطل. ليس طوعًا بل من اجل الذي أخضعها على الرجاء “[81]. إذًا لو أن الروح القدس مخلوق، فيلزم أن نعترف بالضرورة أن الروح أيضًا خضع للبطل، ويئن مع الخليقة ويتمخض، والآن هو يوجد كما لو كان في حالة عبودية، وسيتحرر لكي يصل إلى حرية مجد أولاد الله[82].
ويقول أيضًا القديس بولس في حالة أخرى: ” إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبا الآب “[83]. فلو كان الروح القدس عبدًا، كمخلوق، فكيف نصرخ به “يا أبا الآب”؟ لكنه حرر الذين حل فيهم من العبودية، وبالأحرى جعلهم أبناءً أحرارًا، مُظهرًا إياهم شركاءً في طبيعته. فذاك الذي ليس بمخلوق، والذي لا ينتمي لنظام أو طبقة العبيد، هو خاص بالجوهر الإلهي في كل الأحوال.
وعن الإنجازات أو العطايا التي صارت من مخلصنا لمنفعة الأمم، بواسطة الروح، يفتخر الرسول بولس قائلاً: ” فلي افتخار في المسيح يسوع من جهة ما لله. لأني لا أجسر أن أتكلم عن شيء مما لم يفعله المسيح بواسطتي لأجل إطاعة الأمم بالقول والفعل. بقوة وآيات وعجائب بقوة روح الله “[84].
إذًا طالما أن المسيح يصنع الآيات والعجائب بواسطة بولس، بقوة الروح القدس، كطاقة طبيعية وحية، وكفعل لألوهية الابن، فكيف يكون ذاك الذي هو في الله، وينبثق من الله بطريقة طبيعية، مخلوقًا؟ وكيف يكون مخلوقًا ذاك الذي بقوته يعمل الابن (في القديسين)، الأمر الذي يعد كفرًا بمجرد النطق به؟ يُعلّم القديس بولس عن الكرازة المخلّصة، أنها لا تحتاج إلى الكلمة القاسية أو المفزعة، إذ يكتب في رسالته إلى أهل كورنثوس: ” وأنا كنت عندكم في ضعف وخوف ورعدة كثيرة. وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع بل ببرهان الروح والقوة. لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله “[85].
ها هو يسمى برهان الروح، أي عمل الروح، قوة الله. لأنه من الله ومع الله، الروح يصنع كل شيء بطريقة طبيعية، كيف إذًا يكون مخلوقًا، ذاك الذي هو واحد في الجوهر مع الله، والذي يُعرف أو يُستعلن لنا على قدر استيعابنا، كما لو كنا ننظر في مرآه في لغز[86].
” أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله “[87]. إذًا عندما نصير مسكن وهيكل لله، بسكنى الروح القدس فينا، فكيف لا يكون للروح طبيعة إلهية، وكيف سيُحصى بين المخلوقات، في اللحظة التي يتضح فيها، أنه لا يوجد بين الأشياء المخلوقة، ما يُقال عنه أنه يسكن في هيكل كإله، بل إن هذه الصفة مع صفات أخرى، هي الخاصية التي تُُميز الطبيعة الإلهية وحدها؟
” فبكل سرور افتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل علىّ قوة المسيح “[88]. فإن كان الروح هو الذي يحل ويسكن فينا، ومن خلاله يسكن المسيح فينا، إذًا فالروح القدس هو قوة المسيح. وإن كان الأمر هكذا، فكيف يكون مخلوقًا مَن هو بالطبيعة كائن في الابن؟ ويمكنهم أيضًا أن يقولوا إن الله الكلمة الذي ليس فيه ازدواجية أو ثنائية، هو مُركب من اثنين، أى من طبيعة مولودة ومن طبيعته الذاتية (الإلهية).
لكن إن كان كل هذا هو أمر غير لائق، فإن الروح ليس مخلوقًا، لكنه من الجوهر الإلهي غير المُدرك، كقوة له، وبمعنى ما كطاقة طبيعية. والرسول بولس يتكلم عن المسيح مخلّصنا، فيقول: ” الذي فيه أيضًا انتم إذ سمعتم كلمة الحق إنجيل خلاصكم الذي فيه أيضًا إذ أمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس. الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتني لمدح مجده “[89].
يوزع المواهب الإلهية:
فإن كنا قد خُتمنا بالروح القدس، وأُعيد تشكيلنا لله، فكيف يمكن اعتبار الذي بواسطته حُفرت في داخلنا أيقونة الجوهر الإلهي، وبقيت فينا علامات الطبيعة غير المخلوقة، مخلوق؟ لأن الروح بالطبع عندما يكون محددًا للصورة فقط فهو لا يرسم فينا جوهر الله، لو أنه كان مختلفًا عن جوهر الله، ولا بهذه الطريقة يقودنا لنصير على شبه الله.
ولكن هذا ما يحدث، فهو لأنه إله وينبثق من الله، لذلك ينطبع في قلوب أولئك الذين قبلوه كختم كما على شمع، وبالشركة معه، والتشبه به، تُستعلن الصورة مرة أخرى، في الطبيعة بحسب جمالها الأول. إذًا كيف يكون مخلوقًا، ذاك الذي بواسطته تتجلى الطبيعة، بأن تصير لها شركة مع لله؟ ” تعقلوا واصحوا للصلوات. ولكن قبل كل شيء لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا. كونوا مُضيفين بعضكم لبعض بلا دمدمة. ليكن كل واحد بحسب ما أخذ موهبة يخدم بها بعضكم بعض كوكلاء صالحين على نعمة الله المتنوعة “[90].
لاحظ من فضلك أنه بينما يوزع الروح القدس المواهب الإلهية، ويقسّمها لكل قديس، بسلطان وكما يُريد، فإن القديس بطرس يؤكد بكل ثقة أن أنواع هذه النعمة، والهبات تصير من الله، وأن الروح ليس غريبًا عن الطبيعة الإلهية. إذًا طالما أن القديس بطرس يدعو الروح، إلهًا، فكيف لا يكون كافرًا ومختل العقل من يجعله في عداد المخلوقات، ويتجرأ ويخاطر بأن يناقض بشارة الرسل القديسين؟
” من هو الذي يغلب العالم إلاّ الذي يؤمن أن يسوع هو ابن الله هذا هو الذي أتى بماء ودم يسوع المسيح. لا بالماء فقط بل بالماء والدم. والروح هو الذي يشهد لأن الروح هو الحق. فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد. والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم واحد. إن كنا نقبل شهادة الناس فشهادة الله أعظم لأن هذه هي شهادة الله التي شهد بها عن ابنه “[91].
لاحظ إذًا مرة أخرى، أن الكارز بالحقيقة، يُسمي الروح، إلهًا، ومنبثقًا من الله بالطبيعة. لأنه قال، إن الروح هو الذي يشهد، ويتقدم قليلاً، قائلاً: ” شهادة الله أعظم “. إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا، وهو منبثق من الله بالطبيعة، ومُتمم للثالوث القدوس؟
يعيد ولادتنا للخلاص:
” أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس “[92]. من حيث إنه يستطيع أن يخلق، فهذا أمر يتعلق بالطبيعة الإلهية وحدها، وهذا الأمر بالإضافة إلى جوانب أخرى، يؤكد على ما للروح القدس من رتب إلهية موقرة، ومتميزة تمامًا، وأن الروح الإلهي يخلق داخل هيكل العذراء، وفقًا للكتب، إذًا من يقول أن الروح مخلوق، ألا يُعد هذا كفرًا وهوسًا؟
لأنه يوجه إتهامًا للجوهر الاسمي من كل شيء، ويتدني به، ويحسبه في عِداد المخلوقات، والتي هى حديثة العهد في وجودها، وليس منذ البدء. لكن الله بالنسبة لنا، ليس حديث العهد، بحسب ما كُتب في المزامير[93]. إذًا لم تخلق الطبيعة الإلهية النقية، لكن بالأحرى هي موجودة منذ البدء. فإن كان الأمر هكذا، فكيف يمكن أن يقال إن الروح القدس، الروح الإلهي، قد خُلق، بينما هو موجود في الله الآب؟
” وأما الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه. الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله “[94]. فإن كان الروح هو الذي يُعيد ولادتنا للخلاص بالإيمان بالمسيح، حتى أنه بواسطته نصير مولودين من الله، فكيف يكون ممكنًا ألا يكون الروح إلهًا؟ بل إننا نحن الذين آمنا، قد صرنا مولودين من الروح. وهذا ما أكده المخلص لنيقوديموس قائلاً: ” الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها لكنك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب.
هكذا كل من ولد من الروح “[95]. ” ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أن إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي “[96]. فإن كان الروح القدس ينبثق من الله الآب، وواحد معه في الجوهر، وإن كان الآب غير مولود ولا مخلوق، فكيف يمكن أن يكون الروح الذي ينبثق من الآب، مولودًا؟ وكيف صرنا نحن هيكل الله، بسكنى الروح القدس، إن لم يكن إلهًا؟
نبوة دانيال وهروب سبيع الشتَّام المجهال – هل يجرؤ أحمد سبيع أن يرد؟
نبوة دانيال وهروب سبيع الشتَّام المجهال – هل يجرؤ أحمد سبيع أن يرد؟
منذ أكثر من خمسة عشر عامًا ونحن نطالع قارئين وسامعين ومشاهدين الأكاذيب والتدليسات والجهالات التي تتراكم بعضها فوق بعض لتكوين شبهات ساذجة لدرجة السخرية عند مطالعتها، لكن، أن تحوي شبهة واحدة كل هذه الصنوف من الغباءات والأكاذيب والتدليسات والآراء الشخصية والبتر المتعمَّد لإخفاء الحقيقة وعدم وجود منهجية في الشبهة كلها إلى آخره من نواقص ومفاسد شبهات هذا النوع مع المتعالمين… فهذا لم نره يومًا، وبالأخص عندما يصدر عن شخص يظن في نفسه أنه باحث ذا خبرة، ويسمح أن يلقبه دراويشه بالألقاب المنيفة مثل “دكتور” و”شيخ” ..إلخ.
فصدقًا، إننا طوال هذه السنوات لم نجد شبهة واحدة بها كل هذا الكم من النواقص! رغم أن طارحو الشبهات الآخرين لا ينقصون عنه جهلا! فتقريبًا، لا توجد ولو نقطة واحدة، ولو دعامة واحدة، ولو رأي واحد، إلا وكان إما خاطئًا بالكلية، أو متنازع عليه في تفسيره ومعناه. لدرجة أننا في هذا الرد، سنرد على كل معلومة قالها تقريبًا، وليس نحن فقط من سنرد، بل سيكون بنو جلدته معنا يردون على سخافاته أيضًا، بل أننا سنرد عليه أحيانًا، من نفس مصادره التي استدل بها في شبهته، بل أحيانًا سنرد عليه من ذات الصفحة التي استخدمها!
ما الموضوع؟ وماذا حدث؟
طالعنا المدعو أحمد سبيع بفيديو سفيه كمعظم فيديوهاته التي يظهر فيها، يتحدث فيه عن نبوة دانيال المذكورة في الأصحاح السابع من سفره، والتي هي عن رؤيا دانيال لأربعة حيوانات مختلفة والحيوان الرابع له عشرة قرون، وقرن صغير… إلخ. وسينتهي هذا الولد سبيع بأن هذه النبوة تنبئ بمجيء الإسلام وبفتح القدس! وأن قديسو العلي هم الأريوسيون تارة، وهم المسلمون تارة أخرى كما ذكر هذا حرفيًا في كلامه.
وسوف يفسر أن الأربعة حيوانات هم أربعة ممالك متعاقبة، والمملكة الأخيرة هي المملكة الرومانية، والعشرة قرون هم عشرة أباطرة (ملوك) اضطهدوا المسيحيين قبل قسطنطين الملك، وأن القرن الصغير هو قسطنطين نفسه، وأن قسطنطين مزج المسيحية بالوثنية، وأنه غير الأوقات، ونصر أثناسيوس الرسولي وعقيدته في الثالوث وألوهية المسيح ومجمع نيقية واضطهد الموحدين الأريوسيين (والذين سيكونون مسلمين أيضًا في خلال كلامه). وبالتالي، فقد حكم هؤلاء القدس (التي لا أعرف ما علاقتها بالموضوع كله وأدخلها سبيع عنوة في منتصف الموضوع دون دليل او حتى تقديم) حتى احتلّها المسلمون، والذين يعتبرهم سبيع هم شعب قديسي العلي الذين حاربهم قسطنطين (الأريوسيين)!!!!!!!!!! فيبدو ان سبيع قام بتسجيل هذا الفيديو بعد تعاطيه نوعٍ من مُذهِبات العقل ثم خرج علينا به، فكان ما كان.
ونحن نعلم انه بعد ردنا هذا لن يجرؤ أن يحاول -مجرد محاولة- أن يرد علينا، بل سيعيد رأسه إلى الرمال مرة أخرى للتو، فلا مكان فوقها إلا للأدلة والمنطق والعقل.
ما منهجنا في الرد؟ (كيف سنرد؟)
في البداية، سنعرض ما انتهى إليه سبيع، سواء عن طريق رأيه الشخصي المحض أو عن طريق ما ارتضاه من الكتب التي استخدمها. ثم بعد ذلك، نظرًا لكون شبهته مثال أمثل للرداءة التي يصلون إليها دومًا في شبهاتهم، ونظرًا لكثرة الأخطاء والتدليسات والاكاذيب في شبهته، ونظرًا ان شبهته متتابعة البناء، أي يقوم بمحاولة إثبات نقطة ثم بعدما يظن أنه أثبتها، يبني عليها ويتبعها بنقطة أخرى يحاول إثباتها هي الأخرى أيضًا، ثم يبني عليها نقطة أخرى وهكذا إلى أن يصل لنتيجته. ولأن هذا الرد سيتم تسجيله في شكل ملف صوتي وملف فيديو كما هو الترتيب، فإننا سنعتمد طريقة الاقتباس المباشر والرد على الاقتباس. وذلك كيما نستطيع أن نحلل كل كلمة قالها ونريكم كيف يستغل جهل متابعيه وقلة تحصيلهم العلمي والعقلي إلا ندر. والسبب الآخر لاتباعنا تلك الطريقة في الرد هو أن الرد في الفيديو سيكون بنظام الاقتباس بالفيديو شبهته ثم الرد عليها بشكل مباشر. فالشبهة واهية بل أن الوهن يخجل من وصفها به.
أيضًا، لكثرة الأخطاء والتدليسات التي ارتكبها، سنكتفي هنا ببيان خطأ كل ما قاله تقريبًا، حيث أن هذا هو الهدف من الرد، ولن نركز على كيفية تفسير علماء المسيحيين واليهود لهذه النبوة لأن هذا ليس مقام تفسير بل رد، ولكي لا يطول الرد أكثر.
سيكون ردًا عبارة عن مزيج بين اللغة العربية الفصحى ليفهمه كل متحدث باللغة العربية، مع وجود بعض المرات التي سنتعمد استخدام الفاظا باللهجة المصرية او صياغات عامية لإيضاح ما نريده لكون هذه اللهجة يفهمها أغلب العرب.
يقول أحمد سبيع:
“لكن قبل كل شيء لابد ان نعلم أننا لا نحتاج إلى الكتاب المقدس من أجل اثبات نبوة النبي …. فالأدلة خارج الكتاب المقدس كثيرة جدًا… لكن هو مجرد دليل إضافي وينبغي أن نعلم أننا نؤمن بتحريف الكتاب المقدس وهذا معناه إن الكتاب به حق وبه باطل فهو غير مبدل بالكلية لكن به حق وبه باطل والنبوءة التي سنتحدث عنها اليوم تتحدث عن بطلان المسيحية وعن صحة الإسلام بوضوح حتى إنها تحدثت عن زمن الإسلام وتوقيته بطريقة مدهشة جدًا فهي من أقوى النبوءات ومن أوضحها ومع الاسم مش مشهورة جدا”
الرد:
أولا: نجد ان أحمد يقول بتحريف الكتاب المقدس كغالبية المسلمين، وهذا ليس بجديد عليهم، لكن ما يلفت النظر هو المعيار الذي يعرف به الأجزاء الصحيحة من الأجزاء المحرفة، فالمعيار عنده هو المصلحة من هذه النصوص، فأحمد يقول إن الكتاب به حق وبه باطل، حسنا يا صغيري، أخبرنا كيف تعرف الحق من الباطل في الكتاب المقدس بطريقة علمية؟ هل تبحث في المخطوطات فما تؤيده تعتبره حقا وما ترفضه المخطوطات يكون باطلا؟ لا، إذن هل لك طريقة علمية واحدة تقيس عليها النصوص المحرفة عن غير المحرفة؟ لا، إلا الهوى والزيغ.
فالمعيار هو: النصوص التي يستطيع المسلم ليّ عنقها، كما يظن، هي النصوص التي هي من “بقايا الحق” والنصوص المعارضة لما يريده المسلم تكون بالطبع هي النصوص المحرفة! فهذه النبوة لأن احمد يريدها ان تكون نبوة عن دينه، فهي بالطبع من الحق الذي نجا من التحريف!!! والحقيقة إنه معيار طفولي (عيالي) لا يقول به إلا أبلة تستنكر الطفولة أن تدعى عليه لقبًا. فما هذا المعيار الجهولي يا أحمد؟
ثانيًا: نجد ان المجادلين المسلمين من بعد ظهور الإسلام بقرون قليلة قد انتقلوا من مرحلة القول بـ(تحريف الكتاب المقدس) الى القول بـ(عدم موثوقية الكتاب المقدس لسقوط سنده) حيث اعتبروا ان (الاسناد) هو شرط التحقق من نسبة الكتب السماوية الى الأنبياء، حتى قالوا عن الانجيل انه ” لا يمكن ان ترقى عن الحديث الموضوع “[1] فمجرد استشهاد سبيع وغيره بآيات الكتاب المقدس تعني انهم يستحلون الاستشهاد بالحديث الموضوع لنصرة دينهم! فيا لها من نصرة!
وقد قالها صراحة برفيسورهم (عبد الاحد داؤود) اذ يقول “ليس مُهمَّا ان يكون كاتب الفصل السابع من سفر دانيال نبيا او راهبا او مشعوذا، اذ المؤكد ان تنبؤاته ووصفه للحوادث قبل أربعة وعشرين قرنا ثبتت دقتها وصحتها” [2] فانظر الى هؤلاء الذين يستبيحون الاحتجاج بالكذب (من وجهة نظرهم) بل يستبيحون الاستشهاد بكلام المشعوذين من اجل نصره دينهم!
ثالثًا: يقول أحمد أن هذا هو دليل إضافي من الكتاب المقدس، والحقيقة انه لا توجد ولو نبوة واحدة تدل على صحة نبوة رسول احمد قالها الكتاب المقدس، ونحن أنفسنا لنا مع أحمد نفسه وقفة لا يزال احمد يتذكرها إلى اليوم، حيث كان قد إدعى نبوة مماثلة منذ سنوات عن الملك سرجون (وحي من جهة بلاد العرب) ولم نترك له شارد ولا واردة إلا وألقمناه حجرًا، حتى إننا في نهاية ردنا عليه، قلنا له أننا سنسلم لك بكل ما تقول، ولن نعارضك فيه، فما علاقة كل هذا بنبوة عن رسول الإسلام؟!! ولم يستطع ان يثبت مجرد العلاقة حتى!! (وهو ما سيحدث في هذه المرة أيضًا)، فلربما ظن سبيع أننا نسينا ما فعلناه به سابقًا.
رابعًا: يقول سبيع أن هذه من أقوى النبوات وأوضحها! والحقيقة أن لو كان كلامك صحيحا لما إحتجت لـ 30 دقيقة لتوضحها بكل هذا الكم من التدليسات والأكاذيب، والذي رغم كل ما فعلته لم تثبت ما أردته أصلا كما سنبين لاحقًا. ويقول سبيع أيضًا أن هذه النبوة مش مشهورة، ونرد عليه ونقول ان هذا من الطبيعي وغير المستغرب عند كل ذي عقل! فلا عاقل يقول ما تقول على الإطلاق، فسنحضر لك بنو جلدتك أنفسهم ليردوا عليك ويكشفون جهالاتك بأنفسهم مثلما سنفعل نحن، فكيف تريد ان تكون مشهورة؟ لن تكون مشهورة -ولله الحمد- إلا عند من لهم نفس مستوى عقلك أو أدنى (إن وُجد). وإني لأسألك، هل لم يلفت إنتباهك شيء من عدم شهرة هذه النبوة المزعومة؟ لماذا لم تظن إنك مخدوع وأنها ليست نبوة أصلا عن رسولك؟ ما هو مستوى الـ IQ عندك لكي لا تفهم ان هذه ليست نبوءة عن رسولك!؟
يقول أحمد سبيع:
“أرجو منك إن كنت غير مسلم أن تفكر في الموضوع بجدية. الغرض من الفيديو مش إني انا أضايقك ولا إني أنا ازعجك ولا إني أفحمك لكن الغرض إني أنا أوضح لك الحقيقة، فخد الكلام بجدية، وفكّر فيه وإدرسه كويس”
الرد:
الحقيقة يا سبيع إنك للأسف أزعجتنا بجهلك الفج وبتدليسك وكذبك، فكيف لا تريد منا ألا ننزعج وأنت قد تخطيت كل المستويات البشرية في التدليس والكذب ودمجتهم معًا بهذه الكيفية؟ وحسنًا، نحن سنفكر في الموضوع بجدية، لكن نرجو ألا تغضب من نتيجة تفكيرنا بجدية وبعلمية وبرصانة على عكس ما فعلت. وتأكد أنك لا تستطيع إفحامنا إلا بقدرتك على التدليس رغم قدرتنا على كشفه كما سنفعل، فسندرس كلامك ونعرض للمسيحي والمسلم العاقلين أكاذيبك وتدليساتك، ونرجو ألا تعود لجحرك مرة أخرى وأن ترفع رأسك من الرمال وتحاول -مجرد محاولة- ان ترد علينا مرة أخرى..
ولكي ندخل في الرد المباشر، سنعرض نص الأصحاح السابع من سفر دانيال كاملاً مع إظهار بعض الكلمات والتعبيرات المهمة والتي سيعتمد عليها سبيع وسنعتمد عليها نحن أيضًا، فنرجو التوقف عندها والتفكر بها مليًا لأننا سنعيد استخدامها فيما بعد كثيرًا…
مملكة بابل ومملكة مادي وفارس ومملكة اليونان، ومملكة الرومان.
الحيوان الرابع
مملكة الرومان (الإمبراطورية الرومانية)
العشر قرون
عشر اباطرة (ملوك) اضطهدوا المسيحيين (الموحدين والمثلثين)
القرن الصغير
قسطنطين الملك (الامبراطور)، فهو:
· إمبراطور روماني.
· جاء بعد عشرة اباطرة.
· سيغلب ثلاثة ملوك.
· خالف الأباطرة السابقين.
· سيتكلم بكلام عظيم ضد الله.
· سيحارب المؤمنين
قديسو العلي
الأريوسيين (الموحدين) = المسلمين (لا أعرف كيف!)
ملكوت شعب قديسي العلي للأبد
مملكة الإسلام ستبقى للأبد
زمان وزمانين ونصف زمان
= 331 سنة ميلادية أو أكثر من 640 سنة!!!
النقطة الأولى: هل الحيوانات الأربعة هي الأربعة ممالك المذكورة؟
لا يوجد اجماع مسيحي على هذا التفسير، فيقول مثلا القس (مكسيموس صمويل) معلقا على الحيوان الرابع ” يمثل هذا الحيوان مملكة السلوقيين الشرسة في سفك الدماء”[3] وطالما لا يوجد اجماع مسيحي على هذا التفسير فخصمنا مطالب بدليل على كلامه ولماذا رجح تفسير دون الاخر!
بل ان خصمنا خالف الاجماع الإسلامي في تفسير الحيوان الرابع، التفسير الذي بدأ بـ(ابن ربن الطبري) المتوفى سنة 237 حيث يقول ان المملكة الرابعة هي الإسلام نفسه! وبالتالي يكون القرن الصغير هو أحد ملوك الإسلام لا شك، بل يقول ان هذا الكلام على هذه النبوءة (مفسرة منورة لا تحتاج الى افصاح او إيضاح أكثر مما فسره دانيال عليه السلام، فالحيوان الرابع الذي قال انه كان عظيما رائعا هائلا قويا عزيزا هو تمثال هذه المملكة التي قال الله انها أعظم المملكات واجلها، وأنها تغلب على الأرض كلها وتدوسها بأقدامها وتأكلها رغدا، وهي اخر الدول، وهذه أيضا تشهد بان النبي اخر الأنبياء وخاتمهم وان النبوءات كلها تمت به وتناهت عنده” [4]
ومنذ ان قال (الطبري) هذا صار الامر اجماعا فنجد بعده ب 400 سنة الشيخ القاضي (صالح بن الحسين الجعفري الهاشمي) المتوفى سنة 668 يقول [5]:
[البشرى] السّابعة والسّتّون:
قال دانيال النبيّ أيضاً: “رأيت في نومي كأن الرياح الأربع قد هاجت وتموج بها البحر. واعتلج اعتلاجاً شديداً، ثم صعد منه أربع حيوانات عظام مختلفة الصور، الأوّل مثل الأسد وله أجنحة نسر، والحيوان الثاني مثل الدب وفي فمه ثلاثة أضلاع، وسمعت قائلاً يقول له: قم فكل من اللحم واستكثر منه، والحيوان الثالث مثل النمر وفي جبينه أربعة أجنحة وله أربعة رؤوس وقد أعطي قوة، والحيوان الرابع عظيم قوي جداً، وله أسنان من حديد عظام فهو يأكل ويدق برجليه ما بقي. ورأيته مخالفاً لتلك الحيوانات وكانت له عشرة قرون فلم يلبث أن نجم له قرن صغير من بين تلك القرون ثم صار لذلك القرن عيون، ثم عظم القرن الصغير جداً أكثر من سائر القرون، فسمعته يتكلم كلاماً عجيباً وكان ينازع القديسين ويقاومهم.
قال دانيال: فقال لي الرّبّ: تأويل الحيوان الرابع مملكة رابعة تكون في آخر الممالك وهي أفضلها وأجلها تستولي على جميع الممالك وتدوسها وتدقها وتأكلها رغداً“. فقد شهد دانيال النبيّ عليه السلام وأخبر عن الله أن أمتنا هي الدائمة إلى الأبد. وأن ملتنا هي التي لا يقاومها أحد. وهي التي كانت أكلت الأمم ودقتها وداستها واستولت عليها بإذن الله.
ووعده الحقّ وخبره الصدق. فهل يبقى بيان أبين من الله تعالى على ألسن أنبيائه الأطهار؟ وقد قال من فسر كتب أهل الكتاب: “إن الحيوان الأوّل هو دولة أهل بابل. والحيوان الثاني دولة أهل الماهين. والحيوان الثالث دولة الفرس، والحيوان الرابع دولة العرب. وفي ذلك تصديق قول الله في التوراة لإبراهيم عليه السلام: “إني أبارك إسماعيل ولدك وأعظمه جدّاً جِدّاً ومن تولى الله تعالى تعظيمه وتفخيمه وبركته كيف لا يكون كذلك؟ !!.
فان كان هذا هو اجماع المسلمين – قبل ان يشذوا وينقضوا اجماعهم – ان المملكة الرابعة هي الدولة الاسلامية! فأين سيكون قسطنطين إذن؟ وأين كلامك أن المسلمين متفقون على أن الأربعة ممالك هي الممالك التي ذكرتها؟
النقطة الثانية: هل الحيوان الرابع هو الدولة الرومانية؟
بعدما عرضنا اجماع المسلمين الاوائل أن الحيوان الرابع يرمز لدولة الإسلام، نعرض شهادة أخرى من شخص مسلم آخر، وهذه المرة هو هشام كمال عبدالحميد[6]:
ظهور حلف الأطلنطي بزعامة أمريكا: (الوحش ذو القرون العشرة والقرن الصغير في رؤيا التي دانيال).
من نفس رؤيا النبي دانيال السابقة يتبقى لنا معرقة الوحش في القرون العشرة الذي أكل وسحق وداس كل الحيوانات السابقة برجليه، وأكل وسحق الأرض كلها.
فهذا الوحش هو حلف الأطلنطي الذي أنشأته دول غرب أوروبا فيما بينها وبين أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد هزيمة ألمانيا وحلفائها سيطر هذا الوحش على الكرة الأرضية، وعلى جميع القوى العظمى التي ظهرت قبله، ومعظم الدول التي تكون منها هذا الحلف تطل على المحيط الأطلنطي، وهو من بحور البحر الكبير “المحيط”.
أما القرن الصغير المذكور في هذه الرؤيا فهو كما ذكرت بكتابي “هلاك ودمار أمريكا المنتظر” رمزلأمريكا زعيمة هذا الحلف، فهي برزت إلى الوجود كقوة عظمى فضل هذا الحلف بعد الحرب العالية الثانية، والقرون الثلاثة التي أذلهم من القرون العشرة هم: بريطانيا وألمانيا وإيطاليا. فقد دخلت كل من بريطانيا وألمانيا – الأسد والنمر – في هذا الملف بعد الحرب العالمية الثانية، رغم أنها كانتا تشكلان قوتين عظيمتين، وقد ألغت أمريكا بنفوذها سلطانها بالإضافة إلى سلطان إيطاليا، وفرضت على ألمانيا وإيطاليا قيودًا في التسليح والاقتصاد.
إذن، فها هو مسلم آخر يخرج عن الاجماع القديم ويقول إن الحيوان الرابع هو حلف الأطلنطي والقرن الصغير هو أمريكا! وسواء كان تفسير هذا المسلم أو الآخر، فكل منهما ينهي الشبهة من جذورها، لأن الشتِّام أحمد سبيع بنى شبهته كلها على أن الدولة الرابعة هي الإمبراطورية الرومانية حصرًا. ومن هنا نستطيع التوقف عن بيان بطلان ما تبقى من شبهته إذ أنها قد هُدمَت تمامًا. لكننا سنكمل بيان المهازل التي وقع فيها هذا السبيع لنريكم كيف هو المستوى العلمي للباحث سبيع!
النقطة الثالثة: من هم العشرة ملوك (قرون)؟
في فيديو سبيع الأول الذي طرح فيه الشبهة، كان عليه أن يتراقص ويقوم بحركات بهلوانية أراجوزية لكي يأتي بالرقم 10، تحت أي مسمى وبأي طريقة وبأي كيفية لان سفر دانيال ذكر الرقم 10. فماذا فعل؟ جاء بحركة بهلوانية فقال إنه لربما يقول قائل إن المملكة الرومانية كان فيها أكثر من 30 ملك، ثم بعدها جاء بتفسير سعاديا الفيومي اليهودي، من العصور الوسطى للرد على هذا الاشكال.
فاقترح سعاديا 3 طرق لتقليل الرقم 30 ملك (رغم انهم أكثر من 50 وليس 30 كما أخطأ سَعاديا) إلى الرقم 10 ملوك (الرقم الذي يريده سبيع)، ثم ماذا فعل سبيع بعدها؟ هل أخذ بأي رأي من الآراء الثلاثة لسعاديا؟ الإجابة: لا!!!! ترك سعاديا وكلامه كله وحلوله الثلاثة جميعها، واخترع وإفتكس و”هَبَدَ”[7] رأيه الخاص ولم يدلل عليه بدليل!!! بل هو هكذا، بلا دليل ولا شهادة!
فقد اقترح سعاديا ثلاثة حلول هم:
ذكر السِفر الأجلاء منهم وأهملَ الباقي.
ذكر السِفر الآباء وأهملَ الأبناء.
ذكر السِفر الذين كانوا من عشائر مختلفة وأهملَ الذين من نفس العشيرة.
هذا الكلام قاله سعاديا، ولأنه من المستحيل تطبيق أي رأي من هؤلاء الثلاثة في حالتنا هذه على أباطرة الرومان، وبالأخص عندما يعرف سبيع أنهم أكثر من 50 ملك، وحتى إن تنازلنا واختار منهم 10 ملوك بحسب المعايير التي وضعها سعاديا (الأجلّاء فقط، الآباء فقط، عشائر مختلفة فقط) فلن يكن لهذا علاقة بما يريده سبيع بعدها، فهو يريد ان يأخذ هؤلاء العشرة ليجيء بعدهم مباشرة قسطنطين، وهنا الاستحالة الحقيقة، فماذا فعل سبيع ليخرج نفسه من ورطة الاستشهاد بكلام سعاديا الذي جاء هو بنفسه بكلامه؟ ترك كلامه تمامًا وكأنه يهذي، بل قال إن كلامه هو نفسه (أحمد سبيع) الشخصي هو الأقرب للصواب وأن هؤلاء العشرة ملوك هم الأباطرة الذين حكموا القدس بعد المسيح واضطهدوا المسيحيين، وإذا ما عددناهم سنجدهم 10 ملوك، بداية من نيرون وحتى دقلديانوس. وللرد على هذا الخبل الصافي، نقول:
أولًا: لماذا بدأت العد من بعد المسيح؟! هل ذكر سفر دانيال هذا؟!! أم أن هذه من عندياتك كعادتك؟! نص سفر دانيال لم يقل هذا مطلقًا. الأباطرة الرومان كانوا قبل تجسد المسيح واستمروا بعده، فلماذا تبدأ العد (حساب العشرة ملوك) من المسيح؟!
ثانيًا: من أين أتيت بزعمك بوجود تتابع تاريخي بين العشرة ملوك (قرون)؟! دانيال ٧: ٨ يقول: “كُنْتُ مُتَأَمِّلًا بِالْقُرُونِ [العشرة]، وَإِذَا بِقَرْنٍ آخَرَ صَغِيرٍ طَلَعَ بَيْنَهَا، وَقُلِعَتْ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْقُرُونِ الأُولَى مِنْ قُدَّامِهِ…” النبوة تصرح بأن القرن الصغير (قسطنطين بحسب زعم سبيع) سيطلع بينها؛ أي بين القرون العشرة، ويقتلع ثلاثة منها؛ أي من القرون العشرة. هذا معناه أنه على الأقل معظم –إن لم يكن كل– الملوك (القرون) كانوا معاصرين لبعضهم البعض، حتى في الآخير يستطيع القرن الصغير أن يطلع من بينهم ويقتلع ثلاث منها. فلا توجد أي إشارة في النبوة تقترح وجود تتابع زمني أو تاريخي بين الملوك وبعضها. فعلى سبيل المثال، يقول فلورين في تفسيره لهذا
“In all cases, the ten horns are not described as raising one after another, but they are always described as a group, and therefore meant to be understood as contemporary.”
الترجمة:
“في جميع الحالات، لا تُوصف القرون العشرة بأنها طلعت الواحد تلو الأخر، لكنها تُوصف دائماً كمجموعة، وبالتالي، من المفترض أن تُفهم على أنها معاصرة [لبعضها البعض].”[8]
فإن كان يريد سبيع اثبات أن الأباطرة العشرة هم المعنيين بالقرون العشرة، ومن بعدهم قسطنطين، عليه أن يثبت لنا أولاً وجود إشارات إلى تتابع زمني أو تاريخي من نبوة دانيال نفسها.
ثالثًا: لماذا القدس تحديدًا؟ ما علاقة القدس بالموضوع كله؟!! لماذا هبطت علينا من السماء هكذا دون سبب أو تمهيد في الموضوع؟! هل قال نص سفر دانيال أي شيء عن القدس (أورشليم)؟ لا، لم يقل سفر دانيال هنا أي شيء عن أورشليم! فلماذا أقحمها هذا الصغير في الرد عنوة؟!!
رابعًا: حتى مع تنازلنا وبفرض الجدل: من قال لك أن هناك عشرة ملوك فقط بين المسيح وبين قسطنطين؟ من الذي خدعك وقال لك هذا؟! هناك 48 أو 49 إمبراطور بين المسيح وقسطنطين[9] ومن نيرون إلى دقلديانوس يوجد 45 امبراطور وليس 10 كما استغفلوك. وننقل الأسماء من الموسوعة البريطانية على سبيل المثال[10]:
Augustus (31 BCE–14 CE)
Tiberius (14–37 CE)
Caligula (37–41 CE)
Claudius (41–54 CE)
Nero (54–68 CE)
Galba (68–69 CE)
Otho (January–April 69 CE)
Aulus Vitellius (July–December 69 CE)
Vespasian (69–79 CE)
Titus (79–81 CE)
Domitian (81–96 CE)
Nerva (96–98 CE)
Trajan (98–117 CE)
Hadrian (117–138 CE)
Antoninus Pius (138–161 CE)
Marcus Aurelius (161–180 CE)
Lucius Verus (161–169 CE)
Commodus (177–192 CE)
Publius Helvius Pertinax (January–March 193 CE)
Marcus Didius Severus Julianus (March–June 193 CE)
Septimius Severus (193–211 CE)
Caracalla (198–217 CE)
Publius Septimius Geta (209–211 CE)
Macrinus (217–218 CE)
Elagabalus (218–222 CE)
Severus Alexander (222–235 CE)
Maximinus (235–238 CE)
Gordian I (March–April 238 CE)
Gordian II (March–April 238 CE)
Pupienus Maximus (April 22–July 29، 238 CE)
Balbinus (April 22–July 29، 238 CE)
Gordian III (238–244 CE)
Philip (244–249 CE)
Decius (249–251 CE)
Hostilian (251 CE)
Gallus (251–253 CE)
Aemilian (253 CE)
Valerian (253–260 CE)
Gallienus (253–268 CE)
Claudius II Gothicus (268–270 CE)
Quintillus (270 CE)
Aurelian (270–275 CE)
Tacitus (275–276 CE)
Florian (June–September 276 CE)
Probus (276–282 CE)
Carus (282–283 CE)
Numerian (283–284 CE)
Carinus (283–285 CE)
Diocletian (east، 284–305 CE; divided the empire into east and west)
خامسًا: ربما يقول سبيع الجاهل أن هؤلاء هم الذين اضطهدوا المسيحيين! فنرد عليه ونقول: أين جاء هذا الشرط او جاءت هذه العلامة في نص سفر دانيال؟ بمعنى: أين قال سفر دانيال ان هؤلاء العشرة قرون هم فقط الملوك الذين سيضطهدون المسيحيين؟! لم يقل السفر هذا، لكنك بكل وقاحة بحثت عن أي شيء يشمل الرقم 10 في الاباطرة الرومان ولم تلاحظ ان مجرد الرقم لن يكون قد تكلم عنه السفر الذي تدعي ان النبوة فيه، فأين جاء في السفر أن هؤلاء الملوك/الأباطرة لهم هذه الخاصية؟!
سادسًا: ربما يقول هذا الصبي ان الكتب المسيحية هي من قالت ان هناك عشر اضطهادات رئيسية مرت بها الكنيسة وليس أنا… ونرد عليه ونقول: وما علاقة أننا مررنا بعشرة اضطهادات بأن هؤلاء هم العشرة اباطرة المذكورون في سفر دانيال؟ هل قالت الكتب المسيحيّة هذا؟ هل قال السفر هذا؟ أم ان المهم هو الرقم 10 فقط وكله عند العرب صابون؟!
وإمعانًا في سحقك وشبهتك الطفولية أكثر وأكثر، ننقل لك من كلام فيليب شاف الذي نقلت عنه بنفسك لأدينك من الكتب التي اخترتها بنفسك، حيث قال:
Number of Persecutions.
From the fifth century it has been customary to reckon ten great persecutions: under Nero، Domitian، Trajan، Marcus Aurelius، Septimius Severus، Maximinus، Decius، Valerian، Aurelian، and Diocletian.12 This number was suggested by the ten plagues of Egypt taken as types (which، however، befell the enemies of Israel، and present a contrast rather than a parallel)، and by the ten horns of the Roman beast making war with the Lamb، taken for so many emperors.13But the number is too great for the general persecutions، and too small for the provincial and local. Only two imperial persecutions—those، of Decius and Diocletian—extended over the empire; but Christianity was always an illegal religion from Trajan to Constantine، and subject to annoyance and violence everywhere.14 Some persecuting emperors—Nero، Domitian، Galerius، were monstrous tyrants، but others—Trajan، Marcus Aurelius، Decius، Diocletian—were among the best and most energetic emperors، and were prompted not so much by hatred of Christianity as by zeal for the maintenance of the laws and the power of the government. On the other hand، some of the most worthless emperors—Commodus، Caracalla، and Heliogabalus—were rather favorable to the Christians from sheer caprice. All were equally ignorant of the true character of the new religion.[11]
الترجمة:
منذ القرن الخامس، كان من المُعتاد حساب عشرة اضطهادات كبيرة: في عهد نيرون، دومتيانوس، تراجان، ماركوس أوريليوس، سبتيموس ساويرس، مكسيمينوس، ديسيوس، فالريان، أوريليان، ودقلديانوس.[12] أُقترَح هذا العدد من خلال الضربات العشرة لمصر باعتبارها رمزًا لها (والتي، مع ذلك، حلَّت بأعداء إسرائيل، وتُمثِل تباينًا لا نظيرًا)، ومن خلال القرون العشرة للوحش الروماني الذي يخوض حربًا مع الخروف، باعتبارهم العديد من الأباطرة.[13] لكن العدد كبير جدًا بالنسبة للاضطهادات العامة، وصغير جدًا بالنسبة للاضطهادات الإقليمية والمحلية. امتد اضطهادان إمبراطوريان فقط—وهما ديسيوس ودقلديانوس—على أنحاء الإمبراطورية؛ لكن المسيحية كانت دائمًا ديانة غير شرعيّة من تراجان حتى قسطنطين، وبالتالي كانت عُرضَة للإزعاج والعنف في كل مكان.14 كان بعض الأباطرة المُضطهِدين؛ مثل نيرون، دومتيانوس، وجاليريوس، من الطغاة الوحشيين، لكن آخرين—تراجان، ماركوس أوريليوس، ديسيوس، ودقلديانوس—كانوا من بين أفضل الأباطرة وأكثرهم نشاطًا، ولم يكن الدافع وراء ذلك كراهية المسيحية بقدر ما هو الحماسة للحفاظ على القوانين وسلطة الحكومة. من ناحية أخرى، كان بعض الأباطرة عديمي الجدوى—كومودوس، كاراكلا، وهيليوغابالوس (إيل جبل)—مؤيدين إلى حدٍ ما للمسيحيين من مُنطلَق نزعة مجردة. كان الجميع يجهلون بنفس القدر الطابع الحقيقي للدين الجديد.
فها هو فيليب شاف يقول ان الرقم 10 مأخوذ كرمز (taken as types) للضربات العشر التي وقعت على شعب مصر وأيضًا كمثال للقرون العشرة للوحش الروماني الذي يصنع حربا مع الخروف الموجود في سفر الرؤيا (رؤ 17: 3 – 14)، فهو يوضح ان هذا الرقم اعتبره المؤرخون من القرن الخامس كمدلول رمزي للعذابات والاضطهادات التي وقعت على المسيحيين فرأوا فيه العشر ضربات، ورأوا فيه كأنها نهاية الأيام والوحش يحارب الكنيسة (المؤمنين).
فكل ما فعله أحمد سبيع هو أنه وقع في مغالطة منطقية أخرى، حيث أنه أتى لنا بعدد الاضطهادات العشرة، والتي، كما رأينا، مأخوذة عن الضربات العشرة، والأهم من ذلك، مأخوذة أصلًا عن عدد قرون الوحش (المذكور في سفر الرؤيا، والذي ورد أيضًا في دانيال)، ليقول لنا أن الأباطرة العشرة المضطهديِن هم أنفسهم القرون العشرة!!!! فوقع في مغالطة الاستدلال الدائري. فكأنه يقول: القرون العشرة تاريخيًا هي عشرة اضطهادات، والاضطهادات هي عشرة رمزًا للقرون (والضربات) العشرة. أي كأنه فسر الماء بالماء!
ويمكن شرح المغالطة بالشكل التالي:
ليس هذا فحسب، بل أن فيليب شاف يقول ان هذا الرقم (10) هو رقم كبير جدا إذا ما قصدنا الاضطهادات العامة في الإمبراطورية على المسيحيين، ويذكر فقط اثنان من الأباطرة وهما ديسيوس Decius ودقلديانوس Diocletian، وهم الذين أجروا -حسب كلامه- اضطهادا عامًا لكل عموم الإمبراطورية، اثنان وليسا عشرة. ويقول أيضًا أن الرقم 10 لهو رقم قليل جدا بالنسبة لعدد الاضطهادات المحلية التي عانى منها المسيحي في هذه الإمبراطورية، حيث كانت المسيحية دومًا تحت الاضطهاد في بعض الأقاليم والمقاطعات.
وأكثر من ذلك، فقد ذكر فيليب شاف أيضًا في الهامش أن أغسطينوس ذكر بدلا من الإمبراطور ماركوس أوريليوس، أنطونيوس بيوس، فأين ذهب الرقم 10 الآن في ظل تغيير اسم امبراطور منهم؟ وذكر أن المؤرخ لاكتنتيوس Lactantius ذكر أنهم 6 فقط! فأين ذهب الرقم 10؟ وذكر أيضًا أن سولبيتوس Sulpitius Severus ذكر 9 فقط! فأين الرقم 10 يا صغيري؟
كل هذا والسفر لم يقل على الإطلاق بوجود علاقة بين القرون العشرة للحيوان الرابع، وبين الاضطهادات، فأين ذهب الرقم 10 يا عزيزي الصغير الآن؟! ها هو الرقم الذي لم يقل عنه السفر أن له علاقة بالاضطهادات على المسيحيين أصلا، والذي أدخلت فيه الاضطهادات بالفهلوة لتخدع به مستمعيك المساكين لتشابه الرقم 10 في سفر دانيال مع بعض الكتب المسيحية. فهل تجرؤ أن ترد؟!
فهل اكتفى سبيع بتدليسه هنا؟ بالطبع لا! بل أتى باقتباس من موقع أسقفية الشباب، يدعي به أن المسيحيين يعترفون أن عدد الاضطهادات هم عشرة. وفي عرضه للاقتباس، بتر نصف الاقتباس بأكمله، ولم يعرضه حتى على الشاشة!! لنرى إذن، ولنقرأ ما لم يُردْ سبيع أن يقرأه مشاهديه:
“+ منذ القرن الخامس الميلادي تعود المؤرخون علي تقدير الاضطهادات التي خاضتها الدولة الرومانية ضد الكنيسة المسيحية بعشرة اضطهادات كبيرة تحت حكم عشرة أباطرة هم علي الترتيب: نيرون – دومتيانوس – تراجان – مرقس أوريليوس – سبتيموس ساويرس – مكسيمينوس – ديسيوس – فالريان – أوريليان – دقلديانوس.
+ ولكن هذا التقسيم اصطلح عليه ولا يعني أن الاضطهادات حدثت عشر مرات فقط، لأن أكثر الفترات هدوءًا كانت فيها شهداء.
+ ولقد حاول البعض أن يربط بين الضربات العشر في مصر وهذه الاضطهادات باعتبارها رمزًا لها، كذلك يربطون بين العشرة قرون التى للوحش الوارد ذكرها في سفر الرؤيا الذي صنع حربًا مع الخروف على أنها هذه الحلقات العشر من الاضطهاد. “
فقد بترَ سبيع كل الجزء المظلل بالأحمر ولم يعرضه، والذي يصرح فيه الموقع بنفس ما صرح به فيليب شاف تقريبًا. فهذا العدد اصطلح عليه فقط، وليس بالضرورة يشمل العدد الصحيح للاضطهادات. فلماذا كل هذا الرعب من هذه الفقرة التي حذفها؟؟! لأنها ببساطة تنسف مجددًا كل تزويره، وتوقعه في مغالطات منطقية كما رأينا.
ونكرر، أننا إلى هنا نستطيع التوقف لأننا نقضنا كل الأساسات التي أقام سبيع عليها الشبهة من جذورها، ورأينا أن أقوى أساس منهم لا يقوى امام وهن بيت العنكبوت! لكن، لنكون أكثر كرمًا، وسحقًا لسبيع مع شبهته، سنستمر بافتراض صحة كل ما أثبتنا خطأه، لنكمل..
النقطة الرابعة: هل القرن الصغير هو قسطنطين؟ لماذا لا يمكن ان يكون هو قسطنطين؟
إذا ما وافقنا سبيع، جدلًا، أن الدولة الرابعة هي الإمبراطورية الرومانية، وأن هناك عشرة ملوك فقط من الدولة الرومانية، وأن العشرة قرون هم الملوك الذين اختارهم سبيع ببهلوانية، فلابد لسبيع أن يثبت ان المقصود هو قسطنطين الملك، وهذا ما لم يثبته سبيع. ولكي يثبته كان عليه أن يقوم بحركات بهلوانية أخرى ويخدع مستمعيه ويقوم بإسقاط الاوصاف التي جاءت في سفر دانيال عن القرن الصغير على قسطنطين الملك. فماذا فعل؟
أولًا: قال إن الإمبراطور لابد وأن يكون روماني، وأثبتنا وجود خلاف حول ماهية الحيوان الرابع الذي يقول انه لابد ان يكون المملكة الرومانية، وهو في الفيديو الثاني له قد كذب وقال ان أحدا من المسلمين لم يقل ان القرن الصغير مسلما، ويتناقض هنا فيقول ان القرن الصغير لابد ان يكون من نفس مذهب الحيوان الرابع، وعليه فان كان اجماع المسلمين ان الحيوان الرابع هو دولة الإسلام فلا شك ان قرنهم الصغير مسلما أيضا، ثم قال ان قسطنطين هو الملك الذي جاء بعد عشرة ملوك، وهذه الكذبة أثبتنا فُحش خطأه فيها من وجوه في النقطة السابقة، فبرجاء المراجعة.
فمن جهة لا يوجد أصلا عشرة ملوك بل أكثر من 50 ولم يخبرنا بأي دليل جعلهم 10، ولا السِفر قال بوجود علاقة بين القرون وبين الأباطرة الذين اضطهدوا المسيحيين، ولا سبيع أثبت انهم عشرة أباطرة أصلا، ولا السفر حدد الفترة بالفترة بين تجسد المسيح وبين قسطنطين ولا أن الأباطرة هؤلاء بين المسيح وبين قسطنطين هم 10 ..إلخ.
ثانيًا: قال ان قسطنطين هزم ثلاثة ملوك آخرين كانوا ينازعونه في حكم الإمبراطورية الرومانية، وبهذا تكون النبوة تنطبق عليه. وللرد، علينا فقط أن نقرأ نص النبوة لنعرف كيف دلَّسَ سبيع واستغل جهل المُصدقين له من مستمعيه واستغفلهم أيما استغفال. فماذا تقول النبوة:
وبيت القصيد هنا، أن القرون الثلاثة التي قُلعت من أمام القرن الصغير هي من القرون العشرة التي كانت للحيوان الرابع، فالنص يقول [وَقُلِعَتْ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْقُرُونِ الأُولَى]، وهذه هي القرون العشرة التي فسرها سبيع أنهم الاباطرة من نيرون إلى دقلديانوس، فهل كان هناك إمبراطور على قيد الحياة من الإمبراطور نيرون إلى الإمبراطور دقلديانوس؟ أم كانوا قد ماتوا او قتلوا؟!! فالنص يقول بوضوح وحرفية أن هذا القرن الصغير (“قسطنطين” بحسب جهل سبيع) عندما ظهر اُقتُلعت ثلاثة قرون من القرون الأولى (الملوك العشرة بحسب جهل سبيع) فهل قتل قسطنطين نيرون او دقلديانوس او أي آخر جاء بينهما؟ فإذا نظرنا مرة أخرى في قائمة الأباطرة العشرة التي اقترحها سبيع، لن نجد من بينهم الثلاث ملوك (جاليريوس، ماكسنتيوس، وليسينيوس) الذين ادعى سبيع أن قسطنطين قد انتصر عليهم.
فالخدعة التي انطلت على من يصدقون هذا الأفَّاق هي أنه قال لهم أن قسطنطين هزم ثلاثة ملوك ممن كانوا معاصرين له ويقاسمونه الحكم في الإمبراطورية.. وهذا لم تقله النبوة على الإطلاق، بل تكلمت حرفيًا عن اقتلاع ثلاثة قرون من هذه القرون العشرة التي ظهرت أولا، وليست عن ثلاثة قرون أخرى مختلفة عن العشرة. لكن، بالطبع، مَن كان مستواه العقلي يسمح له بأن يصدق ما يقوله سبيع، لا يلومنَّ إلا نفسه عندما يستغفله سبيع ويدوس على عقله.
ولكن، حتى لو تنازلنا جدلاً، وقبلنا بثلاث ملوك ليسوا من الأباطرة العشرة، لن يستطيع سبيع أن يثبت أن قسطنطين انتصر على ثلاث ملوك تحديدًا وليس أكثر أو أقل. ففي الواقع، الورطة التي وقع فيها سبيع أكبر بكثير من هذا، وهذه الورطة يمكن أن نرى نتائجها، فقط إن قرأنا ما قالته المراجع التي استشهد بها هو! عرض سبيع مرجعيّن لإثبات أن قسطنطين انتصر على ثلاث ملوك؛ الأول هو “تاريخ الكنيسة” للمؤرخ المسيحي فيليب شاف، والذي يقول فيه شاف عن قسطنطين:
“مع كل انتصار له على منافسيه الوثنيين، جالريوس، مكسنتيوس، وليسنيوس، ازداد ميله الشخصي إلى المسيحية وثقته في القوة السحرية لعلامة الصليب….”
والثاني هو كتاب بعنوان “الصراع بين المسيحية والوثنية”، حيث قرأ سبيع منه عن الصراع بين الحكام الأربعة في الإمبراطورية الرومانية، لكنه لم يجرؤ أن يقرأ لنا أسماء هؤلاء الملوك الاربعة من هذا الكتاب. ففي نفس الكتاب بل وفي نفس ذات الصفحة نقرأ التالي:
“In the East, Maximinus Daza and Licinius (who had succeeded to the position of Galerius), after arraying themselves against each other, made peace again, and divided the Orient between them. The West was ruled by Constantine and Maxentius.”
الترجمة:
“في الشرق، قام مكسيمينوس دايا وليسينوس (الذي تولى منصب جاليروس)، بعد أن اصطفوا ضد بعضهما البعض، بعودة السلام مرة أخرى، وقسموا الشرق بينهما. والغرب حُكم من قِبَل قسطنطين ومكسنتيوس.”[14]
الإشكالية التي وقع فيها سبيع هنا هي أنه أراد أن يفهم مستمعيه بأن انتصار قسطنطين على ثلاث (وليس أقل وليس أكثر) منافسين له هي حقيقة تاريخية مسلم بها عن المؤرخين. ثم بعد ذلك اقتبس من مرجعين مختلفين، عند فحص ما يقولانه جيداً، نجد أن المرجعين متضاربين من حيث أسماء هؤلاء الملوك!!! فالمرجع الأول يذكر أن الملوك هم جالريوس، مكسنتيوس، وليسنيوس، بالإضافة إلى قسطنطين الذي انتصر عليهم. لكن المرجع الثاني، يذكر مكسيمينوس دايا بدلاً من جاليريوس، ويصرح بأن ليسينيوس هو من تولى منصب جاليروس! وهنا تنكشف الورطة الحقيقة التي وقع فيها أحمد سبيع. فإن كان هناك ثلاث ملوك منافسين لقسطنطين في الحكم، فمَن هم هؤلاء الملوك؟ ما هي أسماؤهم؟ ومتى حكموا بالضبط؟ ولماذا نجد هذا التضارب بين أقوال المراجع التي أتى بها؟
السبب في هذا هو أن سبيع افترض، عن جهل وانعدام الفكر، أنه طالما كان هناك حُكْم رباعي في الإمبراطورية الرومانية، أي أربعة ملوك يحكمون أربعة مناطق من الإمبراطورية، إذن يجب أن يتواجد الأربعة دائماً جنباً إلى جنب، بدون زيادة أو نقصان أو حتى تبديل!!!
بمعنى أنه لم يضع في حسبانه احتمالية مرور قسطنطين بفترات تاريخية من حكمه يكون فيها منافسيه أكثر من ثلاث ملوك. وهو تمامًا ما حدث. ولذلك نقرأ في مراجع كثيرة أن قسطنطين مرَّ بفترات تواجد معه خمس ملوك يتنافسون فيما بينهم على العرش. فعلى سبيل المثال، يقول الدكتور محمود سعيد عمران، الاستاذ بكلية الأداب:
“ويلاحظ أنه في الفترة الممتدة من ٣٠٥–٣١١م وهي الفترة المضطربة التي تلت اعتزال دقلديانوس ومكسيميان، كان يحكم الإمبراطورية جاليروس بالاشتراك مع قسطنطيوس الأول وسيفريوس الثاني وليسينوس وقسطنطين الأول ومكسيميان في فترات مختلفة. ومنذ عام ٣٠٩م كان هناك ستة حكام يحملون لقب أوغسطس، ثم انفرد قسطنطين الأول وليسنيوس بالحكم من ٣١٢–٣٢٤م، وساد هذه الفترة أيضًا الفوضى والاضراب والحروب الأهلية نتيجة لمطامع كل منهما، ونشبت الحرب الأهلية من جديد وانتصر قسطنطين على منافسه عام ٣٢٤م وانفرد بالسيادة على الإمبراطورية بعد معركتي أدرنة وكريوبوليس، وانتهى الأمر بموت ليسينوس.”[15]
أي كان هناك ستة أباطرة يتنافسون على الحكم في نفس الوقت، ومن ضمنهم قسطنطين. ونقرأ أيضاً في مرجع آخر ما يلي:
“By 308, six emperors were vying jealously with each other, three in the East, and Maximian, his son Maxentius, and Constantine in the West.”
الترجمة:
“بحلول عام ٣٠٨م، كان ستة أباطرة يتنافسون بغيرة مع بعضهم البعض، ثلاثة في الشرق، ومكسيميانوس وابنه ماكسنتيوس، وقسطنطين في الغرب.”[16]
وآخيرًا، وليس آخرًا، تقول الموسوعة البريطانية:
“Eighteen years later Constantine, the sole survivor of six rival emperors, united the whole empire under his own rule.”
الترجمة:
“بعد ثمانية عشر عامًا، وحَّد قسطنطين، الناجي الوحيد من ستة أباطرة متنافسين، الإمبراطورية بأكملها تحت حكمه.”[17]
كل هذه المراجع، وغيرها الكثير تثبت تواجد أكثر من ثلاث ملوك منافسين لقسطنطين، بل الصحيح هو ضعف العدد الذي اقترحه سبيع. فكوْن فيليب شاف أو غيره ذكروا ثلاث ملوك فقط، هذا لا يعني أنهم حصروا عدد منافسيه في ثلاث فقط، بل ولا يعني أيضًا أنه لم يتواجد في أي فترة أخرى أكثر من ذلك العدد!! فكما رأينا الأمر وصل إلى ستة أباطرة تواجدوا في نفس الفترة يتنافسون على عروش الإمبراطورية. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: لماذا وعلى أي أساس اختار سبيع ثلاث ملوك فقط وتجاهل الثلاث الآخرين، علمًا بأن المراجع تذكر أن جميع الملوك الستة كانوا منافسين لقسطنطين، وهو الذي انتصر ونجى في الآخير؟؟!! وهذا السؤال ليس له سوى إجابة واحدة: إنه الضلال والإضلال في أغبى صوّره!
ثالثًا: قال سفر دانيال أن هذه الممالك الثلاثة ستكون معاصرة للمملكة الرابعة (الرومانية، بحسب سبيع)، بل وتغلبهم هذه المملكة الرابعة (أَكَلَ وَسَحَقَ وَدَاسَ الْبَاقِيَ بِرِجْلَيْهِ)، بدليل أن هذه المملكة الرابعة ستسحق بقية الممالك الأخرى، وليس مملكة أو مملكتين منهم، فكيف تكون المملكة الرابعة هي امبراطورية الرومان في حين ان الإمبراطورية الرومانية لم تنهي حكم كل الثلاثة ممالك السابقة لها (البابلية والمادية-الفارسية واليونانية) بل جاءت الإمبراطورية الرابعة بعدهم؟ فهل أنهت الإمبراطورية الرومانية حكم الإمبراطورية البابلية مثلا؟! وهل أنهت الإمبراطورية الرومانية وجود الإمبراطورية الفارسية أم كانا سويًا يعيشان ثم ضعفا سويًا؟ وهل إنتهت الإمبراطورية الرومانية بوجود الإسلام أم أن القسطنطينية (عاصمة دولة الروم القديمة) ظلت إلى القرن الخامس عشر عندما احتلّها محمد الثاني؟؟ أين أحمد سبيع من كل هذه الحقائق التاريخية؟
فإن كانت هذه الأوصاف لا تنطبق على الإمبراطورية الرومانية، فكيف يكون القرن الصغير هو امبراطور روماني سواء أكان قسطنطين أو غيره؟
رابعًا: قال إن مخالفة القرن الصغير للقرون الأخرى يُقصَد بها أن قسطنطين سيغير تعامله مع المسيحيين ولن يضطهدهم، ونحن نسأله: من أين عرفت أن هذا هو المقصود؟ وبأي دليل؟ فالسفر لم يقل إن المخالفة ستكون في تعامل هذا القرن مع القديسين مثلا، السفر قال إن هذا القرن مخالف للأولين، أي مخالف للقرون العشر الأولى، فبأي دليل أسقطت هذه المخالفة على التعامل مع المسيحيين؟
فيقول أحمد سبيع: “قسطنطين كانت سياسته مختلفة أو مخالفة لجميع مَن سبقوه، فلأول مرة يصدر الإمبراطور مرسومًا للتسامح مع المسيحيين؛ أصدر في سنة ٣١٣م مرسوم ميلانو، وهو مرسوم يسمح للمسيحيين بالحرية الدينية، وبعدها تدخل في الشؤن الدينية كما في مجمع نيقية سنة ٣٢٥م.”
وللرد نقول:
في محاولته لإثبات مخالفة قسطنطين مَن سبقوه مِن الأباطرة، ادّعى سبيع أن قسطنطين هو أول إمبراطور روماني يصدر مرسومًا للتسامح مع المسيحيين. وهذا جهل مُطبق بتاريخ الإمبراطورية الرومانية! بل إن جاليريوس أصدر مرسومًا وهو على سرير الموت حيث أوقف بهذا المرسوم الاضطهاد الواقع على المسيحيين وسمح فيه للمسيحيين بحقهم في ممارسة شعائرهم علنًا بكل حرية[18]. فعلى سبيل المثال، لا الحصر، يقول الدكتور محمود عمران:
“لم يكن مرسوم ميلان أول مرسوم بالتسامح مع المسيحيين بل سبقه المرسوم الذي حمل إسم جالريوس وليسينوس.”[19]
ولكن يمكن أن يكون هذا المرسوم أقل شهرة من مرسوم ميلان، والسبب في ذلك كان قصر مدة حكم جاليريوس، وما عانته الإمبراطورية البيزنطية من بعده من انقسامات وصراعات داخلية أدت في النهاية إلى عودة اضطهاد المسيحيين مرة أخرى، وهو الأمر الذي لم ينتهي كليةً حتى بعد مرسوم ميلان كما سنرى. علاوةً على أن مرسوم ميلان لم يصدره قسطنطين منفردًا، بل صدر بالاتفاق مع شريكه في الحكم ليسينوس.[20]
بل، لم يكن هذا هو المرسوم الوحيد الذي سبق مرسوم قسطنطين، فقبل مرسوم قسطنطين، وقبل مرسوم جاليريوس، كان هناك مرسومًا سابقًا لكليهما، وهو مرسوم جالينوس حيث أنه في عام 261 نشر جالينوس، الذي جلس على العرش بعد أن أزال عنه الفرس فليريان، أول مرسوم يقضي بالتسامح الديني اعترف فيه بأن المسيحية من الأديان المسموح بها وأمر أن يرد إلى المسيحيين ما صودر من أملاكهم، وحدثت اضطهادات خفيفة في السنين الأربعين التالية، ولكن هذه السنين كانت في معظمها سني هدوء ونماء سريع للمسيحية لم ترَ لها مثيلاً من قبل[21].
إذن، فمرسوم قسطنطين، مع أنه الأشهر عند عوام الناس، إلا أنه لم يكن المرسوم الأول، وهكذا لم يكن المرسوم الثاني، بل الثالث، إذ سبقه مرسومان من جاليريوس عام 311، وقبله مرسوم جالينوس عام 261 وهو الذي كان المرسوم الأول الذي يسمح للمسيحية بأن تكون ديانة مسموح بها قانونًا. فسقطت حجتك بان (قسطنطين) قد خالف سياسة كل من سبقوه، وهذا السقوط بسبب جهلك الظاهر.
فالحقيقة إنك سقطتَ في الاستدلال الدائري، افترضت أولا ان القرن الصغير هو قسطنطين ثم بدأت بتهيئة كل ما قيل عن القرن الصغير عليه بحيث يتناسب معه، لكن نسيت ان تعطينا أية أدلة تدعم بها كلامك المهترئ. فمثلاً، كما ذكر فيليب شاف، أنه كان هناك أباطرة لا يضطهدون المسيحيين بشكلٍ عامٍ قبل قسطنطين فلماذا لا يكون أي منهم هو المقصود مثلًا؟
بل كيف يكون المقصود في الخلاف مع الملوك العشرة الآخرين هو في عامل الاضطهاد، والسفر ذاته والأصحاح ذاته يقول إن هذا القرن الصغير سيضطهد قديسي العلي حيث يقول السفر عنه أنه “يُحَارِبُ الْقِدِّيسِينَ فَغَلَبَهُمْ“؟ فبنفس طريقة فهمك للنصوص، فطالما أن هذا القرن سيحارب القديسين وطالما ان هذا القرن سيكون مخالفًا لغيره، إذن فالأباطرة الرومان لم يكونوا يضطهدوا المسيحين سواء الموحدين او المثلثين (كما تسميهم) وأنت بنفسك شهدت بخلاف هذا. والاحتمال الثاني أن نقول إن بما أن الأباطرة السابقين كانوا يضطهدون المسيحيين، وهذا القرن الصغير مخالف لهؤلاء الأباطرة، فيجب ألا يضطهد هذا القرن الصغير المسيحيين (الموحدين والمثلثين، كما تسميهم)؟ أرأيت كيف أن تخريفك يصل بك دائمًا إلى نتائج تُظهر جهلك؟
وبما أننا أثبتنا أنه لا يمكن أن يكون قسطنطين هو المقصود، فلماذا تفترض ان هذه النبوة تحققت أصلا وتبحث عمن كان مخالف لمن سبقه؟ المسيحيون يفسرون النبوة بشكل آخر تماما ويفسرون هذه المخالفة للقرن الصغير بشكل آخر أيضًا.
نقطة أخرى، قسطنطين عاش وثنيًا إلى آخر لحظات عمره، حتى انه تعمد وهو على فراش الموت من أسقف أريوسي، وبالطبع كان الأباطرة من قبله وثنيون أيضًا مثله، فلماذا لا يعتبر سبيع أن هذه الموافقة في الوثنية بين قسطنطين وغيره من الأباطرة الذين سبقوه، طاعنة ونافية للمخالفة التي يتكلم عنها السفر عن القرن الصغير (قسطنطين بحسب جهل سبيع)؟ فكل ملك سيختلف عمن سبقه بشيء أو أكثر ويكون موافقًا له في شيء أو أكثر، وهذه هي طبيعة البشر إلى اليوم، فهل أي اختلاف بين قسطنطين وبين من سبقوه سيفسر عبارة سفر يونان؟ فعلى هذا فكل الأباطرة يختلفون مع بعضهم البعض وبالتالي، فهم يحققون هذا الشرط.
خامسًا: قال إن قسطنطين تكلم بعظائم ضد الله، والحقيقة ان سبيع لم يثبت ما هي هذه العظائم التي تكلم بها ضد الله! فكل ما ذكره سبيع ان الإمبراطور قتل ليسينيوس بعد ما بدر منه، وقتل ابن اخته (حسبما ذكر سبيع) وفي الأخير قتل ابنه الأكبر كريسبوس، وزوجته. لكن هل هذا هو الكلام الذي تكلم به ضد الله؟! كإمبراطور روماني، فهذا معتاد منهم كحاكم روماني يحارب الكثيرين ويقتل الكثيرين ويتعرض لمؤامرات ودسائس، وهذا ما فعله من سبقوه من الأباطرة الوثنيين كما من بعده وقبلهم وإلى اليوم، فمع أننا اليوم نعتبر هذه كلها جرائم إلا أن هذا كان معتاد في هذا العصر ومعتادة بالأكثر من إمبراطور وثني! فهل تظنه كان يبتاع السِبَح ولا يفارق صلاة الجماعة! كم قتل الخليفة الأول في حروب الردة؟ وكم قتل الخلفاء وأمراءهم؟! هل يمكنك أن ترد؟! فإن كانوا هؤلاء مؤمنين وفعلوا كل هذا، فما بالك بإمبراطور وثني!
إلا ان هناك بعض الترّاهات والأكاذيب التي خرجت من فم هذا الصبي، فسنوردها والرد عليها، رغم أنها تتناقض فيما بينها، وتتناقض مع ما قاله سابقًا، وتتناقض مع ما يريده منها، إلا أنه كحاطب ليل يقول كل شيء وإن تناقض أوله مع آخره.
قال إن الإمبراطور قسطنطين حارب الموحدين (الأريوسيين) وانتصر للمثلثين (أتباع أثناسيوس)
وهذا كلام غريب، إذ أن قسطنطين تاريخيًا (في هذه الحقبة بالتحديد) لم يفعل إلا انه طبّقَ القرار الذي قرره مجمع نيقية المسكوني الأول بأساقفته، ولم يتدخل في القرار ذاته. فهو كسلطة تنفيذية قام بتنفيذ قرار المجمع. ولتقريب الصورة اليوم، فدور قسطنطين هنا كان كمنفذ للحكم الذي أصدره القاضي على المنصة، فلا يصح ولا يسوغ أن نقول ان منفذ الحكم حارب المحكوم عليه وانتصر للقاضي! فلا هو حارب ولا هو انتصر -في هذه الفترة-، بل نفذ ما قرره المجمع المسكوني. ثم بعدها أصدر قوانين ضد أريوس والاريوسيين لعدم تأثيرهم على سلام الإمبراطورية.
ومما يدل على هذا أنه هو نفسه لم يكن مسيحيًا لا من أتباع أريوس ولا من أتباع أثناسيوس! بل والأغرب من هذا أنه عندما تعمد وهو على فراش الموت، تعمد من أسقف أريوسي!
فعندما حاول أريوس بعد حرمانه عندما حاول ان يستعطف الامبراطور مرة أخرى، وطلب الامبراطور من البابا أثناسيوس حينها أن يعيد أريوس إلى الكنيسة مرة أخرى، رفض أثناسيوس لأن قرار حرمانه كان بقرار مجمع مسكوني، فنفاه قسطنطين إلى فرنسا. وهذا يوضح بجلاء ان الإمبراطور لم يكن له القوة لإعادة أريوس إلى الكنيسة مرة أخرى ولا كان له قوة التدخل في الأمور الدينية أو الإدارية في الكنيسة وإلَّا كان قد أعاده دون طلب من البابا أو بعدما نفى البابا أثناسيوس.
فكيف يقال بعد هذا أنه حارب الأريوسيين؟ وكيف يقال إنه نصر المثلثين؟ فطالما نصر المثلثين كان قد تعمد منهم (مثلما قرأ سبيع بلسانه من موقع سانت تكلا).
بل قد نُفي أثناسيوس لخمس مرات بداية من نفي قسطنطين نفسه مرورا بمن خلفه من الأباطرة، فكيف يحاول الجويهل سبيع تصوير أن الأباطرة من قسطنطين ومن جاء بعده كانوا موافقين لأثناسيوس؟
ولو شئنا لأغرقناه بالمراجع التي تثبت جهله بأبجديات التاريخ المسيحي! ولكن لضيق المساحة، ولضعف مستواه الأكاديمي، سنكتفي بأمثلة بسيطة من بعض المراجع. فعلى سبيل المثال، يقول أندرو مِلر:
“لم يكن للإمبراطور [قسطنطين] رأي خاص مستقل في المسائل الكنسية، ولا تمييز روحي في هذه الخلافات التعليمية، ولذلك فلا يمكن التعويل على استمرار رضاه وتأييده ومعاونته. وهذا ما حدث إذ تغير فكره كلية في أقل من سنتين. […] كان لقسطنطيا أرملة ليسينيوس وأخت قسطنطين نفوذ عظيم وتأثير كبير على أخيها، وكانت تعطف على الأريوسيين، وقد وُفقت وهي على فراش الموت سنة ٣٢٧م في إقناع أخيها بأن أريوس عونل معاملة ظالمة، واقترحت عليه أن يستدعيه إلى قصره، فاستدعاه فحضر أريوس. ولما مثل بين يدي الإمبراطور عرض عليه تعاليمه، وبيّن بطريقة عامة اعتقاده في تعليم الآب والابن والروح القدس، والتمس من الامبراطور أن يضع حداً لما يزعمون أنه نظرية باطلة ومبادئ خيالية، حتى تشفى الكنيسة من هذا الداء العضال، داء الانقسام، ويعود الجميع إلى الوحدة، ويرفعوا بنفس واحدة صلوات وطلبات لأجل الامبراطور لكي يكون ملكه في هدوء وسلام، ولأجل كل أفراد عائلته. وبواسطة كلامه الجذاب وحديثه الرقيق نال غرضه وحظى بمرغوبه، فأظهر قسطنطين رضاه وسروره بما سمع، وأصبح لأريوس وأتباعه منزلة عالية لدى الامبراطور، وحازوا درجة سامية من عطفه فأمر بإرجاع المنفيين إلى أوطانهم. وهكذا غيّر هذا الأمر الامبراطوري المنظر الخارجي للكنيسة، وأصبح للحزب الأريوسي نفوذاً كبيراً لدى الامبراطور، فأسرعوا بدون إبطاء ولا توان في استخدام هذا النفوذ لمنفعتهم ومصلحتهم.“[22]
وربما -أخي المسيحي- تكون قد تضايقت من كلمة “المثلثين” التي قالها سبيع أعلاه، وكررتها أنا ليعرف ما هو الذي أرد عليه تحديدا فاستخدمت نفس ألفاظه. لكن، هل أريوس وأتباعه من الموحدين؟! إن أريوس -كما تخبرنا المصادر التاريخية- كان يقول بأن المسيح إله، لكن ليس من ذات الآب، وكان يقول إن المسيح هو الذي خلقه الآب ليخلق به المخلوقات، فالمسيح هو الخالق وهو المخلوق أيضًا. وفي آخر حياته أراد أن يتناول من الأسرار المقدسة على يد أسقف مستقيم العقيدة إلا أن الأسقف رفض ثم بعدها مات أريوس.
ومن الجهالات التي قالها سبيع أيضا عن قسطنطين، أنه قال “استطاع قسطنطين وأتباعه من بعده القضاء على الأريوسية وكتاباتها تمامًا”
وللرد نقول: أن هذه الجملة وحدها كفيلة بأن تجعلك تعرف أن ما يعرفه أحمد سبيع عن مجمع نيقية يتناسب طرديًا مع ما يعرفه عن اللغة الصينية! فكل قارئ -مجرد قارئ- في أحداث مجمع نيقية سيكون عارفًا أن الأريوسية استمرت إلى بعد نياحة قسطنطين وأريوس وأثناسيوس نفسه، وهذا كان في صور متعددة، بل أنه مما لا يسع القارئ -وليس الدارس- عدم معرفته هو أن قسطنطين نفسه (الذي يقول الجاهل سبيع عنه انه أنهى على الأريوسية) تعمد في نهاية حياته على يد أسقف أريوسي! فكيف يكون قسطنطين أنهى الأريوسية وهو نفسه تعمد في نهاية حياته على يد أسقف أريوسي؟! وكيف يكون هذا، وقسطنطين نفسه أراد إرجاع أريوس إلى شركة الكنيسة مرة أخرى بعد مجمع نيقية؟!!
لنكمل…
قال إن التاريخ يقول إن قسطنطين مزج بين المسيحية والوثنية وكان له التأثير الأكبر على المسيحية بصورتها الحالية.
هذه العبارة مُلتبسة مُبهمة، فيمكن تفسيرها بطريقة صحيحة وطريقة خاطئة، فهل يقصد سبيع، مثلا، أن قسطنطين مزج بين المسيحية والوثنية في نفسه أو في إمبراطوريته؟ بمعنى أنه كان وثنيا في نفسه ولكنه يتخذ الصليب شعارًا لينتصر في حروبه، أو بأنه يسمح للمسيحيين أن يعيشوا في الإمبراطورية بلا اضطهاد كما لم يمنع الوثنية من الإمبراطورية؟ إن كان هذا هو المقصود، فالكلام صحيح على عمومه، فهو ظل وثنيًا ومتقلبًا بين حال وآخر، لكن إن كان مقصد سبيع ان قسطنطين مزج المسيحية نفسها بالوثنية، وهذا الذي يفيد سبيع، بمعنى انه مزج عقائد المسيحية بالعقائد الوثنية، فهذا تخريف صريح، فالعقائد المسيحية الأساسية (الثالوث، التجسد، الفداء، ألوهية المسيح..إلخ) يمكن استخراجها بها من الآباء الذين عاشوا قبل مجمع نيقية بتمامها، بل أن هناك مؤلفات كاملة عن هذه الاستشهادات.
الجزء الثاني من عبارته هو أنه كان له التأثير الأكبر على المسيحية بصورتها الحالية. وهذه الجزء كسابقه، مبهم المعنى، خصوصا أن الولد سبيع لم يعطنا أية مصادر تقول ما يريد أن يقول، فالتاريخ المسيحي يحفظ لقسطنطين الأمور الجيدة التي فعلها والأمور الخاطئة أيضًا، فمن الأمور الجيدة أنه سمح للمسيحيين ان يعيشوا بلا اضطهاد بعدما مروا بأبشع العذابات لسنوات طويلة، فهذا من الأمور الجيدة. وبالطبع له أمور سيئة كالتي عرضها سبيع وأكثر. لكنه في أموره الجيدة او تلك السيئة لم يكن له التأثير على المسيحية نفسها كعقيدة مطلقًا.
وبعد هذا عرض هذا السبيع اقتباسا يقول:
[ومن ذلك الحين، اتخذ قسطنطين مقام رأس الكنيسة، بصورة علنية أمام العالم أجمع، وفي الوقت ذاته، احتفظ لنفسه بمقام الكاهن العظيم للأوثان، ذلك اللقب الذي لم يتخل عنه قط، حتى مات وهو حائز اللقبين- رأس الكنيسة والكاهن العظيم للأوثان]
وإني لأسأل هذا الصبي: ماذا في هذا الاقتباس يدل على تبديل العقيدة المسيحية أو تغييرها؟ ألم تقل المصادر التاريخية ونحن أيضًا انه كان وثنيًا إلى أن كان على فراش موته؟ وألم نقل إنه يحتفظ لنفسه وليس في تغيير المسيحية!؟ فأين استشهادك في هذا الاقتباس؟! الاقتباس يتحدث عن قسطنطين وليس عن الإيمان المسيحي.
ثم عرض اقتباس آخر يقول:
[وهكذا وقفت المسيحية على قدم المساواة مع الوثنية، وكان تعاطف قسطنطين مع المسيحية لدوافع سياسية في أكثره، فقد اردا ان يكون مع الجانب الفائز، ومع كل نجاح جديد كان يزداد ميلا إلى المسيحية رغم ان حياته في مجملها كانت وسطا، وكان يحلم بأن يمزج الوثنية والمسيحية في مجتمع واحد تحت نفس النظام القوانين والشرائع، فهو لم يحظر الوثنية بأي حال من الأحوال]
وإني لأسأل هذا الصبي مرة أخرى: أين جاء هنا تبديل العقيدة المسيحية؟ وهل تأكدت أن المزج المقصود هنا هو “في مجتمع واحد تحت نفس النظام”؟ وليس دمجًا يؤدي إلى تغيير العقيدة؟ فهذا هو اقتباسك الذي أتيت به بنفسك ينفي ما تقول، إذ أنه يقول “وكان يحلم”، أي أن هذه كانت رغبة عنده، ولم يتممها، فلو كان تممها لكان قال “وقد مزج الوثنية بالمسيحية” وليس “كان يحلم”. فأنت كمدلس، حوَّلت عبارة “كان يحلم أن يمزج” بأنه “مزج” فعلا بين الوثنية والمسيحية! يا لفعلتك الشنعاء، أتستغفل بني جلدتك لأنهم يصدقونك؟! بئس الفعل!
الغريب أنه، ويا لبجاحته، بعد هذا قال إن هذا “مثال واضح على مزجه للمسيحية بالوثنية” وكان هذا بعدما قال إن عملة قسطنطين كان على أحد وجهيها حروف اسم المسيح، وعلى الجانب المقابل Sol Invictus مع رسمة للشمس. وهذا تأكيد لكلامنا أنه كان امبراطور وثني طيلة حياته إلا في آخره، مع سماحه للمسيحيين بأن يعيشوا بلا اضطهاد، لكن أين العلاقة بين ان تكون عملته بها هذا وأنه غير في الإيمان المسيحي او أثّرَ عليه؟ هل يتغير الإيمان لدى المسيحيين بتغيير العملة لدى الامبراطور؟! هل كنت ثملًا وانت تسجل هذا الفيديو؟!
ثم بعد هذا الغثاء الفكري، ظل يكرر أن قسطنطين انتصر لرأي ألوهية المسيح وأنه غير مخلوق، ولم يقدم ولا حتى نصف شبهة دليل في كلامه! فهو يظن أن ما تكرر قد تقرر، وأنه كلما كرر كلامه مرة تلو المرة، فإن هذا سيعفيه من تقديم الأدلة! لكن، نحن على عكس ما يفعل هذا الصبي، سنقدم أقوال لآباء مختلفين كثيرين عن ألوهية المسيح قبل مجمع نيقية.
العلّامة أوريجانوس
لكنه حينما تحدث مع الفريسيين قال: “وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق، لأني أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب”، إذ كان يتحدث عن طبيعته الإلهية، كشخص يتحدث عن الأساس الذي به هو بكر الخليقة (كو ١: ١٥)[23].
أن السيّد أعلن لاهوته للذين صعدوا على الجبل العالي، أمّا للذين هم أسفل فظهر لهم في شكل العبد. إنه يسأل من يشتاق أن يتعرّف على حقيقة السيّد ويتجلّى قدامه أن يرتفع مع يسوع خلال الأناجيل المقدّسة على جبل الحكمة خلال العمل والقول.[24]
تأمَّل الرسل الله الكلمة لا بكونهم قد أبصروا المسيح المخلِّص المتجسّد، بل رأوا الله الكلمة (هنا لا يقصد انفصال المسيح إلى شخصين إنما يؤكِّد التزامنا إدراك حقيقة المخلِّص المتجسّد وبالطبع الرؤية هي رؤية إيمانية). لو كانت رؤيّة المسيح بالجسد (مجردًا) يعني رؤيّة الله الكلمة، لكان هذا يعني أن بيلاطس الذي أسلم يسوع قد رأى الكلمة، وكذا يهوذا الذي أسلمه وكل الذين صرخوا: “أصلبه أصلبه”. هذا الفكر بعيدًا عنه تمامًا، إذ لا يستطيع غير المؤمن أن يرى كلمة الله. رؤيّة الله الكلمة أوضحها المخلِّص بقوله: “الذي رآني فقد رأى الآب”. [25]
صمت زكريَّا هو صمت الأنبياء عند شعب إسرائيل، فلا يتكلَّم الله بعد مع اليهود بينما جاء الله الكلمة الذي من البدء. لقد صار معنا المسيح الذي لا يصمت، لكنه صامت حتى يومنا هذا بالنسبة لليهود.[26]
إن كان ليس هو إله أموات بل أحياء، وكما أنه هو إله إبراهيم واسحق ويعقوب فهو إله بقية الأنبياء، والأنبياء هم أحياء، إذ حفظ هؤلاء كلمة ابن الله عندما جاءت كلمة الله إلى هوشع وإلى إرميا وإلى إشعياء. فإنه ليست كلمة الله جاءت إلى أي واحدٍ منهم سوى ذاك الذي من البدء مع الله، ابنه، الله الكلمة.[27]
بعد ان علمنا الانجيلي الثلاثة اوامر من خلال الثلاثة مقترحات التي سبق ذِكرها، فانه يجمع الثلاثة تحت راس واحد قائلا “هذا كان في البدء عند الله”. الآن لقد تعلمنا من المقترحات الثلاثة، أولاً، ماذا كان الكلمة أي “في البدء”، ومع من كان الكلمة اي “الله”، ومن كان الكلمة أي “الله”. وبالتالي، يبدو الأمر كما لو أنه يشير الى الله الكلمة باللفظ ” هو نفسه” ثم يجمع الثلاثة: “في البدء كان الكلمة”، و”الكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله” في تصريح رابع ويقول: “هو نفسه كان في البداية مع الله”.[28]
القديس إكليمنضس السكندري
إذ يقول الرسول “فلتسكن فيكم كلمة الرب بغنى” يختار الله الكلمة الأوقات والمراسم المناسبة لسكناه في الأشخاص. ففي حالتنا الراهنة هو ضيف فينا، إذ يضيف الرسول ثانية: “معلميِّن ومنذرين بعضكم بعضًا بكل حكمة بمزامير وترانيم وأغاني روحية مرنمين في قلوبكم لله”.[29]
القدِّيس كبريانوس
إن كان قد تعب وسهر وصلى من أجلنا ومن أجل خطايانا، فكم بالحري يلزمنا نحن أن نصلي على الدوام، نصلي ونتوسل إلى الرب نفسه وخلاله لنرضي الآب. لنا الرب يسوع المسيح إلهنا محامٍ وشفيع من أجل خطايانا، إن كنا نتوب عن خطايانا الماضيّة ونعترف مدركين خطايانا التي بها عصينا الرب، وننشغل بالسلوك في طرقه ومخافة وصاياه.[30]
أثيناغوراس المدافع
فمن ذا الذي لا يندهش عندما يسمع أناساً يتكلمون عن الله الآب، وعن الله الإبن، وعن الروح القدس، ويجاهرون بما لهما من قوة في الإتحاد وتمايز في الترتيب، ومع ذلك يدعون ملحدين؟[31]
القديس إيريناؤوس
فالآب إذًا رب والابن رب، الآب إله والابن هو إله، لأن الذي يُولد من إله هو إله[32]. هكذا إذن فبحسب كيانه وقوته وجوهره هو إله واحد. ولكن بحسب تدبير خلاصنا يوجد آب واحد وابن واحد. وحيث إن أبا الجميع هو غير منظور وغير مدرك من المخلوقات، فمن الضروري على من يريدون أن يقتربوا إلى الله أن ينالوا نعمة القدوم إلى الآب بالابن[33].
ويتحدّث داود بوضـوح عن الآب والابن فيقـول: ” كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البر وأبغضت الاثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك“[34]. طالما أن الابن هو إله بالحقيقة فهو يأخذ عرش الملكوت الأبدي من الآب أي من الله ويُمسح بدهن الابتهاج أكثر من رفقائه. “ودهن الابتهاج” أو زيت المسحة هو الروح الذي مُسح به، ورفقائه هم الأنبياء، والأبرار والرسل وجميع الذين ينالون شركة في ملكوته، أي تلاميذه.[35]
القديس إغناطيوس الأنطاكي
“لأنه لا يوجد إلا إله واحد غير مولود هو الله الآب، وابنه الوحيد أي الله الكلمة المتأنس، ومُعَزِ واحد أي روح الحق، وأيضًا تعليم واحد وإيمان واحد ومعمودية واحدة، وكنيسة واحدة أسسها الرسل القديسون من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها بدم المسيح، وبعرقهم وكَدّهم. فحري بكم إذًا “كجنس مختار وأمه مقدسة (1بط 2: 9)” أن تفعلوا كل شيء باتفاق في المسيح”[36]
“أمجد الله أبا ربنا يسوع المسيح. الذي قد نلتم بواسطته تلك الحكمة الجزيلة. إذا أراكم كاملين في إيمان لا يتزعزع كأنكم قد سُمّرتُم جسدًا وروحًا في صليب ربنا يسوع المسيح. متوطدين في المحبة بواسطة دم المسيح. ومفعمين إيمانًا بربنا يسوع المسيح ابن الله “بكر كل خليقة (كو 1: 15)”، الله الكلمة، الابن الوحيد، “من نسل داود حسب الجسد (رو 1: 3)”، ولِد من مريم العذراء، وأعتمد بيد يوحنا “ليكمل كل بِر (مت 3: 15)”، وعاش حياة طاهرة بلا خطية، وصُلب بالجسد عنا في عهد بيلاطس البنطي وهيرودس رئيس الرُبع”[37]
لأنه يوجد طبيب واحد، الذي هو جسد وروح، مولود وغير مولود، الذي هو الله المتأنس (God in man)، الحياة الحقيقية في الموت (الطبيعة الإنسانية المائتة)، من مريم ومن الله (الآب)، متألم وغير متألم[38]، ربنا يسوع المسيح.[39]
لان إلهنا يسوع المسيح، قد حُبِلَ به بسماح من الله، فهو من نسل داود، كما من الروح القدس: قد وُلِدَ، واعتمد، أعتمد لكي بتقديم ذاته يطهر المياه.[40]
بهذا بَطُلَ كل سحِر واندحرت كل رباطات الشر إلى غير رجعة، نًزِع الجهل، والمملكة العتيقة دُمِرَت، لأن الله ظهر في الجسد (أو: ظهر كإنسان) من أجل جِدّة الحياة الأبدية. وذاك هو ما قد أعدّه الله، قد بدأ يتحقق.[41]
أنظروا، بعد أن أشرت إلى كل بنِيَة الإيمان الظاهرة في الأشخاص الذين ذكرتهم سابقًا وطوبتهم، أوصيكم: “كونوا غيورين أن تفعلوا كل شيء في انسجام مع الله، ومع الأسقف الذي يترأسكم كممثل لله، ومع القسوس (الشيوخ) كممثلين للرسل، ومع الشمامسة الذين هم الأعز على قلبي، المؤتَمَنين على خدمة يسوع المسيح الذي هو مع الآب منذ الأزل وظهر في ملء الزمان (غل4: 4).”[42]
أتركوني لأتبع مَثَل آلام إلهي، لو أن أحد منكم يملكه في داخله؛ فليفهم إذا ما أريده وليتعاطف معي كعارف بما يُقيّدَني.[43]
أمجد يسوع المسيح، الله الذي أعطاكم الحكمة، إذ أراكم كاملين في إيمان لا يتزعزع كأنكم قد سُمّرتُم جسدًا وروحًا في صليب ربنا يسوع المسيح. متوطدين في المحبة بواسطة دم المسيح. ومفعمين إيمانًا بربنا يسوع المسيح وبأنه بالحقيقة “من نسل داود حسب الجسد (رو 1: 3)”، وبإنه ابن الله بالإرادة والقوة، وبأنه ولِد بالحقيقة عذراء، وأعتمد بيد يوحنا “ليكمل كل بِر (مت 3: 15)”.[44]
الرسالة إلى ديوجينيتُس
“كما يرسل ملك ابنه الذي هو ملك أيضاً، وبالتالي أرسله، هكذا هو (الآب) أرسله (الإبن) كإله، هكذا أرسله للبشر، هكذا كمُخَلِّص أرسله إليهم، طالبًا منا أن نؤمن به عن اقتناع لا عن إجبار؛ لأنه لا مكان للعنف في شخصية الله”[45]
القديس يوستينوس الشهيد
وأيضًا كما ذكرنا، أن يسوع عندما كان في وسطهم قال “ليس أحد يعرف الآب إلا الابن ولا أحد يعرف الابن إلا الآب ومن أراد الابن أن يعلن له.” (مت 11: 27). ويؤكد اليهود دائمًا أن أبا الكل هو من كلم موسى بالرغم من أن من كلم موسى في الحقيقة هو ابن الله نفسه الذي دُعي أيضًا ملاكًا ورسولًا، ولهذا فقد استحقوا التوبيخ من روح النبوة ومن المسيح نفسه لأنهم لم يعرفوا الآب ولا الابن. فإن من يدَّعون أن الابن هو الآب يوبَّخون لأنهم لم يعرفوا الآب ولا أن الآب له ابن وإذ إنه [أي الابن] هو كلمة الله وبكره، فهو الله. وقد ظهر لموسى ولأنبياء آخرين في شكل نار وبهيئة غير جسدانية ولكن الآن في عهد حكمكم وُلِد من عذراء كإنسان كما ذكرنا قبلًا بتدبير من الله الآب من أجل خلاص كل من يؤمن به، وقد احتمل الهوان والآلام لكي بموته وقيامته يهزم الموت. أما الكلمات التي قيلت لموسى من العليقة: “أنا هو الكائن إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب وإله آبائك” (خر 3: 14، 15) فتعني أن الذين ماتوا، ما زالوا موجودين بل وينتسبون للمسيح ذاته، لأنهم هم أول من شغلوا أنفسهم بالبحث عن الله، وقد كان إبراهيم أبا إسحق وإسحق أبا يعقوب كما كتب موسى.[46]
وقال تريفو: لقد سمعنا رأيك في هذه الأمور فأكمل كلامك من حيث توقفت ومن ثمّ قم بإنهائه، لأن بعضه يبدو لي أنه لا يعقل وغير قابل للإثبات. حيث عندما تقول بأن هذا المسيح هو الله الكائن قبل الدهور، الذي وافق على أن يولد ويصير إنسانًا مع أنه ليس من أصل بشرى لا يبدو لي متناقضًا فقط بل مناف للطبيعة والعقل.[47]
وكما أن يشوع وليس موسى هو الذي قاد الشعب إلى الأرض المقدسة وقسمها بالقرعة بين من دخلوها، هكذا أيضا يسوع المسيح سوف يجمع الشعب المتفرق ويوزع عليهم الأرض الطيبة ولكن ليس بنفس الطريقة، لأن يشوع أعطاهم ميراثًا لزمن معين فقط إذا لم يكن هو المسيح الذي هو الله ولا إبن الله. أما يسوع فهو أعطانا بعد قيامته المقدسة ميراثًا أبديًا … وقد أثبتُ لكم أن يسوع هو الذي ظهر وتحدث لموسى وإبراهيم وجميع الآباء الآخرين بلا أي استثناء وتحدث معهم مُمثلاً (ministering) لإرادة الآب وأقول هو أيضا صار إنساناً مولوداً من مريم العذراء ويحيا إلى الأبد.[48]
وعليكم أن تصدقوا زكريا عندما يصف بمثل خفى سر المسيح حيث يعلن ذلك بغموض، فكلماته التالية: “[تَرَنَّمِي وَافْرَحِي يَا بِنْتَ صِهْيَوْنَ لأَنِّي هَئَنَذَا آتِي وَأَسْكُنُ فِي وَسَطِكِ يَقُولُ الرَّبُّ 11 فَيَتَّصِلُ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ بِالرَّبِّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَيَكُونُونَ لِي شَعْباً فَأَسْكُنُ فِي وَسَطِكِ فَتَعْلَمِينَ أَنَّ رَبَّ الْجُنُودِ قَدْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكِ 12 وَالرَّبُّ يَرِثُ يَهُوذَا نَصِيبَهُ فِي الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ وَيَخْتَارُ أُورُشَلِيمَ بَعْدُ 13 اُسْكُتُوا يَا كُلَّ الْبَشَرِ قُدَّامَ الرَّبِّ لأَنَّهُ قَدِ اسْتَيْقَظَ مِنْ مَسْكَنِ قُدْسِهِ] 1 وَأَرَانِي يَهُوشَعَ الْكَاهِنَ الْعَظِيمَ قَائِماً قُدَّامَ مَلاَكِ الرَّبِّ وَالشَّيْطَانُ قَائِمٌ عَنْ يَمِينِهِ لِيُقَاوِمَهُ 2 فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: [لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ يَا شَيْطَانُ. لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ الَّذِي اخْتَارَ أُورُشَلِيمَ. أَفَلَيْسَ هَذَا شُعْلَةً مُنْتَشَلَةً مِنَ النَّارِ؟]” (زك 10:2-13، 2،1:3)، وبينما كان تريفو على وشك أن يجيبني ويعترضني، قلت: انتظر وأسمع ما أقول أولاً، فأنا لن أعطي التفسير الذي تظنه أنت، كما لو لم يكن قط كاهن يدعى يشوع في بابل الأرض التي سُبى إليها شعبكم. كما لو لم يكن هناك كاهناً باسم يشوع (يسوع) في أرض بابل حيثما كانت أُمَّتَكُم مسبية، وحتى إن كنت سأفعل (سأفسر) فأنا قد بيّنتُ أنه حتى ولو كان هناك كاهناً يسمى يشوع (يسوع) في أُمتكُم فالنبي لم يرهُ في رؤياه كما أنه لم ير الشيطان أو ملاك الرب بعينه في صَحوِهِ بل في حالة تنبؤ (trance) عندما كانت الرؤيا له … كذلك أنا الآن أشرح لكم لأريكم أن الرؤيا التي حدثت بين شعبكم في بابل في أيام يسوع (يشوع) الكاهن كانت إعلان عما سيفعله كاهننا الذي هو الله، والمسيح إبن الله الآب لكل الأشياء.[49]
وفقاً لذلك فإن إسم “إسرائيل” يبين هذا، إنسان يتغلب على القوة، لأن “إسرا” تعني إنسان يتغلب، و”ئيل” تعنى قوة، وأن المسيح سيفعل هذا عندما يتجسد فهذا مُخْبَر عنه في مصارعة يعقوب معه (المسيح) فهو الذي ظهر له، مما يشير إلى أن المسيح نفّذَ إرادة الآب مع أنه هو الله، البكر (πρωτότοκον) لكل خليقة.[50]
قلت: ولكن يا تريفو لو كنت تعلم من هو الذي دعيّ ذات مرة حزقيال ملاك المشورة[51] وإنسانًا بواسطة حزقيال، ومثل ابن إنسان يدعوه دانيال، وولداً بواسطة أشعياء، ويدعوه داؤود الله والمسيح لكي يُعبَد، ويدعوه (أنبياء) كثيرون مسيحًا وحجرًا، ويدعوه سليمان الحكمة، ويدعوه موسى يوسف ويهوذا والنجم، ويدعوه زكريا الشرق، ويدعوه أشعياء أيضا المتألم ويعقوب وإسرائيل والعصا والزهرة وحجر الزاوية وابن الله، لو كنت تعلم ما جدفت عليه، ذاك الذي الآن قد اتى ووُلدَ وتألمَ وصعد إلى السماوات والذي سيأتي أيضاً مرة أخرى، حينئذ تبكى وتنوح عليه أسباطكم الإثني عشر.[52]حقًا لو أنكم فهمتم ما كتبه الأنبياء لما أنكرتم أنه الله وابن الإله غير الموصوف (المرئي) والمولود (الآب).[53]
الرسالة إلى ديوجنيتس:
لأنه ـ كما قلت ـ لم يكن اختراعا ارضياً محضاً ذلك الذي أعطي لهم، ولم تكن ايضًا مجرد فلسفة إنسانية يمكنهم أن يحكموا عليها بالصحة كي يتبعوها بالتدقيق. أو إعفاء من الاساطير التي اخترعها البشر وألزموهم بها. لكنه بالحقيقة الله نفسه، الذي هو قدوس، وخالق كل الاشياء، و[هو] الغير مرئي قد أرسل من السماء وجعل بين البشر [هذا الذي هو] الحق والقدوس [الذي هو] كلمته الذي لا تدركه الأفهام [البشرية]. وقد وطده في قلوبهم. وهو [الآب] ـ كما يمكن لأي أحد ان يتصورـ لم يرسل للبشر أحد من الخدام، او ملاك، أو حاكم، أو اي من هؤلاء الذين يملكون السيطرة على الأرضيات. أو واحد من هؤلاء الذين اوكلهم رب السماء، بل أرسل [هذا الذي هو] الخالق نفسه ومبدع كل الاشياء، الذي به صنع السماوات والذي به وضع للبحر حدوده، الذي تلتزم العناصر[54] أحكامه ـ الغير مفحوصة ـ. الذي منه تلقت الشمس الأمر بأن تحفظ مسارها اليومي. الذي يطيعه القمر حين يأمره أن يسطع ليلاً. الذي تطيعه النجوم أيضًا ـ كما القمر ـ في مساراتها. الذي به نُظّمَت كل الأشياء ووضعت في حدودها المناسبة. الذي يخضع له الجميع؛ الشمس بمحتوياتها، الأرض وما فيها، والبحر وما فيه، والنار والهواء والهاوية، ما في الأعالي وما في الأعماق وما بينهما. هذا [الرسول] الذي أرسله [الآب] لهم، أ كان ذلك [مرسلاً] ـ كما يمكن أن يتصور أحد البشرـ لأجل ممارسة الاستبداد، أو نفث الرعب والرهبة؟ حاشا. لكنه بدافع رحمته ووداعته كملك يرسل ابنه الذي هو بدوره ملك أيضًا؛ لذلك أرسله [أبوه].[55] كإله [أي يسوع] أرسله [الآب] للبشر. كمخلص أرسله، ساعيًا لإقناعنا لا لإجبارنا. [56]
هذا الذي هو منذ الدهر، يُبَجل اليوم كابن.[57] هذا الذي بواسطته تغتني الكنيسة، والنعمة تنتشر وتتسع، وتزداد في القديسين، وتعطي الفهم، وتكشف الاسرار، وتعلن الأزمنة، متهللة بالأمناء، وتعطي للذين يسعون [خلفها]. هذا الذي بواسطته لا يمكن أن تُختَرق حدود الإيمان. أو تُتَخطي الحدود التي وضعها الآباء[58].[59]
تاتيان السوري:
وان الارواح المطيعة للحكمة، تجذب اليها الروح الجوهر الواحد. لكن الغير مطيعين يرفضون خدمة الله الذي تألم، وقد أظهروا أنفسهم كمحاربين ضد الله، بدلاً من ان يكونوا عابدين. [60]
لأننا لا نتصرف كالحمقى، يا ايها اليونانيين، ولا نتفوه بحكايات بالية عندما نعلن بأن الله ولد في هيئة إنسان. [61]
ميليتو أسقف ساردس:
لسنا نحن بمن يعطي الإجلال للأحجار (الاصنام) عديمة الاحساس. لكننا من الإله الوحيد [الآب] الذي هو قبل الكل وعلى الكل. ونحن أيضًا نعبد مسيحه ـ الذي هو بالحقيقة ـ الله الكلمة الكائن قبل كل الدهور. [62]
العلامة ترتليان:
ثم، ايضا، عامة الشعب الان عنده بعض المعرفة عن المسيح، ويظن بانه ليس أكثر من انسان، الذي في الواقع تم إدانته من قبل اليهود، بحيث ان البعض بطبيعة الحال يظن اننا نعبد مجرد انسان. ولكننا لسنا نستحي بالمسيح (لأننا نفرح بان نحسب تلاميذه وان نتألم من اجل اسمه) ولا نختلف عن اليهود فيما يخص الله. لهذا ينبغي ان نشير لعلامة او اثنين الى لاهوت المسيح. [63]
لقد علمونا او أخبرونا بانه خرج من عند الله، وفي ذلك الانبثاق وُلِدَ؛ فهو ابن الله، ويدعى الله بسبب الوحدة في الجوهر مع الله. لان الله ايضا هو روح. حتى ان الشعاع الخارج من الشمس، هو جزء من الكتلة المرسلة؛ الشمس سوف تبقى في الشعاع، لأنه شعاع من الشمس (لا يوجد انقسام في الجوهر، ولكن مجرد امتداد. هكذا المسيح هو الروح من الروح، والله من الله، كما النور من النور يضئ. وان الموصوفة المادية تبقى كاملة بنفس الخاصية من دون تجزئة وان كان ينطلق منها العدد الكثير من الاطلاقات الحاملة نفس الامتيازات او الصفات؛ هكذا ايضا، الذي خرج من عند الله هو الله نفسه وابن الله، والاثنان واحد. وبهذه الطريقة ايضا كما هو الروح من الروح والله من الله، وجعل في المرتبة الثانية من جهة الوجود – الوظيفي، وليس في الطبيعة؛ ولم يتراجع او ينسحب او يترك المصدر الاصلي، ولكنه ذهب متقدما. هذا النور المنبثق من الله، هو كما كان دائما مخبر به من الازمنة القديمة، اتى الى عذراء مختارة او معينة وصار جسدا في رحمها، ففي ولادته هو الله والانسان المتحدان[64].
لأنه قد أعلن لنا عن مجيئين للمسيح؛ مجيء المسيح الاول قد تم بالاتضاع البشري، مجيئه الثاني سيحدث للعالم، وهو قريب حاليا، بكل عظمة لاهوته غير المعلن؛ وبسبب عدم فهمهم المجيء الاول، فلقد استنتجوا المجيء الثاني- الذي وضعوا رجاؤهم وامالهم عليه- بانه المجيء الوحيد[65].
ولكن المسيح ربنا اعطى لنفسه لقب الحق، وليس المخصص. إذا كان المسيح هو دائماً، ويسبق الكل، مساويا للحق هو شيء قديم وسرمدي[66].
ولكن اسم المسيح يمتد الى كل مكان، الكل يؤمن به في كل مكان، يعبد من قبل امم لا تعد ولا تحصى، يملك على كل مكان، مهوب في كل مكان، هبة متساوية للجميع في كل مكان. لا يوجد ملك اخر بجانبه له افضلية أكبر، ولا بربري اقل فرحا، لا كرامات ولا انساب تتمتع باستحقاقات مميزة؛ للجميع هو مساوي، لجميع الملوك، لجميع القضاة، للجميع هو الله والرب[67].
ربنا يسوع المسيح….، أي كان هو فانه، من اي إله كان فهو الابن، من اي جوهر كان فهو انسان والله، من اي ايمان كان فهو المعلم، من اي هدية او مكافأة كان فهو الوعد او المتعهد، كان بينما هو يعيش على الارض، ذاته اعلنت من هو، وماذا كان منذ الازل، وماذا كانت مشيئة الاب التي اراد ان يدبرها.[68]
لان الله وحده بلا خطية، والرجل الوحيد الذي هو بلا خطية هو المسيح، لان المسيح هو الله ايضا. [69]
والان رغم ان المسيح هو الله، مع ذلك، كونه ايضا انسان، مات حسب الكتب، وحسب الكتب ذاتها دفن[70].
المسيح لا يمكن ان يوصف كانسان من دون جسد، ولا ابن الانسان من دون اي ابويين بشريين؛ كما انه ليس إله من دون روح الله، ولا ابن لله من دون ان يكون الله اباه. هكذا الطبيعة الخاصة بالجوهريين ظهرتا فيه كانسان واله، – من ناحية واحدة مولود، وفي الاخرى غير مولود، من ناحية واحدة جسدي وفي الاخرى روحي؛ في حالة واحدة ضعيف وفي الاخرى عظيم القوة؛ في حالة يموت وفي الاخرى يحيا[71].
الآن، من الضروري ان نبين ما كان السبب المسبق لابن الله يولد من عذراء. إن الذي كان سيقدس ترتيباً جديداً للولادة، ينبغي انه هو بنفسه يولد على اسلوب الرواية، فيما يتعلق بنبوة اشعياء وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً. ماذا اذن هي الآية؟ “هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا” 5 وفقا لذلك، حبلت عذراء وولدت عمانوئيل، الله معنا. 6 هذه هي الطبيعة الجديدة؛ انسان يولد في الله. وفي هذا الانسان الله ولِدَ، اخذاً جسداً من سبط قديم، بدون معونة بذر قديم أيا كان، لكي يقدر ان يكون نسل جديد، على نحو روحي، ويطهره بطرح كل اللطخات او البقع القديمة[72].
وهكذا نرى من هذا العدد القليل من المنقولات عن آباء وعلماء المسيحية، بل والمهرطقين، أنهم يؤمنون ان المسيح هو الله، وأن له نفس طبيعة الآب، وأنه هو الخالق، وأنه لا ابتداء له، بل هو سرمدي. ثم يأتيك جويهل مثل هذا ويقول إن قسطنطين انتصر لألوهية المسيح وأنه غير مخلوق! ولا يعرف هذا الجاهل أن أريوس نفسه يقول ان المسيح خلقه وخلق أحمد سبيع نفسه!! فدور الإمبراطور هو كمنفذ لما قرره المجمع المسكوني، والدليل على هذا كما قلنا سابقًا أنه عندما أراد ذات الإمبراطور أن يعيد أريوس إلى شركة الكنيسة، لم يستطع هذا، ولم يوافق أثناسيوس إذ أن القضية ليست قضية أثناسيوس بل هو قرار مجمعي لاهوتي لا شأن للإمبراطور فيه، مما أدى إلى نفي أثناسيوس إلى فرنسا، ولم يعد أريوس إلى الكنيسة رغم ذلك ورغم رغبة الإمبراطور ورغم عدم وجود أثناسيوس.
قال سبيع أن قسطنطين اختار الدين الأقرب له، وهو دين أثناسيوس. وهذه العبارة لا تصدر إلا من مستويات ذلك الجوهيل. فإن كانت عقيدة أثناسيوس هي الأقرب بالحقيقة للامبراطور، فلماذا كان المجمع المسكوني أصلاً؟ كان يمكن للإمبراطور ان ينفي أريوس او يقتله وتنتهي القضية كلها. فنجد أن الحقيقة التاريخية تقول إن الإمبراطور إنما أصدر مرسوما بالقرار الذي اتخذه المجمع المقدس في نيقية بعد انتهاء المجمع، وهو الذي كان يمكن أن يفعله دون الرجوع للمجمع مطلقًا. بل إن كانت عقيدة أثناسيوس هي الأقرب بالحقيقة للإمبراطور، فلماذا لم يتعمد الإمبراطور لا قبل مجمع نيقية ولا بعده على يد أي أسقف يتبع لعقيدة أثناسيوس أو الكسندروس؟ أليس يقول هذا الجويهل أنها العقيدة الأقرب للإمبراطور؟ فلماذا نجد أن الإمبراطور تعمد على يد أسقف أريوسي في نهاية حياته!؟
ما الدليل الذي قدمه هذا الصبي ليثبت كلامه؟ لا يوجد! ثم يقول لنا أنه ذكر على كل كلمة قالها مصادر ومراجع! فيبدو انه يظن ان كلامه في حد ذاته مرجع! بلى، إنه مرجع للأقوال التي تخرج من الثمل كالصور التي توضح على السجائر للتحذير من مخاطرها، هكذا هذه الكلمات التي تصدر منه، تُعد دليلا على ما يحدث للإنسان الطبيعي عندما يكون سُبيعًا.
غير أن سبيع عندما ذكر أن مرسوم ميلان أعطى للمسيحيين حرية دينية، تغافل عن عمد –لحَبْك تزويره عن اضطهاد “غير المثلثين” حسب ادعاءه– عن أن مرسوم ميلان أعطى الحرية لجميع الطوائف الدينية، بمن فيهم المسيحيين المؤمنين بالثالوث وغيرهم من الطوائف الأخرى.
فإننا نقرأ في مرسوم ميلان:
“عندما تقابلنا نحن قسطنطين أوغسطس وليسينوس أوغسطس في ميلان مكللين بالرعاية والعناية، أخذنا نبحث في جميع الوسائل الخاصة بالصالح العام لرعايانا. ومن هذه المسائل التي تهم الكثيرين وتعود بالنفع عليهم مسألة حرية العقيدة. لذلك قررنا إصدار مرسوم يضمن للمسيحيين وكافة الطوائف الأخرى حرية اختيار وممارسة العقيدة التي يرتضونها، وبذلك نضمن رضاء جميع الآلهة والقوى السماوية علينا، كما نضمن رضاء جميع رعايانا ممن يعيشون في كنف سلطتنا.”[73]
من هذا الجزء من المرسوم يمكن استخلاص نقطتين هامتين: ١- إن مرسوم ميلان لم يصدره قسطنطين منفردًا، بل صدر بالاتفاق مع شريكه في الحكم ليسينوس؛ ٢- وقد أعطى المرسوم كل فرد في الإمبراطورية حق اختيار ديانته، سواء كان مثلثًا أم لا؛ ٣- علاوةً على أنه لم يجعل من المسيحية ديانة رسمية، كما إدعى سبيع، بل مجرد ديانة شرعيّة في الإمبراطورية. لكن بالتأكيد هذه العبارة “وكافة الطوائف الأخرى ” لم تعجب سبيع أيضًا؛ لأنها تنسف كل ما حاول أن يدعيه من اضطهاد كل من رفض الثالوث، ومنهم أتباع أريوس! فلماذا يستشهد بمرسوم ميلان على سماحة قسطنطين مع المسيحيين واختلافه بذلك عن الأباطرة السابقين، وفي نفس الوقت يرفض نفس ذات المرسوم الذي يصرح بأنه أعطى كل طائفة حقها في اختيار عقيدتها؟؟! هنا تظهر الانتقائية مجدداً.
وفي ادعاءه باضطهاد قسطنطين لغير المثلثين، أتي سبيع باقتباس من كتاب لچون لوريمر، يصرح فيه لوريمر بأن قسطنطين أمر بحرق كل كتابات أريوس ومعاقبة من يتبع فكره. ولكن مرة أخرى يحاول سبيع تزوير ما قرأه، فبدلاً من قراءة كل الفقرة التي عرضها، تغافل عن الجزء الأول منها، والسبب لا يخفى على أحد! فلنقرأ إذن كلام چون لوريمر بأكمله:
“مع أن قسطنطين الذي لم تكن المسائل اللاهوتية واضحة أمامه مطلقاً قد اقتنع برأي يوسابيوس أسقف نيكوميديا حول إعادة النظر في أفكار أريوس. إلا أنه لم يهتم بأريوس مطلقاً حتى سنة ٣٣٢م كان يكتب هكذا ’إذا اكتشفت رسالة كاتبها أريوس فليكن مصيرها النار.. حتى لا يترك أي ذكرى له مهما كانت… وإذا قبض على أي شخص يخفي كتاباً لأريوس ولا يظهره ويحرقه على الفور، فعقابه الموت. وتنفذ فيه العقوبة فور ثبوت الجريمة.”[74]
فعلى الرغم أن سبيع عرض لمشاهديه كل الفقرة، إلا أنه لم يُعِرْ الجزء الأول منها (المظلل بالأحمر) أي اهتمام، وبدأ يقرأ النص من قول الكاتب “كان يكتب هكذا….” السبب لهذا هو أن لوريمر لم يقل أبداً أن كراهية قسطنطين لأريوس وأتباعه استمرت طويلا أو استمرت حتى عند من تبعوا قسطنطين من الاباطرة الرومان. بل على العكس، هنا يصرح لوريمر بأن يوسابيوس أمال قلب الإمبراطور، وجعله يعيد النظر في أريوس، حتى أنه عزل أثناسيوس وآخرين بغواية من أريوس نفسه وأتباعه. فيقول لوريمر أيضًا:
“وهكذا، فإنه بعزل يوستاثيوس، وأثناسيوس، ومرسيللوس، أخرج من ساحة المعركة ثلاثة من أبطال قانون الإيمان الرئيسيين في نيقية. ويعتبر إعادة أريوس إلى منصبه نصرًا آخر له، ولو أنه مات في القسطنطينية سنة ٣٣٦م، قبل أن يحضر الاحتفال بإعادته إلى مركزه. ومع ذلك فإن القانون النيقوي لم يقدم لمراجعته مطلقاً. فبالرغم من كل المنافسات الشخصية المحيطة بهذا العمل، فقط ظل النص كما تم التوقيع عليه في سنة ٣٢٥م كما هو بدون تغيير بل إن الإمبراطور نفسه اعتبر نيقية إنجازًا شخصيًا من الدرجة الأولى. وكما كتب جيبون Gibbon المؤرخ في الفصل ٢١ من كتابه: ’تدهور إمبراطورية روما وسقوطها The Decline and Fall of the Roman Empire‘ ’لقد قدم قسطنطين الحماية لأريوس واضطهد أثناسيوس (لكنه) مع ذلك اعتبر مجمع نيقية حصنًا للإيمان المسيحي، ومجداً وشرفًا خاصًا لحكمه شخصيًا‘.”[75]
فلم يكن الأمر كما صوّره المدلس سبيع، بل على العكس تماماً، اضطهاد أريوس واتباعه لم يستمر طويلاً، حتى اعاده قسطنطين إلى منصبه قبل وفاته وعزل ثم نفى أثناسيوس، فتحول الاضطهاد مرة أخرى إلى شخصيات مثلثة (حسب تعبير سبيع). أما محاولة ادعاءه أن الاضطهاد كان لكل غير المثلثين، وعلى رأسهم أريوس، هو تزوير فاضح للحقائق. في الواقع، لم يسلم أي طرف من اضطهاد قسطنطين، سواء مسيحيين مؤمنين بالثالوث أو آريوسيين أو حتى وثنيين في بعض الأحيان!
سادسًا: من قال أصلا أن الأريوسيين موحدين؟! أريوس كان يؤمن بألوهية المسيح لكن ليس بالمعنى المعروف قبله ولا بعده عند مستقيمي العقيدة، بل كان يؤمن أن المسيح إله لكنه إلخ مخلوق، إله ليس من نفس طبيعة الآب، إله خلقه الآب قبل كل الخلائق ليخلق به هذه الخلائق. فالمسيح في عقيدة أريوس هو الخالق لكل المخلوقات. وهذه من بدهيات المعرفة التاريخية عن أريوس، فهل الإيمان بأن المسيح إلهًا (لكن ليس من طبيعة الآب) وأنه هو الخالق الذي خلق به الآب العالمين، وهو إبن للآب لكن ليس من طبيعته، هذا تعتبره توحيد؟
من هم الموحدين الذين قصدهم سبيع؟ وما الدليل على وجود هكذا عقيدة في ذلك الوقت؟ فسبيع لم يقدم دليلًا أو مرجعًا واحدًا على وجود موحدين (بالمعنى الحرفي للكلمة)؟ فهل كان يقصد أريوس بهذا الكلام؟ فإن كان يقصده، فلن نرد نحن على هذه القمامة الفكرية، وسنجعل بنو جلدته يردون عليه ويصفعونه ويلقنونه درسًا ربما لا ينساه..
نبدأ الآن بشيخه، وشيخ الإسلام بن تيمية وهو ينقل عن ابن البطريق كلام أريوس فيقول:
[قال أريوس: أقول: إن الأب كان إذ لم يكن الابن ثم الله أحدث الابن، فكان كلمة له إلا أنه محدث مخلوق، ثم فوض الأمر إلى ذلك الابن المسمى “كلمة” فكان هو خالق السماوات والأرض وما بينهما كما قال في إنجيله، إذ يقول: “وهب لي سلطانا على السماء والأرض” فكان هو الخالق لهما بما أعطى من ذلك”.][76]
فهل من الإيمان، ومن التوحيد، ان تؤمن ان المسيح هو الخالق لكل الكون وأنه هو خالقك أنت شخصيًا؟ إن كان هذا هو الإيمان الحقيقي التوحيدي، فأخبرنا.
ثم في فيديو لسامي عامري (دكتور، كما يدعون) بعنوان “آريوس كان موحدا .. خطأ!”، وتأملوا العنوان نفسه، مجرد أن تقول ان أريوس كان موحِّد هو خطأ، يقول سامي عامري:
“أريوس النصراني الموحد، في الحقيقة هذا الخطأ هو من أكثر الأخطاء الإسلامية التي تحرجني شخصيا عندما أراها في كتاب إسلامي… نحن نمنح خصوم الإسلام عقديا، نمنحهم فُرص ليثبتوا اننا نقول أشياء باطلة، وأننا نحرف التاريخ، نزيف التاريخ، أو، في أحسن الأحوال، لا نفهم التاريخ… قضية أن أريوس كان موحدًا دعوة فاسدة باطلة، … ، أريوس، اللاهوتي الليبي الذي دعا إلى لاهوته في الإسكندرية .. ما كان يعتقد البتة بعقيدة التوحيد كما نفهمها في حدها الأدنى، أريوس لم يقل أبدًا، إن المسيح بشر، إنه بشر رسول… هناك إجماع بين النقاد على ان أريوس لم يقل البتة إن المسيح عبد رسول…فكان الأريوسيون يعتقدون بألوهية المسيح وأنه مع ذلك مخلوق، لكنه مخلوق قبل الزمان، وهذا التصور لا علاقة له البتّة بالقول إن أريوس كان موحدًا كما نفهمه… القول إن أريوس موحدٌ على الفهم الإسلامي، قولٌ باطلٌ فاسدٌ منكرٌ مخالف للمعلوم من التاريخ بالضرورة، على المسلمين التخلي عن هذا الزعم.”
وفي فيديو آخر لمحمد شاهين بعنوان “إثم الأريسيين؟! نظرة في كتب التراث الإسلامي” يقول:
“ما هو الدافع لكل هذا الشغف والحب والإصرار ان أريوس كان موحدا؟ الناس اللي بتدعي ان هذا هو الظاهر، هذا من أبطل الباطل. الظاهر من كل طريقة وفي كل مكان ان أريوس كان من النصارى الكفار…. لم ينقل أبدا عن أريوس في أي مرجع تاريخي معتبر أنه بيقول ان المسيح عبد الله ورسوله“
والآن، وبعد كل هذه الشهادات، وكل هذا الانكار، وكل هذا الكذب من أحمد، لدينا سؤالًا واحدًا له، ألا وهو: أين أنت يا حمرة الخجل من أحمد؟!
سابعًا: هل كان أثناسيوس أوّل من أدان أريوس وحرمه (على فرض أن أثناسيوس حرمه في مجمع نيقية أصلاً)؟ لا، مطلقًا. بل قد حرمه البابا بطرس الأول، خاتم الشهداء، واستمر حرمه مع تلميذه البابا الكسندروس، وحرمه مرة أخرى البابا الكسندروس في مجمع في الإسكندرية، وأدانه المجمع وجرده من رتبته وفصله عن شركة الكنيسة. ثم بعدها جاء مجمع نيقية الذي فيه حضر أكثر من 300 أسقف من كل بقاع العالم المسيحي وقتها، وحرموا أريوس وبدعته وكل ما قال بها. إذن، فسبيع يفتري الكذب أو أنه جاهل جهلًا مدقعًا لا يعرف فيه أبسط المعلومات عن هذه الفترة تاريخيًا.
النقطة الخامسة: هل قالت النبوة عن القرن الصغير أنه سيغير الأعياد والشريعة؟
إذا تصفحنا النبوة نفسها التي يدعي سبيع أنها تقول هذا، سنجد النص يقول:
ترجمة فاندايك: وَيَظُنُّ أَنَّهُ يُغَيِّرُ الأَوْقَاتَ وَالسُّنَّةَ.
الترجمة العربية المشتركة: ويَظنُّ أنَّهُ يُغَيِّرُ الأزمِنَةَ والشَّريعَةَ.
ترجمة كتاب الحياة: وَيُحَاوِلُ أَنْ يُغَيِّرَ الأَوْقَاتَ وَالْقَوَانِينَ.
[يظن، ينوي، يحاول]، فهل هذه الكلمات تعني أنه غيّرَ فعلًا الأوقات/الأزمنة والشريعة؟ أم أنه فكّرَ أو حاول أو ظن في نفسه أنه يستطيع التغيير؟! فإن كان أحمد سبيع يظن أن قسطنطين غير الأزمنة والشريعة، فهذا دليل كافي لكي يفهم أن المقصود ليس قسطنطين، لأن النص في سفر دانيال لا يقول بأن القرن الصغير سيغير، بل سيحاول وينوي ويظن، وبالتالي فهو، في النهاية، لن يغير! فلو غيّر قسطنطين، فسيكون، إذًا، ليس هو القرن الصغير الذي سيحاول فقط!
لكن، كعادتنا، بعدما نقضنا مبدأ كلام سبيع كله الذي من أجله قال ما قال، نبدأ الآن في افتراض صحة كلامه جدلًا وتنزلًا مِنّا، رأفةً بحاله، حيث نبدأ مناقشة ما قاله وعرضه على معيار الحقيقة التاريخية، فتُرى، هل ينجح أم في الخطأ منغمسُ؟
عرض أحمد سبيع مثالين للتدليل على هذا التغيير الذي ابتدعه قسطنطين في الأعياد، وهما: تغير يوم السبت كيوم راحة، بيوم الأحد؛ وابتداع يوم 25 ديسمبر كعيد ميلاد للمسيح. وسوف يتم الرد على كلامه فيهما.
أولًا: مسألة تغيير يوم السبت بالأحد.
ماذا أراد سبيع أن يقول؟ هو يريد أن يثبت أن قسطنطين قام بابتداع يوم الأحد، وأن يكون هذا التغيير والابتداع، هو بالمخالفة مع التوراة التي تقول لليهود أن يحفظوا يوم السبت، فماذا فعل قسطنطين -حسب جهل سبيع-؟ استبدل يوم السبت بالأحد. فهل هذا صحيح، والرد على هذا من وجوه:
أولا: علينا أن نُثبت أن المسيحيين كانوا يجتمعون معًا في اجتماعات دورية ويقرأون الأناجيل ويستمعون للعظات ويصلون سويًا ثم يتناولون من الإفخارستيا … إلخ، وكل هذا قبل قسطنطين بسنوات طويلة، وهذا ما سنفعله الآن عبر ما قاله الشهيد يوستينوس المدافع في دفاعه الأول، حيث يقول فيه:
وهكذا نحن دائما نذِّكر بعضنا بعضا بهذه الأمور. والأغنياء بيننا يسارعون لمساعدة الفقراء، ونبقى معا دائمًا. كما أننا نبارك خالق الكل على كل الخيرات التي ننعم بها في ابنه يسوع المسيح والروح القدس. ولنا في اليوم الذي يدعى يوم الشمس (Day of the Sun – Sunday) لأي يوم الأحد اجتماع لكل سكان المدن والضواحي وفي هذا الاجتماع تقرأ مذكرات الرسل [يقصد بها الأناجيل أو كتابات الأنبياء] حسبما يسمح الوقت، وبعد الانتهاء من القراءات يتقدم الرئيس ويعظ الحاضرين ويشجعهم على ممارسة الفضائل. ثم نقف جميعا لنرفع الصلوات، وكما قلنا من قبل بعد أن ننتهي من الصلوات يتم تقديم الخبز والخمر والماء، ثم يصلي الرئيس ويرفع الصلوات والشكر على قدر استطاعته، أما الشعب فيرد قائلا “آمين. ثم توزع الإفخارستيا على الحاضرين ويرسل منها للغائبين عن طريق الشمامسة. ويقدم الأغنياء إذا أردوا ما يودون أن يتبرعوا به وتجمع التبرعات وتترك في عهدة الرئيس. وبهذه التبرعات) هو يساعد الأرامل والأيتام والمحتاجين بسبب مرض أو خلافه وأيضا المسجونين والمتغربين عندنا، وباختصار هو يهتم بجميع المحتاجين. ويوم الأحد هو بالحقيقة اليوم الذي نعقد فيه اجتماعنا المشترك، لأنه اليوم الأول الذي فيه حول الله الظلمة والمادة وخلق العالم، وفيه أيضا قام مخلصنا يسوع المسيح من الموت، لأنهم صلبوه في اليوم الذي يسبق السبت وفي اليوم الذي يليه، أي الأحد، ظهر لتلاميذه ورسله وعلمهم الأشياء التي نقلناها لكم للتأمل فيها.[77]
بالطبع، هذا الاقتباس قاسِم لظهر وفكر (جدلا) سبيع، إذ أنه سابق على عصر قسطنطين بسنوات طويلة، إذ أن هذا الدفاع مكتوب في عام 150م تقريبًا، أي قرابة 200 عام تقريبًا قبل قسطنطين، فإن كان الآباء يجتمعون منذ هذا العصر، لدرجة أن هذه الاجتماعات أصبحت عادة، فكيف يقول هذا الجاهل أن قسطنطين هو الذي غير يوم السبت بيوم الأحد؟
لكن ليست هذا هو بيت القصيد، إذ أن محتوى الاقتباس فيه ما يفحم سبيع تمامًا، إذ أن القديس يوستينوس لا يصرح فقط بأن هذه كانت اجتماعات دورية، بل أنه يعطي الأسباب، واحدًا تلو الآخر، لكونهم يجتمعون في هذا اليوم بالتحديد، يوم الاحد، إذ يقول إن هذا هو اليوم الذي قام الرب يسوع فيه من الموت (يوم الرب)، وهو اليوم الذي حول الله فيه الظلمة والمادة وخلق العالم. وهذا يعني أن هذا اليوم له تقليد في ذهن يوستينوس وليس مجرد يوم تم اختياره بلا سبب.
ثانيًا: نزيد سبيع من الشعر بيتًا، وننقل له ما يدحض فكرته تمامًا:
يقول تيني بيكر:
ليس لدينا صورة واضحة للعبادة المسيحية المبكرة حتى عام ١٥٠م، عندما وصف يوستينوس الشهيد طقوس العبادة الاعتيادية في كتاباته. نحن نعلم أن المسيحيين الأوائل أقاموا قُدّاساتهم يوم الأحد، أول أيام الأسبوع. لقد أطلقوا على هذا “يوم الرب” لأنه اليوم الذي قام فيه المسيح من بين الأموات. التقى المسيحيون الأوائل في الهيكل في أورشليم، في المجامع، أو في منازل خاصة (أعمال الرسل ٢: ٤٦؛ ١٣: ١٤-١٦؛ ٢٠: ٧-٨).
يعتقد العلماء أن المسيحيين الأوائل كانوا يصلون في أُمسيات الأحد، وأن طقسهم تركّز على العشاء الرباني. ولكن في وقت ما بدأ المسيحيون في إقامة قُدّاسيّن عبادة يوم الأحد كما يصف يوستينوس الشهيد؛ واحد في الصباح الباكر والأخر في وقت متأخر بعد الظهر. تم اختيار التوقيتات من أجل السرّية ومن أجل العُمّال الذين لا يستطيعون حضور قُدّاسات العبادة خلال النهار. [78]
وأيضًا يقول جُيفري بروميلي:
تتوافق شهادة اليوم الأول للعبادة في العصر ما بعد الرسولي مع هذا الرأي من جميع النواحي. بحلول وقت يوستين (منتصف القرن الثاني)، مع ذلك، تجمّع معظم المسيحيين صباح الأحد، على ما يبدو لأن مرسوم الإمبراطور تراجان ضد التجمعات المثيرة للفتنة حظر الاجتماعات المسائية. من ذلك الوقت وحتى اليوم، اعتاد المسيحيون على الصلاة في صباح و/أو مساء اليوم الأول من الأسبوع. [79]
ثالثًا: هل قال الاقتباس الذي جاء به سبيع بأن قسطنطين ابتدع يوم الأحد؟ الإجابة هي: لا. فسبيع لا يقرأ، وإن قرأ لا يفهم! الاقتباس يتحدث بوضوح عن البدء في استخدام يوم الاحد يوم عطلة في الإمبراطورية الرومانية، أي بالمصطلح الحديث، “يوم إجازة رسمي”، أي يوم ليس به عمل رسمي حكومي. ولن نفعل شيء إلا أن نحضر الاقتباس نفسه مع ترجمة سبيع نفسه أيضًا لنثبت لكم أنه قام بتسجيل هذا الفيديو وهو تحت تأثير مادة “أصفرة“.
يقول سبيع بنفسه:
[لم يكن الأحد يوم راحة في البداية، هذا يتوافق تمامًا مع المضمون العام للكنيسة الأولى، واحتفالها بالقيامة، سوف يمر 300 عام قبل أن تترسخ فِكرة معاملة الأحد مثل يوم الراحة أو السبت. تأسست الفِكرة بموجب مرسوم إمبراطوري للإمبراطور الروماني قسطنطين، سنة 321. وحتى في هذا المرسوم، فإنه تم استثناء المزارعون إن كانوا في حاجة إلى العمل في أراضيهم[80].
وهو يقول:
من قسطنطين إلى إلبيديوس، فليستريح جميع القضاة وسكان المُدن والحرفيين في يوم الشمس الجليل، لكن من الممكن أن يمارس الريفيون زراعتهم دون مانع، لأنه في مرات كثيرة يكون أن هذا هو أنسب يوم لبذر الحبوب أو لغرس الكروم، وهذا لكيلا تضيع الفرصة التي تتيحها العناية الإلهية، لأن الوقت المناسب مقصرٌ 7 مارس 321.] [81]
فهل قرأتم نص المرسوم؟ ما علاقة هذا بتغيير احتفالات المسحيين او اجتماعاتهم؟ القضية كلها في أنه قام بتحديد يوم للعطلة الرسمية للعاملين مثل القضاة والمزارعين، فما علاقة كل هذا بتغير شيء في الأعياد المسيحية فضلا عن تغيير في العقيدة؟! الغريبة ان الاقتباس الأول قرأه سبيع ولم يفهمه، فقسطنطين كان يريد ان يكون هذا اليوم عطلة تامة كعطلة اليهود التامة (فكرة معاملة الأحد مثل يوم الراحة أو السبت).
لكن المفاجئة الكُبرى، والتي تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن سبيع يقصد ويريد التدليس والخداع، هو أن الاقتباس الخاص بالقديس يوستينوس الذي نقلناه أعلاه والذي يتحدث فيه عن أن يوم الأحد هو اليوم الذي يجتمع فيه المسيحيون ويُصلون ويُرنِّمون ويُعزون بعضهم البعض ويتشاركون فيه الإفخارستيا، هذا الاقتباس موجود في نفس الصفحة التي ينقل منها سبيع الاقتباس الذي عرضه في الفيديو وأراد أن يخدع به المشاهد ويقول إن هذا الاقتباس يثبت تغير قسطنطين الخاص بيوم الأحد.
فعلى الرغم ان الاقتباس الأول ينفي تماما ان يكون هناك علاقة لقسطنطين بابتداع يوم الأحد، وعلى الرغم من وجود هذا الاقتباس مع الاقتباس الذي نقله سبيع لنا وأثبتنا انه لا يفهمه وانه لا يوجد ما يفيده فيه، إلا أن سبيع جاء بالاقتباس الثاني وترك الاقتباس الأول الذي ينفي فكرته غير الموجودة لا في الاقتباس الثاني ولا الأول. فترى، هل لا يقرأ سبيع ما ينقله؟ أم أنه لا يفهم ما يقرأه؟ او أنه أراد التدليس الصريح؟
ثانيًا: مسألة ابتداع يوم 25 ديسمبر.
حاول أحمد سبيع أن يقول ان قسطنطين ابتدع يوم 25 ديسمبر، كيوم لميلاد المسيح، بعد ان كان يومًا لميلاد الشمس. وللرد على هذا نقول:
الاقتباسات التي عرضها سبيع نفسها لم تقل أن قسطنطين أصدر مرسومًا او قرارا بأن يكون يوم 25 ديسمبر هو يوم ميلاد المسيح، فعلى عكس ما عرضه سبيع من أن قسطنطين أصدر مرسوم لتحديد يوم الاحد كعطلة رسمية حكومية (وليس دينية) للشعب، فإن سبيع لم يقدم أي دليل أن هناك مرسومًا كهذا أو قرارا بجعل عيد ميلاد المسيح يوم 25 ديسمبر، وهذا لأن هذا التاريخ لا علاقة له بقسطنطين كمصدر للمراسيم، أي لم يكن هناك مرسوم من قسطنطين يحدد عيد ميلاد المسيح على الإطلاق.
الاحتمال الذي يقوله البعض في أن يوم 25 ديسمبر كان عيد وثني للشمس، ثم استغلته الكنيسة وحولته من عيد وثني للشمس إلى عيد مسيحي للمسيح شمس البر، إن كان قد حدث هذا الاحتمال، فهو احتمال محمود من الكنيسة، فلا يُعاب عليها بل تمدح بسببه إذ أبعدت الشعب المسيحي الداخل إلى الإيمان حديثًا من الممارسات الوثنية التي كان قد اعتاد عليها طوال حياته، بتذكار ميلاد الرب يسوع حسب الجسد، فإن كان هناك من يريد أن يلوم الكنيسة، فعليه أن يثبت لنا أن الكنيسة كانت تمارس طقوسًا وثنية حينها استمدتها من الوثنيين، أو أن الكنيسة مارست مع الوثنيين طقوسهم. أما تحويل يوم/تاريخ عيد وثني ليوم تذكار لميلاد الرب يسوع بحسب الجسد ليس فيه من الوثنية شيء. والمحصلة لما فعلته الكنيسة، هي اندثار العيد الوثني تمامًا.
يقول كيث دروري:
لماذا ٢٥ ديسمبر؟
من المحتمل أن يكون يسوع لم يوُلد فعلًا في ديسمبر. يشير [نص] “الرعاة في الحقول” إلى موسم آخر. فلماذا إذن اختار المسيحيون ٢٥ ديسمبر باعتباره اليوم الذي سيحتفلون فيه بميلاده؟ هناك نظريتان: (١) قام المسيحيون بحساب التاريخ من خلال حساب معقّد، أو (٢) قام المسيحيون ببساطة بتكييف يوم العيد الوثني وقدسوه.
جاءت نظرية الحساب في ٢٥ ديسمبر بافتراض أن يسوع مات في ٢٥ مارس. ثم من خلال مجموعة معقدة من الحسابات، توصلت النظرية إلى أن يسوع حُبِلَ به أيضًا في ٢٥ مارس ووُلِد بعد تسعة أشهر في ٢٥ ديسمبر. كان اليهود معروفين لمثل هذه النظريات الخيالية، وكذلك بعض المسيحيين الأوائل، لذا فهذه على الأقل نظرية محتملة لتاريخ ٢٥ ديسمبر.
النظرية الثانية والأكثر منطقية بكثير هي أن المسيحيين الرومان أقاموا عيدهم ببساطة لتذكر ميلاد المسيح في يوم ينافس عن قصد (وفي النهاية يهزم) عيد وثني. في عام ٢٧٢م، أقام الإمبراطور أوريليان عيد “إحياء ذكرى إميسا”، ومكرس لإله الشمس السوري. في هذا اليوم –الانقلاب الشتوي– كانت الشمس في أدنى نقطة لها في الأفق، والتي من خلالها “تولد من جديد” للعودة طوال الربيع. (كان التقويم اليولياني بحلول هذا الوقت يفرق عن الانقلاب الشتوي الفعلي بأربعة أيام، مما يفسر تاريخ ٢٥ ديسمبر.) ربما قرر المسيحيون ببساطة إحلال محل (overprint) العيد الوثني لعودة الشمس. ربما حتى أنهم استخدموا هذا العيد المنافس لأغراض كرازية، مدعين أن الرب يسوع هو الشمس الحقيقية التي أُقيمت حقًا وستعود يومًا ما حقًا. مهما حصل بالفعل، فقد فاز عيد الميلاد في المنافسة. حيث اختفى العيد الوثني بينما نستمر في الاحتفال بميلاد يسوع في ٢٥ ديسمبر. [82]
ويقول رونالد هُجنز:
من الكلمة الإنجليزية القديمة Cristes Mæsse (عيد الميلاد – الكريسماس). لم تكن الكنيسة الأولى تعرف تاريخ ميلاد المسيح، فقد سعت إلى ذلك من خلال الجمع بين التخمينات التقويمية مع تفسير الأرقام الكتابية. تم اقتراح عدة تواريخ، بما في ذلك ٢٥ مارس، ٢ أبريل، ٢٠ مايو، ٨ نوفمبر، ٢٥ ديسمبر، ٦ يناير. أقدم دليل، [تأريخ] Depositio martyrum، والذي يذكر أن عيد الميلاد كان يُحتفل به في ٢٥ ديسمبر بحلول عام ٣٣٦ في روما. في غضون قرن من الزمان، كان هذا التاريخ مقبولًا عالميًا تقريبًا.
ميَّز يوم ٢٥ ديسمبر، في التقويم اليولياني، الانقلاب الشتوي (بداية انتصار الضوء على الظلام بعد أطول ليلة في العام)، وبعد ٢٧٤م، عيد ميلاد Sol Invictus (“الشمس التي لا تقهر”) الإله الراعي للإمبراطور. العلاقة بين يسوع والشمس حدثت في وقت مبكر وبشكل طبيعي؛ حيث قام يسوع في يوم الأحد (Sunday) (“يوم الرب”). في وقت مبكر كوقت كليمنضس السكندري (تنيح عام ٢١٦م) كان يتم الإشارة إلى يسوع بـ “شمس البر” (في الفولجاتا Sol Iustitiae) في ملاخي ٤: ٢. حدد تقليد مبكر ذو صلة ٢٥ مارس، “الأحد” لأسبوع الخليقة، كتاريخ للحبل بالمسيح (تسعة أشهر قبل ٢٥ ديسمبر!). كان من الطبيعي أنه بعد أن تخلى قسطنطين عن رعاية Sol Invictus عام ٣٢٤م، كان يجب أن يحل محله Sol Iustitiae، نور العالم. [83]
النقطة السادسة: “سيحارب المؤمنين، قديسي العلي”، من هم المؤمنين الذين يقصدهم سبيع هنا؟
لنراجع، أولًا، النص لنعرف ما هي صفات قديسي العلي، الذين يسميهم سبيع “المؤمنين”، فيقول النص الكتابي:
والآن علينا أن نحصر الأوصاف التي جاءت عن قديسي العلي، ثم نعود لهذا الجويهل سبيع سريعًا..
القرن الصغير سيحارب القديسين ويغلبهم ويبليهم، ثم بعد مرور زمان وزمانين ونصف زمان، يأتي القديم الأيام، ويعيد الملك للقديسين فيمتلكون المملكة إلى الأبد…
والآن: من هم هؤلاء: قديسو العلي؟! أمامنا ثلاث خيارات بحسب فِهم سبيع، وهم: إمّا المسلمون، وإمّا الأريوسيون، وإمّا المسيحيون الحقيقيون. فماذا اختار سبيع؟ قال إن قديسو العلي هم المسلمون، وأن حُكم قديسو العلي هو الحكم الإسلامي للقدس (التي لا أعلم لماذا وكيف حشرها سبيع حشرًا في الموضوع).
حسنًا، لنسأله: بحسب النص، فإن القرن الصغير، الذي تقول عنه انت انه قسطنطين يجب أن يحارب قديسي العلي، الذين تقول عنهم انت انهم المسلمين ويغلبهم، فمتى حدث ذلك أيها السبعبع الجهبذ؟ قسطنطين مات قبل ميلاد رسول الإسلام بمئاتٍ من السنواتِ، فكيف حاربكم قسطنطين؟ أبُعث من جديد؟ لاحظ أن النص واضح وحرفي، ولا يتكلم عن أتباع قسطنطين (رغم أنهم ليسوا أتباعه) بل عن القرن الصغير نفسه، ويتكلم عن القديسين أنفسهم، فعليك ان تجد لنا حادثة حاربكم فيها قسطنطين.
ثمَّ، حتى إن تنزّلنا وتفضلّنا عليك وسلمنا لك بأن قسطنطين حارب المسلمين، وأن المقصود هي مملكة المسلمين، فهل بقيت مملكة المسلمين إلى الأبد؟ سواء في القدس أو في أي بقعة من بقاع الأرض؟ فالنصوص تشير إلى مُلك القديسين للمملكة إلى الأبد، فأين تملكتُم القدس إلى الأبد؟
فالواقع الحالي اليوم يقول ان القدس (إسرائيلية) بعد ان كانت (بريطانية)، بل ان مملكة الإسلام نفسها قد انحطت و زالت، فيكتب عبد الحميد احمد سليمان كتابا بعنوان “انهيار الحضارة الإسلامية و إعادة بناءها” و يتكلم عن الدولة العثمانية باعتبارها “اخر كبريات الدولة الإسلامية” اهها في عصر “الانحطاط” صـ 27، و نفس مصطلحه “الانحطاط” سيكون هو عنوان احد اشهر الكتب “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين” الذي يصف “تحول القيادة من الأمم الإسلامية الي الأمم الأوروبية” صـ 225، بل يصف المسلمين في “كثير من نواحي الأرض بل في مراكز الإسلام و عواصمه حلفاء للجاهلية الأوروبية و جنودا متطوعين لها” 229، و هذا المعلوم بالضرورة ينسف مرةً أخرى شبهات سبيع كلها بأن مملكة الإسلام قد زالت فلا هي ابدية ولا يحزنون.
ثمَّ، كيف يكون المقصود بـ”المملكة” أنها القدس، في حين أن النبوة مكتوب فيها أن مُلك قديسو العلي سيكون أبديًا، ونجد اليوم أن اليهود يحكمون القدس وليس المسيحيين ولا المسلمين؟ وقبلها حكم القدس الصليبيون، فأين حكم المسلمون للقدس الآن وقديمًا؟ فهذه وحدها كفيلة بأن يعرف سبيع مدى سخف كلامه كله، فإنه خرج علينا بهذا الفيديو في الفترة التي يحكم فيها اليهود القدس ويسيطرون عليها تمامًا، ويقول إن المملكة المقصودة هي مملكة القدس التي مكتوب عنها (بحسب سبيع) أن القديسون سيملكون المملكة! أو لربما يقول ان القديسين هم اليهود أنفسهم، فسبيع زئبقي، ولا تتوقعه أبدًا (ابتسامة).
فمن هذا كله نعرف، أنه لا يمكن أن يكون المقصود هو مملكة المسلمين (لأنهم لم يمتلكوا أي شيء إلى الأبد)، ولا يمكن أن تكون القدس هي المذكورة (لأنها ليست مملكة ولأن المسلمون لم يملكوها).
لماذا أدخل سبيع القدس في الموضوع فجأة وعنوة دون دليل أو مقدمات؟ اختار سبيع القدس لأنها كانت من أوائل المدن التي احتلها المسلمون عام 16هـ/637م، فلأجل ان يجعل “زمان وزمانين ونصف زمان” تعني “قرن وقرنين ونصف قرن” أي 350 عام تقريبا، قام باختيار القدس تحديدًا ليقيس عليها، لتكون العملية الحسابية عبارة عن 636م – 306 (بداية حكم قسطنطين) فتكون المحُصلة هي 330 عام ميلاديًا، ليقوم بقسمتها على 3.5 فيكون الناتج هو: 94 عام تقريبا، ليقوم بعد ذلك بتقريبها إلى 100 عام وهو عدد سنوات القرن من الزمان. فتكون لها وجاهة ولو قليلاً لأنه لم يعط لنا ولا شبهة دليل على هذا الحساب.
بينما كان الأجدر به أن يستخدم القسطنطينية بدلًا من القدس، وذلك لعدة أسباب، منها انها كانت عاصمة العالم المسيحي حينها، ومنها انها كانت عاصمة الإمبراطورية الشرقية، ومنها أنها المدينة التي أسسها قسطنطين ودعاها على اسمه وجعلها العاصمة ومركز الحكم، فكان من باب أولى أن يبدأ الحساب وينهيه بناءًا على القسطنطينية وليس القدس التي لا ناقة لها ولا جمل في القضية. لكن لأن القسطنطينية تأخر احتلالها للقرن الخامس عشر، فلو بدأ الحساب بناء عليها، ستكون المعادلة كالتالي: 1453 – 636 = 817 والرقم 817 إن قام بقسمته على 3.5 قرن، سيكون الناتج هو: 233 تقريبًا، والتي لا تعني أي شيء في التاريخ البشري، فسيظهر حتى عند ضعاف التفكير ممن يصدقونه أنه يهذي فضلا عن من لا يصدقونه من العقلاء المدققين الباحثين. فلهاذا اختار القدس التي لا علاقة لها بالموضوع.
حسنًا، لربما يقول سبيع أن الاريوسيين هم قديسو العلي وأن قسطنطين حاربهم، فنقول: بحسب حَرفية النص، فإن قسطنطين (كما تريده أنت) قد حارب الأريوسيين (وانتصر لأثناسيوس)، فهل تم تسليم الأريوسيين لقسطنطين 350 عام كما تفسرها انت؟ وهل عاش قسطنطين 350 عام؟
لنكمل: هؤلاء الأريوسيون (حسب سبيع) سُلِموا إليه لزمان وزمانين ونصف زمان، ثم بعدها جاء القديم الأيام وأعاد المُلك والمملكة لهؤلاء القديسين، أي الأريوسيين، وامتلكوها للأبد، وأنت تقول إن المملكة المقصودة هي القدس.
والآن السؤال لك: هل امتلك الأريوسيون القدس؟ أو هل امتلكوا أية مملكة على الإطلاق حتى وإن كانت في كوالالمبوور؟! بل: هل كانت القدس مملكة أصلاً؟ أما لجهلك حدود؟!
ثمَّ: قد مات قسطنطين نفسه واستمر الأريوسيون بعده لسنوات وسنوات ثم اندثروا، فكيف يكون كلامك صحيحًا في حين النص نفسه يقول إن قديم الأيام سينزع سلطان قسطنطين (بحسب رأيك)، وقسطنطين هذا مات وهو الإمبراطور بكامل سلطانه! بل أنك بنفسك تقول انه حارب ثلاث أباطرة كانوا يقاسمونه الحكم وأصبح هو الحاكم الوحيد للإمبراطورية، فأين نزع قديم الأيام سلطان قسطنطين؟ خصوصًا إنك فسرت الزمان والزمانين والنصف زمان بأنهم 350 عام تقريبًا، فهل كان الأريوسيين يملكون القدس بعد 350 عامًا؟ أو هل ملكوها بعدها؟ بل هل كان قسطنطين على قيد الحياة حتى يتم نزع المملكة منه واعطاؤها للقديسين؟!
عيب عليك يا سبيع أن تقول هذا الكلام وانت في محضر المسيحيين، هذا الكلام لا تقوله إلّا وأنت في الترعة تسبح.
بالطبع، لا يمكن ان يفترض سبيع أن قديسو العلي هم المسيحيون الحقيقيون، أو كما يسميهم أتباع أثناسيوس والذين يؤمنون بالثالوث وبألوهية المسيح، لأن هذا سيعني صحة المسيحية من كلامه هو نفسه، وعندها، لن تكون هناك علاقة للإسلام بهذا الفيديو كله، فهو قد سجَّلَ هذا الفيديو كله ليصل لهذه النتيجة: ان سفر دانيال أنبأ عن أمة الإسلام انها ستحكم القدس وأنهم هم قديسو العلي.
بالطبع، يمكن لسبيع ان يفتكس افتكاسة جديدة كعادته، ويقول ان المسلمون هم ورثة الأريوسيين. وفي هذه الحالة، سيتناوب أصدقاء سبيع قبل أعداءه عليه ضربًا وردًا وسخريةً. فعقائد الأريوسية معروفة تمامًا في أنهم يقولون إن المسيح هو إله لكنه إله مخلوق، وهو الخالق للعالم بعد ان خلقه الآب، وإن المسيح هو إبن لله لكن ليس من نفس طبيعته، وكانوا يؤمنون بنفس العهد الجديد الذي يقول عنه سبيع وغيره أنه محرف وأن به عقائد كفرية بالنسبة لمعتقده ..إلخ، وبعد هذا كله لن يكون هناك علاقة بينهم وبين الأريوسيين وفقًا للنبوة نفسها.
النقطة السابعة: زمان وزمانين ونصف زمان، كم تبلُغ هذه المدة؟
إن أقصر الطرق لمعرفة قصد الكاتب، أي كاتب، من مصطلح ما هو البحث في استخدام الكاتب لذات المصطلح في ذات العمل، ثم البحث عنه في كتاباته الأخرى لنعرف كيف يستخدم الألفاظ وماذا يقصد بها، وهذا يتم عبر ربطها بعضها ببعض. ثم، في المستوى التالي، يكون ربط هذا المصطلح مع الكتابات المتوفرة القريبة من الكاتب ومن ثقافته وبيئته واللغة المحيطة به.
ولكي نعرف معنى مصطلح “زمن” الذي جاء في سفر دانيال (زمان وزمانين ونصف زمان) علينا أن نبحث في سفر دانيال نفسه لنعرف ما المقصود بهذا المصطلح، فسنجد أنه في الأصحاح الرابع، يفسر دانيال للملك نبوخذنصّر الحلم الذي رآه، حيث قال له دانيال:
ومن هنا نستطيع ان نعرف ان المعنى المقصود بـ”سبعة أزمنة” هي “سبعة سنوات” كما فهمها اليهود قديمًا، وعلى رأسهم المؤرخ الشهير يوسيفوس[84]، لأنه لا يمكن ان تكون 700 عام، فنبوخذنصر لم يعش كل هذه السنوات. فلماذا يكذب سبيع ويقول أن تعبير “زمان وزمانين ونصف زمان” يعني قرن وقرنين ونصف قرن؟ ومن أين أتى بهذا الكلام من الكتاب المقدس؟! وإمعانًا في إفحام هذا الصبي، نورد له نصًا آخرًا من ذات السفر:
ومن هنا نستطيع التأكد من معنى كلمة “زمان” هنا، حيث أنها مفَسرة بعدد الأيام، فالسفر يقول “زمان وزمانين ونصف” ويقول 1290 يومًا، وبعملية قسمة بسيطة سنعرف أن المقصود هو ثلاث سنوات ونصف تقريبًا. وهو نفس التعبير المستخدم في نفس السفر في الأصحاح السابع، فلماذا لم يحضره سبيع؟ لأنه يريد أن يختلق نبوة عنوة لدينه، يريد أن يحقق الهدف ولو كان بالكذب وبلا دليل وبالتفسير الشخصي! فالمسيحي عندما يتكلم عن القرآن، فيأتي بالتفاسير المعتمدة لدى كل مذهب ويحاج محاوره بها، لكن يتهرب من الأدلة في كل مرة ثم يتبجح ويقول إنه يستخدم الأدلة.
وحيث أن سبيع مُغرم بمعجم جيزينيوس، فنجعل هذا المعجم يرد عليه لعله يخرسه إن كان لديه ولو القليل من الخجل، فيقول المعجم:
עִדָּן m. Chald.—
(1) time; Syriac ܥܶܕܳܢ, Arabic عَدَّانُ id.; from the root עָדַד Dan. 2:8, seq.; 3:5, 15; 7:12.
(2). specially a year, Dan. 4:13, 20, 22, 29; 7:25, עַד־עִדָּןוְעִדָּנִיןוּפְּלַגעִדָּן “during a year, (two) years, and the half of a year;” i.e. during three years and a half; comp. Josephus, Bellum Jud. i. 1. Seeמוֹעֵד No. 2, and יָמִים No. 4.[85]
وبالطبع يمكن أن نؤكد الحساب الصحيح للمدة الزمنية وأنها ثلاثة سنوات ونصف عبر ثلاث أدلة صريحة من سفر الرؤيا، حيث جاء فيه:
وسنجد هنا الفترات الزمنية الواردة هي: زمانا وزمانين ونصف زمان، 42 شهرًا، 1260 يوما. وكل هذه الفترات تساوي تقريبًا ثلاثة سنوات ونصف، ولهذا لم يأت سبيع بهذه الشواهد لكي لا ينفضح أمره.
في نهاية الفيديو الأول، وجّه سبيع إلينا سؤالًا وقال: هل يستطيع المسيحيون أن يخبرونا من هو الملك الروماني الذي تنطبق عليه الصفات المذكورة في النص؟ ومع ردنا على كل نقطة ذكرها سبيع، وبيان كيف أنه دلّس ولبّس على مستمعيه واستغل جهلهم، ومع أنه لا يلزم أن تكون النبوة قد تمت في الماضي بل يمكن ان تكون نبوة مستقبلية عن أحداث نهاية العالم وعودة إلهنا الحبيب، الرب يسوع المسيح على السحاب حيث ستنظره كل عين، إلا أنّا سنجيبه من القصص الديني لبولس الفغالي، وعلى الرغم من عدم اعترافنا أو تأيدنا لكلامه، إلا أننا سنورده هنا لبيان أن هناك تفاسير أخرى حققت شروطا معينة من الصفات المذكورة عن هذا القرن الصغير، وعلى الرغم من أن كل شروط سبيع تقريبا أثبتنا بطلانها، إلا أننا سنرد على اشكاله من حيث المبدأ، فهناك آخرين فعلوا ما حاول أن يفعله سبيع، يقول الفغالي:
آ 24-25 الملوك العشرة هم الملوك السلوقيون الذين منهم سلوقس نيکاتور (أي المنتصر) وأنطيوخس الأول سوتر (أي المخلص) وأنطيوخس الثاني تيوس (أي الإله) وبعدها نصل إلى الملك الحادي عشر، أنطيوخس الرابع الذي أطاح بديمتريوس وأنطيوخس وبطلیمس فيلوميتور قبل أن يستلم الحكم.
يلوم الكاتب الملهم أنطيوخس هذا الثلاثة أمور بالغة الأهمية.
الأول، لأنه نطق بأقوال ضد الله العلى. تشامخ ملك أنطاكية وألَّه نفسه (11: 36) فتصور أنه يلامس كواكب السماء (۲ مك 9: 10). ضرب نقودا جعل فيها صورته، وفوقها نجمة. كان اسمه من سنة 175 إلى سنة 169 الملك أنطيوخس، ثم صار من سنة 169 إلى 166 الملك أنطيوخس تيوس أبيفانيوس (أي الإله المنظور). تحدّى الرب الإله فدخل هيكله بكبرياء وحطم محتوياته وسلب كنوزه (1 مك 1: 23 – 24)، لذلك سيعاقبه الله.
الثاني: غير أنطيوخس الأزمنة والشرائع، أي أدخل تقويما طقسًا جديدا يتوافق وادخال عبادة «بعل شميم» إلى هيكل أورشليم. كان اليهود يعتبرون التقويم (حساب الازمنة) نقطة رئيسية في الشريعة الدينية (1مك 1: 41 – 42) فمن مسّه مسّ مبدأ الحرية الدينية. ثم أن أنطيوخس بدل الشرائع ليطبع الجماعة اليهودية بالطابع الهلينستي، فأصدر حكما يأمر جميع القاطنين في مملكته أن يتخلوا عن شرائعهم الخاصة ليكونوا شعبا واحدا بعاداتهم الواحدة (1 مك 1: 41 – 42). أجل، تميزت سياسة أنطيوخس الرابع الدينية عن سیاسة سلفه أنطيوخس الثالث: فأنطيوخس الثالث رضي على اليهود لأنهم عاونوه خلال حملته على مصر (۱۹۸ ق. م.) فمنحهم الامتيازات العديدة، ومنها: إعادة بناء المدينة المهدمة، أي أورشليم، إعادة بناء الهيكل بل مشاركة في نفقات الهيكل، إعفاء من بعض الضرائب، اعتراف بالشريعة الموسوية اعترافا رسميا. ولكن أنطيوخس الرابع سيعود عن هذه الامتيازات.
الثالث: اضطهد أنطيوخس الرابع قديسي الله، أي أبناء شعبه. ما أكتفى بإلغاء امتيازات، بل اضطهد ودام اضطهاده ثلاث سنوات ونصف السنة (عدن الآرامية تعني أيضا السنة رج 4: 13مثل “موعد” العبرية رج 12: 7). بدأ الاضطهاد مع حملة ابولونيوس على أورشليم (حزيران 168) الذي أراد أن ينفذ حالا قرار أنطيوخس (۱ مك 1: 41 – 53) وانتهى يوم تقديس الهيكل وموت أنطيوخس الرابع سنة 164 ق. م. ثلاث سنوات ونصف السنة (رج 9: 27) هو زمن رمزي (آ 2). هو نصف «سبعة» العدد الكامل. هذا يعني أن الاضطهاد الكافر نهاية قريبة أو بعيدة (رج رؤ 12: 14؛ 11: 2 يتحدث عن 42 شهرا) [86].
فكما نرى، قام الخوري بولس الفغالي باقتراح شخصية أخرى تمامًا، في زمن آخر، وطبّقَ عليها تقريبا كل ما جاء في السفر عن القرن الصغير.
الغريب والمضحك للثكالى، أن أحمد سبيع كان يقول في بداية الفيديو الأول أن هذه “النبوة” من أقوى النبوات ومن أوضحها لكنها مع الأسف غير مشهورة! فالآن عرفنا لماذا أنها غير مشهورة، لأنها غير صحيحة لا في هدفها العام، ولا فيما تقوم عليه، فكل نقطة ذكرها سبيع تقريبا هي نقطة خاطئة جدا. ثم يأتي سبيع ليقول إن هذه النبوة هي نبوة صريحة. نعم هي دليل صريح أن هناك من البشر من لديهم هذا المستوى من التفكير الضئيل وهذا المستوى من الجهل.
في النهاية، هل يستطيع ويجرؤ سبيع أن يرد على ما جاء في هذا البحث ردًا عليه؟ نحن على يقين انه حتى لا يستطيع قراءة المكتوب لأننا رددنا على كل نقطة ذكرها تقريبا بالعديد من المعارضات التي لا تقبل الشك فضلا عن الرد. وهكذا رأينا لماذا يتهرب سبيع من الردود على فريق اللاهوت الدفاعي، إذ أن الفريق سيرد عليه نصيا ويفضح جهله أمام الجميع. ندعوه أن يتجرأ وأن يرفع رأسه من الرمال وأن يحاول الرد.
[1] عزية علي طه، منهجية جمع السنة وجمع الاناجيل ص 554
[2] عبد الاحد داؤد، محمد كما ورد في كتاب اليهود و النصارى ص 74
[4] الدين و الدولة في اثبات نبؤة محمد، طبعة دار الافاق الجديدة ص 182
[5] تخجيل من حرف التوراة والإنجيل، صالح بن الحسين الجعفري أبو البقاء الهاشمي (المتوفى: 668هـ)، تحقيق: محمود عبد الرحمن قدح. الناشر: مكتبة العبيكان، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط1، صـ699-700.
[6] الحرب العالمية القادمة في الشرق الأوسط – هشام كمال عبد الحميد – الناشر: دار الفكر العربي – الطبعة: الثالثة (طبعة مزيدة ومنقحة) – تاريخ النشر:2011 م، صـ 272 (136).
[7] لا نحب استخدام هذه الكلمة لكن ليعلم المصريون ما فعله سبيع في حقيقته، فسبيع يجلس على كرسيه ثم يطلق لكلماته العنان ويقول ما يريد بلا ضابط.
[8] Florin Gh Laiu, An Exegetical Study of Daniel 7-9 (University of South Africa; Master Dissertation, 1999), 56.
[9] يختلف العدد بحسب ما إذا أدخلنا أغسطس في الحسبان ام لا وهو الذي عاصر المسيح.
12 So Augustin, De Civit. Dei, xviii. 52, but he mentions Antoninus for Marcus Aurelius. Lactantius counts six, Sulpitius Severus nine persecutions.
13 Ex. chs. 5-10; Rev. 17:12 sqq. Augustin felt the impropriety of referring to the Egyptian plagues, and calls this a mere conjecture of the human mind which “sometimes hits the truth and sometimes is deceived.” He also rectifies the number by referring to the persecutions before Nero, mentioned in the N. T., and to the persecutions after Diocletian, as that of Julian, and the Arian emperors. “When I think of these and the like things,” he says, “it does not seem to me that the number of persecutions with which the church is to be tried can be definitely stated.”
14 On the relation of Christianity to the laws of the Roman empire, see Aubé, De la legatité du Christianisme dans l’empire Romain au Ier siècle. Paris 1866.
[11]Schaff, P., & Schaff, D. S. (1997). History of the Christian church. Oak Harbor, WA: Logos Research Systems, Inc.
[12] كما يَحسِبُها أوغسطينوس (De Civit. Dei, xviii. 52)، لكنه يَذْكُر أنطونيوس بدلًا من ماركوس أوريليوس. لكن يَحسِب لاكتانتيوس ستة اضطهادات، سولبيسيوس سيفيروس تسعة.
[13] الخروج الإصحاحات ٥–١٠؛ الرؤيا ١٧: ١٢. شعَر أوغسطينوس بالخطأ في الإشارة إلى الضربات المصرية، ووصَف ذلك بأنه مجرد تخمين من عقل بشري” أحيانًا يُصيب الحقيقة وأحيانًا يُخدَع. “ كما أنه صحَّح العدد بالإشارة إلى الاضطهادات ما قبل نيرون، والمذكورة في العهد الجديد، وإلى الاضطهادات بعد دقلديانوس، مثل تلك التي في عهد يوليان والأباطرة الآريوسيين. فهو يقول:” عندما أفكر في هذه الأشياء وما شابهها، لا يبدو لي أنه يمكن تحديد عدد الاضطهادات والتي ستُحاكَم بها الكنيسة. “
[14] Gerhard Uhlhorn, The Conflict of Christianity with Heathenism, ed. and trans., Egbert Coffin Smyth and Charles Joseph Hardy Ropes, 3rd ed. (New York: Charles Scribner’s sons, 1908), 423.
[15] محمود سعيد عمران، حضارة الإمبراطورية البيزنطية (الاسكندرية: دار المعرفة الجامعية، ٢٠١١م)، صـ ٢٣.
[16] Brian Moynahan, The Faith: A History of Christianity, 91.
[17] The Encyclopaedia Britannica: A Dictionary of Arts, Sciences, and Literature, Vol. XX, 9th ed., 778.
[21] قصة الحضارة، ول ديورنت، ت: زكي نجيب محمُود وآخرين، ط: (1988) دار الجيل، بيروت – لبنان، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، جـ11، صـ378.
[28]Elowsky, J. C. (2006). John 1-10. Ancient Christian Commentary on Scripture NT 4a (18). Downers Grove, IL: InterVarsity Press. After the Evangelist has taught us the three orders through the three propositions that were previously mentioned, he sums up the three under one head, saying, “The same was in the beginning with God.” Now we have learned from the three propositions first, in what the Word was, namely, “in the beginning,” and with whom he was, namely, “God,” and who the Word was, namely, “God.” It is as if, therefore, he indicates the previously mentioned God the Word by the expression “the same” and gathers the three, “in the beginning was the Word” and “The Word was with God, and the Word was God,” into a fourth proposition and says, “The same was in the beginning with God.”
[31] Athenagoras. (1997). A Plea for the Christians B. P. Pratten, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. II: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (133). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[32] راجع أيضًا القديس إيرينيوس AH1:1:18. وعن كون أن الابن هو الله، يقول القديس كيرلس الأورشليمى: [نقول إن الله حقيقى لا يلد إلهًا باطلاً، ولا هو تمعن وبعد ذلك وَلدَ، بل وَلدَ أزليًا بأكثر سرعة من ولادة كلماتنا وأفكارنا، إذ نحن نتكلّم فى زمان ونستهلك زمانًا، لكن بالنسبة للقوة الإلهية، فالميلاد هو بلا زمن…] كيرلس الأورشليمى، المرجع السابق، المقالة الحادية عشر: 14، ص218.
[35] القديس إيريناؤوس، الكرازة الرسولية مع دراسة عن حياته وتعليمه – ترجمة د. نصحى عبد الشهيد، صـ115-116.
[36] Roberts, A., Donaldson, J., Coxe, A. C., Donaldson, J., & Coxe, A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol.I : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. The apostolic fathers with Justin Martyr and Irenaeus. (81).
[37] Roberts, A., Donaldson, J., Coxe, A. C., Roberts, A., Donaldson, J., & Coxe, A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol.I : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. The apostolic fathers with Justin Martyr and Irenaeus. (86).
[38] يتكلم القديس هنا عن طبيعتي اللاهوت والناسوت ناسبًا لكل واحدة منهما خصائصها لذلك نلحظ في كلامه ثنائيات مثل “متألم وغير متألم، مولود وغير مولود ….. إلخ)
[39] The Apostolic fathers (P. Clement I, S. Ignatius, Bishop of Antioch, S. Polycarp, Bishop of Smyrna & K. Lake, Ed.). The Loeb classical library. (1:181).: There is one Physician, who is both flesh and spirit, born and yet not born, who is God in man, true life in death, both of Mary and of God, first passible and then impassible, Jesus Christ our Lord.
[40] Ibid. (1:191-193).: For our God, Jesus the Christ, was conceived by Mary by the dispensation of God, “as well of the seed of David” as of the Holy Spirit: he was born, and was baptized, that by himself submitting1 he might purify the water.
[41]Ibid.(1:193).: By this all magic was dissolved and every bond of wickedness vanished away, ignorance was removed, and the old kingdom was destroyed, for God was manifest as man for the “newness” of eternal life, and that which had been prepared by God received its beginning.
[42] Ibid. (1:201-203).: Seeing then that I have looked on the whole congregation in faith in the persons mentioned above, and have embraced them, I exhort you:—Be zealous to do all things in harmony with God, with the bishop presiding in the place of God and the presbyters in the place of the Council of the Apostles, and the deacons,1 who are most dear to me, entrusted with the service of Jesus Christ, who was from eternity with the Father and was made manifest at the end of time.
[43] Ibid. (1:235).: Suffer me to follow the example of the Passion of my God. If any man have him within himself, let him understand what I wish, and let him sympathise with me, knowing the things which constrain me.
[44] Ibid. (1:253).: I give glory to Jesus Christ, the God who has thus given you wisdom; for I have observed that you are established in immoveable faith, as if nailed to the cross of the Lord Jesus Christ, both in flesh and spirit, and confirmed in love by the blood of Christ, being fully persuaded as touching our Lord, that he is in truth of the family of David according to the flesh, God’s son by the will and power of God, truly born of a Virgin, baptised by John that “all righteousness might be fulfilled by him,”
[46] القديس يوستينوس الشهيد، القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد – الدفاعان والحوار مع تريفون ونصوص أخرى، سلسلة النصوص المسيحية في العصور الأولى، دار بناريون للنشر والتوزيع، صـ91-92.
[47] Ibid. (219).: And Trypho said, “We have heard what you think of these matters. Resume the discourse where you left off, and bring it to an end. For some of it appears to me to be paradoxical, and wholly incapable of proof. For when you say that this Christ existed as God before the ages, then that He submitted to be born and become man, yet that He is not man of man, this [assertion] appears to me to be not merely paradoxical, but also foolish.”
[48] Ibid. (255).: And as he, not Moses, led the people into the Holy Land, and as he distributed it by lot to those who entered along with him, so also Jesus the Christ will turn again the dispersion of the people, and will distribute the good land to each one, though not in the same manner. For the former gave them a temporary inheritance, seeing he was neither Christ who is God, nor the Son of God; but the latter, after the holy resurrection, 4 shall give us the eternal possession … For I have proved that it was Jesus who appeared to and conversed with Moses, and Abraham, and all the other patriarchs without exception, ministering to the will of the Father; who also, I say, came to be born man by the Virgin Mary, and lives for ever.
[49] Ibid. (256).: “But you ought to believe Zechariah when he shows in parable the mystery of Christ, and announces it obscurely. The following are his words: ‘Rejoice, and be glad, O daughter of Zion: for, lo, I come, and I shall dwell in the midst of thee, saith the Lord. And many nations shall be added to the Lord in that day. And they shall be my people, and I will dwell in the midst of thee; and they shall know that the Lord of hosts hath sent me unto thee. And the Lord shall inherit Judah his portion in the holy land, and He shall choose Jerusalem again. Let all flesh fear before the Lord, for He is raised up out of His holy clouds. And He showed me Jesus (Joshua) the high priest standing before the angel [of the Lord7]; and the devil stood at his right hand to resist him. And the Lord said to the devil, The Lord who hath chosen Jerusalem rebuke thee. Behold, is not this a brand plucked out of the fire?’ ”8
[50] Ibid. (262).: Accordingly the name Israel signifies this, A man who overcomes power; for isra is a man overcoming, and el is power.5 And that Christ would act so when He became man was foretold by the mystery of Jacob’s wrestling with Him who appeared to him, in that He ministered to the will of the Father, yet nevertheless is God, in that He is the first-begotten of all creatures.
[51] النص اليوناني لكلام يوستينوس في هذا اللقب هو ” ἄγγελος μεγάλης βουλῆς” وهو مأخوذ من النص اليوناني السبعيني لسفر أشعياء حيث جاء فيه اللقب “Μεγάλης βουλη̂ςἄγγελος “.
[52] زكريا 12: 10: وافيض على بيت داود وعلى سكان اورشليم روح النعمة والتضرعات فينظرون اليّ الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيد له ويكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة على بكره.
[53] Ibid. (262).: “But if you knew, Trypho,” continued I, “who He is that is called at one time the Angel of great counsel,7 and a Man by Ezekiel, and like the Son of man by Daniel, and a Child by Isaiah, and Christ and God to be worshipped by David, and Christ and a Stone by many, and Wisdom by Solomon, and Joseph and Judah and a Star by Moses, and the East by Zechariah, and the Suffering One and Jacob and Israel by Isaiah again, and a Rod, and Flower, and Corner-Stone, and Son of God, you would not have blasphemed Him who has now come, and been born, and suffered, and ascended to heaven; who shall also come again, and then your twelve tribes shall mourn. For if you had understood what has been written by the prophets, you would not have denied that He was God, Son of the only, unbegotten, unutterable God.
[56]Roberts, A., Donaldson, J., Coxe, A. C., Donaldson, J., & Coxe, A. C. (1997). The Epistle of Mathetes to Diognetus [The apostolic fathers with Justin Martyr and Irenaeus.]. In The Ante-Nicene Fathers Vol.I: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. The apostolic fathers with Justin Martyr and Irenaeus. (27). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[59]Roberts, A., Donaldson, J., Coxe, A. C., Roberts, A., Donaldson, J., & Coxe, A. C. (1997). The Epistle of Mathetes to Diognetus [The apostolic fathers with Justin Martyr and Irenaeus.]. In The Ante-Nicene Fathers Vol.I: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. The apostolic fathers with Justin Martyr and Irenaeus. (29). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[60]Tatian. (1997). Address of Tatian to the Greeks [Fathers of the second century: Hermas, Tatian, Athenagoras, Theophilus, and Clement of Alexandria (Entire)] J. E. Ryland, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. II : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. Fathers of the second century: Hermas, Tatian, Athenagoras, Theophilus, and Clement of Alexandria (Entire) (71). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[61]Tatian. (1997). Address of Tatian to the Greeks [Fathers of the second century: Hermas, Tatian, Athenagoras, Theophilus, and Clement of Alexandria (Entire)] J. E. Ryland, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. II : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. Fathers of the second century: Hermas, Tatian, Athenagoras, Theophilus, and Clement of Alexandria (Entire) (74). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[63]Tertullian. (1997). The Apology S. Thelwall, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (34). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[64]Tertullian. (1997). The Apology S. Thelwall, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (34). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[65]Tertullian. (1997). The Apology S. Thelwall, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (35). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[66]Tertullian. (1997). On the Veiling of Virgins S. Thelwall, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. IV : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (27). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[67]Tertullian. (1997). An Answer to the Jews S. Thelwall, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (158). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[68]Tertullian. (1997). The Prescription against Heretics P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (252). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[69]Tertullian. (1997). A Treatise on the Soul P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (221). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[70]Tertullian. (1997). A Treatise on the Soul P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (231). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[71]Tertullian. (1997). On the Flesh of Christ P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (525). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[72]Tertullian. (1997). On the Flesh of Christ P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III : Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (536). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[73] الترجمة العربية مأخوذة عن عمران، حضارة الإمبراطورية البيزنطية، صـ ٢٦.
[74] چون لوريمر، تاريخ الكنيسة: عصر الآباء: من القرن الأول وحتى السادس (القاهرة: دار الثقافة، ٢٠١٣)، صـ ٢٥٣.
[76] الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، دار العاصمة – الرياض، ط1، جـ4، صـ219.
[77] القديس يوستينوس الشهيد، القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد – الدفاعان والحوار مع تريفون ونصوص أخرى، سلسلة النصوص المسيحية في العصور الأولى، دار بناريون للنشر والتوزيع، صـ94-95.
[78]Packer, J., Tenney, M. C., & White, W. (1997, c1995). Nelson’s illustrated manners and customs of the Bible (544). Nashville: Thomas Nelson.
[79]Bromiley, G. W. (1988; 2002). The International Standard Bible Encyclopedia, Revised (3:159). Wm. B. Eerdmans.
[80] الكلمات المائلة لم يترجمها سبيع، ولكنها ترجمتنا الشخصية.
[81]Drury, K. (2005). The Wonder of Worship: Why We Worship the Way We Do (138). Indianapolis, IN: Wesleyan Publishing House.
[82]Drury, K. (2005). The Wonder of Worship: Why We Worship the Way We Do (155). Indianapolis, IN: Wesleyan Publishing House.
[83]Huggins, R. V. (2000). Christmas. In D. N. Freedman (Ed.), Eerdmans dictionary of the Bible (D. N. Freedman, Ed.) (240). Grand Rapids, MI: W.B. Eerdmans.
[85]Gesenius, W., & Tregelles, S. P. (2003). Gesenius’ Hebrew and Chaldee lexicon to the Old Testament Scriptures. Translation of the author’s Lexicon manuale Hebraicum et Chaldaicum in Veteris Testamenti libros, a Latin version of the work first published in 1810-1812 under title: Hebräisch-deutsches Handwörterbuch des Alten Testaments.; Includes index. (609). Bellingham, WA: Logos Research Systems, Inc.
مسلم يرى ملاك ينزل من السماء ليعترف بألوهية الرب يسوع المسيح
مسلم يرى ملاك ينزل من السماء ليعترف بألوهية الرب يسوع المسيح
مسلم يرى ملاك ينزل من السماء ليعترف بألوهية الرب يسوع المسيح
بين يدينا اليوم فيديو جديد للشاب المسلم أحمد سبيع، وفي هذا الفيديو سيعرض أحمد جهله أمام الجميع. وكي لا نطيل، فسنعرض النقاط الرئيسية لأحمد سبيع ثم نرد عليها ردا سريعًا وغير مُخل.
وبدايةً، شبهة أحمد سبيع اليوم تتعلق بالنصوص الواردة في بشارة القديس لوقا، في الأصحاح 22، والأعداد 43 و44 التي تقول حسب ترجمة فان دايك [43 وظهر له ملاك من السماء يقويه. 44 واذ كان في جهاد كان يصلّي باشد لجاجة وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الارض.]. ولدى هذا المسكين عدة اعتراضات وهي:
هل يحتاج الإله إلى ملاك ليقويه؟ أم أن هذا الملاك لم يكن يعرف أن المسيح هو الله؟
كيف يحتاج الناسوت إلى ملاك يقويه وهو (أي الناسوت) متحدًا باللاهوت؟!
هل هذه النصوص أصيلة فعلا؟ وما سبب اختلاف المخطوطات فيها؟
وسريعًا، نبدأ الرد على نقاطه..
أولًا: هل يحتاج الإله إلى ملاك ليقويه؟ أم أن هذا الملاك لم يكن يعرف أن المسيح هو الله؟
دائمًا نجد عدد كبير من المتصدرين لإصدار الشبهات ضد العقيدة المسيحية، لديهم حَوَل فكري عندما يتكلمون عن المسيح له كل المجد. فتجدهم يتناسون أن للمسيح ناسوت وأن له لاهوت أيضًا. ثم، ينظرون للجانب اللاهوتي منه، ويسألونا، كيف لله أن يأكل؟ كيف لله أن يموت؟ كيف لله أن يشرب وكيف له أن ينام ويتعب ويبكي!!؟ فتجد أن المسيحي يقوم بإلباسهم النظارة، ليشير لهم إلى الجانب الناسوتي في المسيح، ونقول لهم أن كل هذه الصفات وكل تلك الأسئلة التي سألتها تتعلق بالناسوت، فلما نسيت ان للمسيح ناسوت؟ ولما تنسب هذه الصفات للاهوت متسائلا عنها وتتناسى الناسوت؟ فكل هذه الأسئلة لا يكن لها وجود فقط إن كان صاحبها يوجهها إلى ناسوت المسيح، لأنه من الطبيعي أن الناسوت يأكل ويشرب وينام ويتعب ويحزن ويفرح وينتقل ويصعد إلخ. فتكون الأسئلة قد أُجيب عليها بمجرد أن يكون نظر صاحبها 6/6.
وبالعكس، تجدهم يتناسون الجانب اللاهوتي للمسيح، ثم ينظرون للجانب الناسوتي منه، ويسألونا، كيف لهذا الإنسان الذي يأكل ويشرب وينام….إلخ، أن يكون هو الله؟ فتجد المسيحي -مرة أخرى- يأخذ نفس النظارة ويقوم بوضعها على أعين هؤلاء ليروا أن للمسيح لاهوتًا كاملا كما ان له ناسوتًا، وأن هذا اللاهوت قد شهد له الكتاب المقدس في عديد المرات. وهكذا تنتهي هذه الأسئلة التي لا تخرج إلا ممن لا يعرف أي شيء عن (وليس في) العقيدة المسيحية.
فإجابة هذا السؤال الساذج هو أن الملاك نزل لكي يقوي المسيح الذي له ناسوت، فبحسب الناسوت، كما أن المسيح يتعب وينام ويستريح، فهو أيضًا يضطرب كأي إنسان، فقد شابهنا وماثلنا في كل شيء ما عدا الخطية، فهذا الملاك لم ينزل لكي يقوي اللاهوت، بل الناسوت. وهذه إجابة عامة على كل هذه الأسئلة التي تندرج تحت هذا الخطأ الفاحش من هؤلاء الجهلة.
فالرب يسوع وهو الله، بعدما أخلى نفسه وأخذ صورة العبد (فيلبي 2: 6- 11)، أعطاه الله الآب -حتى وهو متجسدًا- أن يكون أفضل من الملائكة (عبرانيين 1: 3- 11؛ أفسس 1: 21؛)، فالملاك الذي خلقه المسيح خالق كل شيء، عندما نزل لأمه العذراء دعاه بالقدوس.
ثانيًا: كيف يحتاج الناسوت إلى ملاك يقويه وهو (أي الناسوت) متحدًا باللاهوت؟!
هذا السؤال يمكن أن يصاغ بنفس الطريقة التي تكلمنا عنها في النقطة السابقة، فمثلا يمكن ان نجد شخصًا آخرًا يقول: كيف يجوع الناسوت وهو معه اللاهوت الذي يشبع الكون كله بما فيهم البشر والحيوانات والحشرات إلخ؟ وكيف يتعب الناسوت وهو معه اللاهوت القادر أن يريحه؟! وذلك لأن هذا السؤال نابع عن عقل لا يعرف ما يعرفه الطفل المسيحي اليوم في مدارس الآحاد. إن اتحاد اللاهوت بالناسوت لم يغير من صفات اللاهوت كلاهوت، ولم يغير من صفات الناسوت كناسوت طبيعي. فبقيّ اللاهوت لاهوتًا ولم يتحول ولم ينقص باتحاده بالناسوت، وبقيّ الناسوت ناسوتًا ولم تزُل عنه صفاته البشرية الطبيعية مثل الجوع والألم والتعب والنوم إلخ، فاللاهوت لم يمنع عن الناسوت صفاته، كما أن الناسوت لم يمنع عن اللاهوت صفاته ولم يُعطِّلها.
فكان من الأولى على هذا المعترض أن يسأل: كيف يجوع المسيح وهو معه اللاهوت؟ ليضحك عليه بالأكثر المسلم قبل المسيحي. فالقوة عمومًا هي من الله، لا من ملاك أو غيره. والله هو من أرسل هذا الملاك ليقوي المسيح جسديًا.
ثالثًا: هل هذه النصوص أصيلة فعلا؟ وما سبب اختلاف المخطوطات فيها؟
لا أعرف حقيقةً، لماذا يقحم أحمد سبيع نفسه فيما لا يفهم فضلا عن أن يتقن؟! تعرّضَ أحمد سبيع لهذا النص من حيث الأصالة من عدمها، وأنا هنا لن أتعرض لبحث أصالة النص من عدمها لأن سبيع لم يكن احتجاجه بأن النص أصيل أو غير أصيل، وسأعرض رد علمي تحليلي مبسط لهذا النص في المخطوطات والترجمات القديمة، لأنفي زعمه سبيع من أن هذا النص إنمّا حُذف لأجل أنه يشير إلى ضعف المسيح.
الجزء التالي هو جزء متخصص جدًا، وهو غير أساسي في هذا الرد، فمن لا يريد قراءته فلينتقل مباشرة إلى:
إقتباسات الأباء: القديس أثناسيوس الرسولي (تينح 373م)، القديس كيرلس الكبير (تينح 444م)، أكليمنضس الروماني (القرن الثالث)، أمبروسيوس (القرن الرابع)، جيروم (القرن الخامس)، ماركيون (القرن الثاني)
قراءة الإثبات (أي الشواهد النصية التي تذكر النصوص):
المخطوطات: السينائية (القرن الرابع)، المصحح الثاني للسينائية (القرن السابع)، بيزا (القرن الخامس) ، L (القرن الثامن)، Δ* (القرن الرابع)، Ψ (القرن الثامن/ التاسع)، 157 (1125م)، 1006 (القرن السادس)، 1241 (القرن السابع)، 1243 (القرن الحادي عشر)، 1342 (القرن الثالث/الرابع عشر)، X (القرن العاشر)، 892* (القرن التاسع)، f1، 13c (القرن الثامن)،13* (القرن الثالث عشر) (موجودة بعد، متى،26 : 39)، f13 (موجودة بعد، متى،26 : 39))، 205 (القرن الخامس عشر)، 565 (القرن التاسع)، 828 2/1(القرن الثاني عشر)، 1071c (القرن الثاني عشر)، 1424 (القرن التاسع/ العاشر)، 700 (الحادي عشر)، 0171 (300م)، 1292 (القرن الثالث عشر)،1505 (القرن الثاني عشر)، 1646 (1172)، E (القرن الثامن)، F (القرن التاسع)، G (القرن التاسع)، H (القرن التاسع)، K (القرن التاسع)، Q (القرن الخامس)، Θ (القرن التاسع)، Π* (القرن التاسع)، Πc (القرن التاسع)،، Δc ، 0233 (القرن الثامن)، 180 (القرن السابع)، 597 (القرن الثامن)، 1009 (القرن الثامن)، 1010 (القرن السابع)، 1230 (1124م)، 1242 (القرن الثامن)، 1253 (القرن الخامس عشر)، 1344 (القرن السابع)، 1365 (القرن الثاني عشر)، 1546 (1263م)، 2148 (1337م)، 2174 (القرن الرابع عشر)، 892 c (القرن التاسع)، 0171vid (300م)، 1079 (القر التاسع)، 1195 (1123م)، 1216 (القرن الحادي عشر)، قراءات كنسية 184، 211، كل مخطوطات النص البيزنطي، مخطوطات يونانية ولاتينية أخبر عنها القديس جيروم، معظم المخطوطات اليونانية كما أخبر عنها القديس أنسطاسي، العائلة 13 (بعد متى 26 : 39)
الترجمات القديمة: السريانية القديمة ” خابوريوس (165م، نظريًا)، القبطية البُحيرية (بعض مخطوطاتها) (القرن الثالث/الرابع) وفي بعض المخطوطات الأخرى تضعها بين اقواس، الفولجاتا اللاتينية (القرن الرابع)، ita (القرن الرابع)، itaur (القرن السابع)، itb (القرن الخامس)، itc (القرن السابع/الثامن)، itd (القرن الخامس)، ite (القرن الخامس)، itff2 (القرن الخامس)، iti (القرن الخامس)، itl (القرن الثامن)، itq (القرن السادس/السابع)، itr1 (القرن السابع)، syrc (القرن الخامس)، syrp (القرن الخامس)، syrpal (القرن السادس)، syrh (616م)، Diatessaronarm (القرن الثاني)، Diatessarone-arm (373م)، Diatessaroni (القرن الثاني)، Diatessaronn (القرن الثاني)، معظم التراجم القديمة كما اخبر عنها القديس أنسطاسي، الإثيوبية (القرن السادس)، السلافينية (القرن التاسع).
إقتباسات الأباء: رسالة الراعي لهرماس (الأول، الثاني ؟)، عهد ابراهيم[1]، القديس ديديموس الضرير (القرن الرابع)، العلامة أوريجانوس (القرن الثالث)، القديس أُغسطينوس (القرن الخامس)، القديس يوستينوس الشهيد (القرن الثاني)، القديس هيلاري أسقف بواتيه (القرن الرابع)، العلامة هيبوليستوسوفقاً لثيؤدوريت (القرن الخامس) (تنيح 235م )، إيريناؤس (202م)، المهرطق أريوس وفقاً للقديس أبيفانيوس (تنيح 403م) (القرن الرابع)، يوسابيوس القيصري (القرن الرابع)، Canons (القرن الرابع)، Caesarius-Nazianzus (القرن الرابع)، قزمان Cosmas (القرن السادس)، القديس يوحنا ذهبي الفم (القرن الرابع)، القديس أبيفانيوس (القرن الرابع)، Facundus (القرن السادس)، القديس يوحنا الدمشقي (القرن الثامن)، القديس أغريغوريوس النزينزي (القرن الرابع)، Leontius (القرن السادس)، المهرطق نسطور (القرن الخامس)، القديس ديونسيوس (القرن الخامس)، Quodvultdeus (القرن الخامس)، ثيؤدور (القرن الخامس)، ثيؤدوريت (القرن الخامس)، ديونسيوس السكندري (تينح 265م)، القديس أثناثيوس الرسولي (تينح 373م)، القديس إفرام السرياني (تينح 373م)، واباء أخرين.
التعليق على الأدلة النصية:
من جهة الأقدمية، نجد ان الأدلة تؤيد وبقوة جدا ثبوت النص حيث ان الآباء والترجمات القديمة يوجد بها النص كاملاً، ومن جهة التوزيع الجغرافي نجد ان التوزيع الجغرافي للنص أثبت من الصخر فهو موجود في القوائم جميعاً بكل انواع نصوصها، فمثلا نجد ممثل النص السكندري في السينائية ونجد ممثل النص البيزنطي في مخطوطاته، وفي النص القيصري نجد الممثل في المخطوطة 700 وفي العلامة أوريجانوس وفي النص الغربي نجد المخطوطة البيزية والمخطوطة رقم 0171
فالنص جغرافيا ثابت تماماً، وجدير بالذكر أيضاً، ان معظم (إن لم يكن كل) الآباء الذين يستشهد بهم العلماء كشهادة للحذف، إنما كان استشهادهم هذا نتيجة عدم تفسير الأب الكنسي لهذه النصوص، فيعتبرون ان عدم تفسير الأب لهما شهادة لصالح الحذف وهذا غير منطقي إن تأملنا فيه فليس من الشرط ان يعلق الأب على كل شيء بل من المعقول جدا ان يعلق على ما يريد ويترك ما لا يريد التعليق عليه، فالفرضية هذه قائمة على ان الأب يعلق على نسبة 100 % من النصوص المقدسة التي امامه بالإجبار والحتمية !، وهذا غير صحيح عقلاً! [2]، وأيضاً البردية 69 لا يمكن الجزم بأن النص غائب منها لسبب أصولي أي انه ليس أصلي ولذلك هو محذوف منها، هذا لا يمكن الجزم به حيث ان النصوص من 42 الى 45 محذوفة شبة تماماً وبالتالي لا يمكن الجزم بأن النصوص محل البحث (43، 44) محذوفة لأنها غير اصيلة بسبب ان النصوص الاخرى المفقودة فيها هي أصيلة بنسبة 100 % وخلا خلاف عليها مطلقاً وها هي صورة البردية 69 ولكنها بجودة قليلة.
هذا كله للتعليق على الجانب النصي، وهذا ما لا يهمنا كثيرا في هذا البحث، واما الآن فسندخل في الجزء الثاني من البحث وهو الخاص بالرد على بعض اقوال العلماء بشأن سببية إضافة او حذف بعض المخطوطات لهذا النص، واستثمارا للوقت لن اضع اقوال العلماء بل سأضع تلخيص لها شامل ونرد عليه فيما بعد..
تفسير الحذف والإضافة في المخطوطات من وجهة نظر العلماء!
الغالبية العظمى من العلماء رشحوا سببين، واحداً للحذف، والآخر للإضافة، وأما عن الحذف، أي انهم افترضوا ان النصوص أصلية ولكن تم حذفها من بعض المخطوطات، فاقترحوا أن ناسخاً ما رأى ان هذه النصوص تُنـزِل من قيمة المسيح لاهوتياً حيث انها تظهره في مظهر الضعف التام، فقام هذا الناسخ بحذفها لأنها وفقا له (بحسب وجهة نظر العلماء) تسبب صعوبة في فهم ان المسيح ليس مساوي للآب في القوة وانه احتاج لدعم من الملاك! أو كي لا يستخدمها أعداء الإيمان والهراطقة كدليل يؤيد نظرتهم للمسيح انه ليس مساوي للآب، واما عن الإضافة، أي أنهم افترضوا أن النصوص غير أصلية ولكنها تم إضافتها فيما بعد، ويقولون عن هذه الإضافة أنها حدثت من تقليد قانوني، سواء كان شفهياً او مكتوباً، أي تقليد رسولي في الكنيسة الأولى، وأول من نادى بهذه النظرية كان الدكتور هورت. والقائلون بهذه الإضافة يقولون إنه تم إضافة هذه النصوص لمواجهة الهرطقات التي كانت تقول إن جيد المسيح ليس جسد حقيقي ذا لحم ودم حقيقيان وانه مجرد ظهور شكلي للمسيح وليس تجسد كامل كما نحن لنا اجساد، فيقولون إنه تم إضافة هذه الآيات لمواجهة هذا الفكر وليثبتوا ان المسيح له جسد حقيقي ودم حقيقي او أنه إنسان حقيقي كامل بشكل عام!
وسوف نوضح كل هذه الآراء والنظريات، ونبدأ بالبردية 69، هذه البردية كما قلنا محذوف منها الآيات من 42 – 45، ويرجع العلماء هذا الحذف لسبب من إثنين، الأول هو أن الناسخ أراد أن يحذف هذه الآيات لأنها تسبب صعوبة تفسيرية في أن المسيح كان ضعيفاً جسدياً لهذه الدرجة التي يحتاج فيها ملاك ليقويه وبالتالي لم يكتفِ فقط بحذف الآيات 43 و44 والتي تقول ” وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ.44 وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ ” بل حذف أيضاً الآية 45 والتي تقول ” ثُمَّ قَامَ مِنَ الصَّلاَةِ وَجَاءَ إِلَى تَلاَمِيذِهِ، فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا مِنَ الْحُزْنِ “، لأن الآية 45 تتكلم عن فعل حدث أساساً في الآية 44، فلن يكون هناك معنى لو انه قال ان المسيح قام من الصلاة وهو لم يقل أن المسيح قد صلى!، وبالتالي لأنه يريد ان يحذف الآيات التي تسبب له مشكلة (بحسب رأي العلماء) فحذف الآيات من 42 إلى 45 لكي يكون هناك معنى لحذفه، وأما عن السبب الثاني المقترح لحذف، فهو ما يعرف بأخطاء النقل البصري parablepsis حيث قام الناسخ بنسخ الآية 41 إلى ان وصل إلى كلمة προσηύχετο ثم حدث خطأ بصري معه فانتقل مباشرة الى προσευχῆς والتي هي في الآية 45 وبدأ من بعدها استكمال النسخ وأهمل ما في الوسط، ولتوضيح ما أقول:
ولهذا السبب أسقط العلماء شهادة البردية 69 هنا كشهادة لحذف الآيات، أي أنهم أسقطوا شهادتها بأنها تقول ان الآيات ليست أصلية لأنها لم تكتف فقط بحذف الآيات 43 و44 بل من 42 إلى 45 وعليه فلا يمكن التعويل عليها لإثبات أن النصوص محل البحث أصلية أم غير أصلية، بالإضافة الى عامل هام آخر وهو البردية 75 حيث ان هذه البردية مقاربة جدا لنفس زمن البردية 69، وقد قامت بحذف الآيات 43 و44 فقط ولم تحذف الآيات من 42 الى 45 كاملة، لذا فهي لها سلطة أعلى حتى على البردية 69 وأبطلت شهادتها تماماً، ونبدأ الآن في مناقشة أراء العلماء بشأن الحذف أو الإضافة بشكل عام للآيات.
كما قلنا سابقاً أن العامل الأول الذي يعزوا إليه العلماء الحذف (أي أن النصوص أصيلة) هو صعوبة تقبّل الناسخ لهذه الآيات فقام بحذفها، وهذا سبب ضعيف، حيث أن الناسخ الذي سيفكر بهذه الطريقة سيجد قبل هذه الآيات ” 41 وَانْفَصَلَ عَنْهُمْ نَحْوَ رَمْيَةِ حَجَرٍ وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَلَّى 42 قَائِلاً: «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ». ” فهذا الكلمات أقوى بكثير من الآيات التالية لها حيث أنها بها ” جثا على ركبتيه ” و” إن شئت ” و” لا إرادتي ” فلو كان الناسخ بهذه العقلية لكان حذف هذه النصوص جميعها بالإضافة الى انه لو أراد فقط أن يحذف الآيات التالية لها لكان حذف فقط الآية 43 حيث ان هي التي بها كل المشكلة الفكرية لديه حيث انها فيها تقوية الملاك ليسوع المسيح ” وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ ” لأن الآية 44 بها نفس الفعل الذي قام به في الآيات 41 و42 حيث انها تقول ” وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ” فهو نفس الفعل الذي فعله بينه وبين الآب.
ولهذا لو كانت هذه النظرة صحيحة لسبب الحذف لكان حذف كل هذه النصوص وليس فقط النصوص 43 و44، هذا بالإضافة إلى أن هناك شهادات كثيرة قبل هذا الزمن تشهد لأصالة النص تماماً لذا فيجب مراعاة الترتيب في الأدلة من حيث متى الحذف ومتى الإضافة، ولو أكمل هذا الناسخ النسخ سيجد قصة الصلب كاملة بكل ما فيها من ضعف ظاهري، فهل حذفها أيضاً؟!
وأما عن السبب المتعلق بالإضافة، فكما قلنا أن من يقولون به يقولون ان النصوص ليست أصلية وتم إضافتها من مصدر تقليد قانوني الى بشارة القديس مرقس، ومع أن معتنقي هذه الفكرة لم يقدموا عليها دليلاً واحداً أو لم يخبرونا ما هو هذا المصدر القانوني سواء كان شفهي او مكتوب ولم يخبرونا كيف دخلت في كل هذه المخطوطات عبر كل الأزمنة وعبر كل هذا التوزيع الجغرافي وعبر الأقدمية للشهادات الآبائية، إلا أن السبب الذي يقدمونه للاستدلال بهذا القول هو أن كانت هناك بدع وهرطقات قديمة تجعل من المسيح إلها فقط أو انه الله ولكنه لم يتخذ جسداً حقيقياً، ذا لحم ودم تماماً مثلنا، ولان الكنيسة المستقيمة حاربت البدع التي تقلل من ناسوتية المسيح كما حاربت البدع التي تقلل من لاهوتية المسيح (وهذا صحيح) فيقول هؤلاء العلماء ان النُساخ او غيرهم اضطروا إلى إضافة هذه النصوص لصد هذه البدع وإيقافها والرد عليها!، بسبب وجود كلمات مثل ” يُقَوِّيهِ ” و” جِهَادٍ ” و” عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ “، وصراحة هذا كلام ساذج إلى أبعد الحدود، لماذا؟،
ببساطة، لأن الأصحاحات التالية لهذا الأصحاح بل الآيات تبين بشكل صريح أن يسوع المسيح له جسد حقيقي تماماً مثلنا، والأصحاحات التالية له تحكي بدقة ان المسيح قد صُلب، فهل الذي يصلب بالمسامير والذي قبلها جُلد لا ينزل منه دم؟!!، عجبي! هذا إن تكلمنا عن الأصحاحات التالية لهاذا الأصحاح في إنجيل لوقا فقط!!، ودعونا نأخذ جولة سريعة في الآيات التالية لهذه الآية للتأكيد أن للمسيح جسد حقيقي تماماً مثلنا:
هذا فقط في الأصحاح 23 و24! فكم وكم لو أحصيت ما في هذه البشارة فقط؟ وكم وكم لو احصيت ما في العهد الجديد؟، هل عرفتم لماذا قلت انه سبب ساذج؟! ببساطة لأن النصوص الموجودة فعلاً تعلن هذا المعنى بوضوح أكبر من النصوص التي يقولون عليها إنها تم إضافتها لصد الهرطقة!، فلماذا لم يستخدموا هذه؟ وما هو الشيء الموجود في هذه الآيات والذي لا يوجد له أثر في الأناجيل مثلاً!؟ هذا من جهة وأما من جهة اخرى يقول العلماء أن هذه النصوص تم استخدامها من قِبَل الهراطقة لإظهار أن المسيح ضعيف لدرجة أنه احتاج تقوية من الملاك، وتم استخدامها أيضاً (ويا للعجب) من قِبَل الآباء للرد على المبتدعين الذي كانوا يقولون بأن المسيح له جسد خيالي وليس حقيقي واستخدمها الآباء للرد عليهم في أن المسيح له جسد ودم حقيقي وهنا يجب ان نقف وقفة بسيطة ونسأل، بخصوص الفريق الأول من المبتدعين الذين يقولون ان المسيح ضعيف هنا، كيف يقبل الآباء ان يحاجوهم بما هو ليس من الكتاب المقدس؟! وكيف يحاج هؤلاء الهراطقة أصلا بنص ليس من الكتاب المقدس أصلاً ضد الآباء الذين معهم النص؟!!
فلو كان النص غير موجود مع الآباء وجاء له أحد الهراطقة واستشهد به ما كان لكلامه قيمة لأنه لا يستند لدليل كتابي هنا، واما بالنسبة للفريق الثاني من المبتدعين الذين يقولوا ان المسيح له جسد خيالي، فنوجه نفس السؤال، كيف يستشهد الهراطقة بهذا النص ويحاجون به إن لم يكن من الكتاب المقدس؟ وكيف يقبل الآباء احتجاجهم به وهو ليس من الكتاب المقدس؟!، جدير بالذكر هنا إني قرأت في أحد التعليقات أن عالم قال بأن بعض الآباء عندما استهدوا بالنص استشهدوا به مباشرة دون أن يقول أن هذا النص من الكتاب المقدس!، وصراحة هذه تعليق غريب مثير للضحك والشفقة!، فأولاً، ما الداعي لكي كُلما يقتبس اب نص من الكتاب المقدس ان يقول ” هذا النص من الكتاب المقدس “؟، أو ” هذا النص من انجيل كذا “!؟، وثانياً: ألا يعلم هذا العالم أن هناك أنواع عديدة من الاقتباسات؟ فمثلا يوجد اقتباس ضمني واقتباس حرفي واقتباس من الذاكرة وخصوصاً كلما اقتربنا من القرون الأولى!
بعد هذا بالطبع سيكون السؤال الدائر في الأذهان هو ” إذن، كيف دخلت هذه القراءة (قراءة الحذف) إلى المخطوطات؟ ” وهذا السؤال هو ما جعل أغلب العلماء يعتقدون بان هذه المشكلة النصية من أصعب المشاكل النصية في العهد الجديد التي لا يقدرون على حسمها بشكل تام، الحل يبدأ في الظهور انطلاقا من العائلة 13 للمخطوطات، حيث تم ترحيل النصوص من إنجيل لوقا إلى انجيل متى بعد الآية (متى 26: 39)، وقد لا يلتفت البعض لهذا النقل، ولا يعيروه اهتماما ولكنه منه يبدأ الحل، فنجد الدكتور براون ريموند يقول:
Luke 22:43–45a was read on Holy Thursday (between Matt 26:21–39 and Matt 26:40–27:2); when it became customary to read 22:39–23:1 as a pericope on Tuesday of the last week before Lent, 22:43–44 was omitted from it to avoid duplication. The placing of Luke 22:43–44 after Matt 26:39 in family 13 of the minuscules (most of which are lectionaries) reflects the Holy Thursday arrangement and is not real evidence of the “floating” character of the Lucan passage.[3]
أي أن النصوص (لوقا 22:43،44) كان يتم قراءتها في يوم الخميس المقدس (خميس العهد) بين (متى 26: 21 – 39) و(متى 26: 40 – 27: 2) وعندما أصبح من المعتاد قراءة (لوقا 22: 39 – 23: 1) كجزء من يوم الثلاثاء في الأسبوع الأخير قبل الصوم الكبير، فتم حذف الآيات 43 و44 من هذه القراءات لتفادي تكرار قراءتها مرتين، وتبدأ الصورة في الوضوح عندما نعلم أن في باكر العصور المسيحية كانت الكتب المقدسة (الأسفار) يتم استخدامها داخل الكنيسة للقراءة منها مباشرة أي للعبادات داخل الكنيسة نظراً لضخامة ثمن شراء معدات الكتابة والبردي، فكان يتم قراءة هذه الأجزاء مباشرة من الكتب الأصلية أو بالأحرى النُسخ عنها[4].
وعبر هذا الاستعمال الليتورجي يمكن ان يحدث هذا الحذف بلا سبب لاهوتي بغرض عدم التكرار في النسخ[5]ويوضح لنا فيلاند فيلكر نقلا عن هوسيكر أن هذه الآيات تم تمييزها عن طريق وضع علامات معينة إما بهدف الإشارة إلى أن هذه الآيات في متى منقولة عن لوقا في الأصل أي أن هذا ليس مكانها الأصلي أو بهدف الإشارة الى هذه الآيات وتحديدها لاستخدامها في القراءات الكنسية، وهذه العلامات قد ضللت بعض النساخ فلم يفهموا معناها ولم يفهموا ما سبب وجودها فاعتقدوا أن الناسخ السابق يريد ان يخبرهم أن هذه الآيات ليست أصلية فقاموا هم بحذفها وبالتالي تم نسخ البشارة وانتشرت في النسخ التي لا يوجد فيها هذه الآيات بدون هذه الآيات وهذا حدث في المصحح الأول للسينائية حيث قام هذه المصحح بوضع نقاط على هذه الآيات ظناً منه أنها غير أصيلة وهى تشير إلى معرفة الناسخ بأن هناك مخطوطات لا تحتوي على هذه الآيات، ومن هنا نعرف كيف تم حذف هذه الآيات من البشارة في بعض المخطوطات.[6]
التحليل الداخلي:
بعدما تكلمنا في الشق النصي الخاص بالأدلة الخارجية وتحليلها ووصلنا معاً لحل لتلك المشكلة المزعومة نأتي الآن إلى التحليل الداخلي وفيه يكون اهتمامنا على الخواص او السمات المميزة لكتابات القديس لوقا (البشارة وسفر الاعمال) وتحليل النص محل البحث لغوياً لنرى هل يتفق هذا الأسلوب مع اسلوب القديس لوقا في الكتابة ومع ما نعرفه عنه أنه كان طبيباً أم لا، فهذا التحليل يتبعه العلماء ليوضح لهم هل هذه النصوص لها علاقة بالشخصية التي نعرفها عن الكاتب أم لا، ونبدأ أولاً في استعراض الألفاظ التي استخدمها القديس مار لوقا الإنجيلي البشير وهل هي موجودة في بشارته وفي سفر أعمال الرسل (حيث انه هو الكاتب له) أم لا، وللتسهيل سوف أوضح التحليل في نقاط محددة لكي يسهل على الكل فهم هذا التحليل ببساطة:
جملة ” ὤφθη δὲ αὐτῷ ἄγγελος ” أي ” ظهر له ملاك ” جاء في لوقا 22: 43 ولوقا 1:11، وفي سفر اعمال الرسل 7:30.
كلمة ” ὤφθη ” أي ” ظهر ” تكررت في كتابات القديس لوقا عشر مرات بينما ظهرت في بشارة القديس متى مرة وحيدة هى الموازية لهذا النص في لوقا وظهرت في بشارة القديس مرقس مرة واحدة.
كلمة ” ἐνισχύων ” أي ” قوّاه ” لم تأتِ في كل العهد الجديد سوى مرة واحدة أخرى وهى في سفر أعمال الرسل 9: 19 حيث جاءت ” ἐνίσχυσεν “، ليس هذا فقط بل أن هذا المصطلح هو مصطلح طبي إستخدمه هيبوقراط Hippocrates، المعروف بأبو الطب! وهذا ما يؤكد ان النص أصيل تماماً بسبب ان القديس مار لوقا البشير هو طبيب.
الكلمة ” γενόμενος ” جاءت في لوقا 22: 43 وجاءت في سفر أعمال الرسل 10: 4، 12: 11، 16: 27، 16: 29، 15: 25، 28: 8، بالإضافة الى القراءة المستلمة في إنجيل لوقا 10: 32.
كلمة “ἀγωνίᾳ ” هذه الكلمة قد استخدمها الطبيب الإغريقي أريتايوس Aretaeus، في وصف الصراع.
كلمة “ἱδρὼς ” أي ” عرقه ” تم إستخدامها كثيرا في اللغة الطبية وقد ذكرها الطبيب هيبوقراط كثيراً جداً وأريتايوس.
كلمة “θρόμβοι αἵματος ” ذكرها أيضاً هيبوقراط وأريتايوس[7].
القديس لوقا هو أكثر بشير ذكر أن المسيح كان يصلي، حيث جاء هذا في 3: 21، 5: 16، 6: 12، 9: 18، 9: 28 – 29، 11: 1، 22: 32.
من هنا نتأكد ان هذه الكلمات تخص القديس لوقا، حيث انها من الكلمات المعروفة في مفرداته أو من الكلمات المعروفة عن شخصيته ومعرفته العلمية الطبيّة، وعليه فوفقاً للتحليل الداخلي لكلمات هذه النصوص نتأكد أكثر وأكثر من انها من يد القديس لوقا البشير، كما أثبتنا صحتها من التحليل الخارجي أيضاً.
في النهاية، نمتنى أن يستجمع أحمد سبيع مقدارًا من القدرة والشجاعة ليتمكن من محاولة الرد علينا ولو لمرة واحدة بدلا من إصدار الفيديوهات المضحكة وعند دحضها والرد عليه، يتهرب من الرد علينا..
[2]Brown, R. E. (1994). The death of the Messiah, Volume 1 and 2: From Gethsemane to the grave, a commentary on the Passion narratives in the four Gospels (180). New York; London: Yale University Press.
[3]Brown, R. E. (1994). The death of the Messiah, Volume 1 and 2: From Gethsemane to the grave, a commentary on the Passion narratives in the four Gospels. New York; London: Yale University Press.
[4]Freedman, D. N. (1996, c1992). The Anchor Yale Bible Dictionary (6:415). New York: Doubleday.
[5]Wegner, P. D. (2006). A student’s guide to textual criticism of the Bible: Its history, methods & results (41,206). Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press.
Comfort, P. (2005). Encountering the manuscripts: An introduction to New Testament paleography & textual criticism (51,259). Nashville, TN: Broadman & Holman.
[6] راجع التعليق النصي لفيلاند فيلكر قبل تعليقه على البردية 69 مباشرة.
[7] تجدون تحليل مُفضل عن استخدام القديس لوقا للُغة طبية في حديثه في بشارته باللغة اليونانية في كتاب “The medical language of St. Luke by ” لويليام هوبرت، من الصفحة 80، حيث يقوم المؤلف باقتباس كلمات القديس لوقا ومطابقتها مع الوسط الطبي المحيط به في هذا الزمن، ويرجى قراءة تعليق فيلاند فيلكر أيضاً.
جان دانييلو Jean Danielou 1905-1974 المحرر الرئيسي لموسوعة Sources Chretiennes بالفرنسية – إعداد/ ماجد كامل
جان دانييلو Jean Danielou 1905-1974 المحرر الرئيسي لموسوعة Sources Chretiennes بالفرنسية – إعداد/ ماجد كامل
جان دانييلو Jean Danielou 1905-1974 المحرر الرئيسي لموسوعة Sources Chretiennes بالفرنسية – إعداد/ ماجد كامل
يعتبر العالم الفرنسي جان دانييلو Jean Danielou 1905-1974 واحدا من أهم العلماء الذين كان لهم دور كبير وواضح في دراسة تاريخ علم الباترولوجي؛ فهو العالم الذي كان مشرفا ومحررا على موسوعة الينابيع المسيحية Sources Chretiennes كما سوف نري في ذلك المقال. أما عن جان دانييلو نفسه؛ فلقد ولد في 14 مايو 1905 في أحدي المدن الفرنسية؛ من عائلة مهتمة بالتعليم والثقافة.
ولقد تدرج في مراحل التعليم المختلفة؛ حيث درس في السوربون؛ وتخصص في علوم اللاهوت حتى تخرج عام 1927. ثم ألتحق بالرهبنة اليسوعية عام 1929. ثم تعمق أكثر في دراسة اللاهوت؛ فألتحق بجامعة ليون وتتلمذ على يد الأب هنري دي لوباك (1896- 1991) أحد أشهر علماء الكنيسة الكاثولوكية في ذلك الوقت. حيث نصحه في التعمق في دراسة علوم الآباء Patristics؛ ثم رسم قسيسا في 20 أغسطس 1938.
وخدم في القوات الجوية أثناء الحرب العالمية الثانية لمدة عام؛ ثم عاد إلى خدمته الدينية؛ وحصل على درجة الدكتوراة؛ وكانت حول القديس غريغوريوس أسقف نيصص Gregory of Nyssa. ثم عمل بالتدريس في إحدى المعاهد الفرنسية؛ وكان يقضي معظم وقته في دراسة وتدريس علوم الآباء. حتى أصبح واحدا من أهم المحررين لموسوعة Sources Chretiennes.
وفي عام1944 أصبح أستاذا لعلوم لتاريخ المسيحية المبكر Early Christian History في أحدي المعاهد الكاثولوكية؛ وتدرج في المناصب حتى أصبح عميدا للمعهد. وبعدها بدأ في تقديم مجموعة محاضرات حول الكتاب المقدس والليتورجيا. وعند انعقاد جلسات مجمع الفاتيكان الثاني؛ قام البابا يوحنا الثالث والعشرين (1985- 1963) بابا الكنيسة الكاثولوكية رقم (260) بدعوته ليكون مقرر جلسات المجمع.
وفي عام 1969؛ قام البابا بولس السادس (1897- 1978) برسامته كاردينالا على الكنيسة الكاثولوكية. ولقد أنتخب عضوا في الأكاديمية الفرنسية Academie Francaise في 9 نوفمبر 1972؛ خلفا للكاردينال يوجين تيسرانت (1884- 1972). ولقد توفي فجأة في يوم 20 مايو 1974 عن عمر يناهز 69 عاما تقريبا.
ولقد أثرى المكتبة التاريخية والأبائية بالعديد والعديد من الكتب والمراجع القيمة نذكر منها في حدود ما تمكنت من التوصل إليه وترجمته في اللغة الانجليزية:
1- الملائكة ورسالتهم طبقا لتعاليم آباء الكنيسة The Angeles and Their Missions: According to the Fathers of the Church: Originally published 1952
2- الكتاب المقدس والليتورجيا: The Bible and Liturgy: Originally published 1956
3- فيلو السكندري: Philo of Alexandria: Originally published 1958
4- من الظل إلى الحقيقة دراسة في الرموز الكتابية عند الآباء: From Shadows to Reality Studies in the Biblical Typology of the Fathers: Originally published 1960
5- أصل المسيحية اللاتينية: The Origins of Latin Christianity: Originally published 1964
6- رب التاريخ: انعكاسات تاريخية للمعني الباطني للتاريخ: The Lord of History Reflection on the Inner Meaning of History 1958
7- الصلاة: رسالة الكنيسة Prayer: The Mission of the Church
8- السيد المسيح ونحن Christ and Us 1961
9- خلاص الأمم The Salvation of the Nation’s 1962
10- رسالة الانجيل والثقافة الهلينية Gospel Message and Hellenistic Culture 1973
وتبقى لنا وقفة بشيء من التفصيل مع موسوعة المصادر المسيحية Sources Christiiennes
حيث تقول عنها موسوعة الويكبيديا أنها مجموعة من نصوص كتابات الآباء تقع في نهرين؛ النهر الأول هو اللغة الأولي للنص؛ أما النهر الثاني فهو الترجمة الفرنسية له. ولقد بدأ العمل بها لأول مرة في مدينة ليون بفرنسا على يد ثلاثة من العلماء الفرنسيين هم:
1- جان دانيليوJean Danielou (صاحب السيرة).
2- كلود مونديسرت Claude Mondesert (1906- 1990).
3- هنري دي لوباك Henri Lubac (1898- 1991).
ولقد صدرت الطبعة الأولي لها عام 1942؛ ونشرت في باريس بواسطة أحدي دور النشر المتخصصة في نشر تراث الآباء. ولقد جمع فريق العمل ما يقرب من 600 نص باللغات (اليونانية – اللاتينية – الأرمنية – السريانية – القبطية – العربية – الجورجية – الأثيوبية…. الخ). ولقد سبق كل نص مقدمة تاريخية توضح أهم محتويات النص؛ والظروف التاريخية. وفي نهاية كل نص وضعت قائمة لبعض المراجع المختارة؛ وفهرس للكلمات والمصطلحات الصعبة. (لمزيد من التفصيل راجع: Sources Chretiennes – Wikpedia)
ولقد كتب عنها الدكتور نصحي عبد الشهيد في كتابه البالغ الأهمية عن ” الآباء – مدخل إلى علم باترولوجيا PATROLOGIA ” فقال ” أهم سلسلة لنصوص الآباء بالفرنسية هي مجموعة المصادر المسيحية (Sources Chretiennes) التي بدأ بنشرها J. Danieeliou بباريس عام 1941 ولا تزال تصدر حتى الآن وتشمل النصوص الآبائية باليونانية أو اللاتينية مع ترجمة فرنسية في الصفحة المقابلة مع مقدمة وافية عن أصل كل نص ودراسة عنه. وصل عدد الكتب التي صدرت من هذه المجموعة إلى أكثر من 840 مجلد). (المرجع السابق ذكره).
كما كتب عنها الدكتور سعيد حكيم في كتابه ” مدخل إلى فكر آباء الكنيسة ” فقال ” وهي مجموعة المصادر المسيحية (Sources Chertinnes) والتي بدأ بإصدارها (J. Danelou) بباريس عام 1941؛ وتشمل النصوص الآبائية المكتوبة باليونانية أو اللاتينية؛ مع ترجمة فرنسية أمامها؛ ومقدمة لكل نص؛ وتعليقات على هذه النصوص “. (المرجع السابق ذكره؛ صفحة 82).
كما أشار إليها الراهب سارافيم البراموسي في كتابه “من هم آباء الكنيسة” صفحة 95.
ومن بين آباء الكنيسة العظام الذين عثرنا على نصوص لهم في الطبعات الموجودة On Line نذكر (كتاب الراعي لهرماس – القديس أغناطيوس أسقف أنطاكية – كليمندس السكندري – العلامة أثيناغوراس – العلامة أوريجينوس – القديس غريغوريوس أسقف نيصص – القديس غريغوريوس النزينزي – القديس يوحنا ذهبي الفم – القديس أثناسيوس الرسولي – القديس كيرلس الكبير – نذكر القديس هيلاري أسقف بواتييه – القديس أمبروسيوس أسقف ميلانو – يوسابيوس القيصري – القديس إيريناؤس أسقف ليون – العلامة ترتليان – القديس جيروم – يوحنا كاسيان – القديس أغسطينوس -…… الخ. ومن بين فلاسفة اليهود الذين توجد ترجمة لكتاباته هو الفيلسوف اليهود نذكر فيلون السكندري PHILLON D ALEXANDRIE.
ملحوظة هامة:
حاولت في ذكر أسماء الآباء الذين اشتملت عليهم هذه الموسوعة التركيز على الآباء الذين يوجد إجماع على كتاباتهم من جميع كنائس العالم شرقا وغربا؛ لكن طبعا الموسوعة تحتوي على أسماء أخري ربما لا تحظي بالإجماع العام.
ومن بين الكتب التي تمت ترجمتها إلى اللغة العربية للعالم الكبير؛ أذكر كتاب بعنوان ” الإنجيل والليتورجيا؛ الكتاب الاول – المعمودية ” وقام بترجمته المتنيح القمص ميخائيل ميخائيل مليكة كاهن كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل بطوسون. وربما توجد ترجمات أخري له لم أتمكن من التوصل إليها.
وفي النهاية يبقي لي حلمان ورجاءان: الحلم والرجاء الأول هو تبني بعض معاهدنا اللاهوتية ومراكز دراسات الآباء ترجمة بعض أجزاء هذه الموسوعة للغة العربية في لغة سهلة وبسيطة. أما الحلم والرجاء الثاني فهو الاستمرار في تعريف الشباب القبطي بجهود مثل هؤلاء العلماء الكبار الذين أفنوا عمرهم في دراسة وترجمة ونشر كتب الآباء.
بعض مراجع ومصادر المقالة:
1- نصحي عبد الشهيد: مدخل إلى علم الآباء {PATROLOGIA} – طبعة PDF.
2- سعيد حكيم: مدخل إلى فكر آباء الكنيسة؛ الناشر المؤلف؛ الطبعة الأولي 2013؛ صفحة 82.
3- الراهب سارفيم البراموسي: من هم آباء الكنيسة؛ دير السيدة العذراء البراموس ببرية شيهيت؛ الطبعة الأولي نوفمبر 2010.
4- جان دانييلو: الإنجيل والليتورجيا؛ الكتاب الأول – المعمودية؛ ترجمة القمص ميخائيل ميخائيل مليكة.
5- Sources Chretiennes – Wikpedia
6- Source Chretiennes Online (SCO) / About Brepolis
7- Collection Sources chretiennes – Les Editions du cerf
8- L Institut des Sources Chretiennes / Jesuites
9- Collection – La Collection des “Sources Chretiennes” / Sources Chretiennes
لتكن لا إرادتي بل ارادتك : هل يعني هذا أن إرادة المسيح مخالفة لإرادة الآب؟
لتكن لا إرادتي بل ارادتك : هل يعني هذا أن إرادة المسيح مخالفة لإرادة الآب؟
لتكن لا إرادتي بل ارادتك : هل يعني هذا أن إرادة المسيح مخالفة لإرادة الآب؟
في الوقت الذي سبق تسليم يهوذا الخائن للمسيح له المجد، حيث كان المسيح يصلي في بستان جثسيماني إلى أن كان عرقه يتصبب كقطرات دم، صلى المسيح إلى الله الآب حيث يخبرنا القديس متى (26: 39):
39 ثم تقدم قليلا وخرّ على وجهه وكان يُصلّي قائلًا: يا أبتاه إن امكن فلتعبر عني هذه الكأس. ولكن ليس كما أُريد أنا بل كما تُريد أنتَ.
ومن هذا النص، ظهر فكر ينادي بأن للآب مشيئة، وللإبن أخرى، وكلتاهما تعارض الأخرى، لأن المسيح له المجد يقول “مشيئتي” و”مشيئتك”، أو بتعبيرات القديس متى “أريد أنا” و “تريد أنت”، فيقول البعض: ها لدينا إرادتين، إرادة الآب وإرادة الإبن.
وقد أثير هذا الفكر منذ قرون وردَّ عليه الآباء بتفصيل، ونذكر من ردودهم الآتي[1]:
يقول العلاّمة أوريجينوس:
من المستحيل أن ابن الإنسان كان يقول: يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنِّي هذه الكأس، تحت إحساس بالخوف!… فالرب يسوع لا يستعفي من ذبيحة الموت حتى تصل نعمة الخلاص للجنس البشري كله[2].
يقول القدّيس جيروم:
“نفسي حزينة جدًا حتى الموت”. لنقدّم الشكر أن ليسوع جسد حقيقي ونفس حقيقيّة، فلو أن الرب لم يأخذ الطبيعة الإنسانيّة بكاملها لما خلّص البشريّة. لو أنه أخذ جسدًا فقط بلا نفس لخلص الجسد دون النفس مع أننا نحتاج إلى خلاص النفس أكثر من خلاص الجسد. لقد أخذ الجسد والنفس معًا ليخلّصهما، يخلّص الإنسان بكامله كما خلقه[3].
يقول القدّيس أمبروسيوس:
بكونه الله الذي لبس جسدًا قام بدور الضعف الجسدي حتى لا يوجد عذر لدى الأشرار مُنكري التجسّد. فمع قوله هذا إذا بأتباع ماني لا يصدّقون، وفالنتيوس ينكر التجسّد، ومرقيون يَدَّعي أنه كان خيالاً… لقد أظهر نفسه أنه يحمل جسدًا حقيقيًا[4].
ويرى القديسأمبروسيوس أن ما حدث يؤكد أن السيد المسيح حمل جسدًا حقيقيًا، وأنه جاء نيابة عن البشرية يحقق إرادة الآب[5].
ويقول أيضًا: لا توجد إرادة للآب تختلف عن إرادة الابن، بل لهما مشيئة واحدة، لاهوت واحد، ومع ذلك تعلم الخضوع لله[6].
يقول القديس كيرلس الكبير:
كما بكى على لعازر في ترفُّق بالجنس البشري كلّه بكونه صار فريسة للفساد والموت، هكذا نقول أنه حزن هنا إذ رأى أورشليم، وقد أحاطت بها المآسي الكبرى، ولم يعد لمصائبها علاج[7]. لم تكن آلامه عملاً تحقّق بغير إرادته، لكن من جانب آخر كانت خطيرة، إذ تؤدي إلى رفض مجمع اليهود وخرابه. لم تكن إرادته أن يكون إسرائيل قاتلاً لربِّه، معرِّضًا نفسه للدينونة واللوم والحرمان من عطايا الله… بينما كانوا قبلاً شعبه، وحدهم كانوا شعبه ومختاريه وورثة![8]
ويقول القديس أغسطينوس:
أنه قادر أن يحضر جيوش من الملائكة ليهلك أعداءه، لكنه كان يجب أن يشرب الكأس التي يريد الآب أن يقدمها له. بهذا يقدم نفسه مثالاً لشرب هذه الكأس، مسلمًا إياها لتابعيه معلنًا نعمة الصبر بالكلمات كما بالعمل[9].
أولاً: لا يمكن القول بأن السيد المسيح كان يجهل إن كان ممكنًا أن تعبر عنه الكأس أم لا، بقوله “إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس”. [المعرفة الخاصة بآلامه ليست أعظم من المعرفة الخاصة بجوهر طبيعته، الأمر الذي هو وحده يعرفه تمام المعرفة وبدقة، إذ يقول “كما أن الآب يعرفني وأنا أعرف الآب“ (يو 10: 15). ولماذا أتكلم عن ابن الله الوحيد، فإنه حتى الأنبياء يبدو أنهم لم يجهلوا هذه الحقيقة (أي آلام المسيح وصلبه) بل عرفوها بوضوح، وقد سبق أن أعلنوا عنها قبلاً مؤكدين حدوثها تأكيدًا قاطعًا.]
ثانيًا: لا يمكن فهم هذا القول: “إن أمكن أن تعبر عني هذه الكأس” بمعنى الرغبة في الهروب من الصليب. [لقد دعا (بطرس) ذاك الذي وُهب إعلانًا من الآب وقد طوّبه ووهبه مفاتيح ملكوت السماوات، دعاه “شيطانًا”، ودعاه “معثرة”، واتهمه أنه لا يهتم بما لله… هذا كله لأنه قال له: “حاشاك يا رب لا يكون هذا لك” أي لا يكون لك أن تصلب. فكيف إذن لا يرغب في الصليب، هذا الذي وبخ التلميذ وصبّ عليه هذا القدح إذ دعاه شيطانًا بعدما كان قد مدحه، وذلك لأنه طلب منه أن يتجنب الصليب؟
كيف لا يرغب في الصليب ذاك الذي رسم صورة للراعي الصالح معلنًا إياها كبرهان خاص بصلاحه، وهي بذله لنفسه من أجل خرافه، إذ يقول “أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف“ (يو 10: 11)… انظر كيف يُعجب منه بسبب إعلانه هذا “أنه يبذل نفسه”، قائلاً: “الذي كان في صورة الله لم يُحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس، فإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه، وأطاع حتى الموت موت الصليب” (في 2: 6-8)؟
وقد تكلم عن نفسه مرة أخرى فقال… “لهذا يحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضًا” (يو 10: 17)… وكيف يقول الرسول بولس مرة أخرى: “واسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضًا، وأسلم نفسه لأجلنا” (أف 5: 2)؟. وعندما اقترب السيد المسيح من الصلب قال بنفسه: “أيها الآب قد أتت الساعة، مجد ابنك” (يو 17: 10). لقد تكلم هنا عن الصليب كمجد، فكيف يستعفي عنه، وها هو يستعجله؟]
ثالثًا: أن هذه العبارة قد سجلها لنا الإنجيلي لتأكيد تجسده ودخوله فعلاً تحت الآلام. [لهذا السبب أيضًا كانت قطرات العرق تتدفق منه، وظهر ملاك ليقويه، وكان يسوع حزينًا ومغتمًا، إذ قبل أن ينطق بتلك الكلمات (ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت) قال: “نفسي حزينة جدًا حتى الموت“. فإنه بعد هذا كله قام الشيطان بتكلم على فم كل من مرقيون الذي من بنطس وفالنتينوس وماني الذي من فارس وهراطقة كثيرين، محاولين إنكار تعاليم التجسد، ناطقين بكلمات شيطانية، مدعين انه لم يأخذ جسدًا حقيقيًا، ولا التحف به إنما كان له جسد خيالي وهمي… لقد أعلن المشاعر البشرية الحقيقية بوضوح، تأكيدًا لحقيقة تجسده وتأنسه.]
رابعًا: بجانب تأكيده للتجسد قدم لنا نفسه مثالاً عمليًا بهذا التصرف الحكيم. [هناك اعتبار آخر لا يقل عنه أهمية… وهو أن السيد المسيح جاء على الأرض، راغبًا في تعليم البشرية الفضائل، لا بالكلام فقط وإنما بالأعمال أيضًا. وهذه هي أفضل وسيلة للتدريس… إنه يقول: “من عمل وعلّم فهذا يُدعى عظيمًا في ملكوت السموات” (مت 5: 19)… لقد أوصى (تلاميذه) أن يصلوا: “لا تدخلنا في تجربة”، معلمًا إياهم هذه الوصية عينها بوضعها في صورة عملية، قائلاً: “يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس”.
هكذا يعلم كل القديسين ألا يثبتوا بأنفسهم في المخاطر، غير ملقين أنفسهم بأنفسهم فيها… فماذا؟ حتى يعلمنا تواضع الفكر، وينزع عنا حب المجد الباطل… صلى كمن يعلم الصلاة، ولكي نطلب ألا ندخل في تجربة” ولكن إن لم يسمح الله بهذا، نطلب منه أن يصنع ما يحسن في عينيه، لذلك قال: “ولكن ليس كما أنا أريد بل كما تريد أنت”، ليس لأن إرادة الابن غير إرادة الآب، إنما لكي يعلم البشر أن يقمعوا إرادتهم في إرادة الله ولو كانوا في ضيق أو اضطراب، حتى وإن أحدق بهم الخطر، ولو لم يكونوا راغبين في الانتقال من الحياة الحاضرة.]
لكن، ما نقدمه في هذه المقالة، هو كيفية المحاجّة المنطقية التي تعتمد على النصوص، حيث أن هناك فئة من البشر لا يمكنها أن تفهم كلام الآباء السابق، بل سيريدون إثباتات من نوع آخر، ولهؤلاء نقول أنه يمكننا إثبات وحدة مشيئة المسيح وإرادته مع مشيئة الآب وإرادته عن طريق عرض كلام المسيح في سبب مجيئه بل ونبواته عن نفسه قبل الصلب عما سيحدث تفصيلًا له.
لكي نعرف، بالحقيقة، هل إرادة المسيح، بل الهدف الأول والأخير لمجيء المسيح لأرضنا، تطابق إرادة الآب أم لا، علينا ألا نأخذ نص واحد لنسقط عليه فهمنا، بل علينا بقراءة كلام المسيح نفسه عن هذه القضية، وعندها فقط، سنعرف أن ما قاله الآباء ليس كلاما بغرض تغيير الحقيقة، بل أنهم ولأنهم يعرفون الحقيقة التي في كل كلام المسيح، قد قالوا ما قالوه.
وإذا أردنا أن نضع سؤالا صريحًا ونقول: لماذا أتى المسيح إلى أرضنا؟ فنجد أن الرب يسوع المسيح له كل المجد يجيبنا في إنجيل يوحنا 12: 27 ويقول صراحة:
27 الآن نفسي قد اضطربت. وماذا اقول. ايها الآب نجني من هذه الساعة. ولكن لاجل هذا أتيت الى هذه الساعة.
فإذا كان المسيح بنفسه يقول أنه لأجل هذه الساعة (ساعة الصليب) قد أتى، فكيف تكون إرادته ومشيئته مخالفة لإرادة ومشيئة الآب؟!
نص آخر يُظهر لنا سبب مجيء إبن الإنسان، المسيح، إلى عالمنا الأرضي، حيث يقول فيه الرب يسوع عن نفسه (متى 20: 28):
28 كما ان ابن الانسان لم يأت ليخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين
إذن، فالرب يسوع بنفسه يوضح مرة أخرى أنه جاء لأجل الفداء حرفيًا، فكيف يسوغ بعد إذ عرفنا هذا أن نشك في أن له إرادة ومشيئة مغايرة للآب بحسب لاهوته بل بحسب سبب إرساليته إلى الأرض من الآب؟
ليس هذا وحسب، بل أن الرب يسوع المسيح كان ينبئ تلاميذه كثيرا عما ينبغي أن يحل به، وأنه سيُسلَّم إلى أيدي الأمم ليجلدونه ويستهزئون به، ويصلبونه ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم كما جاء في مواضع كثيرة (متى 16: 21؛ متى 17: 22-23؛ متى 20: 19؛ مرقس 9: 31؛ لوقا 9: 22).
وليس أن هذا هو هدف مجيء الرب يسوع فقط إلى أرضنا، بل أنه عندما إنتهره بطرس وقال له “حاشاك يارب، لا يكون لك هذا” فكان ردَّ المسيح له المجد عليه قويًا جدا، حيث دعى الرب يسوع بطرس بالشيطان، قائلًا له “اذهب عني يا شيطان” وأنه “معثرة للمسيح” وأنه “لا يهتم بما لله بل للناس”، وكل هذه الشدة في الرد كانت على كلمة قالها بطرس تخص عدم موت المسيح، فكان هذا هو رد المسيح عليه (راجع متى 16: 21 – 24). فهل يمكن بعد كل هذا التمسك من المسيح بالصلب والفداء ووضوح هدفه أمامه، أن يكون له إرادة مخالفة لإرادة الآب الذي يريد أيضًا خلاص الجميع؟
بل أن الرب يسوع المسيح وهو في العشاء الأخير، قُبيل خروجه وصلاته في جثسيماني، أكد لتلاميذه أن مسألة موته مسألة محتومة وأنها مُتنبأ عنها بين الأنبياء (راجع لوقا 22: 19-22)، فكيف يقول لتلاميذه في آخر ساعاته قبل الصلب أن مسألة صلبه وموته هي مسألة مُعد لها منذ سنوات ومُتنبأ عنها ومسألة محتومة، ويكون لا يعرف أنها ستتم؟ بل كيف يكون يعرف كل هذا ويدافع عن مسألة قتله وصلبه وموته وقيامته وفداؤه للإنسان، ثم يكون له إرادة مخالفة لإرادة الآب؟
وإلى ههُنا نكون قد أبنّا -عمليًا- أن إرادة الإبن والآب لهي إرادة واحدة.
[1] جميع الاقتباسات الآبائية الآتي ذكرها، منقولة عن تفسير القمص تادرس يعقوب ملطي للعهد الجديد، فنشكر أبينا القمص.
الإبن الكلمة الخالق في كتابات أثناسيوس الرسولي – ردًا على اعتراض
شيخ مسلم جاهل يفضح نفسه – هل كل من يقول أن المسيح خالق هو مبتدع؟ رداً على من يُسمي نفسه باحثًا!
ردًا على أبي عمر الباحث
يدَّعي من يُلقب نفسه باحثاً، أن كل من يقول أن المسيح خَلقَ، فهو مبتدع وجاهل ولا يعرف في دينه شيئاً ووقع في هرطقة خطيرة وبدعة شنيعة كما قال البابا أثناسيوس الرسولي في كتابه “تجسد الكلمة”.
وللرد نقول:
رغم سذاجة الطرح الذي أعتبره فاصلاً للمزاح، أراد به أن يرسم الابتسامة على وجوه متابعينه، ولكن جدية ملامح هذا “الباحث” جعلتني أتمنى لو كان بالفعل يمزح. لا أعرف من أين أبدأ في الرد، فركاكة هذا “الباحث” كفيلة أن تجعلك تدير له ظهرك ضاحكاً، شاكراً الله على نعمة العقل.
هذا “الباحث” أقتبس من كتاب “تجسد الكلمة” للقديس أثناسيوس الرسولي وضرب بكل قواعد الاقتباس عرض الحائط:
فاقتطع عبارة من سياق كامل.
أهمل رسالة باقي الكتاب الذي أقتبس منه.
أهمل باقي كتب وشروحات القديس أثناسيوس الرسولي والتي بلا شك كان سيجد فيها الإجابة بكل وضوح.
فالقديس أثناسيوس يقول في نفس ذات الكتاب الذي أقتبس منه:
والآن إذ نشرح هذا الأمر، فإنه يليق بنا أن نبدأ أولاً بالحديث عن خلقة الكون كله، وعن الله خالقه، وهكذا يستطيع المرء أن يُدرك أن تجديد الخليقة تم بواسطة الكلمة الذي هو خالق الخليقة في البدء. وهكذا يتضح أنه ليس هناك تناقض في أن يتمم الآب خلاص العالم بالكلمة الذي به خُلق العالم.[1]
فهنا يوضح القديس أثناسيوس أن الفداء و تجديد الخليقة كانا لابد أن يتمَّا بواسطة المسيح (الكلمة) لأنه هو من خلقها من البدء. إذاً المسيح هو الكلمة الخالق. والأدهى أن العبارة التي اقتطعها هذا “الباحث” في صـ 6، ثم نجد هذا القول للقديس أثناسيوس في الصفحة التي تليها مباشرةً صـ7:
لكن الله خلق كل شيء بالكلمة من العدم وبدون مادة موجودة سابقاً… وهذا يشير إليه بولس قائلاً: بالإيمان ندرك أن العالمين أُنشئت بكلمة الله.[2]
ومن الصفحة التي تليهما نجد هذا القول أيضاً:
ولذلك خلق كل الأشياء من العدم بكلمته يسوع المسيح ربنا.[3]
فلا أعلم ماهي حجة هذا “الباحث”؟!
ولمزيد من التوضيح، نقرأ هذا القول للقديس أثناسيوس في كتاب آخر له:
لأنه (بولس) وهو يتحدث عن الخليقة، فإنه يستمر أيضاً في الكتابة عن قوة الخالق في خليقته، تلك القوة التي هي “كلمة الله”، والذي من خلاله (بواسطته) قد خلق كل شيء. فلو أن الخليقة في طاقتها بذاتها وحدها أن تعرف الله بدون الابن، فالتفتوا لئلا تسقطوا في الغواية. فتظنوا، أنه بدون الابن أيضاً قد خلقت الخليقة. ولكن إن كانت الخليقة قد خلقت عن طريق الابن، وأنه “فيه تثبت (تقوم) كل الأشياء في الوجود”[4]. فأن الذى يتأمل الخليقة بطريقة مستقيمة، فلابد أن يرى أيضاً بالضرورة الكلمة الذى خلقها.[5]
إذاً فالقديس أثناسيوس بنفسه يقول إن من يظن أن الخليقة خُلقت بدون الابن (المسيح)، يكون قد سقط في الغواية، أي أن قول هذا “الباحث” هو الغواية في حد ذاتها! ثم يختم القديس أثناسيوس قوله بأن الكلمة هو خالق الخليقة. إذن، يتضح الآن بما لا يدع مجال للشك أن قول القديس أثناسيوس يسحق تماماً ما يدّعيه هذا “الباحث”.
ولنأتي الآن إلى السياق الذي أقتطعه ليوهم به متابعيه المساكين بأن المسيح ليس هو الخالق، بل والأدهى أن من يقول عكس ذلك يصبح مبتدع ومهرطق!!
يقول القديس أثناسيوس:
وهناك هراطقة أيضاً يتوهمون لأنفسهم خالقاً آخر لكل الأشياء غير أبى ربنا يسوع المسيح، وهم بهذا يبرهنون على منتهى العمي. لأن الرب كان يقول لليهود ” أما قرأتم أن الذي خلق في البدء خلقهما رجل وأنثى وقال من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسداً واحداً “…وبعد ذلك يقول مشيراً إلى الخالق ” فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان “، فكيف يدّعي هؤلاء بأن الخليقة غريبة عن الآب؟ أو عندما يقول يوحنا في اختصار شديد إن ” كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيئاً مما كان ” فكيف يمكن أن يكون خالقاً آخر سوى الله أبى المسيح؟[6]
بدايةً، فإن كلمة “هراطقة” التي ذكرها القديس أثناسيوس يقصد بها الغنوصيون وماركيون على وجه الخصوص، حيث أنه كان يُعّلم بأن إله الخير قد خلق الأشياء غير المنظورة والسماء الثالثة بينما إله العهد القديم فقد خلق الأشياء المنظورة، وبالتالي فإن القديس أثناسيوس يرد عليهم بأن الله قد خلق كل شيء بالمسيح، كلمته. فهو لم يتكلم أبدًا أن الآب هو الخالق فقط والأبن (الكلمة) لم يخلق، هو يتكلم عن استحالة وجود شريك لله الواحد (الثالوث) في الخلق. ولم يقصد مطلقًا أن ينفي عن أقنوم الابن عمل الخلق.
فالقديس أثناسيوس في نفس السياق يقتبس قول القديس يوحنا الرسول “كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان”. أي أن الكلمة (المسيح) هو خالق كل شيء و بدون المسيح لم يكن لشيء أن يُخلق، فهو اللوجوس (عقل الله الناطق و نطقه العاقل).
فهل رأيتم مدى سَخف أطروحات هذا الذي يسمي نفسه باحثاً في الكتاب المقدس، الذي يتحدى هذا وذاك لمناظرات، ويدّعي أن المسيحيين يفرون من أمامه خوفاً من مواجهته؟! والعجيب أنه بنفسه قال إن القديس أثناسيوس هو من صاغ قانون الإيمان النيقاوي!!
إذاً لنرى ما قاله القديس أثناسيوس في قانون الإيمان الذي يحفظه كل طفل مسيحي عن ظهر قلب! يقول عن المسيح:
مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء.
إذاً من قانون الإيمان نجد أيضاً دليل واضح أن المسيح هو الخالق.
ويعلق على هذه العبارة القديس كيرلس الكبير قائلاً:
ولكنهم بعد أن أكدوا أن الآب هو خالق كل الأشياء ما يُرى وما لا يُرى، فإنهم قالوا إن كل الأشياء قد خُلقت بالابن، لا بسبب أنهم نسبوا للابن نصيباً أقل من المجد، حاشا. لأنه كيف يمكن أن يُرى ما هو أقل أو أكثر في وحدة الجوهر؟ ولكنهم يقولون إن الله بطبيعته لا يخلق أو يدعو أي شيء إلى الوجود بأي طريقة أخرى سوى بالابن في الروح، بقوته الذاتية وحكمته…. و يوحنا الحكيم جداً بتأكيده بالقول ” في البدء كان الكلمة….إلخ.[7]
والآن سيسألني هذا “الباحث” منتفشاً: أليس هذا تناقض، حينما تقول في موضع أن الآب هو الخالق، ثم في موضع آخر أن المسيح (الأبن) هو الخالق؟؟!
أجيبك بكل اتضاع: الآب خلق بالأبن (اللوجوس) أي عقله الناطق ونطقه العاقل.
دعني أعطيك مثالاً بسيطاً للتوضيح: إذا قلتُ: ” أنا حللت هذه المسألة”، ثم قلتُ: “عقلي حلّ هذه المسألة”، فهل هناك أي تناقض؟! بالطبع لا؛ لأن عقلي هو أنا. فأنا حللت المسألة بعقلي. إذن، حل المسألة يمكن أن يُنسب لي ولعقلي معًا، فأنا شخص واحد. وبالمثل، فالآب خلق الخليقة بالأبن. لأن الأبن هو اللوجوس عقل الله الناطق وكلمته، وهذه هي الطريقة التي يخلق بها الله منذ البدء. ففي بدايات كتابنا المقدس وبالتحديد في سفر التكوين، نجد الاتي: (وقال الله: ليكن نور… وقال الله: ليكن جلد… وقال الله: لتجتمع المياه تحت السماء…). (تك ١: ١ – ٩)
لاحظ معي هذا التعبير: “وقال الله”. أي أن هناك نطق عاقل وعقل ناطق الذي هو اللوجوس λογος باليونانية، الذي هو كلمة الله، المسيح. وأيضاً نجد نفس المفهوم عند اليهود. فمصطلح ” اللوجوس ” باليونانية λογος، يقابل في العبرية “دابار” “דבר” والتي ترجمت إلى الآرامية فيما يعرف بالترجومات إلى كلمة “ميمرا” “מימרא”. وكلمة “ميمرا” بإضافتها لاسم الله الأعظم “يهوه” كانت تستخدم في الثقافة اليهودية للتعبير عن الله الخالق، فهي تستخدم للإشارة لعملية الخلق[8]. وتم استخدامها في مواضع كثيرة في الترجوم بدلاً من الرب “يهوه” فهي تساوي يهوه نفسه.[9] لأن عقل الله هو الله لا فرق على الإطلاق. ونجد نفس المفهوم أيضاً بتوسع عند الفيلسوف اليهودي “فيلو”.
يقول Fragmentary Targum على التوراة:
في الليلة الأولى عندما ظهر كلمة الرب “Memra yhwh ” للعالم لكي يخلقه، كان العالم خالياً وخرباً وانتشرت الظلمة فوق كل اللاتكون، وكان كلمة الرب مشرقاً منيراً ودعاها الليلة الأولى[10].
يقول ترجوم يوناثان:
فخلق كلمة الرب “Memra yhwh ” الإنسان على صورته على صورة يهوه، يهوه خلقه[11]
ويقول ترجوم أورشاليم:
وكلمة الرب “Memra yhwh ” قال لموسى: ” أنا هو، الذي قال للعالم: كن! فكان، وهو من سيقول له في المستقبل: كن! فسيكون “، وقال: هكذا تقول لبني إسرائيل: أنا هو أرسلني.[12]
وهناك العشرات من الشواهد الأخرى التي تثبت أن كلمة الله “ميمرا يهوه” أو “اللوجوس” هو الخالق، ليس فقط في المسيحية بل وفي الثقافة اليهودية أيضاً.
وأيضاً هذا دليل على أن الميمرا هي كلمة مشخصة كائنة (أقنوم) وليست مجرد كلمة “كن”، والدليل هو ظهورات الكلمة “الميمرا” في العهد القديم. فنجد فيما سبق ظهور “الميمرا” لموسى في العليقة على هيئة ملاك يهوه، وهو الذي قال “أهيه الذي أهيه”. فهو أقنوم مشخصن وليس مجرد كلمة ملفوظة، فهو نطق الله العاقل وعقله الناطق.
إذن، لا فرق بين اللوجوس والميمرا، وهذا دليل على وجود نفس المصطلح والمفهوم في الثقافة اليهودية من القرن الخامس قبل الميلاد وقت بداية استخدام مصطلح “ميمرا” الأرامي. فعن أي بحث تتحدث يا من تسمي نفسك “باحثاً”؟! هل فضحت جهل قساوسة الكنيسة أم أظهرت جهلك أنت؟!
ولكن هناك ملحوظة أخيرة دعني أهمس بها في أذنيك: أطروحتك الساذجة كانت ستُهدم فقط إذا قرأت عنوان كتاب البابا أثناسيوس جيداً. فعنوان الكتاب هو ” تجسد الكلمة “. فهل فهمت ما معنى “الكلمة” أم أنك أسرعت متلهفاً لاهثاً لقلب صفحات الكتاب بحثاً عن أي ثغرة دون حتى أن تفهم عنوان هذا الكتاب الذي تقلب في صفحاته؟
ومن له أذنان للسمع، فليسمع.
إلى هنا أعاننا الرب.
[1] القديس أثناسيوس الرسولي، تجسد الكلمة، مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثوذكسي للدراسات الأبائية بالقاهرة، نصوص آبائية-٦٢، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، صـ 2، 3.
[5] القديس أثناسيوس الرسولي، الشهادة لألوهية المسيح، مركز دراسات الآباء، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، صـ28، 29.
[6] القديس أثناسيوس الرسولي، تجسد الكلمة، مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثوذكسي للدراسات الأبائية بالقاهرة، نصوص آبائية-٦٢، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، صـ 6.
[7] القديس كيرلس الإسكندري، شرح قانون الإيمان، رسالة ٥٥ الجزء الرابع من رسائل القديس كيرلس، مؤسسة القديس أنطونيوس، مركز دراسات الآباء، ترجمة د. موريس توضروس، د. نصحي عبد الشهيد، ص 34.
تفسير أصحاح 21 من سفر صموئيل أول للقمص تادرس يعقوب:
لقد خارت قوى داود فاستخدم الخداع والمواربة ونوعًا من الكذب ليبرر موقفه أمام أخيمالك إذ قال له: “إن الملك أمرني بشيءٍ، وقال لي: “لا يعلم أحد شيئًا من الأمر الذي أرسلتك فيه وأمرتك به، وأما الغلمان فقد عينت لهم الموضع الفلاني والفلاني” [2]. كان داود رجلًا حسب قلب الله، لكنه في ضعفه كان يخطئ؛ وقد أدى ضعفه هذا وكذبه إلى عواقب وخيمة؟ [18-19].
طلب داود من خبز الوجوه، الخبز المقدس (لا 24: 5-9)، الذي كان الكهنة يضعونه جديدًا كل سبت ويأكلون القديم، ولا يحل تقديمه لغير الكهنة. ومع ذلك فقد قبل أخيمالك أن يقدمه لداود ورجاله إن كانوا طاهرين حتى من العلاقات الزوجية، ذلك لأنهم جاعوا ولم يكن يوجد خبز آخر.
استخدم السيد المسيح الحادثة ليوضع لليهود كيف أنه يحل للتلاميذ أن يقطفوا السنابل ويفركوها بأيديهم ويأكلوا منها يوم السبت (مر 2: 25؛ مت 12: 3-4؛ لو 6: 3-5).
يقول القديس كيرلس الكبير: [مع أن داود سلك مسلكًا مغايرًا للناموس ولكن له في نفوسنا كل إكبار وإجلال، فهو قديس ونبي… يجب أن نلاحظ أن خبز التقدمة الوارد ذكره في رواية داود يشير إلى الخبز النازل من السماء الذي تراه على موائد الكنائس المقدسة وأن جميع أمتعة المائدة التي نستعملها في خدمة المائدة السرية لهي رمز للكنوز الإلهية الفائقة[158]
لم يفعل داود النبي ذلك عن تهاون بالوصية أو تراخ، لكن لم يكن أمامه طريق آخر، لذا لم يُحسب أكله هو ومن معه من هذا الخبز كسرًا للوصية[159].
الرد على الشبهة
لسنا في خلاف مع ما اورده الكاتب من تفاسير فهو وضع الشبهة والرد عليها في آن واحد. وهذا ليس عجيب فبالتالي هو لم يقرئ ما وضعه لانشغاله بالنسخ.
فهذا النموذج الذي يطلعنا عليه الكتاب من وجود الضعف البشري فالكتاب لا ينفي الكذب فقط بحسب تص في جملة فقط. مثل ما جاء في اللاويين 19 لاَ تَسْرِقْ، وَلاَ تَكْذِبْ، وَلاَ تَغْدُرْ بِصَاحِبِكَ والعديد من النصوص الأخرى التي تكلمت عن خطية الكذب. لكن الكتاب لا يقف عند هذا الحد فقط بل يوضح عواقب الكذب من خلال نموذج كتابي ومثال فالإنسان دائماً يحتاج للنموذج والمثال ومن خلال هذا الحدث يطلعنا الكتاب عن كذب داود وعواقب ما يفعله الكذب في الانسان. فالخطية ليست مبررة في عيني الرب ولا نجد قولاً ان الرب امر داود بالكذب.
يخبرنا كتاب:
Adeyemo, T. (2006). Africa Bible commentary (363). Nairobi, Kenya; Grand Rapids, MI.: WordAlive Publishers; Zondervan.
كان يجب على داود من تجاربه السابقة ان يعلم ان ما يفعله من كذب هو امر غير ضروري. فالله بإمكانه انقاذه إذا قال الحقيقة.
وذكر كتاب
MacDonald, W., & Farstad, A. (1997, c1995). Believer’s Bible Commentary: Old and New Testaments (1 Sa 21:1-6). Nashville: Thomas Nelson.
عندما تخوف الكاهن وسال داود لماذا انت وحدك كذب داود وقال انه في مهمة سرية للملك وساله داود عن بعض الخبز فقال ان كل ما هو متوفر هو الخبز المقدس خبز الوجوه فعرض الكاهن على داود الخبز بشرط ان الرجال لا يكونوا قد حفظوا أنفسهم. وكان رد داود ان النساء بالفعل منعت عندهم والامتعة ايضا مقدسة.
يقول كتاب:
Chrispin, G. (2005). The Bible Panorama: Enjoying the Whole Bible with a Chapter-by-Chapter Guide (135). Leominster, UK: Day One Publications.
خدع داود اخيمالك وقال انه في مهمة من قبل شاول واعطاه اخيمالك الخبز ولعل داود فكر ان اخيمالك لم يعاقب بسبب وجود رئيس راعاه شاول وهو دواغ الأدومي.
ويذكر كتاب:
Willmington, H. L. (1997). Willmington’s Bible handbook (156). Wheaton, Ill.: Tyndale House Publishers.
ان داود هرب الي نوب وسعي الي الطعام هو ومن معه من الرجال من الكاهن وكذب ولم يقل انه هارب. فمن الواضح هنا ان داود لم يثق في كلمة الرب انه سيكون ملك.
وكان داود يصلي ان يبعد عنه الرب طريق الكذب ويرحمه
وهذا ما اكده كتاب:
Wesley, J. (1999). Wesley’s Notes: First Samuel (electronic ed.). Logos Library System; Wesley’s Notes (1 Sa 21:2). Albany, OR: Ages Software.
أعلن داود التوبة من خطية الكذب في مزمور 119: 29
29 طريق الكذب أبعد عني ، وبشريعتك ارحمني
فداود يعلم ان الكذب هو خطية وان الرحمة هي بشريعة الرب وبالتالي يعلم انه قد كذب. وان هذه خطية لذلك قال العديد من المفسرين ان النص الوارد في المزمور هو عن طلب التوبة عن الخطايا التي فعلها داود في الكذب. والاجماع ان داود فعل خطية بالفعل هي خطية وخطية سيئة جداً ولعل الكتاب ذكرها ليبرز عواقب الكذب.
وذكر الكتاب انه بسبب الكذب قتل اخيمالك والكهنة وهذا ورد في اصحاح 22
فيقول كتاب:
The Reformation Study Bible: English Standard Version. 2005 (R. C. Sproul, Ed.) (410). Orlando, FL; Lake Mary, FL: Ligonier Ministries.
كان لما فعله داود كارثة لأخيمالك والكهنة في نوب وهذا جاء في صموئيل الاول 22
7 فقال شاول لعبيده الواقفين لديه: «اسمعوا يا بنيامينيون: هل يعطيكم جميعكم ابن يسى حقولا وكروما؟ وهل يجعلكم جميعكم رؤساء ألوف ورؤساء مئات، 8 حتى فتنتم كلكم علي، وليس من يخبرني بعهد ابني مع ابن يسى، وليس منكم من يحزن على أو يخبرني بأن ابني قد أقام عبدي على كمينا كهذا اليوم؟» 9 فأجاب دواغ الأدومي الذي كان موكلا على عبيد شاول وقال: «قد رأيت ابن يسى آتيا إلى نوب إلى أخيمالك بن أخيطوب. 10 فسأل له من الرب وأعطاه زادا. وسيف جليات الفلسطيني أعطاه إياه». 11 فأرسل الملك واستدعى أخيمالك بن أخيطوب الكاهن وجميع بيت أبيه الكهنة الذين في نوب، فجاءوا كلهم إلى الملك.
12 فقال شاول: «اسمع يا ابن أخيطوب». فقال: «هأنذا يا سيدي». 13 فقال له شاول: «لماذا فتنتم على أنت وابن يسى بإعطائك إياه خبزا وسيفا، وسألت له من الله ليقوم على كامنا كهذا اليوم؟». 14 فأجاب أخيمالك الملك وقال: «ومن من جميع عبيدك مثل داود، أمين وصهر الملك وصاحب سرك ومكرم في بيتك؟ 15 فهل اليوم ابتدأت أسأل له من الله؟ حاشا لي! لا ينسب الملك شيئا لعبده ولا لجميع بيت أبي، لأن عبدك لم يعلم شيئا من كل هذا صغيرا أو كبيرا». 16 فقال الملك: «موتا تموت يا أخيمالك أنت وكل بيت أبيك».
17 وقال الملك للسعاة الواقفين لديه: «دوروا واقتلوا كهنة الرب، لأن يدهم أيضا مع داود، ولأنهم علموا أنه هارب ولم يخبروني». فلم يرض عبيد الملك أن يمدوا أيديهم ليقعوا بكهنة الرب. 18 فقال الملك لدواغ: «در أنت وقع بالكهنة». فدار دواغ الأدومي ووقع هو بالكهنة، وقتل في ذلك اليوم خمسة وثمانين رجلا لابسي أفود كتان. 19 وضرب نوب مدينة الكهنة بحد السيف. الرجال والنساء والأطفال والرضعان والثيران والحمير والغنم بحد السيف.
20 فنجا ولد واحد لأخيمالك بن أخيطوب اسمه أبياثار وهرب إلى داود. 21 وأخبر أبياثار داود بأن شاول قد قتل كهنة الرب. 22 فقال داود لأبياثار: «علمت في ذلك اليوم الذي فيه كان دواغ الأدومي هناك، أنه يخبر شاول. أنا سببت لجميع أنفس بيت أبيك. 23 أقم معي. لا تخف، لأن الذي يطلب نفسي يطلب نفسك، ولكنك عندي محفوظ».
فهل يوجد اوضح من هذا النموذج لتوضيح مساوئ الكذب وعواقبه؟ كم من مقالاً عن الكذب ذكر هذه الحادثة ككراهية للكذب ولعواقب الكذب؟
– فللكذب عواقب يمكن ان تكون وخيمة: عندما هرب داود ليحتمي من شاول كذب على اخيمالك “الكاهن في نوب” لا نجد في الكتاب المقدس تبريرا لهذه الكذبة. بل لقد ادت الى قتل 85 كاهنا (1صم 22: 6-23). وقد لا تبدو كذبة داود الصغيرة ضارة جدا، ولكنها ادت الى كارثة. والكتاب المقدس يبيّن بوضوح ان الكذب خطاْ (لا 19:11). فهو مثل سائر الخطايا خطير في نظر الله، وقد يؤدي الى عواقب اليمة. وعلينا ان لا نقلل من قيمته، بل ان نتجنبه، بغض النظر ان تمكنّا من رؤية عواقبه الكامنة فيه او لم نتمكن.
والعجيب ان المعترض وضع السؤال والاجابة في سؤاله لكن للتوضيح أكثر اذكر له لماذا يذكر الرب لنا خطايا الاتقياء. واستخدم الرب يسوع ما فعله داود في العهد الجديد في اشارة الي انه يريد رحمة لا تطبيق حرف الشريعة في الجانب الخاص بالطعام فقط. فهل لا نعطي الجائع بسبب ان الشريعة تمنع وهو لا يوجد لديه بديل اخر سوي خبز الوجوه الخاص بالكهنة؟ باي منطق. وضرب لنا مثال رائع ايضا في الرحمة التي ينبغي ان تغلب حرف الوصية.
يحتاج اليوم الانسان لنماذج لا لكلام نظري فقط. فكل شخصية في الكتاب المقدس هي نحن…! فعندما تكتئب تذكر ارميا وحينما تكون سارق واصابك الضعف تذكر شاول وحينما لا تصدق الرب تذكر ضحك سارة …. الى اخره.
فذكر الكتاب خطايا الاتقياء لأكثر من سبب:
1- لم يخفي الكتاب المقدس او يزين ضعف اتقاؤه. سواء كان ابراهيم او اسحق او موسي او داود وغيرهم. فكل البشر اصابهم الضعف وهذا ما تذكره لنا رسالة رومية 3: 10 – 23.وقد كان يسوع هو الاستثناء الوحيد بحسب رسالة العبرانيين 4: 15، بطرس الاولي 2: 22. فما ذكره الكتاب عن خطايا الابطال هو أحد ادلة وحي الكتاب المقدس.
2- ان ذكر الخطايا وتسجيل الضعفات تأكيد هام على تأثير هذه الضعفات على الشخص فكتبت لتعليمنا لنري مدي شوهة الخطية الانسان بقصص واقعية حية. لا كلام نظري او نصائح بل حياة حقيقية واقعية. وايضاً عدم تغاضي الرب عن الاعمال فتجاوز موسي منعه من دخول كنعان وخطية داود مع بتشبع عوقب عليها وكان الامر كريه في عيني الرب وقدم توبة.
3- اعطاء نموذج على الجهاد ضد الضعف وثقتهم الكبيرة في الرب ومحاولة الحياة تحت مشيئته طوال الوقت. فلا أحد منا او منهم سيصل الي الكمال التام فنحن ما زلنا في هذا الجسد وسوف نعمل افعال خاطئة لكن حياة الجهاد تساعدنا على التغلب على نقاط الضعف باستمرار والنقاء باستمرار حتى نصل الي ابهي صوره لشركة المسيح. في رومية 15: 4 • 4. لأَنَّ كُلَّ مَا سَبَقَ فَكُتِبَ كُتِبَ لأَجْلِ تَعْلِيمِنَا حَتَّى بِالصَّبْرِ وَالتَّعْزِيَةِ بِمَا فِي الْكُتُبِ يَكُونُ لَنَا رَجَاءٌ.
4- ذكر خطية شاول الطرسوسي اعطي امل ونموذج لكل فاسد وخاطئ لكي يصبح بولس وليس شاول. وامثلة مثل الابن الضال وغيرها تكشف لنا محبة الله لنا وغفران الله الرائع فالخطية تمحي وتعود العلاقة من جديد.
5- مواجهة عيوبنا بقوة وشجاعة فنحن نجد عيوبنا في عيوبهم في قصة نعمان السرياني نموذج قاد نعمان الي الشفاء الايمان بالله وقصر زكا البدني قاده الي اللقاء بيسوع الذي وصفه بانه ابن ابراهيم. وشاول أصبح بولس كل ما جاء هو لنا نحن فنحن السامرية والمرأة الخاطئة وكل شخصية في الكتاب.
6- قد يعتقد القارئ ان هذه القصص لكوكب اخر…! لكن مع التأني نجد انها لنا فهذه قصص لأشخاص ارتكبوا الخطية ولم يظهروا نوعاً ما من الايمان سوي القليل بالرغم من بركات الله لهم. فهؤلاء مثلنا لكن برؤية ضعفهم يمكننا الشعور بمدي ضعفنا فالإنسان لا يشعر بخطاياه الا عندما يفعلها اخر او يتأملها في اخر قد ينتقد الانسان يهوذا بشكل صارخ ماذا فعل هذا؟ وهو يفعل افعال يهوذا! فالقصص تساعدنا على وضعنا في نطاق صحيح نحن مثل هؤلاء والله يعمل فينا.
7- نتذكر رحمة الله وان الله يختار الضعفاء ليخزي بهم الحكماء و اختار الله ادنياء العالم و المزدرى و غير الموجود ليبطل الموجود بحسب كورنثوس الاولي 1: 26 – 31.
8- وضع كل هؤلاء في ميزان يسوع الانسان الكامل الرحمة الكاملة الحكمة الكاملة. فنضع ثقتنا كامله في يسوع وحده دون ان يقول لنا اتبعني فنتبعه.
ليكون للبركة.
الرد على شبهة تحليل الكذب كذبة داود على اخيمالك – هل تحلل المسيحية الكذب؟
” لا تخف يا زكريا لأنى طلبتك قد سمعت وامرأتك أليصابات ستلد ابناً وتسميه يوحنا” (لو13:1). “أنت يا رب ترجع وتتراءف على صهيون لأنه وقت التحنن عليها لأن الرب يبنى صهيون ويظهر مجده” (مز16،13:103).
كاهن اسمه زكريا (5:1) :
اسم زكريا يعنى “الله يتذكر” ، وكأنما فعلاً تذكر الله شعبه فى أيام خدمة زكريا. وأليصابات تعنى “الله يقسم” أو “يمين الله” وقد أنجب يوحنا ويعنى “الله حنان”.
تقديمه البخور: (9:1)
” أصابته القرعة أن يدخل إلى هيكل الرب ويبخر“. تُقدم ذبيحة البخور على مذبح البخور داخل الهيكل، وغير مُصرح للكاهن أن يقدم ذبيحة البخور إلا مرة واحدة فى حياته إذا وقعت عليه القرعة. لذلك كان يعتبرها الكاهن أنها فرصة العمر وبركة حياته كلها أن يبخر فى هيكل الرب.
طلبتك قد سُمعت : (13:1)
الرب لا ينسى صلوات ودموع الزوجين منذ شبابهما. ولما حان زمان استجابة طِلبة زكريا وأليصابات وطِلبات الشعب والأنبياء، تحنن الله على شعبه وعلى زكريا وأليصابات، لأن هذا هو معنى “يوحنا”.
فرح الكثيرون بميلاد يوحنا: (لو14:1)
” ويكون لك فرح وابتهاج، كثيرون سيفرحون بولادته “.
إنجيل لوقا البشير هو “إنجيل الفرح”، فقد أرسل الله يوحنا السابق لينادى بالتوبة مهيئاً الطريق للرب فى قلوب الكثيرين، فيفرح السمائيون كما يفرح المؤمنون. وها هو يعد لهذا الفرح بالبشارة بميلاد السابق له، مهيئاً الطريق أمام المسيح الكلمة المتجسد.
” يا رب طاطئ السموات وانزل. المس الجبال فتدخن إرسل يدك من العلو أنقذنى ونجنى” (مز7،5:144) (مزمور عشية)
” اسمعي يا ابنتى وانظرى، وأميلى سمعك، وانسى شعبك وبيت أبيك إن الملك قد اشتهى حسنك. لأنه هو ربك” (10:45ـ11) (مزمور القداس).
إرسال جبرائيل إلى “عذراء مخطوبة لرجل” (لو27:1)
جبرائيل تعنى “جبروت الله”، وسر قوته أنه “الواقف قدام الله” … جاء يحمل الوعد الإلهى.
س . لماذا لم يُرسَل إلى عذراء غير مخطوبة ؟
يجيب العلامة أوريجينوس بأن وجود الخاطب أو رجل لمريم ينزع كل شك من جهتها عندما تظهر علامات الحمل عليها[1] ويقول القديس أمبروسيوس : [ربما لكى لا يُظن أنها زانية. ولقد وصفها الكتاب بصفتين فى آن واحد، أنها زوجة وعذراء. فهى عذراء لأنها لم تعرف رجلاً، وزوجة حتى تُحفظ مما قد يشوب سمعتها].
يقول القديس أغسطينوس :
[كما ولدت مريم ذاك الذى هو رأسكم، هكذا ولدتكم الكنيسة، لأن الكنيسة هى أيضاً أم وعذراء، أم فى أحشاء حبها، وعذراء فى إيمانها غير المنثلم، هى أم لأمم كثيرة الذين يمثلون جسداً واحداً على مثال العذراء أم الكثيرين وفى نفس الوقت هى أم للواحد[2].
” كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً” (لو34:1).
وهنا تعلن القديسة مريم عن عفتها التى كرستها لله، فإن كانوا قد خطبوها ليوسف فقد سبقت وكرست نفسها لله. فكما أعدها الله لنفسه. أعدت هى نفسها له ! هكذا سألت القديسة مريم الملاك ليكمل بشارته. فلما قال لها: “الروح القدس يحل عليك”، احتواها روح القداسة، فكان بمثابة البذرة الإلهية التى سكنت كيانها.
” هوذا أنا أمة الرب ” (لو38:1).
خضعت مريم وقبلت الدعوة برمتها، كطفل ارتضى أن ينام فى حضن أبيه! وكان ، بهذا الخضوع لمشيئة الله، أن دخل الوعد الإلهى حيز التنفيذ. ولا يقوى بشر أن يحدد أبعاده ونهايته :
1 ـ فبالنسبة لها : فقد نالت إنعام الله وأعظم كرامة نالها بشر، وكفى أنها صارت أماً لابن الله.
2 ـ بالنسبة للبشرية : فقد كُتب لها عهد جديد مع الله، عهد على مستوى الخلق الجديد، فالذى ملأ الحشا البتولى هو آدم الجديد (الثانى) الذى من جسده ودمه أخذنا خلقتنا الجديدة، كأبناء لله، وورثنا فيه موطننا الأصلى.
3 ـ وبالنسبة للذى ولد منها: فهو بحسب ما نطق به الملاك: ” القدوس المولود منك يُدعى ابن الله“، وهو يكون عظيماً وابن العلى يدعى فى العالم وبين الناس، كما أنه الابن الوحيد الجنس المحبوب لله.
الأحد الثالث : تطلع عدل المخلّص ورحمته (لو39:1ـ56).
(زيارة العذراء لأليصابات)
” أشبع الجياع خيرات، وصرف الأغنياء فارغين، عضد إسرائيل فتاه ليذكر رحمته” (لو53:1ـ54). “الرحمة والحق التقيا. والعدل والسلام تلاثما. الحق من الأرض أشرق. والعدل من السماء تطلع” (مز10:85ـ11).
” من أين لى هذا أن تأتى أم ربى إلىّ ؟” (لو43:1).
بينما كان العالم كله يجهل كل شئ عن البشارة للقديسة مريم، إذ بالقديسة أليصابات تعلن أمومة مريم لربها، بالرغم من عدم وجود أى علامة ظاهرة لهذا الحدث الإلهى.
لقد طوّبت أليصابات مريم لأنها صارت أماً لله ، الابن المتجسد، وقد بقيت الكنيسة عبر الأجيال تطوبها، فقد وقف القديس كيرلس الكبير يتحدث أمام آباء مجمع أفسس، قائلاً :
[السلام لمريم والدة الإله، كنز العالم كله الملوكى، المصباح غير المنطفى، إكليل البتولية، صولجان الأرثوذكسية، الهيكل غير المفهوم، مسكن غير المحدود، الأم وعذراء. السلام لك يا من حملت غير المحوى فى أحشائك البتولية القديسة][3].
يعلق العلامة أوريجينوس على كلمات أليصابات ويتحدث بلسانها قائلاً :
[أى عمل حسن قمت به ؟ أو ما هى أهمية الأعمال التى مارستها حتى تأتى أم ربى لرؤيتى ؟! هل أنا قديسة ؟! أى كمال أو أية أمانة داخلية بموجبها استحققت نيل هذا الامتياز : زيارة أم ربى إلىّ ؟!][4].
تسبحة العذراء (لو46:1ـ55):
عندما التهب قلب العذراء بالروح “أنشدت نشيدها كـ “نبية”، آخر نبية فى العهد القديم وأول أنبياء العهد الجديد قاطبة. فما من نبية أو نبى فى العهد القديم نال من التقديس والنعمة وحلول الروح القدس الدائم وقوة العلى مثل ما نالت العذراء. وهنا لأول مرة نسمع نشيد الفرح من إيقاع الروح على قيثارة النعمة، بفم العذراء المباركة. يقول العلامة أوريجينوس:
[قبل ميلاد يوحنا تنبأت أليصابات، وقبل ميلاد الرب مخلصنا تنبأت مريم. وكما بدأت الخطية بالمرأة ثم بلغت إلى الرجل، هكذا بدأ الخلاص فى العالم بواسطة نساء تغلبن على ضعف جنسهن. لننظر الآن نبوة العذراء وهى تقول : “تعظم نفسى الرب وتبتهج روحى بالله مخلصى” فإن النفس والروح يشتركان فى التعظيم][5].
الأحد الرابع : التنبأ بظهور المخلص (لو57:1ـ80).
(نبوة زكريا وميلاد السابق الصابغ)
” مبارك الرب الذى افتقد وصنع فداءً لشعبه، وأقام لنا قرن خلاص، فى بيت داود فتاه” (لو69:1).
” يا جالساً على الشاروبيم اظهر قدام افرايم وبنيامين ومنسى. لخلاصنا يا الله أرددنا. ولينر وجهك علينا فنخلص” (مز3،1:80).
عظّم الرب رحمته : (لو58:1):
أحياناً يعظّم الرب رحمته ليُظهر مكونات قلبه تجاه أحبائه الذين اختارهم ليكشف فيهم وبواسطتهم أعماق رحمته وحبه لبنى الإنسان. فإن كانت أليصابات عاقراً وقضت ثمانين سنة فى عقمها ثم ولدت، فهنا تتعظّم رحمة الله جداً، ويفرح القلب، ليس قلبها وحدها، بل يقول الكتاب أن جيرانها وأقرباءها اشتركوا فى فرحها.
إنه زمان الفرح الإلهى، وهو فرح عظيم، لأن مُؤسسه ومُرسله هو الله، ليغيّر الإنسان زمانه الحزين، بزمن الله. ويُستَمد هذا الفرح من المولود الذى صار مولودنا.
نبوة زكريا :
تمتع زكريا الكاهن بحنان الله ونعمته (بولادة يوحنا)، فانطلق بلسانه يبارك الرب تحت قيادة الروح القدس إذ رأى خطة الله الخلاصية لا تشمله وحده وعشيرته، بل تضم الكل.
يتنبأ عن السيد المسيح، قائلاً : ” وأقام لنا قرن خلاص فى بيت داود فتاه، كما تكلم بفم أنبيائه الذين هم من الدهر” (لو69:1،70) يقول القديس جيروم : [القرن فى الكتاب المقدس يعنى مملكة أو سلطاناً] ويقول القديس غريغوريوس النزينزى : [عندما انطرحنا إلى أسفل رَفَعَ لنا قرن خلاص].
ليصنع رحمة مع آبائنا ويذكر عهده المقدس (لو72:1) :
مجئ المخلص يعلن رحمة الله مع آبائنا ويحقق مواعيده المستمرة، والتى ظهرت بوضوح فى ” القسم الذى حلف لإبراهيم أبينا أن يعطينا إننا بلا خوف مُنقذين من أيدى أعدائنا نعبده، بقداسة وبر قدامه جميع أيام حياتنا ” (لو73:1ـ75). هذا العهد الذى تحقق بمجئ المسيح يحمل شقين : الشق الأول هو الغلبة ـ على أعدائنا الروحيين ـ أى قوات الظلمة بدون خوف. فقد حطم السيد فخاخهم وسلطانهم. أما الشق الثانى والملازم للأول فهو دخولنا فى الميراث عابدين الرب بقداسة وبر، أى نحمل طبيعة جديدة نعيشها كل أيام حياتنا.
هذا بخصوص النبوة عن السيد المسيح أما عن القديس يوحنا المعمدان فقال: “وأنت أيها الصبى نبى العلى تدعى لأنك تتقدم أمام وجه الرب لتعد طرقه، لتعطى شعبه معرفة الخلاص لمغفرة خطاياهم بأحشاء رحمة إلهنا التى بها افتقدنا المُشرق من العلاء. ليضئ على الجالسين فى الظلمة وظلال الموت لكى يهدى أقدامنا فى طريق السلام”. (لو76:1ـ79).
برامون الميلاد (1:2ـ20)
“لا تخافوا فها أنا أبشركم بفرح عظيم سيكون لجميع الشعب. إنه وُلد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرب” (لو10:2ـ11).
“معك الرئاسة فى يوم قوتك: فى بهاء قديسيك. من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك” (مز3:90ـ4).
الاكتتاب (لو1:2ـ4).
كان أمر الاكتتاب لإظهار عظمة القيصر، ليبرز امتداد نفوذه وسلطته، لكى يستخدمه فى جمع الجزية. وكان الاكتتاب حسب النظام الرومانى يمكن أن يتم فى أى موضع. لكن الرومان وقد أرادوا مجاملة اليهود أمروا بإجرائه حسب النظام اليهودى حيث يسجل كل إنسان اسمه فى موطنه الأصلى … وهكذا التزم يوسف ومريم أن يذهبا إلى “بيت لحم” فى اليهودية لتسجيل اسميهما لكونهما من بيت داود وعشيرته. ولقد كتب الإنجيلى هذه المناسبة بإرشاد الروح القدس لتعيين زمن ميلاد المخلص.
مع مريم امرأته والمخطوبة وهى حبلى (لو5:2):
إن مريم كانت مخطوبة ليوسف وهذا يدل على أن الحمل تم خلال مدة الخطوبة وأن عمانوئيل وُلد بمعجزة تفوق النواميس الطبيعية المعروفة، لأن مريم العذراء لم تحمل ببذار بشر وسبب ذلك أن المسيح هو “باكورة الجميع”، هو آدم الثانى كما ورد فى الأسفار المقدسة، [ فقد وُلد إلينا نحن بالروح القدس لكى ينقل هذه النعمة (نعمة الولادة الروحية)أيضًا. فنحن قد أُعِدَ لنا أن لا نحمل فيما بعد اسم أبناء البشر بل بالأحرى نُولد من الله وذلك بحصولنا على الميلاد الجديد من الروح الذى تم فى المسيح نفسه أولاً، لكى يكون هو ” متقدمًا فى كل شئ” (كو15:1) ] (القديس كيرلس الكبير)[6].
فرح عظيم :
هذا هو الإنجيل أى البشارة المفرحة جداً !. أول من فسره ملاك، وأول من سمعته آذان رعاة! فالبشارة للرعاة، والفرح للشعب، وكأنه فى مخافة عظيمة جداً يتقبل الرعاة البشارة لينقلوها مفرحة لجميع الشعب وهكذا كان الرعاة ليسوا فقط أول من سمع البشارة بل وأول من رأوا المولود .
إن البشارة بالميلاد فيها فرح عظيم وكم مرة عيدنا للبشارة ولم نفرح ؟ بل وكم مرة قرأنا وسمعنا البشارة ولم نفرح ؟ إن الفرح العظيم الذى يكون لجميع الشعب انطلق من الميلاد ليؤسس دعامة فى قلب الإنسان لا يمحوها الزمن.” أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب ” كل الأيام .
عيد ميلاد مخلصنا (مت1:12ـ12):
” فلما رأوا النجم فرحوا فرحاً عظيماً جداً … فخرجوا وسجدوا له … وقدموا له هدايا ذهباً ولباناً ومراً ” (مت10:2ـ11).
” الرب قال لى أنت ابنى. وأنا اليوم ولدتك. سلنى فأعطيك الأمم ميراثك. وسلطانك إلى أقطار الأرض ” (مز5:2 ،6).
المجوس: هم ملوك وكهنة كلدانيون أو فارسيون يهتمون بدراسة الظواهر الفلكية، والتنبؤ بالحوادث المستقبلة.
ويتفق الآباء كليمنضس الأسكندرى ويوحنا ذهبى الفم وكيرلس الأسكندرى فى أن المجوس هم حكماء من فارس، وكان لهم دور فى ترقب المسيا الملك القادم لليهود، خاصة وأن عبادة فارس كانت توحيدية بالله الواحد مثل اليهود[7].
بالنجم التقى المجوس باليهود: لقد وُلد السيد فى “بيت لحم” التى تعنى “بيت الخبز”، فجاء إلينا خبزاً سماوياً يتناوله الجياع والعطاش إلى البر. وقد جاء المجوس من المشرق محتملين آلام الطريق وأتعابه، يبحثون عن غذاء نفوسهم، بينما بقى الملك ورؤساء الكهنة والكتبة فى أماكنهم مثلهم مثل العاملين فى بناء فلك نوح الذين هيأوا فلك الخلاص ولم يدخلوه بل هلكوا فى الطوفان. كما يقول القديس أغسطينوس[8].
عودة المجوس : (لو12:2): فى بساطة الإيمان قَبِلَ هؤلاء الرجال ما أُوحى إليهم فى حلم ولم يتشككوا فى الطفل. بالإيمان تركوا طريقهم ليسيروا فى طريق أخرى حتى لا يلتقوا بهيرودس، مقدمين للمؤمنين مثلاً حياً للنفس عندما تلتقى بالسيد المسيح إذ لا تعود تسلك فى طريقها القديم حيث هيرودس (إبليس) يملك. ويرى غريغوريوس (الكبير)[9] أن هذا الطريق الجديد إنما هو طريق الفردوس الذى تلتزم النفس أن تسلكه خلال لقائها مع ربنا يسوع.
آحاد شهر طوبة
خلاص يسوع للأمم
الأحد الأول : إعلان خلاص يسوع للأمم (مت13:2ـ23)
(الهروب لمصر)
” فقام وأخذ الصبى وأمه ليلاً ومضى إلى مصر “(مت13:2ـ14).
” أعلن الرب خلاصه قدام الوثنيين. وكشف عدله لهم. ذَكَر رحمته ليعقوب وحقه لبيت إسرائيل ” (مز2:97ـ3).
لماذا هرب المسيح إلى مصر ؟
كان يمكن للمسيح أن يلتجئ إلى أى مدينة فى اليهودية أو الجليل، لكنه أراد تقديس أرض مصر ليقيم فى وسط الأرض الأممية مذبحاً له. كما يقول أشعياء النبى : “هوذا الرب راكب على سحابة خفيفة سريعة وقادم إلى مصر، … فى ذلك اليوم يكون مذبح للرب فى وسط أرض مصر، وعمود للرب فى تخمها … مبارك شعبى مصر” (أش19)
اهتم الوحى بهذه الزيارة الفريدة، بها صارت مصر مركز إشعاع إيمانى. وكما خزن يوسف الحنطة فى مصر كسند للعالم أثناء مجاعة السبع سنوات، هكذا قدَّم السيد المسيح فيض نعم فى مصر لتكون سر بركة للعالم كله، ظهر ذلك بوضوح خلال عمل مدرسة الإسكندرية، وظهور الحركات الرهبانية والعمل الكرازى …
يقول القديس ذهبى الفم :
[هلموا إلى برية مصر لتروها أفضل من كل فردوس ! ربوات من الطغمات الملائكية فى شكل بشرى، وشعوب من الشهداء، وجماعات من البتوليين … لقد تهدم طغيان الشيطان، وأشرق ملكوت المسيح ببهائه! مصر هذه أم الشعراء والحكماء والسحرة … حصنت نفسها بالصليب! إن السماء بكل خوارس كواكبها ليست فى بهاء برية مصر الممتلئة من قلالى النساك …][10].
[1] In Luc . hom 6:3.
[2] Ser . 25:8.
3 القديسة مريم فى المفهوم الأرثوذكسى ، للقمص تادرس يعقوب ، ص 8.
4 المرجع السابق .
[5] In Luc 8:1.
6 تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس، الجزء الأول، عظة1 ص 28 ، ترجمة د. نصحى عبد الشهيد، نشر مركز دراسات الآباء، القاهرة 1990.
[7] Exoposition of the Gospel according to Matthew, P. 151.
[8] On Epiph. Ser2.
[9] On Gospels, hom 10.
10 أنظر القمص تادرس يعقوب ” الإنجيل بحسب متى ” الأسكندرية 1983ص62.
أثمن شئ للإنسان في هذا الوجود المادى هو نور العينين. وحينما يفقد الإنسان نور بصره يمشى متخبطًا، إذ يكون العالم كله حوله مظلمًا، فهو لا يرى بالمرة، حتى أنه لا يدرك جمال خليقة الله. هكذا نحن أيضًا إذا لم تكن عيون قلوبنا مستنيرة بنور المسيح، وإذا لم يكن نور المسيح داخل عقولنا وأفهامنا فسنرى كل شئ مظلمًا حتى أن أجمل الأشياء ستبدو لنا عندئذ قبيحة، وهذا هو الفرق بين إنسان عرف كيف يستخدم الإمكانيات التى أعطاها المسيح له، وبين آخر لا يعطى اهتمامًا لهذه الإمكانيات. فالأول تراه سعيدًا فرحًا مسرورًا بكل شئ ويجد جمالاً في كل شئ، بينما الآخر عكس ذلك تمامًا.
لذا رتبت الكنيسة القبطية الواعية، ضمن قراءتها، عددًا من القراءات، بها تُذكّر المؤمن بضرورة السلوك في النور الإلهى. ومن بين هذه القراءات:
1ـ عيد الغطاس (11طوبة):
(يو18:1ـ34) المسيح يسوع نور العالم هو الذى خبّر
” الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذى هو في حضن الآب هو خبر .. وشهد يوحنا قائلاً أنى قد رأيت الروح نازلاً مثل حمامة من السماء فاستقرعليه … هو الذى يعمد بالروح القدس“. فالابن الكائن في حضن الآب، قد استعلن الله لنا بالرؤية والسمع، ” الذى رآنى فقد رأى الآب ” (يو9:14) ويقول أيضًا القديس يوحنا الإنجيلى ” الكلام الذى تسمعونه ليس لى بل للآب الذىأرسلنى” (يو24:14).
فالمسيح يسوع قد أنار علينا بنور معرفة الآب، وأشرق بالنور الإلهى على قلوبنا، وأثناء عماده فى نهر الأردن نزل الروح مثل حمامة من السماء واستقر عليه وأصبح معروفًا منذ ذلك الوقت لدى يوحنا المعمدان أنه ابن الله الحى الذى يرفع خطايا العالم، والذى كان ينتظره ليكمل المكتوب، كما قال ” إنى أعمد بالماء أما الذى يأتى بعدى فسيعمد بالروح القدس ” (مت11:3).
وقد أرسل تلاميذه إلى المسيح له المجد، لكى يتحولوا إلى المسيح، بعد أن أنهى رسالته بمجيء المخلص. فحينما أرسل يوحنا تلاميذه إلى المسيح ليسألوه، ” مَن أنت“، كان يقصد من هذه الإرسالية أن يسلم تلاميذه إلى هذا المخلص، فمهمته قد انتهت. يالها من رسالة عظيمة من خادم عظيم مثل يوحنا المعمدان، الذى يسلم تلاميذه إلى المسيح المعلم الحقيقى، لكى يضئ حياتهم بنوره.
ومن ناحية أخرى يقول القديس كيرلس الكبير، يجب أن ندرك انه لا يمكن أن يحسب مثل المخلوقات أو أن له طبيعة مخلوقة، بل له أقنومه المتميز عن الآب والذى في الآب فإذا كان حقًا هو ” الإله الابن الوحيد” فكيف لا يكون مختلفًا في الطبيعة عن الذين هم بالتبنى أبناء[1]؟ لأن بولس الرسول يقول ” لكن لنا إله واحد الآب الذى منه كل الأشياء ورب واحد يسوع المسيح الذى به كلالأشياء” (1كو 6:8).
2ـ الأحد الرابع من الخماسين: (يو35:12ـ50)
” فقال لهم يسوع النور معكم زمانًا قليلاً بعد فسيروا مادام لكم النور لئلا يدرككم الظلام. والذى يسير في الظلام، لا يعلم إلى أين يذهب، مادام لكمالنور، آمنوا بالنور لتصيروا أبناء النور“. يحاول المسيح هنا أن يلفت أنظار الجمع لشرح الوصية وأن يعطيهم فرصة جديدة لتطبيقها وذلك بمعنى أن الزمان والوقت يعبران بسرعة، ولابد من انتهاز واستغلال الفرصة الموجودة، طالما النور قائم وموجود، فالنور قد ظهر ويجب عليهم أن يؤمنوا به ويسيروا معه، كما سار قديمًا آباءهم بواسطة عمود النور، الذى كان يضئ لهم الطريق لئلا تدركهم الظلمة.
وطريق النور الذى يقودنا إلى الملكوت فالذين يسيرون فيه هم ظاهرون للجميع وهم يضيئون لغيرهم، ليس بكلامهم فقط، وإنما بحياتهم وسلوكهم وتصرفاتهم اليومية، وطريق الظلام الذى يؤدى إلى الهلاك، فالذين يسيرون فيه قد لا يكونوا ظاهرين تمامًا مثل السابقين، ولكن هم يعرفون أنفسهم ويعلمون أيضًا إلى أين يذهبون. يطلب القديس غريغوريوس النيسى في أحد مقالاته، من شعبه المؤمن أن يصلوا لكى يكتشفوا ويعرفوا الأشرار للابتعاد عنهم لأنهم كما يقول بولس الرسول إنهم ذئاب خاطفة مختفية في ثوب الحملان. والخبرات اليومية تظهر لنا صدق كل هذا الكلام.
3 ـ الأحد الثالث من شهر بشنس: (لو 25:10ـ37)
“.. تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قدرتك ومنكل فكرك، وقريبك مثل نفسك … افعل هذا فتحيا“. المسيح نور العالم، جاء لكى ينير كلمات الوحى الإلهى ويعطيها قوة، وسهولة في التنفيذ، فلا يمكن لشخص أن يحب الرب، من كل القلب والنفس والقدرة والفكر، والقريب مثل النفس، إلاّ بعد أن ينير له المسيح قلبه وهذه الإمكانية لم تكن متاحة في الماضى بهذه السهولة كما في الحاضر بعد أن جاء مخلص العالم الذى أحب البشرية أولاً وأعطى حياته لها ويكون إتمام هذه الوصية الآن هو نتيجة للحب الذى قُدِم على الصليب.
وهذه الآية تُظهر بوضوح علاقة الإنسان بالله. فمَن أحب الرب يسوع بصدق، يحب قريبه كما يحب نفسه، وهو الأمر الذى لا ينبغى أن يغيب عن اهتمامنا في هذه الأيام.
4 ـ أحد الرابع المولود أعمى :
” وفيما هو مجتاز رأى إنسانًا أعمى منذ ولادته، فسأله تلاميذه قائلين يا معلم مَن أخطأ هذا أم أبواه حتى وُلِدَ أعمى …. مادمت في العالم فأنا نور العالم“.
يقول القديس كيرلس الأسكندرى[2] في شرحه لهذه المعجزة إن الرجل لم يولد أعمى بسبب خطاياه الشخصية أو بسبب خطايا والديه، ولكن حيث إنه قد حدث أنه ولد أعمى، فمن الممكن أن يتمجد الله فيه. لأنه حينما يتحرر ويُشفي من المرض المزعج الذى حلّ به، فمن الذى لا يعجب بذلك الطبيب الذى شفاه؟ ومن هو الذى لا يعترف بسلطان الشفاء الذى أظهر في المسيح؟ ينبغى أن أعمل أعمال الذى أرسلنى مادام نهار، يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل.
بهذه الكلمات، يسمى الرب زمن الحياة في الجسد ” نهارًا ” وزمن وجودنا في الموت يسميه ” ليلاً ” لأنه حيث أن النهار جُعل لتتميم الأعمال والليل جُعل للراحة والنوم، لذلك فإن زمن الحياة الذى ينبغى أن نعمل فيه ما هو صالح يسميه الناس (نهار).
بالطبع كان المسيح يعمل نهارًا وليلاً، فهو الذى يتحكم في الكون ويرعاه، وعيونه على جميع أركان العالم. فلا وجود لشئ كائن إلاّ بوجود الرب يسوع المسيح ملك السماء والأرض. ولكن لكى يوضح المسيح المكتوب ويشرح ببساطة لهذا الشعب ضعيف الإيمان والذى يتحكم فيه الشيطان، قال لهم ” أعمل أعمال الذىأرسلنى مادام نهار“. فتكلم بلغتهم وعل قدر فهمهم. وقدم الشفاء للمريض الأعمى منذ ولادته، وقال لهم “مادمت في العالم، فأنا نور العالم“.
المسيح كان نور العالم، وكل مكان كان يتواجد فيه كان ينيره، سواء بكلماته القوية الصادقة الحقة التى كانت تدخل القلوب فتبكت السامعين فيعودون إليه، وأما بمعجزاته التى كانت تهدف أول ما تهدف إلى إظهار حبه الفياض تجاه البشرية المتألمة.
ولا أتصور أن المسيح كان يهدف في عمل معجزاته إلى إظهار قوته، فهو ليس بسوبر مان (أو بهلوان)، وإنما الدافع الأول والأساسى كان حبه الفياض وحنانه على المتألمين، أما كونه يقول ” لا هذا أخطأ، ولا أبواه .. ولكن لتظهر أعمال الله فيه” أمر لا يلغى إطلاقًا ما أشرنا إليه، بل يؤكده ويؤكد الحب الذى لله لكى يُظهره فيه. كما أن المسيح حينما قال: ” أنا نور العالم” أراد أن يوضح لنا أنه جاء لكى ينير عيوننا وقلوبنا لندرك رسالة الفداء التى جاء لأجلها.
والمعجزة في حد ذاتها تؤكد إننا حينما نكون فاقدين البصيرة الداخلية وعمل الروح القدس، سوف نتخبط ونقع في الحُفر والطرقات وأى حجر صغير تحت أقدامنا سيُلقينا أرضًا وقد تنكسر عظامنا أو قد نُصاب بالشلل الدائم فهو يطالبنا بأن نكون متيقظين صاحين، ومستعدين أن نفتح عيوننا حيث نظن في كثير من الأحيان أننا نرى بوضوح، وفي حقيقة الأمر، نحن عميان بل وأسوأ من هذا الإنسان الذى فتح يسوع عينيه، وذلك عندما نتفاخر بأننا أفضل من الآخرين وأننا نرى كل شئ في حين أن الآخرين عميان، وقد ينطبق علينا ما قاله المسيح بأنه يجب أولاً أن نخرج الخشبة من عيوننا (الخطيئة) لنرى بوضوح.
الفريسيون يطردون الرجل الذى ولد أعمى:
هناك الكثير من الناس لا يحبون النور ولا يحبون الصلاح، بل يحبون الظلمة ويحبون عدم الشهادة للحق، ولذا بعد أن فتح المسيح عينى الأعمى وأصبح علامة واضحة على انتصار النور على الظلمة، نجد الفريسيين مثلاً بدلاً من أن يفرحوا مع الذى كان أعمى وأصبح الآن يبصر، حاكموه، إذ سمح لذلك الذى يُدعى المسيح أن يُفتح عينيه. وعلى الرغم من أن الأعمى قدم شهادة عملية عن إيمانه بهذه الشخصية (المسيح) التى فتحت عينيه، بل وحاول أن يقنعهم بأنه نبى وأنه جاء من قبل الرب.
وكان من الطبيعى أن يبشر الأعمى الفريسيين بالمسيح، وهو لا يستطيع أن يغلق فمه عن التحدث بالمجد والنور الذى أعطاه له المسيح. إذ لا يمكن لإنسان يرى النور الإلهى، ولا يخبر به الآخرين وبكل قوة وعدم خوف حتى لو طردوه. فكل من رأى النور الإلهى يصبح عاملاً وشاهدًا به، ولا يستطيع أن يوقفه أو يعطله أحد. والشئ المؤسف أن علماء الناموس وقضاته وحُماته وقفوا موقفًا مخالفًا للناموس، فبدلاً من دفاعهم هم بأنفسهم عن المسيح الذى جاء الناموس لأجله أدانوا المسيح، على عكس الأعمى الذى وقف موقف الحق والنور دفاعًا وحبًا للمسيح وصار بحق تلميذًا له أفضل من معلمى الناموس.
وفى قراءات هذا اليوم (أحد المولود أعمى ـ الأحد السادس من الصوم الكبير)، تقدم لنا الكنيسة منهجًا روحيًا عن كيف نعيش ونسلك فى النور، وترسمه لنا كما يقول الآباء فى ثلاثة مراحل هى :
أ ـ مرحلة المعرفة :
فى رسالة الكاثوليكون يكلمنا معلمنا الرسول يوحنا (1يو13:5ـ21) عن المعرفة وإدراك النور التى أعطاها لنا ابن الله ويقول ” نعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق … ” هذه البصيرة (المعرفة) التى أخذناها فى المعمودية، بها ندرك معنى المعمودية، أننا نُصلب مع المسيح ونموت وندفن معه، وبالتالى نقوم معه بقيامته.
ب ـ مرحلة التطهير :
هذه المرحلة ـ التطهير ـ نجدها فى رسالة البولس (كو5:3ـ17)، وفيها يعلمنا الرسول بولس كيف نبدأ فى التطهير فيقول ” فأميتوا أعضاءكم التى على الأرض الزنى النجاسة الهوى الشهوة الردية الطمع الذى هو عبادة الأوثان… إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذى يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه“. ففى المعمودية خلعنا العتيق ولبسنا الجديد، لذا يجب علينا لكى نسلك فى النور ونعيش فى النور، أن نطهر أنفسنا، ونحفظ قلوبنا… كل هذا يحتاج إلى سهر ويقظة وجهاد التى هى سمات مرحلة التطهير، التى يطالبنا بها الرسول بولس.
ج ـ مرحلة الاستنارة :
وهو موضوع إنجيل القداس (الذى تكرره الكنيسة فى الأحد الرابع من شهر طوبة، لتؤكد على مسامعنا أهمية السلوك فى النور). فمادام المسيح فى العالم فهو نور العالم، ونحن الذين عرفناوأدركنا ذلك؛ ونجاهد من أجل تطهير ذواتنا، نعرف أن سبيل استنارتناهو الاتحاد بشخص المسيح ” من هو يا سيد لأؤمن به… قد رأيته والذى يتكلم معك هو هو. فقال أؤمن يا سيد. وسجد له“. إن الاتحاد بشخص المسيح هو التجرد من كل شئ ” أخرجوه خارجًا “، والالتصاق بالمسيح ” فوجده“.
وهكذا بتطهير القلب يشرق فينا نور المسيح بشكل واضح ونصير أبناء النور كما يقول الرب ” آمنوا بالنور لتصيروا أبناء النور ” (يو35:12).
* “أنت يا سيدنا ومخلصنا يسوع المسيح، تأتي إلى النفوس حيث يخيم الظلام. ولا يدرك نورك إلاّ بعض الناس، فالرجاء أن تزيد نورك لكى ندركك نحن أصحاب النفوس الضعيفة”
1 أنظر القديس كيرلس الكبير، في تفسيره وشرحه لإنجيل يوحنا الجزء الأول، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1989 ص 144.
2 أنظر أحد المولود أعمى للقديس كيرلس الأسكندرى. ترجمة د. نصحى عبد الشهيد. مركز دراسات الآباء القاهرة ، 2000 ، ص 3.