آباء الكنيسة – الفكر والإتباع والسلطان

آباء الكنيسة – الفكر والإتباع والسلطان

آباء الكنيسة – الفكر والإتباع والسلطان

آباء الكنيسة – الفكر والإتباع والسلطان

إتِّباع الآباء

كان استهلال التحديدات العقيدية بعبارات مشابهة لعبارة “إتِّباع الآباء القديسين” مألوفاً في الكنيسة القديمة. فجمع خلكيدونية استهل قراراته بهذه الكلمات. والمجمع المسكوني السابع ابتدأ قراره المتعلق بالأيقونات المقدسة بطريقة موسّعة فقال: “إننا نتبع تعليم الآباء القديسين الذي أوحى به الله ونتَّبع تقليد الكنيسة الجامعة”. فتعليم (didaskalia) الآباء هو المرجع النموذجي والرسمي.

لكن هذا كان أكثر من “احتكام إلى القِدَم”، لأن الكنيسة شدّدت منذ البدء على ديمومة إيمانها واستمراريته على مر العصور. هذه الوحدة منذ أيام الرسل كانت إشارة جلية إلى الإيمان الصجيج وأمارة له. لكنَّ “القِدَم” في حدّ ذاته لم يكن برهاناً كافياً للإيمان الحقيقي، بل إن الرسالة المسيحية كانت “الجِدة” المؤثرة في “العالم القديم” والدعوة إلى التجديد الجذري.

فالقديم زال وانقضى وصار كل شيء جديداً. أمّا الهرطقات فكانت قادرة على الاحتكام أيضاً إلى الماضي وعلى الاستشهاد بسلطان بعض “التقاليد”. والواقع أنها تمسكت في أغلب الأحيان بالماضي (*)، إذ إن الصيغ القديمة كثيراً ما تكون مضلِّلة بشكل خطير. يكفي أن نقتبس هذا المقطع المهم من مصنفات القديس فكنديوس الليرنسي الذي وعى هذا الخطر وعياً كلياً: “والآن، يا له من انقلاب مدهش للوضع! فأصحاب الرأي الواحد اعتُبروا مستقيمي الرأي، أما أتباعهم فاعتُبروا هراطقة؟ الزعماء غُفر لهم أمّا التلاميذ فأُدينوا؟ سيكون واضعو الكتب أبناء الملكوت، أمّا أتباعهم فسيذهبون إلى جهنم” (commonitorium،cap 6).

لا شك، أن فكنديوس فكّر في ما وقع بين القديس كبريانوس والدوناتيين، وكان كبريانوس القديس قد واجه الحالة نفسها فقال: “قد يكون القِدَم في حد ذاته ضرراً كبيراً” (الرسالة74)، أي أن “العادات القديمة” في حد ذاتها لا تضمن الحقيقة. فما الحقيقة عادة.

التقليد الحقيقي هو “تقليد الحق” (traditio veritatis) الذي يستند، عند القديس إيريناوس، إلى “موهبة الحق الأكيدة” (charisma veritatis certum) التي “أُودعت” في الكنيسة منذ البدء والتي حفظها تعاقب الأساقفة غير المنقطع. فما “التقليد” في الكنيسة استمراراً للذاكرة الإنسانية وللأعراف والطقوس لأنه تقليد حيّ و”وديعة حيّة” (depositum juvenescens)، كما قال القديس ايريناوس. ولذلك لا نقدر أن ندرجه “بين الشرائع المميتة” (inter mortuas regulas). فهو استمرار لحضور الروح القدس المقيم في الكنيسة واستمرار للتوجيه الإلهي والإنارة الإلهية.

إن الكنيسة لا تُقيّد “بالحرف”، لأن الروح يحركها دائماً. فالروح نفسه، أي روح الحق، الذي “تكلم من خلال الأنبياء” وأرشد الرسل هو يستمر في قيادة الكنيسة إلى فهم أكمل للحق الإلهي، فيقودها من مجد إلى مجد.

ليست عبارة “إتِّباع الآباء القديسين” إشارة إلى تقليد مجرّد ذي صيغ وافتراضات، بل هي أولاً احتكام إلى شهود قديسين. فنحن نحتكم إلى الرسل لا إلى “رسولية” مجردة. ونرجع إلى الآباء على نحو مشابه، لأن شهادتهم تنتمي عضوياً إلى بنية الإيمان الأرثوذكسي. فالكنيسة ائتمنت على بشارة (Kerygma) الرسل وعقيدة (Dogma) الآباء في آن.

إننا نقدر أن نقتبس هنا ترنيمة قديمة رائعة (لعلّها من قلم القديس رومانوس المرنم) تقول: “ولأن الكنيسة تحفظ بشارة الرسل وعقائد الآباء فهي تختم الإيمان الواحد، ولأنها ترتدي حلّة الحق والقماش المنسوج في اللاهوت السماوي فهي تمدح باستقامة سر التقوى العظيم”.

فكر الآباء

إن الكنيسة “رسولية” بالطبع ولكنها آبائية أيضاً. فهي أساساً “كنيسة الآباء”. وهاتان “السمتان” لا نقدر أن نفصلهما، ولكونها “آبائية” فهي “رسولية” حقاً. وشهادة الآباء هي أكثر من ميزة تاريخية وأكثر من صوت من الماضي. ولنقتبس هنا ترنيمة أخرى من خدمة الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي ويوحنا الذهبي الفم): “إنكم بكلمة المعرفة ألّفتم العقائد التي وضعها الصيادون قبلاً بكلام بسيط عبر معرفة من قوة الروح فاكتسب تقاناً البسيط بهذا تركيباً”. هناك مرحلتان أساسيتان في إعلان الإيمان المسيحي. “كان على إيماننا البسيط أن يكتسب تركيباً”. ففي الانتقال من البشارة (kerzgma) إلى العقيدة (dogma) وُجد دافع داخلي ومنطق داخلي وضرورة ضمنية. والحق، أن تعليم الآباء وعقيدة الكنيسة مازالا “الرسالة البسيطة” نفسها التي سلّمها وأودعها الرسل مرة وإلى الأبد. أمّا الآن فهي مترابطة بكل اتساق وانتظام.

ليست البشارة الرسولية محفوظة في الكنيسة فقط، بل هي حيّة فيها. بهذا المعنى يكون تعليم الآباء مقولة دائمة للوجود المسيحي ومقياساً ثابتاً وسامياً للإيمان القويم. فما الآباء شهوداً للإيمان القديم فقط (testes antiquitatis)، بل هم شهود للإيمان الحقيقي (testes veritatis). إن “فكر الآباء” مرجع حقيقي للاهوت الأرثوذكسي لا يقل شأناً عن كلمة الكتاب المقدس ولا ينفصل عنه أبداً. وكما قال أحدهم بحق: “فإن الكنيسة الجامعة في كل العصور ليست ابنة لكنيسة الآباء فقط، بل إنها كنيسة الآباء وستبقى كذلك”.

الطابع الوجودي في اللاهوت الآبائي

كان  الطابع “الوجودي” علامة مميِّزة للاهوت الآبائي إذا جاز لنا أن نستعمل بصددهم هذا التعبير الحديث. وكما قال القديس غريغوريوس النزينزي، تكلَّم الآباء لاهوتياً “على طريقة الصيَّادين (الرسل) لا على طريقة أرسطو” (العظة 23، 12). فلاهوتهم بقي “بشارة” (kerygma) رغم أنه مرتَّب ترتيباً منطقياً مزوَّد ببراهين عقلية، لأن مرجعهم الأخير كان الرؤية الإيمانية والمعرفة الروحية والخبرة. فاللاهوت لا يحمل قناعة خارج الحياة في المسيح، أمّا إذا فُصل عن حياة الإيمان فإنه يتحوّل إلى ديالكتيك فارغ وإلى كلام كثير باطل (polyogia) لا قيمة روحية له.

لقد كان اللاهوت الآبائي متأصلاً تأصلاً وجودياً في التزام الإيمان، من غير أن يكون “نظاماً” يفسِّر نفسه بنفسه ويعرض عرضاً برهانياً وجدلياً أي أرسطوطاليسيا (aristotelikos) بدون أي التزام روحي مسبق. والآباء الكبادوكيون الكبار احتجوا على استخدام الديالكتيك القائم على المقاييس الأرسطية، في عصرهم الذي تميَّز بالنزاع اللاهوتي والنقاشات المستمرة، وحاولوا إعادة اللاهوت إلى الرؤية الإيمانية. ونحن نقدر أن “نعظ” باللاهوت الآبائي من منبر الوعظ فقط، وأن “نعلنه” في كلام الصلاة والخدم المقدسة، ونظهره في بنية الحياة المسيحية. هذا اللاهوت لا يكمن فصله أبداً عن حياة الصلاة وعن ممارسة الفضيلة. “فقمة الطهارة هي أساسا اللاهوت” على حد قول يوحنا السلَّمي (السلم، الدرجة 30).

هذا اللاهوت هو، من جهة أخرى، “تعليم إعدادي”، لأن هدفه الأسمى هو الاعتراف بسر الله الحيّ والشهادة له قولاً وفعلاً. ليس “اللاهوت” غاية في حد ذاته، بل هو دائماً طريقة، لأنه لا يقدِّم-وكذلك “العقائد”- سوى “إطار فكري” عن الحقيقة المعلنة، وشهادة “عقلية” (noetic) لها. بالإيمان فقط يمتلئ هذا “الإطار” محتوى. فالصيغ الخريستولوجية تأخذ معناها الكامل فقط عند الذين لاقوا المسيح الحيّ واعترفوا به ربّاً ومخلِّصاً ويقيمون فيه بالإيمان وفي جسده الذي هو الكنيسة. بهذا المعنى لا يكون اللاهوت نظاماً يفسِّر نفسه بنفسه، لأنه احتكام دائم إلى الرؤية الإيمانية : “إننا نعلن لكم ما رأيناه وسمعناه”. وخارج هذا الإعلان تبقى الصيغ اللاهوتية فارغة لا أهمية لها. ولذلك لن نأخذها “بشكل تجريد”، أي خارج إطار الإيمان.

إننا نخطئ إذا اقتطعنا من النصوص الآبائية قطعاً وفصلناها عن المنظور الذي وُضعت فيه. وهذا يشبه خطأ استخدام آيات من الكتاب المقدس بعد نزعها من إطارها. ولذلك تبقى عادة “اقتباس” أقوال الآباء وعباراتهم خطرة إذا عزلناها عن المحيط الذي تأخذ فيه معناها الحقيقي وتصبح مليئة بالحياة. “إتِّباع الآباء” لا يعني فقط “اقتباس” أقوالهم والاستشهاد بها، بل يعني اقتفاء “فكرهم” وعقلهم (phronema).

معنى “عصر” الآباء

والآن، وصلنا إلى النقطة الحاسمة. فإن اسم “آباء الكنيسة” يقتصر عادة على معلِّمي الكنيسة القديمة،  ويفترض البعض أن سلطانهم يستند إلى “قِدَمهم” وإلى قربهم النسبي من “الكنيسة الأولى”، أي من “عصر” الكنيسة الأولى. لكن القديس ايرونيموس سبق فأنكر هذه الفكرة. ونحن لا نجد تناقضاً في “السلطان” ولا تناقضاً في الأهلية والمعرفة الروحيتين على مرّ التاريخ المسيحي.

ففكرة “التناقض” هذه أثَّرت في تفكيرنا اللاهوتي الحديث. ولذلك غالباً ما نفترض بوعي أو بغير وعي أن الكنيسة الأولى كانت أكثر قرباً من مصدر الحقيقة. إن هذا الافتراض مفيد وصحيح كإقرار بفشلنا وبعدم قدرتنا وكنقد ذاتي متواضع. لكن جعله نقطة انطلاق  أو قاعدة “للاهوت تاريخ الكنيسة” أو حتى للاهوت الكنيسة يبقى خطراً. في الواقع، يجب أن يحتفظ عصر الرسل بمكانه الفريد، لكنه ليس سوى بداءة.  ولقد افترض الناس كثيراً أن “عصر الآباء” قد انتهى، ولذلك نظروا إليه ككيان قديم “عتيق الزيّ” و”ميت”.

فحاول كلّ واحد أن يسعى إلى وضع حدود له. فألِف الناس أن يُعتبر يوحنا الدمشقي “آخر” أب في الشرق وأن يوضع غريغوريوس الذيالوغور (المحاور) أو ايسيدرس السفيلي “آخر” أب في الغرب. ولكن البعض ابتدأ برفض هذا التصنيف الزمني. أما يجب أن ندرج مثلاً القديس ثيوذورس رئيس دير الستوديوم بين “الآباء”؟ فمابيلون اقترح أن يكون برنارد الكليرفو، المعلِّم “المعسول اللسان”، “آخر الآباء ومساوياً لأقدمهم”.

في الواقع، إنّ المسألة تتجاوز تصنيف أدوار زمنية. فمن وجهة نظر الغرب حلَّ “عصر المدرسين” محلّ “عصر الآباء” واعتبر هذا التطور خطوة إلى الأمام. فمنذ ظهور السكولاستيكية اعتُبر “اللاهوت الآبائي” عتيق الزيّ وصار ينتمي إلى العصور الغابرة وكأنه مقدمة موسيقية متناهية في القدم. لكن وجهة النظر هذه، الشرعية في الغرب، قَبِلَها، ويا للأسف، كثيرون في الشرق على نحو أعمى وغير نقدي.

إذن، يجب أن يواجه المرء الخيار فيما إذا كان عليه أن يتأسّف على “تخلّف” الشرق الذي لم يظهر أية  “سكولاستيكية” خاصة به أو أن ينكفئ عائداً إلى “العصور القديمة” بشكل أثري تقريباً ويمارس ما وصفه البعض ببراعة “بلاهوت التكرار” علماً بأن هذا اللاهوت ليس سوى شكل خاص للسكولاستيكية المقلِّدة.

واليوم يقال كثيراً إن “عصر الآباء” ربما انتهى قبل القديس يوحنا الدمشقي بوقت طويل. فغالباً ما يقف الفرد عند عصر يوستينيانس أو عند مجمع خلكيدونية. إلا يُعتبر ليوندوس البيزنطي “أول السكولاستيكيين”؟ يُفهم هذا الموقف من وجهة نظر نفسية، لكن لا يمكن تبريره لاهوتياً. والواقع أن آباء القرن الرابع كانوا أكثر تأثيراً من الآخرين وعظمتهم الفريدة لا تُنكر، لكن الكنيسة بقيت حيِّة بعد مجمعي نيقية وخلكيدونية.

فالمغالاة في التأكيد على “القرون الخمسة الأولى” تشوِّه بشكل خطير الرؤية اللاهوتية، وتحول دون الفهم الصحيح لعقيدة خلكيدونية نفسها. وكثيراً ما ينظر الناس إلى قرارات المجمع المسكوني السادس وكأنها ملحق بقرارات مجمع خلكيدونية، يثير اهتمام الإخصائيين في اللاهوت فقط. وكذلك فإن شخصية مكسيموس المعترف أُهملت تقريباً في الكنيسة. وهكذا تُحجب الأهمية اللاهوتية للمجمع المسكوني السابع حتى أن المرء يتساءل: لماذا يجب أن يُربط “أحد الأرثوذكسية” بإحياء ذكرى انتصار الكنيسة على محاربي الأيقونات؟ ألم يكن هذا مجرَّد خلافٍ في الطقس؟ غالباً ما ننسى أن الصيغة الشهيرة التي تتعلق “باتفاق القرون الخمسة الأولى”، أي حتى مجمع خلكيدونية، كانت صيغة بروتستانتية تعكس لاهوتاً بروتستانتياً عن التاريخ. فهي صيغة مقيِّدة، رغم أنها تظهر شاملة عند الذين يريدون أن يكتفوا بالعصر الرسولي.

والصيغة الشرقية الرائجة عن “المجامع المسكونية السبعة” لا تكون أفضل كثيراً إذاً اتجهت إلى حصر السلطان الروحي في الكنيسة ضمن القرون الثمانية الأولى، وهذا ما تفعله عادة. فيظهر كما لو أن “العصر الذهبي” للمسيحية قد ولَّى وأننا صرنا في عصر حديدي أدنى منه على صعيد القوة والسلطة الروحية. فكرنا اللاهوتي الحديث تأثر بشكل خطير بنمط الانحطاط الذي تبنّاه الغرب من أيام الإصلاح البروتستانتي من أجل تفسير التاريخ المسيحي. مذ ذاك فُسِّر كمال الكنيسة بشكل جامد فتشوَّه الموقف تجاه القِدَم وأُسيء فهمه.

وفي النهاية، لا فرق بين حصر سلطان الكنيسة بقرن واحد أو بخمسة قرون أو بثمانية قرون، ذ يجب ألا نضع له أي حدّ أو تحديد، لأنه لا يوجد أي مجال “للاهوت الترداد”. إن الكنيسة ما زالت تتمتَّع بسلطانها الكامل كما تمتَّعت به قديماً، لأن روح الحق يُحييها كما أحياها قديماً.

تراث اللاهوت البيزنطي

إن إحدى نتائج تحديدنا الكيفي للأدوار الزمنية هي جهلنا التراث اللاهوتي البيزنطي. لكننا أصبحنا الآن مستعدِّين أكثر من العقود الماضية لأن نقبل سلطان “الآباء” الدائم، خاصة عندما ظهر إحياء الدراسات الآبائية في الغرب. ومع ذلك فنحن ما زلنا نتجه إلى تضييق مجال قبولنا لها، لأن الكثيرين غير مستعدين لإدراج اللاهوتيين البيزنطيين بين الآباء، ولأننا مازلنا نميل إلى اعتبار العصر البيزنطي متمّماً للعصر الآبائي بشكل يكون فيه أقل شأناً، ولأننا مازلنا نشك في وثاقة صلته المعيارية بالتفكير اللاهوتي.

لقد كان اللاهوت البيزنطي أكثر بكثير من ترداد للاهوت الآبائي، فالجديد الذي برز فيه لم يكن اقل أهمية من “القِدَم المسيحي”. والحق، أن اللاهوت البيزنطي استمرار عضوي لعصر الآباء. فهل حصل أي انقطاع؟ وهل تغيَّرت روح (ethos) الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية في حقبة تاريخية معيّنة، علماً بأن شيئاً من هذا لم يلاحظ قط، بحيث ما ظهر فيها من تطور لاحق كان ذا سلطة متدنية عما سبقه؟ قبولنا بهذا الشيء يُستنتج ضمناً من التقليد الحصري بالمجامع المسكونية السبعة. فنحن بهذا نهمل القديس سمعان اللاهوتي الحديث والقديس غريغوريوس بالماس والمجامع الكبيرة التي أيّدت الحياة الهدوئية والتي عُقدت في القرن الرابع عشر. فما هي أهميتهم وسلطانهم في الكنيسة؟

مازال القديس سمعان اللاهوتي الحديث والقديس غريغوريوس بالماس معلِّمين كبيرين يلهمان الذين يجاهدون في الكنيسة الأرثوذكسية من أجل الكمال الروحي والذين يعيشون حياة الصلاة والتأمل، إمّا في جماعة رهبانية أو في التوحد في الصحراء أو حتى في العالم. هؤلاء المؤمنون لا يعون أي “انقطاع” مزعوم بين العصر الآبائي والعصر البيزنطي.

فالفيلوكاليا، التي هي دائرة معارف كبيرة عن التقوى الشرقية والتي تجمع كتابات من قرون متعددة أصبحت في أيامنا كتاباً يهدي كل من يرغب في ممارسة الأرثوذكسية في وضعنا الحاضر. والكنيسة اعترفت بسلطان نيقوديموس الآثوسي جامع هذه المؤلفان وأعلنت قداسته. بهذا المعنى نذهب إلى القول أن “عصر الآباء” يستمر في “الكنيسة المصلَّية”. أفما يجب أن يستمر أيضاً في سعينا اللاهوتي وفي دراستنا وبحثنا وإرشادنا؟ أما يجب أن نستعيد “فكر الآباء” أيضاً في تفكيرنا اللاهوتي وفي تعليمنا؟ فاستعادته لا تُشكل أسلوباً قديماً ولا ذخراً كريماًُ، هي موقف وجودي واتجاه روحي. بهذه الطريقة وحدها يستعيد لاهوتنا مكانه في كمال وجودنا المسيحي.

فلا يكفي أن نحافظ على “الليتورجيا البيزنطية” -كما نفعل- وأن نعود إلى الاهتمام بالأيقونة والموسيقى البيزنطيتين – ونحن مازلنا محجمين عن فعله بصورة دائمة- وأن نمارس بعض أساليب التقوى البيزنطية، بل يجب علينا أن نعود إلى جذور هذه التقوى التراثية وأن نستعيد “الفكر الآبائي”، وإلا وقعنا في خطر الانقسام الداخلي، كما حدث في أوساطنا، بين أشكال التقوى “التقليدية” وبين عادتنا اللاتقليدية في التفكير اللاهوتي. وهذا خطر حقيقي. فنحن “كمصلِّين” مازلنا نحافظ على “تقليد الآباء”. أما يجب أن نقف بضمير حيّ وبمجاهرة في هذا التقليد أيضاً “كلاهوتيين” وكشهود ومعلِّمين للأرثوذكسية؟ هل نقدر أن نحتفظ باستقامتنا بطريقة أخرى؟

القديس غريغوريوس بالماس والتألّه

تتصل كلّ هذه الاعتبارات التمهيدية بهدفنا المباشر وهو: ما هو التراث اللاهوتي عند القديس غريغوريوس بالماس؟ إن القديس غريغوريوس لم يكن لاهوتياً منظِّراً، بل كان راهباً وأسقفاً. ولذلك لم يهتمّ بالمسائل الفلسفية المجرّدة، مع أنه كان مثقفاً جداً في هذا الحقل، لأن همّه الأوحد ارتبط بمسائل الوجود المسيحي. فهو بوصفه لاهوتياً قام بترجمة خبرة الكنيسة الروحية، لأنه كتب معظم مصنَّفاته باستثناء عظاته لمواجهة المشاكل الطارئة. فصارع مشاكل عصره الذي كان جرجاً ومشحوناً بالجدل والقلق ومتَّسماً أيضاً بالتجديد الروحي.

اتَّهمه أعداؤه بالابتداع المدمِّر، وحتى هذا اليوم ما برح الغربيون يقذفونه بهذا الاتهام. أمَّا هو فمتأصل في التقليد، حتى إننا لا نحد صعوبة في إرجاع أكثرية أرائه ودوافعه إلى الآباء الكبادوكيين (باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي وغيريغوريوس النيصصي) وإلى القديس مكسيموس المعترف الذي كان أكثر معلِّمي الفكر والإيمان البيزنطيين شعبية. وكان القديس غريغوريوس يعرف أيضاً فكر ديونيسيوس الآريوباغي. كان متأصلاً في التقليد، لكن لاهوته لم يكن “تكرارياً”، بل كان امتداداً خلاّقاً للتقليد القديم. وكانت نقطة انطلاقه هي الحياة في المسيح.

من بين المواضيع المتعددة التي تناولها لاهوت القديس غريغوريوس نكتفي ببحث موضوع واحد يثير الكثير من الجدل وهو ما هي الصفة الأساسية في الوجود المسيحي؟ إن الهدف الأسمى من الحياة البشرية قد حدّده الآباء في تقليدهم من خلال لفظة “التألّه” (Theosis). لا شكل أن لفظة “التأله” مزعجة للأذن المعاصرة. حتى إننا لا نقدر أن نترجمها بدقة إلى أية لغة معاصرة ولا نقدر أن نترجمها حتى إلى اللاتينية. وفي اليونانية تبقى اللفظة ثقيلة ومتكلّفة. والحق، أنها لفظ جريئة، لكنَّ معناها واضح وبسيط.

هذه اللفظة كانت تعبيراً حاسماً في المصطلح الآبائي. يكفي أن نقتبس أقوال القديس أثناثيوس: “فهو أصبح إنساناً حتى يؤلِّهنا في ذاته” (إلى أدلفيوس 4)، “لقد تأنس حتى نتألَّه نحن” (في التجسد 54). هكذا يلخَّص القديس أثناثيوس فكرة القديس ايريناوس الشهيرة: “هو بمحبته العظيمة صار مثلنا حتى يرفعنا إلى ما هو عليه” (ضد الهرطقات 5، المقدمة). هذه كانت قناعة الآباء اليونانيين عامة. ويقدر المرء أن يقتبس بتفصيل أقوال القديس غريغوريوس النزينزي وغريغوريوس النيصصي وكيرلس الإسكندري ومكسيموس المعترف وسمعان اللاهوتي الحديث.

فالإنسان يبقى دائماً هو هو، أي إنه كائن مخلوق. لكنه في يسوع المسيح، الكلمة المتأنس، وعده الله وأعطاه المشاركة الفعلية في ما هو إلهي، أي في الحياة الأبدية غير الفاسدة. إن الميزة الرئيسية للتألّه، عند آباء الكنيسة، هي الخلود واللافساد، إذ لله “وحده الخلود” (1تيمو6: 16). لكن الإنسان يُقبل الآن في “اتحادٍ” صميم بالله بواسطة المسيح وبقوة الروح القدس. وهذا الاتحاد هو أكثر بكثير من اتحاد “خلقي” ومن كمال بشري. وحدها لفظة “التألّه” تقدر أن تُترجم ترجمة وافية فرادة الوعد والعطاء. فهي تعيقنا وتربكنا إذا ما فكّرنا فيها من خلال المقولات “الوجودية” والكيانية. الإنسان لا يقدر أن “يصير” إلهاً، لكنَّ الآباء كانوا يفكرِّون على المستوى “الشخصي” ويرجعون إلى سرّ الاتحاد الشخصي. “التألّه” مواجهة شخصية، إنه هذا الاتصال الحميم للإنسان بالله الذي يخترق فيه الحضور الإلهي كل الوجود الإنساني.

لكن المشكلة الباقية هي: كيف تنسجم هذه العلاقة مع التعالي الإلهي، وهل يلاقي الإنسان الله حقاً في هذه الحياة على الأرض؟ وهل يلاقي الإنسان الله حقاً ويقيناً في حياة الصلاة الحاضرة؟ أم هل نحن فقط بصدد “مقدرة مستقبلية” (action in distans)؟ ما قاله الآباء الشرقيون هو أن ارتقاء الإنسان في العبادة يوصله إلى ملاقاة الله وإلى مشاهدة مجده الأزلي. لكن إذا كان الله “يسكن في النور الذي لا يُدنى” فكيف نقدر أن نلاقيه؟ كانت المفارقة الظاهرية حادة بصورة خاصة في اللاهوت الشرقي الذي التزم دوماً الاعتقاد بأن الله “لا يُدرك” كلياً (akataliptos) وأنه لا يُعرف في طبيعته أو جوهره.

هذا الاعتقاد عبّر عنه بقوة الآباء الكبادوكيون، في صراعهم ضد الأفنوميين، وعبّر عنه القديس يوحنا الذهبي الفم في مباحثه الرائعة “في عدم إدراكنا لله” (Peri Akataliptou). فإذا كان الإنسان لا يقدر أن يدنو من الله في جوهره، وإذا كان اتحاده بجوهره مستحيلاً فكيف يكون “التأله” ممكنا؟ يقول الذهبي الفم: “من يبتغِ إدراك جوهر الله يشتمه”، والقديس أثناثيوس ميّز بين جوهر الله وقواه فقال: “هو موجود بصلاحه في كل الأشياء، لكنه يبقى خارجها بطبيعته الخاصة” (في مقررات مجمع نيقية 2). هذا المفهوم وسّعه بدقة الكبادوكيون.

فقال القديس باسيليوس إن الإنسان لا يقدر أن يدنو من “جوهر الله” (ضد أفنوميوس 1: 14). إننا نعرف الله في قواه فقط ومن خلالها: “نحن نقول إننا نعرف إلهنا من قواه وأفعاله لكننا لا نعطي وعداً بأننا ندنو من جوهره، لأن قواه تنحدر إلينا، أمّا جوهره فيبقى بعيداً” (الرسالة 234 ضد أمفيلوخيوس). لكنّ هذه المعرفة لا تكون حدساً أو استدلالاً، إذ إن قواه تنحدر إلينا. وفي تعبير القديس يوحنا الدمشقي، هذه القوى إعلان عن الله نفسه: “الإشراق الإلهي والقوة” (العرض الدقيق للإيمان الأرثوذكسي 1: 14). فحضوره حقيقي ولا يكون فقط مثل “حضور الممثِّل فيما يفعله”. ورغم التعالي المطلق في الجوهر الإلهي تعلو هذه الطريقة السرية للحضور الإلهي على كل فهم، لكنّ هذا التعالي لا يجعلها غير أكيدة بالنسبة للعقل.

في هذا المجال يستند القديس غريغوريوس بالاماس إلى تقليد قديم. فالله الذي لا يُداني يدنو من الإنسان “بقواه” سرِّياً. هذه الحركة الإلهية تُحدث اللقاء، فهي “حركة نحو الخارج” على حدّ قول مكسيموس المعترف (تعليق على كتاب الأسماء اللإلهية 1، 5).

يبدأ القديس غريغوريوس التمييز بين “النعمة” و “الجوهر” فيقول : “لا تكون الإنارة الإلهية المؤلِّهة جوهر الله، بل قوته” (الفصول الفلسفية واللاهوتية 68- 69). هذا التمييز اعترفت به الكنيسة رسمياً في المجمعين الكبيرين اللذين عُقدا في القسطنطينية سنة 1341 وسنة 1351. حتى إنها أبسلت من ينكر هذا التمييز. وهذه الإبسالات التي أصدرها مجمع سنة 1351 أُدرجت في خدمة أحد الأرثوذكسية في كتاب التريودي. فاللاهوتيون الأرثوذكسيون إذاً مُلتزمون بهذا القرار. بما أن الجوهر الإلهي لا يُدانى فمصدر التأله الإنساني وقوته لا يعودان إلى الجوهر الإلهي، بل إلى “نعمة الله”، لأن “القوة الإلهية المؤلِّهة التي يتألَّه بها المشاركون فيها هي نعمة إلهية لا جوهر إلهي” (المصدر نفسه 92-93).

فما النعمة (Kharis) جوهراً (Ousia)، بل هي “النعمة الإلهية غير المخلوقة والقوة غير المخلوقة” (المصدر نفسه 69). لكنَّ هذا التمييز لا يحمل انقساماً أو انفصالاً (المصدر نفسه 127). إن القوى تصدر عن الله وتظهر كيانه ووجوده ولفظة “تصدر” (proiene, προιεναι) تشير إلى التمييز لا إلى الانفصال. “وإن اختلفت نعمة الروح عن طبيعتها، لكنها لا تنفصل عنها” (ثيوفانيس ص. 940).

يفترض تعليم القديس غريغوريوس عمل الله الشخصي، أي إن الله يتحرك باتجاه الإنسان ويحتضنه “بنعمته” وفعله، من دون أن يغادر “النور الذي لا يُدانى” المقيم فيه أبداً. فكان الهدف الأسمى من تعليمه اللاهوتي الدفاع عن حقيقة الخبرة المسيحية، لأن الخلاص أكثر من غفران، فهود تجديد حقيقي للإنسان. وهذا التجديد لا يتمّ من خلال التحرر من بعض القوى الطبيعية الموجودة في طبيعة الإنسان المخلوقة، بل من خلال “قوى” الله نفسه الذي يلاقي الإنسان ويوحِّده مع ذاته. والحق، أن تعليم القديس غريغوريوس يؤثِّر في كل المنهج اللاهوتي وفي جسم العقيدة المسيحية. فهو يبدأ بالتمييز الواضح بين “طبيعة” الله و”إرادته”. وهذا التمييز كان من ميزات التقليد الشرقي، على الأقل ابتداء من القديس أثناثيوس.

في هذا المجال يمكن طرح السؤال التالي: هل ينسجم هذا التمييز مع “بساطة” الله؟ أم هل ننظر إلى هذا التمييز كتخمينات عقلية ضرورية لنا، لا أهمية وجودية لها؟ لقد هاجمه أعداءه من هذه الزاوية، لأنهم كانوا يعتبرون أن كيان الله بسيط وأن كل صفاته متطابقة. وأوغسطين ابتعد أيضاً عن التقليد الشرقي في هذا المجال، ولذلك يظهر تعليم بالاماس غير مقبول إذا قسناه بالفرضيات الأوغسطينية. وبالماس نفسه توقّع الاعتراضات التي يمكن أن تنتج عن تمييزه الأساسي فقال إنه إذا لم يقبله المرء لاستحال التمييز بوضوح بين “ولادة” الابن و”خلق” العالم، كونها من أعمال الجوهر.

وهذا يقود إلى خلط وتشويش عقيدة الثالوث. وكان القديس غريغوريوس بالماس متشدداً في هذه النقطة إذ قال: “إذا لم تختلف القوة الإلهية في شيء عن الجوهر الإلهي، كما يعتقد أعداؤنا الذين يهذون من يشاطرهم الرأي، فلن يختلف فعل الخلق الذي ينتمي إلى الإرادة في شيء عن الولادة والانبثاق اللذين ينتميان إلى الجوهر. وإذا لم يختلف الخلق عن الولادة والانبثاق فلن تختلف المخلوقات في شيء عن المولود والمنبثق. وبهذه الطريقة لن يختلف ابن الله والروح القدس عن المخلوقات، وتصبح المخلوقات كلّها “من مواليد الله ومبثوقاته” وتتألَّه الخليقة ويُدرج الله بين المخلوقات.

لذلك عندما أظهر كيرلس الموقَّر الفرق بين جوهر الله وقوته قال إن الولادة تنتمي إلى الطبيعة الإلهية حين أن الخلق ينتمي إلى قوته الإلهية. وهذا ما أظهره بوضوح عندما قال: “ما الطبيعة والقوة شيئاً واحد”. إذا كان الجوهر الإلهي لا يختلف عن الخلق والصنع. إن الله الآب يخلق بالابن في الروح القدس. ولذلك يلد الله ويبثق، وفق رأي أخصامنا ومن يوافقهم، بالابن في الروح القدس” (الفصول 96-97).

هنا اقتبس بالماس مقطعاً كيرلس الإسكندري، لكنَّ القديس كيرلّس كان يردد ما قاله القديس أثناثيوس الذي أكَّد، في دحض الآريوسية، الفارق الكبير بين الجوهر (أو الطبيعة) والإرادة. الله موجود قبل أن يفعل وهناك نوع من “الضرورة” في الكيان الإلهي، لكنها لا تكون ضرورة إكراه أو قدر، بل ضرورة الوجود نفسه، الله هو ما هو، فهو حرّ الإرادة كلياً. هو لا يُكرِهُهُ أحد على فعل الأشياء التي يقوم بها. لذلك تكون الولادة دائماً “بحسب الطبيعة”، أمَّا الخلق فيكون “عمل الإرادة” (ضد آريوس 3، 64-66). هذان البعدان، بُعد الوجود وبُعد الفعل، يختلفان، بل يجب أن نميِّز بينهما بوضوح. ومما لا شك فيه هو أن هذا التمييز لن يعرِّض “البساطة الإلهية” للخطر، لأنه تمييز حقيقي لا مجرَّد صورة منطقية. لقد وعى بالماس أهمية هذا التمييز فكان في هذا المجال خليفة أثناثيوس الكبير وخليفة أساقفة كبادوكية الكبار حقاً.

اقترح البعض مؤخراً أن نَصِفَ لاهوت القديس غريغوريوس بعبارات حديثة كعبارة “اللاهوت الوجودي”. والواقع أن لاهوته يختلف جذرياً عن كل المفاهيم الحديثة التي تدلّ عليها عادة هذه العبارة. وفي أي حال فإنه قاوم بقوة كل أنواع “اللاهوت الجوهري” (Essentialist) الذي فشل في تفسير حرية الله ودينامبية إرادته وحقيقة عمله الإلهي، وأرجع هذه النزعة إلى أوريجنس. فهذا هو المأزق الكبير الذي وقع فيه الميتافيزيقيون اللاشخصانيون اليونانيون. وإذا كان هناك مجال لميتافيزيقيا (ماورائية)  مسيحية فيجب أن تكون ميتافيزيقية الأشخاص.

انطلق بالماس من تاريخ الخلاص ومن التاريخ الكتابي القائم على الأعمال الإلهية، هذا التاريخ الذي بلغ أوجه في تجسد الكلمة وفي تمجيده بالصليب والقيامة. أمّا إذا تحدَّثنا عن تاريخ الإنسان المسيحي الذي يسعى إلى الكمال فإننا نراه يرتقي درجة درجة حتى يلاقي الله في رؤية مجده. كان وصف لاهوت القديس ايريناوس “بلاهوت الوقائع” مألوفاً. ولذلك نقدر أن نصف لاهوت بالماس بأنه “لاهوت الوقائع” أيضاً، وذلك بقوة التبرير نفسه.

وفي أيامنا هذه نحن نقتنع أكثر فأكثر بأن “لاهوت الوقائع” هو وحده اللاهوت الأرثوذكسي السليم. فهو لاهوت كتابي وآبائي يلائم كليّاً فكر الكنيسة. لذلك يمكننا أن نعتبر القديس غريغوريوس بالماس مرشدنا ومعلِّمنا في سعينا إلى التكلّم في اللاهوت من قلب الكنيسة.

________________________________________

(*) اقترح البعض مؤخراً أن يكون العرفانيون هم أول من احتكم رسمياً إلى سلطان “التقليد الرسولي”. وإحتكامهم إليه حرّك القديس إيريناوس لبسط مفهومه عن التقليد: راجع:

  1. B. Reynders, “Paradosis: Le progres de L’idee de tradition jusqu’a Saint Irenee”, in Recherches de Theologie ancienne et medievale 5 (1933) 155-191.

آباء الكنيسة – الفكر والإتباع والسلطان

معنى التقليد المسلم عند آباء الكنيسة الأولى

معنى التقليد المسلم عند آباء الكنيسة الأولى

معنى التقليد المسلم عند آباء الكنيسة الأولى

معنى التقليد المسلم عند آباء الكنيسة الأولى

“لو لم يحرّكني سلطان الكنيسة الجامعة لما أمنت بالإنجيل”

(أوغسطين، ضد الرسائل المانيّة، 1، 1)

القديس فكنديوس والتقليد

كان قول القديس فكنديوس الليرنسي الشهير: “يجب أن نحفظ ما آمن الجميع به دائماً وفي كل مكان” (Commonitorium،2) ميزة رئيسة في موقف الكنيسة القديمة من الأمور الإِيمانيَّة. وهذا القول كان مقياساً مبدأ في الوقت نفسه. وكان التشديد الحاسم يقع هنا على استمرار التعليم المسيحي. والحق، أن القديس فكنديوس احتكم إلى “المسكونية” المزدوجة في الإيمان المسيحي -في المكان والزمان. فهذا الرؤية الكبيرة هي التي ألهمت القديس إيريناوس في أيامه: لقد انتشرت الكنيسة الواحدة في أرجاء العالم، لكنَّها تتكلَّم بصوت واحد وتحفظ الإيمان نفسه في كلّ مكان، كما سلَّمه الرسل الأطهار وحفظه وتعاقب الشهود، هذا الإيمان “الذي حُفظ في الكنيسة من أيام الرسل بواسطة تعاقب القسوس”.

هذان الوجهان للإيمان، بل بعدهما، لن ينفصلا، لأن “المسكونية” (universitas) و”القِدَم” (antiquitas) و”الإجماع في الرأي” (consensios) أمور متكاملة وليس أحد منها مقياساً صالحاً في حدِّ ذاته. لم يكن “القِدَم” في حدِّ ذاته ضمانة كافية للحقيقة إذا لم يثبِّته “الإجماع في الرأي” عند “القدماء”. و”الإجماع” في حد ذاته لم يكن باتّاً ما لم ترجع جذوره بشكل مستمر إلى الرسل. يقول القديس فكنديوس: نحن نعترف بالإيمان الحقيقي عن طريق الالتجاء إلى الكتاب المقدَّس والتقليد، “عن طريقين… أولاً عن طريق سلطان الكتاب المقدس، ومن ثمّ عن طريق تقليد الكنيسة الجامعة”.

لكن هذا الأمر لا يشير إلى وجود مصدرين للعقيدة المسيحية، لأن قانون الكتاب كان “تاماً” و”كافياً” في حدِّ ذاته ولأن “كل الأشياء (في الكتاب) كاملة وأكثر من كافية”. فماذا يجب أن يُكمَّل “بسلطان” آخر؟ ولماذا كان الرجوع إلى سلطان “الفهم الكنسي” ضرورياً؟ لقد كان السبب واضحاً وهو أن كلّ مسيحي شرع في تفسير الكتاب بشكل مختلف، “لدرجة أن المرء يكاد يصل إلى الانطباع بأن هناك معاني مختلفة بمقدار عدد الناس”.

ولذلك قاوم القديس فكنديوس تعدّد الأفكار “الخاصة” بفكر الكنيسة “الواحد”، فكر الكنيسة الجامعة، فقال إنه يجب أن “نوجِّه تفسير كتب الأنبياء والكتابات الرسولية وفق قاعدة التفسير الكنسي الجامع”. فلم يكن للتقليد عنده وجود مستقل، ولم يكن مصدراً مكمِّلاً للإيمان. “فالفهم الكنسي” لا يضيف شيئاً إلى الكتاب المقدَّس، لكنه كان الوسيلة الواحدة للتحقق من المعنى الصحيح للكتاب ولكشفه. كان التقليد التفسير الموثوق به، وبهذا المعنى يمتد امتداد الكتاب. وكان التقليد “الكتاب المفهوم بشكل صحيح”. وكان الكتاب، عند القديس فكنديوس، القانون الأوحد والرئيسي والنهائي للحقيقة المسيحية (Commonitoriun الإصحاح 2 و28).

المسألة التفسيرية في الكنيسة القديمة

في هذا المجال وافق القديس فكنديوس كلياً التقليد القائم في الكنيسة. فعبارة القديس إيلاريون واتيه الرائعة التي تقول : “إن الكتاب ليس في قراءته، بل في فهمه” (إلى كونستانس، 2، 9، مجموعة الآباء اللاتين، مين 10، 570) كرَّرها القديس إيرونيموس “جيروم” (الحوار ضد لوكيفاروس، 28، مجموعة الآباء اللاتين مين 23، 190-191). ولقد ظلّت مشكلة التفسير الصحيح للكتاب المقدس حادّة حتى القرن الرابع أثناء صراع الكنيسة مع الآريوسيين، وما خفَّت حدَّتها عماّ كانت عليه في القرن الثاني أثناء مقاومة العرفانيين والصباليوسيين والمونتانيين.

فكلّ أطراف النزاع احتكمت إلى الكتاب، حتى إن الهراطقة والعرافايين والمانويين استشهدوا بفصوله وآياته واحتكوا إلى سلطانه. وكان التفسير في تلك الفترة أهمّ منهج لاهوتي ولعلَّه كان المنهج الأوحد، وكان سلطان الكتاب مطلقاً وسامياً. وكان الأرثوذكسيون يتّجهون إلى طرح السؤال التفسيري الحاسم: ما هو مبدأ تفسير الكتاب؟ لكنَّ لفظة “الكتاب المقدس” أشارت في القرن الثاني بصورة أساسية إلى العهد القديم، ولذلك اعترض مركيون (مرقيون) بقوة على سلطان أسفار العهد القديم رفض الاعتراف بها. بناء عليه أصبح برهان وحدة العهدين ضرورية. ما هو أساس الفهم المسيحي والخريستولوجي “للنبوءة”، أي للعهد القديم وما هو مبرِّره؟ ففي تلك الحقبة أُثير أولاً سلطان التقليد.

فالكتاب ينتمي إلى الكنيسة ولذلك يُفهم بشكل وافٍ ويُفسَّر بشكل صحيح فيها وضمن جماعة الإيمان القويم فقط. أمَّا الهراطقة، أي الذين خارج الكنيسة، فلم يملكوا مفتاح فكر الكتاب، لأنه لم يكن الاستشهاد بكلام الكتاب كافياً إذ يجب على الإنسان أن يَشرح معنى الكتاب الحقيقي والقصد منه بشكل كليّ وأن يُدرك مسبقاً نموذج الإِعلان الكتابي ومخطط عناية الله المخلِّصة. وهذا لن يتحقَّق إلاَّ بالرؤية الإيمانية. فبالإيمان كان “الإقرار بالمسيح” (Christiuszeugniss) في العهد القديم مفهوماً. فبالإيمان أُكِّدت بشكل صحيح وحدة الأناجيل ذات الأشكال الأربعة لكنَّ هذا الإيمان لم يكن تأملاً فردياً كيفياً، بل كان إيمان الكنيسة المتأصل في البشارة الرسولية وفي الكرازة (kerygma) أمَّا الذين خارج الكنيسة فتعوزهم هذه الرسالة الأساسية، التي هي قلب الإنجيل.

فالكتاب عندهم حرف ميت ومجموعة من النصوص والسير غير المترابطة. إنهم حاولوا ترتيبها وفق طريقتهم الخاصة التي استقوها من مصادر غريبة. فأتى إيمانها مختلفاً. هذه هي حجة ترتليان في مبحثه “معارضة الهرطقة” (De praescriptione). فهو لم يشأ أن يبحث الكتاب مع الهراطقة، إذ لا حقّ لهم في استعماله لأنه لا يخصّهم. الكتاب ملك الكنيسة. ولذلك أكّد ترتليان بشدة على أولوية “قانون الإيمان” (regula fidie) الذي هو المفتاح الأوحد لفهم معاني الكتاب. وهذا “القانون” كان رسولياً ومتأصّلاً في تعليم الرسل ومستمداً منه.

وصف تُرنير (C.H.Turner) بشكل صحيح معنى هذا الاحتكام إلى “قانون الإيمان” وغاية الرجوع إليه في الكنيسة الأولى، فقال: “عندما تحدَّث المسيحيون عن “قانون الإيمان”بكونه قانوناً “رسولياً”… لم يعنوا به أن الرسل اجتمعوا لصياغته… بل عنوا به أن الاعتراف بالإيمان الذي علَّمه الرسل وأودعوه تلاميذهم ليعلِّموه هم من بعدهم”. كان هذا الاعتراف هو هو في كل مكان، رغم أن أسلوب التعبير قد يتغيَّر من مكان إلى مكان وكان دوماً وثيق الصلة بدستور المعمودية. وخارج هذا “القانون” لا يمكن إلاَّ أن يفسَّر الكتاب تفسيراً خاطئاً.

فالكتاب والتقليد، عند ترتليان، متلازمان دون انفصال: “حيثما يتّضح التعليم المسيح الحقّ والإيمان المسيح القويم نجد الكتاب المقدَّس الحقيقي والتفسير القويم والتقليد المسيحي الحقيقي”. فتقليد الإيمان الرسولي كان المرشد الضروري لفهم الكتاب والضمانة الأساسية للتفسير الصحيح. لكنَّ الكنيسة لم تكن سلطة خارجية مهمتها أن تحكم على الكتاب، بل أن تحفظ الحقيقة الإلهية المودعة فيه. (E.Flesseman وأنظر مقدمة R.F.Refoulé وملاحظاته في كتاب”في المبادئ”).

القديس إيريناوس و”قانون الحقيقة”

عند دحض القديس إيريناوس سوء استعمال العرفانيين الغنوصيين للكتاب المقدَّس أورد تشبيهاً رائعاً، فقال: صنع فنَّان موهوب صورة جميلة لأحد الملوك من الجوهر الثمينة، لكنَّ شخصاً آخر فكَّ هذه الحجارة وأعاد ترتيبها بأسلوب آخر ليقدِّم صورة كلب وثعلب. ثم زعم أن هذه الصورة هي الصورة الأصلية التي صنعها الفنَّان الأول، وتعلَّل قائلاً إن الحجارة (أو الفسيفساء psiphides) أصلية. والحق أن التصميم الأصلي قد تهدَّم و “صاع نموذج الإنسان الموضوع”. هذا بالضبط ما يفعله الهراطقة بالكتاب المقدس.

فهم يتجاهلون ويمزِّقون “الترابط والترتيب” الموجودين في الكتاب المقدس، “ويقطعون أوصال الحقيقة”. إن كلماتهم وتعابيرهم وأمثالهم أصيلة، لكنَّ قياسهم (أو تصميمهم) (hypothesis) كيفيّ وخاطئ (ضد الهرطقة 1، 8، 1). ثمّ أورد هذا القديس تشبيهاً آخر. كانت مختارات من شعر هوميروس متداولة في تلك الأيام، لكنها استخدمت جزافاً وبعيداً عن سياقها وأُعيد ترتيبها بشكل كيفيّ. فكانت الأبيات كلُّها هوميروسية، لكنَّ القصة الجديدة التي اخترعها الناس بسبب إعادة ترتيب الأبيات لم تعد هوميروسية أبداً.

وكذلك ينخدع الإنسان بسهولة بهذا الأسلوب الذي يبدوا هوميروسياً (1، 9، 4). ويجدر بنا أن نشير إلى أن ترتليان ذكر أيضاً هذه المختارات الشعرية (centones) من أبيات هوميروسية وفرجيلية (معارضة الهراطقة 39). ويبدو أن هذا الأسلوب كان مألوفاً في الأدب الدفاعي آنذاك. أمَّا النقطة التي أراد القديس إيريناوس أن يوضحها فهي أن للكتاب نموذجه وبنيته الداخلية وتآلفه، لكنَّ الهراطقة ينكرون هذا النموذج وبالأحرى يستبدلونه بنموذجهم الخاص. وبكلام آخر، إنهم يعيدون ترتيب الشواهد الكتابية على أسس غريبة عن الكتاب نفسه.

فأكد القديس إيريناوس أن الذين يحفظون بقوة “قانون الحقّ” الذي تسلَّموه في المعمودية لن يجدوا صعوبة في “إعادة كلّ عبارة إلى مكانها الصحيح”، ولن يعجزوا عن مشاهدة الصورة الحقيقية. إن العبارة الواقعية التي استعملها القديس إيريناوس فريدة وخاصة به وهي “الملائم لجسم الحقيقة” (prosarmosas tis alithias somation) وترجمتها اللاتينية القديمة غير المتقنة: (corpusculum veritatis) أمَّا معناها فواضح جداً، لأن لفظة (Somation) “جسم” ليس تصغيراً، بل تشير إلى “الجسم” (corpus) إلى السياق الصحيح والبنية الأصلية و”الصورة الصحيحة” والترتيب الأولى للحجارة (أو الفسيفساء) والأبيات. ولذلك يجب أن يرشدنا “قانون” الإيمان، في رأيه، إلى قراءة الكتاب المقدَّس، لأن المؤمنين يلتزمونه باعترافهم به في المعمودية، ولأن هوية الرسالة الأساسية و”حقيقة” الكتاب تعيّنان به بصورة صحيحة.

أم العبارة الفضَّلة لدى القديس إيريناوس فكانت “قانون الحقّ” (Kanon tis alitheias، Regula veritatis). والواقع أن هذا “القانون” لم يكن سوى شهادة الرسل وكرازتهم وبشارتهم، التي “أودعت” في الكنيسة وعُهد بها إليها من الرسل وحُفظت بصدق وسُلِّمت بإجماع عام في كلّ الأمكنة عبر تعاقب الرعاة “الذين تسلَّموا موهبة الحقيقة الثابتة إلى جانب التعاقب الرسولي”. ومهما كان المدلول الدقيق والمباشر لهذه العبارة التي تزخر بالمعاني (أكد البعض أن “موهبة الحقيقة” كانت العقيدة الرسولية الحقيقة الرسولية في الإعلان الإلهي، حتى أن إيريناوس لم يشر إلى أية موهبة كهنوتية خاصة بالأساقفة. راجع Karl Müller) فلن يعترينا الشك في أن هذه الحفظ الدائم للإيمان المودَع ونقله تحققا، عند القديس إيريناوس، بحضور الروح القدس في الكنيسة. لقد كان مفهوم الكنيسة عنده قائماً على “المواهب” و”المؤسسة” بآن واحد.

وكان “التقليد”، في مفهومه، “وديعة حيَّة” (Juvenescens depositum) أعطيت للكنيسة لتكون نسمة جديدة للحياة، مثل نسمة الحياة التي أُسبغت على الإنسان الأول (aspiration plasmationis quemadmodum 1، 24، 3). والأساقفة وو “القسوس” كانوا حرَّاساً مفوَّضين في الكنيسة وخدَّاماً للحقيقة التي أُدعت فيها. “حيثما تودع posita sunt” مواهب (charismata) الرب يحسن تعلّم الحقيقة ممن عندهم التعاقب الكنسي الآتي من الرسل (successio apud quos est ea quae est ab apostolis ecclesiae) وممن عندهم التصرف اللائق الذي لا عيب فيه وممن ينطقون بكلام طاهر لا غش فيه. فهؤلاء يحفظون أيضاً إيماننا هذا بالإله الواحد الذي خلق كلّ شيء، ويكثرون محبتنا لابن الله الذي أتمَّ تدبيراً عظيماً كهذا من أجلنا، ويفسرون لنا الكتاب من دون خطر ولا يجدِّفون على الله ولا يزدرون البطاركة ولا يحتقرون الأنبياء” (5، 26، 4).

قانون الإيمان (Regula fidei)

كان التقليد في الكنيسة الأولى مبدأ تفسيرياً ومنهجاً تفسيرياً أيضاً، لأننا لا نقدر أن نفهم الكتاب فهماً صحيحاً وكاملاً إلاَّ على ضوء التقليد الرسولي الحيّ وفي إطاره. وهذا التقليد كان عاملاً أساسياً في الوجود المسيحي، لا لأنه يقدر أن يضيف شيئاً إلى ما أعلن في الكتاب،  بل لأن يزوِّد بالإطار الحيّ وبالمنظور الواسع اللذين يُكتشف ويُفهم بهما “القصد”  الحقيقي من الكتاب والإعلان الإلهي و”تصميمهما” الكامل.

كانت الحقيقة عند القديس إيريناوس “منهجاً راسخ الأساس” و”جسماً حيّاً” (corpus) (ضد الهراطقة 2، 27، 1) “ولحناً متآلف النغمات” (3، 38، 2). لكننا لا ندرك هذا “التآلف” إلاَّ بالرؤية الإيمانية. الحق، أن التقليد لم يكن مجرَّد نقل لعقائد متوارثة “على الطريقة اليهودية”، بل كان الحياة المستمرة في الحقيقة (5). ولم يكن قلباً بلا حراك ومُركباً من القضايا الملزمة، بل كان تبصرا في معنى الأحداث المعلَنة وتأثيرها في كشف “الإله الفاعل”.لقد كان هذا الأمر حاسماً في حقل التفسير الكتابي.

إن ج.ل.برستيج   أحسن في قوله: “إن صوت الكتاب يُسمع بوضوح إذا ما فُسِّرت نصوصه برؤية واسعة وبطريقة منطقية وباتفاق مع الإيمان الرسولي ومع دليل الممارسة التاريخيَّة للمسيحية. فالهراطقة هم الذين عوَّلوا على نصوص منعزلة والمسيحيون الأصيلون تنبَّهوا أكثر من المبادئ الكتابية”. وعندما لخَّصت الدكتورة إلين فليسيمانفان لير تحليلها الدقيق لاستعمال التقليد في الكنيسة الأولى، قالت: “إن الكتاب من دون تفسير ليس كتاباً على الإطلاق، وعندما نستخدمه ويصير حياًّ يكون كتاباً مفسَّراً”. فيجب أن نفسِّر الكتاب وفقاً “لمضمونه الأساسي” المعلَن في “قانون الإيمان” (Regula fidei). وهكذا يكون هذا “القانون” مَثَلاً يوجّه تفسير الكتاب. “فالتفسير الحقيقي للكتاب هو التقليد وبشارة الكنيسة”

القديس أثناسيوس و”غاية الإيمان”

في القرن الرابع لم تتبدَّل الأحوال، لأن الصراع مع الآريوسيين دار أيضاً حول مسألة تفسير الكتاب، على الأقل في المرحلة الأولى من هذا الصراع. فجاء الآريوسيون وأنصارهم بمجموعة كبيرة من النصوص الكتابية ليدافعوا عن موقفهم العقيدي، وأرادوا حصر البحث اللاهوتي في المجال الكتابي وحده. ولذلك كانت مواجهتهم في هذا الإطار ضرورية في بادئ الأمر.

ومهجهم التفسيري أي طريقة معالجتهم للنص، كان مطابقاً لمنهج الذين انشقوا عن الكنيسة في القرون الأولى. فهم اهتموا بالنصوص التي اختاروها لتأييد موقفهم، من غير أن يلتفتوا إلى السياق العام للإعلان. ولذلك اضطر الأرثوذكسيون إلى الاحتكام إلى فكر الكنيسة، إلى “الإيمان” الذي أُعلن مرة وحُفظ بصدق. وهذا كان اهتمام القديس أثناسيوس الأساسي ومنهجه الاعتيادي.

لقد استشهد الآريوسيون بمقاطع كثيرة من الكتاب ليقيموا الدليل على ما ناضلوا من أجله وهو أن المخلِّص مخلوق. في جواب القديس أثناسيوس كان الاحتكام إلى “قانون الإيمان” واضحاً في قوله: “لنصلح، نحن الذين اقتنينا غاية الإيمان (to Skopon tis pisteos) المعنى الصحيح (orthisn tin dianian) لما فسَّروه بشكل خاطئ” (ضد الأريوسيين 3، 35). وأكَّد القديس أثناسيوس أن التفسير “الصحيح” لنصوص معيَّنة يصبح ممكناً من خلال المنظور الإيماني كله فقط: “ما يتعلَّلون به من الأناجيل يفِّسرونه بشكل خاطئ، إذا ما قبلنا نحن المسيحيين غاية الإيمان (Himas tous christianous pisteos ton skopon tis Kath) وقرأنا الكتاب مستعملين هذه الغاية قانوناً (osper Kanoni chrisameni)”.

من جهة ثانية يجب أن نهتمّ اهتماماً شديداً بالسياق المباشر لكلّ جملة وتعبير وبإبراز قصد الكاتب الصحيح بدقة (1، 54). وعندما كتب القديس أثناسيوس إلى الأسقف سرابيون عن الروح القدس أكَّد له أن الآريوسيين يجهلون “غاية الكتاب المقدس” (إلى سرابيون 2، 7 وإلى أساقفة مصر، 4) “لأنهم يهتمون بما يُقال ويتجاهلون معناه”. كانت لفظة (skopos) “لغاية” عند أثناسيوس موازنة لفظة (hypothesis) عند إيريناوس للإشارة إلى “الفكرة” الأساسية والتصميم الصحيح والمعنى المقصود (راجع Guido Müller، lexicon Athanasianum) وكانت لفظة (skopos) مألوفة في اللغة التفسيرية عند عدد من المدارس الفلسفية، وخاصة عند الأفلاطونية الحديثة.

إن التفسير قام بدورٍ كبير في المحاولات الفلسفية في ذلك الوقت ولذلك كان إثارة السؤال عن المبدأ التفسيري ضرورياً. فالفيلسوف إيامفليخوس كان نموذجياً في هذه النقطة. لقد كان من واجب الإنسان أن يكتشف “النقطة الرئيسية” والموضوع الأساسي في البحث الذي يدرسه وأن يحفظها في ذهنه دائماً (9). ومن الجائز أن يكون القديس أثناسيوس ملماً بالاستخدام التقني لهذه اللفظة، ولذلك أكَّد أن الاستشهاد بفصول ومقاطع معزولة من الكتاب المقدَّس بعيداً عن قصد الكتاب الإجمالي أمر مضلِّل. ونخطئ إذا فسَّرنا لفظة (skopos) عند أثناسيوس بأنها “المعنى العام” للكتاب. “فغاية”  الإيمان و “غاية”  الكتاب هي الفحوى العقيدي الموجود بكثافة في “قانون الإيمان”، كما حفظته الكنيسة وكما “انتقال من “أب إلى أب” في وقت لا نجد فيه “آباء” عند الآريوسيين (في قوانين مجمع نيقية، 27)”.

ولاحظ الكاردينال نيومان (Newman) أن القديس أثناسيوس عدَّ “قانون الإيمان” المبدأ الأسمى للتفسير و”عارض أفكار الهراطقة الخاصة في طريق الفكر الكنسي” (ضد الآريوسيين 1، 44). فكان يوجز المرة تلو المرة معتقدات الإيمان المسيحي الأساسية عند تدقيقه في الحجج الآريوسية قبل أن يمتحن النصوص التي يتعللون بها في براهينهم، حتى يعيد النصوص إلى منظورها الصحيح، أمَّا تُرنير (H.E.W.Turner) فوضف طريقة أثناسيوس التفسيرية فقال : “أصرَّ (أثناسيوس) على اتخاذ مرمى إيمان الكنيسة العام قانوناً للتفسير ضد التقنية الآريوسية المفضَّلة التي يؤكد المعنى المنطبق على قواعد اللغة من غير أن تنظر إلى سياق الكلام وإلى الإطار العام لتعليم الكتاب بكلِّيته.

فتعامى الآريوسيون عن المدى الواسع الذي يتمتع به اللاهوت الكتابي. ولذلك اخفقوا في النظر إلى سياق الكلام الذي تقع فيه نصوصهم الإثباتية. فيجب أن يُحسب معنى الكتاب نفسه كتاباً (مقدَّساً). وهذا المبدأ عُدَّ تخلِّياً عن الاحتكام إلى الكتاب واستبداله ببرهان مأخوذ من التقليد. ومن الأكيد أنه اذا وُضع في أيدِ لا تحرص عليه، فإنه يؤدي إلى تقييد كليّ للكتاب المقدس، كما حاولت عَقَديّة (دوغماتيّة) الآريوسيين والعرفانيين أن تفعل. ولكن هذا الأمر لم يكن قصد القديس أثناسيوس نفسه، الذي حسب الاحتكام إلى التقليد انتقالاً من تفسير ثمِل إلى تفسير صاح، ومن تشديد حرفي قصير النظر إلى معنى غاية الكتاب”

ولكن يبدو أن البروفسور تُرنير (Turner) ضخم الخطر، لأن. البرهان كان كتابياً، فالقديس أثناسيوس قبل مبدئياً كفاية الكتاب المقدس الموحى به للدفاع عن الحقيقة (ضد الوثنيين 1). إن الكتاب يجب تفسير في إطار التقليد الإيماني الحيّ، بتوجيه من “قانون الإيمان”. أمَّا هذا “القانون” فلم يكن أبداً سلطة “غريبة” “تُفرض” على الكتاب المقدس. فهو “البشارة الرسولية” نفسها، المدوَّنة باختصار (in epitome) في أسفار العهد الجديد.

كتب القديس أثناسيوس إلى الأسقف سرابيون : “لننظرنّ إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي أعطاه الرب وبشَّر به الرسل وحفظه الآباء، لأن الكنيسة أسِّست عليه” (إلى سرابيون 1، 28). هذا المقطع هو من ميزات القديس أثناسيوس، فهناك ثلاث ألفاظ متطابقة فيه “التقليد” (Paradosis) هو من المسيح نفسه، و”التعليم” (Didascalia) هو بواسطة الرسل، و”الإيمان” (Pistis) هو من الكنيسة الجامعة. وهذا هو أساس الكنيسة -الأساس الأوحد والفريد (12). الكتاب نفسه ينتمي إلى هذا “التقليد” الذي يأتي من الرب. وفي الفصل الختامي من رسالته الأولى إلى سرابيون يعود القديس أثناسيوس مرة ثانية إلى النقطة نفسها فيقول: “إنني سلَّمت التقليد وفق الإيمان الرسولي الذي تسلَّمته من الآباء، من غير أن أبتدع شيئاً من الخارج. فسلّمته مثلما تعلّمته من الكتب المقدسة” (1، 33).

وأشار مرة القديس أثناسيوس إلى الكتاب نفسه هو “التقليد” (paradosis) رسولي (إلى أدلفيون 6). والشيء المميَّز هو أنه لم يذكر أبداً لفظة التقليد بصبغة الجمع في نقاشه مع الآريوسيين. فكان يرجع دائماً إلى لفظة “تقليد” – أي “التقليد”، التقليد الرسولي، الذي يحوي كلّ فحوى البشارة الرسولية، والذي كان موجزاً في “قانون الإيمان”. وكانت وحدة التقليد وتماسكه النقطة الأساسية والحاسمة في كلّ البرهان الذي قدَّمه.

هدف التفسير و”قانون العبادة”

كان الاحتكام إلى التقليد احتكاماً إلى فكر الكنيسة، لأنه افتُرض أن الكنيسة كانت تملك معرفة الحقيقة وفهمها، إي حقيقة الإعلان و”معناه”. فالكنيسة كان عندها السلطان لنشر الإنجيل وتفسيره. لكن هذا لا يدلّ على أن الكنيسة كانت “فوق” الكتاب، فهي كانت تقف بجانبه مؤيِّدة إياه من دون أن تتقيَّد “بحرفه”. فالهدف الأول للتفسير كان في إظهار معنى الكتاب المقدس وغايته وبالأحرى معنى الإعلان و”تاريخ الخلاص” (Heilsgeschichte). كان واجب الكنيسة أن تبشِّر بالمسيح لا “بالكتاب” فقط.

ولذلك لا نقدر أن نفهم استعمال التقليد في الكنيسة القديمة بشكل صحيح إلاَّ في إطار الاستعمال الفعلي للكتاب. فالكلمة حُفظت بشكل حيّ في الكنيسة فانعكست على حياتها وبنيتها، لأن الإيمان والحياة تلاحما عضوياً. ويحسن أن نذكر في هذا المجال مقطعاً شهيراً من “النعمة الإلهية” (de gratia Dei Indiculus) المنسوب خطأً إلى البابا كلستينوس، لأن وضعه الحقيقي هو القديس بروسبر من أكويتانيا : “هذه هي قرارات الكرسي الرسولي المقدس التي لا يمكن نقدها، والتي قضى بها آباؤنا على الابتداع المهلك… لننظر إلى الصلوات المقدسة التي يرفعها كهنتنا بتماثل في كل كنيسة جامعة في العالم كلّه وفقاً للتقليد الرسولي. وليؤكد قانون العبادة قانون الإيمان”.

ويصحّ القول أن هذه العبارة في سياقها المباشر لم تكن صبغة لمبدأ عام، لأن القصد المباشر منها كان محصوراً في نقطة أساسية واحدة وهي أن معمودية الأطفال شاهد يدلّ على حقيقة الخطيئة الجدية. والحق أنه ما كان إعلاناً بابوياً جازماً، بل رأي خاص للاهوتي صرح به في جو من الصراع الحار. لكن لم تؤخذ هذه العبارة خارج سياقها المباشر ولم تغيَّر قليلاً، غفو ونتيجة لسؤ فهم، لتعبر عن المبدأ التالي: “يجب أن يبنى قانون العبادة قانون الإيمان” (crededi statuat lex orandi ut legem). “فالإيمان” وجد تعبيره الأول في الصِيغ الليتوجية والأسرارية والطقسية، و”دساتير الإيمان” برزت أولاً كجزء أساسي من خدمة إدخال المؤمنين الجدد إلى الكنيسة. يقول كيلي (J.N.D.Kelly): “إن الملخصات العقيدية الخاصة بالإيمان، تصريحيَّة كانت أم استفهامية، هي حصيلة الليتوجيا، ولذلك عكست ثباته وطواعيتها”. لقد كانت “الليتورجيا” بمعناها الواسع الشامل القاعدة الأولى للتقليد الكنيسي. أمَّا البرهان الواسع الشامل القاعدة الأولى للتقليد الكنسي.

أمَّا البرهان المتخذ من “قانون الصلاة” (Lex orandi) فكان يُستخدم دائماً في النقاشات التي دارت في أواخر القرن الثاني. فعبادة الكنيسة كانت تعبيراً احتفالياً عن إيمانها. ولعلَّ استدعاء اسم الله في المعمودية كان الصبغة الثالوثية المبكِّرة، مثلما كان سرّ الشكر الشاهد الأول لسرّ الخلاص في مثله. والعهد الجديد نفسه برز إلى حيِّز الوجود “ككتاب مقدس” في الكنيسة المصلية، لأنه كان يُقرأ أولاً في جو العبادة والتأمل.

القديس باسيليوس و”التقليد غير المدوَّن”

اعتاد القديس إيريناوس أن يرجع دائماً إلى “الإيمان” كما سُلّم في المعمودية. وكان ترتليان والقديس كبريان يستخدمان البراهين الليتورجية. والقديس  أثناسيوس والكبادوكيون استخدموا البرهان نفسه. لكن توسيع هذا البرهان القائم على التقليد الليتورجي نجده عند القديس باسيليوس. ففي مواجهته للآريوسيين بصدد الروح القدس بنى برهانه الأساسي على تحليله للمجدلات كما كانت تُستخدم في الكنائس. وكتابه “في الروح القدس” دوِّن بشكل اقتضائي، أي في نار الصراع اليائس، فخاطب ظرفاً تاريخياً خاصاً، لكنه عُني بمبادئ البحث اللاهوتي ومناهجه.

في مبحثه هذا سعى القديس باسيليوس إلى البرهنة على نقطة حاسمة في عقيدة الثالوث الأقدس وهي مساواة الروح القدس في القيمة والكرامة (Homotimia) للأقنومين الأخرين. أمَّا مرجعه الأساسي فكان الشهادة الليتورجية في أي المجادلة التي تحوي عبارة “مع الروح” والتي برهن أنها استُخدمت كثيراً في الكنائس. هذه العبارة غير موجدة في الكتاب المقدس لكنَّ التقليد صدَّق عليها.

أمَّا أخصامه فلم يقبلوا إلاَّ بسلطان الكتاب المقدس، ولذلك حاول أن يبرهن شرعية الاحتكام إلى التقليد. فهو أراد أن يثبت مساواة الروح القدس في القيمة والكرامة، أي ألوهيته التي آمنت بها الكنيسة دائماً والتي كانت جزءاً من الاعتراف بالإيمان أثناء المعمودية. وكما أشار بحق الأب ب. بروش (Benoit Pruche)، كانت لفظة (homotimos)، عند القديس باسيليوس، معادلة للفظة “الواحد في الجوهر” (homoousios). ولم يكن هناك الكثير من الجدة في هذا المفهوم للتقليد، إذا استثنينا الدقة واتساق الكلام. ولكنَّ للعبارة ميزة خاصة. يقول : “إن العقائد والتعاليم التي حُفظت في الكنيسة حصلنا على بعض منها من التعليم المكتوب وعلى بعض الآخر في سرّ (en mystirio) سُلّم إلينا من تقليد الرسل. ولهما نفس الفاعلية بالنسبة إلى التقوى”  (في الروح القدس 66).

يظن المرء في النظرة الأولى أن القديس باسيليوس أدخل هنا سلطتين وقاعدتين أي الكتاب والتقليد. والحق، أنه كان بعيداً كلّ البعد عن هذا الأمر، لأن استخدامه للألفاظ كان خاصاً. فلفظة (kerygmata) تشير عنده إلى ما يسمَّى اليوم “بالعقائد” أي التعليم الرسمي الذي يُعتمد عليه في أمور الإيمان، والتعليم العلني. ولفظة (domata) كانت عنده مجموعة الأعراف و”العادات غير المدوَّنة” وبنية الحياة الليتورجية والأسرارية. لا ننسى مفهوم لفظة (dogma) لم يكن ثابتاً وأن هذه اللفظة لم تكن قد أخذت مدلولاً ثابتاً ودقيقاً في أيامه. في أي حال يجب أن لا نرتبك في رأي القديس باسيليوس الذي يقول إن الـ (dogmata) سلَّمها الرسل “في سرّ” (en mystirion).

ونخطئ إذا ترجمناها بلفظة “الخفية”. فالترجمة الصحيحة هي “عن طريق الأسرار”، أي تحت شكل الاستخدامات الليتورجية والطقوس و”العادات” الليتورجية. هذا ما قاله بالضبط باسيليوس الكبير نفسه عندما كتب أن “معظم الأسرار وصلتنا بطريقة غير مكتوبة”. أمَّا لفظة “الأسرار” (ta mystica) فتشير هنا بالتأكيد إلى سرَّي المعمودية والشكر الذين يرجعان، في رأي القديس باسيليوس، إلى أصل “رسولي”. في هذا الصدد يستشهد باسيليوس بالرسول بولس عندما يذكر “التسليم” التي تسلَّمها المؤمنون “مشافهة وكتابةً إليهم” (2 تسا2 : 15، كور 11: 2). فالمجدلة التي تحدثنا عنها هي الواحدة من هذه “التقاليد” (71، أنظر أيضاً 66): “شرع الرسل والآباء منذ البدء في الاهتمام بكل ما يختص بالكنائس، فحفظوا في السّر والصمت هيبة الأسرار”).

والحق، أن كل المقاطع التي يستشهد بها القديس باسيليوس في هذا المجال لها طبيعة ليتورجية وطقسية، كرسم إشارة الصليب في خدمة قبول الموعوظين والاتجاه إلى الشرق أثناء الصلاة، وعادة الوقوف المستمر أثناء صلاة الآحاد، واستدعاء الروح القدس في القداس الإلهي، وتبريك الماء والزيت، ورفض الشيطان وكلّ مجده، والتغطيس في الماء ثلاث مرَّات في خدمة المعمودية. ويقول باسيليوس إن هناك العديد من “أسرار الكنيسة غير المدوَّنة” (66 و67) لم تُذكر في الكتاب، لكنها ذات أهمية وسلطة كبيرتين،  وهي وسائل ضرورية للشهادة والاتحاد وأمور لا بدَّ منها لحفظ الإيمان الصحيح، وتأتي، كما يشير، من التقليد “الصامت” و”الخاص” : “من التقليد الصامت والصوفي ومن التعليم الذي لا يُعلن ولا يُقال”.

لم يكن هذا التقليد “الصامت والسرّي (mystical) وغير المعلَن”  عقيدة باطنية مخصَّصة للنخبة، لأن “النُخبة” كانت الكنيسة. “فالتقليد” الذي يحتكم إليه القديس باسيليوس هو الممارسة الليتورجية في الكنيسة. إن القديس باسيليوس يلجأ هنا إلى ما نسمِّيه اليوم “نظام الكتمان” (disciplina aracni) الذي كان سائداً في القرن الرابع والذي دافعت عنه الكنيسة ودعمته. فكان ذا صلة بتأسيس رتبة الموعوظين وذا هدف تعليمي وتثقيفي. وهناك، على حدّ قول القديس باسيليوس، بعض “التقاليد” التي يجب أن تُحفظ بشكل “غير مدوَّن” لئلا تدنسها أيادي الهراطقة. هذه الإشارة تعود بوضوح إلى الطقوس والممارسات، ويجب أن نذكِّر هنا أن “دستور الإيمان” و”الصلاة الربَّانية” كانا في القرن الرابع جزئين من “نظام الكتمان” هذا، وأنه لم يكن جائزاً أن يعرضا لمن هم خارج الإيمان. كان دستور الإيمان مدخَّراً للذين يقبلون إلى المعمودية، في آخر مرحلة التعليم، أي بعد أن توافق الكنيسة عليهم وتدرجهم بكل إجلال في عداد “المستعدِّين للاستنارة”.

وكان الأسقف يقوم “بنقل” دستور الإيمان إليهم مشافهة، وكانوا هم يتلونه غيباً أمامه في خدمة “نقل” (traditio) و”ترداد دستور الإيمان” (redditio symboli). وكان يحثّ الموعوظين على عدم إفشاء دستور الإيمان لغير المؤمنين وعلى عدم تدوينه. فهو يجب أن يُحفر في قلوبهم. وهنا يكفي أن نستشهد “بمقدمة التعليم الديني” (Procatechesis) للقديس كيرلّس الأورشليمي في الفصلين 12و 17. وفي الغرب أيضاً أحسَّ روفينوس وأغوسطين بأنه لا يليق بالمسيحيين أن يدونوا دستور الإيمان على الورق.

ولذلك لم يذكر سوزمنوس في تاريخه نص الدستور النيقاوي “الذي كان يحق للمتنصرين وللمسارين (mystagogues) تلاوته وسماعه” (التاريخ الكنسي 1: 20). أمام هذه الخلفية وضمن هذا المحتوى التاريخي يجب أن نقوِّم ونفسر برهان القديس باسيليوس. فهذا أكد بقوة أهمية الاعتراف بالإيمان في المعمودية، الذي يتضمن التزام الإيمان بالثالوث الأقداس، الآب والابن والروح القدس (67 و26). كان هذا الاعتراف “تقليداً” يُسلم “في سرّ” إلى الذين تنصروا حديثاً ويُحفظ “بصمت”. ويتعرض المرء إلى خطر زعزعة “أساس الإيمان بالمسيح” إذا رفض وتجاهل هذا “التقليد غير المكتوب” (25).

فالفارق الأوحد بين العقيدة (dogma) و”التعليم” (kerygma) كان في طريقة نقلها: العقيدة تُحفظ “بصمت” أمَّا التعاليم “فتُنشر وتُعلن”. لكنَّ هدفها واحد، لأنهما يقدمان الإيمان نفسه ولو بطرق مختلفة. لكن هذه العادة الخاصة لم تكن مجرد تقاليد الآباء – لأن تقليداً كهذا لا يكون كافياً. فالآباء استقوا مبادئهم من “قصد الكتاب وغايته”. “إنهم اتبعوا رأي الكتاب واستقوا مبادئهم من شواهده”. إذن، لا يضيف “التقليد غير المكتوب” في طقوسه ورموزه، شيئاً إلى محتوى الإيمان الكتابي: فهو يكتفي بالتركيز على الإيمان في بعده المحرقي.

كان احتكام القديس باسيليوس إلى “التقليد غير المكتوب” احتكاماً إلى إيمان الكنيسة وإلى “المعنى الجامع” (sensus catholicus) وإلى “الفكر الكنسي”. لذلك اضطر إلى أن يزيل المأزق الذي خلقه أعداؤه الآريوسيون، الضيِّقو الأفق والمتمسكون تمسكاً كاذباً بحرف الكتاب المقدس. فرد على زعمهم قائلاً اننا لا نقدر أن نفهم قصد الكتاب وتعليمه بعيداً عن قانون الإيمان “غير المكتوب”. لقد كان القديس باسيليوس كتابياً في لاهوته بكلّ ما في الكلمة من معنى. فالكتاب عنده كان المقياس الأسمى للعقيدة (الرسالة 189، 3).

وتفسيره للكتاب كان رصيناً ومتَّزناً. إن الكتاب نفسه سر “للتدبير” الإلهي وسر للخلاص الإنساني، عمقه لا يُسبر غوره، لأنه كتاب “مُلهَم”، كتاب من الروح القدس. ولذلك يجب أن يكون تفسيره الصحيح روحياً ونبوياً. فموهبة التمييز الروحي ضرورية لفهم صحيح للكلمة المقدسة، “لأن ناقد الكلمات يجب أن ينطلق من الإستعداد الذي ينطلق منه المؤلف نفسه… وأرى أنه من المستحيل على كلّ إنسان أن يأخذ على نفسه التدقيق في كلمات الرب، ما لم يملك الروح الذي يهب قوة التمييز” (الرسالة 204).

ويُعطَى الروح في أسرار الكنيسة، لذلك يجب أن يُقرأ الكتاب تحت ضوء الإيمان وسط جماعة المؤمنين. ولهذا السبب كان تقليد الإيمان، كما سُلِّم من جيل إلى جيل، بالنسبة للقديس باسيليوس، المرشد الضروري والدليل في دراسة الكتاب المقدس وتفسيره. إذن حذا القديس باسيليوس حذو القديس إيريناوس وأثناسيوس في هذا المجال. وكذلك أغسطين استخدم التقليد بطريقة مشابهة ولا سيما الشاهد الليتورجي.

الكنيسة مفسِّر للكتاب

كان للكنيسة سلطان تفسير الكتاب، لأنها المستودع الحقيقي الأوحد للتعليم الرسولي (Kerygma). فهذا التعليم حُفظ بطريقة حية في الكنيسة، لأن الروح أعطي لها. والكنيسة كانت تعلِّم “مشافهة” (viva voca) مودعة كلمة الله وموطدة إياها في النفوس “فصوت الإنجيل الحيّ” (viva vox Evangelu) لم يكن مجرد تلاوة لكلمات الكتاب، بل كان إعلاناً لكلمة الله كما سُمعت وحُفظت في الكنيسة بقوة الروح الذي يفعل فيها دائماً ويحييها. أمَّا خارج الكنيسة وخارج خدمتها الكهنوتية القانونية “المتعاقبة” من أيام الرسل فلم يتمّ إعلان صحيح للإنجيل ولا تبشير قويم ولا فهم حقيقي لكلمة الله. إذن إن التفتيش عن الحقيقة في مكان آخر، أي خارج الكنيسة الجامعة الرسولية، سيكون بلا فائدة. هذا كان الإيمان المشترك في الكنيسة القديمة، من أيام القديس إيريناوس وحتى مجمع خلقيدونية وما بعده.

فالقديس إيريناوس كان نوذجياً في هذا المضمار، لأن الرسل، في رأيه، هم الذين حملوا ملء الحقيقة في الكنيسة : “فكل ما يتصل بالحقيقة أودع في أيديهم بأكثر وفرة” (ضد الهراطقة 3، 4، 1). والحق، أن الكتاب ألَّف القسم الأكبر من هذه “الوديعة” الرسولية، مثلما ألَّفت الكنيسة. فالكنيسة والكتاب لا ينفصلان ولا يتناقضان. فالكتاب، أي فهمه الصحيح، موجود في الكنيسة فقط، لأن الروح القدس يوجهها ويرشدها. ولذلك أكد أوريجنس وحدة الكنيسة والكتاب. وكانت مهمة المفسر، عنده، الإعلان عن كلمة الروح: “يجب أن ننتبه عندما نعلم لئلاّ نقدم تفسيرنا الخاص بدلاً من تفسير الروح القدس” (في تفسير رومية 1، 3، 1). هذا الأمر يبقى مستحيلاً خارج التقليد الرسولي المحفوظ في الكنيسة.

فأوريجنس شدد على التفسير “الجامع” للكتاب، كما هو مقدم في الكنيسة: “لنصغ في الكنيسة إلى كلمة الله التي تقدم على نحو جامع” (في تفسير اللاويين، العظة 4، 5). أما الهراطقة فيتجاهلون في تفسيرهن “قصد” الكتاب الحقيقي: “فالذين يقدمون كلام الله من دون أن يقرنوه بقصد الكتاب وبحقيقة الإيمان ويزرعون قمحاً ويحصدون شوكاً” (في تفسير إرميا العظة 7، 3). إن “قصد” الكتاب المقدس يرتبط بقوة “بقانون الإيمان”.

هذا هو موقف الآباء في القرن الرابع والقرون اللاحقة الذي ينسجم كلّياً مع تعليم الأقدمين. فالقديس إيرونيموس، رجل الكتاب العظيم، أورد الفكرة نفسها بأسلوبه القوي الحاد، فقال: “إن ماركيون وفاسيليدس وهراطقة آخرين… لا يملكون إنجيل الله، لأنهم لا يمكلون الروح القدس، الذي من دونه يصبح الإنجيل المبشَّر به إنسانياً. فنحن لا نعتبر أن الإنجيل (أي البشارة) يتألَّف من كلام الكتاب المقدس فغايته في معناه، لا في سطحه، في لبِّه وجوهره، لا في أوراق العظات، بل في أصل معناه. في هذا الحال يصحب الكتاب نافعاً حقاً للسامعين عندما يُبشَّر به مع المسيح وعندما يُقدم ويُعرض مع الآباء وعندما يُقدِّمه المبشِّرون به مع الروح… كبير هو خطر التكلم في الكنيسة، لأن التفسير المنحرف يحول إنجيل المسيح إلى إنجيل إنساني” (في تفسير غلاطية 1، 1، 2، مجموعة الآباء اللاتين، مين 26، 386).

نجد هنا الاهتمام نفسه بالفهم الصحيح لكلمة الله مثلما نجده في أيام إيريناوس وترتليان وأوريجنس. وبما كان إيرونيموس يقوم بإعادة صياغة كلام أوريجنس عندما قال إن “الإنجيل الإلهي” لا يوجد خارج الكنيسة، بل يوجد بديل إنساني منه. إننا لا نقدر أن نستقصي المعنى الحقيقي للكتاب (sensus Scripturae) أي الرسالة الإلهية، إلاَّ في ارتباطه بحقيقة الإيمان (veritatem juxta fidei)، وتحت توجيه قانون الإيمان. و”حقيقة الإيمان” (verias fidei) هي الاعتراف الإيماني بالثالوث. وهذه هي طريقة القديس باسيليوس. فالقديس إيرونيموس يتحدث هنا أولاً عن إعلان الكلمة في الكنيسة “لمن يصغي إليها” (andientibus utilis est)

أوغسطين والسلطان الجامع

بهذا المعنى يجب أن نفسر قول أوغسطين الشهير والمدهش حقاً : “لو لم يحركني سلطان الكنيسة الجامعة لما آمنت بالإنجيل” (V.f.epistolum fundaminti 6). يجب علينا أن نقرأ هذا العبارة ضمن سياقها. فأوغسطين لم ينطق بهذه العبارة بالأصالة عن نفسه، إنما بالأصالة عن الموقف الذي كان على المؤمن العادي أن يتخذه عندما يواجه الهراطقة، الذين يزعمون أنهم أصحاب السلطان. في هذا الحال، يليق بالمؤمن البسيط أن يحتكم إلى سلطان الكنيسة، التي تلقى فيها ومنها الإنجيل نفسه (أي البشارة) : “إنني آمنت بالإنجيل نفسه، لأن مبشرين “جامعيين بشروني”.

فالإنجيل وتعليم الكنيسة الجامعة لا يفصلان. وأوغسطين لم يسمع إلى “إخضاع” الإنجيل للكنيسة، بل أراد أن يشدد على أننا نتلقى “الإنجيل” في إطار التبشير الجامع في الكنيسة، لأنه لا ينفصل عنها. في هذا الإطار وحده يأخذ الإنجيل مكانه ويُفهم فهماً صحيحاً.

والحق، أن شهادة الكتاب بينة وواضحة كل الوضوح عند المؤمن الذي وصل إلى نضج “روحي”، وهذا ممكن في الكنيسة فقط. لذلك قاوم أوغسطين الأوهام التي يتعلل بها التفسير المانوي عبر هذا التعليم وعبر سلطان (auctoritas) البشارة اللذين يتصلان بالكنيسة الجامعة. فالإنجيل لا يخص المانويين. أما “سلطان الكنيسة الجامعة” فلم يكن مصدراً مستقلاً للإيمان، بل كان مبدأً ضرورياً للتفسير الصحيح. إننا نقدر أن نقلب هذه العبارة فنقول: يجب أن لا يؤمن المرء بالكنيسة ما لم يحركه الإنجيل. فالعلاقة متبادلة بنيهما بشكل تام.(Luis de Montadon <Bible et Eglise dans l Apologetique de Saint Augustin>a).

________________________________________

(5) راجع:

Dom Odo Casel, O.S.B., Benedict von Nursia als Pnermatiker, in “Heilege Uberlieferung” Münster 1938, pp. 100-101.

إذن، منذ البدء لم يكن التقليد المقدس في الكنيسة مجرد انتقال من العقيدة إلى اليهودية المتأخّرة ليكون نموذجاً من دون إزدهار حيّ للحياة الإلهية. وفي الحاشية يُرجع Dom Casel القارئ على John Adam Möhler.

(9) راجع:

Karl Pächter, Richtungen und schulen im Neuplatonismus, in “Genethliakon” (Carl Roberts zum 8. März 1910), Berlin, 1910.

يترجم Prächter لفظة “العناية” باللفظتين Grundthema أو Zielpunct (ص 128). ويصف بطريقة إيامفليخوس بأنها “تفسير مسكوني” (ص 138). وبروكلوس في تفسيره للرسالة إلى تيموثاوس يضع تضادّاً بين بورفيريوس وإيامفليخوس. فبورفيريوس يفسِّر النصوص بشكل جزئي أمّا إيامفليخوس فبشكل أشمل وأعمّ (في الرسالة الأولى إلى تيموثاوس، ص 204، 24 المذكورة عند Prächter، ص 136).

(12) (أشار C. R, B, Shapland بحق إلى أن “الأساس” في هذا النص يدلّ بالتحديد عند القديس اثناثيوس على اسم الثالوث الأقدس كما يستدعى في المعمودية. ويذكر القديس أثناثيوس هذا الأمر الإلهي فيما بعد في رسالته مستهلاً كلامه هكذا: “أمرهم السيّد أن يضعوا هذا الأساس للكنيسة قائلاً: …فذهب الرسل وعلّموا هكذا”). راجع:

The Letters of saint Athanasius concerning the Holy Spirit, C. R. B. Shapland, London 1951, 132.

معنى التقليد المسلم عند آباء الكنيسة الأولى

الكتاب المقدس في فكر آباءنا القديسين أنطونيوس وأثناسيوس

الكتاب المقدس في فكر آباءنا القديسين أنطونيوس وأثناسيوس [1]

الكتاب المقدس في فكر آباءنا القديسين أنطونيوس وأثناسيوس

الكتاب المقدس في فكر آباءنا القديسين أنطونيوس وأثناسيوس

د. وهيب قزمان

هل كان الكتاب المقدس أداة في يد القديس أثناسيوس، كأي أداة يستلهمها الأديب أو الفنان في عمله؟ أم أنه يا ترى كان يتغلغل في كل نسيج كتاباته وآليات فكره؟ فيمكن أن نلاحظ أن الكتاب كان يتأصل في فكره وقلبه، قبل أن يتحول إلى وسيلة دفاعية في كتاباته. كان القديس أثناسيوس الرسولي يعيش الكتاب فكرًا وقلبًا حقًا، وحين أقتضت الضرورة أن يصيغ فكره اللاهوتي والكتابي، كان الكتاب سباقًا في تشكيل وتحديد معالم فكره، وصبغ التعليم اللاهوتي والأخلاقي لديه[2].

 

كيف استخدم أثناسيوس الكتاب المقدس؟

لا يمثل القديس أثناسيوس النخبة الفكرية فقط، بل و”الأغلبية الصامتة” لمسيحيي الأسكندرية، الذين وضعوا رجاءهم في خلاص المسيح، دون أن يشغلوا بالهم بأي شيء آخر. أي أن القديس أثناسيوس كرّس اهتمامه كلاهوتي في الشأن الكنسي والرعوي، أكثر منه في الجانب الجدلي والنظري.

رغم أن القرن الرابع إشتهر بصراعاته الفكرية واللاهوتية الحادة أحيانًا، والسياسية أحيانًا أخرى. لكن القارئ المدقق لنصوص القديس أثناسيوس أو غيره من كُتاَّب تلك الفترة يجد تركيزًا من جانبهم على “إلتماس وجه الله”، وإن تباينت الأسباب. ورغم تبوأهم لمراكز السلطة الكنسية، سواء كانوا أساقفة أم من المقربين للقصر إلا أنهم وفي مجال الدولة والسياسة كان شغلهم الشاغل أيضًا، هو التماس وجه الله. وذلك ما توضحه أحدث الدراسات في تفكيرهم الكتابي[3].

كان الجدل حول الله، وبصفة خاصة حول علاقة يسوع المسيح، الكلمة المتجسد بالله الآب. هذا الجدل كان جزءًا لا يتجزأ من سعي الآباء إلى القداسة. والذي شمل العبادة الروحية والأخلاقيات المسيحية، والتعليم الصحيح. بل إن المساهمة المتميزة للقديس أثناسيوس في هذا المجال، كانت في تحديده لما يُسمى “بغاية الكتاب المقدس” وهدفه، بشكل ساعد على توضيح تلك العلاقة بين الكلمة المتجسد والله الآب.

وتكشف الدراسة أن هذه الغاية قد عبر عنها القديس أثناسيوس بأشكال مختلفة، ليس فقط في كتاباته الرعائية، بل وفي باقي كتاباته الدفاعية والعقيدية والتاريخية أيضًا. وجميعها توضح إهتمامه الأساسي بتجسد الله الكلمة لأجل خلاص البشرية. إن نقطة البدء التي تفيدنا في مناقشة التراث الآبائي الحديث، إنما تتمثل في مقالة نشرها عام 1959 T.E. Pollar[4] ، وفي ذلك الوقت جرت العادة على تصنيف الكُتّاب المسيحيين الأوائل “الرمزيين”، ويقصد بهم الآباء الإسكندريين، و “الحَرفيين” ويقصد بهم الآباء الإنطاكيين. وينصف “بولار” كلاً من القديس أثناسيوس ومعارضيه الآريوسيين على أنهم حَرفْيون، في مقارنة مع المنهج الرمزي في تفسير الكتاب المقدس.

وقد كان الآريوسيون “حرفيين متطرفين”، بينما يُقال عن القديس أثناسيوس، إنه أظهر في تفسيره تأثره بمدرسة الإسكندرية ذات التقليد الرمزي.

 

مباديء التفسير الكتابي:

لقد إتبع القديس أثناسيوس، وبشكل محدد وواضح، المبادئ التفسيرية التالية:

  1. أساسية الكتاب المقدس.
  2. الغاية من الكتاب. 3ـ عادة (έθος ) الكتاب.
  3. مفهوم (διανοια) الكتاب.
  4. أسلوب الكتاب.
  5. المضمون Context، أو سياق المعنى في الكتاب.

ويوجز “بولار” قائلاً إنه “بطرح هذه المبادئ في التفسير، وباستخدامها بعناية في نقده للتفسير “الإنتقائي عند الآريوسيين”، كان القديس أثناسيوس قادرًا على توضيح أن الفكر اللاهوتي عند هؤلاء الآريوسيين لم يكن كتابيًا. ويدعو “بولار” هذه المجموعة من المبادئ، طريقة القديس أثناسيوس في التفسير، ويرى في “غاية” الكتاب المقدس مبدءًا مهمًا في علم التأويل عند القديس اثناسيوس، وإن لم تكن عنصرًا حاكمًا في منهجه التفسيري.

وبالنسبة لمبدأ أساسية الكتاب المقدس، فإن القديس أثناسيوس يرى أسبقية التعليم الكتابي على المنطق الجدلي، مؤكدًا أن الكتاب المقدس يوفر له دعمًا قويًا في طرحه لأسس العقيدة.

ويجد الباحث عند قديسنا ما يؤكد سلطان الكتاب المقدس والتقليد كمصادر للتعليم والعقيدة، ويرى فيها إستجابة من جانب القديس أثناسيوس لجدل ما، كان قد نشأ فيما بعد.

أما الكلمتان “معنى” و “عادة” الكتاب المقدس، فهما ليستا باللفظتين المترادفتين بالضرورة عنده، أما كلمة “الأسلوب” فربما كانت أقرب إلى كلمة “العادة”. وأما المبدأ التفسيري الخاص بالمضمون أو السياق، فهي طريقة مبسطة للإشارة إلى العديد من العناصر المرتبطة، والتي تمثل في الحقيقة المبدأ الصريح الوحيد عند القديس أثناسيوس، في منهجه الخاص في التفسير. لكن مقالة “بولار” وإن كانت لا تطرح علينا تلك المبادئ التفسيرية الواضحة المعالم، إلا أنها رغم ذلك تشير إلى أسئلة ونصوص مهمة، وعناصر محتملة لمنهج تفسيري محدد للقديس أثناسيوس.

ومن الأعمال المتميزة الكبيرة الأهمية رسالة الدكتوراه حول تفسير القديس أثناسيوس للكتاب المقدس، الصادرة عام 1968 للباحث سيبن H.Sieben حول إستخدام أثناسيوس للمزامير[5]، وقد يتعجب المرء لعدم الإهتمام الكافي بهذه الرسالة، والتي تضم خمسة أجزاء. الثالث منها فقط والمعنون بالألمانية “المزامير النبوية”، هو الذي يعتمد بشكل كامل على التفسير. وذلك لأن هذه الرسالة لم تنشر، فكان من الصعب الوصول إليها ويعلن الباحث أن الإشكالية الكبرى التي تواجه الدراسات القديمة التي تناقش رأى القديس أثناسيوس حول الكتاب المقدس، كانت تتمثل إما في أن الباحثين كانوا يهتمون فقط بكتاباته العقيدية أو أنهم كانوا يكتفون بوصف تفسيره بأنه رمزي أو حَرفْي، أسكندري أو أنطاكي.

ويشير الباحث إلى أن الحاجة ماسة إلى معرفة المجالات المختلفة التي كان القديس أثناسيوس يكتب عنها حول الكتاب المقدس، فيما يخص العلاقة العضوية بينها. فهل هي ببساطة: مجرد تصنيفها عقيدية أم دفاعية أو تفسيرية أو وعظية، وهو ما يراه سيبن بحسب وجهة نظره إجراءً غير شافٍ أو مقنع في الدراسة، ولأن الكتابات العقيدية قد تجعل الاستخدام النماذجي (المثالي) Typology في العهد القديم يبدو ثانويًا في كتابات أخرى.

ويقول إنه من الأفضل أن نركز ليس على الكتابات التي تصادف أنها كانت متواترة، بل على شخص القديس أثناسيوس التاريخي، لأن الكتابات العقيدية كانت إستجابات أو ردود أفعال، أثناء الجدل الآريوسي. فهي حتى إن شغلت مكانًا متميزًا في الأدب الآبائي المعروف لقديسنا، إلا إنها لم تستغرق إلا وقتًا قليلاً من حياته كأسقف.

 

الكتاب المقدس في حياة القديس انطونيوس:

وحينما أراد الباحث “سيبن” أن يختار تفسير المزامير للقديس أثناسيوس كنموذج من أسفار الكتاب المقدس، لكي يتبع خطى كتاباته، وكانت غايته في دراسته أن يبرز هذا الدور الذي يلعبه الكتاب المقدس، ليس كثيرًا في فكر أثناسيوس اللاهوتي، مثلما هو الحال في حياته وعالمه الروحي والرعوي، ولكنه فضَّل أن يبدأ باستخدام الكتاب المقدس في كتاب “حياة القديس أنطونيوس” (الجزء الأول من رسالة الدكتوراه)، ثم ينتقل إلى “الرسالة إلى مارسلينوس” حول تفسير المزامير (الجزء الثاني)، وتفسير المزامير (الجزء الثالث)، والكتابات العقائدية (الجزء الرابع)، وأخيرًا {الرسائل الفصحية} (الجزء الخامس).

يقول “سيبن” إن القديس أثناسيوس قد اشتهر بأنه بطل العقيدة، وكان إستخدامه للكتاب المقدس، والذي أنتقل إلينا في أعماله، ذا طبيعة عقيدية بالأساس. ولكن علينا أن نميز بين استخدامه للكتاب المقدس في المجادلات العقائدية، والذي فُرض على القديس أثناسيوس لظروف تاريخية معينة، وذلك الإنخراط التلقائي لفهم ودراسة الكتاب المقدس، الذي نما بدافع من تقواه الشخصية، وآرائه في العالم المحيط به.

أما اختيار الباحث لكتاب “حياة أنطونيوس”، كنقطة البدء في دراسته، فقد تأسس على إفتراض أن هذا العمل، الذي يرسم ملامح حياة القديس أنطونيوس بوجه عام، وعلاقته بالكتاب المقدس بوجه خاص، يعكس وبمنتهى الدقة المواقف والمبادئ الشخصية للقديس أثناسيوس نفسه، بالنسبة للكتاب المقدس.

صحيح أن حياة القديس أنطونيوس، وإن كانت لا تحتوي على إشارات صريحة لطبيعة وتفسير الكتاب المقدس، لكن يمكن لنا أن نلمح في هذه الحياة منهج القديس أثناسيوس في الاقتراب من الكتاب، والنابع من الأنثروبولوجيا اللاهوتية عنده، أي سيرة حياة إنسان بصورتها الإلهية، متمثلة بشكل نموذجي في حياة أشهر الرهبان في العالم[6]. وفي حياة القديس أنطونيوس نرى القديس أثناسيوس راعيًا بالأساس، أكثر منه لاهوتيًا.

ويبدأ الباحث تورانس في مناقشة ملاحظة هرناك: أن القديس أثناسيوس يهتم بالتعليم الإسكندري عن اللوغوس، خاصة ذلك التعليم الفلسفي التقليدي، فبدلاً من أن يفسر علاقة الإبن من خلال مفهوم اللوغوس، كان يرى المسيح الكلمة وبشكل أساسي في ضوء مفاهيم لغة الكتاب المقدس، التي تركز على علاقة الآب بالابن، فالابن هو الابن الوحيد للآب، وواحد معه في الجوهر (Homo ousios).

إن علاقة الآب بالابن بحسب المفهوم الكتابي، وقد أصبحت بدورها المبدأ الذي يجب أن نفسر على ضوئه الكتاب المقدس. ويرفض ق. أثناسيوس أيضًا ذلك التمييز الأفلاطوني بين عالم الإدراك الحسي، وعالم المعرفة، والذي أتخذه العلامة أوريجينوس أساسًا لتفسيره الرمزي. أما القديس أثناسيوس فقد أبقى على التفسير النماذجي، ولكن هذا وبحسب رأي تورانس كان التفسير المقابل للتفسير “الرمزي”. لأن كلاً من المِثال وضده إنما هي أعمال الله في التاريخ[7].

 

التفسير الصحيح للكتاب المقدس:

إن التفسير الصحيح للكتاب المقدس ممكن فقط حين يُميز المفسر تلك العلاقة بين كلمات الكتاب المقدس، والكلمة اللوغوس الناطق فيها. هكذا نرى في تجسد الله الكلمة، والذي ندركه كعمل الله الخلاصي، المفتاح لكل هذه المعضلات، من ثم فإن التفسير يكون صحيحًا ودقيقًا حين يتبع ما يلي:

  1. يحافظ على غاية الإعلان الإلهي في الكتاب المقدس.
  2. يحترم الطبيعة التدبيرية (economical) لأعمال الله وكلماته.
  3. يحافظ على العلاقة بين معاني كلمات الكتاب المقدس وعباراته، حتى تفي بالغرض من تفسيرها.
  4. فحص العبارات والتدليل عليها، وفقًا لقاعدة الإيمان، التي تنشأ عن فهم الكنيسة للكرازة (The Kerygma)، كما إنتقلت إلينا، بواسطة الكتابات الرسولية[8].

وهنا الاستنتاج، يأخذ في الإعتبار غاية الكتاب المقدس، ثم الطبيعة التدبيرية (إيكونوميا) للعبارات الكتابية، وأخيرًا طريقة تفسير الكتاب المقدس. إن مناقشة غاية الكتاب تعتمد بشكل أساسي على النصوص وثيقة الصلة في “المقالة الثالثة ضد الآريوسيين”، لكنها تتوفر أيضًا عبر كل كتابات ق. أثناسيوس وعند الإنتقال من غاية الكتاب إلى “غاية الإيمان” أو العقيدة، فإن الباحث يؤكد أن الغاية الموضوعية من الكتاب المقدس هي المسيح نفسه. 

 

الأمثلة الكتابية:

ويكمل تورانس تعليقه هذا بقوله: “إن الكرازة الرسولية لا يمكن اختزالها في كلمات، بل يجب النظر إليها على أنها قبول شخص المسيح نفسه بالإيمان، من ثم فإن تفسير الكتب المقدسة، بحسب التسليم يعني فهمها في سياق حياة الإيمان الذي تعيشه جماعة المؤمنين[9].

ولأن الكتاب يتحدث عن الله، الذي لا يمكن فهمه على نفس مستوى فهمنا للبشر، فإن لغته هي بالضرورة لغة رمزية، ومن ثم يستخدم الكتاب ما يعرف بالأمثلة Παραδείγματα، ويقول الباحث إن القديس أثناسيوس يستخدم الكلمة ببساطة، ولا يتبع في إستخدامها لا تقنية البناء اللفظي، ولا الميتافزيقا الأفلاطونية.

إن الإشارة إلى ملمح ما من ملامح العالم المادي المنظور، وإتخاذه كوسيلة. أي أن الكتاب المقدس لا يُفسر بالأسلوب البياني ولا بالفلسفة، بل بأعمال الله التدبيرية، التي يوضحها بالنماذج والأمثلة في تاريخ الخلاص البشري للإشارة إلى شيء سماوي، لا يمكن اختزاله في كلمات، أو إلى واقع إلهي غير مدرك، إذًا ما أردنا أن نعكس مجد الله الذي نعجز تمامًا عن معاينته.

هكذا فإن العلاقة بين الشمس والشعاع، والنبع والنهر والجوهر والتعبير هي مجرد مؤشرات، ولكنها ذات قيمة لأنها ليست إختراعات بشرية، بل إنها معطاة لنا بالإستعلان، ومتأصلة في أعمال الله الحقيقية. ومع ذلك فهي لا تزال مجرد أمثلة، لا ينبغي أن نركز عليها كثيرًا. فهي “مجرد أمثلة أو نماذج، يمكن بواسطتها أن نصور بعض الملامح”.

وفي الحقيقة وعند نقطة معينة لابد أن نتجاوزها إلى الإدراك غير التخيلي للمفاهيم الأصلية التي تمثلها، ولكنها تُشكل فعلاً الأساس للمحاكاة البشرية لله (الغير المرئي والغير الموصوف). لكن التوازي بين الله والبشر، حيث تقوم الأمثلة الكتابية بتوضيح معالم الطريق للبشر، ليتبعوها، إنما هو وبالكامل نتاج التدبير الإلهي للنعمة (الإيكونوميا). أي تدبير الخلاص كله بوجه عام، والتجسد بوجه خاص[10].

إن حقيقة التجسد الإلهي، وخاصة ذلك الإتحاد الذي لا ينفصم بين الطبيعة البشرية للإبن (الناسوت)، واللاهوت، إنما هي ضمان لكي ندرك أن التصوير الكتابي ليس خياليًا، بل هو مؤشر أمين وصادق لواقع إلهي. ويعتقد “تورانس” أن “التفسير المنهجي Tpottological للإنجيل” في فترة ما قبل ق. أثناسيوس في التقليد الأسكندري قد أخفق في التقدير الكافي لحقيقة هذا الإتحاد الذي لا ينفصل.

أما التفسير عند ق. أثناسيوس ـ من جهة أخرى ـ فكان يتأرجح بين طرفي النقيض: إما أن يطرح الأمثلة الكتابية Παραδείγματα كمجرد لغة متعارف عليها، أو يتخذها بشكل يستنبط منها مناهج تصبح متوافقة مع الحقائق الإلهية التي تشير إليها. من ثم فإن مفردات اللغة التي نجدها باستمرار عند القديس أثناسيوس حين نتناول الحديث عن تفسير الكتاب المقدس هي من نوع “صحيح، ملائم، متناسق”. هكذا فإن الباحث يقدم لنا شرحًا لاهوتيًا عند إستخدام الكتاب المقدس. يراه المؤرخون بمثابة إنعكاس للمفردات اللغوية السائدة آنذاك، في البلاغة اللاهوتية الهللينية.

 

الدقة الحرفية والسياق:

إن آخر كلمتين جديرتين بالإهتمام في بحث تورانس هما: الدقة الحرفية بحسب النص “άκρίβεια”، والسياق “άκολουθεία”[11]. إن ضرورة العمل على توضيح المعنى الدقيق لكلمات الكتاب المقدس، إنما تنبع من ذلك المبدأ الذي يُلح عليه الباحث على الدوام، وهو أن الهدف هو أن نصل إلى المعنى الكامن تحت سطح الكلمات، حتى نبلغ إدراك الواقع الإلهي.

إن معنى كلمة ما، في نص كتابي بعينه، لابد أن يكون مناسبًا وملائمًا لمفاهيم الحق الذي يقصده الكتاب المقدس ككل، حيث الترابط المنطقي هو الإهتمام العام في الكتاب. ويجد “تورانس” عند القديس أثناسيوس مجالاً واسعًا لاستخدامات كلمة” άκολουθεία” .

فهناك مفاهيم متعددة للسياق المادي، أو المضمون المنطقي، أو ببساطة “للترابط والإتساق في المعنى”، وهذا الإتساق في المعنى لا يشمل فقط معاني كلمات الكتاب المقدس، بل الأحداث الخاصة بالتدبير الإلهي “إيكونوميا”. التي تشير إليها هذه الكلمات. هكذا فإن تسلسل المعنى وإتساقه نجده يسري من فعل إلهي خلال شهادة الكتاب، ليتجاوز هذا الفعل إلى حياة التلميذ الذي يؤمن بالمسيح وهو يدرس الكتاب، ليتبع نموذج الأفعال الإلهية[12].

 

1 ترجم بتصرف عن كتاب:

 J.Ernest, The Bible in Athanasius of Alexandria, Boston, 2004.

[2] The Preface, P.1X.

[3] R.Wilken, The Spirit Christian thought, Yale university Press, 2003.

[4] The Exegesis of scripture and the Arian controuay, BJRL. 41 (1959), 414 – 420.

[5] Sieben’s dissertation on Athanasius biblical interpretation, Paris, 1968.

[6] Sieben’s dissertation,12, translation of J.Ernest. Jbid,18.

7 تورانس في علم التأويل، الجزء الأول ص448، حيث رفض القديس أثناسيوس تمييز العلامة أوريجينوس بين الروح والحرف عند بولس الرسول، وذلك بسبب أخذها من سياقها.

[8] Torrance, “Hermeneutics”, Part1, P.454.

[9] Ibid. P.P. 464 – 67.

[10] Torrance, “Hermeneutics”, Part2. P.P 103-106.

11 يقصد هنا التتابع المنطقي للأحداث وتسلسلها المترابط.

12 فكر القديس أثناسيوس واضح هنا أكثر من باقي الأجزاء، المرجع السابق ص13.

الكتاب المقدس في فكر آباءنا القديسين أنطونيوس وأثناسيوس

طرق استعمال الكتاب المقدس في الكنيسة

طرق استعمال الكتاب المقدس في الكنيسة

طرق استعمال الكتاب المقدس في الكنيسة

طرق استعمال الكتاب المقدس في الكنيسة

المقالة السابقة: الكتاب المقدس والتقليد

المقالة التالية: دراسة الكتاب المقدس أكاديميا

لقد أكّدنا أنّ الكتاب المقدّس نصّ كنسيّ مقدّس أي أنّه نصّ يقرأه المؤمنون ويسمَعونه بإيمان حيّ وانتباه صلاتيّ. الكتاب المقدّس كان دائمًا يُستَعمَل بطرائق مختلفة ولكن مترابطة لخدمة حاجات محدّدة في حياة الكنيسة، العبادة بشكل رئيس، الوعظ، التعليم، التأمّل، الإرشاد العمليّ وتحديد الحقيقة العقائديّة. في الفترات الأولى، بالطبع، لم يكن بمقدور الكثيرين من الشعب أن يقرأوا مخطوطات مكلفة أو أن يشتروها.

ما كانوا يستطيعون القيام به هو سماع القصص الكتابيّة في التلاوات الليتورجيّة ورؤيتها مصوّرة في الفنّ المقدّس. كلمة الله الخلاصيّة كانت تمرّر عبر قراءة الكتاب المقدّس وتفسيره في حياة الكنيسة المشتركة وفي الجماعات الرهبانيّة. إذًا، كشف كلّ قصّة الكتاب وشهادته الخلاصيّة كان بالدرجة الأولى خبرة مشتركة[1]. ما يلي هو رواية عن الاستعمالات والتطبيقات المختلفة للكتاب في حياة الكنيسة بهذف ترسيخ نظرة مبدئيّة.

الاستعمال الليتورجيّ أوّلي لأسباب عديدة. الليتورجيا هي الاجتماع الرئيس لشعب الله للاحتفال، لتذكّر حياة الجماعة مع الله وتجديدها[2]. أغلب الكتابات الإنجيليّة كُتِبَت لتُقرأ بصوت عالٍ في هذه الاجتماعات (كولوسي16:4؛ رؤيا3:1)، التي كانت للصلاة والعبادة وليس فقط للقراءة. في هذا الإطار، الكتابات المقدّسة كانت تُسمَع وتُفسَّر ككلمة الله.

أيضًا وُجدَت علاقة خلاّقة بين العبادة والكتاب في أنّ اللغة الليتورجيّة أثّرت في تأليف الكتابات الإنجيلية وفي أنّ الإنجيل بدوره طبع بعمق أشكال لغة العبادة[3]. التقليد الأرثوذكسيّ بثرواته الواسعة في الكتب التسبيحيّة، الخدم الليتورجيّة، وروزنامة الأعياد يمثّل أسلوبًا كتابيًّا كاملاً لم يُدرَس كفاية بعد[4]. وعلاوة على كلّ شيء، العبادة المشتركة تشكّل جواب الكنيسة الممتنّة لأعمال الله الكريمة، احتفالاً تمجيديًّا لحضور الله المقدّس وتجديد الحياة.

التلاوة الليتورجيّة الشفّافة للكتاب، تقرأ بتمعّن وبإيمان حيّ، فتصبح سماعًا قادرًا لكلمة الله ينَّشط الجماعة المجتمعة بروحه وخبرة تحوِّل هذه الجماعة[5].

في أيّ حال، لا يستطيع الاستعمال الليتورجيّ للكتاب، على مركزيّته وأهميّته، أن يمتص الاستعمالات الأخرى التي لكلّ منها هدفه وتكامله. هذا تذكير على اللاهوتيّين الأرثوذكسيّين أن يهتمّوا به[6]. التشديد على أنّ كلّ الأشياء تبدأ في الليتورجيّة وتنتهي بها هو إفراط في العموميّة. أعمال الله وأقواله الخلاصيّة تُختَبَر خارج العبادة أيضًا. إبراهيم دُعي وثنيًّا.

موسى كان يرعى قطيعه. بولس كان يضطهد المسيحيّين. هناك أمور مهمّة أخرى للعمل إلى جانب العبادة. يُخدَم الله وكلمته أيضًا عبلا التعليم، الوعظ، العمل الرعائيّ والبشارة، العدالة الاجتماعيّة ومحبّة القريب، غير الأطر الليتورجيّة المحدّدة. على الليتورجيا أن تقود، وليس بالضرورة من نفسها، إلى الوعظ الفعّال، التعليم، البشارة والمسئوليّة الاجتماعيّة، هذه كلّها خدمات تتطلّب بذاتها التزامًا مخلصًا، نفاذ بصيرة وخبرات.

يجد الاستعمال الوعظيّ للكتاب استقامته في معنى الإعلان Kerygma ووظيفته، إعلان رسالة الله الخلاصية[7]. فيما الكلمة مرتبطة بالليتورجيا، يجب إعلانها في كلّ أطر الحياة. مع أنّ التلاوة الليتورجيّة للكتاب بحدّ ذاتها تضجّ برسالة الله الخلاصيّة، فإنّ كمال الإعلان هو في وجود معلِن مخلِّص كما في وجود رسالة للإعلان. المعلِن هو مَن تحقّقت فيه كلمة الله وعبره تسعى الكلمة لأن تتحقّق مجدّدًا بقوّة الرَوح العامل في قلوب الآخرين.

الإعلان الفعَّال يفترض خبرة ديناميكيّة (حيَّة) لكلمة الله ويقود إلى إيقاظ الإيمان وتغذيته. الوعظ في أفضل أحواله ينَّشط العبادة ويجعلها خبرة أكثر قوّة. في أيّ حال، ممكن أن يتمّ الإعلان بالطرائق المناسبة، ليس فقط عبر العبادة المشتركة بل أيضًا في أي ظرف بشريّ بشكل عَرَضيّ مثل أي زيارة بين جارين. يجب أن لا يُفرَّط في تحميل الوعظ لا من التعليم ولا من الأخلاقيّات أو الإيديولوجيا السياسيّة، إنّما يجب أن يكون عادلاً مع حريّة كلمة الله وقوّتها، ناقلاً حضور الله ومحبّته ورحمته.

يركِّز الاستعمال التعليميّ المقدّس على التعليم الكتابيّ لتقديس شعب الله[8]. في موازاة إعلان رسالة الله الخلاصيّة، هناك أيضًا تعليم didache (متى28:7، روما17:6، 1 كورنثوس6:14) مقصود به التوجيه الأخلاقيّ والإرشاد العمليّ. في الكتاب المقدّس عينه، هناك أسفار تحتةي إعلانًا وتعليمًا معًا، مثل الأنبياء والأناجيل ورسائل القدّيس بولس. غيرها، مثل كتاب الأمثال ورسالة يعقوب، تقدّم توجيهًا أخلاقيًّا بشكل أوسع.

في التقليد المسيحيّ كما في اليهوديّ، التعليم خدمة إلهيّة في التدريب الدينيّ تتضمّن النظام، التعليم، الإرشاد، والإصلاح. آباء الكنيسة الذين كتبوا تفسيرات كتابيّة ووعظوا عظات تعليميّة أعطوا قيمة كبيرة للتعليم. لقد تصوَّروا الكتاب المقدّس كتابًا مدرسيًّا للتربيّة المسيحيّة والمسيح هو المعلّم الأعلى للبشريّة[9]. يفترض التعليم الكتابيّ الفعّال إيمانًا حيًّا وروحًا إنجيليّة وإلا فهو معرّض لأن يصبح مملاً وخاليًا من الحياة.

الوجهة التعبديّة هي قراءة الكتاب المقدّس في الصلاة والتأمّل، وهو تمرين تقويّ قديم وحديث في اليهوديّة والمسيحيّة[10]. المزمور 119 هو احتفال رائع بناموس الله كنشيد للفرح ومصدر إشعاع للحقّ بالنسبة إلى رحلة حياة كاتب المزامير. عبّر راهب مسيحيّ قديم عن المشاعر ذاتها في قوله “فلتجِدْكَ الشمس عند شروقها حاملاً إنجيلاً في يدك[11]. في الرهبنة، قراءة الكتاب هي عمود التقوي، فالكتب المقدّسة كات وما زالت تُحفَظ عن ظهر قلب.

بين شعب الله، رجال ونساء لا يُحصَون تقوّوا في حياتهم بالقراءة المصليّة. لحظات الصلاة هي لحظات من الإعلان الشخصيّ. في إطار الصلاة، كلمة الله المكتوبة تخترق بنور ينفذ إلى القلب فيدينه ويطهرّه. بعيدًا عن الصفوف والدراسات اللاهوتيّة الرسميّة، الناس العاديّون يختبرون حضور الله وقوّته عبر الدراسة التعبديّة للكتاب بطرائق أكثر عمقًا من التي يتبعها كثيرون من اللاهوتيّين والباحثسن في التحليل الكتابيّ.

آباء الكنيسة يدعون كلّ المؤمنين إلى القراءة اليوميّة للكتاب المقدّس، مقاربين كلمة الله المكتوبة كما يقاربون الكلمة في الإفخارستيا. بالنسبة إلى آباء الكنيسة، القراءة التعبديّة هي علامة لقاء شخصيّ مع الله، وقت يتدخّل فيه الله، يتكلّم، يقود، ويوصل المؤمن إلى حياته برفقة الملائكة والقدّيسين.

نشأ الاستعمال العقائديّ للإنجيل في المجادلات اللاهوتيّة والدفتع الضرةريّ عن الإيمان المسيحيّ. العهد الجديد نفسه يعطي دلائل عن هذه المناقشات ورفض التعليم الكاذب عبر الصيَّغ العقائديّة (ذكورنثوس5:8-6، 1يوحنا2:4-3). في العصور اللاحقة، نشأ عدد من المجادلات اللاهوتيّة حول طبيعة الله، الخلق، العهد القديم، المسيح، الروح القدس وأمور أخرى.

واجه قادة الكنيسة واللاهوتيّون صراعات جبّارة في تفسير الأُطر الفكريّة للإيمان المسيحيّ وصياغتها في وجه اليهوديّة، الغنوصيّة، والهرطقات اللاحقة مثل الآريوسيّة. التفسير الصحيح للكتاب كان في قلب هذه المناظرات كما يظهر من أعمال القدّيسين يوستينوس الشهيد، إيريناوس، أثناسيوس والكبادوكيِّين. تألَّفت الكتابات اللاهوتيّة ودساتير الإيمان لصياغة محتوى الإيمان الفكريّ بطريقة معياريّة وأيضًا لتحديد هويّة الكنيسة عينها بطريقة أوضح.

المجامع المسكونيّة عملت كأعلى سلطة في الكنيسة من أجل نشر الحقيقة المسيحيّة[12]. حصاد هذه العمليّة الطويلة والمؤلمة كان دستور الإيمان النيقاويّ الذي هو ملخّص تفسيريّ لمواضيع الكتاب الرئيسية وفي الوقت عينه شهادة ثابتة على التراث الكلاسيكيّ للعقيدة المسيحية[13].

[1]  على العكس، بعد الإصلاح، التركيز على سلطة التفسير الشخصيّ وضع الكتاب بين أيدي الأفراد وأدّى إلى عمليّة التفصيل والتقطيع المستمرة، وإلى آفة البروتستانتيّة التي تشدّد عليها الفرديّة المعاصرة. بين العديد من اللاهوتيّين، البروتستانتيّ Stanley Hauerwas يتحدّى بشدّة حضّ كلّ فرد في تفسير الكتاب. أنظر كتابه Unleashing the Scripture: Freeing the Bible from Captivity in America (Nashville: Abingdon, 1993). هذا لا يعني أبدًا أنّ الدراسة التقويّة للكتاب المقدّس خطأ أو يجب عدم تشجيعها، لأنّ الكتاب يخصّ كلّ الكنيسة وكلّ عضو في شعب الله وليس فقط الكاهن أو الراهب أو اللاهوتيّ.

[2] Philip Rousseau, Basil of Caeserea (Berkley: University of California Press, 1994), pp. 127-131

يقدم في هذا العمل عرضًا ممتازًا للقناعة الآبائيّة بأن الفحوى الليتورجيّة تفعّل الحقيقة الخلاصيّة وأنّ العبادة بذاتها تؤدّي إلى الفهم عبر تلاقي المؤمنين مع رسالة النصّ، وصعودهم إلى حقيقة الإنجيل الكاملة بذاتها، وتقديمهم الاعتراف العلني بالإيمان المتوافق مع التقليد الرسوليّ.

[3] Jean Danièlou, The Bible and the Liturgy (North Bend: University of Notre Dame Press, 1956); Ralph P. Martin, Worship in the Early Church (Grand rapids: Eerdmans, 1974); C. Jones, G. Wainwright, eds., The Study of Liturgy (New York: Oxford University Press, 1992).

[4]  الأعياد الرئيسية في التقويم الكنسيّ هو #### أو تفعيل ليتورجيّ للبشارة السعيدة برسالة المسيح بما فيها تجسّده وميلاده ومعموديّته وتجلّيه ودخول المنتصر وموته على الصليب وقيامته وصعوده وعطيّة الروح القدس، مع مجموعات من الأناشيد التي تعلن معنى هذه الأحداث وتحتفل بها. فترات الصوم الكير والأسبوع العظيم والفصح والعنصرة هي على هذا المنوال غنيّة بالمحتوى الكتابيّ. دورة الصلوات للأسابيع الثمانيّة في المعزي، وبخاصّة غروب السبت وسحر الأحد، هي إعلان ليتورجيّ مذهل للكتاب المقدّس. الصلوات والخدم تشير بشكل ثابت إلى أعمال الله الخلاصيّة العظيمة في الكتاب المقدّس.

[5]  التشديد على هذا البعد موجود عند

John Breck, The power of the Word in the Worshiping Church (Crestwood: SVS, 1986).

[6]  بسبب قيمة التقليد الليتورجيّ وأهميّته، هناك عند الأرثوذكس ميل عباديّ نحو نوع من الليتورجيانيّة. لقد رأى اللاهوتيون الأرثوذكس أنّ الليتورجيا هي المفتاح التفسيريّ لكلّ الأسئلة. في أيّ حال، من المشكوك فيه أنّ هناك مفتاحًا واحدًا لكلّ أبعاد الحياة والفكر المسيحيّين كخيارات أخلاقيّة، ومناقشة للحقيقة العقائديّة والنظام الكنسيّ والإيمان الشخصيّ والصلاة والعبادة الجماعيّة. أنظر لاحقًا الفصول المتعلّقة بالتفسير.

[7] Anthony Coniaris, Preaching the Word of God (Brookline: Holy Cross Orthodox Press, 1983); J. M. Reesc, Preaching God’s Burining Work (Cllegeville; Liturgical Press, 1975); H. W. Robinson, Biblical Preaching (Grand Rapids: Baker, 1980); John Burke, Gospel Power (New York: Alba House, 1978); and Preaching in the Patristic Age, ed. D. G. Hunter (Mahwah: Paulist Press, 1989).

[8] Helpful handbooks include: Dick Murray, Teaching the Bible to Adults and Youth (Nashville: Abingdon, 1987); and Michael E. Williams, The Storuteller’s companion to the Bible, 5 vols. (Nashbille; Abingdon, 1991-1994).

[9] Werner Jacger, Early Christianity and Greek Paideia, pp. 66-102.

[10] Paul Evdokimov, LectioDivina: Reading the Bible, “in his Struggle With God, trans. Sister Gertrude, S. P. (Glen Rock: Paulist Press, 1966), pp. 189-193; D. Burton-Christie, The Word in the Desert; Scripture and the Quest for Holiness in Early Christianity (New York: Oxford university Press, 1993). Thomas Hopko, Reading the Bible (New York: Religious Education Department, Orthodox Church of America, 1970); Theodore Stylianopoulos, Bread for Life; Reading the Bible (Brookline: Department of Religious Education, Greek Orthodox Archdiocese of North and South America, 1980); and Kallistos Ware, “How to Read the Bible,” The Orthodox Study Bible, ed. Peter E. gillquist and others (Nashville: Thomas Nelsen, 1993, pp. 762-770.

[11] Paul Evdokimov, Struggle With God, p. 189.

[12] See Mark Santer, “Scripture and the Councils,” Sobornost 7 (2,1975), pp. 99-111 and Constantine Scouteris, “Holy Scripture and Councils,” ibid, PP. 111-116.

[13]  نظرًا إلى التشويش العقائديّ أو بالأحرى الفوضي في الزمان الحالىّ، لقد أحسن مجلس الكنائس العالميّ صنعًا في وضعه دستور الإيمان النيقاوي في وسط مشروع جوهريّ نحو التوافق العقائديّ كأساس للوحدة المسيحيّة. انظر

Confessing the One Faith: An Ecumenical Explication of the Apostolic Faith as it is Confessed in the Nicene-Constantinopolitan Creed (381), Faith and Order Paper No. 153 (Geneva: WCC Publications, 1991), and also Hans-Georg Link, ed. The Roots of Our Common Faith: Faith in the Scriptures and in the Early Church, Faith and Order Paper No. 119 (Geneva: World Council of Church, 1984).

طرق استعمال الكتاب المقدس في الكنيسة

Exit mobile version