الرئيسية / آبائيات / الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، الرسالة الفصحية الأولى عن: الصوم والأعياد

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، الرسالة الفصحية الأولى عن: الصوم والأعياد

الرسالة الأولى

عيد القيامة 11 برمودة سنة 45ش ـ 6 إبريل سنة 329م

عن الصوم والأبواق والأعياد

الرسالة الأولى  عيد القيامة 11 برمودة سنة 45ش ـ 6 إبريل سنة 329م  عن الصوم والأبواق والأعياد
الرسالة الأولى
عيد القيامة 11 برمودة سنة 45ش ـ 6 إبريل سنة 329م
عن الصوم والأبواق والأعياد

فهرس الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس:

(1)

هذا هو اليوم الذى صنعه الرب[1]

          هيا بنا يا أحبائى، فإن الموسم يدعونا لنعيد. ” وشمس البر[2]. إذ يشرق علينا بأشعته الإلهية، فإنه يسبق فيعلن موعد العيد الذى ينبغى أن نحتفل به، طاعةً له لئلا إن فاتنا الوقت، تفوتنا فرحة العيد.

          لأنه يجب علينا أن نميز الأوقات، لكى نمارس الفضيلة. من أجل هذا فإن الطوباوى بولس فيما كان يرشد تلميذه تيموثيئوس أن يراعى الأوقات قال له:” اكرز بالكلمة، أعكف على ذلك فى وقت مناسب وغير مناسب[3] حتى إذ عرف تلميذه كلاً من الوقت المناسب وغير المناسب، فإنه  يفعل الأمور التى تلائم الوقت ويتحاشى ملامة عدم معرفة الوقت المناسب،لأنه هكذا يرتب إله الجميع كل شيء فى وقته وأوانه، كما يقول سليمان الحكيم[4]، حتى يعم خلاص البشر فى كل مكان فى الوقت المعين له.

     وهكذا أيضًا “حكمة الله[5]، ربنا ومخلصنا يسوع ، يحل على النفوس المقدسة مصورًا منها أحباء الله وأنبياءه فى الوقت المناسب[6]، ولهذا فبالرغم من أن كثيرين جدًا كانوا يتضرعون إليه لكى يأتى مسرعًا ليخلصهم قائلين: ” ليت من صهيون يخرج خلاص الله[7] وكما صلت العروس أيضًا كما جاء فى نشيد الأنشاد قائلة:      ” ليتك كنت ابن أختى (كأخ لى) الراضع من ثدى أمى[8]، أى ليتك كنت كبنى البشر، تحمل آلام البشرية من أجلنا، رغم كل هذه الصلوات فإن إله الكل، خالق الأوقات والأزمنة، الذى يعرف أحوالنا أكثر مما نعرفها، وكطبيب صالح، يحثنا على الطاعة فى الوقت المناسب، وهو الوقت الوحيد المناسب لشفائنا (أى ملء زماننا). لهذا فإنه هو أيضًا قد أرسل ابنه فى الوقت المناسب، وليس فى أى وقت، قائلاً: ” فى وقت مقبول استجبتك وفى يوم الخلاص أعنتك[9].

 

(2)

          لهذا السبب فإن الطوباوى بولس، إذ يحثنا على مراعاة هذا الوقت المناسب، كتب قائلاً: ” هوذا الآن وقت مقبول، هوذا الآن يوم خلاص[10].

 

هتاف الأبواق للاحتفال بالعيد

          وفى أوقات محددة أيضًا دعا الله بنى إسرائيل للأعياد اللاوية، بواسطة موسى النبى قائلاً: ” ثلاث مرات تعيد لى فى السنة[11]، (وها نحن نحتفل الآن يا أحبائى بأحد هذه الأعياد، أى عيد الفصح). وكانت أبواق الكهنة تهتف وتحث الشعب على الاحتفال بهذه الأعياد، كما أوصى المرنم القديس قائلاً: ” انفخوا البوق عند الهلال (القمر الجديد)، وفى يوم عيدكم المقدس[12]

          ولما كانت هذه الوصية تدعونا أن ننفخ بالبوق فى يوم القمر الجديد، وفى الأيام المقدسة[13]، فقد عين الله يومًا مقدسًا، وهو ذلك اليوم الذى يكتمل فيه نور القمر (أى يصبح القمر بدرًا). وقد كان هذا الأمر فى ذلك الوقت رمزًا، مثلما كانت الأبواق رموزًا، وكانت الأبواق تدعو تارة إلى الأعياد، وتارة أخرى للصوم، وثالثة إلى الحرب. وكان هذا الأمر يتم بوقار وترتيب، وليس بطريق الصدفة، فكان صوت الأبواق هذا معينًا من قبل الرب، حتى يتمكن كل شخص أن يأتى إلى ما دعى من أجله. وهو ما يجب أن تتعلموه ليس منى فحسب، بل من الكتب الإلهية أيضًا، كما جاء فى سفر العدد: ” وكلم الرب موسى قائلاً: اصنع لنفسك بوقين من فضة مسحولين تعملهما، فيكونان لك لمناداة الجماعة[14]، فكم بالأولى تكون دعوة الله هنا لأولئك الذين يحبونه.

          وهكذا نعلم أن هذه الأمور كانت تشير إلى أيام موسى النبى، وكان يجب أن تمارس طالما كان الظل باقيًا، وكان كل شئ مرتبًا للاستعمال ” إلى وقت الإصلاح[15]، لأن الرب قال: ” إذا ذهبتم للحرب فى أرضكم على أعدائكم الذين يقومون عليكم، (لأن مثل هذه الأمور تشير إلى الأرض فقط) فعندئذ تهتفون بالأبواق، فتذكرون أمام الرب، وتخلصون من أعدائكم[16]

          وهم لم يهتفوا بالبوق فى الحرب فقط، بل بحسب الناموس، كان هناك أيضًا بوق للعيد. استمعوا إليه إذ يكمل الحديث قائلاً: “وفى يوم فرحكم وفى أعيادكم ورؤوس شهوركم (هلالكم الجديد) تضربون بالأبواق[17].  ويجب ألا يحسبه  أى إنسان  بالأمر التافه والمحتقر، إذا سمع الناموس يأمر باحترام ضرب الأبواق، لأنه أمر عجيب ورهيب. فالبوق يوقظ ويرعب أكثر من أى صوت أو أية آلة أخرى. وهكذا كان إسرائيل يتلقى الإرشاد عن طريق هذه الوسائل (الأبواق)، لأنه كان لا يزال بعد طفلاً. ولكن  لا يظن أحد أن هذا النداء (بالأبواق) مجرد نداء بشرى، فهو أسمى من أن يكون بشريًا، لأن أصواته كانت تشبه تلك الأصوات التى سمعت عندما ارتعد الشعب أمام الجبل[18]، وهكذا كانوا يتذكرون الناموس الذى أعطى لهم عندئذ ويحفظوه.

(3)

من الرموز والظلال إلى الحقائق 

     كان الناموس مثيرًا للإعجاب، وكان الظل ساميًا، وإلا فما كان ممكنًا أن يسبب خوفًا ويبعث وقارًا فى أولئك الذين سمعوه، وخاصة الذين رأوا تلك الأشياء فى ذلك الوقت ولم يسمعوها فقط. وكانت هذه الأشياء رمزية، وتمت كأنها فى ظل.

          لكن فلنعبر إلى المعنى المقصود، تاركين الرمز جانبًا، ونتقدم إلى الحقيقة عينها متطلعين إلى الأبواق الكهنوتية التى لمخلصنا، تهتف داعية إيانا تارة إلى الحرب كقول الطوباوى بولس: “ إن مصارعتنا ليست مع دم ولحم، بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشر الروحية فى السماويات[19].

          وتارة أخرى تدعونا للبتولية، وإنكار الذات، والتوافق الزوجى، فتحدث العذارى عن الأمور الخاصة بالعفة، والذين أحبوا طريق التقشف  تحدثهم عن حياة الزهد. أما المتزوجون ففيما يخص الزواج المكرم[20]. وهكذا توضح لكل شخص فضائله وجزاءه المبارك.

          وبين الحين والآخر تدعونا تارة للصوم، وتارة أخرى للعيد. وهنا نجد الرسول يهتف بالبوق مرة أخرى معلنًا: “ إن فصحنا أيضًا قد ذبح لأجلنا. إذن لنعيد، ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث، بل بفطير الإخلاص والحق[21].

          وإن أردت أن تستمع إلى هتاف بوق أقوى وأعظم من هذه كلها، فانصت إلى قول الإنجيل: ” وفى اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادى قائلاً: إن عطش أحد فليقبل إلى ويشرب[22]. لأن مخلصنا لا يدعونا إلى مجرد عيد، بل إلى العيد العظيم، هذا فقط إن كنا مستعدين للإصغاء والطاعة لنداء كل بوق. 

 

(4)

قدسوا صومًا

          ولأنه توجد أبواق مختلفة، كما سبق أن ذكرت، فانصت إلى النبى الذى يهتف بالبوق، وإذ نلتفت إلى الحقيقة، استعد لما يعلنه البوق، لأن النبى يقول: ” اضربوا بالبوق فى صهيون، قدسوا صومًا[23]. وهذا بوق منذر، يوصينا بإلحاح شديد أن نقدس الصوم عندما نصوم، فليس كل الذين يدعون الله يقدسونه، لأنه يوجد من يحاول أن يدنسه. وحاشا لهم أن يدنسوه، فهذا مستحيل طبعًا ولكنهم إنما يدنسون تفكيرهم من جهته، لأنه قدوس، ومسرته فى القديسين[24]. لذلك ينتقد الطوباوى بولس الذين يهينون الله قائلاً:    ” الذين يتعدون الناموس يهينون الله[25].

          ولهذا فلكى يميز النبى بين المؤمنين، وبين الذين يدنسون الصوم، فإنه يقول هنا: قدسوا صومًا“. لأن كثيرين من الذين يتسابقون فى الصوم، يدنسون أنفسهم بأفكار قلوبهم، وذلك بالإساءة إلى إخوانهم أحيانًا، وبالغدر والخيانة أحيانًا أخرى. وبدلاً من أن نذكر شيئًا آخر، نقول إن هناك كثيرين ممن يفتخرون على إخوتهم بالصوم، يسببون ضررًا عظيمًا. فافتخار الفريسى  بالصوم لم ينفعه، رغم أنه كان يصوم مرتين  فى الأسبوع[26]. وذلك لأنه تشامخ على العشار. 

          وبنفس الطريقة وبخ “الكلمة” بنى إسرائيل بسبب صوم كهذا، مقدمًا لهم النصيحة على لسان إشعياء النبى، وقائلاً لهم: ” ليس هذا هو الصوم أو اليوم الذى اخترته، أن يذلل الإنسان نفسه، أو يحنى كالأسلة رأسه، ويفرش تحته مسحًا ورمادًا؛ ولا يليق بك أن تسمى هذا صومًا مقبولاً للرب[27].

          ولكى نستطيع أن نوضح أى نوع من الأشخاص يجب أن نكون عندما نصوم، وأى أسلوب ينبغى أن يتخذه الصوم، فلننصت أيضًا إلى الله، إذ يوصى موسى قائلاً فى سفر اللاويين: ” وكلم الرب موسى قائلاً: أما العاشر من هذا الشهر السابع فهو يوم الكفارة، فحفلاً مقدسًا يكون لكم، تذللون نفوسكم وتقربونه وقودًا (محرقة كاملة) للرب[28].

          ولكى يتضح قصد الناموس من هذا الأمر، فإن الله يكمل قائلاً:    ” إن كل نفس لا تتذلل فى هذا اليوم عينه تقطع من شعبها[29].

 

(5)

الصوم الحقيقى

          تأملوا يا إخوتى مقدار ما يستطيع الصوم أن يفعله، والكيفية التى يأمرنا الناموس أن نصوم بها. فإننا مُطالبون أن نصوم، ليس بالجسد فقط بل بالروح أيضًا. والنفس تتذلل عندما لا تتبع آراء رديئة، بل تتغذى بالشوق إلى الفضيلة، لأن الفضائل والرذائل هى طعام النفس، والإنسان يستطيع أن يتناول أحد هذين الطعامين، وأن يتجه إلى أحدهما حسب إرادته الخاصة.

          فإن مال الإنسان نحو الفضيلة تغذت نفسه بالفضائل والبر وضبط النفس، والتواضع والاحتمال، كما يقول الرسول بولس ” متربيًا بكلمة الحق[30]. هكذا كان الحال مع ربنا الذى قال: ” طعامى أن أعمل مشيئة أبى الذى فى السموات[31]

          لكن إذا لم تسلك النفس هذا السبيل، ومالت إلى أسفل، فإنها لا تقتات إلا بالخطية . لأنه هكذا يصف الروح القدس الخطاة وطعامهم. إذ يقول مشيرًا للشيطان، عندما قال: ” جعلته (أى الشيطان) طعامًا لشعب كوش[32]. لأن هذا هو طعام الخطاة.

          وكما أن ربنا ومخلصنا يسوع   الخبز السماوى، هو طعام القديسين، كما قال فى انجيل يوحنا: ” إن لم تأكلوا جسدى وتشربوا دمى..”[33]. هكذا الشيطان هو طعام الدنسين، والذين لا يفعلون شيئًا مما هو فى النور، بل يقومون بأعمال الظلمة.

          لذلك فلكى يردهم الله عن رذائلهم ويحولهم عنها، يوصيهم أن يقتاتوا بالفضيلة، أى تواضع الذهن، والمسكنة، واحتمال الإهانات، وشكر الله. لأن صومًا كهذا، متى حفظ مقدسًا، لا يعطى مغفرة الخطايا فقط، بل يرفع القديسين ويسمو بهم فوق الأرضيات.

 

(6)

الصوم والأمور المعجزية:

          حقًا إن ما سوف أقوله عجيب، وهو تلك الأمور المعجزية جدًا، ومع ذلك فهى ليست بعيدة عن الحق، كما يمكنكم أن تعلموا هذا من الكتب المقدسة. فحينما صام ذلك الرجل العظيم موسى، تكلم مع الله واستلم الشريعة. وعندما كان القديس العظيم إيليا صائمًا، حُسب مستحقًا للرؤى الإلهية، وفى النهاية رُفِع إلى فوق مثل مخلصنا الذى صعد إلى السماء.

          وعندما كان دانيال صائمًا، اؤتمن على السر، مع أنه كان شابًا صغيرًا جدًا، وعرف وحده أسرار الملك، واستحق أن يعاين رؤى إلهية. لكن لأن صوم هؤلاء الرجال كان عجيبًا، إذ امتد لأيام كثيرة، فيجب ألا يتزعزع إيمان أى إنسان سريعًا، بل بالحرى يجب عليه أن يؤمن ويعرف أن التأمل فى الله وفى كلمته يكفى لتغذية الذين يسمعون الله ويقفون أمامه، ويغنيهم عن كل شئ. فالملائكة لا يسندهم ويغذيهم سوى معاينتهم الدائمة لوجه الآب، ووجه المخلص الذى هو فى السماء.

          وهكذا طالما كان موسى يتكلم مع الله، فقد صام جسديًا ولم يأكل، لكنه كان يقتات بالكلمات الإلهية. وحينما نزل بين الناس، وكان الله قد ارتفع عنه، شعر بألم الجوع مثل باقى البشر. لأنه لم يذكر عنه أنه صام أكثر من الأربعين يومًا التى كان يتحدث فيها مع الله. وعمومًا فإن كل واحد من القديسين قد حُسِب بالمثل مستحقًا لتغذية سامية تفوق العقل.

(7)

إبطال الفصح اليهودى بتقدمة

     وهكذا يا أحبائى، فإذ تغذت نفوسنا بالطعام الإلهى “بالكلمة” (أى بالمسيح الكلمة)، وبحسب مشيئة الله، وصمنا جسديًا عن الأشياء الخارجية، فإننا نحفظ هذا العيد العظيم الخلاصى كما يليق بنا.

     حتى اليهود الجهلاء تناولوا هذا الطعام الإلهى، رمزيًا، عندما أكلوا الخروف وقت الفصح. لكنهم إذ لم يفهموا الرمز، فإنهم لازالوا يأكلون الخروف إلى اليوم،  فهم يضلون إلى هذا اليوم بعيدًا عن المدينة، وعن الحق.

          فطالما كانت اليهودية باقية، والمدينة باقية، فقد كان هناك رمز، وخروف، وظل، لأنه هكذا أمر الناموس[34]. ولا يمكن أن تتمم هذه (الطقوس) فى مدينة أخرى، بل فى أرض اليهودية. وليس فى أى مكان خارجًا عن أرض اليهودية.

          وعلاوة على هذا فقد أمرهم الناموس ألا يقدموا محرقات كاملة، وذبائح على أى مذبح آخر غير ذلك الذى فى أورشليم. ولهذا السبب بنُى فى هذه المدينة وحدها مذبح وهيكل، ولم يكن مسموحًا لهم أن يتمموا هذه الفرائض فى أية مدينة أخرى. فعندما يتم القضاء على هذه المدينة، فإن هذه الرموز يجب أن تنتهى أيضًا وتبطل.

(8)

انتهاء الرموز بمجيء مخلص

          لاحظوا الآن أنه منذ مجيء مخلصنا قد انتهت تلك المدينة[35]، وخربت كل أرض اليهود. لذلك فمن شهادة هذه الأمور (ولسنا بحاجة إلى برهان آخر بعد أن تأكدنا بأعيننا ذاتها من الحقيقة نفسها)، كانت الضرورة تقتضى  أن ينتهى الظل.

          وهذه الأمور يجب أن تتعلموها ليس منى، بل قد سبق أن تنبأ النبى بصوته المقدس صارخًا: ” هوذا على الجبال أقدام ذاك الذى يأتى بالأخبار السارة ويبشر بالسلام[36]. ولم تكن هذه الرسالة التى نادى بها سوى تلك التى استمر يقولها لهم: عيدى أعيادك يا يهوذا، أوفى للرب نذورك. لأنهم لا يعودون بعد يذهبون إلى ما هو قديم. إذ قد انتهى وانقرض. قد صعد ذاك الذى نفخ فى الوجه وأنقذك من المحنة[37].

 

والآن من هو هذا الذى صعد ؟

          قد يوجه شخص هذا السؤال لليهود ، لكى ينتهى الافتخار بالظل. كما أنه أمر مفيد، الإصغاء إلى هذه العبارة: ” قد انتهى. قد صعد ذاك الذى نفخ”. لأنه لم ينته شيء قبل أن يصعد ذاك الذى نفخ. لكنه قد انتهى (كل شئ)، بمجرد أن صعد ذاك.

من هو هذا (الذى صعد) آنذاك أيها اليهود، كما سبق أن قلت؟

          فإن كان هو موسى النبى، كان الكلام غير صحيح، لأن الشعب لم يكن قد جاء بعد إلى الأرض التى أُمِرَ الشعب بأن لا يتمموا هذه الفرائض إلا فيها فقط.

          ولكن إن كان هو صموئيل النبى، أو أى نبى آخر، ففى هذه الحالة ينحرف الحق لأنه حتى ذلك الوقت كانت هذه الفرائض تتمم فى اليهودية، وكانت المدينة قائمة لأنه كان من الضرورى أن تمارس هذه الفرائض طالما كانت المدينة موجودة. لذلك أيها الأحباء، لم يكن الذى صعد واحد من هؤلاء.

     لكن إن أردت أن تعرف الحقيقة، وتنجو من الخرافات اليهودية، تطلع إلى مخلصنا الذى صعد، “ ونفخ فى وجه تلاميذه قائلاً اقبلوا الروح القدس[38]. لأنه بمجرد أن تمت هذه الأمور (أى كمل الصلب) انتهى كل شئ، تحطم المذبح (اليهودى)، وانشق حجاب الهيكل[39]. ورغم أن المدينة لم تكن قد ضربت بعد، كانت رجسة الخراب تستعد للوجود فى وسط الهيكل، وكانت المدينة (أورشليم) وكل تلك الفرائض العتيقة فى طريقها للانتهاء.

 

(9)

من خروف الفصح إلى الحمل الحقيقى

          منذ ذلك الوقت قد عبرنا عصر الظلال والرموز، فلم نعد بعد نمارس تلك الطقوس تحت الظلال، لكننا عدنا إلى الرب، ” وأما الرب فهو الروح. وحيث روح الرب هناك حرية[40]. وعندما نسمع (هتاف)   البوق المقدس، لم نعد نذبح خروفًا عاديًا، بل ذلك الحمل الحقيقى الذى ذبح عنا، أى ربنا يسوع ، ” الذى سيق إلى الذبح كشاة، وكان كنعجة صامتة أمام جازيها[41].

          وإذ قد تطهرنا بدمه الكريم، الذى يتكلم أفضل من دم هابيل[42]، حاذين أرجلنا باستعداد الإنجيل[43]، ممسكين بأيدينا عصا الرب وعكازه، اللتين تعزى بهما ذلك النبى الذى قال: ” عصاك وعكازك هما يعزياننى[44].

          وبالإيجاز قد صرنا مستعدين من كل ناحية، غير مهتمين بأى شيء، لأن ” الرب قريب[45]، كما يقول الطوباوى بولس، وكما قال مخلصنا: ” فى ساعة لا تظنون  يأتى الرب (ابن الإنسان)”[46].

 

كيف نعيد ؟

          لنعيد ليس بخميرة عتيقة، ولا بخميرة الشر والخبث، بل بفطير الإخلاص والحق[47]. وإذ نخلع الإنسان العتيق وأعماله، فلنلبس الانسان الجديد المخلوق بحسب الله[48]، بتواضع الذهن، وضمير نقى؛ متأملين فى ناموس الله نهارًا وليلاً[49]. وإذ نطرح عنا كل رياء وخداع، مبتعدين عن كل كبرياء وغش، ليتنا نتعهد  بمحبة الله والقريب[50] حتى إذا صرنا خليقة جديدة، ومتناولين الخمر الجديد ؛ الذى هو الروح القدس، نحتفل كما يليق بالعيد، أى شهر هذه الثمار الجديدة[51].

(10)

موعد العيد

          إننا نبدأ صوم أسبوع الفصح فى اليوم الخامس من شهر برمودة (31مارس)، وبإضافة تلك الأيام الستة المقدسة العظيمة، التى ترمز إلى أيام خلقة هذا العالم، فلنسترح ونكف عن الصوم فى يوم السبت المقدس، العاشر من شهر برمودة (5 أبريل). ونعيد عندما يشرق علينا فجر اليوم الأول (الأحد) من الأسبوع المقدس، فى اليوم الحادى عشر من نفس الشهر (برمودة الموافق 6 أبريل). ثم نحسب ابتداءً منه الأسابيع السبعة، أسبوعًا أسبوعًا، ونحتفل بعيد البنديكستى المقدس. الذى كان يقابل عيد الأسابيع عند اليهود، الذين كانوا يمنحون فيه الصفح ويبرئون الديون. وحقًا كان ذلك اليوم يوم خلاص من كل الوجوه.

 

العيد وبركاته

لنحفظ العيد فى اليوم الأول من الأسبوع العظيم، كرمز للدهر الآتى، الذى فيه ننال هنا عربونًا بأنه ستكون لنا حياة أبدية فيما بعد.

          وإذ نعبر من هنا (من هذا العالم) نعيد عيدًا كاملاً مع ، هاتفين قائلين مع القديسين: ” لأنى سأجوز إلى المسكن العجيب، إلى بيت الله، بصوت الابتهاج والحمد، وهتاف المعيدين[52]. حيث قد هرب الألم والحزن والتنهد، وسوف تكلل رؤوسنا بالبهجة والفرح ! ليتنا نكون  مستحقين لنوال هذه البركات.

 

(11)

لنتذكر الفقراء والغرباء

          لنتذكر الفقراء، ولا ننسى العطف على الغرباء. وقبل الكل لنحب الله من كل نفوسنا ومن كل قدرتنا ومن كل قوتنا، ونحب قريبنا كأنفسنا[53] حتى نحصل على ما لم تره عين وما لم تسمع به أذن، وما لم يخطر على قلب بشر، ما أعده الله للذين يحبونه[54]. بابنه الوحيد ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذى به يليق للآب وحده، بالروح القدس المجد والسلطان إلى الأبد، آمين.

          سلموا بعضكم على بعض بقبلة (مقدسة)، يسلم عليكم جميع الإخوة الذين معى.

 

(هنا تنتهى رسالة القديس أثناسيوس الفصحية الأولى)

[1] العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[2] ملا4: 3 يشير هنا بوضوح إلى الرب يسوع.

[3] 2تى4: 2 يتكلم القديس أثناسيوس عن الاحتفال اللائق بالعيد، كمصدر دائم لفائدة الشخص المسيحى، انظر الرسالة الفصحية الرابعة.

[4] جا3: 1ـ8 راجع القديس كيرلس، عظته الفصحية الخاصة.

[5] 1كو1: 24 .

[6] سفر الحكمة 7 : 27 .

[7] مز 14: 7 .

[8] نش8: 1.

[9] أش 49 : 8.

[10] 2كو6: 2.

[11] خر23: 14هذه الأعياد الثلاثة هى عيد الفصح أو عيد الفطر أو عيد الخمسين أو الأسابيع أو الحصاد.

[12] مز 81: 3  وعدد10 : 8 .

[13] أو الأمام المحددة.

[14] عد10: 1ـ2.

[15] عب9: 10.

[16] عدد10:9.

[17] عدد10: 10.

[18] خر19: 16.

[19] أف6: 12.

[20] انظر 1كو7: 2ـ5.

[21] 1كو5 : 7ـ8.

[22] يو7 : 37.

[23] يوئيل2 : 15 .

[24] مز 16: 3 .

[25] رو 2: 23 .

[26] لو18 : 12 .

[27] إش5:58س.

[28] لا23: 26ـ27 .

[29] لا29:23.

[30] 1تى6:4.

[31] يو4 : 34 .

[32] خر74 : 14 .

[33] يو6: 53 .

[34] تث12: 11و13و14 .

[35] خربت مدينة أورشليم سنة 70م على يد القائد الرومانى فسباسيانوس، وقد حاول البعض إعادة بناء الهيكل فى عهد الإمبراطور يوليانوس، فحدثت الزلزلة الشهيرة التى أبطلت العمل، حتى يتم قول الرب لليهود: ” هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا” مت23: 38.

[36] ناحوم1: 15 .

[37] ناحوم1: 15ـ 2: 1 حسب النسخة السبعينية.

[38] يو20: 22.

[39] مت27: 51 .

[40] 2كو 3: 17 .

[41] إش53: 7 (عب 12).

[42] عب12 : 24 دم المسيح يطهر البشرية كلها ، أفضل من دم هابيل الذبيح بما لا يُقاس.

[43] أف6: 15.

[44] مز 23: 4.

[45] فى4: 5.

[46] لو12: 40.

[47] 1كو5: 8.

[48] أف4: 22ـ24.

[49] مز1: 2.

[50] لو10: 27 .

[51] انظر تث16: 1 سبعينية .

[52] مز42: 4 .

[53] مت22: 74 ، مر12: 30، لو10: 27.

[54] 1كو2: 9، إش64: 4.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

مذيع مسلم: الله مات - هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟ مذيع مسلم: الله مات – …