الرئيسية / آبائيات / الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، الرسالة الفصحية الرابعة بمناسبة عيد القيامة

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، الرسالة الفصحية الرابعة بمناسبة عيد القيامة

الرسالة الرابعة[1]

كتبت بمناسبة عيد القيامة

فى 7 برمودة سنة 48ش ـ 2 إبريل 332م

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي الرسالة الفصحية الرابعة بمناسبة عيد القيامة
للقديس
بمناسبة عيد القيامة

 

فهرس للقديس أثناسيوس:

(1)

          أرسل إليكم يا أحبائى رسالتى هذه متأخرًا عن الوقت المعتاد، لكنى أثق أنكم سوف تسامحونى على تأخيرى، وذلك لطول رحلتى، ولأننى ضُربت بمرض. فقد أعاقنى هذان السببان، مع حدوث عواصف شديدة غير عادية، ولذلك أرجأت الكتابة اليكم. لكن رغم طول رحلتى ومرضى الشديد، فإننى لم أنس أن أنبئكم بعيد القيامة، وإتمامًا لواجبى أخبركم الآن بموعد العيد.

لنرنم “الفرس وراكبه طرحهما فى البحر “.

          ومع أن تاريخ هذه الرسالة جاء متأخرًا عن التاريخ المعتاد لهذا الإعلان[2]، لكنها لا تزال تعتبر فى وقتها، لأن الكنيسة قد وبخت أعداءنا، وصاروا فى خزى لأنهم اضطهدونا بلا سبب. فلنرنم الآن ترنيمة العيد  مرددين تسبحه الانتصار على فرعون قائلين: ” نرنم للرب، لأنه يجب أن يُسبح ممجدًا، الفرس وراكبه طرحهما فى البحر[3].

(2)

لنعيد بالغذاء الروحى:

     يحسن بنا، يا أحبائى أن نعبر من عيد إلى عيد، فنحتفل بعيد الفصح فى اجتماعات مكررة، وأسهار مقدسة ترتفع بعقولنا، تدعونا إلى السهر والتأمل فى أعمال الله الصالحة. ليتنا لا ندع هذه الأيام تمر علينا، كالذين يحزنون، بل إذ نتمتع بالطعام الروحى نخمد شهواتنا الجسدية[4]، لأنه بهذه الوسائط نستطيع أن نغلب أعداءنا، كالمباركة يهوديت[5]، التى دربت نفسها أولاً على الأصوام والصلوات، فغلبت الأعداء وقتلت أليفانا.

          وعندما أوشك الهلاك أن يعصف بكل جنس الطوباوية أستير، وكادت أمة إسرائيل أن تباد، فإن ثورة الطاغية لم تنهزم إلا بالصوم والصلاة إلى الله، وهكذا حولت أستير هلاك شعبها إلى طمأنينة[6]. وكما اعتبرت تلك الأيام أعيادًا لإسرائيل، هكذا كانت الأعياد قديمًا ترتب عند قتل عدو، أو إحباط مؤامرة ضد الشعب، ونجاة إسرائيل.

          لذلك رتب الطوباوى موسى قديمًا عيد الفصح العظيم، ورتب احتفالنا به، لأن فرعون قد قتل، والشعب قد تحرر من العبودية. ففى تلك الأوقات، بصفة خاصة، رتب الأعياد المؤقتة والعطلات فى اليهودية عندما قُتل الذين طغوا على الشعب.

 

(3)

لنعترف بالنعمة ممتلئين فرحًا:

     والآن يا أحبائى وقد ذبُح إبليس، ذلك الطاغية المعتدى على العالم كله، فنحن لا نأتى إلى عيد وقتى، بل إلى عيد أبدى سمائى. معلنين إياه لا خلال ظلال، بل نأتى إليه يقينًا. لأن أولئك بعدما شبعوا من لحم خروف أخرس، تمموا العيد. وإذ مسحوا قوائم أبوابهم بالدم، التمسوا مساعدة الله ضد المهلك[7].

          أما نحن الآن فإذ نأكل ” كلمة” الآب، ونختم قوائم أبواب قلوبنا بدم العهد الجديد[8]، فإننا نعترف بالنعمة الموهوبة لنا من المخلص، الذى قال: ” ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو[9]. لأن الموت لا يسود فيما بعد، بل الحياة حلت محل الموت منذ ذلك الوقت، لأن ربنا قد قال: ” أنا هو الحياة[10]. ولذلك امتلأ كل شيء بالفرح والبهجة، كما هو مكتوب: ” الرب قد ملك، فلتبتهج الأرض[11] لأنه عندما ملك الموت “ بكينا ونحن جالسون على أنهار بابل[12]، ونحنا لأننا شعرنا بمرارة الأسر. أما الآن، وقد أبُيد الموت ومملكة الشيطان، فقد امتلأ كل شيء تماما بالفرح والسعادة. ولم يعد الله يُعرف فى اليهودية وحدها، بل فى كل الأرض: ” فى كل الأرض خرج منطقهم، وإلى أقصى المسكونة بلغت أقوالهم[13].

          أما الأمور التالية فهى واضحة يا أحبائى. وهى ألا نقترب إلى عيد كهذا بثياب رثة، بل لتلتحف عقولنا بثياب نقية. فنحن نحتاج أن نلبس ربنا يسوع فى هذا العيد، لكى نستطيع أن نحتفل بالعيد معه. ونحن نلبسه الآن عندما نحب الفضيلة ونبغض الشر، وعندما ندرب أنفسنا على الاعتدال ونكبح شهواتنا، عندما نحب البر أكثر من الإثم، عندما نكرم القناعة ونكون ناضجين فى الفكر. حينما لا ننسى الفقير، بل نفتح أبوابنا لجميع البشر، عندما نعين الضعفاء، ونبغض الكبرياء.

 

(4)

بين الخروف الرمزى، والمسيح فصحنا:

          وإذ جاهد إسرائيل قديمًا بهذه الأمور فى طريق النصرة، كانوا يقتربون إلى العيد، لأن هذه الأمور كانت حينئذ فى ظلال ورموز. أما نحن أيها الأحباء، فقد تحقق لنا ما كان ظلالاً، وتم ما كان رمزًا. لذا يجب ألا نعتبر العيد رمزيًا، وهكذا لا نذهب إلى أورشليم التى هى هنا على الأرض لنذبح خروف الفصح، كعادة اليهود التى أنقضى وقتها، لئلا نحسب أننا نسلك فيما لا يناسب وقتنا[14]، إذ فات وقت (ذلك الخروف) بل ينبغى أن نتعدى حدود الرمز حسب وصية الرسل، ونرنم الترنيمة الجديدة مسبحين الله.

          وإذ أدرك التلاميذ هذا، واجتمعوا مع الحق[15]، اقتربوا من مخلصنا وقالوا له: “ أين تريد أن نعد لك الفصح؟”[16]، ولأن هذه الأمور التى تتعلق بأورشليم الأرضية لم تعد تمارس بعد، ولم يعد يُحتفل بالعيد هناك فى أورشليم فقط، بل فى أى مكان يريده الله.

          والآن، لقد أراد (رب الجنود) أن تتمم هذه الأمور فى كل مكان، لكى ” فى كل مكان يقرب لأسمه بخور وتقدمة (ذبيحة) طاهرة[17]. ومع أن عيد الفصح لم يكن يحفظ فى أى مكان آخر إلا فى أورشليم. حسبما حدث تاريخيًا. لكن عندما أكُملت الأمور المتصلة بذلك الزمان، وزال ما كان يتعلق بالظلال، وأوشكت الكرازة بالإنجيل على الانتشار فى كل مكان، وأصبح التلاميذ يحتفلون بالعيد فى كل الأرجاء، لذا سألوا المخلص: ” أين تريد أن نعد لك الفصح“؟.

          ولما كان المخلص يحول الأمور الرمزية إلى روحية، فقد وعد (التلاميذ) بأن لا يعودوا يأكلون لحم خروف بعد، بل جسده قائلاً:    ” خذوا كلوا هذا هو جسدى، وأشربوا… هذا هو دمى[18]. ونحن إذ نتغذى بهذه الأشياء، فإننا نحتفل أيضًا بحق بعيد الفصح كما يليق.

 

(5)

لنعيد عند إشراق اليوم الأول المقدس:

          نحن نبدأ (أسبوع الفصح) فى اليوم الأول من شهر برمودة (27 مارس)، ونستريح فى اليوم السادس من نفس الشهر (أول أبريل)، فى عشية اليوم الثامن. وإذ يشرق علينا اليوم الأول المقدس من الأسبوع، فى السابع من نفس الشهر (برمودة)، فإننا نعيد محتفلين بأيام الخماسين المقدسة بعد ذلك، معلنين فيها الدهر الآتى[19]. لكى نكون من الآن فصاعدًا مع إلى الأبد، مسبحين الله فوق الكل فى يسوع، وبه، قائلين للرب مع كل القديسين، آمين. 

          قبلوا بعضكم بعضًا بقبلة مقدسة. يهديكم السلام كل الإخوة الذين معى. نبعث إليكم بهذه الرسالة من البلاط، بيد أحد الجنود المرافقين، الذى سلمها إليه ابلافيوس[20]، والى مقاطعة بروتوريوم، الذى يخاف الله بالحق. لأننى الآن فى البلاط، إذ دعانى الإمبراطور قسطنطين لكى أراه. لكن المليتينيين الذين كانوا هناك، حاولوا أن يقتلونا أمام الإمبراطور، لحسدهم وغيرتهم. لكنهم صاروا فى خزى، وطُردوا كمفترين، إذ اتهموا بأمور كثيرة. أولئك الذين طردوهم: كالينيكوس، إيسيون، ويوديمون، وجيلوس هيراكامون[21]؛ الذى غير اسمه إلى أولوجيوس بسبب العار الذى لحق باسمه.

 

(هنا تنتهى للقديس أثناسيوس)

[1] أرسل القديس أثناسيوس هذه الرسالة من البلاط الإمبراطورى بواسطة أحد الجنود الذين كانوا ملازمين للقديس أثناسيوس بدار الإمبراطور.

[2] انظر الفقرة الخامسة فى هذه الرسالة، والرسالة الخامسة : 6، إذ تأخر إعلان القديس أثناسيوس المعتاد عن بدء الصوم الأربعينى.

[3] خر15: 1.

[4] St. Cyril, Hom. Pasch. XX.

[5] يهوديت13: 8.

[6] أستير4: 16.

[7] St. Cyril. Hom. Pasch.24. P.223. Ed. Paris , 1638.

[8] مت 26 : 28.

[9] لو10 : 19.

[10] يو14 : 6.

[11] مز97 : 1.

[12] مز137: 1.

[13] مز76 : 1،  19: 4.

[14] انظر بداية القطعة الأولى من .

[15] هنا إشارة إلى الذى هو الحق يو14: 6.

[16] مت26 : 17.

[17] ملا1: 11.

[18] مت26: 26ـ28.

[19] CF. Bingham , 20.ch.6 ; St. Cassian. Coll. 21. II ; St. Cyrip uses the same comparison towards the end of his 26th paschap discourse.

[20] كان أبلافيوس رئيسًا للإقليم الشرقى، ووزيرًا فى الإمبراطورية، وكان محبوبًا جدًا لدى قسطنطين الكبير وقد قتل بعد موت قسطنطين. انظر Smith’s Dictionary of Gr. and Rom Biography Zozimus 2 : 40

[21] هذا الاسم يعنى باليونانية الضاحك.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

لماذا يسوع المسيح وليس آخر؟

لماذا يسوع المسيح وليس آخر؟

لماذا يسوع المسيح وليس آخر؟ لماذا يسوع المسيح وليس آخر؟ هذا الموضوع من قِسم:ميديا إقرأ …