الرئيسية / الردود على الشبهات / أسئلة صعبة عن الشر ، ما هو أصله ولماذا يسمح الله به وهل يدل على محدودية الله؟

أسئلة صعبة عن الشر ، ما هو أصله ولماذا يسمح الله به وهل يدل على محدودية الله؟

أسئلة صعبة عن ، ما هو أصله ولماذا يسمح به وهل يدل على محدودية ؟ 

أسئلة صعبة عن ، ما هو أصله ولماذا يسمح به وهل يدل على محدودية ؟

رونالد رودز Ronald Rhodes

أسئلة صعبة عن الشر ، ما هو أصله ولماذا يسمح الله به وهل يدل على محدودية الله؟
أسئلة صعبة عن ، ما هو أصله ولماذا يسمح به وهل يدل على محدودية ؟

في عام 1999، اصيب ابن اخي جريج (Greg) في حادث سيارة ومات. بعد الجنازة، بقي سؤال يجول في عيون الحزانى والاصدقاء، ألا وهو ((لماذا كان على هذا الامر ان يحدث؟)) أنه السؤال عينه الذي يسأله العديد من الناس عبر العصور عندما تضرب المصائب: لماذا تصيب الصالحين الاشياء السيئة؟ واي صورة تعطينا عن حين تقع؟ تخيل ما كان يجول في عقول عائلات واصدقاء قرابة الثلاث الاف شخص الذين قتلوا في الهجوم الارهابي على نيويورك وواشنطن في 11 أيلول 2001. كلف مرة جورج بارنا George Barna بأن يستفسر من الناس عن السؤال الواحد قد يطرحونه على لو أتيحت لهم الفرصة بذلك. جاء السؤال الاكثر الحاحا، وبنسبة ساحقة: ((لماذا يوجد هذا الكم الهائل من الالم في العالم؟)) 

هدفي هو ان اناقش باختصار بعضاً من الأسئلة الصعبة عن . وأنا أبدأ هذا البحث بشيء من التردد عالما أ، موضعاً كهذا يحتاج إلى كتاب بأكمله، وليس مجرد فصل قصير فقط. فالدراسات المختصرة غالباً ما تكون أكثر عُرضة لأن تبدوا سطحية. لذا، أحث على القارئ ان يضيف على دراستي القصيرة هذه، دراسات وابحاثاً اخري أكثر شمولية، كتلك الواردة في الشواهد والملاحظات والمصادر المدرجة آخر هذا الكتاب.

قبل الشروع في الإجابة عن الأسئلة، من الجيد ان نعرض عد الأفكار التمهيدية عن . ليس شيئاً موجوداً بحد ذاته، إنما هو تشويه لم كان موجود أصلاً. هو غياب الخير او الحرمان منه. فالنخر، على سبيل المثال، وجوده يتوقف فقط على وجود الشجرة. كما انّ تسوّس الأسنان ممكن حدوثه فقط مادامت السنّ، كذلك، الصدأ على السيارة وانحلال الجثة، يفسّران الفكرة نفسها. إذا، موجود نتيجة فساد ما هو جيّد. هو حرمان وليس جوهر في حد ذاته.2يقول نورمان جايزلر Norman Geisier: ((إن هو كجرح على الذراع أو كالعث على قطعة الثياب. هو موجود في شيء اّخر وليس في ذاته.))3

بالطبع، القول إنّ الشرّ ليس كيانّا بحدّ ذاته، ليس كالقول إنّ الشرّ غير حقيقي. قد لا يكون الشرّ جوهراً فعلياً، لكنه يتضمن حرماناً حقيقياً في الجوهر الجيد. يقول جايزلر في هذا الإطار: ((إنه ليس كينونة فعلية، لكنه فساد حقيقي لكينونة فعلية.))4 فالأشجار المتعفنة، أن الشر هو فساد ما هو صالح.

إن فهم ما هو الشرّ أمرّ، وفهم كيف يمكن لشرّ كهذا أن يوجد في عالم خالقه ، هو أمر اّخر مختلف تماماً. يمكن النظر إلى ّ بكل مّبسط على أنا نزاع ينشب بين المفاهيم الثلاثة التالية: قدرة ، صلاح ، ووجود الشر في العالم. يري المنطق السليم أنّ هذه المفاهيم الثلاثة لا يمكنها أن تتواجد مجموعة في اّن.5 الحلّ لمشكلة الشرّ، يتضمن التعديل في واحد أو أكثر من هذه المبادئ: الحد من قدرة ، الحد من صلاح ، أو التعديل في وجود الشرّ (كالقول إنه مجرّد وهم).6

بالطبع، لو لم يدّع الله بأنه صالح، لكان من السهل وجود الشرّ في العالم. ولكن الله يدعى بأنه صالح. ولوكان الله محدود القدرة بحيث لا يستطيع أن يقاوم الشرّ، لكان من السهل الشرّ. ولكن الله يقول عن نفسه إنه كليّ القدرة. ولوكان الشرّ مجرّد وهم غير موجود على أرض الواقع. لما بقيت مشكلة مطروحة. ولكن الشر ليس وهماً. وإنه حقيقي.7

نواجه اليوم نعين من الشرّ، الشرّ الأدبي (وهو الشرّ الصادر عن أناس أصحاب إرادة حرة، وهو يشمل امورّاً كالحروب، والجرائم، والشراسة، والصراعات الطبقية، والتمييز العنصري، والرق، والتطهير العرقي، والعمليات الانتحارية، والعديد من المظالم الأخرى). وعندنا بالمقابل الشر الطبيعي (المتضمّن أموراّ كالأعاصير، والطوفانات، والزلازل، وغيرها). الله صالح، الله كلي القدرة، ومع ذلك الشرّ موجود. هذه هي المشكلة الشر في أبسط أشكالها.

وصل بعض المفكرين المشهورين مثل دايفيد هيوم David Hume، إش. جي. ولز H. G. Wells، وبتراند راسل Bertrand Russel على اساس مراقبتهم للألم والشرّ إلى خلاصة مفادها، أنًّ الله، إله الكتاب المقدَّس غير موجود.8 عّبر هيوم عن ذلك بشكل موجز عندما كتب عن الله: ((هل يشاء ان يمنع الشر وغير قادر؟ إذاً هو عاجز. ام هو قادر على ذلك، ولكنه لا يريد؟ إذاً هو إله حقود. أم هل هو قادر وراغب اّن؟ إذاً من أين الشر؟))9 إن كان الله موجوداً، وكلّي الصالح وكلّي القدرة، فإن إقتراف أعمال شنيعة كإقدام هتلر على قتل ستة ملايين يهو دي لما قُدر لها أن تحدث أبداً.

بالطبع، المسيحيون يتَّفقون على أن ما فعله هتلر باليهود د هو الجريمة نكراء. لكن ينغي، وقبل أن نطرح وجهة نظر الكتاب المقدَّس عن الشرّ، أن أسارع إلى القول إن تصنيف عمل هتلر على أنه شرّ يثير نقطة فلسفية هامّة. أو كما يراه العديد من المفكرين، إن أراد أحد ما الإدعاء بأنّ الشرّ موجود في العالم، فيلزمه اولاً ان يشير إلى المقياس الذي من خلاله حكم على الأمر بأنه شرّ.10 كيف يحكم المرء على بعض الأمور على أنها شرّ، فيما ينظر إلى أمور أخري أنها ليست شراّ؟ ما هو المقياس الأخلاقي المعتمد للحكم على الأحداث والأشخاص؟ على أيّ أساس يُصار إلى التمييز ما بين الخير والشرّ؟

الحقيقة هي أنه من المستحيل التمييز بين الخير والشرّ إن لم يكن هناك نقطة مرجعية لا متناهية صالحة بالمطلق.11 وإلا نكون أشبه بشخصِ جالسِ داخل قارب في عرض البحر في ليلة سماؤها غائمة ومن دون بوصلة (أي لا يوجد لديه طريقة للتمييز بين الشمال والجنوب وذلك في غياب نقطة مرجعية مطلقة ألا وهي إبرة البوصلة).

يمكن إيجاد النقطة المرجعية المطلقة للتمييز بين الخير والشرّ في شخص الله فقط، ذلك لأنّ تعريف مفهوم الصلاح المطلق محصور فقط في شخص الله. لوكان الله غير موجود، لما كانت المقاييس الأدبية المطلقة موجودة، التي يحق للمرء أن يحكم على شيء ما (أو أحد ما) بأنه شرّ. وبأكثر تحديد، إن كان الله غير موجود، فلا يعود هناك أي أساس مطلق للحكم على الأمور، كجرائم هتلر مثلاً. في ضوء ما سبق، نرى كيف أنّ واقع الشر، يتطلب وجود الله، ولا يُبطله.

  1. ما هو أصل الشرّ؟

كانت الخليقة الأصلية حسنة جداً (تكوين 31:1). لم يكن هناك خطية، ولا شرّ، ولا ألم ولا موت. مع ذلك فإن الخطيّة منشرة في العالم اليوم على نطاق واسع، وكذلك الشر والألم والموت. ما الذي أتى بهذه الأمور؟ الكتاب المقدَّس يشير إلى أنّ نقطة التحول نحو الانحدار كانت قد بدأت لحظة استخدام اّدم وحواء إرادتهما الحرّة المعطاة لهما من قبل الله ليختارا أن يعصيا الله (انظر تكوين 3).

يتساءل بعض الأشخاص لماذا لم يخلق الله الإنسان بحيث لا يستطيع ن يخطئ، وبذلك يتفادى الشرّ من أساسه. الحقيقة هي، أنّ سيناريو كهذا يعني أننا لن نكون بشر حقيقيين. لن تكون لدينا القدرة على أن نختار بحرّية وأن نحب بحرّية. هذا السيناريو يفترض أن يخلق الله رجالاً آليين يتصرفون بطريقة مبرمجة، كاللعبة التي إما إن تشدّ خيطها حتى تخاطبك بالقول((أحبك)).12 بول ليتل Paul Little يذكر أنّ مع لعبة كهذه ((لن يكون أية مشادات كلامية، لن تحدث مشاحنات أبداً، لن يصدر عنها ي تصرّف يجعلك حزيناً! لكن، مَن يرغب في ذلك؟ لن يكون هناك محبة أيضاً، فالمحبة عمل طوعي. كان يمكن الله أن يصنعنا كالرجال الآليين، ولكن إذا ذاك ما كنا بشراً. يبدو أنّ الله رأى في خلقنا على الشكل الذي نحن عليه أمراً يستحق المجازفة.))13

المحبة، لا يُمكن برمجتها، لكن يجب أن يُعبُّر عنها بحرّية. أراد الله لآدم للبشرية جمعاء إظهار محبَّتهم له من طريق إطاعته. لذلك، أعطى الله اّدم والبشرية بأجمعها الإرادة الحرة. وقد صدق جايزلر في قوله: ((المحبة القسرية هي اغتصاب، والله ليس بإله مغتصب. وهو لن يفعل شيئاً لتعريض إرادة الناس للإكراه.))14 الإختيار الحرّ، من ناحية أخرى، يعني إمكانية القيام بالخيار الخاطئ. عبّر عن ذلك جي. بي. فيليبس J.B. Philips بقوله: ((الشرّ المتأصل في هبة الإرادة الحرة، التي لا تخلو من المجازفة.))15

في ضوء الحقائق الكتابية، نقدر أن نستخلص بأنّ الشرّ كان احتمالاً كامناً ضمن خطة الله عندما اعطى البشر حرية الإختيار، لكنّ الأصل الفعلي للشرّ أتى كنتيجة رجل وجّه إرادته بعيداً عن الله ونحو شهو اته الذاتية الأنانية.16   علّق نورمان جايزلر وجيف أمانوJeff Amanu على هذا الأمر بقولهما: ((لئن خلق الله حقيقة الحرية. جعل الله من الشرّ أمراً ممكن الحدوث، فيما جعلته المخلوقات أمراً فعلياً.))17 منذ تلك اللحظة في جنة عدن عندما جعل اّدم وحواء الشرّ واقعاً حقيقياً، إنتقلت بعض ذلك الطبيعة الخاطئة إلى كلّ رجل وامرأة (رومية 12:5؛ 1 كورنثوس 22:15). الطبيعة الخاطئة التي فينا تجعلنا نختار بإرادتنا الحرة، أن نجعل الشرّ واقعاً حقيقياً (مرقس7 :20-23)

حتى الشرّ الطبيعي، الذي يتضمّن الزلزال، والأعاصير، والفيضانات، وأمثلها، متأصّل في الإستخدام الخاطئ لإرادتنا الحرّة. يجب ألا ننسى أننا نحيا في عالم ساقط.  بسبب ذلك، نحن عرضه لكوارث لم تكن لتحدث في عالم طبيعي، لو أنّ الإنسان لم يعص الله منذ البداية (رومية 8 :20-22).18   لم تكن جنّة عدن تحتوي على أي كوارث طبيعية أو على موت إلا بعد خطية اّدم وحواء (انظر تكوين1-3) كما أنّه لن يكون أي من الكوارث الطبيعية أو موت في السماء أو الأرض الجديدتين عندما يضع الله حداً نهائياً للشر (رؤيا يوحنا 4:21).19

  1. ما هو قصد الله النهائي من السماح بوجود الشرّ؟

لم يُفاجأ الله قط عندما استخدم الإنسان عطية الإرادة الحرة التي قد وهبه إياها ليعصي أمرهُ. يوحي سي. إس. لويس بأنّ الله الكليّ    المعرفة ((رأى أنّ في العالم من الخلوقات الحرة، وعلى الرغم من سقوطهم، يمكن أن يوجِدَ سعادةّ أعمق وإشراقة أكمل ممّا كان سيعرفه العالم، لو أنه خُلَقِ على شكلِ اّلي.)) أو، كما عبَّر عن ذلك جايزلر بشكل رائع، لا يحتاج المؤمن بوجود الله أن يدّعى بأنَ عالمنا الحالي هو الأفضل على الأطلاق، ولكنه السبيل الأفضل للعالم الأفضل على الإطلاق:

إن كان الله يريد أنّ يحافظ على الحرية ويغلب الشرّ في اّن، فإن هذه الطريقة هي الأمثل. فالحرية مُصانة إذ تبقى في قدرة كلّ شخص أن يختار بحّية مصيره الأبدي. ويُغلب الشرّ عندما تُعتبر خيارات الجميع نهائية وحاسمة، ما إن يُفصل الأشخاص الذين يرفضون الله عن الاّخرين. هؤلاء الذين يختارون سوف يُثبّتون في ذلك، لن يوجد خطيّة فيما بعد. أما أولئك الذين يرفضون الله فسوف يوضعون في الحَجْر الصحي الأبدي، حيث لا يستطيعون أ يُفسدوا العالم الكامل الذي قد أعدَّه الله. بذلك يكون قد تحقّق الهدف النهائي لجهة إيجاد عالم كامل بمخلوقات حرّة ولكنّ الطريق للوصول إلى ذلك، يتطلّب إقصاء أولئك الذين يُسيئون إستخدام حريتهم.21

هناك عاملٌ اّخر هام جداً يتعلّق بفكرة كون عالمنا هذا ليس بالعلم الأفضل، ولكنه يبقى الطريق الأمثل للوصول إلى ذلك العالم الأفضل، ألا وهو أنّ الله لم ينته من عمله بعد. غالباً ما يسقط بعضهم في فخّ الظنّ أنّ عدم تعامل الله مع الشرّ الآن، يعني أنه لن يتعامل معه أبداً. كان زميلي القديم والتر مارتن Walter Martin يقول لي: ((لقد قرأت الفصل الأخير من الكتاب المقدَّس، ونحنُ الذين سوف نغلب!)) سيُبطل الشرّ يوماً ما. وعدم بطلان الشرّ في الحاضر، لا يعني أنه لن يُبطل أبداً.

في ضوء النقاط التي سبق ذكرها، يمكن إستنتاج أنّ وجود الشرّ في العالم منسجم مع فكرة وجود إله كلّي الصلاح وكلّي القدرة، وأن نخلص الحقائق على الشكل التالي:

  • إن كان الله كلّي الصلاح، فسوف يهزم الشرّ.
  • إن كان الله كلّي القدرة، فسيكون في قدرته أن يهزم الشرّ.
  • الشرّ لم يُهزم بعد.
  • إذّا، الله يستطيع أن يهزم الشرّ، بل وسيهزمه يوماً ما.22

 

يوماً ما في المستقبل، فسوف يعود ، وسوف يجرِّد الشرّ في قواه، عندئذ سيحاسب كلّ رجل وامرأة على كل ما فعلوه خلال حياتهم على هذه الأرض (متّى 31:25-46، رؤيا11:20-15) سوف تنتصر العدالة في النهاية. أما أولئك الذين يدخلون الأبدية من دون أن يؤمنوا بيسوع كمخلّص، فسوف يفهمون كيف يتعامل الله بشكل فعّال مع ّ.

بعض الحلول غير الوافية لمشكلة الشر

  1. أليس من المستحسن أن يقضي الله على الشرّ حالاً؟

قد يردّ بعض المشكِّكين على هذه النقطة بقولهم إن كان الله كلّي القدرة ليس في حاجة إلى تاريخ البشرية بأكمله، كي يقضي على الشرّ. إن الله، ومن دون شك، لديه القدرة على أن يطيح بالشرّ فوراً، ولكنه لو قام بفعل ذلك، فسيؤدي ذلك إلى نتائج خطيرة تطال كل واحدٍ منا. كما أشار بول ليتل Paul Little، ((لوكان الله يطيح بكل بالشرّ اليوم، فسوف يفعل ذلك على أتمّ وأكمل وجه، وهذا يشمل كذبنا ونجاستنا الفردية، عدم محبتنا، وإخفاقنا في صنع الخير. على إفتراض أنّ الله سوف يطيح بكل ما هو شرّ ابتداءً من منتصف هذه الليلة، وسوف يُزيل كل ما هو شر عن وجه الكون، تُرى، مَن مِنَا سيبقى هنا في اليوم التالي؟))23

على الرغم من أنّ حلّ الله الجذري لمشكلة الشرّ مؤجّل إلى وقت مستقبلي، كما قد شرحت، إلا أن الله قد أتخذ الخطوات اللازمة حرصاً منه على ألاّ يكون الشرّ حراً طليقاً كالحيوان المسعور. بالتأكيد، الله قد أعطانا السلطات والحكومات لتقف في وجه الفوضى (رومية 13: 1-7). كما أوجد الله أيضاً الكنيسة لتكون نوراً في الظلمة، فتقوّي شعب الله، وأيضاً كي تحدّ من نمو الشرّ في العالم من خلال قوة الروح القدس (أعمال16: 5؛ 1 تيموثاوس 3: 15). كذلك، أعطانا الله، من خلال كلمته، المعيار الأخلاقي لإرشادنا وإبقائنا على الضرب الصحيح (المزمور 119). لقد وهبنا نظام العائلة كيما يسود الإستقرار مجتمعنا (أمثال22: 15؛23: 13). هذا بالإضافة إلى المزيد من الترتيبات الأخرى! 24

  1. هل وجود الشرّ هو برهان على أنّ الله محدود؟

لقد أشاع الرابي هارولد كونشر Rabbi Harold Kushner فكرة الألوهية المحدودة في أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، وهو مؤلف الكتاب الكثر مبيعاً، ((عندما تُصيب أشياء سيّئة الأشخاص الصالحين)) When Bad Things Happen to Good People. ففي معرض صراعه مع حقيقة أبنه المبكّر، استخلص كونشر أنّ الله يريد للصالحين أن يحيوا حياة سعيدة، ولكنه ببساطة عاجز عن توفير ذلك لهم. هناك، ببساطة، أشياء لا يستطيع الله التحكّم بها. الله صالح، ولكنه لا يمتلك القدرة الكافية على تحقيق كلّ الأشياء الصالحة التي يرغب في تحقيقها. بإختصار، الله محدود. ويكتب كونشر قائلاً: ((أنا أعترف بمحدوديته. فقوانين الطبيعة وتطور الإنسان المستمرّ وإرادته الأدبية الحرّة تحدّ من الأمور التي هو قادر على فعلها.))25 ثم يضيف بحزن: ((حتى الله نفسه يجد صعوبة في ضبط الفوضى والحدّ من الضرر الذي يمكن للشرّ أن ينتجه.))26

الألوهية المحدودة تتبنى فكرة إله لا يقدر إلا أن يكون كائناً يعتمد بنفسه على وجود مُسبّب له لأنه محدود. إله كهذا، لا يستحق عبادتنا ولا أن نوليه ثقتنا، لأن لا شيء يضمن أنه سيغلب الشرّ في المستقبل.

لقد أخفق إيمان الألوهية المحدودة في فهم حقيقة كون التوقيت الإلهي للأمور يختلف عن التوقيت البشري. وكما أشرنا قبلاً، عدم إطاحة الله الشرّ اليوم، لا يعني أنه لن يفعل ذلك في المستقبل (2 بطرس 3: 7-12؛ رؤيا 20-22) إنّ هذا العالم ليس هو العالم المثالي، ولكنه الطريق الأفضل لبلوغ العالم الأمثل.

من الواضح أنّ الألوهية المحدودة تتعارض مع كل ما يشهد به الكتاب المقَّدس عن الله. فالكتاب المقدَّس يُظهر لنا الله على أنه كلّي القدرة، أي أنه صاحب قدرة مطلقة. لديه القدرة على فعل كلّ ما يشاء ويرغب. الكتاب المقدَّس يتحدّث عن الله القادر على كلّ شيء ما يقارب على الست والخمسين مرة (مثلاً، رؤيا 6:19).27 الله عظيم القدرة (المزمور 5:147) كما انّ عظمة قدرته تفوق كلّ وصف (2 أخبار 6:20؛ أفسس 19:1 -21). لا يوجد من يمنع يد الله (دانيال 35:4). ولا يستطيع أحد أن يعكس أفعال الله (إشعياء 13:43) ولا في مقدور أحد أن يقاومه (إشعياء 37:14). لا شيء مستحيل لدى الله (متّى 26:19؛ مرقس 27:10؛ لوقا 37:1) ولا شيء يعسر عليه (تكوين 14:18؛ إرميا 17:32 ،27). القدير يملك إلى الأبد (رؤيا 6:19). وسوف يغلب الشرّ يوماً ما.

  1. هل الشرّ مجردّ وهم؟

بعض الأشخاص، وبالأخص أولئك المنتسبين إلى العلوم الفكرية Mind Sciences، يدُعون أن الشرّ مجرّد وهم. تقول ماري بيكر إدي Mary Baker Eddy، مؤسِّسة ((العلم المسيحي)) Christian Science، إن المادة، والشرّ، والمرض، والموت هي أمور غير حقيقة، بل وهمية من نسج خيال العقل الفاني.28 وأيّدتها الكاتبة إميلي كيدي Emily Cady  بقولها: ((الشرّ غير موجود…فالألم، والمرض، والفقر، والتقدّم في السنّ والموت أمور غير الحقيقة، ولا السيطرة لها علىّ.))29 كتب إرنسيت هو لمزErnest Holmes ، مؤسِّس ((العلم المتدِّين)) Religious Science يقول: ((كلّ ما يظهر أنه شرّ هو نتيجة للجهل، وسوف يختفي حتى لا يعود أحد يفكرّ فيه، أو يؤمن به أو ينغمس فيه.))30

ولكن، إن كان الشرّ مجرّد وهم، فلماذا نقاومه إذاً؟ ولئن ادّعت ماري بيكر إيدي شرّ المرض الجسدي والموت هما مجرّد وهم، فغن التاريخ يُثبت كيف أنها هي ذاتها كانت تحت رعاية طبية في سنواتها الخيرة، وقد تلقّت جرعات من المورفين لتخفيف آلمها، وضعت النظارات الطبية، اقتلعت بعضاً من أسنانها، وفي النهاية ماتت، وبذلك ((تبرهَنَ كذِبُ)) كلّ ما علّمته وزعمت أنها تؤمن به.31

        عندما يدّعي الناس بأن الشرّ هو وهم، أظن أنه من المناسب أن نسألهم إن كانوا يوصدون أبواب منازلهم ليلاً أم لا. (إن كانوا يفعلوا ذلك، فاسألهم لماذا؟) وهل يتركون مفاتيح سياراتهم داخلها عندما يتركونها في مكان ما وسط البلد؟ (إذا كانوا لا يفعلون ذلك، فلماذا؟) وهل يضعون حزام الأمان في السيارة؟ (لماذا؟) وهل يذهبون إلى عيادة طبيب الأسنان (لماذا؟ فألم الأسنان مجرّد وهم. أليس كذلك؟) وهل يُلبسون أطفالهم سترات النجاة عندما يسبحون في المحيط (لماذا؟) هل يوصون أطفالهم الصغار بعدم الإقتراب من النار؟ (لماذا؟) وهل يؤيدون القوانين التي يحمي الأطفال والأولاد من الإعتداء عليهم؟ (لماذا؟) إن كان الشرّ مجرّد وهم، فلا يعود هناك أية ضرورة لأشياء كهذه، ولا ينبغي لأحد أن ينشغل بها.

إن التفسير القائل إن الشرّ مجرّد وهم، لا يصمد أمام تجارب الإنسانية وأمام المنطق. إنكار وجود الشرّ بهذه البساطة، لا ينفي قط وجوده. إن هذا التفسير للشرّ، يشكّل بحدّ ذاته أسوأ شكل من أشكال الوهم. يسوع ، وبكل تأكيد، اّمن بحقيقة وجود الشرّ. ففي الصلاة الربانية، لم يعلّمنا أن نصلّي ((نجِّنا من وهم الشرّ)) بل ((نجِّنا من الشرّير.))

إن أردنا قبول نظرة ((العلم المسيحي)) إلى الشرّ بصفته وهمّا، فيلزمنا في هذه الحال أن نُنكر ما تنقله إلينا حواسنا وإختبارتنا الشخصية. ولنلاحظ جيداً كيف يناشدنا الكتاب المقدَّس باستمرار ضرورة التنبّه للدلائل التجريبية التي تصدر من حواسنا الخمس. لذا، طلب يسوع من توما المشكّك أن يضع إصبعه في مكان جروحاته كدليل يؤكد له أنّ يسوع قد قام حقاً من بين لأموات (انظر يوحنا 27:20). وفي إنجيل (لوقا 39:24)، قال يسوع المقام من بين الموات لأتباعه: ((أنظروا يديّ ورجليّ: إني أنا هو! جسوني وانظروا، فإنّ الروح ليس له عظام كما ترون لي.)) كما نقرأ في (1 يوحنا 1:1) كلام يوحنا والرسل عن ((الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه، ولمسته أيدينا- هذا ما نخبركم به من جهة كلمة الحياة.)) إن هذه الحواس عينها، التي شهدت، وبشكل مقنع جداً لقيامة ، تشهد أيضاً لواقع الشرّ في عالمنا، ليس لشلّة قليلة من الناس فقط، بل على صعيد الكون بأسره، وعلى مدى العصور.

هل تستطيع حركة العصر الجديد التي تؤمن بعقيدة ((الكل هو الله)) أن تقدّم تفسيراً للشرّ؟

لدّي صديق اسمه جيم Jim، الذي قرأ بعضاً من الكتب التي ألّفتها عن الدفاعيات المسيحية وعن حركة العصر الجديد New Age. في يوم من الأيام، أصيب باعتلال جسدي وذهب لاستشارة طبيب كان بعضهم قد نصحوه به. في منتصف فترة فحص الطبيب له. بدأ جيم يشك في أمر هذا الطبيب على إعتبار أنه يعتمد علاجات مستوحاة من حركة ((العصر الجديد)). جيم، والمعروف عنه أنه لا يُحب المراوغة، خاطب الطبيب بالقول: ((هل انت الله؟)) فأجابه: ((لماذا تسألني؟ نعم، وأنت أيضاً وجميع الناس كذلك.)) فركض جيم خارجاً من مكتب الطبيب، هارباً بسرعة البرق.

((الكلّ هو الله)) Pantheism هي العقيدة التي تؤمن بأن الله هو الكلّ والكلّ هو الله. الكلمة Pantheism  هي مركّب للفظتين يونانيتين) Pan-الكل) وtheos (الله). عقيدة ((الكل هو الله)) تنظر إلى الواقع بأكمله على أنه متشرّب بالألوهية. إن إله العصر الجديد هو لا شخصي، غير أخلاقي، على عكس إله المسيحية الشخصي والأخلاقي. إن التمييز بين الخالق والخليقة، مطموسّ كلياً في وجهة النظر هذه.

إن كانت عقيدة ((الكلّ واحد)) و((الكل هو الله)) صحيحة، كما تؤمن حركة العصر الجديد، فإن التمييز بين الخير والشرّ يصبح أمراً مستحيلاً، لا بل يختفي كلياً. دافيد سبانجلر David Spangler وهو من أتباع ((العصر الجديد)) يؤكد أنّ أخلاقيات هذه الحركة ((غير مبنيّة على …. ثنائية مفهومي” الخير” و”الشرّ”))32 لا وجود فيها للصواب المطلق أدبياً ولا للخطأ المطلق، فكلّ شيء نسبىّ. مما لا شك فيه أنّ الفلاسفة قد أكدوا ما تنطوي عليه وجهة النظر هذه من ضعف فلسفي. فهي ترى أنه لحق مطلاق عدم وجود أمور مطلقة. عندما يقول لي أحد دعاة ((العصر الجديد)) إنه لا وجود للمطلق. أرد عليه بسؤاله إن كان متأكّداً بشكل مطلق مما يدّعيه.

إن المشكلة الكبرى في وجهة نظر ((العصر الجديد)) هي إخفاقها في معالجة مسألة وجود الشرّ الحقيقي في العالم بشكل مناسب. إن كان الله هو جوهر كلّ أشكال الحياة في الخليقة، فيلزم المرء في هذه الحال استخلاص أنّ الخير والشرّ كليهما ينبعان من الجوهر نفسه (الله). بكلمة أخرى، الحرب العالمية الأولى والثانية كما هتلر، والقتل، والسرطان، والإغتصاب، مع ظواهر أخرى للشرّ، ما هي إلا جزء من الله.

يعلّمنا الكتاب المقدَّس، بالمقابل، أنّ الله صالحّ وليس شريراً (انظر 1 أخبار 34:16؛ المزمور29:118؛1:136؛8-9:145؛ متّى 17:19) إله الكتاب المقدَّس هو النور، ((وليس فيه ظلمةٌ البتة)) (انظر 1 يوحنا5:1؛ حبقوق 13:1؛ متّى 48:5) إنّ النص اليوناني لرسالة يوحنا الأولى 5:1 تحديداً، مُقنعٌ أكثر، حيث يُترجم حرفياً على الشكل التالي: ((والظلمة غير موجودة فيه، ولا بأي شكل من الأشكال.)) ما كان بمقدور يوحنا أن يعبّر عن ذلك بشكل أقوى.

لقد أتيحت لي الفرصة التحدث إلى المعلم الهندوسي السابق الغور ورابي ماهاراج Rabi Maharaj، لقد تكلم وبشكل مطوّل عن المشكلة الأخلاقية في عقيدة ((الكل هو الله)) والتي ولّدت عنده الشعور بعدم الرضى، خصوصاً فيما يتعلق بمفهوم ما عن الشرّ.

إن معرفتي المتنامية بالله بصفته الخالق، المنفصل عن الكون الذي خلقه والمميّز عنه، تناقض الاعتقاد الهندوسي بأن الله هو كلّ شيء وبأن الخالق والخليقة متّحدان. فإن كان هناك واقع واحد. إذاّ (فالله) يكون شراً وخيراً في آن، ويكون هو الموت والحياة في آن، المحبة والكراهية معاً. هذا الاعتقاد يجرّد كل شيء من المعنى، ويجعل الحياة منافية للعقل. إنه لمن الصعب على المرء أن يحافظ على رزانته العقلية مع اعتقاده في الوقت عينه بأن الخير والشرّ، المحبة والكراهية، الحياة والموت، هي أمور تنطوي في واقع واحد اتخذ رابي Rabi القرار المنطقي الوحيد وأصبح مسيحياً!

هل نحن مَن نصنع واقعنا؟        

يؤمن معظم المعتقدين بحركة العصر الجديد بأنّ الإنسان هو من يصنع واقعه بكلّ تفاصيله، الخير منه كالشرّ، وذلك بقوة العق. دافيد جيرشون David Gershon وغيل ستروب Gail Straub، وهما كاتبان شهيران من أتباع العصر الجديد، أشارا إلى النقطة التالية: ((لا يمكننا أن نتفادى حقيقة كوننا نحن الذين نصنع واقعنا بأنفسنا! حيث إنَّ كلّ فكرة تتبادر إلى أذهاننا، نحن نصنعها. كما أنّ كل معتقد نعتنقه يساهما في تشكيل تجاربنا الحياتية.))34 في ضوء هذا، ((إن كنا نقبل فرضية أنّ أفكارنا هي التي تصنع واقعنا، فهذا يني أنه علينا أن نتحمل مسئولية واقعنا الذي نصنعه بأكمله، ما يُعجبنا وما لا يُعجبنا من هذا الواقع.))35

المشكلة الخطيرة في وجهة النظر هذه هي أنه إن كان البشر (آلهة) بإمكاننا أن ندين الأفراد الذين يصيبون الآخرين بأذية أوشر. مثلاً، في هذه الحال، على أحدنا استخلاص أنّ ملايين اليهود الذين تمّ إعدامهم تحت نظام هتلر، هم الذين قد جلبوا ذلك الواقع على أنفسهم. إذاً، لا يعود بالإمكان الحكم على أفعال هتلر على أنها أفعال منافية للأخلاق، لأنّ هتلر ما هو إلا جزء من الواقع الذي جلبه اليهود بأنفسهم على أنفسهم. وبموجب هذا المبدأ عينه، لا يمكننا أن ندين الإرهابيين الذين يفجّرون الطائرات لأنّ ركّاب تلك الطائرة، هم من جلبوا ذلك الواقع على أنفسهم.

عندما توفيت معلمة التمثيل لابنة شيرلي ماكلين Shirely MacLaine إثر حادث صدام سيارتين أدّى إلى احتراق جسدها بالكامل، تساءلت ماكلين قائلة: ((كل شيء متضمّن في اللعبة)) It’s All in the Playing يسرد ما ورد في الكتاب كيف ((أننا نرى شيرلي تبكي وتنوح أمام شاشة تلفازها عندما رأت آثار ما خلّقه إنفجار بركان شيليان Chilean، الذي قتل خمسة وعشرين ألف شخص. ولكن، لمَ البكاء؟ فهم من اختاروا تلك الميتة، أليس كذلك؟))37

كلّما تأمّلنا أكثر في العصر الجديد هذا لمفهو م الشرّ، أصبح أكثر فأكثر منافياً للعقل.

  1. هل يقدّم التقمّص تفسيراً لوجود الشرّ؟

يبني العديد من أتباع العصر الجديد عقيدتهم على التقمّص والكارما. إنّ عملية التقمّص (أي الولادة المتكرّرة) يُعتقد أنها تستمرّ إلى أن تبلغ الروح حالة الكمال وتتّحد مع مصدرها (الله أو الروح الكونية). أما الكارما فهي ((الدّين)) الذي يتراكم على الروح بفعل الأعمال الخيّرة أو الشريرة التي تقوم بها أثناء فترة حياتها الحالية (أو حياتها السابقة). إن استجمع المرء كمية من الكارما الجيدة، فيكون مصير نفسه أن تتقمّص تحت هيئة مرغوبة في الحياة اللاحقة. وإن استجمع كارما سيّئة، فسيكون مصيره أن يتقمّص تحت هيئة غير مرغوب فيها تماماً.

يفسّر العديد من دعاة العصر الجديد الشرّ من منطلق الكارما وحده. أحد مشاهير كتَّاب العصر الجديد، يُدعى غاري زوكاف Gary Zukav مثلاً، يقول إنه يترتّب علينا عدم التسرّع في الحكم عندما نري أشخاصاً يتعذبون بوحشية لأننا ((لا نعلم ما يتّم شفاؤه (من طريق الكارما) بواسطة هذه العذابات.))38 ما يُطلق عليه زوكاف اسم ((العدالة الخالية من أية إدانة))، تعفينا من أن نكون قضاةّ أو أعضاء في هيئة المحلّفين للحكم على الشرّ الظاهر، حيث إنّ قانون الكارما هو الذي سوف يحقّق العدالة في النهاية.

هل يريد منا زوكاف أن نؤمن بأن ما فعله الجنود في سيلان Ceylon، عندما قتلوا أماً مرضعاً، ثم إستخدموا أصابع أرجل رضيعها كأهداف للتدرّب على الرماية، ما هو إلا شفاء لروح تلك الأم وروح رضيعها؟ وعندما قام الشيوعيون في الإتحاد السوفياتي، بتمزيق رحم أم أرمنية حامل ثم إقتلعوا أطراف جنينها من أمكنتها (هذه الأحداث حقيقية وردت في الصحف)، هل حقاً يتوقّع منا زوكاف أن نضع ثقتنا بـ((العدالة الخالية من أية إدانة)) هذه، بدل أن يعترينا الغضب من جراء هذه الجرائم الشنعاء؟ أين القداسة والألوهة في هذا؟

هناك العديد من الثغرات في عقيدة التقمّص. من وجهة نظر عملية، لا بدَّ أن يتساءل المرء، لماذا يُعاقب أحدهم على أمر لا يستطيع حتى أن يتذكر أنه ارتكبه في حياة سابقة؟ وإن كان (كما يُقال لنا) هدف الكارما تجريد البشرية من رغابتها الأنانية بواسطة التقمّص، جيلاً بعد جيل، فلماذا إذاً لم نشاهد أي تحسن ملحوظ في الطبيعة البشرية، بعد مرور كل هذه القرون من التقمّصات؟ لماذا يستمرّ الشرّ في التصاعد؟ وإن كان للتقمّص والكارما منفعة كبيرة على الصعيد العملي، كما يُدعى أتباع العصر الجديد، إذاً كيف يفسرون استمرارية المشاكل الإجتماعية والثقافية، بما في ذلك انتشار الفقر، والجوع، والمرض وأشكال المعاناة الرهيبة الأخرى، في بلاد الهند، حيث مورست عقيدة التقمّص على مدى التاريخ؟

ممّا لا شكّ فيه أنّ التقمّص هو عيدة غير كتابية، فهي تعارض ما يعلّمه الكتاب المقدَّس عن الموت وعن الحياة ما بعد الموت. فالآية من عبرانين 27:9 توضح بشكل قطعي ((أنه وُضع للناس أن يموتوا مرة.)) كل إنسان يعيش ككائن فان على هذه الأرض مرةَ واحدةَ، ثم يموت مرة واحدة، وبعد ذلك يواّجه الدينونة. لن يحصل الإنسان على أية فرصة ثانية من خلال تقمّصه في جسدِ أخر (انظر لوقا 19:16-31؛2 كورنثوس 8:5).

الثقة بالله في عالم مملوء بالألم

هناك العديد من التفسيرات الأخرى غير المجدية لمشكلة الشرّ، والتي يمكننا أن نناقشها، ولكنها لم تعد بارزة في أيامنا هذه، كما أن الحيّز المخصَّص للتكلُّم   عن هذا الموضوع، لا يسمح بذلك.39

بعد أن أثبتنا قبلاً أنّ وجود الشرّ لا يتعارض أبداً مع حقيقة وجود الله الكلي الصلاح والكلّي القدرة، يكون من المناسب أن نختم هذا الموضوع، بالتشديد على أنّ أبانا السماوي المحبّ يدعونا أن نثق به ثقة الطفل بأبيه بينما نعيش في عالم العذاب والألم هذا. أحياناً، وبصفتي أباً، يتوجّب على أن أتخذ بعض القرارات بالنيابة عن أولادي، والتي قد تسبّب لهم بعض (كزيارة طبيب الأسنان مثلاً). من وجهة نظرهم، ربما لن يفهموا سبب إصراري على القيام بهذه الزيارة. ولكني أؤكد لهم، أنه وعلى الرغم ممّا قد يترتب عليهم من انزعاج (أو حتى ألم) فإن زيارة الطبيب هذه، تصبّ في مصلحتهم الشخصية.

أحياناً، نتساءل نحن البشر عن الأسباب التي من أجلها يسمح الله بأن نمرّ بظروف مؤلمة. ولكن عدم إستطاعتنا إيجاد الأسباب المنطقية لهذه الظروف. لا ينفي وجودها فإننا م وجهة نظرنا المحدودة كبشر، نحن لا نرى إلا بضعة خيوط قليلة فقط من النسيج الكامل لخطة الله في حياتنا. نحن لا نرى الصورة بأكملها. لذلك يدعونا الله إلى ضرورة الوثوق به (انظر عبرانين 11). الله يرى الصورة بأكملها وهو معصوم عن الخطأ. ولديه سبب وجيه للسماح للآلام بأن تعتر طريقنا، وإن كنا لا نستطيع نحن أن نفهم تلك الأسباب.

يقدِّم لنا جايزلر ما هو الجدير بالتفكير بخصوص هذا الموضوع. فعلى الرغم من محدوديتنا كبشر، يبقى بإمكاننا أن نجد مغزّى للألم، كتحذيرنا من شرّ أعظم قد يأتي علينا (يكفي الطفل ان يلمس فرناً حاراً مرةّ واحدةّ كي يتعلّم ألاّ يفعل ذلك مرةّ أخرى). كذلك تعمل الآلام على حمايتنا من تدمير ذواتنا (إن أطراف الخلايا العصبية تنّبهنا من طريق إرسال الإشارات بوجود ألم، كي لا نستمر في حمل إناء حار بأيدينا). إن كان البشر المحدودون يستطيعون أن يستخلصوا بعض الفوائد من وجود الشرّ، فمن المؤكد أنّ غلها أزلياً كلي الحكمة لديه قصد وجيه وراء كل الآلام.40 قد لا نستطيع أن نفهم هذا القصد في الوقت الراهن، ولكن هذا القصد موجود على الرغم من ذلك، عدم قدرتنا على تبيان سبب حدوث الأشياء السيّئة لنا، لا تنفي صلاح الله، هي فقط تكشف جهلنا.41

حسنٌ أن نُبقي في الحسبان عامل الوقت. فبالطريقة نفسها التي بها نُقَيِّمُ زيارتنا إلى طبيب الأسنان في ضوء الفائدة المرجوة من هذه الزيارة على المدى البعيد، يحثّ الكتاب المقدَّس المسيحيين على ضرورة تقييم ظروفهم المؤلمة الراهنة في ضوء الأبدية. وكما أشار الرسول بولس: ((إنّ آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا)) (رومية 18:8؛ انظر أيضاً 2 كورنثوس 17:4؛ عبرانيين 2:12؛ 1 بطرس 6:1 و7).42

علينا ألاّ ننسى أيضاً في أوقات الضيق، أنّ الله، وبصفته الحاكم المطلق على هذا الكون، يستطيع أن يُنتج من هذه الآلام ما هو أحسن (انظر رومية 28:8). إن حياة يوسف هي مثال واضح على ذلك. لقد حسده إخوته ظلماً (انظر تكوين 11:37)، وكرهو ه (37:4 و8،5) وأرادوا قتله (20:37)، ولرموه في بئر (24:37)، ثم بعوه كعبد (28:37). ومع ذلك، استطاع يوسف أن يقول لإخوته في وقت لاحق: ((لأنه لاستبقاء حياة أرسلني الله قدامكم)) (5:45)، و((أنتم قصدتم لي شراً، أما الله فقصد به خيراً، لكي يفعل كما اليوم، ليحي شعباً كبيراً)) (20:50). صحيح أن أشياء سيّئة كثيرة حصلت ليوسف، غير أنّ الله كان له قصد حسن بالسماح لها بالحصول.

من المؤكّد أنّ الرسول بولس لم يكن يعجبه الأسر، ولكن كان الله قصد إلهي للسماح بذلك. فقد قام الرسول بولس بكتابة الرسائل إلى أفسس، فيلبي، كولوسي، وفيلمون وهو في الأسر (انظر أفسس 1:3؛فيلبي 7:1؛ كولوسي10:4؛وفيلمون9). فالله، ومن دون شك، صنع ما هو للخير من خلال ألم الرسول بولس. أحياناً ((الخير)) الذي يجلبه الله من ألمنا هو ن يقرّبنا إليه. جوني إركسون تادا Joni Eareckson Tada، الفتاة التي كسرت عناقها في حادثة سباحة مما أدّى إلى إصابتها بشلل كامل، قالت إن مأساتها هذه قرّبتها إلى الله. كما صرّحت بأنها تُفضّل البقاء في الكرسي المتحرك والله برفقتها، على أن يكون لديها القدرة على المشي من دون الله.

أقول كلّ هذا لأشدّدَ على أهمية الإيمان وسط عالم تملؤه الآلام. الله، ومن دون شكّ، يعمل على تحقيق قصده في وسطنا، وعلينا أن نثق به. يعجبني الأسلوب الذي يعتمده غايري هبيرماس Gary Habermas وجي. بي. مورلاندJ.P. Moreland في رؤية الأمور، حيث يشاجعنا على النظر إليها من ((أعلى إلى أسفل)):

الله، إله هذا الكون، يريد لتا أن ننظر إلى الحياة والموت من وجهة نظره الأزلية. وإن قمنا بذلك، سنُدرك كيف سيُغيّر ذلك حياتنا تغييراً جذرياً: القلق اليومي، العاطفي، المآسي، واجباتنا وتعاملاتنا مع الآخرين، الأملاك، الثروة وحتى الجسدي والموت. كلّ هذه الأمور وغيرها هي قابلة للتأثير إيجابياً بالحقائق السماوية. فالعهد الجديد يذكر مراراً وتكراراً أنه ينبغي للمؤمنين أن ينظروا إلى الصعوبات، لا بل إلى حيواتهم بأكملها، من وجهة نظر ما ندعوه مبدأ ((من أعلى إلى أسفل)): الله وملكوته أولاً، ملحقة بأمور حياتنا الأرضية بأشكالها المختلفة.43

في بداية هذا الفصل، كنت قد أتيت على ذكر ابن أخي غريغ، الذي توفّي بطريقة مأساوية، لأخبركم أّنّ العزاء الوحيد للعائلة بأكملها كان من خلال تبنّي مبدأ ضرورة النظر إلى الأمور من أعلى إلى أسفل. في المستقبلعنما سنبلغ ((أفضل عالم ممكن بين جميع العالمين)) الذي عدنا الله به، تلك المدينة السماوية ((التي صانعها وبارئها الله)) (عبرانين 10:11)، سوف نتمتع بلمّ شمل كبير للعائلة لن ينتهي أبداً! الموت، الشر، ، الدموع، هذه كلّها ستُصبح أموراً من الماضي البعيد.

أسئلة للتأمّل والمناقشة

  1. اشرح سبب ((استحالة التمييز بين الخير والشرّ ما لم يكن هناك مرجع مطلق للصلاح يُستخدم للحكم على الأمور.))
  2. ماذا يعني الكاتب عندما قال: ((الإنسان المؤمن بوجود الله ليس في حاجة إلى الأدعاء بأنّ عالمنا الحالي هو الأفضل على الأطلاق، بل إنه الطريق الأفضل لبلوغ العالم الأمثل))؟
  3. كيف يمكن لمبدأ ضرورة النظر إلى الأمور من أعلى لأسفل، أن يساعدك على محاربة الشرّ والألم؟ برأيك، ما هو السبيل لتبنيّ موقفِ كهذا، والعمل بموجبه؟

 

  1. Cited by Lee Strobel, “why Does God Allow Suffering?” (Message delivered at Saddleback Valley Community Church, El Toro, California, and 26 February 2000).
  2. Ken Boa and Larry Moody, l’m Glad You asked (Colorado Springs: Victor, 1994), 129.
  3. Norman L. Geisler, Baker Encyclopedia of Christian Apologetics (Grand Rapids: Baker, 1999), 220.
  4. Geisler; Baker Encyclopedia of Christian Apologetics, 220.
  5. Millard J. Erickson, lntroducing Christian Doctrine (Grand Rapids: Baker, 1996), 138-39.
  6. Erickson, lntroducing Christian Doctrine, 139.
  7. Norman L. Geisler and Ronald M. Brooks, when Skeptics ask (Wheaton, lll.: Victor; 1990), 59-60.
  8. Boa and Moody, l’m Glod you Asked, 122.
  9. Cited in Erickson, lntroducing Christian Doctrine, 138-39.
  10. Robert Morey, the New Atheism and the Erosion of Freedom (Minneapolis: Bethany House, 1986), 153.
  11. Morey, the New Atheism, 153.
  12. Paul E. Little, Know Why You Believe (Downers Grove, lll.: lnterVarsity Press, 1975), 81.
  13. Little, Know Why You, Believe, 81.
  14. Geisler and Brooks, When Skeptics Ask, 73.
  15. Cited in Little, Know Why You Believe, 87.
  16. Boa and Moody, l’m Glod You Asked, 131. ‘
  17. Norman L. Geisleer and Jeff Amanu, “Evil,” in New Dictionary of Theology, ed. Sinclair B. Ferguson and David F. Wright (Downers Grove, lll.: lnterVarsity Press, 1988 ) ,242.
  18. Rick Rood, “The Problem of Evil: How Can a Good God Allow Evil?” (1996), Probe Ministries website: http://www.probe.org
  19. Boa and Moody, l’m Glod You Asked, 133.
  20. Cited in Dan Stroy, Defending Your Faith (Nashville: Nelson, 1992), 171-72.
  21. Geisler and Brooks, When Skeptics Ask, 73.
  22. Geisler and Brooks, When Skeptics Ask, 64-65.
  23. Little, Know Why You Believe, 81.
  24. Story, Defending Your Faith, 176-77.
  25. Harold Kushner, When Bad Things Happen to Good People (New York: Schocken, 1981), 134.
  26. Kushner, When Bad Things Happen, 43.
  27. Boa and Moody, l’m Glod you Asked, 127.
  28. Mary Baker Eddy, Miscellaneous Writings (Boston: Christian Science Publishing Society, 1896), 27.
  29. Emily Cady, lessons in Truth (Kansas City, Mo.: Unity School of Christianity, 1941), 35.
  30. Ernest Holmes, What Religious Science Teaches (Los Angeles: Science of Mind Publications, 1974), 13.
  31. Walter Martin, the Kingdom of the Cults (Minneapolis: Bethany House, 1997), 40-41.
  32. David Spangler, Revelation: The Birth of a New Age (Middleton, Wis.: Lorian, 1976), 13.
  33. Rabi Maharaj, “Death of a Guru: The Personal Testimony of Rabi Maharaj,” Christian Research Newsletter 3, no. 3 (1990), 2.
  34. David Gershon and Gail Straub, Empowerment: The Art of Creating Your Life as You Want it (New York: Delta, 1989), 35.
  35. Gershon and Straub, Empowerment, 36.
  36. Shirley Maclaine, cited in Douglas Groothuis, ‘A Summary Critique,” book review of lt’s All in the Playing, in Christian Research Journal (Fall 1987):28.
  37. Cited in Douglas Groothuis, “A Summary Critiquei’ “28.
  38. Gary Zukav, the Seat of the Soul (New York: Simon and Schuster, 1989), 45.
  39. See Norman L. Geisler, The Root of Evil (Dallas: Probe, 1989); C. S. Lewis, The Geat Divorce (New York: MacMillan, 1946); and C. S. Lewis, The Problem of Pain (New York: HarperCollins ,2001, reprint; first published, 1940).S
  40. Geisler and Amanu, “evil,” 242.
  41. Geisler, Baker Encyclopedia of Christian Apologetics, 222.
  42. Erickson, lntroducing Christian Doctrine, 141-42.
  43. Gary R. Habermas and J. P. Moreland, lmmortality: The Other Side of Death (Nashville: Nelson, 1992), 185.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

مذيع مسلم: الله مات - هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟ مذيع مسلم: الله مات – …