الردود على الشبهات

إله العهد القديم، هل هو إله عنيف؟ شبهة والرد عليها

إله العهد القديم، هل هو إله عنيف؟ شبهة والرد عليها

إله العهد القديم، هل هو إله عنيف؟ شبهة والرد عليها
إله العهد القديم، هل هو إله عنيف؟ شبهة والرد عليها

((فأرسل إليه رئيس خمسين مع الخمسين الذين له. فصعد إليه وإذا هو جالسٌ على رأس الجبل. فقال له: ((يا رجل الله، الملك يقول انزل)). فأجاب ايليَا وقال لرئيس الخمسين: ((ان كنت أنا رجل الله، فلتنزل نار من السماء وتأكلك أنت والخمسين الذين لك))، فنزلت نار من السماء وآكَلته هو والخمسين الذين له، ثم عاد وأرسل إليه رئيس خمسين اخر والخمسين الذين له، فأجاب وقال له: ((يا رجل الله، هكذا يقول الملك: أسرع وانزل))، فأجاب إيليَا وقال لهم: ((إن كنت أنا رجل الله، فلتنزل نار من السماء وتأكلك أنت والخمسين الذين لك))، فنزلت نار الله من السماء وأكلته هو والخمسين الذين له)) (2مل 1 :9ـ12).

في النص الذي امامنا نجد ايليا النبي يطلب ان تنزل نار من السماء وتأكل القائد والخمسين الذين ارسلهم اليه الملك اخزيا في المرة الأولى، وكذلك في المرة الثانية، فنزلت النار وأكلت القائدين ومئة شخص.

هذه القصة تطرح العديد من الأسئلة مثل:

أي ذنب ارتكبه هؤلاء الرجال حتى يطلب ايليا ناراً من السماء لتأكلهم؟

هل يستجيب الله صلوات طلب الانتقام والقتل؟

كيف يرسل الله المحب ناراً من السماء لتأكل مجموعة كبيرة من الناس؟ اليس هذا اله في غاية القسوة؟

كيف يكون نبي الله الذي صعد حياً الى السماء ويطلب ناراً لتهلك الناس؟

للإجابة على هذه الاسئلة وغيرها ينبغي ان نلقي بعض الضوء على شخصية كل من ايليا النبي، واخزيا الملك، ونفهم لماذا أرسل اخزيا ثلاث مرات لإحضار ايليا، وفي كل مرة قائد ومعه 50 جندياً، ونفهم لماذا طلب ايليا ان تنزل نار من السماء وتلتهم رئيسي الخمسينين الأولين وخمسينيهما.

اولا: من هو أخزيا؟

الغريب ان أخزيا اسم عبري (אֲחַזְיָהוּ) يعني من ((من يسنده الرب)) أو ((من يمسكه الرب)). ولعل السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: من الذي كان يمسكه فعلاً الرب ام الشيطان؟

كم من الاشخاص لهم اسماء رقيقة لكنهم لا يعرفون الاّ العنف والخشونة، وكم من الأسماء تحمل معنى الجمال والعفة والطهر لكن حياة اصحابها خالية من كل طهر، ولا يعرفون الا القبح والنجاسة.

أخزيا و نشأته:

نشأ أخزيا في بيت الشر والفساد، فأبوه هو أخآب ملك اسرائيل، رمز الشر والفساد في التاريخ، والذي كان ملكا من اقوى ملوك اسرائيل واشرهم. كتب عنه الوحي: ((وعمل أخآب بن عُمري الشر في عيني الرب أكثر من جميع الذين قبله. وكأنه كان أمراً زهيداً سلوكه في خطايا يَربعام بن نَبّاط، حتًى اتخذ إيزابَل ابنةَ اثُبَعَل ملك الصًيدونيين امرأةٌ، وعَبَد البعل وسجد له، واقام مذبحاً للبعل في بيت البعل الذي بناه في السامرة، وعمل أخآب سواري، وزاد أخآب في العمل لإغاضة الرَب إلهِ إسرائيل اكثر من جميع ملوك إسرائيل الًذين كانوا قبله)) (1مل 16: 30ـ33).

فدخل في تحالف مع الفينيقيين. وقد كانت اقوى دولة تجارية في عصره، فتزوج إيزابل ابنة أثُبعل ملك صور، وقد كان كاهنا لعشتاروت. لقد كان زواجاً سياسيا انهض اسرائيل اقتصاديا، ولكنه هدمها روحيا. فدخلت ايزابل وادخلت معها عبادة البعل، ويبدو أنها كانت امرأة شرسة وذات شخصية قوية ونفوذ كبير. فأقنعت أخاب بذلك فبدا له أن عبادة الرب من خلال العجلين الذهبيين الذين أقامهما يربعام قد عفا عليهما الزمن. وان البعل إله صور يجب أن يكون له مكانة كبيرة بجانب يهوه اله اسرائيل، فبنى في السامرة معبداً للبعل، واقام فيه مذبحا للبعل، وبجانب البعل اقام تمثالا للسارية (امل 16: 32ـ33).

وقد كانت إيزابل أم أخزيا هي حامية انبياء البعل والسواري. فقد كانت تعول على مائدتها اربع مئة وخمسين من انبياء البعل، واربع مئة من انبياء السواري (امل 18: 19: 19: 1). وبناء على اوامرها هُدِمَت مذابح الرب. وأثارت أول اضطهاد ديني ضد شعب الرب. وكانت تريد ان تقضي على عبادة الرب ليحل محلها عبادة البعل. ولم يعارضها أخآب في ذلك بل كان يوافقها. وقد دبرت إيزابل جريمة قتل نابوت اليزرعبلي ليأخذ أخآب كرمه.

في هذا البيت وُلِد اخزيا، فنشأ وترعرع على حب الشر والفساد وعبادة البعل. لقد ارضعته أمه ايزابل الكراهية لشعب الرب ولهيكل الرب ومذبحه وعبادته. لقد تربى على حب القتل وسفك الدماء وتدبير المؤامرات، لذلك ليس غريبا ان نرى أخزيا على هذه الصورة من الشر والفساد، فلقد ورث أمه.

إن البيت هو المدرسة الأولى لكل انسان، فيه يتعلم كيف يعيش ولماذا يعيش؟ فيه يتكون لدى الفرد اتجاهاته وميوله وعاداته وتقاليده. إنها مسؤولية على كل أب و أم أن يفكرا فيما يعلما أطفالهما، وكيف يسلكا أمامهما.

وقد تولى اخزيا المُلُك بعد موت ابيه الملك أخآب الشرير، وكان أخزيا شريرا مثل أبيه، يقول عنه الوحي: ((عَمِلَ الشًر في عينَي الرب، وسار في طريق أبيه وطريق أمه، وطريق يَرُبُعام بُنِ نَباط الذي جعل إسرائيل يخطئ وعبد البعل وسجد له وأغاظ الرب إله إسرائيل حسب كل ما فعل ابوه)) (امل 22: 52, 53) ومن المؤلم ان اخزيا لم يتعلم شيئا من اختبارات ابيه الذي مات في خطيته. فلا بد أنه سمع في صدر شبابه كيف انزل الله نارا من السماء بينما عجزت الأصنام عن أن تفعل ذلك، ولكن هذا لم يغير طريقة تفكير أخزيا، ولم يرده الى عبادة الرب.

ثانيا: لماذا أرسل أخزيا ثلاث مرات لإحضار إيليا؟

ذات يوم كان الملك أخزيا يتمشًى على سطح قصره في السامرة، واستند الى كوًة هوَت به إلى الأرض فأصابته رضوض وجروح كثيرة. ولم يتجه فكر الملك أخزيا الى الله الحي بل اتجه فكره إلى بعل زبوب، ومعناه ((إله الذباب)) الذي كان أهل مدينة عقرون يعبدونه. ولا نعلم لماذا أٌطلق عليه هذا الاسم، ربما لأنه يحمي عبيده من الذباب، أو لأنه سريع الاستجابة في مثل سرعة الذبابة، ويحتمل أنه أطلق عليه هذا الاسم للتعبير عن وجوده في كل مكان مثلما تفعل الذبابة في تنقلاتها السريعة(1). ولما كان اهل عقرون يؤمنون أن بعل زبوب يشفي من المرض، فقد ارسل الملك أخزيا يسأل بعل زبوب إله الذباب، متجاهلاً إيليا واله إيليا.

إيليا يقابل رسل أخزيا:

أرسل الله ملاكا لنبيه إيليا يقول له: ((اصعد للقاء رسل ملك السامرة وقل لهم هل لأنه لا يوجد في إسرائيل إله، تذهبون لتسألوا بعل زبوب إله عقرون؟ فلذلك هكذا قال الرب: إن السرير الذي صَعِدتَ عليه لا تنزل عنه بل موتا تموت)) (2مل3: 1ـ4). وأطاع إيليا دعوة الله، وذهب ليقابل رسل الملك أخزيا قبل ان يصلوا إلى عقرون، وأبلغهم تلك الرسالة. فرجع الرسل إلى الملك أخزيا.

واستغرب الملك من سرعة عودتهم، وسألهم عما حدث، فقالوا له: قابلنا رجل أشعر متمنطق بمنطقة من جلد على حقويه، ثم أبلغوه رسالة النبي إيليا، فأدرك الملك أخزيا أن النبي إيليا هو الذي كلًمهم، وللأسف لم يخف الملك العنيد من كلام الله على لسان النبي، قائلا في قلبه: ((إنه يكذب)). فلم يبال بتحذيره، وبدلاً من أن يتضع أمام الرب ويطلب وساطة رجل الله، استهان به وبإلهه الذي أجرى على يديه آيات وعجائب كثيرة يعلمها الملك جيداً.

ولو كان اله عقرون قد أخبره بأنه سيموت لصمت ربما على هذا الخبر وقبله بسكوت، وهذا محال ايضا إذ كيف لآلهة صماء صنيعة ايدي الناس أن تجيب عن تساؤله.

لكن كون نبي الرب يخبره بالأمر ويوبخه على آثامه ويذكره بالإله الحي فإنه لا يطبق ذلك. ويستحيل عليه أن يُصلح شيئاً في حياته، ولم يؤثر فيه المرض الذي يقضي إلى الموت.

أخزيا يرسل قائد كتيبة وجنوده للقبض على إيليا:

اغتاظ أخزيا من إيليا كثيراً، وقرر أن ينتقم منه، وأصدر أمره بالقبض على إيليا، فارسل إليه قائد كتيبة، رئيس خمسين ومعه جنوده الخمسين فنقرأ: ((فأرسل إليه رئيس خمسين مع الخمسين الذين له، فصعد إليه وإذا هو جالسٌ على رأس الجبل، فقال له: يا رجل الله، الملك يقول انزل)).

ويقول القديس مار افرام السرياني: ((لقد صمم على عناده، وعوض التوبة عن كبريائه ورجوعه، ازداد في عناده، وأرسل قائد خمسين مع الخمسين للقبض على نبي الله، ليقودونه إلى المحاكمة))(1).

وأرجو أن تلاحظ أنه كان يكفي جندي واحد، أو القائد فقط ليلقي القبض على رجل أعزل بلا سلاح، لكن بالطبع ما سمعه أخزيا عن موقف إيليا مع والديه، وما رآه منه جعله يخشاه. ولكن عوض التوبة ظن أن في كثرة عدد الجنود ما يمكنه من إلقاء القبض عليه وسجنه، وأن الخمسين جنديا قادرون على ذلك، وأنه لن يفلت من أياديهم.

وقد تسأل: لماذا يدعو رئيس الخمسين الشرير إيليا بأنه ((رجل الله))؟ يرى البعض أن الملك نفسه والقصر الملكي كانوا يدركون حقيقة شخصية إيليا النبي، لكنهم لا يطيقونه. ويرى البعض الآخر أن في هذا نوع من التهكم على إيليا ويرى آخرون أنه كان لقبه المعروف به، كأن تقول لشخص اليوم يا مولانا او سيدنا او معالي الوزير، دون ان يدركوا أن هذا اللقب قد أعطي له من الرب (امل1: 9ـ13)، كما اعطي من قبل لموسى  النبي (تث33: 1)، وبعد ذلك لصموئيل (1صم9: 7, 6)، وداود (2اخ 8: 14)، ثم أليشع (2مل4: 9). وعلى كل حال كان يدرك أن ايليا ليس انسانا عاديا، وإلا فلماذا يرسل كل هذا العدد الكبير من الرجال للإتيان به. ولكنه لم يكن يؤمن أنه فعلاً نبي الله، وإلا فلماذا يأمر بالقبض عليه؟!

وللأسف يتضح لنا هنا أن رئيس الخمسين كان يسير على نفس نهج الملك، فلم يكن يعتقد بأنه رجل الله. وإلا لماذا يطلب منه ان يسلم نفسه له، ليسلمه للملك كسجين او اسير. فلو كان هذا الرئيس يعتقد بأنه رجل الله وعنده كلام الله لما أسمعه كلمة الملك الآمرة، مما جعل إيليا يطلب نارا من السماء لتأكل هذا الرئيس مع الخمسين الذين له، حيث قال إيليا: ((إن كنتُ أنا رجل الله، فلتنزل نارٌ من السماء وتأكلك انت والخمسين الذين لك. فنزلت نارٌ من السماء وأكلته هو والخمسين الذين له)).

أخزيا يرسل قائد كتيبة آخر مع جنوده للقبض على إيليا:

ولم يفهم الملك اخزيا رسالة الله له، فلم يدرك من هو الاله الحقيقي، ولم يتب عن خطاياه، ولم يرتعد الملك من حرق رئيس الخمسين وجنوده، وعوض توبته والحزن على الذين تسبب في حرقهم في قسوة قلبٍ أرسل قائداً آخر ومعه جنوده. فنقرأ: ((عاد وأرسل إليه رئيس خمسين أخر والخمسين الذين له. فأجاب وقال له: يا رجل الله، هكذا يقول الملك: أسرع وانزِل)). ويبدو أن قائد الخمسين الثاني كان وثنيا اكثر من الأول.

لعل القائد الأول لم يكن ملاماً مثل القائد الثاني، فهو لم يشهد آخرين احترقوا قبله، ليكونوا عبرة له. فما حدث له لم يحدث لآخر قبله حتى يخاف من المشهد. بينما كانت وقاحة الوثني الثاني أعظم، لقد رأى الجثث مطروحة كالفحم على الجبل ولم يخف في قلبه من سلوك نفس الطريق إلى إيليا. كانت تفوح رائحة رفيقه الذي احترق، ولم ترعبه ليعود الى الوراء لئلا يصعد. الفوج الذي قبله دمرته النار وطرحته، وها هو يدوس عليه، ويصعد بغضب إلى إيليا.

العظام التي اكلها اللهيب تبعثرت على الطريق، ومع ذلك كان يخطو بشجاعة نحو الغيور الذي أحرقها. لقد كان الجبل مضطربا من دخان الفوج الذي احترق ومع ذلك قسى قلبه، ولم يكن ينظر الى ما جرى، اكتسب إرادة شريرة وقاسية ومتوحشة، ولم يرتجف من النار التي أكلت رفاقه. قسًى وجهه كمن يحارب الله، وكان يهدد كأنه ينتصر على النار. طريقة رهيبة كمن لا يخاف من اللهيب، وصوته يرتفع إلى إيليا لينزله معه، وفي كبرياء عظيم وتشامخ أضاف إلى كلام القائد الأول كلمة ((أسرع)) فقال لإيليا ((هكذا يقول الملك: أسرع وانزل)).

فأجابه أيضا إيليا وقال له: (( إن كنتُ أنا رجل الله فلتنزل نارٌ من السماء وتأكلك أنت والخمسين الذين لك)). فنزلت نار الله من السماء وأكلته هو والخمسين الذين له.

أخزيا يرسل للمرة الثالثة قائد كتيبة وجنوده للقبض على إيليا:

للأسف لم يفهم أخزيا الملك الدرس الذي أراد الله أن يعلّمه له، ولم يحزن على الأولين الذين أحترقوا، وبكل تحدٍ لإيليا ولإله إيليا عاد فكرر الأمر للمرة الثالثة فنقرأ: ((ثم عاد فأرسل رئيس خمسين ثالثاً والخمسين الذين له)).

ولكن القائد الثالث كان يتسم بالتواضع والحكمة، فقد فهم رسالة الرب مما حلَ بالقائدين السابقين، فعندما وصل الى حيث كان النبي إيليا، نظر اليه، وأدرك من هو، بل وأدرك من هو الإله الحقيقي، فقد فكر في القائدين الأولين وخاف، وأدرك أنه من السهل أن يحترق هو ايضا. هبط التمييز على نفسه، وأدرك أن النبي عظيم وأن إلهه عظيم، فخاف، وتواضع، واقترب بقلب منكسر، ونفس مروعة، وجثا على ركبتيه أمامه وتضرع اليه وقال له: (( يا رجل الله، لِتُكرَم نفسي وأنفس عبيدك هؤلاء الخمسين في عينيك. هوذا قد نزلت نار من السماء واكلت رئيسي الخمسين الأولين وخمسينيهما، والآن فلتُكرم نفسي في عينيك)).

وهنا نجده بدلاً من أن يأمر إيليا بالنزول، بتواضع طلب الرحمة، سائلا ايَاه أن تكون نفسه ونفوس الجنود عزيزة لديه، معترفا بعدم استحقاقه في طلبه هذا أن يصحبه إلى الملك مرسله. وكأنه يقول له: يا نبي الرب لتكرم نفسي ونفوس عبيدك، هؤلاء الذين أتوا وهم لا يريدون، لقد جاءوا كأمر الملك الشرير، لكنهم يثقون في سلطانك، وفي رحمة الله.

لك سلطان لتنزل النار من السماء وتحرق الناس كما تريد إن عصوك. سيدي: عرفت جبروتك في الذين احترقوا، أظهر الان رحمتك للعالم. لك سلطان أن تحرق او لا تحرق، وهذا واضح، فإن كنت لا احترق، فهذا يعود إليك. بقائدين ومائة جندي أظهرت قدرة الله، لتظهر بي وبالخمسين الذين معي الآن حنانه ورحمته (3).

فقال ملاك الرب لإيليا: ((أنزِل معه. لا تخف منه)) فقام ونزل معه الى الملك. وقال النبي للملك: ((هكذا قال الرب: من أجل أنك ارسلتَ رسلاً لتسال بعل زبوب إله عقرون. أليس لأنه لا يوجد في إسرائيل إله لتسأل عن كلامه! لذلك السًرير الذي صعدتَ عليه لا تنزل عنه بل موتاً تموت)). ولم تحرك هذه الكلمات الملك أخزيا ليتوب بل استمر في عبادته الوثنية. ومات أخزيا كما قال الله على فم نبيه إيليا.

ثالثا: من هو إيليا؟

في عام 875 ق.م وفي أثناء حكم الملك أخآب (الملك السابع على اسرائيل) تقريبا بعد 60 سنة من انقسام المملكة، ظهر النبي العظيم إيليا ومعنى اسمه العبري ((إلهي يهوه))، وقد كان رجل أشعر متمنطق بمنطقة من جلد على حقويه. ويقول عنه الوحي إنه إيليا التًشبي من مستوطني جلعاد، قال بعض العلماء لعله من مدينة تِشُبه الواقعة شرق الأردن في منطقة جلعاد، وقال البعض الآخر ربما كلمة التشبي تعني ((الغريب)) فقد يكون المقصود أن إيليا الغريب كان من مستوطني جلعاد، بمعنى انه كان شخصا مختلفا عن غيره، لأنه كان يقضي الكثير من وقته في الصحراء في محضر الله، يتعبًد له، إلى اليوم الذي فيه دعاه الله ليكون نبياً.

ولقد أقامه الله لينقذ بلاده من عبادة البعل، او من العبادة المختلطة بين عبادة الله وعبادة البعل. فقد كانت الظلمة حالكة في تلك الأيام، وقلً عدد الذين يعبدون الرب بإخلاص. وارتفعت مذابح البعل في كل مكان، وانتشرت الهياكل الوثنية في كل أرجاء مملكة بني إسرائيل.

ولذلك يطلق على إيليا أنه نبي المطر، ونبي النار ايضا. فأول ما نقرأ عنه هو: ((وقال إيليا التشبي من مستوطني جلعاد لأخآب: حيٌ هو الرب إله إسرائيل الذي وقفتُ أمامه، إنه لا يكون طللٌ ولا مطر في هذه السنين إلا عند قولي)) (1مل 17: 1, قارن يع 5: 18, 17).

وهو النبي الذي طلب أن تنزل نار من السماء لتلتهم الذبيحة. وقال متحدياً أنبياء البعل ((الإله الذي يجيب بنار فهو الله)) (امل 18: 24).

وواضح أن قرارات إيليا وكلماته لم تكن مجرد كلمات شخصية هو مسؤول عنها مسؤولية شخصية، إنما بناء على توجيهات سماوية، وتأكيداً لذلك استجابت السماء في كل ما نطق به إيليا.

فهو لا يزيد عن كونه آداة في يد الرب ليجري آياته وعجائبه على يديه. ودوره أنه كان مطيعا طاعة كاملة لإلهه ممتثلاً لكل توجيهاته وكلماته. حتى يخيل للقارئ العادي لقصة حياة إيليا العظيمة أن السماء طوع أمره.

رابعا: لماذا سمح الله بأن تنزل نار من السماء وتلتهم القائدين الأوًلين وخمسينيهما؟

ويمكن أن تسأل السؤال بصيغة أخرى:

لماذا طلب إيليا أن تنزل نار من السماء وتلتهم رئيسيَ الخمسينين الأولين وخمسينيهما؟

(1)لقد طلب إيليا النار ليعلم الجميع من هو الإله الحي الحقيقي الذي ليس سواه غير إله، وليؤكد رسالته. لقد كان الشعب في ذلك الوقت يعبد البعل، والبعل هو أبوللو إله الشمس، وكانوا يعتقدون أن البعل صاحب السلطان المطلق على النار والمطر، لذا أراد إيليا أن يظهر عجز هذه الآلهة بطريقة ملموسة. وأن يقدم الدليل مما يعتقد به عبدة البعل. ويعلن أن الله الحي الحقيقي هو صاحب السلطان المطلق على النار والمطر(4).

لذلك سبق أن تحدى إيليا أنبياء البعل وقال لهم: ((الإله الذي يجيب بنارٍ فهو الله)) (امل 18: 24). وأرجو أن تلاحظ ما قاله في صلاته: ((أيها الرب إله إبراهيم وإسحاق وإسرائيل ليعلم اليوم أنك أنت الله في إسرائيل، وأني أنا عبدك، وبأمرك قد فعلتُ كل هذه الأمور. استجبني يا رب استجبني، ليعلم هذا الشعب انك انت الرب الإله)). وكانت الاستجابة معلنة من هو صاحب السلطان، ((فسقطت نار الرب وأكلت المحرقة والحطب والحجارة والتراب، ولحست المياه التي في القناة)).

فكانت النتيجة (( فلما رأى جميع الشعب ذلك سقطوا على وجوههم وقالوا: ((الرًبُ هو الله! الرًبُ هو الله!)) (امل 18: 36ـ39). وها هو في هذه المرة يطلب ناراً من السماء ليدرك أخزيا ورجاله أن الله إله إسرائيل هو صاحب السلطان على الطبيعة وعلى كل شئ، وأن إله عقرون لا حول له ولا قوة.

(2) هذه النار هي برهان محبة الله الشديدة، فالله يطيل أناته على الأشرار جداً، وفي وقت معين يسمح بالتأديب ليكون درسا عمليا أمام الآخرين. فما أسوأ مصير الشخص والأمة التي بلا تأديب. يعاقب البعض لكي يخاف الباقون من العقاب فيكفوا عن الخطايا والمعاصي. إن الله مثل الجراح الذي يبتر عضو من الجسد مصاب بورم خبيث لكي يعيش المريض.

يقول القديس مار يعقوب السروجي: ((أحرق المئة ليفيد أكثرية الشعب حتى يعيدهم من الوثنية بالآية التي صنعها. كان الوثنيون قساة، ومتمسكين بآلهتهم، ولم يقدر ان يتكلم معهم الا بالنار… أضرم ناراً تنطفئ، حتى ينقذهم من جهنم التي يرثها الوثنيون الى الأبد. تحرك الرجل روحيا وبحب عظيم، ليحيي العالم المائت بالأصنام))(4).

ولقد حدث نفس الأمر في بداية الكنيسة مع بطرس عندما واجه حنانيا وسفيرة، فسقطا وماتا ليصيرا مثلاً للبقية. لذلك قيل: (( فصار خوف عظيم على جميع الكنيسة وعلى جميع الذين سمعوا بذلك)) (أع 5: 11).

(3) هذه النار هي برهان عدالة الله: فالله الذي عاقب سدوم وعمورة، وعاقب عماليق، وعاقب الكنعانيين، ها هو يعاقب شعبه الذي انحرف لعبادة البعل.

(4) هذه النار هي برهان حماية الله: لم تكن شهوة قلب إيليا الانتقام، ومن المستحيل ان يكون غضبه قد غلبه، وثار ثائرته. فطلب النار ليريح غضبه، أو طلب النار ليحصن نفسه. فهذا ليس عمله او مكانه، إنما في أيام النبي إيليا كان كل الشعب اليهودي قد ترك الله واتجهوا لعبادة الاوثان، ولم يكن لرجال الله أي احترام أو تكريم، بل وغالبا ما حاولوا قتلهم. وقد قال الرب عن أتقيائه ((من يمسكم يمس حدقة عينيه)) (زك 2: 8)، فمن الطبيعي أن تهتم السماء بمن أرسلتهم لإنصافهم وتثأر لأي اعتداء عليهم، لقد قال داود: ((احفظني مثل حدقة العين. بظل جناحيك استرني)) (مز 17: 8).

(5) هذه النار هي برهان قداسة الله: لقد طلب إيليا النار معلنا غضب الله من السماء على فجور الناس وإثمهم. ويرى عدد من العلماء أن القائدين وجنودهما كانوا جنودا للبعل، وظنوا في انفسهم انهم قادرون على مقاومة الله ونبيه. وقد احترقوا لانهم اشتركوا في قرار الملك، إن لم يكن ظاهريا فبقلوبهم الشريرة. وقد تمجد الله حين التهمتهم النار النازلة من السماء.

ويقول العلامة ترتليانوس: ((إن القائدين الأول والثاني كانا نبيين كاذبين للإله بعل زبوب، لذلك فنزول النار كان بسماح من الله لوقف نشر هذه العبادة الوثنية بالعنف والالزام من قبل الملك وجيشه الذي يقوده كثير من الأنبياء الكذبة للبعل وغيره(1).

لقد أنزل إيليا ناراً من السماء لتلتهم القائدين مع جنودهما، هذه هي روح العهد القديم، ولكن العهد الجديد، عهد الإنجيل مختلف تماماً عن ذلك، فالإنجيل يعلمنا أن اثنين من تلاميذ المسيح هما يعقوب ويوحنا طلبا من السيد المسيح ان يُنزل نارًا من السماء تُفني السامريين الذين رفضوا قبول المسيح في بلدهم، ولكن المسيح وبخهما (لو 9: 55) لئن كنا نجد في العهد القديم عقاب الله على الخطاة فإننا نجد في الإنجيل شفقة الله على الاشرار، فلم يرسل الله المسيح الى العالم ليدين العالم بل ليخلص به العالم. لقد جاء ليكسب البشرية بحبه المعلن من خلال الصليب، وليس بحرقهم بالنار.

عزيزي القارئ: لم يؤمن اخزيا في صباه بالله الحقيقي الذي أنزل النار من السماء والتهمت الذبيحة، ولم يتعلم من قتل الضابط الاول والثاني مع جنودهما. وحتى عندما ذهب إليه النبي إيليا ليخبره بقول الرب لم يتُب، بل استمر في ضلاله وعبادته الوثنية فكانت الكارثة، وأنا ارجوك الا تهمل اصوات التحذير والإنذار التي يرسلها الرب لك.

المراجع

دائرة المعارف الكتابية، ج2 ، ص178.   (1)

الأب تادرس يعقوب ملطي. الملوك الثاني، ص216. (2)

(3) Snaith. Norman. H. The Interpreter’s Bible Commentary.V.3. The First and Second Book of Kings. P.373.

(4) The NIV Study Bible, p.411.

(5) الأب تادرس يعقوب ملطي. الملوك الثاني، ص218.

(6) المرجع السابق 219.

إله العهد القديم، هل هو إله عنيف؟ شبهة والرد عليها