أبحاث

قانونية أسفار العهد الجديد، لماذا لدينا 27 سفر؟

قانونية العهد الجديد

  قانونية أسفار العهد الجديد، لماذا لدينا 27 سفر؟

  قانونية أسفار العهد الجديد، لماذا لدينا 27 سفر؟
قانونية أسفار العهد الجديد، لماذا لدينا 27 سفر؟

قانونية أسفار العهد الجديد، لماذا لدينا 27 سفر؟

مدخل إلى قانونية العهد الجديد 1 – أ/ أمجد بشارة

قانونية أسفار العهد الجديد

لقد برهنا حتى الآن على أن من كتبوا الآناجيل قد حصلوا على قصتهم مع يسوع بصورة صحيحة. فناقشنا التعليم الشفهى الذى إمتد بجذوره العميقة فى الثقافة اليهودية. وأشرنا إلى أن قصة يسوع كان لابد ان تنتقل بطريقة سليمة من المعلم للتلميذ فى الحقب القليلة الآولى من الإيمان المسيحى. وعندما شرعوا من كتبوا الأناجيل فى كتابة أناجيلهم، كان لكل منهم بالتأكيد إسهامه الخاص، فقد اختار كل منهم ما الذى يكتبه فى أنجيله وما الذى يركز عليه، وقام بصياغة المادة لآجل قرائه كتب إليهم.

ولكن هناك اختلاف كبير بين الصياغة بأسلوب مميز لما حدث بالفعل فى قصة حياة يسوع من جهة أولى، وبين الزعم بوجود”اختلاق” لقصة حياة ليسوع من الفراغ من جهة ثانية. فحقيقة ان الأناجيل بها العديد من الاختلافات توضح أنها لم تكتب يتواطؤ ممن كتبوها مع بعضهم البعض. وحتى إن كان متى ولوقا قد استخدما إنجيل مرقس كقالب فهذا لا يعنى باى حال من ألاحوال أنهما قاما بنسخ رواياته بسذاجة بدون التحقق من صحة القصة.

بل يبدو العكس هو الصحيح، فإن كانا قد استخما مرقس، فإنهما يكونان بذلك قد صدقا على إنجيل مرقس فى توكيداته الأساسية. أى اننا لا يمكننا من ناحية أن نؤكد على أن لوقا ومتى قد نسخا بسذاجة من إنجيل مرقس، ثم نزعم من ناحية أخرى أنهما قد اختلفا عن إنجيل مرقس بسبب إبداعهما الشخصى. ففى كثير من الأحيان، عندما كانا يختلفان عن إنجيل مرقس، كانت القصة تصبح أوضح وأقصر، أو مذكورة بدقة أكثر.

وهذا النوع من التنقيح لا يمكن  أن يرجع إلى خيال المؤلفين! فالتعليم الشفهى، بالإضافة إلى الطريقة التى استخدم بها كل من متى ولوقا إنجيل مرقس، تبرهن على أن جميع الآناجيل المتشابهة أو كما تسمى أحيانآ “الإزائية” قد حصلت على نفس أساسيات حياة يسوع الصحيحة.

كما رأينا ايضآ أن بقية العهد الجديد تم نسخه بحيث يمكننا أن نستعيد معظم الصياغة الأصلية. ففكرة أن من نسخوا الأناجيل قد تطرفوا أو حادوا عن النص، وأنه لم يكن هناك ضابط، وأن العلماء لا يستطيعون أن يحددوا صياغة النص الأصلى بسبب هذه الفوضى، كل هذا ليس صحيحآ على الإطلاق. فرغم أننا لا نعرف بالضبط شكل النص فى كل مرحلة، وماذا كانت الصياغة الأصلية، فإن هذا يختلف تمامآ عن القول بأننا لا نعرف أى شئ عن الصياغة الأصلية.

وأكثر من ذلك، لا توجد عقيدة أساسية مبنية بالكامل على نص يوجد اختلافات جوهرية بين المخطوطات الخاصة به. ورغم أننا لا نستطيع أن نتيقن تمامآ بشأن صياغة النص الأصلى، فليس هناك حاجة لليأس المطبق. حيث أن عدم وجود أمر لا ينتج بالضرورة الأمر الآخر المناقض، حتى لو صاح المحذرون من اليمين ومن اليسار ليبرهنوا على وجوب ذلك. فليس أصحاب اليقين القاطع ولا أنصار الشك المطلق يمكن أن نجد لهم مسوغآ عندما يتعلق الآمر بنص العهد الجديد. باختصار، يمكن أن يكون لدينا قدر عظيم من الثقة بشأن صحة وأصالة الصياغة هى السبب وراء الأغلبية العظمى من اختلافات العهد الجديد

مقدمة

لكن كيف يمكننا أن نعرف أى من الأسفار هى التى يجب إدراجها ضمن العهد الجديد؟ كيف حددت وقررت الكنيسة الأولى ما هى الأسفار المقدسة من غيرها؟ وما هى المعايير التى حكمت هذا الأمر؟ على وجه التحديد، كيف يمكننا أن نعرف أن أناجيلنا الأربعة هى التى يجب أن تكون موجودة بدلآ من أنجيل توما، أو أى سفر أخر مثلآ؟ يقوم بعض العلماء المتطرفون اليوم بمناقشة موضوع أن أنجيل توما يجب أن يكون له مكان بجانب الأناجيل الأربعة الأخرى، أو حتى أن يحل محل أنجيل يوحنا فى العهد الجديد. فهل ادعاءاتهم لها ما يبررها؟

إن عملية تمييز أى من الأسفار هى التى تنتمى للكتاب المقدس، وكيفية علمنا بذلك، يطلق عليها عملية “إقرار القانونية”. تتضمن هذه العملية تاريخآ طويلآ ومعقدأ، فالسفر الذى كان يتم قبوله كسفر من الآسفار المقدسة كان يطلق عليه “قانونى” أو له صفة الـ قانونية .

بعض من الموضوعات المرتبطة بهذا الآمر كانت تشمل، التوقيت الذى تم فيه إعتبار أسفار العهد الجديد كأسفار مقدسة؛ وما هى المعايير التى استخدمت لتحديد أى الكتب كانت متضمنة وايها لم تكن متضمنة، (سوف ننظر فى اثنين فقط من هذه المعايير)؛ وكيف ترتبط اسفار العهد الجديد القانونية باسفار العهد القديم القانونية؛ ولماذا يوجد لدى البروتستانت قائمة أسفار مختلفة للعهد القديم عما لدى الروم الكاثوليك؛ وما إذا كانت السفار القانونية قد تم الإغلاق عليها حقآ بحيث لا يمكن أضافة اسفار جديدة إليها.

يصارع المسيحيون المفكرون مع هذه الموضوعات، ولكنها بقدر أهميتها، فأنها غير مركزية بالنسبة لما يشغلنا فى هذا المقام. فهدفنا هنا ببساطة هو أن نلقى الضوء على بعض القضاية القليلة الرئيسية التى تتعلق فى النهاية بشخص المسيح. فى مؤخرة هذا الكتاب نقوم بذكر قائمة من الكتب المفيدة الخاصة بهذا الموضوع والتى يمكنك الرجوع إليها لمزيد من المعلومات.

نود فى هذا الجزء أن نستكشف ثلاثة اسئلة مفتاحية؛ (1) متى ولماذا تم قبول أسفار العهد الجديد داخل الأسفار المقدسة، وعلى وجه الخصوص، أيها الذى تم قبوله مبكرآ وبلا نزاع؟ (2) ماذا كانت الكنيسة القديمة تعتقد بشأن التزييف أو التزويير؟ (3) هل كانت هناك مؤامرة ضد “الكتب المفقودة فى الكتاب المقدس”؟ قبل أن نبدأ، قد أن يكون من المفيد أن نقدم تعريفآ ” للأسفار القانونية”.

تعريف الأسفار القانونية

وماذا يعنى أن نقول إن العهد الجديد قانونى؟ إن كلمة “قانونى”منقولة عن الكلمة اليونانية # ، والتى تعنى “قانون”. أو”قياس”. وعندما نطبق هده الكلمة على العهد الجديد، فإننا نجد أجابتين متشابهتين، رغم أنهما مختلفتان، على عذا السؤال: فإما ان العهد الجديد هو “مجموعة” من الأسفار الموثوق بها والجديرة بالقبول، أو اته مجموعة من السفار التى تم التوثق منها. “2

بمعنى أنه إما أن السبعة والعشرين سفرآ للعهد الجديد تم أكتشاف أنها جديرة بالثقة بسبب قيمتها الأصيلة، وبسبب أن بها “طابع الحق” وبسبب سلطتها الظاهرة (وهكذا فإنها مجموعة من الأسفار الموثق بها) أو أن هذه الآسفار قد تم تقرير أنها جديرة بالثقة بواسطة سلطة ما أخرى (وهكذا تكون مجموعة من الآسفار التى تم التوثق منها).

يقول وليام باركلى، “أنها حقيقة بسيطة أن نقول إن أسفار العهد الجديد قد أصبحت قانونية لأن أحدآ لم يستطيع أن يمنعها أن تكون كذلك.”3 كما يتفق معه بروس ميتزجر قائلآ: “لم تخلق الكنيسة الآسفار القانونية، ولكنها أدركن وقبلت وأكدت السمة الأصيلة لوثائق معينة فرضت قانونيتها بنفسها على الكنيسة. “4 يتضمن هذا الأمر أن سلطتها كانت أصيلة، وكانت تحتاج فقط أن يتم أكتشافها بواسطة الكنيسة الأولى. وهكذا فأن الأسفار القانونية عبارة عن مجموعة من الأسفار الموثوق بها.

أسفار قانونية داخل الأسفار القانونية؟

العديد من المناقشات عن قانونية أسفار العهد الجديد تتركز على الأسفار التى جاهدت للحصول على القبول والأعتراف بها، كما لو أن قضية القانونية كلها تتمحور حول هذه النقطة. فمثلآ، يفترض دان بورستين أن عملية غقرار القانونية كانت طويلة: “وفى النهاية، تم الاعتراف بـ قانونية أربعة أناجيل، وثلاثة وعشرين نصآ أخر (أعلنت أنها هى الكتب المقدسة) فى الكتاب المقدس. ولكن هذا لم يحدث إلا فى القرن السادس.

“5 لكن مثل هذه العبارة بها مجرد ذرة من الحقيقة. فالحقيقة أنه فى فرع واحد من الكنيسة القديمة (السريانية)، بعض الأسفار فقط لم تعتبر قانونية حتى القرن السادس. 6 ولكن الكنيسة السريانية كانت الشذوذ عن القاعدة، فبنهاية القرن الرابع كانت الكنيسة فى الغرب قد قبلت جميع الأسفار السبعة والعشرين كأسفار قانونية ، لكن الكنية فى الشرق قد صارعت مع بعض الأسفار، إلى حد ما، لمدة أطول. 7 ولكن معظم أسفار العهد الجديد تم قبولها قبل ذلك بقرون من قبل جميع طوائف المسيحية.

أن مشكلة العبارات مثل تلك التى قالها بروستين هو أنها تعطى أنطباعآ بأن جميع الأسفار كانت محل جدال وأختلاف حتى القرن السادس. لكن هذا يشبه القول بأن الحرب العالمية الولى لم تنته الإ فى يونيو 1921، لأنه فى هذا الوقت قامت الولايات المتحدة بتوقيع معاهدة سلام مع ألمانيا (مجلس الشيوخ الأمريكى لم يصدق ابآ عن معاهدة فيرسيلز).

ولكن على الرغم من أن الحرب لم تنته رسميآ حتى عام 1921، إل أن النزاعات والعداوة قد توقفت فى 11 نوفمبر 1918، فهل يجب اعتبار نزاع ضخم بانه قد أنتهى فقط عندما يعلن عن انتهائه رسميآ، أم عندما يتوقف النزاع والصراع؟ فأن كنا نجادل فى أنه لا ينتهى الإ عندما تقول وثيقة رسمية ما قد أنتهى، أذآ فإن الحرب العالمية الأولى  تكون قد أستمرت لمدة عامين ونصف بعد توقف القتال والنزاعات.

لكن فى الحرب العالمية الثانية حدث العكس تمامآ فقد انتهت الحرب رسميآ فى 2 سبتمبر 1945، ولكن النزاعات استمرت لعدة حقب بعد ذلك. الكثيرون يعرفون قصة هيرو أونودا وهو جندى يابانى فى الجزيرة الفلبينية لوبانج، الذى اختبا فى الغابات لمدة تسعة وعشرين عامآ.

ولكن الكثيرون لا يعرفون أن الآلاف من الجنود اليابانيين لم يخلعوا اسلحتهم فى 3 سبتمبر 1945. وبحلول شهر يناير من عام 1948، استسلمت حوالى خمسمائة جندى يابانى أخر، غير مدركين أن الحرب كانت قد أنتهت منذ أكثر من عامين. وفيما بعد فى عام 1948، استسلم أكثر من ثلاثين جندى يابانى أخر. كما لم يكن هيرو أونادا هو آخر من اختبأ، فكابتن فوميو ناكاهيرا استسلم ايضآ على جزيرة ميندورو فى الفلبين عام 1980. لا أحد يدّعى اليوم أن الحرب العالمية الثانية قد استمرت لمدة أربعين عامآ يعد عام 1945- رغم انها لم تنته فى ذلك العام بالنسبة للآلاف من الجنود.

لكن عندما يأتى الأمر لموضوع قانونية أسفار العهد الجديد، لم يعلن أى قانون إيمان كنسى رسمى أن الأسفار القانونية قد أغلق عليها. 8 فحتى أثناء الإصلاح البروستانتى، عبّر بعض المصلحين والكاثوليك أيضآ عن شكوك قوية تجاه أسفار فى مرتبة ثانوية بالنسبة للأسفار المقدسة. وفى عام 1968 جادل العديد من القساوسة على أن كتاب مارتن لوثر كينج “رسالة عن سجن برنمجهام”كان يجب إدخاله فى العهد الجديد! 9 ومن ناحية أخرى، فأن معظم أسفار العهد الجديد الرئيسية قد تم قبولها كأسفار جديرة بالثقة منذ زمن مبكر للغاية. وبحلول القرن الرابع، تم إغلاق الأسفار القانونية بصورة غير رسمية فى الغرب.

وأكثر من ذلك، فالعديد من قوائم الأسفار القانونية فى الشرق، بداية من القرن الرابع، قد توصلت إلى النتيجة بأن نفس السبعة والعشرين سفرآ هم الأسفار القانونية للعهد الجديد. ولذلك، فبعيآ عن بعض المصارعين القليلين (سواء من الكنائس أو من الكتب)، فقد تم أغلاق الأسفار القانونية عمليآ، وليس رسميى، فى القرن الرابع. وهكذا فإنه سوء عرض للحقائق أن ندّعى بأن أسفار العهد الجديد لم تعتبر قانونية إلا فى القرن السادس، فقط لمجرد أنه كانت هناك قلة قليلة لا تزال موضع شك بواسطة جزء صغير واحد من الكنيسة.

هناك ثلاثة معايير كانت تستخدم لتقييم سلطة ومصداقية هذه الأسفار، وهلى- الرسولية، والمعتقد القويم، والشمولية. بمعنى، هل قام أحد الرسل أو أحد اصدقائه بكتابة السفر (الرسولية)؟ هل يتفق السفر مع التعاليم القويمةللأسفار الأخرى المعروف أنها رسولية (المعتقد القويم)؟ هل كان مقبولآ فى زمن مبكر ومن أغلبية الكنائس (الشمولية)؟ رغم أن الكنيسة القديمة قد صارعت مع عدد قليل من الأسفار فى ضوء هذه المعايير، فإن الجوهر الأساسى قد تم قبوله بسرعة وبدون نزاعات.

فى البداية، لم يكن لدى المسيحيين لائحة أسفار معترف بها للعهد الجديد، فقد كان إعلان الإنجيل بالكلام الشفهى. وحتى رسائل بولس، رغم أنها كانت تعتبر بوضوح قيّمة بالثقة، فالأغلب لم ينظر إليها على أنها أسفار مقدسة عند تدوينها.

بل أكثر من ذلك، لم تكن عملية نشر كتب لديانة غير مشروعة فى العالم القديم مهمة سهلة. فقبل القرن الثانى، لم يكن فى الإمكان حتى أن يتم تجميعها فى مجلد واحد وهذا لأن صياغة الكتاب الحديث، أى المخطوطة التى تشبه الكشكول، لم تكن قد اخترعت بعد، وكان الدرج الملفوف يحوى كمآ قليلآ من المعلومات، فقد كان أكبر درج يستخدم وقتها يمكنه أن يحمل إنجيلآ واحدآ فقط أو أكثر بقليل.

ولكن هناك فارق كبير بين أن نقول إن الكنيسة الأولى لم تتعرف عن أسفار العهد الجديد ككتب مقدسة بسرعة، وبين أن نقول إنها لم تتعرف عليها كأسفار جديرة بالثقة بصورة ما، فهذا هو شئ آخر تمامًا. لذا فإن سؤالنا فى هذا الفصل يتعلق بصورة خاصة بجمع هذه الأسفار وبالإدراك الرسمى لها والذى أطلق عليه فيما بعد تصنيف “الكتب المقدسة”

إن أول قائمة عرفناها للأسفار القانونية وضعها ماركيون حوالى عام 140م. كان ماركيون يؤمن أن يسوع المسيح هو إنسان فقط، كما كان من ضمن من ينكره ايضآ أن العهد القديم هو أسفار مقدسة، فكان ينكر أن يسوع ابن إله العهد القديم، الذى أطلق عليه خالق الكون المادى؛ 10 ولكنه كان يؤمن أن يسوع هو ابن الإله الصالح للعهد الجديد. وبالتالى فقد استثنى ماركيون من اسفاره القانونية كل من أناجيل متى ومرقس ويوحنا. فبالنسبة للأناجيل، شملت قائمته فقط من رسائل بولس، المنقحة ايضآ. لقد تأثر ماركيون بالثنائية المتطرفة التى كانت شائعى فى الفلسفة اليونانية، والتى كانت تنظر للروح على أنها خير وللمادة على انها شر. 11

على أن هناك حقيقتين مهمتين ترتبطان بقائمة ماركيون. حيث أنه كان هرطوقيا، فقد اعطت قائمة ماركيون للكنيسة الأولى الدافع “لإصدار قوائم أكثر شمولآ وأقل خصوصية.” 12 فقد كانت هناك بالفعل العديد من الكتب المنتشرة فى مجموعات، مثل رسائل بولس، والأناجيل، ولكن لم تكن هناك قائمة رسمية قد تم حصرها. وهكذا فإن قائمة أسفار ماركيون قد حفّزت الكنيسة على أن تقوم بهذا الأمر بالتحديد.

ثانيأ، رغم أن ماركيون كان هرطوقيآ، وكانت آرائه تتفق إللى درجة كبيرة من التعليم الغنوسى، 13 والذى كان يتنامى بقوة فى ذلك الوقت، الإ أنه قام بإدماج أجزاء فقط من العهد الجديد الذى لدينا إلى قائمته. لقد قام، بدون ريب، بتنقيح هذه الأسفار بصورة كبيرة لكى تتفق مع أغراضه الخاصة، لكن لماذا لم يدمج فى قائمته أعمالآ مثل أنجيل توما أو أنجيل مريم أو أعمال بطرس؟ كما مان ماركيون على دراية كاملة بالأفكار الغنوسية، 14 فلماذا لم يدمج أى من الكتابات الغنوسية فى قائمته؟ أغلب الظن أنها لم تكن قد وجدت بعد. وحتى لو أن البعض منها كان موجودآ فأنها لم تكن تعتبر كتابات أصلية بسبب حداثة عهدها الواضح.

فقد كان فى أستطاعة ماركيون بسهولة أن ينقّح أى عمل غنوسى لكى يخدم أغراضه الخاصة، تمامآ كما فعل فى أسفار العهد الجديد. بل فى الحقيقة أن مهمته ستكون أسهل حيث أنه لم يكن عليه أن يحذف ويعدّل الكثير من الأجزاء كما فعل فى أسفارالعهد الجديد! وهكذا فحقيقة أنه قد استخدم فقط أسفار العهد الجديد لقائمة أسفاره القانونية المقنضبة، وأنه قام بالحذف من تلك النسخ، تفترض أنه حتى هرطوقى متطرف مثل ماركيون كان يعلم أن هذه الأسفار تحظى بالفعل بمكانة سامية.15

بعد ماركيون، بدائت قوائم أسفار أخرى فى الظهور. فقد تكونت قائمة الأسفار الميوراتورية فى الجزء الآخير من القرن الثانى،16 أغلب الظن فى روما. ورغم أن نسخ الأسفار الميوراتورية كانت جميعها مجزأة ومتناثرة،17 فقد كان يمكن تجميع معظمها. وكانت هذه القائمة تشمل الأناجيل الأربعة، وسفر أعمال الرسل، ورسائل بولس الثلاثة عشر، ويهوذا وسفر الرؤيا، ورسالة يوحنا الأولى، وإما رسالة يوحنا الثانية والثالثة أو كلاهما معآ.18 وهكذا، فعلى الأقل كان هناك واحد وعشرون أو اثنان وعشرون سفرآ مدرجة كأسفار جديرة بالثقة قبل نهاية القرن الثانى.

أن المؤلف المجهول لقائمة الأسفار الميوراتورية، يعلّق أيضآ على أسفار أخرى، والتى كانت تندرج تحت ثلاثة أقسام : الأسفار المتنازع عليها، الأسفار المهذّبة والمثقفة ولكنها غير الجديرةبالثقة، والأسفار التى كان يجب رفضها كهرطقات. كان السفر الوحيد المتنازعليه هو سفر رؤيا بطرس: ” لقد تسلمنا فقط رؤيا يوحنا ورؤيا بطرس، رغم أن البعض منا لا يرغب فى أن تتم قراءة الأخير (رؤيا بطرس) فى الكنيسة. “19

وأحدى الكتب التى تم الحكم عليها بأنها مشجّعة ومهذّبة ولكنها غير جديرة بالثقة كانت “راعى هرماس”. فقد تم التعرف عليه ككاتب حديث، وهكذا يمكن أن يقرأ بصورة شخصية. وأخيرآ فأن العديد من الكتب الأخرى تم ذكرها على أنها إصدارات حديثة وهرطقية فى نفس الوقت، ولذلك فلم يتم قبولها على الإطلاق.20

من المهم أن نشير إلى أن كتابة السفر كام عاملآ مهمآ فى تحديد قانونيته. فالسفر الذى يتضح أنه قد كتب بعد زمن الرسل يرفض تصنيفيآ. فبمرور الزمن، وبزوال ذكرياتزمن أسفار معينة، كانت دعاوى القانونية تطلق على بعض الوثائق التى ترجع إلى القرن الثانى. ولكن فى بداية قوائم الأسفار القانونية لم تكن هذه الأسفار موجودة (فى قائمة أسفار ماركيون)، أو كان قد تم رفضها بوضوح (فى الأسفار الموراتورية) حيث أنها حديثة وبذلك فهى ليست رسولية.

هناك كتّاب آخرون بدأوا فى مناقشة مسألة الأسفار القانونية بوضوح. فعلى مدى الحقب التالية، بعض الكتب التى كانت “تقف على الحياد” من الأسفار القانونية ، تم النزاع بشأنها، ولكن الكتب الأساسية بقيت كما هى بصورة كبيرة. فى بعض الأماكن، كانت مختلف الأسفار التى لم يتم تصنيفها أنها قانونية ، ينظر إليها بصورة ايجابية، بل أنها حتى تلقت وضعآ قانونيآ مؤقتآ ومحليآ. ولكن على أية حال، كانت هناك أسفار معينة تظهر بأستمرار فى كل قائمة على أنها جديرة بالثقة وليست محل نزاع والتى بنى عليها إيمان وممارسات الكنيسة. وكما يشير بروس ميتزجر، عالم العهد الجديد:

الأمر الجدير حقآ بالملاحظة … هو أنه رغم الإضافات الثانوية للأسفار القانونية للعهد الجديد ظلت غير مستقرة لعدة قرون، فقد تم الحصول على درجة عالية من الإجماع بشأن الجزء الأعظم من العهد الجديد خلال القرنين الأولين من جميع الجتماعات المتنوعة والمتفرقة ليس فقط عبر بلاد البحر المتوسط ولكن أيضآ عبر المنطقة الممتدة من بريطانيا إلى منطقة بلاد الرافدين.21

والأن ما الذى أدركت الكنيسة الأولى أنه “الجزء الأعظم من العهد الجديد”؟ أو “الأسفار القانونية داخل الأسفار القانونية “؟ كانت الأناجيل الأربعة (متى ومرقس ولوقا ويوحنا) ورسائل بولس الثلاثة عشرة، فى الأغلب موجودة دائمآ فى القوائم، كما كان موجودآ كذلك سفر أعمال الرسل. ففى بعض الحالات النادرة فقط كان هناك شك بشأن أى من هذه الأسفار. كما كان موجودآ عادة رسالتى يوحنا الأولى وبطرس الأولى.

وفى الشرق، اعتبرت الرسالة إلى العبرانيين قانونية وتم وضعها مع رسائل بولس، كما اعتبار سفر الرؤيا قانونيآ فى كثير من الدوائر. وبذلك يكون هناك من عشرين إلى اثنين وعشرين سفرآ من إجمالى السبعة والعشرين سفرآ للعهد الجديد كانت تعتبر باستمرار كتبآ مقدسة بمجرد أن تم استخدام هذا المصطلح فى الإشارة إلى العهد الجديد.

إغلاق الأسفار المقدسة؟

بحلول القرن الرابع كانت الكنيسة قد استقرت حتى بالنسبة لبعض الأسفار موضوع النزاع. فالمؤرخ الكنسى يوسابيوس القيصرى من أوائل القرن الرابع (260-340) كانت له مناقشة مطولة لأسفار العهد الجديد القانونية كما تم التعرف عليها فى الشرق. ولكن مناقشته كانت لا تزال تعكس اتجاهات الآباء الأولين، أكليمندس وأوريجانوس:

عند هذه النقطة يبدو من المهقول أن نلخّص كتابات العهد الجديد التى تم اقتباسها. ففى المقام الأول، يجب أن نضع الأناجيل المقدسة، يتبعهم كتابات أعمال الرسل. وبعد هذه يجب أن نضع رسائل بولس، يتبعها رسالة يوحنا التى يطلق عليها الأولى، وبنفس الوقت يجب إعتبار رسالة بطرس. بالأضافة إلى هذه، يجب أن نضعن إذا رغبنا، رؤيا يوحنا، ةالتى سنعرض الجدل الخاص بها فى الوقت المناسب.

تنتمى هذه السفار إلى قائمة الكتب المعترف بها. (homolegoumena) أما بالنسبة للأسفار موضع النزاع (antilegomena)، فهى المعروف للأغلبية أنها رسالة يعقوب، ورسالة يهوذا، ورسالة بطرسالثانية، ورسالتى يوحنا الثانية والثالثة التى يمكن أن تكون من كتابة البشير نفسه أو شخص آخر بنفس اسمه.22

اعترف يوسابيوس يأن اثنين وعشرين سفرآ من أسفار العهد الجديد السبعة والعشرين، هم ليسوا موضع نزاع (رغم أنه فيما بعد تأرجح بشأن سفر الرؤيا)، والبقية يتم النزاع بشأنها ولكنها تقرأ على نطاق واسع ومعترف يها، كما إدرج الرسالة إلى العبرانيين بين رسائل بولس، رغم أنه فى مكان أخر كان يدرك أن البعض لا يعتبرها من رسائل بولس.وعند بداية القرن الراع، تم اعتبار جميع الأسفار السبعة والعشرين فى العهد الجديد قانونية مبتدئيآ، مع اعتبار الأثنين والعشرين سفرآ أسفارآ قانونية أكيدة. سوف نعود مرة أخرى إلى يوسابيوس فى الفصل التال لكى نرى ما يقوله عن بعض الكتابات الأخرى.

وأما الأن، فإننا نرغب ببساطة فى التركيز على أن معظم أسفار العهد الجديد قد تم قبولها منذ زمن مبكر، وأن حوالى ستة أسفار التى كانت لا تزال على حافة القانونية ، قد تم إعتبارها قديمة ومستقيمة العقيدة. وكما لاحظ دى .إيه. كارسون ودوجلاس جى. مو بشأن عبارة يوسابيوس فإن “الأناجيل وأعمال الرسل  والرسائل الثلاثة عشر لبولس ورسالتى بطرس الأولى ويوحنا الأولى تم قبولها عالميآ فى زمن مبكر للغاية؛ كما أن معظم محتويات الأسفار القانونية  للعهد الجديد كانت تثبتت بالفعل فى عهد يوسابيوس.23

أما فى الغرب، فقد كانت هناك فورة من القوائم غير الرسمية للأسفار القانونية تتكون بواسطة آباء الكنيسة الرواد، وخلال القرن الرابع كانت الأسفار الجوهرية قد أدرجت. وبحلول عام 393، تم أغلاق الأسفار القانونية عندما دخل أوغسطين فى هذه المسألة. وقد أضاف جيروم بأن ناقش بنوع من التفصيل الكتب محل النزاع، وأكثر من ذلك، فقد أدرج الأسفار السبعة والعشرين للعهد الجديد فى ترجمته للكتاب المقدس (المعروفة بأسم “الفولجاتا” أو الترجمة اللاتينية للكتاب المقدس المعتمدة من الكنيسة الكاثوليكية). ومنذ ذلك الوقت، لم تتشكك الكنيسة الكاثوليكية (إلا فى حالات نادرة) بشأن أى الكتب هى المدرجة وأيها غير المدرجة فى الأسفار المقدسة.

أما الموقف فى الشرق فلم يكن بمثل هذا الحسم، فقد كانت هناك حساسية اعظم فى الشرق للكتابات ذات القيمة العالية حتى لو لم يكن الرسل هم الذين كتبوها.وهكذا فغن القوائم الشرقية كانت كثيرآ ما تشمل تلك الأسفار التى كانت يقينية القانونية، وتلك التى كان يحتمل قانونيتها، وتلك التى كانت مصادر جيدة للحق الروحى ولكنها ليست قانونية.

فى عام 367، أعلن أثناسيوس فى خطابه الأحتفالى التاسع والثلاثيت بدون تحفّظ أن الأسفار السبعة والعشرين للعهد الجديد قانونية . لكن لم يتفق الجميع فى الشرق مع أثناسيوس فى هذه القائمة. فقد اتفق معه جريجورى التازيانزى (389) فيما عدا على سفر الرؤيا، كما قبل أمفيلوكيوس (بعد 394) جميع الأسفار ما عدا رسالة بطرس الثانية، ورسالتى يوحنا الثانية والثالثة، كما أن يوحنا ذهبى الفم وثيودور االموبسوستى وثيودوروس، وجميعهم من الشرق وممن كتبوا فى أواخر القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس، كلهم أدرجوا على الأقل اثنين وعشرين سفرآ من السبعة والعشرين.

وهكذا فرغم أن يوسابيوس وأثناسيوس قد برهنوا على أن الأسفار القانونية هى سبعة وعشرين سفرآ، إلا أن الآباء الشرقيين فيما بعد قد قاموا بحصر القائمة.

على أنه من المهم أن نلاحظ أن لا أحد منهم قد أضاف أية أناجيل أو رسائل أو رؤى أخرى، لأسفار العهد الجديد القانونية. وأكثر من ذلك، فأن الكتب التى رفضوها كان عليها نزاع منذ البداية – وهى الرسائل القصيرة (رسالتا يوحنا الثانية والثالثة ورسالة يهوذا)، ورسالة بطرس الثانية (لأنها تختلف فى الأسلوب عن رسالة بطرس الأولى)، وسفر الرؤيا (لأنه يختلف فى الأسلوب عن انجيل يوحنا وبسبب نظرته الأخروية الواضحة)، ولكن الكتب الساسية الثنين والعشرين ظلت مؤكدة وموثقة بقوة.

الملخص

كانت الأسفار القانونية للعهد الجديد عبارة عن مجموعة من السفار الجديرة بالثقة “والتى فرضت نفسها بهذه الصفة” 24 على الكنيسة الأولى. وبمجرد ان تم استخدام تعبير الأسفار المقدسة لكى يطلق على أسفار العهد الجديد فإن الأناجيل الأربعة ورسائل بولس الثلاثة عشر تم إدراجها، كما أن أعمال الرسل ورسالة بطرس الأولى ورسالة يوحنا الأولى لم تكن عامة موضوع نزاع، ونفس الأمر يمكن أن يقال عن معظم الرسالة إلى العبرانيين وسفر الرؤيا.

وبنهاية القرن الرابع، كانت الأسفار القانونية قد أغلقت فى الغرب فعليآ، على رغم أنه لم يكن رسميآ. اما فى الشرق، فقد جادلت بعض الأصوات المؤثرة ذات السلطة بأن الأسفار الأسفار القانونية عى سبعة وعشرون، ولكن بعض الكتّاب عارضوا ذلك. لكن من المهم أن ندرك أن معارضتهم لم تكن اتجاه إدراج أسفار أكثر بل أقل، كما أن عددآ قليلآ فقط

من الأسفار التى على حافة القانونية هى التى كان هناك نزاع بشأنها. نفس هؤلاء الكتّاب هم الذين رفضوا الكتب الهرطوقية رفضآ صريحآ، هذا إن كانوا ناقشوها على الأطلاق.

لكن ماذا نفعل بشأن حقيقة ان الأسفار القانونية فى الشرق ظلت مسألة مفتوحة لمدة طويلة؟ يتعلق هذا الأمر بسؤال أكبر، وهو لماذا لم يتكون مجلس رسمى عالمى للكنائس، أو كان هناك قرار قديم ينص على الأسفار القانونية؟ يمكننا أن نستخلص على الأقل ثلاثة انطباعات من هذه الحقيقة.

أولآ: أنه لم يكن هناك على الأطلاق أى ضغط شديد داخل الكنيسة لقبول أسفار معينة على أنها قانونية .25 وقد كان هذا أمرآ مدهشآ للغاية أن تأتى الكنيسة لمثل هذه النتائج الحاسمة بشأن معظم الأسفار فى زمن مبكر، وبشأن البقية فى وقت مناسب.

ثانيآ: حيث أنه لم يكن هناك بيان رسمى محدد بالأسفار، بالطبع تعرضت بعض الأسفار للجدل،على الأقل فى جانب من الكنيسة. وقد كان الجدل يتعلق دائمآ بما إذا كانت الأسفار رسولية، وشاملة، ومستقيمة العقيدة. وعلى هذا الأساس بدت الأسفار القصيرة أنها تفتقر للشمولية لأنها بسبب قصرها بدا من السهل تجاهلها، وكانت رسالة بطرس الثانية محل شك بسبب الشك فى مصدرها الرسولى، كما كان هناك شك فى سفر الرؤيا بسبب أمور تتعلق بسلامة العقيدة.

ولكن رسائل بولس والأناجيل كانت هى القلب والأساس دائمى عن الجبهات الثلاث. وقد كان الفتقار لقرار يصدره مجلس كنسى رسمى هو الذى سمح للكنيسة القديمة أن تصارع بشأن شرعية هذه الأسفار، وعلى هذا الساس فإن اهم الأسفار الأساسية لم يتم الشك فيها مطلقآ.

ثالثآ: حيث أنه لم يكن هناك قرار ينص على الأسفار القانونية فهذا أيضآ يخبرنا ضمنيآ بأن الأسفار القانونية كانت عبارة عن مجموعة من الكتب الجديرة بالثقة أكثر من كونها من الأسفار التى تم التوثّق منها. فتلك الأسفار التى تنتمى للأسفار القانونية تنتمى إليه بسبب قيمتها الأصلية وأصالتها كشهادات ليسوع المسيح، ليس لأن مجلسآ ما للكنائس قد أعلن أنها جديرة بالثقة والقبول، فكما يشير ميتزجر:

لا تنتفع الكتب الدينية أو الأعمال الأدبية حقيقة بأى شئ بمجرد أن يطبع عليها الختم الرسمى، فمثلآ لو كان فى الإمكان أن تتحد جميع الأكاديميات الموسيقية فى العالم فى إعلان أن باخ وبيتهوفن موسيقيان عظيمان، فإننا سنقول لها، “إننا نعلم ذلك بالفعل، فلا داعى لإعلانكم”، فإن ما يعترف به الجمهور الموسيقى بدون مساعدة، يشبه كذلك من لديهم التمييز الروحى فى الكنيسة الأولى الذين استطاعوا أن يميزوا كتاباتهم المقدسة من خلال ما اطلق عليه كالكفن الشهادة الداخلية للروح القدس.

على أن تلك الشهادت الداخلية للروح القدس لم تخلق هى سلطة الكتب المقدسة (الموجودة فيها بالفعل)، ولكنها كانت الوسيلة التى بواسطتها اعترف المؤمنون بسلطة هذه الكتب. فهى متلازمة مع الأصالة الذاتية للكتب المقدسة، كما أنه ولا آباء الكنيسة ولا كالكفن حاولوا أن يحسموا الخلافات الخاصة بتوصيف الأسفالر القانونية عن طريق الدعوة البسيطة للاحتكام إلى ما يمليه الروح القدس.26

إننى ارغب فى أن أختم هذا الفصل بالعودة إلى سؤالنا الأصلي: هل قامت الكنيسة الأولى بالأختيار الصحيح عندما أختارت الأسفار التى يجب إدراجها ضمن الأسفار القانونية؟ دعونا نفترض جدلآ، أن أسفار يوسابيوس “المعترف بها” فقط هى التى كان يجب أن تكون ضمن الأسفار القانونية. فما الذى كنا سنفقده فى هذه الحالة؟ كنا سنفقد فقط خمسة أسفار تحوى إحدى عشر أصحاحًا. فليس من المصادفة أن بعضآ من أقصر الأسفار فى العهد الجديد هى التى كانت فى قائمة النزاع. فإنه ببساطة لم يكن يتم الأستشهاد بها كثيرآ كما كان يحدث مع الأسفار الأطول، ولم تكن تقع تحت رادار تأكيدات آباء الكنيسة الأوائل.

فأمر ملاحظة الأسفار هذه الأسفار القصيرة، كان بمثابة ملاحظة كل أصحاح من غصحاحات رسائل بولس، حيث أن ثلاثة من هذه الأسفار مكونة من مجرد أصحاح واحد.كما أنه ولا واحد من هذه الأسفار يعتبر شاهدآ رئيسيآ على تاريخية شخص يسوع المسيح، رغم أنها بالتأكيد تسهم فى فهم هويته وما كانت الكنيسة الأولى تعتقده بشأنه.

أننا لا نفترض بالطبع أن هذه الأسفار كان يجب أن تحذف من العهد الجديد، ولكننا نقولإنه حتى لو أنها حذفت، فإن صورة يوع لم تكن لتتأثر على الأطلاق بل كانت ستظل كما هى تمامآ. فافتراض أنه حيث أن قائمة السفار القانونية كانت لا تزال مفتوحة فى القرن الرابع فهذا معناه أن لدينا الحق فى أستبدال الأناجيل الأربعة بأية أسفار أخرى، أو أن تلقى برسائل بولس بعيدآ، لهو أفتراض سخيف للغاية، أذ أنه ببساطة لا يتفق مع حقائق التاريخ.

فبدلآ من أن نرى الكنيسة القديمة وكأنها قد تورطت فى نوع من التغطية، ربما يمكننا أن نتساءل عن دوافع من يقومون بهذه الاّدعاءات فإنهم شديدو النتقاء والعجرفة فى كيفية تذكّرهم للماضى، بحيث أن الحقائق التاريخية تبدو لهم وكأنها أمور تافهة قد اعترضت طريق إحدى القصص الجيدة. وتمامآ كما قام ماركيون بحذف أجزاء من نسخته لإنجيل لوقا، فإن هؤلاء المنقحين التاريخيين قد عوجوا بيانات التاريخ وذكروا فقط تلك الأجزاء من القصة التى تدعم مزاعمهم.

قانونية أسفار العهد الجديد، لماذا لدينا 27 سفر؟

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان