أبحاث

أدب نجع حمادي: يسوع مفشي المعرفة الخفية – يسوع التاريخي

أدب نجع حمادي: يسوع مفشي المعرفة الخفية - يسوع التاريخي

أدب نجع حمادي: يسوع مفشي المعرفة الخفية – يسوع التاريخي

أدب نجع حمادي: يسوع مفشي المعرفة الخفية - يسوع التاريخي
أدب نجع حمادي: يسوع مفشي المعرفة الخفية – يسوع التاريخي

لقد أحدث اكتشاف مكتبة نجع حمادي عام 1945 تغييراً كاملاً في معرفتنا بالأدب الغنوصي[1]. علاوة على ذلك، وكما كتب يوهانس فان أورت، فإن هذا الاكتشاف أحدث إلى حد كبير تغييراً فيما نعرفه عن بداية المسيحية. الآن أصبح بإمكان العلماء قراءة ما كان يقوله الغنوصيون لأنفسهم حول رؤيتهم ليسوع وحول شكل المسيحية الخاصة بهم، دون الحاجة للاعتماد على شهادات محدودة ومثيرة للجدل حولهم من ممثلي “الأرثوذكسية” الناشئة، أي، المهرطقين مثل إرينيوس وتيرتوليان.

على الرغم من أن الغنوصيين أنفسهم أطلقوا على معظم كتاباتهم “أناجيل” وألفوها إلى حد ما لتكون مطابقة لأناجيل خصومهم في الكنيسة العظمى، إلا أن هذه الأناجيل غير سردية بصورة ملحوظة. فمعظمها منسجم إلى حد أبعد بكثير حتى من “ق” مع نمط “إنجيل الأقوال” الخالصة. وغرضهم من ذلك نقل المعرفة الخفية “الغنوصية” للمسيح المرفوع، وليس سرد حياة يسوع وموته ووضع تعاليمه بذلك السياق السردي[2].

بالنسبة للجزء الأكبر، ينظر الغنوصيون إلى الخلاص خارج التاريخ، لذلك يبحث المرء عبثاً عن الروايات السردية التي تتحدث عن حياة يسوع وآلامه وقيامته في أناجيلهم التي ما تزال على قيد الحياة. فهل يعني هذا الغياب للروايا السردية عن الآلام أن الغنوصيون يتجاهلون دائماً موت يسوع ويسقطون قيمته من أجل معتقدهم؟ هذا ما يتهمهم به قادة التيار الذي سيصبح التيار السائد، ألا وهم قادة المسيحية الأرثوذكسية. بالنسبة للأرثوذكس، تعد آلام يسوع مركز المسيحية.

فأناجيلهم روت ذلك على نحو كامل، وقد تم سرد نسخة أقصر من تلك الواردة في العقائد المتطورة في كل احتفال من احتفالات القربان المقدس. وقد أظهرت الدراسات البحثية مؤخراً بعض التنوع المهم داخل رؤية الغنوصيين لموت يسوع.

ففي حين أن معظم الوثائق الغنوصية تنكر بالفعل أي أهمية خلاصيّة تتعلق بموت يسوع، مفسرين ذلك على نحو غنوصي عندما لا يتجاهلونه كلياً أو يقللون من شأنه، إلا أن هناك القليل من الكتابات الغنوصية التي تنظر بإيجابية إلى الآلام. ربما جاء أبرزها في القرن الثاني او الثالث من خلال أوبوكريفا جيمس، حيث يقوم يسوع المرفوع بتعليم جيمس:

إذا كان الشيطان يضطهدك ويضايقك، وقمت بتنفيذ وصيته (وصية الآب)، أقول إنه سوف يحبك ويجعلك مساوياُ لي…. لذا ألن تتوقف عن محبة اللحم؟ والخوت من التعرض للمعاناة؟ ألست تعلم أنك ستتعرض لسوء المعاملة؟ وتتهم ظلماً وعدواناً وترمى في السجن، وتدان بصورة غير مشروعة، وتُصلب من دون مسوغ، وتدفن كما دفنت، على أيدي الشر؟ هل تجرؤ على الحفاظ على اللحم؟ الروح من أجلك هي الحائط المسور، بصدق أقول لك: لن يتم إنقاذ أحد حتى يؤمن بصلبي….

لذلك، قم بازدراء الموت وفكر في الحياة! تذكر صلبي وموتي، سوف تعيش. (4: 37-5: 35).

يربط هذا التعليم معاناة يسوع وموته بمعاناة أتباع الغنوصية وموتهم. ويؤكد على واقع آلام يسوع ويعتبره نمطاً للأتباع الذين تعرضوا للاضطهاد. فموت يسوع ليس تضحية للتكفير عن الخطيئة، لكنه نموذج يمثل كيف أن أحداً من خلال الشهادة يدمر الجسد ويحرر الروح.

إن ظهور هذه الرؤية الغنوصية الإيجابية للشهادة في كتاب سري موجه إلى يعقوب ليس من قبيل الصدفة. هذا هو يعقوب البار، أخو يسوع، حيث كان زعيماً في كنيسة القدس الأولى، وكان معروفاً في القرون اللاحقة بالشهيد الشهير (على الرغم من أن استشهاده ليس صريحاً في هذا الكتاب).

لقد درست إلين باجلز بعناية وجهات نظر شخصية لآلام يسوع في المسيحية الأرثوذكسية الناشئة وفي الغنوصية، وقد خلصت إلى أن وجهات النظر هذه هي بمثابة “نماذج للردود المسيحية على الاضطهاد”. وقد وافق المسيحيون الأرثوذكس على الشهادة وربطوها بالموت المنقذ ليسوع، لكن المسيحيين الغنوصيين تجاهلوا الشهادة وأنكروا كلاً من واقع موت يسوع وأهميته الافتدائية. إن تحليل باجلز منحص بالقرنين الثاني والثالث ويعني أن الفهم الأرثوذكسي لتقليد موت يسوع يظهر من جديد في القرن الثاني رداً على الغنوصية.

وبذلك يثار السؤال: هل يعكس هذا النقاش الأخير قلق المسيحية في القرن الأول من علاقة موت يسوع واضطهاد المسيحيين واستشهادهم؟ وتربط الكتابات الأولى للعهد الجديد، رسالة ثيسالونيانز الأولى، “محاكاتنا مع الرب” بالمعاناة (1: 6، 2: 14-16[مصداقيتها محل نزاع]، 3: 3-5).

أما “ق” فيربط بصورة أوثق بين الاثنين في كلام يسوع حول حمل الصليب واتباعه (لوقا 14: 27). ويؤكد إنجيل مرقص على الاتباع عن طريق الصليب (8: 34). في البداية، يربط بطرس معاناة المؤمن الصادقة بمعاناة يسوع المسيح، قائلاً” من أجل هذه [المعاناة] استدعيت، لأن يسوع المسيح عانى من أجلك أيضاً، تاركً لك مثالاً تحتذي به.” (2: 21).

يمكن إيراد الكثير من هذه الأمثلة، لكن قيل ما فيه الكفاية لإظهار أن المسيحيين في القرن الأول كانوا يربطون بصورة وثيقة بين موت يسوع وبين موت المسيحين تحت الاضطهاد، مؤكدين على أهمية (وضمنياً، حقيقة) كليهما. لا يوجد دليل واضح من العهد الجديد يظهر كيف كان المسيحيون الغنوصيون الأوائل ينظرون إلى الاستشهاد، فلم تظهر وجهة نظرهم حتى القرن الثاني.

فأي تحليل لهذا الموضوع في القرن الثاني والثالث لين يكون كاملاً دون تتبع أسلافه في كتابات مسيحية سابقة، حيث تمتاز هذه الأسلاف بأهمية خاصة إذا ما سعى أحد ما لاستخدام هذه القضية للإجابة عن سؤال أهم وأشمل فيما إذا كانت الغنوصية التي تطورت بصورة كاملة في القرن الثاني هي الوريثة الشرعية لفرق المسيحية في القرن الأول. ويصبح هذا السؤال دقيقاً عند تقييم إنجيل توما الذي سنناقشه الأن.

إنجيل توما

عن إنجيل توما الذي فُقد لفترة طويلة، وكان هيبوليتوس وأوريجانوس قد روياه تم اكتشافه من جديد في عام 1945 بين وثائق نجع حمادي. ويقول التذييل المكتوب باللغة القبطية: “إنجيل توما”، وهو يبدأ: “هذه هي الكلمات الخفيّة التي نطق بها يسوع الحي، ودوّنها يهوذا توما التوأم”. وتضم هذه الوثيقة 114 قولاً ليسوع وفقاً للتقسيم العلمي للحديث. وتأتي هذه الأقوال بأشكال متعددة: أمثال وغيرها من أقوال الحكمة، حكايات رمزية، أقوال نبوية، وحوارات مختصرة جداً.

ويتطابق عملياُ نحو ربع هذه الأقوال، عادة الأقوال القصيرة، مع أقوال واردة في الأناجيل السينوبتية. ويتشابه تقريباً نحو نصف الأقوال مع تلك الواردة في الأناجيل الكنسية، وما يتراوح بي ربع وثلث الأقوال هي أقوال غنوصية واضحة لكن بصورة لاهوتية مختلفة عن البقية، وكثيراً ما تنظم كلمات تثير الاهتمام هذه الأقوال.

فإنجيل توما لا يحتوي على عناوين مسيحانية، ولا مواد سردية، ولا يشير أي ذكر ضمن الأقوال الواردة فيه إلى أي عمل قام به يسوع ولا يشير إلى أي حادث في حياته. فهو مؤرخ بعد الـ 70 وقبل 140 تقريباً، الفترة التي حددها علماء الآثار للوثائق المكتوبة على ورق البردي، حيث يصعب التوصل إلى المزيد من الدقة خلال هذه الفترة، على الرغم من أن أغلبية المفسرين حددوا تاريخ كتابته في القرن الثاني، مدركين أن الكثير من تقاليده الشفهية تعود لفترة أقدم بكثير من تلك الفترة.

وحددت الأغلبية أن كتابته تمت في سوريا، حيث كانت تقاليد توما، المؤلف المتخيل لهذا الكتاب، قوية. كما يظهر العمل في القولي 12 أصلاً يهودياً مسيحياً عندما يتم مدح يعقوب أخي يسوع، ومن هناك ينتقل إلى ما هو أبعد: المسيحية اللايهودية (القول 53، التطهير الروحاني).

من بين الأناجيل غير المدرجة في القانون الكنسي، يعد إنجيل توما، على أكثر تقدير، بأنه الإنجيل الذي يدعي أنه يحتفظ بعدد كبير من أقوال يسوع الحقيقية. ويمكنك هنا ان تقرأ نصه الكامل: نص إنجيل توما الغنوصي المنحول بالغة العربية

الإنجيل بحسب توما

يعتمد البرهان على استقلالية ومن ثم قيمة تقاليد أقوال يسوع في إنجيل توما على ثلاثة عوامل رئيسية.

العامل الأول: وهو النوع الأدبي، بصفته مجموعة من الأقوال يمثل إنجيل توما النوع الأدبي الذي جُمعت فيه مواد يسوع الأولى ومن ثم انتقلت، كما هو الحال في “ق”، فلا يمكن العثور على مثل هذه المجموعات بعد عام 150م تقريباً، فقد تم استيعاب النوع الأدبي للأقوال في شكل حواري. لذا، فمن المحتمل أن تكون جذور إنجيل توما منبثقة عن مجموعة سابقة يعود تاريخها إلى القرن الأول.

العامل الثاني: هو ترتيب الأقوال، حيث أن الأقوال الواردة في إنجيل توما مستقلة عن الترتيب الوارد في الأناجيل السينوبتية. ويعود سبب ذلك إلى تركيبة كلماته المثيرة للاهتمام، فهي كلمات نمطية للتقليد الشفهي. وإلى بنيته غير السردية البتة، بالإضافة إلى عوامل أخرى.

وهذا الترتيب المختلف يجعل من غير المرجح أن يكون توما من الناحية الأدبية اعتمد على الأناجيل السينوبتية. وأحياناً يتوافق إنجيل توما وإنجيل لوق في الترتيب خلافاً لإنجيل مرقص، لكن هذا التوافق لا يعني أن توما استخدم إنجيل لوق، بل يمكن أن يفسر على أنه شكل مختلف لتقاليد “ق” المشتركة بين لوقا وتوما.

العامل الثالث: يقول تاريخ الجدال حول التقاليد أن إنجيل توما عادة ما يقدم أقوال يسوع بشكل يسبق ذاك الشكل الموجود في الأناجيل السينوبتية، فعلى سبيل المثال، قصص يسوع في إنجيل توما أقل مجازاً بكثير من تلك الموجودة في الأناجيل السينوبيتة، كما في القول 65/ قصة الأزواج الأشرار.

وإن الشكل الموجود في إنجيل توما أبسط وأقصر من تلك الأشكل الموجودة في الأناجيل السينوبتية (مرقص 12: 1-12 على نحو متساو)، كما أنها لا تشير إلى أشعيا (5: 1-2)، ولا يظهر أي أثر للمجازية. وهكذا، فإنه يمكن القول إن الشكل الوارد في إنجيل توما قد يكون أقرب إلى الشكل الأول للقصص التي طرحها يسوع.

إن معالجة أقوال يسوع في إنجيل توما محكومة بأهدافه اللاهوتية، التي يمكن وصفها بأنها “شبه غنوصية”، أو “جعلها غنوصية” أي على طريق الغنوصية (الأقوال 18، 29، 83-84). فحتى هذه اللحظة لا تتوفر الكوزمولوجيا (علم الكون)، ولا الميثولوجيا (علم الأساطير) الرسمية الخاصة بالغنوصية. ويظهر السياق السردي القصير لعدد قليل من الأقوال (22، 60، 100) أن إنجيل توما لا يحتوي على مشاهد ما بعد القيامة، كما هو الحال في جميع الأناجيل الغنوصية تقريباً.

فيسوع هو حصراً كاشف التعاليم الخفية الذي يجلب الخلاص عن طريق تعاليمه فقط. وكما تقول العبارة الأولى في إنجيل توما: “من يكتشف تأويل هذه الأقوال لين يذوق الموت”. إن العالم وجسم الإنسان أشرار تماماً وإلى الأبد (27، 56، 80، 111)، الأنوثة تتساوى مع السقوط: “فأن كل أنثى تجعل نفسها ذكراً تدخل ملكوت السموات” (114، قارن مع 22). إن المسيحانية متاحة فملكوت الله خارج الزمان والمكان، ولكن دائماً موجودة، ويدخلها الناس عن طريق معرفة الذات (3، 49، 50، 113).

التلمذة فردية، وليست مسألة مجتمع، فكلمة “أنت” في إنجيل توما دائماً تأتي بصيغة المفرد، في حين أنها تأتي دائماً بصيغة الجمع في الأناجيل السينوبتية. فالفرد يجب أن يطوف هذه الحياة رافضاً جميع أشكال التملك، والجنس، والأسرة، والأعمال الدينية الرسمية مثل الصوم والصلاة والتضحية والتطهير والختان (6، 14، 42، 53، 55، 60، 89، 99، 101، 104).

ماذا يقدم إنجيل توما لدراسة يسوع التاريخي؟ من الواضح أنه لا يقدم أي سرد عن حياة أو موت أو قيامة يسوع التاريخي. ومع ذلك، تلتقي المجموعة الغنية من الأقوال الواردة في إنجيل توما، حيث تعود أكثر تلك الأقوال إلى مراحل مبكرة من تقاليد يسوع، تلقي بالضوء على مقاطع مشابهة في الأناجيل السينوبتية. ويرى العديد من العلماء تياراً مستقلاً من التقاليد في هذه الأقوال، وهذه هي القيمة الأساسية في إنجيل توما فيما يتعلق بدراسة يسوع.

لكن يجب تحليل هذ الأقوال كل قول على حدة، ومن الصعب أن تصدر حكماً عامً على قيمة تلك الأقوال. كما يجب الأخذ بعين الاعتبار بُعدها عن يسوع لاهوتياً وزمنياً. ومن الواضح وجوب إسقاط الأقوال التي تعكس إي اتجاه غنوصي واضح من الاعتبار، وما يتبقى هو ذو قيمة ممكنة لفهم تعاليم يسوع، ولفهم الأقوال الفردية والمعنى العام.

على سبيل المثال، قد يشير عدم وجود ألقاب مسيحانية في إنجيل توما إلى أن يسوع لم يطالب بتلك الألقاب لنفسه. أيضاًن لو قمنا بتصفية الروحانية الغنوصية من تعاليم يسوع لتلاميذه، سيكون لدينا المزيد من الأدلة على الجذابين المتجولين المتطرفين الذين، مع آخرين، بشروا بالرسالة الأولى حول يسوع. قد يكون الموقت الاجتماعي المتطرف لبعض فرق المسيحية الأولى وجد موطناً جديداً في المسيحية الغنوصية في القرن الثاني.

[1] إن أجزاء من هذا القسم ومن الأقسام أدناه حول إنجيل بطرس والأدب اليهودي المسيحي مأخوذة من مقالة المؤلف: “أوصاف لموت يسوع التاريخي من خارج إطار القانون الكنسي” في موت يسوع التاريخي في المسيحية المبكرة، تحرير جون كارول وجويل ب غرين (بيبودي، ماساتشوستس: هندريكسون، 1995) 148-161.

[2] عندما نسب الغنوصيون تعاليمهم إلى يسوع، كان يسوع التاريخي المتأله هو الذي تفوه بتلك التعاليم. وحتى الأقوال التي تشهد تقاليد أخرى بأنها تعود ليسوع الدنيوي. فيما أصبح يعرف بالمسيحية الأرثوذكسية، ترد معظم تعاليم يسوع على أنها مستمدة من فترة دعوته العامة، قبل موته وقيامته. وتقول بعض الأبحاث الحديثة بأن الأعراف التي تجمعت في الأناجيل الكنسية تميل إلى إرجاع أشكال معينة لكلام السيد المسيح الألوهي والتي جاءت عن طريق الأنبياء إلى حياة يسوع الدنيوية، الأمر الذي يتعارض مع الغنوصية.

أدب نجع حمادي: يسوع مفشي المعرفة الخفية – يسوع التاريخي