أبحاث

أبعاد الأخلاقيات الثلاثة – سي إس لويس

أبعاد الأخلاقيات الثلاثة – سي إس لويس

أبعاد الأخلاقيات الثلاثة – سي إس لويس

أبعاد الأخلاقيات الثلاثة – سي إس لويس
أبعاد الأخلاقيات الثلاثة – سي إس لويس

أبعاد الأخلاقيات الثلاثة – سي إس لويس

تُحكى قصة عن تلميذ صغير سُئل عن فكرته بشأن الله. فأجاب بأن الله، حسبما يستطيع أن يُخمنه، “يشبه شخصاً يجول متطفلاً ليرى أن كان أي شخص يتمتع بالسرور فيُحاول أن يُوقفه عن ذلك”. وأخشى ان يكون ذلك شبيهاً بالفكرة التي تُثيرها كلمة “الأخلاق” في أذهان عدد كبير من الناس: شيء ما يتدخل في شؤونك، شيء يكفُّك عن التمتع والابتهاج. وفي الواقع أن القواعد الأخلاقية هي تعليمات تتناول تشغيل المكنة البشرية.

فكل قاعدة خلقية إنما كانت لمنع حصول عطل أو إجهاد أو احتكال في تشغيل تلك المكنة. ولذلك تبدو هذه القواعد أول وهلة متدخلة دائماً في ميولنا الطبيعية. فحين تُعلم كيف تستعمل أي مكنة، يظل الموجّه يقول: “لا، لا تقم بالأمر بهذه الطريقة”، لأن هناك بالطبع أموراً شتى تظهر صحيحة وتبدو لك على أنها الطريقة الطبيعية لمعاملة المكنة، غير أنها لا تنفع فعلاً.

يؤثر بعضهم الحديث عن “مُثل عُليا” أخلاقية، بدلاً من القواعد الخُلقية، وعن “مثالية” خُلقية بدلاً من الطاعة الخُلقية. فالآن، صحيح تماماً بالطبع أن الكمال الخلقي “مثال أعلى” (أو “مثالي”) بمعنى أننا عاجزون عن بلوغه. وبهذا المعنى، يكون كل نوع من الكمال مثالاً أعلى بالنسبة إلينا نحن البشر. فلا يمكننا مثلاً أن ننجح في أن نكون سُواق سيارات كاملين، أو لاعبي تنس كاملين، أو راسمي خطوط مستقيمة استقامة كاملة باليد المجردة. ولكن هناك معنى آخر فيه يكون أمراً مضللاً للغاية أن ندعو الكمال الخُلقي مثلاً أعلى.

فعندما يقول رجل ما إن امرأة، أو بيتاً أو سفينة أو حديقة معينة، هي “مثالية” في نظره، فهو لا يعني أن كل امرئ سواه ينبغي أن يكون له هذا المثال الأعلى بعينه (إلا إذا كان مغفلاً بالحقيقة). ففي شؤون كهذه، يحق لنا أن نحوز أذواقاً مختلفة، وتالياً: مثلاً عليا مختلفة. ولكنه أمرُ خطر أن نصف شخصاً يبذل أقصى جهد لالتزام القانون الأخلاقي بأنه “صاحب مُثل عليا”، لأن ذلك قد يحملك على حسبان الكمال الخلقي ذوقاً خاصاً لديه، والظن بأنن نحن الآخرين لسنا مدعوين للمشاركة في ذلك. فمن شأن هذه أن تكون غلطة كارثية.

وربما كان السلوك الكامل مُتعذر البلوغ مثل تغيير السرعات بطريقة كاملة في أثناء قيادة السيّارة. غير أن ذلك السلوك مثال أعلى ضروري تُمليه على جميع البشر طبيعة المَكنة البشرية ذاتها، تماماً كما أن تغيير السرعات المثالي مثال أعلى تمليه على جميع السُواق طبيعة السيارات ذاتها. وسيكون أخطر بعد أن يحسب المرء نفسه “صاحب مُثل عليا” لأنه يحاول ألا يكذب أبداً (بدلاً من مجرد الكذب قليلاً جداً) أو ألا يرتكب الزنى البتة (بدلاً من ارتكابه نادراً فقط)، أو ألا يكون مُستأسداً أو متنمراً قطعاً (بدلاً من كونه مجرد مُستأسد أو مُتنمر معتدل).

فقد يُفضي بك ذلك لأن تكون متزمتاً وتعتقد أنك بالحري شخص مميز يستحق أن يُهنأ على “مثاليته”. وبالحقيقة أنك قد تتوقع أيضاً أن تُهناً لأنك حين تقوم بعملية جمع حسابية تحاول أن تحصل على المجموع الصحيح تماماً. يقيناً أن الحساب الصحيح “مثال أعلى” ومثالي، غير أنك سترتكب حتماً بعض الأغلاط في بعض العمليات الحسابية. ولكن ليس من أمر رائع جداً في محاولتك أن تكون دقيقاً للغاية في كل خطوة من خُطوات كل عملية حسابية. سيكون من الغباوة ألا تحاول ذلك، لأن كل غلطة ستكلفك عناء فيما بعد.

على هذا المنوال، لا بد أن يُلحِق كل إخفاق أخلاقي الضرر، ربما بالآخرين، إنما حتماً بك أنت. فبالتكلم عن القوانين والطاعة، بدلاً من “المثل العليا” و “المثالية”، نُساعد على تذكير أنفسنا بهذه الحقائق.

والآن، لِنخط خطوة أخرى بعد. ثمة طريقتان تتعطل بهما المكنة البشرية. إحداهما عندما يتباعد الأفراد البشريون بعضهم عن بعض، أو يتصادمون بعضهم ببعض، فيؤذي أحدهم الآخر بالخداع والإستئساد. والطريقة الأخرى عندما تفسد الأمور داخل الفرد نفسه: عندما يحدث أن مختلف أجزائه) مختلف قدراته ورغباته ونحوها) إما تنحرف وتتباعد، وإما تتداخل بعضها في بعض.

ويمكنك أن تحصل على فكرة واضحة عن هذا الأمر إذا فكرت فينا نحن البشر كما لو كنا أسطول سُفن في تشكيل متناسق، فإن الرحلة لن تُحرز النجاح إلا إذا لم تتصادم السفن أولاً ولم تعترض بعضها في طريق بعض؛ وثانياً إذا كانت كل سفينة صالحة للإبحار ومحركاتها في حال جيدة. وفي الحقيقة أنك لا تستطيع أن تحوز أياً من هذين الأمرين دون الآخر.

فإذا طلت السفن تتصادم فلن تظل صالحة للإبحار طويلاً. ومن الناحية الأخرى، إذا كانت أجهزة التوجيه في السفن خربة، فإنها لن تتمكن من تجنب الاصطدام. أو إذا شئت ففكر في البشرية كما لو كانت فرقة موسيقية تعزف لحناً. فلكي تحصل على نتيجة جيدة، تحتاج إلى أمرين: ينبغي أن تكون آلة كل عازف في حالة جيدة، كما ينبغي أن يُباشر كل عازف عزفه في اللحظة المؤاتية بحيث يتآلف مع سائر النغمات.

إلا أن ثمة أمراً لم نأخذه في حسباننا. فنحن لم نسأل إلى أين يحاول الأسطول أن يصل، ولا أية مقطوعة موسيقية تحاول الفرقة أن تعزف. فقد تكون الآلات كلها مُدوزنة، وقد تُعزف كل واحدة منها في اللحظة الصحيحة، ومع ذلك لا يُحرز الأداء نجاحاً إذا شغلت الآلات لإصدار لحن رقص، غير أنها لم تعزف إلا نشيد الموت. ثم مهما كان إبحار الأسطول حسناً، فإن رحلته ستُمنى بالفشل إذا كان مقرراً أن يصل إلى نيويورك ولكنه وصل إلى كالكتا.

  يبدو إذاً أنا المفهوم الخلقي معني بثلاثة أمور. أولاً، بحُسن التعامل والتناغم بين الأفراد. وثانياً، بما يمكن أن ندعوه ترتيب الأمور وإقامة التناغُم بينها داخل كل فرد. وثالثاً، بالغاية العامة للحياة الإنسانية ككل: ما صُنع الإنسان لأجله، في أي خط ينبغي أن يسير الأسطول كله، أي لحن يريد قائد الفرقة أن تعزفه الفرقة.

ولعلك لاحظت أن أهل عصرنا يكادون دائماً يفكرون في اول هذه الأمور، وينسون الباقيين. فعندما يقول الناس في الصحف إننا نكافح لأجل معاير خُلقية مسيحية، يعنون عادة أننا نكافح في سبيل المودة والإنصاف بين الأمم والطبقات والأفراد، أي أنهم يفكرون فقط في الأمر الأول. وعندما يقول إنسان عن شيء يريد أن يفعله: “لا يمكن أن يكون خطأ لأنه لا يسبب الأذى لأي شخص آخر”، فهو إنما يفكر في الأمر الأول فقط. إنه يفكر بأن حالة سفينته من الداخل لا تهم ما دام لا يصطدم بالسفينة الأخرى.

ومن الطبيعي تماماً، عندما نباشر التفكير في الأخلاقيات، أن نبدأ بالأمر الأول، أي بالعلائق الاجتماعية. وذلك لسبب وجيه: أن عواقب سوء الأخلاق في هذه الدائرة بديهية جداً وتشد الخناق كل يوم، من حرب وفقر وابتزاز وكذب وأعمال دنيئة. كما أنه، ما دمنا متوقفين عند الأمر الأول، لا يحصل إلا خلاف ضئيل جداً حول المفهوم الخُلقي. فجميع الناس تقريباً في كل زمان اتفقوا نظرياً على أن البشر يجب أن يكونوا مستقيمين لطفاء ومُعاونين بعضهم لبعض.

ولكن رغم كون البدء بذلك كله أمراً طبيعياً، فلو توقف تفكيرنا في الأخلاقيات عند هذا الحد فلربما يمكنك أن تجعل الناس صالحين بالقانون، وبغير ناس صالحين لا يمكنك أن تحصل على مجتمع صالح. ولهذا السبب ينبغي أن نتقدم للتفكير في الأمر الثاني، أي المفهوم الأخلاقي داخل الفرد.

ولكنني لا أعتقد أن في وسعنا التوقف هناك أيضاً. فها نحن الآن على وشك الوصول إلى النقطة التي فيها تؤدي المعتقدات المختلفة بشأن الكون إلى سلوك مختلف. ولا بد أن يبدو، أول وهلة، أن من المنطقي جداً أن نتوقف قبل بلوغ تلك النقطة ونكتفي بأن نستمر في مراعاة عناصر الأخلاقيات التي يتفق عليه ذوو العقول جميعاً. ولكن هل نستطيع ذلك؟ تذكر أن الدين يشتمل على سلسلة من التصريحات بشأن الحقائق، يجب أن تكون هذه التصريحات إما صحيحة وإما باطلة.

فإذا كانت صحيحة، فستترتب عليها مجموعة من الاستنتاجات بشأن إبحار الأسطول البشري إبحاراً صحيحاً؛ وإذا كانت باطلة، تترتب عليها مجموعة أخرى مختلف تماماً. لنرجع مثلاً إلى ذلك الإنسان الذي يقول إن أمراً من الأمور لا يمكن أن غلطاً إلا إذا آذى كائناً بشرياً آخر. فذلك الإنسان يعي تماماً أن عليه ألا يُعطل السُفن الأخرى في الموكب، غير أنه يعقد صادقاً أن ما يفعله بسفينته الخاصة هو شأنه الشخصي فحسب.

لكن إلا ينجم فرق كبير عن كون سفينته ملكاً خاصاً له أو عدم كونها كذلك؟ ألا يحدث فرق كبير من كوني، إذا جاز التعبير، مالك عقلي وجسمي أو كوني مجرد وكيل مسؤول عنهما أمام الملك الحقيقي؟ إذا كان شخص آخر قد صنعني، لأجل مقاصده الخاصة، فسيكون لدي كثير من الواجبات التي ما كانت لتكون لدي لو كنت ملك نفسه فحسب.

ثم أن المسيحية تؤكد أن كل كائن بشري فرد سوف يحيا إلى الأبد، ولابد أن يكون هذا إما صحيحاً وإما زائفاً. فالآن، هناك مقدر كبير جداً من الأمور لا يكون مستحقاً القلق بشأنه لو كنتُ سأعيش سبعين سنة فقط، ولكن سيكون أفضل لي أن أُعنى عناية جدية إذا كنت سأعيش إلى الأبد. فربما يكون سوء طبعي أو غيرتي آخذين في التحول نحو الأردأ بصورة تدريجية، بحيث لن تكون زيادة الرداءة ممكنة الملاحظة كثيراً. ولكن الحال ستغدو جحيماً مطلقاً في غضون مليون سنة.

وبالحقيقة أن جهنم، إذا صدقت المسيحية، هي اللفظة التقنية الدقيقة التي تصف تلك الحالة الرهيبة. ثم أن الخلود يُحدث هذا الفرق الآخر الذي له، بالمناسبة، ارتباط بالفرق بين الاستبداد والديمقراطية: إذا كان الأفراد يعيشون فقط سبعين سنة، فإن دولة أو أمة أو حضارة، وهي قد تعيش ألف سنة، تكون أهم من أي فرد. ولكن صدقت المسيحية، فلا يكون الفرد أكثر أهمية فقط بل يكون أكثر أهمية بما لا يقارن، لأنه باق إلى الأبد، وما حياة الدولة أو الحضارة سوى لحظة واحدة إذا قورنت بالأبدية.

يبدو إذاً أنه إذا كان لنا أن نفكر في الخلود فينبغي أن نفكر في المجالات الثلاثة كلها: العلائق بين الإنسان والإنسان؛ الأحوال في داخل كل إنسان؛ العلائق بين الإنسان والقدرة التي خلقته. وفي وسعنا جميعاً أن نتفاعل ونتعاون معاً في المجال الأول. إنما تبدأ التعارضات في المجال الثاني، ثم تصير أدهى وأخطر في الثالث. وفيما يتعلق بالمجال الثالث، تبرز الفوارق الرئيسية بين الأخلاقيات المسيحية والأخلاقيات غير المسيحية. ففيما تبقى من هذا الكتاب، سأعتمد وجهة النظر المسيحية وأنظر إلى الصورة بكاملها كما تكون عليه إن صدقت المسيحية.

أبعاد الأخلاقيات الثلاثة – سي إس لويس