أبحاث

الأخلاق الاجتماعية – سي إس لويس

الأخلاق الاجتماعية – سي إس لويس

الأخلاق الاجتماعية – سي إس لويس

 

الأخلاق الاجتماعية – سي إس لويس
الأخلاق الاجتماعية – سي إس لويس

الأخلاق الاجتماعية – سي إس لويس

إن أول أمر ينبغي توضيحه بشأن الأخلاقيات المسيحية بين الإنسان والإنسان هو أن المسيح لم يأت كي يعظ في هذا الإطار بأية أخلاقيات جديدة كلياً. فالقاعدة الذهبية في كتاب العهد الجديد (أن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك هم). إنما هي خلاصة لما كان دائمً معروفاً في الجوهر لدى كل إنسان بأنه صواب. ومعلمو الأخلاق الكبار حقاً لا يأتون أبداً بأخلاقيات جديدة، بل الأدعياء والمهووسون هم من يفعلون ذلك. فكما قال الدكتور صمويل جونس أن “الناس يحتاجون لأن نُذكرهم غالباً أكثر مما يحتاجون لأن نعلمهم”.

فالمهمة الفعلية لدى كل معلم أخلاقي هي أن يظل يُرجعنا، مراراً وتكراراً، إلى المبادئ البسيطة القديمة التي نحن جميعاً غير متشوقين كثيراً لاستيعابها، كأن تُصر على إرجاع حصان مرة إلى السياج الذي رفض أن يقفز فوقه، أو إرجاع ولد مرة بعد مرة بعد مرة إلى جزء الدرس الذي يريد التهرب منه.

والأمر الثاني الذي ينبغي توضيحه هو أن المسيحية ليس لديها، ولا تزعم أن لديها، برنامجاً إجرائياً مفصلاً لتطبيق المبدأ القائل “عامل كما تحب أن تُعامل” في مجتمع معين وفي زمن محدد. وطبيعي ألا يكون لديها ذلك. فهي موجهة إلى جميع البشر في جميع الأزمنة، والبرنامج المحدد الذي يُناسب مكاناُ أو زماناً واحداً لن يُناسب غيرهما. ومهما يكُن من أمر، فليس هكذا تؤدي المسيحية عملها. فعندما تُوصيك بإطعام الجوعان، لا تُلقنك دروساً في فن الطبخ.

وعندما تطلب إليك أن تقرً الكتاب المقدس، لا تلقنك دروساً في اللغتين العبرانية واليونانية، ولا حتى في قواعد لغتك. فلم يُقصد لها قط أن تحل محل الفنون والعلوم البشرية المعهودة ولا أن تُلغيها، بل هي بالأحرى مُوجّه يضع كل هذه العلوم والفنون في نصابها كي تؤدي عملها الصحيح، ومصدر طاقة يبث فيها جميعاً حياة جديدة، لو أنها فقط تضع نفسها تحت تصرف هذا الموجّه أو مصدر الطاقة هذا.

يقول بعضٌ: “ينبغي للكنيسة أن تمدنا بالقيادة”. فذلك صحيح إذا كانوا يقصدون بمعناه الصحيح، ولكنه باطل إذا قصدوه بمعناه الخطأ. فبقولهم “الكنيسة” ينبغي أن يَعنوا كامل مجموع المسيحيين الملتزمين. وعندما يقولون إن على الكنيسة أن تمدنا بالقيادة، ينبغي أن يَعنوا أن بعض المسيحيين (أولئك الذين يظهر أنهم حائزون للمواهب المطلوبة) لا بد أن يكونوا علماء اقتصاد ورجال دولة، وأن جميع علماء الاقتصاد ورجال الدولة لا بد أن تنصب على وضع مبدأ معاملة الغير كما يحبون أن يعاملوا في حيز التنفيذ.

فإذا حصل ذلك، وإذا كنا نحن الآخرين مستعدين لتقبله فعلاً، فعندئذ لا بد أن تجد الحل المسيحي لمشكلتنا الاجتماعية على نحو سريع إلى حد ما. لكن بالطبع حين يلتمس معظم الناس قيادة الكنيسة، يعنون أنهم يريدون من رجال الدين تقديم برنامج سياسي وتنفيذه. إلا أن هذا عقيم. فرجال الدين داخل الكنيسة كلها هم أولئك القوم الذين تدربوا خصوصاً وفُرزوا للاعتناء بما يخصنا من حيث كوننا خلائق سوف يحيون إلى الأبد، ونحن نطلب منهم القيام بعمل مختلف تماماً لم يُدربوا عليه. فهذا العمل بالحقيقة يقع على عواتقنا نحن العلمانيين.

إذ إن تطبيق المبادئ المسيحية في نطاق النقابات العمالية، أو التربية والتعليم، يجب أن يحصل من قبل النقابيين والمعلمين المسيحيين حقاً؛ تماماً كما أن الأدب المسيحي ينهض به الروائيون والمسرحيون المسيحيون المؤمنون، لا هيئة الأساقفة حيث يجتمعون معاً ويحاولون كتابة الروايات والمسرحيات في أوقات فراغهم.

غير أن كتاب العهد الجديد، دون الدخول في التفاصيل، يزوّدنا بتلميحات واضحة جداً عن صورة المجتمع المسيح، بكل ما في الكلمة من معنى. ولربما قدم لنا أكثر مما نقدر أن نأخذه. فهو يقول لنا إنه لا ينبغي أن يوجد متبطّلون أو طفيليّون: فغير الراغب في أن يشتغل، عليه ألا يأكل. على كل إنسان ان يعمل بيديه، وما هو أكثر من هذا أنه ينبغي من هذا أن يُنتج عمل كل إنسان خيراً ما، وهكذا لا تُصنع وسائك الترف التافهة، ثمُ لا تُنشر الإعلانات الأتفه لإقناعنا بشرائها. ولا ينبغي أن يوجد أي “استعلاء” أو “انحياز”، ولا تبجُّح.

إلى هذا الحد، سيكون المجتمع المسيحي ما ندعوه اليوم “يسارياً”. ومن الناحية الأخرى، لا بد أن يُصر ذلك المجتمع دائماً على الطاعة: الطاعة (مع إبداء الاحترام) من قِبلنا جميعاً للحكام المعيّنين دائماً على الطاعة: الطاعة (مع إبداء الاحترام) من قبلنا جميعاً للحكام المُعينين حسناً، ومن قِبَل الأولاد لوالديهم، ومن قِبَل الزوجات لأزواجهن (أخشى أن يكون هذا الأمر الأخير غي محبّب كثيراً). ثم إن ذلك المجتمع ينبغي أيضاً أن يكون بهيجاً، يعمُّه الفرح والمرح والغناء. حيث يُعدّ القلق والهم أمرين غير سويّين. كما أن الكياسة أو اللطف فضيلة من الفضائل المسيحية، وكتاب العهد الجديد يمقت من يُسمّيهم “فضولين” أي متطفلين.

ولو كان مثل هذا المجتمع موجوداً، وزرناه أنا أو أنت، لكنا كما أعتقد نخرج منه بانطباع غريب. فلا بد أن نشعر بأن حالته الاقتصادية اشتراكية للغاية، و”متقدمة” من هذا القبيل، ولكن حياته العائلية ونظام سلوكياته أكثر ميلاً إلى الطراز العتيق، بل ربما كانا أيضاً رسميين وارستوقراطيّين. ومن شأن كل منها أن تستهويه أجزاء من ذلك المجتمع، إلا أنني أخشى ألا يستهوي بكامله سوى قلة ضئيلة منّا. ذلك هو بالتمام ما يغلب أن يتوقعه المرء لو كانت المسيحية هي مُجمل برنامج المكنة البشرية.

ونحن جميعاً قد نأينا عن ذلك البرنامج الشامل بطرائق شتّى، وكل منّا يريد أن يبين أن تعديله للبرنامج الأصلي هو البرنامج نفسه. ولسوف تجد هذا تكراراً فيما يتعلق بأي شيء مسيحي حقاً: فكل امرئ تجذبه أجزاءٌ منه، ويريد أن ينتقي تلك الأجزاء دون سواها. لذلك السبب لا نتقدم إلى الأمام كثيراً؛ ولذلك السبب يستطيع أولئك الذين يتقاتلون في سبيل أمور متعارضة تماماً أن يقولوا جميعاً أنهم يتقاتلون في سبيل المسيحية.

والآن أتناول نقطة أخرى. هناك نصيحة يُقدمها إلينا اليونانيون الوثنيون القدامى، وكتبة أسفار العهد القديم، والمعلّمون المسيحيون الكبار الذين عاشوا في العصور الوسطى، وقد خالفها كلياً النظام الاقتصادي الحديث. فهؤلاء القوم كلهم يُوصوننا بعدم إقراض المال بفائدة، ولكن اقراض المال بفائدة (ما ندعوه الاستثمار) هو أساس نظامنا الاقتصادي بجملته. فالآن، ربما لا يلزم منطقياً على الإطلاق أن نكون على خطأ.

ويقول بعضُهم إنه لما اتفق موسى وأرسطو والمسيحيون على حظر الفائدة (أو “الربا” حسب تسميتهم) لم يتمكنوا من استشراف شركات الرساميل المشتركة، وكانوا فقط يفكرون في المُداين الفرد، ومن ثم لا ينبغي أن يُقلقنا ما قالوه. فهذه مسألة لا يمكنني البت بها؛ فلست عالم اقتصاد، ولا أدري فعلاً هل نظام الاستثمار مسؤول حقاً عن الحالة التي نحن فيها. ها هنا نحتاج إلى عالم الاقتصاد المسيحي المؤمن. ولكنني لا أكون صادقاً إن كنت لا أقول لك إن تلك الحضارات العظيمة الثلاث قد اتفقت (أو هكذا يبدو أول وهلة) على إدانة ذلك الأمر عينه الذي عليه أسّسنا حياتنا بكاملها.

نقطة أخيرة بعدُ وأنتهي. مثلما يقول كتاب العهد الجديد إن على كل إنسان أن يشتغل، يذكر سبباً وجيهاً لوجوب العمل: “ليكون له أن يُعطي من له احتياج” (أفسس 4: 28). فالإحسان (أو العطاء للفقراء) جزءٌ جوهري من الأخلاقيات المسيحية. وفي المثل المروّع عن الخراف والجداء، يبدو أن الإحسان هو النقطة التي يدور حولها كل شيء. إنما يقول بعضُهم اليوم إن الإحسان ينبغي أن يكون غير ضروري، وإنه بدلاً من العطاء للفقراء ينبغي لنا أن نعمل على إنتاج مجتمع ليس فيه فقراء حتى نعطيهم فلعلهم مُصيبون تماماً في قولهم إن علينا إنتاج مجتمع كهذا.

ولكن إذا حسب امرؤ أنه بناء على ذلك يمكنك أن تكف عن العطاء في الوقت الراهن، فيكون قد تخلص من كل التزام للأخلاق المسيحية. ولا أعتقد أن في وسع أحد أن يحدد نهائياً كم ينبغي أن نُعطي. إنما أخشى أن تكون القاعدة السليمة الوحيدة هي أن نعطي أكثر مما يمكننا أن نوفر. بعبارة أخرى: إذا كان إنفاقنا على الكماليات وأسباب الرفاهية والترفيه إلخ، يرقى إلى المستوى المشترك بين ذوي الدخل المماثل لدخلنا، فلعلنا نُعطي القليل القليل. وإن كانت حسناتنا لا تقرصنا ولا تؤلمنا ولا تُعوّقنا أبداً: فينبغي لي أن أقول إنها ضئيلة جداً.

فكان يجب أن يكون هناك أمور نود أن نعملها ولا نستطيع لأن انفاقنا على الإحسان يستبعدها. أتكلم الآن عن “الحسنات” أو “الصدقات” بالطريقة العامة. غير أن حالات العسر الخاصة بين أقربائك أو أصدقائك أو جيرانك أو موظفيك، تلك التي يلفت الله انتباهك إليها قسراً، إن صح التعبير، قد تتطلب منك أكثر بكثير، ولو إلى حد تضييق الخناق عليك وتعريض وضعك المالي للخطر.

وبالنسبة إلى كثيرين منا، لا تكمن العقبة الكأداء أمام الإحسان في عيشتنا المرفّهة، ولا في اشتهائنا لمزيد من المال، بل في خوفنا، خوفنا من عدم الأمان. فيجب أن نرى هذا غالباُ باعتباره تجربة أو غواية. وكذلك تُعيق كبرياؤنا أيضاً إحساننا أحياناً، إذ تُغوينا تجربة الإنفاق أكثر مما ينبغي على أشكال السخاء المبهرجة (الإكراميات وكرم الضيافة)، وأقل مما ينبغي على أولئك المحتاجين إلى إعانتنا حقاً.

والآن قبل الختام، سأستجرئ على تصور تخمين لكيفية تأثير هذا الجزء في أي شخص ممن قرأوه. فتخميني أن بينهم بعض اليساريين الذي استاؤوا جداً لأنه لم يسترسل كثيراً في ذلك الاتجاه، وبعضاً من صنف معاكس استاؤوا لأنهم حسبوا أنه استرسل أكثر مما ينبغي بكثير. فإن كانت الحال على هذا المنوال، يصل بنا ذلك تواً إلى العقبة الخفية في كامل هذه العملية المعنية برسم تصاميم لمجتمع مسيحي صالح: أن معظمنا لا يتعاملون مع الموضوع بالحقيقة كي يتبينوا ما تقوله المسيحية، بل يتعاملون معه على أمل أن يتلقوا من المسيحية دعماً لآراء الفئة التي ينتمون إليها.

فنحن نبحث عن حليف حيث يُقدم إلينا إما سيّد وإما …. قاض. ومَثَلي مثلكم في ذلك. ففي هذا الجزء نواح أردت أن أسكت عنها. ولذلك السبب لن ينتج من مثل هذا الأحاديث أي شيء، إلا إذا سلكنا طريقاً دائرياً أطول بكثير. فالمجتمع المسيحي الصالح لن يصل ورحاله إلى أن يرغب فيه معظمنا حقاً؛ ونحن لن نرغب فيه قبل أن نصير مسيحيين بكل معنى الكلمة.

ولربما كررت “عامل كما تحب أن تُعامل” حتى يسود وجهي. غير أنني لا أستطيع حقاً أن أعمل بهذا المبدأ ما لم أحب قريبي كنفسي. ولا أقدر أن أتعلم محبة قريبي كنفسي ما أتعلم محبة الله. ولا أقدر أن أتعلم محبة الله إلا بتعلمي إطاعته. وهكذا، كما سبق أن ببهتُ فإننا نُدفع نحو أمر داخلي على نحو أعمق، إذ نُدفع من الشؤون الاجتماعية إلى الشؤون الدينية. فإن أطور طريق دائري هو أقصر طريق إلى المقصد.

الأخلاق الاجتماعية – سي إس لويس