الانتماء للوطن والآباء د. سعيد حكيم يعقوب

الانتماء للوطن والآباء د. سعيد حكيم يعقوب

الانتماء للوطن والآباء د. سعيد حكيم يعقوب
الانتماء للوطن والآباء د. سعيد حكيم يعقوب

الانتماء للوطن والآباء د. سعيد حكيم يعقوب

دور القبطية في إحياء الضمير القومي:

إن المُتابع للأحداث الكنسيّة والسياسية في القرنين الرابع والخامس بصفة خاصة، يستطيع أن يدرك مدى الحس الوطني الذي كان يتمتع به آباء في تلك الفترة. والحقيقة أن القبطية قد لعبت دورًا أساسيًا في إعادة إحياء الضمير القومي و الانتماء وتحديد الهوية الوطنية والتأكيد عليها في ظروف قاسية جدًا اتسمت بالاضطرابات والقلاقل والاضطهادات الكثيرة والمتنوعة على المستوى العقيدي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي على حد سواء. إلاّ أن الاضطهاد العقيدي بطبيعة الحال كان هو الأكثر قسوة ووحشية من أى اضطهاد آخر، والذي وصل إلى قمته في عصر دقلديانوس، إذ أنه قد تجاوز كل الحدود من عذابات، وقتل، ونفي وهدم للكنائس، وحرق للكتب المقدسة ومصادرة الممتلكات، الأمر الذي ترك في نفوس المسيحيين، فى الإمبراطورية الرومانية بصفة عامة والمصريين منهم بشكل خاص، جروحًا عميقة امتد أثرها لقرون طويلة. وبسبب ضراوة ووحشية الاضطهادات التي تعرضت لها في القرون الأولى فقد جعلت القبطية يوم 29 أغسطس سنة 284، بداية لتقويمها السنوي، وهو التاريخ الذي تولى فيه دقلديانوس مقاليد الحكم واعتلى العرش الإمبراطوري[1]، تكريمًا منها لدماء شهدائها واعترافًا لهذه الدماء في حفظ الإيمان. هذه المصاعب الكثيرة التي لاقاها المصريون على كل الأصعدة، خلقت نوعًا من ردود الأفعال الغاضبة على المستوى العام، رغبة منهم في التغيير الذي ترجوه طويلاً. في ظل هذا المناخ المتردي برز دور كمعبرة عن هذه الإرادة الشعبية التي كانت تتوق إلى رؤية قيادة وطنية تحمل همومها وترعى طموحاتها وتطلعاتها. والواقع أن هذه الرغبة في التغيير لم تكن رغبة وقتية تهدف إلى رفع المظالم الاجتماعية أو التخلص من الاضطهادات المتكررة، بل هى ذاكرة الأمة التي حفظت كل هذه الأحداث الكثيرة والأليمة منذ بداية الاحتلال الروماني لمصر وحتى قيام بشكل محسوس بدورها في التأكيد على هوية هذا الوطن، وأن هذا الوطن هو لأبنائه وليس للمحتل.

 

ويؤكد الباحثون على أن فترة الاضطهاد هذه قد قوّت إلى حد يعيد الروح الوطنية المصرية[2]. فمازال الضمير القومي يحمل في أعماقه بصمات التمييز العنصري التي رسّخها هذا الاحتلال من تقسيم المجتمع إلى طبقات متباينة فيما بينها، فكانت غالبية المصريين لا تتمتع بأى حقوق سياسية، وفرضت عليهم ضريبة الرأس، وكان سكان القرى يدفعون هذه الضريبة كاملة. فقد قُسم مجتمع الأسكندرية إلى عدة طبقات كالآتي:

          1 ـ طبقة المواطنين الكاملين، وهؤلاء لهم كل حقوق المواطنة كاملة من ملكية للأراضي إلى حقوق سياسية، ومزايا دينية، وإعفاء من الضرائب ومن السخرة، ومن هذه الطبقة يُختار الموظفين والكهنة.

          2 ـ طبقة المكدونيين وكانت لهم مزايا خاصة في البلاط الإمبراطوري والجيش.

          3 ـ طبقة اليهود، وهؤلاء كان لهم نظام خاص بهم، لكن لم يكن لهم حقوق المواطنة.

          4 ـ وأخيرًا طبقة المصريين الذين سكنوا منطقة راكوتيس، وكانوا يعتبرون عنصرًا أجنبيًا في المدينة،ولم يكن لهم أى حقوق.

          ويستطيع المرء أن يلحظ أن جميع الطبقات الاجتماعية كانت تتمتع بمزايا خاصة تتحدد بحسب أهمية ومكانة هذه الطبقة، عدا طبقة المصريين أصحاب البلاد الأصليين، الذين اعتبروا عنصرًا “أجنبيًا” في وطنهم. وقد ثبّت النظام الروماني فكرة أن الرعية هم عبيد لدى الإمبراطور وأن ممتلكاتهم هى للدولة. هذه العوامل كافة قد ساهمت في خلق مناخ رافض لكل ما هو أجنبي، ورغبة شعبية جارفة في بزوغ قيادة وطنية تكون قادرة على إنقاذ البلاد من هذه الحالة المأسوية التي وصلت إليها. في هذا الإطار، شكّلت عنصرًا حيويًا ومهمًا في مقاومة هذه المظالم الكثيرة وتعهدت بالقيام بمسئوليتها كما ينبغي ليس فقط على المستوى الروحي، بل وعلى المستوى القومي أيضًا، أى أن مسئوليتها تجاه هذا الوطن لم تكن أقل من مسئوليتها الروحية تجاه أبناء هذا الوطن. ولم تكن دعوة آباء إلى التطّلع نحو الوطن السمائي بديلاً عن الاهتمام بالوطن الأرضي. وما دعوتهم إلى التكافل الاجتماعي وحث الأغنياء على البر بالفقراء، إلاّ تأكيدًا على رغبتهم القوية في استقرار المجتمع بكل فئاته. وهذا ما تحثنا عليه في صلواتها الليتورجية ” بارك اكليل السنة بصلاحك من أجل فقراء شعبك من أجل الأرملة واليتيم والغريب والضيف ومن أجلنا نحن الذين نرجوك ونطلب اسمك القدوس”.

 

مبدأ الانتماء للوطن:

          وتأتي بعض المبادئ التي تحدث عنها القديس يوحنا ذهبي الفم خير مثال على ذلك فيقول: ” إن الأغنياء يدخلون ملكوت بأيدي الفقراء “، وهو بهذا يربط الدخول إلى ملكوت ، بموضوع البر بالفقراء. وهذا يعني أن الآباء وإن كانوا يؤكدون على ضرورة الاهتمام الكامل بالحياة الأبدية، إلاّ أنهم في نفس الوقت قد اهتموا بشكل واضح بتحقيق التوازن بين جميع طبقات المجتمع الواحد حتى يتحقق للجميع حياة مريحة وهادئة ومستقرة. وقد اهتموا بصفة خاصة بالفئات المهمشة والمقهورة، لأنهم وجدوا فيها فرصة لتحقيق القيّم الأصيلة للمجتمع. وهذا يعني أن صورة المجتمع الحقيقية لا تتضح ولا تكتمل إلاّ من خلال الاهتمام بهذه الفئات، لأن مجرد وجودهم يحث الجانب الأقوى في المجتمع على ممارسة المحبة. وبناء على ذلك يصير مبدأ الانتماء للوطن حقيقة واقعية. فحين يتحقق التكافل الاجتماعي ويصير حقيقة ملموسة من الجميع يصبح الانتماء للوطن موضع فخر لدى كل أعضائه، ويصير لكل عضو في هذا المجتمع الحق في أن يتمتع بالحياة كما ينبغي. بيد أن هذه القيّم قد صارت مرفوضة من المحتل الدينى صوّب هدفه الوحيد نحو استنزاف موارد الوطن الذى يحتله لمصلحة سلطة الاحتلال. وهو ما جعل آباء الكنيسة يتصدون للسلطة السياسية الأجنبية التي صادرت حق أبناء الوطن الأصليين في الحياة الكريمة، وسعوا جاهدين لتحريرهم من كل القيود سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية، وهذا ما جعل الشعب يلتف حول قادته الكنسيين. ورغم قسوة السلطة السياسية في العصور الأولى للمسيحية وإمكاناتها الضخمة، إلاّ أنها لم تستطع أن تفرض على الشعب القبطي بطريركًا من اختبارها، فكلما كانت تحاول أن تفعل ذلك، كانت تلاقي رفضًا جارفًا، حتى مع ممارسة أقسى أنواع الاضطهادات، ولذلك استند الآباء إلى إرادة الشعب حين قرروا أن يحملوا المسئولية في الدفاع عن العقيدة والوطن. وقد كانت دعوة القديس أثناسيوس لتهيئة الطريق نحو الإيمان المستقيم، تُشكّل في نفس الوقت بداية جديدة لإحياء الضمير القومي الذي كان قد اختفى منذ سنوات طويلة كما يقول الباحث H.I.Bell خاصةً وأن الضغوط النفسية القوية الناتجة عن التمييز العنصري المتعمد، وفرض الضرائب، والاضطهادات المتكررة لفترات زمنية طويلة، قد ساهمت في تغرّب الشعب القبطي عن السلطة السياسية[3]. وهكذا أظهر الشعب رفضه ومقاومته لكل هذه الأوضاع البغيضة التي فرضها عليه المحتل الأجنبي، بوقوفه بشجاعة خلف بطريركه الذي حمل أمانة الدفاع عنه بكل مثابرة وإخلاص وقام بواجبه على أكمل وجه. ما يؤكد ذلك هو النفي المتكرر للقديس أثناسيوس (5 مرات) إذ كان يمثل نوعًا من رد الفعل السياسي على مواقفه الثابتة والحاسمة، والتي وإن كانت مواقف كنسية مُعلنة ولها علاقة مباشرة باستقامة العقيدة، إلاّ أنها تمثل ـ فى نفس الوقت ـ مقاومة للسلطة السياسية التي كانت تدعم آريوس والآريوسيين في ذلك الوقت.

 

الوطن الأرضي والوطن السمائي الإنتماء إلى مَنْ؟:

          وخلال الفترة ما بين بداية تعاليمه اللاهوتية، وانتقاله إلى ملكوت والتى امتدت لحوالى 50سنة لعب الأباطرة أدوارًا عديدة، ولجأوا لكل الحيل السياسية وغير السياسية للتأثير على القديس أثناسيوس، حتى يضعف ويُغيّر من مواقفه، إلاّ أنه كان مثل الصخرة التي تحطمت عليها كل هذه المحاولات، وقد كان رد فعله واضحًا حين قيل له “العالم كله ضدك يا أثناسيوس” قال “وأنا ضد العالم” وهذا يُعلن عن ثباته على مواقفه مهما كلّفه هذا من معاناة من أجل إيمانه ووطنه، قال عنه البروفيسور M. Dhmits£j: ” رغم كل الآلام التي عاناها أثناسيوس، إلاّ أنه بقى كالصخر وسط أمواج البحر، وكمنار يُظهر طريق الحقيقة لكل المؤمنين”[4]. لقد قاوم أباطرة، وهراطقة، ووثنيين، ويهود، وهؤلاء اليهود على وجه الخصوص كانوا مُسلحين بالمال والخطط ضد المسيحيين، وصار بينهم وبين الآريوسيين نوعًا من التوافق تمثل في رؤيتهم المشتركة في رفض الإيمان بألوهية . كل هذه التيارات العديدة بتوجهاتها المختلفة أفرزت فوضى وارتباك في الفكر، وولّدت حيرة في نفوس البسطاء بسبب هذا الشطط في التعاليم العقيدية، وخلّفت ضغوطًا نفسية قوية بسبب التمييز العنصري بين فئات الشعب.

 

          وقد عانى القديس أثناسيوس متاعب تفوق احتمال البشر لأجل المحافظة على استقامة العقيدة ونقاوة الإيمان وحرية الانتماء للوطن.

          إن جميع هذه الأحداث تظهر كما يقول البروفيسورHardy  ” إن القديس أثناسيوس كان يحمل في أعماقه حبًا شديدًا لوطنين، مصر والكنيسة، فمصر كانت وطنه الأرضي الذي أحبه وكان يخشى عليه من الأزمات، والكنيسة كانت الوطن السمائي على الأرض، الذي أحبه أيضًا وكان يخشى عليه من الانشقاق والتصدع. وهكذا فإن هذين الوطنين كان يمثلان بالنسبة له القيمة الكبرى التي وضحت في جهاده ضد كل هذه التيارات”[5].

 

          وهذا ما أشار إليه أيضًا الباحث J. Griffiths بقوله ” إن القديس أثناسيوس قد وعى تمامًا مكانته على المستوى القومي. وهذا ما يظهر في رسائله الفصحية، مُشيرًا إلى الباحث الفرنسى Lefort الذي قال إنه كان على حق حين قال ” إن القديس أثناسيوس لم يكن فقط بطل الأرثوذكسية في أعين الكنيسة المسكونية، بل أنه كان أيضًا، وربما أكثر من كل شئ، القائد العظيم للكنيسة المصرية “[6].

 

          أيضًا أكد G .wiet على أن النفي المتكرر والمتاعب الكثيرة في حياة الأسقف الأسكندرى العظيم، لم يكن سببها الوحيد هو التصادم العقيدي والصراع مع الآريوسيين، بل أنه في مرات عديدة كان سببها يتمثل في سياسة الأباطرة اللاحقين لقسطنطين الكبير، الذين سعوا للتقليل من تأثير كنيسة الأسكندرية ودورها الهام في الحياة الكنسية وخاصةً في الشرق، لمصلحة كنيسة العاصمة الجديدة (القسطنطينية) لأنهم أرادوا أن يركزوا كل السلطات الكنسية في الموضع الذي تتواجد فيه الحكومة البيزنطية[7]. ولذلك فقد أكد الدارسون لتلك الحقبة بأن كل المحاولات التي جرت وما صاحبها من إجراءات سواء على المستوى السياسي أو العقيدي، كانت تستهدف في الحقيقة كسر شوكة بطاركة الأسكندرية الذين برزوا كزعماء دينيين من جهة وزعماء للشعب المصري من جهة أخرى[8].

 

          وكان موقف القديس كيرلس أيضًا في تمسكه بالحق ودفاعه عن العقيدة، وعن حرية أبناء وطنه، موقفًا ثابتًا لا يتزعزع تحت أى تأثيرات، وكان انتصاره في مجمع أفسس سنة 431، ومحاكمة نسطور وإدانته وهو الذي كان مدعومًا من الإمبراطور، يمثل انتصارًا آخرًا أُضيف إلى انتصارات كنيسة الأسكندرية على حساب أسقف القسطنطينية التى كانت عاصمة الإمبراطورية الشرقية، ونجح في توسيع صلاحياته على حساب المندوبين السياسيين الممثلين للإمبراطور في مصر

 

آباء البرية ومواقفهم الوطنية وانتمائهم للوطن:

في هذا السياق أيضًا كان لآباء البرية إسهاماتهم الواضحة ودورهم الهام في التأكيد على هوية هذا الوطن والدفاع عن أبنائه. ولم ينعزلوا قط عن أحداث أمتهم وكنيستهم. بل أنهم قدّموا الكثير للمجتمع، وتاريخ الرهبنة القبطية، يشهد على أن ” آباء البرية لم يهملوا قط الاهتمام بالفقراء ورعايتهم، وكانوا يرسلون القمح والملابس لفقراء الأسكندرية بصفة مستمرة ويؤكد تاريخ الرهبنة أيضًا على أنه نادرًا ما كان يوجد فقيرًا يعيش إلى جوار الأديرة”. هكذا فإن الأنبا شنودة رئيس المتوحدين كان في توجهه نحو خدمة المجتمع يُعبّر عن إيمانه بأن هذا العمل يعكس الوصية الإنجيلية الخاصة بمحبة القريب. ويؤكد الدارسون لحياته وكتاباته بأنه كان وطنيًا من الدرجة الأولى من ناحية الانتماء للوطن، بل أنهم يؤرخون لاستعلان الضمير القومي من بداية عصره، فقد هاجم كل أشكال الظلم التي كانت تقع على أبناء وطنه.

 

          هذا الحس الوطني المتميز عند الأنبا شنودة رئيس المتوحدين الذي يدل على الانتماء القوي قد استعلن في كثير من المواقف التي أظهرت بوضوح هذا التوجه القومي. بداية من رفضه استخدام اللغة اليونانية في أديرته، رغم إجادته لها بشهادة الكثير من الباحثين، واستخدامه للغة القبطية ليس فقط في الكتابة، بل وفي الحديث أيضًا. وظهر وعيه الوطني أيضًا في الاحتجاجات التي كان يُثيرها ضد الممارسات العنيفة التي كانت تقوم بها السلطة السياسية ضد أبناء وطنه، وذهابه للمحاكم للدفاع عن المظلومين. وفتح أبواب أديرته أمام كل المحتاجين، وكل المضطهدين. وكان لنشاطه الاجتماعي بعدًا قوميًا، وأيضًا كان لتوجهاته القومية نتائج اجتماعية واضحة، تمثلت في التفاف الشعب حوله، لأنهم رأوا في شخصه القائد المنقذ من كل ما عانوه من متاعب وأزمات واضطهادات. ولم يكن الأنبا شنودة يبحث عن هوية لهذا الشعب، بقدر ما أراد أن يؤكد على هوية الشعب نفسها، تلك التي أراد البعض لها أن تختفي وتزول، إما بإرساء ثقافات أخرى مغايرة لثقافة هذا الشعب وتقاليده التي استقر عليها منذ زمن طويل، وإما بممارسة ضغوط واضطهادات، مستخدمين في ذلك كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، بغية تحقيق هذا الهدف[9].

          وقد نجح الأنبا شنودة رئيس المتوحدين بالفعل في إحياء الضمير القومي القبطي و الانتماء للوطن في ظل ظروف شديدة التعقيد على كل الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والكنسيّة، وكان من نتائج ذلك أن قام الرهبان بمقاومة القرار الخاص بتجنيدهم الاجباري في الجيش الروماني، وفضّل الكثيرين من هؤلاء أن يجوزوا الموت، على أن ينخرطوا في هذا الجيش الأجنبي الغريب. وقد حاولت السلطة السياسية الرومانية بكل الطرق أن تحد من موجة الانضمام إلى الأديرة. فقد حاولت طبقًا لبنود القانون المدني، أن تمنع القادرين من أن يصيروا رهبانًا حتى لا يتهربوا من واجباتهم تجاه الإدارة المحلية، خاصةً وأن القانون رقم 31 لسنة 313، كان يسمح للإكليروس التحرر من الخدمات الإلزامية[10]. هذا التوجه القومي للرهبنة القبطية، أكد عليه كثير من الباحثين، إذ يذكر المؤرخ الفرنسي دوشين وفقًا للإشارة التي أوردتها له إيريس حبيب المصري، في كتابها تاريخ الكنيسة بأن “الرهبان لكونهم المدافعين الملتهبين عن كنيستهم الوطنية فقد اشتركوا في المنازعات السياسية والدينية، فظلوا على مدى قرون عديدة خطرًا كبيرًا يهدد الإمبراطورية”[11].

 

          ويشدد المؤرخ O’Leary على تلك العلاقة الوثيقة التي ربطت بين الكنيسة المصرية والرهبان المصريين بقوله ” كان الرهبان المصريون على عهد أثناسيوس حلفاء مُخلصين للأسقف الأسكندرى، وكان رهبان وادي النطرون أكثر من غيرهم ارتباطًا به، وكثيرًا ما وجدت فيهم السلطات البيزنطية في الأسكندرية مصدرًا للمتاعب[12]. وتعليقًا على ذلك يقول أحد الباحثين ” وإذا كان هذا هو حال الرهبان مع الأسقف الأسكندرى أثناسيوس، باعتباره الرجل الذي وضع اللبنة الأولى في العلاقات الوطيدة بين الكنيسة المصرية وهذا المجتمع الرهباني عبر صحراوات مصر على امتدادها،وباعتباره أيضًا الرمز الذي جسد آلامهم وأمالهم ضد تعسف واضطهاد السلطة البيزنطية، فإن الرهبان ظلوا يمارسون الدور نفسه مع كل أساقفة كنيسة الأسكندرية تحديًا للسلطة البيزنطية المقيتة إلى نفوسهم[13].

 

          إن قراءة التاريخ بكل ما فيه من أحداث، كثيرًا ما يُعطينا دروس نافعة وهامة، من أجل التطلّع إلى مستقبل تسوده قيم المواطنة و الانتماء الحرية والعدالة والسلام والمساواة.

 

لذلك ينبغي علينا أن نرصد المواقف الوطنية لآبائنا القديسين ومدى الانتماء للوطن، ونتعرّف عليها، حتى يستنير الذهن بكل هذه المعاني القيّمة، الرافضة لكل الأفكار الحزبية والطائفية الضيقة. فالذي يُحقق للوطن نموه، وتقدمه، ورفاهيته، هو أن تتحقق فيه قيم المواطنة قولاً وفعلاً.

 

[1] هذا التقويم جرى استخدامه في القرن الـ6، لكن الكنيسة القبطية لم تتبناه إلاّ في القرن الـ8. أما دعوة هذا التقويم (بتقويم الشهداء) فلم يبدأ إلاّ في القرن الـ11. DELACY OLEARY “the saints of Egypt” New York, 1937. p.34.

[2] “مصر القبطية” محمود مدحت، القاهرة 1998، ص150.

[3] H.I.Bell “ Egypt and the Buzantine Empire “ the Legacy of Egypt, oxford, 1971, p. 339.

[4] M.G.Dhmits£j “ Ιstor…a thj Alexandre…aj “ Aq»na 1985. p. 308-309.

[5] E.R.Hardy “Christian Egypt. Church and people ..” New York.

[6] J.G.Griffiths “ A note on Monasticism and Nationalism in the Egypt of Athanasius “ studia patristica, vol. 2, p. 24.25.

[7] G.wiet “ L’egypt Buzantine et Musalmane “ Le caire, 1932, p. 29.

[8] “مصر القبطية” محمود مدحت، سنة 1998، ص172.

[9] انظر د. سعيد حكيم: البرية والمجتمع فى حياة الأنبا شنودة رئيس المتوحدين، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، أكتوبر2004.

[10] Evelyn White “ the History of the Monasteries of Nitria and of Scetis “ 1989, p. 25.

[11] “تاريخ الكنيسة القبطية” إيريس حبيب المصري، الجزء الثاني، الطبعة الثانية، 1976، ص11.

[12] “ the Coptic Church and the Egyptian Monasticism “ (the Legacy of Egypt) p. 327.

[13] “الفكر المصري في العصر المسيحي” د. رأفت عبد الحميد، سنة 200، ص289.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة لمنع الإعلانات - برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة AdBlock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock