آبائياتأبحاث

أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (1) – د. جوزيف موريس فلتس

أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (1) – د. جوزيف موريس فلتس

أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (1) - د. جوزيف موريس فلتس
أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (1) – د. جوزيف موريس فلتس

أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس [1] د. جوزيف موريس فلتس

 

 

مقدمة:

في محاولتنا لاستعراض أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس سوف نركز على ما قدمه فقط القديس كيرلس عمود الدين بابا الأسكندرية الرابع والعشرين (370ـ444م) كشارح ومفسر عظيم للكتاب المقدس.

ويجدر بنا أولاً إلقاء الضوء على شخصية القديس كيرلس كمفسر للكتاب وأيضًا على التوجهات الأساسية في المنهج الذي اتبعه في تفسيره الكتابي حتى يمكننا فهم الأمثلة التي سوف نوردها تباعًا من تفسيره للكتاب المقدس.

 

القديس كيرلس الأسكندرى كمفسر للكتاب المقدس[2]:

من المعروف عن القديس كيرلس عمود الدين أنه دافع عن إيمان الكنيسة ضد الهرطقة النسطورية وأنه عبّر عن عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية فيما يتعلق بطبيعة المسيح (الخريستولوجى) وفيما يخص إتحاد الطبيعتين الإلهية والبشرية اتحادًا أقنوميًا في شخص المسيح الواحد. وفي نفس الوقت تميّز القديس كيرلس بما قدّمه من شرح وتفسير للكتاب المقدس الأمر الذي جعله من أعظم المفسرين للكتاب المقدس في كل تاريخ الكنيسة.

وبينما إتبع الطريقة الرمزية (الروحية) لتفسير العهد القديم إلاّ أن اهتمامه وتركيزه على الأمور العقائدية قد حماه من سوء استخدام هذه الطريقة في التفسير كما فعل غيره من المفسرين.

ولهذا فإن تعاليمه العقيدية عن شخص المسيح له المجد ضد كل من هرطقة آريوس ونسطور وأبوليناريوس وأفنوميوس، كل هذه التعاليم تمثل الأساس لفهم كل شروحاته وتفسيراته للكتاب المقدس إذ هو يربط ربطًا محكمًا بين عقيدة الكنيسة وشرحه وتفسيره للكتاب المقدس ـ كما سنرى في الأمثلة ـ غير أن التوجه العقيدى لدى القديس كيرلس لم يحد من طريقة تفسيره وهدفه شرحه للآيات، لكن على العكس، فلقد أمد هذا التوجه العقيدى، القديس كيرلس بمعيار لا يخطئ كى يكتشف بواسطته المعنى الحقيقي والهدف النهائى للإعلان الإلهى المدون في الكتاب المقدس وهذا الربط المحكم بين التعاليم الخرستولوجية والتفسير الكتابى كان قائمًا باستمرار في الكنيسة، غير أننا نلاحظ عند القديس كيرلس تلك العلاقة المثالية بين التفسير الكتابى واحتياجات الكنيسة التعليمية، والتي تهدف في الأساس إلى البناء الحقيقي لها.

وعلى الجانب الآخر كان هناك التقليد الأنطاكى في التفسير والذي كان يشدّد على التفسير الحرفى ـ التاريخى لنصوص الإعلان الإلهى الكتابى. ولم يكن القديس كيرلس ـ بدون شك ـ منحازًا إلى هؤلاء المتطرفين في تفسيرهم الرمزى وفقًا للمنهج الأسكندرى في التعبير الرمزى، كما أنه لم يكن من المعادين لمدرسة أنطاكية في التفسير. فلقد عمل على استخدام كل من الطريقة الرمزية (الروحية) السكندرية (‘Allhgorik») مع الطريقة النماذجية (النمطية) أو المثالية (Tupolgik») الأنطاكية، مستفيدًا بذلك من كل من التقليدين الأسكندرى والأنطاكى. وهكذا يمكن النظر إلى أعمال القديس كيرلس التفسيرية على أساس هدفها النهائى والذي هو حماية وشرح التعاليم العقيدية للكنيسة. وبلا شك فإن هذا الهدف يعطى لهذه الأعمال التفسيرية قيمتها العظمى ويشكّل عطاء القديس كيرلس الدائم لكل تاريخ التفسير الكتابى.

 

كتابات القديس كيرلس التفسيرية:

إن كتابات القديس كيرلس التفسيرية تفوق باقى كتاباته الأخرى ومعظمها معروف لنا حتى الآن وهى:

 

1 ـ تفسيره لنصوص العهد القديم:

+ السجود والعبادة بالروح والحق:

هذا العمل يتكون من 17 جزء (مقال)[3] في صورة حوار مع شخص يدعى بلاديوس، كتبه القديس كيرلس قبل عام 429 بكثير ولكن بالتأكيد بعد عام 412م[4]. اتبع فيه القديس كيرلس الطريقة الرمزية (الروحية) النمطية allegorical – typological لشرح أجزاء مختارة من أسفار موسى الخمسة ولم يوردها في ترتيبها كما وردت بالعهد القديم، أثبتت من خلالها أن الناموس قد أُبطل بحسب الحرف فقط وليس بحسب الروح. وأن ما جاء في العهد القديم يجب أن يفهم كمثال للعبادة بالروح والحق.

+ جلافيرا (تعليقات):

يتكون هذا العمل من 13 فصل كتبه القديس كيرلس في نفس فترة كتابته للعمل السابق إذ هو مكمل له ويشير موضوع كل من الكتابين أحدهما للآخر وإن لم يكن هذا الكتاب في شكل حوار كسابقه وقد اختار أيضًا أجزاء من أسفار موسى الخمسة ليعلق عليها وإن كان قد أوردها في نفس ترتيبها التي وردت به في الكتاب المقدس.

+ شرح سفر إشعياء:

يتكون من خمسة كتب (أجزاء). في مقدمة العمل يوضح مهمة الشارح في عرض المعنى الحرفى ثم المعنى الروحى. وفي الخمسة أجزاء يشرح السفر كله مقسمًا إصحاحاته كالآتى: 1ـ10، 10ـ24، 25ـ42، 42ـ51، 52ـ66 ويشمل هذا العمل الكبير كل مجلد رقم (70) من سلسلة الآباء اليونانيين Migne ومن المحتمل أن يكون القديس كيرلس قد كتبه بعد العملين الأولين لكن قبل عام 429[5].

+ شرح لأسفار الأنبياء الصغار:

كتب 12 جزء لشرح أسفار الأنبياء الصغار الاثنى عشر ووضعهم في كتابين. في كل جزء مقدمة عن النبوءة ثم شرح كامل لها.

+ شرحه لسفر الملوك، نشيد الأنشاد، لحزقيال، إرميا، باروخ ودانيال، المزامير:

توجد ـ للأسف ـ مقتطفات فقط باقية من كل هذه الشروحات.

هذا ولقد اتبع القديس كيرلس في كل كتاباته التفسيرية هذه، منهج التفسير الأسكندرى. وأوصى بأن يترك المرء ما لا يفيده من التاريخ وأن ينزع “قشور” الحرف حتى يصل إلى “قلب” النبات بمعنى أن نفتش بكل تدقيق عن “الثمر” الداخلى المخفى وأن نتغذى به. لقد وضع القديس كيرلس بالفعل قانونًا للتفسير الكتابى وهو أنه من الضرورى أن نبحث عن “المعنى الروحى” وراء حروف النص الكتابى، ويجد هذا القانون صدى قويًا له عندما يُطبق ـ بصفة خاصة ـ على نصوص العهد القديم حيث يقول القديس. كيرلس ” لأن ما يُعطى من خلال الناموس هو فقط صورًا ورموزًا للحقيقة، هو ظلال”. ولذلك فإن الناموس قد أُبطل حسب الحرف فقط وليس حسب المحتوى أو المعنى الروحى له. لأن الناموس يحتفظ بفاعليته حتى اليوم لكن فقط بحسب مفهومه الروحى.

وفي كتاباته التفسيرية الأولى يكشف لنا القديس كيرلس عن هذه المعانى السرائرية الرمزية الثابتة في الناموس الموسوى مضيفًا إليها كل ما نجده في العهد القديم من ظلال تخدم البناء الروحى لنا. ويهتم بصفة خاصة بإظهار ما في العهد القديم من صور عن الكنيسة. وفي كتابه “جلافيرا ” ـ السابق الإشارة إليه ـ يعود لبحث نفس الموضوع بهدف أن يظهر أن في كل أسفار موسى الخمسة نجد صورًا ورموزًا عن سر المسيح[6].

 

2 ـ شرحه لنصوص العهد الجديد:

+ شرح إنجيل يوحنا [7]:

هو عمل ضخم يتكون من 12 كتاب مقسم إلى فصول. له طابع عقيدى دفاعى. كما يذكر في المقدمة أنه سيعطى اهتمامًا خاصًا للأمور العقائدية في مواجهة تعاليم الهراطقة ويشدّد القديس كيرلس من خلال شرحه للإنجيل الرابع على ألوهية المسيح له المجد وعلى المساواة في الجوهر بين الآب والابن المتجسد ويدحض الأفكار المنحرفة لكل من آريوس وأفنوميوس والتعاليم الخرستولوجية الخاطئة لأتباع مدرسة أنطاكية. ولمّا لم يذكر القديس كيرلس اسم نسطور أو لقب والدة الإله، كما فعل بعد ذلك في كتاباته الدفاعية الأخرى بعد عام 429م وظهور بدعة نسطور ، فقد حدّد العلماء زمن كتابة القديس كيرلس لهذا الشرح على أنه قبل عام 429م.

+ شرح إنجيل لوقا:

هذا العمل عبارة عن سلسلة من العظات لشرح إنجيل لوقا ولها طابع عملى أكثر من الطابع العقيدى. من كل النص اليونانى لهذا العمل بقيت فقط ثلاث عظات باللغة اليونانية وفقد الباقى. غير أنه توجد ترجمة سريانية من القرن السادس الميلادى لهذه العظات والتي عنها تمت الترجمة الإنجليزية[8]. ومن العظة رقم 63 من هذه العظات نعرف أن وقت كتابة هذه العظات كان أواخر عام 430م حيث تُذكر حرومات القديس كيرلس الاثنى عشر.

+ شرح إنجيل متى:

هذا الشرح لإنجيل القديس متى للقديس كيرلس كان معروفًا بين الآباء حتى القرن السادس، لكنه فُقد بعد ذلك وتوجد منه بعض المقتطفات فقط وتغطى كل إصحاحات الإنجيل وتوضح أنه كان شرحًا وافيًا للإنجيل ويشابه شرحه لإنجيل يوحنا. وعلى الأرجح كان قد كتبه بعد عام 428م[9].

+ يحوى كتاب ” شرح الآباء للكتاب المقدس ” والمعروف “بالسلاسل” Chains [10] على مجموعة من المقتطفات لشروحات القديس كيرلس لرسالة رومية وكورنثوس الأولى والثانية والرسالة إلى العبرانيين.

+ الرسائل الفصحية:

اعتاد آباء الأسكندرية البطاركة إرسال رسائل فصحية لتحديد موعد بدء الصوم الكبير والاحتفال بعيد القيامة وذلك حسب قرارات مجمع نيقية المسكونى 325[11]. ولقد كتب القديس كيرلس 30 رسالة فصحية. وبالرغم من الطابع الاحتفالى والوعظى لهذه الرسائل بصفة عامة، إلاّ أن رسائل القديس كيرلس الفصحية حوت الكثير جدًا من شروحاته للكتاب المقدس.

+ كتاباته الدفاعية والعقائدية:

وللتعرف الكامل على كل عطاء القديس كيرلس في مجال شرحه وتفسيره للكتاب المقدس لابد وأن ندرس كتاباته العقائدية والدفاعية إذ هى تحوى شرحًا وافيًا لمقاطع كثيرة من الكتاب المقدس والأخص العهد الجديد والتي تشير في المقام الأول إلى شخص يسوع المسيح الإله المتجسد وإلى غاية التدبير وعلى الأخص كتابه ” الكنز في الثالوث “، وأيضًا كتابه ” حوار حول الثالوث “[12].

 

التوجهات الأساسية في منهج تفسير القديس كيرلس للكتاب المقدس:

قبل أن نتحدث عن التوجهات الأساسية في منهج تفسير القديس كيرلس للكتاب المقدس لابد وأن نوضح ـ حسب تعليم القديس كيرلس ـ دور الإيمان في فهم وتفسير الكتاب المقدس. فهو يعلّم بأن الحقيقة تعلن من داخل الكتاب المقدس بدون أى نقصان، فقط في حالة التمسك بها في حياتنا ومن خلال إيماننا، ويقول ” إن المعرفة الأصيلة للكتاب المقدس هى مستحيلة بدون نعمة فيّاضة واستنارة “، والمعنى الحقيقي لكلام الله يُستعلن فقط من داخل خبرة الإيمان.

فالإيمان وحده وليس البحث العقلى هو الذي يقودنا خارج محدوديتنا كمخلوقات ” فالإيمان يجب أن يسبق البحث ” ويمكننا أن نتأكد من استقامة معرفتنا إن كنا نبنى معرفتنا هذه على قاعدة الإيمان. وبدون استنارة الروح القدس لا يقدر المرء أن يصل لمعرفة الحقيقة الإلهية أو أن ينجح في فهم أكيد للعقائد الإلهية، ويرى القديس كيرلس أن الآب لا يمنح معرفة المسيح لغير الأنقياء لأنه ـ حسب تفسيره ـ لا يمكن أن تُسكب قارورة طيب كثيرة الثمن في داخل قبر.

ومعرفتنا ـ لله على كل حال ـ هى معرفة محدودة بعكس أى معرفة خارجية أخرى. ومعرفتنا الحالية عن الله هى معرفة غير تامة “معرفة جزئية” لكنها مع ذلك هى معرفة حقيقية وأصيلة. وفي الحياة العتيدة فإن معرفتنا الجزئية هذه ستختفى إذ أننا حينئذٍ “سنرى بكل وضوح وكمال مجد الله الذي ينقل إلينا معرفته الواضحة كل الوضوح “. وكما يختفى لمعان النجوم بظهور نور الشمس القوى هكذا فإن معرفتنا الحالية غير الواضحة ستختفي أمام النور الفائق للمجد الإلهى.

ثم نأتى إلى التوجهات الأساسية في المنهج التفسيرى للقديس كيرلس حيث يمكن الحديث على توجهات ثلاثة وهى:

1 ـ التوجه الخرستولوجى في التفسير. 2 ـ التوجه الروحى في التفسير.

3 ـ التوجه الكنسى في التفسير.

 

1 ـ التوجه الخرستولوجى في التفسير:

حسب فكر القديس كيرلس فإن الإيمان القويم بسر التجسد الإلهى هو ضرورة أساسية للتفسير. وفي مجال شرحه لإنجيل يوحنا 6:14 نجده يشير إلى أن يسوع المسيح هو “مصداقية الإيمان وهو المعيار والقانون الذي يقاس عليه معرفتنا بالله “[13]، وأيضًا في شرحه لمتى 13:23 وربطها بما جاء في إنجيل لوقا 2:11 ” ويل لكم أيها الناموسيون لأنكم أخذتم مفاتيح المعرفة، ما دخلتم أنتم والداخلون منعتموهم، فيقول: إن كل كلمة من كلمات الكتاب الموحى به تشير إليه وتظهره “[14]، ويقصد أن المسيح هو مفتاح المعرفة كلها.

ولهذا نجد أن القديس كيرلس قد عمل على إظهار تعاليمه الخرستولوجية في كل كتاباته التفسيرية والعقائدية، تلك التعاليم التي وضّح فيها أن المسيح هو واحد من بعد الإتحاد أى بعد تجسده، فقد ظل هو الله الكلمة وفي هذا الإتحاد الأقنومى اتحدت الطبيعة الإلهية والبشرية بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ولا افتراق.

إن هذه الوحدة بين الطبيعتين الكاملتين في شخص المسيح الواحد ليست مجرد اعتراف نظرى بقدر ما أنها حدث واقعى في تاريخ التدبير الإلهى نؤمن به على أساس التفسير القويم للنصوص الكتابية وتعاليم الكنيسة الأصيلة. وبخلاف ذلك فحقيقة أن الكلمة قد صار جسدًا لها علاقة مباشرة وجوهرية من حيث فهمنا لكل ما قاله الرب يسوع وما فعله. فالكلمة المتجسد لم يكن ببساطة إنسان “حامل لله” (qeofÒroj) مثلما اعتقد وعلّم نسطور ولكن على العكس، فكل ما قاله وما فعله المسيح له المجد هو صادر عن شخص الكلمة المتجسد الذي هو الله بالحقيقة.

لقد كان من نتاج الإتحاد بين الطبيعتين فى طبيعة واحدة والذي تم بدون اختلاط أو ما يسمى “بتبادل الخصائص” بين الطبيعتين كما يقول القديس كيرلس إن ” ناسوته قَبِلَ المجد الإلهى”[15]. وعلى هذا فكل أعمال وأقوال السيد المسيح تنسب إلى شخصه الواحد المتحد فيه الطبيعتين إتحادًا أقنوميًا كما سبق القول. ومن خلال هذه الأقوال والأفعال نعترف بشخص الإله المتجسد وكلمة الله.

وبهذا المفهوم يكون التجسد الإلهى هو معيار التفسير الأساسى للفهم القويم لشخص وعمل يسوع المسيح[16]. بمعنى أنه لكى نفهم أقوال وأعمال المسيح له المجد كما دونت في الأناجيل يجب علينا أن نضع أمامنا باستمرار حالة الإتحاد الأقنومى بين الطبيعتين الإلهية والبشرية في شخص المسيح الواحد والتي اتحدت فيها هاتين الطبيعتين بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير. فلا يجب أن ننسب أعمال المسيح التي أتمها لطبيعته الإلهية فقط ولا للطبيعة الناسوتية فقط، بل لشخص المسيح الواحد، أى للإله المتجسد[17].

ولقد طبق القديس كيرلس هذا التعليم الخرستولوجى عندما شرح المعجزات التي أتمها المسيح له المجد، فمع أنها تمت بطريقة بشرّية إلاّ أنها ليست من أعمال البشر. فهى إذًا أعمال إلهية لكنها تمت بواسطة الجسد[18].

وبنفس القياس يجب علينا أن نعرف متى تنسب الأقوال للطبيعة الإلهية ومتى تنسب ـ تدبيريًا ـ للطبيعة البشرية، وبالطبع بدون أن نفصل الطبيعتين[19]. فمثلاً عندما قال المسيح” قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن ” (يو8:14) وأيضًا ” أنا والآب واحد ” (يو3:10) واضح أن هذه الكلمات منسوبة للاهوت أما قوله مثلاً: ” ولكنكم تسعون إلى قتلى وأنا إنسان كلمتكم بالحق الذي سمعته من الله ” (يو40:8) هنا الكلام منسوبًا ـ تدبيريًا ـ لإنسانيته الكاملة[20].

وبخلاف ذلك فإن أفعال وأقوال المسيح له المجد لا تؤكد وتظهر فقط الحدث الفعلى للتجسد، لكنها تمثل الشرط الوحيد لكى يستطيع الإنسان حسب مقاييس طبيعته أن يعرف ويفهم المسيح الإله المتجسد[21]. فلكى يستطيع الإنسان أن يدرك ـ بحسب معايير الإدراك البشرى ـ سر التدبير الإلهى، نجد أن المسيح قد تحدّث وفق معايير “تدبير التجسد” مؤديًا أفعالاً تليق بسر اخلاؤه. إذًا كان من اللائق ألاّ يتخلى عن الكلام اللائق بعملية الاخلاء طالما أنه قد أخلى ذاته بإرادته[22].

فالرب له المجد أظهر بأعماله التي تمت بالجسد حقيقة إتحاده الكامل بالطبيعة البشرية في شخصه المبارك وفي نفس الوقت كمال إنسانيته[23].

ولو لم يصر الكلمة إنسانًا كاملاً لما استطاع أن يتكلم مع البشر بطريقة بشرية وبناء على ذلك فإن من ينكر أقوال وأفعال المسيح في الجسد هو في الواقع ينكر سر تدبير التجسد[24].

والجدير بالذكر أن القديس كيرلس كان قد رفض إدعاء نسطور بأن أقوال وأفعال المسيح تنقص من شأن المجد الإلهى. لكن القديس كيرلس يرى بأنه بسبب أن هذه الأفعال والأقوال تنسب لشخص الإله المتجسد فنحن نستطيع بواسطتها التعرف على عظمة ورفعة الجوهر الإلهى مثلما أيضًا نعرف رفعة الألوهة من خلال تواضع الإله[25].

ومما سبق يتضح أهمية التوجه الخرستولوجى كأساس في تفسير القديس كيرلس للكتاب المقدس، إذًا كلما صار التقليد والتعليم الخرستولوجى للكنيسة واضحًا وثابتًا كلما صارت مبادئ التفسير الكتابى للآباء واضحة أيضًا وثابتة، فبديهى أن العهد الجديد هو نتيجة أساسية لتجسد الكلمة، واللوغوس قبل تجسده كان غير منظور وغير مكتوب، وبالتجسد صار ـ بحسب طبيعته البشرية مدركًا ومنظورًا ومكتوبًا.

والكتاب المقدس يؤكد على حقيقة وتاريخية تجسد كلمة الله. الكتاب المقدس مثل شخص يسوع المسيح بلاهوته وناسوته. فالصياغة المكتوبة للكتاب تتوافق مع ناسوته في حين أن المفهوم الروحى له يتوافق مع لاهوته، وكما أن ناسوت المسيح يؤكد على ألوهيته ويرفعنا إليه. هكذا أيضًا الكتاب، فالصياغة المكتوبة تؤكد على الذهن الروحى وترفعنا إليه. وبالتالى فإن الكتاب ينبغى أن يُفسر وفق هذين الوجهين. وهنا لابد وأن ننبه إلى أن الآباء لم يقبلوا مفهومًا ثنائيًا للكتاب بل نادوا بعلاقة جوهرية بين المفهومين حيث لا يوجد مفهوم بدون الآخر فكما هو في حالة الإتحاد الأقنومى بين الطبيعتين في شخص المسيح الواحد، هكذا فإن المفهومان لا يجب أن يصير مزج بينهما أو انفصال. وهكذا بالتقليد الخرستولوجى حُددت طبيعة وعمل الكلمة الكتابية تحديدًا صارمًا “[26].

ونختم هذه النقطة بقول واضح كل الوضوح للقديس كيرلس جاء ضمن حروماته الاثنى عشر ضد نسطور الذي لم يفسر أقوال المسيح كما جاءت في الأناجيل تفسيرًا قويمًا لأن تعاليمه الخرستولوجية لم تكن وفق إيمان وتقليد الكنيسة الذي علّم به القديس كيرلس عمود الدين.

يقول إذًا القديس كيرلس في الحرم الرابع “من ينسب الأقوال ـ التي في الأناجيل والكتابات الرسولية سواء تلك التي قالها القديسون عن المسيح أو التي قالها هو عن نفسه ـ إلى شخصين أى إلى أقنومين، ناسبًا بعضها كما إلى إنسان على حده منفصلاً عن كلمة الله، وناسبًا الأقوال الأخرى، كملائمة لله، فقط إلى الكلمة الذي من الله الآب وحده، فليكن محرومًا”[27].

وأيضًا في رسالته إلى يوحنا الأنطاكى يوضّح نفس هذا التوجه الخرستولوجى في تفسير العهد الجديد فيقول ” ونحن نعرف أن اللاهوتيين ينسبون بعض أقوال البشيرين والرسل عن الرب باعتبارها تشير بصفة عامة إلى شخص واحد ويقسمون أقوالاً أخرى بأنها تشير إلى طبيعتين، فتلك التي تليق بالله ينسبوها للاهوت المسيح أما تلك الأقوال المتواضعة فينسبوها إلى ناسوته[28].

(يتبع)

 

[1] نص المحاضرة التى أُلقيت بمؤتمر تثبيت العقيدة السابع بالفيوم، عام 2004.

[2] مرجع رئيسى لهذا الجزء هو كتاب:

 Iwannou Panagopoulou: H ™rmhneia tÁj Ag…aj Graf»j st»n ™kklhs…a tîn patšrwn, Aqhnai, 1991, tomoj A/.6: 379-381.

[3] ترجم الباحث جورج عوض سبعة مقالات إلى اللغة العربية وصدرت في أربع أجزاء عن المركز الأرثوذكسى لدراسات الآباء.

[4] Quasten, Patrology vol: III. S. 121.

[5] Quasten المرجع السابق ص122.

[6] Gewrgiou Florofίskh: oi buzantiuoί paterέj toῦ 5ou aἴwna, qessalonίkh 1992.6.478.

[7] تمت ترجمة شرح القديس كيرلس للإصحاحات العشرة الأولى من إنجيل يوحنا ونشر على أجزاء من المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية. وجارى ترجمة باقي هذا العمل الضخم.

[8] عن هذه الترجمة الإنجليزية قام المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية بالقاهرة بترجمة هذه العظات إلى اللغة العربية ونشرها في خمسة أجزاء.

[9] انظر Quasten المرجع السابق، ص124.

[10] ويسمى باللغة اللاتينية Catena ويرجع إلى القرن الخامس الميلادى ويجمع في سلسلة شرح الآباء لنفس الآية من الكتاب المقدس. ومن أشهر مَن قاموا بعمل Catena للعهد الجديد هو توما الأكوينى وتسمى Catena Aurea.

[11] للمزيد راجع: رسائل الأرطستيكا: تاريخيًا عقيديًا. د. جوزيف موريس فلتس. في دورية دراسات آبائية ولاهوتية عن المركز الأرثوذكسى لدراسات الآباء. السنة السادسة العدد الرابع يوليو 1999، ص25.

[12] هذا الكتاب مكون من (7) مقالاات في صورة حوار مع شخص يدعى إرميا ويدحض فيه القديس كيرلس الأفكار الآريوسية ويوضح ألوهية الابن المسيح من خلال شرحه لآيات كثيرة من الكتاب المقدس وخصوصًا العهد الجديد. ولقد قام المركز الأرثوذكسى لدراسات الآباء بنشر المقالتين 1، 2. وقام د. جوزيف موريس فلتس بترجمة المقالة الثالثة وهى تحت الطبع

[13] P.G 74.189C.

[14] P.G 72.721C

[15] PG. 75. 1244-1249.

[16] PG. 74.524D: 11انظر شرحه ليوحنا

[17] PG. 72, 509D في تفسير إنجيل لوقا

لمزيد من الأمثلة انظر د. جوزيف موريس فلتس ” التعاليم الخرستولوجية للقديس كيرلس في شرحه لإنجيل لوقا ” بحث قدم لمؤتمر الدراسات اللاهوتية باليونان تحت عنوان ” القديس كيرلس وتعاليمه الخرستولوجية “. ونشر في كتاب بنفس العنوان أثينا عام 2003، ص103.

[18] PG. 75. 388C كتاب الكنز في الثالوث 33

[19] 388D المرجع السابق

[20] PG 72. 672C. في تفسير إنجيل لوقا

[21] PG. 73. 293C شرح يوحنا 4:2

[22] PG. 77.116BC رسالة 17

[23] PG 72. 672C شرح إنجيل لوقا

[24] PG. 76. 413 CDالدفاع

[25] PG 75. 120 AB الكنز في الثالوث

[26] انظر د. جورج عوض: الكتاب المقدس والتقليد. مذكرة تحضيرية، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ص7.

[27] رسائل القديس كيرلس لنسطور ويوحنا الأنطاكى (الرسالة 17): ترجمة المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية ج1 ص36.

[28] المرجع السابق، رسالة 39 ص43ـ44.

أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (1) – د. جوزيف موريس فلتس