مواضيع عاجلة

المسيح في الإنجيل للقديس لوقا بحسب كيرلس الأسكندري

في الإنجيل للقديس لوقا بحسب كيرلس الأسكندري

المسيح في الإنجيل للقديس لوقا بحسب كيرلس الأسكندري
في الإنجيل للقديس لوقا بحسب كيرلس الأسكندري

في الإنجيل للقديس لوقا بحسب كيرلس الأسكندري

في الإنجيل للقديس لوقا

بحسب تفسير القديس كيرلس الأسكندري[1] (1)

د. موريس تاوضروس

 

كيف ندرك سر [2] ؟

إنه من المستحيل أن ندرك معنى سر بالضبط إن كنا نستعمل لهذا الغرض عقلاً فاسدًا، وذهنًا ـ كما لو كان ـ غارقًا في النوم. فالأمر يحتاج بالحرى إلى عقل يقظ، وبصيرة ثاقبة، لأن الموضوع يصعب فهمه إلى أقصى درجة. لذلك نحن ننادي على أولئك الذين يريدون أن يفتشوا الكتب المقدسة، فنقول لهم: ” قوموا واستيقظوا” [3].

 

          على أن القديس كيرلس يوضح أن إدراك سر المسيح هو تعليم إلهي، فعندما اعترف بطرس بإيمانه، قال له الرب ـ بحسب ما ورد في الإنجيل للقديس متى ـ ” طوبي لك يا سمعان ابن يونا لأن لحمًا ودمًا لم يعلن لك، لكي أبي الذي في السموات” (مت17:16).

          ويعلق القديس كيرلس على ذلك فيقول: لذلك فالتلميذ تعلم حقًا من الله ـ وهو لم يجيء لنا بهذا الاعتراف بالإيمان من مجرد أفكاره الخاصة، بل بسبب أن النور الإلهي أشرق على ذهنه، وقاده الآب إلى معرفة صحيحة لسر المسيح[4].

 

          فليتنا ـ فيما يقول القديس كيرلس ـ نسأله الحكمة ونطلب الفهم، كي يمكننا أن ندرك معنى كلماته بالضبط، فهو الذي ” يكشف الأغوار في الظلام، ويخرج الأمور الخفية إلى النور (أي22:12) ويعطي الحكمة للعميان ويجعل نور الحق يضيء على أولئك الذين يحبونه، ومن بينهم نحن[5].

          إن لغة الكتاب الإلهية المُوحي بها دائمًا عميقة، فلا ينكشف معناها لمن عندهم مجرد رغبة فقط أن يفهموها، بل لأولئك الذين يعرفون أن يفحصوا أغوارها جيدًا، وقد اغتنوا بالنور الإلهي في ذهنهم، ذلك النور الذي بواسطته يبلغون إلى معنى الحقائق الخفية. لذلك فليتنا نطلب الفهم الذي يأتي من فوق، من الله، مع استنارة الروح القدس، حتى نبلغ إلى منهج سليم لا يخطئ. وبهذا المنهج يمكننا أن نرى الحق الذي تحويه كلمة الله[6].

 

ألوهية المسيح:

          نحن نؤمن بأن الابن الوحيد كلمة الله هو الله، وهو ابن الله بالطبيعة، وأنه غير مخلوق ولا مصنوع بل هو خالق الأشياء. وليس سموه هكذا فقط، بل هو بالحرى جوهريًا مع الآب عالٍ فوق الكل. ونحن نؤمن أن الكلمة، مع أنه هو الله فقد صار جسدًا أي إنسانًا، وليس أنه اصطحب معه إنسانًا في كرامة متساوية، كما يتجاسر البعض وينكرون ويقولون بأن كلمة الله الذي من الآب نعتبره ابنًا على حدة، أما الذي خرج من العذراء القديسة فهو آخر إلى جواره منفصلاً عنه وعلى حده. أما نحن فنوافق المبارك بولس إذ يقول: ” رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة” (أف5:4). فنحن لا نقسم غير المنقسم، ولكن نعترف بمسيح واحد: الكلمة الذي من الله الآب، الذي تجسد وصار إنسانًا، الذي تعبده الملائكة وتكرمه. ونحن أيضًا نسبحه معهم ونكلله بالمجد الإلهي، ليس كإنسان أصبح إلهًا، بل كإله صار إنسانًا.

 

          يكتب المغبوط بوحنا “ في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله ” (يو1:1)، فإن كان مخلوقًا فلابد أنه يكون له بداءة وجود، ولابد أنه قد كان هناك زمان سابق على وجوده، وكان لابد أيضًا من وجود زمان، لم يكن فيه الآب أبًا كما يدل اسمه، بل لم يكن على الإطلاق أبًا بالطبيعة، ولذلك تكون الكلمة أتت إلينا بشأنه غير صحيحة، وهكذا يصير أيضًا بالنسبة للابن، ويكون كلا الاثنين قد دُعيا هكذا كذبًا[7].

 

          قال السيد المسيح: ” لا أحد يعرف الابن إلاّ الآب ولا الآب إلاّ الابن ومن أراد الابن أن يعلن له“. فكيف تفكرون وقولون إنه أدني من الآب وهو الذي يقول: ” ليس أحد يعرف الابن إلاّ الآب فقط“، كأنكم تعرفون بالضبط من هو؟ ومع ذلك فكيف أن ذلك الذي يعرفه الآب فقط، لا يتعالي كثيرًا جدًا على قدرات الكلام ، تمامًا مثل الآب نفسه أيضًا الذي هو معروف من ابنه فقط؟ لأن الثالوث الواحد في الجوهر هو وحده الذي يعرف نفسه، إذ هو فائق جدًا على كل كلام وفهم. فكيف تقول أنت إذن إنه أدنى من الآب، بينما ترى أنه لا أحد يعرف من هو إلاّ الآب الذي وَلَده فقط؟.

 

          دعونا نرفع أنفسنا إلى فحص امتيازات الآب، وتلك الصفات التي تختص به كإله. فالله الآب بالطبيعة هو الحياة والنور والحكمة، ولكن الابن أيضًا بالمثل هو كذلك كما تشهد الكتب الإلهية المُوحي بها في مواضع كثيرة، فهو النور والحياة والحكمة. ولكن إن كان هو أدنى من الآب، يكون مديونًا له بهذه الصفات، وليس في صفة واحدة، بل في كل الخصائص التي تختص بجوهره. ولن يكون هو الحياة كاملة ولا النور كاملاً ولا الحكمة كاملة. وإن كان هذا صحيحًا؛ إذن يكون فيه شئ من الفساد، وشئ أيضًا من الظلام وأيضًا شئ من الجهالة. ثم إن الإنسان يُولد من الإنسان، وكل الأوصاف التي في جوهر أبيه تُوجد كلها في المولود. هكذا بالمثل بالنسبة لباقي الحيوانات، تنظمها قوانين طبيعتها الخاصة. فكيف إذن يكون لطبيعة الله الفائقة الكل أن تعاني ما لا تعانيه حتى نحن، ولا أي من الخلائق الأخرى[8].

 

          إن الابن يملك على الكل مع الله الآب، ولا يمكن أن يُضاف شئ إلى مجده الملوكي، كأن يُزاد له من الخارج، أو كأنه يعطى له بواسطة آخر، ولا أن ينمو معه مع مرور الزمن، لأن مجده الملوكي أشرق معه بلا بداية، فهو كائن منذ الأزل وما يزال كما كان. لذلك؛ فلأنه هو إله بالطبيعة وبالحق، فبالتالي ينبغي أن يكون كلي القدرة، وتكون هذه الخاصية هي له بلا بداية ولا نهاية، إذ يقول أيضًا واحد من الأنبياء القديسين ” الرب سيملك إلى الدهر والأبد” (خر18:15)، والمرنم الإلهي يتغنى قائلاً: ” ملكوتك ملكوت أبدي” (مز13:144س). وأيضًا   ” الله ملكنا قبل الدهور” (مز12:72س)، فإذا كان الله دائم الملوكية وكلي القدرة، فبأي معنى يقول أولئك الذين يدعون الله أبًا في توسلاتهم ” ليأت ملكوتك “. يبدو أنهم يريدون أن يروا المسيح مخلص الجميع ناهضًا مرة أخرى فوق العالم، لأنه سيأتي، نعم سيأتي وينزل كديان، ولكن ليس بعد في هيئة متواضعة مثلنا، ولا في وضاعة الطبيعة البشرية، ولكن في مجد كما يليق بالله، الذي يسكن في نور لا يُدنى منه (1تي12:6) ويأتي مع الملائكة. فهكذا قال هو نفسه في موضع ما: ” ابن الإنسان سيأتي في مجد أبيه مع ملائكته القديسين” (مت27:16).

 

          ويبرهن القديس كيرلس على ألوهية السيد المسيح من أنه يصنع المعجزة بقوته الذاتية، ففي حديثه عن شفاء المرأة التي بها روح ضعف (لو10:13ـ13) يقول: ” أتوسل إليك أن تلاحظ هنا أن المسيح مخلص العالم، لم يقدم أية صلاة، بل تمم الأمر بقوته الذاتية وشفاها بكلمة وبلمسة يده؛ لأنه بسبب كونه ربًا وإلهًا، أظهر أن جسده الخاص له فاعلية مساوية مع نفسه؛ لتحرير البشر من أمراضهم”[9].

 

          وبقوته الإلهية انتهر الأرواح النجسة (لو36،35:4)، فجعل المعجزة تحدث بعد كلماته مباشرة، وذلك حتى لا نسقط في عدم الإيمان. لقد صنع المعجزة دون أن يقدم صلاة، ولم يُسأل من أي أحد آخر أية قوة، لتتميم هذه المعجزات. ولكن إذ هو  نفسه كلمة الله الآب، الكلمة الحي الفعال الذي به توجد كل الأشياء، والذي فيه توجد كل الأشياء، فإنه بشخصه سحق الشيطان وأغلق الفم الدنس للشياطين النجسين[10].

 

          ويقول القديس كيرلس: إن المسيح لم يستعر القوة من آخر. إنه هو بالحرى الذي كان يعمل بقوته الخاصة. كان يعمل كإله ورب، وليس كشخص يشترك في نعمة إلهية. إن قوة المسيح للشفاء لم تكن قوة بشرية، بل هي قوة إلهية فائقة لا تُقاوم، لأنه هو الله وابن الله[11].

 

          وبالنسبة لصلة الآلام باللاهوت يقول:

          وأظن أنه من الضروري أن أُضيف لما قيل، إن أوجاع الحزن والكآبة لا يمكن إرجاعها إلى طبيعة الكلمة الإلهية التي هي غير قابلة للألم، لأنه من المستحيل أن تتألم، إذ أن هذه الطبيعة تعلو عن كل ألم. ولكننا نقول: إن الكلمة المتجسد شاء أن يُخضع نفسه إلى قياس الطبع البشري، بأن فرض على نفسه بأن يُقاس ما يخصه (أي الطبع البشري). وحيث إنه قيل إنه جاع، مع أنه الحياة وسبب الحياة والخبز الحي، وقيل إنه تعب من رحلة طويلة، مع أنه رب القوات، هكذا قيل أيضًا إنه حزن وبدا أنه قادر أن يتألم، لأنه لم يكن من المناسب أن هذا الذي أخضع نفسه للإخلاء، أن لا يشترك في معاناة الأمور البشرية. فكلمة الله الآب إذن هو خال تمامًا من كل ألم. ولكن بحكمة ولأجل التدبير، فإنه أخضع ذاته للضعف البشري، حتى لا يظهر إنه يرفض ما يتطلبه التدبير (تدبير الجسد). حقًا، إنه قد استسلم تمامًا للطاعة وللعوائد البشرية والنواميس، مع أنه ـ كما قلت ـ لا يحمل أي شئ من هذه الأمور في طبيعته الخاصة[12].

 

اتحاد الطبيعتين

          رأي القديس كيرلس في شريعة تطهير الأبرص، إشارة إلى سر المسيح. فالناموس يحدد بوضوح الطريقة التي تُعَلنْ بها طهارة الأبرص فيقول: هذه تكون شريعة الأبرص يوم طهره. يؤتى به إلى الكاهن. ويأمر الكاهن أن يُؤخذ للمتطهر عصفوران حيان طاهران، ويأمر الكاهن أن يُذبح العصفور الواحد في إناء خزف على ماء حي، أما العصفور الحي فإنه يغمسه في دم العصفور المذبوح على الماء الحي ويُرش على المتطهر من البرص سبع مرات فيطهره، ثم يُطلق العصفور الحي على وجه الصحراء (لا1:14ـ7). هذا المثال ـ فيما يقول القديس كيرلس ـ يمثل لنا السر العظيم والمُكرّم الذي لمخلصنا، لأن الكلمة من فوق، أي من الآب، من السماء، ولهذا السبب، من المناسب جدًا أن يُقارن بطائر. فرغم أنه نزل لأجل تدبير الخلاص ليأخذ شكلنا أي يأخذ صورة عبد، إلاّ أنه رغم ذاك كان من فوق، كما قال المسيح نفسه: “ أنتم من أسفل أما أنا فمن فوق” (يو3:8)، وقال أيضًا: ” ليس أحد صعد إلى السماء إلاّ ابن الإنسان الذي نزل من السماء” (يو13:3). فهو، حتى حينما صار جسدًا، أي إنسانًا كاملاً، لم يكن أرضيًا وليس مصنوعًا من طين مثلنا، بل كان سماويًا ويفوق الأشياء العالمية من جهة لاهوته. فيمكننا أن نرى إذن في العصفورين المقدمين في تطهير الأبرص، يمكننا أن نرى المسيح متألمًا بالجسد حسب الكتب، ولكنه يظل متعاليًا على الآلام. نراه مائتًا في طبيعته البشرية الإلهية، لأن الكلمة هو الحياة ” مُماتًا في الجسد، ولكن مُحيي في الروح” (1بط18:3). ورغم أن الكلمة لا يمكن أن يقبل آلام الموت في طبيعته الخاصة، إلاّ أنه ينسب إلى نفسه ما تألم به جسده. العصفور الحي اعتمد في دم العصفور الميت، وهكذا اصطبغ بالدم، وإذ صار مشتركًا فى الآلام، فإنه أُطلق حُرًا إلى الصحراء. وهكذا أيضًًا رجع كلمة الله الوحيد إلى السماء مع الجسد الذي اتحد به.

 

          فرغم أنه كان هناك عصفوران، إلاّ أن الذي كان يشير إليه العصفوران هو واحد فقط، كمتألم وكحُر من الآلام، كمائت وكمن هو فوق الموت. فإذ قيل إن العصفورين يشيران إلى ابنين وإلى مسيحيين، وأن كلمة الله الآب هو مسيح واحد بمفرده، وأن ذلك الذي جاء من نسل داود هو مسيح آخر، فإذا وجد حسب قولهم هذا، ابنان، فبالضرورة يكون هناك ربان، وإيمانان، ومعموديتان؛ بينما بحسب ما كتب القديس بولس هناك فقط: “رب واحد وإيمان واحد ومعمودية واحدة” (أف5:4). فنحن نعترف برب واحد، هو كلمة الله الوحيد المتجسد، غير فاصلين بين الناسوت واللاهوت، بل نؤكد بإخلاص، أن كلمة الله الآب صار هو إنسانًا في الوقت الذي استمر فيه إلهًا[13].

 

          حينما كان يشفي السيد المسيح المرضي، قيل ” جميع الذين كان عندهم مرضى بأنواع مختلفة، قدموهم إليه فوضع يده على كل واحد منهم فشفاه” (لو38:4)، وبهذا يوضح الإنجيل أن جسد بشريتنا المقدس الذي جعله جسدًا له وملأه بالقوة الإلهية، كان يمتلك الحضور الفعال لقدرة الكلمة، قاصدًا بذلك أن يعلمنا أنه رغم أن كلمة الله الوحيد قد صار مثلنا، إلاّ أنه بالرغم من ذلك، لا يزال إلهًا، ويستطيع بسهولة بواسطة جسده الخاص أن يتمم كل الأشياء، لأنه استخدم هذا الجسد كأداة لعمل المعجزات. ولا يوجد أي سبب للتعجب من هذا، بل على العكس، فيمكنكم أن تلاحظوا كيف أن النار عندما توضع في إناء نحاسي فإنها تنقل إلى الإناء قوة إنتاج تأثيرات الحرارة. هكذا أيضًا فإن كلمة الله الكلي القدرة، إذ قد وحَّد الهيكل الحي العاقل المأخوذ من العذراء القديسة مع نفسه اتحادًا حقيقيًا، فإنه ملأه بالقوة التي تظهر قدرته الإلهية بصورة فعالة. لذلك فلكي يُخجل اليهود فهو يقول: ” إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي. ولكن إن كنت أعمل فإن لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال” (يو38،37:10). وبشهادة الحق نفسه هذه يمكننا أن نرى أن الابن الوحيد، لم يعط مجده “لإنسان” منفصل عنه وغيره هو نفسه، ويعتبر مولود المرأة. بل بالحرى إذ هو الابن الوحيد مع الجسد المقدس المتحد به، فإنه قد صنع المعجزات، وهو يُعبد أيضًا من خليقة الله [14]. 

          وعندما دخل الرب إلى بيت بطرس، وهناك كانت امرأة ممدودة على فراش مرهقة من حمى شديدة، وبدلاً من أن يقول كإله: ” اتركي المرض وقومي، ” فإنه سلك طريقًا آخر؛ فإنه لكي يبين أن جسده يملك قوة الشفاء لكونه جسد الله ” لمس يدها” (مت15:8)، ولذلك تركتها الحمى. فما أعظم فاعلية لمسة جسده المقدس، فإنها تطرد الأمراض من كل نوع، وتطرد جمعًا من الشياطين، وتطرح قوة إبليس عنا. وتشفي جمعًا كبيرًا من الناس في لحظة من الزمان. ورغم أنه يستطيع أن يعمل المعجزات بكلمة وبمجرد ميل إرادته، إلاّ أنه لكي يعلمنا شيئًا نافعًا فهو يضع يديه على المرضي أيضًا، لأنه كان لازمًا، بل ولازمًا جدًا لنا أن نتعلم أن الجسد المقدس الذي جعله جسده الخاص، كان مزودًا بفاعلية قوة الكلمة، بأن زرع فيه قوة إلهية. لذلك فلندعه يمسك بنا، أو بالحرى فلنمسك نحن به بواسطة الإفخارستيا السرية، لكي يحررنا من أمراض النفس ومن هجمات الشياطين وعنفهم[15].

 

          إن الطبائع التي اجتمعت إلى هذا الاتحاد الحقيقي، هي مع ذلك مختلفة عن بعضها، ولكن من الاثنين معًا (أي من الطبيعتين) هو واحد، أي الله الابن دون أن يضيع تمايز الطبيعتين بسبب الاتحاد. لأنه قد صار اتحاد من الطبيعتين، ولذلك فنحن نعترف بمسيح واحد، ابن واحد. ونحن بالإشارة إلى فكرة الاتحاد هذه بدون اختلاط، فإننا نعترف بالقديسة العذراء والدة الإله، لأن الله الكلمة أخذ جسدًا وصار إنسانًا، وبالحبل به في بطنها وجد الهيكل الذي اتخذه منها بنفسه. فإننا نري أن الطبيعتين ـ بواسطة اتحاد لا انفصال فيه ـ قد اجتمعتا معًا فيه، بدون اختلاط وبدون انقسام، لأن الجسد هو جسد وليس لاهوتًا، رغم أنه قد صار جسد الله، وبنفس الطريقة أيضًا، فإن الكلمة هو إله وليس جسدًا، رغم أنه بسبب التدبير قد جعل الجسد جسده. ولكن رغم أن الطبائع التي اجتمعت في تكوين الاتحاد، هي مختلفة إحداها عن الأخرى كما أنها غير متساوية بعضها مع بعض، إلاّ أن ذلك الذي تكون من الطبيعتين معًا هو واحد فقط. ونحن لا نفصل الرب الواحد يسوع المسيح إلى إنسان على حدة، وإله على حدة، بل نحن نؤكد أن المسيح يسوع هو واحد، وهو نفسه، معترفين بالتمايز بين الطبيعتين بدون أن نخلطها الواحدة مع الأخرى[16].

 

          لذلك فهو أقام ذاك الذي كان ذاهبًا إلى قبره. وطريقة إقامته كانت واضحة؛ لأن الإنجيلي يقول: ” لمس النعش وقال: أيها الشاب لك أقول قم“، ومع ذلك فكيف لم تكن كلمة منه كافية لإقامة الشاب الذي كان راقدًا في النعش. لأن أي شئ يكون صعبًا أو يعسر تحقيقه أمام كلمته؟! فما هو أكثر من كلمة الله؟. فلماذا إذن لم يتمم المعجزة بكلمة فقط؟. يا أحبائي إنه فعل هذا لكي تعرفوا أن جسد المسيح المقدس فيه فاعلية وقوة لخلاص الإنسان. لأن جسد الكلمة القدير هو جسد الحياة، وقد اكتسى بقدرته. بل لاحظوا كيف أن الحديد حينما يدخل في النار، ينتج تأثيرات النار ويحقق وظائفها. هكذا أيضًا، لأن الجسد صار جسد الكلمة الذي يعطي الحياة للكل، ولذلك صار له قوة إعطاء الحياة، وهو يلاشي تأثير الموت والاضمحلال[17].

1 أُلقيت هذه المحاضرة بالمركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية يوم 5 نوفمبر 2001م.

1 تعتمد هذه الدراسة على تفسير القديس كيرلس الأسكندري للإنجيل حسب القديس لوقا ـ ترجمة د. نصحي عبد الشهيد.

2  الجزء الثاني ص 29.

4 الجزء الثاني ص34.

5 الجزء الثاني ص 137.

6 الجزء الثالث ص 55.

7 الجزء الثاني ص120ـ123.

8 الجزء الثاني ص 137ـ141.

9 الجزء الرابع ص 20.

10 الجزء الأول ص104، 105.

11 الجزء الأول ص122.

12 الجزء الخامس ص 134.

13 الجزء الأول ص 118، 119.

14 الجزء الأول ص 107.

15 الجزء الأول ص 108.

16 الجزء الأول ص 27.

17 الجزء الأول ص 193.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على …