الرئيسية / أبحاث / اعداد العالم للخلاص – كيف أعد الله العالم للخلاص؟ القس كيرلس عبد المسيح

اعداد العالم للخلاص – كيف أعد الله العالم للخلاص؟ القس كيرلس عبد المسيح

اعداد للخلاص – كيف أعد الله للخلاص؟ القس كيرلس عبد المسيح

اعداد العالم للخلاص - كيف أعد الله العالم للخلاص؟ القس كيرلس عبد المسيح
اعداد للخلاص – كيف أعد الله للخلاص؟ القس كيرلس عبد المسيح

اعداد للخلاص – كيف أعد الله للخلاص؟ القس كيرلس عبد المسيح

 

          (أف3:1ـ14): نشيد ليتورجى على الأرجح يرنمه بولس الرسول بفخر وفرح مجيد. نشيد المفديين بالخلاص الكامل والعتيد، المعد لهم من قبل تأسيس ، ونحن أيضًا بفرح مجيد مع بولس نرنمه، ونرجع إليه لنتأمل في تدبير ، لأن تاريخ والإنسان مع الله ما هو إلاّ تاريخ خلاص. والقديس أثناسيوس يقول شرحًا لهذه الفقرة:” الإرادة والتخطيط (للخلاص) قد أُعِدَّا منذ الأزل، أما العمل فقد تحقق عندما استدعت الحاجة، وجاء المخلّص إلى “[1].

          ونستطيع أن نُجمل مسيرة من خلال هذه المراحل:

1 ـ ما قبل الخلق وخلق الإنسان.

2 ـ سقوط الإنسان وما ترتب عليه من تهيئة الخالق، للخلاص.

3 ـ تجسد ابن الله ملء .

          وهذه المراحل غير منقطعة فيما بينها، بل هى متصلة ومندمجة معًا. إذ إنها تدبير الله الخالق، إله العهد، الفادى والمخلّص ” أنا الرب، وليس غيرى مُخلّص ” (إش11:43)[2]، فعلى (خروج42:12) ” هى ليلة تحفظ للرب لإخراجه إياهم من أرض مصر. هذه الليلة هى للرب” يذكر ترجوم أورشليم أنه ” كانت هناك أربعة ليالى مميزة تحفظ من جميع بنى إسرائيل في أجيالهم: تلك التي للخليقة، والتي للعهد مع ابرآم، والتي تم فيها أول فصح، وتلك المنتظرة لفداء العالم “[3].

          إن تدبير ، هو تدبير مخفى مكتوم منذ الأزل[4]. لكن اليوم الذي وُلِد فيه ” في مدينة داود مخلّص هو المسيح الرب ” (لو11:2) هو ملء الأزمنة الأزلية والحاضر والدهور الآتية، وهو الوقت المعين من الله لإعلان وإظهار ” السر المكتوم منذ الدهور ومنذ الأجيال ” (كو26:1)[5].

أولاً: ما قبل الخلق وخلق الإنسان

1 ـ الخلق على صورة الله كنعمة وخلاص:

          الله بما أنه ثالوث واحد قدوس، خلق الإنسان في أقنومه الثانى “الكلمة” الذي هو صورة الله غير المنظور و” الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره ” (كو15:1، عب3:1) و” الكل به وله قد خلق ” (كو16:1).

          وكون أن يخلق كائن في الخليقة على صورة الله، يعنى أن الله يميز هذا الكائن عن بقية الخلائق، وأنه يرفعه إليه ويجعل ارتقائه وتطوره نحوه (أى نحو الله) وبهذا الارتقاء يجعله أيضًا مؤهلاً ليكون شريكًا للطبيعة الإلهية ” فإن الله خلق الإنسان لعدم الفساد، وجعله على صورة ذاته الإلهية” (الحكمة 23:2) ويقول القديس أثناسيوس أن “الخلق هو نعمة، والصورة الإلهية هى نعمة أخرى إضافية”، تجعل البشر “يحيون الحياة الحقيقية؛ حياة القديسين في الفردوس”. هذا يعنى ضمنًا خلاص الإنسان من حدود العدم والفساد. ولأجل صلة القرابة والبنوة هذه، والتي مجّد بها الله الإنسان فإنه لن يكون هناك عائقًا أمام الخالق في مجيئه لخليقته متجسدًا[6].

          ويقول الأب صفرونيوس:” عندما خُلقنا على صورة الله، كان الله الآب يرتب تدبير بعطية الصورة الإلهية لنا .. وهكذا جاءت الحياة والوجود الإنسانى موازيًا ومثالاً للوجود الإلهى .. ورتب الله بذلك أن تحيا الخليقة، لكى تفهم ما سوف يعلن في آخر الدهور عن الحياة الإلهية[7].

 

2 ـ حفظ الخليقة كنعمة وخلاص[8]

          ” فإنك تحب جميع الكائنات، ولا تمقت شيئًا مما صنعت. فإنك لو أبغضت شيئًا لما كونته. كيف يبقى شيئًا لم ترده أم كيف يحفظ ما لم تدعه” هذه القراءة من (الحكمة24:11)، تعلن لنا بوضوح عن حفظ الله للخليقة التي دعاها الله للوجود. ويشرح القديس أثناسيوس الرسولى هذا القول هكذا: “كلمة الآب القدوس الكلى القدرة، الكلى الكمال اتحد بالكون وكشف عن قوته في كل أرجاء الكون، إذ أنار الكل ما يُرى وما لا يُرى، وهو يمسك بكل الكائنات ويربطها به، وبذلك لم يترك شيئًا من المخلوقات محتاجة إلى قوته، بل بالعكس يحيى كل شئ في كل مكان”. الثالوث القدوس إذن، لم يترك الخليقة فارغة من قوته بعد تكوينها، وبذلك فهى تتلقى منه وجودًا وارتباطًا به وخلاصًا بقوته، لكى تبلغ المقاصد والمواعيد العتيدة المعدة لها في المسيح (أف10:1).

 

3 ـ من خلال الشركة في حياة الله

          خلق الله في الفردوس ” أشجارًا ذا ثمر ” ” ورأى الله ذاك أنه حسن” (تك11:1،12) وقال الله ” إنى قد أعطيتكم .. كل شجر فيه ثمر .. لكى يكون لكم طعامًا” (تك29:1) ولكنه ميز شجرة في الفردوس عن كل الأشجار، وتلك هى “شجرة الحياة.” إذ يمد (الإنسان) يده ويأخذ من شجرة الحياة.. ويأكل.. يحيا إلى الأبد ” (تك22:3). لهذا وضع الرب هذه الشجرة في وسط الجنة (تك9:2) لتكون أمام عينى آدم حتى تشغل مركز عقله واهتمامه وتملأ قلبه “ جعل الكل حسنًا في وقته، وأيضًا جعل الأبدية في قلبهم التي بلاها لا يدرك الإنسان العمل الذي يعمله الله من البداية إلى النهاية” (جا11:3). وبالطبع فإن هذه الشجرة لا تُحيى بمجرد الأكل، وإلاّ حُسبت على قدر المساواة بذاك الذي غرسها، فينسى الإنسان بذلك مصدر حياته وخالقه. كان الواجب أن يكون الأكل من الشجرة مصاحبًا التأمل في الله. وكانت هذه الشجرة تؤكد وتعبّر من جانب، عن المسافة بين الله والإنسان، ومن جانب آخر، عن عطية الله للإنسان، وذلك ليكتشف الإنسان حاجته لما يسد تلك الهوة بينه، كمخلوق وبين الله الحى بذاته، فيحيا المخلوق القابل للموت، بالحى بذاته. كما أن الشجرة كانت تهدف أيضًا إلى أن لا يحيا آدم في الخلود من ذاته الذي هو أصل السقوط وكل خطية.

          إذن لكى يحيا آدم حياة مغايرة، غير مائتة كان عليه، أن يقتنى التمييز بين حياة وحياة، أى أن لا يساوى نفسه بالمخلوقات الباقية من جانب، وأن يتجه نحو الحياة التي تأتى له من الله من جانب آخر. يقول القديس أثناسيوس ” خلق مخلّصنا يسوع الجنس البشرى وجعل الإنسان قادرًا على رؤية وإدراك الحقائق بواسطة هذه المشابهة لشخصه.. عائشًا حياة الخلود كاملة ومباركة يقينًا.. إذ يتأمل في العناية الإلهية التي تمتد إلى الكون عن طريق “الكلمة”، مرتفعًا عن الأشياء الحسية والمظاهر الجسدية ومتصلاً بقوة عقله بالإلهيات والأشياء التي تدرك بالعقل في السموات.. وإذ يرى “الكلمة”، فإنه يرى فيه أيضًا أبا “الكلمة” متلذذًا بالتأمل فيه، ومكتسبًا التجديد من الانعطاف نحوه. وذلك تمامًا كأول إنسان خُلق ـ الذي سُمى بالعبرية آدم ـ إذ وصف في الكتب المقدسة بأن عقله كان متجهًا نحو الله بحرية لا يعيقها الخجل. وبأنه كان يشارك القديسين في التأمل في الأمور التي يدركها العقل، والتي كان يتمتع بها في المكان الذي كان فيه الذي دعاه موسى رمزيًا بالجنة، لذلك فإن طهارة النفس كافية في حد ذاتها للتأمل في الله. كما يقول الرب أيضًا ” طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله“. والقديس غريغوريوس العجائبى يعتبر أن غياب الاتجاه نحو الله، كان سبب الخضوع لغواية الحية: ” حواء التي استراحت في الفردوس كان عقلها عقيمًا بلا فكر ولا تأمل، ولذلك خضعت لغواية وكلام الحية أصل كل الشرور”. هذا يفسر ما جاء في (الحكمة10:9) فإن الجسد الفاسد يثقل النفس وللخيمة الترابية عبء للعقل الكثير الهموم.

 

خلاصة الأمر:

          إن الحياة في الفردوس كانت تعنى لآدم أنه مدعو للبقاء إلى الأبد في نعمة الصورة الإلهية، وبذلك يكون بقاؤه ونجاته من الموت، وخلوده في الفردوس، هو في الشركة مع الله. فيدوم خلاصه وتحرره من الفساد والموت.

          إن آدم قبل سقوطه كان حيًا ـ طالما كان هناك تأمل، وانعطاف فكر نحو الله، ومحبة، واتحاد بالله وتجديد حياة، فلم يملك عليه الموت وقتئذٍ. وكان ذلك له خلاصًا يحمل الوجهين المتلازمين كما لعملة واحدة: التجديد في الحياة والنجاة من الموت بآن واحد.

 

ثانيًا: سقوط الإنسان وما ترتب عليه من تهيئة الخالق العالم للخلاص:

          تبدأ هذه المرحلة بالوعد الخلاصى بسحق الحية (تك15:3)، والممنوح لآدم وحواء أثناء خروجهما من الفردوس تحت سيطرة الموت والفساد. وبعد أن كساهما الله بالأقمصة الجلدية مفتتحًا بذلك أزمنة الذبائح. وطوال هذا التاريخ الذي يمتد من الوعد في جنة عدن (تك24:3) إلى ميلاد المسيح في قرية بيت لحم (مت1:2) كان الله يمهد كل الطرق لمجيء المخلص المسيّا الذي تدور حوله الأزمنة والمواعيد والعهود والعبادة. وقد كان يوم مجيء المسيا هو النقطة التي تجمعت فيها كل خطوط الزمان، وما فوق الزمان، وما قبل الزمان، وهو النقطة التي جعلت لكل شئ معنى (أف10:1). منذ ذلك اليوم اعتبر  الماضى، على أنه لم يكن خرابًا أو فراغًا بل مخاضًا لميلاد ملك الدهور الحاضرة والآتية، يقول القديس ايريناؤس: ” عبر كل ظهورات الله في تاريخ إسرائيل، كانت كلمة الله تعتاد أن تعيش مع أبناء البشر وتُعَوِّدهم أن يعيشوا معها “. 

 

حقبة إسرائيل ورسالتها في إعداد العالم للخلاص:

          “إن مفهوم العهد القديم عن الخلاص واسع ومتشعب.. وكلمة “الخلاص” تأتى دائمًا في تلك المقاطع التي ترجع إلى التحرير بالمعنى الحربي. وفي هذه المقاطع يمكن ترجمة الكلمة بـ “النصر” وفي الاستخدامات المماثلة تعتبر كلمة ” الخلاص ” مرادفة لأعمال التبرير أو دينونة الأمم المقاومة لإسرائيل. الخلاص يعنى أيضًا التحرير من أى تهديد لحياة أو سلامة الإنسان. في العالم القديم، الملك دائمًا هو المخلّص، إليه يتطلع الشعب للخلاص من أعدائهم من خلال الحرب أو من خلال الخلاص من الظلم الموجود في المجتمع؛ بعدله والتزامه بأحكام القانون[9].

          عمليًا يبدأ تاريخ الشعب المقدس من ابراهيم (تك1:12). لكن العالم لم يكن بعيدًا عن تدبير الخلاص، إذ أن ابراهيم قد قبل المواعيد والبركة في نسله إلى الأبد ” لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح” (غل14:3)، فالاختيار الإلهي وقع على شعب إسرائيل، إلاّ أن تاريخ إسرائيل المقدس لم يكن دائرة مغلقة عليه، إذ أن العالم قد استُوعب داخل هذه الدائرة والتي كان مركزها المسيح الذي سيرسله الله في الوقت المناسب ” ليخلّص به الجميع ” (أنظر يو17:3).

حقبة تاريخ إسرائيل، عرض موجز[10]

 

  • توجه إبراهيم من أور إلى حاران قبل أن ينتقل إلى أرض كنعان.
  • نزح قسم من الإسرائيليين إلى مصر وبعد أن ذاقوا الأمرين فيها، خرجوا منها على يد موسى، فكان الخروج إيذانا بولادة شعب جديد وبداية التاريخ المقدس لهم.
  • دخل الشعب أرض كنعان بين سنة 1220، 1200 ق.م. وعاشوا في أيام القضاة الذين كان آخرهم صموئيل، ثم طلبوا ملكًا يوّحد كلمتهم وكان شاول البنيامينى.
  • خلف داود شاول وافتتح أورشليم وجعلها عاصمة مملكته، وخلفه سليمان ابنه الذي بنى الهيكل وكانت أيامه أيام سلام. لقد وصل الشعب إلى قمة انتظاره. وهكذا صار للشعب أرض وملك وهيكل.
  • لكن الملك الحكيم العظيم بانى الهيكل منعه الموت من البقاء. والمملكة انقسمت من بعده إلى قسمين، ثم سقطت السامرة أولاً سنة 721 ق.م على يد الأشوريين، ثم أورشليم سنة 587 ق.م على يد البابليين، فتبددت الآمال في الأرض والملك والهيكل.
  • في سنة 538 ق.م سمح الملك الفارسى كورش لليهود بالعودة إلى بلادهم، لقد تنقت الجماعة بالألم الذي احتملته في المنفى، وصارت تعيش في فقر يفتح قلبها على نداء الله.
  • في سنة 333 ق.م، احتل الاسكندر الأكبر الشرق الأوسط ونشر فيه الحضارة اليونانية.
  • في سنة 63 ق.م. سيطرت روما على الشرق وكان هيرودس ملكًا على فلسطين منذ سنة 40 ق.م إلى سنة 4 ق.م، وفي أيامه وُلِدَ المسيح.

 

من حقبة إسرائيل التاريخ إلى إسرائيل المعنى والغاية:

          يحمل الرسول بولس في (رو4:9،5) الخلاصة اللاهوتية لتاريخ إسرائيل وغايته في هذه الكلمات: ” الذين هم إسرائيليون، ولهم التبنى والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد ولهم الآباء ومنهم المسيح حسب الجسد، الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد آمين“. والقديسة مريم التي تربت منذ طفولتها على كلمة الله في العهد القديم أثبتت في تسبحتها الخالدة أن الكلمة الإلهية لإسرائيل القديم هي صادقة وأمينة، ولم ترجع فارغة؛ إذ نجحت في إعدادها نجاحًا تامًا لقبول كلمة الله المتجسد منها، باستجابتها “ هوذا أنا أمة الرب. ليكن لى كقولك” (لو38:1). وعلى خطى القديسة والدة الإله لم تجد كنيسة العهد الجديد أى ردة أو انتكاسة في الاستقاء والاستناد على العهد القديم في ليتورجيتها وعبادتها، حتى صارت بحق الوريثة الحقيقية والوحيدة لتقوى العهد القديم، وهذه خلاصة بعض الأفكار اللاهوتية، والتقوية المتعددة التي احتواها العهد القديم والتي أعدت الطريق للرب.

 

1 ـ الإعلان عن طبيعة الله

          أ ـ قلب الإيمان، الله الواحد:

          العقلية العبرية مبنية على عبادة الله الواحد الذي أحب شعبه حبًا مجانيًا. لهذا لا تكون الطقوس عند المؤمن عملاً سحريًا يسيطر به الإنسان على آلهته، بل جواب الإنسان على نداء الله.” اسمع يا إسرائيل” (تث4:6ـ7)، المؤمن يردد هذا النص كل يوم. هذه هى صلاته وقلب إيمانه، أنه يؤمن أن الله هو وحده خالق السماء والأرض وهو سيد تاريخ الكون.

ب ـ الله الكائن:

الله موجود وحى وعامل بذاته، وفي خليقته أيضًا بكلمته وروحه وفي قصة العليقة (خر1:3ـ14)، حين سأل موسى الله عن اسمه فقال له: ” أنا يهوة الذي يهوة ” أى (انا هو الكائن الذي يكون).

          ج ـ الله القدوس والبار:

          وهذا يتضح من خلال الناموس المسجل في أسفار الخروج واللاويين والعدد والتثنية.

          د ـ الله الرحوم والرؤوف:

انظر مثلاً (خر19:33 ، 9:15).

          هـ ـ الله المحب:

          انظر (2أى9:8، إر3:31 ، إش63:9 ، 1يو8:4ـ12).

 

2 ـ الإعلان عن طبيعة علاقة الله بالعالم

          إن علاقة الله مع العالم تعتمد أساسًا على إقامة العهد معه، وهناك ثلاثة عهود تضمنتها أسفار موسى الخمسة:

          1 ـ العهد الذي أعطى لنوح (تك1:9ـ17) وهو ممتد لكل الخليقة.

          2 ـ العهد الذي أُعطى لإبراهيم (تك1:12ـ3 ، 18:15)

          3 ـ العهد الذي أُعطى لبنى إسرائيل (خر24:19)

          وقد قطع المسيح على مائدة العشاء الأخير معنا، عهدًا جديدًا بدمه الخاص الذي استوعب وأكمل كل العهود والمواعيد السابقة من جهة الله، ومن جهتنا، إذ أنه رسول اعترافنا الذي كمل كل بر لم نفعله.

 

3 ـ الإعلان عن الحاجة المصيرية إلى الذبيحة الكاملة

          الناموس وبوضوح في (لا1ـ16) يتضمن صراحة وضمنًا عدم القدرة على الوصول إلى القداسة الإلهية، وهكذا يدعونا أن ندرك الوضع الذي نحن فيه والوضع الذي يريدنا الله أن نكون عليه، وأن نفهم أننا لن ندخل ملكوت السموات إلاّ بنعمة ورحمة ربنا يسوع المسيح. وعليه فإن غاية ناموس العهد القديم كانت تتمثل في قيادة أرواحنا إلى قبول حتمية فداء الله لنا في ” حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو29:1) وعلينا ألاّ ننسى هنا أن حمل الفصح كان من جهة يذّكر المؤمنين كل سنة، بانتصار عظيم في الماضى، ومن جهة أخرى كان يذّكرهم بالمواعيد التي ستتم في المستقبل.

 

4 ـ الإعلان والتمهيد لحضور الله وسط شعبه

          الله الموجود في العالم، موجود كذلك وجود خاص في مسكنه: خيمة الاجتماع، الهيكل، قدس الأقداس، تابوت العهد.. ولما أراد يوحنا في إنجيله (يو14:1) أن يعبر عن حضور الله في الجسد واتحاده به قال:       “ والكلمة صار جسدًا وحل بيننا“. وهو يعنى باليونانية “سكن في المظلة”، أى في “الشاكيناه” بلغة العهد القديم. وفي هذا المسكن المخصوص اعلان أيضًا عن ” الكنيسة التي هى جسده ملء الذي يملأ الكل في الكل” (أف22:1). وقد كانت السيدة العذراء هى مثال الكنيسة التي حلت عليها سحابة المجد، جسدًا وعقلاً: ” الروح القدس يحل عليك وقوة العلى تظللك..” (لو35:1).

5 ـ الإعلان عن المسيا والمخلّص الآتى

          المصطلح” المسيا “، والصورة المحددة له، يصعب استقصائها، لأنه لا يوجد مفهوم واحد عن كيف سيكون المسيا.. الكلمة تعنى ” الممسوح وحده”، لكن في العهد القديم كان الكهنة وأحيانًا الأنبياء ومثلهم الملوك  ممسوحين أيضًا.. وجماعات قمران مثلاً كانت لها توقعات في كون المسيا كاهنًا مثل هارون، وملكًا لإسرائيل، بالإضافة إلى أنه النبى العتيد أن يأتى[11].

نحن هنا أمام انتظار شعبى عام. ولذا لما أعلنت كرازة يوحنا المعمدان عن قرب تدخل الله الحاسم، تحركت الجموع واعتمدوا، وصار عندهم يوحنا أعظم من نبى. هذا الرجاء سيلتقى به يسوع، وسيكشف عنه، ولكن خلوا من الشوائب، إذ أنه جمع في شخصه المبارك الكمال المطلق، الذي كانت ترمز إليه وظائف رجال العهد القديم: الملك، والكاهن، والنبى، والمحرر.. خلوا من هشاشة البشر الذين حملوا تلك الوظائف، واختبر الشعب قصورهم مثلما اختبر تمامًا هشاشة الحياة الأرضية الجسدية، فتطلع إلى الوطن السماوى الأفضل وتعّود أن ينظر إلى ما لا يرى “[12].

وانتهى زمان تربية الله لشعبه:

          تحدث السيد المسيح إلى الفريسيين قائلاً: ” فتشوا الكتب.. وهى التي تشهد لى” (يو39:5)، وهكذا كان السيد المسيح نفسه يخبرنا أن العهد القديم ما هو إلاّ استعداد وظل لاعلان العهد الجديد. وقول بولس الرسول ” كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح” (غل24:3). يفهمنا أيضًا دور الشريعة الإيجابى، فقد قادتنا إلى المسيح وأهلتنا لسماع الإنجيل، وقد حررنا يسوع، ولن نعد بعد عائشين في حراسة المربى. بالإنجيل دخلنا نظام الحرية الذي يليق بأبناء الله. والتدبير الذي عرفه شعب العهد القديم سيدخل بالتجسد في تاريخ تدبير خلاص كل العالم، ويبلغ مرحلته الأخيرة وملئه من خلال يسوع المسيح.

 

تاريخ العالم العام تحت الاعداد للخلاص:

نميل هنا لننظر ونتتبع مسارات نعمة الخلاص في بقية فروع شجرة تاريخ العالم الملتهبة أيضًا بنار الإعداد الإلهى للخلاص.

 

1 ـ روما الدولة القوية

          ” كانت روما في القرن الأول قبل الميلاد هى القوة الوحيدة في عالم البحر المتوسط… وفي هذه الامبراطورية الشاسعة تجمع التراث الحضارى للعالم القديم، سواء كان اليونانى أو الشرقى أو السامى أو الغرب أوروبى، فاندمجت جميعها وانتشرت بين ربوع الامبراطورية. وقد أثر هدوء الحالة السياسية في انتشار دعائم السلام، واتجهت روما إلى مد الطرق الكثيرة التي كانت تربط أطراف العالم القديم … وفي ذلك الوقت سادت اللغة اللاتينية في الغرب واليونانية في الشرق. وهكذا بترتيب العناية الإلهية، تجمعت كل تلك الظروف لتكون أنسب الأوقات لميلاد المسيح وانتشار المسيحية في العالم[13].

 

2 ـ الفلسفات القديمة

          في (أع16:17ـ34) نقرأ عن دخول بولس الرسول لآريوس باغوس ولم يكن قوله في (أع23:17) تفكيرًا توفيقيًا ما بين ثقافة اليونانيين والمسيحية. بل كان كشفًا لفكر البشر الباحث عن إله الحياة والحركة والوجود (أع28:17). فهناك حضور محتجب ومخفى للوغوس ينير كل العالم، لم يستعلن لنا بقوة إلاّ حينما صار الكلمة جسدًا. أدرج القديس بولس هذا الفكر الملهم في مسار الحق المتجه نحو (الأوميجا) أى ” الكلمة ” نهاية كل فلسفة ودين. نتاج الفلسفة هو إشعاع من إلهام اللوغوس الذي طبع في الإنسان صورته عندما خلقه. ومع هذا فالمسيحية تتميز عن الفلسفة كتأمل موضوعى أو كفكر نظرى بكونها خبرة حياة المسيح فينا. الفلسفة تلتقى فقط مع المسيحية فيما أناره اللوغوس في بعض نواحيها. ولذلك فإن تحذير الرسول بولس من إغراء الفلسفة (كو6:2، 1يو19:1ـ25، 18:3ـ20) لا يدل على عدائه للفلسفة، بل على تمييز وإفراز لما هو باطل وملق في نتاجها أو في طرقها.

وآباء الكنيسة: كانت لهم بصفة عامة نفس الرؤيا اللاهوتية للعهد الجديد من نحو الفلسفة، إذ أن معظمهم تعلّم الفلسفات القديمة، ومنهم مَن كانوا فلاسفة وتحولوا إلى المسيحية، بل ومنهم مَن كان معلّمًا لفلاسفة. يوستينوس الشهيد مثلاً ينظر إلى الأفلاطونية كما لو كانت خير إعداد للعالم الوثنى لتقبل المسيحية. بل واعتبر أن نطق أفلاطون كان بقوة الكلمة (المسيح) … لكنه رأى أن الفلسفة الصحيحة هى في معرفة الله من خلال المسيح. أيضًا “يوسابيوس القيصرى” رأى أن التدبير الإلهى للخلاص شاء أن يجعل أفلاطون بمثابة نبى، تلقى الوحى فقط، ولكنه لم يدخل أرض الحق الموعودة[14]. ويقول كليمندس الأسكندرى في (المتفرقات 1ـ13) “إن الفلسفة في معناها هى عمل التدبير الإلهى” وفي (5:1) يقول أيضًا ” قبل مجيء المسيح كانت الفلسفة ضرورية.. لقد أُعطيت الفلسفة لليونانيين مباشرةً، وبطريقة بدائية، إلى أن يدعوهم الرب. وكما يقود الناموس العبرانيين للمسيح (غل24:3)، هكذا كانت الفلسفة إعدادًا، تهيئ الطريق للذين يتكلمون في المسيح” و “أن ما أنعم به على الأجيال وكان سببًا لحضارتها، أعطى في الوقت المناسب، وكان تمهيدًا وتدريبًا وتأهيلاً لسماع كلمة الرب في حينها “

 

3 ـ الترجمة السبعينية:

          بدأت على يد بطليموس من القرن الثالث قبل الميلاد ترجمة كتب العهد القديم من العبرية إلى اليونانية وامتدت أربعة قرون، فقد قرأ العالم اليونانى القديم هذه الترجمة واستفاد منها ولاسيما أعظم فلاسفته، كما أكد لنا ذلك آباء الكنيسة. فقد ” توزع اليهود منذ السبى في القرن السادس ق.م، في منطقة الشرق الأوسط وفي شرقى البحر المتوسط، حتى ناهز عددهم في القرن الأول الميلادى المليون في مصر وحدها .. كما تواجد اليهود في معظم المدن الرئيسية، حيث كان لكل مدينة مجمعها الخاص”[15]. هذا ” جعل أبواب المجامع اليهودية مفتوحة منذ القرن الثالث ق.م أمام المتعاطفين مع اليهود، حتى يمكنهم فهم القراءات والعظات التي تلقى فيها باليونانية. وتؤكد الاكتشافات الأثرية صدق هذه الشهادات وهذا النجاح، ففي أكثر من 150 موضعًا في العالم القديم، ظهرت آثار لقيام مجامع يهودية “[16]. ورأى اليهود في هذا تدبيرًا إليها، لنقل الإيمان إلى الأمم ” ويلّخص الرابى لعازر هذه العقيدة بقوله الذي جاء في التلمود البابلى:” الله شتت اليهود ليسهل اهتداء الدخلاء”[17].

          وهكذا دون قصد بشرى استعدت أمم العالم لاستقبال المخلّص مشتهى كل الأجيال.

 

ثالثا : تجسد ابن الكلمة ملء الخلاص

إن مفهوم الخلاص عند الآباء، لا يعنى مجرد التحرر من الذنب، بل هو مفهومًا أوسع وأكثر شمولا من تحديات الكنيسة الكاثوليكية الرومانية عن “الفداء”، أو الاسترضاء ومن المفهوم البروتستانتى عن التبرير. الكنيسة  الأرثوذكسية تستخدم كلمة “الخلاص” لوصف كل العمل الذى أكمل بواسطة يسوع المسيح. والقديس أثناسيوس كان ذو فكر عميق, فيما يتصل بضرورة التجسد، إذ انطلق من الصفتين الأساسيتين لله وهما صلاحه وأمانته”.[18]

كان لصوم المسيح وصلاته ومعموديته، دور في تدبير الخلاص من قبيل التعليم، أو القدوة والمثل الاعلى للفضيلة: يقول عنه القديس كيرلس الكبير: ” الطبيعة التى تعللت قديما بدنس الخطية، والمخالفة فى الإنسان الأول بسبب الشهوات الدنيئة، كانت تتشكل فيه من جديد بالنسك على شكل القداسة”.

وعن معمودية ربنا يسوع المسيح يقول القديس أثناسيوس: ” لم يكن اللوغوس نفسه هو المحتاج لانفتاح أبواب السماء .. بل نحن الذين كنا نحتاج إلى ذلك, نحن الذين كان يحملنا فى جسده الخاص”.

وعن خروجه للبرية يقول القديس كيرلس: ” وأما هو فقد جاء لكى يجعلنا به وفيه نربح الغلبة, من نفس الموضع الذى فيه قد غُلبنا فى القديم وسقطنا فى أدم”. وعن الصلاة يقول أيضا” قدم طلبات وتضرعات للآب، لكى يجعل أُذن الآب صاغيًا لصلواتك أنت أيضا”. ان الخلاص والتجديد يعتمد فى الأساس على اكتساب الصفات الالهية, كقول القديس كيرلس” كل ما للمسيح صار لنا”. ولذا فالمفاهيم المجردة أو المحدودة للاسترضاء أو التبرير أو غيرها، كتعبير عن الخلاص، لا تستوعب ملء الخلاص كما تعيشه الكنيسة فى أسرارها وليتورجيتها وتقواها وقوانينها وحياتها .

 

1ـ سر الإفخارستيا وتشكيل الإنسان فى المسيح :

فى صلاة بعد القسمة فى قداس القديس كيرلس يصلى الكاهن هذه الصلاة “… لكى نتناول من هذه الأسرار النقية, ونظهر كلنا كاملين فى أنفسنا وأجسادنا وأرواحنا, اذ نصير شركاء فى الجسد وشركاء فى الشكل، وشركاء فى خلافة مسيحك..” هذه الصلاة من ضمن صلوات أخرى كثيرة، تؤكد أن التغيير والتشكيل الجديد لنا فى المسيح يتم من خلال سر الإفخارستيا, ويؤكد هذا القديس كيرلس بقوله: لقد تغيرنا إلى شكل المسيح روحيا, لأن المسيح يحل فينا أيضا بالروح القدس وبسر الأولوجيا”.

الإفخارستيا هى النقطة أو الذروة التى تتركز فيها عطايا الرب للإنسان منذ الخلق وإلى مجيء الرب. فكما أنه لا يمكن تصور الفردوس بدون شجرة الحياة التى ما هى إلا رمزًا ومثالاً لعطية الدهور الكاملة المذخرة فى سر الشكر ـ هكذا لا يمكن تصور الكنيسة بدون الإفخارستيا, شجرة الحياة الحقيقية .

فحيثما يوجد سر الشكر، توجد الكنيسة، وحيثما توجد الكنيسة، يوجد سر الشكر.

2ـ سر الشكر وقراءة جديدة لتاريخ اسرائيل والعهد القديم:

أسس المسيح إلهنا سر الإفخارستيا فى عشاء ليلة الخميس الكبير وسلمه للكنيسة حتى نهاية الزمان، علامة وبرهانا على أن جماعة المسيا (شعب الله) سوف تجتمع حوله إلى أن يجئ .

          كان كسر الخبز و الصلوات و الكلمة أساس ليتورجيا القداس منذ ممارسته الأولي (أع42:2)، معتمدة في ذلك علي الطقس اليهودي للاجتماعات الدينية، ومن ثم كان الاجتماع الرسولي الملتف حول المخلص الحاضر حضوراً سرياً، ليس قاصرًا على التناول من وجبة خبز مكسور، بل هو أيضًا شركة صلاة ترفع إلي الرب القائم، أي تَذكّر عمل الخلاص الذي تحقق بالمسيح، ويسود الفرح عندئذ قلوب الجميع، إذ يسمح إيمانهم باكتشافهم سر المسيح القائم في وسط الذين وحدّهم القلب الواحد و الفكر الواحد، الذين يحدوهم الرجاء الصادق أن يومًا ما، ربما حالاً و قريبًا أقرب مما يتصورون سيرجع الرب إليهم ثانية.” فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس ، تخبرون بموت الرب إلي أن يجئ ” (1كو11: 26).

 

3ـ الإفخارستيا والكاهن والشعب معاً نحو ازدهار العالم بالحياة الجديدة: 

” أصل هذه الكنيسة الحقيقي ـ أنها كنيسة كهنوتية ـ مولودة من المسيح الكاهن، الذي يقدم ذاته في الذبيحة، وقد عهد المسيح إلى الكاهن “ذكري” ذبيحته، ويأمر أن يقبلوا ما فعله حتى أواخر الدهور “[19]

 وإن كان لكلمة “كاهن” اشتقاقاتها فى اللغات القديمة ولم نحصل على أية نتائج من جراء البحث عن التسمية، فإن الفعل السريانى “كاهين” بمفهومه الشائع يعني “صنع ازدهار أو تسبب حالة من الانتعاش والازدهار”[20].

فإن هذا المعنى مفيد ومعبر بالفعل عن كاهن العهد الجديد، الذى به يصنع الرب ازدهاراً وانتعاشاً بواسطة فلاحته فى فردوسه الجديد. “الكهنوت جزء لا يتجزأ من نظام العبادة الليتورجية, فالكهنوت خدمة, هى خدمة المسيح… ولا يوجد إلا كهنوت واحد هو كهنوت المسيح، الذي توجد الكنيسة كلها لتؤديه وتخدمه وتجعله واقعياً هنا والآن…”[21]. الكنيسة هي ليتورجيا دائمة، وذلك علي صورة رئيسها ومؤسسها الذي هو في السماء في حالة ليتورجية دائمة… غاية الكهنوت هي أن ينفتح هذا العالم علي الأبدية وأن لا يقتصر وجود الإنسان علي الأرض علي ما في هذه الدنيا وحسب… الكاهن هو الإنسان الذي بنعمة المسيح يقف دوماً بين عالمين، هما واحد في المسيح الذي ” جمعهما ” في ذاته. فانظروا ما أعظم سر الكنيسة و سر حياتنا فيها.

نحن من هذا العالم وفي الوقت نفسه لسنا من هذا العالم . إننا نقرب إلي الرب هذا العالم الذى هو له، وذلك في حالة إفخارستيا دائما.  ولأننا نقرب هذا العالم، فهو يرسل إلينا عالمه، العالم الإلهي، نعمة الروح القدس”[22].

الكنيسة تعد الخليقة ليوم مجىء الرب يسوع، ولإدخالها الحياة الأبدية وتمتعها بها. والآن نحن لا نجتمع في الإفخارستيا علي مجرد تذكار يمضى ويطويه الزمن لأن:

1ـ الإفخارستيا أبدية تتجاوز الزمان المحسوب بالأيام والساعات، ولا تعود بنا إلى الماضى، بل تنطلق بنا وتعدنا إلى المجىء الثانى، إنها احتفالية الكنيسة باليوم الأول للخليقة الجديدة.

2ـ هناك إدراك قوى في ذهن المتناولين بإيمان للحضور السماوى وأن الأرض تتحول إلى سماء، كما يليق بجسد ذلك القائم في السماء والذي نمسكه بأيدينا، وأن الإفخارستيا هى ذبيحة المسيح المقدمة للأبد دون نقصان أو تأثير زمان.

وأخيرًا:

          ” يحتل التاريخ الدنيوى واجهة مسرح العالم. ولكن وراءه يسير تاريخ آخر هو تاريخ مخطط الخلاص الذي غايته فداؤنا الكامل في المسيح: اسمه التاريخ المقدس… ليس التاريخ المقدس والتاريخ الدنيوى واقعين منفصلين، فيسير الواحد بمحاذاة الآخر. بل هما متشابكان متداخلان. فليس هناك إلاّ تاريخ بشرى واحد يسير مساره على المستويين معًا. فنعمة الفداء التي يشكل مسارها السرى التاريخ المقدس، تعمل في قلب التاريخ الدنيوى وتسعى لأن تنتزعه من الأخطار التي تتربص به… وبما أن مجيء الإنسان الجديد في المسيح هو الغاية الأخيرة التي يتجه إليها كل شئ، نستطيع القول أن التاريخ المقدس يستعيد التاريخ الدنيوى، ويعطيه غايته الأخيرة. كل أحداث الأرض ترتبط بالتاريخ المقدس والتاريخ الدنيوى معًا. ولكن من خلال التاريخ الدنيوى يبرز التاريخ المقدس من خلال أحداث رتبتها العناية الإلهية من أجل تحقيق الخلاص “[23].

إن تدبير الخلاص حى كامل في ضمير وتاريخ العالم كله، والدهر الآتى حاضرًا سريًا ومخفيًا فيه كخميرة صغيرة. ” تاريخ العالم هو تاريخ الكنيسة، التي هى الأساس السرى والفريد للعالم “[24].

ولا يزال الله يعد العالم ” لخلاص مستعد أن يعلَن في الزمان الأخير” (1بط5:1). آمين تعال أيها الرب يسوع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1  الرسالة الثانية إلى الآريوسيين فقرة: 77

2  راجع أيضًا (إش8:45 ، هو4:13)، (مز19:68 ، 20 ، 9:79 ، 4:85)، (مز14:118، 21 ، إش2:11)، (لو69:1، رو16:1)، (إش6:49، 1، 1تس8:5 ، لو17:4).

3  أنظر “شهادة يسوع هى روح النبوة” ـ كنيسة القديس أنبا مقار ـ امبابة ص47.

4  راجع رو11:9، أف3:1، 11، 11:5، 2تي9:1.

5  راجع أف10:1، 7:2، 9:3ـ11، 2تي9:1ـ12، تي2:1ـ3

6  راجع القديس أثناسيوس ـ تجسد الكلمة 1:8، 2، 4

7  أنظر “الثالوث فرح الخليقة الجديدة” ص51.

8  راجع مز29:104ـ30، كو17:1، عب3:1.

[9]  The New Jerome Biblical Commentary 77:140

10  تعرف إلى العهد القديم، دراسات بيبلية، رابطة الكتاب المقدس ـ بيروت ص37 (بتصرف).

[11]  The New Jerome Biblical Commentary 78:34

[12]  The New Jerome Biblical Commentary 77:134-9

13 أنظر المرشد الجغرافى التاريخى للعهد الجديد، كنيسة السيدة العذراء، محرم بك، الاسكندرية ص9.

14  أنظر المقدمة فى فلسفة الدين ـ دار النهار ـ بيروت، أديب صعب ص49ـ50.

15  انظر المرشد إلى الكتاب المقدس ـ دار الكتاب المقدس ص497.

16 انظر العهد القديم كما عرفته كنيسة الأسكندرية ـ دير القديس الأنبا مقار ص17ـ18.

17 المرجع السابق ص14.

[18]  Introduction to Orthodox Theology: Constantine N. Tsirpanlis, p:61

[19] The Study Of Liturgy SPCK.P21

[20]  The New Jerome Biblical Commentary 76:7 

[21] The Study Of Liturgy SPCK. P21 

22 في الكهنوت ـ الأب أندريه سكريما ـ رهبنة دير مارجرجس الحرف .

23 المدخل إلى الكتاب المقدس، الجزء الثالث ـ منشورات المكتبة البوليسية ـ الخورى بولس الفغالى ص 370ـ371.

24 الأب جورج فلورفسكى عن: الرؤيا الأرثوذكسية للإنسان ـ عدنان طرابلسى، منشورات النور ـ بيروت ص48.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

مبادرة البابا فرانسيس المسكونية من أجل مسيحيي الشرق الأوسط

مبادرة البابا فرانسيس المسكونية من أجل مسيحيي الشرق الأوسط

مبادرة البابا فرانسيس المسكونية من أجل مسيحيي الشرق الأوسط مبادرة البابا فرانسيس المسكونية من أجل …