أبحاث

المسيح المنتظر علماء اليهود وتفسيرهم للنبوّات – القمص عبد المسيح بسيط

المسيح المنتظر علماء اليهود وتفسيرهم للنبوّات – القمص عبد المسيح بسيط

المسيح المنتظر علماء اليهود وتفسيرهم للنبوّات - القمص عبد المسيح بسيط
المسيح المنتظر علماء اليهود وتفسيرهم للنبوّات – القمص عبد المسيح بسيط

علماء اليهود وتفسيرهم للنبوّات الخاصة بالمسيح المنتظر – القمص عبد المسيح بسيط

  أمتلأ العهد القديم، التوراة، كما بينّا أعلاه، بالنبوّات والإشارات والتلميحات والرموز عن شخص المسيح الآتي الذي سيأتي في ملء الزمان ليقيم ملكوت الله، ملكوت السموات، ويعيد الإنسان إلى الفردوس الذي طرد منه، هذا المسيح الآتي دعاه أنبياء العهد القديم بالروح القدس ووصفوه بألقاب عديدة أهمها؛ النسل الآتي، نسل المرأة، ونسل إبراهيم ونسل إسحق ونسل يعقوب، والقضيب ” شيلوه ” الآتي من سبط يهوذا، والكوكب الذي يبرز من يعقوب، ونسل داود، وغصن داود، وغصن البر، والإله القدير، وعمانوئيل، والرب برنا، والمخلص، والمسيح، والمسيح الرب، والمسيح الرئيس، وشبه ابن إنسان، وقدوس القدوسين 00 الخ

  والسؤال الآن ماذا عن تفسير علماء اليهود، الرابيين، قديماً وحديثاً، لهذه النبوّات؟ وماذا فهموا منها؟ وماذا كانت نظرتهم لها ولهذا الشخص الذي تنبأ عنه الأنبياء؟ هل آمنوا أنه المسيح المنتظر؟ وكيف طبقوها عبر تاريخهم؟  

  والإجابة كما جاءت في أهم كتبهم وأقوال علمائهم (الربيين – رباي –

هذا ليس عدلاً – مشكلة الشر

)، وأهمها التلمود[1] والترجمات والمدراش[2] والزوهار[3]، هي الإجماع على أن هذه النبوّات تتحدث عن المسيح[4]، المسيا، المنتظر، لدرجة أنهم قالوا، كما يسجل التلمود: ” أن كل الأنبياء تنبئوا عن المسيح فقط “[5]، بل وقالوا: ” أن العالم لم يخلق إلا لأجل المسيح “[6].

  وقد جمع العالم الكتابي الفريد أيدرزهايم (Alfred Edersheim – 1825 -1889م)، اليهودي السابق، والذي تربي في مدرسة التلمود والتوراة العبرية، والذي كان عالماً فيما يختص بالعلاقة بين العهد الجديد وخلفياته اليهودية، 456 نبوّة طبقها علماء اليهود على المسيح المنتظر (المسيا)، منها 75 في أسفار موسى الخمسة و243 في أسفار الأنبياء و138 في أسفار الكتابات (أيوب والمزامير وكتابات سليمان وسفر دانيال وعزرا ونحميا و1و2 أخبار الأيام)، وقد دعم أقواله بأكثر من 558 اقتباساً لعلماء مختلفين من اليهود وأن كان قد ركز على المراجع اليهودية الأكثر قدماً وخاصة الترجومات والتلمود الأورشليمي والتلمود البابلي والمدراش الأقدم، ولم يعتمد لا على المدراش أو أي من الكتابات الرابية المتأخرة[7].

  وكان علماء اليهود قبل الميلاد ينتظرون المسيا ويعرفون زمن مجيئه، خاصة من نبوتي يعقوب عن شيلوه الذي سيأتي من نسل يهوذا ونبوَة دانيال النبي الذي حدد مجيئه وصلبه. وظلوا منتظرين لمجيئه، ولما تجسد الرب يسوع المسيح، آمن به الكثير من اليهود، خاصة بعد القيامة والصعود وحلول الروح القدس، ولكن فريق منهم كان ينتظر منه أن يطرد الرومان ويسود على العالم ويحكمه عن طريق اليهود لمدة ألف سنة، ولما وجدوه ينادي بملكوت روحي سمائي، ملكوت الله، ملكوت السموات، يضم الناس من جميع الشعوب والأمم والألسنة، رأوا أنه يفقدهم أمالهم وتميزهم كشعب الله المختار، فرفضوه وقرروا التخلص منه، اعتقادا منهم أنه ليس هو المسيح المنتظر!! يقول الكتاب: ” فجمع رؤساء الكهنة والفريسيون مجمعا وقالوا ماذا نصنع فان هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة. أن تركناه هكذا يؤمن الجميع به فيأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وامّتنا. فقال لهم واحد منهم. وهو قيافا. كان رئيسا للكهنة في تلك السنة. انتم لستم تعرفون شيئا. ولا تفكرون انه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها ” (يو11 :47-50).

  والسؤال هنا هو؛ هل غير هؤلاء رأيهم وتفسيرهم لهذه النبوّات والإجابة؛ لا، لأنهم لا يزالون ينتظرونه حتى اليوم، ولكنهم فقط قالوا: ” ملعون الإنسان الذي يحسب أزمنة النهاية “!! وقال بعضهم: ” لقد أخر المسيح موعد مجيئه بسبب خطايانا “!! ولكنهم لا يزالوا ينتظرون مجيئه. قال موسى بن ميمون في القرن الثاني عشر (1135-1204): ” أنا أؤمن إيماناً كاملاً بمجيء المسيح، وعلى الرغم من أنه قد تأخر فسوف أنتظره يومأ بعد يوم حتى يأتي “[8].

1 ” التلمود ” كلمة مشتقة من الجذر العبري ” لامد ” الذي يعني الدراسة والتعلم كما في عبارة ” تلمود توراه “، أي ” دراسة الشريعة “. ويعود كل من كلمة ” تلمود ” العبرية وكلمة ” تلميذ ” العربية إلى أصل سامي واحد. والتلمود من أهم الكتب الدينية عند اليهود، وهو الثمرة الأساسية للشريعة الشفوية، أي تفسير الحاخامات للشريعة المكتوبة (التوراة). ويخلع التلمود القداسة على نفسه باعتبار أن كلمات علماء التلمود كان يوحي بها الروح القدس نفسه (روح هقودش) باعتبار أن الشريعة الشفوية مساوية في المنزلة للشريعة المكتوبة. والتلمود مُصنَّف للأحكام الشرعية أو مجموعة القوانين الفقهية اليهودية، وسجل للمناقشات التي دارت في الحلقات التلمودية الفقهية اليهودية حول المواضيع القانونية (هالاخاه) والوعظية (أجاداه). وقد أصبح التلمود مرادفاً للتعليم القائم على أساس الشريعة الشفوية (السماعية). ومن هنا، يطلق المسعودي (المؤرخ العربي الإسلامي) على سعيد بن يوسف اسم ” السمعاتي ” (مقابل ” القرائي ” أو من يرفض التراث السماعي ويحصر اهتمامه في قراءة التوراة المكتوبة).

2 ” مدراش ” من الكلمة العبرية ” درش “، أي ” استطلع ” أو ” بحث ” أو ” درس ” أو ” فحص ” أو «محص». والكلمة تُستخدَم للإشارة إلى ما يلي:

1 ـ  منهـج في تفسير العهـد القديم يحاول التعمق في بعض آياته وكلماته، والتوسع في تخريج النصوص والألفاظ، والتوسع في الإضافات والتعليقات، وصولاً إلى المعاني الخفية التي قد تصل إلى سبعين أحياناً. وهناك قواعد مدراشية للوصول إلى هذه المعاني. ومثل هذه المعاني الخفية، تُذكَر دائماً مقابل الـ ” بيشات ” أي ” التفسير الحرفي “.

2 ـ  ثمرة هذا المنهج من الدراسات والشروح، فالتلمود مثلاً يتضمن دراسات مدراشية عديدة، بمعنى أنها اتبعت المنهج المدراشي. ولكن هناك كتباً لا تتضمن سوى الأحكام والدراسات والتفسيرات المدراشية المختلفة ويُطلَق عليها أيضاً اسم ” مدراش “.

ويُفترَض أن مثل هذه الكتب المدراشية تعود إلى تواريخ قديمة شأنها في هذا شأن كل فروع الشريعة الشفوية. ويبدو أن العلماء المعروفين باسـم الكتبة (سـوفريم)، بدأوا بعد العـودة من بابل بزعامة عزرا، في دراسة التفسيرات التقليدية للشريعة المكتوبة، وأخذوا يطبقونها على الاحتياجات اليومية للجماعة اليهودية، واستمروا في ذلك حتى بداية ظهور معلمي المشناه (تنائيم).  وقد ازدهر الأدب المدراشي في عصر معلمي المشناه (تنائيم)، لكن البدء في تدوين كتب المدراش لم يحدث إلا بعد عدة قرون من إلقاء المواعظ. وهناك نحو أربع وعشرين مجموعة مدراشية يمكن تقسيمها إلى عدة أقسام حسب المرحلة التاريخية:

1 ـ  الكتب المدراشية المبكرة (وتم جمعها في الفترة 400 ـ 600).

2 ـ  كتب المرحلة الوسطى (640 ـ 1000).

3 ـ  كتب المرحلة المتأخرة (1000 ـ 1200).

  وهناك مختارات مدراشية من القرن الثالث عشر، إلى جانب مواعظ مدراشية يمكن أن ترد في مجموعات مدراشية مختلفة أو في الجماراه.

 3 ” زوهار ” كلمة عبرية تعني ” الإشراق ” أو ” الضياء “. وكتاب الزوهار أهم كتب التراث القبَّالي، وهو تعليق صوفي مكتوب بالآرامية على المعنى الباطني للعهد القديم، ويعود تاريخه الافتراضي، حسب بعض الروايات، إلى ما قبل الإسلام والمسيحية، وهو ما يحقق الاستقلال الفكري (الوهمي) لليهود، وكتابته بلغة غريبة، تحقق العزلة لأعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية. ويُنسَب الكتاب أيضاً إلى أحد معلمي المشناه (تنائيم) الحاخام شمعون بن يوحاي (القرن الثاني)، وإلى زملائه، ولكن يُقال إن موسى دي ليون (مكتشف الكتاب في القرن الثالث عشر) هو مؤلفه الحقيقي أو مؤلف أهم أجزائه، وأنه كتبه بين عامي 1280 و1285، مع بدايات أزمة يهود إسبانيا. والزوهار، في أسلوبه، يشبه المواعظ اليهودية الإسبانية في ذلك الوقت. وبعد مرور مائة عام على ظهوره، أصبح الزوهار بالنسبة إلى المتصوفة في منزلة التلمود بالنسبة إلى الحاخاميين. وقد شاع الزوهار بعد ذلك بين اليهود، حتى احتل مكانة أعلى من مكانة التلمود، وخصوصاً بعد ظهور الحركة الحسيدية.

ويتضمن الزوهار ثلاثة أقسام هي: الزوهار الأساسي، وكتاب الزوهار نفسه، ثم كتاب الزوهار الجديد. ومعظم الزوهار يأخذ شكل تعليق أو شرح على نصوص من الكتاب المقدَّس، وخصوصاً أسفار موسى الخمسة، ونشيد الأنشاد، وراعوث، والمراثي. وهو عدة كتب غير مترابطة تفتقر إلى التناسق وإلى تحديد العقائد. ويضم الزوهار مجموعة من الأفكار المتناقضة والمتوازية عن الإله وقوى الشر والكون.

4 كلمة ” مسيح ” أو ” مسيا ” في اللغة العبرية هي ” ماشيح – מּשּׁיּח – Mashiakh ” من الفعل العبري ” مشح ” أي ” مسح ” وتنطق بالآرامية ” ماشيحا ” ويقابلها في اللغة العربية ” مسيح ” ومعناها، في العهد القديم، الممسوح ” بالدهن المقدس “، فقد كان الكهنة (خر30:30) والملوك (1صم 16:9) والأنبياء (1مل 16:19) يدهنون بـ ” الدهن المقدس. ونقلت كلمة ” ماشيح ” إلى اللغة اليونانية كما هي ولكن بحروف يونانية ” ميسياس – Messias –  Мεσσίας “، وعن اليونانية نقلت إلى اللغات الأوربية ” ميسايا –  Messiah ” كما ترجمت الكلمة إلى اليونانية، أيضاً، ترجمة فعلية ” خريستوس – christos –  Хριτός” أي المسيح أو الممسوح، من الفعل اليوناني ” خريو – chriw  ” أي يمسح والذي يقابل الفعل العبري ” مشح ” والعربي ” مسح “، وجاءت في اللاتينية ” كريستوس – christos ” وعنها في اللغات الأوربية ”  Christ”.

  ولكن الوحي الإلهي في أسفار العهد القديم يؤكد لنا أن هؤلاء ” المسحاء ” جميعاً، سواء من الكهنة أو الأنبياء أو الملوك، كانوا ظلاً ورمزاً ” للنسل الآتي ” والذي دعي منذ عصر داود فصاعداً بـ ” المسيح “، وكانوا جميعاً متعلقين بهذا المسيح ” مسيح المستقبل ” الذي سوف يأتي في ” ملء الزمان” والذي وصفه الروح القدس في سفر دانيال النبي بـ ” المسيح الرئيس ” (دا 24:9)، و ” المسيح ” و ” قدوس القدويسين ” (دا 25:9)، والذي سوف يكون له وظائف الكاهن والنبي والملك؛ الكاهن الكامل والنبي الكامل والملك الكامل.

5 Sanhedrin 99a. p. 670.

[6]Sanhedrin 98b. p. 667.

7Alfred Edersheim Life and Times of Jesus the Messiah, Appendix 9. List of Old Testament Passages Messianically Applied in Ancient Rabbinic Writings

http://philologos.org/__eb-lat/

8 THE Messiah, The prophecies and the Talmud

http://koti.phnet.fi/elohim/Messiah_prophesies_Talmud

المسيح المنتظر علماء اليهود وتفسيرهم للنبوّات – القمص عبد المسيح بسيط