أبحاث

الشعر العبري – كيفية فهمه في ظل الكتاب المقدس؟

الشعر العبري – كيفية فهمه في ظل الكتاب المقدس؟

الشعر العبري - كيفية فهمه في ظل الكتاب المقدس؟
الشعر العبري – كيفية فهمه في ظل الكتاب المقدس؟

الشعر العبري – كيفية فهمه في ظل الكتاب المقدس؟

المبدأ الإرشادي: استخدام أشعار عبرية موازية لفهم المعنى المطلوب

يمتلئ الشعر بالتعبيرات المجازية، لذلك لا بد أن نستخدم الإرشادات التي درسناها لفهم معنى التعبيرات غير الحرفية.

ويختلف الشعر عن النثر من ناحية أخرى، وهي أن بنية اللغة تكون مختلفة في كل منهما. فمثلاً، يكون الشعر الإنجليزي مميزاً بإيقاع الكلمات. فالعدد المحسوب من مقاطع الكلمات يعطي سمة موسيقية للغة. وتقليدياً، يوجد كذلك إيقاع يمكن به مطابقة نهايات الكلمات المتشابهة. في النطق على فترات منتظمة. أما في اليابانية، يتم تمييز الشعر عن النثر العادي بأن به عدداً محدداً من مقاطع الكلمات.

وفي الهايكو، يشكل البيت الشعري سبعة عشر مقطعاً – لا أكثر ولا أقل. وفي كل من الإنجليزية واليابانية، حيث يكون الشعر مميزاً لصيغة اللغة، يكون من غير الممكن ترجمة الصيغة الشعرية نفسها. فالشعر الذي يتم ترجمته من تلك اللغات إلى لغات أخرى إما أن يصبح نثراً أو يتم صياغته في قالب اللغة الأخرى الذي سيترجم إليها.

ورغم أن القصيدة في العبرية قد يكون بها عناصر القياس هذه، إلا أن تلك العناصر ليس هي السمات الرئيسية فيها. ولكن السمة المميزة للشعر العبري هي التوافق أو التشابه في الفكر، بين السطر والسطر الذي يليه، أو بين قسم واحد والقسم الذي يليه. وهذا الأمر مفيد بالفعل، لأن يعني أن الصيغة الشعرية للعهد القديم يمكن أن تكون متاحة تماماً بالنسبة لنا في اللغة الإنجليزية. فيكون فهم هذا التوافق، أو التوازي في الفكرة، هو مفتاح تفسير العديد من المقاطع.

لقد تعلمنا أن اللغة الإنجليزية الجيدة تعنى بتجنب التكرار، لكن بالنسبة للعبرية، يعتبر التكرار صيغة أدبية يجب وضعها بعناية. والحقيقة أن التكرار المنظم هو مثال الكلام الجيد فيها، وهذا هو ما يميز الشعر عن النثر العادي.

التكرار هو مقياس التأكد والتوقع – بمعنى أنه كلما كانت صياغة الرسالة بها تكرار، كلما كان من الأسهل بالنسبة للمتلقي أن يخمن ما الذي سيأتي بعد ذلك. لذلك يستطرد سكرام قائلاً: “في العديد من الحالات، تؤدي زيادة التكرار إلى المزيد من التواصل الفعال”. كما يذكر نيدا وتابر أنه يبدو أن هناك اتجاه ثابت نسبياً للغات لأن يكون بها تكرار تقريباً بنسبة 50٪.[1]

ورغم أن التكرار ليس أمراً متفرداً خاصاً بالتفكير العبري، إلا أن الطريقة التي يتم بها بناؤه رسمياً في الشعر العبري تساعد كثيراً في فهم معناه. الأمر المماثل لذلك في الأهمية هو أن العهد الجديد رغم أنه مكتوب باليونانية، إلا أنه كتب بواسطة أناس كان أسلوب تفكيرهم مشكل بالكامل بواسطة طرق التفكير العبرية في العهد القديم. وهكذا، فرغم أن صياغة وبنية اللغة اليونانية مختلفة، إلا أن نفس نوع التوازي في الأفكار ينتشر في أنحاء العهد الجديد كذلك.

ما مدى أهمية الشعر العبري في العهد القديم؟ بحسب ميلتون تيري، نصف العهد القديم تقريباً هو عبارة عن أشعار. ومع ذلك فإن بعضاً من هذا الشعر قد فقط بالنسبة لما في معظم الترجمات لأن ليس كل الصيغ الشعرية في العبرية تم ترجمتها بصيغة شعرية في الإنجليزية، ولكن يمكن تمييز هذه الصيغ بسهولة من خلال الأفكار المتوازية.

التوازي في الشعر العبري

توجد ثلاثة أنواع أساسية من الأفكار المتوازية في الشعر العبري: توازي المترادفات، والتوازي التركيبي وتوازي المتضادات.

توازي المترادفات

في توازي المترادفات، يتم التعبير عن نفس الفكرة مرة ثانية أو ثالثة.

“الحكمة تنادي في الخارج

في الشوارع تعطي صوتها

قائلة إلى متى أيها الجهال تحبون الجهل

والمستهزئون يسرون بالاستهزاء

والحمقى يبغضون العلم

حينئذ يدعون فلا أستجيب

يبكرون إلي فلا يجدونني.

لم يرضوا مشورتي.

رذلوا كل توبيخي.

فلذلك يأكلون من ثمر طريقهم

ويشبعون من مؤامراتهم”.

(أم 1: 20، 22، 28، 30-31)

لاحظ أن تكرار الفكرة بكلمات مختلفة كثيراً ما يكون شديد الأهمية في تمييز المعنى الذي يقصده المؤلف. كما أنه يفيد أيضاً في دراسة الكلمات. فمثلاً، الحكمة هي موضوع موجود ليس فقط في الأصحاح الأول من سفر الأمثال، ولكن في كل أنحاء السفر، وفيما يطلق عليه “أدب الحكمة”.

بكلمات أخرى، إن فهم كلمة الحكمة هو أمر شديد الأهمية لفهم أجزاء كبيرة من الكتاب المقدس. ففي أمثال 1: 29، نرى فهماً لمعنى الحكمة، لأن “المعرفة” تتوازى مع “مخافة الرب”، والحكمة هي التي تتحدث في هذا المقطع، ونرى أن المعرفة مرتبطة بالحكمة، حيث لا يشير أي منهما إلى الفهم العقلي للحقائق. بقدر ما يشير إلى العلاقة الصحيحة مع الله.

فمخافة الله هي المعرفة والحكمة الحقيقية. وهكذا نرى أن تكرار الفكرة في العبرية يجعل هذا الأمر شديد الوضوح في هذا المقطع.

توازي التركيبات

في توازي التركيبات، يقوم الشاعر بإضافة فكرة إلى المفهوم الأًصلي. فكر مثلاً في العددين الأولين من مزمور 1:

“طوبى للرجل الذي لم يسلك

في مشورة الأشرار

وفي طريق الخطاة لم يقف

وفي مجلس المستهزئين لم يجلس

لكن في ناموس الرب مسرته

وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً”.

توجد فكرة وضدها في العددين 1، 2؛ فالعدد الأول يتحدث بأسلوب النفي عما لا يقوم الرجل السعيد بفعله، بينما عدد 2 يصف بالإيجاب ما يفعله هذا الرجل. وكل عبارة في العدد تضيف فكرة إضافية. فالمشي مع الأشرار قد يكون هو المرحلة الأولى؛ والوقوف مع الخطاة يكون أسوء؛ أما الجلوس مع المستهزئين فهو أسوء الأمور على الإطلاق. ومرة أخرى، نجد في عدد 2 أن السرور بناموس الله هو المرحلة الأولى، ويتم امتدادها لإظهار ما يقود إليه هذا السرور – إلى التأمل واللهج في ناموسه نهاراً وليلاً. بهذه الطريقة تتم إضافة أفكار جديدة

وفي أشعياء 55، يمكننا أن نرى كلاً من التوازي البسيط والمركب في الأفكار ممتزج معاً.

“اطلبوا الرب ما دام يوجد

ادعوه وهو قريب

ليترك الشرير طريقه

ورجل الإثم أفكاره

وليتب إلى الرب فيرحمه

وإلى إلهنا لأنه يكثر الغفران” (إش 55: 6-7)

لاحظ أن الأفكار المتوازية يمكن أن تكون بسيطة ويتبع أحدها الآخر مباشرة، أو قد تكون أكثر تركيباً ومنفصلة بأفكار أخرى. والأكثر من ذلك، نجد أن المقطع السابق مباشرة هو مثال لكيفية دمج الكاتب لأنواع مختلفة من التوازيات. فمثلاً، في الجملة الأولى، توضع أفكار متشابهة بجانب بعضها البعض: “طلبوا الرب، وأدعوه” تعبر كل منهما عن نفس الفكرة لكن بكلمات مختلفة، وكذلك أيضاً، “ما دام يوجد” و “هو قريب”. وفي الجملة الثانية، نجد كلمتي “الشرير” و”رجل الإثم” متشابهتين كذلك.

لكن المقطع ككل يمثل نوعاً مختلفاً من التوازي، وهو التوازي الذي يضيف إلى الفكرة الأساسية. فقد قام إشعياء ببناء فكرة على أخرى، وأضاف التوبة إلى فكرة “طلب الله”. وأكثر من ذلك فقد أضاف إلى الأمر بالتوبة فكرة أن هذا التحول ليس فقط مجرد الترك السلبي للشر، ولكنه تحول ورجوع إيجابي إلى الرب. كما أضاف إلى مفهوم الرحمة المعنى الكامل للعفو والغفران الكثير. وهكذا، غالباً ما يعني التوازي في الشعر العبري الإضافة إلى الأفكار الأصلية.

 

توازي المتضادات

في توازي المتضادات يقوم الشاعر بمناقضة فكرة مع غيرها. ويحوي الكثير من سفر الأمثال مثل هذه التضادات:

“لسان الحكماء يحسن المعرفة

وفم الجهال ينبع حماقة”

(أم 15: 2)

يساعد التضاد على فهم معنى كلمات معينة. فمثلاُ، الحماقة هي كلمة مفتاحية في سفر الأمثال – بل قد تكون موضوعاً كاملاً. لذلك نلاحظ أن معناها ليس مجرد الغباء البسيط، ولكنها في هذا المقطع تقف في تضاد مع المعرفة الحقيقية.

كما أن المعرفة ليست مجرد معلومات، بل أكثر من ذلك بكثير. لذلك فإن الأحمق هو الشخص الذي يرفض العلاقة الصحيحة مع الله (أو “المعرفة” الكتابية)، وبالتالي، فإن ما يخرج من فمه يكون حماقة. بل أنه يبدو أنه حتى المعرفة، إن كانت بدون معرفة لله، هي في النهاية حماقة. وهذا هو التضاد في هذا المقطع وفي كل أنحاء سفر الأمثال.

في المزامير نجد أيضاً آية لا تشكل معنى كبيراً إذا وقفت بمفردها:

“عابرين في وادي البكاء يصيرونه ينبوعاً

ايضاً ببركات يغطون مورة” (أيضاً الأمطار تملأ الينابيع)

(مز 84: 6)

ما هو وادي البكاء (Baca في الإنجليزية) هذا؟ لا يساعدنا الأطلس في هذا الأمر – ولا أحد يعلم أين كان هذا الوادي. لكن دراسة الكلمة تخبرنا أن الكلمة العبرية تعني حرفياً “البكاء”. فهل هذه الفكرة مشابهة لفكرة السطر الثاني؟ بمعنى، هل هناك شيء ما بشأن هذا الوادي (حرفياً أو مجازياً) يذكر الكاتب وسامعيه بينابيع المياه؟ هل هناك رابطة بين الدموع والأمطار؟ أم أن هذه فكرة متضادة؟

حيث أن الإرشادات الخاصة بدراسة الكلمة والخلفية المادية الجغرافية لم تساعدنا، دعونا نفكر في السياق. يعتبر مزمور 84 صرخة شوق لشخص يرغب في الذهاب إلى الهيكل في أورشليم.

وهذه الرحلة لا تكون سهلة دائماً، بوجود المناخ الجاف ووعورة التضاريس (المبدأ الإرشادي الخاص بالخلفية المادية). ومع ذلك ففي عدد 5، يقول كاتب المزمور أنه بالنسبة للشخص الذي تكون طرق بيت الرب في قلبه، فإن الرب يعطيه قوة خاصة. والحقيقة أنه في الآية التي تتبع مباشرة هذا النص، عدد 7، يقول “يذهبون من قوة إلى قوة” لكي يروا قدام الله في الهيكل.

بهذه الطريقة، يعطينا السياق مفتاحاً قوياً للمعنى. والتوازي هنا هو التضاد: إذ عندما يجتاز الشخص في أوقات صعبة (وادي البكاء)، ويصمم على الذهاب إلى الله، فإن الرب يجعل هذه التجربة القاحلة في الصحراء مثل ينابيع المياه؛ ويرسل إليه الأمطار حتى تملأ الينابيع. وبذلك فإنه يعطي الشخص الذي يشتاق إليه القوة التي تمكنه من الوصول إلى الله.

وهكذا يمكن فهم المقطع من خلال السياق. وبالتالي، يلقي العدد بالضوء مرة أخرى على بقية المقطع. ولكن الموضوع المفتاحي هو الطريقة التي يقوم بها الكاتب بتوصيل فكرته. فعندما يكون هناك تضاد، فإنه يكون هو المفتاح الذي يكشف عن اللغز المعقد ويوضح معنى المقطع بأكمله.

تطبيق الإرشادات

يقول إشعياء، “وتكون كجنة ريا وكينبوع مياه لا تنقطع مياهه” (إش 58: 11). والآن عند وصفه للوعد بالحياة الفياضة، هل يستخدم إشعياء فكرة مشابهة بكلمات مختلفة؛ ويضيف للفكرة الأصلية؛ أم أنه يقوم بعمل تضاد بين الجنة الريا وينبوع المياه؟ لو اعتبرنا الصياغة هنا أنها فكرة مشابهة، فإن الكاتب هنا يقوم ببساطة بتدعيم الفكرة الأساسية للحياة الغنية المزهرة الفياضة. لكن إن كان هناك فارق بين الجنة الريا وبين ينبوع المياه، فإن ذلك يؤدي إلى اختلاف في المعنى.

فكيف يمكن للمرء أن يحدد أي تفسير هو الصحيح؟ مرة أخرى، سنعود إلى الإرشادات الأخرى لتفسير الكتاب المقدس. فبدراسة الخلفية الثقافية، سنعرف أنه كان هناك نظام للري يستخدم للحدائق (الجنات).

كان هذا النظام يتطلب قدراً كبيراً من الطاقة والمجهود البشري، يستلزم العمل على جعل الطاحونة ترفع المياه إلى الحديقة لجعلها تنمو. بينما، من ناحية أخرى، كان هناك عدد قليل من الينابيع الارتوازية، أو ينابيع المياه التي تنتج ماء متدفقاً باستمرار. فللوهلة الأولى، يبدو المقطع أنه يقدم تضاداً.

لإلقاء مزيد من الضوء على المقطع، دعونا نفكر في مبدأ إرشادي آخر، وهو مقارنة الكتب المقدسة ببعضها البعض، أو البحث عن المقاطع الموازية. في هذه الحالة، ربما كان الرب يسوع يشير إلى هذا المقطع من إشعياء عندما قال: “وفي اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادى قائلاً إن عطش أحد فليقبل إلي ويشرب من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي” (يو 7: 37-38).

أما أين قال الكتاب هذا، فهو أمر غير واضح، وربما يكون المقطع الموجود في إشعياء قريب من هذا المعنى. على أية حال، فإن وعد الرب يسوع مشابه لوعد الله من خلال نبيه إشعياء. فالله سيعطي حياة فياضة يكون فيها تدفق دائم لروحه من داخلنا. (لاحظ تفسير يوحنا: “قال هذا عن الروح” (يو 7: 39)).

باستخدام هذه الإرشادات لفهم المقطع، نرى في إشعياء بنية تتصاعد حتى تصل إلى الذروة، من الجنة الريا المثمرة التي تتطلب العمل الشاق التي قد تكون جيدة بما يكفي، إلى حياة أكثر فيضاً وغنى، التي فيها معين لا ينضب من مياه الحياة الارتوازية. فالتوازي هنا يضيف إلى المعنى بدلاً من أن يكرر ببساطة نفس الفكرة بكلمات مختلفة. ورغم أنه قد يوجد عنصر ضئيل من المقارنة، إلا أن الصيغة الشعرية ليست فكرة متضادة، لأن كلاً من الجنة الريا ونبع المياه الذي لا ينتهي هما وعود جيدة. الأكثر من ذلك، فإن كلمة الربط “و” يبدو أنها تطبق كلاً من البركتين إلى نفس الأشخاص.

ملخص

هناك ثلاثة أنواع أساسية من التوازي – توازي الأفكار، والأفكار الإضافية، والأفكار المتضادة – والتي قد توجد بجانب بعضها البعض في المقطع الواحد. ويمكن لدارس الكتاب المقدس أن يستفيد بها عندما يصبح حساساً للفكرة العبرية عن الشعر: وهي تشابه وتوافق الأفكار. والحقيقة أن هذا النوع من التفكير ينطبق على النثر كذلك. لذلك فإن الدارس الجاد للكتاب المقدس يجب أن ينمي داخله حساسية لأسلوب التفكير العبري، لأنه من خلاله سيجد مصدراً مفيداً لفهم كلمة الله.

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

– ألتر، روبرت. The Art of Biblical Poetry. New York: Basic، 1985.

– برلين، أديل. The Dynamics of Biblical Parallelism. Bloomington: Indianan U.  1985.

– بولوك، هازيل سي. An Introduction to the Poetic Books of the Old Testament, Chicago: Moody، 1979.

– كوجيل، جيمس إل. The Idea of Biblical Poetry: Parallelism and Its History, New Haven: Yale U.، 1981.

– روبينسون، تيودور إتش. The Poetry of the Old Testament. London: Duckworth، 1947.

– يودر، سانفورد سي. Poetry of the Old Testament. Scottdale, Pa.: Herald، 1948.

[1] جون بيكمان وجون كالو، Translating the Word of God (Grand Rapids: Zondervan, 1974)، صفحة 43.

الشعر العبري – كيفية فهمه في ظل الكتاب المقدس؟