مواضيع عاجلة

الشفرة الوراثية DNA وأصلها – جون ليونكس

الشفرة الوراثية وأصلها –

الشفرة الوراثية DNA وأصلها - جون ليونكس
الشفرة الوراثية وأصلها –

الشفرة الوراثية وأصلها –

 

 

 

«ما يكمن في صميم كل كائن حي ليس ناراً، ولا نفساً دافئاً،

ولا “شرارة الحياة”. ولكن معلومات، كلمات، تعليمات….

تخيل مليار رمز رقمي مختلف….

فإن أردت أن تفهم الحياة تخيل التكنولوجيا الرقمية.»

“ريتشارد دوكينز”

 

«المعلومات هي أحد الموضوعات المركزية

 في علم الأحياء المعاصر.»

“جون مينارد سميث”

 

المعلومات الكامنة في الخلية:

إن أردنا فهماً أوضح للقضايا المتعلقة بأصل الحياة، علينا الآن أن نتجاوز مستوى البروتينات وننتقل إلى المستوى الجزيئي الذي نجد تحته إحدى اللبنات الأساسية الأخرى للحياة التي تفوق البروتين تعقيداً، ألا وهو جزيء الـ . ويعد اكتشاف طبيعة هذا الجزيء الكبير Macromolecule الحامل للمعلومات وأهميته من أعظم ما توصلنا إليه من اكتشافات علمية. وذلك لأن الخلية الحية ليست مجرد مادة. ولكنها مادة زاخرة بالمعلومات. وعلى حد تعبير “ريتشارد دوكينز”: «ما يكمن في صميم كل كائن حي ليس ناراً، ولا نفساً دافئاً، ولا “شرارة حياة”. ولكن معلومات، كلمات، تعليمات… تخيل مليار رمز رقمي Digital Characters مختلف… فإن أردت أن تفهم الحياة تخيل التكنولوجيا الرقمية».

إن محتوى معلومات الـ أساسي للحياة، ولكن الحياة أكثر من مجرد في البداية، نقول إن الـ نفسه ليس حياً. إلا أن “دوكينز” محق في قوله بأننا يجب أن ننظر للمعلومات بصفتها تؤدي دوراً محورياً في الحياة برمتها. والـ الحامل للمعلومات يكمن في نواة الخلية ويختزن التعليمات اللازمة لبناء البروتينات في الكائن الحي. وهو جزيء الوراثة الذي يحوي الصفات التي تنتقل إلى الأبناء. والـ يشبه القرص الصلب في الكمبيوتر من حيث إنه يضم قاعدة بيانات المعلومات والبرنامج اللازمين لتكوين منتج محدد. وكل خلية من خلايا جسم الإنسان التي يتراوح عددها من 10 تريليون إلى 100 تريليون تحتوي على قاعدة بيانات أكبر من “موسوعة بريتانيكا” Encyclopedia Britannica. وعلى مدى العقود القليلة الماضية رأينا علماء الأحياء الجزيئية يقبلون على مضض لغة تكنولوجيا المعلومات ومنهجيتها اللتين فرضتا عليهم نتيجة لإدراك طبيعة الشفرة الوراثية ووظيفتها، ولكنهم فيما بعد رحبوا بها جميعاً. وأصبحنا الآن لا نجد غضاضة في الحديث عن الخلية الحية بصفتها آلة تعالج المعلومات لأنها هكذا بالفعل، فهي بنية جزيئية مزودة بالقدرة على معالجة المعلومات. وهو تطور فكري مثير لأنه يعني أنه يمكن استكشاف طبيعة المعلومات البيولوجية باستخدام مفاهيم نظرية المعلومات ونتائجها.

ولكن يفضل ألا نتسرع في بحث هذا الأمر قبل أن نكون في أذهاننا صورة لماهية جزيء الـ وكيفية حمله للمعلومات.

 

ما هو الـ DNA؟

الحروف الثلاثة هي اختصار لمصطلح Deoxyribose Nucleic Acid الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين. وهو جزيء طويل جداً ذو بنية ثنائية الحلزون كان لاكتشافه الفضل في فوز “كريك” وزميله “واطسون” بجائزة نوبل. وهو يشبه سلماً حلزونياً يتكون من سلسلة طويلة جداً من جزيئات أبسط كثيراً يطلق عليها نوكليوتايدات Nucliotides. وكل لفة كاملة من لفات الحلزون تحوي عشرة نوكليوتايدات. وتتكون النوكيلوتايدات من سكر يطلق عليه ريبوز Ribose، ومجموعة فوسفات نزعت منها ذرة أكسجين واحدة (وهو ما يفسر استخدام تعبير “منقوص الأكسجين” deoxy. في المصطلح)، وقاعدة. والقواعد هي أربع مواد كيميائية: الأدنين Adenine، الجوانين Guanine، السايتوسين Cytosine، الثايمين Thymine، أو اختصاراً أ، ج، س، ث، A, G, C, T. وهي (الوحيدة) التي تميز كل نوكليوتايد والمجاور له. والقاعدتان الأولى والثانية هما بورينات Purines، أما الثانية والثالثة من البرميدينادت Pyrmidines. ودرجات السلك مكونة من الأزواج القاعدية حيث جزيئات الزوجين القاعديين المكونة لطرفي أي درجة من درجات السلم ترتبط معاً بروابط هيدروجينية. وهناك قانون يقول إن (أ) دائماً يتزاوج مع (ث)، ويتزاوج (س) مع (ج)، أي أن البورين يكون دائماً رابطة مع البرميدين. وعليه إن كان شريط واحد من ثنائي الحلزون يبدأ هكذا: أ ج ج ث س س ج ث أ أ ث ج … إذن الشريط الأخر سيبدأ هكذا: ث س س أ ج ج س أ ث ث أ س…. وهكذا يكمل الشريطان بعضهما البعض، أي أنك إذا عرفت أحد الشريطين، يمكنك أن تستنتج الآخر. وسنرى أهمية هذه الفكرة بعد قليل.

وطبعاً تسمية النوكليوتايدات على الأشرطة تسمية عشوائية بمعنى أنه يمكننا أن نشير إليها بأربعة أرقام، مثل 1، 2، 3، 4، أو 2، 3، 5، 7 (أو أي أربعة رموز مختلفة)، وعندئذ تكون بداية الشريط الأول المذكور أعلاه 341143224331… أو 572275337552…. على التوالي. وهكذا يمكن الإشارة لكي جزيء DNA برقم خاص (وعادة ما يكون رقماً طويلاً للغاية، كما سنرى أدناه) يمكّننا من قراءة سلسلة قواعده.

وكما أن أي سلسلة حروف في أي من الأبجديات العادية لإحدى لغات العالم المكتوبة تحمل رسالة وفقاً لترتيب هذه الحروف، هكذا سلسلة القواعد على العمود الفقري للـ DNA (أو تسلسل درجات السلم، إن شئت) يحمل رسالة محددة مكتوبة بالأبجدية المكونة من أربعة حروف هي: أ، س، ج، ث. أما المورث أو الجين Gene فهو حبل طويل من هذه الحروف يحمل معلومات بروتين ما، وهكذا يمكن تفسر الجين باعتباره مجموعة من التعليمات، مثل أحد البرامج، اللازمة لصنع ذلك البروتين. والطريقة التي يعمل بها التشفير هي أن كل مجموعة من ثلاثة نوكليوتايدات، ويطلق عليها كودون Codon تحدد كود أو شفرة الحمض الأميني. وبما أنه لدينا أربعة نوكليوتايدات، إذن هناك 34 = 64 ثلاثياً متاحاً لتشفير عشرين حمضاً أمينياً. ويمكن أن يكون لحمض أميني واحد أكثر من ثلاثي (ويمكن أن يصل العدد إلى ستة ثلاثيات) يضع شفرته. وهذا التشفير هو ما ينشئ مفهوم الشفرة الوراثية.

ويتكون المحتوى الجيني أو الجينوم Genome من مجموعة كاملة من الجينات. والمحتويات الجينية، أو بالأحرى الـ DNA لبكتيريا الإشريكيا القولونية يبلغ طوله حوالي 4 مليون حرف ويمكن أن يملأ كتاباً من 1000 صفحة، أما الجينوم البشري يزيد طوله عن 3,5 مليار حرف ويملاً مكتبة بأكملها. ومما يلفت النظر أن الطول الفعلي للـ DNA الملفوف بإحكام في خلية واحدة في جسم الإنسان يبلغ نحو مترين. وبما أن جسم الإنسان يحوي حوالي 10 تريليون (= 1310) خلية، إذن إجمالي طول الـ DNA يبلغ رقماً يذهب العقل هو 20 تريليون متر.

ولا بد أن نشير إلى أننا غالباً ما نعتبر الـ DNA لأحد الكائنات الحية مرادفاً للجينوم، إلا أننا إن أردنا الدقة يجب أن ندرك أن الجينوم لا يشغل فعلياً سوى جزء من الـ DNA، وهو جزء صغير نسبياً يبلغ في الإنسان 3٪ أما النسبة الباقية (97٪) من الـ DNA التي يطلق عليها الـ DNA غير المشفر يشار إليها باسم ” الـ DNA الخردة” Junk DNA، ولكننا الآن نعلم أنها ليست خردة على الإطلاق بعد أن ثبت أنها مسؤولة عن تنظيم العمليات الوراثية وصيانتها وإعادة برمجتها، وأنها تحتوي على أجزاء من الـ DNA ذات قدرة عالية على الحركة تعرف باسم النواقل Transposons وهي قادرة على أن تصنع نسخاً من نفسها ثم تنتقل إلى مواقع أخرى على الجينوم وتؤتي تأثيرات متنوعة، منها مثلاً إعاقة بعض الجينات وتنشيط جينات أخرى خاملة. ومن الاستخدامات المهمة أيضاً للـ DNA غير المشفر البصمة الوراثية المستخدمة في مجال البحث الجنائي التي اكتشفها “ألك جفريز” Alec Jeffreys عام 1986.

كيف ينشئ الـ DNA البروتينات؟

يقع الـ DNA في نواة الخلية التي يحميها غشاء. وحتى “تعيش” الخلية، وحتى يحدث أي شيء لا بد من نقل المعلومات الكامنة في الـ DNA إلى الستوبلازم، وهو المنطقة التي تقع خارج نواة الخلية حيث تعمل آلة الخلية، أو أرضية مصنع الخلية، إن شئت أن تطلق عليه هذا الاسم. وهذه المعلومات ضرورية مثلاً لبناء الإنزيمات في السيتوبلازم بواسطة الآلات الجزيئية التي يطلق عليها الريبوسومات ribosomes. فكيف تصل المعلومات التي على الـ DNA إلى الريبوسومات لصنع إنزيم؟ يتم ذلك عن طريق جزيء حمضي نووي آخر طويل يطلق عليه الحمض النووي الريبوزي Ribonucleic acid (RNA) وهو شديد الشبه بالـ DNA فيما عدا أنه عادة لا يكون ثنائي الشريط Double stranded، وإن كان مقدار ما يه من هيدروكسيل (OH) يزيد عما يحوية الـ DNA بمجموعة واحدة. وهو يحوي أربع قواعد مثل الـ DNA. ثلاث منها هي أصدقاؤنا القدامى أ، ج، س، أما الرابع وافد جديد هو اليوراسيل (ي) Uracil (U) الذي يحل محل القاعدة (ث) في الـ DNA. وما يحدث أولاً أن الـ DNA الموجود داخل النواة “ينفتح كالسوسنة” وينقسم إلى نصفين فينفصل الشريطان بعضهما عن بعض. وما يساعد على ذلك هو ضعف روابط الهيدروجين فيما الشريطين مقارنة بالروابط التي تربط القواعد في كل شريط من شريطي الـ DNA. وثانياً يتحول شريط من الـ DNA إلى RNA، ويعرف عندئذ باسم “الحمض النووي الريبوزي المرسل” (mRNA) “messenger – RNA”. والنتيجة نشوء شريط RNA يكمل شريط الـ DNA حيث يحل (ي) محل (ث) على طول الشريط. ومن حين لآخر (أو في الواقع نادراً) تحدث أخطاء في عملية النسخ تؤدي إلى إنتاج بروتين متغير. وبعد ذلك ينتقل الـ mRNA عبر جدار النواة إلى السيتوبلازما حيث تتم عملية الترجمة بالغة الدقة.

ويمكننا أن نتخيل شريط الـ mRNA مثل شريط الكمبيوتر الممغنظ والريبوسوم مثل آلة تنتج بروتيناً من المعلومات الموجودة على ذلك الشريط. ولإتمام هذه العملية يتحرك الريبوسوم على طول شريط الـ mRNA “قارئاً” المعلومات المختزنة فيه. فهو يماثل شريط التسجيل الممغنط في جهاز الكمبيوتر. أو رأس الماسح الضوئي في ماكينة تورينج[1] Turing machine، وإن كان الفرق أنه في هاتين الحالتين يكون الرأس ثابتاً والشريط متحركاً، ولكنه فرق عديم القيمة فيما يتعلق بغرضنا من التشبيه. وهو يقرأ الكودونات كالكمبيوتر بترتيب ظهورها على الشريط، والكودون كما نذكر هو مجموعة من ثلاثة رموز متتالية، فيمكن أن يقرأ مثلاً: أ أ س ي ج س ي ي ج… والمهمة التالية للريبوسوم هي إيجاد الأحماض الأمينية التي تتوافق مع هذه الكودونات (وتلك الأحماض في هذه الحالة هي الأسباراجين Asparagine، والسيستين Cysteine، واللوسين Leucine). ثم تسبح في محيط الريبوسوم المتصل عن طريق روابط مركب عضوي اسمه الإستر ester بجزيئات (يطلق عليها الحمض النووي الريبوزي الناقل transfer RNA أو tRNA) تشبه الصلبات. فإن كان الأسباراجين مثلاً متصلاً بذراع واحد في هذا الجزيء، فالطرف الآخر لذلك الذراع يتصل بما يطلق عليه الكودون المضاد anticodon المقابل لكودون” أ أ س”، ألا وهو “ي ي ج”. وعندما يقرأ الريبوسوم أي كودون معين يسعى ليتصيد الكودون المضاد المقابل له. فيلتقطه ثم ينزع الحمض الأميني المتصل به. ثم يضم الريبوسوم ذلك الحمض الأميني مع الأحماض الأمينية الأخرى التي جمعها من قبل. وهكذا ينشأ البروتين الجديد تدريجياً.

وهذه الآليات بالغة الصغر التي لا يمكن أن “ترى” إلى بالميكروسكوب الذري، لا بالمكروسكوب الضوئي العادي، تتسم بدرجة مذهلة من التعقيد، كما يتبين لنا من نظرة سريعة على أي كتاب دراسي في علم الأحياء الجزيئي. وما تبلغه من تعقيد يدفع أقوى علماء الأحياء التطوريين مثل “جون مينارد سيمث” وكذلك “إرش ساتماري” Eors Szathmary للقول بأن: «آلة الترجمة الموجودة يستحيل الاستغناء عنها وهي تبلغ من التعقيد والشمولية ما يجعل معرفة كيفية نشأتها أو كيف يمكن للحياة أن تنشأ بدونها مهمة عسيرة.» وبعد قرابة عشر سنوات نجد عالم الأحياء الدقيقة “كارل وز” Carl Woese يعبر عن أسفه أنه حتى البشر بكل ما لديهم من ذكاء لا يمكنهم بناء مثل هذه الآليات: «إننا لا نفهم كيف نخلق شيئاً جديداً من الصفر، وهو سؤال متروك لعلماء الأحياء في المستقبل».

 ومن المهم في هذا الموضوع برمته أن ندرك أنه رغم أن الـ DNA ينشئ البروتينات، فإعادة إنتاج الـ DNA نفسه لا يمكن أن تتم دون وجود عدد من البروتينات. ويذكرنا “روبرت شابيرو” الخبير المحترم في كيمياء الـ DNA أن البروتينات رغم أنها تبني وفقاً لتعليمات مشفرة في الـ DNA، فهي جزيئات كبيرة تختلف اختلافاً كبيراً عن الـ DNA من الناحية الكيميائية: «إن الشرح السابق يذكرنا بالأحجية القديمة: أيهما أسبق، الدجاجة أم البيضة؟ فالـ DNA يمتلك وصفة عمل البروتين. ولكن تلك المعلومات لا يمكن استعادتها أو نسخها دون مساعدة البروتينات. فأي جزيء كبير ظهر أولاً، البروتينات (الدجاجة) أن الـ DNA (البيضة)؟».

وفي فقرة عجيبة كاشفة (مقتبسة هنا من النسخة الإلكترونية)[2] يرسم صورة حية لما يبرز حالياً من مشكلات: «الكثير من الكيميائيين عندما اصطدموا بهذه التحديات هربوا من فرضية ” الـ DNA أولاً” كما لو كانت بيتاً يحترق. إلا أن مجموعة منهم ما زالت مأخوذة بمشهد الجزيء الذي ينسخ نفسه، فبحثت عن مخرج يفضي إلى مخاطر مشابهة. وفي هذه النظريات المعدلة، ظهر عنصر آخر مستنسخ قادر على إنتاج نفسه ولكن أبسط، وحكم الحياة في “عالم ما قبل الـ DNA.” وقد طرحت تنويعات مختلفة لهذا العنصر حيث القواعد، أو السكر، أو العمود الفقري كله للـ RNA تمت الاستعاضة عنها بمواد أبسط، يسهل على تكوينات ما قبل الحياة الوصول إليها. ويفترض أن هذا المستنسخ الأول يتمتع بالقدرات التحفيزية التي يتمتع بها الـ RNA. ولكن بما انه لم يعثر حتى الآن في علم الأحياء الحديث على أي أثر لهذا المستنسخ والمحفز الأولى الافتراضي، فلا بد أن الـ RNA استولى تماماً على كل وظائفه في مرحلة ما عقب ظهوره.

«علاوة على ذلك، الظهور التلقائي لأي مستنسخ من هذا النوع دون مساعدة عالم كيمياء تشوبه عدة نقاط غير منطقية تفوق تلك التي تشوب تحضير حساء نوكليوتايد. فلنفترض أن حساء ممتزجاً في اللبنات الأساسية المكونة لكل هذه المستنسخات المقترحة قد جمع بشكل ما تحت ظروف تميل إلى ربط هذه المستنسخات في سلاسل. وستكون مصحوبة بالكثير من اللبنات الأساسية المعيبة. مما سيؤدي إلى تدمير قدرة السلسلة على القيام بدور المستنسخ. فأبسط وحدة معيبة كفيلة بإيقاف السلسلة كلها، وكأن يوجد مثلاً مكون به “ذراع” واحد فقط للاتصال، بدلاً من الذراعين اللازمين لاستمرار السلسلة في النمو.

«ليس لدينا سبب يدعونا للافتراض بأن الطبيعة الهوجاء لن تدمج وحدات عشوائياً، منتجة بذلك أنوعاً عديدة من السلاسل المهجنة القصيرة التي تتوقف عن إعادة إنتاج نفسها بدلاً من السلسلة الأطول التي تستند إلى تركيب السلسلة الرئيسية backbone geometry [3]الموحدة اللازمة لدعم وظائف المستنسخ والمحفز. ويمكننا هنا أن نستخدم حساب الاحتمالات، ولكني أفضل استخدام صورة من صور إحدى المشابهات الشائعة: تخيل غوريلا (ولا بد أن يكون لها ذراعان طويلان جداً) جالسة على لوحة مفاتيح ضخمة متصلة بجهاز معالج للكلمات. ولوحة المفاتيح لا تحوي فقط على الرموز المستخدمة في اللغة الإنجليزية واللغات الأوروبية، بل تشمل كذلك رموزاً لا حصر لها من كل اللغات المعروفة، وكل الرموز مختزنة في كمبيوتر عادي. واحتمالات تجميع مستنسخ في البركة التي وصفتها أعلاه يمكن مقارنتها باحتمالات تكوين الغوريلا لوصفة متسقة لعمل كرات البطاطس باللحم المفروم باللغة الإنجليزية. وبناء على اعتبارات مشابهة استنتج “جرالد ف. جويس” Gerald F. Joyce من “معهد أبحاث سكريبس” Scripps Research Institute وكذلك “لسلي أورجل” من “معهد سولك” Salk Indtitute أن الظهور التلقائي لسلاسل RNA على الأرض الخالية من الحياة “يكاد يكون معجزة”. وأود أن أطبق هذا الاستنتاج على كل بدائل الـ RNA المقترحة التي ذكرتها سابقاً.»

إن استنتاج “شابيرو” (النسخة الورقية من المقال) حاسم وكاشف: “الـ DNA، والـ RNA، والبروتينات وغيرها من الجزيئات الكبيرة المعقدة لا بد أن ينظر إليها باعتبارها عناصر مشاركة في نشأة الحياة.» وقد تناولنا بالفعل الاعتراضات التي أثيرت ضد مقترحه البديل، ألا وهو “الأيض أولاً.»

هل كل شيء في الجينات؟

علينا أن نتوقف هنا قليلاً لأننا عندما نتحدث عن تعقيد الجزيئات الحيوية الغنية بالمعلومات مثل الـ DNA والشفرة الوراثية، من السهل أن ننقل انطباعاً بأن الجينات تخبرنا بكل شيء عن معنى الكينونة الإنسانية. والحقيقة أنه على مدى سنوات طويلة رأى علماء الأحياء الجزيئية أن الجينوم يقدم تفسيراً كاملاً للصفات الوراثية عند أحد الكائنات، واعتبروا ذلك “عقيدة مركزية”، طبقاً للمسمى الذي أطلقه “فرانسيس كريك”. وهو ما غذى النزعة التي تربى إن سلوك الإنسان كله محكوم بالوراثة bio determinism، ومن ثم تعتبر أن جينات الفرد مسؤولة لا عن الأمراض البشرية فحسب، بل عن كل السمات بدءًا بالاستعداد للعنف أو السمنة وانتهاء بالقدرات العقلية، كالقدرة الرياضية.

هرمية التعقيد:

إلا أن الأدلة تتزايد بسرعة على أنه هذا الزعم غير وارد. وذلك لأنه اتضح أن عدد الجينات التي تحوي عليها الجينوم البشري يترواح ثلاثين ألفاً وأربعين ألفاً فقط. وهو ما كان مفاجأة كبرى للكثيرين، على أي حال فآلة الخلية البشرية تنتج نحو 100 ألف بروتيني مختلف، فكان من المتوقع أن يوجد العدد نفسه من الجينات لتشفيرها. ولكن الجينات الموجودة أقل بكثير من أن تفسر التعقيد المذهل الذي تتسم به صفاتنا الوراثية، ناهيك عن الفروق الكبيرة النبات والإنسان مثلاً. ولذلك، يطلق عالم الوراثة “ستيف جونز” صيحة تحذير مدوية: «قد يتشابه DNA الشمبانزي مع DNA الإنسان بنسبة 98٪، ولكن هذا لا يجعل الشمبانزي إنساناً بنسبة 98٪: فهو ليس إنساناً على الإطلاق، ولكنه شمبانزي. وهل اشتراكنا في بعض الجينات مع الفئران، أو مع الموز يعكس أي شيء عن الطبيعة البشرية؟ يزعم البعض أن الجينات تخبرنا عما هيتنا الحقيقية. ولكنها فكرة سخيفة».

إن الجينات يمكن أن تكون في وضع تشغيل أو في وضع إيقاف في مراحل معينة من نمو الكائن الحي. والتحكم في هذه الحركة يتم أساساً عن طريق سلاسل يطلق عليها “المحفزات” promoters، وعادة ما توجد بالقرب من بداية الجين. ولنتخيل الآن كائناً حياً له (س) من الجينات، وكل منها يمكن أن يكون في حالة من اثنتين، إما تشغيل، أو إيقاف، معبراً عنه expressed أو غير معبر عنه unexpressed، بلغة المصطلحات الوراثية. وهكذا يكون لدينا 2س من حالات التعبير الممكنة. هب الآن أن لدينا اثنين من الكائنات الحية (أ)، (ب) لديهما اثنان وثلاثون ألف، وثلاثون ألف جين على الترتيب. عندئذ يكون عدد حالات التعبير للكائن (أ) هو 320002، وللكائن (ب) 300002. وهكذا فإن حالات تعبير (أ) تزيد عن حالات تعبير (ب) بمقدار 20002، مع ملاحظة أن 20002 رقم كبير جداً، فهو في الواقع أكبر من عدد الجسيمات الأولية التي يقدر وجودها في الكون (حوالي 8010).

وهكذا فإن اختلافاً طفيفاً نسبياً في عدد الجينات يمكن أن يفسر الاختلافات الشاسعة جداً في الشكل الظاهري (الصفات المرئية) للكائن الحي. ولكن ذلك ليس سوى بداية حيث أن الافتراض الأساسي في حسبتنا الأخيرة من أن الجينات إما في وضع تشغيل أو إيقاف هو افتراض ساذج للغاية مقارنة بالقضية ككل، ولا سيما في حالة الكائنات الحية الأعقد. فجينات هذه الكائنات تتمتع بقدر أكبر من “الذكاء” بمعنى أنها قادرة على بناء قدر أكبر من الآلات الجزيئية والتحكم فيها. فيمكن مثلاً أن يعبر عنها جزيئاً، أي أنها لا تكون في وضع تشغيل كامل ولا في وضع إيقاف كامل. وآليات التحكم هذه قادرة على الاستجابة لبيئة الخلية في تحديد مدى تشغيل الجين. وهي بذلك تشبه فعلاً أجهزة كمبيوتر مصغرة مسؤولة عن التحكم. وبما أن درجة تشغيلها أو إيقافها تختلف، فلا بد من زيادة قيم الحسابات المذكورة أعلاه زيادة كبيرة. وأثر البروتينات على بروتينات أخرى تعنى أننا الآن ندخل إلى ترتيب هرمي مكون من مستويات تتزايد تعقيداً زيادة حادة حتى إنه يصعب إدراك أدنى مستوياتها.

إلا أن مجال التعقيد ما زال يحتوي على المزيد بما أنه أصبح من الواضح الآن أن مجموعة كبيرة من الجينات قد تكون مشاركة في سمة أو وظيفة واحدة بعينها، وبذلك نجد جينات كثيرة مقابل سمة أو وظيفة واحدة، لا جيناً واحداً مقابل سمة أو وظيفة واحدة. وأسباب ذلك تبدأ في الظهور. فمثلً “باري كومنر” Barry Commoner كبير علماء ومدير “مشروع علم الوراثة النقدي” Critical Genetics Project في “مركز بيولوجيا النظم الطبيعية” Center for the Biology of Natural Systems في “كلية كوينز” Queens College في “جامعة سيتي في نيويورك” City University of New York يذكر ثلاثة اكتشافات تؤكد أن الحياة أعمق من الـ DNA في مقالة بعنوان “تفكيك أسطورة الـ DNA” “Unravelling the DNA Myth”.

1 – التضفير البديل:

يرجح “كومنر” أن أحد المبادئ الجوهرية في “العقيدة المركزية”، أي فرضية التسلسل التي يقول بها “كريك” قد يحتاج إلى قدر كبير من المراجعة. ويتلخص هذا المبدأ في أن تسلسل النوكليوتايد في جين واحد يحدد شفرة تسلسل الحمض الأميني لبروتين واحد. وذلك لأنه تبين أنه بإمكان جين واحد أن ينشئ الكثير من تنويعات البروتين بعملية يطلق عليها التضفير البديل alternative splicing يمكن أن تتم عند نقل تسلسل النوكليوتايد في أحد الجينات إلى ال RNA المرسل. أي أنه لا يحدث أن الجين الواحد يقابل بروتيناً واحداً. ولكن ما يحدث أن مجموعة خاصة من البروتينات يصل عددها إلى 150 بروتين مع خمسة جزيئات من الـ RNA تعبر باسم جسيم التضفير spliceosome تجتمع في مواضع متنوعة في الـ mRNA وتشكل آلة جزيئية تقطع الـ mRNA إلى أجزاء تدمج مرة أخرى بترتيبات مختلفة متنوعة. وأحياناً قد تنزع بعض القطع وتضاف أخرى. ومن ثم، أي من هذه المواد التي أعيد دمجها تحمل تسلسلاً يختلف عن التسلسل الأصلي. وهكذا، يمكن لجين واحد أن ينشئ الكثير من البروتينات المختلفة بأسلوب القص واللصق الذي يقوم به التضفير البديل. فمثلاً يوجد جين في الأذن الداخلية للدجاج وللبشر يمكنه أن ينشئ 576 بروتيناً مختلفاً. وهناك أيضاً جين في ذبابة الفاكهة يعرف عنه أنه ينشئ 38016 بروتيناً مختلفاً.

ويشير “كومنر” إلى تداعيات هذا الاكتشاف التي تدمر الاعتقاد بأن المعلومات الجينية التي تصدر من تسلسل الـ DNA الأصلي تنتهي دون أن تتغير في تسلسل الحمض الأميني للبروتين. وقد أكد “كريك” أن «اكتشاف نوع واحد فقط من الخلية الحالية» حيث تنتقل المعلومات الوراثية من بروتين إلى حمض نووي أو من بروتين إلى بروتين «من شأته أن يزعزع الأساس الفكري برمته لعلم الأحياء الجزيئي». ولكن هذا هو بالضبط ما يحدث هنا، حيث تنتج معلومات وراثية جديدة في الـ RNA بفعل عملية التضفير، وهي عملية تشتمل على بروتينات جسيم التضفير. ومن ثم، لا يمكن للمرء أن يتنبأ بتأثير جين واحد بمجرد تحديد التعليمات المتضمنة في تسلسل النوكليوتايد الخاص به. فعملية التضفير تحرر تلك التعليمات كمن يحرر نصاً مكتوباً. ومن ثم، تمكنها من إنشاء العديد من المعاني. وفي سنة 2002 أثبت “شين كواك” Shin Kwak من “جامعة طوكيو” University of Tokyo أن الأخطاء في التضفير هي السبب الأرجح وراء الإصابة بمرض التصلب الجانبي الضموري amyotrophic lateral sclerosis وهو نوع من الشلل الفتاك.

وكان يعتقد فيما مضى أن عملية التضفير نادرة الحدوث. إلا أن الملاحظة أثبتت أن حدوث التضفير البديل يزداد بزيادة تعقيد الكائن الحي، وتبين التقديرات الحالية أن نسبة الجينات البشرية المعرضة لهذه العملية يمكن أن تصل إلى 75٪. ويتضح أن التضفير البديل يضيف كمية ضخمة من المعلومات. ولذلك، لم نعد نتعجب مما نراه من اختلافات شاسعة كائنات حية تتشابه في جيناتها تشابهاً كبيراً.

2 – تصحيح الأخطاء:

إن عملية نسخ الـ DNA التي تتم بدقة بالغة لا تتحقق بفعل الـ DNA وحده، ولكنها تعتمد على وجود الخلية الحية. وفي وسط الظروف المحيطة الطبيعية داخل الخلية، يستنسخ الـ DNA نفسه بحوالي خطأ واحد إلى 3 مليار نوكليوتايد (تذكر أن طول الجينوم البشري يبلغ نحو 3 مليار نوكليوتايد). إلا أنه عندما يكون وحده في أنبوبة اختبار، يرتفع معدل الخطأ إلى نسبة مخيفة تصل إلى حوالي 1 من 100. ولكن عندما تضاف في أنبوبة الاختبار أنزيمات بروتين مناسبة، يهبط معدل الخطأ إلى حوالي 1 من 10 مليون. ويعتمد تحقيق أقل معدل من الأخطاء على إضافة مزيد من البروتينات على هيئة إنزيمات “إصلاحية” repair ترصد الأخطاء وتصححها.

ومن ثم تتوقف عملية نسخ الحمض النووي على وجود إنزيمات البروتين هذه، وليس على الـ DNA فقط. وقد سجل “جيمز شابيرو” تعليقاً مهماً على النظام الإصلاحي إذ كتب يقول: «لقد كانت مفاجأة لي عندما عرفت مدى دقة الخلايا في حمايتها لنفسها ضد مختلف التغيرات الوراثية العارضة التي تعتبر مصدر التنوع التطوري، وفقاً للنظرية التقليدية. وبفضل ما تتمتع به الخلايا الحية من أنظمة مراجعة وإصلاح، فهي لا تقف كالضحية العاجزة أمام القوى العشوائية للكيمياء والفيزياء. ولكنها تكرس موارد ضخمة لقمع التنوع الوراثي العشوائي وهي قادرة على تحديد مستوى ما يحدث من طفرات مستترة في موضع معين background localized mutability بضبط نشاط أنظمتها الإصلاحية».

 

أيهما أسبق: الدجاجة أم البيضة؟

من أهم الآثار المترتبة على وجود التضفير البديل وآليات إصلاح الأخطاء هو أنه يبدو أن وجود الـ DNA يتوقف على وجود الحياة، وليس أن الحياة تتوقف على الـ DNA، مما يدعو إلى إعادة النظر في الفكرة الشائعة بأن الحياة نشأت من تسلسل الـ RNA المؤدي إلى الـ DNA المؤدي إلى الحياة (سيناريو عالم الـ RNA). وقد صرح “كومنر” قائلاً: « الـ DNA لم يخلق الحياة، بل الحياة هي التي خلقت الـ DNA.» ويستفيض “ميلر” وزميله “لفين” Levine في هذا الموضوع قائلين: «لا تزال أكبر عثرة تقف عائقاً أمام سد الثغرة العالم غير الحي والعالم الحي. فكل الخلايا الحية محكومة بالمعلومات المختزنة في الـ DNA الذي يتحول إلى RNA ثم يتحول إلى بروتين. وهو نظام في غاية التعقيد وكل من هذه الجزيئات الثلاثة يحتاج للاثنين الآخرين، إما ليحفظ له تماسكه أو ليساعده على العمل. فالـ DNA مثلاً يحمل المعلومات ولكنه لا يستطيع أن يُفّعل استخدامها، ولا حتى أن يستنسخ نفسه دون مساعدة الـ DNA والبروتين».

وهو ما يبدو نوعاً من التكافل غير القابل للاختزال الذي لا تعكسه نماذج أصل الحياة التي تميل لتبسيط العملية على نحو مخل. ويقدم “لسلي أورجل” من “معهد سولك للدراسات البيولوجية” مثالاً مشابهاً: «ليس هناك اتفاق على مدى قدرة الأيض على النمو دون مادة وراثية. وإني أرى أن الاعتقاد بأن تسلسلات طويلة من التفاعلات يمكنها أن تنتظم تلقائياً ليس له أي أساس في الكيمياء المعروفة، بل لدينا كل الأسباب التي تدعونا للاعتقاد بأنها لا تستطيع أن تفعل ذلك. ومشكلة تحقيق قدر كاف من التحديد، سواء في المحلول المائي أو على سطح أحد الأملاح صعبة للغاية لدرجة أن احتمال إغلاق دورة تفاعلات معقدة مثل دورة حمض الستريك العكسية مثلاً احتمال ضئيل للغاية».

3 – هندسة البروتينات:

عندما تصنع البروتينات تطوى متخذة شكلاً هندسياً دقيقاً ثلاثي الأبعاد يتوقف عليه ما ستقوم به من نشاط بيوكيميائي. وكان يعتقد فيما مضى أنه ما أن يتحدد تسلسل الحمض الأميني للبروتين، حتى “يعرف” هذا البروتين كيف يطوى متخذاً الشكل الصحيح. إلا أننا الآن نعلم أن بعض البروتينات تحتاج إلى بروتينات أخرى “مرافقة” تساعدها على أن تطوى طياً صحيحاً، وإلا ستظل خاملة بيوكيميائياً.

علاوة على ذلك، البروتينات المعروفة باسم البرايونات prions الخالية من الحمض النووي مسؤولة عن الأمراض التي تحدث تلفاً في المخ مثل مرض “جنون البقر”. وقد بينت الأبحاث أن أحد بروتينات البرايون يخترق بروتيناً سليماً في المخ ويدفعه ليطوى مرة أخرى بشكل يتوافق مع بنية البرايون ثلاثية الأبعاد. وتنتج هذه العملية برايون آخر من البروتين المعاد طيه يبدو معدياً ويحدث تفاعلاً تسلسلياً فتاكاً. ولكن الشيء الغريب والمهم أن البرايون وبروتين المخ الذي يؤثر فيه البرايون لهما نفس تسلسل الحمض الأميني، ومع ذلك أحدهما “معد” وخطير، والآخر “صحي” وسليم. وهو ما يرجح بقوة أن البنية المطوية لا بد أن تكون مستقلة جزئياً عن تسلسل الحمض الأميني. ويعنى هذا طبعاً أننا عند تقدير محتوى معلومات البروتين، لا بد أن نأخذ في اعتبارنا شكل الطي الهندسي ثلاثي الأبعاد، وهي مشكلة تحير العقل.

وبما أن الكثير من هذا الكلام معروف للعلماء منذ فترة، فقد دفع ذلك “كومنر” أن يسأل عن سر استمرار العقيدة المركزية. وإجابته: «لقد ظلت النظرية محمية من النقد نوعاً ما بأداة أكثر شيوعاً في الدين منه في العلم: فالاختلاف عما هو متعارف عليه، أو مجرد اكتشاف حقيقة لا تتفق مع الاتجاه العالم يعد جريمة تستوجب العقاب، وهرطقة قد تجلب لصاحبها عقوبة الإقصاء المهني. ويمكن إرجاع الكثير من هذا التحيز إلى الركود المؤسسي، والتخلي عن الدقة والمنطقية، إلا أن هناك أسباباً أخرى خفية أخطر من ذلك، وهي تفسر سبب ارتياح علماء الوراثة الجزيئية للأمر الواقع، وهذه الأسباب هي أن العقيدة المركزية منحتهم تفسيراً للوراثة مرضياً بسيطاً مغرياً لدرجة أن الشك فيه أصبح يعتبر إهانة للمقدسات. فقد كانت العقيدة المركزية من الجمال بحيث لا يتمنى المرء أن تكون خاطئة.» ومن ثم، يبدو أن معنى الكينونة الإنسانية أعمق بكثير مما تحويه الجينات.

علم البروتيوميات:

 إن الترتيب الهرمي لمستويات التعقيد لا يتوقف عند ترجمة الشفرة الوراثية إلى بروتينات. وذلك لأن البروتينات يمكن أن تتغير بطرق كثيرة، بل يمكن أيضاً أن تقطع وتضفر كما يتم في جزيئات الـ mRNA. وهو ما أدى إلى نشأة علم البروتيوميات Proteomics حيث البرتيوم Proteome هو مجموعة كاملة من كل البروتينان وتنويعاتها في الخلية. ويعد تبسيط ما تتسم به من تعقيد مذهل، يفوق تعقيد الجينوم بما لا يقاس، من أعظم التحديات الفكرية التي تواجه العلم.

 

معالجة المعلومات في الخلية:

ومن ثم، كلما تعمقنا في دراسة الخلية الحية، اتضحت لنا القواسم المشتركة بينها وبين واحد من أعقد منتجات التكنولوجيا المتقدمة التي أبدعها الذكاء البشري، ألا وهو الكمبيوتر. والفارق الوحيد أن قدرة الخلية على معالجة المعلومات تفوق بمراحل أي شيء يمكن لأجهزة الكمبيوتر المعاصرة أن تفعله. وقد قال “بيل جيتس” Bill Gates مؤسس “شركة ميكروسوف” Microsoft إن « الـ DNA يشبه برنامج كمبيوتر، ولكنه أكثر تطوراً بما لا يقاس من كل ما صممناه من برامج.»

وقد كتب عالم الرياضيات “دوجلاس هوفستاتر” Douglas Hofstadter في كتابه “جودل، إشر، باخ: جديلة ذهبية خالدة” Godel, Escher, Bach – an Eternal Golden Braid يقول: «عندما نعرف عن هذه البرامج والمكونات المتداخلة على نحو مذهل دقيق، لا يسعنا إلا أن نسأل سؤالاً طبيعياً وجوهرياً، ألا وهو: «كيف بدأت أصلاً؟»…. من جزيئات بسيطة إلى خلايا مكتملة، إنه أمر يفوق قدرة المرء على التخيل. ورغم ما يتوافر لدينا من نظريات متنوعة عن أصل الحياة، فجميعها تنهار أمام هذا السؤال الذي يشكل لب الأسئلة الجوهرية: «كيف نشأت الشفرة الوراثية وآليات ترجمتها؟» والقول بأن هذه الشفرة في غاية القدم لا يقلل من صعوبة السؤال. والعالم “ورنر لونشتاين” Werner Loewenstein الذي حاز على شهرة عالمية لما توصل إليه من اكتشافات في تواصل الخلية ونقل المعلومات البيولوجية يقول: «هذا المعجم الوراثي يرجع تاريخه إلى أزمنة سحيقة. ويبدو أنه لم يتغير منه مثقال ذرة على مدى ملياري سنة، فكل الكائنات الحية على الأرض من البكتيريا إلى البشر تستخدم الشفرة نفسها ذات الكلمات الأربع والستين».

ولنأخذ جانباً واحداً من هذه المشكلات المركبة، ألا وهو نشأة البرنامج الوراثي الـ DNA. أحياناً ما يقال إن توليد المعلومات الوراثية يتم بمساعدة نوع من الانجذاب الكيميائي الجزيئات التي تحمل تلك المعلومات. إلا أن هناك سبباً منطقياً بسيطاً ينفي هذا الزعم، وسأوضحه بالحروف الأبجدية. ففي الإنجليزية مثلاً قاعدة تقول إن حرف “q” لا بد أن يتبع بحرف “u”. والآن تخيل وجود “انجذاب مشابه أزواج أخرى من الحروف. والآن يتضح فوراً أنه كلما زادت “حالات الانجذاب” هذه الحروف الأبجدية، تضاءل عدد التعبيرات التي يمكنك كتابتها. فحرية كتابة الحروف بالترتيب الذي يعجبك أمر أساسي للحصول على مخزون لغوي ثري من الكلمات. وهو ما ينطبق على الـ DNA. فالعنصر الجوهري في قواعد النوكليوتايد (أ، س، ج، ث) أنها يمكن أن تنتظم بأي ترتبي عشوائي. ولكن وجود أي نوع من الانجذاب بينها من شأنه أن يحد من قدرتها على حمل المعلومات بدرجة كبيرة.

وترتبط القواعد مع العمود الفقري للـ RNA بروابط (تساهمية) قوية. ولكن شريطاً الـ DNA المكملان يرتبطان معاً بروابط كيميائية ضعيفة مقارنة بالأولى، وهي روابط هيدروجينية بين القواعد المكملة. ويشرح “مايكل بولاني” ما يترتب على ذلك من آثار قائلاً: «هب أن البنية الفعلية لجزيء الـ DNA تعزى إلى روابط قواعده أقوى بكثير من روابط أي توزيعات أخرى من القواعد، عندئذ لن يكون لجزيء الـ DNA هذا أي محتوى من المعلومات. وطبيعته الشفرية سيغلب عليها قدر كبير جداً من التكرار عديم الفائدة…. وأياً كان أصل تركيب الـ DNA، فهو لا يستطيع أن يقوم بدور الشفرة إلا إذا كان ترتيبه لا يرجع إلى قوى الطاقة الكامنة. فهو لا بد ألا يكون مقيداً من الناحية الفيزيائية تماماً مثل تسلسل الكلمات المطبوعة على الصفحة». والعبارة المحورية هنا هي «من الناحية الفيزيائية.» فكما رأينا فيما سبق أن الرسالة لا تشتق من فيزياء وكيمياء الحبر والورق.

ويؤكد هذا الموقف “هيوبرت يوكي” Hubert Yockey كاتب أحد المقالات القوية بعنوان “نظرية المعلومات وعلم الأحياء” Information Theory and Biology قائلاً: «إن محاولات ربط فكرة الترتيب…. بالتنظيم أو التحديد البيولوجي هي لعب بالكلمات لا يصمد أمام الفحص الدقيق. فالجزيئات الضخمة المعلوماتية يمكنها أن تشفر رسائل وراثية. ومن ثم، تحمل المعلومات لأن تسلسل القواعد أو المتبقي من العملية الكيميائية لا يتأثر إلا قليلاً، أو لا يتأثر على الإطلاق بالعوامل الفيزيائية – الكيميائية». فالنص الوراثي لا يتولد من كيمياء الروابط بين الجزيئات.

ولكن إن كانت الروابط الكيميائية لا تصلح أن تكون تفسيراً، إذن ما البدائل المتاحة أمامنا؟ فلا يحتمل أن اللجوء الساذج إلى عمليات تشبه العمليات الداروينية بإمكانه أن يزودنا بالحل ما دمنا نتحدث عن أصل الحياة، وأياً كان ما يمكن للعمليات الداروينية أن تفعله، فمن الصعب جداً أن نتخيل كيف يمكن لهذه العمليات أن تسير في غياب الحياة. وذلك لأن الانتخاب الطبيعي يحتاج لعنصر قادر على نسخ نفسه وقادر على إحداث طفرة. وقد اقتبسنا آنفاً مقولة “ثيودوشس دوبجانسكي” الشهيرة: «التطور السابق لظهور الحياة عبارة متناقضة مع نفسها.» ورغم أنها تبدو للكثيرين الآن “قديمة الطراز”، فهي تحذرنا في استخدامنا لبعض المصطلحات مثل: “التطور الجزيئي” الذي يمكن أن يفهم على أنه يعنى أننا نفترض خفية أن العملية نفسها (إنتاج نسخ مماثلة من حيث إنها الوحيدة التي يمكن للانتخاب الطبيعي أن يعمل في وجودها ويؤثر فيها، وإلا تصبح المسألة كلها بلا معنى) بين أيدينا، ونحن نحاول أن نفسر وجودها. وقد أشار “جون بارو” John Barrow إلى أن “جيمز كلرك ماكسويل” قد لاحظ منذ عام 1873 أن الذرات كانت «تجمعات من الجسيمات المتماثلة التي لم يؤثر الانتخاب الطبيعي على خواصها. وهذه الخواص هي التي أتاحت إمكانية وجود الحياة».

إلا أن المحاولات مستمرة لحل معضلة أصل الحياة باستخدام الحجج الداروينية التي تعتمد فقط على الصدفة والضرورة. وعلينا الآن أن نتناول بعض المساهمات الرياضية في هذا الموضوع حتى نضع تلك المحاجات في سياقها المناسب.

 

[1] نموذج رياضي لكمبيوتر افتراضي (http://www.oxfronddictionaries.con/us/definition/american_english/Turing machin) تم الإطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015) (المترجم)

[2] يمكن الرجوع للمقال المشار إليه على (http://www.scientifieamerican.com/article/a-sim-pler.origin.for.life)، تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[3] السلسلة الرئيسية في جزيء البوليمر (“قاموس أكسفورد”). (المترجم)

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

عاجل: إكتشاف مدينة أثرية ترجع للقرن الثاني بها كنيسة يونانية رومانية وهيكل بمحافظة المنيا

عاجل: إكتشاف مدينة أثرية ترجع للقرن الثاني بها كنيسة يونانية رومانية وهيكل بمحافظة المنيا عاجل: …