الرئيسية / أبحاث / طبيعة العقل البشري – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

طبيعة العقل البشري – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

طبيعة البشري – لـ فرانسيس كولينز

طبيعة العقل البشري - كتاب لغة الله لـ فرانسيس كولينز PDF
طبيعة البشري – لـ فرانسيس كولينز

طبيعة البشري – لـ فرانسيس كولينز

كتاب لغة الإله PDF – فرانسيس كولينز – للتحميل

في يوم من أيام الصيف الدافئة من بداية الألفية الجديدة، وعندما كانت البشرية تعبر الجسر إلى مرحلة جديدة انتشر في أنحاء العالم كله وفي كل الصحف المعروفة بشكل مبهج خبر الإعلان عن النسخة الأولى من الجينوم البشري، حيث تم اكتشاف كتيب طريقة عمل الإنسان.

يحتوي الجينوم البشري على الحمض النووي لكل الأصناف البشرية وشفرة الوارثة للحياة. يبلغ طول النص الجديد المكتشف 3 بلايين من الأحرف، وقد كتب بطريقة غريبة ومشفرة على شكل نسق رباعي. تعقيد المعلومات التي تحتوي عليها كل خلية في جسم الإنسان تجعل من قراءة هذا النص بمعدل حرف لكل ثانية تستغرق 31 سنة حتى لو استمرت القراءة ليلا ونهارا. طباعة أحرف هذا النص بالبنط العادي بالحجم المتعارف من الأوراق سوف ينتج عنه برج بارتفاع النصب التذكاري في واشنطن. لأول مرة في ذلك الصباح الصيفي أصبح هذا النص العجيب الذي يحمل في طياته كل التعليمات التي يقوم عليها الإنسان متوفراً للعالم أجمع.

كقائد للمشروع الدولي للجينوم البشري حيث عملت لأكثر من 10 سنوات للكشف عن تسلسل الحمض النووي، وقفت بجانب الرئيس بيل كلنتون في الغرفة الشرقية للبيت الأبيض وكان إلى جانبنا کريغ فنتر Craig Venter رئيس قسم القطاع الخاص من المشروع. كان رئيس الوزراء توني بلير يتابع الحدث عبر الستلايت، وأقيمت احتفالات متزامنة في أنحاء مختلفة من العالم.

بدأ خطاب کلینتون بمقارنة بين تسلسل خريطة الجينوم وبين الخريطة التي كشف عنها میرویذر لويس[1] Meriwether Lewis أمام الرئيس توماس جيفرسون في ذات الغرفة قبل ما يقرب من 200 سنة. قال كلينتون: “من دون أدنى شك، هذه أهم وأروع خريطة تم صنعها من قبل الإنسان”. ولكن الجانب الذي جذب انتباه الرأي العام في خطابه هو القفز من الجانب العلمي إلى الجانب الروحي، حيث قال: “اليوم، بدأنا نفهم اللغة التي خلق الله بها الحياة. بدأنا نتعرف بإعجاب على تعقيد وجمال ودهشة الهدية المقدسة للرب”. هل صدمت وأنا العالم المدرب من هذه الإشارة الدينية الصارخة لزعيم العالم الحر في هذه اللحظة؟ هل شعرت بالحرج وطأطأت رأسي بخجل؟ لا، على الإطلاق. في الواقع لقد عملت عن قرب مع كاتب خطابات الرئيس لأيام متواصلة قبل هذا الإعلان، وقد وافقت تماماً على هذه الفقرة. عندما جاء دوري للحديث عبرت عن هذا الشعور “إنه يوم سعيد للعالم، ومدعاة للتواضع من قبلي، فقد أمسكنا باللمحة الأولى من كتابنا، الذي كان في السابق معروفاً من قبل الله فحسب.

ما الذي كان يحدث هنا؟ لماذا يشعر رئيس الولايات المتحدة ومعه عالم عند إعلانهم عن إنجاز علمي في علم الأحياء والطب بأن عليهم ربط ذلك بالله؟ أليس وجهتا النظر العلمية والروحية متناقضتان، أو ألم يكن من الأفضل أن يتجنبا الظهور معا في الغرفة الشرقية للبيت الأبيض؟ ما هي الأسباب التي تدفع للحديث عن الله في كلا الخطابين؟ هل كل ذلك شعراً؟ نفاقاً؟ هل هي محاولة ساخرة للحصول على تعاطف من الموحدين، أو محاولة لتحييد أولئك الذين قد ينتقدون هذه الدراسة للجينوم البشري باعتبارها اختزال للجنس البشري إلى مجرد آلة؟ لا، ليس بالنسبة لي. على العكس من ذلك، فالتعرف على تسلسل الجينوم البشري والكشف عن أهم النصوص على الإطلاق كان إنجازاً علمياً صادماً وفي الوقت نفسه مناسبة للتعبد.

هذه المشاعر قد تكون محيرة للبعض الذين يفترضون أن العالم الجاد لا يمكن أن يكون مؤمناً حقيقياً بالله المتعالي. هذا الكتاب هو لدحض هذه الفكرة، وذلك من خلال القول إن الإيمان بالله يمكن أن يكون عقلانياً تماماً، وأن مبادئ الإيمان في الحقيقة تتكامل مع مبادئ العالم.

هذه التركيبة العلمية والروحية في النظر للعالم تعتبر عند البعض في العصور الحديثة مستحيلة، كما هي محاولة إرغام قطبي المغناطيس للالتقاء في نقطة واحدة. على الرغم من هذا الانطباع، هناك أمريكيون مهتمون بإمكانية الدمج بين هاتين الرؤيتين في حياتهم اليومية. الاستطلاعات الحالية تؤكد أن 93٪ من الأمريكيين يعلنون نوعا من الإيمان بالله، ومع ذلك فإن معظمهم يقود السيارات ويستخدم الكهرباء ويتابع تقارير الطقس، ومن الواضح أنهم يعتقدون أنه يمكن الوثوق به بما يحكم هذه الظواهر.

ماذا عن الاعتقاد الروحي في أوساط العلماء؟ في الحقيقة إنه منتشر بينهم أكثر مما يعتقد البعض. في عام 1916، قام باحثون بسؤال علماء أحياء وعلماء فيزياء وعلماء رياضيات عما إذا كانوا يؤمنون بالإله الذي يتواصل مع الناس بصورة فعالة، وفي المقابل يصلي له الناس متوقعين أن يستجيب لصلواتهم. 40% ممن تم سؤالهم أجابوا بالإيجاب. في عام 1997، تم تكرار الاستبيان، وكان مثيراً لدهشة الباحثين أن النسبة كانت مقاربة لنسبة الاستبيان السابق.

إذن، هل “المعركة بين العلم والدين ليست معركة استقطاب كما تبدو؟ للأسف، فإن الدليل على وجود توافق ممكن بينهما عادة ما يغطي عليه التعبيرات الصارخة التي تصدر من الذين يحتلون مناطق الأقطاب في هذا النقاش. والقنابل ترمى من كلا الجانبين. على سبيل المثال، عندما يتم تجاهل معتقدات 40٪ من زملائه باعتبارها مشاعر لا معنى لها فإن الفيلسوف التطوري ريتشارد دوكينز[2] Richard Dawkins بدا على أنه المتحدث الرسمي لوجهة النظر التي تقول إن الاعتقاد بالحاجة إلى التطور تتطلب الإلحاد. من ضمن عدد من عباراته المثيرة للدهشة يقول دوكينز: “الإيمان هو عذر رائع لتجنب الحاجة إلى التفكير وتقييم الحجج. الإيمان يوجد عند الافتقار للحجة … الإيمان هو الاعتقاد الذي لا يقوم على برهان، وهو العيب الذي يعاني منه كل دين”.

في المقابل، يهاجم المتعصبون دينياً العلم باعتباره خطر وغير موثوق به، ويشيرون إلى التفسير الحرفي للنصوص المقدسة باعتباره الوسيلة الوحيدة الموثوق بها لإدراك الحقيقة العلمية. من بين هذه المجموعة، هناك تعليقات الراحل هنري مورس[3] Henry Morris رئيس حركة الخلق Creationist movement الذي اعتبر أن “كذبة التطور تغلغلت وهيمنت على الفكر الحديث في كافة الحقول. هذا هو ما حدث، ومن خلال ذلك كان لابد أن يكون الفكر التطوري هو السبب للتطورات السياسية المشؤمة والفوضى الأخلاقية والتفكك الاجتماعي الذي أصبح متسارعاً في كل مكان … عندما يختلف العلم والإنجيل فإن من المؤكد أن العلم لم يحسن تفسير البيانات المتوفرة له”.

إن التنافر بين الأصوات المتخاصمة يجعل المراقبين المخلصين في حيرة وإحباط. سوف يصل الناس العقلاء إلى نتيجة مفادها أن عليهم أن يختاروا بين طرفين لا يلتقيان، لا يوفر أي منهما الراحة. في ظل خيبة الأمل من حدة كلا وجهتي النظر، فإن البعض يختار رفض كل من الحقائق العلمية الموثوقة وقيم الدين، وبدلا من ذلك ينساق إلى تفكير غير علمي وروحانية ضحلة أو ببساطة إلى اللامبالاة. البعض الأخر يقرر قبول كل من العلم والروح، ولكن يفصل بين الوجود المادي والروحي لتجنب الاضطراب الناتج عن التعارض بينهما. في إطار هذا الاتجاه، يؤيد عالم الأحياء الراحل ستفين جاي Stephen Jay فكرة أن يحتل كل من العلم والإيمان مساحات منفصلة “غير متقاطعة، ولكن ذلك سوف يحدث صراعاً داخلياً ويحرم الناس من فرصة تقبل العلم أو الروح بفهم كامل.

ولذلك فإن السؤال المركزي لهذا الكتاب: في ظل المرحلة الحديثة من علم الكونيات والتطور والجينوم البشري، هل تبقت إمكانية لتوافق ثري بين النظرتين العلمية والروحية؟ حسب وجهة نظري، ليس هناك تعارض بين أن أكون عالماً صارماً وبين أن أكون شخصا يؤمن بالإله الذي يهتم بكل واحد منا. مجال عمل العلم هو اكتشاف الطبيعة. أما مجال الإله فهو العالم الروحي وهو الحقل الذي لا يمكن اكتشافه بالأدوات أو بلغة العلم. هذا المجال يجب اكتشافه عن طريق القلب والعقل والروح -وعلى أن يجد طريق للتوفيق بين كلا المجالين.

سوف أتبنى وجهة النظر التي تقول بأن كلتا وجهتي النظر ليست فقط يمكن أن توجدا في إنسان واحد فحسب، وإنما تعمقان أيضا من التجربة الإنسانية. العلم هو الوسيلة الوحيدة لفهم العالم الطبيعي، وعندما يتم توظيف أدواته بشكل صحيح فإنه يمكن أن يقدم للوجود المادي رؤى عميقة، ولكن العلم عاجز عن الإجابة عن أسئلة من قبيل “لماذا وجد العالم؟ ما معنى الوجود الإنساني؟ ماذا يحدث بعد أن نموت؟ الإجابة على مثل هذه الأسئلة العميقة هي من ضمن أقوى محفزات التفكير لدى البشر، ولذلك علينا أن نستعين بكافة قدرات كل من الرؤى العلمية والروحية للحصول على فهم لما هو مرئي وما هو غير مرئي. هدف هذا الكتاب هو البحث عن طريق يوصلنا إلى تكامل بين وجهات النظر هذه.

التفكير في مثل هذه الأمور الجوهرية قد يكون أمراً يسبب القلق. جميعنا لدينا نظرة كونية محددة. هذه النظرة تمكننا من إدراك العالم المحيط بنا، كما أنها توفر لنا إطاراً أخلاقياً، كما أنها توجه قرارتنا المستقبلية. أي شخص يتعاطى مع النظرة الكونية هذه يجب أن لا يقوم بذلك بصورة سطحية. الكتاب الذي يعنى بمناقشة أمور جوهرية قد يؤدي إلى قلق أكبر مما يؤدي إلى ارتياح. ولكننا كبشر لدينا شوق شديد المعرفة الحقيقة، ومع ذلك فإن هذا الشوق يمكن أن يكبت عبر التفاصيل المملة للحياة اليومية. هذه الملهيات بالإضافة إلى الرغبة بتجنب التفكير بمصيرنا يجعل من الأيام والأسابيع والأشهر وربما السنوات تمر بسرعة من دون تفكير جاد بالأسئلة الخالدة المتعلقة بالوجود الإنساني. هذا الكتاب هو مجرد ترياق بسيط لهذه الحالات، ومع ذلك فهي توفر فرصة للتفكير الذاتي والرغبة بالبحث المعمق.

إلى الفصل التالي: من الإلحاد إلى الإيمان

في البداية، عليّ أن أشرح كيف لعالم درس الجينات أن يصل إلى الإيمان بالإله غير المحدد بزمان ولا مكان، وهو الإله الذي يهتم بصورة شخصية بالبشر. البعض سوف يفترض أن ذلك يتم من خلال غرسها عبر العائلة والثقافة، وأنه لا يمكن الهروب منها في مراحل لاحقة من العمر. ولكن ذلك ليس هو مرادي في هذا الكتاب.

 

[1] اميريويذر لويس (1774 -1809) هو رحالة ومستكشف أمريكي، عرف بمشاركته في حملة لويس وكلارك الشهيرة التي فتحت طريق الغرب أمام الولايات المتحدة.

[2] ريتشارد دوكينز: ولد في 26 مارس 1941 في نيروبي، کينيا) هو عالم بيولوجيا تطورية وإيثولوجيا وكاتب أدبيات علمية بريطاني. من أبرز أعماله التأكيد على الدور الرئيسي للجينات كقوة دافعة للتطور. إلى جانب أعماله في البيولوجيا التطورية، يقدم دوکینز نفسه على أنه ملحد، إنساني -علماني، شكوكي، وعقلاني علمي وهو معروف بآرائه في الإلحاد ونظرية التطور كما أنه من أبرز منتقدي نظرية الخلق ونظرية التصميم الذكي

[3] هنري موريس (6 أكتوبر 1918 -25 فبراير 2006) أمريكي من مناصري خلقية الأرض الفتية ومدافع لاهوتي. كان واحدا من مؤسسي جمعية أبحاث الخلق ومعهد الأبحاث المختصة بالخلق. ويعتبره العديد من المراقبين “أب علم الخلق الحديث”.[1] وترعرع موريس في تكساس. وتخرج من جامعة رايس ليحصل على درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية عام 1939

هل لديك تعليق؟

إقرأ أيضاً:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.