الرئيسية / أبحاث / حرب وجهات النظر – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

حرب وجهات النظر – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

حرب وجهات النظر – – فرانسيس كولينز

حرب وجهات النظر - كتاب لغة الله - فرانسيس كولينز PDF
حرب وجهات النظر – – فرانسيس كولينز

حرب وجهات النظر – – فرانسيس كولينز

كتاب لغة الإله PDF – فرانسيس كولينز – للتحميل

 

الفصل الثاني: حرب وجهات النظر

إذا بدأت قراءة هذا الكتاب وأنت من المشككين، ووصلت معي إلى هذه النقطة من الكتاب فلابد أنه بدأ يتكون لديك سيل من الاعتراضات. أنا شخصياً كان لدي مثل هذه الشكوك: أليس الإله هو مجرد حالة من التفكير الفضولي. ألم ترتكب الكثير من الآثام باسم الدين؟ كيف للإله العطوف أن يسمح بالمعاناة؟ كيف لعالم جاد أن يقبل بإمكانية حدوث ؟

إذا كنت مؤمناً فإن السرد الوارد في الفصل الأول يكون قد أيد موقف نوعاً ما، ولكن بالتأكيد فإن إيمانك سوف يتعارض في جوانب عدة مع قناعات في داخلك أو قناعات ممن حولك.

الشك هو جزء لا يمكن تجنبه في الحياة. وبحسب تعبير بول تيلتش Paul Tillich “الشك ليس مضاد للإيمان، وإنما هو جزء منه”. إذا كان الوضع في مصلحة الإيمان بالإله بصورة محكمة تماماً فإن العالم سوف يكون مليء بالأطباء الواثقين بوجود إيمان واحد. ولكن تخيل عالم تم فيه مصادرة حرية الاعتقاد بصورة تامة. كيف سيكون عليه هذا العالم؟ الإشكاليات بالنسبة للشاك والمؤمن على حد سواء تأتي من عدة مصادر. أحد هذه المصادر تتعلق بالتعارض الظاهري بين الاعتقادات الدينية والمشاهدات العلمية. سوف يتم تناول هذه الإشكاليات الواضحة في حقول الأحياء والوراثة في الفصول القادمة. أما الإشكاليات التي تندرج في الإطار الفلسفي للتجربة الإنسانية فإنها سوف تناقش في هذا الفصل. إذا لم تكن من المهتمين بهذه الإشكاليات فيمكنك الانتقال إلى الفصل الثالث.

عندما أتناول هذه المواضيع الفلسفية فإنني أتكلم بشكل أساسي كعلماني. ومع ذلك فإنني شخصياً مررت بهذه المعاناة. لقد حاصرتني الشكوك من كل جانب، وبشكل خاص في السنة الأولى بعد اقتناعي بوجود الإله الذي يهتم بالناس. وعلى الرغم من أن هذه الأسئلة بدت لي جديدة وغير قابلة للإجابة عليها، إلا أنني شعرت بالراحة عندما علمت بأن أسئلتي ليست جديدة، بل أنها طرحت بقوة أكبر من قبل الكثيرين عبر قرون عدة. لقد شعرت براحة كبيرة لوجود مصادر رائعة تتضمن إجابات جادة على هذه المعضلات. سوف أشير إلى بعض هؤلاء المؤلفين في هذا الفصل مرفقة بأفكاري وتجاربي. عدد من أفضل هذه التحليلات مأخوذة من كتابات لويس C.S. Lewis الذي أصبح مرشدي الأكاديمي في أكسفورد.

على الرغم من أن مجموعة من الاعتراضات سوف تناقش في هذا الفصل، إلا أنني وجدت أن أربعة منها بالخصوص مرتبطة بالأيام الأولى من الإيمان الوليد، وأعتقد أن هذه الاعتراضات العاصفة تواجه أي شخص يريد أن يتخذ القرار بخصوص وجود الإله.

أليست فكرة الإيمان بالإله عبارة عن تلبية للرغبات؟

هل بالفعل هناك إله؟ أم أن البحث عن كائن خارق هو أمر منتشر في كل الثقافات التي تم دراستها، وهو يعبر عن شوق عام من دون أساس لشيء خارج ذواتنا ليعطي معنى لحياة لا معنى لها، ولكي يبعد عنا ألم الموت؟

في حين أن البحث عن المقدس في الوقت الحالي أصبح نوعاً ما أقل وضوحاً في حياتنا المليئة بالمغريات، إلا أن هذا البحث يظل أحد أهم ما يتطلع إليه الإنسان. يصف لويس هذه الظاهرة في حياته في كتابه الرائع Surprised by Joy، فيعتبر أن شعور الشوق القوي برز في حياته على شكل بضعة أسطر من الشعر وهو ما يصفه بالمبهج. يصف لويس هذه التجربة بقوله “إنها رغبة لم يتم إشباعها، وإشباعها أقوى من إشباع أية رغبة أخرى”. أتذكر أنني مررت بهذه اللحظات في حياتي، حيث شعور الشوق الشديد يتوسط ما بين الشعور باللذة والمرارة، وهو ما كان يثير دهشتي ويدعوني للتساؤل من أين أتى هذا الشعور العاطفي وكيف يمكن التعامل مع هذه التجربة.

عندما كنت صبية كنت كثيرا ما أسرح في تجربة النظر من خلال التلسكوب الذي وضعه أحد الفلكيين الهواة على تلة بالقرب من مزرعتنا، حيث كنت أشعر باتساع هذا الكون وأرى البقع الموجود على سطح القمر والضوء الشفاف الساحر للثريا. وفي عمر الخامسة عشر، أتذكر أنه وفي ليلة عيد الميلاد وعندما كانت فرقة الموسيقى تعزف لحناً جميلاً بنغمة مميزة شعرت بنوع من الرعب والشوق إلى شيء ما لا أعرف ما هو. لقد شعرت عندما كنت طالباً ملحداً أثناء الدراسات العليا بنفس شعور الرعب والشوق مع شعور عميق بالآسى عند عزف السمفونية الثالثة لبيتهوفن (Eroicd). وبينما كان العالم في حالة حداد على وفاة مجموعة من الرياضيين الإسرائيليين على يد إرهابيين في أولمبياد عام 1972، عزفت فرقة برلين الموسيقية لحن رثائي في الإستاد الأولمبي يجمع بين الشموخ والفاجعة، بين الحياة والموت. خلال هذه اللحظات خرجت من تصوري المادي إلى حالة روحية عميقة أصابتني بالذهول الشديد.

وقبل فترة قصيرة، وباعتباري عالما يحوز على قدر لافت من التميز نتيجة لاكتشاف أمور لم يسبق إليها إنسان، شعرت بنوع من المتعة مترافقة مع ومضات من البصيرة. من خلال إحساسي بالوصول إلى لمحة من الحقيقة العلمية شعرت دفعة واحدة بالإشباع والشوق إلى فهم الحقيقة بشكل أكبر. في تلك اللحظة، لم يعد العلم مجرد عملية اكتشاف، لقد تجاوزت ذلك إلى الدخول في تجربة تبطل التفسير المادي تماماً.

إذن ما الذي يحدث بحيث يجعلنا نمر بهذه التجارب؟ وما هو شعور الشوق إلى شيء خارج عن ذواتنا؟ ألم يكن ذلك سوى مزيج من نواقل عصبية وقعت على المستقبلات المناسبة مما أدى إلى إنتاج شحنة كهربائية على نحو عميق في بعض أجزاء المخ؟ أم أن هذه التجارب شبيهة بالقانون الأخلاقي الذي وصفناه بالفصل السابق، كنوع من الشك فيما هو موجود هناك، مما يشير إلى شعور عميق في النفس البشرية يتطلع إلى شيء ما أعظم كثيراً من ذواتنا. الموقف الإلحادي يقول إنه لا يمكن أن نعتبر أن هذا الشوق هو إشارة إلى قوة خارقة، فترجمتنا لمشاعر المتعة باتجاه الإله ليست سوى تعبير عن تفكير لتلبية رغبات معينة، في محاولة لابتكار إجابة، لأننا نرغب في أن يكون ذلك صحيحاً. انتشرت وجهة النظر هذه بشكل كبير من خلال كتابات سغمند فروید Sigmund Freud الذي اعتبر أن الأمنيات بوجود إله تبدأ مع تجاربنا في مرحلة الطفولة. يقول فرويد في كتابه Totem and Taboo إن “سيكولوجية كل واحد منا فيما يخص الاعتقاد بالإله تتشكل بطريقة مشابهة السيكولوجية والده بهذا الخصوص، وهكذا الحال بعلاقة والد الأب وأقربائه، وهي تتأرجح وتتغير تبعاً لهذه العلاقة، ولكن في الأساس فإن هذا الإله ليس سوى الأب المبجل.

الإشكالية التي تواجه حجة إشباع الرغبات أنها لا تتماشى مع شخصية الإله في الأديان الرئيسية في العالم. في كتابه الأنيق The Question of God، يقارن أستاذ التحليل النفسي في جامعة هارفرد أرماند نیكولي Armand Nicholi بين وجهة نظر فرويد وبين وجهة نظر لويس. يقول لويس بأن مثل هذا الإشباع للرغبات يتيح المجال لظهور إله من النوع الذي وصف في الإنجيل. ولكن إذا كنا نبحث عن الإله الرحيم اللطيف الحليم فلن نجده هناك. وبدلا من ذلك، ومع بداية تلمسنا لوجود القانون الأخلاقي وعدم قدرتنا الواضحة للوصول إلى مستواه ندرك باننا في مشكلة عويصة وأننا منفصلين بشكل دائم عن صانع هذا القانون. ألا يمر الطفل عندما يكبر بتجربة التردد تجاه والديه، بما في ذلك الرغبة بأن يكون حراً؟ إذا لماذا يعتبر إشباع الرغبات تطلعاً إلى الإله، على عكس التطلع لعدم وجود إله؟

أخيراً، وبتعبير منطقي مبسط، إذا قبل شخص بالقول إن الإله هو شيء يرغب الإنسان به، فهل هذا ينفي أن الإله موجود؟ بالتأكيد لا. أن أحلم بزوجة محبة لا يعني أنها أمر خيالي. حقيقة تمنى المزارع لسقوط المطر لا يجعله يشكك بحقيقة المطر المتساقط.

في الحقيقة، يمكن لنا أن نقلب حجة إشباع الرغبات رأسا على عقب. لماذا توجد هذه الرغبة المميزة المتعطشة، إذا لم تكن هناك فرصة للإشباع؟ مرة أخرى، يعتبر أن ذلك هو النبع: “الكائنات لا تولد برغبات إلا إذا كان ممكنة إشباع هذه الرغبات. الطفل يشعر بالجوع: حسناً، هناك شيء اسمه طعام. البطة الصغيرة تريد أن تسبح، حسنا هناك شيء لذلك هو الماء. الرجال لديهم رغبة جنسية، حسنا هناك شيء اسمه جنس. إذا وجدت أن لدي رغبة لا يمكن إشباعها في هذا العالم، فإن التفسير المحتمل جدا أنني خلقت لعالم أخر”.

هل يمكن لهذا الشوق نحو المقدس الكوني المحير بالنسبة للتجربة الإنسانية ألا يكون مشبعاً للرغبات وإنما مؤشر باتجاه شيء خارج ذواتنا؟ لماذا يوجد داخل قلوبنا وعقولنا “فراغ إلهي” God-shaped Vacuum إذا لم يكن هناك ما يشبعه؟

من السهل جداً في عالمنا المادي أن نفقد البصيرة تجاه هذا الشعور بالشوق. في سلسلة مقالاتها الرائعة Teaching a Stone to Talk تعبر آنی دیلرد Annie Dillard عن الفراغ المتزايد:

لم نعد ساذجين بعد الآن. العالم كله لم يعد مقدساً … لقد انتقلنا كبشر من التوحيد إلى وحدة الوجود …. إن من الصعب جدا أتدارك الأذى الذي أحدثناه، والعودة إلى مكاننا الذي طلب منا أن نغادره. أنه من الصعب أن تدنس مقبرة ثم تغير رأيك. لقد أحرقنا الأعشاب ولم يعد بالإمكان إشعالها مرة أخرى. لقد أشعلنا أعواد الثقاب تحت كل شجرة خضراء. هل تقدر الرياح التي كانت تبكي والتلال التي كانت تصرخ على ذلك؟ لقد انتهى الحديث فيما بين الأشياء عديمة الحياة في الأرض، والأشياء الحية تقول القليل لعدد قليل … ومع ذلك فمن الممكن أينما كانت هناك حركة أن يكون هناك ضجيج، كما هو حال الحوت حينما يخترق ويصفع الماء، وأينما يكون هناك صمت يكون هناك صوت صامت، الإله يتحدث من خلال الريح العاصفة، من خلال أغنية ورقص الطبيعة. ماذا كنا نفعل كل هذه العصور سوى الطلب من الإله بالعودة إلى الجبال. ما الفرق بين الكنيسة ومختبر الفيزياء؟ أليس كلاهما يقول مرحبا؟

 

ماذا عن كل الشرور التي تحدث باسم الدين؟

 إحدى أصعب العقبات التي تواجه طالبي الحقيقة تتمثل في الدلائل الكثيرة طول التاريخ بأن أمورة فظيعة حدثت باسم الدين. وهذا ينطبق بشكل عام على كل الأديان في مرحلة معينة، بما في ذلك تلك التي تدعو للشفقة واللاعنف ضمن مبادئها. أخذا بعين الاعتبار مثل هذه الأمثلة مثل استخدام السلطة التعسفية الصارخة، والعنف، والنفاق، كيف لإنسان أن يلجأ إلى خيمة الإيمان التي يروج لها مرتكبو الشر؟

هناك جوابان لهذه المعضلة. في البداية، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار بأن هناك أشياء عظيمة تم القيام بها باسم الدين. لعبت الكنيسة (وهنا أستخدم هذا التعبير لوصف المؤسسات المنظمة التي تنشر التعاليم الروحية، بغض النظر عن نوع هذه التعليمات في مرات عديدة دوراً حاسماً في دعم العدالة والخير. على سبيل المثال، تأمل في دور القادة الروحيين الذين عملوا لإنقاذ الناس من الظلم، من دور موسى في إنقاذ بني إسرائيل من العبودية، إلى دور وليام ولبر William Wilber في إقناع البرلمان الإنجليزي المعارضة شرعنة العبودية، إلى القس مارتن لوثر كنغ Martin Luther King الذي قاد حركة المطالبة بالحقوق المدنية في الولايات المتحدة، والتي دفع حياته ثمنا لها.

ولكن الجواب الثاني سوف يأخذنا مرة أخرى إلى القانون الأخلاقي، وإلى حقيقة أننا جميعا كبشر ننتهك هذا القانون. الكنيسة مكونة من مجموعة من الناس المذنبين. الماء النقي النظيف للحقيقة الروحية موضوع في حاويات صدئة، ولذلك فإن قصور الكنيسة لقرون طويلة يجب أن لا يلقى على عاتق الدين، كما لو أن الماء هو السبب. لا عجب في أن الناس الذين يقيمون الحقيقة بالدعوة للدين من خلال سلوك كنيسة محددة غالباً ما يجدون أنه من المستحيل أن يتخيلوا أنفسهم منضمين لها. مع بزوغ الثورة الفرنسية كتب فولتير تعبيرا عن عداءه للكنيسة الكاثوليكية الفرنسية ما يلي “هل هناك أي عجب من وجود ملحدين في العالم إذا كانت الكنيسة تتصرف بهذا الشكل القذر؟”

ليس فقط هو من يشوه حقيقة الإيمان الديني. الأمثلة الكثيرة لنفاق رجال الدين ومن خلال تركيز وسائل الإعلام عليها تدفع الكثير من المشككين للاستنتاج بأنه لا وجود لحقيقة موضوعية خيرة في الدين.

الأكثر من ذلك ربما يكون في المظهر الكاذب الشائع على شكل إيمان ميت، إيمان علماني في العديد من الكنائس، تم فيه نزع كل قيم الإيمان التقليدي، وتقديم نسخة من الحياة الروحية عبارة عن مناسبات اجتماعية لا أكثر، ليس فيها أي شيء عن البحث عن الإله.

أليس عجيبا بعد ذلك أن يشير بعض المعلقين إلى الدين باعتباره قوة سلبية في المجتمع، أو بتعبير کارل مارکس Karl Marx “أفيون الشعوب”؟ ولكن لنكن حذرين هنا. التجارب الماركسية العملاقة في الاتحاد السوفيتي والصين والتي أسست مجتمعات تقوم على الإلحاد برهنت على أنها ارتكبت مذابح بشرية وتعسف في استخدام السلطة مثل أسوء الأنظمة في الأزمنة الحالية إن لم يكن أكثر منها. في الحقيقة، إن الإلحاد ومن خلال إنكار وجود أية سلطة متعالية يفسح المجال لنزع أية مسؤولية للبشر في ممارسة الظلم ضد بعضهم البعض.

وإذا كان التاريخ الطويل للاضطهاد الديني والنفاق واقعي بشكل كبير، فإن الباحثين عن الحقيقة يجب أن يتجاوزوا سلوك البشر المشين من أجل الوصول للحقيقة. هل ندين شجرة البلوط لأنه تم استخدام أخشابها لبناء حلبات لصراع الخراف؟ هل نلوم الهواء لأن الكذب ينتقل من خلاله؟ هل نقوم بتقييم مقطوعة موزارت Mozart المسماة The magic Flute على أساس عزف أطفال الصف الخامس لها. إذا لم تكن شاهدت الغروب الحقيقي للشمس فوق المحيط الهادي، هل سوف تعتبر أن كتيب مرشد للسياح سوف يكون هو البديل؟ هل سوف تقوم بتقييم قوة الحب الرومانسي فقط على ضوء سوء المعاملة الزوجية في المنزل المجاور؟ لا. التقييم الحقيقي لحقيقة الإيمان يعتمد على النظر إلى الماء النقي وليس إلى الحاويات الصدئة.

لماذا يسمح الإله الرحيم بوجود المعاناة في العالم؟

قد يكون هناك في العالم من لم يشعر مطلقا بالمعاناة. لا أعرف أحدا من هؤلاء، ولا أعتقد أن أحدا من قراء هذا الكتاب يعرفون أحداً من هذه الفئة. هذه التجربة الكونية دفعت الكثيرين للتشكيك في وجود الإله الرحيم. كما عبر لويس في كتابه The Problem of Pain يمكن وضع هذه الإشكالية على النحو التالي “إذا كان الله يتصف بالخير، فإنه ينبغي عليه أن يعمل على أن تعيش مخلوقاته بسعادة، وإذا كان الإله قادر على كل شيء فإنه قادر على تحقيق رغبته بذلك. ولكن المخلوقات ليست سعيدة. لذلك فإن الإله يفتقر إما إلى الخير أو إلى القدرة أو إلى كليهما”.

هناك عدة إجابات على هذه المعضلة. بعضها أسهل للقبول به من البعض الأخر. في المقام الأول، علينا أن ندرك أن قسما كبيرا من معاناتنا ومعاناة الآخرين هي بسبب ما نقوم تجاه بعضنا البعض. البشرية هي من صنعت السكاكين والسهام والمسدسات والقنابل وكل أنواع أدوات التعذيب التي استخدمت طوال العصور. من الصعب جدا تحميل الإله مأساة مقتل شاب بسبب سائق مخمور، أو تحميله مسؤولية مقتل إنسان بريء في المعركة، أو مقتل فتاة صغيرة برصاصة طائشة في جريمة وقعت في مدينة حديثة. في النهاية، نحن أحرار إلى حد معين فيما نفعل، ونحن نتصرف كما نرغب. ونحن كثيرا ما نستخدم هذه القدرة في عدم إطاعة القانون الأخلاقي. عندما نقوم بذلك ينبغي أن لا نلوم الإله على العواقب.

هل ينبغي على الإله أن يقيد حريتنا من أجل أن يمنع حدوث مثل هذه السلوكيات الشريرة؟ هذا النوع من التفكير سريعاً ما يصطدم بمعضلة لا يوجد لها جواب عقلاني. ومرة أخرى يؤكد لويس على هذا المعنى بشكل واضح بقوله “إذا أخترت أن تقول إن الإله يمكن أن يمنح المخلوقات حرية الاختيار وفي نفس الوقت تريد أن تكبح حرية الاختيار هذه، فإنك عندها لن تكون قد قلت شيئا عن الإله. تركيب من الكلمات التي تفتقر للمعنى لا يمكنها فجاءة أن تعطي معنى للكلام، لأننا ببساطة بدأناها بكلمتين “الله يستطيع”. ما لا معنى له يظل عديم المعنى، حتى لو كان كلامنا عن الإله”.

يظل أن من الصعب قبول الحجج العقلانية عندما يتعلق الأمر بتجربة معاناة قاسية لإنسان بريء. أعرف طالبة كلية كانت تعيش وحدها خلال إجازة الصيف بينما كانت تقوم بأبحاث طبية كنوع من الاستعداد لتصبح طبيبة. استيقظت الفتاة في عتمة الليل لتجد رجلا غريباً يقتحم شقتها. وضع الرجل سكينة على رقبتها، وتجاهل توسلاتها وعصب عينيها ثم أغتصبها. لقد تركها في وضع مأسوي، ومكثت الفتاة سنوات وسنوات لكي تتعافي من هذه التجربة، في حين لم يقبض على الفاعل حتى الآن.

تلك الشابة كانت ابنتي. لم أدرك الشر المطلق إلا في تلك الليلة. ولم أتمنى بلهفة أن يتدخل الإله في شيء كما تمنيت أن يتدخل بطريقة ما لمنع هذه الجريمة البشعة. لماذا لم يوجه الإله صاعقة إلى المجرم؟ أو على الأقل يجعله يؤنب ضميره؟ لماذا لم يضع درعا خفية حول ابنتي لحمايتها؟

لعل الإله يتدخل في البعض الحالات النادرة بمعجزات، ولكن الجانب الأكبر الذي يتم من خلال الإرادة الحرة وعبر نظام الكون المادي هو حقيقة أصيلة. في حين أننا نرغب بأن تتكرر مثل هذه المعاجز فإن ما يترتب على ذلك سوف سيؤدي إلى أن تعم الفوضى.

ماذا عن وقوع الكوارث الطبيعية: الزلازل، موجات التسونامي، البراكين، الفيضانات الكبيرة، والمجاعات؟ وعلى نطاق أصغر ولكن لا يقل تأثيراً، ماذا عن إصابة ضحية برئ بالمرض مثل إصابته بالسرطان في طفولته؟ يشير الكاهن الانجيلكاني والطبيب المميز جون بولكينغهورن John Polkinghome إلى هذه الفئة من الوقائع بأنها “الشر المادي” في مقابل الشر الأخلاقي الذي يقوم به البشر. كيف يمكن تبرير ذلك؟

العلم يكشف عن أن كوكبنا والحياة ذاتها يعمل عبر عملية تطورية. ما يترتب على ذلك يمكن أن يشمل عدم القدرة على التنبؤ بالطقس، أو انزلاق لطبقة في باطن الأرض، أو تشوه في جين السرطان في عملية انقسام الخلية المعتادة؟ إذا كان الإله قد اختار أن يستخدم هذه القوى في خلق البشر فإن حتمية التبعات المؤلمة لذلك تصبح مؤكدة. على الأقل فإن التدخل الإعجازي المتكرر سوف يعد فوضى في المجال الفيزيائي بنفس مقدار التدخل في الأفعال الحرة للإنسان.

هذه التفسيرات العقلانية تعد قاصرة بنظر الساعين للحقيقة في تبرير تجربة المعاناة الإنسانية. لماذا يجب أن تكون حياتنا أقرب إلى دموع الوداع منها إلى حديقة للبهجة؟ لقد كتب الكثير عن هذه المفارقة، والنتيجة ليست بهذه البساطة: إذا كان الإله يحبنا ويريد لنا الخير فإن غايته مثل غايتنا. هذا مفهوم معقد، وخاصة إذا تم تربيتنا بصورة مستمرة على صورة الإله الرحيم، وهو ما يفترض أن الإله يرغب في إسعادنا على الدوام. مرة أخرى نعود إلى لويس حيث يقول ” في الحقيقة ما نرغب به هو أكثر من موقف والد في الجنة، بل هو أقرب إلى موقف جد في الجنة، حيث عطف كبار السن الذين يحبون أن يروا صغار السن يستمتعون بوقتهم، وهم الذين يخططون للكون بطريقة تسمح لهم بالقول في نهاية كل يوم لقد كان وقتا جميلا بصحبة….”.

إذا حكمنا من خلال التجربة البشرية، فإنه إذا قبل شخص بصورة الإله المحب الرحيم فإنه بذلك يرغب بوضوح أن يكون الإله على شاكلتنا؟ أليست هذه في الحقيقة هي تجربتنا؟ هل تعرفت على نفسك بشكل أكبر عندما تجري الأمور لصالحك، أو عندما تواجه بالتحديات والإحباط والمعاناة؟ “الإله يهمس بنا في أوقات سعادتنا ويتحدث إلى ضمائرنا، ولكنه يصرخ عند آلامنا: إنه ميكرفونه عالي الصوت الذي يوقظ العالم الأصم”. بمقدار ما نحاول أن نتجنب المرور بهذه التجارب، ألن نكون ضحلين بدونها، بحيث نكون كائنات تتمحور حول نفسها لتفقد تماما الإحساس بالنبل والحاجة إلى مساعدة الآخرين؟

فكر فيما يلي: إذا كان أهم قرار نتخذه في الأرض هو القرار الذي يخص الدين، وإذا كانت أهم علاقة نبنيها في هذه الأرض هي العلاقة مع الإله، وإذا كان وجودنا ككائنات روحية لا يقتصر على ما يمكن أن نتعلمه أو نراقبه في حياتنا الدنيوية فإن المعاناة الإنسانية سوف تكون في سياق أخر تماما. قد لا نفهم على الإطلاق أسباب تجارب المعاناة، ولكن يمكننا أن نبدأ بتقبل فكرة وجود مثل هذه الأسباب.

في حالتي يمكنني أن أرى وبشكل خافت بأن اغتصاب ابنتي كان تحدياً لي لتعلم المعنى الحقيقي للصفح في الحالات المأسوية. بصراحة كاملة، أنا لا زلت أعمل على ذلك. ولعل ذلك كان فرصة لي لإدراك أنني لا أستطيع حماية ابنتي بشكل كامل من المعاناة والألم. تعلمت أن أفوض ذلك إلى عناية الإله، وإن كنت أعلم أن ذلك لا يعني مناعة من الشر، ولكنه تأكيد على أن هذه المعاناة لن تذهب سدى. في الحقيقة، سوف تقول ابنتي بأن هذه التجربة أعطتها الفرصة والدافع لتقديم النصيحة والسلوى لأولئك الذين مروا بتجربة مشابهة لهذا الاعتداء.

القول بأن الإله يعمل من خلال المحن ليس مفهوماً يمكن قبوله بسهولة، ولا يمكن التعويل عليه، إلا من خلال الاعتماد على وجهة نظر تستند للاعتبار الروحي. في الحقيقة إن مبدأ الترقي من خلال المعاناة مبدأ عام في أديان العالم الكبرى. الحقائق الأربعة لبوذا تبدأ بعبارة “الحياة معاناة”. هذه القناعة قد تصبح مصدر راحة.

تلك المرأة التي اعتنيت بها كطالب طب تحدت إلحادي من خلال تقبلها لمرضها المميت. لقد وجدت هذه المرأة أن مرضها وهي في أيامها الأخيرة يقربها إلى الإله أكثر مما يبعدها عنه. على مستوى تاريخي أوسع، نجد أن ديتريتش بونهوفر Dietrich Bonhoeffer وهو اللاهوتي الألماني الذي عاد إلى ألمانيا من الولايات المتحدة أثناء الحرب العالمية الثانية للإبقاء على الكنيسة على قيد الحياة، في الوقت الذي اختارت الكنائس المنظمة في ألمانيا أن تؤيد النازيين، قد تم سجنه بتهمة الاشتراك في مؤامرة لاغتيال هتلر. خلال سنتين من بقاءه في السجن، عانى بونهوفر من الإهانات وفقدان الحرية، ولكن إيمانه أو تقديره لم يتأثر. وقبل وقت قصير من شنقه قبل ثلاثة أسابيع من تحرير ألمانيا كتب بونهوفر هذه الكلمات “الوقت الضائع هو الوقت الذي لا نعيش فيه، هو الوقت الذي لا يعزز تجاربنا، ولا يعزز سعينا الحثيث والاستمتاع والمعاناة”.

كيف لإنسان عقلاني أن يؤمن بالمعجزات؟

 في النهاية، خذ بعين الاعتبار الاعتراض الذي يقول بأن الإيمان بالمعجزات يتعارض مع كون الشخص عالم. كيف يمكن للمعجزات أن تتوافق مع وجهة النظرة العلمية؟ لقد قللنا بتعبيراتنا المعاصرة من أهمية كلمة المعجزة. نحن نستخدم تعابير من قبيل “دواء سحري”، “حمية سحرية” أو حتى “فريق كرة البيسبول الساحر”. ولكن بالتأكيد هذا ليس المعنى الحقيقي لكلمة معجزة. المعجزة على نحو دقيق هي الحادثة التي تبدو غير متماشية مع قوانين الطبيعة، وبذلك تكون خارقة في أصلها.

كل الأديان تؤمن بوجود معجزات. قصة عبور بني إسرائيل للبحر الأحمر مع موسي ولحاق رجال فرعون الذين غرقوا فيما بعد قصة مؤثرة تروى في كتاب Ecodus حكاية إنقاذ أتباعه من الهلاك. وكذلك الحال عندما طلب المسيح من الرب أن يطيل في بقاء النهار من أجل الانتصار في المعركة، وهذا ما حدث بالفعل حيث بقيت الشمس طالعة، وهو ما لا يمكن وصفه إلا أنه معجزة.

كيف يمكن قبول هذه الادعاءات في حين أن الشخص إنسان عقلاني متحضر؟ حسنا، من الواضح أنه إذا بدأ أحد من مسلمة أن الحوادث الخارقة للعادة مستحيلة فإنه لا يمكن القبول بالمعاجز. مرة أخرى يمكن أن نعود إلى لويس وذلك في كتابه Miracles لنفكر بشكل واضح في هذا الموضوع. “إي حدث يدعى بأنه معجزة هو في نهاية الأمر شيء ما نشعر به بحواسنا، شيء ما نشاهده ونلمسه ونشمه ونتذوقه. وحواسنا ليست معصومة عن الخطأ. إذا حدث شيء خارق للعادة يمكن دوما أن نقول إننا قد نكون ضحية لنوع من الخداع. وإذا كنا نتبنى فلسفة ترفض وجود الأمور الخارقة للعادة فإن هذا ما سوف نقوله. ما نتعلمه من التجربة يعتمد على نوع الفلسفة التي نقيس عليها هذه التجربة. وبالتالي فإن من غير المفيد التعويل على التجربة قبل أن نستقر على السؤال الفلسفي.

مع خشيتنا من إخافة أولئك الذين لا يرتاحون للتناول الرياضي للمواضيع الفلسفية نقدم لكم التحليل التالي. الكاهن توماس بایز Thomas Bayes كان لاهوتياً إسكتلندياً، ولكنه نادراً ما يذكر لتأملاته اللاهوتية، وإنما كان معروفاً بسبب نظريته في الاحتمالات. توفر نظرية بیز معادلة يمكن للشخص أن يحسب من خلالها احتمالية وقوع حادثة معينة إذا توفرت لديه معطيات أولية ومعلومات إضافية. هذه النظرية مفيدة بشكل خاص إذا كنا بصدد تفسيرين أو أكثر لوقوع حادثة معينة.

لنأخذ المثال التالي. لنفترض أنك أخذت رهينة من قبل رجل معتوه. ولنفرض أن الرجل المعتوه أعطاك الاختيار لسحب ورقتين من أوراق اللعب أو تغييرهما، وإذا خرجت كلتا الورقتين وعليهما صورة البستوني فسوف يطلق سراحك.

ومع أنك كنت تشك ما إذا كانت هذه المحاولة تستحق المحاولة من الأساس قررت أن تجرب، ثم أصابتك الدهشة لأن الورقتين خرجتا بصورة البستوني، فقام المعتوه بفك وثاقك ورجعت إلى البيت. ولأن الديك ميل إلى الرياضيات قمت بحساب فرصة أن تكون محظوظا على الشكل التالي:

52/1 * 52/1 = 2704/1 

وهي فرصة نادرا ما تحدث، ولكنها حدثت. وبعد عدة أسابيع وجدت شخصاً عطوفاً يعمل في المصنع الذي ينتج أوراق اللعب، وأخبرك بأنه كان على علم برهان المعتوه معك، ولذلك قام بترتيب أوراق اللعب الاثنين والخمسين كلها مكونة من ورقة البستوني.

إذن محاولتك لم تكن مجرد ضربة حظ. وإنما تدخل شخص عالم ومحب (عامل المصنع) وأنت لم تكن تعرفه عندما كنت محتجزاً ليرفع من نسبة احتمال نجاتك. احتمال أن تسحب ورقة مختلفة في مجموعة أوراق لعب عادية هي 99/ 100، في حين أن احتمال خروج ورقة مختلفة في أوراق اللعب الخاصة تبلغ 99/ 100. إخذاً بالاعتبار نقطتي البداية المحتملتين فإن الاحتمالات الشرطية لسحب ورقتي لعب بصورة البستوني على التوالي تبلغ 1/ 2704 و1 على التوالي. بواسطة نظرية بايز يمكن حساب الاحتمالات اللاحقة، والاستنتاج من ذلك بأن من المحتمل بنسبة 96% بأن مجموعة أوراق اللعب التي تم السحب منها كانت “إعجازية”.

نفس التحليل يمكن أن ينطبق بشكل واضح على حالات إعجازية في حياتنا اليومية. افترض أنك شفيت بسرعة مذهلة من مرض سرطان في مراحله المتقدمة، وكان هذا النوع من السرطان من النوع المميت في كل الحالات تقريباً. هل يعد ذلك معجزة؟ لكي نقوم بتقييم السؤال على ضوء نظرية بايز ينبغي عليك في المقام الأول أن تحدد بشكل مسبق ما هو معيار المعجزة في الشفاء من مرض السرطان. هل هي واحد بالألف؟ هل هي واحد بالمليون؟ أو هي صفر؟ وهنا بالتأكيد سوف يختلف الناس العقلاء بشكل كبير في بعض الأحيان. بالنسبة للمادي الملتزم لا مجال للحديث عن إمكانية للمعجزة منذ البداية. هذه الاحتمالية بالنسبة له تساوي صفر)، وبناء على ذلك فإن الشفاء غير المتوقع على الإطلاق من مرض السرطان لن يعد بالنسبة له دليلا على حدوث معجزة، بل سوف يتم إرجاعه إلى حقيقة وجود حالات استثنائية في الطبيعة. في حين أن المؤمن بالإله سوف يصل بعد فحص الدلائل إلى نتيجة مفادها أن مثل هذا الشفاء لا يمكن أن يحدث من خلال عملية طبيعية، وأن الاعتراف بأن احتمالية وقوع المعجزة وإن كان صغيراً جداً، إلا أنه لا يصل إلى الصفر، وبالتالي يقوم بنفسه بعملية حسابية وفق نظرية بایز لاستنتاج أن حدوث المعجزة أكثر احتمالاً من عدم حدوثها.

كل ما سبق يؤدي إلى نتيجة أن النقاش حول سرعان ما يتطور للنقاش حول ما إذا كان الشخص راغب في القبول بإمكانية وجود قوة خارقة. أنا أؤمن بأن هذه القوة موجودة، ولكن في الوقت نفسه أعتقد بأن تدخلها بشكل عام صغير جدا. هذه هي الفرضية التي نحتاج لها لتقديم أي تفسير طبيعي لأية حالة. الحالات المفاجئة لا تعني بالضرورة وجود معجزة.

بالنسبة للربوبي الذي يعتبر أن الإله خلق الكون، وبعد ذلك توجه إلى مكان آخر للقيام بنشاطات أخرى، لا يوجد لديه سبب للقبول بأحداث طبيعية على أنها معجزات، كما هو الحال أيضا بالنسبة للمادي الملتزم. أما بالنسبة للمؤمن الذي يؤمن بإله يتدخل في حياة البشر فإن هناك عدة فرضيات يمكن تطبيقها لحدوث المعاجز، وهذا يعتمد على الفهم الشخصي للحد الذي يتدخل فيه الإله في الأحداث اليومية.

أياً تكن وجهة النظر الشخصية، من المهم تطبيق الشك الإيجابي عند تفسير الحوادث الإعجازية خوفاً من أن تتعرض شمولية وعقلانية وجهة النظر الدينية للشك. ليس هناك شيء يدمر إمكانية حدوث بسرعة أكبر من المادية الصارمة سوى الادعاء بوقوع في الحوادث اليومية التي يكون لها تفسير علمي في متناول اليد. أي شخص يدعي أن تفتح الوردة معجزة يسيء إلى فهم النمو في بيولوجيا النبات الذي يوضح كافة الخطوات منذ غرس الحبوب إلى تفتح الزهرة الجميلة ذات الرائحة العطرة، وهي الخطوات التي دونت في كتيب تعليمات الحمض النووي. وكذلك الشخص الذي يصف فوزه بورقة اليانصيب بأنها معجزة لأنه توسل في صلاته لكي يفوز، لأنه يقحم سذاجتنا في هذا الأمر. وبسبب الانتشار الواسع لأنواع من بقايا الإيمان في مجتمعنا الحديث فإن من المحتمل أن نسبة كبيرة ممن اشتروا أوراق يانصيب لذلك الأسبوع قد تضرعوا بشكل عابر في صلواتهم للفوز بجائزة اليانصيب. إذا كان هذا هو الواقع، فإن ادعاء الفائز الحقيقي بوجود تدخل إعجازي يبدو هزيلاً.

الأصعب من ذلك هو تقييم الادعاءات بحدوث معجزة أدت إلى الشفاء من الأمراض. كطبيب شهدت حالات شفيت من أمراض بدت غير قابلة للشفاء. لكن لا يمكنني أن أرجع شفاء هذه الحالات إلى حدوث معجزة، لأنه ليس لدينا فهم كامل للأمراض وكيفية تأثيرها على جسم الإنسان. غالبا عندما يتم التمحيص بهذه الادعاءات من قبل متخصص موضوعي يتبين عدم صحة هذه الادعاءات. ورغم الاطمئنان والإصرار على وجود دلائل كثيرة على تلك الحالات، فلن أشعر بالصدمة لحصول هذه المعاجز في حالات نادرة. هذا الاحتمال نادر، ولكنه لا يصل للصفر.

لا تشكل المعاجز تعارضاً غير قابل للتوفيق بالنسبة للشخص المؤمن الذي يثق بالعلم كوسيلة لاستقراء عالم الطبيعة وبأن العالم محكوم بقوانين. إذا كنت مثلي تؤمن بوجود شيء ما خارج هذا العالم فإنه لا يوجد سبب منطقي يمنع من قيام هذه القوة بالتدخل في حالات نادرة. ولكن حتى نتجنب غرق العالم في حالة من الفوضى يجب أن تكون هذه المعاجز نادرة الحدوث. كما كتب لويس قائلا ” الإله لا يبعث بالمعاجز بصورة عشوائية كأنها أتت من الفلفل الناعم. إنها تحدث في حالات عظيمة. في لحظات تاريخية فارقة، ليست في التاريخ السياسي أو الاجتماعي، وإنما في التاريخ الروحي الذي لا يمكن لنا معرفته بصورة كاملة.

وهنا لا نرى بوضوح قوة الحجة التي تقول بندرة وقوع هذه المعاجز فقط، بل ندرك أن لهذه المعاجز غاية ما، وهي ليست مجرد تعبير عن أحداث سحرية خارقة للعادة من أجل إثارة إعجابنا. إذا كان الإله هو المقتدر الخير فإنه لن يلعب دور المحتال. يناقش بولكهورن هذه النقطة بقوله “لا يجب تفسير المعاجز على أنها سلوك إلهي ضد قوانين الطبيعة (فهذه القوانين هي تعبير عن إرادة الإله) وإنما عبارة عن وحي عميق الطبيعة العلاقة الإلهية مع الخلق. لتكون ذات مصداقية، يجب أن تحمل المعاجز فهما أعمق من الفهم الحاصل دون وجودها.

على الرغم من هذه الحجج، فإن المشككين الماديين الذين لا يرغبون بوجود أي أساس لمفهوم الخارق للعادة، أولئك يرفضون حجة القانون الأخلاقي، ويرفضون الشعور الكوني المتطلع للإله، بالتأكيد سوف يجادلون بأنه لا حاجة من الأساس للأخذ بعين الاعتبار بالمعاجز. من وجهة نظر هؤلاء، قوانين الطبيعة تستطيع تفسير كل شيء، بما في ذلك غير المحتمل. ولكن هل يمكن التعويل على هذه الحجة بشكل كامل؟ هناك في التاريخ حادثة عميقة واحدة على الأقل لم يستطع العلماء في جميع التخصصات تقريبا من تفسيرها ولن يستطيعوا مطلقا فهمها، حيث لم تستطع قوانين الطبيعة أن تقدم لنا تفسيرا لها. هل مثل هذه الحادثة معجزة. تابع معنا.

 

إلى الفصل السابق: من الإلحاد إلى الإيمان

إلى الفصل التالي: أصل الكون

هل لديك تعليق؟

إقرأ أيضاً:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.