الرئيسية / أبحاث / ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

ترجمات العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام - الأب سهيل قاشا
ترجمات العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

ترجمات العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

مقدمة

هل ترجم (والكتاب المقدس بعهديه) إلى اللغة العربية، قبل الإسلام أم بعده؟ سؤال شغل الكثيرين من الباحثين ماضيا وحاضرا، وما زال يطرحه المعاصرون من العاملين في هذا الميدان. حقا، هذا الموضوع شائك، وقد تضاربت الآراء فيه. نحاول بهذه الإلمامة المتواضعة أن نوضح هذه المشكلة.

آراء متنوعة

من المعلوم أنه لم تصل إلينا أي ترجمة عربية سابقة للإسلام، إلا أن هذا الواقع ليس دليلا على عدم ترجمة في الجاهلية؛ وإليك عرض سريع لأهم الآراء:

الأب لويس شيخو اليسوعي، دافع عن وجود ترجمة للكتاب في الجاهلية، مؤيدا رأيه بأدلة عديدة[1]، وتبعه عبد المسيح المقدسي في مقال قيم ظهر في مجلة المشرق البيروتية[2]. ثم نشر المستشرق أنطون باو مشتارك عددا من المقالات ابتداء من العام ۱۹۲۹ حتى ۱۹۳۸ لإثبات الرأي نفسه.

أما جورج غراف الألماني، فقد أثبت أن الترجمات العربية التي وصلت إلينا لا ترجع إلى أيام الجاهلية. ولكنه يفترض وجود ترجمة عربية للكتاب المقدس (أو الأجزاء منه) قبل الإسلام.

ثم ذكر ألفريد غليوم نضا من «السيرة النبوية» لإبن إسحق يستدل به على وجود ترجمة عربية لإنجيل يوحنا في بداية القرن السابع الميلادي.

وعالج آرثر فويس الموضوع باختصار، فتوصل إلى النتيجة ذاتها التي كان قد توصل إليها جورج غراف وكذلك فعل رابين في مقاله، عن «اللغة العربية التي كتبها لدائرة المعارف الاسلامية الجديدة. فأكد أن بعض أجزاء كانت متداولة في الجاهلية، وأن واضعها من النصارى لا اليهود. وقدم جوزيف هنجر نظرة سريعة عن بعض الآراء، وأيد أخيرا رأي جورج غراف.

ثم جاء يوشع بلاو فأنكر وجود ترجمة عربية للكتاب المقدس سابقة للإسلام، اعتمادا على أدلة لغوية، وردا على أنطون بو مشتارك.

بعد هذا العرض لأهم الآراء نرى أن نختمه بتقديم رأي الدكتور جواد علي، لإحاطته موضوع الجاهلية فيقول:

ويظهر من بعض روايات الإخباريين أن بعض أهل الجاهلية كانوا قد اطلعوا على التوراة والإنجيل، وأنهم وقفوا على ترجمات عربية للكتابين. أو إن هذا الفريق كان قد عرب بنفسه الكتابين كلا أو بعضا، ووقف على ما كان عند أهل الكتاب من كتب في الدين، فذكروا مثلا أن ورقة بن نوفل: «كان يكتب الكتاب العبراني، ويكتب من بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب». وقالوا: «وكان أمرؤ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي من ما شاء الله أن واللغة العربية يكتب». وذكروا مثل ذلك عن أمية بن أبي الصلت. فقالوا: إنه كان قد قرأ الكتب المقدسة، وقالوا مثل ذلك عن عدد من الأحناف.[3]

وبعد ذكر هذه الأمثلة، أبدى المؤلف رأيه قال:

ولا يستبعد وجود ترجمات للكتاب المقدس في الحيرة. ولما عنها من تقدم في الثقافة وفي التعليم والتعلم، ولوجود النصارى المتعلمين فيها بكثرة. وقد وجد المسلمون فيها حينما دخلوها عددا من الأطفال يتعلمون القراءة والكتابة، وتدوين الأناجيل؛ وقد برز نفر منهم وظهروا في علوم اللاهوت، وتولوا مناصب عالية في سلك الكهنوت في مواضع أخرى من العراق، فلا غرابة، إذا ما قام هؤلاء بتفسير الأناجيل وشرحها للناس للوقوف عليها، ولا يستبعد تدوينهم لتفاسيرها أو لترجمتها، لتكون في متناول الأيدي، ولا سيما بالنسبة إلى طلاب العلم المبتدئين، ولا يستبعد أيضا توزيع بعض هذه الترجمات والتفاسير إلى مواضع أخرى لقراءتها على الوثنيين وعلى النصارى للتبشير.[4]

ونحن إذ نؤيد رأي الدكتور جواد علي ونحبذه، نقول بهذا الصدد:

إن عدة قبائل من العرب أخذت تدين بالنصرانية منذ أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع، بعضها في العراق کالعباديين، وبعضها في بادية الشام كغسان، وبعضها في اليمن والحجاز كبني الحرث (الحارث) وأهل نجران [5]

افلا يقبل العقل أن هذه القبائل العديدة بقيت نحو مائتين وثلاثمائة سنة دون أن يطلع أصحابها على الأناجيل في اللغة العربية. أفليس عن بني غسان وإنجيلهم قال النابغة:

“بمجلتهم ذات الإله ودينهم قويم فلا يرجون غير الوقوف”.

ومن هذه الدلائل أيضا ما جاء في شعر بعض الأقدمين أمية بن أبي الصلت، وعدي بن زيد، وغيرهما من شعراء النصرانية في الجاهلية؛ فإنك ترى في دواوينهم إشارات واضحة إلى نصوص من بل قطع مطولة من التوراة والإنجيل.

وكذا جاء عن البراق أنه كان تعلم تلاوة على أحد الرهبان.[6] وفي سيرة ابن هشام نصوص أخرى من بالعربية نقلها ابن هشام عن محمد بن إسحق. وتراه هناك قد استشهد بالآية الواردة في إنجيل يوحنا (15: 26) على هذه الصورة: “فلو قد جاء المْنَحْمَنَا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب وروح القسط، الخ”؛ وفي لفظتي “مْنَحْمَنَا و «روح القسط» ما يدل على أن الترجمة العربية التي يشير إليها نقلت عن النسخة السريانية الفلسطينية.

ومن البراهين المقنعة أيضا أن القرآن ذكر مرارا، وقال عنه إن فيه نورا وهدى؛ ففي إشارته إلى ومضمونه دليل بين على أن هذا الكتاب كان معروفا عند العرب منقولا إلى لغتهم.[7]

على أن هذا التعريب القديم للإنجيل المقدس أخذته يد الضياع لما شاعت بعد ظهور الإسلام ترجمات محكمة. وأول نقل جاء ذكره في التاريخ أثبته ابن العبري (1226 – 1286) في تاريخه الكنسي بالسريانية، فروى هناك أن الأمير عمرو بن سعد بن أبي وقاص أرسل فاستقدم إليه البطريرك يوحنا (۱۳۱ – 64۹)، وأمره بأن ينقل له الإنجيل إلى العربية بشرط أن يحذف منه ما يختص باسم المسيح الاله والعماد والصليب. فأجابه يوحنا أنه يفضل الموت على أن يترك منه ياء أو نقطة، فلما رأى عمرو عزيمته قال: «اذهب واكتب ما تشاء». فترجمه بمساعدة من بني لحم المسيحيين.[8]

تنامي حركة التعريب قبل الإسلام

ومضى المسيحيون في حركة تعريب كتابهم المقدس إلى اللغة العربية – منذ انتشار المسيحية بينهم في القرن الرابع – ومن بينها الترجمة التي وضعت في نهاية القرن التاسع الميلادي، وقد استشهد بهذه الترجمة الجميلة الامام الزيدي أبو القاسم الطبطبائي في رده على النصارى.

وإذا اعتبرنا وعرفنا أن من أهم شعائر الدين المسيحي في كنائس المشرق وأحبها إلى الشعب كان أن تقرأ كل يوم مساء وصباحا، وإلى يومنا هذا، قطع من الكتب المقدسة[9]، وأن هذه العادة كانت قديمة عندهم، فيجوز لنا أن نفترض أن الحاجة الكنائسية اضطر رؤساء الدين المسيحي في البلاد العربية إلى نقل، ولو هذه القطع فقط، إلى لغة الشعب من يوم أصبح للعرب بيع يقيمون فيها صلواتهم وطقوسهم الدينية، و إلا اضطررنا أن نفرض أن هذه الطقوس وتلك القراءات كانت تقام وتقرأ[10] في بيعهم وبيوتهم وأديرتهم في إحدى اللغات الأجنبية، وهذا محال لا يقبله العقل ولا يتفق مع الشواهد العقلية.

على أن البيع والأديرة والصوامع إلى غير ذلك من بيوت العبادة، لم تقم في كل بلدة أو قرية دخلتها النصرانية من بلاد العرب، إما لقلة من دخل في النصرانية في بعض المدن والقرى، أو لفقر أهاليها وتفرق كلمتهم وآرائهم الدينية بين کسائية وأبيونية وأريوسية وصابئية وحنيفية ونسطورية ونصرانية[11]، وإما لأسباب أخرى بجهلها. إلا أن هذه العراقيل لم تكن لتمنع أصحاب النحل المسيحية وأهل التقوى والعبادة منهم أن يؤلفوا حلقات دينية كانت تجتمع في بيوت الخاصة لقراءة بعض الكتب والأسفار المزورة التي شاعت بين العرب خاصة، أو كتب أخرى منقولة عن السريانية واليونانية. ويؤيد هذا الفكرة ما نعرفه عن حلقة الحنيفيين في مكة الذين عناهم محمد، كما يخال لي، في سورة النحل (آية 45) حيث سماهم أهل الذكر»، والذين كان محمد يتردد إليهم قبل إظهار دعوته[12] ليسمع قراآتهم، ويشترك معهم في إعتكافاتهم الدينية، وتلاوتهم للكتب المنزلة أو المزورة. فقد ذكر صاحب الأغاني عن ورقة بن نوفل، أحد هؤلاء الحنيفيين وابن عم خديجة زوج محمد الأولى، “أنه كان أمرا تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء أن يكتب”.

وقد جاء في مروج الذهب: «وكان ورقة قرأ الكتب ورغب عن عبادة الأوثان، ولم يذكر أسماء الكتب التي كان يقرأها، وهل كانت عربية أو عبرانية، كما قد يؤخذ من عبارة صاحب كتاب الأغاني، على أننا نعتقد أنها كانت عربية مكتوبة بأحرف عبرانية، كما يجب أن تفهم عبارة الأغاني، إن لم يكن وقع فيها تحريف، وحجتنا على ذلك أن العرب كانوا – قبل أن تشيع بينهم الأحرف النبطية – يكتبون بأحرف عبرانية أو سريانية أو يونانية، وأن صحيحي البخاري و مسلم اللذين نرجح أن صاحب الأغاني أخذ عبارته عنها لم يذكروا العبرانية بل العربية، وهذه عبارة البخاري بنصها: «وكان ورقة امرءًا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء أن يكتب.

فإذا صح هذا الافتراض، جاز لنا أن نستنتج منه أن الأناجيل، أو قسما منها، نقلت إلى العربية قبل الإسلام، إذ يصعب علينا أن نسلم بأن نصارى الحيرة وسورية واليمن وشبه جزيرة سينا (الآيلة) وفلسطين ويثرب والطائف يقرأون في كنائسهم وأديرتهم الأناجيل والمزامير وغيرها من كتب العهدين بلغات غير مفهومة، أو لا يقرأونها في هذه اللغات – هذا إن فرضنا أنهم كانوا يقرأونها فيها في بادئ الأمر – زمنا طويلا، وبعد أن شاعت بينهم الأحرف العربية الحاضرة التي صاروا يدونون فيها تاريخ بيعهم وأهم حوادئهم المدنية والكنائسية[13]، وكتاباتهم على أبواب أديرتهم[14]، وضرائحهم.[15]

زد على ذلك ما ذكره أحد المؤرخين من أن ملك الحبشة إيلا إسبيبا، أرسل سنة ۵۲۰ ميلادية إلى إمبراطور بيزنطية قسما من إنجيل لنصارى بحران نجا من الحريق. نعم، إن صاحب هذا الخبر لم يذكر لغة هذا الإنجيل، على أننا – استنادا إلى ما قدمنا من الاعتبارات – نرجح أنها كانت العربية[16]حيث النجرانيون عرب أقحاح.

أما وقد ترجح عندنا أن بعض الكتب المقدسة نقل إلى العربية قبل الإسلام، فطبيعي أن نتساءل عن اللغات التي نقلت عنها هذه الكتب، وعن أسمائها، لعلنا نجد في الجواب عن هذين السؤالين دعامة أخرى ندعم بها أو نقوي فكرتنا الأساسية، التي نحاول تأييدها في هذه العجالة[17].

التعريب بعد الإسلام

بعد الفتح الإسلامي للعراق وبلاد الشام، تعددت الترجمات العربية وانتشرت في كل أنحاء المشرق[18]. وهذه النسخ عديدة، منها نسخة في المكتبة الفاتيكانية، يرقى عهدها إلى القرن الثامن للمسيح، والذين سعوا في هذه الترجمة هم رهبان دير القديس سابا بقرب القدس. وفي ديرهم نسخ قديمة محفوظة فيه حتى الآن، وكذلك في دير الصليب المجاور للقدس. وهناك نسخ منقولة إلى العربية عن الأصل السرياني المعروفة بـ “البسيطة”، “بشيطو”، أقدمها النسخة التي وصفها غلومیستر، ورقى عهدها إلى ما بين سنتي ۷۵۰ – ۸۰۰ م.

وجدير بالذكر أن الأناجيل المقدسة ترجمت في نهاية القرن التاسع الميلادي، وقد استشهد بهذه الترجمة الجميلة الإمام الزيدي أبو القاسم الطبطبائي في رده على النصارى (في القرن العاشر الميلادي).

أما مزامير داود فقد ترجمها شعرا الأسقف الأندلسي الحفص بن البر القوطي في منتصف القرن العاشر الميلادي، وهي جوهرة الأدب المسيحي العربي.

وهنا يسرنا أن نورد نموذجا من ترجمة الحفص الموضوعة سنة ۸۸۹ م، نقلا عن الخطوط الفريد المحفوظ في ميلانو.

المزمور الأول

قد أفلح المرء الذي لم يذهب          في رأي أهل الجرم فعل المذنب

ولم يقم على سبيل الآثمة            ولا يكن يجلس بين الظلمة

في مقعد الأزراء والتداهي             لاكن هواه في كتاب الله،

کان، وفیه تالیَا مردَدًا                    نهاره وليله مجتهدا

مثاله شجرة قد غرست                على سواقي الماء حين نقلت

ثمارها لوقتها قد تثمر                  وليس منها ورق ينتثر

وكل ما يفصله قد يصلح               وفعله فعل صعيد مفلح

ليس كذلك الكفار بالتصحيح          بل كغبار ذاهب بالريح

لذلك لن يبعث أهل الفضل           ويوم القصاص والجزا والفصل

عرف سبل الصالحين الرب           والكافرون لهم تتب

المزمور الثامن

يارب يا مالكنا ما أعظم                   في كل أرض اسمك المكرم

قد اعتلا على السماء عزّك             وفوق كل شامخ علوك

جعلت من السنة الأطفال              والمرضعين الحمد ذا الكمال

لأجل شأني، ليهدي المبغض          والواثر المخالف الممرض

أرى السماء ما برت أصابعك            والبدر فيها من مصانعك

والأنجم الزهر التي جعلت،             مشرقة فيها كما قدرت

ماذا هو الإنسان حتى تذكره؟          وما ابنه، إذا بالبلا تختبره

نقصته القليل عن الله                    وستحليه بتاج باه

عزا وقدرا وعظيم الجاه                  مقدماله بلا إشتباه

جعلت كل مابرت يداك                   من تحت رجليه جميع ذاك

من بقر ومن صنوف الشاء،             ومن مواشي القفر في الصحراء

ومن طيور الجو والحيتان                اللاتي في الموج وفي القيعان

السالكات سبل البحار                  جريا بلا حث ولا آثار

يا رب، يا مالكنا، ما أعظم              في كل أرض اسمك المكرم

 

ططيانوس وإنجيل “الدياطسرون”

طيطانوس، ولد وثنا حول سنة ۱۱۰ م، ودرس الأدب والخطابة والتاريخ والفلسفة باليونانية. راق له كتاب التوراة، فتنصر ولزم القديس يوستينوس، ثم أنشأ أو اتبع شيعة الانکراتیت (الأعفّة الغلاة)، فأبسلته (حرمته) الكنيسة. قضى تحبه حول سنة 180م.

أما الدياطسرون فهو لفظ يوناني مركب، مدلوله «من خلال الأربعة)، وهو اسم الإنجيل الموحد الذي يشتمل على سيرة السيد المسيح، جمعه في خمسة وخمسين فصلا طيطانوس الحديابي المولد، المعروف بالآثوري، وذلك في حدود سنة 172 م، ووقع الدياطسرون عند السريان في الرها وولايتي الفرات وما بين النهرين أجمل موقع لسهولته وجودة إنشائه وترتيبه التاريخي، فأطلقوا عليه اسم «الأناجيل المختلطة»، وتبسطوا في نشره، واستشهد به أفراهاط، وفشره مار أفرام السرياني. ودام استعمال الدياطسرون حتى الربع الأول من المئة الخامسة، إذ ألغاه رابولا مطران الرها، حرصا على سلامة الكتاب، وأحل محله الأناجيل المفردة. فزال تداوله من الكنيسة، وبقي منه نسخ للمطالعة. ووجد منه في أواسط المئة التاسعة نسخة بخط عيسى بن على المتطيب، تلميذ حنين بن إسحق، وهي التي نسب نقلها إلى العربية إلى القس الراهب أبي الفرج عبد الله ابن الطيب المتوفي سنة 1043. فتكون هذه الترجمة العربية من أوائل القرن الحادي عشر[19]. ولكن في خاتمة الصفحات الأربع أن هذه الترجمة العربية أقدم عهدا، وهذا نصها:

“كمل. معونة الله الإنجيل المقدس الذي جمعه طيطانوس من الأناجيل الأربعة المعروف بدیاطاسارون (كذا) والحمد لله كما هو أهله ووليّه والمجد لله دائما أبدا سرمدا. وكان الفراغ منه لست وعشرون (كذا) ليلة خلون من أبيب سنة ثمان وأربعون (كذا) وألف للشهداء وافق من الشهور العربية الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة سنة اثنان وثلثون (كذا) وسبع مائة للهجرة العربية (1132 م) بسلام من الرب آمين”

أفلا يجوز أن نستنتج أن الترجمة العربية كانت قبل القرن الحادي عشر، أعني قبل أبي الفرج ابن الطيب، لا سيما أننا لم نجد في قائمة كتب أبي الفرج المذكور ذكر ترجمته لدياطاسرون طيطانوس.

الإنجيل المسجع

ولما انتشر السجع، وأصبح من ضروريات الأدب الفتي، أخذ الأدباء المسيحيون يؤلفون مواعظ دينية مسجعة، وقد اشتهر في هذا الفن الجاثليق المشرقي النسطوري إيليا الثالث المعروف بأبي حليم بن الحديثي في القرن الثاني عشر الميلادي.

وهناك أربع ترجمات مسجعة للأناجيل وضعت في القرن العاشر الميلادي، واحدة منها لابن دادیشوع، وثلاث منها أغفل مترجموها عن أسمائهم، وما زالت مخطوطة في مكتبات أوروبا.

ثم جاء عبديشوع الصوباوي، مطران نصيبين على السريان المشارقة النساطرة، فوضع ترجمته الشهيرة الأناجيل الآحاد والأعياد سنة ۱۲۹۹ م، وهي جيدة بليغة، وكل إنجيل بقافية واحدة. وهذا نموذج من ترجمة الأناجيل العبد يشوع الصوباوي:

  1. وقال المخلص لتلاميذه والرفاق.
  2. لا تظنوا أني أتيت لأوقع في الأرض الصلح والوفاق.
  3. لم آت لأوقع السلام، بل الحرب والشقاق.
  4. فإني أتيت لأجعل الرجل المؤمن يخالف عن أبيه ذي النفاق.
  5. وأباعد بين الابنة وأمها الكافرة، والكنة وحماتها بالفراق.
  6. – وأعداء الرجل آل بيته الفاق.
  7. فمن أحب أبا أو أما أفضل مني، فليس هو لي بأهل الإعتلاق.
  8. ومن أحب ابنا أو ابنة أكثر مني، فلا يستحقني بإطلاق.
  9. – ومن لا يحمل صليبه ويتبعني، فما هو لي من أهل الميثاق.
  10. من وجد نفسه، فقد أهلكها، وعرضها للانمحاق.
  11. ومن أهلك نفسه، فسوف يجدها بجوار الخلاق.
  12. ومن تقبلكم، فإياي تقبل، بالنية والاشتياق.
  13. ومن تقبلني، فقد تقبل الذي أرسلني، باعثا على مكارم الأخلاق.
  14. ومن تقبل نبيا باسم نبي في الطراق،
  15. فأجر نبي يأخذن وما لمسعاه إخفاق،
  16. ومن تقبل صديقا، صديق صداق،
  17. فأجر صديق يأخذ، ولا عاق.
  18. وكل من سقى أحد هؤلاء الأصاغر شربة ماء بارد عذب المذاق.
  19. باسم تلميذ ذي استشراق،
  20. الحق أقول لكم: إنه لا يضيع أجره الذي فاق،
  21. من شاء أن يتبعني، فليكفر بنفسه ويولي الدنيا الطلاق
  22. وليأخذ صليبه، وليكن من اقتفاء أثرى على لحاق،
  23. إن من أحب أن يحيي نفسه، فقد أبادها وإلى الهلاك انساق،
  24. ومن أهلك نفسه من أجلي، سيجدها في نعيم باق
  25. فما الذي يستقيده المرء من الحذاق،
  26. إذا كسب الدنيا وخسر نفسه بعد المشاق؟
  27. أو ماذا يعطي الإنسان فدية عن نفسه، إذ نزل به البلاء وحاق؟

ترجمة الكتاب المقدس الموصلية الدومينيكية

كانت فكرة طبع الكتاب المقدس بالعربية تراود أذهان رجال الدين منذ مطلع القرن التاسع عشر؛ فقد كان مسيحيو العراق يقرأون الكتاب المقدس في ترجمته المعروفة (بالبسيطة)، وهي ترجمة ضعيفة وغير سليمة من الناحية اللغوية تتغلغل فيها العامية بكثرة، غير أن الإمكانيات كانت محدودة والطباعة لم تدخل العراق آنذاك. إضافة إلى عدم وجود من يستطيع الاضطلاع بهذا العمل الكبير ذي المسؤوليات الكبيرة..

أما في بلاد الشام فقد تم طبع الكتاب المقدس بعهديه العتيق والجديد في المطبعة الأميركية، وذلك بإشراف بطرس البستاني، ومصحح لغوي كبير هو الشيخ ناصيف اليازجي والشيخ يوسف الأسير، غير أن هذه الطبعة كانت خاصة بالبروتستانت، فلم يحبذها الكاثوليك، لذا فقد بدأ اليسوعيون مشروعهم الخاص بترجمة الكتاب المقدس سنة 1872، وعهدوا إلى الشيخ إبراهيم اليازجي بالإشراف اللغوي، واستمر العمل بطبعه من سنة 1876 وحتى سنة 1882، فظهر في ثلاثة مجلدات مزينا بالصور ومتقنا من حيث الطباعة والإخراج.[20]

وفي هذه الفترة تهيأ لنا في العراق من يستطيع القيام بهذا العمل، فقد عهد الآباء الدومنيكان إلى القس (المطران يوسف داود (+ 1890) القيام بترجمة وطبع الكتاب المقدس، فباشر بالعمل سنة 1897، فبدأ أولا بقراءة ترجمات الكتاب المقدس السابقة مقارنا ومدققا بين النصوص المقبولة في الكنيسة كالسريانية والعبرانية واليونانية واللاتينية، مستفيدا من معرفته وإتقانه لهذه اللغات. وقد اعتمد الترجمة الشرقية القديمة التي كانت أساسا لترجمة الكتاب المقدس وطبعه أول مرة في رومة سنة 1671، وربما اعتمد أيضا على طبعة عربية قديمة ظهرت في حلب سنة 1706[21]، غير أنه لم يذكرها.

شرع الآباء الدومنيكان بطبع الكتاب المقدس، الذي استغرق ثماني سنوات: وتعتبر هذه الطبعة من الطبعات الفريدة اليوم بجودتها وشكلها وحروفها، والمعتمد عليها إلى اليوم في الكنيسة السريانية الكاثوليكية.

وقام بعد ذلك بعمل الحواشي لشرح الآيات والكلمات الغامضة، واستغرق في عمله هذا أربع سنوات متوالية، إلى أن استطاع إنجازه، فبوشر بالطبع سنة ۱۸۷۱ واستمر حتى سنة ۱۸۷۸، فظهر في أربعة مجلدات كانت تظهر تباعا، وبلغ مجموع صفحاته 2507 صفحة.

وسنة 1873، كتبت مجلة العالم الدومنيكي تقول: “… وإلى منتصف عام 1872 طبعوا العهد الجديد، طبعتين، الأولى أوكتافو (الحجم الكبير)، والأخرى أصغر بلا مراجع ولا ملاحظات أو شروحات، وهذا هو القسم الأول من الكتاب المقدس الذي طلب الكردينال بونابرت أن يطبع، والترجمة كانت للقس داود، والمعاون له المطران بهنام بي، رئيس أساقفة الموصل للسريان الكاثوليك؛ ولقد أبدت سرورها مع إبداء إعجابها أكاديمية الآداب في باريس لجودتها ورونقها”.[22]

وقد عهد للبطريرك عبديشوع الخياط (المطران آنذاك) وإلى راهب دومنيكي اسمه يوحنا، كان يتقن العربية بفحص الترجمة للتأكد من سلامتها من الناحيتين الفقهية والدينية، فأبديا شهادتهما في أنها تمت على وجه صحيح ولا شائبة فيها.

ثم ظهرت مشكلة النفقات الكثيرة لطبعه، وقد حلت المشكلة بأن تبرع الكردينال لوقيان بونابرت بنفقات الطبع على شرط أن يوزع مجانا، ولذلك نرى في الطبعة الأولى كلمة Gratis، ومعناها “مجانا”.[23]

وفي سنة 1875، أرسل الآب دوفال رسالة إلى رئيس الجمعية الخيرية للمدارس الشرقية في باريس رسالة يخبره فيها وشارحا له أحوال المطبعة فيقول: (… ونأمل أن ننتهي من طبع الكتاب المقدس (العهد القديم هذه السنة. وسنطبع طبعة ثانية من الأناجيل، إذ إن الطبعة الأولى قد وزعناها مجانا، وذلك بطلب من الكردينال بونابرت، ولذا فقدت هذه الطبعة…”[24].

وقد توالت فيما بعد طبعات الكتاب المقدس، حيث ظهرت طبعة أخرى في ستة مجلدات بين سنتي 1874 – 1878، بلغت عدد صفحاتها ۳۸۰ صفحة. ثم أعيد طبعه كاملا أو متفرقا بعد ذلك عدة مرات وكلما دعت الحاجة.

وفي رسالة أخرى من الأب كورماتشيك[25] الذي كان في رومه سنة 1888، والتي كتبها للأب دوفال[26] يوم ۲۸ تشرين الثاني من تلك السنة يقول فيها: “…أرسلتم الكتاب المقدس باللغة الكلدانية للحبر الأعظم[27]، وقد وصلتنا مساء البارحة. وحبذا لو ترسلون لقداسته كتاب الفرض (الفنقيت) للسريان، وقداسته يرسل لكم كأسا كعربون الشكر لكم وتثمينا لجهودكم…”.[28]

ومن المعروف أن الخوري يوسف راجع الترجمة البسيطة السريانية للكتاب المقدس، وطبعها في المطبعة نفسها بأحرف كلدانية، ولا يخفى أن هذه الترجمة كانت قد عبثت بها أيدي النساخ كما هو دأب كل الكتب المخطوطة باليد، فعهد إليه إصلاحها نظرا لبراعته في اللغة السريانية والعربية، فانكب على العمل بنشاط وافر حسبما يقتضيه شرف هذه النسخة المعتبرة للغاية في الكنيسة الكاثوليكية وأعادها إلى رونقها القديم.

والذي يعنينا في هذا المجال أن نذكر شيئا عن الأسلوب، والطريقة التي اتبعها يوسف داود في إنجاز هذا العمل الكبير بالعربية؛ ويكفي أن ننقل في هذا الخصوص شهادة من الأب أنستاس الكرملي (1947+) العالم اللغوي الشهير نقلا عن اثنين من الثقات، وكلاهما من خاصة أصدقائي، وهما الأستاذ کورکیس عواد (1993+) المؤرخ من النواحي اللغوية والأدبية والدينية، ويعدها من أحسن الترجمات التي ظهرت للكتاب المقدس في تلك الفترة، وحتى يومنا هذا يعترف الكثير من المتخصصين بأنها من أحسن الترجمات في اللغة العربية للكتاب المقدس، وذلك لسلامة لغتها وقوة سبكها وبساطتها. ولا زالت كنائسنا تستعمل هذه الترجمة حتى الآن.

المصادر والمراجع

  • سهیل قاشا، تاريخ التراث العربي المسيحي، منشورات الرسل، مطبعة الكريم (2004).
  • سهیل قاشا، أوتار الكنارة والعود المطران إقليميس يوسف داود، منشورات مطبعة السائح، طرابلس 2005.
  • هنام عفاص، إقليميس يوسف داود، بغداد، 1985.
  • سهيل قاشا، “مطبعة الآباء الدومنيكان وتراثها الفكري”، مجلة بين النهرين، 18، ص 55-73.
  • لويس شيخو اليسوعي، شعراء النصرانية، الجزء الأول.
  • لويس شيخو، “نسخ عربية قديمة في الشرق من الإنجيل الطاهر”، مجلة المشرق، السنة الرابعة، العدد 3.
  • عبد المسيح المقدسي، «نقل الكتب المقدسة الى العربية، مجلة المشرق، كانون الثاني 1933، ص1-112.

 

 

[1] شيخو، مجلة المشرق، ص ۲۰ – ۲۲، ۲۹۰ – ۳۰، ۳۰-۳۰۱، ۳۱۳ – ۳۲۲.

[2] عبد المسيح المقدسي، «نقل الكتب المقدسة إلى العربية، قبل الاسلام»، المشرق ۱۳۱(۹۳۳)6.

[3] د. جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، جزء 6، ص 980.

[4] د. جواد علي، المفصل، ۹۸۱: ۹.

[5] راجع التفاصيل في كتابنا: صفحات من تاريخ العرب المسيحيين قبل الاسلام، منشورات المكتبة البولسية (۲۰۰۰).

[6] شیخو، شعراء النصرانية،1: 141.

[7] راجع أيضا قاموس الاسلام، 630.

[8] طبعة أبلوس ولافي، الجزء الأول، ص ۲۲۰.

[9] ) المعروفة بأل Kathismata وهي القراآت أو القرآن، كما كان يسميها السريان، ومنها أخذ محمد اسم کتابه؛ ولعله عناها بقوله: “فاقرأوا ما تيسر من القرآن” (73: 20)

[10] ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله أثناء الليل وهم يسجدون (القرآن 3: 113).

[11] نرجح أن كلمة «نصراني» كانت تدل في بادئ الأمر، وفي القرآن نفسه، على أصحاب إحدى النحل المسيحية، سيما “الأبيونية” أو “الأريوسية”، وليس على المسيحية على الإطلاق.

[12] راجع كتابنا: صفحات من تاريخ العرب المسيحيين قبل الاسلام.

[13] راجع ما ذكره الطبري عن كنائس الحيرة (1: 770) وابن خلدون (2: 363).

[14] راجع الكتابة على عتبة البيعة التي أقامتها هند بنت الحارث في معجم البلدان لياقوت 2: 709.

[15] راجع الكتابة على ضريح امرئ القيس التي عثر عليها في سورية.

[16] عبد المسيح المقدسي، “نقل الكتب المقدسة إلى العربية” المشرق 1933.

[17] نحن في صدد وضع دراسة واسعة بعنوان: “السريان ولغة القرآن”، سترى النور قريبا ان شاء الله.

[18] من بحثوا عن هذه النسخ العربية وأصلها وتاريخها العلامة الشهير أغناطيوس غويدي في مقالة مستوفية طبعت عام ۱۸۸۸، بين فيها ما تحتويه الخزائن الأوروبية من نسخ الإنجيل القديمة، فقسمها ستة أقسام، من حيث القدم والترجمة.

[19] ما زال السريان الأرثوذكس والكاثوليك يستعملون هذا الإنجيل (المربع) في قراءاتهم الفرضية لزمن الآلام، وخاصة يوم الجمعة العظيمة (جمعة الصلبوت).

[20] الفكر العربي في مئة سنة، بيروت 1967 ص 59.

[21] وردت معلومات عن هذه الطبعة في مجلة لغة العرب، مجلد لغة العرب، مجلد ۲، ص 462.

[22] مجلة العالم الدومنيكي لسنة 1873، ص 346.

[23] العهد الجديد لربنا يسوع المسيح، موصل، مطبعة الدومنيكان، ۱۸۷۹. استقينا هذه المعلومات من المقدمة التي كتبها المترجم يوسف داود ومن شهادات الفاحصين.

[24] الرسالة محفوظة في دير الآباء الدومنيكان بالموصل.

[25] الرسالة محفوظة في دير الدومنيكان بالموصل. والأب كورماتشيك قدم إلى الموصل في 7 كانون الأول ۱۸۷۱ وتركها عام ۱۸۱۵.

[26] الأب دوفال (۱۸۳۳- ۱۹۰) خدم في العراق (1857- 1895.

[27] هو الحبر الأعظم قداسة البابا كون الثالث عشر (1878- 1903).

[28] النظر مقالنا، “مطبعة الآباء الدومنيكان بالموصل”، مجلة بين النهرين، عدد ۱۷، ص 55-73.

إقرأ أيضاً: