الردود على الشبهات

بيت آخر الزمان – هل تنبأت مخطوطات قمران عن مكة؟! – بقلم: فادي – سان صمويل

بيت آخر الزمان – هل تنبأت مخطوطات قمران عن مكة؟! – بقلم: فادي – سان صمويل

بيت آخر الزمان - هل تنبأت مخطوطات قمران عن مكة؟! - بقلم: فادي – سان صمويل
بيت آخر الزمان – هل تنبأت مخطوطات قمران عن مكة؟! – بقلم: فادي – سان صمويل

فاجأنا أحد الزملاء المسلمين [1] بنقله بعض القصاصات من المخطوطة رقم 174 من الكهف الرابع من مخطوطات قمران، يقول الزميل ان هذه المخطوطة بها دلالات ونبوءات عن مكة المُكرمة وربما يقصد الكعبة بها. فقمنا بالرجوع الى مصادرنا وقرأنا نص المخطوطة هذه فلاقينا مفاجآت كثيرة في مقال الزميل!!!!

 

فأولها، يقول الزميل:

“لنرى يا إخوة نبوؤء من مخطوطات البحر الميت: تشهد لامة الإسلام تشهد لامة لا اله إلا الله تشهد لامة أخر الزمان تشهد لبيت الرب …والذي سيبنيه في آخر الزمان”

 

ولا نعرف ماذا نقول للزميل، هل البشر أصبحوا يتنبأون الآن؟ وهل أصبحت الكتابات البشرية البحتة تتنبأ بما يحمله المستقبل؟! ان النص الوحيد الذي يتنبأ هو النص المُوحى به من الله وليس نص بشرى لأن البشر لا يعرفون الغيب ولا يطلعون على ما في المستقبل من أحداث، وهنا نحن نسأل:

 

من قال ان هذا النص هو نص مُوحى به من الله كي يستطيع ان يحمل نبوات بداخل سطوره؟ ومن قال ان هذا النص هو نص معصوم يُمكننا ان نثق به بنسبة مُطلقة؟!

 

ان الاستدلال بنص كهذا ان فإنما يدل على عجز مُشين لإثبات نص ما ورد في كتاب القوم لإثبات نبوة رسولهم من كتابنا، فلو افترضنا حسن نية الزميل فإننا نسأله:

 

هل كاتب هذا النص هو موسى؟ وهل هذا النص من ضمن نصوص التوراة أو حتى العهد القديم؟

 

فنص القرآن واضح لا يحتمل تأويل:” {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (157) سورة الأعراف

 

فهل ما استدل به الزميل من نصوص هو من ضمن التوراة أو العهد القديم بأكمله؟! لقد أقر الزميل كاتب هذا المقال بصراحة أن:

 

“ويُرجح (1) Michael Knibb تاريخها الى نهاية القرن الاول قبل الميلاد أو بداية القرن الاول الميلادي …وعلى الارجح وقوعها في هذه الفترة (50 ق.م إلى 70 م )….”

 

والزميل في هذا النص لا يحمل لنا فقط ترجيح مايكل نيب، بل ترجيحه هو الشخصي أيضا ويُحدده بين 50 ق.م الى 70 م.، فكيف يكون نص كُتب في هذه الفترة يكون جزء من توراة موسى؟! بالطبع أن هذا استدلال ساقط من أساسه لما بيناه من بطلان نسب هذا النص الى موسى أو أي من كتب العهد القديم وانه ليس سوى نص بشرى فقط، ولكن بحثنا أكبر من هذا ولن يقف عند هذا الحد، بل ابعد من ذلك بكثير!!!

 

أولا وقبل كل شيء سنضع بين أيديكم النص العبري الأصلي للمخطوطة وبجواره الترجمة الإنجليزية التى قام بها كل من العالم Martinez وTigchelaar، وسنتبعه بالترجمة الحرفية للعربية لنص المخطوطة [2]:

بيت آخر الزمان - هل تنبأت مخطوطات قمران عن مكة؟! - بقلم: فادي – سان صمويل 20220212 124434 e1644669915711

 

وموقع Answers العالمي يحمل نفس الترجمة أيضا في الرابط التالي:

بيت آخر الزمان - هل تنبأت مخطوطات قمران عن مكة؟! - بقلم: فادي – سان صمويل 20220212 124437

http://www.answers.com/topic/dead-sea-scrolls-4q174

 

وكذلك نفس الترجمة من موقع جامعة Atlantic Babtist Univ. في الرابط التالي:

http://www.abu.nb.ca/Courses/NewTestament/Hebrews/PrimReadFlor.htm

 

وفي مشروع Wiki Source التابع لموسوعة ويكبيديا نجد أيضا نفس الترجمة في الرابط التالي:

http://en.wikisource.org/wiki/Dead_Sea_scrolls/4Q174

وكذلك في الرابط التالي:

http://zarahemla.awardspace.com/texts/4q174.html

 

وفي مصادر ومراجع أخرى كثيرة، وقد قصدت أن أضع أولا الترجمة الإنجليزية من عدة مصادر، ذلك لأن الترجمة التي اعتمد عليها الزميل غير دقيقة على الإطلاق، فمثلا ترجمة الزميل تقول:

 

“O Lord,the Lord shall reign for ever and ever. This is the House into which the unclean shall never enter, nor the uncircumcised,nor the Ammonite,nor the Moabite,nor the half- breed, nor the foreigner,nor the strange,ever; for there shall my Holy Ones be.[Its glory shall endure] forever; it shall appear above it perpetually.And strangers shall lay it waste no more,as they formely laid waste the Sanctuary of Israel because of its sin”

رغم انه لا وجود لما تحته خط هذا، لا في الأصل العبري ولا في بقية الترجمات الإنجليزية مُطلقا وإنما هو تخمين من المُترجم على أكثر الظن، ومن المعروف أن تخمينات المُترجم تُوضع بين أقواس أو في الهامش وليس في متن النص!!!

ولكننا سنتبع المنهج العلمي، بعرض ترجمة دقيقة وحرفية للترجمة الإنجليزية للعربية لنفهم معاً سياق النص عما يتحدث، وما هو هدف النص وجوهره ومضمونه والى ماذا يريد أن يصل بمنهج علمي دراسي وليس بمنهج عشوائي كما عرض الزميل طرحه!!!

 

نص المخطوطة 4Q174
نص المخطوطة 4Q174

“وَعَيَّنْتُ مَكَاناً لِشَعْبِي إِسْرَائِيلَ وَغَرَسْتُهُ، فَسَكَنَ فِي مَكَانِهِ، وَلاَ يَضْطَرِبُ بَعْدُ وَلاَ يَعُودُ بَنُو الإِثْمِ يُذَلِّلُونَهُ كَمَا فِي الأَوَّلِ، وَمُنْذُ يَوْمَ أَقَمْتُ فِيهِ قُضَاةً عَلَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ” (2صم 7: 10، 11).

هذا هو البيت الذي في الأيام الأخيرة كما هو مكتوب بالكتاب “الْمَقْدِسِ الَّذِي هَيَّأَتْهُ يَدَاكَ يَا رَبُّ.، الرَّبُّ يَمْلِكُ إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ.”

 

هذا هو البيت الذي لن يدخله هناك إلى الأبد أي (….)[3] ولا العمونيين ولا الموآبيين ولا النغل ولا الأجنبي ولا الغريب إلى الأبد، لأنه هناك من يحملون الاسم المقدس للأبد، باستمرار سيظهر فوقه ولن يعود الغرباء لتدميره كما دمروا مقدس إسرائيل بسبب ذنبه، أمر أن يُبنى مقدس البشر لأجله ليكون تقدمة له كدخان البخور، أعمال الناموس وككلامه لداود: “وَقَدْ أَرَحْتُكَ مِنْ جَمِيعِ أَعْدَائِكَ” (2صم 7: 11)، هذا يعني أنه سيريحهم من جميع بني بليعال الذين يعثروهم ليقضوا عليهم، (….) وفقا لغاية بليعال بإعثار بني النور، يفكر لهم بخطط شريرة كي يسلموا أرواحهم لبليعال في خطئهم، “وَالرَّبُّ يُخْبِرُكَ أَنَّ الرَّبَّ يَصْنَعُ لَكَ بَيْتاً… أُقِيمُ بَعْدَكَ نَسْلَكَ… وَأَنَا أُثَبِّتُ كُرْسِيَّ مَمْلَكَتِهِ إِلَى الأَبَدِ… أَنَا أَكُونُ لَهُ أَباً وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْناً.” (2صم 7: 11 – 14).

 

هو غصن داود الذي سيرتفع بمفسر الناموس الذي (…) بصهيون في الأيام الأخيرة كما هو مكتوب ” فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أُقِيمُ مَظَلَّةَ دَاوُدَ السَّاقِطَةَ” (عا 9: 11) الذي سيرتفع ليخلص إسرائيل كتفسير لـ” طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ” (مز 1:1) تفسير عن هؤلاء الذين تركوا الطريق، كما هو مكتوب بسفر أشعياء نبي الأيام الأخيرة ” فَإِنَّهُ هَكَذَا قَالَ لِي الرَّبُّ بِشِدَّةِ الْيَدِ وَأَنْذَرَنِي أَنْ لاَ أَسْلُكَ فِي طَرِيقِ هَذَا الشَّعْبِ” (أش 8: 11)، وهؤلاء هم من كُتب عنهم بسفر حزقيال النبي ” وَلاَ يَتَنَجَّسُونَ بَعْدُ بِأَصْنَامِهِمْ ” (حز 37: 23).

 

هؤلاء هم بني صادوق ورجال مشورته (….) بعدهم في مجلس الجماعة، ” لِمَاذَا ارْتَجَّتِ الأُمَمُ وَتَفَكَّرَ الشُّعُوبُ فِي الْبَاطِلِ؟، قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ وَتَآمَرَ الرُّؤَسَاءُ مَعاً عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ” (مز 2: 1، 2) تفسير المكتوب عن الأمم وأنهم المختارون من إسرائيل في الأيام الأخيرة.

 

هذا هو وقت التجربة التي أتت ليهوذا ليكملها، بليعال وبقيته سيبقون كثيرين وسينفذون كل الناموس (….) موسى، كما هو مكتوب بسفر دانيال ” كَثِيرُونَ يَتَطَهَّرُونَ وَيُبَيَّضُونَ وَيُمَحَّصُونَ أَمَّا الأَشْرَارُ فَيَفْعَلُونَ شَرّاً” (دا 12: 10) والناس الذين يعرفون الله سيبقون أقوياء (….)، بعد (….) الذي لهم (….) في نسلهم.”

 

انتهى النص.

وقبل ان نضع تعليقاتنا على النص ومقارنته بم ادعاه الزميل، سنضع شرحا مُوجزاً غير مُخلاً للنص.

 

بداية، إن نص المخطوطة هذه هو شرح لـ 2 صم 7: 10 – 11، ولكي نفهم نص المخطوطة جيداً يجب أن نفهم النص أولا فهماً دقيقاً، ولنقرأ معاً من العدد الرابع:

“وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ كَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى نَاثَانَ: «اِذْهَبْ وَقُلْ لِعَبْدِي دَاوُدَ: هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: أَأَنْتَ تَبْنِي لِي بَيْتاً لِسُكْنَايَ؟ لأَنِّي لَمْ أَسْكُنْ فِي بَيْتٍ مُنْذُ يَوْمَ أَصْعَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ، بَلْ كُنْتُ أَسِيرُ فِي خَيْمَةٍ وَفِي مَسْكَنٍ. فِي كُلِّ مَا سِرْتُ مَعَ جَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، هَلْ قُلْتُ لأَحَدِ قُضَاةِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يَرْعُوا شَعْبِي إِسْرَائِيلَ: لِمَاذَا لَمْ تَبْنُوا لِي بَيْتاً مِنَ الأَرْزِ؟ وَالآنَ فَهَكَذَا تَقُولُ لِعَبْدِي دَاوُدَ: هَكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: أَنَا أَخَذْتُكَ مِنَ الْمَرْبَضِ مِنْ وَرَاءِ الْغَنَمِ لِتَكُونَ رَئِيساً عَلَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ. وَكُنْتُ مَعَكَ حَيْثُمَا تَوَجَّهْتَ، وَقَرَضْتُ جَمِيعَ أَعْدَائِكَ مِنْ أَمَامِكَ، وَعَمِلْتُ لَكَ اسْماً عَظِيماً كَاسْمِ الْعُظَمَاءِ الَّذِينَ فِي الأَرْضِ. وَعَيَّنْتُ مَكَاناً لِشَعْبِي إِسْرَائِيلَ وَغَرَسْتُهُ، فَسَكَنَ فِي مَكَانِهِ، وَلاَ يَضْطَرِبُ بَعْدُ وَلاَ يَعُودُ بَنُو الإِثْمِ يُذَلِّلُونَهُ كَمَا فِي الأَوَّلِ وَمُنْذُ يَوْمَ أَقَمْتُ فِيهِ قُضَاةً عَلَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ. وَقَدْ أَرَحْتُكَ مِنْ جَمِيعِ أَعْدَائِكَ. وَالرَّبُّ يُخْبِرُكَ أَنَّ الرَّبَّ يَصْنَعُ لَكَ بَيْتاً. مَتَى كَمِلَتْ أَيَّامُكَ وَاضْطَجَعْتَ مَعَ آبَائِكَ أُقِيمُ بَعْدَكَ نَسْلَكَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَحْشَائِكَ وَأُثَبِّتُ مَمْلَكَتَهُ. هُوَ يَبْنِي بَيْتاً لاِسْمِي، وَأَنَا أُثَبِّتُ كُرْسِيَّ مَمْلَكَتِهِ إِلَى الأَبَدِ. أَنَا أَكُونُ لَهُ أَباً وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْناً. إِنْ تَعَوَّجَ أُؤَدِّبْهُ بِقَضِيبِ النَّاسِ وَبِضَرَبَاتِ بَنِي آدَمَ. وَلَكِنَّ رَحْمَتِي لاَ تُنْزَعُ مِنْهُ كَمَا نَزَعْتُهَا مِنْ شَاوُلَ الَّذِي أَزَلْتُهُ مِنْ أَمَامِكَ.  وَيَأْمَنُ بَيْتُكَ وَمَمْلَكَتُكَ إِلَى الأَبَدِ أَمَامَكَ. كُرْسِيُّكَ يَكُونُ ثَابِتاً إِلَى الأَبَدِ». فَحَسَبَ جَمِيعِ هَذَا الْكَلاَمِ وَحَسَبَ كُلِّ هَذِهِ الرُّؤْيَا كَذَلِكَ كَلَّمَ نَاثَانُ دَاوُدَ.” (2 صم 7: 5 – 17).

 

إن المُتابع المُدقق للنص سيجد أن ما به هو جواباً من الرب لداود، حينما قال لناثان في أول الإصحاح:” انْظُرْ. إِنِّي سَاكِنٌ فِي بَيْتٍ مِنْ أَرْزٍ، وَتَابُوتُ اللَّهِ سَاكِنٌ دَاخِلَ الشُّقَقِ، فَقَالَ نَاثَانُ لِلْمَلِكِ: «اذْهَبِ افْعَلْ كُلَّ مَا بِقَلْبِكَ، لأَنَّ الرَّبَّ مَعَكَ»” (ع 2 – 3). فداود كان يؤرقه انه ينام في بيت من الأرز (خشب الأرز)، وان تابوت عهد الرب في مجرد شقق (أي خيمة)، فما كان رد ناثان النبي له سوى “اذهب افعل كل ما بقلبك” وجاءت هذه الجملة أكثر وضوحاً في ترجمة الجيزويت (اليسوعيين):” اذهب وافعل كل ما في بالك لأن الرب معك”، أي أن قول ناثان النبي هذا لداود بمثابة إعلان نبوى ان يبنى داود بيتاً لتابوت عهد الرب!! ولأن مقاصد الله تختلف عن مقاصد الإنسان، تدخل الله وكلم ناثان النبى لأن إرادة الله ليس ان يبنى داود بيت الرب.

 

يبتدأ الحوار الذي يُوجهه الرب لداود على لسان النبى ناثان برفض صريح من الرب القدير ان يبنى داود بيتاً له قائلاً له انه لم يحتج في يوم الى بيت من بنى الإنسان، بل انه طوال مسيرته مع شعب اسرائيل كان يظهر لهم في خيمة، وهى خيمة الإجتماع، وإن كانت إرادة الله بيتاً ومسكناً له لما انتظر لأن يعرض داود هذا العرض، بل لكان قد أمر فأُطيع!!! ولكن لماذا رفض الرب ان يبنى داود البيت؟!

 

الله ترك هذه المهمة لسليمان إبن داود ليكمل الرمز، فالبيت هو الكنيسة جسد المسيح (عب6:3). والمسيح إبن داود هو الذي يبنيها، والأيات هنا واضحة جداً أنها عن جسد المسيح أي هيكل جسده (1كو3: 9-17، زك6: 12،13، يو2: 19-22، ابط5:2). إذاً ما يمجد الله ليس المبانى الضخمة بل النفوس الحية التى أقامها السيد المسيح من الأموات وتعلن حضوره في وسطها وملكوته في داخلها.

ولذلك فحين يُظهر الله لداود كيف أقامه من المربض من وراء الغنم ليصير رئيساً لشعبه (ع 8) وكيف أعطاه النجاح ، وكأن مع كل نصرة روحية وكل نجاح داخلى يُعلن بيت الرب المجيد فينا. وبعد ذلك نجد داود قد فهم هذا بطريقة مختلفة فهو قد فهم أن الله منعهُ من بناء البيت لأنهُ رجل دماء لكن حينما نراجع ما قاله الله هنا لا نجد إشارة لهذه الجملة (1أى8:22). فالله لم يمنع داود لأنه رجل دماء بل أعطى لهُ عمل يختلف عن عمل سليمان.

فعمل داود كان أن يوسع المملكة ويثبتها ويضع المزامير التى ستستخدم للصلاة في الهيكل بعد ذلك وينظم كل أمور الخدمة والتسبيح بل هو أعد كل المواد المطلوبة للبناء لكن بناء الهيكل كان لسليمان إبنه، فسليمان إبن داود كان رمزاً للمسيح إبن داود الذي أقام الكنيسة بيتاً روحياً يسكنه الثالوث القدوس. [4] لذا فلا عجب أن نجد قول الرب:” أَنَا أَكُونُ لَهُ أَباً وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْناً” (ع 14) ينطبق على سليمان وعلى المسيح ايضا بروح النبوة، مُتمما إياه القديس بولس الرسول:” لأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: «أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ»؟ وَأَيْضاً: «أَنَا أَكُونُ لَهُ أَباً وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْناً»؟” (عب 1: 5).

 

لقد فهم داود كلمات الله له تماماً، وعرف ان من بيته من يبنى بيت الرب وليس هو، ولعل قول الرب له عن نسله الذي يبنى بيت الرب: “إِنْ تَعَوَّجَ أُؤَدِّبْهُ بِقَضِيبِ النَّاسِ وَبِضَرَبَاتِ بَنِي آدَمَ” (ع 14)، جعله يقلق بعض الشىء مما دفعه لأن يصلى للرب ان يحفظ بيته في بقية الإصحاح قائلا:

 

” «مَنْ أَنَا يَا سَيِّدِي الرَّبَّ، وَمَا هُوَ بَيْتِي حَتَّى أَوْصَلْتَنِي إِلَى هَهُنَا؟ وَقَلَّ هَذَا أَيْضاً فِي عَيْنَيْكَ يَا سَيِّدِي الرَّبَّ فَتَكَلَّمْتَ أَيْضاً مِنْ جِهَةِ بَيْتِ عَبْدِكَ إِلَى زَمَانٍ طَوِيلٍ. وَهَذِهِ عَادَةُ الإِنْسَانِ يَا سَيِّدِي الرَّبَّ. وَبِمَاذَا يَعُودُ دَاوُدُ يُكَلِّمُكَ وَأَنْتَ قَدْ عَرَفْتَ عَبْدَكَ يَا سَيِّدِي الرَّبَّ؟ فَمِنْ أَجْلِ كَلِمَتِكَ وَحَسَبَ قَلْبِكَ فَعَلْتَ هَذِهِ الْعَظَائِمَ كُلَّهَا لِتُعَرِّفَ عَبْدَكَ. لِذَلِكَ قَدْ عَظُمْتَ أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلَهُ، لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُكَ وَلَيْسَ إِلَهٌ غَيْرَكَ حَسَبَ كُلِّ مَا سَمِعْنَاهُ بِآذَانِنَا. وَأَيَّةُ أُمَّةٍ عَلَى الأَرْضِ مِثْلُ شَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ الَّذِي سَارَ اللَّهُ لِيَفْتَدِيَهُ لِنَفْسِهِ شَعْباً، وَيَجْعَلَ لَهُ اسْماً، وَيَعْمَلَ لَكُمُ الْعَظَائِمَ وَالتَّخَاوِيفَ لأَرْضِكَ أَمَامَ شَعْبِكَ الَّذِي افْتَدَيْتَهُ لِنَفْسِكَ مِنْ مِصْرَ مِنَ الشُّعُوبِ وَآلِهَتِهِمْ. وَثَبَّتَّ شَعْبَكَ إِسْرَائِيلَ شَعْباً لِنَفْسِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَأَنْتَ يَا رَبُّ صِرْتَ لَهُمْ إِلَهاً. وَالآنَ أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلَهُ أَقِمْ إِلَى الأَبَدِ الْكَلاَمَ الَّذِي تَكَلَّمْتَ بِهِ عَنْ عَبْدِكَ وَعَنْ بَيْتِهِ، وَافْعَلْ كَمَا نَطَقْتَ. وَلِْيَتَعَظَّمِ اسْمُكَ إِلَى الأَبَدِ، فَيُقَالَ: رَبُّ الْجُنُودِ إِلَهٌ عَلَى إِسْرَائِيلَ. وَلْيَكُنْ بَيْتُ عَبْدِكَ دَاوُدَ ثَابِتاً أَمَامَكَ. لأَنَّكَ أَنْتَ يَا رَبَّ الْجُنُودِ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ قَدْ أَعْلَنْتَ لِعَبْدِكَ قَائِلاً إِنِّي أَبْنِي لَكَ بَيْتاً. لِذَلِكَ وَجَدَ عَبْدُكَ فِي قَلْبِهِ أَنْ يُصَلِّيَ لَكَ هَذِهِ الصَّلاَةَ. وَالآنَ يَا سَيِّدِي الرَّبَّ أَنْتَ هُوَ اللَّهُ وَكَلاَمُكَ هُوَ حَقٌّ، وَقَدْ كَلَّمْتَ عَبْدَكَ بِهَذَا الْخَيْرِ. فَالآنَ ارْتَضِ وَبَارِكْ بَيْتَ عَبْدِكَ لِيَكُونَ إِلَى الأَبَدِ أَمَامَكَ، لأَنَّكَ أَنْتَ يَا سَيِّدِي الرَّبَّ قَدْ تَكَلَّمْتَ. فَلْيُبَارَكْ بَيْتُ عَبْدِكَ بِبَرَكَتِكَ إِلَى الأَبَدِ».” (ع 18 – 29),

 

و بالفعل، تحقق أمر الرب، فإتسعت مملكة داود جدا حتى قال الكتاب:” وَبَعْدَ ذَلِكَ ضَرَبَ دَاوُدُ الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَذَلَّلَهُمْ، وَأَخَذَ دَاوُدُ «زِمَامَ الْقَصَبَةِ» مِنْ يَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ. وَضَرَبَ الْمُوآبِيِّينَ وَقَاسَهُمْ بِالْحَبْلِ. أَضْجَعَهُمْ عَلَى الأَرْضِ، فَقَاسَ بِحَبْلَيْنِ لِلْقَتْلِ وَبِحَبْلٍ لِلاِسْتِحْيَاءِ. وَصَارَ الْمُوآبِيُّونَ عَبِيداً لِدَاوُدَ يُقَدِّمُونَ هَدَايَا. وَضَرَبَ دَاوُدُ هَدَدَ عَزَرَ بْنَ رَحُوبَ مَلِكَ صُوبَةَ حِينَ ذَهَبَ لِيَرُدَّ سُلْطَتَهُ عِنْدَ نَهْرِ الْفُرَاتِ” (2 صم 8: 2 – 3).

 

و استمرت نجاحات داود حتى فراش موته، والى آخر حرب خاضها داود قبل ان يرقد على فراش الموت نرى الكتاب يصف نجاحاته الباهرة تمهيداً لبناء هيكل الرب:” وَكَانَتْ أَيْضاً حَرْبٌ بَيْنَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَإِسْرَائِيلَ، فَانْحَدَرَ دَاوُدُ وَعَبِيدُهُ مَعَهُ وَحَارَبُوا الْفِلِسْطِينِيِّينَ، فَأَعْيَا دَاوُدُ. وَيِشْبِي بَنُوبُ الَّذِي مِنْ أَوْلاَدِ رَافَا، وَوَزْنُ رُمْحِهِ ثَلاَثُ مِئَةِ شَاقِلِ نُحَاسٍ وَقَدْ تَقَلَّدَ جَدِيداً، افْتَكَرَ أَنْ يَقْتُلَ دَاوُدَ. فَأَنْجَدَهُ أَبِيشَايُ ابْنُ صَرُويَةَ فَضَرَبَ الْفِلِسْطِينِيَّ وَقَتَلَهُ. حِينَئِذٍ حَلَفَ رِجَالُ دَاوُدَ لَهُ قَائِلِينَ: «لاَ تَخْرُجُ أَيْضاً مَعَنَا إِلَى الْحَرْبِ، وَلاَ تُطْفِئُ سِرَاجَ إِسْرَائِيلَ». ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَتْ أَيْضاً حَرْبٌ فِي جُوبَ مَعَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ. حِينَئِذٍ سَبْكَايُ الْحُوشِيُّ قَتَلَ سَافَ الَّذِي هُوَ مِنْ أَوْلاَدِ رَافَا. ثُمَّ كَانَتْ أَيْضاً حَرْبٌ فِي جُوبَ مَعَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ. فَأَلْحَانَانُ بْنُ يَعْرِي أُرَجِيمَ الْبَيْتَلَحْمِيُّ قَتَلَ جُلْيَاتَ الْجَتِّيَّ، وَكَانَتْ قَنَاةُ رُمْحِهِ كَنَوْلِ النَّسَّاجِينَ. وَكَانَتْ أَيْضاً حَرْبٌ فِي جَتَّ، وَكَانَ رَجُلٌ طَوِيلَ الْقَامَةِ أَصَابِعُ كُلٍّ مِنْ يَدَيْهِ سِتٌّ، وَأَصَابِعُ كُلٍّ مِنْ رِجْلَيْهِ سِتٌّ (عَدَدُهَا أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ) وَهُوَ أَيْضاً وُلِدَ لِرَافَا. وَلَمَّا عَيَّرَ إِسْرَائِيلَ ضَرَبَهُ يُونَاثَانُ بْنُ شَمْعَى أَخِي دَاوُدَ. هَؤُلاَءِ الأَرْبَعَةُ وُلِدُوا لِرَافَا فِي جَتَّ وَسَقَطُوا بِيَدِ دَاوُدَ وَبِيَدِ عَبِيدِهِ.”(2 صم 21: 15 – 22).

 

و كانت هذه آخر حرب لداود في حياته واتسعت مملكته وامتدت شرقاً وغرباً كما أراد الرب، ليكون بهذا مُمهداً لسليمان من بعده الذي يبنى هيكل الرب، الذي وصف الكتاب جلوسه على العرش:” وَجَلَسَ سُلَيْمَانُ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ أَبِيهِ وَتَثَبَّتَ مُلْكُهُ جِدّاً.” (1 مل 2: 12)، ” وَالْمَلِكُ سُلَيْمَانُ يُبَارَكُ وَكُرْسِيُّ دَاوُدَ يَكُونُ ثَابِتاً أَمَامَ الرَّبِّ إِلَى الأَبَدِ” (1 مل 2: 45)، “وَكَانَ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ مَلِكاً عَلَى جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ.” (1 مل 4: 1). وهنا يجب ان نُلاحظ ان الرب لم يسمح بإنقسام مملكة اسرائيل في عهد سليمان، بل في عهد ابنه، ويرجع ذلك الى ارادة الرب في ان يكون عصر سليمان هو عصر هادىء وسالم لكى يبنى بيت الرب، حتى إستدعى هذا ان يصف الرب حكمه:” وَتَشَدَّدَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَى مَمْلَكَتِهِ وَكَانَ الرَّبُّ إِلَهُهُ مَعَهُ وَعَظَّمَهُ جِدّاً” (2 أخ 1: 1)، “فَتَعَظَّمَ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ عَلَى كُلِّ مُلُوكِ الأَرْضِ فِي الْغِنَى وَالْحِكْمَةِ، وَكَانَ جَمِيعُ مُلُوكِ الأَرْضِ يَلْتَمِسُونَ وَجْهَ سُلَيْمَانَ لِيَسْمَعُوا حِكْمَتَهُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قَلْبِهِ” (2 أخ 9: 22 – 23).

 

الى ان نصل الى المرحلة الهامة التى مهد لها الرب كثيراً، حيث يقول الكتاب:” وَكَانَ فِي سَنَةِ الأَرْبَعِ مِئَةٍ وَالثَّمَانِينَ لِخُرُوجِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِمُلْكِ سُلَيْمَانَ عَلَى إِسْرَائِيلَ، فِي شَهْرِ زِيُو وَهُوَ الشَّهْرُ الثَّانِي، أَنَّهُ بَنَى الْبَيْتَ لِلرَّبِّ” (1 مل 6: 1).

 

هذا هو البيت الذي وعد به الرب في الإصحاح محل دراستنا، وهو نفسه البيت الذي تكلمت عنه المخطوطة، ولنأتى الآن الى تحليل نص المخطوطة ونرتب أدلتنا على ان هذا البيت المقصود ليس سوى هيكل الرب:

 

الدليل الأول

مجرد ان المخطوطة هى عبارة عن شرح للنص الذي يُؤكد بكل قوة ان بيت الرب هو هيكل الرب فهذا يُثبت بقوة ان الإسلام و”بكة” لا علاقة لهم بالنص نهائياً، وانه حتى لو بالفعل المخطوطة تكلمت – الأمر الذي يحدث – فهذا تحريف للكلم عن مواضعه، رغم ان هذا لم يحدث ولكننا نفترض اسوأ الأحوال كما هى طريقتنا دائما في كل أبحاثنا.

 

الدليل الثانى

تقول المخطوطة:” هذا هو البيت الذي في الأيام الأخيرة كما هو مكتوب بالكتاب “الْمَقْدِسِ الَّذِي هَيَّأَتْهُ يَدَاكَ يَا رَبُّ.، الرَّبُّ يَمْلِكُ إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ.”

 

هذا النص مأخوذ من سفر الخروج عقب نجاة شعب اسرائيل من الهلاك في البحر الأحمر، فأنشد موسى والشعب للرب، واول تعليق لنا على هذا النص هو ان نقرأ نص الخروج ونفهم من هو قائله؟ ومن سيسكن هذا المكان؟

 

يقول النص:” حِينَئِذٍ يَنْدَهِشُ امَرَاءُ ادُومَ. اقْوِيَاءُ مُوابَ تَاخُذُهُمُ الرَّجْفَةُ. يَذُوبُ جَمِيعُ سُكَّانِ كَنْعَانَ. تَقَعُ عَلَيْهِمِ الْهَيْبَةُ وَالرُّعْبُ. بِعَظَمَةِ ذِرَاعِكَ يَصْمُتُونَ كَالْحَجَرِ حَتَّى يَعْبُرَ شَعْبُكَ يَا رَبُّ. حَتَّى يَعْبُرَ الشَّعْبُ الَّذِي اقْتَنَيْتَهُ. تَجِيءُ بِهِمْ وَتَغْرِسُهُمْ فِي جَبَلِ مِيرَاثِكَ الْمَكَانِ الَّذِي صَنَعْتَهُ يَا رَبُّ لِسَكَنِكَ. الْمَقْدِسِ الَّذِي هَيَّاتْهُ يَدَاكَ يَا رَبُّ. الرَّبُّ يَمْلِكُ الَى الدَّهْرِ وَالابَدِ.” (خر 15: 15 – 18).

 

و هذا ثانى دليل على ان يكون النص يقصد ما يمت للإسلام بأى صلة، فشعب اسرائيل هو الذي سيجىء الله بهم ويغرسهم في جبل الميراث وهو بالفعل نفسه جبل المُريا الذي اُقيم فيه هيكل سليمان، في أرض الموعد كنعان، المكان الذي صنعه الرب ليسكن فيه وسط شعبه، هو نفسه المكان المقدس الذي هيأه الرب بنفسه ليملك فيه مع شعبه الى الأبد.

 

و يشرح لنا هذا النص الأب الراهب يوحنا المقارى قائلا [5]:

“إرتفعت نغمة التسبيح هنا الى اقصى مداها حيث نهاية المطاف والاستقرار في جبل قدس الرب (لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ) (1 بط 1: 4)، في المكان المقدس المُعد بيد الرب (أَنَا أَمْضِي لِأُعِدَّ لَكُمْ مَكَاناً) (يو 14: 2)، حيث (الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ … مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا. هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ …) (رؤ 21: 2 – 3). وهكذا (من يغلب يرث كل شىء) (رؤ 21: 7).

و يُعلق العلامة اوريجانيوس على هذه الفقرة قائلا [6]:”يقول النبى (كرمة من مصر نقلت، طردت اممها وغرستها، هيأت قدامها فأصلت اصولها فملأت الأرض. غطى الجبال ظلها، واغصانها أرز الله) (مز 80: 8 – 10). هل لاحظت – إذاً – كيف غرسها الله وفى أي موضع غُرست؟ فإنه لم يغرسها في الوديان، بل على الجبال في اماكن عالية ومرتفعة. فأولئك الذين اخرجهم من مصر، واولئك الذين اقتادهم من العالم الى الإيمان، لا يشاء ان يُسكنهم من جديد في المواضع الواطئة، بل يريد ان تكون اقامتهم في الأعالى”. وما هى هذه الأعالى سوى قول المرتل:” مَغْرُوسِينَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ فِي دِيَارِ إِلَهِنَا يُزْهِرُونَ” (مز 92: 13). أما بولس الرسول فيعطينا السبيل العملى لذلك قائلاً:” فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ الْمَسِيحِ فَاطْلُبُوا مَا فَوْقُ، حَيْثُ الْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ. اهْتَمُّوا بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى الأَرْضِ.” (كو 3: 1 – 2).”

و هذا المكان المقدس المقصود انما هو برؤية الحاضر، بحسب موسى، هو خيمة الإجتماع وبحسب المستقبل القريب، هيكل سليمان، وبحسب البعد النبوى انما هو تجسد الرب يسوع المسيح في ملء الزمان، هكذا يرى العلامة اوريجانيوس [7] وإجماع الاباء بظاهر النص.

 

الدليل الثالث

تقول المخطوطة:” هذا هو البيت الذي لن يدخله هناك إلى الأبد أي (….) ولا العمونيين ولا الموآبيين ولا النغل ولا الأجنبي ولا الغريب إلى الأبد، لأنه هناك من يحملون الاسم المقدس للأبد، باستمرار سيظهر فوقه ولن يعود الغرباء لتدميره كما دمروا مقدس إسرائيل بسبب ذنبه، أمر أن يُبنى مقدس البشر لأجله ليكون تقدمة له كدخان البخور،”

و نقول للزميل، ان النص لو كان يتكلم عن بكة فإستدلالك به ساقط لأن مكة يدخلها ابناء عمون (و هم الساكنين شرقى نهر الأردن) وابناء موآب (و هم سُكان الساحل الشرقى للبحر الميت)، أم ان هناك ما يمنع من دخول مسلمى مناطق الأردن والبحر الميت الى بكة؟! هذا ما فات الزميل، ان النص يتكلم عن شعوب باكملها من ألد اعداء شعب اسرائيل، حتى الأجنبى والغريب المذكورين في هذا النص فهم الأجنبى عن شعب اسرائيل والغريب عن شعب اسرائيل!!!

 

غير ان الزميل بنى اقتباسه هذا على نص لا وجود له في المخطوطة، وهو قوله:

” هذا هو البيت الذي لن يدخله نجس أبداً ولن يدخله الغير مختونين”

و هو ما بنى عليه الزميل إفتراضه قائلا:

” ما هو البيت الوحيد الذي لن يدخله نجس (غير مؤمن) ؟!!…….البيت الذي ببكة”

و ليته تحرى الدقة في النقل من مصادر علمية بحتة، لا ان يقتطع ما يحلو له ويضعه بل منهجية ولا فحص دقيق!!!

 

و نقول للزميل، ان هيكل سليمان بالفعل هُدم أكثر من مرة، هدم البابليون هيكل سليمان عند سبى بابل سنة 586 ق. م وأقام زربابل الهيكل الثانى سنة 538 ق. م بإذن من كورش الملك الفارسى بعد سقوط دولة بابل على يد الفرس وإستغرق إقامة هيكل زربابل 22 سنة وإنتهوا من بنائه سنة 515 ق. م بسبب الصعوبات التى قابلتهم وهيكل زربابل تهدم بعض منه على يد اليونانيين ثم جدده المكابيين ثم عاد وتهدم بعضهم وجدده هيرودس وبدأ في تجديد الهيكل سنة 20 ق. م وإستمر 46 سنة أي إنتهوا منه سنة 26 ق. / وأضيفت أماكن جديدة لكل من هيكل زربابل ثم هيكل هيرودس.  وكما حدث في خيمة الإجتماع أن الله أظهر لموسى مثال للخيمة على الجبل نجد هنا أن داود قد أفهمه الله تصميم الهيكل بل سلمت إليه كتابة وهو سلمها لسليمان 1 أي 19:28، وكان داود هو الذي بدأ حملة التبرع لبناء الهيكل وداود هو الذي عين مكان البناء. الهيكل بنى على جبل المريا وفى نفس المكان قدم إسحق ذبيحة وعلى جبل المريا صلب المسيح.

 

الدليل الرابع

يقول الزميل:

” والآن إلى ترجمته العربية:

(سأختار مكاناً لشعبي إسرائيل وأزرعهم فيه، فلا يزعجهم بعد ذلك أعداؤهم،ولن يؤذيهم مرة أخرى أي إبن ضلال …إنه هذا هو البيت الذي سأبنيه لهم في آخر الأيام (الزمان)، كما هو مكتوب في كتاب موسى، في الحرم الذي أقامته أيديهم )”

و حقيقة لا اعرف اين هذا النص في المخطوطة؟ أمامنا الأصل العبرى للمخطوطة، وامامنا اكثر من ترجمة إنجليزية للنص، ولا اعرف من أين اتى الزميل بهذا النص العجيب؟!

لعل الزميل يقصد قول المخطوطة: ” هذا هو البيت الذي في الأيام الأخيرة كما هو مكتوب بالكتاب “الْمَقْدِسِ الَّذِي هَيَّأَتْهُ يَدَاكَ يَا رَبُّ.، الرَّبُّ يَمْلِكُ إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ.”!!!

بل حتى اسم موسى لم يرد في هذه المخطوطة بأكملها سوى مرة واحدة في قول النص:” هذا هو وقت التجربة التي أتت ليهوذا ليكملها، بليعال وبقيته سيبقون كثيرين وسينفذون كل الناموس (….) موسى، كما هو مكتوب بسفر دانيال ” كَثِيرُونَ يَتَطَهَّرُونَ وَيُبَيَّضُونَ وَيُمَحَّصُونَ أَمَّا الأَشْرَارُ فَيَفْعَلُونَ شَرّاً” (دا 12: 10) والناس الذين يعرفون الله سيبقون أقوياء (….)، بعد (….) الذي لهم (….) في نسلهم”!!!!!

الإشكال الحقيقى انه حتى لو صح هذا النص – وهو غير كذلك وعلى المُشكك ان يراجع النص بالأعلى – إلا ان النص يُوضح ان المكان سيُبنى لإسرائيل وليس للمسلمين!!!!

اما القول “آخر الزمان” الذي يتحجج به الزميل، فالمقصود به كما قلنا، عن المستقبل القريب هيكل سليمان، وبشكل نبوى عن ملء الزمان في تجسد الكلمة.

 

و عن قول الزميل:

” بيت سيختاره الله …. سيبنيه …ليس هو نفس البيت الأول….بل بيت آخر في مكان آخر”

 

و رغم اننا لا نعرف من اين أتى بهذه العبارة، فنقول له نعم انه ليس البيت الأول، خيمة الإجتماع، وانما هو بيت الرب الذي سيبنيه سليمان، وليس هذا فحسب، بل ان نص المخطوط ايضا يوافق على الرؤية النبوية للنص بأنه يرجع للسيد المسيح، فتقول:” هو غصن داود الذي سيرتفع بمفسر الناموس الذي (…) بصهيون في الأيام الأخيرة كما هو مكتوب ” فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أُقِيمُ مَظَلَّةَ دَاوُدَ السَّاقِطَةَ” (عا 9: 11) الذي سيرتفع ليخلص إسرائيل كتفسير لـ” طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ” (مز 1:1) تفسير عن هؤلاء الذين تركوا الطريق، كما هو مكتوب بسفر أشعياء نبي الأيام الأخيرة ” فَإِنَّهُ هَكَذَا قَالَ لِي الرَّبُّ بِشِدَّةِ الْيَدِ وَأَنْذَرَنِي أَنْ لاَ أَسْلُكَ فِي طَرِيقِ هَذَا الشَّعْبِ” (أش 8: 11)، وهؤلاء هم من كُتب عنهم بسفر حزقيال النبي ” وَلاَ يَتَنَجَّسُونَ بَعْدُ بِأَصْنَامِهِمْ ” (حز 37: 23).”

 

الأمر الذي لم يُلاحظه الزميل، ان جميع العلماء أكدوا ان هذا نص مسيانى، حتى ان البعض منهم تجاهل ان يكون هناك اشارة الى هيكل سليمان وركزوا بالأكثر على التفسير الخاص بالنص الذي يُشير الى المسيا!!!

مثلاً لو نظرنا للرابط التالى وهو يتبع منظمة المكتبة الأمريكية اللاهوتية American Theological Library Association:

http://virtualreligion.net/iho/4Qflor.html

 

سنجد التعليق لا مفر منه في ان النص هو نص مسيانى يتحدث عن المسيح، وكذلك البروفيسور بارى سميث يقول عن المخطوطة:

 

In 4Q174, it is said that God will raise up “the branch of David,” but also that this Davidic king will arise “with the interpreter of the Law” (1.11). This “the interpreter of the Law” is probably the priestly Messiah, since it is the function of priests to instruct other Jews in the Law. This eschatological teacher is probably known in other Qumran sectarian texts as “the priest” (1QSa 2.11-21), the Messiah of Aaron (1QS 9:10-11) and “one of the priests of renown” (4Q161 frgs. 8-10. 25). There is a reference to “the interpreter of the Law” as a figure from the past in CD 6.7 and 7.18; this man is probably the Teacher of Righteousness. The person referred to as “the one who teaches righteousness in the end of days” in CD 6.11. however, appears to be an eschatological teacher expected in the future, and is probably identical with the interpreter of the Law in 4Q174 1.11.

http://www.abu.nb.ca/courses/NewTestament/Hebrews/MessExp.htm

“فى (المخطوطة 174 من الكهف الرابع في قمران)، قيل ان الله سيرفع غصن داود، ولكن ايضا هذا الملك الداودى (نسبة الى داود)، فسيرتفع مع مُفسر الناموس، مُفسر الناموس هذا غالباً المسيا الكاهن، حيث ان فائدة الكهنة ان يُعلموا بقية اليهود الناموس. هذا المُعلم الإسخاتولوجى [8] ربما يكون معروف في نصوص قمرانية متعصبة أخرى بـ “الكاهن” (الكهف الأول صم2: 11 – 21)، مسيح هارون (الكهف الأول صم 9: 10 – 11)، و”واحد من كهنة الشهرة” (المخطوطة 161 من الكهف الرابع، الأجزاء 8 – 10 – 25). هناك اشارة الى الى مُفسر الناموس كشكل من الماضى في (CD6.7) و(CD7.18)، هذا الرجل غالبا معلم الإستقامة. الشخص الذي اُشير له كـ “الذى يُعلم الإستقامة في الأيام الأخيرة” في (CD6.11). في أي حال، فهو يبدو معلم اسخاتولوجى مُتوقع في المستقبل، وربما يكون مُطابق لمُفسر الناموس في (4Q174 1.11).”

 

و هنا لنا سؤال للزميل:

هل بُنيت الكعبة في آخر الزمان ام في زمن إبراهيم؟!

نهايةً، فإن مرجع الزميل كان:

 

Dead Sea Scrolls in English،3rd edition،G. Vermes,p.293

 

و هنا لابد ان نُصحح للزميل مرجعيته، فالكتاب اسمه The Complete Dead Sea Scrolls in English،و قد تمت ترجمته للعربية في عام 2006 لدار قتيبة للتوزيع والنشر، وللعلم فقط فإن الطبعة الثالثة لهذا الكتاب لصاحبه جيزا فيرماس منتهية من بداية ثمانينات القرن الماضى، وان الطبعة المُتوفرة الآن هى الخامسة وليس الثالثة، فلا عجب حينما نجد العنوان يقول “مخطوطات البحر الميت كاملة بالإنجليزية” ونجده يفتقر لنحو ثلث مخطوطات قمران كاملة، فمرحى لمرجعية الزميل العلمية!!!!

 

 

“لأنى انا ساهر على كلمتى لأجريها”

 

(أر 1: 12)

الخاتمة

 

مرة أخيرة، فإن نص المخطوط هذا ليس سوى تفسير آدمى وليس تفسير نبوى يحتمل ان يطوى بين سطوره نبوات عن المستقبل. هذا المخطوط ليس سوى شرحاً لنص يتكلم اصلاً عن هيكل سليمان. هذا النص يتكلم عن هيكل سليمان وليس عن أي بناء آخر، وعن المسيح المُنتظر بشكل نبوى!!!

 

مُلاحظة أخيرة، لا يوجد أي نص قرآنى أو حديث صحيح تكلم عن نبوات سابقة في كتب أهل الذكر عما اسماه الزميل “البيت الذي ببكة”!!!!

 

 

 

[1] الموضوع رقم 766 بحراس العقيدة ويمكنك قرائته في الرابط التالي:

http://www.imanway1.com/horras/showthread.php?t=766

[2] The Dead Sea Scrolls (Study Edition)، Vol I، New York 1997، By Florentino Garcia Martinez & Eibert J. C. Tigchelaar، P. 352-355

[3] نص ناقص بالمخطوطة

[4] بتصرف عن: تفسير صموئيل الثانى، القس انطونيوس فكرى، ص 26

[5] شرح سفر الخروج (سفر بداية سكنى الله وسط شعبه تمهيداً لتجسده في ملء الزمان)، أحد رهبان دير القديس انبا مقار (الأب يوحنا المقارى)، إصدار دير انبا مقار، الطبعة الأولى 2006، ص 325

[6] تأملات في الخروج 6: 10

[7] السابق 6: 12

[8] اسخاتولوجى اى الفكر الأخروى الذى يتحدث عن المستقبل

بيت آخر الزمان – هل تنبأت مخطوطات قمران عن مكة؟! – بقلم: فادي – سان صمويل