آبائيات

صانع العجائب – العظة 50 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

عظات القديس مقاريوس الكبير - د. نصحى عبد الشهيد - بيت التكريس لخدمة الكرازة

صانع العجائب – العظة 50 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

صانع العجائب – العظة 50 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
صانع العجائب – العظة 50 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

صانع العجائب – العظة 50 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

 

الله هو صانع العجائب بواسطة قديسيه.

قوة الله في إيليا:

من هو ذاك الذي أغلق أبواب السماء؟ هل هو إيليا أم أن الله الذي فيه، هو الذي أمر المطر ألاَّ ينزل؟ إني أؤمن أن ذاك الذي له السلطان على السموات، كان هو نفسه جالسًا في عقل إيليا، وأن كلمة الله أمر المطر أن ينزل على الأرض بواسطة لسان إيليا، فنزل المطر.

عمل الله في موسى:

وكذلك موسى أيضًا فإنه ألقى بالعصا على الأرض فصارت حيَّة، ثم تكلم مرة أخرى فعادت وصارت عصا. وأخذ موسى رمادًا من الأتون ونثره نحو السماء فصار دمامل أصابت الناس وفي البهائم. وأيضًا مد عصاه فصار البعوض والضفادع على أرض مصر (خر 8: 5، 17). فهل تستطيع الطبيعة البشريّة أن تصنع هذه الأمور؟.. لقد مد موسى أيضًا يده على البحر فشقه، وكذلك رفع عصاه على النهر فتحولت مياهه إلى دم. فالواضح أن قوة سماويّة كانت ساكنة في قلب موسى وعقله وكانت هذه القوة تعمل هذه الآيات بواسطة موسى.

قوة الله في ضعف داود:

وكيف استطاع داود أن يقاتل الجبّار دون أن يكون متسلحًا؟ فإن يد الله هي التي قادت الحجر بواسطة يد داود حينما رماه على الفلسطيني.. وأن قوة الله هي التي قتلت الجبار وانتصرت عليه، فما كان داود ليستطيع أن يفعل ذلك من ذاته إذ كان ضعيفًا جدًا في الجسد (1 صم 17: 49-51).

سقوط أسوار أريحا:

وحينما جاء يشوع بن نون إلى أريحا وحاصرها سبعة أيام، لم يستطع أن يفعل شيئًا بطبيعته، ولكن حينما صدر أمر الله فإن الأسوار سقطت من نفسها.. ومن هو الذي أمر الشمس أن تقف لمدة ساعتين بينما كانت المعركة حامية الوطيس؟ هل هي طبيعة يشوع أم القوة الإلهيّة التي كانت معه؟

القتال مع عماليق:

ولما دخل يشوع في قتال مع عماليق، كان إذا رفع موسى يديه نحو السماء إلى الله، أن إسرائيل يغلب، وإذا خفض يديه أن عماليق يغلب.

حينما ترفع أفكارك إلى السماء:

ولكن حينما تسمع عن هذه الأمور فلا تدع عقلك يذهب بعيدًا، بل حيث إنها كانت رمزًا وظلاً للحقيقة فطبقها إذن على نفسك. فإنك حينما ترفع يدي عقلك وأفكارك نحو السماء وتضع في قصدك أن تلتصق بالرب وتتحد به فإن الشيطان يسقط تحت أفكارك.

وكما سقطت أسوار أريحا بقوة الله، كذلك الآن بقوة الله تتحطم مدن الشيطان وأسوار الشر التي تحارب عقلك ويسقط أعداؤك أيضًا.

عمل الروح في الأبرار والأنبياء:

لقد كانت قوة الله في القديم حاضرة مع الأبرار بلا انقطاع، وكانت تعمل عجائب منظورة. وكانت النعمة الإلهيّة تعمل أيضًا في الأنبياء، وكان الروح يعمل في نفوسهم للتنبؤ والتكلّم حينما كانت تدعو الحاجة أن يخبروا العالم بأحداث عظيمة. لأن الأنبياء لم يكونوا يتكلمون في كل وقت، بل حينما يشاء الروح الذي فيهم فقط. إلاَّ أن القوة الإلهيّة كانت معهم دائمًا.

انسكاب الروح في العهد الجديد:

فإن كان الروح القدس قد انسكب بهذا المقدار في ذلك العهد الذي هو ظلّ لعهد النعمة، كم بالحري ينسكب في العهد الجديد، عهد الصليب ومجيء المسيح، الذي فيه حدث انسكاب الروح والامتلاء به. كما هو مكتوب “إني أسكب من روحي على كل بشر” (أع 2: 17). وهذا هو المعنى الذي قصده الرب نفسه حينما قال “وها أنا معكم إلى انقضاء الدهر” (مت 28: 20). “لأن كل من يطلب يجد” (مت 7: 8). وأيضًا “إن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تُعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري الآب السماوي يعطي الروح القدس للذين يسألونه” (لو 11: 13). “بقوة وبيقين شديد” كما يقول الرسول (1 تس 1: 5).

الحصول على قوة الروح:

إن هذه الأشياء نحصل عليها بالتدريج، وتحتاج منا إلى وقت، وتعب وصبر ومحبة كثيرة وشوق كبير نحو الرب. وهكذا فإن “حواس النفس”، “تتدرب” كما يقول الكتاب (عب 5: 14). بواسطة الخير والشر، أي من خلال حيل العدو ومؤامراته وخداعاته من ناحية، ومن الناحية الأخرى بواسطة المواهب والمعونات المتنوعة التي تُعطى بعمل الروح القدس وقوته. وإن الذي يواجه خداع الخطية، الذي يلوث الإنسان الباطن بواسطة الشهوات، ولا يتعرف في داخل نفسه على معونة الروح القدس “روح الحق”، الذي يقوّيه ويعين ضعفه، ويجدّد نفسه بفرح القلب، مثل هذا الإنسان يسير في طريقه بدون تمييز، إذ لم يكتشف بعد تدبيرات النعمة المتنوعة، وسلام الله العميق.

هل وجدت الكنز؟

ومن الناحية الأخرى فإن الذي ينال معونة الرب، ويحصل على الفرح الروحاني ومواهب النعمة السماويّة، مثل هذا الإنسان إن كان يتصور أنه لم يعد معرضًا بالمرة لأذى الخطية، فإنه ينخدع دون أن يدري، إذ أنه لا يميز خبث الخطية ولا يدركه، ولا يعرف أن النمو إنما يتم بالتدريج من الطفولة حتى النضوج والكمال في المسيح. لأن الإيمان يزداد وينمو بواسطة عمل الروح القدس الإلهي، وتبعًا لذلك تتحطم تدريجيًا حصون الأفكار الشريرة إلى أن تنهدم كلّية (2 كو 10: 4).

لذلك ينبغي على كل واحد منا أن يفتش ويعرف، هل هو قد وجد “الكنز في هذا الإناء الخزفي” (2 كو 4: 7)، وهل قد اكتسى بأرجوان الروح، وهل قد رأي الملك ووجد راحته في الداخل بالقرب منه، أم أنه لا يزال يعيش في الدار الخارجيّة؟

إن النفس لها أجزاء كثيرة، ولها عمق عظيم، فعندما دخلت الخطية إلى الداخل امتكلت كل أجزاء النفس وكل مراعي القلب.

النعمة تملك جزئيًا وبالتدريج:

ولذلك حينما يسعى الإنسان ويطلب، فإن النعمة تأتي إليه، وتبدأ في أن تملك عليه، ولكنها قد تملك ربما على جزء أو اثنين من أجزاء النفس. وبعد أن تبدأ النعمة عملها فإن الإنسان غير المختبر حينما يحصل على تعزية بالنعمة، يتخيل أن النعمة قد امتلكت كل أجزاء نفسه وأن الخطية قد استؤصلت منه تمامًا. مع أن القسم الأكبر من النفس لا يزال تحت سلطان الخطية وليس سوى جزء واحد فقط تحت سلطان النعمة، وهكذا فإنه ينخدع دون أن يدري.

ولكننا أن نتحدث كثيرًا إليكم بخصوص هذه الأمور بحسب استعدادكم وإخلاصكم، ولكننا أعطيناكم نقطة بداية، تستطيعون كأناس ذوي حكمة وفهم أن تتأملوا في هذه الكلمات وتفحصوا قوتها وتصيروا أكثر فهمًا وحكمة في الرب. وتزدادوا في بساطة القلب، في النعمة وفي قوة الحق، وهكذا إذ تتمسكون بخلاصكم بكل يقين، وتتحررون من كل محاربات الشرير وخداعات العدو، فإنكم تُحسبون أهلاً لأن توجدوا بلا عثرة، ولا دينونة في يوم ربنا يسوع، الذي له المجد إلى الأبد آمين.

العظة 50 للقديس مقاريوس الكبير – صانع العجائب – د. نصحى عبد الشهيد