آبائياتكتب

الله ليس مسبب للشرور – للقديس باسيليوس الكبير – ترجمة د جورج عوض ابراهيم

الله ليس مسبب للشرور – للقديس باسيليوس الكبير – ترجمة د جورج عوض ابراهيم

الله ليس مسبب للشرور – للقديس باسيليوس الكبير – ترجمة د جورج عوض ابراهيم
الله ليس مسبب للشرور – للقديس باسيليوس الكبير – ترجمة د جورج عوض ابراهيم

استخدم داود النبي والمرنم المستنير بالروح القدس طرقا شتى في تعليمنا. تارة يحكى لنا عن آلامه وشجاعته التي مكنته من تحمل مواقف كثيرة تاركًا لنا من خلال شخصه مثالاً يعلمنا الصبر، مثلما قال: ” يارب ما أكثر مضايقى. كثيرون قائمون على ” (مز1:3). وتارة أخرى يقدم لنا داود صلاح الله وسرعته في المعونة التي يمنحها لأولئك الذين يطلبونه حقًا، عندما يقول ” فاعلموا أن الرب قد ميز تقية. الرب يسمع عندما أدعوه ” (مز2:4).

وهذه الأقوال هي نفسها التي قالها النبي إشعياء: ” حينئذ تدعو فيجيب الرب تستغيث فيقول هاآنذا ” (إش9:58) أيضًا يصلى داود النبي الى الله بطلبات حارة يعلمنا بطريقة صحيحة كيف يجعل الخطاة الله عطوفا نحوهم بتوسلاتهم: ” يارب لا توبخنى بغضبك ولا تؤدبنى بغيظك ” (مز1:6) ويقول في المزمور الثالث عشر: ” إلى متى يارب تنسانى كل النسيان ” لكي يعبر عن عتابه الله في شكل استفهام ويعلمنا من هذا المزمور ألا نترك أنفسنا للحزن والضيق ونحن ننتظر صلاح الله نحونا، وعلينا أن نعرف أن الله يسلمنا إلى الضيقات والتجارب بحسب قياس ودرجة إيمان كل واحد منا.

 

خطورة نسبة الشرور الى الله:

وبعدما قال داود ” إلى متى يارب تنسانى كل النسيان “، ” حتى متى تحجب وجهك عنى ” (مز2:12) ينتقل مباشرة الى شرور الوثنيين، غير المؤمنين الذين عندما يواجهون صعوبة صغيرة في الحياة لا يستطيعون أن يتحملوا ظروف الأحداث الأكثر صعوبة ويبدأوا يشكوا بعقولهم ما إذا كان الله موجودًا ويعتنى بكل الأمور وأنه يجازى كل واحد بحسب أعماله. وعندما يرون أنفسهم مستمرين في هذه الظروف المؤلمة يثبتون داخلهم التعاليم الشريرة ويقتنعون في قلوبهم بالرأي القائل بأنه لا يوجد إله: ” قال الجاهل في قلبه ليس إله ” (مز1:14).

وطالما أن هذا الجاهل يضع في قلبه هذا الأمر فإنه يفعل أي خطية بدون تردد لأنه إن لم يوجد الله الذي يرى كل الأمور، إن لم يوجد الله الذي يجازى كل واحد حسب أعماله إذًا فما الذي يمنع أن نظلم الفقير ونتسلط عليه ونقتل الأيتام، ولا نتردد في إبادة الأرملة والغريب الذي أراد أن يعيش بيننا، ونتجرأ على فعل أي عمل سخيف ولا مانع أن نتلوث بالشهوات النجسة والقذرة وبكل الرغبات المتوحشة؟

لذلك وكنتيجة للإعتقاد بعدم وجود الله يقول المرنم: ” فسدوا ورجسوا بأفعالهم ” (مز1:14). لأنه ليس من الممكن أن ينحرفوا هكذا عن الطريق المستقيم إن لم تكن نفوسهم قد ضعفت بمرض نسيان الله.

إننى أتساءل: كيف سُلم الوثنيون ” إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق” (رو28:1). ألم يُسلموا أنفسهم لأنهم قالوا: “لا يوجد إله”؟ كيف وقعوا في ” أهواء الهوان لإن إناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعي بالذى على خلاف الطبيعة. وكذلك الذكور أيضًا تاركين استعمال الأنثي الطبيعى إشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكورا بذكور ” (رو26:1ـ27). ألم يُسلموا أنفسهم بسبب أنهم ” أبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات “؟ (رو23:1).

 

من ينسب الشر لله يتشبه بالوثنى:

حسنا من يقول ليس إله هو الذي لا يملك عقلا ولا حكمة كذلك من يقول إن الله مسبب للشرور هو شبيه به. إنى أعتقد أن خطية الإثنين واحدة، لأن الأول والثاني ينكران الله الصالح. فالأول يقول لا يوجد إله والآخر يقول أن الله ليس صالحا لأنه لو أن الله هو مسبب للشرور فهذا يعنى أن الله ليس صالحًا، إذًا هناك انكار لله من كلا الجانبين. يتسائلون من أين تأتى الأمراض؟ من أين هذه الميتات المبكرة؟

من أين الدمار العظيم الذي يلحق بالمدن؟ من أين العواصف؟ من أين الأوبئة؟ إن هذه الأمور تعتبر بالطبع شرورًا، وكلها من أعمال الله ويتمادوا في ذلك بقولهم من هو الآخر الذي يمكننا أن نتهمة بإرتكاب هذه الحوادث إلا الله؟.

تعال الآن، إذًا، لأننا قد أدخلنا أنفسنا في موضوع يتحدث عنه كثيرون وقيل فيه كلام كثير، وحيث أننا انشغلنا بهذه المسألة بالتفصيل دعنا نحاول أن نطرح شرحًا واضحًا ووافيًا لها.

 

هل الإنسان مسئول عن كل ما يصيبه من تجارب وضيقات؟

حسنًا ينبغي أن نضع في تصورنا هذا الأمر: إننا نحن خليقة الله الصالح وإننا محفوظون بواسطة الله الذي يدبر أمورنا الصغيرة والكبيرة في حياتنا، لذا لن نعانى شيئًا بدون أن يكون لله إرادة في ذلك. أيضًا ليس شيئًا مما نعانى منه يعتبر ضارًا لنا بل يكون أفضل لنا لأننا عندما نتأمل في ذلك نستطيع أن نقترب من الله خالقنا.

فالموت على سبيل المثال يأتى من قبل الله بالتأكيد، ولكنه ليس شر، بل يصبح شرًا فقط في حالة موت الخاطئ. والموت بالنسبة للخاطئ الذي يرحل عن هذا العالم يعتبر بداية الجحيم في الهاوية. وأيضًا ما يقابله الإنسان من آلام في الهاوية لا يكون الله المتسبب فيها بل الإنسان نفسه لأنه كان في مقدرته وسلطته أن يختار بين فعل الخطية أو رفضها وكان لدى الخطاة إمكانية الابتعاد عن فعل الشر وتجنب الإصابة بأية نكبات.

ولكنهم إنخدعوا بطعم اللذة وانقادوا الى الخطية. إذن فما صحة هذا الذي يُقال بأن هؤلاء أنفسهم ليسوا سببا في النكبات التي اصابتهم؟! هذه النكبات هي شرور كما نفهم نحن. وهناك شرور تتوقف علينا نحن مثل الظلم، الخلاعة، الإنحلال الخلقى، الجُبن، الحسد، القتل، الدسائس وكل ما يترتب عليها من أفعال تلوث النفس التي خُلقت بحسب صورة الله خالقنا. إن هذه الأفعال تشوه بالطبع جمال النفس.

أيضًا نحن ندعو كل أمر متعب ومحزن لنا شرًا مثل المرض الجسدى، الجروح، حرمان الجسدمن الأمور الضرورية، العار أو الفضيحة، الضرر المالى، فقدان أحد الأقارب. إن هذه الأمور تأتى إلينا من الرب الصالح والحكيم وذلك لفائدتنا. فمثلاً عندما يأخذ الله المال من الذين يستخدمونه بطريقة سيئة فإنه يريد أن يُدمر ـ بهذه الطريقة ـ الأداة التي بها يظلمون الناس.

وأحيانًا يتسبب الله في مرض للذين يكون في صالحهم أن تتقيد أعضائهم ويلازموا فراش المرض أفضل من أن يكونوا معافين وأحرارًا في إرتكاب الخطية. والموت يأتي إلى البشر في الوقت المناسب أي عندما يصلون الى نهاية حياتهم التي حددها حكم الله العادل منذ البداية الذي قد رأى مسبقًا ما يفيد كل واحد منا. فالمجاعات والسيول هي نكبات مشتركة تأتى على المدن والأمم لكي توقف وتحجم فعل الشر المتفاقم.

إذن مثلما نصف الطبيب دائمًا بأنه محسن وكريم حتى لو تسبب في إيلام الجسد أو النفس (لأنه يحارب المرض وليس المريض) هكذا الله هو صالح يدبر الخلاص من خلال محصلة بعض العقوبات. أيضا نحن لا نتهم الطبيب بأى إتهام عندما يقوم ببتر جزء من أعضاء الجسد أو يكوى آخر بل نعطيه أجرًا وندعوه مخلصًا لأنه يوقف المرض عندما يظهر في جزء صغير من الجسد قبل أن ينتشر في كل الجسد. ولكن عندما نرى مدينة تنهار على ساكينيها بسبب زلزال، أو سفينة تنكسر وتغرق في البحر مع كل ركابها لا نتردد في التجديف على الله الطبيب الحقيقي والمخلص.

أننا نعرف جيدًا أنه في حالة إصابة أحد بأى مرض فإنه يعطي له علاجا مفيدا ليُشفى، ولكن عندما يُصاب بمرض لا يقبل الشفاء تصير الحاجة الى قطع العضو غير القابل للشفاء حتى لا ينتشر المرض في كل أعضاءه الحية والنشطة. إذن كما أن الطبيب ليس هو السبب في إجراء الجراحة أو الكى بل المرض نفسه هكذا فالخطايا هي التي تسبب دمار المدن وليس الله المنزه عن أي تهمة.

 

شرح لبعض الآيات التي قد يفهم منها أن الله مصدر للشرور:

مصور النور وخالق للظلام

ربما يتسائل أحد: إن كان الله غير مسئول عن الشرور لماذا قال عن نفسه أنه ” مصور النور وخالق الظلمة ” (إش7:45).

إن من يفهم هذه الآية فهما صحيحا لا يمكن أن يتهم الله بأنه مسبب للشرور وهى تعني الآتي:

إن الله الذي قال إنه ” مصور النور وخالق الظلمة صانع السلام وخالق الشر أنا الرب صانع كل هذه ” يقدم ذاته من خلال هذه الكلمات ـ كخالق للخليقة كلها وليس لأى شر. ولكى لا تظن أن هناك آخر هو مسبب للنور وآخر أيضًا مسبب للظلمة، دعى نفسه خالق وصانع كل الأشياء حتى التي تبدو أنها ضد الطبيعة، وذلك حتي لا تطلب خالقا آخر للنور وخالقا آخر للمياه، وآخر للهواء وآخر للأرض. والحقيقة أن كثيرين آمنوا بتعدد الآلهه آنذاك إذ رأوا أشياءًا متضادة فيما بينهما (مثل الماء والنار، النور والظلمة،….) دعونا نفحص الجزء الثانى من الآية.

 

صانع السلام وخالق الشر “:

صانع السلام وخالق الشر “. ” صانع السلام ” تعنى أن الله يمنحك الهدوء بالتعليم المستقيم الذي يدخل الهدوء والسكينة الى عقلك ويُسكِّن الشهوات التي تثور ضد النفس. أما عبارة ” خالق الشر ” فتعنى أن الله يغير الشر ويشركة في طبيعة الصلاح. هيا نرى بعض الأمثلة على فعل يخلق: عندما يقول المرنم ” قلبا نقيا إخلق في يا الله ” (مز1:51) لا يعنى أنه يطلب من الله أن يخلق له قلبا آخر لكن تعنى أنه يطلب من الله أن يجدد قلبه الذي عتق من الشرور ليصير جديدًا.

وأيضًا بولس الرسول يقول ” ليخلق من الإثنين إنسانا جديدا ” (أف15:2) لا يعنى ان الله يخلق من العدم لكن تجديد الاثنين الموجودين بالفعل. كذلك عندما يقول: ” إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة ” (2كو17:5). وأيضًا عندما يقول موسى النبي: ” أليس هو أباك مقتنيك هو عملك. وأنشأك (أى خلقك) ” فإنه يعلمنا أنه الله خلقك أو أنشأك بعدما عملك أي أن هناك تحسين وتجديد للخليقة. هكذا يصنع الله السلام بتغيير الشر وتحويله الى ما حسن.

وحتى لو كان السلام في رأيك هو التحرر من الحروب وحتى لو كنت تعتبر الأمور التي تحدث أثناء الحروب شرورًا مثل حملات الإغارة والهجوم خارج حدود البلاد، والدوريات والسهر المستمر، والتدريبات والمشقات، الجرحى والقتلى وسقوط المدن، والأسر، والسلب والنهب، ومناظر القتلي، وكل الفوضى التي تصاحب الحروب، فإن هذه الأمور قد صارت بحكم الله العادل الذي يُعاقب كل الذين يستحقون العقوبة من خلال هذه الحروب. هل ترى إنه يجب الا تحترق سدوم بعد كل هذه الأفعال القبيحة التي إرتكبها سكانها؟

وربما كنت تتمنى ألا تخرب أورشليم ولا ينقض الهيكل بعد كل تلك الاتهامات الباطلة التي تفوه بها اليهود ضد الرب؟! هل هناك طريقة أخري عادلة غير أن تخرب أورشليم بيد الرومان؟ تذكَّر أن اليهود كانوا هم أنفسهم أعداء الحياة إذ سلموا الرب الحياة. هكذا كان ينبغي في بعض الأحيان أن تسقط شرور الحروب على هؤلاء الذين يستحقون العقاب.

 

أنا أُميت وأنا أحيي

أما بالنسبة لقوله ” أنا أُميت وأنا أحيي ” عليك أن تقبل هذه العبارة في معناها البسيط، لأن المخافة تبنى البسطاء. أما عبارة “سحقت وأنا أشقى” فإن السحق أو الجرح ينتج عنه مخافة والشفاء يقود الى المحبة. ويمكنك أن تتأمل هذه الآية تأملاً أسمى من هذا، فستجد الله كأنه يقول: أنا سوف أميت بالخطية وسوف أحيّ بالفضيلة. لأنه ” إن كان إنسانا الخارج يفنى بالداخل يتجدد يوما فيوما ” (2كو16:4).

إذن الله لا يميت أحدا ويحيي آخر، ولكن هو يحي بالأشياء التي تميت ويشفي بالأمور التي تجرح وينطبق ذلك على المثل الذي يقول: ” تضربه أنت بعصا فتنقذ نفسه من الهاوية ” (أم14:23) إذًا يجرح الجسد لكي يشفى النفس، يميت الخطية لتحيا الفضيلة.

وبالنسبة لقوله: ” لأن شرًا قد نزل من عند الرب الى باب أورشليم ” فالآية تشرح نفسها أي شر؟ إنه ضوضاء العربات والفرسان القادمين إليها.

 

” لا توجد بلية إلا والرب صانعها “

أما عندما تقرأ ” لا توجد بلية إلاّ والرب صانعها ” فإنه يقصد بهذا الكلام الإشارة الى فعل الألم الذي يحدث للخطاة بغرض إصلاح وتقويم إخطائهم، لأنه يقول بعد ذلك ” فأذلك وأجاعك وأطمعك المن الذي لم تكن تعرفه ولا عرفه آباؤك لكي يعلمك أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل ما يخرج من فم الرب يحيا الإنسان” تث 8: 3، وذلك لكي يوقف الظلم قبلما ينتشر ويمتد إمتدادا فائقا مثل تيار النهر الذي يوقفونه بسد أو بجدار متين قوى.

 

الكوارث الطبيعية تحدث لفائدة الإنسان :

الأمراض التي تصيب المدن والأمم، والرياح الجافة والأرض الجرداء العقيمة التي لا تثمر وأيضًا الظروف الأكثر قسوة في حياة كل واحد توقف زيادة ونمو الشر. هكذا كل أنواع الشرور (الآلام) التي تأتى من الله تبعد الإنسان عن فعل الشرور الحقيقية. فالعذابات التي يتعرض لها الجسد وكذلك الأمور المؤسفة التي تأتى من خارج الجسد تحدث لكي يبتعد الإنسان عن فعل الخطية.

إذًا ـ في الحقيقة ـ الله يبعد الشر كما إن الشر لا يأتى من الله. لأن الطبيب يشفى المرض لكنه لا يتسبب في حدوث المرض نفسه. هكذا دمار المدن والزلازل والفيضانات وإبادة الجيوش وحوادث الغرق وكل أشكال الدمار التي تصيب الإنسان وتأتى سواء من الأرض أو البحر أو الهواء أو النار أو تأتى من أي مكان تحدث لأن الله يريد بهذه الضربات الجهارية تهذيب البشر.. أما الشر الحقيقى فهو الخطية، وإرتكابها يتوقف على إرادتنا وهى تدعى بالحق شرًا، وبإرادتنا نستطيع أن نبتعد عن الشر أو نفعل الشر.

 

التجارب تخلص الإنسان من الخطايا:

هناك شرور (آلام) تحيط بالإنسان لتظهر مدى شجاعته وإحتماله وصبره، مثلما حدث مع أيوب إذ حرم من أولاده ولحق الدمار بكل ما يملك في لحظة، وحلت قروح البرص بجسده. وهناك أيضا شرور أخري تحيط بالإنسان لشفائه من الخطايا التي فعلها، مثل داود الذي إستحق العقاب الذي لحق به نتيجة شهوته غير المشروعه.

هكذا تعلمنا كيف أن عدل الله ينزل نوعا آخر من العقوبات المخيفة لكي يجعل أولئك الذين ينزلقون بسهولة في فعل الخطية اكثر تهذيبًا. مثال على ذلك داثان وأبيرام اللذين بلعتهما الأرض عندما ” إنشقت الأرض التي تحتهم ” (خر31:16) بهذا العقاب طبعا لم يصيرا في حالة أفضل (لأنه كيف يحدث هذا طالما نزلا الى الهاوية؟ ولكن بهذه العقوبة القاسية صار الباقين أكثر تهذيبا. وبهذه الطريق أغرق فرعون مع كل جنودة (خر28:14).

لا تظن عندما قال بولس الرسول مرة ” آنية الغضب مهيأة للهلاك ” (رو23:9) إنه يقصد آنية شريرة (لأنه سوف ينسب بالصواب سبب الشر لعملية التصنيع)، إنما عندما تقرأ كلمة “آنية” فلنفهم أن كل واحد منا صار (خلق) لشئ مفيد ” ولكن في بيت كبير ليس آنية من ذهب وفضه فقط بل من خشب وخزف أيضًا وتلك للكرامة وهذه للهوان ” (2 تيمو20:2).

[ الإنسان بمقدوره أن يكون إناء ذهب أي طاهر القلب ونقي في طرقه، وإناء فضه أي يكون أقل قيمة من الأول، وإناء خزف أي أن له تصرفات أرضية ومعرض للكسر، أو أن يكون إناء من الخشب أي يتلوث بسهولة من فعل الخطية وجدير أن يلقى في الناء الأبدية ]، هكذا عبارة ” آنية غضب ” أي مثل وعاء فيه طاقة شيطانية تسبب رائحة فساد كريهه وهو غير قابل للاستخدام بل جدير بالفناء والضياع.

لذلك فإن فرعون كان ينبغي أن يهلكه الله الحكيم ومدبر النفوس لكي يعرف للجميع أنه بسبب شره كان غير قابل للشفاء لقد قسى الله قلبه بتأجيل العقاب فيزداد شرًا ويظهر هكذا حكم الله العادل.

تدرج الله معه بعقوبات صغيرة محاولاً دائمًا أن يلين تصرفه غير المطيع ولكنه إزداد في احتقار طول أناة الله وإعتاد على المتاعب التي كانت تحل عليه. إذن الله لم يسلمه إلى الموت. لقد أغرق فرعون نفسه بتكبر قلبه وتشامخه، إذ تجرأ في مقاومة شعب الله وظن أنه يستطيع أن يعبر البحر الأحمر مثلما عبر هذا الشعب.

 

الشر ليس له جوهر:

حسنًا حيث أنك عرفت أنواع الشرور (الآلام) التي تأتى من الله، وعرفت أن تميزها في داخلك. وحيث أنك تعرف جيدًا ما هو الشر الحقيقي؟ أي الخطية التي نهايتها الدمار والموت. كذلك تعرف الآن ما هو الأمر الذي يبدو شرًا إذ يؤلمك ولكنك تدرك أن له قوة الصلاح مثل كل الآلام التي تحيط بنا كى نتوقف عن فعل الخطية، وتعرف أن ثمار هذه الآلام هي خلاص نفوسنا الأبدى، عليك إذًا أن تتوقف عن الشعور بالإحباط تجاه خطة الله لك وعليك أيضًا أن تبتعد عن اعتبار الله مسبب للشر، كذلك لا تظن أن الشر له وجود خاص به. لأن الشر ليس شيئًا موجودًا، مثلما نقول ذلك عن حيوان ما (كائن حى ما).

الشر ليس له جوهر، فالشر هو غياب الصلاح. كما أن العمى يحدث نتيجة تلف يصيب العينين، هكذا الشر ليس له وجود خاص لكنه يأتى بعدما تمرض النفس. والشر أيضًا ليس هو غير مولود كما ينادي الفجار (الغنوسيون وغيرهم) جاعلين هكذا طبيعة الصلاح وطبيعة الشر على نفس المستوى في التقدير. لو أن الكل أتى من الله عندئذ كيف يكون الممكن أن يأتي الشر من الصلاح؟

فلا السيئ يأتى من الصلاح ولا الشر من الفضيلة. إقرأ في سفر التكوين عن خلق العالم ستجد أن الكل صار “حسنا” وأيضا ” حسنا جدًا ” (تك31:1). إذًا، الشر لم يخلق مع الصلاح في آن واحد. ولم تكن الأرواح المخلوقة ممتزجة بالشرور عندما خلقها الله وأتى بها الى الوجود. لأنه إذا كانت الأجساد المادية لم تكن لها طبيعة شريرة بداخلها فكم بالأولى الأرواح التي تتميز جدًا بالنقاوة والقداسة لم تكن لها وجود مشترك مع الشر؟ لكننا نرى الشر موجود وفعله ظاهر ومنتشر في كل العالم.

 

كيف يوجد الشر إن كنا نقول أن ليس له بداية ولا أنه خلق؟

الإجابة تأتى من هؤلاء الذين يفحصون هذه الأمور. فإذا تساءل أحد: كيف تأتى الأمراض؟ من أين يأتى الشلل الجسدى؟ نقول إن المرض ليس هو غير مولود وليس هو خليقة الله، لكن الكائنات لها أعضاء تؤدى وظيفتها ولكن عندما يصيبها المرض تنحرف عن أداء مهمتها بحسب طبيعتها. إذ أن هذه الأعضاء تكون قد فقدت عافيتها سواء لقلة التغذية أو لأى سبب آخر. إذن الله خلق الجسد وليس المرض. لقد خلق الله النفس ولم يخلق الخطية.

إنما النفس يمكن أن تقبل الشر لأنها ابتعدت عن حالتها الطبيعية. وإذا تساءل أحد وقال ما هو الخير الذي كان للنفس؟ نقول: كان مكانها بجوار الله وكان الخير متمثلاً في الاتحاد به بواسطة المحبة. ثم سقطت من هذا المكان وعانت من أمراض كثيرة ومتنوعة لكن إذا تسائل أيضًا وقال: لماذا تقبل النفس فعل الشر؟ نقول: إن نفس الإنسان لها حرية تتناسب مع الكائنات العاقلة. إن نفس الإنسان الانسان متحررة من أي قيد وقد منحها الله أن تحيا بحرية إذ خلقت بحسب صورة الله.

لقد نالت بالتأكيد الصلاح وتعرف جيدا أن تستمتع بهذا الصلاح، ولديها المقدرة لأن تحفظ حياتها الطبيعية طالما أنها تظل تستمتع بالروحيات. لكن أيضًا لديها المقدرة أن ترفض الصلاح. وهذا يحدث للنفس عندما تنحاز للجسد بسبب حب اللذات والشهوات حيث أنها تشبع من مباهج العالم فتنفصل عن حب التمتع بالأمور السمائية.

 

الله لم يخلق الموت ولكن….

6ـ لقد كان أدم في السماء بالمفهوم الروحي وليس المكاني، وفور أن دبت فيه الحياة (النفس) ونظر نحو السماء إمتلأ فرحا إذ نظر هذه الأشياء التي رآها. لقد أحب كثيرا الله الكريم حبا قوى إذ هو الذي منحه حب التمتع بالحياة الأبدية من خلال مباهج الفردوس حيث أعطاه سلطة وسيادة تشبه سلطة وسيادة الملائكة. هذه السيادة جعلته يشترك في الحضور مع رؤساء الملائكة وأن يكون جديرًا بأن يسمع صوت الله.

لكن بينما كان في حماية الله متمتعا بخيراته، شعر بشبع (زائف) من هذه الخيرات السمائية وفضل ما يبهج عينيه الجسدية على الجمال الروحي، وبدلاً من أن يستمتع بالأمور الروحية فضل أن يملأ بطنه، وللتو وجد نفسه خارج الفردوس، خارج تلك البيئة الطوباوية التي كانت محيطة به. وصار شريرا ليس عن إجبار ولكن عن عدم استنارة. إذً فهو الذي وقع في الخطية عن طريق إختياره السيئ ومات بسبب الخطية ” لأن أجرة الخطية هي موت ” (رو23:6) أي كل من يبتعد عن الحياة يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة وغياب الحياة هو موت.

هكذا جلب آدم الموت على نفسه وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور ” لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون” (مز27:73). هكذا ليس الله هو الذي خلق الموت لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة. لكن الله لم يوقف الانحلال الذي يحمله الموت حتى لا يظل المرض بدون نهاية، هذا الأمر مثل شخص لا يقبل أن يضع إناء مكسور من الخزف في النار لكي يأخذ الشكل النهائى قبلما يصلح الخطأ بإعادة تصنيعه من جديد.

 

لماذا لم يمنحنا الله طبيعة لا تميل للخطية:

7ـ قد يتسائل أحد أيضا لماذا لا تكون لنا طبيعة لا ترتكب الخطية حتى إذا أردنا أن نفعل الخطية، فلا نجد في طبيعتنا إمكانية لفعلها؟ إننى أقول لك: أنت لا تعتبر العبيد المجبرين على أداء خدماتك أحباءًا لك، بينما عندما تراهم باختيارهم وبإرادتهم ينفذون واجباتهم تعتبرهم أحباءًا لك. هكذا بالنسبة لله فهو لا يحب أن يُنفذ أمره عن إجبار بل يحب ذاك الذي بحرية يتوق الى فعل الخير وإكتساب الفضائل.

والفضيلة تتحقق بالإرادة الحرة وليس بالإجبار. والإرادة الحرة أيضًا تتوقف على مدى استعدادنا الداخلي. وهذا الاستعداد هو الحرية الداخلية. إذًا فإن من يشكو الى الله لأنه لم يمنحنا طبيعة غير قابلة لفعل الخطية، هو الذي لا يفضل لنفسه شيئا آخر إلاّ الطبيعة غير العاقلة محتقرًا بذلك طبيعته العاقلة.

فالطبيعة الأولي تأمر بألا تفعل شيئا، أما الثانية فلديها هذا الاستعداد الداخلي والحرية التي تتوقف دائما على الخبرة والفعل.

هذه الأمور بالرغم من أنها أبعدتنا عن الموضوع إلاّ أننا قد تحدثنا عنها للضرورة حتى لا تقع في هوّة الأفكار، وفى غمرة غياب القيّم تحرم نفسك من الله. إذن ليتنا نتوقف عن تقييم أعمال الله الحكيم. وإن غابت عنا مقاصد خططه فياليت توجد داخل نفوسنا عقيدة واحدة وهي أن الله الصالح لا يصدر عنه أي شرٍ.

 

الشيطان لم يصر مضادا للصلاح بطبيعته:

8ـ نتناول أيضًا موضوع يتعلق بهذه الأمور التي فحصناها وهو الشيطان. ربما يتساءل أحد: إن كانت الشرور لا تأتى من الله فمن أين أتى الشيطان إذًا؟ حسنًا، ماذا يقول عن هذا؟

يكفي أن نجيب عن ذلك بنفس الإجابة التي أعطيناها عن الشر البشري. بمعني، كيف صار الإنسان شريرًا؟ أقول من استعداده الشخصى. أيضا على نفس المنوال: كيف صار الشيطان شريرًا؟ نفس الإجابة، كان الشيطان لدية حرية، كان بمقدرته أن يظل بالقرب من الله أو يتغرب عن الله الصالح.

غبريال كان ملاكا يقف دائما بالقرب من الله والشيطان أيضًا كان ملاكًا لكنه سقط من رتبته. إرادة الملاك غبريال هي التي حفظته في السماء، أما بالنسبة للشيطان فإن اختياره الحر هو الذي ألقى به الى أسفل. وبكل تأكيد كان بمقدور الملاك غبريال أن ينشق عن الله وكذلك كان بمقدور الشيطان الا يسقط. لكن محبة غبريال الملاك لله هي التي حفظته، بينما ابتعاد الشيطان عن الله جعله مطرودًا.

إذًا الشر هو الاغتراب والابتعاد عن الله. بالتفاته صغيرة من العين تجعلنا نكون تجاه الشمس أو تجاه ظل جسدنا. فالاستنارة والنور هما نصيب من نظر الى فوق أما الظلام فهو مصير ذلك الذي يلتفت نحو الظلال. هكذا فإن الشيطان صار شريرًا بارادته، ولم يصر مضادا للصلاح بطبيعته.

 

ولكن لماذا يحاربنا نحن البشر؟

لأن أي وعاء يحتوي على الشر يقبل أي مرض مثل الحسد، فالشيطان هذا الوعاء المملوء بالشر قد حسدنا من أجل المكانة التي منحها الله لنا. لم يطق أن نحيا في الفردوس بدون حزن. لذا خدع الإنسان بالدسائس والمكائد وانتهز فرصة اشتياق الإنسان لأن يتشبه بالله فخدعه وأظهر له بهجة الشجرة ووعده بأنه إذا أكل من ثمرتها سوف يصير مثل الله ” يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر ” (تك5:3).

لم يُخلق هذا الملاك “الشيطان” لكي يكون عدوًا لنا ولكنه من جراء الحسد إنتهى إلى هذه الحالة صائرًا عدوا لنا. وإذ رأى نفسه قد سقط من مكانة الملائكة فلم يستطع أن يرى الإنسان الأرضى يرتفع مترقيا نحو رتبة الملائكة.

9ـ إذن، بسبب أن الشيطان صار عدوا لنا، وضع الله في داخلنا عداوة ضده، وهذا نفهمه من وعد الله للحية التي كانت تخدم الشيطان، إذ قال لها ” وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها ” (تك15:3) لأنه حقا المصالحة مع الشر مؤذية جدا. لأن هذا هو ناموس الصداقة:

يؤثر الواحد في الآخر ويصيران ذات طبيعة متشابهه. وهذا يعبر عنه بالصواب ما هو مكتوب: ” المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة ” (1كو33:15).

لأنه كما أن الهواء الموجود في الأماكن الملوثة بالأمراض ينقل الأمراض خفية لمن يتنفسه، هكذا اعتياد فعل الشرور ينشئ في النفس شرورا عظيمة حتى لو كان الضرر لا يحدث طريقة مباشرة. لذلك لا مصالحة بيننا وبين الحية بل عداوة دائمة وإن كانت الأداة (الحية التي استخدمها الشيطان) تستحق مثل هذه العداوة فكم وكم العداوة التي تتناسب مع ذاك الذي كان السبب (الشيطان)؟! وقد يتساءل البعض: هل كان لابد أن توجد الشجرة في الفردوس حيث انطلق منها الشيطان ليفعل فعلته ضدنا؟ وأنا أتساءل أيضا:

إن لم يكن لديه طعم الخداع كيف كان سيقودنا بالعصيان الى الموت؟ لقد وجدت الشجرة لأنه كان ينبغي أن توجد الوصية التي بها يتم اختبار طاعتنا لله. كان لابد أن توجد شجرة تحمل ثمارًا شهية، حتى إذا تجنبنا هذه الثمرة وأظهرنا انضباطنا نستحق أن نأخذ حقا إكليل الصبر والرجاء.

لم ينتج عن الأكل من الشجرة المحرمة عصيان الوصية فقط بل أيضًا معرفة العُرى الجسدى لأنه مكتوب: ” فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان ” (تك7:3). كان ينبغي للإنسان ألا يعرف العُرى الجسدي حتى لا ينشغل عقل الإنسان بتعويض جسده المكشوف عن طريق صنع الملابس، وأيضًا حتى لا يتلذذ الإنسان بمنظر العري، وعلى أية حال فان الاعتناء الزائد بالجسد يجعلنا ننفصل عن الله بدلاً من أن نتجه دائما نحوه.

ولكننى أتساءل: لماذا لم تصنع الملابس في نفس الوقت الذي خلق فيه الإنسان؟ أقول: لم تصنع الملابس لأنه لم يكن هناك داع لوجود ملابس طبيعية في الكائن الحي. لأن الملابس الطبيعية هي شيء يتميز به الحيوانات غير العاقلة مثل الأجنحة والشعر والجلود السميكة التي تساعد الحيوانات على تحمل برد الشتاء وقيظ الصيف. وبالنسبة للحيوانات لا يختلف الواحد عن الآخر في شيء لأن الجميع لهم طبيعة متساوية. أما بالنسبة للانسان فهو ينال عطايا مختلفة قياسا بالمحبة التي يتمتع بها تجاه الله.

إذً كان يجب على الإنسان تجنب الاهتمامات الجسدية إذ هي ضارة، لذلك فإن الرب عندما دعانا ثانية الى حياة الفردوس أوصانا أن نقتلع من نفوسنا هذه الاهتمامات قائلا لنا: ” لا تهتموا بحياتكم بما تأكلون وبما تشربون. ولا لأجسادكم بما تلبسون أليست الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس ” (مت25:6).

إذًا لم يكن ينبغي للإنسان أن تكون له أغطية طبيعية ولا حتى صناعية، إذ كان معدًا له نوعا آخر من الأغطية إذا مارس الفضيلة. هذه الأغطية التي كانت لابد أن تغطى الإنسان بنعمة الله هي تلك التي يرتديها الملائكة، تلك الملابس المنيرة التي تفوق جمال الزهور، ولمعان وبهاء النجوم. لذا لم تعطى له الملابس مباشرة بعد خلقته، إذ كانت معدة له كمكافأة له إذا مارس الفضيلة، والحقيقة كان في يده أن يأخذها لكن للأسف بسبب تأثير الشيطان لم يستطع أن ينالها.

إذًا عدونا هو الشيطان الذي تسبب في سقوطنا لذا حدد لنا الله أن نجاهد ضد الشيطان حتى أننا بالطاعة نستطيع أن نتوج مرة ثانية بانتصارنا على الشيطان. ياليته لم يصر شيطانا وظل في مكانه الذي حدده له الله مدبر الكون.

وبسبب أن الشيطان صار عاصيا بالفعل وعدوا لله وعدوا للبشر الذين خلقوا بحسب صورة الله لذلك فهو يمقت الإنسان ويحارب الله إنه يكرهنا لأننا ملك الله وأيضا لاننا خلقنا بحسب صورة الله. استخدم الله ـ الذي يضبط كل الأشياء بحكمته ـ خداع الشيطان كوسيلة لكي تتدرب نفوسنا، مثل الطبيب الذي يستخدم سم الحية في صنع الدواء الشافى.

 

انحصار سيادة الشيطان بآلام مخلصنا الصالح:

حسنًا من هو الشيطان؟ وما هي مكانته ورتبته؟

أيضا لماذا سمى شيطان؟ يطلق عليه إسم شيطان لأنه مقاوم للصلاح. وهذه الكلمة العبرية شيطان” تعلمناها من سفر الملوك: ” وأقام الرب خصما لسليمان هدد الأدومى ” (1مل14:11). يطلق على الشيطان إسم “ديافلوس” لأنه صار هو نفسه معاون في فعل الخطية ثم يشتكى أيضا علينا، لأنه يفرح لهلاكنا ويقودنا لفعل الأعمال الشريرة.

طبيعة الشيطان غير جسدية كما قال بولس الرسول: ” فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات ” (أف12:6) وله رتبة ذات سيادة، لأنه يقول: ” مع الرؤساء مع السلاطين ولاة هذا العالم على ظلمة هذا الدهر “. ومكان سلطته هي المجال الهوائى كما يقول لنا بولس الرسول: ” حسب دهر هذا العالم حسب رئيس سلطان الهواء الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية ” (أف2:2) ويدعوه ” برئيس هذا العالم ” لأن سلطته هي حول الأرض.

والرب يقول هكذا: ” الآن دينونة هذا العالم الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجا ” (يو31:12) وأيضا يقول الرب: ” رئيس هذا العالم ياتى وليس له في شئ ” (يو30:14).

10ـ لكن بمناسبة أننا تكلمنا عن جنود الشيطان: ” أجناد الشر الروحية في السموات ” (أف12:6)، علينا أن نوضح تسمية السموات الواردة في هذه الآية. ينبغي علينا أن نعرف أن الكتاب المقدس يعتاد أن يسمى الهواء بالسماء، على سبيل المثال تعبير: ” طيور السماء ” (مت26:6)، و” يصعدون الى السموات ” (مز26:107). أي يرتفعون عاليا في الهواء. لذلك رأى الرب: ” الشيطان ساقطا مثل البرق من السماء. ها أنا أعطيكم سلطانا أن تدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ” (لو10: 18ـ19).

ولكن يسوع المسيح المخلص كرز لنا بملكوت السموات بعدما إنحصرت سيادة الشيطان الشريرة حول الأرض. هذا الانحصار للسيادة الشريرة هذه قد تم بفضل آلام المخلص الذي صالح الأرضيين مع السمائيين (كو20:20). لذا نرى يوحنا المعمدان يقول: ” إقترب ملكوت السموات ” (مت2:3)، والرب نفسه كرز في كل مكان بإنجيل الملكوت.

وقبل ذلك كرزت الملائكة قائلة: ” المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام ” (لو14:2)، وأيضًا الملائكة المملئون بالفرح بدخول ربنا الى أورشليم كرزوا قائلين: إن أصواتنا المنتصرة هي التي سوف تهتف بالانكسار الكامل للعدو الذي سيحدث في السماء حيث لاجهاد ولاصراع يتبقى لنا هناك. ولن يوجد أي أحد يقاومنا ويحاول إخراجنا من الحياة الطوباوية، لأننا سوف نستمتع بالميراث السمائى المُعَّد لنا مستمعين دائما بثمار شجرة الحياة التي لم نستطع أن نتمتع بها بسبب مكيدة الحية، إذ مكتوب: ” فطرد الإنسان وأقام شرقى جنه عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة ” (تك24:3) لكننا سنمر بدون عائق لندخل ونستمتع بالخيرات الأبدية بمعونة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقوة من الآن وإلى أبد الآبدين آمين.

الله ليس مسبب للشرور – للقديس باسيليوس الكبير – ترجمة د جورج عوض ابراهيم