أبحاث

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج1

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج1

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج1

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج1
مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج1

الجزء الثاني: مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج2

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

لابد وأنه قد أصبح واضحاً الآن، بعد كل الفحص السابق للتاريخ والفكر اللاهوتي، أن التقييم التقليدي للموقف غير الخلقيدوني من جانب الخلقيدونيين لم يعتمد على أي أساس حقيقي لا في تاريخ الصراع نفسه ولا في وجهة النظر العقائدية التي تمسك بها غير الخلقيدونيين. ويمكننا أن نرى هذه الحقيقة في أجلى صورها عندما نقارنها بالموقف الخريستولوجي الذي تبناه الجانب الخلقيدوني منذ القرن السادس.

وكما ذكرنا، كان الكيان الخلقيدوني وبالأخص في الشرق، قد حاول بطرق متعددة أن يُصلح العيوب التي أشار إليها معارضوه، ولكن بدون أن يعترف أن مجمع خلقيدونية ينبغي أن يُلام في أي شيء. وكان هذا هو الإطار الذي قدم فيه الجانب الخلقيدوني شرحه الخريستولوجي في القرنين السادس والسابع.

ويتعين علينا الآن أن ننظر بإيجاز في الموقف الذي تمسك به الجانب الخلقيدوني، ونرى إذا كان ـ بالرغم من دفاعه عن مجمع عام 451م ـ قد قدَّم بالفعل رؤية أكثر ملاءمة وقبولاً لبشرية المسيح من تلك التي أكدها الجانب غير الخلقيدوني، كما ادعى ذلك الباحثون المؤيدون لخلقيدونية.

وسوف نقوم في سبيل هذا البحث، بفحص الموقف العقائدي الذي تبناه مجمعا القسطنطينية عام 553م، وعام 680 – 681م على الترتيب، وهما اللذان يعتبرهما الكيان الخلقيدوني مجمعين مسكونيين،* وسوف نفحص أيضاً الفكر اللاهوتي الذي تمسك به لاهوتيو الجانب الخلقيدوني في كلا المجمعين.

وسنعتمد في هذا المجال على دراسة التفسيرات اللاهوتية لكل من يوحنا النحوي  (John the Grammarian) ـ الذي انتقده ساويروس الأنطاكي في واحد من أكبر كتبه ـ ويوحنا الدمشقي (John of Damascus). وهناك أسباب دعتنا لتفضيل اختيار هذين الرجلين عن ليونتيوس البيزنطي (Leontius of Byzantium) ومكسيموس المعترف (Maximus the confessor).

فبالرغم من أن اللاهوتيين البيزنطيين الأرثوذكس يستشهدون بكل من ليونتيوس ومكسيموس كمرجعين مقبولين لديهم، وبالرغم من أن كثير من الباحثين الغربيين يعتبرونهما من اللاهوتيين الخلقيدونيين المعترف بهم، إلا أن ديفيد بيشر (David Beecher Evans) قد أظهر في دراسته عن ليونتيوس[1] أن ذلك اللاهوتي الذي ظهر في القرن السادس كان في الحقيقة هرطوقياً يتمسك بفكر خريستولوجي  ينتمي إلى أوريجينوس، وأن مكسيموس كذلك الذي ظهر في القرن السابع من الممكن أن يكون أيضاً قد أخذ فكره المتحيز من نفس المصدر.[2]

وحيث إن مثل هذه الشكوك لم تُثار حول أي من يوحنا النحوي أو يوحنا الدمشقي، فسوف نقوم هنا بفحص موجز لتعاليمهما. وفي ظل غياب الكتاب الأصلي ليوحنا النحوي، سنعتمد في تلخيص فكره الخريستولوجي على مقتطفات من كتابه، كان البطريرك ساويروس الأنطاكي قد أوردها في رده عليه. أما بالنسبة ليوحنا الدمشقي فسنرجع في التعامل معه إلى أعماله التي نُشرت ضمن مجموعة “آباء الكنيسة” (The Fathers of the Church).[3]

 

2. مجمعا القسطنطينية:

لقد كان مؤلف كتاب ’الاقتباسات الكيرلسية‘[4] ويوحنا النحوي من أوائل الخلقيدونيين الذين ابتدئوا الفكر اللاهوتي الجديد في العقود الأولى من القرن السادس، وقد كُتب لهذا الفكر الانتصار في مجمع عام 553م، وهو الذي أسماه شارلز موللر[5] ’الخلقيدونية الجديدة‘ (neo-Chalcedonianism). وكما أظهرنا فيما سبق، فإن الموقف اللاهوتي الذي تبناه ذلك المجمع ـ ما عدا دفاعه عن مجمع خلقيدونية ـ كان في جوهره يقترب من نفس الموقف الذي يتمسك به الكيان غير الخلقيدوني.[6]

أما مجمع عام 680 – 681م فله تاريخ مختلف، لأنه هو الذي وضع نهاية عصر من الصراع بين فريقين داخل الكيان الخلقيدوني في الشرق. وكان أحد هذين الفريقين يتمسك بأن ’إرادة (will)‘ المسيح هي واحدة و’فعل (operation)‘ المسيح هو واحد في جميع الأحوال.

وحيث إن كاتب هذه الدراسة يشعر بأنه غير مؤهل لأن يوضح بالضبط وجهة نظر الرجال الذين دافعوا عن هذا التفسير، فلن يحاول السير في هذا الإتجاه.[7] وعلاوة على ذلك، بما أن اهتمامنا هنا هو فحص الفروق الحقيقية بين الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني حول هذا الأمر، فإن السؤال عن المفهوم اللاهوتي للرجال الذين أدانهم مجمع عام 680 – 681م يصبح ليس ذو أهمية لنا في السياق الحالي.

وقد صدَّق مجمع عام 680 – 681م على مجمع نيقية، والقسطنطينية، وأفسس، وخلقيدونية، والقسطنطينية الثاني.[8] وأشار المجمع إلى مجمع خلقيدونية بكونه مجمع “الآباء الستمائة والثلاثين الملهمين من الله ضد أوطيخا وديسقوروس المبغضين من الله”.[9]

وأكد المجمع (عام 680 – 681م) أن قانون إيمان نيقية والقسطنطينية يعتبر كافياً في حد ذاته، ولكن بما أن[10] الشيطان وجد رجالاً يستخدمهم كأدوات يقلق بهم الكنيسة، لهذا فقد أصبح إعلان الإيمان الذي أصدره المجمع ضرورياً.  وهؤلاء الرجال (الذين استخدمهم الشيطان) كانوا يروجون هرطقة وجود “إرادة واحدة وفعل واحد في الطبيعتين اللتين للمسيح، إلهنا الحقيقي، الواحد من الثالوث القدوس”.

وزعم المجمع أنه اكتشف (وجود) تلك الهرطقة في عدد من القادة في الجانب الخلقيدوني[11] بما في ذلك أربعة بطاركة سابقين للقسطنطينية، وواحد من باباوات روما، وبطريرك واحد لكل من الإسكندرية وأنطاكيا. وذكر المجمع في حكمه أن تأكيد أولئك الرجال على وجود “إرادة واحدة” و”فعل واحد” إنما يتضمن اعتبارهم أن ناسوت المسيح كان بلا إرادة وبلا فعل[12] وهو موقف مشابه لموقف أبوليناريوس. وأصر المجمع أن هذه الهرطقة “تشبه الاعتقاد الجنوني والشرير الذي لعديمي التقوى أبوليناريوس وساويروس وثيميستيوس”.[13]

وكان المجمع قد أكد بايجابية على ما يلي:

  • إنه ينبغي الاعتراف أن المسيح إله حقيقي وإنسان حقيقي، وهو واحد من الثالوث القدوس، وأنه كامل في اللاهوت وكامل في الناسوت.

  • إنه يوجد فيه (أي في المسيح) إرادتان طبيعيتان وفعلان. والإرادتان لا تناقض إحداهما الأخرى، ولكن الإرادة البشرية تعمل وفق (conforms to) الإرادة الإلهية وتخضع لها على الدوام.

  • إن كل طبيعة ـ على الرغم من أنها متحدة مع الأخرى ـ تريد وتفعل بدون اختلاط ولا انقسام.

  • إن الطبيعتين متحدتان في الهيبوستاسيس (الأقنوم) الواحد الذي يتمم المعجزات ويتحمل الآلام في طبيعتي اللاهوت والناسوت على الترتيب.

  • “لذلك نحن نعترف بإرادتين وبفعلين يتزامنان بتطابق كامل فيه (في المسيح) من أجل خلاص الجنس البشري.”

وقد تعامل مجمع عام 680 – 681م مع مسألة ’إرادة‘ و’فعل‘ المسيح، على أساس مبدأ لاهوتي هام وهو أن الطبيعتين اللتين تكوَّن منهما المسيح كانتا حقيقيتين وكاملتين. وبكونهما طبيعتين حقيقيتين وكاملتين، فإن كلاً من اللاهوت والناسوت كانت له خواصه وملكاته الخاصة به بدون أي نقصان.

وكانت القدرة على الإرادة والفعل موجودة في اللاهوت وكذلك في الناسوت أيضاً، ولذلك كان الله الكلمة لديه في ذاته القدرة الإلهية على الإرادة والفعل، كما أن الناسوت الذي وحَّده بنفسه كانت لديه أيضاً القدرة البشرية على الإرادة والفعل. وكان اهتمام مجمع عام 680 – 681م الواضح هو أن يؤكد هذا المبدأ اللاهوتي الأساسي، وهو الأمر الذي لم يكن محل تساؤل الإطلاق سواء بالنسبة للجانب الخلقيدوني أو غير الخلقيدوني.

ومع التسليم بتلك الحقيقة، ينبغي لنا أن نقدم بعض الملاحظات الخاصة بمجمع عام 680 – 681م:

أولاً، سواء كان رجال الجانب الخلقيدوني ـ الذين أدانهم المجمع كهراطقة ـ يرون أن ناسوت المسيح كان خالياً من القدرة على الإرادة والفعل أم لا، فالحقيقة أن البطريرك ساويروس والجانب الذي كان يدافع عنه لم تكن لديهم تلك الرؤية على الإطلاق. وعلى الرغم من أنهم كانوا بالفعل يصِّرون على تعبير ’إرادة واحدة‘ و’فعل واحد‘، إلا إنهم كانوا يؤكدون في نفس الوقت أن الطبيعتين كانتا حقيقيتين وكاملتين، بحيث أنه في المسيح الواحد كانت توجد كلتا الخواص والقدرات الإلهية والبشرية بدون أي نقصان، ويمكننا أن نميِّز بينهما على مستوى الذهن (الفكر).

كما أكدوا أيضاً أن طاعة المسيح لإرادة وعمل الآب كانت أمراً لا غنى عنه لأجل خلاص العالم.  وعلاوة على ذلك كانوا يرون (أي البطريرك ساويروس وبقية الجانب غير الخلقيدوني) أن آلام المسيح وموته هي الوسيلة التي تمم بها فداء الجنس البشري. وبالإضافة إلى كل ما ذكرناه، أوضحوا أنه لا يوجد هناك اختلاط أو انقسام في المسيح الواحد، مما يعني أن الناسوت ظل ناسوتاً دون أن يختلط مع اللاهوت في المسيح الواحد، والعكس بالعكس. 

وغني عن البيان هنا أنه لم يكن من الممكن لغير الخلقيدونيين أن يقدِّموا كل تلك التأكيدات بدون أن يكون لها أساس حقيقي. وهكذا فكما كانت عبارتهم “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” لا تتضمن أي تجاهل أو رفض لأي من الطبيعتين، فكذلك لم يكن القصد من تعبيري ’إرادة واحدة‘ و’فعل واحد‘ هو تأكيد ضياع أو سلبية إحدى الحقيقتين اللتين دخلتا في الإتحاد.

وبحسب وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني، فإن ’الإرادة‘ و’الفعل‘ هما التعبير (expression) عن ملكة الاختيار وملكة العزم (على الفعل) (volitional and conative faculties)، المتأصلتين في كل طبيعة، ولكن الشخص أو الهيبوستاسيس هو الذي يظهرهما.

فملكتا الاختيار والعزم (على الفعل) لكل من اللاهوت والناسوت كانتا كاملتين بدون أي نقصان أو اختلاط في المسيح الواحد الذي يقوم أقنومه الواحد بالتعبير عنهما.* ولم يكن تقليد غير الخلقيدونيين (السكندري) يتحدث عن ’إرادتين طبيعيتين‘ و’فعلين طبيعيين‘ لأن ذلك من وجهة نظرهم يتضمن وجود شخصين، ولكن هذا لم يكن يعني أنهم أكدوا على وجود طبيعة إلهية ناقصة أو طبيعة بشرية متقلصة، بل قد أنكروا كلا الوضعين قطعياً. وكان اهتمامهم الأول هو الاعتراف بحقيقة الطبيعتين وكمال كل منهما، بدون التخلي عن تأكيد وحدة المسيح.

وقد يكون الإصرار على تعبيري ’إرادتين طبيعيتين‘ و’فعلين طبيعيين‘ جائزاً لدى اللاهوتيين المنتمين للتقليد المؤسس على الخطاب العقائدي للبابا ليو، ولكن هذان التعبيران بالنسبة للذين نشأوا على التراث اللاهوتي الكيرلسي، كانا من الممكن أن يتضمَّنا تقسيماً للمسيح الواحد إلى مركزين للوجود والفعل.

وهكذا مثلما كان مجمع خلقيدونية متعجلاً جداً في تبني عبارة ’في طبيعتين‘، كان مجمع عام 680 – 681م هو الآخر متسرعاً جداً في التأكيد على عقيدة ’إرادتين‘ و’فعلين‘، وإدانة عقيدة ’إرادة واحدة‘ و’فعل واحد‘ بدون فحص مدقق للقضية محل النقاش.

ثانياً، زعم المجمع أنه يؤكد أن هيبوستاسيس المسيح هو واحد. وقد أصر المجمع في الحقيقة على أن كلاً من المعجزات والآلام هي لنفس الشخص أو الهيبوستاسيس، ولكنه ذكر في نفس الوقت أيضاً أن كل طبيعة تريد وتفعل الأشياء اللائقة بها. فما هو إذن الهيبوستاسيس؟ أليست الطبيعتان اللتان تريدان وتفعلان هما هيبوستاسيسين؟ وهل يختلف هذا الهيبوستاسيس الواحد (الذي تكلموا عنه) من أي ناحية عن البروسوبون الواحد الخاص بالمدرسة النسطورية؟

وينبغي علينا، ونحن نطرح هذه الأسئلة، أن نتذكر أن تلك كانت إحدى الأمور التي أشار إليها البطريرك ساويروس ضد مجمع خلقيدونية، وقد فشل مجمع عام 680 – 681م في الرد عليها. ولكن يزعم كل من يوحنا النحوي ويوحنا الدمشقي أن لديهما إجابات مرضية على تلك الأمور.

 

3. يوحنا النحوي:

يوحنا النحوي، هو أحد رجال الجانب الخلقيدوني في بدايات القرن السادس، وقد أخذ على عاتقه مهمة الدفاع عن مجمع عام 451م ضد البطريرك ساويروس الأنطاكي. ويعتبر يوحنا النحوي هو الشخص الذي وضع الأساس لكل تطور لاحق في التعليم الخريستولوجي الخلقيدوني.

(أ) تعريف المصطلحات:

إن الفقرات التي اقتبسها البطريرك ساويروس من كتاب يوحنا النحوي، لا تحتوي في الواقع على إشارات كافية نستطيع من خلالها أن نصل إلي تعريف شامل لمعاني المصطلحات عنده. ولكن كانت هناك فقرة واحدة قام فيها النحوي بتعريف مصطلحات ’أوسيا‘، و’هيبوستاسيس‘ و’فيزيس‘ نوردها فيما يلي:[14]

“يدل ’الأوسيا‘ على ما هو عمومي (the common) مثل اللاهوت الواحد الذي للثالوث القدوس أو مثل الناسوت بصفة عامة. أما ’الهيبوستاسيس‘ فيشير إلى ’البروسوبون‘ الواحد الذي للآب، و(البروسوبون) الذي للابن و(البروسوبون) الذي للروح القدس؛ أو أيضاً الذي لبطرس أو يوحنا أو أي رجل. وتُعرَّف ’الفيزيس‘ في بعض الأحيان مع الأوسيا وفي بعض الأحيان مع الهيبوستاسيس”.

ونلاحظ من التفسير المبدئي لتلك الفقرة الواضحة، أنه لا يوجد أي فرق ظاهر في تعريف المصطلحات اللاهوتية بين البطريرك ساويروس ويوحنا النحوي. وحتى يوحنا الدمشقي كان يمكنه أيضاً أن يتفق معهما في ذلك التعريف.

ولكن عند استخدام هذه المصطلحات في التفسيرات المتعلقة بشخص المسيح، نجد أن البطريرك ساويروس يختلف مع النحوي في أمرين على الأقل:

الإختلاف الأول: عندما يشير النحوي إلى ’العمومي‘ كمدلول للأوسيا فإنه يأخذه في المعنى المجرد، لذلك استطاع أن يعترف بإمكانية تصور ’الأوسيا‘ (لنوع ما) قائماً بذاته بعيداً عن كل الأعضاء الفردية لذلك النوع. وقد جعله هذا (التصور) يأخذ مصطلح ’طبيعة‘ أو ’فيزيس‘ في عبارتي “من طبيعتين” و”في طبيعتين” بمعنى ’الأوسيا‘ كحقيقة عامة مجردة (وليست مخصخصة).

ولذلك كتب النحوي: “وهكذا كان في المسيح اتحاد لإثنين من الأوسيا”.[15] وعلى النقيض من هذا، كان البطريرك ساويروس معارضاً لهذا الفهم،[16] حيث وجد ـ في ضوء تعريفه للمصطلحات السابقة ـ أنه إذا أخذنا الطبيعتين بمعنى ’الأوسيا‘ (كحقيقة عامة) فإنه من المستحيل أن نتصور إمكانية أن يتحدا ’هيبوستاسياً‘.[17]

الاختلاف الثاني بين النحوي والبطريرك ساويروس نراه في إدعاء الأول أن مصطلح ’طبيعة‘ الذي ورد في عبارة ق. كيرلس “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” لم يكن بمعني ’الأوسيا‘، رغم أن هذا كان هو معنى الكلمة في عبارتي “من طبيعتين” و”في طبيعتين”، وقد عبَّر النحوي عن ذلك بقوله:[18]

“ولذلك عندما يتكلم ق. كيرلس عن ’الطبيعة‘ بذاتها بدون إضافة كلمات “لله الكلمة”، فهو يشير إلى ’الأوسيا‘ وبالتحديد عمومية اللاهوت”.

ويصر البطريرك ساويروس في رده على النحوي في تلك النقطة على أن ق. كيرلس لم يأخذ مصطلح ’طبيعة‘ في الإشارة إلى المسيح، إلا فقط بمعنى حقيقة أقنومية (hypostatic reality). ولا توجد فقرة واحدة في الاقتباسات التي أوردها البطريرك ساويروس (من كتاب يوحنا النحوي) توضح المعنى الذي كان يراه يوحنا لكلمة ’طبيعة‘في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”.

ولكن يمكننا من سياق الكلام، أن نفترض أنه كان يأخذها بمعنى ’هيبوستاسيس‘. ويرى يوحنا الدمشقي أن كلمة ’طبيعة‘ التي في العبارة لا تعني ’العمومي‘ الذي نجده في أشخاص الثالوث الثلاثة ولا تعني شخص الله الكلمة، ولكنها هي “الطبيعة العمومية التي تعتبر بكمالها في شخص الكلمة”.[19]

وحيث إن الابن له نفس الأوسيا الواحد الذي للآب وللروح القدس، فإن عبارة الدمشقي تعتبر عبارة مضللة، لأنه على سبيل المثال ما هو الفرق بين ’العمومي‘الذي نجده في أشخاص الثالوث الثلاثة والطبيعة العمومية التي تعتبر بكمالها في شخص الكلمة أو الابن؟. ومع ذلك كان التمييز بين لاهوت الابن (أي الأوسيا) والابن نفسه (أي الهيبوستاسيس) يتضمن تعليماً ينبغي التسليم به، وكان البطريرك ساويروس وبقية اللاهوتيين غير الخلقيدونيين يؤيدون هذا المفهوم بدرجة لا تقل عما يفعله يوحنا الدمشقي.

وما يجب أن نؤكد عليه هنا هو إصرار البطريرك ساويروس الأنطاكي على أن كلمة ’فيزيس‘ أو ’طبيعة‘ عند ق. كيرلس ينبغي أن تؤخذ في جميع العبارات (التي تشير للمسيح) بمعنى حقيقة محددة (concrete reality) وليس بمعنى الحقيقة العامة المجردة.

ومن الثابت أن ق. كيرلس واللاهوتيين غير الخلقيدونيين وكذلك يوحنا الدمشقي نفسه كانوا يرفضون فكرة أن ناسوت المسيح أُحضر للوجود منتمياً لشخص بشري قبل أن يُوحَّد بالله الابن، ولكن البطريرك ساويروس كان يصر على أن الناسوت الذي اتخذه الكلمة في التجسد كان في الحالة الأقنومية أي أنه كان ناسوتاً مخصخصاً ومتفرداً (individuated manhood). وبهذا التأكيد حفظ البطريرك ساويروس الحالة الأقنومية للناسوت بدون الوقوع في عقيدة وجود شخصين في المسيح.*

أما بالنسبة لمصطلح ’بروسوبون‘، فلا تحتوي الاقتباسات (التي أوردها ساويروس عن النحوي) على كثير من الأدلة التي نستطيع من خلالها أن نحدد وجهة نظر النحوي. وقد ذُكر هذا المصطلح في فقرة واحدة جاء فيها:[20]

“والهيبوستاسيس الذي تكوَّن، ينبغي أن نفهمه كبروسوبون”. فهل يعني هذا أن ’الهيبوستاسيس‘ والبروسوبون‘ هما مترادفان عند النحوي؟ أم يعني أنه عندما يتكون الهيبوستاسيس يصبح له البروسوبون الخاص به؟ والمفهوم الأخير  ـ كما ذكرنا ـ كان هو المفهوم الذي يتمسك به البطريرك ساويروس.

 

(ب) نقد الموقف غير الخلقيدوني:

كان يوحنا النحوي يتهم الموقف غير الخلقيدوني ـ الذي يعبِّر عنه البطريرك ساويروس ـ بالتمسك بخطأين:

أولاً: قام النحوي بتفسير مصطلح ’طبيعة‘ بمعنى ’الأوسيا‘، ثم أصر على أن البطريرك ساويروس والجانب غير الخلقيدوني عندما يؤكدون على “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” ويستبعدون “في طبيعتين”، فإنهم بذلك يعترفون بعقيدة  (وجود) أوسيا واحد في المسيح، حيث يقول النحوي:[21]

“هو (أي ساويروس) يتكلم عن أوسيا واحد للجسد والروح. وبنفس الطريقة هو يعتبر أن الرب واحد مع جسده. فمن الجلي أنه يقصد أوسيا واحد وليس بروسوبون (واحد) كما يتضح من الأدلة التي أظهرها”.

ويكرر النحوي هذا الإدعاء مراراً فنجده يقول: “وهو (أي ساويروس) لا يتنازل عن (مفهوم) ’الأوسيا الواحد‘، ولكنه يخلط ويفسد كل الأشياء. فكل شيء (عنده) هو جسد فقط؛ وقد حاول التملص من الروح العاقل.[22]

وقد أورد البطريرك ساويروس العبارة السابقة مع العديد من الاقتباسات الأخرى من كتاب النحوي ـ كما ذكرنا سابقاً[23] ـ والتي وجه من خلالها النحوي نفس اتهامه. وقد تحدى البطريرك ساويروس منتقده إن كان يستطيع أن يريه مثلاً واحداً على الأقل، سواء في كتاباته أو كتابات أي واحد من المقبولين في الجانب غير الخلقيدوني، يؤيد اتهامه هذا. وهكذا أنكر البطريرك ساويروس بشدة المعنى الذي رآه النحوي عنده، وهو الاعتراف (بوجود) ’أوسيا واحد‘ في المسيح.

ثانياً: اتهم يوحنا النحوي البطريرك ساويروس الأنطاكي أن تعــريفه لمصطلــح ’طبيــعة‘ بمعني واقـــــع خـــــــــاص محدد (concrete particular)، هو ضد تعليم الآباء. وقد كتب النحوي: “لقد تعلمنا من الآباء أن المسيح واحد في ذات الجوهر مع الله الآب وواحد في ذات الجوهر معنا. وهم لم يعلِّموا أن الابن له ذات الهيبوستاسيس مع الآب ولا أن له ذات الهيبوستاسيس معنا.”[24]

وفي رده على هذا الإتهام أقر البطريرك ساويروس ـ متفقاً مع النحوي ـ أن الآباء لم يعلِّموا أن الابن له ذات الهيبوستاسيس مع الآب ولا أن له ذات الهيبوستاسيس معنا.* وأكد البطريرك ساويروس أن تفسيره للعقيدة لم يتضمن أي من هذين المعنيين، وأضاف أن الآباء على النقيض من ذلك علَّموا أن:[25]

“المسيح هو واحد في ذات الجوهر مع الآب فيما يخص اللاهوت، وكذلك واحد في ذات الجوهر معنا نحن البشر فيما يخص الناسوت. وهذا لأنه بغير تغيير وبغير تقسيم هو واحد من كلا اللاهوت الذي للكلمة والجسد البشري الواحد الذي اتخذه من مريم الذي هو جسد مُحيَ بروح مفكر وعقل”.

فالله الابن هو الذي صار متجسداً، وحيث إن الابن واحد في ذات الجوهر مع الله الآب، لذلك فإن المسيح ’الابن المتجسد‘ هو واحد في ذات الجوهر مع الله الآب. وعلى نفس النحو، فإن ناسوت المسيح بكونه الأوسيا البشري الكامل الذي تفرد وتخصخص (individuated) في الاتحاد مع الله الابن، فهو يظل متواصلاً مع بشريتنا. ولهذا فإن يسوع المسيح هو في نفس الوقت له ذات الجوهر مع الآب وله ذات الجوهر معنا. وإذا أخذنا مصطلح ’طبيعة‘ بمعنى واقع خاص معين، فإن ذلك لا يتضمن معنى أن المسيح له ذات الهيبوستاسيس مع الآب وله ذات الهيبوستاسيس معنا.[26]

(ج) شخص يسوع المسيح:

لقد أكد النحوي على حقيقة لاهوت المسيح وناسوته. فبكونه الله، هو الابن الأقنوم الثاني من الثالوث القدوس، الذي له ذات الجوهر مع الآب ومع الروح القدس. ولذلك فإن الابن له نفس الأوسيا بكماله كما هو الحال بالنسبة للآب.

وكتب النحوي:[27] “نحن نعترف أن كل هيبوستاسيس هو يملك كل مضمون (فحوى) اللاهوت”. ولذلك عندما نقول أن “الثالوث له ذات الجوهر الواحد”، فنحن نعني أن “نفس الأوسيا مُتضمَّن بالكامل” في كل واحــد من الأقــــانيم الثـــلاثة. “فالآب له الأوســـيا بكمـــــاله (in perfection)، وكذلك أيضاً لكل من الابن والروح القدس الأوسيا بكامله. ولهذا فإن الآب هو إله كامل؛ والابن هو إله كامل؛ والروح القدس هو إله كامل.” وكان النحوي واضحاً في أن “الآب ليس هو الذي صار متجسداً”، لأن الابن ليس هو الآب، ولا هو الروح القدس. “إنه الابن هو الذي صار متجسداً”، وهو (أي الابن) الذي له ’أوسيا‘ اللاهوت كاملاً. ولذلك نحن نقول مع بولس الرسول أن كل ملء اللاهوت كان موجوداً في يسوع المسيح جسدياً.[28]

وبعد تأكيده على ألوهية المسيح، مضى النحوي ليشرح بشريته، وتساءل: “كيف يمكننا ونحن نعترف أنه إنسان تام كامل، ألاّ نقر أن فيه كل ’أوسيا‘ الناسوت؟ لأنه لم يتخذ جزءاً من الناسوت كما ادعى أبوليناريوس أي جسداً بدون روح عاقل، ولكنه اتخذ ’الأوسيا‘ بكامله أي جسد ممنوح روحاً عاقلاً ومفكراً. وحيث إن هذا هو الموجود تماماً في كل الكائنات البشرية كحقيقة عمومية، لذلك يشار إليه بـ ’الأوسيا‘. وهم (أي الكائنات البشرية) لا يتمايزون الواحد عن الآخر في ’الأوسيا‘، وإنما في الصفات الخاصة التي تصاحبهم أي الحجم واللون وتلك هي التي تُذكر كمواصفات للبروسوبون.”[29]

وهنا ينبغي علينا أن نلاحظ نقطتين أكد عليهما النحوي بالنسبة لناسوت المسيح. النقطة الأولى هي كمال ناسوت المسيح، وبالتالي فإن كل الخواص والقدرات (الملكات) التي تصاحب الناسوت الكامل كانت في ناسوت المسيح بدون أي نقصان. ولم تكن هذه النقطة محل خلاف بين النحوي والبطريرك ساويروس ولا بين الجانب الخلقيدوني وغير الخلقيدوني. أما النقطة الثانية فكانت اصراره على أن الأوسيا هو ’الحقيقة العمومية‘ التي في كل البشر.

وقد أخذ النحوي هنا ناسوت المسيح بمدلول ’الأوسيا‘ بالمعنى المجرد بدون التسليم بأنه (أي الناسوت) هو ’هيبوستاسيس‘. ومن الواضح أنه كان مهتماً بتجنب عقيدة وجود ’هيبوستاسيسين‘ أو شخصين في المسيح الواحد.

ويبدو أنه قد ميَّز بين ’الهيبوستاسيس‘ والحقيقة الخــــاصة المحددة (concrete particular)، لذلك اعترف أن ناسوت المسيح كان واقعاً خاصاً محدداً، أي جسداً أُعطي روح عاقل مفكر (ولكنه مع ذلك لم يعترف به كهيبوستاسيس).* وعلى الجانب الآخر كان البطريرك ساويروس يستطيع أن يعترف ليس فقط أن ناسوت المسيح كان واقعاً خاصاً محدداً، ولكنه أيضاً كان في الحالة الأقنومية (hypostatic).

وقد تجنب البطريرك ساويروس ـ كما ذكرنا ـ عقيدة وجود شخصين (في المسيح)، أولاً بالإصرار على أن الناسوت أصبح في الحالة الأقنومية فقط في الإتحاد مع الله الكلمة، وثانياً من خلال مفهومه عن ’الهيبوستاسيس المركب‘. ومن هنا نرى أن كلاً من الرجلين يوحنا النحوي والبطريرك ساويروس كانا متفقين مبدئياً في مفهومهما اللاهوتي حتى فيما يخص النقطة الثانية، ولكنهما كانا يختلفان في مسألة الحالة الأقنومية لناسوت المسيح.

أما بالنسبة للعبارات الخريستولوجية، فكان النحوي واضحاً في أن كلتا العبارتين “من طبيعتين” و”في طبيعتين” مقبولتين، وأن مصطلح ’طبيعة‘ يشير إلى ’العمومي‘. وحيث إن ناسوت المسيح لم يكن بالنسبة له ’هيبوستاسيس‘، فقد أصر النحوي على أنه لم يكن ناسوت إنسان (مستقل) معين (particular man)، وكان هذا أيضاً هو ما أكده مراراً كل من البطريرك ساويروس ومار فيلوكسينوس أسقف منبج.

وكان البطريرك ساويروس هو الذي ركز على مفهوم أن الناسوت كان ’في الحالة الأقنومية‘، أما مار فيلوكسينوس فقد أكد على الخاصية ’المركبة‘ (composite) التي للمسيح ولكنه لم يتناول الحالة ’الأقنومية‘ لناسوته. وكان مار فيلوكسينوس في الحقيقة يمثل موقفاً خريستولوجياً أقل نضجاً من البطريرك ساويروس الأنطاكي في تلك النقطة بالتحديد.

وهناك نقطة أخرى لها صلة بالموضوع نفسه يتعين علينا أن نذكرها هنا، وهي أن يوحنا النحوي قد يكون أول لاهوتي خلقيدوني ـ ممن وصلت كتاباتهم إلينا ـ يُسلِّم بأرثوذكسية عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”. وحينما أقر النحوي بهذا الأمر، كان يؤكد أيضاً أن المعنى الذي أستخدم فيه ق. كيرلس هذه العبارة لا يتعارض مع عبارة مجمع خلقيدونية “في طبيعتين”.

وفي الحقيقة حاول النحوي من خلال زعمه بسلطة وشرعية صيغة إعادة الوحدة ومن خلال الاعتماد على دفاع ق. كيرلس عن تعبير “طبيعتين” الوارد فيها، أن يدافع عن مجمع خلقيدونية من خلال الإدعاء بأن ق. كيرلس كان يعلِّم بأنه “لا فرق بين التأكيد على طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، وبين الاعتراف بأن عمانوئيل هو بغير تقسيم متحد في طبيعتين”.[30] وأقر النحوي ـ كما رأينا ـ أن صيغة “طبيعة واحدة” هي صيغة ضرورية بالضبط مثل صيغة ’طبيعتين‘ من أجل الحفاظ على الأرثوذكسية، فالأولى لأجل استبعاد النسطورية والثانية لنبذ الأوطيخية.[31]

ومن وجهة نظر البطريرك ساويروس، كانت الصيغتان تتناقضان مع بعضهما البعض، ولذلك فإنه من غير الممكن أن تكون كلتاهما أرثوذكسيتين في نفس الوقت. وهكذا انفصل البطريرك ساويروس الأنطاكي ويوحنا النحوي عن بعضهما (في الفكر) بدون أن يدركا أنهما كانا بطريقة أو بأخرى متفقين في جوهر الشرح اللاهوتي.

أما القضية الوحيدة بينهما التي كانت بالفعل تحتاج إلى تسوية فلم تكن مسألة ’المونوفيزيتيزم‘ (الطبيعة الوحيدة) في مقابل ’الديوفيزيتيزم‘ (الطبيعتين)، ولكن القضية كانت في التساؤل عن مَن يكون هيبوستاسيس المسيح الواحد. وقد حاول النحوي أن يؤكد أن الهيبوستاسيس الواحد كان هو هيبوستاسيس الله الكلمة الذي بالإضافة لطبيعته الإلهية وحَّد بنفسه ناسوتاً كطبيعة ثانية.

أما البطريرك ساويروس على الناحية الأخرى فكان يصر أنه (أي الهيبوستاسيس الواحد) كان هو الهيبوستاسيس المتجسد لله الكلمة* وهو بذلك كان هيبوستاسيس ’مركب (composite)‘.

 

*  وهما المجمع الخامس والمجمع السادس في سلسلة المجامع السبعة التي يعترف بها الجانب الخلقيدوني والتي بدأت بمجمع نيقية عام 325م.

[1] David Beecher Evans: Leontius of Byzantium: An Origenist Christology, Dumbarton Oaks Studies, Thirteen, 1970.

[2]  المرجع السابق صفحة 146.

[3] St., John of Damascus: writings, Tr., Frederic H. Chase, Jr., NewYork, 1958.

[4]  انظر صفحة 376.

[5]  مرجع سابق.

[6]  انظر صفحة 272 وما يليها.

[7]  من الأسلوب الذى اتبعه هذا المجمع في تقييم اللاهوتيين غير الخلقيدونيين بشكل غير صحيح، يمكننا أن نتساءل عما إذا كان المجمع قد أخطأ أيضاً في تفسيره لموقف هؤلاء الرجال.

[8] Nicene and post-Nicene Fathers, sec. ser., vol. XIV, p. 344.

[9] المرجع السابق صفحة 344.

[10] المرجع السابق صفحة 344.

[11] الرجال المشار إليهم هم:

Theodorus of Pharan; Sergius, Pyrrhus, Paul and Peter of Constantinople; Honorius of Rome; Cyrus of Alexandria; Macarius of Antioch; Stephen; and Polychronius.

[12] هل من الممكن أن يكون هذا بالفعل هو إعتقادهم؟.

[13] عن ثيميستيوس انظر صفحة 508.

*   إذاً كانت الإرادة والفعل من وجهة نظر الجانب الخلقيدوني هما من ملكات الطبيعتين، ولذلك كان يصر على أن المسيح له إرادتان وفعلان. ولكن من وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني، فإن الإرادة والفعل هما التعبير عن ملكتي القدرة على الاختيار والقدرة على الفعل، وحيث إن التعبير يخص الهيبوستاسيس الواحد لذلك فهو تعبير واحد، أي إرادة واحدة وفعل واحد. لأن الهيبوستاسيس هو الذي يستطيع فقط أن يُظهر الإرادة والفعل (أي يجعلهما واقعاً).

فالقدرة على الاختيار والقدرة على الفعل هما من الملكات العامة للطبيعة ولكن الهيبوستاسيس هو الذي يُظهر الإرادة ويعبر عنها ويظهر الفعل ويعبر عنه

[14] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 145.

[15] المرجع السابق صفحة 146.

[16] انظر صفحة 462 ومايليها.

[17] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 200.

[18] المرجع السابق صفحة 166.

[19] John of Damascus, op. cit., p. 291.

*   القول بأن الناسوت كان في الحالة الأقنومية لا يعني أنه كان أقنوماً مستقلاً أٌضيف إلى أقنوم الكلمة وإنما يعني أن الناسوت أُوجد في التجسد مخصخصاً ومتفرداً وليس بالمعنى العام المجرد.

[20] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 179, 199.

[21]  المرجع السابق صفحة 34.

[22]  المرجع السابق صفحة 38.

[23]  انظر صفحة 462.

[24]  المرجع السابق صفحة 252.

*   من الواضح أن مصطلح ’طبيعة‘ عند النحوي كان يعني نفس معنى الأوسيا (الحقيقة العامة المجردة)، ولذلك كان يفسر عبارة “في طبيعتين” بمعنى في جوهرين واعتبر أن طبيعة واحدة إنما تعني “أوسيا واحد”.

ويبدو أنه رأى أن عبارة واحد مع الآب في الجوهر وواحد معنا في الجوهر هي مرادف لواحد مع الآب في الطبيعة وواحد معنا في الطبيعة، لأنه حينما وجد تفسير ساويروس للطبيعة بأنها وجود خاص محدد، رأى أن هذا هو مدلول ’الهيبوستاسيس‘ وكان ذلك يعني بالنسبة له أن المسيح له نفس الهيبوستاسيس مع الآب وله نفس الهيبوستاسيس معنا.

[25] المرجع السابق صفحة 253.

[26] المرجع السابق صفحة 255.

[27] المرجع السابق صفحة 153.

[28] كولوسى 2: 9.

[29]  Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 154.

*   انظر الفرق بين يوحنا النحوي والبطريرك ساويروس في تفسيرهما لمدلول الهيبوستاسيس في الملحق الموجود في نهاية الكتاب.

[30] المرجع السابق صفحة 107- 108.

[31] انظر المرجع رقم 3 صفحة 459.

*  كان البطريرك ساويروس يتبع في ذلك تعليم ق. كيرلس الذي ذكر في رسالته الثالثة إلى نسطوريوس أن كلا الأقوال الإنسانية والأقوال الإلهية قد قيلت بواسطة شخص واحد هو هيبوستاسيس الكلمة الواحد المتجسد (الهيبوستاسيس المركب).

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج1