أبحاث

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج1 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا - الأصحاح الأول ج1 - القديس كيرلس الاسكندري - ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج1 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا - الأصحاح الأول ج1 - القديس كيرلس الاسكندري - ترجمة: د. جورج حبيب بباوي
شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج1 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

 

الجزء الثاني: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج2 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الثالث: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج3 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الرابع: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج4 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الخامس: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج5 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

مركز دراسات الآباء – نصوص الآباء

شرح انجيل يوحنا – للقديس كيرلس الإسكندري

ترجمه عن الإنجليزية – د. جورج حبيب بباوي

مراجعة د. نصحي عبد الشهيد

 

مقدمة بقلم كيرلس الإسكندري

        ان اتفاق الحق، والتعلم من الله هو ما يميز عقل الانجيليين القديسين، لأنهم بالقوة الفائقة التي نالوها ينظرون – مثل الذين يقفون على رأس جبل او مكان مراقبة عال يشاهدون منه كل الاتجاهات، فيقدمون ما ينفع السامعين – ويقنعونهم بغيرة بكل ما يمكن ان يكون لفائدة المتعطشين للحق الكامن في التعاليم الإلهية ولأنهم قد حددوا لأنفسهم هدفاً صالحاً فانهم يفتشون عن الخطة المختفية في الاسفار الإلهية.

        لأن الله لا يعلن الحق للذين يبحثون بفضول ويجدون لذة في احابيل وفخاخ الجدل، بل يعلن الروح القدس الحق للذين يفرحون بالحق لأنه لا يسكن في النفس المملوءة بالغش (حكمة 1: 4)، ولا يطيق ان يلقي باللؤلؤ الذي يخصه تحت أقدام الخنازير (متى 7: 6)، بل يفرح بالروح ويسر بالشركة التي له مع أصحاب العقول النقية لأن دوافعهم للمعرفة ليس فيها مكر، فهم يهربون من المكر، وعندما تسكن فيهم الحكمة يصاحبها الخوف من الخطأ او اتخاذ طريق آخر غير الطريق الملوكي المستقيم، لأن من يسلك بنقاء يسلك بثقة كما يقول سليمان (أم 10: 9).

        ومع ان للإنجيليين دقة عجيبة في الكتابة، (قال عنها المخلص: ليس أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم) (متى 10: 20)، الا انه يمكن ان نقول ان انجيل يوحنا قد كتب بشكل يفوق الباقين، وهذا يمكننا ان نراه إذا دققنا في الأفكار وفي حدة ذكائه واقترابه الشديد من جوهر الأحداث. ومع ان الانجيليين اشتركوا معاً في شرح التعاليم الإلهية، وبدأ الكل من نقطة انطلاق وأحدة مثل انطلاق المتسابقين نحو نهاية السابق، الا انهم استعملوا اساليب مختلفة مما جعلهم يشبهون اشخاصاً تلقوا أمراً بأن يجتمعوا معاً في مدينة وأحدة، ولكن كل وأحد منهم فضل ان يسلك طريقه الخاص به وليس الطريق العام المطروق.

        وهذا ما نراه في دقة الانجيليين في تحديد نسب المخلص حسب الجسد، وأحد منهم اختار من ابراهيم نازلاً خطوة بعد خطوة إلى يوسف، والآخر اختار من يوسف صاعداً إلى آدم. أما يوحنا المبارك فلم يهتم بالمرة بهذه الأمور بل نراه برغبة نارية وعقل يرغب في الأمور التي تعلو العقل الإنساني فتجاسر واقترب لكي يشرح الميلاد الفائق الذي لا يمكن الاحاطة به اي ميلاد الكلمة الله. فهو يعلم ان “مجد الله اخفاء الأمر” (أمثال 25: 2)، والكرامة التي تليق بالله تفوق فهمنا وادراكنا ومن الصعب ان يدرك أحد او يشرح، صفات الطبيعة الإلهية.

        ولكن من الضروري في بعض الأحوال ان يقيس الله السماء بشبر (اشعياء 40: 12) وان تعجز مقاييس الطبيعة الإنسانية عن الاقتراب إلى الذي لا يمكن الاحاطة به، والذي يصعب ان يشرحه أحد، ولكن لكي يجعل هذا الاقتراب مختفياً للذين لا يعلمون التعليم الصحيح بل يضلون البسطاء (1تي 6: 4) ولكنه مكشوف للقديسين الذين هم شهود عيان وخدام للكلمة (لوقا 1: 2). فانه يأتي بسرعة وغيرة إلى ذات جوهر التعاليم الإلهية صارخاً بصوت عال “في البدء كان الكلمة. والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا بذاته كان في البدء عند الله”.

        واعتقد ان الذين يدرسون الاسفار المقدسة، يمكنهم الاستعانة بكل الكتابات الأمينة والصالحة والخالية من الأخطاء. وهكذا يجمعون افكاراً لكثيرين في وحدة وأحدة لخدمة الرؤيا وإدراك الحق. هؤلاء يرتفعون إلى مستوى جيد من المعرفة ويتشبهون بالنحلة او المرأة الحكيمة النشيطة التي تجمع شهد العسل الذي للروح القدس.

        لقد أفادنا الذين يحبون البحث انه بعد صلب المخلص وصعوده إلى السماء، هاجم رعاة سوء ومعلمون كذبة – مثل الوحوش – قطيع المخلص وارعبوهم، وتكلم هؤلاء جميعاً “برؤيا قلبهم وليس عن فم الرب” (ارميا 23: 16)، ليس فقط من قلبهم الخاص بل من تعليم معلمهم وأنا أعني الشيطان، لأنه ان كان لا يوجد من يقول ان يسوع اناثيما سوى ببعلزبول، فكيف لا يكون ما نقوله عنهم صحيحاً؟ ما هي الأمور التي يتمسك بها هؤلاء ضد رئيسهم؟ عن جهل وبعدم تقوى يؤكدون ان الكلمة الابن الوحيد النور الأزلي الذي به نحيا ونتحرك ونوجد (أعمال 17: 28) وجد أولاً عندما ولد من العذراء القديسة كانسان وأخذ شكلنا “وظهر للذين على الأرض وتحادث مع البشر” كما هو مكتوب (باروخ 3: 37). وكلمة النبي تدين بشدة هؤلاء الذين تجاسروا وأهانوا الميلاد الأزلي غير المدرك “أما أنتم فتقدموا إلى هنا يا بني الساحرة نسل الفاسق والزانية. بمن تسخرون وعلى من تفغرون الفم وتدلعون اللسان” (57: 3، 4) فهؤلاء لم يخرجوا من قلبهم ما هو صالح، لأن قلبهم لم يكن صالحاً، بل يفيض السم الفتاك من التنين الذي قال عنه المزمور للإله الواحد الضابط الكل “أنت كسرت رؤوس التنانين على المياه” (مزمور 74: 13) (*).

        ولأن الاضطراب الذي حدث بين الذين يؤمنون لم يكن قليلاً، وكان الوباء الذي أحدثته هذه الإهانة يقتل نفوساً كثيرة من نفوس البسطاء، (لأنهم ابتعدوا عن التعليم السليم بواسطة تصورهم الشرير بأن الكلمة جاء إلى بداية الوجود عندما صار انساناً): أما الحكماء من المؤمنين فقد اجتمعوا معاً وجاءوا إلى تلميذ المخلص – اي يوحنا – وكشفوا له عن المرض الذي كان يضايق الأخوة، وهجوم هؤلاء الذين يعلمون تعليماً آخر، وطلبوا منه ان يساعدهم باستنارة الروح، وان يمد يد الخلاص للذين سقطوا في شباك الشيطان، أما التلميذ فقد حزن على الذين سقطوا وفسد عقلهم، وفي نفس الوقت رأى بثاقب بصره انه لا يجب ان يترك الذين سيأتون بعده بدون مساعدة، فقرر ان يكتب الانجيل وترك الجوانب الإنسانية المعروفة مثل سلسلة الانساب والميلاد حسب الجسد للإنجيليين الآخرين الذين كتبوها بالتفصيل، أما هو فبكل شجاعة النفس تقدم لكي يهاجم الذين أشاعوا التعليم المضاد وقال: “في البدء كان الكلمة”.

 

الإصحاح الأول

الفصل الأول

“الابن الوحيد أزلي وقبل كل الدهور”

        ماذا يقولون عن “في البدء كان الكلمة”؟ هل هذا يعني ان الابن ليس الله؟ لأن الأسفار الإلهية تقول: “لا يكن لك إلهة جديدة في وسطك” (مزمور 81: 9). فكيف لا يكون الابن إلهاً جديد إذا كان قد ظهر فقط في الزمان؟ وكيف لا يكون كاذباً وهو يقول لليهود: “الحق أقول لكم قبل ان يكون ابراهيم أنا كائن” (يوحنا 8: 58). أليس من الواضح بل ما يعترف به الكل ان المسيح ولد من العذراء القديسة بعد ابراهيم بعصور كثيرة!؟ وكيف يمكن ان يصبح للكلمات “في البدء كان الكلمة” أي معنى إذا كان الابن الوحيد جاء إلى الوجود في الزمان؟ أنظروا – أرجوكم – من الأدلة التالية كيف تصبح غباوة ظاهرة ان يقضي على الميلاد الأزلي للابن إذا سمح الذهن بأن يتصور انه جاء إلى الوجود في الأزمنة الأخيرة. ان نفس كلمة “البدء” سوف تقودنا إلى معان أعمق.

“في البدء كان الكلمة”

        لا يوجد ما سبق البدء. إذا ظل البدء بالحق بدأً، لأن بدء البدء مستحيل، وإذا تصورنا ان شيئاً ما سبق البدء تغير البدء ولم يعد بدءاً بالمرة. وإذا تصورنا ان شيئاً يمكن ان يسبق البدء، فإن اللغة الإنسانية سوف لا تمكننا من الكلام لأن ما سبق البدء هو البدء المطلق والحقيقي ويصبح ما بعد ذلك ليس بدءاً بالمرة.

        إذا لا بدء للبدء حسب دقة المنطق، وتظل حقيقة البدء غير مدركة، لأن ادراكها يجعل البدء يفقد كونه انه البدء. وحيث اننا مهما عدنا إلى الوراء فإننا نعجز عن الوصول إلى البدء مهما حاولنا، فإن هذا يعني ان الابن لم يخلق بالمرة، بل هو كائن مع الآب لأنه “كان في البدء”. وإذا كان في البدء فأين هو العقل الذي يستطيع ان يتخطى كلمة “كان” ويتصور ان الابن جاء إلى الوجود في الزمان. ان كلمة “كان” سوف تظل كما هي. “كان” تتحدى وتسبق كل البراهين، بل تجوز أمام كل الأفكار التي تحاول عبثاً ان تدركها.

        لقد أصابت الدهشة النبي اشعياء عندما قال “وميلاده من يخبر به؟ لأن حياته رفعت من الأرض” (اش 53: 8). وحقاً لقد رفع من الأرض تماماً كل آثار الميلاد الأزلي لأنه يفوق الإدراك. وإذا كان فوق الإدراك فكيف يمكن ان نقول انه مخلوق، لأننا نقدر ان نحدد بوضوح زمن بداية المخلوقات وكيفية وجودها، أما البدء فنحن نعجز عن ان نحدد زمن بدايته.

نظرة أخرى مختلفة إلى عبارة “في البدء كان الكلمة”

        ليس من الممكن ان نعتبر “البدء” خاصاً بزمان مهما كان، لأن الابن الوحيد هو قبل كل الدهور، والطبيعة الإلهية تغلق حدود الزمن، فهي كما هي لا تتغير حسبما قيل في المزمور عن الله: “أنت هو وسنوك لن تفنى” (مزمور 102: 27) فالبدء الذي يمكن قياسه بالزمان او المسافات سوف يتعداه الابن، فهو لا يبدأ في زمان او مكان بل هو بلا حدود فهو بالطبيعة الله ويصرخ انا هو الحياة (يوحنا 14: 6)، ومع ان كل بداية لا يمكن ان تكون بلا نهاية لأن البداية تسمى بداءة من زاوية خاصة وهي وجود نهاية لها، وكذلك النهاية تسمى نهاية بسبب وجود بداية لها، هذه البداية خاصة بالزمان والمسافة، ففي الزمان والمسافة، البداءة تعني نهاية والعكس. أما بالنسبة للابن فالبدء ليس بدءاً زمنياً ولا جغرافياً، فهو أزلي وأقدم من كل الدهور، ولم يولد من الآب في الزمان لأنه “كان” مع الآب، مثل الماء في الينبوع، أو كما قال هو “خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم” (يوحنا 16: 28). فإذا اعتبرنا الآب المصدر او الينبوع، فان الكلمة كان فيه لأنه حكمته وقوته وصورة جوهره وشعاع مجده. وإذا لم يكن وقت كان الآب فيه بلا حكمة وكلمة وصورة وشعاع، فإنه من الواضح ان الابن الذي هو حكمة وكلمة وصورة الآب وشعاع مجده أمر لا يحتاج إلى إقرار منا، فهو أزلي مثل الآب الأزلي، وإلا كيف يوصف بأنه صورته الكاملة ومثإله التام، إلا إذا كان له بوضوح ذات الجمال الذي هو على صورته.

        هل من اعتراض على ان الابن في الآب مثل الماء في الينبوع، او ان الآب هو الينبوع؟ ان كلمة ينبوع تعني هذا المعية، لأن الابن في الآب وهو من الآب، ليس كمن يأتي من الخارج في الزمان، بل هو من ذات جوهر الآب، يشع مثل الشعاع من الشمس او صدور الحرارة من النار. هذه الأمثلة تعني ان نرى كيف يولد او صدور الحرارة من النار. هذه الأمثلة تعني ان نرى كيف يولد او يصدر شيء من شيء، وفي نفس الوقت لا يصدر متأخراً او بعد زمن، او ان تكون له طبيعة مختلفة بل يصدر الشيء من الشيء ويظل كائناً معه لا ينفصل عنه، بل لا يمكن لأي منهما ان يوجد بدون الآخر، فلا شمس بلا شعاع ولا شعاع بدون شمس تشعه من داخلها. ولا نار بلا حرارة ولا حرارة إلا من نار. فالانفصال يعني ان يفقد الشيئان معاً الطبيعة التي تميزهما. فكيف تصبح الشمس شمساً بلا أشعة، وكيف تصبح النار ناراً بلا حرارة.

        وكما ان هذه الاشياء التي تصدر بعضها عن البعض تجعل وجودها معاً أمراً ضرورياً لا انفصال فيه بل تظل دائماً بمصدرها وتحتفظ بطبيعة المصدر، هكذا الأمر مع الآب والابن، لأننا نعتقد ونقول انه في الآب ومن الآب. وهذا يعني انه ليس كائناً غريباً او جاء في الترتيب بعد الآب، بل هو فيه ومعه دائماً، ويشرق منه دائماً حسب الميلاد الإلهي الأزلي غير المدرك.

        ولذلك وصف القديسون الله الآب بأنه هو “بدء” الابن، وكانوا يقصدون من ذلك انه مع الآب لأن المزمور بالروح القدس يقول عن الظهور الثاني بالجسد لمخلصنا يقول عنه كابن “معك البدء في يوم قوتك في بهاء قديسيك” (مز 110: 3س) ([1]) ويقول قوة الابن هو اليوم الذي سوف يدين فيه العالم ويعطي كل وأحد حسب أعمإله. وحقاً سوف يأتي مع الآب لأنه في الآب، وهو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية، وهي التي تجعل الآب البدء بالنسبة للابن من ناحية المعية لأن الابن من الآب.

“في البدء كان الكلمة”:

        سوف يقودنا هذا الشرح إلى أفكار كثيرة متعددة وجوانب مختلفة لمعنى “البدء” وسوف نتتبع كل هذه الأفكار في غيرة شديدة مثل كلب الصيد الذي يطارد الفريسة ولا يتوقف حتى يقتنصها، وهكذا سوف نقتفي آثار التعاليم الإلهية ودقة الأسرار. لقد قال المخلص “فتشوا الكتب لأنكم تظنون ان لكم فيها حياة وهي تشهد لي” (يوحنا 5: 39).

        والانجيلي المبارك – على ما يبدو لي – يسمى الآب “البدء Archi” اي القوة والسيادة التي على الكل اي الطبيعة الإلهية التي فوق الكل والتي تحت أقدامها تستقر الطبائع المخلوقة التي هي كائنة ومدعوة للوجود بسبب ارادة اللاهوت.

        في هذا “البدء Archi” الذي هو فوق الكل وعلى الكل “كان الكلمة”، ليس من الطبائع المخلوقة التي تحت قدمي البدء وانما عالياً عنها جميعاً لأنه “في البدء” اي من ذات الطبيعة والكائن دائماً مع الآب، وله طبيعة الذي ولده كمكان أزلي قبل الكل. لذلك هو مولود حر من الآب الحر، ومنه ومعه له السيادة ([2]) Archi على الكل. وما هو المقصود من هذه النقطة بالذات؟

        لقد ادعى البعض – كما أشرنا – ان الكلمة دعي إلى الوجود أولاً عندما أخذ هيكله من العذراء مريم وصار انساناً لأجلنا. وما نتيجة هذا الادعاء؟ وماذا يحدث لو كان الابن حقاً كما يدعون مخلوقاً مثل كل المخلوقات، وجاء إلى الوجود من العدم وله اسم وحقيقة العبودية وصفات الطبيعة المخلوقة. ومن من الطبائع المخلوقة يمكنه بحق ان يهرب من الخضوع لسلطة الله الرب الذي هو على الكل؟ ومن من الكائنات يتوقف عن الخضوع للسيادة والقوة والربوبية التي على الكل؟ والتي يشير اليها سليمان والقوة والربوبية التي على الكل؟ والتي يشير اليها سليمان حينما يقول “عرش المملكة يثبت بالبر” (أمثال 16: 12). وما هو العرش الذي له السيادة على الكل؟ يقول الله بواسطة أحد القديسين “السماء هي عرشي” (اشعياء 66: 1). ولذلك فالسماء مستعدة للبر، وهذا يعني ان الكل خاضع لعرش الله في السماء اي كل الأرواح المقدسة المستعدة لخدمته.

        لهذا السبب بعينه يهجم الانجيلي المبارك بقوة على الذين يعلمون بأن الابن يحسب في عداد المخلوقات الخاضعة لسلطة عرش الله وانه تحت السيادة Archi، ويصرخ الانجيلي ضد هؤلاء جميعاً معلناً ان الابن ليس من المخلوقات بالمرة بل هو حر تماماً من العبودية، لأنه من ذات جوهر الآب وله ذات السيادة ويعلن عن طبيعته بقوله “في البدء كان الكلمة”.

        ولكي يقضي تماماً على هذا الرأي يضيف إلى كلمة “البدء” فعل “كان” لكي ندرك ان الكلمة ليس حديثاً “بل أزلياً” وقبل كل الدهور. والفعل “كان” وضع هنا لكي يحمل كل مفكر إلى أعماق سحيقة وهي الميلاد الأزلي غير المدرك الذي هو فوق الزمان. وفعل “كان” هو فعل مطلق لا يمكن ان يتوقف لا سيما إذا اقترن “بالبدء”. و”كان” تعلو على الزمان ولا يمكن قياسها. فهي دائماً تسبق الفكر، ومهما حاول العقل ان يتصور انه وقف عند “كان” يجد بعد ذلك ان النقطة التي توقف عندها هي أقل بكثير من فعل “كان”.

        اذن “فالكلمة كان في البدء”، اي كان في السيادة على الكل، وله صفات الربوبية لأنه من الله وما دام هذا هو الصحيح فكيف يمكن ان يقال انه خلق!؟ وكيف ينطبق هذا الادعاء على معنى فعل “كان”؟ وكيف يمكن مصالحة الذي “لم يكن” مع الذي “كان”؟ واي مكان هناك بالمرة لعبارة “لم يكن” فيما يخص الابن؟

 

الفصل الثاني

الابن وأحد مع الآب في الجوهر ولذلك هو إله في اقنومه مثلما هو الآب ايضاً إله في اقنومه

“والكلمة كان عند الله”:

        بعد ان عرى الرسول الذين يدعون ان الابن الكلمة مخلوق، وهؤلاء الذين عفى عليهم الزمان لأنهم بلا ادراك، فالعبارة “في البدء كان الكلمة” تقفل باب الادعاء بأن الابن يحسب في عداد الكائنات المخلوقة، وبعد ان جردهم من كل الأفكار الغبية بهذه العبارة “في البدء كان الكلمة” يتقدم لمحاربة هرطقة فاسدة أخرى. مثل فارس عظيم ثابت له صبر لا ينتهي بل يفرح بالاتعاب والجهاد ويشد حقويه ويرتدي عدة القتال او مثل فلاح ينزع من حقله كل الأشواك وينزعها وأحدة وأحدة، ويدور حول الحقل عدة مرات لكي يجمع كل شوكة على حدة ويضعها كلها وأحدة وأحدة ويبحث عن جذور الأشواك، هكذا صار الرسول يوحنا الذي عرف ان كلمة الله “حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين” (عبرانيين 4: 12)، وعندما أدرك خطورة هؤلاء نازلهم بقوة لكي ينزع الجذور بالمرة الشريرة للمقاومين للحق، وبقوة وثبات ينزعهم من كل ناحية ويقدم لمن يقرأ انجيله خدمة الدفاع عن الايمان الصحيح.

        لندرك حذر هذا الذي حمل الروح في داخله، لقد كتب ان الكلمة كان “في البدء Archi” اي “في الله الآب”. ولكن لأن عين ذهنه قد استنارت، لم يجهل ان البعض سوف يقومون بجهل شديد ليدعوا ان الآب والابن وأحد وأنهما غير متمايزين الا في الاسماء فقط، وانه وليس في الثالوث أقانيم. وتمايز الأقانيم يعني ان الآب هو فعلاً آب وليس ابناً وكذلك الابن هو ابن وليس آباً، حسب كلمة الحق.. (*) وضد هذه الهرطقة يسلح نفسه لكي يقضي عليها ويهاجم من جانب بقوله “في البدء كان الكلمة” ثم يهاجم من جانب آخر بقوله “والكلمة كان عند الله” وفي كلتا العبارتين استخدم فعل “كان” لضرورة تأكيد ان ميلاده كان أزلياً. وبقوله “والكلمة كان عند الله” أكد انه متمايز وأقنوم آخر غير أقنوم الآب الذي معه الكلمة.

        والذين ينكرون الأقانيم لا يدركون ان الواحد الذي بلا اقانيم لا يمكن ان نقول انه “معه” او كان “معه”، فهو وحده بذاته. هذا الأمر يستدعي مناقشة الهرطوقي لكي يدرك ان ادعاءه لا يتفق مع المعرفة الصحيحة وسوف نعلم في المقاطع التالية من خلال أسئلة واضحة ومحددة خطأ الهراطقة.

        “براهين مأخوذة من شهادات الأسفار تبرهن ان الآب أقنوم والابن أقنوم آخر وان الروح القدس يحسب معها الأقنوم الثالث رغم أننا لا نخصص كلاماً عن الوهية أقنوم الروح القدس”.

        الابن هو من الجوهر نفسه مع الآب، والآب هو من الجوهر نفسه مع الابن، وكلاهما مساوي ومثل الآخر تماماً بلا تغيير حتى أننا نرى الآب في الابن والابن في الآب، وكلاهما يشرق من خلال الآخر مثلما قال المخلص نفسه “الذي رآني فقد رأى الآب” وأنا في الآب والآب فيَّ” (يو 14: 9، 10)، ومع ان الابن في الآب والآب في الابن وهو مثل الآب الذي ولده تماماً في كل شيء. ويعلن الآب في ذاته بلا نقص، إلا ان هذا لا يعني ان الابن فقد اقنومه المتميز، ولا ان الآب فقد اقنومه الخاص به، فالتماثل التام بين الأقانيم لا يعني اختلاط الأقانيم حتى ان الآب الذي منه يولد الابن يصبح بعد ذلك ابناً، ولكن الطبيعة الإلهية الواحدة نفسها هي للأقنومين مع تمايز كل منهما حتى أن الآب هو الآب والابن هو الابن وأيضاً الروح القدس يحسب معهما إلهاً مثل الآب والابن. وهذا هو كمال الثالوث المعبود.

أولاً:

        لو كان الابن أباً أيضاً فما هو معنى تمايز الاسماء؟ لو كان الآب لم يلد أحداً من ذاته فلماذا يدعى الآب؟ ولماذا يدعى بهذا الاسم لو كان غير مولود من الآب؟ ان تمايز الاسماء يعني تمايز الأقانيم وحيث ان الأسفار المقدسة تعلن ان الابن مولود من الآب – وهذا هو الحق – فإننا ندرك ان له أقنوم متميز كما ان الآب له أقنوم متميز مثل تمايز الوالد عن المولود.

ثانياً:

        يكتب الطوباوي بولس في رسالته إلى الفيليبين عن الابن “الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب مساواته لله اختلاساً” (2: 6). فمن هو الذي لا يحسب مساواته لله اختلاساً؟ فالتمايز هنا ظاهر لأن الذي هو صورة الله متمايز عن الأصل. وهذا هو الحق الذي يؤمن به الكل. فالآب والابن ليسا وأحداً في الأقنوم بل كل منهما أقنوم يمكن رؤيته في الآخر بسبب وحدة الجوهر، لأنهما إله من إله، الابن من الآب.

ثالثاً:

        “أنا والآب وأحد” (يوحنا 10: 30) هكذا قال المخلص مؤكداً ان له كيان خاص متمايز عن كيان الآب. وإذا لم يكن هذا هو الحق الواضح فلماذا قال “أنا والآب” كان عليه الاكتفاء بكلمة “وأحد”. ولكن حيث انه أعلن ماذا يقصد بالكلام عن اثنين فقد قضى تماماً على ادعاء المخالفين لأن “أنا والآب” لا يمكن ان تعني انهما أقنوم وأحد بل وأحد في الجوهر.

رابعاً:

        عن خلق الإنسان نسمع صوت الله يقول “نخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا” (تكوين 1: 16). فلو كان الله اقنوماً وأحداً بلا تعدد وليس ثلاثة أقانيم فمن الذي كان يتكلم مع من؟ ويقول له “نخلق الإنسان على صورتنا” ولو كان الله أقنوماً وأحداً لقال “اخلق الإنسان على صورتي” لكن الكتاب لم يذكر ذلك، ولكن حيث ان صيغة الجمع استخدمت “صورتنا” فإنها تعلن بصوت قوي ان أقانيم الثالوث هي. هي أكثر من وأحد.

خامساً:

        لو كان الابن هو اشعاع (بهاء) الآب، كنور من نور (عبرانيين 1: 3) فكيف لا يكون متمايزاً عنه وله اقنومه الخاص لأن البهاء غير البهي – (الاشعاع غير المشع).

سادساً:

        يعلن الابن انه من جوهر الآب بقوله “خرجت من عند الآب وأتيت إلى العالم … وايضاً “أمضي إلى الآب” (يوحنا 16: 28) فكيف لا يكون آخراً ومتمايزاً عن الآب في الاقنوم؟ الا تؤكد كل الأدلة لنا ان الذي يخرج من آخر يعني انه متمايز عن الآخر والعكس طبعاً غير صحيح.

سابعاً:

        بالإيمان بالله الآب وابنه يسوع المسيح وبالروح القدس نحن نتبرر، ولذلك يأمر المخلص نفسه تلاميذه قائلاً “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (متى 28: 29). فإذا كان اختلاف الاسماء لا يعطينا الاعتقاد بأن الأقانيم ثلاثة فما الفائدة من استخدام الاسماء الثلاثة؟ إذا كان من يتكلم عن الآب يعني الابن او من يتكلم عن الابن يعني الآب فما الداعي إلى الوصية بأن يعتمد المؤمنون باسم الثالوث وليس باسم وأحد؟ ولكن لأن الطبيعة الإلهية هي الثالوث فمن الواضح ان كل أقنوم له كيانه الخاص به، ولما كان لا يوجد اختلاف بينهم في الطبيعة الإلهية فإن اللاهوت وأحد وكل أقنوم يعبد مع الاقنومين الآخرين.

ثامناً:

        تقول الأسفار الإلهية بأن مدن السادوميين قد أحرقها غضب الله وتصف هذا الخراب بالقول “وأمطر الرب على سادوم ناراً.. من عند الرب” (تكوين 19: 24)، وهذا هو نصيب وكأس (مز 11: 6) الذين يرتكبون مثل هذه الخطايا. ولكن من هو الرب الذي أمطر ناراً وكبريتاً من عند الرب وأحرق مدن السادوميين؟ من الواضح انه الآب الذي يعمل كل شيء بالابن، لأنه هو ذراعه القوي وقوته، فهو الذي جعله يمطر ناراً على السادوميين ولذلك قيل “أمطر الرب من عند الرب”. فكيف لا يعلن هذا ان الآب هو آخر غير الابن وان له أقنومه المميز وكذلك الابن غير الآب وله أقنومه المميز لأن الواحد هنا يظهر انه من الآخر.

تاسعاً:

        عندما تحرك المرنم بروح النبوة وعلم ما سيأتي قال في المزامير وهو يعلم ان الجنس البشري لا يمكن ان يخلص الا بظهور ابن الله الذي يحول كل شيء حسب ارادته، لذلك تنبأ عن مجيء الابن الينا لكي ينقذ الذين هم تحت الفساد والموت وسلطان الشيطان فقال لله الآب “إرسل نورك وحقك” (مزمور 43: 3). فما هو النور؟ وما هو الحق؟ لنسمع الابن نفسه يقول “أنا النور” وأيضاً “أنا الحق” (يوحنا 8: 12، 14: 6) فإذا كان نور الآب وحقه هو الابن الذي سيأتي الينا، فكيف لا يكون الابن اقنوماً متميزاً عن اقنوم الآب رغم انه وأحد معه في الجوهر ومماثل له تماماً؟ وإذا تخيل أحد ان هذا ليس كذلك وان الابن والآب هما اقنوم وأحد، فلماذا لا يصرخ المرنم الذي سكن فيه الروح القدس فصاغ صلاته قائلاً “تعال ايها النور والحق”؟ ولكن حيث يقول “أرسل” فهو يعرف جيداً ان الواحد متميز عن الآخر فالواحد اي الآب يرسل والابن هو الذي يرسل والارسال نفسه يؤكد لنا تمايز الأقانيم.

عاشراً:

        تقول الأسفار الإلهية انه “بالابن خلقت كل الاشياء سواء ما في السماء او على الأرض ما يرى وما لا يرى” (كولوسي 1: 16)، هكذا نؤمن ونعبد حسب الحق ونصعد في طريقنا إلى الحق والايمان السليم حسب العقيدة الصحيحة. فما هو المعنى الدقيق “بالابن”؟ ومن الواضح ان هذا يعني ان الذي يصنع هو غير الذي يتم بواسطته العمل لأن الآب إذا كان يعمل كل شيء “بالابن” فمن الواضح ان له اقنوماً متميزاً ويصبح تعبير “بالابن” “قادراً” على التعبير عن اقنومين. وعلى المخالفين ان يقولوا لنا كيف يفهمون تعبير “بالابن”؟ وكيف يعمل الابن إذا كان هو اقنوماً وأحداً مع الآب. ولكني أظن أنهم سيصابون هنا بالارتباك. ولكن حيث ان الاسفار المقدسة تعلن ان الآب عمل كل الاشياء بالابن، ونحن نؤمن بهذا وكذلك أظن أنهم ايضاً يؤمنون به: فكيف لا يكون ضرورياً ان نفهم ان الآب يوجد متميزاً بنفسه وهكذا الابن ايضاً متميز بنفسه، وهذا لا ينفي بالمرة ان الثالوث القدوس يكون له الجوهر الواحد نفسه.

 

الفصل الثالث

“الابن هو بالطبيعة إله وليس أقل من الآب”

“وكان الكلمة الله”:

        ذلك الذي حمل الروح في داخله لم يجهل انه سوف يقوم البعض في الأيام الأخيرة يقاومون جوهر الابن الوحيد وينكرون الرب الذي اشتراهم (2 بطرس 2: 1) بالافتراض ان الكلمة الذي ظهر من الله الآب ليس بالطبيعة الله، وهؤلاء يجعلونه على هذا النحو إله مزيف نال اسم الألوهة دون استحقاق واسم البنوة وهو ليس كذلك. هؤلاء يأخذون كفر اليهود الذي استعان به أريوس وتسكن فيهم كلمة الموت والكفر ويصبح “لسانهم سهم قتال يتكلم بالخداع” (ارميا 9: 8).

        ولأن بعض هؤلاء يقاومون كلمات الحق وكأنهم يقولون للإنجيلي القديس: “الكلمة عند الله” نحن نوافق على هذا وبكل ارتياح نوافق على ما كتبت ولكن الآب كائن وحده منفصل عن الابن وكذلك الابن كائن وحده منفصل عن الآب. فما هي طبيعة الابن؟ ان وجوده عند الله الآب لا يعلن شيئاً عن جوهره ولكن حيث ان الاسفار الإلهية تعلن إلهاً جديداً فإننا مستعدون للاعتراف بالآب فقط الذي كان الكلمة عنده. فماذا يجيب بشير الحق: ليس فقط بأن “الكلمة عند الله” بل “وكان الكلمة الله” لكي تعلن وجوده مع الله وتمايزه عن الآب وانه اقنوم آخر غير أقنوم الآب، ولكن في نفس الوقت الله، ومن الجوهر نفسه الذي للآب، وهو منه بالطبيعة لأنه إله من إله. لأنه من غير المعقول ان يكون اللاهوت وأحداً ولا يكون هناك تماثل تام في الصفات الإلهية بين الأقانيم او ان لا تكون الأقانيم متساوية، لذلك يقول عن الابن انه “كان الله” ولم يصبح كذلك في وقت معين، بل كان دائماً وأزلياً الله، لأن ما يحدث في الزمان أو ما لا وجود أزلي له، ثم يوجد بعد ذلك، لا يكون إلهاً بالطبيعة.

        فإذا كان الكلمة موجوداً منذ الأزل (بكلمة كان) ومساو للآب في الجوهر لأنه الله، فمن ذا الذي يشك في الوهيته ولا يحل به العقاب. أو من يظن أنه أقل من الآب او مختلف عن الآب الذي ولده منه، فمن لا يرتعد من هذا الانحدار في الكفر ويتجاسر وينطق بهذه الأمور للآخرين وهم “لا يفهمون ما يقولون – ولا ما يقررونه” (1تيموثاوس 1: 7).

        أما حقيقة الابن الذي هو حق من الآب وليس أقل من الآب فهذا ما سوف تؤكده الحقائق التالية:

أولاً:

        تدعو الأسفار الإلهية الابن بأسماء كثيرة ومختلفة: فهو يسمى احياناً “حكمة وقوة الآب” مثلما قال بولس “المسيح قوة الله وحكمة الله” (1كورنثوس 1: 24)، ودعي أيضاً “النور والحق” مثلما رتل أحد القديسين في المزامير “أرسل لي نورك وحقك” (مزمور 30: 3)، ويدعى ايضاً “البر” “احيني في برك” (مزمور 119: 40). لأن الآب يحيي في المسيح كل الذين يؤمنون به، ويدعى ايضاً “مشورة الآب”، كما قيل “أنت سوف تقودني بمشورتك” وايضاً “مشورة الرب فتثبت إلى الأبد” (مزمور 73: 24 – مزمور 33: 11). فإذا كان الابن هو كل هذا بالنسبة لله الآب فكيف يمكن قبول انحراف اريوس وهو غباوة الإنسان الكاملة؟ ومن يمكنه بعد ان يسمع كل هذه الاشياء ان يقول ان الابن اقل من الآب لأنهم لو كانوا على صواب فاننا سوف نصل إلى هذه النتيجة وهي ان الآب ليس حكيماً كلية، وليس قوياً كلية، ولا هو نور كلية، ولا هو حق كلية، ولا هو بار كلية، ولا هو كامل في مشورته إذا كان الابن الذي هو كل هذا بالنسبة للآب، وبسبب كونه أقل من الآب، يصبح الآب نفسه غير كامل. أليس هذا كفر. فالآب كامل لأن فيه الصفات كاملة في ذاته. والابن ايضاً كامل لأنه “الحكمة” و”القوة” و”النور” و”البر” و”مشورة الآب”، والذي تبرهن أنه هو كل ذلك كيف يمكن ان نعتقد انه أقل من الآب؟

ثانياً:

        لو كان الابن أقل من الآب وهو يعبد منا ومن الملائكة القديسين، فإن هذا يعتبر عبادة إلهين، لأن الذي ينقصه الكمال سيظل دائماً غير قادر على ان يصل إلى المساواة في الجوهر مع الكامل. وما أعظم الفرق بين ان يكون الابن من جوهر الآب وان يكون اضافة غريبة إلى اللاهوت. والايمان ليس هو ايمان بعدة إلهة بل بإله وأحد هو الله الآب مع الابن والروح القدس المتحدين معه. اذن الاتهام الموجه للابن بأنه أقل من الآب هو لا شيء بالمرة ولا يعتد به، لأنه كيف يمكن ان يكون من هو أقل كمالاً في وحدة مع الآب الكامل؟ بل كيف يكون متحداً بالطبيعة في وحدة الجوهر مع الآب؟

ثالثاً:

        إذا كان الابن هو الملء “لأن من ملئه نحن جميعاً أخذنا” (يوحنا 1: 16) فما هو مكانه الحقيقي وهو أقل من الآب كما يدعون؟ لأن الاشياء المختلفة تماماً لا يمكن مصالحتها ووضعها في وحدة. فكيف يكون الابن الملء وفي نفس الوقت أقل من الآب.

رابعاً:

        إذا كان الابن أقل من الآب وفي نفس الوقت هو الملء ويملأ كل الاشياء، فأين مكان الآب العظيم في كل شيء اذن؟ لأنه حتى في الأمور المجسمة الذي يملأ الكل لا يترك مكاناً لغيره بل يصبح هو الأعظم، فكيف في الأمور غير المنظورة؟ فإنهم يدعون ان الأقل (الابن) يملأ كل الاشياء. فماذا ترك للأعظم (الآب)؟

خامساً:

        إذا كان الله هو فوق كل اسم، والابن الوارث له قد نال الاسم الذي هو فوق كل اسم. فكيف يوصف بأنه أقل من الآب وفي نفس الوقت له الاسم الذي فوق كل اسم، من الغباوة ان نفكر او نقول هذا. فالابن كامل لأنه فوق كل اسم، وهو الله.

سادساً:

        إذا كانت الطبيعة الإلهية بلا كم Quantity فكيف يكون الأقل أقلاً دون ان يكون أقل من غيره. فكيف نصف الابن الذي هو بالطبيعة الله كأقل من الآب؟ فما هي هذه الدرجة من القلة؟ أليس هذا ادعاءً بأن الكم صار كمقياس يقاس به اللاهوت.

سابعاً:

        يقول يوحنا الانجيلي عن الابن “انه لا يعطي الله الروح بكيل” (يوحنا 3: 34) للذين يستحقون، فإذن لا يوجد مكيال لدى الابن، فهو لا يمكن قياسه بل يفوق كل المقاييس لأنه الله. فكيف يقاس الذي لا يقاس ويوصف بأنه أقل؟

ثامناً:

        إذا كان الابن أقل والآب أعظم، فكل منهما بشكل مختلف يمنح لنا التقديس، يمنحه الابن بشكل أقل والآب بشكل أعظم. فماذا عن الروح القدس؟ هل سيعمل عملاً مزدوجاً: أقل من الابن، وأعظم مع الآب؟ والذين سوف يقدسون بالأب سوف يقدسون بشكل كامل، أما الذين سيقدسون بالابن سوف يقدسون بشكل أقل. هذه غباوة عظيمة، فالروح القدس وأحد في كمإله وفي تقديسه وهو يعطى مجاناً من الآب بواسطة الابن طبيعياً. فليس الابن أقل من الآب الكامل، بل هو يعمل كل شيء مع الآب، وله الروح القدس روح الآب الذي ولده. وهو صالح وكامل وحي وله كيانه الخاص به مثل الآب تماماً.

تاسعاً:

        إذا كان الابن في صورة ومساواة الآب كما يقول بولس (فيلبي 2: 6) فكيف يكون أقل منه؟ لقد كان تدبير الجسد والخضوع الذي يذكره الرسول هنا هو الذي اقتضى ان يؤكد ان الابن في صورة الآب ومساواة له. فماذا نقول عن الظهور الثاني عندما يأتي من السماء في الوقت المعين ولن يأت في شكل الاتضاع بل في الكرامة الطبيعية الخاصة به كابن حسب قوله “في مجد ابيه” (مرقس 8: 38). فكيف يكون في مجد الآب الكامل، وهو أقل منه؟

عاشراً:

        يقول الله الآب على لسان أحد الانبياء “ومجدي لا أعطيه لآخر” (اشعياء 48: 11)، ونسأل الذين يكفرون ويحتقرون الابن بل فيه ايضاً يحتقرون الآب (لأن الذي لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي ارسله يوحنا 5: 23)، هل الابن، لكونه كما يفترضون، أقل من الآب، هو من الجوهر نفسه الذي للآب أم لا؟ فإذا قالوا انه من جوهر الآب نفسه فلماذا يجعلونه أقل من الآب؟ لأن الاشياء التي لها ذات الجوهر ولها نفس الطبيعة لا يمكن ان يكون فيها من هو أعظم في كيانه من الآخر لأن هذا ضد الاعتقاد بوحدة الجوهر. أما إذا رفضوا قبول حقيقة ان الابن هو من نفس جوهر الآب وتمسكوا بأنه منه، فهذا يعني انه غريب عن الآب. فكيف يكون له مجد الآب ذاته؟ وكيف يقول دانيال “وأعطى له سلطاناً ومجداً “وملكوتاً” لتتعبد له كل الشعوب” (دانيال 7: 14). وأما ان الله الآب يكذب عندما يقول “مجدي لا أعطيه لآخر” (اشعياء 48: 11). أما إذا كان صادقاً، وقد أعطى مجده للابن، فحينئذ لا يكون الابن غريباً عن الآب، بل هو ثمرة جوهره ومولوده الحقيقي. والذي يكون له هذا الوضع بالنسبة إلى الآب فيما يخص الجوهر، لا يكون أقل من الآب.

براهين أخرى متنوعة:

        إذا كان الآب ضابط الكل. والابن ضابط الكل، فكيف يكون أقل منه؟ لأن المنطق يحتم علينا ان غير الكامل هو الذي يرتفع إلى الكامل. وإذا كان الآب هو الرب والابن هو الرب، فكيف يكون الابن أقل منه؟ كيف يكون الابن حراً إذا كان أقل من الآب في الربوبية وليس له الكرامة الإلهية في ذاته؟ وإذا كان الآب هو النور والابن هو النور، فكيف يكون الابن أقل منه؟ فالابن لا يكون النور الكامل إذا كان أقل من الآب، بل ستدركه الظلمة ويصبح الانجيلي كاذباً كقوله “والظلمة لم تدركه” (يوحنا 1: 5). وإذا كان الآب هو الحياة والابن هو الحياة؟ فكيف يكون الابن أقل منه؟ ان كان الابن أقل حياة من الآب ستكون الحياة التي فينا ناقصة وحتى ان كان المسيح حالاً في الإنسان الداخلي بالإيمان (أفسس 3: 16-17). بل ويكون الذين يؤمنون إلى حد ما موتي طالما ان حياة الابن أقل كمالاً في الآب. ولكن علينا التخلص من هذه الحماقة، وان نعترف ان الابن كامل وهو مساو للآب الكامل بسبب مماثلته له في الجوهر بكل دقة.

حادي عشر:

        لو كان الابن أقل من الآب وليس من الجوهر ذاته فهو من طبيعة أخرى غريبة وليس ابناً ولا إلهاً بالمرة. فكيف يدعى إلهاً وهو ليس من الله بالطبيعة ولكن حيث ان ايماننا هو بالابن فقط، فنحن – كما يبدو – لا زلنا في الظلمة ولم نعرف الإله الحقيقي. وهذا طبعاً غير صحيح. نحن نؤمن بالابن وهذا يعني اننا نؤمن ايضاً بالآب وبالروح القدس. لذلك فالابن ليس غريباً عن الله الآب كأقل منه، بل له وحدة معه لأنه منه بالطبيعة، ولذلك فهو كامل ومساو له.

ثاني عشر:

        إذا كان الله الكلمة الذي أشرق من الله الآب هو بالحقيقة ابن، فهذا يستدعي بالضرورة ان يعترف المقاومون انه من جوهر الآب، لأن هذا هو المعنى الصحيح للبنوة. فكيف يكون الابن أقل من الآب وهو ثمرة جوهره؟ لأن الجوهر الواحد لا يسمح ان يكون فيه أقل وأعظم، فكل شيء في جوهر الله كامل. أما إذا لم يكن من جوهر الآب فلا يكون هو ابناً حقيقياً بل شيئاً مزيفاً وابناً مزوراً. لأنه إذا لم يكن هناك ابن بالطبيعة للآب، الذي بسببه يدعى الآب أباً فكيف يعرف انه آب. وهذا افتراض غير صحيح، لأن الله هو كل حق الآب، كما تصيح بذلك كل الأسفار المقدسة علانية. ولذلك فالذي يولد منه بالطبيعة هو الابن حقاً، وهو ليس أقل منه، لأنه وأحد معه في الجوهر كابن.

ثالث عشر:

        ان اسم العشيرة او الأبوة لم يأخذه الله منا نحن، بل نحن الذين أخذناه من الله. والكلمة الصادقة هي كلمة الرسول بولس التي تصرخ: “الذي منه تسمى كل عشيرة في السماء وعلى الأرض” (أفسس 3: 15). ولكن الله هو منذ الأزل، ونحن نتمثل به لأنه هو المثال ونحن خلقنا على صورته. فكيف نكون نحن على صورته ومثاله اي آباء ولنا أبناء بالطبيعة، وليس في الأرض أبوة Archetype خلقنا نحن على مثالها؟ فكيف ننال نحن الأبوة من الله دون ان يكون الله بالحق أباً؟ ألا يكون هذا ضد طبيعة الأمور ان نكون نحن آباء ويأخذ الله الأبوة منا ويقلدنا نحن، وليس نحن الذين نتمثل به! ان هذه النقطة بالذات سوف ترغب الهرطوقي على الاعتراف بأبوة الله رغماً عنه. ان شهادة الحق هي ان كل عشيرة في السماء وعلى الأرض تأخذ الأبوة من الله وعكس ذلك خطأ واضح. لأن الذي أخبرنا ان كل أبوة تؤخذ من الله هو الذي قال ان “المسيح يتكلم فيه” (2كورنثوس 13: 3). لأنه من الله تنسكب إلى أسفل كل أبوة. فالله هو الآب وهو بالطبيعة أب للكلمة الذي ولده، والذي هو مثله. لأننا نحن صورته عندما نلد أبناء لنا لا يصبحون أقل منا بل مساويين لنا في كل شيء من جهة الطبيعة.

رابع عشر:

        على الهرطوقي ان لا يخدعنا بما يقدمه لنا قائلاً: أنه يكرم الابن دون الاعتراف بأنه من جوهر الآب. كيف يكون ابناً بالمرة دون ان يكون ابناً بالطبيعة؟ وعلى الذين يترددون في الاعتراف بذلك ان يخلعوا قناع النفاق ويجدفون علانية قائلين انه ليس الابن ولا الإله. وإذا وبختهم وحكمت عليهم الأسفار الإلهية وجرحتهم كلمات القديسين كما لو كانت حجارة مقلاع، لعلهم يخجلون من الحق، ويقولون انه الابن والإله ويقلعون عن التفكير في انه أقل من الذي ولده. كيف يكون الكلمة الله وهو أقل من الآب؟ لأنه كيف يكون ذلك والإنسان نفسه الذي يولد من انسان آخر ويدعى ابن انسان ولا يكون أقل من ابيه في انتسابه للإنسانية، ولا ملاك أعظم من ملاك فيما يخص كونه ملاكاً، فكيف يكون في جوهر اللاهوت وله في نفسه كل خصائص أبيه بالطبيعة. وإذا كان الاب هو الله بالطبيعة كذلك الابن الكلمة هو الله بالطبيعة لأنه مولود من تلك الطبيعة فكيف يكون الله اذن أقل من الله من جهة كونه الله؟

خامس عشر:

        لأنكم تجاسرتم ايها السادة على ان تقولوا ان الابن أقل في بعض الأمور من الآب فما هي هذه الأمور؟ هل الأزلية أحد هذه الأمور؟ فلست أظن ان أحداً يصل به الغباء إلى القول بأن الابن أقل أزلية من الآب، فالابن قبل كل الدهور وهو خالق كل الدهور. فالذي صنع الأزمنة لا ينطبق عليه مقياس الزمان، ولا يمكن ان نحدد زمان ولادته من الآب. وليس الابن أقل من الآب حجماً لأن الطبيعة الإلهية تعلو على مقاييس الأحجام والأجسام. فكيف هو أقل؟ أفي المجد كما يظن البعض؟ أم في القوة؟ ام في الحكمة؟ عليهم ان يقولوا لنا بدقة كيف ان الآب أعظم؟ أفي المجد والقوة والحكمة؟ إذا كان الآب يفوق كل المقاييس المقبولة لدى العقل، فمن أين جاءت الجسارة للاريوسيين على مقارنة الآب بالابن والادعاء بأن الابن أقل، من الآب وانكار كرامته الإلهية التي له بالطبيعة؟ لأن المقارنة بين عظيم وأقل منه في العظمة يمكن برهنتها واثباتها إذا وضعناهما معاً ولكن حيث ان كرامة ومجد الآب تفوق الإدراك، فبأي مقاييس يمكن اتمام المقارنة؟ في هذه الحالة بالذات يسقط الادعاء بأن الابن أقل من الآب.

سادس عشر:

        ويمكن الرد على نجاسة الهراطقة الذين قيل عنهم “أعدائنا بلا فهم” (تثنية 32: 31س)، وكيف لا يكونون مملوئين من الجهل “لا يفهمون ما يقولون ولا ما يقرونه” (1تيموثاوس 1: 7)، وسبب ادانتنا لهم هو انهم إذا كانوا يؤمنون بأن الابن بالحق هو إله مولود من الله الآب، فكيف يكون أقل من الآب؟ هذا التناقض الذي يدل على جهل مطبق سوف يقود إلى عدة أفكار متناقضة كلها تجاديف لا يجب ان نسمعها. لو كان الابن هو الله بالطبيعة فكيف تقبل طبيعته الإلهية ان يكون فيها أقل، ويحتاج الأمر ان يكون فيها أقل، ويحتاج الأمر ان يكون ما هو أعظم من الله. ولو كان مولوداً من جوهر الآب فكيف يكون أقل من الآب وهو من جوهر الكامل في كل شيء؟ وكيف يسمح الآب بأن يكون في جوهره ما هو أقل كمالاً منه وهو في نفس الوقت صورته؟ وهذا بدوره يعني ان جوهر الآب ليس كاملاً في كل شيء رغم انه بالطبيعة إله، بل الآب نفسه سوف يتقدم من عدم الكمال إلى الكمال وكذلك الابن ايضاً حيث انه صورة جوهره سوف ينطبق عليه ما ينطبق على الآب وهذا ما سيحدث في الله من تغيير لأن الطبيعة التي تقبل في داخلها عظيم وقليل هي طبيعة قابلة للتغيير.

        هذا التجديف الرهيب ظاهر بكل وضوح. لأن الآب لن يتقدم في شيء نحو الكمال ولا يقبل ما هو أقل منه لأنه بالطبيعة الله الكامل، وكذلك لن يقبل الابن في ذاته وضع الأقل فهو ايضاً الله بالطبيعة. وليس صحيحاً ما يدعيه الهراطقة من ان الآب والابن مجرد كلمتين فقط، فالجوهر الذي فوق الكل ليس فيه قليل وعظيم بل اقانيم متمايزة.

سابع عشر:

        إذا كان كلمة الله الآب وهو بالطبيعة الابن هو أقل من الآب، سواء في الصفات والكرامة الإلهية او في عدم التغيير او في اي شيء آخر يمكن ان يوصف بأنه أقل، فأن المشكلة ليست في الابن نفسه بل في الجوهر الذي يولد منه الابن لأن هذا الجوهر نفسه هو الذي يحتوي على القليل والعظيم مع أن غباوة هذه الفكرة ظاهرة بكل وضوح لأن الأشياء المخلوقة لا تحتوي على عظيم وحقير في جوهرها، فكل ما يثمر انما يعطي ثمراً لا يختلف جوهره عن الجوهر الذي أفرزه.

        وإذا قالوا ان الطبيعة الإلهية للآب هي فوق الشهوة، فمن الواضح ان الكلام عن العظمة والحقارة في الطبيعة الإلهية لا ينطبق على الآب طالما انه فوق الشهوة. وبذلك يصبح الله هو النموذج الكامل لكل شيء صالح فينا، وهو ما لا يسمح بأن يلد ابناً أقل منه بل مساوياً له في الجوهر ومن نفس جوهره لئلا يصبح الله الذي هو فوق الكل بما لا يقاس أقل منا.

ثامن عشر:

        “برهان منطقي يعتمد على استحالة النتيجة التي تصل اليها المناقشة”.

        يقول المسيح لتلاميذه موضحاً انه مساو للآب “الذي رآني فقد رأى الآب” (يوحنا 14: 9) فكيف يعلن الذي هو بطبيعته كائن بذاته، ذلك، وهو أقل من الآب؟ فإذا كان أقل من الآب وهو يعلن الآب بدون وساطة او تغيير فانه إذا استمر في اعلان الآب سوف يصبح مثل الآب، لأن الابن صورة الآب. ولكن هذا مستحيل. فالأقل لا يمكن ان يعلن الأعظم منه، اذن الذي فيه الآب والذي يعلن الآب لابد وان يكون كاملاً لأنه صورة الكامل اي الآب.

تاسع عشر:

        كيف يقبل الابن ان يكون أقل وهو فيه الآب الذي يقول عنه “كل ما هو للآب فهو لي” (يوحنا 16: 15)، وأيضاً يقول للآب “كل ما هو لي فهو لك، وكل ما هو لك فهو لي” (يوحنا 17: 10). ولو صح كلام المقاومين بأن الابن أقل وهو يقول للآب “كل ما هو لي فهو لك وكل ما هو لك فهو لي” فإن الوضاعة نفسها سوف تجد طريقها للآب أيضاً، والعظمة سوف تجد طريقها للابن لأن كل ما هو للآب هو للابن وكل ما هو للابن هو للآب، ومنطقياً سوف تظهر العظمة والوضاعة في الاثنين، وسوف نرى ما في الابن في الآب وما في الآب في الابن لأن الصفات وأحدة. وبالتالي لن يوجد ما يمنعنا من ان نقول ان الآب أقل من الابن وان الابن أعظم من الآب. وهذا هو أكثر الأفكار استحالة. لذلك فالابن مساو للآب وليس أقل منه لأن له جوهر الآب نفسه مشتركاً به مع الآب.

عشرون (برهان ثان مثله):

        إذا كان كل ما للآب هو للابن، والآب له الكمال، فان الابن يكون كاملاً هو ايضاً لأن له كل خصائص وأمجاد الآب. لذلك فهو ليس أقل من الآب حسب كفر الهراطقة.

وأحد وعشرون:

        “مثل البرهان السابق الذي يعتمد على استحالة النتيجة وهو خلاصة البراهين السابقة”

        على الذين يسكبون هذه النار المشتعلة على رؤوسهم اي الذين يرفضون التعليم السليم، للعقائد الإلهية، ويخترعون حيل ذات ألوان مختلفة للخداع وللقضاء على البسطاء ان يقولوا لنا:

        هل الآب أسمى من الابن وأعظم منه بمقارنة الابن مع الآب؟ وهل الابن لذلك أقل من الآب بالمقارنة مع الآب؟ انني افترض انهم سيقولون انه أسمى من الابن، وعليهم في هذه الحالة ان يقولوا لنا ما هي اسباب عظمة الآب؟ إذا لم يقدموا اسباباً، فان كلامهم ضد الابن يسقط. أما إذا كان هناك اختلافاً كبيراً فإن الآب أسمى لأن عنده بعض الميزات التي لا يملكها الابن، وعليهم في هذه الحالة ان يقولوا لنا: عندما ولد الآب الابن، لماذا ولده أقل منه وليس مساوياً له؟ فلو كان من الأفضل للآب ان يلد الابن مساوياً له فمن الذي منعه من ذلك؟ ولو قالوا ان هناك من منع الآب او ان الضرورة هي التي حتمت ذلك فانهم بذلك يعترفون رغماً عنهم ان هناك من هو أعظم من الآب. وهذا ضد برهانهم كله. وإذا لم يكن شيء على الإطلاق يمنع الآب لأن له القوة والمعرفة التي تجعله يلد الابن مساوياً له، الا انه مع ذلك جعله أقل منه، وهذا حسد واضح من جانب الآب بل عين شريرة، لأن الآب اختار ان لا يعطي المساواة للابن. والنتيجة اذن، إما ان الآب عقيم، إذ عجز عن العطاء، او أنه صاحب عين شريرة. وهذه هي النتيجة الحتمية للادعاء بأن الابن أقل من الآب. وهذا كله مستحيل. لأن الطبيعة الإلهية الواحدة هي فوق الشهوة والحسد. لذلك فالابن ليس أقل من الآب، ولم يفقد المساواة مع الآب، ولم يكن الآب بلا قوة لكي يلد الابن أقل منه، بل ولده مساوياً له، ولم تمنعه عين شريرة من اختيار الأفضل.

ثان وعشرون:

        لقد قال المخلص انه في الآب، والآب فيه. وواضح لكل وأحد، ان هذا لا يعني وجود جسد في جسد آخر، او وعاء في وعاء، وانما الصواب ان الواحد يعلن الآخر. لأن كل منهما في الآخر في الجوهر نفسه غير المتغير وله ذات الطبيعة الإلهية الواحدة غير المتغيرة، ولعل أقرب تشبيه هو ان يشاهد انسان وجهه في مرآة ويندهش من التطابق التام لدرجة انه يقول. “أنا في هذه الصورة وهذه الصورة في” أو مثلما تقول حلاوة العسل حينما توضع على اللسان “الحلاوة في العسل والعسل في” او مثل الحرارة الصادرة من النار كما لو كانت تقول “أنا في نار والنار في”. وكل هذه الأمثلة توضح لنا التمايز العقلي بين اثنين، ولكن هذه الأمثلة توضح وحدة الطبيعة، حتى ان في الأمثلة التي ذكرناها كل في الآخر دون انقطاع، ودون انفصال. ولكن قيمة هذه الأمثلة هي كيف ان الواحد يعلن الآخر، وكيف ان الجوهر وأحد “الإنسان والصورة، الحلاوة والعسل، الحرارة والنار” وعلى نفس القياس فبسبب عدم تغيير الجوهر، والدقة في تعبير الصورة عن الأصل فإننا نفهم ان الآب في الابن. فكيف يمكن والحالة هذه ان يقال ان الآب أعظم او ان الابن أقل. فإذا كان الآب في الابن والابن في الآب. فهذا يعني ان الكامل في الكامل اي في الابن، الذي يستطيع ان يحتوي الكامل، وهو الصورة المعبرة للآب ضابط الكل.

* من النصوص الأساسية في صلوات تقديس مياه المعمودية في كل الكنائس الشرقية، وكما هو ظاهر هو القضاء على الوحش الأسطوري. التنين، اي القضاء على فساد تصور عقل الانسان وقبول عبادة الله الواحد.

([1]) س تعني ان الشاهد مأخوذ من الترجمة السبعينية للعهد القديم.

([2]) على أساس أن Archi تتضمن معنى السيادة.

(*) فجوة في النص نفسه.

 

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج1 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي