أبحاث

رسالة رومية الأصحاح1 – عظة5، 6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح1 – عظة5، 6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح1 – عظة5، 6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح1 – عظة5، 6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
رسالة رومية الأصحاح1 – عظة5، 6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

العظة الخامسة:

” ولذلك أسلمهم الله إلى أهواء الهوان. لأن إناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعي. وكذلك الذكور أيضًا  تاركين استعمال الأنثى الطبيعي اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكورًا بذكور”  (26:1ـ27).

1ـ إن كل الشهوات الفاسدة هى بالتأكيد أمور مستهجنة، وبشكل خاص “الولع بالرجال”. لأن النفس الخاطئة تعاني كثيرًا وتشعر بخجل وإرهاق أكثر مما تعانيه من أمراض الجسد. انظر كيف أنه هنا أيضًا يقرر بأن هذه الأمور لا يصفح عنها تمامًا مثلما حدث في الأمور الإيمانية (عندما عبدوا المخلوق دون الخالق)، فقد أشار إلى أن هذه الخطايا تُحرم مرتكبيها من الصفح. هكذا أيضًا فإن النساء: ” استبدلن الإستعمال الطبيعي ” ولا يمكن للمرء أن يقول كيف وصلوا إلى هذا الحد، ولا كيف انتهوا إلى هذا الداء الغريب. لأن هؤلاء الشواذ لم يتمموا رغباتهم بشكل طبيعى، فالذي يمارس الشذوذ، يُصبح هذا التصرف شيمة له. هذا ما قاله الرسول من جهة الأمور الخاصة بالإيمان أيضًا ” الذين استبدلوا حق الله بالكذب[1]. وللرجال أيضًا يقول نفس الشئ : ” تاركين الإستعمال الطبيعي للأنثى” ومثل النساء، كذلك الرجال أيضًا قد حُرموا من كل تبرير أو دفاع عن هذا السلوك الشائن، متهمًا إياهم ليس فقط من جهة الشهوة، بل أيضا لأنهم أهانوا الإستعمال الطبيعي للأنثى، وسعوا وراء الشذوذ.

فالسلوك الشاذ هو أكثر صعوبة وأكثر تعاسة، حتى أن المرء لا يستطيع أن يقول إن لديهم لذة. لأن اللذة الحقيقية هى اللذة التي وضعها الله في الإنسان. فعندما يتركنا الله تصير كل الأمور في اضطراب وعدم انتظام. ولهذا لم تكن مبادئهم هى فقط التي من الشيطان، بل إن حياتهم أيضًا كانت منقادة بواسطة الشيطان.

فعندما تكلم الرسول عن الأمور الخاصة بالإيمان أشار إلى الكون بكل ما فيه وإلى عقل الإنسان حتى أنه لم يجد لهم عذرًا ” لأن أموره غير المنظورة تري منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنهم بلا عذر[2]. ويقول إنه من خلال العقل الذي وهبه الله للإنسان كان من الممكن أن يعرفوا الخالق من خلال تلك الأمور التي ينظرونها، لكن لأنهم لم يريدوا أن يفعلوا ذلك فقد صاروا خارج نطاق الصفح.

والملاحظ هنا أنه بدلاً من أن يتكلم عن العالم المرئي، فإنه يتحدث عن الشهوة التي وضعها الله في الإنسان، التي كان يمكن أن يتمتعوا بها بحرية أكثر، واستمتاع أكبر، وكان من الممكن أيضًا أن يتخلصوا من كل خجل، لكنهم لم يريدوا. ولذلك فلن يصفح عنهم، طالما أنهم قد أهانوا الطبيعة نفسها أي طبيعتهم، والأمر الأكثر إهانة من هذا، كان عندما أقدمن النساء على العلاقات الجسدية فيما بينهن والتي كان ينبغي عليهن الخجل منها أكثر من الرجال. وهنا ينبغي أن نُعجب بالأسلوب الذي تناول به القديس بولس هذا الأمر، فهو بحسب الظاهر وقع بين أمرين متناقضين، إلاّ أنه قد نجح في عرض الأمرين بمنتهى الدقة وذلك عندما أراد أن يتكلم بوقار، وفي الوقت نفسه يستفذ المستمع إليه. وهذان الأمران لا يجتمعان معًا، فإن أردت أن تتكلم بوقار، فلن تستطيع أن تستفذ المستمع إليك، ولو أردت أن تستفذه، فلابد أن يكون هذا الإستفذاذ بتعبيرات تتسم بالحكمة. ولهذا نجد أن الرسول بولس الحكيم العاقل قد استطاع أن يطرح الأمرين معًا بدقة متناهية من خلال الاشارة إلى الطبيعة البشرية، ووجوب السلوك بوقار وتقوى نحوها. وبعد التحدث عن مخالفات النساء يأتي إلى الحديث عن الرجال قائلاً: ” وكذلك الذكور أيضًا تاركين استعمال الانثى الطبيعي“. إن هذا الشذوذ يعد دليلاً على السلوك المشين، وهو يوضح أن هذا التصرف بعيدًا عن كل القيم الأخلاقية. فالرجل الذي تعيّن أن يكون رأسًا للمرأة، وهذه المرأة التي أُمرت أن تصير مُعينًا للرجل، نجدهما يصنعا أمورًا غير لائقة.

انظر كيف يستخدم الرسول الكلمات بتدقيق، لأنه لم يقل إن الواحد يحب الآخر، أو أن الواحد يشتهي الآخر فقط، بل ” اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض“. أرأيت أن الشهوة تأتي من الشراهة. لأن هذه الشهوة لم تحتمل أن تبقى داخل حدودها الطبيعية. لأن كل شيء يتجاوز القوانين التي وضعها الله، تقود إلى أمور شاذة وغريبة، لكن لو تساءلت، ما الذي يجعل هذه الشهوة تسيطر؟ أقول الإبتعاد عن الله. والإبتعاد عن الله من أين يأتي؟ يأتي من الخطايا التي يرتكبها أولئك الذين ابتعدوا عن الله وهم ” فاعلين الفحشاء ذكورًا بذكور“. 

 

2ـ وعندما تسمع، أنهم “اشتعلوا” بشهوتهم فلا تظن أن هذا يعود إلى الشهوة فقط، لأن الجزء الأكبر من هذه الشهوة يعود إلى عدم مبالاتهم التي أشعلت هذه الشهوة. ولهذا لم يقل إنهم انجذبوا أو أنهم كانوا محصورين بالشهوة، الأمر الذي قاله في موضع آخر، لكنه قال ” فاعلين” واعتبر الخطية عمل، وليس فقط عمل عادى، بل هو عمل مدروس. ولم يقل شهوة بل قال ” الفحشاء” بالمعنى الحصرى. لأنهم بالحقيقة أخجلوا الطبيعة وداسوا على القوانين. ولاحظ أن هذا السلوك الشاذ لم يمارس بين الرجال فقط، بل بين النساء أيضًا، فقد صارت الأمور على غير طبيعتها فيما بينهم، وصاروا أعداء لأنفسهم ودخلوا في حرب مخيفة تجاوزت حتى الحروب الأهلية، حرب كثيرة الأشكال ومتعددة الأساليب، لأنهم قسّموا هذه المعركة إلى أربعة أنواع تتسم بالحماقة والمخالفة. لأن هذه الحرب لم تكن معركتين أو ثلاث بل هى أربع معارك كما سنوضح فيما يلى.

فانتبه إلى أن الاثنين كان ينبغي أن يصيرا واحدًا، وأعني الرجل والمرأة لأنه يقول “ويكونان جسدًا واحدًا“. الله جمع الجنسين فيما بينهما، غير أن الشيطان دمر هذه الوحدة، وغيّرها إلى أسلوب آخر، لقد فصل الجنسين فيما بينهما، وجعل الواحد يصير اثنين، بعكس القانون الالهي. لأنه يقول: “ويكونان جسدًا واحدًا[3] بينما نجد أن الشيطان قسّم الواحد إلى اثنين. هذه هى الحرب الأولي وأيضا هذان الاثنان قد جرهم إلى حرب ضد أنفسهم وحرب فيما بينهما. لأن النساء أهانوا بعضهن البعض، وليس فقط الرجال،  والرجال أهانوا بعضهم البعض وأيضًا أساءوا إلى جنس النساء، تمامًا كما لو كانت معركة في ظلام الليل. في كل هذه الحروب التي أوردناها نجد أنهم قد خالفوا الطبيعة نفسها. إذًا عندما رأى الشيطان أن إرادة الله تجمع الاثنين في واحد، اهتم أن يدمر هذه الوحدة. ويقطع هذه الرابطة، حتى يقضي على الجنس الإنساني، ليس فقط بألا يتكاثر الناس بشكل قانوني، بل من خلال جذبهم إلى حرب فيما بينهم.

 

” نائلين في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق ” (27:1).

لاحظ كيف أنه يعود مرة أخرى إلى ذكر مصدر الشر، أي الضلال الذي يأتي من السلوك المنحرف، قائلاً إن هذا الجزاء يأتي كنتيجة لهذا السلوك. ولأنه يتحدث عن جهنم وعن الجحيم، فقد صار مثارًا للسخرية لهؤلاء المضلين الذين فضلوا أن يعيشوا بهذه الطريقة الشهوانية، لذلك فهو يبيّن كيف أن الجحيم هو في هذه الشهوة وفي هذه اللذة المنحرفة. وتتحير وتندهش عندما تراهم يبتهجون بما يفعلون، لأنهم فاقدوا الحس. فأولئك الذين يتملّكهم ولع الشهوة، وأولئك الذين يعانون من هوس عقلى مع أنهم في مرات كثيرة يظلمون أنفسهم ويصنعون تصرفات شائنة، والتي لأجلها يحزن البعض، إلاّ أنهم يبتهجون ويستمتعون بهذه الأشياء المخجلة. ولذلك نقول إنه لهذا السبب تحديدًا ينالون عقابًا شديدًا لأنهم لا يميّزون الحالة التي يحيون فيها. إذًا يجب علينا أن نتوجه إلى الأصحاء لا إلى المرضى لكي نقرر ماذا نفعل. في عصور قديمة كانت هذه العلاقات الشائنة الشاذة، تبدو على أنها أمرًا قانونيًا، وقد حدد أحد مشرعيهم بأنه لا يجوز للعبيد أن يمارسوا التدريبات الرياضية ولا أن يصيروا مضاجعي ذكور، فهذه الممارسات كانت مقصور فقط على المواطنين الأحرار[4]. والواقع أنها ليست إلاّ حماقة. لكنهم لم يعتبروا أن هذه الحياة الشاذة هى حماقة، لأنهم قد فُتنوا بها كأمر حسن لا يستحقه العبيد، ولذلك فقد سمحوا بها للمواطنين الأحرار فقط.

هذا الأمر قد صنعه فلاسفة أهل أثينا، والعظيم بينهم سولونوس، ويستطيع المرء أن يجد كتب أخرى للفلاسفة مليئة بهذه الأفكار المريضة. ومع ذلك فإننا لا نقول إن هذا السلوك هو أمر قانونى، بل لنؤكد على أن كل مَن سلك هكذا هو من التعساء الذين لا يستحقون إلاّ الرثاء على أحوالهم. لأن ما أصاب النساء الساقطات، يعاني منه أيضًا الرجال أو من الأفضل أن نقول إنهم يعانون أكثر منهم. لأن بالنسبة للنساء الساقطات لو كانت العلاقة الجسدية بالرجل هى علاقة غير قانونية إن تمت خارج الزواج، لكنها في نهاية الأمر هى علاقة بين رجل وامرأة. لكن العلاقة الشاذة هى مخالفة وتأتي ضد الطبيعة. فإن لم يكن هناك عذاب جهنم أو تهديد بالعقاب لكان هذا السلوك في حد ذاته هو أسوأ عقوبة. فلو إنني رأيت شخصًا جسده قذرًا غير نظيف يجري، ثم بعد ذلك يرفض ارتداء ملابسه بل ويفتخر بهذا التصرف، سأشمئز من تصرفاته بل بالأكثر سأرثي حاله لأنه لا يشعر بقبح فعله. إن أولئك الذين يصنعون هذه الأمور هم أسوأ من القتلة، فالقاتل يفصل النفس عن الجسد، بينما من يسلك بطريقة غير مشروعة فإنه يدمر النفس مع الجسد. وإذا تحدثت عن أي خطية أخرى فلن تجد هناك خطية أكثر مخالفة وسوءً من هذه الخطية.

ولو أن هؤلاء الذين يصنعون هذه الأمور، يشعرون بمدي خطورتها علي حياتهم، لكانوا قد قبلوا حكم الموت مرات عديدة، حتى لا يجوزوا في هذه المعاناة.

 

3ـ هكذا فإنه لا توجد حماقة ولا شيء يثير الفزع أكثر من هذه المهانة. فإن كان القديس بولس قد تكلم عن الزنا قائلاً: ” اهربوا من الزنا. كل خطية يفعلها الإنسان هى خارجة عن الجسد، لكن الذي يزني يخطئ إلى جسده[5]، فماذا نقول نحن عن هذا الهوس، الذي يعد أسوأ بكثير من الزنا. لأنني لا أقول فقط إنك صرت مثل المرأة، بل أيضًا فقدت خاصية الرجولة، فلا أنت اكتسبت طبيعة النساء، ولا احتفظت بخاصية الرجوله التي فقدتها، بل إنك وُجدت خائنًا للطبيعتين ومستحق أن تدان وأن تُرجم من الرجال ومن النساء، لأنك ظلمت الجنسين معًا، ولكي تعلم كيف أن هذا السلوك هو أمر شائن جدًا، أقول لك لو أتى إنسان ووعدك أن يحولك من إنسان إلى حيوان ألا تتجنبه كمجرم؟ فإنك ارتكبت ما هو أكثر مهانة من التحول إلى حيوان. لأن الحيوان له استخدام مناسب لطبيعته، لكن ذاك الذي هو مشابه للزانية، لا يصير نافعًا لأي شئ. إذًا أخبرني لو أن شخصًا ما هدد بأن يجعل الرجال يلدون بدلاً من النساء وأن يصلوا إلى حالة النفاث، ألا نغضب منه ونثور عليه؟

والآن ها هم البعض يفعلون أمورًا مخيفة ضد أنفسهم، أولئك الذين يرغبون بهوس شديد في ممارسات شاذة ومخالفة. لأنه هناك فرق بين أن يُغيّر الرجل جنسه ويصير امرأة، وبين أن يفعل وهو رجل ما تفعله النساء الساقطات. فإنه من المنصف أن نقول إنه ليس رجلا وليس امرأة. ولو أردت أن تعرف مقدار هول هذا الشر، فلنسأل لأي سبب عاقب المشرعون أولئك الذين يجعلون من البعض خصيان، وستعرف أنه لا لأي شيء إلاّ لأنهم يقطعون جزء طبيعى. على الرغم من أنهم لم يفعلوا ظلمًا كبيرًا، لأن الخصيان في كثير من الأحيان لهم نفع حتى بعد خصيهم. ولا يوجد شيء بلا نفع أكثر من الإنسان الشاذ. لأنه ليس النفس فقط هى التي تعانى بل الجسد أيضًا يعانى من تلك الأمور الشائنة. أي جحيم سيستوعب هؤلاء. لكن لو أنك تسخر عندما تسمع عن الجحيم ولا تؤمن، فلنتذكر النار التي أحرقت أهل سدوم[6]. لأننا رأينا بالحقيقة في هذه الحياة الحاضرة صورة للجحيم. ولأن الأمر يتعلق بكثيرين لا يؤمنون بما سيحدث بعد القيامة، أي عندما يسمعون عن النار التي لا تطفأ، فإن الله يعاقبهم في الحياة الحاضرة. مثل هذا العقاب، هو ما حدث بالفعل لأهل سدوم. وقد شاهد أولئك الذين كانوا حاضرين ورأوا عقاب الله المرسل على المدينة وكيف أمطرت السماء نارًا وكبريتًا.

تأمل كم كانت خطية أهل سدوم وعمورة عظيمة، حتى أنهم رأوا وكأن الجحيم قد أُستعلن قبل وقته. ولأن الكثيرين ازدروا بالكلام[7]، وكنتيجة لأفعالهم وتزايد شرورهم، فإن الله أظهر الجحيم بطريقة جديدة. لأن هذا المطر الذي نزل على المدينة كان غريبًا، لأن العلاقات الجسدية بين الناس كانت غريبة. وهذا المطر ملأ الأرض، لأن الشهوة المنحرفة ملأت نفوسهم. ولهذا كان المطر بعكس المطر المعتاد. وقد جعل الأرض ليست فقط غير صالحة لإنتاج الثمار، بل أيضًا غير صالحة لاستقبال البذور. هذه الخطية كانت هى العلاقات الجسدية الشاذة بين الرجال في منطقة سدوم، وهل هناك ما هو أكثر بشاعة وأكثر حماقة من الرجل الزاني الشاذ؟ أعتقد أنه لا يوجد. ولهذا نقول كم أنتم أغبياء وأقل عقلاً حتى من الحيوانات غير العاقلة لأنه لا توجد علاقات على هذا المستوى بين الحيوانات، بل إن الطبيعة تعرف جيدًا قوانينها، لكنكم بسلوككم المهين هذا تجعلون الإنسان أكثر مهانة من الحيوانات. من أين نشأت إذًا هذه الشرور؟ إنها نشأت من حب اللذة ومن عدم معرفة الله. لأنه عندما يتجاهل البعض خوف الله، فإنهم يرتكبون كل الشرور.

 

4ـ ولكي لا يحدث هذا ينبغي أن نضع خوف الله أمام أعيننا. لأنه لا يوجد شئ يدمر الإنسان أكثر من فقدانه لمعونة الله، ولا شيء يقود لخلاصه سوى الالتزام بالتقوى والعيش في مخافة الله باستمرار. فإن كُنا نتردد كثيرًا في فعل خطية ما أمام الناس، وفي كثير من الأحيان نذوب خجلاً أمام الآخرين فلا نفعل شيئًا مخالفًا، فبالحرى يجب أن نفكر في مقدار السلام الذي سنتمتع به، عندما نضع الله أمام أعيننا.

لأنه عندما نسلك هكذا لن يقوى الشيطان على مهاجمتنا، وتعبه سيكون بلا هدف. لكن إذا رآنا مطروحين إلى خارج سالكين بلا ضابط، سيكون في مقدوره أن يخدعنا وينتصر علينا. وكما يحدث في السوق عندما يجنى  البسطاء من العبيد نتيجة أعمالهم وينالون عقابًا من أسيادهم وذلك عندما يتركون الخدمات الضرورية التي أرسلهم سادتهم من أجلها، ويكرسون جهودهم بلا هدف، وبلا معنى وينشغلوا بالعابرين بالسوق، وينفقون أوقاتهم في هذه الأمور، هكذا نجنى نحن أيضًا نفس النتيجة، عندما نبتعد عن وصايا الله. وعندما ننبهر بجمال الجسد وغناه، وكل الأمور الأخرى التي ليست لها أي علاقة بنا، أكرر أننا سنكون تمامًا مثل أولئك العبيد الذين يتركون أعمالهم ويلاحظون المتسولين المحترفين الذين لا يريدون أن يعملوا، وعندما يصلوا متأخرين إلى منازلهم فإنهم ينالون أسوأ العقوبات من سادتهم. وهذا هو حال الكثيرين الذين ابتعدوا عن طريق الله وسلكوا طرقًا أخرى وصنعوا أمورًا شائنة كثيرة. لأنه حقًا إن أردت أن تشغل نفسك، فهناك الوصايا الإلهية التي ينبغي أن تفتخر بها وتكرّس لها كل وقتك. وتكريس الوقت لتنفيذ وصايا الله لا يستحق السخرية، لكن يستحق منا الثناء والمديح الكثير. وما يستحق الانتقاد هو الابتعاد عن وصايا الله. ولكي لا نعاني مثل أولئك الذين ابتعدوا عن وصايا الله، لذا ينبغي علينا التمسك بها.

وأخبرني لماذا تقف أمام الغنى منبهرًا وفاقدًا للعقل؟ أي مناظر مبهرة تقدر أن تجذب نظرك؟ هل الخيول المزينة والعبيد من البربر والخصيان، هل هى الملابس غالية الثمن أم هى النفس التي صارت متزعزعة بهذه الأمور؟ أم أن تعبيرات الوجه العابس والإنحرافات والضجيج الكثير ومثل هذه الأمور هى التي تُثير هذا الإنبهار؟ وما هى الأمور التي تستحق الإعجاب في كل هذا؟ وفي أي شيء يختلف هؤلاء عن المتسولين الذين يرقصون ويتسكعون في الأسواق؟ فهؤلاء لأنهم يفتقرون للفضيلة فإنهم يرقصون بصورة مثيرة للضحك، وهم يذهبون هنا وهناك متجولين تارة حول موائد عامرة بالأطعمة الشهية، وتارة في بيوت نساء ساقطات، وتارة بالنفاق يعيشون عالة على الآخرين. وحتى لو أنهم لبسوا ملابس مذهبة، فإنه لهذا السبب تحديدًا هم تعساء، لأن تلك المظاهر تُعّد بالنسبة لهم مطلب هام وأمرًا مرغوب فيه.

من أجل هذا أرجو ألا تنظر إلى هذه الملابس المذهبة، بل انظر إلى نفوسهم العارية، ولاحظ أنها ربما تكون مليئة بجروح كثيرة، وفي حقيقتها خاوية ولا تستر أصحابها. إذًا ما هو المكسب الذي يناله الوثنيون من هذا الهوس؟ إنه من الأفضل حقًا أن يعيش المرء فقيرًا ويحيا بالفضيلة على أن يعيش ملكًا ويحيا في الرذيلة. لأن الفقير ربما يتمتع في داخله بكل الصحة النفسية ولا يشعر مطلقًا بفقره الخارجي، وذلك بسبب غناه الداخلي، بينما مَن يملك المال مع أنه يتمتع بكل الغنى الخارجى، فإنه ينسى الاهتمام بنفسه التي هى أثمن من كل شئ، متجاهلاً أنه سيقف في يوم الدينونة العظيمة، وسيدان مثله مثل الفقراء. ولأننا نعرف كل هذا فلنخلع الملابس المذهبة ولنلبس الفضيلة، ونقتنى الفرح الذي نناله بسببها. وهكذا فإننا ـ سواء في هذه الحياة الحاضرة أم في الدهر الآتي ـ سنتمتع بشكل فائق بالخيرات الكثيرة التي وعدنا الله بها، بالنعمة ومحبة البشر اللواتى لربنا يسوع المسيح الذي يليق به المجد والقوة والكرامة مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

العظة السادسة:

” وكما لم يستحسنوا أن يبقوا الله في معرفتهم أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق ” (28:1).

1ـ ولكي لا يظهر أنه يشير إلى ما يفعله هؤلاء فقط، مُركّزًا حديثه على العلاقات الشاذة فيما بينهم، فإنه يأتي فيما بعد على ذكر أنواع أخرى من الخطايا. يفعلها قوم آخرون. ولأن الرسول قد تعوَّد دائمًا أن يُحدّث المؤمنين عن الخطايا، وأنه ينبغي عليهم تجنبها، فإنه يُشير إلى الأمم كمثال ” لا في هوى شهوة كالأمم الذين لا يعرفون الله[8]. وأيضًا ” لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم[9]. وهنا يشير لخطايا هؤلاء الأمم، ولأجل ذلك يرى أن هؤلاء قد حرموا أنفسهم من كل صفح. ويقول إن هذه الخطايا، ليست نتيجة جهل، لكنهم يفعلونها في إصرار. ولهذا تحديدًا لم يقل، لأنهم لم يعرفوا الله لكن “وكما لم يستحسنوا أن يبقوا الله في معرفتهم ” مؤكدًا كيف أن هذه الخطية تأتي من رؤية فاسدة، مظهرًا أن هذه الخطايا لا تأتي من الأعضاء الجسدية كما يدعى بعض الهراطقة، لكن من الذهن والرغبة الخبيثة، وأن مصدر الشرور هو الذهن. وحيث أن الذهن قد صار فاسدًا بلا نفع، فقد بطل كل شيء طالما أن مصدر التوجيه (الذهن) قد فسد وصار بلا قيمة.

” مملؤين من كل اثم وزنا وشر وطمع ” (29:1).

لاحظ كيف يُشدد على كل ما يقوله. لأنه يقول كيف أنهم ” مملؤين من كل” وبعدما تكلم عن الشر بشكل عام، أتى إلى تفاصيله قائلاً: ” مشحونين حسدًا وقتلاً” لأن القتل يأتي من الحسد، كما ظهر في حالة هابيل وقصة يوسف. ثم بعد ذلك يقول ” مملؤين خصامًا ومكرًا وسؤًا. نمامين مفترين مبغضين لله” ثم يضع هذه الخطايا في ترتيب، تلك التي تبدو للبعض بلا أهمية، ثم يتصاعد بالإدانة حتى وصل إلى تحديد أقصى درجات الشرور قائلاً: ” ثالبين متعظمين” لأنه من بين الخطايا الأكثر رعبًا أن يكون المرء متعظمًا وهو مخطئ. ولهذا أدان أهل كورنثوس قائلاً: ” أفأنتم منتفخون[10]. إذًا فإن كان الشخص الذي يفتخر بإنجازاته، يفقد كل شئ عند موته، فكم سيكون عقابه شديدًا ذلك الذي يفتخر بالخطية؟ لأن هذا الإنسان لن يستطيع أن يقدم توبة فيما بعد.

ثم يقول:

” مبتدعين مدعين شرورًا ” (30:1).

هنا يُظهر أنهم لم يكتفوا بالخطايا التي يقترفونها، بل إنهم ابتدعوا خطايا أخرى. إن هذا الأمر يكشف أيضًا عن أن هؤلاء الناس يعرفون ماذا يفعلون، وليسوا مجرد أناس قد تأثروا بالآخرين وانجذبوا إلى الخطية. وإذ قد استعرض الخطايا والشرور التي إرتكبوها، عندما أظهر كيف ثاروا ضد الوضع الطبيعى في إطاعة الوالدين، حين قال ” غير طائعين للوالدين”. نجده بعد ذلك يتقدم نحو بيان جذور هذه البلايا الكثيرة، داعيًا هؤلاء أنهم “بلا عهد ولا حنو”، أى ليس لديهم محبة حانية. وهذه الخطية قد قال عنها المسيح بأنها سبب للشر بقوله ” ولكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين[11]. هذا بالضبط ما أعلنه الرسول بولس هنا، داعيًا هؤلاء:

” بلا فهم ولا عهد ولا حنو ولا رضى ولا رحمة ” (31:1)

مظهرًا أنهم بهذا قد خانوا هذه العطية التي وُهبت للطبيعة الإنسانية. لأننا نملك عاطفة حسب طبيعتنا، وهى أيضًا تملكها حتى الحيوانات المتوحشة فيما بينها، فيقول: ” كل حيوان يحب شبيهه وكل إنسان يحب قريبه[12]. لكن هؤلاء قد صاروا بما فعلوا أكثر وحشية من الحيوانات.

لقد عرض لنا القديس بولس من خلال كل هذه الأمور، المرض الذي تفشى في المسكونة نتيجة الإنحرافات الشنيعة، وأظهر بكل وضوح بأن كل مرض هو ناتج عن ما يبديه البشر من اللامبالاة والتهاون. ثم بعد ذلك يُظهر كيف أن هؤلاء قد حرموا من المسامحة. ولهذا قال:

” الذين إذ عرفوا حكم الله أن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت لا يفعلونها فقط بل أيضًا يسرون بالذين يعملون ” (32:1).

ومع أن القديس بولس يشير هنا إلى أمرين متباينين، إلاّ أنه قد نقض هذا التباين في الحال، إذ يطرح التساؤل الآتى: هل تجهل ما ينبغي عليك أن تفعله؟ وحتى لو أنك لا تعرف، فأنت نفسك السبب، لأنك ابتعدت عن الله، الذي هو مصدر معرفتك بكل هذه الأمور. لكن الآن قد ظهر ببراهين كثيرة أنك تعرف (حكم الله بشأن مَن يفعل الخطية)، وأنك تخطئ بكامل إرادتك، بل وتنجذب من الشهوة، لأنك تفعل هذا مع آخرين وتُسّر بهم أيضًا، لأنه يقول ” لا يفعلونها فقط بل أيضًا يسرون بالذين يعملون“.

إذًا فقد ذكر القديس بولس أولاً الخطية البشعة (لأن ذاك الذي يُسر بالخطية هو أكثر بشاعة من ذاك الذي يُخطئ) والتي لا يُصفح عنها، بهدف أن يمتنع الناس عن فعلها.

[1] رو25:1.

[2] رو20:1.

[3] تك24:2.

[4] انظر بلوتارخوس في كتابه حياة سولونا، الفصل الأول.

[5] 1كو18:6.

[6] تك12:19ـ30.

[7] أى كلام لوط الذي أخبر أهله بأن الرب مهلك المدينة (تك14:19)

[8] 1تس5:4.

[9] 1تس13:4.

[10] 1كو2:5.

[11] مت12:24.

[12] حكمة سيراخ 15:13.

رسالة رومية الأصحاح1 – عظة5، 6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب