آبائياتأبحاث

المقالة6 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة6 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة6 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة6 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم
المقالة6 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة السادسة

“ينبغى أن نكرس حياتنا لذاك الذي هو وحده الإله بطبيعته، ونحبه من كل النفس والقلب.”

 

كيرلس: سوف أتغافل بالتأكيد عن الحماقة التي لهذا الأمر، تاركين خدام التطهير في صمتهم، وسوف آتى أيضًا لنفس الأمر وسأقول إنه يمكن للمرء أن يدرك أن الذين يسجدون للشياطين إنما يعيشون كمثل الحمقى والجهلاء، ولا يفكرون في طريقة التطهير، ولا يدققون في حقيقة ما هو الرجس والدنس. لأن الزنى والشهوات التابعة له: علاقات مع ذكور والقتل والنميمة والحسد والتنجيم الكاذب والجُبن والخداع واليمين الباطل، كل هذه هي البقع والأدناس التي تلوث النفس والجسد والتي تُمحى بصعوبة جدًا. لكن هذه الأدناس لا النار ولا منابع المياه تستطيع أن تغسلها. متجاهلين أيضًا أنهم يلوثون النفس ويملأون العقل بالنتانة وهم يوّصون بالابتعاد عن الأجساد الميتة ويعرضون بذلك عن كل ما يخضع للفساد غير محترمين قوانين الطبيعة. وأيضًا المأكولات التي يشتهونها عن وعى، هم أنفسهم يتشككون إذا تصادف أن لمسوها بدون إرادتهم ويسرعون فورًا ليتطهروا بالنار والماء، كما لو كانوا مخلوقين ليصيروا قديسين ويكفى فقط الابتعاد عنها. هكذا ضلوا عن المعرفة وفقدوا عقلهم، وعن حق يُقال عنهم: “ويل لكم.. أيها القادة العميان الذين يصفّون عن البعوضة ويبلعون الجمل[1]. وبينما يعتبرون الذي يسبب التلوث الحقيقي عديم القيمة والنفع، يشعرون بالرعب الزائد من أجل الأمور التي لا تسبب أى أذى. لدرجة أنه، لو أن شخصًا منهم دخل قبور الأموات، يخلع ثيابه ويحلق رأسه ظانًا أن شعره ملوث، وهذه من الأمور التي يعلّمنا الناموس الإلهي أن نبتعد عنها ونهرب من تقليدهم. لأنه مكتوب أيضًا: ” لا تخمشوا أجسادكم ولا تجعلوا قرعة بين أعينكم لأجل ميت[2]. لأن الأدباء اليونانيون يرون أسطورة الإله أبولونوس والذي يسمونه فيفوfo‹bo أى النظيف والطاهر ويقولون إنه هو نفسه الشمس. هكذا يستخدمون كلمة فيفو من الفعل فيفازوfoib£zw بمعنى أُطهِّر. وأيضًا فيفازيستى foib£sqai بمعنى أتطهر بحسب نواميسهم وعاداتهم اليونانية.

          لكن الناموس الإلهي يمنعنا من ممارسة هذه العادات السيئة والكريهة. ليس من الصواب أن يُعتبر موت الأجساد دنس للنفس، ولا نعتقد أن القلوب تتدنس بمجرد رؤيتها مشهد ميت، ولا يليق لأجل هذا الحدث أن نقص الشعر. لأن هذا الأمر عبث وملىء بالفكر الوضيع. إذن بالصواب يقول الناموس الإلهي: ” لا تخمشوا أجسادكم”. هذا التطهير لن يفيد النفس، لكن بالحرى يؤذيها إذ يضلها عن معرفة الطريق المفيد ويبعدها عن ما هو لخيرها. دعونا نفكر بالآتى: توجد لدينا قوانين موضوعة من سادة الأرض (أى القوانين المدنية) تسمح بما يليق وتحرم ما لا يليق فعله. لكن لا أحد يستطيع أن يفلت من العقاب لارتكابه مخالفات، إن لم يسمح إحسان الملك بالعفو عنه ويغفر ذنبه. بنفس الطريقة إذن، مَن يخالف النواميس الإلهية، لا يمكن أن يصير طاهرًا، إن لم ينل هذا الطهر بالإحسان الإلهي. لأنه، إذا خالفنا نواميس النار والماء، إذ الخطية تنطلق (بحسب زعمهم) من هذه المخالفات، فدعونا نغسل الإدانة بالماء ولندع النار تأكل الدنس ومِن حق الذين ارتكبوا جرائم أن يُغفر لهم. لكن إذا صدقنا ما قيل إلى الله ” إليك وحدك أخطأت والشر قدام عينيك صنعت[3]، لأن واحد هو المشرع والديان، عندئذٍ، فإنه بسبب أنهم رفضوا رب الجزاء والغفران يكونون قد سقطوا في أفكار العجائز ظانين أن في الماء والنار قوة لتخلّصهم من الدينونة. فلتبتعد ـ أيها الإنسان ـ عن هذا الإنحراف واقترب فقط إلى الإله الحقيقي وسوف تسمعه يقول: ” أنا أنا هو الماحى ذنوبك لأجل نفسى وخطاياك لا أذكرها[4]. هذا هو التطهير الحقيقي وهذا هو المجد الروحى. لأننا قد تطهرنا نائلين بالإيمان بالمسيح غفران خطايانا، وتقدسنا بحميم الميلاد الثانى واغتنينا بغنى النعمة الإلهية، نعمة الروح القدس الذي كمثل النار يمحو الدنس الذي كان مثل كومة من القبح فوق أفكارنا. لذلك يقول الكتاب المقدس، أن تعتمد بالروح القدس وماء.

بلاديوس: هل سنصنف ضلالنا بهذه الأمور ضمن إطار عبادة الأوثان؟

كيرلس: بالتأكيد. لأن الأمر مليء بعدم الإيمان. ويمكن أن ينضم ويُحصى مع هذه الأمور، أي الاعتقاد بأن الأمور البشرية تُنظم بواسطة إرادة الآخرين ونحن ليس لدينا سلطة على حياتنا، لكن مبتدعي هذه التعاليم الذين يضعون خرافاتهم هم المتسلطون علينا. إني لا أعرف كيف يضعون القدر والحظ ويوم الميلاد كدفة تقود حياتنا، ويُعلِّمون بأن ليس أى أحد منا له الحق أن يريد ويحدد ما الذي ينبغي أن يفعله، لكن يسير كمثل المربوط بقيد مُلزم بإرادة المتسلطين. وبعد ذلك ما هو الأكثر سخافة مِن هذا؟ أي شر أعظم يستطيع أن يفعله الشيطان بالبشر من أن يقنعهم بأن يتصرفوا ويفكروا هكذا؟ لأنه، كيف يستطيع المرء أن يفكر في الأمور المفيدة ويفعلها بإرادته؟ وطالما هو قد عاش في هذه الأمور السيئة وهو راضٍ عن فعل الأمور التي لا تليق، فكيف يستطيع أن يدين ذاته وهو غارق في الحزن، وكيف يمكنه تغيير رأيه وفعله؟ مثل هؤلاء الذين يريدون أن يجوبوا ويبحروا في البحر، من الضروري أن يذهبوا في اتجاه الريح التي تهب عليهم من مؤخر السفينة، ويتوجهون بثبات نحو الاتجاه الذي يدفعهم الريح ناحيته. هكذا أيضًا من الضروري لهم أن يلتزموا بالأمور التي تقودهم إليها الحظ وإلى رياح المُقدَّر والمكتوب التي لا يمكن لهؤلاء أن يتجنبوه. أم تظن أنني لم أقُل الصواب؟

بلاديوس: كيف لا يكون كلامك هذا صواب؟

كيرلس: بناء على اعتقاد هؤلاء فإنه من الحماقة أن يُتوّج الإنسان الصالح بمدائح وأن يُعتبر جديرًا بالكرامة، بينما في نفس الوقت يُعتبر الشر والفُجر شيء سيئ.

بلاديوس: ماذا تقصد؟

كيرلس: يا بلاديوس، إن الميلاد والحظ ـ بحسب اعتقاد هؤلاء ـ يَسُودَان على الجنس البشرى التعيس في كل الأمور رغمًا عن إرادتهم، ولا يوجد شيء يتم بإرادتهم. إذًا ألا يكون الميلاد والحظ هما اللذان يتحكمان في كل الأشياء؟

بلاديوس: بالتأكيد.

كيرلس: تأمل بنفس الطريقة في الأمور البشرية، وسوف تتحقق جيدًا إلى أي حد نكون مستعبدين للشر، إن لم نتقدم ونسلك بإرادتنا إذ أننا ممسوكون ومربوطون تحت نير قُوى أُخرى في أي اتجاه، تُحرِّكنا كما تشاء في كل الأمور. وهكذا لن يكون لنا أي ثقة في أنفسنا بل سوف نُلِقي بالمسئولية على أولئك الذين يُوجِّهوننا وفق رأيهم. وهكذا لن يكون للبار أي ثناء، ولن يكون عقاب للظالم.

بلاديوس: تفكيرك صحيح جدًا.

كيرلس: إذًا عبثًا يُعجب مُبدعو هذه الأفكار بأثينيوس، سولونا، ودراكونداس، وليكورغوس لأنهم أدخلوا أفكارًا جميلة في اليونان ووضعوا قوانين مدنِيَّة حسنة. وأي فائدة من هذه الأمور، إن كانت كل الأمور تعتمد على الآخرين وليس علينا نحن؟ ويكون حالنا هو حال الذين يعترفون بالقوانين، الذين لا يستطيعون أن يفعلوا بحرية الأمور التي يختارونها بإرادتهم، وأظن ـ في هذه الحالة ـ أن واضعي القوانين المدنية يُعتَبَرون ظالمين بالرغم من أنهم نالوا منكم مجدًا عظيمًا بسبب قوانينهم العادلة. لأنهم شرعوا بوجوب معاقبة الكسالى وأن يُفرض عليهم ضربات مؤلمة بسبب عصيانهم، ووضعوا للشباب قوانين وطرق تربوية عظيمة مما يدل على أن الشباب يمكن أن يختاروا الظروف المعيشية الفاضلة بإرادتهم. وقد يقول أحدهم لسولون (الشاعر): كان من الواجب وأنت تُشرِّع للشباب أن تُقنِع إله القدر ليسمح للناس أن يفكروا وأن يفعلوا الأمور التي يريدونها. لكن أنت تُشرِّع بدون أن تُقنِع. وربما أنت (يا سولون) تستهزء بالأسطورة والحظ إذ أنك تعترف بأنه يمكننا أن نفعل كل الأشياء ونستبعد إله الحظ الظالم والقدر الأعمى من الأمور البشرية. إنك لا تعتقد أن المواطن الصالح هو الإنسان التقى والحافظ للقوانين الذي قد سما إلى قمة الصلاح، وكذلك فإن الخسيس والدنئ هو الذي يبتعد دائمًا عن حفظ القوانين باستقامة؟

بلاديوس:  قولك هذا حسن جدًا ومقنع جدًا.

كيرلس: ماذا إذًا، يا عزيزى، ألا نقول إن التعاليم التربوية والوصايا والتحريضات نحو الفضيلة التي يمارسها الآباء نحو أولادهم والمعلمون نحو تلاميذهم، هي بلا جدوى، لو أن الأولاد والتلاميذ سلكوا الطريق إجباريًا وليس بحسب إرادتهم، إذ يحيون بطريقة حياة لا يريدونها.

بلاديوس: بالتأكيد.

كيرلس: وإذا حدث أن شخصًا تشاجر مع أولاده بسبب أنهم أخطأوا، وقام بتوبيخهم، أسوف تمدحه أنت، أم ستعتبر هذا ظلمًا، لأنك تريد أن تتركهم بدون توبيخ على شرورهم؟

بلاديوس: يبدو لى أن كلامك مقنع.

كيرلس: هذا الاعتقاد (بالقدر والمكتوب والحظ) هو جحود عظيم وسوف ترى ذلك، إذ أنه يُزعزِع الإيمان بالله، مدبر الكون، إذ يصل المؤمنون به إلى درجة من الوقاحة تجعلهم يجردون الله من قدرته ويسلمون حياتهم لسيادة الحظ عليها، بالرغم من أنهم يرون بوضوح أن كل الخليقة تسير بمسارات منضبطة. أيوجد شئ في العالم يسير بدون نظام؟ وأي مخلوق من المخلوقات لا يسير بحسب النظام الموضوع له ولا يعترف بأنه يخضع للقوانين والنُظم التي وضعها مدبر الكون، وضابط الكل أي الله؟ لذلك فإن بولس العظيم يقول: ” لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى إنهم بلا عذر لأنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا في أفكارهم وأظلم قلبهم الغبي وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء[5]. فكيف لا يكونون حمقى وأغبياء عندما ينصحوا الآخرين بأن يعتقدوا بخلاف الحق. قد يقول لهم أحد ما فائدة أن يعتقدوا بالمعتقدات المخالفة للحق وهي نفسها لا ترضى حتى شعراءكم؟ إذ أن هؤلاء الشعراء يعتبرون أن تنظيم الأمور الواجبة الحدوث هو في سلطاننا وليس في سلطان الآخرين. لذلك فإن هوميروس في أشعاره يقول إن الإله ذياس Dίaj يتحدث مع آلهة أخرى عن زنى “إيجيستوس” (Aigistoj) وعن الجزاء الذي يستحقه. وياللأسف، كيف يتهم البشر الزائلون الآلهة باتهامات ثقيلة ويقول إن الشرور تأتى من الآلهة، وهكذا فإن أولئك يتألمون بعصيانهم وليس من القدر[6]. فلأى سبب ينسب البعض للآلهة متاعبهم ولا ينسبونها إلى أخطائهم التي تُسبب لهم النكبات؟ فإذا اختار المرء أن يعيش حياة مستقيمة وتكون حياته مملوءة بالحكمة واللياقة، فإن عليه أن يسلك بثبات متخطيًا الصعاب، وذلك بناء على قراره الصحيح والمشورة المستقيمة، ولا يترك نفسه أسيرة للأعمال الشريرة. لأن في مقدورنا أن نرى الاتجاهين، أقصد الخير والشر. والذين يقدّرون الطريق الصحيح سيصلون إلى جمال الفضيلة، أما الذين يحبسون أنفسهم في الشر ويفضلون الظلم، هؤلاء يفسدون الحياة نفسها ويكونون هم سبب هلاك لأنفسهم. وكما قُلت، فإنه باستطاعتنا أن نرى الاتجاهين، ونخفق في الحصول على كل ما يعود علينا بالنفع بسبب سقوطنا في اللذات. وقد صاح إفريبيدس Eurίpidhj أحد شعرائهم متحدثًا عن دور امرأة تفعل المعصية على المسرح، ثم بعد ذلك أظهرها تتفلسف وتقول:

يا نساء تريزيناس اللواتى تتطلّعن من شرفة بلاد بيلوباس أمام البحر

ذات ليلة تأملتُ بدون سبب

ما الذي يفسد حياة البشر الفانيين

وأعتقد أنه ليس قدرهم الذي جذبهم إلى الأسوأ

لأن كثيرون يستطيعون أن يجدوا الصواب

لكن ينبغى علينا أن نفكر هكذا:

بالتأكيد نحن نعرف الخير

لكن نهرب من فعله

البعض يحبون الرخاوة

وآخرون يفضلون اللذة

والحياة مليئة باللذات الكثيرة والثرثرة والبطالة، شر رهيب[7].

هل أدركتَ أن القدماء لم يلقوا المسئولية على الحظ أو تاريخ الميلاد أو القدر، وأن هؤلاء (المعتقدون بالقدر والحظ والمكتوب) يخرجوننا إجباريًا بعيدًا عن المشورة الصحيحة وبعيدًا عن الأمور التي نعرف أنها صحيحة؟ لأنه يقول إن حياة البشر تسوء ليس بسبب طبيعة فكرهم، أى ليس لأنهم بالطبيعة ذوو فكر شرير، لكن لأنهم لا يريدون أن يفعلوا الأمور التي يعرفون أنها صحيحة. وما هو السبب؟ الكسل هو الذي أوقفهم وطرحهم في البطالة، أو أن لذة من اللذات قد استولت عليهم وخدعت عقولهم وأبعدتهم عن طلب الضروريات، عارضة طريق الرخاوة الذي يغرى بالراحة. وسوف نستطيع أن نجمع هذه الأمور وكثير غيرها من كتاباتهم بسهولة جدًا. ولا أظن أن أحدًا لديه شك في أن الكلام الذي قيل هو كافٍ للسامعين؟ لذلك سوف نتجنب الاسترسال في الكلام.

بلاديوس: حسنًا. لكن فكر كيف سيكون الجواب إذا سألك البعض عن السبب في عدم المساواة، والصعود والهبوط في المكانة بين البشر. فيمكن أن نرى الشرير يترفه ويغتنى، بينما الصالح يتعرض مرات كثيرة لأمور عكس ذلك.

[1] مت24:23.

[2] تث1:14.

[3] مز4:51.

[4] إش25:43.

[5] رو20:1ـ22.

[6] هوميروس، أوديسا32:1ـ35.

[7] إفريبيدس: أبوليتوس المتَّوج: 373ـ385.

 Eurip…dh, IppÒlutoj StefanhfÒroj st.373-385

 

المقالة6 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم