آبائياتأبحاث

المقالة10 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم
المقالة10 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة العاشرة

استكمالاً للحديث السابق “عن الخيمة المقدسة، وعن الأشياء الموجودة فيها”

 

كيرلس: كان المشرع والقاضي محقًا حين أمر بضرورة تتميم الذبائح في الخيمة المقدسة، محاولاً بذلك أن يبعدهم عن العبادة الزائفة التي لا أساس لها، أقصد العبادة المصرية القديمة، حيث كان يوجد هزلٌ كثيرٌ في عبادة الأصنام، وحشدٌ متناقضٌ من الآلهة الكاذبة، كان مِن المستحيل على مَن كانوا يعبدونهم أنْ يعرفوهم. وكان هناك أيضًا فوضى في الذبائح بحسب ما يريد كل واحدٍ، وذلك طبقًا لحديث مرتجل لأحد حكماء اليونان الذي يقول: “إنَّ كل واحد يذبح لإله آخر”.

 

إذًا، فقد أراد أنْ يبعدهم عن مثل هذه الوقاحة والسخافة والانشغال الدنس بعبادة غبية تمامًا، ولذلك قال أيضًا في سفر اللاويين: ” كَلِّمْ هَارُونَ وَبَنِيهِ وَجَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: هذَا هُوَ الأَمْرُ الَّذِي يُوصِي بِهِ الرَّبُّ قَائِلاً: كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ يَذْبَحُ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا أَوْ مِعْزًى فِي الْمَحَلَّةِ، أَوْ يَذْبَحُ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ، وَإِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ لاَ يَأْتِي بِهِ لِيُقَرِّبَ قُرْبَانًا لِلرَّبِّ أَمَامَ مَسْكَنِ الرَّبِّ، يُحْسَبُ عَلَى ذلِكَ الإِنْسَانِ دَمٌ. قَدْ سَفَكَ دَمًا. فَيُقْطَعُ ذلِكَ الإِنْسَانُ مِنْ شَعْبِهِ ” (لا17: 2 ـ 4).

 

وكونُه يسكبُ دمًا؛ فلأنه عُدَّ مذنبًا بجريمة القتل، ذلك الإنسان الذي ذبح خارج الخيمة. فمن يحاول ألاَّ يقدِّم الذبيحة للإله بطبيعته، بل يقدِّمها إلى أحجارٍ وتماثيلَ من خشبٍ، وإلى ضلالاتٍ شيطانية، يصير قاتلاً لذاته ويُهلك نفسه.

 

أمَّا أنه لم يأمر بأن تُساق الذبيحة عامةً إلى أبواب الخيمة، بل تُقدَّم تحديدًا إلى الله، فهو ما يظهره بوضوح قائلاً: ” وَلاَ يَذْبَحُوا بَعْدُ ذَبَائِحَهُمْ لِلتُّيُوسِ الَّتِي هُمْ يَزْنُونَ وَرَاءَهَا ” (لا17: 7). إذًا، فهو يحرَّم تمامًا الذبائح التي يقدمها كل واحد إلى ما يريد دون تمييز، ويوصي ـ بوضوح ـ أن تُتمم العبادة للإله بطبيعته فقط.

بلاديوس: عرضك لهذا الأمر واضحٌ جدًا وممتاز.

كيرلس: سيكون مفيد لنا لو فكرنا ـ بطريقةٍ أخرى ـ في أن تصير الذبائح وتُقدم الضحايا المقدسة داخل الخيمة المقدسة.

بلاديوس: ماذا تقصد؟

كيرلس: ألم نقُل إنَّ الثَّورَ هو مثال لعمانوئيل الذي ذُبح بالقرب من الخيمة المقدسة من أجل الكاهن وخطايا الشعب عن جهل؟

بلاديوس: نعم قلنا هذا.

كيرلس: إذًا، هكذا نقول إنَّ سر المسيح يجب أن يتُمم داخل كنائس الله كما لو كانت خيمة مقدسةً، وهو ما نراه ـ رمزيًا ـ في علامةٍ أخرى، حيث شرَّع سلفًا ـ حين ارتحل الإسرائيليون من أرض مصر ـ الطريقة التي يجب أن يُذبح بها الخروف كمثال للمسيح، فقال: ” فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ يُؤْكَلُ. لاَ تُخْرِجْ مِنَ اللَّحْمِ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى خَارِجٍ” (خر12: 46). إذًا، فبالرغم من أنه توجد خيمةٌ حقيقيةٌ مقدسة، يخالف الهراطقةُ إرادة الله عندما يقيم هؤلاء لأنفسهم خيامًا أخرى ويذبحون الخروف وينقلونه بعيدًا جدًا عن المسكن، مجزِّئين بذلك مَن لا يقبل التجزئة. لأنَّ المسيحَ واحدٌ وكاملٌ في كل شيءٍ.

أيضًا ينصح الشارح الحكيم لمقدسات موسى في سفر التثنية قائلاً: ” اِحْتَرِزْ مِنْ أَنْ تُصْعِدَ مُحْرَقَاتِكَ فِي كُلِّ مَكَانٍ تَرَاهُ. بَلْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ فِي أَحَدِ أَسْبَاطِكَ. هُنَاكَ تُصْعِدُ مُحْرَقَاتِكَ، وَهُنَاكَ تَعْمَلُ كُلَّ مَا أَنَا أُوصِيكَ بِهِ. وَلكِنْ مِنْ كُلِّ مَا تَشْتَهِي نَفْسُكَ تَذْبَحُ وَتَأْكُلُ لَحْمًا فِي جَمِيعِ أَبْوَابِكَ، حَسَبَ بَرَكَةِ الرَّبِّ إِلهِكَ الَّتِي أَعْطَاكَ. النَّجِسُ وَالطَّاهِرُ يَأْكُلاَنِهِ كَالظَّبْيِ وَالإِيَّلِ. وَأَمَّا الدَّمُ فَلاَ تَأْكُلْهُ. عَلَى الأَرْضِ تَسْفِكُهُ كَالْمَاءِ” (تث12: 13 ـ 16). إذًا، خطيةً وجرمًا لذهنٍ دنسٍ إذا ما أصعد ذبيحةً في كل مكان، ولم يُتمم سر المسيح في بيت الله.

بلاديوس: أنت تقول الصواب. ولكن دعنا ـ إذا أردت ـ نعرض لكل ما شُرع بخصوص هذا الموضوع في سفر اللاويين.

كيرلس: مكتوب الآتي: ” وَكُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمِنَ الْغُرَبَاءِ النَّازِلِينَ فِي وَسَطِكُمْ يَأْكُلُ دَمًا، أَجْعَلُ وَجْهِي ضِدَّ النَّفْسِ الآكِلَةِ الدَّمَِ وَأَقْطَعُهَا مِنْ شَعْبِهَا، لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ. لِذلِكَ قُلْتُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: لاَ تَأْكُلْ نَفْسٌ مِنْكُمْ دَمًا، وَلاَ يَأْكُلِ الْغَرِيبُ النَّازِلُ فِي وَسَطِكُمْ دَمًا. وَكُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنَ الْغُرَبَاءِ النَّازِلِينَ فِي وَسَطِكُمْ يَصْطَادُ صَيْدًا، وَحْشًا أَوْ طَائِرًا يُؤْكَلُ، يَسْفِكُ دَمَهُ وَيُغَطِّيهِ بِالتُّرَابِ. لأَنَّ نَفْسَ كُلِّ جَسَدٍ دَمُهُ هُوَ بِنَفْسِهِ، فَقُلْتُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: لاَ تَأْكُلُوا دَمَ جَسَدٍ مَا، لأَنَّ نَفْسَ كُلِّ جَسَدٍ هِيَ دَمُهُ. كُلُّ مَنْ أَكَلَهُ يُقْطَعُ ” (لا 17: 10 ـ 14). إذًا لاحظ كيف أنَّ الدم ـ بوضوحٍ ـ يعتبر كمثالٍ للنفس.

بلاديوس: إنني أفهم ما تقوله.

كيرلس: إذن، يفصلُ الناموس وينـزعُ الدمَ عن جسد الذبائح الحيوانية مُعلِّمًا إيانا الحقيقةَ الحكيمةَ المقبولةَ في إيماننا والتي تكرِّمها كنائسنا، وهي أنَّ نفس الإنسان العاقلة خُلِقَتْ على غير فساد، وهي تتصرف باعتبارها خالدة لا يصيبها الموتُ بالفساد، مثلما تفسد الأجساد الأرضية. بل بالحري يحررها الخالق من الأرضيات ويُصعدها إلى السماء نازعًا عنها الآلام ومانحًا لها الحياة. لأنَّ الإنسانَ منذ البداية خُلِقَ كنفسٍ حيةٍ، ووضع الله فيها نسمةَ الحياة، هكذا مكتوب (انظر تك2: 7).

 

وإذا قلنا إنَّ النفسَ التي صارت لكي تحيا، دُمِّرَتْ مثلها مثل الأجساد الوقتية (الفانية)، فلا بُد أن ننتهي ـ كما أعتقد ـ إلى أنَّ هناك ضعفًا يكمن في الحياة التي تحيي كلَّ شيءٍ. وفي المقابل، عندما نؤمن بخلودها بسبب أنَّ الله الخالق يريد ذلك (وإنه هو الذي يعطيها الحياة)، فإننا سوف نتوَّج بالفهم الجميل إذ ” بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ ” (أع17: 28).

 

هذا هو الحديث الخاص بالتشريع. لكن دعنا نمضي في الحديث عن الترتيبات الأخرى المتعلقة بالخيمة. قال الله في سفر الخروج:   ” لاَ تَذْبَحْ عَلَى خَمِيرٍ دَمَ ذَبِيحَتِي ” (خر34: 25). الدمُ غير المسكوب يجب أنْ يكون بدون خُبزٍ مختمِرٍ، لذا على مَن يقدِّم الذبيحةَ إلى الله ألاَّ يضيف إليها الخبز المختمر. بمعنى أنه يجب علينا أنْ نكون أطهارًا وبدون خمير، أي دون أنْ يكون في ذهننا أي دناءة أو خبث. لكن نكرس نفوسنا ـ والتي يرمز لها هنا بالدم ـ لله. وبولس يدعو أولئك الذين يحفظون نفوسهم نقية وطاهرة من الدناءة ـ وذلك بالإيمان بالمسيح والمحبة الكاملة ـ يدعوهم بالعجين الجديد والفطير (المنـزوعة منه الخميرة العتيقة) (انظر 1كو5: 7).

 

أيضا يقول: ” وَلاَ يَبِتْ شَحْمُ عِيدِي إِلَى الْغَدِ ” (خر23: 18) أي لا تقدِّم شحمًا باقيًا من الأمس وتعتبره تقدمةً زكيةً. على الجانب الآخر نرى في سفر اللاويين هذا الأمر واضحًا جدًا إذ يقول لمَن يقدِّم الذبيحة: ” وَإِنْ كَانَتْ ذَبِيحَةُ قُرْبَانِهِ نَذْرًا أَوْ نَافِلَةً، فَفِي يَوْمِ تَقْرِيبِهِ ذَبِيحَتَهُ تُؤْكَلُ. وَفِي الْغَدِ يُؤْكَلُ مَا فَضَلَ مِنْهَا. وَأَمَّا الْفَاضِلُ مِنْ لَحْمِ الذَّبِيحَةِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَيُحْرَقُ بِالنَّارِ. وَإِنْ أُكِلَ مِنْ لَحْمِ ذَبِيحَةِ سَلاَمَتِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لاَ تُقْبَلُ. الَّذِي يُقَرِّبُهَا لاَ تُحْسَبُ لَهُ، تَكُونُ نَجَاسَةً، وَالنَّفْسُ الَّتِي تَأْكُلُ مِنْهَا تَحْمِلُ ذَنْبَهَا ” (لا7: 16 ـ 18). إذن، فهو يرفض ـ للذبيحة ـ الضحيةَ التي من أول أمس، ويوضِّح هذا قائلاً: ” وَمَتَى ذَبَحْتُمْ ذَبِيحَةَ شُكْرٍ لِلرَّبِّ، فَلِلرِّضَا عَنْكُمْ تَذْبَحُونَهَا. فِي ذلِكَ الْيَوْمِ تُؤْكَلُ. لاَ تُبْقُوا مِنْهَا إِلَى الْغَدِ. أَنَا الرَّبُّ ” (لا22: 29 ـ 30). ” وَالنَّفْسُ الَّتِي تَأْكُلُ مِنْهَا تَحْمِلُ ذَنْبَهَا ” (لا7: 18).

بلاديوس: وما هو القصد من هذه الأمور ؟

كيرلس: لقد أظهر لنا الناموس ـ مراتٍ كثيرةٍ ـ أنَّ الكتاب المقدس أعتاد أنْ يعطي الزمن بُعدين: الزمن الذي كان يسرى فيه الناموس، والزمن الذي أشرق فيه المسيح علينا. وأحيانا يدعوه البُعد الثالث؛ لأن الفترة البينية التي أشرق فيها خورس الأنبياء كانت فترة البُعد الثاني.

 

ونلاحظ أنه في زمن موسى والأنبياء، كانت طريقة العبادة واحدة إذ كانت ظلالُ الناموس سائدةً. لكن، عندما يصير الغد، أي عندما يبدأ الوقت الثالث، وينير المسكونةَ النورُ غير المادي، أي المسيح، ينحل الضباب القديم، لذا لا تعود مقبولةٌ طريقة العبادة القديمة، ولا يُقبل شحمُ ذبيحةِ أمس أو أول أمس أمام الرب، بل يكون دنسًا بالنسبة لأولئك الذين يقدِّمون شحم هذه الذبيحة المرفوضة من قِبل الله إذًا قُدِّمت في وقتٍ مخالفٍ.

 

ألا تعتقد أن هذا يتفق مع الحق، وذلك عندما أنار المسيح ـ بتعاليمه الإنجيلية ـ نفوس القديسين، وقادهم بامتياز إلى العبادة الروحية، وصارت الأوامر الناموسية الطقسية نافلةً بلا فائدة؟

بلاديوس: هذا حقٌ. وسوف أذكر بولس الرسول الذي دعا مفاخر الناموس نفايةً وخسارةً بسبب عظمة معرفة المسيح (انظر فيلبي3: 8). وأعرف أنه كتب لبعض الأشخاص قائلا: ” أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ إِنِ اخْتَتَنْتُمْ لاَ يَنْفَعُكُمُ الْمَسِيحُ شَيْئًا ” (غلا5: 2).

كيرلس: أنت تقول الصواب. إنه من الخطيئة والدنس ـ بعد ظهور المسيح وانقضاء وقت الناموس والأنبياء ـ أنْ نظل في عبادة الظِّل ونرغب في تقديم خرافٍ أو شحمٍ إلى الله، بينما الابن يقول بكل وضوح إلى الله الآب: ” بذبيحةٍ وتقدمةٍ لم تُسرَّ. لكن هيأت لي جسدًا. محرقةً وذبيحة خطية لم تطلب. حينئذ قلت هاأنذا جئت. بدرج الكتاب مكتوب عنى أنْ أفعل مشيئتك يا إلهي سررت. وشريعتك في وسط أحشائي ” (مز40: 6ـ8 س).

 

          بما أنَّ الابن قدَّم ذاته لأجلنا كذبيحةٍ مقدسةٍ كاملةٍ، فقد وضع نهايةً للعبادة الناموسية التي لم تستطع أنْ تزيل الخطايا؛ لأن غاية الناموس والأنبياء هو المسيح.

بلاديوس: تتحدث الصواب.

كيرلس: إذن، كان الآبُ لا يدني منه بالعبادة الناموسية، بينما بعد التكميل الذي صار بواسطة المسيح أصبح يُقتَرَبُ إليه ـ فقط ـ بواسطة الابن. لذلك يقول: ” لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي ” (يو14: 6). وكون أنَّ الشيء الذي لا يصير بواسطة المسيح يكون غير مناسبٍ وليس كاملاً، بينما الشيء الذي يصير بواسطة المسيح ومن خلاله يكون مقبولاً ومقدسًا، فهذا ما يوضحه الناموس في سفر الخروج فقد كُتِب: ” لاَ تَطْبُخْ جَدْيًا بِلَبَنِ أُمِّهِ ” (خر34: 26). وفي سفر اللاويين: ” مَتَى وُلِدَ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ أَوْ مِعْزًى يَكُونُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ تَحْتَ أُمِّهِ، ثُمَّ مِنَ الْيَوْمِ الثَّامِنِ فَصَاعِدًا يُرْضَى بِهِ قُرْبَانَ وَقُودٍ لِلرَّبِّ. وَأَمَّا الْبَقَرَةُ أَوِ الشَّاةُ فَلاَ تَذْبَحُوهَا وَابْنَهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ” (لا22: 27 ـ 28).

 

لا يَسمح بذبح الخروف حديث الولادة، والذي مازال يرضع؛ لأنه لم يكتمل ولم ينضج، ولم يكن بعدُ مقدسًا، ولذلك فهو غير مقبول من الله. أمثال هذا هم بعض الأغبياء وقليلي المعرفة الذين كتب إليهم بولس الرسول قائلاً: ” لأَنَّكُمْ ­إِذْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ لِسَبَبِ طُولِ الزَّمَانِ­ تَحْتَاجُونَ أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ مَا هِيَ أَرْكَانُ بَدَاءَةِ أَقْوَالِ اللهِ، وَصِرْتُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى اللَّبَنِ، لاَ إِلَى طَعَامٍ قَوِيٍّ ” (عب5: 12). إذن، من لا يزال يشربُ لبنًا ويرضع فهو ليس كاملاً، أقصد من جهة الفهم والقوة الروحية، لكن ليت حديثنا ينتقل من الأمثلة والأمور المحسوسة والمصنوعة بالأيدي إلى الأمور الفوق حسية والأمور الذهنية، وسوف تفهم جيدًا أنَّ الكل قد صار بواسطة المسيح كاملاً ومقبولاً. بمعنى أنَّ الحيوانات التي تُجمَع وتقدَّم إلى الله ـ مكتوبٌ ـ يجب أنْ تكون سبعة أيام مع أمهاتها، بينما في اليوم الثامن، وبعد ذلك اليوم يمكن أنْ تقدَّم وتصير ذبائح إلى الله.

بلاديوس: ليس السببُ واضحًا بعد.

كيرلس: ألا تعتقد أنَّ اليوم الثامن هو يوم قيامة المخلص؟ وهو بدايةُ زمنٍ جديدٍ حيث انقضى زمن الناموس مثلما انقضت الأيام السبعة الأولى للمولود؟

بلاديوس :أعتقد بالطبع أنه يوم قيامة المخلص.

كيرلس: بناء على ذلك، الذي ما يزال في زمن الناموس لم يتقدَّس بعد، ولم يُقدَّم بعد. بينما يمكن تقديم أي شيء ينتمي إلى زمن المسيح (أي من اليوم الثامن فصاعدًا)، ويصير مقبولاً من الله. لأنَّ دعوة المسيح لم تنتهِ لأنها قد بدأت بالقيامة. وهذا ما قاله الابنُ مرةً: ” وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ ” (يو12: 32) وأيضا قال:  ” اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ ” (يو12: 24).

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب. ولكن ماذا يعني أيضا أنه لا يجب أنْ تُذبح الأم (البقرة أو الشاة) وابنها في بطنها؟

كيرلس: حين شرَّعَ ما يتعلق بالمسيح، وأعلن ـ بطريقةٍ حسنةٍ جدًا ـ الكمالَ بواسطة المسيح، لم يجهل ـ كإله ـ عصيان اليهود وعناد أورشليم، ولأجل هذا السبب، سيَهلك الإسرائيليون باعتبارهم قاتلي المسيحيين، وبسبب سلوكهم الوحشي والمخالف ضد الابن. غير أنَّ أورشليم لن تُنقض من أساساتها مرةً واحدةً وإلى الأبد، ولكنها ستظل خربةً من الأولاد منتظرةً خلاصها في الأزمنة الأخيرة، وهى مسرعة خلف الأمم؛ لأنها ستمتد ناحية الجنوب، أي إلى الخلف وفق كلام المرنم: ” سيضعهم على الأكتاف ” (مز 21: 13 س). أي سيخلص جميع بني إسرائيل (انظر رو11: 26)، لأن كل الجمع من الأمم سيسكن أولاً في المساكن الإلهية.

إذن، لا يسمح ناموس الطبيعة[1] بحدوث فساد ودمار شامل وعام، ولكنه يعلن إنَّ الغضب على العاصين، إنما هو ممزوجٌ بالوداعة، وفي نفس الوقت يستخدم الحرف للمعرفة عن طريق الأمثلة والنماذج. فالكائنات لا تُساق تمامًا نحو العدم، يسودها فسادٌ طائشٌ، لكنها تبقى بتعاقب الواحد من خلال الآخر، والواحد سيخلُصُ من خلال الآخر قياسًا بالقرابة والجنس اللذان ينتسبان إليهما. هكذا أبعد الله الهلاك الشامل عن مخلوقاته إذ مكتوب الآتي: ” فإنه خلق كل شيءٍ لكي يكون، وإنَّ خلائق العالم مفيدة وليس فيها سُمٌ مُهلكٌ، ولا مُلك لمثوى الأموات على الأرض؛ لأنَّ البِرَ خالدٌ ” (حكمة سليمان1: 14).

 

إذن، الحاجةُ هي إلى إعلانٍ إلهيٍ، وطبعًا إلى النبوات عن المسيح الذي منه وبه يخلُص كل ما هو موجودٌ في (حالة) الفساد، ومَن ساد عليه الموت يزدهر مرةً أخرى وينال الحياة؛ لأنَّ جذر الجنس البشرى قد هلك لأنه أتى من أُمٍ مثلما صار في حالة آدم، لكن كل الذين أتوا منها، أي نحن، ازدهرنا بموت المسيح وصرنا موجودين ومحفوظين آخذين المسيح الحياة والجذر الثاني للجنس البشرى.

بلاديوس: حديثك جميل ولطيف ومبدع!!

كيرلس: جديرٌ بنا أيضًا يا بلاديوس أنْ نضيف إلى ما قلناه الآتي:    ” لاَ تَنْصُبْ لِنَفْسِكَ سَارِيَةً مِنْ شَجَرَةٍ مَّا بِجَانِبِ مَذْبَحِ الرَّبِّ إِلهِكَ الَّذِي تَصْنَعُهُ لَكَ، وَلاَ تُقِمْ لَكَ نَصَبًا. الشَّيْءَ الَّذِي يُبْغِضُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ ” (تث16: 21 ـ 22).

 

لاحظ إذن، كيف أنَّ السجود للحق يبتعد تمامًا عن ضلال عبادة الأوثان، فلا يسمح إطلاقًا باستخدام عادات اليونانيين، ويأمرهم أنْ يُلقوا عن كاهلهم هذه العادات حتى لو كان حفظها لا يجلب تعاسةً.

بلاديوس: ماذا تريد أنْ تقول؟

كيرلس: يختار اليونانيون الأشجار التي تحمل فروعًا جيدة، وكل غابةٍ كثيفةُ الظلالِ يبنون فيها هياكل لتقدَّم فيها ذبائح إلى الشياطين. ثم يرتِّبون بعض المتع العالمية التي تشغل الذهن. لأن الضعف هو المرض الطبيعي للمزيِّفين. وفي مراتٍ كثيرةٍ يتجمَّلون بزينةٍ خارجيةٍ مثل النساء غير الفاضلات. لكن ما الذي يحتاجه المرء من زينةٍ خارجيةٍ إذا كان المذبح الإلهي يلمع بالجمال الحقيقي ولا يحتاج إلى زيناتٍ باطلة؟ لأن المذبح الإلهي لا يُقترب إليه بمسراتٍ عالمية، ولا بذهنٍ فاسدٍ ينشغل ـ فقط ـ بالجسديات، بل بذهنٍ يقظ يُحدِّق ـ فقط ـ ناحية الأمور العالية، أي إلى السماء.

 

ويمكنني أنْ أقول إنه لو حدث أنْ أُقيم مذبحًا إلهيًا على قطعةٍ من جذع شجرة، فإنَّ ذلك لا يُلحِق ضررًا بالسجود المستقيم والحقيقي للمخلص. لكن، ولأنَّ ذلك العُرف يونانيٌ تمامًا، فيجب أن يُهجر التشبُّه به، كما ـ بالضبط ـ لا يوجد بالنسبة لذهن المؤمن الثابت في معرفة الحق أيُ صنمٍ في العالم، وكما لا يرغب أيضًا في أنْ يأكل ما ذُبح للأوثان، وذلك لأجل ضمير الضعفاء من جهة الإيمان؛ لأنه يقول: ” أَقُولُ «الضَّمِيرُ»، لَيْسَ ضَمِيرَكَ أَنْتَ، بَلْ ضَمِيرُ الآخَرِ. لأَنَّهُ لِمَاذَا يُحْكَمُ فِي حُرِّيَّتِي مِنْ ضَمِيرِ آخَرَ؟ فَإِنْ كُنْتُ أَنَا أَتَنَاوَلُ بِشُكْرٍ، فَلِمَاذَا يُفْتَرَى عَلَيَّ لأَجْلِ مَا أَشْكُرُ عَلَيْهِ ” (1كو10: 29 ـ 30).

 

إذن، يوصي الله أنْ نتجنب محاكاة اليونانيين من جهة موضع الذبيحة ومن جهة سلوكيات إتمام الطقس الديني.

بلاديوس: أوافقك.

14 لا يقصد القديس كيرلس هنا الناموس بمعنى شريعة موسى، ولكنه يتكلم عن الناموس الذي وضعه الله للخلق واستمرار الحياة، ولذلك فهو يستشهد بعملية تعاقب الكائنات من خلال التناسل، فالفساد لم يطوح بالخليقة إلى العدم بغير رجعة، ولكن صلاح الله حال بين الخليقة وبين العدم؛ “لأن الخليقة أيضًا ستعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله” (رو 8: 21). (المترجم)

 

المقالة10 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم